الحقوق الاسلامية - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 09-04-2018, 02:43 PM   #1


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي الحقوق الاسلامية



بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الاول )

الموضوع : علاقة الرجل بزوجتة وعدم الاختلاط


حمد لله ربِّ العالمين، وأفضل الصلاة وأتمُّ التسليم على سيِّدنا محمَّد الصادق الوعد الأمين، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علماً، وأرِنا الحقَّ حقّاً، وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنَه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة المؤمنون، لا زلنا في الحديث النَّبويّ الشريف، ولا زلنا في باب حقِّ الزوج على المرأة. أحاديث نبوية في حقوق الزوج على زوجته
الحديث الأول:
ورد في هذا الباب حديثٌ شريفٌ، فعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ))
[ متفق عليه ]
فتنتان لا قبل للإنسان بهما: المال والنساء
الإنسان أحياناً مِن أين يؤخَذ ؟ إذا كان مُستقيماً على أمر الله، أين تزِلُّ قدمه ؟ من أين يؤخَذ ؟ كيف ينتكس ؟ كيف يُحجب عن الله ؟ كيف يتقهقر ؟ كيف يتراجع ؟ كيف يفقد اتجاهه إلى الله في صلاته ؟ كيف يفقد إقباله على الله ؟ كيف يشعر أنَّ عبادته تافهة لا معنى لها ؟ حينما تدخل في حياته امرأةٌ بطريقٍ غير مشروع.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( الْعَيْنُ تَزْنِي، وَالْقَلْبُ يَزْنِي، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا الْقَلْبِ التَّمَنِّي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ مَا هُنَالِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ ))
[ أحمد ]
الإنسان قد يزني بعينه، وقد يزني بلسانه، وقد يزني بأذنه، وقد يزني بيده، فهذه المُخالفات هي حجابٌ بين العبد وربِّه، بل لو سألنا إنسانا سؤالاً آخر: ما هي المزالق الخطيرة في طريق الإيمان ؟ أغلب الظنّ أنّ عامّة المسلمين لا يشربون الخمر، ولا يسرقون، ولا يقتلون، هذه الكبائر التي ذكرها الله عزَّ وجلّ في القرآن الكريم وذكرها نبيّه العظيم في سنّته، هذه الكبائر يبتعد عنها مُعظم المسلمين، ولكن هذا المسلم مِن أين يؤتى ؟ كيف ينتكس ؟ كيف تُصبح صلاته جوفاء ؟ كيف يُصبح صيامه لا معنى له ؟ يؤتى من بابين كبيرين، من باب النّساء، ومن باب كسب المال، لو تتبّعت المعاصي وتكرارها، واتّساع رُقعتها في ساحة النّفس الإنسانيّة، لوجدتَ أن أكبر مساحةٍ يشغلها حبُّ المال، وحبُّ النِّساء، لذلك أكبر مزالق الإنسان من جهة المال ومن جهة النّساء، بل إنّ النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الشريف يجعل المرأة أكبر خطرٍ على الإنسان، بمعنى أن تعصي الله بها، أيّة شهوةٍ أودعها الله في الإنسان، جعل لها طريقاً مشروعاً، جعل لها قناةً نظيفةً، ربُّنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * ﴾
( سورة المؤمنون )
أي مُعتدون، وإنه لعُدوانٌ أن تنظر إلى امرأةٍ لا تحِلُّ لك، وعُدوانٌ أن تُدير معها حديثاً، عُدوانٌ أن تتلطّف في مُحادثتها، هذا الذي يقطعُ عن الله عزّ و جلّ، فحين تقعُ عينك على امرأةٍ لا يحِلُّ لك أن تنظر إليها، وتستمرئ هذه النظرة، هنا بدأ الحِجاب، هذه هي تعليمات الصانع، ما من جهةٍ مؤهلةٍ أن تُقدّم لك التعليمات الصحيحة إلا الصّانع، لقول الله عزّ و جلّ: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾
( سورة البقرة )
أي أن التعليمات النّافعة لهذه الآلة من الصّانع، ﴿ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾
( سورة البقرة: من الآية 147)
والنبي عليه الصّلاة والسّلام أرسله خالقنا العظيم ليُبيِّن لنا تعليمات التّشغيل لهذه الآلة، يقول عليه الصّلاة والسّلام: (( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ))
لا بد من هامش الأمان بين العبد والمعصية
في بعض الأيام نظرةٌ، إذا لم يغُضّ الإنسانُ بصره كانت النّظرة سبيلاً إلى أكبر معصية، لذلك ربُّنا عزّ و جلّ في بعض الآيات يقول:
﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾
( سورة البقرة: من الآية 187)
وفي آياتٍ أُخرى يقول: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ﴾
( سورة البقرة: من الآية 229)
لماذا مرّةً: ﴿ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾
ومرةً: ﴿ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ﴾
هناك نوعٌ من المعاصي فيها جذبٌ، فكُلّ معصيةٍ تجذبك إليها بدافعٍ من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان، هذه المعصية يجب أن تدع بينك وبينها هامش أمان، لا بُدّ من أن تدع بينك و بينها هامش أمان حتّى تنجو منها، لذلك جاءت الآية: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾
تيّار فيه ستة آلف فولط، هذا التيّار حوله ساحة مغناطيسيّة عرضها ستّة أمتار، فأيُّ إنسان دخل إلى هذه الساحة جذبه هذا التيّار، وأحرقه، فإذا علمت أن هذا التيّار خطر، وأن حوله ساحة مغناطيسيّة لا تدخل إلى هذه الساحة، لأنّك إذا دخلتها جذبتك هذه الساحة إلى التيّار فاحترقت
معصية النّساء من هذا النّوع، تحتاج إلى هامش أمان، طريقٌ موبوء لا تمشِ فيه، صديقٌ مُغرمٌ بالزنى لا تُصاحبه، ولا تجلس معه، ولا تستمع إليه، قصّةٌ ماجِنة لا تقرأها، لقاءٌ مُختلط لا تأته، هذا هو هامش الأمان، لأنّ الله عزّ و جلّ يقول:

﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى ﴾
ولا تقربوا، أيْ يجب أن تدع بينك وبين الزنى هامش أمان، نظرةٌ، فابتسامةٌ، فموعدٌ، فلقاءُ.
(( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ))
ضع في ذهنك أن المرأة في الحرام لغمٌ مُتفجِّر، ربّما أطاح بدينك، ربّما أطاح بصلاتك، ربّما أطاح بوجهتك إلى الله عزّ و جلّ، ربّما أطاح بقُربك من الله عزّ و جلّ، أنت ذُقت طعم القُرب - المشكلة هنا - إذا ذاق المؤمن طعم القُرب حافظ على هذه الصِلة مهما بلغ الثّمن، أمّا إذا لم يذُق طعم القُرب، يرى أنّ أوامر الدّين عبئاً عليه، يرى أنّ الدين ثقيل، يرى أنّ الدين حِرمان، لكنّه إذا ذاق طعم القُرب من الله عزّ و جلّ فمن أجل الحِفاظ على هذا القُرب يضحي بكلّ غالٍ ورخيص، ونفسٍ ونفيس.
أحياناً يُوضع الإنسان في موقِفٍ حرجٍ، هذا الموقف يقتضي أن يُصافح، النبي عليه الصلاة و السلام يقول:
(( إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ ))
[ أحمد عن أميمة بنت رقيقة ]
أيُّهما أغلى عليك اتّصالك بالله أم أن تنجو من انتقاد بعض المُنتقدين، ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ ﴾
القضيّة قضيّة موازنة، كلمة " الله أكبر" تعني: أنّك إذا رأيت أنّ الله أكبر من كلّ شيء، من كلّ هدف، من كلّ غاية، عندئذٍ تنضبط على أمر الله، حديثٌ يدعو إلى الوقوف والتّأنّي.
علاقة اتباع الشهوات بإضاعة الصلاة
ربّنا عزّ و جلّ ماذا قال عن المسلمين في آخر الزمان ؟ قال: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾
( سورة مريم: الآية 59)
لماذا أضاعوا الصّلاة ؟ لأنّهم اتّبعوا الشّهوات، لماذا اتّبعوا الشّهوات ؟ لأنّهم أضاعوا الصّلاة، هناك علاقةٌ ترابطيّة، تارةً تكون إضاعة الصّلاة سبباً لاتّباع الشّهوات، وتارةً يكون اتّباع الشّهوات سبباً لإضاعة الصّلاة، وربُّنا سبحانه و تعالى يقول:
﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾
حينما يتّبعون الشهوات يُضيّعون الصّلاة، و حينما يُضيّعون الصّلاة يتّبعون الشهوات، هذا كلام الخالق، هذه قوانين حتميّة الحدوث،
﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾
اتّباعٌ للشهوات، إضاعة للصّلاة، تحمّل البغي والعُدوان، والغيّ والضّلال.
أحياناً ندخل إلى محطّة وقود، يوجد مكان لوضع إعلان، يُمكن كتابة كلمات عديدة في هذا الإعلان، لو فرضنا كُتِب في هذا الإعلان: يُرجى أن تقف في الدّور، مُمكن، لو كُتِب في هذا الإعلان: يُرجى المُحافظة على نظافة المحطّة، كذلك إعلان مقبول، لكن هذا الإعلان ليس خطيراً، أمّا إذا كُتِب على هذا الإعلان: ممنوع التدخين، التدخين شيء مصيري قد يُحرِق المحطّة كُلّها، فهذا إعلان من نوع خاص، قد نكتب مكان هذا الإعلان ألف إعلان، كلّها لا تُقدّم و لا تؤخر، لكن إذا كتبنا في هذا الإعلان: ممنوع التدخين، فإنّ هذا الإعلان متعلّق بمصير هذه المحطّة، و ربّنا عزّ و جلّ في القرآن حينما يقول لك:
﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
( سورة النور: من الآية 30 )
لا خيار للمؤمنين أمام أمر الله ونهيه
هذا أمر يُقدّم و يؤخّر، أمر مصيري، أمر يتعلّق بإقبالك على الله، إمّا أن تُقبِل إذا طبّقتَه، وإمّا أن تنقطع إذا خالفته، فكلّ أمرٍ في القرآن، وكلّ نهيٍ في القرآن هما أمرٌ ونهيٌ مصيريّان، يُحدّدان مصير علاقتك بالله عزّ وجلّ، لأن الآية الكريمة تقول: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
( سورة الأحزاب: من الآية 36 )
أنت لك الخيار في المُباحات، بين هذا البيت وهذا البيت، بين هذه الفتاة وهذه الفتاة، تخطب هذه أو تلك، بين أن تعمل بهذه الوزارة أو بهذه الوزارة، بين أن تكون موّظفاً أو تاجراً، بين أن تُمضي أسبوعاً في هذا المصيف أو في هذا المصيف، هذا الخيار، لكنّك إذا عرفت الله عزّ وجلّ فليس لك خيارٌ فيما أعطى الله فيه حُكماً، ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
الآن بعض أنواع اللباقة والذوق الاجتماعي أن تُرحِب بامرأةٍ، أن تستقبلها في البيت، ولو أنّ الزوجة غائبة، لباقةً، تقول: هذه أخت زوجتي، هذه بنت عمّي، هذه بنت خالتي، معقول أن أرُدّها، مثلاً، هذه اللباقة، والذوق الرفيع في مُعاملة النّساء، هذا قد ينتهي بالإنسان إلى القطيعة عن الله عزّ و جلّ، هذه مُجاملة يُروّج لها إبليس، لكنّ المؤمن وقّافٌ عند حدود الله، الحلال ما أحللت، والحرام ما حرّمت، فإذا أحبّ المؤمن أن يُحافظ على هذه الصِلة بينه وبين الله، فليحفظ حدود الله، وإذا هان الله على النّاس هان النّاس على الله، يقول لك: الماء قليل، والأسعار مُرتفعة، وهناك ضائقة أحياناً، هذا كلام يُترجمه القول الشهير: هان الله عليهم فهانوا على الله، وهؤلاء لا يُبالون أحياناً أن هذا الأمر يجوز، أو لا يجوز، أو حرام، حلال، مسموح، أو غير مسموح، فيه معصية أو ليس فيه معصية، قال له: يا رسول الله عظني و أوجز، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( قُل آمنت بالله، ثمّ استقم ))
[ ورد في الأثر ]
قال بدوي للنبي عليه الصلاة والسلام: عظني وأوجز، وفي حديثٍ آخر عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ: قُلْ:
(( آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ ))
[ مسلم ]
قال أريد أخفّ من ذلك - هذه ثقيلة - فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (( إذًا: فاستعِدّ للبلاء ))
إذا تعاملت مع الله بقواعد واضحة ترتاح وتُريح، ربّنا عزّ و جلّ إمّا أن تأتيه طائعاً أو أن يسوقك إليه بالسلاسل، سلاسل المصائب، فإمّا أن تأتيه طوعاً، مُبادرةً، رغبةً، طمعاً، شوقاً، و إمّا أن يُؤتى بك إليه على أثر مُشكلة، على أثر مرض، على أثر ضائقة، على أثر ضغط، فالبطل هو الذي يأتيه طائعاً: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾
( سورة فصلت: الآية 11 )
لأن الله خلقنا ليُسعدنا، هذا كلامٌ قطعيّ، فإمّا أن تقبل أن تسعد باختيارك، وإمّا أن تُساق إلى هذه السعادة بشكلٍ أو بآخر، لذلك الآية الكريمة:

﴿ لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ ﴾
( سورة البقرة: من الآية 284 )
إذا وجد مرض نفسي، إن أبديته أو أخفيته تُحاسب عليه، كيف المُحاسبة ؟ ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ﴾
( سورة البقرة: من الآية 284 )
إن أقبلت عليه طواعيّةً يغفر لك، وإن أدبرت عنه، تُؤتى إليه من خلال مُضايقةٍ فعندئذٍ يُغفر لك أيضاً لكن على أثر عذابٍ لا على أثر إقبالٍ، المغفرة: إمّا أن تكون على أثر إقبال أو على أثر عذاب. ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة البقرة: من الآية 284 )
يقول لك الطبيب: إمّا أن تستعمل الدّواء أو أن نجري لك عملية، الآن الدواء مُجدٍ، لكن بعد فترة لا بُدّ من عملٍ جراحي، أنت مُخيّر، فالإنسان يجب أن يقبل بالدواء قبل أن يُعالج بالجراحة، فإذا انطلقت من حبّك لذاتك، إذا انطلقت من حرصك على سلامتك، إذا انطلقت من رغبتك في كمال وجودك، في بقاء وجودك، فأطع الله عزّ و جلّ، لأنه: ﴿ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
( سورة الأحزاب: من الآية 71)
الفائز بين مقاييس القرآن ومقاييس البشر
انظر إلى نظر الناس الآن، يقولون لك: هذا فلان هنيئاً له، عنده أرض ارتفع سعرها ثمانين ضِعفاً، قيمُ النّاس المال، فمن حاز المال بحجمٍ كبير وجهدٍ يسير، النّاس يرمقونه بأبصارهم، وإذا اشترى الإنسان بيتاً فخماً مريحاً في موقعٍ ممتاز، زيّنه تزيينات رائعة، أيضاً الناس يهنئونه، ويُثنون على شطارته وعلى ذوقه.
وإذا تقلّد الإنسان منصباً رفيعاً، أيضاً يهنئونه، وإذا أنجب أولاداً مُتفوّقين في مقياس الدّنيا يُهنّأ، هذه مقاييس البشر.
لكنّ البطل هو الذي يبحث عن مقياس الله عزّ و جلّ، مقياس الله عزّ و جلّ شرحه الله في القرآن الكريم، قال:
﴿ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
( سورة الأحزاب: من الآية 71)
هل أنت مؤمن بهذا المقياس.
أضرب مثلاً للتقريب: لو أن صديقاً لك كان على مقعد الدراسة معك، وعمل بعملٍ حرّ فأصبح يملك ألوف الألوف، بل ألوف الملايين، وهو مُتفلّت من أمر الله، وأنت مستقيم على أمر الله، ولا تملك إلا قوت يومك، هل تشعر بأنّك محروم ؟ أو بأنّ هذا الصديق تفوّق عليك، وفاز عليك ؟ إن شعرت هذا فأنت لا تعيش هذه الآية، قد تفهمها، ولكن لا تعيشها، قد تفهم معناها، ولكن لا تعقلها، لا تعقل الآية إلا إذا عشتها، المؤمن الحقّ: يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقى في النّار، المؤمن الحقّ يقول: ليس في الأرض من هو أسعد منّي إلا أن يكون أتقى منّي، و لو كان طعامه خشناً، ولباسه خشناً، هذا الإيمان، الإيمان أن تسعد بمعرفة الله، أن ترى أن الهدى هو كلّ شيء، وأنّ الدنيا كلّها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، وأنّ الله عزّ و جلّ إذا تجلّى على قلب الإنسان نسي الدّنيا وما فيها، ولا تنس خُطبة النبي عليه الصّلاة والسّلام:
(( إنّ هذه الدّنيا دار التواء لا دار استواء ))
[ ورد في الأثر ]
الدنيا لا تستقم لأحد
سبحان الله ! لا تستقيم الدنيا لإنسان، يأتيه المال ويفقد الطّمأنينة، تأتيه الطّمأنينة ويفقد المال، يأتيه المال والطّمأنينة ويفقد الزوجة الصّالحة، تأتيه الزّوجة الصّالحة ويفقد الأولاد الأبرار، يأتيه أولاد أبرار وليس له دخل يكفيهم، يأتيه دخل يكفيهم وأولاده أشرار، كلّ شيءٍ على ما يُرام لكن صحّته معلولة، إنّ هذه الدّنيا دار التواء -هكذا النبي قال - لا دار استواء، لا تستوي، مُحال أن تستقيم لك الأمور كلّها، رُكّبت على النّقص، رحمةً بنا لأنّه لو تمّت لكرهت لقاء الله عزّ و جلّ، لركنت إليها، لو جاءت الأمور كما تشتهي فهذه أكبر مصيبة، يقول الله عزّ و جلّ: عبدي، خلقت لك ما في السّماوات والأرض، ولم أعيَ بخلقهنّ، أفيُعييني رغيفٌ أسوقه إليك كلّ حين، و عزّتي و جلالي، إن لم ترض بما قسمته لك، فلأُسلّطنّ عليك الدّنيا، الدّنيا تأتيك من كلّ جهة، فلأُسلّطنّ عليك الدّنيا تركض فيها ركض الوحش في البرّية،ثمّ لا ينالك منها إلا ما قسمته لك، و كُنت عندي مذموماً،أنت تريد،و أنا أريد، فإذا سلّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، و أن لم تسلّم لي فيما أريد، أتعبتك فيما تريد،ثمّ لا يكون إلا ما أريد
إذا كان الإنسان مُنحرفًا، غارقا في المعاصي، وتأتيه الدنيا من كلّ جهة، هذه ليست نِعمة، ولكنّها نَعمة: ﴿ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴾
( سورة الدخان: الآية 27 )
هذه ليست نِعمة، و لكنّها نقمة، يقول ابن عطاء الله السّكندري: " ربّما أعطاك فمنعك، وربّما منعك فأعطاك "، أحياناً يمنعك، فإذا منعك عن الدّنيا تتّجه إليه فتسعد بقربه، فيكون الخلاص بالحرمان من الدّنيا، وقد تأتي الدّنيا كما تريد فتكون حجاباً بينك وبين ربّ العزّة:
(( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ))
[ متفق عليه ]
هذا أوّل باب خطر، في بعض المرّات فلان لا يأتي إلى الدّرس، فما هو السّبب ؟ زار أقرباءه فالتقى بإحدى قريباته اللاتي لا ينبغي أن يراهُنّ، من حديثٍ إلى حديث تعلّق بها، قام ليُصلّي فرأى في نفسه تكاسلاً، شعر بالمُخالفة والمعصية، استمرأ هذه العلاقة وذلك التّكاسل حتى انقطع عن الله عزّ وجلّ، حالات كثيرة جدّاً سبب انقطاع الإنسان عن الله، و ن مجالس العلم أحياناً، أنّه وقع في مُخالفة متعلّقة بالنّساء، ولو على مستوى النّظر، أو مستوى الكلام، أو مستوى الحديث، حتى على هذا المستوى هذه معصية تقطع عن الله عزّ وجلّ.
الحديث الثاني:
بشارةٌ قالها النبي عليه الصّلاة و السّلام للنّساء كافّةً، أو للنّساء المؤمنات، عن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتْ الْجَنَّةَ ))
[ الترمذي عن أم سلمة ]
لأن رضاء الزّوج ربع دين المرأة، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ ))
[ أحمد ]
طاعة الزوج في المعروف سبب دخول الجنة
فطاعة الزّوج وإرضاؤه فيما لا يُغضب الله عزّ وجلّ، هذا يكفي كي تدخل المرأة الجنّة، وقلّما تجد رجلاً راضياً عن زوجته كلّ الرضى، و لو تعلم المرأة حقّ الزوج ما قعدت ما لم يحضر طعامه أو غذاؤه، لكن طبعاً الزوج المؤمن، لأن الزوج المؤمن يعرف حقّ المرأة أيضاً.
هذا الحديث رواه الترمذي، وقال حديثٌ حسن.
الحديث الأوّل مُتّفقٌ عليه، وهو أعلى درجة من الصّحة، ما اتّفق عليه الشّيخان الإمام البخاري والإمام مسلم، وهذا الحديث كأنّه ضوء أحمر خطر، اجعل هذا الحديث بالقلم الأحمر: (( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ))
[ متفق عليه ]
وجوب اتخاذ الأسباب لاتقاء فتنة النساء
فالإنسان يستعين بغضّ البصر، يستعين بترك الأماكن الموبوءة، يستعين بترك رفقاء السّوء، بترك الحفلات المُختلطة، بترك مكان فيه امرأة لا تخشى الله عزّ وجلّ، بقطع العلاقة مع كلّ قريبة لها تطاول من حيث الاختلاط مع الرّجال، هذا كلّه من أجل الحفاظ على الدّين







 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ

التعديل الأخير تم بواسطة السعيد ; 09-05-2018 الساعة 09:23 AM

رد مع اقتباس
قديم 09-04-2018, 08:03 PM   #2


مداد اليراع غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1184
 تاريخ التسجيل :  Jul 2018
 أخر زيارة : 11-11-2022 (08:05 PM)
 المشاركات : 25,611 [ + ]
 التقييم :  6439
لوني المفضل : Cadetblue


افتراضي رد: الحقوق الاسلامية



اللهم انك انت الحي القيوم الغني ونحن الفقراء اللهم ثبتنا ووفقنا لطريق رضاك عنا ياارحم الراحمين

اخي تبارك الله جهد اسأل الله ان يجزل لك الأجر والمثوبة امين امين


 
 توقيع : مداد اليراع

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-05-2018, 07:21 AM   #3


ناصح أمين غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 760
 تاريخ التسجيل :  Jul 2016
 أخر زيارة : يوم أمس (05:48 AM)
 المشاركات : 6,453 [ + ]
 التقييم :  5039
لوني المفضل : Cadetblue


افتراضي رد: الحقوق الاسلامية



لك مني كل الثناء والتقدير، بعدد قطرات المطر، وألوان الزهر، وشذى العطر، على جهودك الثمينة والقيّمة.
أزكى التحايا وأجملها وأنداها وأطيبها.. أرسلها لك بكل ودّ وإخلاص.
فجزاك الله عنا أفضل ما جزي العاملين المخلصين
وبارك الله لك وأسعدك أينما حطت بك الرحال



 
 توقيع : ناصح أمين

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-05-2018, 08:47 AM   #4


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الحقوق الاسلامية



تسلم اخى مداد على تواصلك الدائم وجزاك الله كل خير


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-05-2018, 08:48 AM   #5


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الحقوق الاسلامية



تسلم اخى ناصح على تواصلك الدائم وجزاك الله كل خير


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-05-2018, 08:51 AM   #6


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الحقوق الاسلامية



بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الثانى )

الموضوع : قوامة الرجل و حقوقة على زوجتة






الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
آية قرآنية أصل في حقوق الزوجين
ننتقل أيها الإخوة في رياض الصالحين إلى بابٍ جديد، هو الباب الخامس والثلاثون، وعنوان الباب: حق الزوج على المرأة، وكما هي عادة الإمام النووي مؤلِّفُ الكتاب ـ رحمه الله تعالى ـ حيث يبدأ الباب بآيةٍ قرآنية متعلقةٍ بأحاديث هذا الباب، قال الله تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾
( سورة النساء: الآية34 )
1- لا خيار للمؤمن أمام أمر الله ونهيه
الحقيقة أن الإنسان أمام كتاب الله جلّ وعلا، وأمام سنة رسول الله له موقف، هذا الموقف موقف التعبد، هذا أمر إلهي، أنت مخير في أمور الدنيا ؛ كمؤمن مخير أن تسكن في هذا البيت، أو في هذا البيت، أن تتزوج هذه المرأة أو تلك المرأة، أن تعمل عملاً حراً أو عملاً وظيفياً، لكنك كمؤمن صادق إذا كان هناك أمرٌ في القرآن فإنه: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
( سورة الأحزاب: من الآية 35 )

إذا وُجد توجيه قرآني، حكم رباني، أو أمرٌ، أو نهي، في كتاب الله واضح الدلالة، قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، فأنت كمؤمن ليس لك خيار، فربنا سبحانه وتعالى هو الصانع، وهو الذي صمم نظام الزواج، هذا الزواج أو هذه الأُسرة لها نظام، من لوازم نظامها أنه لابد لها من قائد، والسؤال الآن: لماذا يعصي الناس ربهم ؟ والله هذا سؤال مهمٌّ، معظم الناس غارقون في المعصية، هناك توجيهات قرآنية، هناك توجيهات نبوية لا أحد يُقيم لها وزناً، أي ينساق وراء نزواته وشهواته، وساعةً يقوده الهوى، وساعةً تقوده المصلحة، وساعةً يقوده التقليد الأعمى، أما أن يتحرك الإنسان وفق أمر الله تماماً، أو ينتهي عما نهى الله عنه تماماً فهذا يحتاج إلى شيءٍ آخر.
الحقيقة أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما دعا إلى الله في مكة بقي ثلاثة عشر عاماً يدعو إلى معرفة الله، بعدئذٍ نزل التشريع، فكأن الطريقة المُثلى أن تعرف الآمر أولاً، ثم الأمر ثانياً، فإذا كان أمر الله بين يديك في الكتاب والسنة، ولم تعرف الآمر معرفةً كافية يسهُل عليك أن تخالف أمر الله عزّ وجل، يسهل عليك أن تعصيه، يسهُل عليك ألا تنتهي عما عنه نهاك، لأنه مجموعة أوامر في الكتاب والسنة، لكنك إذا عرفت من هو الله عزّ جل ماذا يعني أن تعصيه ؟ إذا عرفت ما عند الله من إكرام، ما عند الله من عقاب، إذا عرفت الله حق المعرفة، أي أن يُقَطع الجسم إِرباً إرباً أهون من أن تخالف أمر الله عزّ وجل.
2- لا بد للزواج أن يكون مبنيا على شرع الله
لذلك الزواج في الإسلام هو شيء رائع جداّ، لكن إذا كان الزواج في جو من عدم التطبيق من أمر الله عزّ وجل يغدو جحيماً، لأن الزوجة تبتغي حظ نفسها، والزوج يبتغي حظ نفسه، وكلاهما وقد تتصادم هذه الحظوظ، ومن تصادمها تأتي المشكلات يأتي الشقاق، والنفاق يأتي الخصومات، لذلك شيءٌ مهمٌ جداً أن تعرف من هو الآمر، كما قال سيدنا بلال: << لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت >>.
3- في الحياة ثوابت
في بالي مقدمة قبل أن أمضي في شرح هذه الأحاديث المتعلقة بحق الزوج على المرأة، هناك أشياء ثوابت في الحياة، فهذا الكون أليس كوناً عظيماً ؟ أي لو نظرت إلى المجرات لهالك هذا النظر لرأيت الأرض وما حولها من كواكب سيارة لا تعدو نقطةً في فراغ، فهذه المجرات التي تزيد على مَليون مليون مجرة، وفي كل مجرة ما يزيد على مليون مَليون نجم، والمسافات بين النجوم لا يعلمها إلا الله، وهي مسافاتٌ خيالية، هذا الكون بمجراته، بكازاراته، بمذنباته، هذا الكون بما فيه من آياتٌ دالةٍ على عظمة الله لمن سخره الله عزّ وجل ؟
أليس هناك آياتٌ في كتاب الله محكماتٌ تؤكد أن الله عزّ وجل سخر هذا الكون للإنسان ؟ بلا شك إطلاقاً وبكل تأكيد الكون مسخر للإنسان، والدليل: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
( سورة الجاثية: من الآية 13 )
4- ماذا عليك أن تقدمه مقابل تسخير الله الكون لك ؟
فإذا كان هذا الكون كله مسخرا لي كإنسان، ماذا يُطالِبُني الله عزّ وجل ؟ يجب أن يكون هناك مطالبة بقدر هذا التسخير، فإذا أعطينا إنساناً أعلى راتب في الدولة، معنى هذا أنه هناك مسؤوليات كبيرة أمامه، إذا أعطيناه ميزات كبيرة جداً، معنى هذا أن مقابل هذه الميزات مسؤوليات، هذه النقطة الدقيقة، أي أن هذا الكون كله بما فيه، فكم من أنواع الأشجار ؟ وكم من أنواع الأزهار ؟ وكم من أنواع الأطيار ؟ وكم من أنواع الأسماك ؟

هذا الجسد بما فيه من أجهزة، من عضلات، من قلب، من رئتين، بما حولك من بيئة، ومن ظروف، من سماء، من هواء، من ماء، من بحار، من نجوم، من أطيار، هذا الكون كله مسخرٌ للإنسان، ماذا يقتضي هذا التسخير ؟ أن تعبد الله عزّ وجل، إذاً: أنت مقابل هذا الكون العظيم مكلفٌ أن تعرفه معرفةً عظيمة، وهذه المعرفة العظيمة من لوازمها أن تطيعه طاعةً تامة، ومن نتائج هذه الطاعة التامة أن تسعد في الدنيا والآخرة، أي أن الهدف الأكبر من خلق السماوات والأرض، ومن خلق الإنسان هو أن يُسعدك في الدنيا والآخرة، هذا هو الهدف الأكبر، ولكن هذه السعادة لا متناهية، وهي تحتاج إلى عملٍ طيبٍ جداً منه وطاعةٌ وبذلٌ، هذا العمل الطيب يحتاج إلى معرفة طيبة، وهذه المعرفة الطيبة تحتاج إلى كون عظيم، هذا الكون العظيم هدفه أن تعرف الله من خلاله، هذه سلسلة ؛ كونٌ معجز، إذا تأملت فيه عرفت أن هناك إلهاً عظيماً لا حدود لعظمته، وأنه سخر لك هذا الكون لتعرفه ولتحبه، فإذا عرفته حق المعرفة أطعته حق الطاعة، إذا أطعته حق الطاعة سعدت بهذه الطاعة في الدنيا والآخرة.
لذلك عندما يمر معك أمرٌ، الآن أنت كزوج أو كزوجة إذا مر أمرٌ قرآني فالقضية خطيرةٌ جداً، هذا الأمر تنفيذٌ جزئيٌ لما يتوجب عليك تجاه خالق الكون الذي سخر لك الكون كله، هذه هي العقدة، فأنت تجد إنساناً لا يبالي بأمر الله عزّ وجل، الله هين عليه، وأمره هين، ومعصيته هينة، ومخالفة أمره هينة، وأن يخرق حدوده، فهذا شيءٌ سهلٌ بسيط، يقول لك: لا تدقق، ولا تعقدها، والله غفور رحيم، ونحن عبيد إحسان، ولسنا عبيد امتحان، والله عزّ وجل لا يضع عقله بعقلنا ويحاسبنا، فهذا كله كلام الجهلة، لكن ربنا عزّ وجل حينما خلق هذا الكون من أجلنا، فهو ينتظر منا أن نعرفه معرفةً صحيحة، وينتظر منا أن نشكره، فإذا عرفناه، وشكرناه فمن لوازم المعرفة والشكر الطاعة التامة، الطاعة التامة تنتهي بالسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة، من هنا جاء توجيه الله عزّ وجل: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾
( سورة النساء: من الآية 34 )
5- قوامة الرجل على المرأة
أي أن هذه الأُسرة كسفينة ومركبة لها قائد واحد، لابد من أحد الطرفين أن يكون هو القائد، فربنا عزّ وجل قال: ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
( سورة النساء: من الآية 34 )
لقد جعل الله عزّ وجل الرجل متكاملاً مع المرأة، فالرجل والمرأة متساويان في التكليف وفي التشريف، في التكليف ؛ أي كلاهما كُلِّف بمعرفة الله عزّ وجل، وفي طاعته، وفي التقرب منه، والرجل كالمرأة في التشريف، أما التكليف في بقية التكاليف فهما مختلفان كالجهاد والجمعات وغيرها. ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾
( سورة الأحزاب: من الآية 35 )
إلى آخر هذه الآيات، أي من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أُنثى فاستجاب لهم ربهم: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ﴾
( سورة آل عمران: من الآية 195)
6- الرجل والمراة: أوجه التشابه والاختلاف
المرأة والرجل متساويان في التكليف وفي التشريف، لكن هناك بونٌ شاسعٌ بين بُنية المرأة وبُنية الرجل، المرأة لها بنيةٌ نفسية، ولها بنيةٌ جسدية، ولها بنيةٌ عقلية، تتناسب مع أعظم وظيفةٍ خلقها الله من أجلها وهي رعاية الأطفال، والرجل له بنيةٌ عقليةٌ خاصة، وله بنيةٌ نفسيةٌ خاصة، وله بنيةٌ جسميةٌ خاصة، تتناسب مع دوره في الأسرة لكسب الرزق، ولإدارة دفة هذه السفينة، ولاتخاذ القرار لبُعد الرؤية، إذاً: هناك تكامل، فربنا عزّ وجل اختار الرجل على علمٍ وعلى تصميمٍ دقيق ليكون هو قائد هذه الأسرة، إذاً: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
الرجل عقله يغلب عاطفته، الرجل بُعد نظره أشد من بُعد المرأة في النظر، المرأة تنظر إلى ما يحيط بها، تنظر إلى المظاهر بشكلٍ يلفت النظر، لكن الرجل ينظر إلى حقيقة الحياة، فلا تعنيه المظاهر بقدر ما تعنيه جوهر الحياة، وليس هذا انتقاصاً من المرأة، فالمرأة لها دور، والرجل له دور، ولكل منهما مكانة عند الله، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما قال للمرأة:
(( اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))
[ ورد في الأثر ]

فوالله هناك امرأة صائمة قائمة مطيعة لزوجها تعدل ألف رجل، ألف بل عشرة آلاف، أو مئة ألف، فالقضية عند الله بالاستقامة والعمل:
﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾
أي أن الرجل له القِوامة، وله الإدارة، وله الإشراف، وله القرار، وله القِيادة، إلا لو كان هو قد تخلى عن القيادة لزوجته مثلاً، تدخل هي على المحل قبله، وتتكلم، وهو يبقى ساكتا، هو لدفع الثمن، هناك حالات هو يتخلى عن دوره، وهذا بحث ثانٍ، أما ربنا عزّ وجل فقد صمم الأُسرة بنظام فقال: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾
يروي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه في إدارته لشؤون الرعية اتخذ قراراً من أحد الأشخاص، يبدو أن زوجته رضي الله عنها سألته في ساعة سرور أن هذا الرجل ما شأنه ؟ سؤال فقط، ولماذا فعلت معه هكذا ؟ وهي لم تتدخل في شؤونه، ولم تطلب منه توقيف هذا القرار، ولم تطلب منه اتخاذ قرار آخر، ولم تطلب العفو عنه أبداً، بل إنما سألته: ما شأن هذا الرجل ؟ فما كان منه رضي الله عنه إلا أن قال لها: << يا أمة السوء، وما شأنك أنت بهذا ؟ >>، وما علاقتك أنت بهذا الأمر، خليفة المسلمين يسمح لامرأة أن تتدخل بشؤونه ؟ امرأة على العين والرأس، ولها مكانةٌ عظيمةٌ جداً عند الله، لكن في دائرة اختصاصها، لذلك: " رحم الله عبداً عرف حده، فوقف عنده، ولم يتعد طوره ".
إذاً: ﴿ فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
هنا بمعنى أن الله آتى الرجل قوةً في العضلات، قوةً في الجسم، وآتاه قوةً في العقل، وآتاه قوةً في العقل على حساب العاطفة، لأن بعض المواقف يقتضي القسوة أحياناً، بعض المواقف تقتضي الجُرأة، المرأة بحكم عاطفتها الغالبة قد لا تستطيع أن تقف موقفاً متيناً من قضية مُعينة.
7- التعليل القرآني لقوامة الرجل على المرأة
الآن: ﴿ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾
ربنا عزّ وجل ذكر تعليلين.
أول تعليل: ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
والتعليل الثاني: بما أنفقوا من أموالهم.
9- من صفات المرأة الصالحة
الآن: ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ ﴾
( سورة النساء: الآية 34 )
أي طائعات، هذه المرأة الطائعة حافظةٌ للغيب، أي تحفظ نفسها في غيبة زوجها، تحفظ نفسها وماله، أي أن أعلى صفة في المرأة أنها إذا غِبت عنها حفظتك في نفسها وفي مالك، في نفسها أي لا تسمح لأحدٍ أن ينظر إليها، ولا أن يكلمها كلمةً: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ﴾
( سورة الأحزاب: من الآية 32 )
هناك نساء في غيبة أزواجهن يفتحن الباب لإنسان طرق الباب، ويحدثن هكذا بطلاقة، ولا يتحفظن باللباس أمامه، يفتحن الباب على مصراعيه باستهتار، فهذه لم تحفظ نفسها، وهذه كأنها تدعوا الناس إليها، وهذه كأنها على وشك أن تخون زوجها، لكن المرأة المؤمنة: ﴿ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ ﴾
لذلك في المغرب عادات طيبة جداً، إذا طُرِق الباب فتعيد الطرق على الباب من الداخل، أي نحن هنا فتكلم ما تريد، أما أهلاً وسهلاً، تفضل الآن سيأتي، ارتح، وادخل لنقدّم لك فنجان قهوة، هذه ليست مسلمة، فالمرأة المسلمة تحفظ نفسها في غيبة زوجها، لذلك عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
(( إِنَّ عِنْدِي امْرَأَةً هِيَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَهِيَ لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ، قَالَ: طَلِّقْهَا... ))
[ النسائي ]
هذه المرأة التي لا تحفظ نفسها في غيبة زوجها لا تُؤتَمن، وهناك مفهوم عند النساء خاطئ، أنها شريفة، ولا أحد أن يستطيع أن يكلمها، ولا أحد يستطيع أن يتطاول معها، لكنها تظهر هكذا على الشُرفات من غير احتياط، ومن غير تستر، هذه التي تُبرز مفاتنها للناس ليست شريفة بالتأكيد، هذه التي تعرض مفاتنها على الناس باستهتار هذه ليست مسلمة، وإن صلت، وصامت، وزعمت أنها مسلمة، فالمرأة المسلمة: ﴿ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ ﴾
أي تحفظ نفسها في حضرة زوجها، وفي غيبة زوجها، وتحفظ ماله، أي أن البخل في هذا الموطن من صفات المرأة الفاضلة، لأن هذا المال مال زوجها هو الذي ينفق: ﴿ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾
هذه المودة بين الزوجين، لذلك الوصية المرأة الثابتة لابنتها: " يا بنيتي، خذي عني عشر خِصال تكن لك ذخراً وأجراً، الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتفقد لموضع عينه، والتعهد لموضع أنفه ؛ فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، والتعهد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه ؛ فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مبغضة، وإياك والفرح إن كان تَرِحاً، والترح إن كان فرحاً، فإن الأُولى من التقصير، والثانية من التكدير، ولا تعصي له أمراً، ولا تُفشي له سراً، إنك إن عصيت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره..." إلى آخر الوصية.
المرأة: ﴿ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾
( سورة النساء: من الآية 34 )
هذا معنى الآية الكريمة: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾
فإذا هو كان أقل منها وراًع، وأقل منها علماً، وأقل منها بُعد نظر، ولم ينفق من ماله عليها شيئا، والله هي القوَّامة عليه، فإذا كان هو أعلى منها في الورع والعلم والتُقى والصلاح وأنفق من ماله عليها ملك القِوامة، فإن لم يفعل كانت هي التي تنفذ أمرها، وهو لا يحير جواباً.
آحاديث نبوية في حقوق الزوجين
أول حق للزوج على المرأة كما قال عليه الصلاة والسلام:
الحديث الأول:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ تَأْتِهِ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ ))
[ متفق عليه ]
هذا الحديث متفقٌ عليه أي رواة البخاري ومسلم، والحديث واضح، وفي روايةٍ للبخاري ومسلم أنه:
(( إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ ))
أي أن الزواج أساسه هذا اللقاء بين الزوجين، فإذا ابتعدت عن زوجها، وهجرت فراشه لعنتها الملائكة حتى تصبح طوال الليل ز
يتفرع من هذا الحق أنه لا يحل لامرأةٍ أن تصوم وزوجها شاهد، طبعاً صيام النفل، أما صيام الفرض فلا تستأذنه، صيام الفرض لا يحتاج إلى إذنٍ قط لأنه:
(( لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزّوجَلَّ ))
[أحمد عن ابن مسعود]
مهما يكن هذا المخلوق، كأب يقول لابنه: برضاي عليك طلقها، ما هذا ؟ تطليقها ظلم، فهي زوجةٌ فاضلة، أي رضا هذا ؟ (( لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزّوجَلَّ ))
حيث ما كان الأمر مخالفاً لأمر الله عندئذٍ الرضا والغضب يستويان.
الحديث الثاني:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ، وَلا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلا بِإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ ))
[ متفق عليه ]
ما معنى شاهد ؟ أي مقيم في البيت، أما لو أنه مسافر فلها الحق أن تصوم صيام النفل من دون إذنه، أما إذا كان شاهداً أي مقيماً فإنه سوف يجيء الظهر إلى البيت.
(( وَلا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلا بِإِذْنِهِ ))
أي أن تأذن لرجلٍ أو امرأة بدخول البيت من دون إذنه فهذا لا يجوز، دخول الأشخاص إلى البيت يحتاج إلى إذن الزوج، لو فرضنا الزوج أعطى تعليمات: لا أسمح لكِ أن يدخل بيتي ابن عمك، هذا طبعاً لا يجوز بغيابه، فتدخله وتقول: والله جاء من سفر فاستحييت منه، فهذا كلام فارغ هذا، هذا البيت له قيادة، والقيادة بيد الزوج فإذا منعها من مخالفة أمر الله عزّ وجل يجب أن تمتنع، وإذا منعها من ألا تخالف أمر الله عزَّ وجل يجب أن تمتنع.
الحديث الثالث:
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ ))
[ سنن الترمذي، وقال حديثٌ حسن ]
أي أن زوجها المؤمن راضٍ عنها، أي أنها تقوم بحقه قياماً تاماً ؛ ترعى أولادها، وترعى حقوقه، وترعى حاجاته، إذاً وفرت لهذا الزوج الطمأنينة، وفرت له راحة البال، وفرت له الراحة النفسية، جعلته ينطلق في عمله، جعلته ينتج، جعلته عضواً نافعاً في المجتمع، أما هذا الإنسان القلق في بيته فطوال الليل مشاحنات وبغضاء، هذا إذا انطلق إلى عمله لا ينتج، لأنه شارد البال، فهذه المرأة التي توفِّر لزوجها الراحةً النفسية وطمأنينة فهذه امرأة شريكته في الأجر، يقولون: " ما من عظيم إلا وراءه امرأة "، لكن امرأة صالحة، وهذا الكلام له معنى مقبول، أن الإنسان عندما انطلق في العمل الصالح، وعندما انطلق في خدمة المجتمع معنى ذلك أن باله مرتاح، قال الله عزّ وجل: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾
( سورة محمد )

من وفر له هذه الراحة ؟ أنا عندما أقرأ كتاباً أعجب، لأنّ أكثر الكتب يهدي المؤلفون الكتاب إلى زوجاتهم، والله معهم حق، فقد يكتب: إلى التي وفرت لي هذا الجو، وهو جو التأليف، إلى التي وفرت لي هذا العمل العلمي الهادئ، وإذا كان طول النهار في مشاكسات بينه وبينها فلا يوجد تأليف، يتوقف التأليف، يجب أن يكون هناك هدوء، وراحة بال، ومسالمة، وموادعة، وشعور متبادل بمعرفة قدر الآخر، فهذا الذي يقوله عليه الصلاة والسلام:
((أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ ))
المشكلة هي إذا أرادت المرأة أن ترضي ربها بخدمة زوجها، وإذا أراد الرجل أن يرضي ربه بخدمة زوجته، هذا هو الوضع الأمثل، أي أنه حينما تُعامل إنساناً لذاته قد لا يستحق، هناك أزواج لا يستحقون معاملة طيبة، وهناك زوجات لا تستحق إحداهن المعاملة الطيبة، فإذا أراد الزوج أن يعاملها على عملها، أو أرادت هي أن تعامله على عمله وقع الخصام والشقاق، لكن إذا أراد الزوج أن يتقرَّب إلى الله بالإحسان إليها، وإذا أرادت هي أن تتقرب إلى الله بالإحسان إليه، نشأت السعادة الزوجية، لذلك أي زواجٍ يبنى على طاعة الله يتولى الله التوفيق بين الزوجين.
بالمناسبة، وهذه كلمة عابرة قد لا تكون لها علاقةٌ متينةٌ بالدرس، لكن أحب أن أقولها، غض البصر من قِبل الزوج ومن قِبل الزوجة له دورٌ كبير في التفاهم الزوجي، لأن عندما يرى الله عزّ وجل هذا المؤمن يغض بصره عن الحسناوات في الطريق خوفاً من الله عزّ وجل، فأول مكافأة له أنه يوفِّق بينه وبين زوجته، تجد أن هذا الزوج يحب زوجته، وهي كذلك، فغض البصر من قِبل الزوج ومن قِبل الزوجة له دور في توفير السعادة الزوجية، وهذا الشيء مهم جداً، لأن ربنا عزّ وجل يقول: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ﴾
(سورة النور)
أي إذا ظننت أيها الرجل أنك إذا نظرت إلى المرأة الأجنبية، وتمليت من محاسنها هو أزكى لك، فأنت مُخطئ، خالقك مربيك، ومسيّرك يقول لك: ﴿ ذّلِكَ أَزْكَ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾
أي أكثر راحةً لك، والمكافأة سريعة في نفس اليوم، أحياناً تكون المكافأة بعد شهر، المكافأة في نفس اليوم، حيث أن كلما بالغت في غض البصر وجدت في البيت السعادة الزوجية، والحقيقة أن السعادة الزوجية شيء مهم جداً، فإذا كان الإنسان مرتاحاً في بيته فإنه يمكن أن ينطلق في عمله ويُبدع، أما إذا كان في بيته معذبا، وفي بيته نكد ومشاحنة انعكس ذلك سلبًا على حياته العملية، فمن الحكمة البالغة أن الإنسان يحسن معاملة زوجته، قال ربنا عزّ وجل: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
( سورة النساء: من الآية 19 )
الحديث الرابع:
أمر إلهي، الله عزّ وجل يأمرك أن تعاشرها بالمعروف، واستوصانا بالنساء خيراً، استوصانا بالضعيفين المرأة واليتيم، استوصانا بالنساء، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( خَيْرُكُمْ خَيرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي ))
[سنن الترمذي ]
(( ما أكرمهن إلا كريم، ما أهانهن إلا لئيم، يغلبن كلَّ كريم، يغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً، لا أن أكون لئيماً غالباً ))
[ ورد في الأثر ]
فلذلك المؤمن ينبغي أن يفعل ذلك.
(( أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ))
واللهِ من بعض السنوات كنت حاضراً في تعزية في حي الميدان، وبحسب معلوماتي أن الزوجة توفيت عن ثمانين عاماً، والزوج عمره خمس وتسعون سنة، فوجدته يبكي بكاء مراً، في هذا السن يبكي، وعندما انتهت التعزية بدأ الحاضرون يواسونه فقال: "ولم لا أبكي ؟ والله عشت معها خمسة وأربعين عاماً ما نمت ليلةٌ واحدة وأنا غاضبٌ عليها ".
يقول لك رجل آخر: " والله لا يوجد يوم انبسطت معها "، حتى اتفق أحدهم مع زوجته فقال لها: يوم للخصام ويوم للراحة، في يوم الراحة قالت له: غداً الخصومة، فحضر نفسك.
(( أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ ))
الحديث الخامس:
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ ))
[مسند أحمد ]
أي أن طاعة الزوج ربع دينها.
الحديث السادس:
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إِلا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ: لا تُؤْذِيهِ، قَاتَلَكِ اللَّهُ، فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكَ دَخِيلٌ، يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا ))
[ سنن الترمذي ]
لا يجوز إغاظة الزوجة
(( لا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا ))

سبحان الله ! أنا أعجب أشد العجب كيف أن زوجاً أحياناً يتمنى أن يغيظ زوجته ؟ ينطلق بشكل واضح ومركز كي يغيظها، وكيف أن امرأةً تفكر في أن تغيظ زوجها ؟ هذا الوضع مَرَضي، لأنه خلاف الآية الكريمة:
﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾
( سورة الروم: من الآية 21)
انظر إلى تصميم ربنا عزّ وجل، التصميم أن تسكن إليها، وأن تكون بينك وبينها المودة والرحمة، هذا تصميم ربنا، ما الذي يحدث ؟ تريد أن تغيظه ؛ يوم الجمعة الغسيل بأصعب وضع، مع توجيهات أن ضايقيه، هذا منتهى الحمق، ومنتهى الغباء، ومنتهى البعد عن الله عزّ وجل، لا يصح لامرأة أن تغيظ زوجها، ولا يصح لزوجٍ أن يغيظ زوجته، يقع خصام، ويقع سوء تفاهم، هذا شيء طبيعي، لكن لا ينطلق الإنسان من خلاف عفوي إلى خلاف مقصود، لا ينطلق من خلاف عفوي إلى خلاف مُركز.
نصيحتان غاليتان للمتزوجين
النصيحة الأولى:
والنصيحة التي أُقدِّمها لكل أخ، طبعاً لا يوجد زوجين من غير مشكلة إطلاقاً، هذا كلام غير واقعي، فهذه النفس غير هذه النفس، لها طلب، وهذا الطلب هو لم يوافق عليه، فصارت المشاحنة، أي أن هذا الشيء لابد منه.
فَعَنْ أَنَسٍ قَالَ:
(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ، فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ، فَانْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ، وَيَقُولُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ، ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ ))
ومرة كسرت صحناً، جاءها طعامٌ من عند ضرتِها فكسرت الصحن، والنبي عليه الصلاة والسلام عاتبها.
وسيدنا عمر جاءه شخص يشكو امرأته فسمع صياحاً فرجع، فسمع صوت طرق الباب، ذهب فرأى شخصاً راجعاً، فناداه، وقال له: <<تعال، لماذا جئتني ؟ فقال له: جئتك أشكو مما أنت منه تشكو >>.
هذا شيء طبيعي، ولكن الإنسان لا ينطلق من إغاظة الزوجة، فهذا لا يجوز، وهي بالمقابل لا تنطلق من إغاظة زوجها فتكون قد خالفت الآية الكريمة، خالفت نص القرآن الكريم.
النصيحة الثانية:
﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ ﴾
تكون عندك فتنشأ مشكلة، أول كلمة يطردها إلى بيت أهلها، وفي بيت أهلها تغذية، هناك خالتها وعمتها، وابنة خالتها وأختها الصغيرة، وأختها الكبيرة، فيقولون لها: ماذا تريدين منه، وأنت تستحقين أحسن منه ؟ كان الأمر بسيطاً جداً، ويحل في يوم أو يومين، الآن وصل الأمر إلى الطلاق، وعندما لا يخبرونه بعد جمعة أو جمعتين يمتلئ من الغيظ، وهي أيضاً تمتلئ من الغيظ لأنه لم يخبرها، وهذه حلقة مُفرغة ومضحكة، هي تنتظر أن يتصل بها، وهو ينتظر أن تتصل به، وكل واحد منهما ركبه الشيطان، وأخذ منه كل مأخذ، وابتعد عن الآخر
أليس الأحسن أن تبقيها عندك في البيت وثاني يوم تتصالحون ؟ وأنا أعني ما أقول بالضبط، أن أكبر مشكلة بين الزوجين تنتهي بعد أيام نهاية طبيعية إذا بقيت الزوجةُ في بيت زوجها، وأصغر مشكلة بين زوجين قد تنتهي بالطلاق إذا خرجت من بيت زوجها، فالأب العاقل لا يستقبل ابنته وهي غضبى، بنفس الليلة يحل الموضوع، يرجعها إلى بيت زوجها ويصالحهم، ولا يطمعها، يقول لها: صدر البيت لكِ، كلي واركلي السفرة برجلك، هذا الكلام كله سخيف، أنا سمعت أن السلف الصالح إذا كانت ابنته غاضبة من زوجها، فيتفق مع الأم ؛ اليوم تعزلي البيت، وغداً تعملي مجدرة، وثاني يوم نعمل لك مشكلة، حتى تجد هذه الابنة أن بيت زوجها أفضل من بيت أهلها، فهناك آباء عقلاء جداً، إذا رأوا أن البنت حردت، ويوجد خِصام فيريها معاملة قاسية، ويريها اشمئزازاً، ويريها الخشونة في المعيشة، وأعمال مُرهقة، وخصام مُفتعل، وتمثلية بالخِصام، كي تكره الابنة أن تأتي إلى بيت أهلها، وهذه هي الحكمة.
وهناك آباء يطمِّعون بناتهم، يقولون لها: ماذا تريدين منه اتركيه، غيظيه، هكذا حتى يقع الطلاق، وبعدها تقع المشكلة، فهذا كله من معاناة المجتمع المسلم، وهناك جهل كبير جداً.
أحياناً تجد أماً لا ترضى إلا وأن تبقى مسيطرة على ابنتها بعد الزواج، تجعل حياة ابنتها جحيماً بيدها، هذه أُم ؟ لذلك: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ يَدْخُلُهَا الْفُقَرَاءُ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ، إِلَّا أَهْلَ النَّارِ فَقَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَوَقَفْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ ))
[ أحمد ]
يجب أن يأخذ الرجل احتياطاً، الحقُ هو أن تقف على الحق تماماً، إذاً:
((لا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إِلا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ: لا تُؤْذِيهِ، قَاتَلَكِ اللَّهُ، فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكَ دَخِيلٌ، يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا ))
ألم يقل أحد الصحابة عندما طلبت منه زوجته ما فوق طاقته، قال لها: << اعلمي يا أمة الله، أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الدنيا لغلب ضوء وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أُضحي بكِ من أجلهن أهون من أن أُضحي بهن من أجلكِ >>.
هذه المرأة يجب أن تعرف حجمها وحدها.
وعن أُسامة بن زيد رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال:
(( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ ))
[صحيح مسلم ]
أي أن المرأة أكبر مأخذ للشيطان، وإن إبليس طلاعٌ رصاد.
وما هو من فخوخه ـ عنده شباك كثيرة، فخوخ جمع فخ ـ وما هو من فخوخه بأوثق لصيده في الرجال من النساء ".
إن أضخم فخ عنده للرجال النساء، فليتقِ الله الإنسان، وليبتعد عن مواطن الشُبُهات.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-05-2018, 08:55 AM   #7


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الحقوق الاسلامية



بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الثالث )

الموضوع :حق الانفاق عليها وحقها بعدم الاساءة لها وحسن المعاشرة



حمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. مقدمة
أيها الإخوة الأكارم، قبل عدة أسابيع عقد مرَّ معنا فصلٌ في رياض الصالحين حول حق الزوج على زوجته، وذكرت وقتها مجموعة من الأحاديث الشريفة حول حق الزوج على زوجته، وقد وعدتكم إثر ذلك الدرس أن أتحدث في درس قادم عن حق الزوجة على زوجها، لأن أساس نجاح الإنسان في الحياة سعادته الزوجية، والإنسان قد ينزعج من بيته، بإمكانه أن يغيره، وقد ينزعج من عمله، وفي إمكانه أن يبدله، وقد ينزعج من مركبته، وفي إمكانه أن يبدلها.
الاصل في العلاقات الزوجية المودة والرحمة

لكن الحياة الزوجية حياة مصيرية، بمعنى ؛ أنك إذا رزقت من هذه الزوجة بأولاد فإن الفراق يعني تشرد الأولاد، فلهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام حريصاً حرصاً لا حدود له على أن يكون الوفاق بين الزوجين تنفيذاً للمخطط الإلهي الذي يبدو من قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
( سورة الروم: الآية 21 )
إن الأصل في العلاقات الزوجية المودة والرحمة، هذا هو التخطيط الإلهي هذا هو الوضع الطبيعي، هذه هي الصحة النفسية بين الزوجين، فلو أن بين الزوجين مشاحنة أو بغضاء، أو جفاء، إن هذا حالة مرضية تقتضي المعالجة.

حرص النبي عليه الصلاة والسلام على سلامة الحياة الزوجية
إن النبي عليه الصلاة والسلام حرصاً منه، وقد أنبأنا الله عز وجل بأنه حريص علينا. ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة التوبة: 129 )
من حرصه صلى الله عليه وسلم على أن يكون في كل بيت مسلم، أن يكون في كل بيت من بيوت المسلمين سعادة مظللة، من حرصه هذا عليه الصلاة والسلام وجهنا توجيهات كثيرة فيما يتعلق من حقوق الزوج على زوجته، وحقوق الزوجة على زوجها.
الحقيقة أن الأزواج دائماً يتحدثون عن حقوق الزوج على زوجاتهم، هذا من قبيل أن الأحاديث في مصلحتهم، ولكن لكل حق واجب، فإذا كنت تعتز بما قاله النبي عليه الصلاة والسلام من حق على امرأتك، فيجب أيضاً أن تلقي أذناً صاغية، أن تصيغ السمع إلى الأحاديث الأخرى التي تتحدث عن حق الزوجة على زوجها، كما أنك تبدي اهتماماً بالغاً بالأحاديث التي تتعلق بحق الزوج على زوجته يجب أن تلقي بالاً، وأن تصيغ السمع، وأن تلقي أذناً مصغية لحقوق الزوجة على زوجها، والبحث قد لا يكفيه درس واحد، لكن نبدأ هذا الموضوع في هذا الدرس، وعلى الله التوفيق.
واجبات الزوج نحو زوجته: الاطعام والكسوة
الحديث الأول:
الاحسان في الكسوة والطعام

النبي عليه الصلاة والسلام بيّن في بعض الأحاديث الشريفة أن أول حقٍّ للزوجة على زوجها أن يحسن إليها في كسوتها، وطعامها هذا الحق الأول.
عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ حَيْدَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ: مَا حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ ؟ قَالَ:
(( تُطْعِمُهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ... ))
[ أحمد ]
ِلكن العلماء قنّنوا أن هذا الإحسان في الكسوة وفي الطعام يجب أن يكون في الحدود المعتدلة، تطبيقاً لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ﴾
( سورة الإسراء: 29)
الإنفاق له حد معتدل، إذا زاد عن هذا الحد انقلب إلى الضد، وكان الفساد في الأرض.
لا لإرضاء الزوجة بمعصية الله
في الحديث إشارة خطيرة جداً، هؤلاء الذين يتحملون معصية ربهم من أجل إرضاء زوجاتهم ما قرؤوا هذا الحديث، ما كلفك الشرع أن تطعمها طعاماً لا تستطيعه، أن تطعمها إذا طعمت، إذا طعمت فأطعمها، أما إذا لم تقدر أن تأكل ما تشتهي فلا عليك شيء، لذلك كانت الصحابيات الجليلات يخاطبن أزواجهن قبل أن يغادر أزواجهن البيت، تقول له: يا فلان، نصبر على الجوع، ولا نصب على الحرام.
إنّ أيّ إنسان يقول لك: أنا أفعل هذا من أجل زوجتي، من أجل أولادي، من أجل أن أرضيها، يجب أن أحصنها، يجب أن أرضيها لا، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: أن تطعمها إذا طعمت، يعني لا ينبغي للزوج أن يأكل ما لذا وطاب، وأن يجعل طعام زوجته في مستوى أدنى، أن يطعمها إذا طعم، أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت.
(( وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ ))
لأن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان في وجهه، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ضرب الوجه، فقال عليه الصلاة والسلام: (( وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ))
وإذا ذكر الله فأمسكوا ولا تضرب الوجه، ولا تقبح بالكلام، هذا من حقها عليك:
(( تُطْعِمُهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ ))
يجب أن تبقى في البيت، لأنها إذا بقيت في البيت فالقضية سهلة الحل، أما إذا انطلقت إلى بيت أهلها، طردتها من البيت فالأمر يتفاقم، وقد ينتهي إلى الطلاق.
والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾
إذاً: الله عز وجل أمر الزوج أن ينفق على زوجته بقدر ما أعطاه الله، إذا وسع الله عليه ينبغي أن يوسع على عياله، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله ))
[ الجامع الصغير عن جبير بن مطعم ]
﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا ﴾
( سورة الطلاق: من الآية 7 )
الحديث الثاني:
وقد روى الإمام أحمد في مسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ ))
[ أبو داود وأحمد ]
يعني يكفيه هذا الإثم العظيم أن يضيع من يقوت، هؤلاء عيالهم مَن لهم ؟ ليس لهم إلا الزوج، فإذا ضيع هذا الزوج من يقوت فقد ضيع أهله، وقد ألجأهم إلى التطلع إلى غيره، وقد حملهم على بغضائه، وقد حملهم على كراهيته، لذلك العاقل إذا آتاه الله مالاً.
﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ﴾

من غير إسراف، ولا تبذير، ولا مخيلة.
الإمام مسلم في صحيحه روى حديثاً عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ... ))
[ مسلم ]
وفي رواية أحمد عن ِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( دينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، دِينَارٌ فِي الْمَسَاكِينِ، وَدِينَارٌ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ فِي أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الدِّينَارُ الَّذِي تُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِكَ ))
[ أحمد ]
أي في عتق رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، باب ثالث ودينار أنفقته على أهلك، من منكم يظن أو يتوقع أي هذه الدنانير الأربعة هي أفضل عند الله ؟
قال عليه الصلاة والسلام:
(( أَعْظَمُهَا أَجْرًا الدِّينَارُ الَّذِي تُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِكَ ))
الدينار الذي أنفقته على أهلك، لماذا ؟ لأنك إذا أنفقت دينارا في سبيل الله، ربما أنفق غيرك هذا الدينار، إن لم تنفق أنت أنفق غيرك، وإذا أنفقت دينار في عتق رقبة ربما أعتقها غيرك، وإذا أنفقت دينار على مسكين ربما أنفقه عليه غيرك، ولكنك إذا امتنعت على إنفاق المال على أهلك فمن ينفق عليهم ؟ من لهم غيرك ؟
أعيد عليكم رواية الحديث: روى الإمام مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده، واللفظ له:
(( دينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، دِينَارٌ فِي الْمَسَاكِينِ، وَدِينَارٌ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ فِي أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الدِّينَارُ الَّذِي تُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِكَ ))
فهنيئًا للذي يسعى، ويجد، ويكد، وينفق على أهله، هذا نفقة هي عند الله أفضل من الأنواع الثلاثة التي وصفها النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث.
الحديث الثالث:
وفي حديث آخر روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( أول ما يوضع في ميزان العبد نفقته على أهله ))
[ الجامع الصغير عن جابر ]
يجب أن تعلم الزواج جملة وتفصيلاً إنما شرع الله عز وجل من أجل أن يكون لك فرصة لعمل صالح تتقرب به إلى الله عز وجل، كيف أن الله سبحانه وتعالى خلق في الأرض معايش، وأبواب لكسب الرزق، هل رفع الحرارة، الحر باب من أبواب كسب الرزق، معامل المكيفات، معامل المراوح، المرطبات، هذا كله، هذا باب كبير من أبواب كسب الرزق، والبرد أيضاً باب من أبواب كسب الرزق، وطول الشعر باب من أبواب كسب الرزق، والمرض باب من أبواب كسب الرزق، وجرثومة تصيب بعض النباتات باب من أبواب كسب الرزق، مهندسون، وأخصائيون، وأدوية، ومرشات، واستيراد بضاعة، وتحويل ثمن البضاعة و... كله بسبب هذه الجرثومة التي خلقها الله من أجل أن تكافحها.
ربنا عز وجل جعل في الأرض أبواب للرزق لا تعد ولا تحصى، وفي المقابل جعل أبواب للعمل الصالح لا تعد ولا تحصى، إن من أعظم هذه الأبواب موضوع الزواج والأسرة، جهدك في عملك كسب الرزق.
(( من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفور له ))
[ الجامع الصغير عن المقدام بن معدي كرب ]
من أجل أن تنفق على زوجتك وعلى أولادك، من أجل أن تجعلهم يطمئنون إليك، ويلتفتون إليك، هذا كله من العمل الصالح.
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( أول ما يوضع في ميزان العبد نفقته على أهله ))
[ الجامع الصغير عن جابر ]
الزوج الصالح الذي يكسب مالاً حلالاً ينفق على أهله، يلبي لهم حاجاتهم، التدفئة، الأثاث المعقول، اللباس المعقول، الطعام المعقول، أنا أقول: المعقول من دون إسراف، ولا تبذير، ولا مخيلة، الشيء المعقول.
الحديث الرابع:
لا زلنا في الحديث عن حقوق الزوجة، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا سَقَى امْرَأَتَهُ مِنْ الْمَاءِ أُجِرَ ))
[ أحمد]
هذا تشجيع للزوج أن يقيم مودة بينه وبين زوجته، من خلال أن يرعاها، وأن يحفظها، وما إلى ذلك.
وفي حديث آخر:
(( وأن يضع الرجل اللقمة في فم زوجته هي له صدقة ))
[ ورد في الأثر ]
والعلماء قالوا: إن الزوج يجب أن ينفق على زوجته الموسرة، هذا حق، وإنْ كانت موسرة غنية، أو فقيرة، هذا ليس من شأنك، وإذا طابت لك عن شيء فكُلْهُ هنيئاً مريئاً، والعلماء قالوا: يُسمح للزوجة أن تدفع زكاة مالها لزوجها الفقير، لكنَّ الزوج لا يحِقُّ له أن يدفع زكاة ماله لزوجته، لكنَّ الزوجة الموسِرة يُمكِن أن تدفع زكاة مالها لزوجها.
الحديث الخامس:
روى الإمام البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ ))
[ البخاري ]
صدقة بكلِّ ما في هذه الكلمة من معنى.
ما هي أفضل الصدقات ؟
مثلاً: زوجته بحاجةٍ إلى معطفٍ في الشتاء، معطفها السابق لا يليق، يجعلها تشعر بأنها وضيعة، فاشتريت لها معطفاً يتناسب مع دخلك، ومع مستواها، إن هذا الذي تفعله يُعدُّ عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في نصِّ هذا الحديث صدقةً، وأعود و أُكرِّر: من دون إسرافٍ، ولا تبذيرٍ، ولا مخيلة، العلماء فرَّقوا بين الإسراف والتبذير، فالإسراف في الحلال، والتبذير في الحرام، والمخيلة هي الكِبر، أن تُطلِع الناس على ما عندك من أجل أن تجعلهم يتصاغرون، هذا أحد أنواع الفساد.
والإمام مسلمٌ في صحيحه أيضاً يروي حديثاً عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ))
[ مسلم ]
إذا كان أخوك المؤمن بحاجة إلى شيء، هذا عمل طيِّب جدّاً، لأنَّ المؤمن له مكانته، له كرامته، له مروءته، له حياؤه، له خجله، فإذا لبَّيت له حاجته، وحفِظت له ماء وجهه، وكففته عن السؤال، هذا عمل عظيم، فأفضل دينارٍ يُنفقه الرجل دينارٌ ينفقه على عياله، ودينارٌ يُنفقه على دابَّته في سبيل الله، ودينارٌ يُنفقه على أصحابه في سبيل الله.
ألا تعلمون أن إنفاق المال على الزوجة أحد أسباب القِوامة عليها، لقول الله عز وجلّ: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾
( سورة النساء: من الآية 34 )
الإنفاق من مقتضيات قوامة الرجل على المرأة
أحد أسباب القِوامة على زوجتك أنَّك تنفق عليها، فلو أنك امتنعت من الإنفاق عليها، شعرَت أنك لا تُنفِق عليها، وأنَّك تضِنُّ بمالك عليها، وعندئذٍ تستعصي عليك، وتبتعد عن تنفيذ أمرك، وقد تعصي، و قد تستفِزُّك، لأن أحد أسباب القِوامة أن تُنفِق على زوجتك، لذلك الزوجة التي لها دخلٌ - لا أقول: مُطلقاً - في الأعمِّ الأغلب، التي تشعر باستقلاليّتها عن زوجها كثيراً ما تُسيء مُعاملته، تقول لك: أنا أُنفِق على نفسي.
بالمناسبة ؛ أنت إذا طلبت من الله الرزق، لا تريد أن يأتيك رزقكَ عن طريق زوجتك، أطلب من الله أن يكون الرزق عن طريقك وحدك، هذا من فضل الله عز و جلّ، إذا قسم الله لك رزقاً حلالاً يكفيك، ويكفي أهلك كان أكثر عْونًا لك على إدارة هذه الزوجة.
العلماء يقولون: يسقط هذا الواجب - الإنفاق على الزوجة واجب - إذا فوّتت الزوجة على زوجها الهدف من الحياة الزوجية، وحينما تفوِّت الزوجة على زوجها الهدف الكبير من الحياة الزوجية يسقط حقُّها في الإنفاق عليها.
مثلاً: إذا امتنعت عنه، هو لماذا تزوَّج ؟ من أجل أن يُحصِن نفسه، فإذا امتنعت عنه سقط حقُّها في الإنفاق عليها، وإذا هجرت بيته، وذهبت إلى بيت أهلها يسقط حقُّها في الإنفاق عليها، وإذا خرجت من البيت من دون إذنِهِ يسقط حقُّها في الإنفاق عليها، لذلك المحاكم الشرعيّة تعُدُّ هذا نشوزاً من الزوجة، لا تستحِقُّ النفقة إلا إذا دُعيَت إلى بيت زوجها، فإذا أبَتْ يسقط حقُّها في الإنفاق عليها.
الحديث السادس:
عَن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى ))
[ البخاري ]
أي ما جعلتَ الذين تنفق عليهم في غنى.
(( وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ))
تقول المرأة لزوجها: إمّا أن تطعمني، وإمّا أن تطلِّقني، ويقول العبد: أطعمني، واستعملني، ويقول الابن: أطعمني، إلى مَن تَدَعُني ؟.
هذا الذي يبخل على زوجته أو على عبده أو على أولاده، هذا عند الله آثمٌ إثماً كبيراً، تقول له الزوجة: أطعمني أو طلِّقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني، إلى مَن تدعني ؟
الحقيقة أنّ بعض الفقهاء استنبطوا من هذا الحديث أن المرأة يجوز لها أن تطلب الفراق من زوجها إذا لم يُنفِق عليها، لعِلّة عدم الإنفاق، وعلماء آخرون آثروا أن تصبر المرأة على زوجها، فلا يُعقل أن تأخذ خيره حين كان دخله كبيراً، وأن تطلب الفراق منه إذا كبا به جواده، أو ضعفت قواه، أو قلَّ رزقه، ليس هذا من الوفاء، لذلك الأرجح أن تصبر المرأة على زوجها، لأن هذه بتلك.
وقد أجاز العلماء أن تستقرِض المرأة من أجل أن تأكل الأكل الأساسي الضروري على ذِمّة زوجها إذا امتنع من أن يُنفق عليها، فإذا يسَّر الله له وفّى هذا الدين، لقول الله عزَّ وجلّ: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة: الآية 280)
ويقول الله عزَّ و جلّ: ﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرا ﴾
( سورة الطلاق: الآية 7)
الشيء الذي أحبُّ أن أقوله لكم: الإنفاق يجب أن يكون باعتدالٍ في المسكن والملبس والمطعم والمشرب.
بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام فاطمة الزهراء جاءت أباها، طلبت منه خادمةً تُعينها على عمل البيت، فعَلِيٌّ أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَام شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْنَا، وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ، فَقَالَ: عَلَى مَكَانِكُمَا، فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي، وَقَالَ:
(( أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي ؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ ))
[ البخاري ومسلم]
النبي الكريم ما أحبَّ خادمةً لابنته فاطمة، هذا من باب الاعتدال.
الحقيقة هذا كلُّه عن الإنفاق على الزوجة، هذا أوَّل حقٍّ من حقوق الزوجة على زوجها، أن يُحسِن إليها في مطعمها ومشربها وكسوتها، وأن يُطعِمها إذا طعِم.
واجبات الزوج نحو زوجته: حسن المعاملة والعشرة
لكنَّ الحقَّ الثاني: والذي يبدو لي أخطر من الأوَّل، لأنَّه ما من بيتٍ إلا والطعام والشراب متوافرٌ فيه - في الأعمِّ الأغلب - ولكن المشكلة الآن في إساءة المعاملة، الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يقول في آيةٍ محكمةٍ واضحةٍ صريحةٍ لا تحتمل التأويل: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾
( سورة النساء: من الآية 19)
عن عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَّرَ، وَوَعَظَ، فَقَالَ:
(( أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ ـ العوان: جمع عانية أي ضعيفة، المرأة في الأصل ضعيفة ـ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا... ))
ما دامت هذه الزوجة لم تقترِف الفاحشة، وهي تحفظ نفسها، وتُطيع زوجها، وتُصلّي خمسها، و صوم شهرها، هذه زوجةٌ يجب أن ترعى حقوقها.
قال بعضهم: إنَّ المرأة التي تحبس نفسها على راحة زوجها حتى تكون لديه كالأسير، خروجها بإذنه، كلُّ علاقاتها منضبطة بموافقته، إذًا: هي كالأسيرة، مُقابل أنها أسيرةٌ عنده ينبغي أن يغمرها بالعطف والمودّة، والُّلطف والإحسان، ما دامت عندك أسيرة فيجب أن تعاملها معاملةً تُنسيها أنها أسيرة.
معنى المعاشرة بالمعروف
هذا من معاني:
﴿ وَ عَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾
العلماء فسَّروا المعروف تفسيرات كثيرة:
المعنى الأول:
من هذه التفسيرات: العفو والمُسامحة، هناك زوجٌ لا يعفو، استُرضيَ ولم يرضَ، اعتذَرَتْ له، توسَّلتْ إليه، رَجَتْهُ، هو حقود، إن كنتَ حقوداً، إن لم تُسامح، إن لم تعف، فأنت عاصٍ لله عزَّ و جلّ في نصِّ هذه الآية.
المعنى الثاني:
من معاني:
﴿وَ عَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾
نسيان الهفوات، وترك تتبّع العثرات، هذا من معاني:
﴿ وَ عَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾
المعنى الثالث:
من معاني:
﴿ وَ عَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾

العقوبة على قدرِ الذنب تماماً، تأديباً لا انتقاماً، أحياناً أزواج يستخدمون سلطتهم استخداماً تعسُّفيّاً لسببٍ تافه، لذنبٍ صغير، لهفوةٍ يحلف عليها بالطلاق و يطردها من البيت في منتصف الليل، لا، لا يجوز هذا، أساساً الحمقى لهم ردود فعلٍ عنيفة جدّاً، ردّ الفعل عنيف لا يتناسب مع الفعل، أمّا الموفَّقون في حياتهم الموصولون بالله، يُلقي الله في قلبهم الحكمة، فلا يُعاقب إلا بقدر الذنب، والنبي إذا كان أعرض عن زوجاته، فإذا كنت زوجاً ناجحاً جداً يجب أن يكون إعراضك عن زوجتك أكبر عقابٍ تعاقبها به، الإعراض فقط، أمّا السُباب والشتائم فإنك ستتلقَّى المثيل، ليس هذا من الحكمة، وليس من المعروف والإحسان، ولا من هذه الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة التي توصي الرجال بالنساء.
المعنى الرابع:
لكن أجمل تفسير لهذه الآية: ليست المُعاشرة بالمعروف كفُّ الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، لذلك تروي القصص أن رجلاً عنده زوجة سيئة جداً، فقيل له: طلِّقها يا أخي، قال: والله لا أُطلِّقها فأغُشَّ بها المسلمين، قد أُطلِّقها، ويأتي إنسان يتزوَّجها، إن فعلت هذا غششتُ بها المسلمين، فصبرُ الزوجة على زوجها أو صبر الزوج على زوجته بابٌ من أبواب الجنّة، هذه الدُّنيا دار ابتلاء لا دار استواء، منزِلُ تَرَحٍ لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عُقبى، فجعل بلاء الدُّنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدُّنيا عِوَضاً، فيأخُذُ ليُعطي، ويبتلي ليجزي.
إذاً: ليست المعاشرة بالمعروف كفَّ الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، والحِلم عند طيشها وغضبها، في بعض الأيام يختلُّ توازن الزوجة، فتتكلَّم بكلامٍ منه ما يُسمَع، ومنه ما لا يُسمَع.
النبي عليه الصلاة والسلام هو المثل الأعلى، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ:
(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ، فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ، فَانْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ، وَيَقُولُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ، ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ ))
[ البخاري ]
هو قدوتُنا، لا تصدِّق أن إنساناً لا يوجد بينه وبين زوجته بعض المشكلات، هذه سُنَّة الله في الخلق، ليمتحِن عفوك وحِلمك، وحكمتك وصبرك، واتّزانك وضبط نفسك، النبي عليه الصلاة والسلام كان قدوةً لنا، فكان يقف موقِف الحليم الرحيم من زوجاته، لا تُصدِّق أن النبي الكريم عنده زوجات لم يسمع منهن كلمة، بل كانت زوجاته يُراجِعنه الكلام، ويهجُرنَهُ إلى الليل أحياناً، وكان يحلُم عليهم، هكذا ورد في السيرة.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام ينزل إلى مستوى زوجاته، إلى مستوى عقولهنَّ، و قد ذكرت لكم من قبل كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام تسابق مع زوجته عائشة فسبقته لأنها شابّة، بعد سنوات تسابق معها فسبقها فقال: هذه بتلك، تعادُل، هذه بتلك.
النبي عليه الصلاة و السلام إذا دخل بيته بسَّاماً ضحّاكاً، فإذا كنت مرحاً، وكنت لطيفاً، وكنت ليّن العريكة مبتسماً، والله هذا شيء جميل، هذه أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام.
المعنى الخامس:
من حُسن المُعاشرة التي أمر الله بها أن تنظر إلى مزاياها إذا نظرت إلى مساوئها، لا يوجد إنسان كامل، وهناك أزواج يركِّزون على المساوئ فقط، بعض العيوب في شكلها، بعض العيوب في أخلاقها، في طباعها، لكنها حَصَان، عفيفة، شريفة، نظيفة، مِطواعة، يتجاهل ميِّزاتها، ويُبرز أخطاءها، ليس هذا من حُسن المُعاشرة.
المعنى السادس:
من حُسن المُعاشرة إذا نظرتَ إلى عيوبها، أو إلى بعض عيوبها، انظر إلى مزاياها أيضاً، هذا هو العدل والإنصاف، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ))
قال تعالى: ﴿ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾
[ سورة النساء: من الآية 19 ]
قد لا يُعجبك شكلها، لكن قد تُنجب لك أولاد أذكياء، موفَّقين، قد تكون الزوجة طيِّعة، قد تكون صبورة، قد تكون متواضعة، طلباتها معقولة، لو أنَّك تزوَّجتها كما تريد لأتعبتْك تعباً لا حدود له، فالله عزَّ و جلّ هو الحكيم، هو اختارها لك، اختياره، ألا ترضى باختياره ؟.
المعنى السابع:
من حُسن مُعاشرة الزوجة - هذه كُلُّها معاني حُسن المُعاشرة - أن لا تُسيء الظنَّ بها، هناك أزواج عندهم سوء ظنّ، طبعاً سوء الظنِّ ضروري و غير ضروري، ضروري إذا شككت بشيء، إنسان نبَّهك: انتبه، في منزلك حركة غير طبيعية، لا أنا حَسَن الظنِّ بزوجتي، فأنت إذا أجدب، إذا كان هناك ملاحظات، دلائل، ريب، فيجب أن تُسيء الظنّ و أن تبحث، لكن عندما لا يوجد أي دليل على وجود خطأ، ولا يوجد لفت نظر، عندها نهانا النبي عليه الصلاة والسلام عن أن لا نُسيء الظنّ بالزوجة، لأنّ إساءة الظنِّ بالزوجة يُحطِّمها، يُفقدها معنويَّاتها، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن سوء الظنِّ بها، وأن يتَّبَّع زوجها عوراتها.
مثلاً: دخل إلى البيت فجأةً من دون أن يطرق الباب، جاء من سفر فداهم البيت مُداهمةً فجأةً، هذا يعني أنه يشُكُّ بها ؟
هذا يفعله من يُسيء الظنَّ بزوجته، فالنبي كان إذا قَدِمَ من سفر أعلم أهله قبل أن يدخُل البيت، هكذا علَّمنا النبي عليه الصلاة والسلام، الآن هناك هاتف، أخبرهم من المطار أنك وصلت، أمّا المُداهمة، والمُفاجأة فتعني أنَّك تشُكُّ بها، لذلك ورد في الحديث عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
(( نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَطْرُقَ أَهْلَهُ لَيْلًا ))
[ البخاري ]
أن يطرُق أهله ليلاً يتخوَّنهم - كأنّه يتخوَّنهم - أو يطلب عثراتهم، لأن هذا يوَفِّر الأمن للزوجة والسلام، ويوَفِّر لها كرامتها ومودَّتها معك.
كلُّ هذه المعاني مُستنبطة من آيةٍ واحدة:
﴿ وَ عَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾
ربَّما كان هذا الحقّ أبلغ من حقِّ الطعام والشراب، لا يوجد بيت ليس فيه طعام وشراب، والزوجة تأكل طعاماً خشناً، ولا تحتمل أن تُسيء الظنَّ بها، تأكل طعاماً خشناً، ولا تحتمل أن تكون قاسياً معها، تأكل أخشن الطعام، ولا تحتمل أن تهجرها، لذلك حُسنُ العُشرة مع الزوجة ربّما كان مُقدَّماً على واجب الطعام و الشراب.
و هناك حقوق كثيرة للزوجة، لأنه كما قُلت في بداية الدرس: الأزواج يطرَبون طرباً لا حدود له لحقوق الزوج على زوجاتهم، يقول لك اللهم صلَّ عليه... هكذا قال...هكذا قال... اصبر، هناك أحاديث أخرى، كما أن لك عليها حقّ، لها عليك حقّ، والإنسان إذا عرف ما له و ما عليه و أعطى كلّ ذي حقٍّ حقَّه، ساد السلام في البيت.
بقي علينا نماذج من مواقف النبي عليه الصلاة والسلام، الآن ننتقل إلى السيرة المتعلِّقة بهذا الموضوع.
نماذج نبوية في معاملة الزوجة
الحديث الأول:
عَن عَائِشَةَ قَالَتْ:
(( لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ بِحِرَابِهِمْ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ ))
[ متفق عليه ]
تطييباً لخاطرها.
الحديث الثاني:
وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:
(( كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ ـ يعني بالدُمى ـ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي ))
[ متفق عليه ]
هناك من يتزوَّج بنتاً صغيرة، فتقول له: أريد لعبة، فيسُبُّها، اجلب لها لعبة، وحُلَّ المشكلة، فالسيدة عائشة تقول: (( كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ ـ أي بلعب الأطفال ـ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي ))
فالنبي يسمح لهُنَّ فيلعبنَ معي، بموافقته، هذا تطييبٌ لخاطرها، فإذا كانت زوجتك صغيرة، وطلبت منك شوكولا مثلاً فلماذا الانزعاج ؟ حنَّت إلى طفولتها، هكذا فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُريدها في سنٍ صغيرة و عقلٍ كبير.
الحديث الثالث:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ: أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ، قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ ـ أي هذا الأمر صحيحٌ ـ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ ))
[ متفق عليه ]
الحديث الرابع:
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إِلَى النِّسَاءِ، تَعْنِي فِي مَرَضِهِ فَاجْتَمَعْنَ فَقَالَ:
(( إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدُورَ بَيْنَكُنَّ، فَإِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ تَأْذَنَّ لِي فَأَكُونَ عِنْدَ عَائِشَةَ فَعَلْتُنَّ، فَأَذِنَّ لَهُ ))
[ أبو داود ]
انظر إلى الأدب، ما رضي أن يبقى عند عائشة إلا بعد أن جمع نساءه كُلَّهُنّ، واستأذنهُنَّ في ذلك، لأنها لها حقّ.
الحديث الخامس:

عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي الْبَيْتِ ؟ قَالَتْ:
(( كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ ))
[ البخاري ]
كان إذا فَرَغَ كان في خِدمة أهله - أي يُساعدهم في أعمال البيت - من دون أن يشعُر أنه مُهان، كان في مَهنة أهله، فكان يحلِبُ شاته، ويكنُسُ أرضه، ويخصِف نعله، وكان في مَهنة أهله.


الحديث السادس:
فعَنْ أَنَسٍ قَالَ:
(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ، فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ، فَانْفَلَقَتْ ـ أي انكسرت ـ فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ، وَيَقُولُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ، ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ ))
[ البخاري ]
كان عادلاً، تلك أرسلت صحناً جديداً فكُسر، فأرسل لها صحناً بدلاً عنه.
كان عليه الصلاة والسلام لا يسمح لزوجةٍ من أمّهات المؤمنين بأن تقول عن الأخرى من زوجاته كلمة نقص في مجلسه، لا يسمح أبداً، هناك شخص يسمح لزوجته الأولى أن تتكلّم عن الثانية، يقول لها: والله معك حقّ، ثُمَّ يذهب مساءً إلى البيت الثاني فتتكلم زوجته الثانية عن الأولى، فيُصغي لها، النبي عليه الصلاة والسلام لا يسمح لزوجةٍ من أمّهات المؤمنين بأن تقول عن الأخرى من زوجاته كلمة نقص في مجلسه،
الحديث السابع:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ:
(( مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا، وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ، وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا، كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ ))
[ الترمذي ]
الحديث الثامن:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ ))
[ البخاري ]
الحديث التاسع:
وفي رواية عن سَمُرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ، وَإِنَّكَ إِنْ تُرِدْ إِقَامَةَ الضِّلْعِ تَكْسِرْهَا، فَدَارِهَا تَعِشْ بِهَا ))
العملية تحتاج إلى مُداراة.
الحديث العاشر:
وفي روايةٍ أُخرى في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( الْمَرْأَةُ كَالضِّلَعِ، إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ ))
الحديث الحادي عشر:
و في روايةٍ لمسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا ))
[ مسلم ]
الحديث الثاني عشر:
في خِتام هذا الدرس، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( خِيارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ ))
[ ابن ماجه ]
قصة وعبرة: أشكو مما منه تشكو
بقيت قصّةٌ قصيرة: كان أعرابيٌّ يُعاتِبُ زوجته، فعلا صوتُها صوتَه، فساءه ذلك منها، وأنكره عليها، ثُمَّ قال: و الله لأشكوَنَّكِ إلى أمير المؤمنين عُمَر، وما أن كان بباب أمير المؤمنين ينتظر خروجه حتى سمِع امرأة أمير المؤمنين تستطيل عليه، وتقول له: اتَّقِ الله يا عُمَر فيما ولاّك، و ساكتٌ لا يتكلَّم، فقال الرجل في نفسه و هو يهُمُّ بالانصراف: << إذا كان هذا هو حال أمير المؤمنين، فكيف حالي أنا ؟، و فيما هو كذلك خرج عمر، ولمّا رآه قال: ما حاجتك يا أخَا العرب ؟ فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين، جئتُ إليك أشكو خُلُق زوجتي، واستطالتها عليّ، فرأيت عندك ما زهّدني إذ كان ما عندك أكثر مما عندي، فهممتُ بالرجوع، وأنا أقول: إذا كان حال أمير المؤمنين مع زوجته، فكيف حالي ؟ قال، فتبسَّم عمر رضي الله عنه و قال: يا أخَا الإسلام، إنّي احتملتها لحقوقٍ لها عليّ ـ إنّي احتملتها، أنا قادر أن أكون لئيماً، وأن أحطِّمها، ما أكرمهُنَّ إلا كريم، ولا أهانهُنَّ إلا لئيم، يغلِبنَ كلَّ كريم ويغلبهُنَّ لئيم، وأنا أحبُّ أن أكون كريماً مغلوباً لا أن أكون لئيماً غالباً ـ قال له: يا أخا العرب، إنّني احتملتها لحقوقٍ لها عليّ، إنّها طبّاخةُ لطعامي، خبّازةٌ لخُبزي، مُرضعةُ لأولادي، غاسلةٌ لثيابي، وبقدر صبري عليها يكون ثوابي، ألا يكفي هذا الكلام من سيّدنا عمر ؟ وبقدر صبري عليها يكون ثوابي >>.
وللبحث بقيّة في درسٍ قادم


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-05-2018, 08:59 AM   #8


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الحقوق الاسلامية



بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الرابع )

الموضوع : حقها فى هدايتها ورعاية دينها واخلاقها




اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الخبير، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
مقدمة
أيها الإخوة المؤمنون، لازلنا في حقوق الزوجة على زوجها
ويبدو أن الإنسان إذا أدى ما عليه من حقوق وجد الطريق إلى الله سالكا، فأيّ تقصير أو أيّ مخالفة إنما هي عقبة في الطريق إلى الله، فإذا أديت ما عليك من حقوق لزوجتك أو لأولادك أو لجيرانك، أو لمن حولك، لعل الله سبحانه وتعالى بتأدية الحقوق يزيل كل العقبات التي في طريق الإنسان إلى الله عز و جل.
معنى حسن المعاشرة

تحدثت في الدرس الماضي عن حق الزوجة في الإنفاق عليها، وقد تحدثت أيضا عن حقها في حسن المعاشرة، لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا في القرآن الكريم فقال تعالى:
﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
( سورة النساء: من الآية 19 )
وقد تحدثت حول هذه الآية كثيرا، و لعل من أبرز ما كان الحديث عنه في هذه الآية أن حسن المعاشرة لا تعني أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها، بل تعني أن تحتمل الأذى منها، وشتان بين الفهمين والموقفين، إذا تحدثنا عن حقين من حقوق المرآة على زوجها.
وقد قلت أيضا: إن الإنسان يحلو له أن يبحث عن حقوقه، وعن واجبات الآخرين له، ولكن البطولة أن تبحث أيضا عن واجباتك تجاه الآخرين، والبطولة أيضا أن تبحث عن حقوق الآخرين التي تطالب بها يوم القيامة.
من حقوق الزوجة على الزوج: حفظ الدين والسلوك وحسن التوجيه
الحق الثالث من حقوق الزوجة: أن تحافظ على دينها، وأن ترعى سلوكها، وأن تحسن توجيهها، لأن الأزواج في هذه الأيام ما دامت الزوجة تروق له، وتقدم له خدمات جيدة , نظيفة , مرتبة , تعرف ما ينبغي أن تفعله الزوجة , فهذا في المرتبة الأولى، أما أمر دينها ففي المحل الثاني، إذا خرجت بطريقة لا ترضي الله يتساهل , إذا استقبلت الرجال يتساهل، وهذا لا يرضي الله يتساهل، لكنه قد لا يتساهل في أمر يمسّ علاقته بها، أو نصيبه منها، هذه المرأة إذا تركتها مع رقة في دينها، و تقصير في معرفة ربها، وضبطها في النواحي المادية، هذه لها حق عليك كبير يوم القيامة، وربما صدق على هذا الزوج أن هذه المرآة تقول: يا رب، لا أدخل النار حتى أُدخل زوجي قبلي، لأنه لم يوجهني، ولم يبصرني، ولم يعرفني، ولم يأخذ بيدي إليك.
طبعا ما من زوج إلا ويهتم بسلامة جسم زوجته، ويخشى عليها من الأمراض، لأنه هو سيدفع الثمن، فأيّ مرض عضال يصيبها هو وحده سيدفع الثمن باهظا، لذلك ترى معظم الأزواج حريصين حرصا لا حدود له على صحة زوجاتهم، وعلى سلامة أعضاء زوجاتهم، وعلى رفاهية زوجاتهم، هذا الحرص يجب أن يقابله حرص آخر على سلامة دين زوجتك، وعلى حسن معرفتها بالله، وعلى حسن علاقتها بالله... وإلا فأنت تخونها، هي شريكة حياتك، لماذا هي شريكتك في الطعام، في المسكن ؟ وفي نصيبك منها ؟ وليست شريكتك في معرفة الله ؟ وليست شريكتك في فهم القرآن الكريم ؟ وليست شريكتك في التفقه في سنة رسول الله ؟
لذلك فهذا الذي يهمل دين زوجته، ويهمل معرفتها بالله، ولا يعلق أهمية على تعليمها العلم الشرعي، لا يقيم وزنا لفهمها لدينها، هذا مقصر أشد التقصير في حقها، هذا كلام طيب ومقنع، ومنطقي ومعقول.
الأدلة القرأنية على وجوب حفظ الزوج دين الزوجة
ولكن أين الدليل ؟ وكما عودتكم ما من إنسان بعد النبي عليه الصلاة والسلام يقبل منه أن يقول كلاما بلا دليل، كلام طيب، ولكن هل له دليل ؟ نعم:
الآية الأولى:
يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾
( سورة التحريم: من ا لآية 6 )

﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾
أي: أنت مأمور أن تقي نفسك نار جهنم، ومأمور أيضا وفي الدرجة نفسها، وبالمستوى نفسه أن تقي أهلك نار جهنم، وكيف تقي أهلك، والأهل هم الزوجة والأولاد ؟
تقيهم بتوجيههم، بتعريفهم، بإرشادهم ومراقبتهم، ومحاسبتهم.
شيء آخر، ولعله مهم جداً، وهو أن الله سبحانه وتعالى جعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض، فأنت ولي أخيك المؤمن، فإذا رأيت منه اعوجاجا أو انحرافا، أو تقصيراً أو مخالفة، أو معصية فلا بد من أن تنصحه، ولا بد من أن توجهه، ولا بد من أن تأخذ بيده، ولا بد من أن تعاونه، لماذا ؟ لأنه أخوك في الله، وله حق عليك، فإذا كان المؤمنون بعضهم لبعض أولياء، وكل واحد منهم له حق على الآخر، فمن باب أولى أن يكون الزوج وزوجته من أول من تطبق عليهم هذه الآية.
الآية الثانية:
يقول الله عز و جل:
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾
( سورة التوبة: من الآية 71 )
ما معنى: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾
أي: إذا كنت راكباً سيارة، وأمامك أخ يركب مركبة، وشعرت أن هناك بوادر احتراق بالسيارة، وصاحبها لا يدري، أنت كأخ له، أنت كمؤمن، وهذا الذي أمامك مؤمن أكبر حق له عليك أن تنبهه أن تلفت نظره، والأصح من هذا أنت مكلف بأي إنسان، الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله انفعهم لعياله، ولكن الحديث هنا عن المؤمنين لسبب، وهو أن غير المؤمن لا يستمع إليك، فلو رأيت إنساناً في الطريق يعصي الله، يشرب الدخان في رمضان، فربما لو نصحته أسمعك كلاما لا يرضي، وهذا ليس هو المقصود، فالحديث هنا عن المؤمنين، يقول ربنا سبحانه و تعالى:
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾

فأنت ولي أخيك، وأخوك وليك، من كان منكم أكثر علما، وأقرب إلى الله، وأكثر ورعا وفهما فلينصح الأخ الآخر.
إذاً: المؤمنون بعضهم لبعض نصحه متوادون، والمنافقون بعضهم لبعض غششه متحاسدون، كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( المؤمنون بعضهم لبعض نصحه متوادون، ولو ابتعدت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعض غششه متحاسدون، ولو اقتربت منازلهم ))
[ ورد في الأثر ]
وقد مر بنا قوله سبحانه و تعالى:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾
ولكن ما معنى: بعضهم أولياء بعض ؟ ﴿ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
( سورة التوبة: من الآية 71 )

فإذا كان أخوك المؤمن له حق عليك ؛ أن تنصحه، له حق عليك، أن ترشده، له حق عليك، أن تأخذ بيده، له حق عليك أن تبصره، وأن تنور بصيرته، فهذه شريكة حياتك، هذه التي نذرت نفسها لخدمتك، هذه التي حبست نفسها من أجلك، هذه التي شاركتك في الضراء والسراء، أليس لها حق عليك أن تأخذ بيدها إلى الله عز وجل ؟ أليس لها حق أن تعرفها أمر دينها، أن تبصرها سنة النبي عليه الصلاة والسلام، أن تصلح اعوجاجها، وأن تقيم انحرافها، من باب أولى، إذا كان أخوك المؤمن العادي له حق عليك فهذه زوجتك، لذلك إن شئت على قوله عز وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾
( سورة التحريم: من ا لآية 6 )
وإن شئت على قوله تعالى:
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
أحاديث نبوية في وجوب حفظ دين المرأة
الآن من أقوال النبي عليه الصلاة و السلام:

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى ثُمَّ أَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ وَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ ثُمَّ أَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ ))
[ أبو داود، النسائي، ابن ماجه ]
شيء رائع جداً فوق مستوى الروعة أن ينهض الرجل ليصلي قيام الليل، وأن يقيم زوجته معه.
(( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى ثُمَّ أَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ وَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ ثُمَّ أَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ ))
هذه المشاركة.... فقد تكون الزوجة أكثر نشاطا من زوجها، وقد يكون الزوج أكثر نشاطا من زوجته، فلا بد من التعاون، لا يقلّ قدرك، ولا يقلل من شأنك أن توقظك زوجتك على الصلاة، فهذا شيء لطيف.. فإما أنت وإما هي، فأنت تشتهي زوجتك بالطعام، فالذي ذاق حلاوة الطاعة، وحلاوة القرب ألا يشتهي زوجته بهذا القرب ؟

هذا هو حق التوجيه والإرشاد , حق التعريف بالله عز وجل، وحق أن تأخذ بيدها إلى الله.
مما روي أن امرأة قالت لابنتها يوم زفافها وزوجها يسمع: يا آبا أمية، ما أوتى الرجل شرا من المرأة المدللة ـ فوق الحدود ـ فأدب ما شئت أن تؤدب، وهذب ما شئت أن تهذب , ثم التفت إلى ابنتها تأمرها بحسن السمع والطاعة ".
لذا فإن قال بعض الأزواج تحت غطاء " يجب أن نأخذ بيدها إلى الله ": يجب أن نكرمها، فيعطيها شيئاً يفوق الحد المعقول، فتستطيل على الناس، وتفخر عليهم، وتوقع في قلوبهم اللوعة...لا:
لكل شيء إذا ما تم نقصانُ
***

وقد قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً ﴾
[ سورة الإسراء: الآية 29 ]
وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام:
(( اخشوشنوا، وتمعددوا، فإن النعم لا تدوم ))
[ الجامع الصغير عن ابن أبي حدرد ]
فالإنسان يجب أن يعوّد أهله على الأحوال كلها.
الحق الرابع للزوجة على الزوج: التزين لها
الحق الرابع للزوجة على زوجها أن يتزين لها كما تتزين له، فهذا أمر الشرع، فكما أنك تريد أن تظهر لك بمظهر حسن فهي إنسان أيضا تتمنى أن تكون أنت في مظهر مقبول، ومظهر حسن، والدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾
( سورة البقرة: من الآية 228 )
إنها درجة القوامة.
أتت امرأة إلى سيدنا عمر بن الخطاب، وزوجها أشعث أغبر، فقالت: يا أمير المؤمنين، لا أنا ولا هذا، خلصني منه، فنظر إليه عمر، وكان لماحا فطنا، فعرف ما كرهت منه، فأشار إلى رجل، وقال له: اذهب بهذا، وحممه، وقلم أظافره، وخذ من شعره، وائتني به، فذهب، و فعل ذلك، ثم أتاه به، فأومأ عمر إليه، أن يأخذ بيدها فقالت: يا عبد الله، سبحان الله ! أبين يد أمير المؤمنين تفعل هذا ؟ فلما عرفته أنه زوجها ذهبت معه، فقال عمر رضي الله عنه: هكذا فاصنعوا لهن، فإنهن يحببن أن تتزينوا لهن كما تحبون أن يتزين لكم.
فهذه القصة تبين أن للزوجة حقا في أن يتزين لها زوجها، والنبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلا أشعث الشعر، فقال:
(( احلق، فإنه يزيد في جمالك ))
[ ورد في الأثر]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ ))
[ أبو داود ]

والنظافة من الإيمان، فالمؤمن نظيف ؛ نظيف في أخلاقه، نظيف في البدن، نظيف في الملبس، وسيدنا على كرم الله وجه يقول: << إن الله يكره من عباده القاذورة.
و يقول ابن عباس: << إنني ألبس، وأتجمل، فان الله جميل يحب الجمال >>.
والنبي صلى الله عليه و سلام كان يعرف بريح المسك إذا مر.
وكان يقول:
(( إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ ))
[ أحمد عن أبي الدرداء ]
والنبي عليه الصلاة والسلام كان له ثياب خاصة جديدة يلبسها في أيام الجمع، وإذا حضرته الوفود، وقد كانت علية قومه تفعل ذلك.
فالمؤمن يحتاج إلى ثوب نظيف أنيق، والمؤمن يمثل الدين الإسلامي، أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك.
يقول أبو الحسن: " هيئة الرجل لامرأته مما يزيد في عفتها ".
فتراك في مظهر حسن , نظيف , شعرك مرجّل، فهذا مما يصونها، ويجعلها تعتز بك، و تعف عن الآخرين.
الحق الخامس للزوجة على الزوج: عدم الزهد فيها وهجر مضجعها
الحق الخامس من حقوق المرآة على زوجها: ألا يزهد بها، وألا يهجر مضجعها.
فهذا الذي قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي، هذا عاقبه الله عز وجل بأنه حرَّمها عليه ما لم يصم ستين يوما، أو يطعم ستين مسكينا، فكما أن له عندها حاجة فلها عنده حاجة، ومن الظلم أن تتجاهل حاجتها.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:
(( جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ، فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))
[ متفق عليه ]

فأي منهج يطبقه المسلم خلاف هذا المنهج فإنه يخالف به سنة النبي الكريم، فأولئك الذين تركوا الزواج نهائيا، أو تركوا العمل، هؤلاء قد خالفوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فسنة النبي تضمن لك أن تصل بها إلى أعلى مستوى، فقد كان له زوجات كثر، وكان يطوف عليهن جميعاً، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ ))
[ الترمذي ]
وفي عهد عمر بن الخطاب أتت امرأة إليه وقالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجي قوام، فقال سيدنا عمر: بارك الله لك في زوجك، فقالت: إن زوجي قوام، وإني أكره أن أشكوه، فكان عند سيدنا عمر صحابي اسمه كعب الأسدي فقال: إنها تشكو زوجها، فقال عمر: هكذا فهمت من كلامها ؟ فإذا فهمت هكذا فاحكم بينها وبينه، فقال كعب: علي بزوجها، فأتوني به، فقال له: إن امرأتك هذه تشكوك، فقال: أفي طعام أو شراب ؟ قال: لا، فقالت المرأة، و قد صاغ أحد الشعراء شكواها بآبيات شعرية:
يـا أيها القاضي الحكيم رَشَدُه ألهى خليلي عن فراشي مسجده
زهَّـده في مضجعي تعبُّــده فاقضِ القضا كعب و لا تَـردّه
نهاره و لـيله مـا يـرقـده فلست في أمر النساء أحمــده

فقال زوجها:
زهدني في فرشها وفـي الحجــل أني امرؤ أذهلني ما قد نزل
ففي سورة النحل وفي السبع الطوال و في كتاب الله تخويف جلل

فقال له القاضي كعب:
إن لها حقا عليك يـا رجل نصيبها في أربع لمن عقـل
فأعطها ذاك ودع عنك العِلل
***

أي أن الله عز و جل قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، فكل ثلاثة أيام تعبد بها ربك، ولها الليلة الرابعة , فقال عمر: والله ما أدري من أي أمريك أعجب، أمن فهمك أمرها، أم من حكمك بينهما , اذهب فقد وليتك قضاء البصرة.
الحق السادس: إرشادها الى الخير وإبعادها عن الشر وصيانة نفسها
ومن حق الزوجة على زوجها أن يرشدها إلى طريق الحق، وأن يبعدها عن مواطن الشر.

ومن حقها عليه أن يأمرها بأن تصون نفسها، فمثلا: هناك شرفة في المنزل، خرجت الزوجة إليها بملابس البيت، و لمارة ينظرون، فلم يتأثر الزوج، فرأته ساكتا، فاستمرت، و إذا رأته تساهل استمرأته، فمن حقها عليك أن تأمرها أن تستر نفسها، فلو لم تفعل لحوسبت حسابا شديدا، والدليل قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ﴾
( سورة الأحزاب: من الآية 59 )
و قوله تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾
( سورة الأحزاب: من الآية 33)
يعني هذا أن المركز الأساسي أن تبقى في البيت لتقدم للمجتمع أكبر خدمة، فما من وظيفة أخطر من أن تربي أولادها، تماما كالطيار الذي لا بد من التزامه بغرفة القيادة للحفاظ على أرواح الركاب، فالبيت مركز قيادة المرآة، ويقول النبي عليه الصلاة و السلام:
(( أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة ))
[ لجامع الصغير عن أنس ]
(( أي اعلمي أيتها المرآة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرآة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))
[ كنز العمال عن أسماء بنت يزيد الأنصارية ]
﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾
و هذا لنساء الرسول صلى الله عليه و سلم، فإذا كان نساؤه قد قررن في بيوتهن، وهن المحصنات التقيات الطاهرات فلأن يكون هذا الأمر موجها لنساء المؤمنين من باب أولى. وهذا مبدأ في الفقه، وقاعدة أساسية.
مثلا: قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ﴾
( سورة الإسراء: من الآية 23 )
فمن باب أولى أن يكون الضرب ممنوعاً.
و قوله تعالى: ﴿ لَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾
( سورة النور: من الآية 31 )
إذ أن هناك مشية للمرأة تلفت النظر، وهذه مشية المرأة مأمورة أن تبتعد عنها، كما أن هناك ثيابا ذات ألوان زاهية، وكذلك هناك أحذية ذات صوت يلفت نظر الرجال إليها، وأشد من ذلك كله أن تكون متعطرة، فإذا خرجت المرأة متعطرة لعنتها الملائكة حتى تعود، فكل شيء يلفت نظر الرجال إلى المرأة محرم بشكل قطعي.
أحيانا تهمل المرأة زينتها فيتضايق زوجها، وقد يصل الأمر إلى الطلاق، فالمذنب هو الرجل، إذ يجب أن يأمرها أن تصلح من هيئتها، ويجب أن يدقق عليها، فقد تكون صغيرة لا تعلم، أو لا تهتم، أو لا تبالي، فإذا استمرأت إهمال زينتها، وانزعج منها من دون أن يعرفها، ومن دون أن يلفت نظرها، ثم اتخذ منها موقفا صارما، وأرسلها إلى بيت أهلها من دون أن تعلم السبب فهو آثم، لذلك يجب أن يذكرها بواجبها تجاهه، ومن أولى هذه الواجبات أن تكون حسنة المظهر أمامه من أجل أن تعفه عن النظر إلى الحرام، ألم يقل النبي عليه الصلاة و السلام
(( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ... ))
[ متفق عليه ]

فهذا هو الهدف الأول من الزواج للمؤمن، أن يكون عفيفاً عن الشهوة، فإذا أهملت نفسها، وأهملت ثيابها، وأهملت زينتها، ثم كرهها، وأبغضها، وطردها فقد أخذها على غرة، إذ يجب أن ينبهها، وأن يلفت نظرها، وأن يأمرها، وأن يدقق عليها لكي تبقى على مستوى طموحه، والدليل: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
(( كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ، فَلَمَّا قَفَلْنَا كُنَّا قَرِيبًا مِنْ الْمَدِينَةِ تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ كَانَتْ مَعَهُ، فَسَارَ بَعِيرِي كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ الْإِبِلِ، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ، اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ: أَتَزَوَّجْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا، قَالَ: فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ ؟ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ: أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا، أَيْ عِشَاءً، لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وتستحدث الْمُغِيبَةُ ))
[ متفق عليه ]
فلم يرض النبي صلى الله عليه وسلم أن يباغت الزوج زوجته إذا كان مسافراً، فقد تكون غير مستعدة لاستقباله، وقد تكون هيئتها دون الوسط، فالنبي عليه الصلاة والسلام علمنا ألا نأتي من السفر إلى البيت مباشرة، فلا بد من إعلام الزوجة بأنك قد حضرت من أجل أن تأخذ المرأة من شعرها، ومن زينتها، ومن هيئتها، هذا من السنة النبوية. فقال:
(( أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا، أَيْ عِشَاءً، لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وتستحدث الْمُغِيبَةُ ))
قد لا يترك الزوج لزوجته وقتا لتعتني بنفسها، وهنا تظهر المشكلة، فلا بد من أن ترضيه، ولا يوجد وقت لترضيه، فلا بد من أن تتجاهل بعض الوقت حتى تكون كما يريد، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:
(( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ ))
[ البخاري ]
ويتبادر إلى الذهن هنا أن تتكلم المرآة كالرجال، أو أن ترتدي لباسا مما يرتديه الرجال عادة، أضف إلى هذا إذا أهملت المرأة زينتها، وآثرت الخشونة على النعومة والرقة، فقد تشبهت بالرجال، لذلك فقد أمر النبي النساء بالتزين حتى لا يتشبهن بالرجال في الخشونة والشدة.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
(( كَانَتْ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ تَخْتَضِبُ، وَتَتَطَيَّبُ، فَتَرَكَتْهُ، فَدَخَلَتْ عَلَيَّ فَقُلْتُ لَهَا: أَمُشْهِدٌ أَمْ مُغِيبٌ ؟ فَقَالَتْ: مُشْهِدٌ كَمُغِيبٍ، قُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ ؟ قَالَتْ: عُثْمَانُ لَا يُرِيدُ الدُّنْيَا، وَلَا يُرِيدُ النِّسَاءَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَلَقِيَ عُثْمَانَ، فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ، أَتُؤْمِنُ بِمَا نُؤْمِنُ بِهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأُسْوَةٌ مَا لَكَ بِنَا... فَاصْنَعْ كَمَا نَصْنَعُ ))
[ أحمد ]

فاعتنى بزوجته، وأعطاها حقها، فجاءت الزوجة في اليوم الثاني إلي السيدة عائشة، وقالت: لقد أصابنا ما أصاب النساء، فإهمال الزوجة مسؤولية.
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
(( أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً ـ وسادة ـ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَاذَا أَذْنَبْتُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ ؟ قُلْتُ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا، وَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ، وَقَالَ: إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ ))
[ متفق عليه ]
ففي عهد النبي عليه الصلاة والسلام كان المصور ينحت الصنم، وكان الصنم يعبد من دون الله، ومن معاني التصوير النحت، وهو التجسيم، وقد كان الناس يعبدون هذه الأصنام من دون الله، فلذلك سدًّا للذرائع قال النبي الحديث الشريف:
(( إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ ))
[ متفق عليه عن ابن مسعود]
الحق السابع: الغيرة على الزوجة
ومن حق الزوجة على زوجها أن يكون غيوراً عليها، إذ إن هناك بعض الأزواج ليس لديهم الغيرة على زوجاتهم، اذهبي وحدك، تعالي وحدك، عند الطبيب وحدها، عند البائع وحدها، ومن حق الزوجة أن يغار عليها، وأن يوجهها إلى ما يحفظ عليها شرفها وشرفه، ولكن ليس معنى هذا أن يشتطّ الزوج في الغيرة عليها، فالشطط في الغيرة مرض فلا بد من غيرة سوية، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ ؟ وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ))
[ متفق عليه عن المغيرة ]
الغيرة قسمان: محبوبة وغير محبوبة
فالغيرة مطلوبة، ولكن هناك غيرة سوية، وغيرة مَرَضية، والنبي عليه الصلاة والسلام فصل، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مِنْ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يَكْرَهُ اللَّهُ، فَأَمَّا مَا يُحِبُّ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا مَا يَكْرَهُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ ))
[ ابن ماجه ]
فهناك غيرة يحبها الله ورسوله، وهناك غيرة يكرهها الله ورسوله.
فأما ما يحب الله فالغيرة في الريبة، مثلا: أنت ارتبت، جاءتك معلومات مقلقة، شعرت أن هناك تصرفات عير صحيحة، تدعو للشك، فما دام دخل الريب إلى قلبك فالغيرة الآن يحبها الله ورسوله، وأما الغيرة التي يكرهها الله ورسوله فالغيرة من غير ريبة، فليس هناك دليل، ولا داع، ولا عبارة، ولا أي شارة، ولا تصرف مقلق، والأمور كلها طبيعية، فالآن إذا غرت فهذه الغيرة يكرهها الله ورسوله.
هناك حالات كثيرة اطلعت عليها لغيرة في غير موضعها تسبب نفور الزوجة، وهناك غيرة من الزوجة في غير موضعها تسبب نفور الزوج، إذ أن هناك زوجات غيورات، فزوجة مؤمنٍ إذا تأخر تسأله: أين كنت ؟ ومع من كنت ؟ وزوجها مؤمن، فمع من سيكون ؟ مع رفاقه، أو في شغله، أو قد يكون هو أيضا فيسألها: هل دخل أحد في غيابي ؟ ما هذا الكلام ؟ فغيرة من دون ريب، من دون سبب، من دون دليل، من دون إشارة، من دون تنبيه، من دون لفت نظر، هذه غيرة يكرهها الله ورسوله، أما الغيرة مع الريب، مع تصرف مشبوه فمطلوبة.

مثلا: دخلت البيت، اضطربت، تسألها: لماذا هذا الاضطراب ؟ باب أغلق فجأة ….شيء خرج … شيء دخل، في مثل هذه الحالات لا بد من أن تكون غيوراً.
بالمناسبة، إن كل إنسان لا يتفقه في الدين يدفع الثمن باهظا، والله قبل خمسة عشر عاما في هذا المسجد عقب خطبة أمسكني رجل من يدي، وقال: أريد أن أحدثك بحديث خطير، فقلت له: تفضل، فقال: لقد اكتشفت اليوم أن زوجتي تخونني مع جار لنا منذ سنين، فسألته: ما السبب ؟ فقال: لنا جار، ومرة زارني، فناديتها يا أم فلان تعالي فاجلسي معنا، هذا فلان مثل أخيك، فجهله بالشرع دفع ثمنه باهظا، لذلك حضور مجالس العلم كما قال النبي عليه الصلاة و السلام حتم واجب على كل مسلم، إذا أن هناك قواعد خطيرة جدا، فالاختلاط طريق إلى الزنى، فإنسان رأى في هذه الزوجة ما ليس عند زوجته فمال إليها، ومالت إليه، أغراها وأغرته، ومن وراء ظهر الزوج فعلوا الفاحشة، فكل إنسان يخالف الشرع يدفع الثمن باهظا.
مثلا: يقول أحدهم: جاءنا خاطب شاب راقٍ مؤدب، فيسأل: هل عقدتم العقد ؟ فيجيب بأن العقد ليس ضروريا، وأمامنا وقت، يدخل ويخرج الخطيب، ثم يختفي وينتفخ البطن، فكل إنسان يخالف الشرع يدفع الثمن باهظا، هذه غيرة يحبها الله ورسوله، وأما الغيرة التي يبغضها الله ورسوله فهي الغيرة من دون ريب
دفع الزوج مواطن الريبة أمام الزوجة لاتقائها عن نفسها
و هناك شيء آخر، إذا كنت ماشيا مع زوجتك، وكنت تنظر إلى النساء من حولك، أو أن امرأة زارت زوجتك، فاستقبلت ورحبت، ونظرت، فأنت قمت بعمل خطير، فزوجتك رأتك، وأنت تخالف الشرع، فأنت الآن تعطيها مبررا لتعاملك بالمثل، فإذا رأتك في عفة وفي حشمة، وفي ورع وفي غض بصر اقتدت بك، وهنا نتدبر قول سيدنا موسى: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾
[ سورة القصص: من الآية 23 ]
فهل هناك في اللغة العربية بأكملها عبارة أشد اختصارا، وأكثر جدية، وأقطع لكل تعليق من هذه ؟ قالتا: ﴿ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾
[ سورة القصص: من الآية 23 ]
و مرة أخرى:
﴿ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾
[ سورة القصص: من الآية 25 ]
فلم تقل له: أبي يدعوك، وسكتت، فسألها: لماذا ؟ وهذا حتى لا يكون هناك حوار مباشرة، ﴿ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾
انتهى الأمر بكلمة. ﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾
[ الأحزاب: من الآية 32 ]
فلا كلمة زائدة، مثلا: سعرها كذا، ادفعي، وامشي، فإذا قالت: نحن جيرانك، فقد أصبح هناك حوار لا مبرر له، قال تعالى: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾
[ الأحزاب: من الآية 32 ]

فحتى على الهاتف كلمة فقط، مثلا: فلان موجود ؟ لا، بلغوه أن فلانا قد اتصل به، انتهى، دق الباب، فلان موجود ؟ لا، تفضل، هذا كلام مخالف للأصول، فالإنسان يجب أن يتعلم كيف يتكلم، وهذا الذي يقول عنه النبي عليه الصلاة والسلام فعليه أن يكون عفيفا أمام زوجته، وأمام الله، فحين يكون عفيفا على مرأى منها يعلمها أن تكون عفيفة مع غيره، مع البائع، مع الشاري، مع أي إنسان، أما إذا هو أخذ، وأعطى في الكلام، وكان لطيفا جدا، وكان لينا في الكلام، ونظر، وأدار حديثاً ممتعاً ومازحاً مع امرأة لا تحل له على مرأى من زوجته، فكأنه يعطيها مبررا لتشطط في الحديث.
ومن حق الزوجة على زوجها أن يأمرها بالصلاة، وأفضل شيء أن يصلوا سوية، ففي البيت الزوجة مع الأولاد، أصبحت الصلاة صلاة جماعة، فتوضؤوا، وصلوا جماعة، فمن حقها عليه أن يأمرها بالصلاة، وأداء الفرائض لقوله تعالى: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾
[ سورة طه: الآية 132 ٍ]
لذلك ورد في بعض الأحاديث أنّ الزوجة تتعلق يوم القيامة برقبة زوجها، وهي تقول: يا رب، خذ لي حقي من زوجي، لأنه كان يراني أفعل كذا وكذا من الموبقات فلم ينهني، وكان يراني أبتعد عن كذا وكذا من الخيرات وأداء الصلوات فلم يأمرني، يا رب، خذ لي حقي من زوجي.
إنّ الإنسان إذا لم يفعل فسوف يحاسب عن زوجته حساباً عسيراً.
الحق الثامن: عدم التحدث عن الأسرار الزوجية
شيء آخر، لا يجوز، ولا بأي شكل من الأشكال، ولا بأي تلميح أو تصريح، لا يجوز تحت طائلة أشد العقوبات أن يتحدث الزوج عن أسرار الحياة الزوجية للناس
فهذا الذي يفعل ذلك لا يغار على عرضه، ما كان بين الزوج والزوجة يجب ألا يعلمه إلا الله، فالنساء في بعض المجالس يتحدثن عن أزواجهن، وعن أسرار الحياة الزوجية، والزوج أحيانا يتحدث عن زوجته، وأسرار العلاقة الزوجية، هذا الذي يفعل هذا فاقد للمروءة، فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( ثَلَاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْعَاقُّ، وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخَبَثَ ))
[ مسند أحمد ]
وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا ))
[ مسلم ]
ولكن هذا لا يدخل في نطاق السؤال: هل صار العرس ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام سأل أبا طلحة، فقال: أعرّستم الليلة ؟ ولم يقصد النبي إلا أن يسأله: هل دخل بامرأته ؟ فهذه ليس لها علاقة بالعلاقة الزوجية.
الحق التاسع: عدم تكليف الزوجة بعمل فوق طاقتها
ومن حق الزوجة على زوجها ألا يكلفها عملاً فوق طاقتها، فهناك أحيانا زوج يضع برنامجا لتنظيف البيت غير معقول، ويحاسب حسابا شديدا
فالتدقيق سهل، والفحص سهل، أما الإنجاز فيتطلب جهداً كبيراً، فإذا كان لديها أولاد، وعندها عمل كبير، وأنت تحاسبها: لماذا لم تفعلي كذا ؟ ولماذا لم تفعلي ؟ فهذا خلاف الشرع، إذ لا يحل للزوج أن يكلف زوجته فوق استطاعتها، فقد تكون الأوامر في ذاتها مشروعة، ولكنها لظروف الزوجة تصبح غير مشروعة، كحالة الدورة الشهرية، حيث تكون المرأة ضعيفة، فيكلفها فوق طاقتها، ويحاسبها، وكأنها شديدة عتيدة، فهذا أيضا مخالف للشرع، والنبي عليه الصلاة والسلام أوصى ألا يكلف الإنسان خادمه فوق طاقته، فلأن يمتنع أن يكلف الإنسان زوجته فوق طاقتها من باب أولى.
السيدة فاطمة رضي الله عنها اشتكت إلى أبيها صلوات الله وسلامه عليه ما تلقى من مشقة الخدمة، فأمرها عليه الصلاة والسلام أن تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا اله إلا الله، والله أكبر، فهذا إشارة إلى أن من واجب الزوجة أن تقوم بخدمة زوجها، وبيتها بالمعقول، إلا أن الرأي الدقيق أنه إذا كان هناك مودة ومحبة ترتفع التكلفة، إذ إن الزوجة قد تعمل فوق طاقتها اختيارا ومبادرة منها، والزوج يعين زوجته، فمادام هناك محبة وألفة وإخلاص فكل شيء يحل
هذه بعض حقوق الزوجة على زوجها، والإنسان كلما أدى الحقوق كلما اقترب من خالقه، وكلما شعر أن الطريق إلى الله سالك.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-05-2018, 09:02 AM   #9


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الحقوق الاسلامية



بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الخامس )

الموضوع : اهمية وحكم بر الوالدين




مقدمة الدرس:
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... لا زلنا في الحديث النبوي الشريف، ولا زلنا في موضوع الحقوق والواجبات، وقد مضى درسان أو أكثر في الحديث عن حقوق الزوج على زوجته، وحقوق الزوجة على زوجها، واليوم ننتقل إلى حقوق الآباء على الأبناء، ومن ثَمَّ ـ إن شاء الله تعالى ـ نتحدث عن حقوق الأبناء على الآباء. مفهوم العدل والإحسان:
الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾
( سورة النحل: آية 90 )
العدل قسري، والإحسان طوعي:
أي أن أداء الحقوق لا بدَّ من أن تفعله، أيها المؤمن، أما أن تحسن، فهذا بحسب رغبتك وإمكاناتك وطموحك في القرب من الله عزَّ وجل، فالحديث في الحقوق والواجبات لا يتعلّق بما هو طوعي، بل يتعلق بما هو قسري، إلا أن المؤمن مأمور بالإحسان كما هو مأمور بالعدل. أضرب على هذا مثلاً للتوضيح:
لو أنك بعت بضاعةً وكان البيع وفق الشرع تماماً، وتمَّ الإيجاب والقبول، وعُلِم الثمن، وعُلِمت حالة البضاعة، وقبضتَ الثمن، وسلَّمتَ البضاعة، وكان الرضا، وكان الشهود.. هذا بيعٌ شرعي، بيعٌ ملزم، فلو أن أحد الطرفين امتنع عن دفع بقية الثمن، ورفع الآخر أمره إلى القاضي، فالقاضي يلزم الممتنع.. هذا هو العدل.

لكن هذا الشاري إذا جاءك، ورجاك أن تلغي له هذه الصفقة، وبين لك العذر، وأنت تستطيع أن تفعل هذا من دون أن تصاب بالضرر، وفعلت هذا، فهذا من قبيل الإحسان. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان ِ﴾
( سورة النحل: آية 90 )
لذلك: فالقضايا فيما بين الناس، إن لم تحلَّ وفق قواعد العدل ؛ حلَّت وفق قواعد الإحسان، ولا سيما بين الزوجين، بين الجارين، بين الأخوين، بين الشريكين، إما أن تُحَكِّم قواعد العدل، وأنعم بها من قواعد، وإما أن تحكِّم قواعد الإحسان، وهي تتسع لما ضاقت عنه قواعد العدل، فهذه الآية لو طبقها الناس لأغلق قصر العدل أبوابه:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان ﴾
( سورة النحل: آية 90 )
إذاً:إذا ضاق العدل اتسع الإحسان، والعدل قسري، والإحسان طوعي.
العدل وأداء الحقوق:
درس اليوم والدروس التي سبقته، والدروس التي تـلحقه إن شاء الله تعالى، كلها متعلّقةٌ بالعدل وأداء الحقوق، ولا بدَّ من أداء الحقوق، والنبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المروي عن عمرو بن خارجة قال: خطب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( إِن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، أَلا لا وصية لوارث ))
حديث حسن، أخرجه الترمذي والنسائي
ولن يكون الطريق إلى الله سالكاً إلا إذا أعطيت كلَّ ذي حقٍ حقه، لن تشعر أن الله راضٍ عنك إلا إذا أعطيت كلَّ ذي حقٍ حقه، فالزوجة لها حق، والأم لها حق، والأخ له حق، والأخت لها حق، والابن له حق، والبنت لها حق، والجار له حق، وكلُّ من يتصل بك له حق، وإن الله ليسأل العبد عن صحبة ساعة.
حقوق الآباء على الأبناء:
أيها الإخوة الكرام... الدرس في الحديث الشريف، ولكن الموضوع متعلّقٌ بحقوق الآباء على الأبناء، ومادام في القرآن آيةٌ كريمةٌ تتعلَّق بحقوق الآباء على الأبناء، فلا بدَّ من أن تقدم هذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
( سورة الإسراء: آية23 )
معاني كلمة ( قضى ) في القرآن الكريم:
ما معنى " قضى " ؟
كلمة " قضى " تنقلنا إلى موضوع دقيق، وهو أن الكلمة ـ في القرآن الكريم ـ قد ترد بمعاني كثيرة، والسياق وحده يحددها، فمثلاً:
قال تعالى:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
( سورة الإسراء: آية23 )
أي: ( أمَرَ )، كلمة قضى في هذه الآية تعني أنه أمرَ، أي أن الله سبحانه وتعالى أمرَ المؤمن.. أمر الإنسان ألا يعبد إلا الله وبالوالدين إحساناً.
آيةٌ ثانية:
﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ﴾
( سورة فصلت: آية 12 )
معنى قضاهن، أي: ( خلقهن ).
قال تعالى:
﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾
( آية 72 سورة طه )
حينما خاطب السحرة فرعون، أي بمعنى: ( احكم بأي حكم ).
﴿ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾
( سورة يوسف، آية 41 )
أي: ( فرغنا منه ).
﴿ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
( آية 35 سورة مريم )
هنا بمعنى: ( أراد ). ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾
( آية 44 سورة القصص )
يعني: ( إذ عهدنا )
كلمة ( قضى ) تأتي مرةً بمعنى أمر، ومرة بمعنى خَلَق، ومرة بمعنى حكم، ومرة بمعنى فرغ، ومرة بمعنى أراد، ومرة بمعنى عَهِدَ..
إذاً: من السذاجة أن تظن أن الكلمة القرآنية لها معنىً واحد، فحيث ما جاءت أخذتْ هذا المعنى الواحد، فالقرآن واسع البيان، وسياق كل آية هو الذي يحدد معناها.
عطف الشيء على الشيء في القرآن الكريم:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
( سورة الإسراء: آية23 )
في الآية دقة بالغة، أنا ماذا أقول حينما أعطف شيئاً على شيء ؟ أقول: اشتريت أرضاً وبيتاً، اشتريت مركبةً فخمةً ومركباً في البحر، اشتريت كتاباً ثميناً ومجلداً، لكن ليس من طبيعة العرب أن يعطفوا شيئين متفاوتين، هل يعقل أن تقول: اشتريت أرضاً وملعقةً ؟ هذا غير مألوف، اشتريت بيتاً فخماً ودفعت ثمنه مبلغاً طائلاً واشتريت معه سكيناً، لا يوجد تناسب.. فلمجرد أن الله سبحانه وتعالى عطف الإحسان للوالدين على عبادة الله عزَّ وجل، فالإحسان للوالدين شيءٌ عظيمٌ عظيمٌ عظيم، قَرَنَه الله عزَّ وجل بعبادته:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا ﴾
( سورة الإسراء: آية23 )
آيةٌ ثانية، الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾
( آية 5 سورة محمد )
صلاح البال، راحة البال، الطُمأنينة، الرضا، الاستسلام لله عزَّ وجل..
بيتٌ ليس فيه مشكلات، ليس فيه منغِّصات، فيه سلم، فيه مودة، فيه محبة، صلاح البال رفعه الله إلى مستوى الهدى:
﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾
( آية 5 سورة محمد )
العطف يقتضي التناسب، لمجرد أن الله سبحانه وتعالى، عطف الإحسان إلى الوالدين، على عبادة الله عزَّ وجل، معنى ذلك أن الإحسان إلى الوالدين شيءٌ عظيمٌ عظيمٌ عظيم، يرتقي إلى مستوى عبادة الله عزَّ وجل.
شيءٌ آخر:
في حقوق الآباء على الأبناء، في آيةٍ ثانية، الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾
( آية 14 سورة لقمان )
دائماً الأحكام تحتاج إلى ثبات، والثبات أساسه التكرار، لو أن الله سبحانه وتعالى في آيةٍ واحدة قرن الإحسان إلى الوالدين بعبادة الله عزَّ وجل، هذه آيةٌ، لكن لا نعلم ما إذا كانت قاعدة، فحينما تأتي آيةٌ ثانية تَقْرِن ضرورة شكر الله عزَّ وجل بضرورة شكر الوالدين إذاً يستنبط من تكرار هذا المعنى أن هناك قاعدةً ثابتة ألا وهي أن برَّ الوالدين شيءٌ يرقى إلى مستوى عبادة الله عزَّ وجل:
﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾
( آية 14 سورة لقمان )
وفي صحيح البخاري:
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم:
أيُّ العملِ أحبُّ إلى الله تعالى ؟ قال:
(( الصلاة لميقاتها، قلتُ: ثم أيُّ ؟ قال: بِرُّ الوالدين، قلتُ: ثم أيُّ ؟ قال: الجهاد في سبيل الله ))
من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
فأحب الأعمال إلى الله: الصَّلاة على وقتها، وبِر الوَالدين، والجهَاد في سَبيل اللَّه
بعض معاني برّ الوالدين:
من معاني بر الوالدين:
1 ـ عدم التسبب في سبّهما:
ألا يتعرض الإنسان لسبِّهما إطلاقاً.
ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( إن من الكبائر: شتْمَ الرَّجُل والديه، قال: وهل يشتِم الرجل والديه ؟ قال: نعم يَسُبُّ الرجلُ أبا الرَّجُل وأمه، فيسبُ أباه وأمه ))
حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي
الكبائر التي نهى عنها القرآن الكريم:
الكبائر مهلكة تستحق دخول النار، فهذه الكلمات التي يعتادها السوقة من الناس في سبِّ الوالد، إذا اعتادها الإنسان ألحق بأبيه سباباً لا يعدُّ ولا يحصى، وهذا من الكبائر كما قال عليه الصلاة والسلام.
في هذه المناسبة، أحد العلماء واسمه " أبو طالب المكي " رحمه الله تعالى، أحصى الكبائر التي وردت في كتاب الله فقال:
" أربعةٌ في القلب: الشرك بالله تعالى، والإصرار على معصية الله تعالى، والقنوط من رحمة الله تعالى، والأمن من مكر الله تعالى.
وأربعةٌ في اللسان: شهادة الزور، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، واليمين الغموس، والسحر.
وثلاثةٌ في البطن: شرب الخمر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا.
واثنتان في اليدين: وهما القتل والسرقة.
واثنتان في الفرج: وهما الزنا واللواط.
وواحدةٌ في الرجل: وهي الفرار من الزحف.
وواحدةٌ في جميع البدن: وهي عقوق الوالدين ". أربعةٌ في القلب، وأربعةٌ في اللسان، وثلاثةٌ في البطن، واثنتان في اليدين، واثنتان في الفرج، وواحدةٌ في الرجل، وواحدةٌ في جميع البدن.
عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: كُنَّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال
(( ألا أُنبِّئكم بأكبر الكبائر - ثلاثاً - قلنا: بلى يا رسولَ الله، قال: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، ألا وشهادةُ الزور، وقولُ الزور - وكان متَّكئاً فجلس - فما زال يكرّرُها حتى قلنا: ليته سكتَ ))
حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي
" الإشراك بالله " كلمة مطلقة، والمطلق على إطلاقه، أي يشمل الشرك الخفي، والشرك الجلي، أن تقول: زيد وعبيد وفلان أزعجني، وفلان أعطاني، وفلان حرمني، وفلان وعلان، وفلان وفلان، هذا كلّه شرك.
قال تعالى:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
( آية 213 سورة الشعراء )
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:
(( الكبائرُ: الإشراكُ بالله، وعُقوقُ الوالدين، وقتْلُ النفس، واليمينُ الغموسُ ))
حديث صحيح، أخرجه البخاري والترمذي والنسائي
(( إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة، الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير الحق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ))
من حديث صحيح لغيره،أخرجه النسائي ومالك والدرامي والطبراني وابن حبان وعبد الرزاق والحاكم وابن خزيمة، عن عمرو بن حزم رضي الله عنه. عقوق الوالدين من الكبائر:

هذه الأحاديث كلها مفادها أن "عقوق الوالدين من الكبائر".
كيف أن الله سبحانه وتعالى أمرك بالإحسان إليهما، وقرن الإحسان إلى عبادته، وكيف أن الله سبحانه وتعالى أمرك أن تشكرهما وقرن شكرهما إلى شكره، كذلك عقوق الوالدين جعله الله في مستوى الشرك، الإشراك بالله وعقوق الوالدين صنوان.
ولا بدّ من اجتناب الكبائر.
والآية التي تعرفونها جميعاً هي قوله تعالى:
﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾
( سورة النساء، آية 31 )


تحريم عقوق الأمهات على وجه الخصوص:

عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( إِنَّ الله حرّم عليكم عقوق الأمّهات، ووأد البنات، ومَنْعاً وهاتَ. وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإِضاعة المال ))
من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود
حديثٌ لطيف، خصَّ الأمهات لعظم فضلهن على الأبناء، ومعنى " منعاً وهات " منع أداء الحقوق، وأخذ المال بالباطل، و " قيل وقال " الكلام الذي لا طائل منه، و " كثرة السؤال " في المسائل التي لا حاجة لك بها.
(( طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ))
من حديث رواه البزار عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وفي سنده ضعفاء
و " إضاعة المال " إنفاقه إسرافاً وتبذيراً.
بعض الأحاديث الزاجرة عن عقوق الوالدين:
عن ابن عمر، رضي الله عنهما عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال:
(( ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة..
أي أكبر عقوبةٍ يعاقب بها الإنسان يوم القيامة أن يحرم من النظر إلى وجه الله الكريم، والدليل قوله تعالى:
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾
( آية 15 سورة المطففين )
(( ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنَّان عطاءه، وثلاثةٌ لا يدخلون الجنة، العاقُّ لوالديه، والديّوث، والرجلة ))
حديث أخرجه البزار في مسنده، ورجاله ثقات
و " الرجلة " هي المرأة المسترجلة التي تتشبه بالرجال، أي الفاجرة.
الأحاديث المتعلقة بعقوق الوالدين لا تعدُّ ولا تحصى.
(( أربعة حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعـيمها: مدمن الخمر، وآكل الربا وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه ابن حبان والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
يقال للعاق: اعمل ما شئت فلن يغفر لك.
(( ثلاثة لا ينفع معهن عمل: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف ))
حديث رواه الطبراني عن ثوبان رضي الله عنه، و في سنده رجل ضعيف
وورد أيضاً:
(( ثلاثةٌ لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً: عاقٌ، ومنانٌ، ومكذبٌ بالقدر ))
حديث رواه الطبراني بإسنادين، في أحدهما رجل متروك وفي الآخر رجل ضعيف
هذا كله متعلقٌ بعقوق الوالدين لعظم حقهما على الإنسان:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾
( سورة الإسراء: آية23 )
الآن نتابع بعض التفصيلات المتعلقة ببر الوالدين:
2 ـ عدم مخالفة الوالدين في المباحات:
من عقوق الوالدين أن تخالف الأبوين في أغراضهما الجائزة لهما، كما أن من برهما أن توافقهما في أغراضهما ؛ فإذا أمرك الأب أمراً لا يتعلق بمعصية الله عزَّ وجل وجب عليك أن تنفذه، إلا إذا كان معصية، للقاعدة الشهيرة:
(( لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق ))
من حديث أخرجه الطبراني في الأوسط
بعض قواعد برّ الوالدين التي نصَّ عليها العلماء:
بعض العلماء قالوا:
ـ " إذا أمر الوالد بالمباح صار في حق الولد مندوباً "
أي ينتقل أمر الأب إلى ابنه في المباح إلى مستوى المندوب، إذا أمرك بشيءٍ مباح أصبح في حقك مندوباً،
ـ " إذا أمر الوالد بالمندوب، أصبح في حق الولد تأكيداً في ندبيته "،
ـ " الأبوان لا يأثمان إذا منعا ابنهما من الحج "
إذا كانا في مرضٍ عضال وفي حاجةٍ ماسةٍ إليه، ومنعاه من الحج على أن يحج في العام القادم لا يأثمان، لأن بعض العلماء يرى أن الحج على التراخي لا على الفور، وبعضهم يرى الحج على الفور، إذا كان هناك مرضٌ عضال وحاجةٍ ماسة وهناك احتمالٌ كبير أن يموتا في غيبة ابنهما، فالأولى أن يبقى معهما ولا يأثمان إذا منعاه من الحج.
ـ " لا يحل للابن أن يسافر سفراً فيه خطر إلا بإذنهما "
لا يحق للابن أن يسافر سفراً فيه خطر إلا بإذنهما، هذا ما ورد في شرح بعض الأحاديث، وما لا خطر فيه، فيحل للابن أن يسافره من دون إذنهما، من هذا السفر الذي لا خطر فيه، السفر في طلب العلم.
ـ " لا يجوز للمصلي إذا دعته أمه أو غيرها أن يقطع صلاته "
لقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))
سبق تخريجه
تصلّي في غرفة وأمك تناديك أو أبوك في غرفة ثانية، بعض العلماء يقول: " لا يجوز للمصلي أن يقطع صلاته إجابةً لنداء أمه "، لأن حق الله عزَّ وجل آكد من حقوق الأبوين، لكن العلماء يستحبون أن يخفف من صلاته فيقرأ سورة الإخلاص، مادام أحد أبويه يناديه أن يقرأ سورة قصيرة، أما إذا شرع في سورةٍ طويلة وتابعها فهو الآن مخالف، لك أن تقرأ سورةً قصيرة كي تجيب أمك أو أباك في الوقت المناسب.
ـ " إن الصلاة إذا كانت نفلاً، وعُلم تأذي الأب أو الأم بترك إجابتهما فلك أن تقطع صلاتك النافلة لتجيب أمك أو أباك إذا كان في عدم الإجابة أذىً لهما ".
إذا أمك مقعَدَة وتحتاج إلى أن تغير جلستها، انتهى السيروم مثلاً، متألمة من قضية، نادتك وأنت في صلاة النفل، فبعض العلماء أجازوا أن تقطع صلاتك كي تجيب نداء أمك أو أبيك.
أما إذا ضاق الوقت وكانت الصلاة فرضاً فلا عليك ألا تجيب، عند المالكية " إجابة الوالد في النافلة أفضل من التمادي فيها "
ـ " يجب أن تدع أيَّ صلاة ولو كانت فرضاً إغاثةً للملهوف "
كأن يكون الابن قريباً من المدفأة، أو الابن نائماً يكاد أن يقع من فوق سرير عالٍ وقد يرتج دماغه، أي أن هناك قضية خطيرة، فيجب أن تقطع الصلاة إغاثةً لملهوف، أو لغريق أو لحريق، أو إجابةً لنداء أحد الأبوين بلا استغاثة في النفل، أي في صلاة النفل لك أن تقطع الصلاة لأي نداء منهما.
ظلم الوالدين للولد لا يرفع وجوب برّهما:
يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
(( لا يكون لرجل أبوان فيُصبح محسناً إلا فُتحَ له باب إلى الجنة، ولا يُمسي وهو محسن إلا فتح له بابان من أبواب الجنة،...، فإن كان واحداً فأصبح محسناً فتح له باب من أبواب الجنة، ولا يسخط عليه أحدهما أو واحد منهما فيرضي الله عنه حتى يرضى قيل: وإن كان له ظالماً ؟ قال: وإن كان له ظالماً ))
من حديث موقوف، أخرجه مسدد بن مسرهد في مسنده بإسناد مختلف فيه
أي حتى لو أوقع الأب ظلماً بالابن، لكن العلماء استدركوا وقالوا: " إن ظلماه في الدنيا لا في الآخرة "، أي إذا كان الأمر متعلق بالدين، فعندئذٍ: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ".
أما إن ظلماه في الدنيا ويحتمل هذا الظلم، الأولى ألا يغضبهما، هكذا قال العلماء الظلم في الدنيا إذا كان محتملاً، فالأولى أن ترضيهما.
حق الأم يعدل ثلاثة أضعاف حق الأب:
في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
(( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، مَنْ أحَقُّ الناس بِحُسْن صَحابتي ؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَنْ ؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَنْ ؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَنْ ؟ قال: أبُوك ))
حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم
أي: حق الأم يعدل ثلاثة أضعاف حق الأب
الإمام مالك جاءه رجل وقال له: إن أبي في بلد السودان، وقد كتب إلي أن أقدم عليه، وأمي تمنعني من ذلك، فماذا أفعل ؟
الإمام مالك بحسب علمه قال: " أطع أباك ولا تعصِ أمك ". ففهم من هذا القول: أن حق الأب وحق الأم سواء.
لكن أكثر العلماء على أن حق الأم يعدل ثلاثة أضعاف حق الأب. تخاصم أبو الأسود الدؤلي مع امرأته إلى القاضي، على غلامٍ لهما منه، أيهما أحق بحضانته ؟ فقالت المرأة: " أنا أحق به لأنني حملته تسعة أشهرٍ، ثم وضعته، ثم أرضعته، إلى أن ترعرع بين أحضاني كما تراه مراهقاً ". فقال أبو الأسود أمام القاضي: " أيها القاضي حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، فإن كان بعض الحق علي، فلي الحق كله أو جلّه ". فقال القاضي: " أجيبي أيتها المرأة عن دفاع زوجك "، قالت: " لئن حمله خفيفاً، فقد حملته ثـقيلاً، وإن وضعه شهوةً، فقد وضعته كرهاً ". فنظر القاضي إلى أبي الأسود وقال له: " ادفع إلى المرأة غلامها، ودعني من سجعك ".
يبدو أن حق الأم يزيد على حق الأب.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
(( أن امرأة قالت يا رسول الله، ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه عني، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت أحق به ما لم تنكحي ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في مستدركه
أي: إذا تزوجتِ فهو أحق به منكِ.
العلماء قالوا: " الأم أحق بحضانة ولدها إلى سبع سنين، إن كان ذكراً، وإلى تسعٍ إن كانت أنثى، إلا أن يرى القاضي استمرار حضانة الأم فيزيد سنتين لكليهما ". هذا الحكم الشرعي.
3ـ الآثار الطيبة لبر الوالدين:
مما يتعلق ببر الوالدين أن العارف بالله الشهير أبا يزيد البسطامي رحمه الله، أراد أن يذهب إلى بغداد لطلب العلم وكان غلاماً يافعاً، فأعطته أمه أربعين ديناراً هي ميراثه من أبيه، وقالت له: " ضع يدك في يدي وعاهدني على التزام الصدق فلا تكذب أبداً، فعاهدها على ذلك وخرج مع قافلةٍ يريد بغداد لطلب العلم، وفي أثناء الطريق خرج اللصوص، ونهبوا كل ما في القافلة، ورأوا البسطامي رثّ الثياب فقالوا: يا غلام هل معك شيء ؟ قال: معي أربعون ديناراً، لأنه عاهد أمه على الصدق، فسخروا منه وحسبوا أنه أبله وتركوه، وراحوا إلى الكهف الذي كان به كبيرهم ينتظر ما يأتون به، فلما رآهم قال: هل أخذتم كلَّ ما في القافلة ؟ قالوا نعم: إلا غلاماً سألناه عما معه فقال: معي أربعون ديناراً فتركناه احتقاراً لشأنه، ونظن أن به خبلاً في عقله، قال: عليّ به، فلما حضر بين يديه، قال: هل معك شيء ؟ قال: نعم معي أربعون ديناراً، قال: أين هي ؟ فأخرجها وسلمها له، فقال كبير اللصوص: أمجنون أنت أيها الغلام ؟ كيف تخبر عن نقودك وتسلّمها باختيارك ؟ فقال له: لما أردت الخروج من بلدي، عاهدت أمي على الصدق، فأنا لا أنقض عهد أمي أبداً، عندئذٍ صُعق كبير اللصوص، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، أنت أيها الغلام تخاف أن تخون أمك ونحن لا نخاف أن نخون عهد الله، ثم أمر كبير اللصوص بردّ جميع ما أخذ من القافلة وقال: يا غلام أنا تائبٌ على يديك ".
فإذا كان هناك مثل هذا اللص فلا عليكم فأعطوه النقود، فقال من معه: " كنت كبيرنا في قطع الطريق، واليوم أنت كبيرنا في الطريق إلى الله ". 4 ـ عدم ارتباط وجوب البر بإسلام الوالدين:
وعندنا قضية أخرى متعلقة ببر الوالدين:
الشيء الأساسي أن العلماء قالوا: " لا يختص بر الوالدين، بأن يكونا مسلمين "
يعني أحياناً شابٌ يتعلم الدين في المسجد، ويرى أن أباه دينه قليل، فيتهمه بألفاظ كبيرة ويسيء العلاقة مع أبيه.
استمعوا أيها الإخوة: لا يختص برّ الوالدين بأن يكونا مسلمين، فلو كانا مشركين فأنت ملزمٌ ببرهما، فكيف إذا كانا مسلميْن ولكنهما مقصّريْن ؟ أيحق لك أن تتهمَهما في دينهما ؟ أيحق لك أن تغلظ عليهما القول ؟ أيحق لك أن تكون عنيفاً معهما ؟ يقول الله عزَّ وجل: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
( آية 8 سورة الممتحنة )
إذا كان الله سبحانه وتعالى لا ينهانا عن الذين لم يقاتلونا في الدين أن نبرّهم، فلأن نبرَّ والدينا من باب أولى.
عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، قالت:
(( قَدِمَتْ عليَّ أمِّي وهي مشركة في عَهْد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستـفتيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قلت: ' قَدِمَتْ عليَّ أمِّي وهي رَاغِبة، أفأصلُ أمِّي ؟ ' قال: ' نعم، صِلي أمكِ '. زاد في رواية، فأنزل الله فيها: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ } ))
حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
(( مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي بن سلول، وهو في ظل أجمة فقال: " قد غبَّرَ علينا ابن أبي كبشة " فقال ابنه عبد الله بن عبد الله: " والذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب، لئن شئت لأتيتك برأسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا ولكن بر أباك وأحسن صحبته " ))
حديث حسن، أخرجه البزار وابن حبان والحاكم
ألدُّ أعداء النبي، رأس المنافقين، أمر النبي عليه الصلاة والسلام ابنه أن يبرَّه.. هذا هو الشرع، هذا هو الدين، هذا هو الإسلام.
5 ـ بر الوالدين مقدم على الجهاد الكفائي:
في الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال:
(( جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَاستأذَنَهُ في الجهاد، فقال: " أحَيٌّ وَالِدَاك ؟ "، قال: نعم، قال: " ففيهما فجاهد " ))
حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
وفي رواية أخرى:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال:
(( جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: جئتُ أبَايِعُكَ على الهجرة، وتركتُ أبَوَيَّ يبكيان، قال: ' فارجع إليهما، فأضْحِكْهُما كما أبْكَيْتَهُما ' ))
حديث صحيح، أخرجه أبو داود والنسائي
ترون من هذه الفقرة عظم برّ الوالدين.
وفي الأثر:
(( نومك مع أبويك يضاحكانك ويلاعبانك أفضل من الجهاد معي ))
فهذا كله يؤكد بر الوالدين. 6 ـ عدم التسبب في بكائهما حزناً وضيقاً:

قال العلماء:
ـ " من أبكى والديه كان عاقاً ".
حدثته حديثاً عن الله فبكى، هذه ليس لها علاقة، حدثته بقضية، رفضت له طلّب أو رجاك بشيء فأنت لم تستجب، رجاك أن تكون مع أخيك فانفصلت عنه، أي أنه طلب منك طلباً معقولاً، فأنت امتنعت فبكى الأب، فالعلماء قالوا: " بكاء الوالدين من عقوقهما " طبعاً هذا القول مأخوذ من الأثر:
(( بكاء الوالدين من العقوق ))
وفي أثر آخر: (( من أحزن والديه فقد عقهما ))
7 ـ مواصلة أحباب وأصحاب الوالدين:
من برّ الوالدين صلة أهل ودهما، فعن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: إني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إنَّ من أبَرِّ البرِّ صلَةَ الرجل أهلَ ودِّ أبيه بعد أن يُولِّي ))
حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي
بعد أن يولي ـ أي يموت ـ الأب، مَنْ هم أصدقاؤه ؟
إخوانه الذكور، أخواته الإناث، أقرباؤه، أصدقاؤه، أصحابه..
(( إنَّ من أبَرِّ البرِّ صلَةَ الرجل أهلَ ودِّ أبيه بعد أن يُولِّي ))
سبق تخريجه

والحديث الشهير الذي تسمعونه مني، عن أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه، قال:
(( بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من برِّ أبويَّ شيء أبرّهما به من بعد موتهما ؟ قال: نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهودهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم الذي لا رحم لك إلا من قبلهما ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في المستدرك
النبي صلى الله عليه وسلم، كان يهدي لصديقات خديجة اللحم بعد موتها برّاً بها، ووفاءً لها وهي زوجته فما ظنك بالوالدين ؟
عن أبي بردة رضي الله عنه قال:
(( قدمت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فقال لي: تدري لِمَ جئتك ؟ قلت: لا، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أحب أن يَصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده " ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه أبو يعلى
كان لابن عمر رضي الله عنهما حمار يَتَرَوَّحُ عليه إذا مَلَّ ركوبَ الرَّاحِلَةِ، وعِمَامَةٌ يَشُدُّ بها رأسَه، فبينما هو يوماً على ذلك الحمار، إذْ مَرَّ به أعرابيٌّ، فقال: ألستَ ابْنَ فلانٍ ؟ قال: بلى، فأعطاه الحمار، فقال: اركب هذا، والعمامة، وقال: اشدد بها رأسَكَ، فقال له بعض أصحابه: غَفَرَ الله لك، أعطيتَ هذا الأعرابي حماراً كنتَ تَرَوَّحُ عليه وعِمَامَةً كنتَ تشُدُّ بها رأسَكَ. فقال: إني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( إنَّ من أبَرِّ البرِّ صِلَةَ الرجل أهلَ وُدِّ أبيه بعد أن يُوَلِّيَ ))
وإنَّ أباه كان وُدّاً لِعُمَر.
حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي
8 ـ الدعاء لهما بعد موتهما:
الشيء المعروف عندكم جميعاً، أن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم يُنْتَفَعُ به، أو ولد صالح يدعو له ))
حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي

فالولد الصالح الذي يدعو له هذا صدقة جارية، إذاً: حق الأب عظيم، أي أن الإنسان إذا ربى ابناً صالحاً ودعا له من بعده فإن كلَّ أعماله الصالحة من بعده تسجَّل في صحيفة الأب، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( أفضل كسب الرجل ولده ))
من حديث رواه الطبراني وفي سنده رجل مختلف فيه السيوطي الشهير مصنف الأحاديث له أبيات يعدد فيها الصدقات الجارية أخذاً عن السنة النبوية المطهرة يقول:
إذا مات ابن آدم جاء يجري عليه الأجر عـند ثـلاث عشرِ
علومٌ بثـها ودعـاء نجـلٍ وغرس النخل والصدقات تجري
وراثة مصحفٍ ورباط ثغرٍ وحفر الـبئر أو إجـراء نـهر
وبيتٌ للغريب بـناه يـأوي إلـيه أو ابـتـناءُ مـحلِّ ذكـر
و تعليمٌ لقـرآنٍ كـريمٍ فخـذها مـن أحاديثٍ بشعري
سئِلَ أحد العلماء: " كم يدعو الإنسان لوالديه، أفي اليوم مرة، أم في الشهرة مرة، أم في السنة ؟ فقال: تدعو له مع كلِّ صلاة، خمس صلوات، أي خمس مراتٍ في اليوم.
قال بعض التابعين: " من دعا لوالديه خمس مراتٍ فقد أدى حقهما في الدعاء لأن الله تعالى يقول:
﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾
( آية 14 سورة لقمان )
فالصلاة شكر، وشكر الوالدين مع الصلاة... إذاً: خمس مرات، هذا هو الاستنباط.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب أنى لي هذه ؟ فيقول: باستغفار ولدك لك ))
حديث رجاله رجال الصحيح غير واحد وقد وثق، أخرجه الطبراني والإمام أحمد
9ـ رضا الوالدين سبب للنجاة من النار:
آخر قصةٍ في الدرس:
عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه، قال:
(( كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه آت فقال: شاب يجود بنفسه. قيل له: قل لا إله إلا الله: فلم يستطع، فقال: " كان يصلي ؟ ". فقال: نعم: فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهضنا معه فدخل على الشاب فقال له: " قل: لا إله إلا الله ". فقال: لا أستطيع. قال: " لم ؟ ". قال: كان يعق والديه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أحية والدته ؟ ". قالوا: نعم. قال: " ادعوها ". فدعوها فجاءت، فقال: " هذا ابنك ؟ ". فقالت: نعم. فقال لها: " أرأيت لو أججت ناراً ضخمةً فقيل لك: إن شفعت له خلينا عنه وإلا حرقناه بهذه النار، ألست تشفعين له ؟ ". قالت: يا رسول الله إذاً أشفع. قال: " فأشهدي الله وأشهديني أنك قد رضيت عنه ". فقالت: اللهم إني أشهدك وأشهد رسولك أني قد رضيت عن ابني. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "' يا غلام قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ". فقالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحمد لله الذي أنقذه بي من النار " ))
حديث رواه الطبراني وأحمد وفي سنده رجل متروك
هذا عمل صالح: أن توفق بين أمٍ وابنها، بين أخٍ وأخيه، بين أبٍ وأبنه، بين جارٍ وجاره.
النبي عليه الصلاة والسلام على عظم شأنه وعلى عظم قدره حمد الله عزَّ وجل على أن مكنه من أن ينقذ هذا الشاب من النار، حيث جاء بالأم وأقنعها أن تعفو عنه، فماذا كان يفعل معها ؟ وكان هذا الشاب كما ورد في كتب الحديث يؤذي أمه، ويؤثر عليها زوجته وللحديث بقية في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-05-2018, 09:04 AM   #10


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الحقوق الاسلامية



بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( السادس )

الموضوع :امثلة عن العقوق


مقدمة الدرس:
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. يجب أن يعين الآباء أبناءهم على برهم:
أيها الإخوة المؤمنون... لازلنا في الحديث عن حقوق الآباء على الأبناء، ولكن هناك ملاحظة أريد أن أضعها بين أيديكم، هي أن الآيات الكريمة المتعددة، والأحاديث الشريفة الكثيرة، التي تحضّ الأبناء على أن يكونوا بارين بآبائهم، هذه الآيات والأحاديث ينبغي أن تحْمل الآباء على أن يكونوا في مستوى الأبوة المطلوب، مادام ربنا سبحانه وتعالى يحضُّ الأبناء على أن يكونوا بارين بآبائهم، فالآباء يجب أن يكونوا في المستوى المطلوب، فقد ورد في الأثر: (( رحم الله والداً أعان ولده على بره ))
وورد أيضاً:
(( من أكل من مال ابنه فليأكل بالمعروف ))
يعني: ربنا سبحانه وتعالى في آيات كثيرة وأحاديث كثيرة، يحضّ الأبناء على برّ آبائهم، فينتظر من الآباء أن يكونوا مثالييِّن في معاملة أبنائهم.
أفضل البر بالوالدين، متى يكون، وأين يكون:
ربنا سبحانه وتعالى في الآية التي بدأنا شرحها في الدرس الماضي يقول: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
( 23 سورة الإسراء: آية)
تشتد حاجة الآباء إلى البر عند كبر سنهم:

الحقيقة أن الأب الشاب اليقظ الواعي هو في غنى عن ابنه، ليس في هذا شك، ولكن متى تشتد حاجة الأب إلى ابنه ؟ إذا بلغ من الكبر عتياً، إذا تقدمت به السن، إذا ضعف بصره، إذا انحنى ظهره، إذا خارت قواه، إذا ضعفت ذاكرته، إذا كلَّت يده، إذا أصبح عبئاً على ابنه، يكون الأب في أشد حالات الحاجة إلى ابنه إذا تقدمت به السن، وإذا وقف كسبه، وإذا أصبحت حاجاته كثيرة، وأدويته كثيرة، ومطالبه كثيرة، وله أبناء في أوج شبابهم، وفي عنفوان رجولتهم.
لذلك ربنا عزَّ وجل أشار في هذه الآية إلى الكبر:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
( 23 سورة الإسراء: آية)
بر الوالدين يكون في بيت الولد لا في مأوى العجزة:

أشارت الآية أيضاً في كلمة ( عندك ) إلى المعنى التالي:
الابن أحياناً يكون أبوه قد تقدمت به السن ولكنه يقطن عند أخيه، فيزوره من حينٍ إلى آخر، ويقدم له واجبات الخضوع والمحبة ويجلس قليلاً وينصرف، أما عبء الأب فهو على الأخ الثاني، فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية يشير إلى أن حقوق الأب تشتد ويعظم أجرها إذا بلغ من الكبر عتياُ وكان ( عندك ) في البيت، أي: كنت أنت ترعاه.
فبعض الدول الغربية تفتخر بأن لديها مأوىً للعجزة، أي أن هذا الإنسان إذا تقدمت به السن التحق بهذا المأوى، قد يقدموا له كل شيء، أطيب الطعام، وكل الخدمات الصحية ولكن لا يستطيعون أبداً أن يقدموا له المحبة، ولا العطف، ربما كانت سعادة الأب أن يمتِّع نظره بأولاده، فإذا زجّوه في مأوى العجزة، وتخلوا عنه، وأنفقوا عليه الأموال الطائلة، فوالله قد فعلوا في حقه جريمة لا تغتفر.
لذلك، الإسلام يوجد فيه نظام التضامن الاجتماعي، أي أن كل أُسرة متضامنة متكافلة فيما بين أفرادها، فلو تقدمت بالأب السن، لو ضعف بصره، لو خارت قِواه، لو أصبح عاجزاً، إنه بين أولاده، بين بناته، بين أقربائه، هذا الذي ينسيه ألمه، فإذا زجَّ في مأوى العجزة، فَقَدَ العطف، فقَدَ الحنان، فكيف إذا كان هذا المأوى فيه القسوة وفيه الضرب وفيه الإيذاء بالكلام ؟
سمعت قصة امرأة لها أموال طائلة أكثرها غير منقول ؛ أي حوانيت وأبنية وبيوت وأراضٍ ومزارع، تقدمت بها السن، وفقدت حركتها، أودعها أولادها في مأوى العجزة، لأن زوجاتهم أبَيْنَ أن يخدمنها، فحينما رأت نفسها في مأوى العجزة وأن أولادها الذين ربتهم تخلوا عنها، استدعت الكاتب بالعدل، وكتبت للجمعيات الخيرية كل أموالها، عقاباً لهؤلاء الأولاد الذين كفروا فضل أمهم عليهم.
لذلك:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
( 23 سورة الإسراء: آية)
روى الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه قال:
(( رَغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكِبَر فلم يُدْخِلاه الجنة ))
قال الراوي: وأظنه قال: (( أو أحدهما ))
من حديث صحيح، أخرجه الترمذي
أي: أن تكون باراً بأبيك وقد تقدمت به السن، وقد ضعُف بصره، وقد خارت قِواه، وقد ضعفت ذاكرته، وقد فقد ضبط نفسه، بأن يبقى عندك معززاً مكرماً مخدوماً، فهذا العمل من الأعمال التي يستحق عليها الإنسان كلَّ إكرامٍ في الدنيا قبل الآخرة، وما رأيت إنساناً موفقاً في حياته إلا بسببٍ وجيهٍ من برهِ بوالديه، فمن كان له أبٌ حيّ فليغتنم هذه الفرصة، إنها فرصة العمر، فرصةٌ لا تعوض، وكذلك الأم.
دور اللسان والكلام في ميدان البر بالوالدين:
من ذلك:
كلمة ( أف ) ومعانيها السيئة:
قال تعالى:
﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾
( سورة الإسراء، آية 23 )
الأُف: اسم فعل مضارع، أي أتضجر، وهي من الكلام الرديء الخفي، فحتى لو رأى الابن من أبيه شيئاً لا يحتمل، لا ينبغي أن يقول له: أُف، كل ما يُضجِر ويستثـقل ويقال له أُف،إن كان من الأب، لا ينبغي أن يقول الابن هذه الكلمة لأبيه، ورد في الأثر:
(( لو علم الله من العقوق شيئاً أقل من أُف لذكره))

يعني أقل شيءٍ في العقوق أن تقول: أُف، وهو زفير بصوت مسموع، وهو تضجر. ولو علم الله من العقوق شيئاً أردأ من أف لذكره،فليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار، وليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة.
لكن إياكم أن تتوهموا أن البار بوالديه لو عصى الله عزّ وجل فإنه يدخل الجنة هذا ليس مقصوداً من هذا الكلام.
كلمة أُف ـ بالتعريف الدقيق ـ رفض للأب، رفض لنعمته وجحود لتربيته، وردّ للوصية التي أوصانا الله بها بحق الآباء، وهذا معنى كلمة أُف، والدليل هو قول الله عزّ وجل على لسان سيدنا إبراهيم حيث قال لقومه: ﴿ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
( آية 67 سورة الأنبياء )
يعني أنا أرفضكم بسبب كفركم، وأرفض عبادتكم، وأرفض موضوع عبادتكم.
ما يساوي كلمة ( أف ) من ردود الأفعال القبـيحة:
العلماء قالوا: " مجرد النظر إليهما بغضبٍ يعتبر عقوقاً "

يعني إذا نظر إلى أبيه بعبوس، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( ما برّ أباه من سدد إليه الطرف بالغضب ))
حديث أخرجه الطبراني في الأوسط، وأحد رجاله متروك
بل إن إغلاق الباب بعنفٍ من العقوق أيضاً، وهو يساوي أُف.
ووضع الإناء بعنف من العقوق.
أحياناً يغضب الابن، فيقود سيارته برعونة ليعبر عن غضبه من أبيه، هذا أيضاً من العقوق، وفي الأثر:
(( لم يتلُ القرآن من لم يعمل به، ولم يبرَّ والديه من أحدَّ النظر إليهما في حال العقوق أُولئك براءٌ مني وأنا منهم بريء ))
القول الكريم واجب في حق الوالدين:
قال تعالى: ﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
( 23 سورة الإسراء: آية)
﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾
( 24 سورة الإسراء: آية)
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
( 23 سورة الإسراء: آية)
النهر: يعني الزجر والغلظة.
وقل لهما قولاً كريماً: يعني قولاً ليناً لطيفاً، يا أبتاه، يا أُماه، من غير أن يسميهما أو يُكنيهما، يعني لو أن الأب اسمه سعيد وكنيته أبو أحمد، الأولى أن تخاطبه بأن تقول له: يا أبتِ، يا أبي، يا أبتاه، وهذا أولى من أن تقول: يا أبا أحمد.
أنا مرة اصطحبت أحد الإخوة في مسجدنا لعند ابنه لقضيةٍ، فلما دخل عليه، ناداه ابنه بكُنيته لئلا يشعر أحد أنه أبوه، وقال: اجلس هنا يا أبا فلان، وأبوه شخصية مرموقة، لكنه ما أراد أن يُعرّف الناس أن هذا والده.
لذلك الأولى أن يناديه بكلمة يا أبتاه، يا أبي، يا والدي، من غير أن يسميهما باسمهما أو أن يناديهما بكنيتهما، وابن المسيب يفسر قوله تعالى:
﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
( 23 سورة الإسراء: آية)
قال: " القول الكريم كما يخاطب العبد سيداً فظاً غليظاً "، أي كأن عبداً مذنباً يخاطب سيداً فظاً غليظاً فإنه يتلطف، ويرجو، ويتضرع، ويتحبب، ويتوسل.
بعض الآداب الواجبة في حق الوالدين:
من بَر الوالدين، ألا يرفع الابن يديه إذا كلمهما، أي أنه لا يشير بيديه حين يتكلم معهما، فيرفع يده ويخفضها، لأن حركات اليدين في أثناء الكلام استخفاف بالأب، لذلك من بر الوالدين ألا يرفع الابن يديه في أثناء مخاطبته أمه أو أباه.
عن عائشة رضي الله عنها قالت:
(( أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ومعه شيخ فقال له: " يا فلان من هذا معك ؟ ". قال: أبي. قال: " فلا تمش أمامه، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه، ولا تستسب له " ))
حديث أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ورجاله رجال الصحيح إلا اثنين فيهما كلام
لا تستسب له: أي لا تكن سبباً في سبه، هذا من أدب النبي عليه الصلاة والسلام
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( ما من مسلم يصبح ووالداه عنه راضيان إلا كان له بابان من الجنة، وإن كان واحداً فواحد، وما من مسلم يُصبح ووالداه عليه ساخطان إلا كان له بابان من النار، وإن كان واحداً فواحد ))
حديث أخرجه ابن أبي عمر في مسنده، بإسناد ضعيف جداً
إذا عق والديه فأبواب النار مفتحة له، وإذا برَّ والديه فأبواب الجنة مفتحة له.
الولد وما يملك ملك لأبيه:

تروي كتب السيرة أن رجلاً جاء النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله إن أبي قد أخذ مالي، فقال عليه الصلاة والسلام: (( اذهب فأتني بأبيك ))
شيءٌ دقيق جداً، إنسان شكا لك على إنسان، فمادام يتكلم وحده سيتكلم ما يحلو له، سيخفي بعض الحقائق، سيبرز بعض الحقائق، سيبالغ ببعض الحقائق، لكن إذا قلت له اذهب وأتني به، أنا أؤكد لكم أن تسعة أعشار ما كان ينوي أن يقوله سوف يسكتُ عنه، إذا أحضرت المتخاصميْن مع بعضهما أمامك، فإن تسعة أعشار ما ينوي أحدهما أن يقوله في غيبة الآخر سوف يسكت عنه، فالنبي عليه الصلاة والسلام علمنا قال:
(( اذهب فإتني بأبيك ))
اسمع من الطرف الآخر، قال سيدنا سليمان: ﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾
( آية 27 سورة النمل )
تريّثْ، استمع من الطرف الآخر، حق الدفاع مشروع، قال له:
(( اذهب فأتني بأبيك ))
روت كتب السيرة أن سيدنا جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (( " إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك: إذا جاءك الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه " ))
أي أن الشيخ في طريقه إلى النبي عليه الصلاة والسلام كان يحدث نفسه، وكل واحد منا إذا كانت عنده مشكلة، فإنه يمشي وهو يحدِّث نفسه، هذا حديث النفس، يبدو أن هذا الشيخ لشدة ألمه من ابنه كان يحدث نفسه شعراً، فسيدنا جبريل جاء النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: إذا جاءك الشيخ فاسأله عن الشيء الذي قاله في نفسه.. (( فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ما بال ابنك يشكوك، أتريد أن تأخذ ماله ؟ فقال: سله يا رسول الله، هل أنفقته إلا على إحدى عماته أو خالاته أو على نفسي ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إيه دعنا من هذا، أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك ". فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما يزال الله يزيدنا بك يقيناً، لقد قلت شيئاً في نفسي ما سمعته أذناي فقال: " قل وأنا أسمع " قال: قلت:
غذوتك مولوداً ومنتك يافعاً تُعِلًّ بما أجني عليك وتنهلُ
إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبِتْ لسقمك إلا ساهراً أتململُ
كأني أنا المطروقُ دونك بالذي طُرقتَ بهِ دوني فعيني تهملُ
تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت وقت مؤجل
فلما بلغتَ السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلتَ جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل
تراه معداً للخلاف كأنه بردٍّ على أهل الصواب موكل
قال: حينئذ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه فقال:
(( أنت ومالك لأبيك ))
القصة أخرجها الطبراني عن جابر بن عبد الله، ولها شواهد مختصرة رجالها رجال الصحيح
النبي صلى الله عليه وسلم بكى، وأمسك الابن من تلابيبه وقال: أنت ومالك لأبيك، من أنت ؟ ما أنت إلا حسنة من حسنات أبيك.
حدود البر بالوالدين:
لكن بر الوالدين له حدود، لو أن الأم أو الأب أمرك أن تكفر بالله أو أن تكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام، ماذا تفعل ؟ الله سبحانه وتعالى علمنا فقال:
﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
( سورة العنكبوت: آية 8 )
قصة سيدنا سعد رضي الله عنه مع أمه، قال: " كنت باراً بأمي فأسلمتُ، فقالت: لتَدَعَنَّ دينك أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعيَّر بي، ويقال لك: يا قاتل أُمه. وبقيت يوماً أو يومينً لا تأكل ولا تشرب، فقلت: يا أماه لو كانت لكِ مائة نفسٍ، فخرجت ًواحدةً تلو أخرى، ما تركت ديني هذا، فكلي إن شئت أو لا تأكلي ".
يعني في موضوع الإيمان بالله، وموضوع طاعة الله، يتوقف هنا رضا الأُم والأب " فكلي إن شئت أو لا تأكلي "، لكنها أكلت، فلما رأت ذلك أكلت، ونزل قوله تعالى:
﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا في الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ﴾
( سورة لقمان: آية 15 )
بعض الأحكام المتعلقة ببر الوالدين:
بعض الأحكام الشرعية المتعلقة في هذا الباب: 1- طاعتهما تكون في ميدان المباحات لا في المعاصي:
طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب الكبيرة أو ترك الفريضة، هذا الحكم الشرعي المستنبط من هذه الآية، هذا شيءٌ مقطوعٌ به، وتلزم طاعتهما في المباحات، الأشياء المباحة يلزمك أن تطيعهما فيها، ويستحسن ترك المندوبات من أجلهما، مثال ذلك:
الأكل على الطاولة، وأبوك يغضب بسرعة، وأنتم في شهر رمضان، وتريد أن تصلي أنت وزوجتك وأولادك المغرب قبل الإفطار، والأب يحب أن يأكل مع الأذان، فأن تصلي قبل الإفطار هذا مندوب، فإذا تركت الصلاة قبل الإفطار، وصليتها بعد الإفطار إرضاءً لأبيك وحفاظاً على أعصابه فإن هذا مطلوبٌ منك، فهذا ترك المندوبات، أما في المباحات فأنت ملزمٌ بطاعتهما، وفي ارتكاب الكبائر أو ترك الفرائض لست ملزماً بطاعتهما، أما إذا رأيت أن ترك بعض المندوبات مما يريحهما فلا عليك إذا فعلت هذا من أجلهما، هذا هو الحكم الشرعي. 2- طاعتهما مقدمة على الجهاد الكفائي إن لم يأذنا:
كذلك ترك الجهاد الكِفائي، الجهاد الكِفائي إذا قام به البعض سقط عن الكل، يعني إذا الإنسان تطوع في الخدمة العسكرية، فالتطوع يحتاج إلى إذن الوالد، أما الخدمة الإلزامية فلا تحتاج، الجهاد العيني هذا ليس بإذن من الوالد، ترك الجهاد الكِفائي من أجلهما، أو الإقدام عليه فبإذنهما. 3- يجوز ترك الصلاة النافلة من أجل إجابة الوالدين:
تحدثنا في الدرس الماضي عن إجابة الأُم في الصلاة، فإذا أمكنك أن تعيد الصلاة وكانت في حاجةٍ إليك لا عليك أن تدع الصلاة من أجلها. كمال طاعات سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً:
(( " من أصبحَ منكم اليوم صائماً " ؟ قال أبو بكر الصِّدِّيق: أنا، قال: " فمن تَبِع منكم اليوم جنازة " ؟ قال أبو بكر: أنا، قال: " فَمَنْ أطعم منكم اليومَ مِسْكِيناً " ؟ قال أبو بكر: أنا، قال: " فمن عاد منكم اليوم مريضاً " ؟ قال أبو بكر: أنا، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " ما اجْتَمَعْنَ في رجل إلا دخل الجنة " ))
حديث صحيح، أخرجه مسلم
يعني سيدنا الصديق كان سباقاً ؛ في بر الوالدين، وفي إطعام الطعام، وفي رد السلام، وفي تشيع الجنازة..
بر الوالدين من صفات الأنبياء:
لا تنسوا أن الله عزّ وجل نوَّه بالأنبياء الكرام وبرِهم بآباءهم، فقال متكلماً عن سيدنا يحيى:
﴿ وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً ﴾
(سورة مريم، آية 14)
وعن سيدنا عيسى:
﴿ وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً ﴾
( آية 32 سورة مريم )
وعن سيدنا يوسف:
﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ﴾
( سورة يوسف: آية 100 )
وعن سيدنا إسماعيل:
﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾
( آية 102 سورة الصافات )
تروي بعض الكتب ـ من باب التفصيلات ـ أن سيدنا إسماعيل عليه السلام قال: " يا أبت إذا أردت ذبحي، فاشدد وثاقي لئلا يصيبك شيءٌ من دمي فينقص أجري، وإن الموت لشديد ولا آمن أن أضطرب عنده إذا وجدتُ مسه، فاشحذ شفرتك حتى تُجهز عليّ، فإذا أنت أضجعتني لتذبحني فاكببني على وجهي، فإني أخشى إن أنت نظرت إلى وجهي أن تأخذك الرقة فتحول بينك وبين أمر ربك، وإن رأيت أن تردّ قميصي إلى أُمي، فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني فافعل، قال إبراهيم: نعم العون يا بني أنت على أمر الله.
ما هذا الابن ؟.. نِعم العون يا بني أنت على أمر الله، ثم إنه هم بالتنفيذ، فتله للجبين ليذبحه فنودي:
﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (*) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾
( آية 104،105 سورة الصافات )
وافتُديَ بكبشٍ عظيم، وجده إبراهيم على مقربةٍ منه فذبحه.
يعني نحن جميعاً نرى القضية سهلة، اُفتدي بكبشٍ عظيم، هذا متى عرفته أنت ؟ بعد أن اُفتدي، أما حينما أمره الله بذبح ابنه هل كان يعلم أن هناك حل لهذه المشكلة ؟
﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴾
( آية 106 سورة الصافات )
الآثار الطيبة لبر الوالدين:
منها:الالتجاء إلى الله ببر الوالدين ينجي من الكروب:
النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح المتفق عليه ـ أي اتفق عليه الشيخان،البخاري ومسلم، وهذا أعلى مستوى من الأحاديث الصحيحة ـ عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول:
(( انطلقَ ثلاثةُ نَفَر ممن كان قبلكم، حتى آواهم المبيتُ إِلى غار، فدخلوه، فانحدرتْ صَخرَة من الجبل، فسَدت عليهم الغارَ، فقالوا: إِنه لا يُنجيكم من هذه الصخرة إِلا أن تَدْعُوا الله بصالح أعمالكم.. ))
كل واحد منا وقع في مشكلة أو في ورطة، أو لاح له شبح خطر، أو لاح له شبح مصيبة، كمرض عُضال لا سمح الله، أو دمار للمال فجأةً، إذا وقع أحد في مشكلة كبيرة جداً، لا ينام لها الليل، فالسُنة النبوية أن تدعو الله بصالح عملك.
حدثني رجل كان من تجار الأغنام التقيت به وكان عمره يزيد على التسعين عاماً، وقال لي: " إنني خرجت لِتَوي من الفحص الطبي فكانت النتيجة سليمة مائة بالمائة "، أي أنه لا يشكو شيئاً وهو في التسعين، وقد أقسم لي أنه لا يعرف الحرام بكل أنواعه، وكان باراً بوالديه، فقال لي: " كنت في البادية مرةً، وامرأة راودته عن نفسه، فقال: إني أخاف الله رب العالمين، واشترى قطيعاً من الغنم وسار به، فأدركهم العطش إلى درجةٍ أنه وأغنامه أصبحوا على وشك الموت، فقال: يا رب إن كنت تعلم أنني عففت عن هذه المرأة خوفاً منك ففرج عنا. هذه سنة، يعني إذا أحب الله عزّ وجل أن يمتحن إنساناً، وضعه في ورطة، أو في مشكلة.. الطريق انقطع، عطش شديد، مرض شديد، مشكلة كبيرة، شبح إتلاف المال كله، فعليه أن يدعو الله بصالح عمله، يا رب إن كنت تعلم أنني فعلت هذا العمل من أجلك وخالصاً لك لا أبتغي به شيئاً فأنقذني من هذه الورطة، هذه هي السنة.
(( قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخانِ كبيران، وكنتُ لا أَغْبُقُ قبلهما أهلا ولا مالا.. ))
الغبوق: معناه شرب الحليب مساءً (( فنأَى بي طلبُ شَجَر يوماً، فلم أَرُحْ عليهما حتى ناما.. ))
أي عدت إلى البيت فإذا هما نائمان
(( فَحَلَبْتُ لها غَبوقَهُما، فوجدتهما نائمين، فكَرِهتُ أَن أَغْبُقَ قبلهما أهلا أو مالا، فَلَبِثْتُ والقَدَحُ على يدي أنتظر استيقاظهما، حتى بَرَقَ الفَجْر.. ))
لا يشرب قبلهما حتى استيقظا من نومهما
(( فاستيقظا، فشرِبا غَبوقَهُما، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك، ففرِّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرَجَتْ شيئاً لا يستطيعون الخروج.. ))
لكنها تزحزحت
(( قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: قال الآخر: اللهم كانت لي ابنةُ عمّ، كانت أحبَّ الناس إِليَّ، فأردُتُها على نفسها، وامتنعت مني، حتى أَلَمَّتَ بها سَنَة من السنين.. ))
أي: فقرٌ شديد
(( فجاءتني، فأعطيتُها عشرين ومائةَ دينار، على أن تُخَلِّيَ بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إِذا قَدَرْتُ عليها، قالت: لا أُحِلُّ لَكَ أَن تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلا بِحقِّه، فتحَرَّجْتُ من الوقوع عليها، فانصرفتُ عنها وهي أحبُّ الناس إِليَّ، وتركتُ الذهب الذي أعطيتها، اللهم إِن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فافْرُج عنا ما نحن فيه، فانفرَجَتِ الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها ))
(( قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وقال الثالث: اللهم استأَجَرْتُ أُجَرَاءَ، وأعطيتُهم أجرَهم، غير رَجُل واحد، تَركَ الذي له وذهب، فَثَمَّرتُ أَجْرَهُ حتى كَثُرَتْ منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله، أَدِّ إِليَّ أجري، فقلت: كلُّ ما ترى من أَجْرِكَ، من الإِبل والبقر، والغنم، والرقيق، فقال: يا عبد الله، لا تستهزئُ بي، فقلتُ: إِني لا أستهزئُ بك، فأخذه كلَّه، فاسْتاقه، فلم يتركْ منه شيئاً، اللهم فإن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فافْرُج عنا ما نحن فيه، فانفرجتِ الصخرة، فخرجوا يمشون ))
حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود
يعني إذا الإنسان وقع في شدة، فعليه أن يدعو الله بصالح عمله.
دعوة الأب لابنه، دعوة مستجابة:
وعن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( ثَلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَاباتٌ، لا شَكَّ في إجابَتِهنَّ: دَعوَةُ المظلُومِ، ودَعوةُ المُسَافِرِ ودَعوةُ الوَالِدِ على الولد ))
حديث حسن، أخرجه الترمذي
وفي الأثر: (( أربعةٌ دعوتهم مستجابة، الإمام العادل، والرجل يدعو لأخيه بظهر الغيب، ودعوة المظلوم، ورجلٌ يدعو لولده ))
بر الوالدين سبب لمغفرة الذنوب، وزيادة في العمر و الرزق:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال:
(( أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله أذنبت ذنبا كبيراً، فهل لي من توبة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك والدان ؟ قال: لا، قال ألك خالة ؟ قال: نعم قال فبرها إذاً ))
حديث صحيح، أخرجه الترمذي والإمام أحمد وابن حبان والحاكم
وهذا حديث لطيف، يعني إذا كان إنسان توفيت أمه وله خالة فالإحسان إلى الخالة بمثابة الإحسان إلى الأُم.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((من سره أن يمد له في عمره ويزاد في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه ))
حديث أخرجه أحمد في مسنده، ورجاله رجال الصحيح
وقال عليه الصلاة والسلام:
(( من بر والديه طوبى له، زاد الله في عمره ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في مستدركه
وعن ثوبان رضي الله عنه ن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه الترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم
ثلاثة أحاديث عن أن بر الوالدين يزيد في العمر وفي الرزق.
بشارة للمقصّرين كي يتداركوا:

ورد في الأثر:
(( إن العبد ليموت والداه أو أحدهما وإنه لهما لعاق فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله باراً ))
هذه بشارة، فلو أن أباً مات غاضباً على ابنه، فهذا الابن العاق دعا لوالديه واستغفر لهما وفعل الأعمال الصالحة من أجلهما، ربما كتبه الله باراً ولو مات أبوه غاضباً عليه، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب أنى لي هذه ؟ فيقول: باستغفار ولدك لك ))
حديث رجاله رجال الصحيح غير واحد وقد وثق، أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن أبي هريرة
وفي الأثر:
(( من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر الله له وكُتب باراً ))
بعض القصص المتعلقة بموضوع بر الوالدين:
بقي علينا بعض القصص المتعلقة بهذا الموضوع: 1- كما تدين تدان:
قيل: كان رجل يطعم والده المُسن طعاماً في إناءٍ من الخشب ـ الآن يوجد كأس من البلور وكأس من الإستالس، فيريد الوالد كأس من الماء فيعطيه ابنه كأس الإستالس لأنها لا تنكسر ـ فكان هذا الرجل يطعم والده المُسن في إناءٍ من الخشب، فسأله ولده عن السبب في هذا، الابن الصغير سأل أباه: لماذا تطعم جدي في هذا الإناء الذي هو من الخشب ؟ فقال له: لأنني إذا أطعمته في إناءٍ صينيٍ أو من الزجاج كسره، فقال له ابنه: إذاً يا أبت سأحتفظ لك بهذا الإناء الخشبي حتى أُقدم لك طعامك فيه عندما تكون في سن جدي، فعند ذلك انتبه الوالد وأدرك أن ما يفعله الآن مع والده سيفعله ابنه معه، وتاب إلى الله من هذا الذنب. أقل استهانة أحياناً تهين الأب، كأن يقدم له فنجاناً فيه عيب، ويقول: خذ اشرب بلهجة المتذمر، أو كأس متسخة فيحزن الأب، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم ))
حديث أخرجه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن عمر
2- يشتكي أمه وينسى فضلها:
قيل: إن رجلاً شكا إلى نبي سوء خلق أمه، فقال:
(( لم تكن أُمك سيئة الخلق حين أرضعتك حولين كاملين ؟ ولم تكن سيئة الخلق حين أسهرتها الليل، ولم تكن سيئة الخلق حين رعتك، لقد جازيتها بهذا ؟ ))
هذا الذي يذم والديه ليس مؤمناً. 3- الولد ملك لأبيه:
ولد اشتكى إلى النبي عليه الصلاة والسلام أباه وأنه يأخذ ماله فدعا به فإذا هو شيخٌ يتوكأ على عصا فسأله، فلعله قال: يا رسول الله إن ابني وهو صغير كان ضعيفاً وأنا قوي، وكان فقيراً وأنا غني، فكنت لا أمنعه شيئاً من مالي، واليوم أنا ضعيفٌ وهو قوي، وأنا فقيرٌ وهو غني يبخل علي بماله، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام وقال للولد:
(( أنت ومالك لأبيك ))
من حديث صحيح،أخرجه ابن ماجة عن جابر بن عبد الله
4- آداب بعض البررة:
ـ قيل لعمر بن ذر: كيف كان برّ ابنك ؟ قال: " ما مشيت نهاراً إلا ومشى خلفي، ولا ليلاً إلا مشى أمامي، ولا رقى سطحاً وأنا تحته ". ـ قيل لعلي بن الحسين: أنت من أبر الناس بأمك، ولكن لماذا لا تأكل معها ؟ قال: " والله أخاف أن تمتد يدي إلى ما قد سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها ".
يعني: قطعة من اللحم في الصحن وهي عينها على هذه القطعة،فإن أكلتها أنا أكون قد عققتها... كانوا إلى هذا المستوى.
ـ أبو يزيد البسطامي رحمه الله قال: " كنت ابن عشرين سنة، فدعتني أُمي لتمريضها ذات ليلة فأجبتها، فجعلت يدي تحت رأسها، والأخرى أمسِّد يدها بيدي، وأقرأ ( قل هو الله أحد ) فخدرت يدي، فكدت أفقد قوة اليد، فقلت: اليد لي وحق الوالدة لله ".
هذا من بره لأُمه.
5- ترجو هي حياتك، وترجو أنت موتها:
ورجل قال لسيدنا عمر: " إني أخدم أُمي كما كانت تخدمني في الصغر فهل قمت بحقها ؟ فقال: لا، إنها كانت تخدمك وهي تتمنى لك الحياة، وأنت تخدمها وأنت تتمنى لها الموت ". وبعبارة أخرى أو مهذبة: ( أن يخفف الله عنها ). 6- الأم الصابرة المحتسبة:
كان رجلٌ يجلس إليَّ، فبلغني أنه نزل به الموت وإذا أُم عجوز كبيرة جعلت تنظر إليه حتى غُمِّض وعصِّبَ وسُجّي، فقالت: رحمك الله يا بني لقد كنت بنا باراً، وعلينا شفوقاً رزقنا الله عليك الصبر، فقد كنت تطيل القيام وتكثر الصيام، فلا حرَمَكَ الله ما أملت من رحمته، وأحسن عنك العزاء، ثم نظرت إليّ وقالت: لو بقي أحدٌ لأحد لبقي النبي عليه الصلاة والسلام لأمته.
كل حالٍ يزول، لذلك يقال للميت كما في الأثر: " رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت ". وأخيراً:
من خلال هذه الآيات والأحاديث والتعليقات والأحكام الفقهية والقصص يتبين لنا أن بر الوالدين بابٌ كبير من أبواب الجنة.
(( رَغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكِبَر فلم يُدْخِلاه الجنة. قال الراوي: وأظنه قال: أو أحدهما ))
من حديث صحيح، أخرجه الترمذي
فمن كان له أب على قيد الحياة أو أم، أو من كان له أب وأم، فليغتنم هذه الفرصة، لأن الله عزّ وجل أمرنا أن نحسن إلى الوالدين وقرن هذا الأمر بعبادته..


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
الاسلامية, الحقوق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 4 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 12 09-22-2018 08:42 PM
الاخلاق الاسلامية السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 19 09-17-2018 07:32 AM
التربية الاسلامية - مدارج السالكين السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 101 07-21-2018 03:54 PM
[ذائقة نورانية] العقيدة الاسلامية السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 68 06-21-2018 03:20 PM
درس المحافظه على الحقوق للتصاميم ابوفهد رياض لأعمال المصمم المبدع "ابوفهد" 2 07-18-2016 03:08 AM


الساعة الآن 07:04 AM