المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الحقوق الاسلامية


السعيد
09-04-2018, 02:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الاول )


الموضوع : علاقة الرجل بزوجتة وعدم الاختلاط


حمد لله ربِّ العالمين، وأفضل الصلاة وأتمُّ التسليم على سيِّدنا محمَّد الصادق الوعد الأمين، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علماً، وأرِنا الحقَّ حقّاً، وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلاً، وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتَّبعون أحسنَه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الإخوة المؤمنون، لا زلنا في الحديث النَّبويّ الشريف، ولا زلنا في باب حقِّ الزوج على المرأة. أحاديث نبوية في حقوق الزوج على زوجته
الحديث الأول:
ورد في هذا الباب حديثٌ شريفٌ، فعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ))
[ متفق عليه ]
فتنتان لا قبل للإنسان بهما: المال والنساء
الإنسان أحياناً مِن أين يؤخَذ ؟ إذا كان مُستقيماً على أمر الله، أين تزِلُّ قدمه ؟ من أين يؤخَذ ؟ كيف ينتكس ؟ كيف يُحجب عن الله ؟ كيف يتقهقر ؟ كيف يتراجع ؟ كيف يفقد اتجاهه إلى الله في صلاته ؟ كيف يفقد إقباله على الله ؟ كيف يشعر أنَّ عبادته تافهة لا معنى لها ؟ حينما تدخل في حياته امرأةٌ بطريقٍ غير مشروع.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( الْعَيْنُ تَزْنِي، وَالْقَلْبُ يَزْنِي، فَزِنَا الْعَيْنِ النَّظَرُ، وَزِنَا الْقَلْبِ التَّمَنِّي، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ مَا هُنَالِكَ أَوْ يُكَذِّبُهُ ))
[ أحمد ]
الإنسان قد يزني بعينه، وقد يزني بلسانه، وقد يزني بأذنه، وقد يزني بيده، فهذه المُخالفات هي حجابٌ بين العبد وربِّه، بل لو سألنا إنسانا سؤالاً آخر: ما هي المزالق الخطيرة في طريق الإيمان ؟ أغلب الظنّ أنّ عامّة المسلمين لا يشربون الخمر، ولا يسرقون، ولا يقتلون، هذه الكبائر التي ذكرها الله عزَّ وجلّ في القرآن الكريم وذكرها نبيّه العظيم في سنّته، هذه الكبائر يبتعد عنها مُعظم المسلمين، ولكن هذا المسلم مِن أين يؤتى ؟ كيف ينتكس ؟ كيف تُصبح صلاته جوفاء ؟ كيف يُصبح صيامه لا معنى له ؟ يؤتى من بابين كبيرين، من باب النّساء، ومن باب كسب المال، لو تتبّعت المعاصي وتكرارها، واتّساع رُقعتها في ساحة النّفس الإنسانيّة، لوجدتَ أن أكبر مساحةٍ يشغلها حبُّ المال، وحبُّ النِّساء، لذلك أكبر مزالق الإنسان من جهة المال ومن جهة النّساء، بل إنّ النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الشريف يجعل المرأة أكبر خطرٍ على الإنسان، بمعنى أن تعصي الله بها، أيّة شهوةٍ أودعها الله في الإنسان، جعل لها طريقاً مشروعاً، جعل لها قناةً نظيفةً، ربُّنا سبحانه وتعالى يقول: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2042/01.jpg
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * ﴾
( سورة المؤمنون )
أي مُعتدون، وإنه لعُدوانٌ أن تنظر إلى امرأةٍ لا تحِلُّ لك، وعُدوانٌ أن تُدير معها حديثاً، عُدوانٌ أن تتلطّف في مُحادثتها، هذا الذي يقطعُ عن الله عزّ و جلّ، فحين تقعُ عينك على امرأةٍ لا يحِلُّ لك أن تنظر إليها، وتستمرئ هذه النظرة، هنا بدأ الحِجاب، هذه هي تعليمات الصانع، ما من جهةٍ مؤهلةٍ أن تُقدّم لك التعليمات الصحيحة إلا الصّانع، لقول الله عزّ و جلّ: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾
( سورة البقرة )
أي أن التعليمات النّافعة لهذه الآلة من الصّانع، ﴿ الحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ﴾
( سورة البقرة: من الآية 147)
والنبي عليه الصّلاة والسّلام أرسله خالقنا العظيم ليُبيِّن لنا تعليمات التّشغيل لهذه الآلة، يقول عليه الصّلاة والسّلام: (( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ))
لا بد من هامش الأمان بين العبد والمعصية
في بعض الأيام نظرةٌ، إذا لم يغُضّ الإنسانُ بصره كانت النّظرة سبيلاً إلى أكبر معصية، لذلك ربُّنا عزّ و جلّ في بعض الآيات يقول:
﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾
( سورة البقرة: من الآية 187)
وفي آياتٍ أُخرى يقول: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ﴾
( سورة البقرة: من الآية 229)
لماذا مرّةً: ﴿ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾
ومرةً: ﴿ فَلاَ تَعْتَدُوهَا ﴾
هناك نوعٌ من المعاصي فيها جذبٌ، فكُلّ معصيةٍ تجذبك إليها بدافعٍ من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان، هذه المعصية يجب أن تدع بينك وبينها هامش أمان، لا بُدّ من أن تدع بينك و بينها هامش أمان حتّى تنجو منها، لذلك جاءت الآية: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ فَلاَ تَقْرَبُوهَا ﴾
تيّار فيه ستة آلف فولط، هذا التيّار حوله ساحة مغناطيسيّة عرضها ستّة أمتار، فأيُّ إنسان دخل إلى هذه الساحة جذبه هذا التيّار، وأحرقه، فإذا علمت أن هذا التيّار خطر، وأن حوله ساحة مغناطيسيّة لا تدخل إلى هذه الساحة، لأنّك إذا دخلتها جذبتك هذه الساحة إلى التيّار فاحترقت
معصية النّساء من هذا النّوع، تحتاج إلى هامش أمان، طريقٌ موبوء لا تمشِ فيه، صديقٌ مُغرمٌ بالزنى لا تُصاحبه، ولا تجلس معه، ولا تستمع إليه، قصّةٌ ماجِنة لا تقرأها، لقاءٌ مُختلط لا تأته، هذا هو هامش الأمان، لأنّ الله عزّ و جلّ يقول:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2042/02.jpg
﴿ وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى ﴾
ولا تقربوا، أيْ يجب أن تدع بينك وبين الزنى هامش أمان، نظرةٌ، فابتسامةٌ، فموعدٌ، فلقاءُ.
(( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ))
ضع في ذهنك أن المرأة في الحرام لغمٌ مُتفجِّر، ربّما أطاح بدينك، ربّما أطاح بصلاتك، ربّما أطاح بوجهتك إلى الله عزّ و جلّ، ربّما أطاح بقُربك من الله عزّ و جلّ، أنت ذُقت طعم القُرب - المشكلة هنا - إذا ذاق المؤمن طعم القُرب حافظ على هذه الصِلة مهما بلغ الثّمن، أمّا إذا لم يذُق طعم القُرب، يرى أنّ أوامر الدّين عبئاً عليه، يرى أنّ الدين ثقيل، يرى أنّ الدين حِرمان، لكنّه إذا ذاق طعم القُرب من الله عزّ و جلّ فمن أجل الحِفاظ على هذا القُرب يضحي بكلّ غالٍ ورخيص، ونفسٍ ونفيس.
أحياناً يُوضع الإنسان في موقِفٍ حرجٍ، هذا الموقف يقتضي أن يُصافح، النبي عليه الصلاة و السلام يقول:
(( إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ ))
[ أحمد عن أميمة بنت رقيقة ]
أيُّهما أغلى عليك اتّصالك بالله أم أن تنجو من انتقاد بعض المُنتقدين، ﴿ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ ﴾
القضيّة قضيّة موازنة، كلمة " الله أكبر" تعني: أنّك إذا رأيت أنّ الله أكبر من كلّ شيء، من كلّ هدف، من كلّ غاية، عندئذٍ تنضبط على أمر الله، حديثٌ يدعو إلى الوقوف والتّأنّي.
علاقة اتباع الشهوات بإضاعة الصلاة
ربّنا عزّ و جلّ ماذا قال عن المسلمين في آخر الزمان ؟ قال: ﴿ فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ﴾
( سورة مريم: الآية 59)
لماذا أضاعوا الصّلاة ؟ لأنّهم اتّبعوا الشّهوات، لماذا اتّبعوا الشّهوات ؟ لأنّهم أضاعوا الصّلاة، هناك علاقةٌ ترابطيّة، تارةً تكون إضاعة الصّلاة سبباً لاتّباع الشّهوات، وتارةً يكون اتّباع الشّهوات سبباً لإضاعة الصّلاة، وربُّنا سبحانه و تعالى يقول:
﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾
حينما يتّبعون الشهوات يُضيّعون الصّلاة، و حينما يُضيّعون الصّلاة يتّبعون الشهوات، هذا كلام الخالق، هذه قوانين حتميّة الحدوث،
﴿ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً ﴾
اتّباعٌ للشهوات، إضاعة للصّلاة، تحمّل البغي والعُدوان، والغيّ والضّلال.
أحياناً ندخل إلى محطّة وقود، يوجد مكان لوضع إعلان، يُمكن كتابة كلمات عديدة في هذا الإعلان، لو فرضنا كُتِب في هذا الإعلان: يُرجى أن تقف في الدّور، مُمكن، لو كُتِب في هذا الإعلان: يُرجى المُحافظة على نظافة المحطّة، كذلك إعلان مقبول، لكن هذا الإعلان ليس خطيراً، أمّا إذا كُتِب على هذا الإعلان: ممنوع التدخين، التدخين شيء مصيري قد يُحرِق المحطّة كُلّها، فهذا إعلان من نوع خاص، قد نكتب مكان هذا الإعلان ألف إعلان، كلّها لا تُقدّم و لا تؤخر، لكن إذا كتبنا في هذا الإعلان: ممنوع التدخين، فإنّ هذا الإعلان متعلّق بمصير هذه المحطّة، و ربّنا عزّ و جلّ في القرآن حينما يقول لك:
﴿ قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
( سورة النور: من الآية 30 )
لا خيار للمؤمنين أمام أمر الله ونهيه
هذا أمر يُقدّم و يؤخّر، أمر مصيري، أمر يتعلّق بإقبالك على الله، إمّا أن تُقبِل إذا طبّقتَه، وإمّا أن تنقطع إذا خالفته، فكلّ أمرٍ في القرآن، وكلّ نهيٍ في القرآن هما أمرٌ ونهيٌ مصيريّان، يُحدّدان مصير علاقتك بالله عزّ وجلّ، لأن الآية الكريمة تقول: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
( سورة الأحزاب: من الآية 36 )
أنت لك الخيار في المُباحات، بين هذا البيت وهذا البيت، بين هذه الفتاة وهذه الفتاة، تخطب هذه أو تلك، بين أن تعمل بهذه الوزارة أو بهذه الوزارة، بين أن تكون موّظفاً أو تاجراً، بين أن تُمضي أسبوعاً في هذا المصيف أو في هذا المصيف، هذا الخيار، لكنّك إذا عرفت الله عزّ وجلّ فليس لك خيارٌ فيما أعطى الله فيه حُكماً، ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
الآن بعض أنواع اللباقة والذوق الاجتماعي أن تُرحِب بامرأةٍ، أن تستقبلها في البيت، ولو أنّ الزوجة غائبة، لباقةً، تقول: هذه أخت زوجتي، هذه بنت عمّي، هذه بنت خالتي، معقول أن أرُدّها، مثلاً، هذه اللباقة، والذوق الرفيع في مُعاملة النّساء، هذا قد ينتهي بالإنسان إلى القطيعة عن الله عزّ و جلّ، هذه مُجاملة يُروّج لها إبليس، لكنّ المؤمن وقّافٌ عند حدود الله، الحلال ما أحللت، والحرام ما حرّمت، فإذا أحبّ المؤمن أن يُحافظ على هذه الصِلة بينه وبين الله، فليحفظ حدود الله، وإذا هان الله على النّاس هان النّاس على الله، يقول لك: الماء قليل، والأسعار مُرتفعة، وهناك ضائقة أحياناً، هذا كلام يُترجمه القول الشهير: هان الله عليهم فهانوا على الله، وهؤلاء لا يُبالون أحياناً أن هذا الأمر يجوز، أو لا يجوز، أو حرام، حلال، مسموح، أو غير مسموح، فيه معصية أو ليس فيه معصية، قال له: يا رسول الله عظني و أوجز، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( قُل آمنت بالله، ثمّ استقم ))
[ ورد في الأثر ]
قال بدوي للنبي عليه الصلاة والسلام: عظني وأوجز، وفي حديثٍ آخر عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي فِي الْإِسْلَامِ قَوْلًا لَا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ، قَالَ: قُلْ:
(( آمَنْتُ بِاللَّهِ فَاسْتَقِمْ ))
[ مسلم ]
قال أريد أخفّ من ذلك - هذه ثقيلة - فقال النبي عليه الصلاة والسلام: (( إذًا: فاستعِدّ للبلاء ))
إذا تعاملت مع الله بقواعد واضحة ترتاح وتُريح، ربّنا عزّ و جلّ إمّا أن تأتيه طائعاً أو أن يسوقك إليه بالسلاسل، سلاسل المصائب، فإمّا أن تأتيه طوعاً، مُبادرةً، رغبةً، طمعاً، شوقاً، و إمّا أن يُؤتى بك إليه على أثر مُشكلة، على أثر مرض، على أثر ضائقة، على أثر ضغط، فالبطل هو الذي يأتيه طائعاً: ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾
( سورة فصلت: الآية 11 )
لأن الله خلقنا ليُسعدنا، هذا كلامٌ قطعيّ، فإمّا أن تقبل أن تسعد باختيارك، وإمّا أن تُساق إلى هذه السعادة بشكلٍ أو بآخر، لذلك الآية الكريمة:

﴿ لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ ﴾
( سورة البقرة: من الآية 284 )
إذا وجد مرض نفسي، إن أبديته أو أخفيته تُحاسب عليه، كيف المُحاسبة ؟ ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ﴾
( سورة البقرة: من الآية 284 )
إن أقبلت عليه طواعيّةً يغفر لك، وإن أدبرت عنه، تُؤتى إليه من خلال مُضايقةٍ فعندئذٍ يُغفر لك أيضاً لكن على أثر عذابٍ لا على أثر إقبالٍ، المغفرة: إمّا أن تكون على أثر إقبال أو على أثر عذاب. ﴿ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة البقرة: من الآية 284 )
يقول لك الطبيب: إمّا أن تستعمل الدّواء أو أن نجري لك عملية، الآن الدواء مُجدٍ، لكن بعد فترة لا بُدّ من عملٍ جراحي، أنت مُخيّر، فالإنسان يجب أن يقبل بالدواء قبل أن يُعالج بالجراحة، فإذا انطلقت من حبّك لذاتك، إذا انطلقت من حرصك على سلامتك، إذا انطلقت من رغبتك في كمال وجودك، في بقاء وجودك، فأطع الله عزّ و جلّ، لأنه: ﴿ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
( سورة الأحزاب: من الآية 71)
الفائز بين مقاييس القرآن ومقاييس البشر
انظر إلى نظر الناس الآن، يقولون لك: هذا فلان هنيئاً له، عنده أرض ارتفع سعرها ثمانين ضِعفاً، قيمُ النّاس المال، فمن حاز المال بحجمٍ كبير وجهدٍ يسير، النّاس يرمقونه بأبصارهم، وإذا اشترى الإنسان بيتاً فخماً مريحاً في موقعٍ ممتاز، زيّنه تزيينات رائعة، أيضاً الناس يهنئونه، ويُثنون على شطارته وعلى ذوقه.
وإذا تقلّد الإنسان منصباً رفيعاً، أيضاً يهنئونه، وإذا أنجب أولاداً مُتفوّقين في مقياس الدّنيا يُهنّأ، هذه مقاييس البشر.
لكنّ البطل هو الذي يبحث عن مقياس الله عزّ و جلّ، مقياس الله عزّ و جلّ شرحه الله في القرآن الكريم، قال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2042/03.jpg
﴿ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
( سورة الأحزاب: من الآية 71)
هل أنت مؤمن بهذا المقياس.
أضرب مثلاً للتقريب: لو أن صديقاً لك كان على مقعد الدراسة معك، وعمل بعملٍ حرّ فأصبح يملك ألوف الألوف، بل ألوف الملايين، وهو مُتفلّت من أمر الله، وأنت مستقيم على أمر الله، ولا تملك إلا قوت يومك، هل تشعر بأنّك محروم ؟ أو بأنّ هذا الصديق تفوّق عليك، وفاز عليك ؟ إن شعرت هذا فأنت لا تعيش هذه الآية، قد تفهمها، ولكن لا تعيشها، قد تفهم معناها، ولكن لا تعقلها، لا تعقل الآية إلا إذا عشتها، المؤمن الحقّ: يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يُلقى في النّار، المؤمن الحقّ يقول: ليس في الأرض من هو أسعد منّي إلا أن يكون أتقى منّي، و لو كان طعامه خشناً، ولباسه خشناً، هذا الإيمان، الإيمان أن تسعد بمعرفة الله، أن ترى أن الهدى هو كلّ شيء، وأنّ الدنيا كلّها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، وأنّ الله عزّ و جلّ إذا تجلّى على قلب الإنسان نسي الدّنيا وما فيها، ولا تنس خُطبة النبي عليه الصّلاة والسّلام:
(( إنّ هذه الدّنيا دار التواء لا دار استواء ))
[ ورد في الأثر ]
الدنيا لا تستقم لأحد
سبحان الله ! لا تستقيم الدنيا لإنسان، يأتيه المال ويفقد الطّمأنينة، تأتيه الطّمأنينة ويفقد المال، يأتيه المال والطّمأنينة ويفقد الزوجة الصّالحة، تأتيه الزّوجة الصّالحة ويفقد الأولاد الأبرار، يأتيه أولاد أبرار وليس له دخل يكفيهم، يأتيه دخل يكفيهم وأولاده أشرار، كلّ شيءٍ على ما يُرام لكن صحّته معلولة، إنّ هذه الدّنيا دار التواء -هكذا النبي قال - لا دار استواء، لا تستوي، مُحال أن تستقيم لك الأمور كلّها، رُكّبت على النّقص، رحمةً بنا لأنّه لو تمّت لكرهت لقاء الله عزّ و جلّ، لركنت إليها، لو جاءت الأمور كما تشتهي فهذه أكبر مصيبة، يقول الله عزّ و جلّ: عبدي، خلقت لك ما في السّماوات والأرض، ولم أعيَ بخلقهنّ، أفيُعييني رغيفٌ أسوقه إليك كلّ حين، و عزّتي و جلالي، إن لم ترض بما قسمته لك، فلأُسلّطنّ عليك الدّنيا، الدّنيا تأتيك من كلّ جهة، فلأُسلّطنّ عليك الدّنيا تركض فيها ركض الوحش في البرّية،ثمّ لا ينالك منها إلا ما قسمته لك، و كُنت عندي مذموماً،أنت تريد،و أنا أريد، فإذا سلّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، و أن لم تسلّم لي فيما أريد، أتعبتك فيما تريد،ثمّ لا يكون إلا ما أريد
إذا كان الإنسان مُنحرفًا، غارقا في المعاصي، وتأتيه الدنيا من كلّ جهة، هذه ليست نِعمة، ولكنّها نَعمة: ﴿ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴾
( سورة الدخان: الآية 27 )
هذه ليست نِعمة، و لكنّها نقمة، يقول ابن عطاء الله السّكندري: " ربّما أعطاك فمنعك، وربّما منعك فأعطاك "، أحياناً يمنعك، فإذا منعك عن الدّنيا تتّجه إليه فتسعد بقربه، فيكون الخلاص بالحرمان من الدّنيا، وقد تأتي الدّنيا كما تريد فتكون حجاباً بينك وبين ربّ العزّة:
(( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ))
[ متفق عليه ]
هذا أوّل باب خطر، في بعض المرّات فلان لا يأتي إلى الدّرس، فما هو السّبب ؟ زار أقرباءه فالتقى بإحدى قريباته اللاتي لا ينبغي أن يراهُنّ، من حديثٍ إلى حديث تعلّق بها، قام ليُصلّي فرأى في نفسه تكاسلاً، شعر بالمُخالفة والمعصية، استمرأ هذه العلاقة وذلك التّكاسل حتى انقطع عن الله عزّ وجلّ، حالات كثيرة جدّاً سبب انقطاع الإنسان عن الله، و ن مجالس العلم أحياناً، أنّه وقع في مُخالفة متعلّقة بالنّساء، ولو على مستوى النّظر، أو مستوى الكلام، أو مستوى الحديث، حتى على هذا المستوى هذه معصية تقطع عن الله عزّ وجلّ.
الحديث الثاني:
بشارةٌ قالها النبي عليه الصّلاة و السّلام للنّساء كافّةً، أو للنّساء المؤمنات، عن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتْ الْجَنَّةَ ))
[ الترمذي عن أم سلمة ]
لأن رضاء الزّوج ربع دين المرأة، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا صَلَّتْ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ ))
[ أحمد ]
طاعة الزوج في المعروف سبب دخول الجنة
فطاعة الزّوج وإرضاؤه فيما لا يُغضب الله عزّ وجلّ، هذا يكفي كي تدخل المرأة الجنّة، وقلّما تجد رجلاً راضياً عن زوجته كلّ الرضى، و لو تعلم المرأة حقّ الزوج ما قعدت ما لم يحضر طعامه أو غذاؤه، لكن طبعاً الزوج المؤمن، لأن الزوج المؤمن يعرف حقّ المرأة أيضاً.
هذا الحديث رواه الترمذي، وقال حديثٌ حسن.
الحديث الأوّل مُتّفقٌ عليه، وهو أعلى درجة من الصّحة، ما اتّفق عليه الشّيخان الإمام البخاري والإمام مسلم، وهذا الحديث كأنّه ضوء أحمر خطر، اجعل هذا الحديث بالقلم الأحمر: (( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ))
[ متفق عليه ]
وجوب اتخاذ الأسباب لاتقاء فتنة النساء
فالإنسان يستعين بغضّ البصر، يستعين بترك الأماكن الموبوءة، يستعين بترك رفقاء السّوء، بترك الحفلات المُختلطة، بترك مكان فيه امرأة لا تخشى الله عزّ وجلّ، بقطع العلاقة مع كلّ قريبة لها تطاول من حيث الاختلاط مع الرّجال، هذا كلّه من أجل الحفاظ على الدّين

مداد اليراع
09-04-2018, 08:03 PM
اللهم انك انت الحي القيوم الغني ونحن الفقراء اللهم ثبتنا ووفقنا لطريق رضاك عنا ياارحم الراحمين

اخي تبارك الله جهد اسأل الله ان يجزل لك الأجر والمثوبة امين امين

ناصح أمين
09-05-2018, 07:21 AM
لك مني كل الثناء والتقدير، بعدد قطرات المطر، وألوان الزهر، وشذى العطر، على جهودك الثمينة والقيّمة.
أزكى التحايا وأجملها وأنداها وأطيبها.. أرسلها لك بكل ودّ وإخلاص.
فجزاك الله عنا أفضل ما جزي العاملين المخلصين
وبارك الله لك وأسعدك أينما حطت بك الرحال

السعيد
09-05-2018, 08:47 AM
تسلم اخى مداد على تواصلك الدائم وجزاك الله كل خير

السعيد
09-05-2018, 08:48 AM
تسلم اخى ناصح على تواصلك الدائم وجزاك الله كل خير

السعيد
09-05-2018, 08:51 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الثانى )


الموضوع : قوامة الرجل و حقوقة على زوجتة






الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. آية قرآنية أصل في حقوق الزوجين
ننتقل أيها الإخوة في رياض الصالحين إلى بابٍ جديد، هو الباب الخامس والثلاثون، وعنوان الباب: حق الزوج على المرأة، وكما هي عادة الإمام النووي مؤلِّفُ الكتاب ـ رحمه الله تعالى ـ حيث يبدأ الباب بآيةٍ قرآنية متعلقةٍ بأحاديث هذا الباب، قال الله تعالى: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾
( سورة النساء: الآية34 )
1- لا خيار للمؤمن أمام أمر الله ونهيه
الحقيقة أن الإنسان أمام كتاب الله جلّ وعلا، وأمام سنة رسول الله له موقف، هذا الموقف موقف التعبد، هذا أمر إلهي، أنت مخير في أمور الدنيا ؛ كمؤمن مخير أن تسكن في هذا البيت، أو في هذا البيت، أن تتزوج هذه المرأة أو تلك المرأة، أن تعمل عملاً حراً أو عملاً وظيفياً، لكنك كمؤمن صادق إذا كان هناك أمرٌ في القرآن فإنه: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
( سورة الأحزاب: من الآية 35 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2043/ar-2043/01.jpg
إذا وُجد توجيه قرآني، حكم رباني، أو أمرٌ، أو نهي، في كتاب الله واضح الدلالة، قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، فأنت كمؤمن ليس لك خيار، فربنا سبحانه وتعالى هو الصانع، وهو الذي صمم نظام الزواج، هذا الزواج أو هذه الأُسرة لها نظام، من لوازم نظامها أنه لابد لها من قائد، والسؤال الآن: لماذا يعصي الناس ربهم ؟ والله هذا سؤال مهمٌّ، معظم الناس غارقون في المعصية، هناك توجيهات قرآنية، هناك توجيهات نبوية لا أحد يُقيم لها وزناً، أي ينساق وراء نزواته وشهواته، وساعةً يقوده الهوى، وساعةً تقوده المصلحة، وساعةً يقوده التقليد الأعمى، أما أن يتحرك الإنسان وفق أمر الله تماماً، أو ينتهي عما نهى الله عنه تماماً فهذا يحتاج إلى شيءٍ آخر.
الحقيقة أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما دعا إلى الله في مكة بقي ثلاثة عشر عاماً يدعو إلى معرفة الله، بعدئذٍ نزل التشريع، فكأن الطريقة المُثلى أن تعرف الآمر أولاً، ثم الأمر ثانياً، فإذا كان أمر الله بين يديك في الكتاب والسنة، ولم تعرف الآمر معرفةً كافية يسهُل عليك أن تخالف أمر الله عزّ وجل، يسهل عليك أن تعصيه، يسهُل عليك ألا تنتهي عما عنه نهاك، لأنه مجموعة أوامر في الكتاب والسنة، لكنك إذا عرفت من هو الله عزّ جل ماذا يعني أن تعصيه ؟ إذا عرفت ما عند الله من إكرام، ما عند الله من عقاب، إذا عرفت الله حق المعرفة، أي أن يُقَطع الجسم إِرباً إرباً أهون من أن تخالف أمر الله عزّ وجل.
2- لا بد للزواج أن يكون مبنيا على شرع الله
لذلك الزواج في الإسلام هو شيء رائع جداّ، لكن إذا كان الزواج في جو من عدم التطبيق من أمر الله عزّ وجل يغدو جحيماً، لأن الزوجة تبتغي حظ نفسها، والزوج يبتغي حظ نفسه، وكلاهما وقد تتصادم هذه الحظوظ، ومن تصادمها تأتي المشكلات يأتي الشقاق، والنفاق يأتي الخصومات، لذلك شيءٌ مهمٌ جداً أن تعرف من هو الآمر، كما قال سيدنا بلال: << لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت >>.
3- في الحياة ثوابت
في بالي مقدمة قبل أن أمضي في شرح هذه الأحاديث المتعلقة بحق الزوج على المرأة، هناك أشياء ثوابت في الحياة، فهذا الكون أليس كوناً عظيماً ؟ أي لو نظرت إلى المجرات لهالك هذا النظر لرأيت الأرض وما حولها من كواكب سيارة لا تعدو نقطةً في فراغ، فهذه المجرات التي تزيد على مَليون مليون مجرة، وفي كل مجرة ما يزيد على مليون مَليون نجم، والمسافات بين النجوم لا يعلمها إلا الله، وهي مسافاتٌ خيالية، هذا الكون بمجراته، بكازاراته، بمذنباته، هذا الكون بما فيه من آياتٌ دالةٍ على عظمة الله لمن سخره الله عزّ وجل ؟
أليس هناك آياتٌ في كتاب الله محكماتٌ تؤكد أن الله عزّ وجل سخر هذا الكون للإنسان ؟ بلا شك إطلاقاً وبكل تأكيد الكون مسخر للإنسان، والدليل: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
( سورة الجاثية: من الآية 13 )
4- ماذا عليك أن تقدمه مقابل تسخير الله الكون لك ؟
فإذا كان هذا الكون كله مسخرا لي كإنسان، ماذا يُطالِبُني الله عزّ وجل ؟ يجب أن يكون هناك مطالبة بقدر هذا التسخير، فإذا أعطينا إنساناً أعلى راتب في الدولة، معنى هذا أنه هناك مسؤوليات كبيرة أمامه، إذا أعطيناه ميزات كبيرة جداً، معنى هذا أن مقابل هذه الميزات مسؤوليات، هذه النقطة الدقيقة، أي أن هذا الكون كله بما فيه، فكم من أنواع الأشجار ؟ وكم من أنواع الأزهار ؟ وكم من أنواع الأطيار ؟ وكم من أنواع الأسماك ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2043/ar-2043/02.jpg
هذا الجسد بما فيه من أجهزة، من عضلات، من قلب، من رئتين، بما حولك من بيئة، ومن ظروف، من سماء، من هواء، من ماء، من بحار، من نجوم، من أطيار، هذا الكون كله مسخرٌ للإنسان، ماذا يقتضي هذا التسخير ؟ أن تعبد الله عزّ وجل، إذاً: أنت مقابل هذا الكون العظيم مكلفٌ أن تعرفه معرفةً عظيمة، وهذه المعرفة العظيمة من لوازمها أن تطيعه طاعةً تامة، ومن نتائج هذه الطاعة التامة أن تسعد في الدنيا والآخرة، أي أن الهدف الأكبر من خلق السماوات والأرض، ومن خلق الإنسان هو أن يُسعدك في الدنيا والآخرة، هذا هو الهدف الأكبر، ولكن هذه السعادة لا متناهية، وهي تحتاج إلى عملٍ طيبٍ جداً منه وطاعةٌ وبذلٌ، هذا العمل الطيب يحتاج إلى معرفة طيبة، وهذه المعرفة الطيبة تحتاج إلى كون عظيم، هذا الكون العظيم هدفه أن تعرف الله من خلاله، هذه سلسلة ؛ كونٌ معجز، إذا تأملت فيه عرفت أن هناك إلهاً عظيماً لا حدود لعظمته، وأنه سخر لك هذا الكون لتعرفه ولتحبه، فإذا عرفته حق المعرفة أطعته حق الطاعة، إذا أطعته حق الطاعة سعدت بهذه الطاعة في الدنيا والآخرة.
لذلك عندما يمر معك أمرٌ، الآن أنت كزوج أو كزوجة إذا مر أمرٌ قرآني فالقضية خطيرةٌ جداً، هذا الأمر تنفيذٌ جزئيٌ لما يتوجب عليك تجاه خالق الكون الذي سخر لك الكون كله، هذه هي العقدة، فأنت تجد إنساناً لا يبالي بأمر الله عزّ وجل، الله هين عليه، وأمره هين، ومعصيته هينة، ومخالفة أمره هينة، وأن يخرق حدوده، فهذا شيءٌ سهلٌ بسيط، يقول لك: لا تدقق، ولا تعقدها، والله غفور رحيم، ونحن عبيد إحسان، ولسنا عبيد امتحان، والله عزّ وجل لا يضع عقله بعقلنا ويحاسبنا، فهذا كله كلام الجهلة، لكن ربنا عزّ وجل حينما خلق هذا الكون من أجلنا، فهو ينتظر منا أن نعرفه معرفةً صحيحة، وينتظر منا أن نشكره، فإذا عرفناه، وشكرناه فمن لوازم المعرفة والشكر الطاعة التامة، الطاعة التامة تنتهي بالسعادة الأبدية في الدنيا والآخرة، من هنا جاء توجيه الله عزّ وجل: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾
( سورة النساء: من الآية 34 )
5- قوامة الرجل على المرأة
أي أن هذه الأُسرة كسفينة ومركبة لها قائد واحد، لابد من أحد الطرفين أن يكون هو القائد، فربنا عزّ وجل قال: ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
( سورة النساء: من الآية 34 )
لقد جعل الله عزّ وجل الرجل متكاملاً مع المرأة، فالرجل والمرأة متساويان في التكليف وفي التشريف، في التكليف ؛ أي كلاهما كُلِّف بمعرفة الله عزّ وجل، وفي طاعته، وفي التقرب منه، والرجل كالمرأة في التشريف، أما التكليف في بقية التكاليف فهما مختلفان كالجهاد والجمعات وغيرها. ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾
( سورة الأحزاب: من الآية 35 )
إلى آخر هذه الآيات، أي من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أُنثى فاستجاب لهم ربهم: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ﴾
( سورة آل عمران: من الآية 195)
6- الرجل والمراة: أوجه التشابه والاختلاف
المرأة والرجل متساويان في التكليف وفي التشريف، لكن هناك بونٌ شاسعٌ بين بُنية المرأة وبُنية الرجل، المرأة لها بنيةٌ نفسية، ولها بنيةٌ جسدية، ولها بنيةٌ عقلية، تتناسب مع أعظم وظيفةٍ خلقها الله من أجلها وهي رعاية الأطفال، والرجل له بنيةٌ عقليةٌ خاصة، وله بنيةٌ نفسيةٌ خاصة، وله بنيةٌ جسميةٌ خاصة، تتناسب مع دوره في الأسرة لكسب الرزق، ولإدارة دفة هذه السفينة، ولاتخاذ القرار لبُعد الرؤية، إذاً: هناك تكامل، فربنا عزّ وجل اختار الرجل على علمٍ وعلى تصميمٍ دقيق ليكون هو قائد هذه الأسرة، إذاً: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
الرجل عقله يغلب عاطفته، الرجل بُعد نظره أشد من بُعد المرأة في النظر، المرأة تنظر إلى ما يحيط بها، تنظر إلى المظاهر بشكلٍ يلفت النظر، لكن الرجل ينظر إلى حقيقة الحياة، فلا تعنيه المظاهر بقدر ما تعنيه جوهر الحياة، وليس هذا انتقاصاً من المرأة، فالمرأة لها دور، والرجل له دور، ولكل منهما مكانة عند الله، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما قال للمرأة:
(( اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرأة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))
[ ورد في الأثر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2043/ar-2043/03.jpg
فوالله هناك امرأة صائمة قائمة مطيعة لزوجها تعدل ألف رجل، ألف بل عشرة آلاف، أو مئة ألف، فالقضية عند الله بالاستقامة والعمل: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾
أي أن الرجل له القِوامة، وله الإدارة، وله الإشراف، وله القرار، وله القِيادة، إلا لو كان هو قد تخلى عن القيادة لزوجته مثلاً، تدخل هي على المحل قبله، وتتكلم، وهو يبقى ساكتا، هو لدفع الثمن، هناك حالات هو يتخلى عن دوره، وهذا بحث ثانٍ، أما ربنا عزّ وجل فقد صمم الأُسرة بنظام فقال: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾
يروي عن سيدنا عمر رضي الله عنه أنه في إدارته لشؤون الرعية اتخذ قراراً من أحد الأشخاص، يبدو أن زوجته رضي الله عنها سألته في ساعة سرور أن هذا الرجل ما شأنه ؟ سؤال فقط، ولماذا فعلت معه هكذا ؟ وهي لم تتدخل في شؤونه، ولم تطلب منه توقيف هذا القرار، ولم تطلب منه اتخاذ قرار آخر، ولم تطلب العفو عنه أبداً، بل إنما سألته: ما شأن هذا الرجل ؟ فما كان منه رضي الله عنه إلا أن قال لها: << يا أمة السوء، وما شأنك أنت بهذا ؟ >>، وما علاقتك أنت بهذا الأمر، خليفة المسلمين يسمح لامرأة أن تتدخل بشؤونه ؟ امرأة على العين والرأس، ولها مكانةٌ عظيمةٌ جداً عند الله، لكن في دائرة اختصاصها، لذلك: " رحم الله عبداً عرف حده، فوقف عنده، ولم يتعد طوره ".
إذاً: ﴿ فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
هنا بمعنى أن الله آتى الرجل قوةً في العضلات، قوةً في الجسم، وآتاه قوةً في العقل، وآتاه قوةً في العقل على حساب العاطفة، لأن بعض المواقف يقتضي القسوة أحياناً، بعض المواقف تقتضي الجُرأة، المرأة بحكم عاطفتها الغالبة قد لا تستطيع أن تقف موقفاً متيناً من قضية مُعينة.
7- التعليل القرآني لقوامة الرجل على المرأة
الآن: ﴿ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾
ربنا عزّ وجل ذكر تعليلين.
أول تعليل: ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
والتعليل الثاني: بما أنفقوا من أموالهم.
9- من صفات المرأة الصالحة
الآن: ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ ﴾
( سورة النساء: الآية 34 )
أي طائعات، هذه المرأة الطائعة حافظةٌ للغيب، أي تحفظ نفسها في غيبة زوجها، تحفظ نفسها وماله، أي أن أعلى صفة في المرأة أنها إذا غِبت عنها حفظتك في نفسها وفي مالك، في نفسها أي لا تسمح لأحدٍ أن ينظر إليها، ولا أن يكلمها كلمةً: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ ﴾
( سورة الأحزاب: من الآية 32 )
هناك نساء في غيبة أزواجهن يفتحن الباب لإنسان طرق الباب، ويحدثن هكذا بطلاقة، ولا يتحفظن باللباس أمامه، يفتحن الباب على مصراعيه باستهتار، فهذه لم تحفظ نفسها، وهذه كأنها تدعوا الناس إليها، وهذه كأنها على وشك أن تخون زوجها، لكن المرأة المؤمنة: ﴿ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ ﴾
لذلك في المغرب عادات طيبة جداً، إذا طُرِق الباب فتعيد الطرق على الباب من الداخل، أي نحن هنا فتكلم ما تريد، أما أهلاً وسهلاً، تفضل الآن سيأتي، ارتح، وادخل لنقدّم لك فنجان قهوة، هذه ليست مسلمة، فالمرأة المسلمة تحفظ نفسها في غيبة زوجها، لذلك عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَال: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
(( إِنَّ عِنْدِي امْرَأَةً هِيَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَهِيَ لَا تَمْنَعُ يَدَ لَامِسٍ، قَالَ: طَلِّقْهَا... ))
[ النسائي ]
هذه المرأة التي لا تحفظ نفسها في غيبة زوجها لا تُؤتَمن، وهناك مفهوم عند النساء خاطئ، أنها شريفة، ولا أحد أن يستطيع أن يكلمها، ولا أحد يستطيع أن يتطاول معها، لكنها تظهر هكذا على الشُرفات من غير احتياط، ومن غير تستر، هذه التي تُبرز مفاتنها للناس ليست شريفة بالتأكيد، هذه التي تعرض مفاتنها على الناس باستهتار هذه ليست مسلمة، وإن صلت، وصامت، وزعمت أنها مسلمة، فالمرأة المسلمة: ﴿ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ ﴾
أي تحفظ نفسها في حضرة زوجها، وفي غيبة زوجها، وتحفظ ماله، أي أن البخل في هذا الموطن من صفات المرأة الفاضلة، لأن هذا المال مال زوجها هو الذي ينفق: ﴿ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾
هذه المودة بين الزوجين، لذلك الوصية المرأة الثابتة لابنتها: " يا بنيتي، خذي عني عشر خِصال تكن لك ذخراً وأجراً، الصحبة بالقناعة، والمعاشرة بحسن السمع والطاعة، والتفقد لموضع عينه، والتعهد لموضع أنفه ؛ فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، والتعهد لوقت طعامه، والهدوء عند منامه ؛ فإن حرارة الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مبغضة، وإياك والفرح إن كان تَرِحاً، والترح إن كان فرحاً، فإن الأُولى من التقصير، والثانية من التكدير، ولا تعصي له أمراً، ولا تُفشي له سراً، إنك إن عصيت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره..." إلى آخر الوصية.
المرأة: ﴿ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾
( سورة النساء: من الآية 34 )
هذا معنى الآية الكريمة: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾
فإذا هو كان أقل منها وراًع، وأقل منها علماً، وأقل منها بُعد نظر، ولم ينفق من ماله عليها شيئا، والله هي القوَّامة عليه، فإذا كان هو أعلى منها في الورع والعلم والتُقى والصلاح وأنفق من ماله عليها ملك القِوامة، فإن لم يفعل كانت هي التي تنفذ أمرها، وهو لا يحير جواباً.
آحاديث نبوية في حقوق الزوجين
أول حق للزوج على المرأة كما قال عليه الصلاة والسلام:
الحديث الأول:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَلَمْ تَأْتِهِ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ ))
[ متفق عليه ]
هذا الحديث متفقٌ عليه أي رواة البخاري ومسلم، والحديث واضح، وفي روايةٍ للبخاري ومسلم أنه:
(( إِذَا بَاتَتِ الْمَرْأَةُ هَاجِرَةً فِرَاشَ زَوْجِهَا لَعَنَتْهَا الْمَلائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ ))
أي أن الزواج أساسه هذا اللقاء بين الزوجين، فإذا ابتعدت عن زوجها، وهجرت فراشه لعنتها الملائكة حتى تصبح طوال الليل ز
يتفرع من هذا الحق أنه لا يحل لامرأةٍ أن تصوم وزوجها شاهد، طبعاً صيام النفل، أما صيام الفرض فلا تستأذنه، صيام الفرض لا يحتاج إلى إذنٍ قط لأنه:
(( لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزّوجَلَّ ))
[أحمد عن ابن مسعود]
مهما يكن هذا المخلوق، كأب يقول لابنه: برضاي عليك طلقها، ما هذا ؟ تطليقها ظلم، فهي زوجةٌ فاضلة، أي رضا هذا ؟ (( لا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ عَزّوجَلَّ ))
حيث ما كان الأمر مخالفاً لأمر الله عندئذٍ الرضا والغضب يستويان.
الحديث الثاني:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلا بِإِذْنِهِ، وَلا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلا بِإِذْنِهِ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ ))
[ متفق عليه ]
ما معنى شاهد ؟ أي مقيم في البيت، أما لو أنه مسافر فلها الحق أن تصوم صيام النفل من دون إذنه، أما إذا كان شاهداً أي مقيماً فإنه سوف يجيء الظهر إلى البيت.
(( وَلا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلا بِإِذْنِهِ ))
أي أن تأذن لرجلٍ أو امرأة بدخول البيت من دون إذنه فهذا لا يجوز، دخول الأشخاص إلى البيت يحتاج إلى إذن الزوج، لو فرضنا الزوج أعطى تعليمات: لا أسمح لكِ أن يدخل بيتي ابن عمك، هذا طبعاً لا يجوز بغيابه، فتدخله وتقول: والله جاء من سفر فاستحييت منه، فهذا كلام فارغ هذا، هذا البيت له قيادة، والقيادة بيد الزوج فإذا منعها من مخالفة أمر الله عزّ وجل يجب أن تمتنع، وإذا منعها من ألا تخالف أمر الله عزَّ وجل يجب أن تمتنع.
الحديث الثالث:
وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ ))
[ سنن الترمذي، وقال حديثٌ حسن ]
أي أن زوجها المؤمن راضٍ عنها، أي أنها تقوم بحقه قياماً تاماً ؛ ترعى أولادها، وترعى حقوقه، وترعى حاجاته، إذاً وفرت لهذا الزوج الطمأنينة، وفرت له راحة البال، وفرت له الراحة النفسية، جعلته ينطلق في عمله، جعلته ينتج، جعلته عضواً نافعاً في المجتمع، أما هذا الإنسان القلق في بيته فطوال الليل مشاحنات وبغضاء، هذا إذا انطلق إلى عمله لا ينتج، لأنه شارد البال، فهذه المرأة التي توفِّر لزوجها الراحةً النفسية وطمأنينة فهذه امرأة شريكته في الأجر، يقولون: " ما من عظيم إلا وراءه امرأة "، لكن امرأة صالحة، وهذا الكلام له معنى مقبول، أن الإنسان عندما انطلق في العمل الصالح، وعندما انطلق في خدمة المجتمع معنى ذلك أن باله مرتاح، قال الله عزّ وجل: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾
( سورة محمد )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2043/ar-2043/04.jpg
من وفر له هذه الراحة ؟ أنا عندما أقرأ كتاباً أعجب، لأنّ أكثر الكتب يهدي المؤلفون الكتاب إلى زوجاتهم، والله معهم حق، فقد يكتب: إلى التي وفرت لي هذا الجو، وهو جو التأليف، إلى التي وفرت لي هذا العمل العلمي الهادئ، وإذا كان طول النهار في مشاكسات بينه وبينها فلا يوجد تأليف، يتوقف التأليف، يجب أن يكون هناك هدوء، وراحة بال، ومسالمة، وموادعة، وشعور متبادل بمعرفة قدر الآخر، فهذا الذي يقوله عليه الصلاة والسلام:
((أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ ))
المشكلة هي إذا أرادت المرأة أن ترضي ربها بخدمة زوجها، وإذا أراد الرجل أن يرضي ربه بخدمة زوجته، هذا هو الوضع الأمثل، أي أنه حينما تُعامل إنساناً لذاته قد لا يستحق، هناك أزواج لا يستحقون معاملة طيبة، وهناك زوجات لا تستحق إحداهن المعاملة الطيبة، فإذا أراد الزوج أن يعاملها على عملها، أو أرادت هي أن تعامله على عمله وقع الخصام والشقاق، لكن إذا أراد الزوج أن يتقرَّب إلى الله بالإحسان إليها، وإذا أرادت هي أن تتقرب إلى الله بالإحسان إليه، نشأت السعادة الزوجية، لذلك أي زواجٍ يبنى على طاعة الله يتولى الله التوفيق بين الزوجين.
بالمناسبة، وهذه كلمة عابرة قد لا تكون لها علاقةٌ متينةٌ بالدرس، لكن أحب أن أقولها، غض البصر من قِبل الزوج ومن قِبل الزوجة له دورٌ كبير في التفاهم الزوجي، لأن عندما يرى الله عزّ وجل هذا المؤمن يغض بصره عن الحسناوات في الطريق خوفاً من الله عزّ وجل، فأول مكافأة له أنه يوفِّق بينه وبين زوجته، تجد أن هذا الزوج يحب زوجته، وهي كذلك، فغض البصر من قِبل الزوج ومن قِبل الزوجة له دور في توفير السعادة الزوجية، وهذا الشيء مهم جداً، لأن ربنا عزّ وجل يقول: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ ﴾
(سورة النور)
أي إذا ظننت أيها الرجل أنك إذا نظرت إلى المرأة الأجنبية، وتمليت من محاسنها هو أزكى لك، فأنت مُخطئ، خالقك مربيك، ومسيّرك يقول لك: ﴿ ذّلِكَ أَزْكَ لَكُمْ وَأَطْهَرُ ﴾
أي أكثر راحةً لك، والمكافأة سريعة في نفس اليوم، أحياناً تكون المكافأة بعد شهر، المكافأة في نفس اليوم، حيث أن كلما بالغت في غض البصر وجدت في البيت السعادة الزوجية، والحقيقة أن السعادة الزوجية شيء مهم جداً، فإذا كان الإنسان مرتاحاً في بيته فإنه يمكن أن ينطلق في عمله ويُبدع، أما إذا كان في بيته معذبا، وفي بيته نكد ومشاحنة انعكس ذلك سلبًا على حياته العملية، فمن الحكمة البالغة أن الإنسان يحسن معاملة زوجته، قال ربنا عزّ وجل: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
( سورة النساء: من الآية 19 )
الحديث الرابع:
أمر إلهي، الله عزّ وجل يأمرك أن تعاشرها بالمعروف، واستوصانا بالنساء خيراً، استوصانا بالضعيفين المرأة واليتيم، استوصانا بالنساء، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( خَيْرُكُمْ خَيرُكُمْ لأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي ))
[سنن الترمذي ]
(( ما أكرمهن إلا كريم، ما أهانهن إلا لئيم، يغلبن كلَّ كريم، يغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً، لا أن أكون لئيماً غالباً ))
[ ورد في الأثر ]
فلذلك المؤمن ينبغي أن يفعل ذلك.
(( أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ))
واللهِ من بعض السنوات كنت حاضراً في تعزية في حي الميدان، وبحسب معلوماتي أن الزوجة توفيت عن ثمانين عاماً، والزوج عمره خمس وتسعون سنة، فوجدته يبكي بكاء مراً، في هذا السن يبكي، وعندما انتهت التعزية بدأ الحاضرون يواسونه فقال: "ولم لا أبكي ؟ والله عشت معها خمسة وأربعين عاماً ما نمت ليلةٌ واحدة وأنا غاضبٌ عليها ".
يقول لك رجل آخر: " والله لا يوجد يوم انبسطت معها "، حتى اتفق أحدهم مع زوجته فقال لها: يوم للخصام ويوم للراحة، في يوم الراحة قالت له: غداً الخصومة، فحضر نفسك.
(( أَيُّمَا امْرَأَةٍ مَاتَتْ وَزَوْجُهَا عَنْهَا رَاضٍ دَخَلَتِ الْجَنَّةَ ))
الحديث الخامس:
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ ))
[مسند أحمد ]
أي أن طاعة الزوج ربع دينها.
الحديث السادس:
وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( لا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إِلا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ: لا تُؤْذِيهِ، قَاتَلَكِ اللَّهُ، فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكَ دَخِيلٌ، يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا ))
[ سنن الترمذي ]
لا يجوز إغاظة الزوجة
(( لا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2043/ar-2043/05.jpg
سبحان الله ! أنا أعجب أشد العجب كيف أن زوجاً أحياناً يتمنى أن يغيظ زوجته ؟ ينطلق بشكل واضح ومركز كي يغيظها، وكيف أن امرأةً تفكر في أن تغيظ زوجها ؟ هذا الوضع مَرَضي، لأنه خلاف الآية الكريمة: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾
( سورة الروم: من الآية 21)
انظر إلى تصميم ربنا عزّ وجل، التصميم أن تسكن إليها، وأن تكون بينك وبينها المودة والرحمة، هذا تصميم ربنا، ما الذي يحدث ؟ تريد أن تغيظه ؛ يوم الجمعة الغسيل بأصعب وضع، مع توجيهات أن ضايقيه، هذا منتهى الحمق، ومنتهى الغباء، ومنتهى البعد عن الله عزّ وجل، لا يصح لامرأة أن تغيظ زوجها، ولا يصح لزوجٍ أن يغيظ زوجته، يقع خصام، ويقع سوء تفاهم، هذا شيء طبيعي، لكن لا ينطلق الإنسان من خلاف عفوي إلى خلاف مقصود، لا ينطلق من خلاف عفوي إلى خلاف مُركز.
نصيحتان غاليتان للمتزوجين
النصيحة الأولى:
والنصيحة التي أُقدِّمها لكل أخ، طبعاً لا يوجد زوجين من غير مشكلة إطلاقاً، هذا كلام غير واقعي، فهذه النفس غير هذه النفس، لها طلب، وهذا الطلب هو لم يوافق عليه، فصارت المشاحنة، أي أن هذا الشيء لابد منه.
فَعَنْ أَنَسٍ قَالَ:
(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ، فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ، فَانْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ، وَيَقُولُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ، ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ ))
ومرة كسرت صحناً، جاءها طعامٌ من عند ضرتِها فكسرت الصحن، والنبي عليه الصلاة والسلام عاتبها.
وسيدنا عمر جاءه شخص يشكو امرأته فسمع صياحاً فرجع، فسمع صوت طرق الباب، ذهب فرأى شخصاً راجعاً، فناداه، وقال له: <<تعال، لماذا جئتني ؟ فقال له: جئتك أشكو مما أنت منه تشكو >>.
هذا شيء طبيعي، ولكن الإنسان لا ينطلق من إغاظة الزوجة، فهذا لا يجوز، وهي بالمقابل لا تنطلق من إغاظة زوجها فتكون قد خالفت الآية الكريمة، خالفت نص القرآن الكريم.
النصيحة الثانية:
﴿ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ ﴾
تكون عندك فتنشأ مشكلة، أول كلمة يطردها إلى بيت أهلها، وفي بيت أهلها تغذية، هناك خالتها وعمتها، وابنة خالتها وأختها الصغيرة، وأختها الكبيرة، فيقولون لها: ماذا تريدين منه، وأنت تستحقين أحسن منه ؟ كان الأمر بسيطاً جداً، ويحل في يوم أو يومين، الآن وصل الأمر إلى الطلاق، وعندما لا يخبرونه بعد جمعة أو جمعتين يمتلئ من الغيظ، وهي أيضاً تمتلئ من الغيظ لأنه لم يخبرها، وهذه حلقة مُفرغة ومضحكة، هي تنتظر أن يتصل بها، وهو ينتظر أن تتصل به، وكل واحد منهما ركبه الشيطان، وأخذ منه كل مأخذ، وابتعد عن الآخر http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2043/ar-2043/06.jpg
أليس الأحسن أن تبقيها عندك في البيت وثاني يوم تتصالحون ؟ وأنا أعني ما أقول بالضبط، أن أكبر مشكلة بين الزوجين تنتهي بعد أيام نهاية طبيعية إذا بقيت الزوجةُ في بيت زوجها، وأصغر مشكلة بين زوجين قد تنتهي بالطلاق إذا خرجت من بيت زوجها، فالأب العاقل لا يستقبل ابنته وهي غضبى، بنفس الليلة يحل الموضوع، يرجعها إلى بيت زوجها ويصالحهم، ولا يطمعها، يقول لها: صدر البيت لكِ، كلي واركلي السفرة برجلك، هذا الكلام كله سخيف، أنا سمعت أن السلف الصالح إذا كانت ابنته غاضبة من زوجها، فيتفق مع الأم ؛ اليوم تعزلي البيت، وغداً تعملي مجدرة، وثاني يوم نعمل لك مشكلة، حتى تجد هذه الابنة أن بيت زوجها أفضل من بيت أهلها، فهناك آباء عقلاء جداً، إذا رأوا أن البنت حردت، ويوجد خِصام فيريها معاملة قاسية، ويريها اشمئزازاً، ويريها الخشونة في المعيشة، وأعمال مُرهقة، وخصام مُفتعل، وتمثلية بالخِصام، كي تكره الابنة أن تأتي إلى بيت أهلها، وهذه هي الحكمة.
وهناك آباء يطمِّعون بناتهم، يقولون لها: ماذا تريدين منه اتركيه، غيظيه، هكذا حتى يقع الطلاق، وبعدها تقع المشكلة، فهذا كله من معاناة المجتمع المسلم، وهناك جهل كبير جداً.
أحياناً تجد أماً لا ترضى إلا وأن تبقى مسيطرة على ابنتها بعد الزواج، تجعل حياة ابنتها جحيماً بيدها، هذه أُم ؟ لذلك: عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( قُمْتُ عَلَى بَابِ الْجَنَّةِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ يَدْخُلُهَا الْفُقَرَاءُ، إِلَّا أَنَّ أَصْحَابَ الْجَدِّ مَحْبُوسُونَ، إِلَّا أَهْلَ النَّارِ فَقَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَوَقَفْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ ))
[ أحمد ]
يجب أن يأخذ الرجل احتياطاً، الحقُ هو أن تقف على الحق تماماً، إذاً:
((لا تُؤْذِي امْرَأَةٌ زَوْجَهَا فِي الدُّنْيَا إِلا قَالَتْ زَوْجَتُهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ: لا تُؤْذِيهِ، قَاتَلَكِ اللَّهُ، فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَكَ دَخِيلٌ، يُوشِكُ أَنْ يُفَارِقَكِ إِلَيْنَا ))
ألم يقل أحد الصحابة عندما طلبت منه زوجته ما فوق طاقته، قال لها: << اعلمي يا أمة الله، أن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الدنيا لغلب ضوء وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أُضحي بكِ من أجلهن أهون من أن أُضحي بهن من أجلكِ >>.
هذه المرأة يجب أن تعرف حجمها وحدها.
وعن أُسامة بن زيد رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال:
(( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ ))
[صحيح مسلم ]
أي أن المرأة أكبر مأخذ للشيطان، وإن إبليس طلاعٌ رصاد.
وما هو من فخوخه ـ عنده شباك كثيرة، فخوخ جمع فخ ـ وما هو من فخوخه بأوثق لصيده في الرجال من النساء ".
إن أضخم فخ عنده للرجال النساء، فليتقِ الله الإنسان، وليبتعد عن مواطن الشُبُهات.

السعيد
09-05-2018, 08:55 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الثالث )


الموضوع :حق الانفاق عليها وحقها بعدم الاساءة لها وحسن المعاشرة



حمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. مقدمة
أيها الإخوة الأكارم، قبل عدة أسابيع عقد مرَّ معنا فصلٌ في رياض الصالحين حول حق الزوج على زوجته، وذكرت وقتها مجموعة من الأحاديث الشريفة حول حق الزوج على زوجته، وقد وعدتكم إثر ذلك الدرس أن أتحدث في درس قادم عن حق الزوجة على زوجها، لأن أساس نجاح الإنسان في الحياة سعادته الزوجية، والإنسان قد ينزعج من بيته، بإمكانه أن يغيره، وقد ينزعج من عمله، وفي إمكانه أن يبدله، وقد ينزعج من مركبته، وفي إمكانه أن يبدلها.
الاصل في العلاقات الزوجية المودة والرحمة
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2040/01.jpg
لكن الحياة الزوجية حياة مصيرية، بمعنى ؛ أنك إذا رزقت من هذه الزوجة بأولاد فإن الفراق يعني تشرد الأولاد، فلهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام حريصاً حرصاً لا حدود له على أن يكون الوفاق بين الزوجين تنفيذاً للمخطط الإلهي الذي يبدو من قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
( سورة الروم: الآية 21 )
إن الأصل في العلاقات الزوجية المودة والرحمة، هذا هو التخطيط الإلهي هذا هو الوضع الطبيعي، هذه هي الصحة النفسية بين الزوجين، فلو أن بين الزوجين مشاحنة أو بغضاء، أو جفاء، إن هذا حالة مرضية تقتضي المعالجة.

حرص النبي عليه الصلاة والسلام على سلامة الحياة الزوجية
إن النبي عليه الصلاة والسلام حرصاً منه، وقد أنبأنا الله عز وجل بأنه حريص علينا. ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
( سورة التوبة: 129 )
من حرصه صلى الله عليه وسلم على أن يكون في كل بيت مسلم، أن يكون في كل بيت من بيوت المسلمين سعادة مظللة، من حرصه هذا عليه الصلاة والسلام وجهنا توجيهات كثيرة فيما يتعلق من حقوق الزوج على زوجته، وحقوق الزوجة على زوجها.
الحقيقة أن الأزواج دائماً يتحدثون عن حقوق الزوج على زوجاتهم، هذا من قبيل أن الأحاديث في مصلحتهم، ولكن لكل حق واجب، فإذا كنت تعتز بما قاله النبي عليه الصلاة والسلام من حق على امرأتك، فيجب أيضاً أن تلقي أذناً صاغية، أن تصيغ السمع إلى الأحاديث الأخرى التي تتحدث عن حق الزوجة على زوجها، كما أنك تبدي اهتماماً بالغاً بالأحاديث التي تتعلق بحق الزوج على زوجته يجب أن تلقي بالاً، وأن تصيغ السمع، وأن تلقي أذناً مصغية لحقوق الزوجة على زوجها، والبحث قد لا يكفيه درس واحد، لكن نبدأ هذا الموضوع في هذا الدرس، وعلى الله التوفيق.
واجبات الزوج نحو زوجته: الاطعام والكسوة
الحديث الأول:
الاحسان في الكسوة والطعام
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2040/02.jpg
النبي عليه الصلاة والسلام بيّن في بعض الأحاديث الشريفة أن أول حقٍّ للزوجة على زوجها أن يحسن إليها في كسوتها، وطعامها هذا الحق الأول.
عَنْ مُعَاوِيَةَ بنِ حَيْدَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سَأَلَهُ رَجُلٌ: مَا حَقُّ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ ؟ قَالَ:
(( تُطْعِمُهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ... ))
[ أحمد ]
ِلكن العلماء قنّنوا أن هذا الإحسان في الكسوة وفي الطعام يجب أن يكون في الحدود المعتدلة، تطبيقاً لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً ﴾
( سورة الإسراء: 29)
الإنفاق له حد معتدل، إذا زاد عن هذا الحد انقلب إلى الضد، وكان الفساد في الأرض.
لا لإرضاء الزوجة بمعصية الله
في الحديث إشارة خطيرة جداً، هؤلاء الذين يتحملون معصية ربهم من أجل إرضاء زوجاتهم ما قرؤوا هذا الحديث، ما كلفك الشرع أن تطعمها طعاماً لا تستطيعه، أن تطعمها إذا طعمت، إذا طعمت فأطعمها، أما إذا لم تقدر أن تأكل ما تشتهي فلا عليك شيء، لذلك كانت الصحابيات الجليلات يخاطبن أزواجهن قبل أن يغادر أزواجهن البيت، تقول له: يا فلان، نصبر على الجوع، ولا نصب على الحرام.
إنّ أيّ إنسان يقول لك: أنا أفعل هذا من أجل زوجتي، من أجل أولادي، من أجل أن أرضيها، يجب أن أحصنها، يجب أن أرضيها لا، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: أن تطعمها إذا طعمت، يعني لا ينبغي للزوج أن يأكل ما لذا وطاب، وأن يجعل طعام زوجته في مستوى أدنى، أن يطعمها إذا طعم، أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت.
(( وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ ))
لأن الله سبحانه وتعالى كرم الإنسان في وجهه، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ضرب الوجه، فقال عليه الصلاة والسلام: (( وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ))
وإذا ذكر الله فأمسكوا ولا تضرب الوجه، ولا تقبح بالكلام، هذا من حقها عليك:
(( تُطْعِمُهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ، وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ ))
يجب أن تبقى في البيت، لأنها إذا بقيت في البيت فالقضية سهلة الحل، أما إذا انطلقت إلى بيت أهلها، طردتها من البيت فالأمر يتفاقم، وقد ينتهي إلى الطلاق.
والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾
إذاً: الله عز وجل أمر الزوج أن ينفق على زوجته بقدر ما أعطاه الله، إذا وسع الله عليه ينبغي أن يوسع على عياله، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله ))
[ الجامع الصغير عن جبير بن مطعم ]
﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا ﴾
( سورة الطلاق: من الآية 7 )
الحديث الثاني:
وقد روى الإمام أحمد في مسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ ))
[ أبو داود وأحمد ]
يعني يكفيه هذا الإثم العظيم أن يضيع من يقوت، هؤلاء عيالهم مَن لهم ؟ ليس لهم إلا الزوج، فإذا ضيع هذا الزوج من يقوت فقد ضيع أهله، وقد ألجأهم إلى التطلع إلى غيره، وقد حملهم على بغضائه، وقد حملهم على كراهيته، لذلك العاقل إذا آتاه الله مالاً.
﴿ لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2040/03.jpg
من غير إسراف، ولا تبذير، ولا مخيلة.
الإمام مسلم في صحيحه روى حديثاً عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ... ))
[ مسلم ]
وفي رواية أحمد عن ِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( دينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، دِينَارٌ فِي الْمَسَاكِينِ، وَدِينَارٌ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ فِي أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الدِّينَارُ الَّذِي تُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِكَ ))
[ أحمد ]
أي في عتق رقبة، ودينار تصدقت به على مسكين، باب ثالث ودينار أنفقته على أهلك، من منكم يظن أو يتوقع أي هذه الدنانير الأربعة هي أفضل عند الله ؟
قال عليه الصلاة والسلام:
(( أَعْظَمُهَا أَجْرًا الدِّينَارُ الَّذِي تُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِكَ ))
الدينار الذي أنفقته على أهلك، لماذا ؟ لأنك إذا أنفقت دينارا في سبيل الله، ربما أنفق غيرك هذا الدينار، إن لم تنفق أنت أنفق غيرك، وإذا أنفقت دينار في عتق رقبة ربما أعتقها غيرك، وإذا أنفقت دينار على مسكين ربما أنفقه عليه غيرك، ولكنك إذا امتنعت على إنفاق المال على أهلك فمن ينفق عليهم ؟ من لهم غيرك ؟
أعيد عليكم رواية الحديث: روى الإمام مسلم في صحيحه وأحمد في مسنده، واللفظ له:
(( دينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، دِينَارٌ فِي الْمَسَاكِينِ، وَدِينَارٌ فِي رَقَبَةٍ، وَدِينَارٌ فِي أَهْلِكَ، أَعْظَمُهَا أَجْرًا الدِّينَارُ الَّذِي تُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِكَ ))
فهنيئًا للذي يسعى، ويجد، ويكد، وينفق على أهله، هذا نفقة هي عند الله أفضل من الأنواع الثلاثة التي وصفها النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث.
الحديث الثالث:
وفي حديث آخر روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( أول ما يوضع في ميزان العبد نفقته على أهله ))
[ الجامع الصغير عن جابر ]
يجب أن تعلم الزواج جملة وتفصيلاً إنما شرع الله عز وجل من أجل أن يكون لك فرصة لعمل صالح تتقرب به إلى الله عز وجل، كيف أن الله سبحانه وتعالى خلق في الأرض معايش، وأبواب لكسب الرزق، هل رفع الحرارة، الحر باب من أبواب كسب الرزق، معامل المكيفات، معامل المراوح، المرطبات، هذا كله، هذا باب كبير من أبواب كسب الرزق، والبرد أيضاً باب من أبواب كسب الرزق، وطول الشعر باب من أبواب كسب الرزق، والمرض باب من أبواب كسب الرزق، وجرثومة تصيب بعض النباتات باب من أبواب كسب الرزق، مهندسون، وأخصائيون، وأدوية، ومرشات، واستيراد بضاعة، وتحويل ثمن البضاعة و... كله بسبب هذه الجرثومة التي خلقها الله من أجل أن تكافحها.
ربنا عز وجل جعل في الأرض أبواب للرزق لا تعد ولا تحصى، وفي المقابل جعل أبواب للعمل الصالح لا تعد ولا تحصى، إن من أعظم هذه الأبواب موضوع الزواج والأسرة، جهدك في عملك كسب الرزق.
(( من بات كالاً في طلب الحلال بات مغفور له ))
[ الجامع الصغير عن المقدام بن معدي كرب ]
من أجل أن تنفق على زوجتك وعلى أولادك، من أجل أن تجعلهم يطمئنون إليك، ويلتفتون إليك، هذا كله من العمل الصالح.
لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( أول ما يوضع في ميزان العبد نفقته على أهله ))
[ الجامع الصغير عن جابر ]
الزوج الصالح الذي يكسب مالاً حلالاً ينفق على أهله، يلبي لهم حاجاتهم، التدفئة، الأثاث المعقول، اللباس المعقول، الطعام المعقول، أنا أقول: المعقول من دون إسراف، ولا تبذير، ولا مخيلة، الشيء المعقول.
الحديث الرابع:
لا زلنا في الحديث عن حقوق الزوجة، عَنِ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا سَقَى امْرَأَتَهُ مِنْ الْمَاءِ أُجِرَ ))
[ أحمد]
هذا تشجيع للزوج أن يقيم مودة بينه وبين زوجته، من خلال أن يرعاها، وأن يحفظها، وما إلى ذلك.
وفي حديث آخر:
(( وأن يضع الرجل اللقمة في فم زوجته هي له صدقة ))
[ ورد في الأثر ]
والعلماء قالوا: إن الزوج يجب أن ينفق على زوجته الموسرة، هذا حق، وإنْ كانت موسرة غنية، أو فقيرة، هذا ليس من شأنك، وإذا طابت لك عن شيء فكُلْهُ هنيئاً مريئاً، والعلماء قالوا: يُسمح للزوجة أن تدفع زكاة مالها لزوجها الفقير، لكنَّ الزوج لا يحِقُّ له أن يدفع زكاة ماله لزوجته، لكنَّ الزوجة الموسِرة يُمكِن أن تدفع زكاة مالها لزوجها.
الحديث الخامس:
روى الإمام البخاري في صحيحه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( إِذَا أَنْفَقَ الرَّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ يَحْتَسِبُهَا فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ ))
[ البخاري ]
صدقة بكلِّ ما في هذه الكلمة من معنى.
ما هي أفضل الصدقات ؟
مثلاً: زوجته بحاجةٍ إلى معطفٍ في الشتاء، معطفها السابق لا يليق، يجعلها تشعر بأنها وضيعة، فاشتريت لها معطفاً يتناسب مع دخلك، ومع مستواها، إن هذا الذي تفعله يُعدُّ عند رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في نصِّ هذا الحديث صدقةً، وأعود و أُكرِّر: من دون إسرافٍ، ولا تبذيرٍ، ولا مخيلة، العلماء فرَّقوا بين الإسراف والتبذير، فالإسراف في الحلال، والتبذير في الحرام، والمخيلة هي الكِبر، أن تُطلِع الناس على ما عندك من أجل أن تجعلهم يتصاغرون، هذا أحد أنواع الفساد.
والإمام مسلمٌ في صحيحه أيضاً يروي حديثاً عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( أَفْضَلُ دِينَارٍ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ دِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى عِيَالِهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ الرَّجُلُ عَلَى دَابَّتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدِينَارٌ يُنْفِقُهُ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ))
[ مسلم ]
إذا كان أخوك المؤمن بحاجة إلى شيء، هذا عمل طيِّب جدّاً، لأنَّ المؤمن له مكانته، له كرامته، له مروءته، له حياؤه، له خجله، فإذا لبَّيت له حاجته، وحفِظت له ماء وجهه، وكففته عن السؤال، هذا عمل عظيم، فأفضل دينارٍ يُنفقه الرجل دينارٌ ينفقه على عياله، ودينارٌ يُنفقه على دابَّته في سبيل الله، ودينارٌ يُنفقه على أصحابه في سبيل الله.
ألا تعلمون أن إنفاق المال على الزوجة أحد أسباب القِوامة عليها، لقول الله عز وجلّ: ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾
( سورة النساء: من الآية 34 )
الإنفاق من مقتضيات قوامة الرجل على المرأة
أحد أسباب القِوامة على زوجتك أنَّك تنفق عليها، فلو أنك امتنعت من الإنفاق عليها، شعرَت أنك لا تُنفِق عليها، وأنَّك تضِنُّ بمالك عليها، وعندئذٍ تستعصي عليك، وتبتعد عن تنفيذ أمرك، وقد تعصي، و قد تستفِزُّك، لأن أحد أسباب القِوامة أن تُنفِق على زوجتك، لذلك الزوجة التي لها دخلٌ - لا أقول: مُطلقاً - في الأعمِّ الأغلب، التي تشعر باستقلاليّتها عن زوجها كثيراً ما تُسيء مُعاملته، تقول لك: أنا أُنفِق على نفسي.
بالمناسبة ؛ أنت إذا طلبت من الله الرزق، لا تريد أن يأتيك رزقكَ عن طريق زوجتك، أطلب من الله أن يكون الرزق عن طريقك وحدك، هذا من فضل الله عز و جلّ، إذا قسم الله لك رزقاً حلالاً يكفيك، ويكفي أهلك كان أكثر عْونًا لك على إدارة هذه الزوجة.
العلماء يقولون: يسقط هذا الواجب - الإنفاق على الزوجة واجب - إذا فوّتت الزوجة على زوجها الهدف من الحياة الزوجية، وحينما تفوِّت الزوجة على زوجها الهدف الكبير من الحياة الزوجية يسقط حقُّها في الإنفاق عليها.
مثلاً: إذا امتنعت عنه، هو لماذا تزوَّج ؟ من أجل أن يُحصِن نفسه، فإذا امتنعت عنه سقط حقُّها في الإنفاق عليها، وإذا هجرت بيته، وذهبت إلى بيت أهلها يسقط حقُّها في الإنفاق عليها، وإذا خرجت من البيت من دون إذنِهِ يسقط حقُّها في الإنفاق عليها، لذلك المحاكم الشرعيّة تعُدُّ هذا نشوزاً من الزوجة، لا تستحِقُّ النفقة إلا إذا دُعيَت إلى بيت زوجها، فإذا أبَتْ يسقط حقُّها في الإنفاق عليها.
الحديث السادس:
عَن أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غِنًى ))
[ البخاري ]
أي ما جعلتَ الذين تنفق عليهم في غنى.
(( وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ))
تقول المرأة لزوجها: إمّا أن تطعمني، وإمّا أن تطلِّقني، ويقول العبد: أطعمني، واستعملني، ويقول الابن: أطعمني، إلى مَن تَدَعُني ؟.
هذا الذي يبخل على زوجته أو على عبده أو على أولاده، هذا عند الله آثمٌ إثماً كبيراً، تقول له الزوجة: أطعمني أو طلِّقني، ويقول العبد: أطعمني واستعملني، ويقول الابن: أطعمني، إلى مَن تدعني ؟
الحقيقة أنّ بعض الفقهاء استنبطوا من هذا الحديث أن المرأة يجوز لها أن تطلب الفراق من زوجها إذا لم يُنفِق عليها، لعِلّة عدم الإنفاق، وعلماء آخرون آثروا أن تصبر المرأة على زوجها، فلا يُعقل أن تأخذ خيره حين كان دخله كبيراً، وأن تطلب الفراق منه إذا كبا به جواده، أو ضعفت قواه، أو قلَّ رزقه، ليس هذا من الوفاء، لذلك الأرجح أن تصبر المرأة على زوجها، لأن هذه بتلك.
وقد أجاز العلماء أن تستقرِض المرأة من أجل أن تأكل الأكل الأساسي الضروري على ذِمّة زوجها إذا امتنع من أن يُنفق عليها، فإذا يسَّر الله له وفّى هذا الدين، لقول الله عزَّ وجلّ: ﴿ وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة البقرة: الآية 280)
ويقول الله عزَّ و جلّ: ﴿ سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرا ﴾
( سورة الطلاق: الآية 7)
الشيء الذي أحبُّ أن أقوله لكم: الإنفاق يجب أن يكون باعتدالٍ في المسكن والملبس والمطعم والمشرب.
بنت رسول الله عليه الصلاة والسلام فاطمة الزهراء جاءت أباها، طلبت منه خادمةً تُعينها على عمل البيت، فعَلِيٌّ أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَام شَكَتْ مَا تَلْقَى مِنْ أَثَرِ الرَّحَا، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ، فَوَجَدَتْ عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْنَا، وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْتُ لِأَقُومَ، فَقَالَ: عَلَى مَكَانِكُمَا، فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى صَدْرِي، وَقَالَ:
(( أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَانِي ؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا تُكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ ))
[ البخاري ومسلم]
النبي الكريم ما أحبَّ خادمةً لابنته فاطمة، هذا من باب الاعتدال.
الحقيقة هذا كلُّه عن الإنفاق على الزوجة، هذا أوَّل حقٍّ من حقوق الزوجة على زوجها، أن يُحسِن إليها في مطعمها ومشربها وكسوتها، وأن يُطعِمها إذا طعِم.
واجبات الزوج نحو زوجته: حسن المعاملة والعشرة
لكنَّ الحقَّ الثاني: والذي يبدو لي أخطر من الأوَّل، لأنَّه ما من بيتٍ إلا والطعام والشراب متوافرٌ فيه - في الأعمِّ الأغلب - ولكن المشكلة الآن في إساءة المعاملة، الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يقول في آيةٍ محكمةٍ واضحةٍ صريحةٍ لا تحتمل التأويل: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾
( سورة النساء: من الآية 19)
عن عَمْرِو بْنِ الْأَحْوَصِ أَنَّهُ شَهِدَ حَجَّةَ الْوَدَاعِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَذَكَّرَ، وَوَعَظَ، فَقَالَ:
(( أَلَا وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّمَا هُنَّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ ـ العوان: جمع عانية أي ضعيفة، المرأة في الأصل ضعيفة ـ لَيْسَ تَمْلِكُونَ مِنْهُنَّ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا... ))
ما دامت هذه الزوجة لم تقترِف الفاحشة، وهي تحفظ نفسها، وتُطيع زوجها، وتُصلّي خمسها، و صوم شهرها، هذه زوجةٌ يجب أن ترعى حقوقها.
قال بعضهم: إنَّ المرأة التي تحبس نفسها على راحة زوجها حتى تكون لديه كالأسير، خروجها بإذنه، كلُّ علاقاتها منضبطة بموافقته، إذًا: هي كالأسيرة، مُقابل أنها أسيرةٌ عنده ينبغي أن يغمرها بالعطف والمودّة، والُّلطف والإحسان، ما دامت عندك أسيرة فيجب أن تعاملها معاملةً تُنسيها أنها أسيرة.
معنى المعاشرة بالمعروف
هذا من معاني:
﴿ وَ عَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾
العلماء فسَّروا المعروف تفسيرات كثيرة:
المعنى الأول:
من هذه التفسيرات: العفو والمُسامحة، هناك زوجٌ لا يعفو، استُرضيَ ولم يرضَ، اعتذَرَتْ له، توسَّلتْ إليه، رَجَتْهُ، هو حقود، إن كنتَ حقوداً، إن لم تُسامح، إن لم تعف، فأنت عاصٍ لله عزَّ و جلّ في نصِّ هذه الآية.
المعنى الثاني:
من معاني:
﴿وَ عَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾
نسيان الهفوات، وترك تتبّع العثرات، هذا من معاني:
﴿ وَ عَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾
المعنى الثالث:
من معاني:
﴿ وَ عَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾

العقوبة على قدرِ الذنب تماماً، تأديباً لا انتقاماً، أحياناً أزواج يستخدمون سلطتهم استخداماً تعسُّفيّاً لسببٍ تافه، لذنبٍ صغير، لهفوةٍ يحلف عليها بالطلاق و يطردها من البيت في منتصف الليل، لا، لا يجوز هذا، أساساً الحمقى لهم ردود فعلٍ عنيفة جدّاً، ردّ الفعل عنيف لا يتناسب مع الفعل، أمّا الموفَّقون في حياتهم الموصولون بالله، يُلقي الله في قلبهم الحكمة، فلا يُعاقب إلا بقدر الذنب، والنبي إذا كان أعرض عن زوجاته، فإذا كنت زوجاً ناجحاً جداً يجب أن يكون إعراضك عن زوجتك أكبر عقابٍ تعاقبها به، الإعراض فقط، أمّا السُباب والشتائم فإنك ستتلقَّى المثيل، ليس هذا من الحكمة، وليس من المعروف والإحسان، ولا من هذه الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة التي توصي الرجال بالنساء.
المعنى الرابع:
لكن أجمل تفسير لهذه الآية: ليست المُعاشرة بالمعروف كفُّ الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، لذلك تروي القصص أن رجلاً عنده زوجة سيئة جداً، فقيل له: طلِّقها يا أخي، قال: والله لا أُطلِّقها فأغُشَّ بها المسلمين، قد أُطلِّقها، ويأتي إنسان يتزوَّجها، إن فعلت هذا غششتُ بها المسلمين، فصبرُ الزوجة على زوجها أو صبر الزوج على زوجته بابٌ من أبواب الجنّة، هذه الدُّنيا دار ابتلاء لا دار استواء، منزِلُ تَرَحٍ لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عُقبى، فجعل بلاء الدُّنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدُّنيا عِوَضاً، فيأخُذُ ليُعطي، ويبتلي ليجزي.
إذاً: ليست المعاشرة بالمعروف كفَّ الأذى عنها، بل احتمال الأذى منها، والحِلم عند طيشها وغضبها، في بعض الأيام يختلُّ توازن الزوجة، فتتكلَّم بكلامٍ منه ما يُسمَع، ومنه ما لا يُسمَع.
النبي عليه الصلاة والسلام هو المثل الأعلى، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ:
(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ، فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ، فَانْفَلَقَتْ، فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ، وَيَقُولُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ، ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ ))
[ البخاري ]
هو قدوتُنا، لا تصدِّق أن إنساناً لا يوجد بينه وبين زوجته بعض المشكلات، هذه سُنَّة الله في الخلق، ليمتحِن عفوك وحِلمك، وحكمتك وصبرك، واتّزانك وضبط نفسك، النبي عليه الصلاة والسلام كان قدوةً لنا، فكان يقف موقِف الحليم الرحيم من زوجاته، لا تُصدِّق أن النبي الكريم عنده زوجات لم يسمع منهن كلمة، بل كانت زوجاته يُراجِعنه الكلام، ويهجُرنَهُ إلى الليل أحياناً، وكان يحلُم عليهم، هكذا ورد في السيرة.
وكان النبي عليه الصلاة والسلام ينزل إلى مستوى زوجاته، إلى مستوى عقولهنَّ، و قد ذكرت لكم من قبل كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام تسابق مع زوجته عائشة فسبقته لأنها شابّة، بعد سنوات تسابق معها فسبقها فقال: هذه بتلك، تعادُل، هذه بتلك.
النبي عليه الصلاة و السلام إذا دخل بيته بسَّاماً ضحّاكاً، فإذا كنت مرحاً، وكنت لطيفاً، وكنت ليّن العريكة مبتسماً، والله هذا شيء جميل، هذه أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام.
المعنى الخامس:
من حُسن المُعاشرة التي أمر الله بها أن تنظر إلى مزاياها إذا نظرت إلى مساوئها، لا يوجد إنسان كامل، وهناك أزواج يركِّزون على المساوئ فقط، بعض العيوب في شكلها، بعض العيوب في أخلاقها، في طباعها، لكنها حَصَان، عفيفة، شريفة، نظيفة، مِطواعة، يتجاهل ميِّزاتها، ويُبرز أخطاءها، ليس هذا من حُسن المُعاشرة.
المعنى السادس:
من حُسن المُعاشرة إذا نظرتَ إلى عيوبها، أو إلى بعض عيوبها، انظر إلى مزاياها أيضاً، هذا هو العدل والإنصاف، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ ))
قال تعالى: ﴿ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾
[ سورة النساء: من الآية 19 ]
قد لا يُعجبك شكلها، لكن قد تُنجب لك أولاد أذكياء، موفَّقين، قد تكون الزوجة طيِّعة، قد تكون صبورة، قد تكون متواضعة، طلباتها معقولة، لو أنَّك تزوَّجتها كما تريد لأتعبتْك تعباً لا حدود له، فالله عزَّ و جلّ هو الحكيم، هو اختارها لك، اختياره، ألا ترضى باختياره ؟.
المعنى السابع:
من حُسن مُعاشرة الزوجة - هذه كُلُّها معاني حُسن المُعاشرة - أن لا تُسيء الظنَّ بها، هناك أزواج عندهم سوء ظنّ، طبعاً سوء الظنِّ ضروري و غير ضروري، ضروري إذا شككت بشيء، إنسان نبَّهك: انتبه، في منزلك حركة غير طبيعية، لا أنا حَسَن الظنِّ بزوجتي، فأنت إذا أجدب، إذا كان هناك ملاحظات، دلائل، ريب، فيجب أن تُسيء الظنّ و أن تبحث، لكن عندما لا يوجد أي دليل على وجود خطأ، ولا يوجد لفت نظر، عندها نهانا النبي عليه الصلاة والسلام عن أن لا نُسيء الظنّ بالزوجة، لأنّ إساءة الظنِّ بالزوجة يُحطِّمها، يُفقدها معنويَّاتها، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن سوء الظنِّ بها، وأن يتَّبَّع زوجها عوراتها.
مثلاً: دخل إلى البيت فجأةً من دون أن يطرق الباب، جاء من سفر فداهم البيت مُداهمةً فجأةً، هذا يعني أنه يشُكُّ بها ؟
هذا يفعله من يُسيء الظنَّ بزوجته، فالنبي كان إذا قَدِمَ من سفر أعلم أهله قبل أن يدخُل البيت، هكذا علَّمنا النبي عليه الصلاة والسلام، الآن هناك هاتف، أخبرهم من المطار أنك وصلت، أمّا المُداهمة، والمُفاجأة فتعني أنَّك تشُكُّ بها، لذلك ورد في الحديث عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
(( نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَطْرُقَ أَهْلَهُ لَيْلًا ))
[ البخاري ]
أن يطرُق أهله ليلاً يتخوَّنهم - كأنّه يتخوَّنهم - أو يطلب عثراتهم، لأن هذا يوَفِّر الأمن للزوجة والسلام، ويوَفِّر لها كرامتها ومودَّتها معك.
كلُّ هذه المعاني مُستنبطة من آيةٍ واحدة:
﴿ وَ عَاشِرُوهُنَّ بِالمَعْرُوفِ ﴾
ربَّما كان هذا الحقّ أبلغ من حقِّ الطعام والشراب، لا يوجد بيت ليس فيه طعام وشراب، والزوجة تأكل طعاماً خشناً، ولا تحتمل أن تُسيء الظنَّ بها، تأكل طعاماً خشناً، ولا تحتمل أن تكون قاسياً معها، تأكل أخشن الطعام، ولا تحتمل أن تهجرها، لذلك حُسنُ العُشرة مع الزوجة ربّما كان مُقدَّماً على واجب الطعام و الشراب.
و هناك حقوق كثيرة للزوجة، لأنه كما قُلت في بداية الدرس: الأزواج يطرَبون طرباً لا حدود له لحقوق الزوج على زوجاتهم، يقول لك اللهم صلَّ عليه... هكذا قال...هكذا قال... اصبر، هناك أحاديث أخرى، كما أن لك عليها حقّ، لها عليك حقّ، والإنسان إذا عرف ما له و ما عليه و أعطى كلّ ذي حقٍّ حقَّه، ساد السلام في البيت.
بقي علينا نماذج من مواقف النبي عليه الصلاة والسلام، الآن ننتقل إلى السيرة المتعلِّقة بهذا الموضوع.
نماذج نبوية في معاملة الزوجة
الحديث الأول:
عَن عَائِشَةَ قَالَتْ:
(( لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي الْمَسْجِدِ بِحِرَابِهِمْ، وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ ))
[ متفق عليه ]
تطييباً لخاطرها.
الحديث الثاني:
وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ:
(( كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ ـ يعني بالدُمى ـ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي ))
[ متفق عليه ]
هناك من يتزوَّج بنتاً صغيرة، فتقول له: أريد لعبة، فيسُبُّها، اجلب لها لعبة، وحُلَّ المشكلة، فالسيدة عائشة تقول: (( كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ ـ أي بلعب الأطفال ـ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي ))
فالنبي يسمح لهُنَّ فيلعبنَ معي، بموافقته، هذا تطييبٌ لخاطرها، فإذا كانت زوجتك صغيرة، وطلبت منك شوكولا مثلاً فلماذا الانزعاج ؟ حنَّت إلى طفولتها، هكذا فعل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُريدها في سنٍ صغيرة و عقلٍ كبير.
الحديث الثالث:
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى، قَالَتْ: فَقُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ: أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولِينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إِبْرَاهِيمَ، قَالَتْ: قُلْتُ: أَجَلْ ـ أي هذا الأمر صحيحٌ ـ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ ))
[ متفق عليه ]
الحديث الرابع:
عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إِلَى النِّسَاءِ، تَعْنِي فِي مَرَضِهِ فَاجْتَمَعْنَ فَقَالَ:
(( إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَدُورَ بَيْنَكُنَّ، فَإِنْ رَأَيْتُنَّ أَنْ تَأْذَنَّ لِي فَأَكُونَ عِنْدَ عَائِشَةَ فَعَلْتُنَّ، فَأَذِنَّ لَهُ ))
[ أبو داود ]
انظر إلى الأدب، ما رضي أن يبقى عند عائشة إلا بعد أن جمع نساءه كُلَّهُنّ، واستأذنهُنَّ في ذلك، لأنها لها حقّ.
الحديث الخامس:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/2040/04.jpg
عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ سَأَلْتُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي الْبَيْتِ ؟ قَالَتْ:
(( كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ، فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ ))
[ البخاري ]
كان إذا فَرَغَ كان في خِدمة أهله - أي يُساعدهم في أعمال البيت - من دون أن يشعُر أنه مُهان، كان في مَهنة أهله، فكان يحلِبُ شاته، ويكنُسُ أرضه، ويخصِف نعله، وكان في مَهنة أهله.


الحديث السادس:
فعَنْ أَنَسٍ قَالَ:
(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ، فَأَرْسَلَتْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِصَحْفَةٍ فِيهَا طَعَامٌ، فَضَرَبَتْ الَّتِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهَا يَدَ الْخَادِمِ، فَسَقَطَتْ الصَّحْفَةُ، فَانْفَلَقَتْ ـ أي انكسرت ـ فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِلَقَ الصَّحْفَةِ، ثُمَّ جَعَلَ يَجْمَعُ فِيهَا الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ فِي الصَّحْفَةِ، وَيَقُولُ: غَارَتْ أُمُّكُمْ، ثُمَّ حَبَسَ الْخَادِمَ حَتَّى أُتِيَ بِصَحْفَةٍ مِنْ عِنْدِ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا، فَدَفَعَ الصَّحْفَةَ الصَّحِيحَةَ إِلَى الَّتِي كُسِرَتْ صَحْفَتُهَا، وَأَمْسَكَ الْمَكْسُورَةَ فِي بَيْتِ الَّتِي كَسَرَتْ ))
[ البخاري ]
كان عادلاً، تلك أرسلت صحناً جديداً فكُسر، فأرسل لها صحناً بدلاً عنه.
كان عليه الصلاة والسلام لا يسمح لزوجةٍ من أمّهات المؤمنين بأن تقول عن الأخرى من زوجاته كلمة نقص في مجلسه، لا يسمح أبداً، هناك شخص يسمح لزوجته الأولى أن تتكلّم عن الثانية، يقول لها: والله معك حقّ، ثُمَّ يذهب مساءً إلى البيت الثاني فتتكلم زوجته الثانية عن الأولى، فيُصغي لها، النبي عليه الصلاة والسلام لا يسمح لزوجةٍ من أمّهات المؤمنين بأن تقول عن الأخرى من زوجاته كلمة نقص في مجلسه،
الحديث السابع:
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: حَكَيْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ:
(( مَا يَسُرُّنِي أَنِّي حَكَيْتُ رَجُلًا، وَأَنَّ لِي كَذَا وَكَذَا، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ صَفِيَّةَ امْرَأَةٌ، وَقَالَتْ بِيَدِهَا هَكَذَا، كَأَنَّهَا تَعْنِي قَصِيرَةً، فَقَالَ: لَقَدْ مَزَجْتِ بِكَلِمَةٍ لَوْ مَزَجْتِ بِهَا مَاءَ الْبَحْرِ لَمُزِجَ ))
[ الترمذي ]
الحديث الثامن:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ ))
[ البخاري ]
الحديث التاسع:
وفي رواية عن سَمُرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
(( إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلْعٍ، وَإِنَّكَ إِنْ تُرِدْ إِقَامَةَ الضِّلْعِ تَكْسِرْهَا، فَدَارِهَا تَعِشْ بِهَا ))
العملية تحتاج إلى مُداراة.
الحديث العاشر:
وفي روايةٍ أُخرى في الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( الْمَرْأَةُ كَالضِّلَعِ، إِنْ أَقَمْتَهَا كَسَرْتَهَا، وَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَفِيهَا عِوَجٌ ))
الحديث الحادي عشر:
و في روايةٍ لمسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا ))
[ مسلم ]
الحديث الثاني عشر:
في خِتام هذا الدرس، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( خِيارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ ))
[ ابن ماجه ]
قصة وعبرة: أشكو مما منه تشكو
بقيت قصّةٌ قصيرة: كان أعرابيٌّ يُعاتِبُ زوجته، فعلا صوتُها صوتَه، فساءه ذلك منها، وأنكره عليها، ثُمَّ قال: و الله لأشكوَنَّكِ إلى أمير المؤمنين عُمَر، وما أن كان بباب أمير المؤمنين ينتظر خروجه حتى سمِع امرأة أمير المؤمنين تستطيل عليه، وتقول له: اتَّقِ الله يا عُمَر فيما ولاّك، و ساكتٌ لا يتكلَّم، فقال الرجل في نفسه و هو يهُمُّ بالانصراف: << إذا كان هذا هو حال أمير المؤمنين، فكيف حالي أنا ؟، و فيما هو كذلك خرج عمر، ولمّا رآه قال: ما حاجتك يا أخَا العرب ؟ فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين، جئتُ إليك أشكو خُلُق زوجتي، واستطالتها عليّ، فرأيت عندك ما زهّدني إذ كان ما عندك أكثر مما عندي، فهممتُ بالرجوع، وأنا أقول: إذا كان حال أمير المؤمنين مع زوجته، فكيف حالي ؟ قال، فتبسَّم عمر رضي الله عنه و قال: يا أخَا الإسلام، إنّي احتملتها لحقوقٍ لها عليّ ـ إنّي احتملتها، أنا قادر أن أكون لئيماً، وأن أحطِّمها، ما أكرمهُنَّ إلا كريم، ولا أهانهُنَّ إلا لئيم، يغلِبنَ كلَّ كريم ويغلبهُنَّ لئيم، وأنا أحبُّ أن أكون كريماً مغلوباً لا أن أكون لئيماً غالباً ـ قال له: يا أخا العرب، إنّني احتملتها لحقوقٍ لها عليّ، إنّها طبّاخةُ لطعامي، خبّازةٌ لخُبزي، مُرضعةُ لأولادي، غاسلةٌ لثيابي، وبقدر صبري عليها يكون ثوابي، ألا يكفي هذا الكلام من سيّدنا عمر ؟ وبقدر صبري عليها يكون ثوابي >>.
وللبحث بقيّة في درسٍ قادم

السعيد
09-05-2018, 08:59 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الرابع )


الموضوع : حقها فى هدايتها ورعاية دينها واخلاقها




اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الخبير، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مقدمة
أيها الإخوة المؤمنون، لازلنا في حقوق الزوجة على زوجها http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2041/ar-2041/01.jpg
ويبدو أن الإنسان إذا أدى ما عليه من حقوق وجد الطريق إلى الله سالكا، فأيّ تقصير أو أيّ مخالفة إنما هي عقبة في الطريق إلى الله، فإذا أديت ما عليك من حقوق لزوجتك أو لأولادك أو لجيرانك، أو لمن حولك، لعل الله سبحانه وتعالى بتأدية الحقوق يزيل كل العقبات التي في طريق الإنسان إلى الله عز و جل.
معنى حسن المعاشرة
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2041/ar-2041/02.jpg
تحدثت في الدرس الماضي عن حق الزوجة في الإنفاق عليها، وقد تحدثت أيضا عن حقها في حسن المعاشرة، لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا في القرآن الكريم فقال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
( سورة النساء: من الآية 19 )
وقد تحدثت حول هذه الآية كثيرا، و لعل من أبرز ما كان الحديث عنه في هذه الآية أن حسن المعاشرة لا تعني أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها، بل تعني أن تحتمل الأذى منها، وشتان بين الفهمين والموقفين، إذا تحدثنا عن حقين من حقوق المرآة على زوجها.
وقد قلت أيضا: إن الإنسان يحلو له أن يبحث عن حقوقه، وعن واجبات الآخرين له، ولكن البطولة أن تبحث أيضا عن واجباتك تجاه الآخرين، والبطولة أيضا أن تبحث عن حقوق الآخرين التي تطالب بها يوم القيامة.
من حقوق الزوجة على الزوج: حفظ الدين والسلوك وحسن التوجيه
الحق الثالث من حقوق الزوجة: أن تحافظ على دينها، وأن ترعى سلوكها، وأن تحسن توجيهها، لأن الأزواج في هذه الأيام ما دامت الزوجة تروق له، وتقدم له خدمات جيدة , نظيفة , مرتبة , تعرف ما ينبغي أن تفعله الزوجة , فهذا في المرتبة الأولى، أما أمر دينها ففي المحل الثاني، إذا خرجت بطريقة لا ترضي الله يتساهل , إذا استقبلت الرجال يتساهل، وهذا لا يرضي الله يتساهل، لكنه قد لا يتساهل في أمر يمسّ علاقته بها، أو نصيبه منها، هذه المرأة إذا تركتها مع رقة في دينها، و تقصير في معرفة ربها، وضبطها في النواحي المادية، هذه لها حق عليك كبير يوم القيامة، وربما صدق على هذا الزوج أن هذه المرآة تقول: يا رب، لا أدخل النار حتى أُدخل زوجي قبلي، لأنه لم يوجهني، ولم يبصرني، ولم يعرفني، ولم يأخذ بيدي إليك.
طبعا ما من زوج إلا ويهتم بسلامة جسم زوجته، ويخشى عليها من الأمراض، لأنه هو سيدفع الثمن، فأيّ مرض عضال يصيبها هو وحده سيدفع الثمن باهظا، لذلك ترى معظم الأزواج حريصين حرصا لا حدود له على صحة زوجاتهم، وعلى سلامة أعضاء زوجاتهم، وعلى رفاهية زوجاتهم، هذا الحرص يجب أن يقابله حرص آخر على سلامة دين زوجتك، وعلى حسن معرفتها بالله، وعلى حسن علاقتها بالله... وإلا فأنت تخونها، هي شريكة حياتك، لماذا هي شريكتك في الطعام، في المسكن ؟ وفي نصيبك منها ؟ وليست شريكتك في معرفة الله ؟ وليست شريكتك في فهم القرآن الكريم ؟ وليست شريكتك في التفقه في سنة رسول الله ؟
لذلك فهذا الذي يهمل دين زوجته، ويهمل معرفتها بالله، ولا يعلق أهمية على تعليمها العلم الشرعي، لا يقيم وزنا لفهمها لدينها، هذا مقصر أشد التقصير في حقها، هذا كلام طيب ومقنع، ومنطقي ومعقول.
الأدلة القرأنية على وجوب حفظ الزوج دين الزوجة
ولكن أين الدليل ؟ وكما عودتكم ما من إنسان بعد النبي عليه الصلاة والسلام يقبل منه أن يقول كلاما بلا دليل، كلام طيب، ولكن هل له دليل ؟ نعم:
الآية الأولى:
يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾
( سورة التحريم: من ا لآية 6 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2041/ar-2041/03.jpg
﴿ قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً ﴾
أي: أنت مأمور أن تقي نفسك نار جهنم، ومأمور أيضا وفي الدرجة نفسها، وبالمستوى نفسه أن تقي أهلك نار جهنم، وكيف تقي أهلك، والأهل هم الزوجة والأولاد ؟
تقيهم بتوجيههم، بتعريفهم، بإرشادهم ومراقبتهم، ومحاسبتهم.
شيء آخر، ولعله مهم جداً، وهو أن الله سبحانه وتعالى جعل المؤمنين بعضهم أولياء بعض، فأنت ولي أخيك المؤمن، فإذا رأيت منه اعوجاجا أو انحرافا، أو تقصيراً أو مخالفة، أو معصية فلا بد من أن تنصحه، ولا بد من أن توجهه، ولا بد من أن تأخذ بيده، ولا بد من أن تعاونه، لماذا ؟ لأنه أخوك في الله، وله حق عليك، فإذا كان المؤمنون بعضهم لبعض أولياء، وكل واحد منهم له حق على الآخر، فمن باب أولى أن يكون الزوج وزوجته من أول من تطبق عليهم هذه الآية.
الآية الثانية:
يقول الله عز و جل:
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾
( سورة التوبة: من الآية 71 )
ما معنى: ﴿ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾
أي: إذا كنت راكباً سيارة، وأمامك أخ يركب مركبة، وشعرت أن هناك بوادر احتراق بالسيارة، وصاحبها لا يدري، أنت كأخ له، أنت كمؤمن، وهذا الذي أمامك مؤمن أكبر حق له عليك أن تنبهه أن تلفت نظره، والأصح من هذا أنت مكلف بأي إنسان، الخلق كلهم عيال الله، وأحبهم إلى الله انفعهم لعياله، ولكن الحديث هنا عن المؤمنين لسبب، وهو أن غير المؤمن لا يستمع إليك، فلو رأيت إنساناً في الطريق يعصي الله، يشرب الدخان في رمضان، فربما لو نصحته أسمعك كلاما لا يرضي، وهذا ليس هو المقصود، فالحديث هنا عن المؤمنين، يقول ربنا سبحانه و تعالى:
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2041/ar-2041/04.jpg
فأنت ولي أخيك، وأخوك وليك، من كان منكم أكثر علما، وأقرب إلى الله، وأكثر ورعا وفهما فلينصح الأخ الآخر.
إذاً: المؤمنون بعضهم لبعض نصحه متوادون، والمنافقون بعضهم لبعض غششه متحاسدون، كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( المؤمنون بعضهم لبعض نصحه متوادون، ولو ابتعدت منازلهم، والمنافقون بعضهم لبعض غششه متحاسدون، ولو اقتربت منازلهم ))
[ ورد في الأثر ]
وقد مر بنا قوله سبحانه و تعالى:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ ﴾
ولكن ما معنى: بعضهم أولياء بعض ؟ ﴿ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
( سورة التوبة: من الآية 71 )
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2041/ar-2041/05.jpg
فإذا كان أخوك المؤمن له حق عليك ؛ أن تنصحه، له حق عليك، أن ترشده، له حق عليك، أن تأخذ بيده، له حق عليك أن تبصره، وأن تنور بصيرته، فهذه شريكة حياتك، هذه التي نذرت نفسها لخدمتك، هذه التي حبست نفسها من أجلك، هذه التي شاركتك في الضراء والسراء، أليس لها حق عليك أن تأخذ بيدها إلى الله عز وجل ؟ أليس لها حق أن تعرفها أمر دينها، أن تبصرها سنة النبي عليه الصلاة والسلام، أن تصلح اعوجاجها، وأن تقيم انحرافها، من باب أولى، إذا كان أخوك المؤمن العادي له حق عليك فهذه زوجتك، لذلك إن شئت على قوله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ﴾
( سورة التحريم: من ا لآية 6 )
وإن شئت على قوله تعالى:
﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللّهُ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾
أحاديث نبوية في وجوب حفظ دين المرأة
الآن من أقوال النبي عليه الصلاة و السلام:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2041/ar-2041/06.jpg
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى ثُمَّ أَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ وَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ ثُمَّ أَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ ))
[ أبو داود، النسائي، ابن ماجه ]
شيء رائع جداً فوق مستوى الروعة أن ينهض الرجل ليصلي قيام الليل، وأن يقيم زوجته معه.
(( رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّى ثُمَّ أَيْقَظَ امْرَأَتَهُ فَصَلَّتْ، فَإِنْ أَبَتْ نَضَحَ فِي وَجْهِهَا الْمَاءَ وَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأَةً قَامَتْ مِنْ اللَّيْلِ فَصَلَّتْ ثُمَّ أَيْقَظَتْ زَوْجَهَا فَصَلَّى فَإِنْ أَبَى نَضَحَتْ فِي وَجْهِهِ الْمَاءَ ))
هذه المشاركة.... فقد تكون الزوجة أكثر نشاطا من زوجها، وقد يكون الزوج أكثر نشاطا من زوجته، فلا بد من التعاون، لا يقلّ قدرك، ولا يقلل من شأنك أن توقظك زوجتك على الصلاة، فهذا شيء لطيف.. فإما أنت وإما هي، فأنت تشتهي زوجتك بالطعام، فالذي ذاق حلاوة الطاعة، وحلاوة القرب ألا يشتهي زوجته بهذا القرب ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2041/ar-2041/07.jpg
هذا هو حق التوجيه والإرشاد , حق التعريف بالله عز وجل، وحق أن تأخذ بيدها إلى الله.
مما روي أن امرأة قالت لابنتها يوم زفافها وزوجها يسمع: يا آبا أمية، ما أوتى الرجل شرا من المرأة المدللة ـ فوق الحدود ـ فأدب ما شئت أن تؤدب، وهذب ما شئت أن تهذب , ثم التفت إلى ابنتها تأمرها بحسن السمع والطاعة ".
لذا فإن قال بعض الأزواج تحت غطاء " يجب أن نأخذ بيدها إلى الله ": يجب أن نكرمها، فيعطيها شيئاً يفوق الحد المعقول، فتستطيل على الناس، وتفخر عليهم، وتوقع في قلوبهم اللوعة...لا:
لكل شيء إذا ما تم نقصانُ
***
وقد قال تعالى: ﴿ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَّحْسُوراً ﴾
[ سورة الإسراء: الآية 29 ]
وقال رسول الله عليه الصلاة والسلام:
(( اخشوشنوا، وتمعددوا، فإن النعم لا تدوم ))
[ الجامع الصغير عن ابن أبي حدرد ]
فالإنسان يجب أن يعوّد أهله على الأحوال كلها.
الحق الرابع للزوجة على الزوج: التزين لها
الحق الرابع للزوجة على زوجها أن يتزين لها كما تتزين له، فهذا أمر الشرع، فكما أنك تريد أن تظهر لك بمظهر حسن فهي إنسان أيضا تتمنى أن تكون أنت في مظهر مقبول، ومظهر حسن، والدليل قوله تعالى: ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾
( سورة البقرة: من الآية 228 )
إنها درجة القوامة.
أتت امرأة إلى سيدنا عمر بن الخطاب، وزوجها أشعث أغبر، فقالت: يا أمير المؤمنين، لا أنا ولا هذا، خلصني منه، فنظر إليه عمر، وكان لماحا فطنا، فعرف ما كرهت منه، فأشار إلى رجل، وقال له: اذهب بهذا، وحممه، وقلم أظافره، وخذ من شعره، وائتني به، فذهب، و فعل ذلك، ثم أتاه به، فأومأ عمر إليه، أن يأخذ بيدها فقالت: يا عبد الله، سبحان الله ! أبين يد أمير المؤمنين تفعل هذا ؟ فلما عرفته أنه زوجها ذهبت معه، فقال عمر رضي الله عنه: هكذا فاصنعوا لهن، فإنهن يحببن أن تتزينوا لهن كما تحبون أن يتزين لكم.
فهذه القصة تبين أن للزوجة حقا في أن يتزين لها زوجها، والنبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلا أشعث الشعر، فقال:
(( احلق، فإنه يزيد في جمالك ))
[ ورد في الأثر]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ ))
[ أبو داود ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2041/ar-2041/08.jpg
والنظافة من الإيمان، فالمؤمن نظيف ؛ نظيف في أخلاقه، نظيف في البدن، نظيف في الملبس، وسيدنا على كرم الله وجه يقول: << إن الله يكره من عباده القاذورة.
و يقول ابن عباس: << إنني ألبس، وأتجمل، فان الله جميل يحب الجمال >>.
والنبي صلى الله عليه و سلام كان يعرف بريح المسك إذا مر.
وكان يقول:
(( إِنَّكُمْ قَادِمُونَ عَلَى إِخْوَانِكُمْ فَأَصْلِحُوا رِحَالَكُمْ وَلِبَاسَكُمْ حَتَّى تَكُونُوا فِي النَّاسِ كَأَنَّكُمْ شَامَةٌ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يُحِبُّ الْفُحْشَ وَلَا التَّفَحُّشَ ))
[ أحمد عن أبي الدرداء ]
والنبي عليه الصلاة والسلام كان له ثياب خاصة جديدة يلبسها في أيام الجمع، وإذا حضرته الوفود، وقد كانت علية قومه تفعل ذلك.
فالمؤمن يحتاج إلى ثوب نظيف أنيق، والمؤمن يمثل الدين الإسلامي، أنت على ثغرة من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك.
يقول أبو الحسن: " هيئة الرجل لامرأته مما يزيد في عفتها ".
فتراك في مظهر حسن , نظيف , شعرك مرجّل، فهذا مما يصونها، ويجعلها تعتز بك، و تعف عن الآخرين.
الحق الخامس للزوجة على الزوج: عدم الزهد فيها وهجر مضجعها
الحق الخامس من حقوق المرآة على زوجها: ألا يزهد بها، وألا يهجر مضجعها.
فهذا الذي قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي، هذا عاقبه الله عز وجل بأنه حرَّمها عليه ما لم يصم ستين يوما، أو يطعم ستين مسكينا، فكما أن له عندها حاجة فلها عنده حاجة، ومن الظلم أن تتجاهل حاجتها.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:
(( جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا، فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ، وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ، فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا، أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ، وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ))
[ متفق عليه ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2041/ar-2041/09.jpg
فأي منهج يطبقه المسلم خلاف هذا المنهج فإنه يخالف به سنة النبي الكريم، فأولئك الذين تركوا الزواج نهائيا، أو تركوا العمل، هؤلاء قد خالفوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فسنة النبي تضمن لك أن تصل بها إلى أعلى مستوى، فقد كان له زوجات كثر، وكان يطوف عليهن جميعاً، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ ))
[ الترمذي ]
وفي عهد عمر بن الخطاب أتت امرأة إليه وقالت: يا أمير المؤمنين، إن زوجي قوام، فقال سيدنا عمر: بارك الله لك في زوجك، فقالت: إن زوجي قوام، وإني أكره أن أشكوه، فكان عند سيدنا عمر صحابي اسمه كعب الأسدي فقال: إنها تشكو زوجها، فقال عمر: هكذا فهمت من كلامها ؟ فإذا فهمت هكذا فاحكم بينها وبينه، فقال كعب: علي بزوجها، فأتوني به، فقال له: إن امرأتك هذه تشكوك، فقال: أفي طعام أو شراب ؟ قال: لا، فقالت المرأة، و قد صاغ أحد الشعراء شكواها بآبيات شعرية:
يـا أيها القاضي الحكيم رَشَدُه ألهى خليلي عن فراشي مسجده
زهَّـده في مضجعي تعبُّــده فاقضِ القضا كعب و لا تَـردّه
نهاره و لـيله مـا يـرقـده فلست في أمر النساء أحمــده
فقال زوجها:
زهدني في فرشها وفـي الحجــل أني امرؤ أذهلني ما قد نزل
ففي سورة النحل وفي السبع الطوال و في كتاب الله تخويف جلل
فقال له القاضي كعب:
إن لها حقا عليك يـا رجل نصيبها في أربع لمن عقـل
فأعطها ذاك ودع عنك العِلل
***
أي أن الله عز و جل قد أحل لك من النساء مثنى وثلاث ورباع، فكل ثلاثة أيام تعبد بها ربك، ولها الليلة الرابعة , فقال عمر: والله ما أدري من أي أمريك أعجب، أمن فهمك أمرها، أم من حكمك بينهما , اذهب فقد وليتك قضاء البصرة.
الحق السادس: إرشادها الى الخير وإبعادها عن الشر وصيانة نفسها
ومن حق الزوجة على زوجها أن يرشدها إلى طريق الحق، وأن يبعدها عن مواطن الشر.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2041/ar-2041/10.jpg
ومن حقها عليه أن يأمرها بأن تصون نفسها، فمثلا: هناك شرفة في المنزل، خرجت الزوجة إليها بملابس البيت، و لمارة ينظرون، فلم يتأثر الزوج، فرأته ساكتا، فاستمرت، و إذا رأته تساهل استمرأته، فمن حقها عليك أن تأمرها أن تستر نفسها، فلو لم تفعل لحوسبت حسابا شديدا، والدليل قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ﴾
( سورة الأحزاب: من الآية 59 )
و قوله تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾
( سورة الأحزاب: من الآية 33)
يعني هذا أن المركز الأساسي أن تبقى في البيت لتقدم للمجتمع أكبر خدمة، فما من وظيفة أخطر من أن تربي أولادها، تماما كالطيار الذي لا بد من التزامه بغرفة القيادة للحفاظ على أرواح الركاب، فالبيت مركز قيادة المرآة، ويقول النبي عليه الصلاة و السلام:
(( أيما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة ))
[ لجامع الصغير عن أنس ]
(( أي اعلمي أيتها المرآة، وأعلمي من دونك من النساء أن حسن تبعل المرآة زوجها يعدل الجهاد في سبيل الله ))
[ كنز العمال عن أسماء بنت يزيد الأنصارية ]
﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾
و هذا لنساء الرسول صلى الله عليه و سلم، فإذا كان نساؤه قد قررن في بيوتهن، وهن المحصنات التقيات الطاهرات فلأن يكون هذا الأمر موجها لنساء المؤمنين من باب أولى. وهذا مبدأ في الفقه، وقاعدة أساسية.
مثلا: قوله تعالى: ﴿ فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ ﴾
( سورة الإسراء: من الآية 23 )
فمن باب أولى أن يكون الضرب ممنوعاً.
و قوله تعالى: ﴿ لَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ﴾
( سورة النور: من الآية 31 )
إذ أن هناك مشية للمرأة تلفت النظر، وهذه مشية المرأة مأمورة أن تبتعد عنها، كما أن هناك ثيابا ذات ألوان زاهية، وكذلك هناك أحذية ذات صوت يلفت نظر الرجال إليها، وأشد من ذلك كله أن تكون متعطرة، فإذا خرجت المرأة متعطرة لعنتها الملائكة حتى تعود، فكل شيء يلفت نظر الرجال إلى المرأة محرم بشكل قطعي.
أحيانا تهمل المرأة زينتها فيتضايق زوجها، وقد يصل الأمر إلى الطلاق، فالمذنب هو الرجل، إذ يجب أن يأمرها أن تصلح من هيئتها، ويجب أن يدقق عليها، فقد تكون صغيرة لا تعلم، أو لا تهتم، أو لا تبالي، فإذا استمرأت إهمال زينتها، وانزعج منها من دون أن يعرفها، ومن دون أن يلفت نظرها، ثم اتخذ منها موقفا صارما، وأرسلها إلى بيت أهلها من دون أن تعلم السبب فهو آثم، لذلك يجب أن يذكرها بواجبها تجاهه، ومن أولى هذه الواجبات أن تكون حسنة المظهر أمامه من أجل أن تعفه عن النظر إلى الحرام، ألم يقل النبي عليه الصلاة و السلام
(( يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ... ))
[ متفق عليه ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2041/ar-2041/11.jpg
فهذا هو الهدف الأول من الزواج للمؤمن، أن يكون عفيفاً عن الشهوة، فإذا أهملت نفسها، وأهملت ثيابها، وأهملت زينتها، ثم كرهها، وأبغضها، وطردها فقد أخذها على غرة، إذ يجب أن ينبهها، وأن يلفت نظرها، وأن يأمرها، وأن يدقق عليها لكي تبقى على مستوى طموحه، والدليل: عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
(( كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ، فَلَمَّا قَفَلْنَا كُنَّا قَرِيبًا مِنْ الْمَدِينَةِ تَعَجَّلْتُ عَلَى بَعِيرٍ لِي قَطُوفٍ، فَلَحِقَنِي رَاكِبٌ مِنْ خَلْفِي فَنَخَسَ بَعِيرِي بِعَنَزَةٍ كَانَتْ مَعَهُ، فَسَارَ بَعِيرِي كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ الْإِبِلِ، فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ، اللَّهِ إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، قَالَ: أَتَزَوَّجْتَ ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: أَبِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا ؟ قَالَ: قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا، قَالَ: فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ ؟ قَالَ: فَلَمَّا قَدِمْنَا ذَهَبْنَا لِنَدْخُلَ فَقَالَ: أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا، أَيْ عِشَاءً، لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وتستحدث الْمُغِيبَةُ ))
[ متفق عليه ]
فلم يرض النبي صلى الله عليه وسلم أن يباغت الزوج زوجته إذا كان مسافراً، فقد تكون غير مستعدة لاستقباله، وقد تكون هيئتها دون الوسط، فالنبي عليه الصلاة والسلام علمنا ألا نأتي من السفر إلى البيت مباشرة، فلا بد من إعلام الزوجة بأنك قد حضرت من أجل أن تأخذ المرأة من شعرها، ومن زينتها، ومن هيئتها، هذا من السنة النبوية. فقال:
(( أَمْهِلُوا حَتَّى تَدْخُلُوا لَيْلًا، أَيْ عِشَاءً، لِكَيْ تَمْتَشِطَ الشَّعِثَةُ، وتستحدث الْمُغِيبَةُ ))
قد لا يترك الزوج لزوجته وقتا لتعتني بنفسها، وهنا تظهر المشكلة، فلا بد من أن ترضيه، ولا يوجد وقت لترضيه، فلا بد من أن تتجاهل بعض الوقت حتى تكون كما يريد، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ:
(( لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ ))
[ البخاري ]
ويتبادر إلى الذهن هنا أن تتكلم المرآة كالرجال، أو أن ترتدي لباسا مما يرتديه الرجال عادة، أضف إلى هذا إذا أهملت المرأة زينتها، وآثرت الخشونة على النعومة والرقة، فقد تشبهت بالرجال، لذلك فقد أمر النبي النساء بالتزين حتى لا يتشبهن بالرجال في الخشونة والشدة.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
(( كَانَتْ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ تَخْتَضِبُ، وَتَتَطَيَّبُ، فَتَرَكَتْهُ، فَدَخَلَتْ عَلَيَّ فَقُلْتُ لَهَا: أَمُشْهِدٌ أَمْ مُغِيبٌ ؟ فَقَالَتْ: مُشْهِدٌ كَمُغِيبٍ، قُلْتُ لَهَا: مَا لَكِ ؟ قَالَتْ: عُثْمَانُ لَا يُرِيدُ الدُّنْيَا، وَلَا يُرِيدُ النِّسَاءَ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ، فَلَقِيَ عُثْمَانَ، فَقَالَ: يَا عُثْمَانُ، أَتُؤْمِنُ بِمَا نُؤْمِنُ بِهِ ؟ قَالَ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: فَأُسْوَةٌ مَا لَكَ بِنَا... فَاصْنَعْ كَمَا نَصْنَعُ ))
[ أحمد ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2041/ar-2041/12.jpg
فاعتنى بزوجته، وأعطاها حقها، فجاءت الزوجة في اليوم الثاني إلي السيدة عائشة، وقالت: لقد أصابنا ما أصاب النساء، فإهمال الزوجة مسؤولية.
عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
(( أَنَّهَا اشْتَرَتْ نُمْرُقَةً ـ وسادة ـ فِيهَا تَصَاوِيرُ، فَلَمَّا رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ عَلَى الْبَابِ فَلَمْ يَدْخُلْهُ، فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ الْكَرَاهِيَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتُوبُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَاذَا أَذْنَبْتُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا بَالُ هَذِهِ النُّمْرُقَةِ ؟ قُلْتُ: اشْتَرَيْتُهَا لَكَ لِتَقْعُدَ عَلَيْهَا، وَتَوَسَّدَهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعَذَّبُونَ، فَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ، وَقَالَ: إِنَّ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ الصُّوَرُ لَا تَدْخُلُهُ الْمَلَائِكَةُ ))
[ متفق عليه ]
ففي عهد النبي عليه الصلاة والسلام كان المصور ينحت الصنم، وكان الصنم يعبد من دون الله، ومن معاني التصوير النحت، وهو التجسيم، وقد كان الناس يعبدون هذه الأصنام من دون الله، فلذلك سدًّا للذرائع قال النبي الحديث الشريف:
(( إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ ))
[ متفق عليه عن ابن مسعود]
الحق السابع: الغيرة على الزوجة
ومن حق الزوجة على زوجها أن يكون غيوراً عليها، إذ إن هناك بعض الأزواج ليس لديهم الغيرة على زوجاتهم، اذهبي وحدك، تعالي وحدك، عند الطبيب وحدها، عند البائع وحدها، ومن حق الزوجة أن يغار عليها، وأن يوجهها إلى ما يحفظ عليها شرفها وشرفه، ولكن ليس معنى هذا أن يشتطّ الزوج في الغيرة عليها، فالشطط في الغيرة مرض فلا بد من غيرة سوية، والنبي عليه الصلاة والسلام قال:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2041/ar-2041/13.jpg
(( أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ ؟ وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي، وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ))
[ متفق عليه عن المغيرة ]
الغيرة قسمان: محبوبة وغير محبوبة
فالغيرة مطلوبة، ولكن هناك غيرة سوية، وغيرة مَرَضية، والنبي عليه الصلاة والسلام فصل، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( مِنْ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ، وَمِنْهَا مَا يَكْرَهُ اللَّهُ، فَأَمَّا مَا يُحِبُّ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ، وَأَمَّا مَا يَكْرَهُ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ ))
[ ابن ماجه ]
فهناك غيرة يحبها الله ورسوله، وهناك غيرة يكرهها الله ورسوله.
فأما ما يحب الله فالغيرة في الريبة، مثلا: أنت ارتبت، جاءتك معلومات مقلقة، شعرت أن هناك تصرفات عير صحيحة، تدعو للشك، فما دام دخل الريب إلى قلبك فالغيرة الآن يحبها الله ورسوله، وأما الغيرة التي يكرهها الله ورسوله فالغيرة من غير ريبة، فليس هناك دليل، ولا داع، ولا عبارة، ولا أي شارة، ولا تصرف مقلق، والأمور كلها طبيعية، فالآن إذا غرت فهذه الغيرة يكرهها الله ورسوله.
هناك حالات كثيرة اطلعت عليها لغيرة في غير موضعها تسبب نفور الزوجة، وهناك غيرة من الزوجة في غير موضعها تسبب نفور الزوج، إذ أن هناك زوجات غيورات، فزوجة مؤمنٍ إذا تأخر تسأله: أين كنت ؟ ومع من كنت ؟ وزوجها مؤمن، فمع من سيكون ؟ مع رفاقه، أو في شغله، أو قد يكون هو أيضا فيسألها: هل دخل أحد في غيابي ؟ ما هذا الكلام ؟ فغيرة من دون ريب، من دون سبب، من دون دليل، من دون إشارة، من دون تنبيه، من دون لفت نظر، هذه غيرة يكرهها الله ورسوله، أما الغيرة مع الريب، مع تصرف مشبوه فمطلوبة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2041/ar-2041/14.jpg
مثلا: دخلت البيت، اضطربت، تسألها: لماذا هذا الاضطراب ؟ باب أغلق فجأة ….شيء خرج … شيء دخل، في مثل هذه الحالات لا بد من أن تكون غيوراً.
بالمناسبة، إن كل إنسان لا يتفقه في الدين يدفع الثمن باهظا، والله قبل خمسة عشر عاما في هذا المسجد عقب خطبة أمسكني رجل من يدي، وقال: أريد أن أحدثك بحديث خطير، فقلت له: تفضل، فقال: لقد اكتشفت اليوم أن زوجتي تخونني مع جار لنا منذ سنين، فسألته: ما السبب ؟ فقال: لنا جار، ومرة زارني، فناديتها يا أم فلان تعالي فاجلسي معنا، هذا فلان مثل أخيك، فجهله بالشرع دفع ثمنه باهظا، لذلك حضور مجالس العلم كما قال النبي عليه الصلاة و السلام حتم واجب على كل مسلم، إذا أن هناك قواعد خطيرة جدا، فالاختلاط طريق إلى الزنى، فإنسان رأى في هذه الزوجة ما ليس عند زوجته فمال إليها، ومالت إليه، أغراها وأغرته، ومن وراء ظهر الزوج فعلوا الفاحشة، فكل إنسان يخالف الشرع يدفع الثمن باهظا.
مثلا: يقول أحدهم: جاءنا خاطب شاب راقٍ مؤدب، فيسأل: هل عقدتم العقد ؟ فيجيب بأن العقد ليس ضروريا، وأمامنا وقت، يدخل ويخرج الخطيب، ثم يختفي وينتفخ البطن، فكل إنسان يخالف الشرع يدفع الثمن باهظا، هذه غيرة يحبها الله ورسوله، وأما الغيرة التي يبغضها الله ورسوله فهي الغيرة من دون ريب
دفع الزوج مواطن الريبة أمام الزوجة لاتقائها عن نفسها
و هناك شيء آخر، إذا كنت ماشيا مع زوجتك، وكنت تنظر إلى النساء من حولك، أو أن امرأة زارت زوجتك، فاستقبلت ورحبت، ونظرت، فأنت قمت بعمل خطير، فزوجتك رأتك، وأنت تخالف الشرع، فأنت الآن تعطيها مبررا لتعاملك بالمثل، فإذا رأتك في عفة وفي حشمة، وفي ورع وفي غض بصر اقتدت بك، وهنا نتدبر قول سيدنا موسى: ﴿ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾
[ سورة القصص: من الآية 23 ]
فهل هناك في اللغة العربية بأكملها عبارة أشد اختصارا، وأكثر جدية، وأقطع لكل تعليق من هذه ؟ قالتا: ﴿ قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾
[ سورة القصص: من الآية 23 ]
و مرة أخرى:
﴿ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾
[ سورة القصص: من الآية 25 ]
فلم تقل له: أبي يدعوك، وسكتت، فسألها: لماذا ؟ وهذا حتى لا يكون هناك حوار مباشرة، ﴿ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ﴾
انتهى الأمر بكلمة. ﴿ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾
[ الأحزاب: من الآية 32 ]
فلا كلمة زائدة، مثلا: سعرها كذا، ادفعي، وامشي، فإذا قالت: نحن جيرانك، فقد أصبح هناك حوار لا مبرر له، قال تعالى: ﴿ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾
[ الأحزاب: من الآية 32 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2041/ar-2041/15.jpg
فحتى على الهاتف كلمة فقط، مثلا: فلان موجود ؟ لا، بلغوه أن فلانا قد اتصل به، انتهى، دق الباب، فلان موجود ؟ لا، تفضل، هذا كلام مخالف للأصول، فالإنسان يجب أن يتعلم كيف يتكلم، وهذا الذي يقول عنه النبي عليه الصلاة والسلام فعليه أن يكون عفيفا أمام زوجته، وأمام الله، فحين يكون عفيفا على مرأى منها يعلمها أن تكون عفيفة مع غيره، مع البائع، مع الشاري، مع أي إنسان، أما إذا هو أخذ، وأعطى في الكلام، وكان لطيفا جدا، وكان لينا في الكلام، ونظر، وأدار حديثاً ممتعاً ومازحاً مع امرأة لا تحل له على مرأى من زوجته، فكأنه يعطيها مبررا لتشطط في الحديث.
ومن حق الزوجة على زوجها أن يأمرها بالصلاة، وأفضل شيء أن يصلوا سوية، ففي البيت الزوجة مع الأولاد، أصبحت الصلاة صلاة جماعة، فتوضؤوا، وصلوا جماعة، فمن حقها عليه أن يأمرها بالصلاة، وأداء الفرائض لقوله تعالى: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَّحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾
[ سورة طه: الآية 132 ٍ]
لذلك ورد في بعض الأحاديث أنّ الزوجة تتعلق يوم القيامة برقبة زوجها، وهي تقول: يا رب، خذ لي حقي من زوجي، لأنه كان يراني أفعل كذا وكذا من الموبقات فلم ينهني، وكان يراني أبتعد عن كذا وكذا من الخيرات وأداء الصلوات فلم يأمرني، يا رب، خذ لي حقي من زوجي.
إنّ الإنسان إذا لم يفعل فسوف يحاسب عن زوجته حساباً عسيراً.
الحق الثامن: عدم التحدث عن الأسرار الزوجية
شيء آخر، لا يجوز، ولا بأي شكل من الأشكال، ولا بأي تلميح أو تصريح، لا يجوز تحت طائلة أشد العقوبات أن يتحدث الزوج عن أسرار الحياة الزوجية للناس http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2041/ar-2041/16.jpg
فهذا الذي يفعل ذلك لا يغار على عرضه، ما كان بين الزوج والزوجة يجب ألا يعلمه إلا الله، فالنساء في بعض المجالس يتحدثن عن أزواجهن، وعن أسرار الحياة الزوجية، والزوج أحيانا يتحدث عن زوجته، وأسرار العلاقة الزوجية، هذا الذي يفعل هذا فاقد للمروءة، فعن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(( ثَلَاثَةٌ قَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْجَنَّةَ: مُدْمِنُ الْخَمْرِ، وَالْعَاقُّ، وَالدَّيُّوثُ الَّذِي يُقِرُّ فِي أَهْلِهِ الْخَبَثَ ))
[ مسند أحمد ]
وعن أبي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الرَّجُلَ يُفْضِي إِلَى امْرَأَتِهِ، وَتُفْضِي إِلَيْهِ ثُمَّ يَنْشُرُ سِرَّهَا ))
[ مسلم ]
ولكن هذا لا يدخل في نطاق السؤال: هل صار العرس ؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام سأل أبا طلحة، فقال: أعرّستم الليلة ؟ ولم يقصد النبي إلا أن يسأله: هل دخل بامرأته ؟ فهذه ليس لها علاقة بالعلاقة الزوجية.
الحق التاسع: عدم تكليف الزوجة بعمل فوق طاقتها
ومن حق الزوجة على زوجها ألا يكلفها عملاً فوق طاقتها، فهناك أحيانا زوج يضع برنامجا لتنظيف البيت غير معقول، ويحاسب حسابا شديدا http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-2/2041/ar-2041/17.jpg
فالتدقيق سهل، والفحص سهل، أما الإنجاز فيتطلب جهداً كبيراً، فإذا كان لديها أولاد، وعندها عمل كبير، وأنت تحاسبها: لماذا لم تفعلي كذا ؟ ولماذا لم تفعلي ؟ فهذا خلاف الشرع، إذ لا يحل للزوج أن يكلف زوجته فوق استطاعتها، فقد تكون الأوامر في ذاتها مشروعة، ولكنها لظروف الزوجة تصبح غير مشروعة، كحالة الدورة الشهرية، حيث تكون المرأة ضعيفة، فيكلفها فوق طاقتها، ويحاسبها، وكأنها شديدة عتيدة، فهذا أيضا مخالف للشرع، والنبي عليه الصلاة والسلام أوصى ألا يكلف الإنسان خادمه فوق طاقته، فلأن يمتنع أن يكلف الإنسان زوجته فوق طاقتها من باب أولى.
السيدة فاطمة رضي الله عنها اشتكت إلى أبيها صلوات الله وسلامه عليه ما تلقى من مشقة الخدمة، فأمرها عليه الصلاة والسلام أن تقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا اله إلا الله، والله أكبر، فهذا إشارة إلى أن من واجب الزوجة أن تقوم بخدمة زوجها، وبيتها بالمعقول، إلا أن الرأي الدقيق أنه إذا كان هناك مودة ومحبة ترتفع التكلفة، إذ إن الزوجة قد تعمل فوق طاقتها اختيارا ومبادرة منها، والزوج يعين زوجته، فمادام هناك محبة وألفة وإخلاص فكل شيء يحل
هذه بعض حقوق الزوجة على زوجها، والإنسان كلما أدى الحقوق كلما اقترب من خالقه، وكلما شعر أن الطريق إلى الله سالك.

السعيد
09-05-2018, 09:02 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الخامس )


الموضوع : اهمية وحكم بر الوالدين




مقدمة الدرس:
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الإخوة المؤمنون... لا زلنا في الحديث النبوي الشريف، ولا زلنا في موضوع الحقوق والواجبات، وقد مضى درسان أو أكثر في الحديث عن حقوق الزوج على زوجته، وحقوق الزوجة على زوجها، واليوم ننتقل إلى حقوق الآباء على الأبناء، ومن ثَمَّ ـ إن شاء الله تعالى ـ نتحدث عن حقوق الأبناء على الآباء. مفهوم العدل والإحسان:
الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾
( سورة النحل: آية 90 )
العدل قسري، والإحسان طوعي:
أي أن أداء الحقوق لا بدَّ من أن تفعله، أيها المؤمن، أما أن تحسن، فهذا بحسب رغبتك وإمكاناتك وطموحك في القرب من الله عزَّ وجل، فالحديث في الحقوق والواجبات لا يتعلّق بما هو طوعي، بل يتعلق بما هو قسري، إلا أن المؤمن مأمور بالإحسان كما هو مأمور بالعدل. أضرب على هذا مثلاً للتوضيح:
لو أنك بعت بضاعةً وكان البيع وفق الشرع تماماً، وتمَّ الإيجاب والقبول، وعُلِم الثمن، وعُلِمت حالة البضاعة، وقبضتَ الثمن، وسلَّمتَ البضاعة، وكان الرضا، وكان الشهود.. هذا بيعٌ شرعي، بيعٌ ملزم، فلو أن أحد الطرفين امتنع عن دفع بقية الثمن، ورفع الآخر أمره إلى القاضي، فالقاضي يلزم الممتنع.. هذا هو العدل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1856/01.jpg
لكن هذا الشاري إذا جاءك، ورجاك أن تلغي له هذه الصفقة، وبين لك العذر، وأنت تستطيع أن تفعل هذا من دون أن تصاب بالضرر، وفعلت هذا، فهذا من قبيل الإحسان. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان ِ﴾
( سورة النحل: آية 90 )
لذلك: فالقضايا فيما بين الناس، إن لم تحلَّ وفق قواعد العدل ؛ حلَّت وفق قواعد الإحسان، ولا سيما بين الزوجين، بين الجارين، بين الأخوين، بين الشريكين، إما أن تُحَكِّم قواعد العدل، وأنعم بها من قواعد، وإما أن تحكِّم قواعد الإحسان، وهي تتسع لما ضاقت عنه قواعد العدل، فهذه الآية لو طبقها الناس لأغلق قصر العدل أبوابه:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَان ﴾
( سورة النحل: آية 90 )
إذاً:إذا ضاق العدل اتسع الإحسان، والعدل قسري، والإحسان طوعي.
العدل وأداء الحقوق:
درس اليوم والدروس التي سبقته، والدروس التي تـلحقه إن شاء الله تعالى، كلها متعلّقةٌ بالعدل وأداء الحقوق، ولا بدَّ من أداء الحقوق، والنبي عليه الصلاة والسلام في الحديث المروي عن عمرو بن خارجة قال: خطب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( إِن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، أَلا لا وصية لوارث ))
حديث حسن، أخرجه الترمذي والنسائي
ولن يكون الطريق إلى الله سالكاً إلا إذا أعطيت كلَّ ذي حقٍ حقه، لن تشعر أن الله راضٍ عنك إلا إذا أعطيت كلَّ ذي حقٍ حقه، فالزوجة لها حق، والأم لها حق، والأخ له حق، والأخت لها حق، والابن له حق، والبنت لها حق، والجار له حق، وكلُّ من يتصل بك له حق، وإن الله ليسأل العبد عن صحبة ساعة.
حقوق الآباء على الأبناء:
أيها الإخوة الكرام... الدرس في الحديث الشريف، ولكن الموضوع متعلّقٌ بحقوق الآباء على الأبناء، ومادام في القرآن آيةٌ كريمةٌ تتعلَّق بحقوق الآباء على الأبناء، فلا بدَّ من أن تقدم هذه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
( سورة الإسراء: آية23 )
معاني كلمة ( قضى ) في القرآن الكريم:
ما معنى " قضى " ؟
كلمة " قضى " تنقلنا إلى موضوع دقيق، وهو أن الكلمة ـ في القرآن الكريم ـ قد ترد بمعاني كثيرة، والسياق وحده يحددها، فمثلاً:
قال تعالى:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
( سورة الإسراء: آية23 )
أي: ( أمَرَ )، كلمة قضى في هذه الآية تعني أنه أمرَ، أي أن الله سبحانه وتعالى أمرَ المؤمن.. أمر الإنسان ألا يعبد إلا الله وبالوالدين إحساناً.
آيةٌ ثانية:
﴿ فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ ﴾
( سورة فصلت: آية 12 )
معنى قضاهن، أي: ( خلقهن ).
قال تعالى:
﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾
( آية 72 سورة طه )
حينما خاطب السحرة فرعون، أي بمعنى: ( احكم بأي حكم ).
﴿ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ ﴾
( سورة يوسف، آية 41 )
أي: ( فرغنا منه ).
﴿ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
( آية 35 سورة مريم )
هنا بمعنى: ( أراد ). ﴿ وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ ﴾
( آية 44 سورة القصص )
يعني: ( إذ عهدنا )
كلمة ( قضى ) تأتي مرةً بمعنى أمر، ومرة بمعنى خَلَق، ومرة بمعنى حكم، ومرة بمعنى فرغ، ومرة بمعنى أراد، ومرة بمعنى عَهِدَ..
إذاً: من السذاجة أن تظن أن الكلمة القرآنية لها معنىً واحد، فحيث ما جاءت أخذتْ هذا المعنى الواحد، فالقرآن واسع البيان، وسياق كل آية هو الذي يحدد معناها.
عطف الشيء على الشيء في القرآن الكريم:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
( سورة الإسراء: آية23 )
في الآية دقة بالغة، أنا ماذا أقول حينما أعطف شيئاً على شيء ؟ أقول: اشتريت أرضاً وبيتاً، اشتريت مركبةً فخمةً ومركباً في البحر، اشتريت كتاباً ثميناً ومجلداً، لكن ليس من طبيعة العرب أن يعطفوا شيئين متفاوتين، هل يعقل أن تقول: اشتريت أرضاً وملعقةً ؟ هذا غير مألوف، اشتريت بيتاً فخماً ودفعت ثمنه مبلغاً طائلاً واشتريت معه سكيناً، لا يوجد تناسب.. فلمجرد أن الله سبحانه وتعالى عطف الإحسان للوالدين على عبادة الله عزَّ وجل، فالإحسان للوالدين شيءٌ عظيمٌ عظيمٌ عظيم، قَرَنَه الله عزَّ وجل بعبادته:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا ﴾
( سورة الإسراء: آية23 )
آيةٌ ثانية، الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾
( آية 5 سورة محمد )
صلاح البال، راحة البال، الطُمأنينة، الرضا، الاستسلام لله عزَّ وجل..
بيتٌ ليس فيه مشكلات، ليس فيه منغِّصات، فيه سلم، فيه مودة، فيه محبة، صلاح البال رفعه الله إلى مستوى الهدى:
﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ ﴾
( آية 5 سورة محمد )
العطف يقتضي التناسب، لمجرد أن الله سبحانه وتعالى، عطف الإحسان إلى الوالدين، على عبادة الله عزَّ وجل، معنى ذلك أن الإحسان إلى الوالدين شيءٌ عظيمٌ عظيمٌ عظيم، يرتقي إلى مستوى عبادة الله عزَّ وجل.
شيءٌ آخر:
في حقوق الآباء على الأبناء، في آيةٍ ثانية، الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾
( آية 14 سورة لقمان )
دائماً الأحكام تحتاج إلى ثبات، والثبات أساسه التكرار، لو أن الله سبحانه وتعالى في آيةٍ واحدة قرن الإحسان إلى الوالدين بعبادة الله عزَّ وجل، هذه آيةٌ، لكن لا نعلم ما إذا كانت قاعدة، فحينما تأتي آيةٌ ثانية تَقْرِن ضرورة شكر الله عزَّ وجل بضرورة شكر الوالدين إذاً يستنبط من تكرار هذا المعنى أن هناك قاعدةً ثابتة ألا وهي أن برَّ الوالدين شيءٌ يرقى إلى مستوى عبادة الله عزَّ وجل:
﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾
( آية 14 سورة لقمان )
وفي صحيح البخاري:
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: سألتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم:
أيُّ العملِ أحبُّ إلى الله تعالى ؟ قال:
(( الصلاة لميقاتها، قلتُ: ثم أيُّ ؟ قال: بِرُّ الوالدين، قلتُ: ثم أيُّ ؟ قال: الجهاد في سبيل الله ))
من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي
فأحب الأعمال إلى الله: الصَّلاة على وقتها، وبِر الوَالدين، والجهَاد في سَبيل اللَّه
بعض معاني برّ الوالدين:
من معاني بر الوالدين:
1 ـ عدم التسبب في سبّهما:
ألا يتعرض الإنسان لسبِّهما إطلاقاً.
ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( إن من الكبائر: شتْمَ الرَّجُل والديه، قال: وهل يشتِم الرجل والديه ؟ قال: نعم يَسُبُّ الرجلُ أبا الرَّجُل وأمه، فيسبُ أباه وأمه ))
حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي
الكبائر التي نهى عنها القرآن الكريم:
الكبائر مهلكة تستحق دخول النار، فهذه الكلمات التي يعتادها السوقة من الناس في سبِّ الوالد، إذا اعتادها الإنسان ألحق بأبيه سباباً لا يعدُّ ولا يحصى، وهذا من الكبائر كما قال عليه الصلاة والسلام.
في هذه المناسبة، أحد العلماء واسمه " أبو طالب المكي " رحمه الله تعالى، أحصى الكبائر التي وردت في كتاب الله فقال:
" أربعةٌ في القلب: الشرك بالله تعالى، والإصرار على معصية الله تعالى، والقنوط من رحمة الله تعالى، والأمن من مكر الله تعالى.
وأربعةٌ في اللسان: شهادة الزور، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات، واليمين الغموس، والسحر.
وثلاثةٌ في البطن: شرب الخمر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا.
واثنتان في اليدين: وهما القتل والسرقة.
واثنتان في الفرج: وهما الزنا واللواط.
وواحدةٌ في الرجل: وهي الفرار من الزحف.
وواحدةٌ في جميع البدن: وهي عقوق الوالدين ". أربعةٌ في القلب، وأربعةٌ في اللسان، وثلاثةٌ في البطن، واثنتان في اليدين، واثنتان في الفرج، وواحدةٌ في الرجل، وواحدةٌ في جميع البدن.
عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: كُنَّا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال
(( ألا أُنبِّئكم بأكبر الكبائر - ثلاثاً - قلنا: بلى يا رسولَ الله، قال: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، ألا وشهادةُ الزور، وقولُ الزور - وكان متَّكئاً فجلس - فما زال يكرّرُها حتى قلنا: ليته سكتَ ))
حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم والترمذي
" الإشراك بالله " كلمة مطلقة، والمطلق على إطلاقه، أي يشمل الشرك الخفي، والشرك الجلي، أن تقول: زيد وعبيد وفلان أزعجني، وفلان أعطاني، وفلان حرمني، وفلان وعلان، وفلان وفلان، هذا كلّه شرك.
قال تعالى:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
( آية 213 سورة الشعراء )
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال:
(( الكبائرُ: الإشراكُ بالله، وعُقوقُ الوالدين، وقتْلُ النفس، واليمينُ الغموسُ ))
حديث صحيح، أخرجه البخاري والترمذي والنسائي
(( إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة، الإشراك بالله، وقتل النفس المؤمنة بغير الحق، والفرار في سبيل الله يوم الزحف، وعقوق الوالدين، ورمي المحصنة، وتعلم السحر وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ))
من حديث صحيح لغيره،أخرجه النسائي ومالك والدرامي والطبراني وابن حبان وعبد الرزاق والحاكم وابن خزيمة، عن عمرو بن حزم رضي الله عنه. عقوق الوالدين من الكبائر:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1856/02.jpg
هذه الأحاديث كلها مفادها أن "عقوق الوالدين من الكبائر".
كيف أن الله سبحانه وتعالى أمرك بالإحسان إليهما، وقرن الإحسان إلى عبادته، وكيف أن الله سبحانه وتعالى أمرك أن تشكرهما وقرن شكرهما إلى شكره، كذلك عقوق الوالدين جعله الله في مستوى الشرك، الإشراك بالله وعقوق الوالدين صنوان.
ولا بدّ من اجتناب الكبائر.
والآية التي تعرفونها جميعاً هي قوله تعالى:
﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾
( سورة النساء، آية 31 )


تحريم عقوق الأمهات على وجه الخصوص:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1856/03.jpg
عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( إِنَّ الله حرّم عليكم عقوق الأمّهات، ووأد البنات، ومَنْعاً وهاتَ. وكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإِضاعة المال ))
من حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود
حديثٌ لطيف، خصَّ الأمهات لعظم فضلهن على الأبناء، ومعنى " منعاً وهات " منع أداء الحقوق، وأخذ المال بالباطل، و " قيل وقال " الكلام الذي لا طائل منه، و " كثرة السؤال " في المسائل التي لا حاجة لك بها.
(( طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس ))
من حديث رواه البزار عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وفي سنده ضعفاء
و " إضاعة المال " إنفاقه إسرافاً وتبذيراً.
بعض الأحاديث الزاجرة عن عقوق الوالدين:
عن ابن عمر، رضي الله عنهما عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال:
(( ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة..
أي أكبر عقوبةٍ يعاقب بها الإنسان يوم القيامة أن يحرم من النظر إلى وجه الله الكريم، والدليل قوله تعالى:
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾
( آية 15 سورة المطففين )
(( ثلاثةٌ لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، ومدمن الخمر، والمنَّان عطاءه، وثلاثةٌ لا يدخلون الجنة، العاقُّ لوالديه، والديّوث، والرجلة ))
حديث أخرجه البزار في مسنده، ورجاله ثقات
و " الرجلة " هي المرأة المسترجلة التي تتشبه بالرجال، أي الفاجرة.
الأحاديث المتعلقة بعقوق الوالدين لا تعدُّ ولا تحصى.
(( أربعة حق على الله أن لا يدخلهم الجنة ولا يذيقهم نعـيمها: مدمن الخمر، وآكل الربا وآكل مال اليتيم بغير حق، والعاق لوالديه ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه ابن حبان والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه.
يقال للعاق: اعمل ما شئت فلن يغفر لك.
(( ثلاثة لا ينفع معهن عمل: الشرك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف ))
حديث رواه الطبراني عن ثوبان رضي الله عنه، و في سنده رجل ضعيف
وورد أيضاً:
(( ثلاثةٌ لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاً: عاقٌ، ومنانٌ، ومكذبٌ بالقدر ))
حديث رواه الطبراني بإسنادين، في أحدهما رجل متروك وفي الآخر رجل ضعيف
هذا كله متعلقٌ بعقوق الوالدين لعظم حقهما على الإنسان:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾
( سورة الإسراء: آية23 )
الآن نتابع بعض التفصيلات المتعلقة ببر الوالدين:
2 ـ عدم مخالفة الوالدين في المباحات:
من عقوق الوالدين أن تخالف الأبوين في أغراضهما الجائزة لهما، كما أن من برهما أن توافقهما في أغراضهما ؛ فإذا أمرك الأب أمراً لا يتعلق بمعصية الله عزَّ وجل وجب عليك أن تنفذه، إلا إذا كان معصية، للقاعدة الشهيرة:
(( لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الخالق ))
من حديث أخرجه الطبراني في الأوسط
بعض قواعد برّ الوالدين التي نصَّ عليها العلماء:
بعض العلماء قالوا:
ـ " إذا أمر الوالد بالمباح صار في حق الولد مندوباً "
أي ينتقل أمر الأب إلى ابنه في المباح إلى مستوى المندوب، إذا أمرك بشيءٍ مباح أصبح في حقك مندوباً،
ـ " إذا أمر الوالد بالمندوب، أصبح في حق الولد تأكيداً في ندبيته "،
ـ " الأبوان لا يأثمان إذا منعا ابنهما من الحج "
إذا كانا في مرضٍ عضال وفي حاجةٍ ماسةٍ إليه، ومنعاه من الحج على أن يحج في العام القادم لا يأثمان، لأن بعض العلماء يرى أن الحج على التراخي لا على الفور، وبعضهم يرى الحج على الفور، إذا كان هناك مرضٌ عضال وحاجةٍ ماسة وهناك احتمالٌ كبير أن يموتا في غيبة ابنهما، فالأولى أن يبقى معهما ولا يأثمان إذا منعاه من الحج.
ـ " لا يحل للابن أن يسافر سفراً فيه خطر إلا بإذنهما "
لا يحق للابن أن يسافر سفراً فيه خطر إلا بإذنهما، هذا ما ورد في شرح بعض الأحاديث، وما لا خطر فيه، فيحل للابن أن يسافره من دون إذنهما، من هذا السفر الذي لا خطر فيه، السفر في طلب العلم.
ـ " لا يجوز للمصلي إذا دعته أمه أو غيرها أن يقطع صلاته "
لقوله صلى الله عليه وسلم: (( لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ))
سبق تخريجه
تصلّي في غرفة وأمك تناديك أو أبوك في غرفة ثانية، بعض العلماء يقول: " لا يجوز للمصلي أن يقطع صلاته إجابةً لنداء أمه "، لأن حق الله عزَّ وجل آكد من حقوق الأبوين، لكن العلماء يستحبون أن يخفف من صلاته فيقرأ سورة الإخلاص، مادام أحد أبويه يناديه أن يقرأ سورة قصيرة، أما إذا شرع في سورةٍ طويلة وتابعها فهو الآن مخالف، لك أن تقرأ سورةً قصيرة كي تجيب أمك أو أباك في الوقت المناسب.
ـ " إن الصلاة إذا كانت نفلاً، وعُلم تأذي الأب أو الأم بترك إجابتهما فلك أن تقطع صلاتك النافلة لتجيب أمك أو أباك إذا كان في عدم الإجابة أذىً لهما ".
إذا أمك مقعَدَة وتحتاج إلى أن تغير جلستها، انتهى السيروم مثلاً، متألمة من قضية، نادتك وأنت في صلاة النفل، فبعض العلماء أجازوا أن تقطع صلاتك كي تجيب نداء أمك أو أبيك.
أما إذا ضاق الوقت وكانت الصلاة فرضاً فلا عليك ألا تجيب، عند المالكية " إجابة الوالد في النافلة أفضل من التمادي فيها "
ـ " يجب أن تدع أيَّ صلاة ولو كانت فرضاً إغاثةً للملهوف "
كأن يكون الابن قريباً من المدفأة، أو الابن نائماً يكاد أن يقع من فوق سرير عالٍ وقد يرتج دماغه، أي أن هناك قضية خطيرة، فيجب أن تقطع الصلاة إغاثةً لملهوف، أو لغريق أو لحريق، أو إجابةً لنداء أحد الأبوين بلا استغاثة في النفل، أي في صلاة النفل لك أن تقطع الصلاة لأي نداء منهما.
ظلم الوالدين للولد لا يرفع وجوب برّهما:
يقول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما:
(( لا يكون لرجل أبوان فيُصبح محسناً إلا فُتحَ له باب إلى الجنة، ولا يُمسي وهو محسن إلا فتح له بابان من أبواب الجنة،...، فإن كان واحداً فأصبح محسناً فتح له باب من أبواب الجنة، ولا يسخط عليه أحدهما أو واحد منهما فيرضي الله عنه حتى يرضى قيل: وإن كان له ظالماً ؟ قال: وإن كان له ظالماً ))
من حديث موقوف، أخرجه مسدد بن مسرهد في مسنده بإسناد مختلف فيه
أي حتى لو أوقع الأب ظلماً بالابن، لكن العلماء استدركوا وقالوا: " إن ظلماه في الدنيا لا في الآخرة "، أي إذا كان الأمر متعلق بالدين، فعندئذٍ: " لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ".
أما إن ظلماه في الدنيا ويحتمل هذا الظلم، الأولى ألا يغضبهما، هكذا قال العلماء الظلم في الدنيا إذا كان محتملاً، فالأولى أن ترضيهما.
حق الأم يعدل ثلاثة أضعاف حق الأب:
في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
(( جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، مَنْ أحَقُّ الناس بِحُسْن صَحابتي ؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَنْ ؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَنْ ؟ قال: أمُّك، قال: ثم مَنْ ؟ قال: أبُوك ))
حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم
أي: حق الأم يعدل ثلاثة أضعاف حق الأب
الإمام مالك جاءه رجل وقال له: إن أبي في بلد السودان، وقد كتب إلي أن أقدم عليه، وأمي تمنعني من ذلك، فماذا أفعل ؟
الإمام مالك بحسب علمه قال: " أطع أباك ولا تعصِ أمك ". ففهم من هذا القول: أن حق الأب وحق الأم سواء.
لكن أكثر العلماء على أن حق الأم يعدل ثلاثة أضعاف حق الأب. تخاصم أبو الأسود الدؤلي مع امرأته إلى القاضي، على غلامٍ لهما منه، أيهما أحق بحضانته ؟ فقالت المرأة: " أنا أحق به لأنني حملته تسعة أشهرٍ، ثم وضعته، ثم أرضعته، إلى أن ترعرع بين أحضاني كما تراه مراهقاً ". فقال أبو الأسود أمام القاضي: " أيها القاضي حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، فإن كان بعض الحق علي، فلي الحق كله أو جلّه ". فقال القاضي: " أجيبي أيتها المرأة عن دفاع زوجك "، قالت: " لئن حمله خفيفاً، فقد حملته ثـقيلاً، وإن وضعه شهوةً، فقد وضعته كرهاً ". فنظر القاضي إلى أبي الأسود وقال له: " ادفع إلى المرأة غلامها، ودعني من سجعك ".
يبدو أن حق الأم يزيد على حق الأب.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
(( أن امرأة قالت يا رسول الله، ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه عني، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنت أحق به ما لم تنكحي ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في مستدركه
أي: إذا تزوجتِ فهو أحق به منكِ.
العلماء قالوا: " الأم أحق بحضانة ولدها إلى سبع سنين، إن كان ذكراً، وإلى تسعٍ إن كانت أنثى، إلا أن يرى القاضي استمرار حضانة الأم فيزيد سنتين لكليهما ". هذا الحكم الشرعي.
3ـ الآثار الطيبة لبر الوالدين:
مما يتعلق ببر الوالدين أن العارف بالله الشهير أبا يزيد البسطامي رحمه الله، أراد أن يذهب إلى بغداد لطلب العلم وكان غلاماً يافعاً، فأعطته أمه أربعين ديناراً هي ميراثه من أبيه، وقالت له: " ضع يدك في يدي وعاهدني على التزام الصدق فلا تكذب أبداً، فعاهدها على ذلك وخرج مع قافلةٍ يريد بغداد لطلب العلم، وفي أثناء الطريق خرج اللصوص، ونهبوا كل ما في القافلة، ورأوا البسطامي رثّ الثياب فقالوا: يا غلام هل معك شيء ؟ قال: معي أربعون ديناراً، لأنه عاهد أمه على الصدق، فسخروا منه وحسبوا أنه أبله وتركوه، وراحوا إلى الكهف الذي كان به كبيرهم ينتظر ما يأتون به، فلما رآهم قال: هل أخذتم كلَّ ما في القافلة ؟ قالوا نعم: إلا غلاماً سألناه عما معه فقال: معي أربعون ديناراً فتركناه احتقاراً لشأنه، ونظن أن به خبلاً في عقله، قال: عليّ به، فلما حضر بين يديه، قال: هل معك شيء ؟ قال: نعم معي أربعون ديناراً، قال: أين هي ؟ فأخرجها وسلمها له، فقال كبير اللصوص: أمجنون أنت أيها الغلام ؟ كيف تخبر عن نقودك وتسلّمها باختيارك ؟ فقال له: لما أردت الخروج من بلدي، عاهدت أمي على الصدق، فأنا لا أنقض عهد أمي أبداً، عندئذٍ صُعق كبير اللصوص، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، أنت أيها الغلام تخاف أن تخون أمك ونحن لا نخاف أن نخون عهد الله، ثم أمر كبير اللصوص بردّ جميع ما أخذ من القافلة وقال: يا غلام أنا تائبٌ على يديك ".
فإذا كان هناك مثل هذا اللص فلا عليكم فأعطوه النقود، فقال من معه: " كنت كبيرنا في قطع الطريق، واليوم أنت كبيرنا في الطريق إلى الله ". 4 ـ عدم ارتباط وجوب البر بإسلام الوالدين:
وعندنا قضية أخرى متعلقة ببر الوالدين:
الشيء الأساسي أن العلماء قالوا: " لا يختص بر الوالدين، بأن يكونا مسلمين "
يعني أحياناً شابٌ يتعلم الدين في المسجد، ويرى أن أباه دينه قليل، فيتهمه بألفاظ كبيرة ويسيء العلاقة مع أبيه.
استمعوا أيها الإخوة: لا يختص برّ الوالدين بأن يكونا مسلمين، فلو كانا مشركين فأنت ملزمٌ ببرهما، فكيف إذا كانا مسلميْن ولكنهما مقصّريْن ؟ أيحق لك أن تتهمَهما في دينهما ؟ أيحق لك أن تغلظ عليهما القول ؟ أيحق لك أن تكون عنيفاً معهما ؟ يقول الله عزَّ وجل: ﴿ لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
( آية 8 سورة الممتحنة )
إذا كان الله سبحانه وتعالى لا ينهانا عن الذين لم يقاتلونا في الدين أن نبرّهم، فلأن نبرَّ والدينا من باب أولى.
عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، قالت:
(( قَدِمَتْ عليَّ أمِّي وهي مشركة في عَهْد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستـفتيت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قلت: ' قَدِمَتْ عليَّ أمِّي وهي رَاغِبة، أفأصلُ أمِّي ؟ ' قال: ' نعم، صِلي أمكِ '. زاد في رواية، فأنزل الله فيها: { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ } ))
حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
(( مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على عبد الله بن أبي بن سلول، وهو في ظل أجمة فقال: " قد غبَّرَ علينا ابن أبي كبشة " فقال ابنه عبد الله بن عبد الله: " والذي أكرمك وأنزل عليك الكتاب، لئن شئت لأتيتك برأسه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا ولكن بر أباك وأحسن صحبته " ))
حديث حسن، أخرجه البزار وابن حبان والحاكم
ألدُّ أعداء النبي، رأس المنافقين، أمر النبي عليه الصلاة والسلام ابنه أن يبرَّه.. هذا هو الشرع، هذا هو الدين، هذا هو الإسلام.
5 ـ بر الوالدين مقدم على الجهاد الكفائي:
في الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال:
(( جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فَاستأذَنَهُ في الجهاد، فقال: " أحَيٌّ وَالِدَاك ؟ "، قال: نعم، قال: " ففيهما فجاهد " ))
حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
وفي رواية أخرى:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال:
(( جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: جئتُ أبَايِعُكَ على الهجرة، وتركتُ أبَوَيَّ يبكيان، قال: ' فارجع إليهما، فأضْحِكْهُما كما أبْكَيْتَهُما ' ))
حديث صحيح، أخرجه أبو داود والنسائي
ترون من هذه الفقرة عظم برّ الوالدين.
وفي الأثر:
(( نومك مع أبويك يضاحكانك ويلاعبانك أفضل من الجهاد معي ))
فهذا كله يؤكد بر الوالدين. 6 ـ عدم التسبب في بكائهما حزناً وضيقاً:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1856/04.jpg
قال العلماء:
ـ " من أبكى والديه كان عاقاً ".
حدثته حديثاً عن الله فبكى، هذه ليس لها علاقة، حدثته بقضية، رفضت له طلّب أو رجاك بشيء فأنت لم تستجب، رجاك أن تكون مع أخيك فانفصلت عنه، أي أنه طلب منك طلباً معقولاً، فأنت امتنعت فبكى الأب، فالعلماء قالوا: " بكاء الوالدين من عقوقهما " طبعاً هذا القول مأخوذ من الأثر:
(( بكاء الوالدين من العقوق ))
وفي أثر آخر: (( من أحزن والديه فقد عقهما ))
7 ـ مواصلة أحباب وأصحاب الوالدين:
من برّ الوالدين صلة أهل ودهما، فعن ابن عمر، رضي الله عنهما، قال: إني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( إنَّ من أبَرِّ البرِّ صلَةَ الرجل أهلَ ودِّ أبيه بعد أن يُولِّي ))
حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي
بعد أن يولي ـ أي يموت ـ الأب، مَنْ هم أصدقاؤه ؟
إخوانه الذكور، أخواته الإناث، أقرباؤه، أصدقاؤه، أصحابه..
(( إنَّ من أبَرِّ البرِّ صلَةَ الرجل أهلَ ودِّ أبيه بعد أن يُولِّي ))
سبق تخريجه
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1856/05.jpg
والحديث الشهير الذي تسمعونه مني، عن أبي أسيد الساعدي رضي الله عنه، قال:
(( بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقي من برِّ أبويَّ شيء أبرّهما به من بعد موتهما ؟ قال: نعم، الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهودهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم الذي لا رحم لك إلا من قبلهما ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في المستدرك
النبي صلى الله عليه وسلم، كان يهدي لصديقات خديجة اللحم بعد موتها برّاً بها، ووفاءً لها وهي زوجته فما ظنك بالوالدين ؟
عن أبي بردة رضي الله عنه قال:
(( قدمت المدينة فأتاني عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، فقال لي: تدري لِمَ جئتك ؟ قلت: لا، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من أحب أن يَصل أباه في قبره فليصل إخوان أبيه بعده " ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه أبو يعلى
كان لابن عمر رضي الله عنهما حمار يَتَرَوَّحُ عليه إذا مَلَّ ركوبَ الرَّاحِلَةِ، وعِمَامَةٌ يَشُدُّ بها رأسَه، فبينما هو يوماً على ذلك الحمار، إذْ مَرَّ به أعرابيٌّ، فقال: ألستَ ابْنَ فلانٍ ؟ قال: بلى، فأعطاه الحمار، فقال: اركب هذا، والعمامة، وقال: اشدد بها رأسَكَ، فقال له بعض أصحابه: غَفَرَ الله لك، أعطيتَ هذا الأعرابي حماراً كنتَ تَرَوَّحُ عليه وعِمَامَةً كنتَ تشُدُّ بها رأسَكَ. فقال: إني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( إنَّ من أبَرِّ البرِّ صِلَةَ الرجل أهلَ وُدِّ أبيه بعد أن يُوَلِّيَ ))
وإنَّ أباه كان وُدّاً لِعُمَر.
حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي
8 ـ الدعاء لهما بعد موتهما:
الشيء المعروف عندكم جميعاً، أن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث:
فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال:
(( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم يُنْتَفَعُ به، أو ولد صالح يدعو له ))
حديث صحيح، أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1856/06.jpg
فالولد الصالح الذي يدعو له هذا صدقة جارية، إذاً: حق الأب عظيم، أي أن الإنسان إذا ربى ابناً صالحاً ودعا له من بعده فإن كلَّ أعماله الصالحة من بعده تسجَّل في صحيفة الأب، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( أفضل كسب الرجل ولده ))
من حديث رواه الطبراني وفي سنده رجل مختلف فيه السيوطي الشهير مصنف الأحاديث له أبيات يعدد فيها الصدقات الجارية أخذاً عن السنة النبوية المطهرة يقول:
إذا مات ابن آدم جاء يجري عليه الأجر عـند ثـلاث عشرِ
علومٌ بثـها ودعـاء نجـلٍ وغرس النخل والصدقات تجري
وراثة مصحفٍ ورباط ثغرٍ وحفر الـبئر أو إجـراء نـهر
وبيتٌ للغريب بـناه يـأوي إلـيه أو ابـتـناءُ مـحلِّ ذكـر
و تعليمٌ لقـرآنٍ كـريمٍ فخـذها مـن أحاديثٍ بشعري
سئِلَ أحد العلماء: " كم يدعو الإنسان لوالديه، أفي اليوم مرة، أم في الشهرة مرة، أم في السنة ؟ فقال: تدعو له مع كلِّ صلاة، خمس صلوات، أي خمس مراتٍ في اليوم.
قال بعض التابعين: " من دعا لوالديه خمس مراتٍ فقد أدى حقهما في الدعاء لأن الله تعالى يقول:
﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾
( آية 14 سورة لقمان )
فالصلاة شكر، وشكر الوالدين مع الصلاة... إذاً: خمس مرات، هذا هو الاستنباط.
عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب أنى لي هذه ؟ فيقول: باستغفار ولدك لك ))
حديث رجاله رجال الصحيح غير واحد وقد وثق، أخرجه الطبراني والإمام أحمد
9ـ رضا الوالدين سبب للنجاة من النار:
آخر قصةٍ في الدرس:
عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه، قال:
(( كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه آت فقال: شاب يجود بنفسه. قيل له: قل لا إله إلا الله: فلم يستطع، فقال: " كان يصلي ؟ ". فقال: نعم: فنهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ونهضنا معه فدخل على الشاب فقال له: " قل: لا إله إلا الله ". فقال: لا أستطيع. قال: " لم ؟ ". قال: كان يعق والديه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " أحية والدته ؟ ". قالوا: نعم. قال: " ادعوها ". فدعوها فجاءت، فقال: " هذا ابنك ؟ ". فقالت: نعم. فقال لها: " أرأيت لو أججت ناراً ضخمةً فقيل لك: إن شفعت له خلينا عنه وإلا حرقناه بهذه النار، ألست تشفعين له ؟ ". قالت: يا رسول الله إذاً أشفع. قال: " فأشهدي الله وأشهديني أنك قد رضيت عنه ". فقالت: اللهم إني أشهدك وأشهد رسولك أني قد رضيت عن ابني. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "' يا غلام قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ". فقالها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الحمد لله الذي أنقذه بي من النار " ))
حديث رواه الطبراني وأحمد وفي سنده رجل متروك
هذا عمل صالح: أن توفق بين أمٍ وابنها، بين أخٍ وأخيه، بين أبٍ وأبنه، بين جارٍ وجاره.
النبي عليه الصلاة والسلام على عظم شأنه وعلى عظم قدره حمد الله عزَّ وجل على أن مكنه من أن ينقذ هذا الشاب من النار، حيث جاء بالأم وأقنعها أن تعفو عنه، فماذا كان يفعل معها ؟ وكان هذا الشاب كما ورد في كتب الحديث يؤذي أمه، ويؤثر عليها زوجته وللحديث بقية في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

السعيد
09-05-2018, 09:04 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( السادس )


الموضوع :امثلة عن العقوق


مقدمة الدرس:
الحمد لله رب العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. يجب أن يعين الآباء أبناءهم على برهم:
أيها الإخوة المؤمنون... لازلنا في الحديث عن حقوق الآباء على الأبناء، ولكن هناك ملاحظة أريد أن أضعها بين أيديكم، هي أن الآيات الكريمة المتعددة، والأحاديث الشريفة الكثيرة، التي تحضّ الأبناء على أن يكونوا بارين بآبائهم، هذه الآيات والأحاديث ينبغي أن تحْمل الآباء على أن يكونوا في مستوى الأبوة المطلوب، مادام ربنا سبحانه وتعالى يحضُّ الأبناء على أن يكونوا بارين بآبائهم، فالآباء يجب أن يكونوا في المستوى المطلوب، فقد ورد في الأثر: (( رحم الله والداً أعان ولده على بره ))
وورد أيضاً:
(( من أكل من مال ابنه فليأكل بالمعروف ))
يعني: ربنا سبحانه وتعالى في آيات كثيرة وأحاديث كثيرة، يحضّ الأبناء على برّ آبائهم، فينتظر من الآباء أن يكونوا مثالييِّن في معاملة أبنائهم.
أفضل البر بالوالدين، متى يكون، وأين يكون:
ربنا سبحانه وتعالى في الآية التي بدأنا شرحها في الدرس الماضي يقول: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
( 23 سورة الإسراء: آية)
تشتد حاجة الآباء إلى البر عند كبر سنهم:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1866/01.jpg
الحقيقة أن الأب الشاب اليقظ الواعي هو في غنى عن ابنه، ليس في هذا شك، ولكن متى تشتد حاجة الأب إلى ابنه ؟ إذا بلغ من الكبر عتياً، إذا تقدمت به السن، إذا ضعف بصره، إذا انحنى ظهره، إذا خارت قواه، إذا ضعفت ذاكرته، إذا كلَّت يده، إذا أصبح عبئاً على ابنه، يكون الأب في أشد حالات الحاجة إلى ابنه إذا تقدمت به السن، وإذا وقف كسبه، وإذا أصبحت حاجاته كثيرة، وأدويته كثيرة، ومطالبه كثيرة، وله أبناء في أوج شبابهم، وفي عنفوان رجولتهم.
لذلك ربنا عزَّ وجل أشار في هذه الآية إلى الكبر:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
( 23 سورة الإسراء: آية)
بر الوالدين يكون في بيت الولد لا في مأوى العجزة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1866/02.jpg
أشارت الآية أيضاً في كلمة ( عندك ) إلى المعنى التالي:
الابن أحياناً يكون أبوه قد تقدمت به السن ولكنه يقطن عند أخيه، فيزوره من حينٍ إلى آخر، ويقدم له واجبات الخضوع والمحبة ويجلس قليلاً وينصرف، أما عبء الأب فهو على الأخ الثاني، فالله سبحانه وتعالى في هذه الآية يشير إلى أن حقوق الأب تشتد ويعظم أجرها إذا بلغ من الكبر عتياُ وكان ( عندك ) في البيت، أي: كنت أنت ترعاه.
فبعض الدول الغربية تفتخر بأن لديها مأوىً للعجزة، أي أن هذا الإنسان إذا تقدمت به السن التحق بهذا المأوى، قد يقدموا له كل شيء، أطيب الطعام، وكل الخدمات الصحية ولكن لا يستطيعون أبداً أن يقدموا له المحبة، ولا العطف، ربما كانت سعادة الأب أن يمتِّع نظره بأولاده، فإذا زجّوه في مأوى العجزة، وتخلوا عنه، وأنفقوا عليه الأموال الطائلة، فوالله قد فعلوا في حقه جريمة لا تغتفر.
لذلك، الإسلام يوجد فيه نظام التضامن الاجتماعي، أي أن كل أُسرة متضامنة متكافلة فيما بين أفرادها، فلو تقدمت بالأب السن، لو ضعف بصره، لو خارت قِواه، لو أصبح عاجزاً، إنه بين أولاده، بين بناته، بين أقربائه، هذا الذي ينسيه ألمه، فإذا زجَّ في مأوى العجزة، فَقَدَ العطف، فقَدَ الحنان، فكيف إذا كان هذا المأوى فيه القسوة وفيه الضرب وفيه الإيذاء بالكلام ؟
سمعت قصة امرأة لها أموال طائلة أكثرها غير منقول ؛ أي حوانيت وأبنية وبيوت وأراضٍ ومزارع، تقدمت بها السن، وفقدت حركتها، أودعها أولادها في مأوى العجزة، لأن زوجاتهم أبَيْنَ أن يخدمنها، فحينما رأت نفسها في مأوى العجزة وأن أولادها الذين ربتهم تخلوا عنها، استدعت الكاتب بالعدل، وكتبت للجمعيات الخيرية كل أموالها، عقاباً لهؤلاء الأولاد الذين كفروا فضل أمهم عليهم.
لذلك:
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
( 23 سورة الإسراء: آية)
روى الترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أنه قال:
(( رَغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكِبَر فلم يُدْخِلاه الجنة ))
قال الراوي: وأظنه قال: (( أو أحدهما ))
من حديث صحيح، أخرجه الترمذي
أي: أن تكون باراً بأبيك وقد تقدمت به السن، وقد ضعُف بصره، وقد خارت قِواه، وقد ضعفت ذاكرته، وقد فقد ضبط نفسه، بأن يبقى عندك معززاً مكرماً مخدوماً، فهذا العمل من الأعمال التي يستحق عليها الإنسان كلَّ إكرامٍ في الدنيا قبل الآخرة، وما رأيت إنساناً موفقاً في حياته إلا بسببٍ وجيهٍ من برهِ بوالديه، فمن كان له أبٌ حيّ فليغتنم هذه الفرصة، إنها فرصة العمر، فرصةٌ لا تعوض، وكذلك الأم.
دور اللسان والكلام في ميدان البر بالوالدين:
من ذلك:
كلمة ( أف ) ومعانيها السيئة:
قال تعالى:
﴿ فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ ﴾
( سورة الإسراء، آية 23 )
الأُف: اسم فعل مضارع، أي أتضجر، وهي من الكلام الرديء الخفي، فحتى لو رأى الابن من أبيه شيئاً لا يحتمل، لا ينبغي أن يقول له: أُف، كل ما يُضجِر ويستثـقل ويقال له أُف،إن كان من الأب، لا ينبغي أن يقول الابن هذه الكلمة لأبيه، ورد في الأثر:
(( لو علم الله من العقوق شيئاً أقل من أُف لذكره))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1866/03.jpg
يعني أقل شيءٍ في العقوق أن تقول: أُف، وهو زفير بصوت مسموع، وهو تضجر. ولو علم الله من العقوق شيئاً أردأ من أف لذكره،فليعمل البار ما شاء أن يعمل فلن يدخل النار، وليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة.
لكن إياكم أن تتوهموا أن البار بوالديه لو عصى الله عزّ وجل فإنه يدخل الجنة هذا ليس مقصوداً من هذا الكلام.
كلمة أُف ـ بالتعريف الدقيق ـ رفض للأب، رفض لنعمته وجحود لتربيته، وردّ للوصية التي أوصانا الله بها بحق الآباء، وهذا معنى كلمة أُف، والدليل هو قول الله عزّ وجل على لسان سيدنا إبراهيم حيث قال لقومه: ﴿ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
( آية 67 سورة الأنبياء )
يعني أنا أرفضكم بسبب كفركم، وأرفض عبادتكم، وأرفض موضوع عبادتكم.
ما يساوي كلمة ( أف ) من ردود الأفعال القبـيحة:
العلماء قالوا: " مجرد النظر إليهما بغضبٍ يعتبر عقوقاً "
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1866/04.jpg
يعني إذا نظر إلى أبيه بعبوس، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( ما برّ أباه من سدد إليه الطرف بالغضب ))
حديث أخرجه الطبراني في الأوسط، وأحد رجاله متروك
بل إن إغلاق الباب بعنفٍ من العقوق أيضاً، وهو يساوي أُف.
ووضع الإناء بعنف من العقوق.
أحياناً يغضب الابن، فيقود سيارته برعونة ليعبر عن غضبه من أبيه، هذا أيضاً من العقوق، وفي الأثر:
(( لم يتلُ القرآن من لم يعمل به، ولم يبرَّ والديه من أحدَّ النظر إليهما في حال العقوق أُولئك براءٌ مني وأنا منهم بريء ))
القول الكريم واجب في حق الوالدين:
قال تعالى: ﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
( 23 سورة الإسراء: آية)
﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً ﴾
( 24 سورة الإسراء: آية)
﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
( 23 سورة الإسراء: آية)
النهر: يعني الزجر والغلظة.
وقل لهما قولاً كريماً: يعني قولاً ليناً لطيفاً، يا أبتاه، يا أُماه، من غير أن يسميهما أو يُكنيهما، يعني لو أن الأب اسمه سعيد وكنيته أبو أحمد، الأولى أن تخاطبه بأن تقول له: يا أبتِ، يا أبي، يا أبتاه، وهذا أولى من أن تقول: يا أبا أحمد.
أنا مرة اصطحبت أحد الإخوة في مسجدنا لعند ابنه لقضيةٍ، فلما دخل عليه، ناداه ابنه بكُنيته لئلا يشعر أحد أنه أبوه، وقال: اجلس هنا يا أبا فلان، وأبوه شخصية مرموقة، لكنه ما أراد أن يُعرّف الناس أن هذا والده.
لذلك الأولى أن يناديه بكلمة يا أبتاه، يا أبي، يا والدي، من غير أن يسميهما باسمهما أو أن يناديهما بكنيتهما، وابن المسيب يفسر قوله تعالى:
﴿ وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
( 23 سورة الإسراء: آية)
قال: " القول الكريم كما يخاطب العبد سيداً فظاً غليظاً "، أي كأن عبداً مذنباً يخاطب سيداً فظاً غليظاً فإنه يتلطف، ويرجو، ويتضرع، ويتحبب، ويتوسل.
بعض الآداب الواجبة في حق الوالدين:
من بَر الوالدين، ألا يرفع الابن يديه إذا كلمهما، أي أنه لا يشير بيديه حين يتكلم معهما، فيرفع يده ويخفضها، لأن حركات اليدين في أثناء الكلام استخفاف بالأب، لذلك من بر الوالدين ألا يرفع الابن يديه في أثناء مخاطبته أمه أو أباه.
عن عائشة رضي الله عنها قالت:
(( أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل ومعه شيخ فقال له: " يا فلان من هذا معك ؟ ". قال: أبي. قال: " فلا تمش أمامه، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه، ولا تستسب له " ))
حديث أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط ورجاله رجال الصحيح إلا اثنين فيهما كلام
لا تستسب له: أي لا تكن سبباً في سبه، هذا من أدب النبي عليه الصلاة والسلام
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( ما من مسلم يصبح ووالداه عنه راضيان إلا كان له بابان من الجنة، وإن كان واحداً فواحد، وما من مسلم يُصبح ووالداه عليه ساخطان إلا كان له بابان من النار، وإن كان واحداً فواحد ))
حديث أخرجه ابن أبي عمر في مسنده، بإسناد ضعيف جداً
إذا عق والديه فأبواب النار مفتحة له، وإذا برَّ والديه فأبواب الجنة مفتحة له.
الولد وما يملك ملك لأبيه:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1866/05.jpg
تروي كتب السيرة أن رجلاً جاء النبي عليه الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله إن أبي قد أخذ مالي، فقال عليه الصلاة والسلام: (( اذهب فأتني بأبيك ))
شيءٌ دقيق جداً، إنسان شكا لك على إنسان، فمادام يتكلم وحده سيتكلم ما يحلو له، سيخفي بعض الحقائق، سيبرز بعض الحقائق، سيبالغ ببعض الحقائق، لكن إذا قلت له اذهب وأتني به، أنا أؤكد لكم أن تسعة أعشار ما كان ينوي أن يقوله سوف يسكتُ عنه، إذا أحضرت المتخاصميْن مع بعضهما أمامك، فإن تسعة أعشار ما ينوي أحدهما أن يقوله في غيبة الآخر سوف يسكت عنه، فالنبي عليه الصلاة والسلام علمنا قال:
(( اذهب فإتني بأبيك ))
اسمع من الطرف الآخر، قال سيدنا سليمان: ﴿ قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾
( آية 27 سورة النمل )
تريّثْ، استمع من الطرف الآخر، حق الدفاع مشروع، قال له:
(( اذهب فأتني بأبيك ))
روت كتب السيرة أن سيدنا جبريل عليه السلام نزل على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (( " إن الله عز وجل يقرئك السلام ويقول لك: إذا جاءك الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه ما سمعته أذناه " ))
أي أن الشيخ في طريقه إلى النبي عليه الصلاة والسلام كان يحدث نفسه، وكل واحد منا إذا كانت عنده مشكلة، فإنه يمشي وهو يحدِّث نفسه، هذا حديث النفس، يبدو أن هذا الشيخ لشدة ألمه من ابنه كان يحدث نفسه شعراً، فسيدنا جبريل جاء النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: إن ربك يقرئك السلام ويقول لك: إذا جاءك الشيخ فاسأله عن الشيء الذي قاله في نفسه.. (( فلما جاء الشيخ قال له النبي صلى الله عليه وسلم: " ما بال ابنك يشكوك، أتريد أن تأخذ ماله ؟ فقال: سله يا رسول الله، هل أنفقته إلا على إحدى عماته أو خالاته أو على نفسي ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إيه دعنا من هذا، أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك ". فقال الشيخ: والله يا رسول الله ما يزال الله يزيدنا بك يقيناً، لقد قلت شيئاً في نفسي ما سمعته أذناي فقال: " قل وأنا أسمع " قال: قلت:
غذوتك مولوداً ومنتك يافعاً تُعِلًّ بما أجني عليك وتنهلُ
إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبِتْ لسقمك إلا ساهراً أتململُ
كأني أنا المطروقُ دونك بالذي طُرقتَ بهِ دوني فعيني تهملُ
تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت وقت مؤجل
فلما بلغتَ السن والغاية التي إليها مدى ما كنت فيك أؤمل
جعلتَ جزائي غلظة وفظاظة كأنك أنت المنعم المتفضل
فليتك إذ لم ترع حق أبوتي فعلت كما الجار المجاور يفعل
تراه معداً للخلاف كأنه بردٍّ على أهل الصواب موكل
قال: حينئذ أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بتلابيب ابنه فقال:
(( أنت ومالك لأبيك ))
القصة أخرجها الطبراني عن جابر بن عبد الله، ولها شواهد مختصرة رجالها رجال الصحيح
النبي صلى الله عليه وسلم بكى، وأمسك الابن من تلابيبه وقال: أنت ومالك لأبيك، من أنت ؟ ما أنت إلا حسنة من حسنات أبيك.
حدود البر بالوالدين:
لكن بر الوالدين له حدود، لو أن الأم أو الأب أمرك أن تكفر بالله أو أن تكفر بمحمد عليه الصلاة والسلام، ماذا تفعل ؟ الله سبحانه وتعالى علمنا فقال:
﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
( سورة العنكبوت: آية 8 )
قصة سيدنا سعد رضي الله عنه مع أمه، قال: " كنت باراً بأمي فأسلمتُ، فقالت: لتَدَعَنَّ دينك أو لا آكل ولا أشرب حتى أموت فتعيَّر بي، ويقال لك: يا قاتل أُمه. وبقيت يوماً أو يومينً لا تأكل ولا تشرب، فقلت: يا أماه لو كانت لكِ مائة نفسٍ، فخرجت ًواحدةً تلو أخرى، ما تركت ديني هذا، فكلي إن شئت أو لا تأكلي ".
يعني في موضوع الإيمان بالله، وموضوع طاعة الله، يتوقف هنا رضا الأُم والأب " فكلي إن شئت أو لا تأكلي "، لكنها أكلت، فلما رأت ذلك أكلت، ونزل قوله تعالى:
﴿ وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا في الدُّنْيَا مَعْرُوفاً ﴾
( سورة لقمان: آية 15 )
بعض الأحكام المتعلقة ببر الوالدين:
بعض الأحكام الشرعية المتعلقة في هذا الباب: 1- طاعتهما تكون في ميدان المباحات لا في المعاصي:
طاعة الأبوين لا تراعى في ركوب الكبيرة أو ترك الفريضة، هذا الحكم الشرعي المستنبط من هذه الآية، هذا شيءٌ مقطوعٌ به، وتلزم طاعتهما في المباحات، الأشياء المباحة يلزمك أن تطيعهما فيها، ويستحسن ترك المندوبات من أجلهما، مثال ذلك:
الأكل على الطاولة، وأبوك يغضب بسرعة، وأنتم في شهر رمضان، وتريد أن تصلي أنت وزوجتك وأولادك المغرب قبل الإفطار، والأب يحب أن يأكل مع الأذان، فأن تصلي قبل الإفطار هذا مندوب، فإذا تركت الصلاة قبل الإفطار، وصليتها بعد الإفطار إرضاءً لأبيك وحفاظاً على أعصابه فإن هذا مطلوبٌ منك، فهذا ترك المندوبات، أما في المباحات فأنت ملزمٌ بطاعتهما، وفي ارتكاب الكبائر أو ترك الفرائض لست ملزماً بطاعتهما، أما إذا رأيت أن ترك بعض المندوبات مما يريحهما فلا عليك إذا فعلت هذا من أجلهما، هذا هو الحكم الشرعي. 2- طاعتهما مقدمة على الجهاد الكفائي إن لم يأذنا:
كذلك ترك الجهاد الكِفائي، الجهاد الكِفائي إذا قام به البعض سقط عن الكل، يعني إذا الإنسان تطوع في الخدمة العسكرية، فالتطوع يحتاج إلى إذن الوالد، أما الخدمة الإلزامية فلا تحتاج، الجهاد العيني هذا ليس بإذن من الوالد، ترك الجهاد الكِفائي من أجلهما، أو الإقدام عليه فبإذنهما. 3- يجوز ترك الصلاة النافلة من أجل إجابة الوالدين:
تحدثنا في الدرس الماضي عن إجابة الأُم في الصلاة، فإذا أمكنك أن تعيد الصلاة وكانت في حاجةٍ إليك لا عليك أن تدع الصلاة من أجلها. كمال طاعات سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه:
في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال يوماً:
(( " من أصبحَ منكم اليوم صائماً " ؟ قال أبو بكر الصِّدِّيق: أنا، قال: " فمن تَبِع منكم اليوم جنازة " ؟ قال أبو بكر: أنا، قال: " فَمَنْ أطعم منكم اليومَ مِسْكِيناً " ؟ قال أبو بكر: أنا، قال: " فمن عاد منكم اليوم مريضاً " ؟ قال أبو بكر: أنا، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: " ما اجْتَمَعْنَ في رجل إلا دخل الجنة " ))
حديث صحيح، أخرجه مسلم
يعني سيدنا الصديق كان سباقاً ؛ في بر الوالدين، وفي إطعام الطعام، وفي رد السلام، وفي تشيع الجنازة..
بر الوالدين من صفات الأنبياء:
لا تنسوا أن الله عزّ وجل نوَّه بالأنبياء الكرام وبرِهم بآباءهم، فقال متكلماً عن سيدنا يحيى:
﴿ وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّاراً عَصِيّاً ﴾
(سورة مريم، آية 14)
وعن سيدنا عيسى:
﴿ وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً ﴾
( آية 32 سورة مريم )
وعن سيدنا يوسف:
﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ ﴾
( سورة يوسف: آية 100 )
وعن سيدنا إسماعيل:
﴿ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾
( آية 102 سورة الصافات )
تروي بعض الكتب ـ من باب التفصيلات ـ أن سيدنا إسماعيل عليه السلام قال: " يا أبت إذا أردت ذبحي، فاشدد وثاقي لئلا يصيبك شيءٌ من دمي فينقص أجري، وإن الموت لشديد ولا آمن أن أضطرب عنده إذا وجدتُ مسه، فاشحذ شفرتك حتى تُجهز عليّ، فإذا أنت أضجعتني لتذبحني فاكببني على وجهي، فإني أخشى إن أنت نظرت إلى وجهي أن تأخذك الرقة فتحول بينك وبين أمر ربك، وإن رأيت أن تردّ قميصي إلى أُمي، فإنه عسى أن يكون أسلى لها عني فافعل، قال إبراهيم: نعم العون يا بني أنت على أمر الله.
ما هذا الابن ؟.. نِعم العون يا بني أنت على أمر الله، ثم إنه هم بالتنفيذ، فتله للجبين ليذبحه فنودي:
﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (*) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾
( آية 104،105 سورة الصافات )
وافتُديَ بكبشٍ عظيم، وجده إبراهيم على مقربةٍ منه فذبحه.
يعني نحن جميعاً نرى القضية سهلة، اُفتدي بكبشٍ عظيم، هذا متى عرفته أنت ؟ بعد أن اُفتدي، أما حينما أمره الله بذبح ابنه هل كان يعلم أن هناك حل لهذه المشكلة ؟
﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴾
( آية 106 سورة الصافات )
الآثار الطيبة لبر الوالدين:
منها:الالتجاء إلى الله ببر الوالدين ينجي من الكروب:
النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح المتفق عليه ـ أي اتفق عليه الشيخان،البخاري ومسلم، وهذا أعلى مستوى من الأحاديث الصحيحة ـ عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول:
(( انطلقَ ثلاثةُ نَفَر ممن كان قبلكم، حتى آواهم المبيتُ إِلى غار، فدخلوه، فانحدرتْ صَخرَة من الجبل، فسَدت عليهم الغارَ، فقالوا: إِنه لا يُنجيكم من هذه الصخرة إِلا أن تَدْعُوا الله بصالح أعمالكم.. ))
كل واحد منا وقع في مشكلة أو في ورطة، أو لاح له شبح خطر، أو لاح له شبح مصيبة، كمرض عُضال لا سمح الله، أو دمار للمال فجأةً، إذا وقع أحد في مشكلة كبيرة جداً، لا ينام لها الليل، فالسُنة النبوية أن تدعو الله بصالح عملك.
حدثني رجل كان من تجار الأغنام التقيت به وكان عمره يزيد على التسعين عاماً، وقال لي: " إنني خرجت لِتَوي من الفحص الطبي فكانت النتيجة سليمة مائة بالمائة "، أي أنه لا يشكو شيئاً وهو في التسعين، وقد أقسم لي أنه لا يعرف الحرام بكل أنواعه، وكان باراً بوالديه، فقال لي: " كنت في البادية مرةً، وامرأة راودته عن نفسه، فقال: إني أخاف الله رب العالمين، واشترى قطيعاً من الغنم وسار به، فأدركهم العطش إلى درجةٍ أنه وأغنامه أصبحوا على وشك الموت، فقال: يا رب إن كنت تعلم أنني عففت عن هذه المرأة خوفاً منك ففرج عنا. هذه سنة، يعني إذا أحب الله عزّ وجل أن يمتحن إنساناً، وضعه في ورطة، أو في مشكلة.. الطريق انقطع، عطش شديد، مرض شديد، مشكلة كبيرة، شبح إتلاف المال كله، فعليه أن يدعو الله بصالح عمله، يا رب إن كنت تعلم أنني فعلت هذا العمل من أجلك وخالصاً لك لا أبتغي به شيئاً فأنقذني من هذه الورطة، هذه هي السنة.
(( قال رجل منهم: اللهم كان لي أبوان شيخانِ كبيران، وكنتُ لا أَغْبُقُ قبلهما أهلا ولا مالا.. ))
الغبوق: معناه شرب الحليب مساءً (( فنأَى بي طلبُ شَجَر يوماً، فلم أَرُحْ عليهما حتى ناما.. ))
أي عدت إلى البيت فإذا هما نائمان
(( فَحَلَبْتُ لها غَبوقَهُما، فوجدتهما نائمين، فكَرِهتُ أَن أَغْبُقَ قبلهما أهلا أو مالا، فَلَبِثْتُ والقَدَحُ على يدي أنتظر استيقاظهما، حتى بَرَقَ الفَجْر.. ))
لا يشرب قبلهما حتى استيقظا من نومهما
(( فاستيقظا، فشرِبا غَبوقَهُما، اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك، ففرِّج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة، فانفرَجَتْ شيئاً لا يستطيعون الخروج.. ))
لكنها تزحزحت
(( قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: قال الآخر: اللهم كانت لي ابنةُ عمّ، كانت أحبَّ الناس إِليَّ، فأردُتُها على نفسها، وامتنعت مني، حتى أَلَمَّتَ بها سَنَة من السنين.. ))
أي: فقرٌ شديد
(( فجاءتني، فأعطيتُها عشرين ومائةَ دينار، على أن تُخَلِّيَ بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إِذا قَدَرْتُ عليها، قالت: لا أُحِلُّ لَكَ أَن تَفُضَّ الخَاتَمَ إِلا بِحقِّه، فتحَرَّجْتُ من الوقوع عليها، فانصرفتُ عنها وهي أحبُّ الناس إِليَّ، وتركتُ الذهب الذي أعطيتها، اللهم إِن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فافْرُج عنا ما نحن فيه، فانفرَجَتِ الصخرة، غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها ))
(( قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: وقال الثالث: اللهم استأَجَرْتُ أُجَرَاءَ، وأعطيتُهم أجرَهم، غير رَجُل واحد، تَركَ الذي له وذهب، فَثَمَّرتُ أَجْرَهُ حتى كَثُرَتْ منه الأموال، فجاءني بعد حين، فقال: يا عبد الله، أَدِّ إِليَّ أجري، فقلت: كلُّ ما ترى من أَجْرِكَ، من الإِبل والبقر، والغنم، والرقيق، فقال: يا عبد الله، لا تستهزئُ بي، فقلتُ: إِني لا أستهزئُ بك، فأخذه كلَّه، فاسْتاقه، فلم يتركْ منه شيئاً، اللهم فإن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك فافْرُج عنا ما نحن فيه، فانفرجتِ الصخرة، فخرجوا يمشون ))
حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود
يعني إذا الإنسان وقع في شدة، فعليه أن يدعو الله بصالح عمله.
دعوة الأب لابنه، دعوة مستجابة:
وعن أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
(( ثَلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَاباتٌ، لا شَكَّ في إجابَتِهنَّ: دَعوَةُ المظلُومِ، ودَعوةُ المُسَافِرِ ودَعوةُ الوَالِدِ على الولد ))
حديث حسن، أخرجه الترمذي
وفي الأثر: (( أربعةٌ دعوتهم مستجابة، الإمام العادل، والرجل يدعو لأخيه بظهر الغيب، ودعوة المظلوم، ورجلٌ يدعو لولده ))
بر الوالدين سبب لمغفرة الذنوب، وزيادة في العمر و الرزق:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال:
(( أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال يا رسول الله أذنبت ذنبا كبيراً، فهل لي من توبة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألك والدان ؟ قال: لا، قال ألك خالة ؟ قال: نعم قال فبرها إذاً ))
حديث صحيح، أخرجه الترمذي والإمام أحمد وابن حبان والحاكم
وهذا حديث لطيف، يعني إذا كان إنسان توفيت أمه وله خالة فالإحسان إلى الخالة بمثابة الإحسان إلى الأُم.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((من سره أن يمد له في عمره ويزاد في رزقه فليبر والديه وليصل رحمه ))
حديث أخرجه أحمد في مسنده، ورجاله رجال الصحيح
وقال عليه الصلاة والسلام:
(( من بر والديه طوبى له، زاد الله في عمره ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في مستدركه
وعن ثوبان رضي الله عنه ن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه الترمذي وابن ماجة وابن حبان والحاكم
ثلاثة أحاديث عن أن بر الوالدين يزيد في العمر وفي الرزق.
بشارة للمقصّرين كي يتداركوا:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/1866/06.jpg
ورد في الأثر:
(( إن العبد ليموت والداه أو أحدهما وإنه لهما لعاق فلا يزال يدعو لهما ويستغفر لهما حتى يكتبه الله باراً ))
هذه بشارة، فلو أن أباً مات غاضباً على ابنه، فهذا الابن العاق دعا لوالديه واستغفر لهما وفعل الأعمال الصالحة من أجلهما، ربما كتبه الله باراً ولو مات أبوه غاضباً عليه، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( إن الله عز وجل ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب أنى لي هذه ؟ فيقول: باستغفار ولدك لك ))
حديث رجاله رجال الصحيح غير واحد وقد وثق، أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن أبي هريرة
وفي الأثر:
(( من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر الله له وكُتب باراً ))
بعض القصص المتعلقة بموضوع بر الوالدين:
بقي علينا بعض القصص المتعلقة بهذا الموضوع: 1- كما تدين تدان:
قيل: كان رجل يطعم والده المُسن طعاماً في إناءٍ من الخشب ـ الآن يوجد كأس من البلور وكأس من الإستالس، فيريد الوالد كأس من الماء فيعطيه ابنه كأس الإستالس لأنها لا تنكسر ـ فكان هذا الرجل يطعم والده المُسن في إناءٍ من الخشب، فسأله ولده عن السبب في هذا، الابن الصغير سأل أباه: لماذا تطعم جدي في هذا الإناء الذي هو من الخشب ؟ فقال له: لأنني إذا أطعمته في إناءٍ صينيٍ أو من الزجاج كسره، فقال له ابنه: إذاً يا أبت سأحتفظ لك بهذا الإناء الخشبي حتى أُقدم لك طعامك فيه عندما تكون في سن جدي، فعند ذلك انتبه الوالد وأدرك أن ما يفعله الآن مع والده سيفعله ابنه معه، وتاب إلى الله من هذا الذنب. أقل استهانة أحياناً تهين الأب، كأن يقدم له فنجاناً فيه عيب، ويقول: خذ اشرب بلهجة المتذمر، أو كأس متسخة فيحزن الأب، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( بروا آباءكم تبركم أبناؤكم، وعفوا تعف نساؤكم ))
حديث أخرجه الطبراني في الأوسط ورجاله رجال الصحيح عن عبد الله بن عمر
2- يشتكي أمه وينسى فضلها:
قيل: إن رجلاً شكا إلى نبي سوء خلق أمه، فقال:
(( لم تكن أُمك سيئة الخلق حين أرضعتك حولين كاملين ؟ ولم تكن سيئة الخلق حين أسهرتها الليل، ولم تكن سيئة الخلق حين رعتك، لقد جازيتها بهذا ؟ ))
هذا الذي يذم والديه ليس مؤمناً. 3- الولد ملك لأبيه:
ولد اشتكى إلى النبي عليه الصلاة والسلام أباه وأنه يأخذ ماله فدعا به فإذا هو شيخٌ يتوكأ على عصا فسأله، فلعله قال: يا رسول الله إن ابني وهو صغير كان ضعيفاً وأنا قوي، وكان فقيراً وأنا غني، فكنت لا أمنعه شيئاً من مالي، واليوم أنا ضعيفٌ وهو قوي، وأنا فقيرٌ وهو غني يبخل علي بماله، فبكى النبي عليه الصلاة والسلام وقال للولد:
(( أنت ومالك لأبيك ))
من حديث صحيح،أخرجه ابن ماجة عن جابر بن عبد الله
4- آداب بعض البررة:
ـ قيل لعمر بن ذر: كيف كان برّ ابنك ؟ قال: " ما مشيت نهاراً إلا ومشى خلفي، ولا ليلاً إلا مشى أمامي، ولا رقى سطحاً وأنا تحته ". ـ قيل لعلي بن الحسين: أنت من أبر الناس بأمك، ولكن لماذا لا تأكل معها ؟ قال: " والله أخاف أن تمتد يدي إلى ما قد سبقت عينها إليه فأكون قد عققتها ".
يعني: قطعة من اللحم في الصحن وهي عينها على هذه القطعة،فإن أكلتها أنا أكون قد عققتها... كانوا إلى هذا المستوى.
ـ أبو يزيد البسطامي رحمه الله قال: " كنت ابن عشرين سنة، فدعتني أُمي لتمريضها ذات ليلة فأجبتها، فجعلت يدي تحت رأسها، والأخرى أمسِّد يدها بيدي، وأقرأ ( قل هو الله أحد ) فخدرت يدي، فكدت أفقد قوة اليد، فقلت: اليد لي وحق الوالدة لله ".
هذا من بره لأُمه.
5- ترجو هي حياتك، وترجو أنت موتها:
ورجل قال لسيدنا عمر: " إني أخدم أُمي كما كانت تخدمني في الصغر فهل قمت بحقها ؟ فقال: لا، إنها كانت تخدمك وهي تتمنى لك الحياة، وأنت تخدمها وأنت تتمنى لها الموت ". وبعبارة أخرى أو مهذبة: ( أن يخفف الله عنها ). 6- الأم الصابرة المحتسبة:
كان رجلٌ يجلس إليَّ، فبلغني أنه نزل به الموت وإذا أُم عجوز كبيرة جعلت تنظر إليه حتى غُمِّض وعصِّبَ وسُجّي، فقالت: رحمك الله يا بني لقد كنت بنا باراً، وعلينا شفوقاً رزقنا الله عليك الصبر، فقد كنت تطيل القيام وتكثر الصيام، فلا حرَمَكَ الله ما أملت من رحمته، وأحسن عنك العزاء، ثم نظرت إليّ وقالت: لو بقي أحدٌ لأحد لبقي النبي عليه الصلاة والسلام لأمته.
كل حالٍ يزول، لذلك يقال للميت كما في الأثر: " رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت ". وأخيراً:
من خلال هذه الآيات والأحاديث والتعليقات والأحكام الفقهية والقصص يتبين لنا أن بر الوالدين بابٌ كبير من أبواب الجنة.
(( رَغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكِبَر فلم يُدْخِلاه الجنة. قال الراوي: وأظنه قال: أو أحدهما ))
من حديث صحيح، أخرجه الترمذي
فمن كان له أب على قيد الحياة أو أم، أو من كان له أب وأم، فليغتنم هذه الفرصة، لأن الله عزّ وجل أمرنا أن نحسن إلى الوالدين وقرن هذا الأمر بعبادته..

السعيد
09-05-2018, 09:08 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( السابع )


الموضوع :
حسن اختيار أمه - حسن اختيار اسمه - تربيته صغيراً - التعوذ من الشيطان.



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حقوق الأبناء على الآباء :
أيها الأخوة المؤمنون, في الدرس الماضي أنهينا بفضل الله عزَّ وجل حقوق الآباء على الأبناء، وها نحن أولاء في هذا الدرس ننتقل إلى موضوعٍ آخر متمَّمٍ للأول, ألا وهو حقوق الأبناء على الآباء ، لأن كل حقٍ يقابله واجب، وكل واجبٍ يقابله حق، فما دام للآباء حقوقٌ على الأبناء، لا بدَّ من أن يكون للأبناء حقوقٌ على الآباء، والحديث الشريف الذي تعرفونه جميعاً:
((رحم الله والداً أعان ولده على برِّه))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6195/ar-6195/01.jpg
موضوع حقوق الزوج على الزوجة، وحقوق الزوجة على الزوج، وموضوع حقوق الآباء على الأبناء، وحقوق الأبناء على الآباء، هذه موضوعاتٌ دقيقةٌ جداً، لأنه ما من واحدٍ من الأخوة الحاضرين إلا وتمسُّه هذه الموضوعات، فإذا أدَّيت ما عليك من حقوق صار الطريق إلى الله سالكاً، وإذا كان هناك تقصيرٌ، أو مجاوزةٌ، أو جنوحٌ، أو مخالفةٌ، أو إساءةٌ كانت هذه الأعمال حجاباً بين العبد وبين ربه، والحديث الذي تعرفونه أيضاً جميعاً, هو أن الإنسان قد يستحق النار يوم القيامة, فيقف بين يدي الله عزَّ وجل ويقول: ((يا رب لا أدخل النار حتى أًُدخِل أبي قبلي))
وهذا الطفل الذي شبَّ على الانحراف، وشجَّعته أمه الجاهلة على ذلك، وكبر وارتكب جريمةً, استحقَّ عليها الإعدام، قُبَيْلَ إعدامه طلب أن يلتقي أمه -هكذا الصحيح أكثرهم يقول : أن يلتقي بأمه-, فلما جيء له بأمه, قال: مدي لسانك كي أقبِّله, مدَّت لسانها فعضَّه وقطعه، وقال: لو لم يكن هذا اللسان مشجِّعاً لي على الجرائم ما فقدت حياتي:
إهمال تربية البنينَ جنايةٌ عادت على الآباءِ بالويلاتِ
إذاً: الحديث النبوي الشريف: ((رحم الله والداً أعان ولده على برِّه))
هو عنوان هذا الموضوع: حقوق الأبناء على الآباء. ما هي هذه الحقوق؟
1-أن يحسن الأب اختيار الزوجة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6195/ar-6195/02.jpg
يا أيها الأخوة الأكارم, جاء رجلٌ إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه- يشكو إليه عقوق ابنه، فأحضر سيدنا عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه- ابنه, وأنَّبه على عقوقه لأبيه, فقال الابن: يا أمير المؤمنين, أليس للولد حقوقٌ على أبيه؟ قال: بلى, فقال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: أن ينتقي أمه، وأن يحسن اسمه، وأن يعلِّمه الكتاب –القرآن- فقال الابن: يا أمير المؤمنين, إنه لم يفعل شيئاً من ذلك، أما أمي فإنها زنجيةٌ كانت لمجوسي، وقد سماني جُعْلاً -أي خنفساء- ولم يعلمني من الكتاب حرفاً واحداً, فالتفت أمير المؤمنين إلى الرجل, وقال له: أجئت تشكو عقوق ابنك؟ لقد عققته قبل أن يعقَّك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.
هذا النص أن ينتقي أمه، وأن يحسن اسمه، وأن يعلِّمه القرآن، فإذا أهمل الأب هذه الأشياء, يكون قد عَقَّ ابنه قبل أن يعقَّه ابنه، ويكون الأب قد أساء إليه قبل أن يسيء الابن إلى أبيه.
فأول واجبٍ على الآباء تجاه الأبناء: أن يحسن الأب اختيار الزوجة، إن هذا الواجب يسبق وجود الولد، الواجب الأول بل هو أخطر واجب إنه يسبق وجود الولد، وهو: أن يحسن اختيار أمه.
صفات الزوجة الصالحة :
النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((خير فائدة أفادها المرء المسلم بعد إسلامه امرأة صالحة, تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها))
فأثمن شيءٍ أن تحسن اختيار الزوجة، ينبغي أن تكون الزوجة صالحة: ((تسرُّه إذا نظر إليها -أي أنها نظيفة- وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها))
وفي حديثٍ آخر: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: ((يا رسول الله, أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ))
في هذا الحديث ليس فيه كلمة إليها؛ أي إذا نظر إلى غرفة النوم تسره، منظَّمة ومرتَّبة والملاءة نظيفة، وإذا نظر إلى المطبخ تسرُّه، وإذا نظر إلى أولاده تسرُّه، وإذا نظر إلى البيت إجمالاً تسرُّه، أي أنها تقوم بواجبها خير قيام، أي تحسن تبعُّل زوجها.
والنبي -عليه الصلاة والسلام كما تعرفون- يقول: ((اعلمي أيتها المرأة, وأعلمي من وراءك من النساء: أن حسن تبعل إحداكن لزوجها يعدل ذلك كله))
يعني الجهاد في سبيل الله. ((تسره إذا نظر، ولا تعصيه إذا أمر، ولا تخالفه بما يكره في نفسها وماله))
هذه صفات الزوجة الصالحة، لأن اختيار الزوجة الصالحة أول واجبٍ على الآباء تجاه الأبناء الذين سوف يأتون إلى الدنيا.
وفي حديثٍ آخر: عن أبي سعيدٍ الخدري -رضي الله عنه- قال: ((قال عليه الصلاة والسلام : تنكح المرأة على إحدى خصال؛ لجمالها، ومالها، وخُلُقها، ودينها, فعليك بذات الدين والخلق تربت يمينك))
[أخرجه أحمد في مسنده]
وفي حديثٍ آخر: عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، رواه البخاري ومسلم، يقول عليه الصلاة والسلام : ((تنكح المرأة لأربع؛ لمالها، ولخلقها، ولجمالها، ولدينها, فاظفر بذات الدين تربت يداك))
أي إن لم تفعل ما نلت إلا التُراب، والتراب شيءٌ لا قيمة له إطلاقاً، إذا جهدت، وتحمَّست ، وانقضضت، وأمسكت بشيء فإذا هو تراب، يقال: تربت يمينك؛ أي لن تأخذ شيئاً، لم تنل شيئاً، لم تفلح في هذا الزواج.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6195/ar-6195/03.jpg
العلماء قالوا: يستحب أن تختار امرأة تسرُّك إذا نظرت إليها.
هذا من السنة، لكن العلماء أيضاً, ومنهم الماوردي يقول: كره العلماء أن يختار الإنسان امرأةً ذات جمالٍ بارع, لأنها متعبةٌ إلى أقصى الحدود، فإنها تزهو بجمالها، وتحب أن ينظر الناس إليها، وربَّما تعاند زوجها، وربَّما تتفلَّت من أوامر الشرع تفلُّت البعير.
لذلك هذا رأي بعض العلماء: أنه يجب أن تختار زوجةً تسرك إذا نظرت إليها، أما أن تختارها فائقةً فائقةً, فهذا ربما عاد عليك بالمتاعب التي لا حصر لها.
في حديث آخر: يقول عليه الصلاة والسلام: ((من تزوَّج المرأة لجمالها أذلَّه الله.
-هي تزهو عليه بجمالها, وهو يتصاغر أمام هذا الجمال، فكأنها هي الآمرة الناهية، وكأنها هي القَيِّمة، وكأن لها القِوامة، لذلك-:
من تزوَّج المرأة لجمالها أذلَّه الله -أي لجمالها فقط- ومن تزوَّجها لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً, فعليك بذات الدين تربت يداك))
لكن لو أنك تزوجت امرأةً غنيَّة, وطابت لك عن بعض مالها، فهذا يأكله الزوج هنيئاً مريئاً، كما قال الله عزَّ وجل في القرآن الكريم : ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾
الآية: 4] [سورة النساء
والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((إياكم وخضراء الدمن.
-الدِّمَن جمع دِمْنَة وهي المزبلة، وخضراء الدمن أحياناً تنبت نبتةٌ في هذه القمامة، فإذا هي نضرة، لأنها كلها سماد، هذه سمَّاها النبي -عليه الصلاة والسلام- خضراء الدمن، قال عليه الصلاة والسلام- :
إياكم وخضراء الدمن، فقيل: وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء))
البيئة سيِّئة، البيئة غير إسلاميَّة، البيئة غير ديِّنة، متفلِّتة، الجو العائلي جو مريض، الجو العائلي جو غير صحي، الشاعر الحكيم قال:
ليس الجمال بأثوابٍ تُزيننا إن الجمال جمال العلم والأدبِ
حديثٌ آخر: رواه سيدنا أنسٌ, عن النبي -عليه الصلاة والسلام- : ((من تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلاً، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقراً، ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره, ويحصن فرجه, أو يصل رحمه, بارك الله له فيها وبارك لها فيه))
والنبي -عليه الصلاة والسلام- كان إذا حضر عقد قِران, يقول: ((بارك الله لكما وعليكما وفيكما))
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال: ((قال عليه الصلاة والسلام: لا تزوجوا النساء لحسنهن))
فإذا ذُكرت كلمة حُسن أو جمال, المقصود الجمال وحده؛ أي أنك آثرت الجمال على الدين، هناك رقَّةٌ في الدين وتفوُّقٌ في الجمال، آثرت الجمال على الأخلاق، هناك شراسةٌ في الأخلاق، ورقةٌ في الدين، وتفوُّقٌ في الجمال, فالأمر فيه نذر السّر، إذا ذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- كلمة الجمال أو الحُسن, فالمقصود به من آثره على بعض الشروط الأخرى.
يقولون: إن واحداً وضع عشرة شروط: أول شرط الجمال، ثاني شرط الكمال، الثالث الغنى –المال- الرابع الحسب، الخامس النسب، السادس الثقافة، السابع إلى أن صاروا عشرة ، أرسل والدته فلم يجد، فتخلَّى عن شرط، عمل جولة ثانية بعد سنة فلم يجد فتخلى عن شرط ثانٍ، عمل جولة ثالثة فلم يجد فتخلى عن شرط ثالث، بعد عشر سنوات بقي على شرطٍ واحد: وهو أن يعثر على امرأةٍ ترضى به، فعلى المرء ألا يعقِّد الأمور كثيراً. ((لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن .
-أي جميلة وجاهلة، حسنها يرديها، يجعلها تستعلي عليه، لا يحتملها زوجها فيطلِّقها، وهذا يحصل دائماً، استعلاؤها على زوجها يحملها على أن تكون فظَّةً معه، وقد لا يحتمل الزوج هذا، فيكون الفراق والشِقاق، إذاً-:
لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوَّجوهنَّ لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن
-المال يطغي- ولكن تزوَّجوهنَّ على الدين، ولأمة خرماء -أي أذنها مشرومة- سوداء ذات دينٍ أفضل))
وكان عليه الصلاة والسلام يأمر بالباءة -أي بالزواج- وينهى عن التبتُّل نهياً شديداً، ويقول : ((تزوجوا الودود الولود, فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة))
النبي -عليه الصلاة والسلام, وهو سيد الخلق, وحبيب الحق- اختار لنا هذين الشرطين: الودود الولود.
أي ما من طبعٍ أبغض عند الرجل في المرأة من أن تكون لئيمة، أو قاسية، أو متكبِّرة، أو لها لسانٌ سليط، أو مستعلية.
النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((تزوَّجوا الودود -تحب زوجها، تتحبَّب إليه، ترضيه، تؤثره على كل شيء، هذه الودود- الولود -لأنها إذا أنجبت لك طفلاً, ملأ هذا الطفل البيت أنساً ولطفاً، ومحبَّةً واشتياقاً، ومتَّن العلاقة بين الزوجين-.
تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة))
وقال عليه الصلاة والسلام: ((عليكم بالأبكار، فإنهن أعذب أفواها .
-أي كلامها لطيف, وليست كلما تحدثت بكلمتين, قالت عن زوجها الأول: المرحوم ما كان يفعل هذا، المرحوم ما كان يفعل هذا، وفي هذا تنغيص لزوجها الحالي-.
عليكم بالأبكار، فإنهن أعذب أفواها -أي كلامها لطيف- وأنتق أرحاما، وأرضى باليسير))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
هذا كلُّه من حقوق الأبناء على الآباء، أي ليحسن الأب اختيار الزوجة الصالحة. ((الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
الزواج سنة الأنبياء :
أراد ابن عمر -رضي الله عنه- ألا يتزوَّج، فقالت له أخته حفصة: أي أخي لا تفعل، تزوَّج فإن ولد لك ولد فماتوا كانوا لك أجراً، وإن عاشوا دعوا الله عزَّ وجل لك. لقول النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَ: إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ, أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ, أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6195/ar-6195/04.jpg
الأنبياء العِظام -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- كلهم تزوَّجوا، قال الله عزَّ وجل : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾
[سورة الرعد الآية: 38]
الأنبياء تزوَّجوا، الزواج لا يتعارض مع الدين بل هو في خدمة الدين: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾
[سورة النحل الآية: 72]
من فضل الله على الإنسان أن جعل له زوجة، وجعل له منها أبناءً، ورزقهم من الطيِّبات.
هناك أب ذكر لأبنائه فضله عليهم, فقال:
وأول إحساني إليكم تخيُّري لماجدة الأعراق بادٍ عفافها
هذا هو الحق الأول: حق ابنك عليك أن تحسن اختيار أمه. 2-التعوذ بالله من الشيطان قبل اللقاء الزوجي :
الآن الحق الثاني: التعوُّذ بالله من الشيطان قبل اللقاء الزوجي.
لأن في هذا الموضوع أحاديث كثيرة, وردت عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هناك سؤال دقيق: كلَّما سألني سائل حول التعوذ, قال: إنني تعوَّذت بالله فلم يحصل ما أريد؟ وأرد عليه قائلاً: ربنا عزَّ وجل قال:
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾
[سورة فصلت الآية: 36]
يقول لك: استعذت بالله ولم يحصل شيء، فما جدوى هذه الاستعاذة؟.
في الجواب عن هذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم : ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
[سورة فصلت الآية: 36]
السميع باستعاذتك، والعليم لما في قلبك، استنبط العلماء من هذه الآية: أن الاستعاذة باللسان لا قيمة لها، ولا تكفي، ولا جدوى منها، ما لم يكن القلب في أعماقه متجهاً إلى الله بالاستعاذة، فلذلك: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾
[سورة الناس الآية: 1-6]
-قل أعوذ- لا تقبل هذه الاستعاذة، ولا تُجدي، ولا تقطف ثمارها, إلا إذا كانت نابعةً من قلبك، بالدليل: أن الله سبحانه وتعالى ختم الآية, فقال: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة الأعراف الآية: 200]
سميعٌ لهذه الاستعاذة, ولكن يعلم أن قلبك ليس في مستواها، فإذا اتجه الإنسان إلى الله عزَّ وجل بكليَّته مستعيذاً, لا بدَّ من أن ينجيه من كل مكروه، هذا شيءٌ ثابت.
الله عزَّ وجل قال : ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 64]
فالمشاركة في الأولاد: أن الزوج الذي ينسى أن يستعيذ بالله قبل اللقاء الزوجي، قد يشرَكه في هذا اللقاء الجن، وعندئذٍ يأتي الابن شريراً مخيفاً، هذا تفسير بعض العلماء لهذه الآية.
النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما روى البخاري ومسلم، عن ابن عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- من طرقٍ كثيرة -أي صار هذا حديثاً متواتراً تواتراً معنوياً- أنه قال: ((لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ, اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ, وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا, فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ, لَمْ يَضُرُّهُ))
أي الشيطان لم يضر هذا الولد. هذا الحديث واضح .
الإمام الداودي قال: معنى لم يضرَّه؛ أي لم يفتنه عن دينه إلى الكفر.
وليس المراد أن هذا الابن معصومٌ عن المعصية، فالقضية سهلة, إذا كان الواحد قد سمى, فهل يأتيه ولد صالح عالِم جليل؟ لا, بل إن العلماء يقولون: ليس معنى هذا أنه يصبح معصوماً عن المعصية، ولكن لم يضرُّه الشيطان فيهوي به إلى الكفر، إذا كان قد استعاذ الزوج بالله من الشيطان الرجيم قبل اللقاء الزوجي.
وكلكم يعلم: أن الإنسان إذا دخل بيته ولم يسلِّم, قال الشيطان لأخوانه: أدركتم المبيت في هذا البيت -الليلة هنا، طول الليل مشاكل- فإذا جلس إلى الطعام ولم يسمِ, قال الشيطان لأخوانه : وأدركتم العشاء -كذلك وعند العشاء، يشبع الجماعة- فإذا دخل ولم يسلِّم، وجلس إلى الطعام ولم يسمِّ, قال الشيطان لأخوانه: أدركتم المبيت والعشاء معاً.
أي أنكم الليلة نومكم هنا والعشاء كذلك جاهز.
إذاً خلاصة التوجيه النبوي: أن الإنسان عليه أن يسلِّم إذا دخل إلى بيته قائلاً: السلام عليكم، وعليه أن يسمي إذا أكل، عندئذٍ يجنبه الله الشيطان في علاقاته وفي طعامه. 3-أن يتخير له اسماً ذكراً كان أو أنثى :
الواجب الذي يلي هذا الواجب هو :أن يتخيَّر له اسماً حسناً ذكراً كان أو أنثى .
ففي الحديث الشريف:
((إنكم تُدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم))
[أخرجه أبو داود في سننه]
هكذا قال عليه الصلاة والسلام, بعضهم يسمي ابنه جعيفص مثلاً، ما هذه جعيفص؟ عبد الرحمن، عبد اللطيف مثلاً، عبد الله، حَسن، حُسين كذلك، هناك أسماء كثيرة جداً؛ أسماء إسلاميَّة، وأسماء أخلاقيَّة، من ذلك اسم مجيب أحياناً، واسم هُمام، لدينا أسماء كثيرة فيها معنى الشجاعة وغيرها.
طبعاً سبب هذه الأسماء القبيحة جهلٌ قائم بالأهل، إن سمَّاه اسماً قبيحاً يعيش ولا يموت كما يزعمون، يسميه فلفل، فجلة، خيشة، جدي، في أسماء أخرى أيضاً، هذه الأسماء يتوهَّم الآباء أنها تقي ابنهم من الأمراض ومن الموت، هذا كله كلام فارغ ولا أساس له من الصحَّة ، هذه أسماء مزرية بأصحابها.
وهناك أسماء مستوردة؛ ميمي، وشونو، وسونا، وفيفي، وشوشو، هذه أسماء لا تليق بالمسلم أساساً، لا تسمي اسماً خشناً ولا اسماً مستورداً، نريد اسماً إسلامياً، والآن لدينا الكثير من الكتب بالأسواق، وعندنا معاجم حوالي أربعة أو خمسة آلاف اسم مرتَّبة ترتيباً جيداً، اقتنِ كتاباً منها، فاختيار الاسم شيء مهم جداً، هذا الاسم سوف يكون علماً على هذا الابن, في حلِّه وترحاله، في علاقاته، في حركاته وسكناته، في نشاطاته. الأسماء المحبب إلى الله؟ :
النبي -عليه الصلاة والسلام- عن ابن عمر -رضي الله عنه- وفيما رواه الإمام مسلم يقول: ((إن أحب أسمائكم إلى الله عزَّ وجل؛ عبد الله وعبد الرحمن))
وكان عليه الصلاة والسلام إذا لم يعرف اسم إنسان, قال له: ((ادن مني يا عبد الله))
هذا اسم يطلق على الكل: يا عبد الله.
وعن جابرٍ -رضي الله عنه- قال: ((ولد لرجلٍ منا غلام فسمَّاه القاسم، فقلنا: لا نُكنيك أبا القاسم ولا كرامة -رسول الله أبا القاسم- فُأخبِر النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال: سمِّّّّ ابنك عبد الرحمن))
أحياناً يكون بالأسرة رجل وقور وله قيمته يسمونه باسمه، وهذا الابن أحياناً يشذ، ينحرف، يتعرض لدعاء سوء من الأهل، فتصير هذه مشكلة، فيفضَّل إذا كان في الأسرة إنسان وهو عميد الأسرة له قيمته، فلا تعمل إحراجات وتسمي الصغير باسمه.
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- لم يرضَ، قال له: ((سمه عبد الرحمن))
والنبي أمرنا في حديثٍ آخر رواه أبو داود: ((تسموا بأسماء الأنبياء))
[أخرجه أبو داود والنسائي في سننهما]
((وأحب الأسماء إلى الله؛ عبد الله وعبد الرحمن))
[أخرجه أبو داود والنسائي في سننهما]
إبراهيم، سيدنا إبراهيم: ((تسموا بأسماء الأنبياء, وأصدقها حارثٌ وهُمام، وأقبحها حربٌ ومرَّة))
[أخرجه أبو داود والنسائي في سننهما]
وكان عليه الصلاة والسلام يبدِّل الأسماء.
أحياناً هذا الكلام أسوقه للمعلمين، إذا عندك طفل له اسمه لا يليق، أنت بدِّل له اسمه أثناء العام الدراسي في تعاملك معه، لا أقول بالسجلات فلها وضع آخر، وقت تقديم الشهادة تأخذ اسمه الصحيح، لكن أثناء التعامل اليومي أطلق عليه اسماً لطيفاً, ينتعش فيه هذا الطفل.
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: عن سعيد بن المسيِّب بن حَزْن, أعطيه الحُزن, والحَزَن هو المعروف، معروف عند الجميع، وهو ما يعتري النفس من ألم ..: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾
[سورة النمل الآية: 70]
الحُزن والحَزَن بمعنى واحد، لكن الحَزْن الأرض الوعرة.
قال عليه الصلاة والسلام: ((أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلاثًا, أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ))
الحَزْن الأرض الوعرة، أما الحَزَن والحُزن بمعنى واحد وهو الألم النفسي.
فعن سعيد بن المسيب بن حَزْن, عن أبيه, أنه جاء النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال: ((ما اسمك؟ قال: حَزْن, فقال: أنت سهل, قال: لا أغير اسماً سمَّانيه أبي, فقال بن المسيِّب فيما بعد: فما زالت الحزونة فينا بعد))
أي غلظ الوجه وشيءٌ من القساوة.
النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول لك: أنت سهل, وهو يقول: لا اسمي حزْن ويرفض تسمية النبي.
قال: فما زالت الحزونة فينا بعد.
والحزونة غلظ الوجه وشيءٌ من قساوة القلب.
امرأةٌ اسمها عاصية سمَّاها النبي جميلة، لماذا عاصية؟.
ما اسمكِ؟ قالت: ((أنا عاصية, فقال لها: بل أنتِ جميلة))
وامرأةٌ اسمها برَّة فقال عليه الصلاة والسلام: ((أنتِ زينب))
الأنسب أن يختار الإنسان اسماً مناسباً، والذي أعرفه أن الإنسان له الحق أن يبدِّل اسمه، فإذا لم يرق له اسمه الذي سماه به أبوه, فله الحق أن يبدِّل اسمه حتى في قيود الدولة وسجلاتها، هذا من حقوق الأبناء على الآباء.
الحقيقة: الأسماء القبيحة أسبابها عادة قبيحة، وعقليَّة قبيحة، وتصوُّر قبيح, إذ يزعم الجهلة أن هذه الأسماء القبيحة تقي صاحبها من الضرر، والهلاك، والموت، والآفة، والمرض، والحق أنه لا يقي الإنسان إلا الله عزَّ وجل، لكن النبي قال: ((العين حق، إن العين -أي عين الحسود- تضع الجمل في القدر، والرجل في القبر))
المحسود الغافل عن الله عزَّ وجل تؤثِّر فيه عين الحسود، أما المحسود المُقبِل على الله لا تؤثِّر فيه عين الحسود .
وللتعوُّذ موضوعٌ آخر إن شاء الله، التعوُّذ بالله من الحسد وغيره يحتاج إلى موضوع تفصيلي نتحدَّث عنه في وقتٍ آخر. ما ورد عن الغزالي في رياضة الصبيان :
نختار أيضاً من حقوق الأبناء على الآباء ما ورد في كتاب إحياء علوم الدين عن رياضة الصِبيان:
فاعلم أن الطريق في رياضة الصبيان -والمقصود هنا بالرياضة هي التربية- من أهم الأمور وأوكدها، والصبي أمانةٌ عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرةٌ نفيسة ساذجة، خاليةٌ من كل نقشٍ وصورة، وهو قابل لكل ما نُقِش، ومائلٍ إلى كل ما يمال به إليه، فإن عُوِّد الخير وعُلِّمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلمٍ له ومؤدِّب، وإن عوِّد الشر وأُهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له، وقد قال الله عزَّ وجل: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6195/ar-6195/05.jpg

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
[سورة التحريم الآية: 6]
إذا كان الأب يصونه عن نار الدنيا، فلأن يصونه عن نار الآخرة أولى، وصيانته عن نار الآخرة بأن يؤدِّبه ويهذبه -الكلام للإمام أبو حامد الغزالي- ويعلّمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قُرَناء السوء، ولا يعوِّده التنعُّم، ولا يحبِّب إليه الزينة وأسباب الرفاهية فيضيِّع عمره في طلبها إذا كبر، فيهلك هلاك الأبد، بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره، فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه, إلا امرأةً صالحةً متدينةً تأكل الحلال، فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه، إذا وقع عليه نشوء الصبي انعجنت طينته من الخبث, فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث, قال: فإذا رأى فيه مخايل التمييز -صار مدركاً- فينبغي أن يحسن مراقبته ..
((لاعب ولدك سبعاً، وأدِّبه سبعاً، وراقبه سبعاً، ثم اترك حبله على غاربه))
1-أن يعلمه الحياء :
وأول ذلك ظهور أوائل الحياء، فإنه إذا كان يحتشم ويستحي، ويترك بعض الأفعال, فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه، حتى يرى بعض الأشياء قبيحاً ومخالفاً للبعض الآخر، وهذه عندئذٍ هديَّةٌ من الله تعالى إليك وبشارةٌ تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب.
2-أن يعلمه الأدب في الطعام :
وأول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام، فينبغي أن يؤدَّب فيه, فلا يأخذ الطعام إلا بيمينه، وأن يقول عليه: بسم الله عند أخذه، وأن يأكل مما يليه، فقد ورد عن عمر بن أبي سلمة -رضي الله عنهما- قال: كنت غلاماً في حجر النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكانت يدي تطيش في الصحفة -أي يأكل من كل الأطراف- فقال لي النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((يا غلام, سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما, ومالك في الموطأ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6195/ar-6195/06.jpg
وأن يعوِّده ألا يبادر إلى الطعام قبل غيره، وألا يحدق النظر إليه، ولا إلى من يأكل، ولا أن يسرع في الأكل، وأن يجيد المضغَ، وألا يوالي بين الُّلقم، ولا يلطِّخ يديه ولا ثوبه، وأن يعوَّد الخبز القِفار في بعض الأوقات -من حين لآخر خبز فقط، هذا توجيه الإمام الغزالي - وأن يعوَّد في بعض الأوقات الخبز القفار حتى لا يصير الإدام حتماً.
-هذا مصداق قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم))
ويقبِّح عنده كثرة الأكل، ويمدح عنده الصبي المتأدِّب القليل الأكل، وأن يحبِّب إليه الإيثار بالطعام، وقلَّة المبالاة فيه، والقناعة بالطعام الخشن أي طعامٍ كان.
-ابن المقفَّع له صديق قال عنه: من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظَّمه في عيني, صغر الدنيا في عينيه، فكان خارجاً عن سُلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد, ولا يكثر إذا وجد. 3-أن يحبب إليه الثياب البيض دون الملون :
قال-: وأن يحبِّب إليه الثياب البيض دون الملوَّن، والإبريسيم -أي المعرَّق- فإن هذا من شأن النساء والمخنَّثين، وإن الرجال يستنكفون منه، ومهما رأى على صبيٍ ثوباً من إبريسيم أو ملوَّن, فينبغي أن يستنكره ويذمَّه.
4-أن يحسن تأديبه :
وإن الصبي إذا أهمل من ابتداء نشأته, خرج في الأغلب رديء الأخلاق، كذَّاباً، حسوداً، سروقاً، نمَّاماً، لحوحاً، ذا فضول، وضحك، وكِياد، ومجانة -أي من المجون-, وإنما يُحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب، ثم يُشغل في المكتب؛ فيتعلَّم القرآن، وأحاديث الأخبار، وحكايات الأبرار وأحوالهم، ليغرس في نفسه حب الصالحين, ويحفظ من الشعر والنثر الأدبي ما يقوِّم لسانه، ويجعله محباً للغة العربيَّة وعاشقها.
5-أن تثني عليه إذا رأيت منه خلقاً حميداً :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6195/ar-6195/07.jpg
-قال-: فإذا ظهر على الصبي خُلقٌ جميل وفعلٌ محمود، فينبغي أن يكرَّم عليه -يجب أن تثني على ابنك إذا رأيت منه خُلقاً حميداً؛ أمانةً، وفاءً، صدقاً- ويجازى عليه لما يفرح به، وأن يُمدح بين أظهر الناس، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرَّةً واحدة, فينبغي أن يتغافل عنه.
-غلط غلطة ننتقده انتقاداً صارخاً أمام الناس على غلطة واحدة، لا, فهذا لا ينبغي أن نفعله, وكما جاء في وصية الغزالي: فإذا خالف ذلك في بعض الأحوال مرَّةً واحدة, فينبغي أن نتغافل عنه, وأن لا نهتك ستره، وألا نكاشفه، ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر على أحدٍ مثله, أي أن التغافل على أخطاء قليلة حكمةٌ تربويَّة، أما إذا عاد ثانيةً يُعاتب عتاباً رقيقاً فيما بينك وبينه، ويقال له: إياك أن تعود إلى ذلك مرَّةً ثانية.
قال-: وليكون الأب حافظاً مع ابنه هيبة الكلام، فلا يوبِّخه إلا أحياناً، والأم تخوِّفه بالأب, وتزجره عن القبائح.
6-أن يمنع الابن من النوم نهاراً فإنه يورث الكسل وألا يمنع منه ليلاً :
-قال-: وينبغي أن يمنع الابن من النوم نهاراً, فإنه يورِّث الكسل، وألا يمنع منه ليلاً، ولكن يُمنع الفُرش الوطيئة حتى تتصلَّب أعضاؤه -الفرش الوثيرة المريحة هذه تعوِّده النوم-, وينبغي أن يمنع من كل فعلٍ يفعله خفيةً، فإنه لا يخفيه إلا وهو يعتقد أنه قبيح، فإذا تعوَّد ترك فعل القبيح فقد تعوَّد شيئاً طيباً، ويعوَّد في بعض النهار المشي والحركة والرياضة, حتى لا يغلب عليه الكسل، ويعود ألا يكشف أطرافه, وألا يسرع في المشي، وألا يرخي يديه, بل يضمهما إلى صدره.
7-أن يمنع أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه أبوه :
ويُمنع أن يفتخر على أقرانه بشيءٍ مما يملكه أبوه -أبي كذا، أبي عنده بيته، سيارته، حاجته- أو بشيءٍ من مطاعمه وملابسه، أو أدواته، بل يعود التواضع والإكرام لكل من عاشره, ويُمنع أن يأخذ من الصبيان شيئاً بطريق الحيلة، بل يعلم أن الرفعة في الإعطاء والدناءة في الأخذ، وإن كان الأخذ من أولاد الأغنياء لؤمٌ وخسَّة، فإن الأخذ من أولاد الفقراء يعلِّم الطمع والمهانة والذِلَّة -على الحالتين- وأن يُقبَّح عند الصبيان حب الذهب والفضَّة والطمع فيهما.
8-أن يعود ألا يبصق في مجلسه وألا يتمخط ... :
ويعوَّد ألا يبصق في مجلسه، وألا يتمخَّط، ولا يتثاءب بحضرة غيره، وألا يستدبر غيره ، وألا يضع رجلاً فوق رجل، وألا يضع كفَّه تحت ذقنه، ولا يعتمد رأسه في ساعده, فإن هذا دليل الكسل، ويعلِّم كيفية الجلوس, ويمنع كثرة الكلام، ويمنع أن يبتدئ بالكلام، ويعلَّم ألا يتكلَّم إلا جواباً, وبقدر السؤال، ويعلَّم حسن الاستماع ممن هو أكبر منه سناً، وأن يقوم لمن هو أكبر منه سناً، ويوسِع له في المكان، ويُمنع من لغو الكلام والفُحش، ومن اللعن والسب، ومن مخالطة من يجري على لسانه شيءٌ من ذلك.
9-ينبغي ألا يكثر الصراخ والشغب إذا ضربه المعلم ولا يستشفع بأحد بل يصبر :
وإذا ضربه المعلِّم ينبغي ألا يكثر الصُراخ والشَغَب -هذه الزعبرة- ولا يستشفع بأحد بل يصبر، وينبغي أن يعلَّم طاعة والديه ومعلِّمه ومؤدِّبه، وكل من هو أكبر منه سناً من قريبٍ أو أجنبيٍ، وأن ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم، وأن يترك اللعب بين أيديهم.
هذا فصل ورد في إحياء علوم الدين عن رياضة الصبيان - تأديب الصبيان- وهو فصلٌ تربويٌ مهمٌ جداً, إذا أخذ الأب به، وإذا طبَّقه بقدر إمكانه, ولكن الظروف صعبةٌ جداً، أي قبل أن تستطيع أن تؤثِّر بابنك هناك ألف مؤثِّرٍ آخر، كما قال الله عزَّ وجل:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾
[سورة الروم الآية: 41]
فأرجو أن يكون هذا الكلام واقعياً، لكن قبل سنواتٍ طويلة، قبل مئات السنين, كان الجو جواً صحياً، والأخلاق هي السائدة، والحكمة هي المسيطرة . الخاتمة:
وفي درسٍ آخر -إن شاء الله- هناك واجباتٌ كثيرة هي على الآباء تجاه أبنائهم؛ تعليم القرآن، وتعليم السباحة، والرماية، وركوب الخيل، والخِتان، والأذان في أذنه، وتحنيكه، والعقيقة.
أشياء كثيرة -إن شاء الله- نأخذها في الدرس القادم تتميماً لموضوع حقوق الأبناء على الآباء : ((ورحم الله والداً أعان ولده على برِّه))

السعيد
09-05-2018, 09:12 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الثامن )


الموضوع : تاديبة بالادب الاسلامى - وصايا لقمان لابنة



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من حقوق الأبناء على الآباء أيضاً :
4-أن يؤدب الأب ابنه بالأدب الإسلامي :
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع حقوق الأبناء على آبائهم، وربَّما كان هذا الدرس هو الدرس الأخير في هذا الموضوع.
من حقوق الأبناء على آبائهم: أن يُؤدَّب بالأدب الإسلامي.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6210/ar-6210/01.jpg
كل دينٍ، أو كل مذهبٍ، أو كل مبدأٍ، أو أية حضارةٍ هي مجموعة أفكار، ومجموعة قيَم، ومجموعة أخلاقيات، وقد يعبَّر عنها بالأدبيات، الإسلام له أفكاره، وله قيمه، وله آدابه.
هناك آداب الاستماع، آداب الحديث، آداب الطريق، آداب طلب العلم، آداب تلقين العلم، هناك آداب الزوج مع زوجته، آداب الزوجة مع زوجها، آداب الجار مع جاره، في الإسلام بعامة وفي السُنَّة المطَّهرة بخاصة موضوعٌ كبيرٌ ويحتل مساحةً كبيرةً: إنه موضوع الآداب.
فالابن فضلاً عن أن الأب مُلزم عن أن يعلِّمه مبادئ الإسلام، وأن يعلِّمه قيم الإسلام, عليه أن يؤدِّبه بأدب الإسلام.
ومرَّةً ثانية أوضِّح حقيقةً دقيقةً جداً هي: أن الأب دوره كدور الطبيب, عليه أن يبذل قُصارى جهده، أما أن يكون تحقيق النجاح محاسباً عليه, فهذا شيءٌ فوق طاقته، لأن الله عزَّ وجل خاطب النبي -عليه الصلاة والسلام وهو سيِّد المُربين، وإمام المعلِّمين، وسيِّد العلماء، وسيد الأتقياء، وأخشع خلق الله-, قال:
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية: 272]
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾
[سورة هود الآية: 86]
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾
[سورة الغاشية الآية: 21-22]
سيدنا نوح -عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام- كان من أنبياء الله عزَّ وجل، ومع ذلك لم يتمكَّن أن يلقِّن العلم الشريف لابنه الذي هو من صُلبه.
أقول هذا الكلام لأن موقف الأب يجب أن يكون دقيقاً جداً، لو أنه أهمل فهو محاسبٌ على إهماله، لو أنه عجز عن تحقيق الهدف الذي أراده الله من الإنسان في ابنه, نقول له: إن هذا العجز لست محاسباً عليه، لأن الطبيب عليه أن يبذل قُصارى جهده وليس عليه ضمان الشفاء، هذه حقيقةٌ مسلَّمٌ بها لا تقبل الأخذ والرد. ما دور الكلام في نقل الآداب وما دور الكلام في نقل القيم؟ :
فعلى الأب أن يؤدَّب ابنه بالآداب الإسلاميَّة، ولكن وهذه كلمةٌ صريحة: ما دور الكلام في نقل الآداب؟ ما دور الكلام في نقل القيَم؟ .
إن دور الكلام دورٌ ضئيلٌ جداً، محدودٌ جداً، ولكن يكفي أن يتأدَّب الأب بالأدب الإسلامي، وأن يكون في بيته مسلماً صادقاً، يكفي أن يَصْدُق ليعلِّم أبناءه الصدق من حيث لا يشعر ولا يشعرون، لمجرَّد أن يكشف الابن أن الأب يكذب على أمِّه، وأن الأم تكذب على الأب، وأن الأخ يكذب على أخيه, هذا اسمه كذبٌ ممارس، الواقع فيه كذب، فالابن يتعلَّم من الواقع أضعاف ما يتعلَّم بالتلقين، من هنا قالوا:
لغة العمل أبلغ من لغة القول.
المسلمون في أندونيسيا أسلموا لا عن طريق الدعوة؛ ولكن عن طريق الممارسة، عن طريق المعاملة .
في موسم الحج الماضي, حدَّثني أخٌ كريم فقال لي: التقيت برجل من أوروبا، هو في عرفات يدعو ويبكي، مظهره يُنْبِئُ عن أنه ليس عربياً، وليس من بلاد الشرق الأوسط، فلما سأله, عرف أنه من دولةٍ في قلب أوروبا، أول سؤالٍ يخطر في باله: كيف أسلمت؟ أو لماذا أسلمت؟ فكانت الإجابة في منتهى البساطة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6210/ar-6210/02.jpg
إن طالباً مسلماً سكن في بيته، هذا الطالب رآه مثلاً أعلى في الاستقامة؛ عفَّةٌ ما بعدها عفَّة، صدقٌ ما بعده صدقٌ، جديَّةٌ ما بعدها جديَّة، انضباطٌ، صلاةٌ، ذكرٌ، عبادةٌ، من حيث لا يشعر, هذا الطالب ترك أبلغ تأثيرٍ في هذا الإنسان، وكان إسلام هذا الرجل على يد هذا الطالب، وجاء إلى بلاد الحجاز ليؤدي الفريضة.
إذاً: هذه كلمة أقولها من القلب: الإسلام الآن لا يحتاج إلى كلام، الكلام ولا سيما في هذا العصر, هناك منه طَوَفان، أو هناك طُوفان، أي من الكلام، الكتابات، المقالات، الكتب، التسجيلات، الخُطَب، المحاضرات، الندوات بلغت من الكثرة، والعمق، والتفنُّن، والتنوُّع، والقدرة على التأثير الحَدَّ الأقصى، وما لهؤلاء الناس لا يرتدعون، ولا يؤثِّر فيهم هذا الكلام؟ لأن لغة العمل أبلغ من لغة القول .
أنا أقول لكم هذه الكلمة: "بدأ الدين غريباً وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء.
الآن لا يؤثِّر في أخيك، ولا في جارك، ولا في زميلك، ولا في صديقك، ولا في أي إنسان تلتقي به, لا يؤثِّر فيه دقة الفكرة ولا دليلها، بل يؤثِّر فيه الموقف الإسلامي؛ أن تكون صادقاً، أن تكون منضبطاً، أن تكون عفيفاً، أن تكون سَخياً، أن تضع المادة تحت قدمك من أجل مبدئك، أن تكون عند وعدك، عند ما تقول، فإذا كان هذا هو الطريق الوحيد لنشر الدين في الأوساط، فأن يكون الطريق الوحيد لتلقين أولادك: فمبادئ الإسلام وقيمه وآدابه من باب أولى, لذلك قبل أن تقول لأولادك: عُدَّ للألف وللمليون, هل أنت في مستوى هذا القول؟ إن دعوتهم إلى الصدق فهل أنت صادق؟ إن دعوتهم إلى أن يفعلوا كذا وكذا فهل تسبقهم أنت إلى فعل كذا وكذا؟ هذه الازدواجيَّة في شخصية الإنسان هي الطامَّة الكبرى في هذا العصر, هناك شرخٌ كبير بين ما تعتقده، وبين ما تؤمن به، وبين ما تدعو إليه، وبين ما تمارسه في حياتك اليوميَّة، هذا الشرخ الكبير، هذه الهوة الكبيرة, فصلت الإسلام عن الحياة .
ما تسمعه في المسجد، ما تسمعه من خطيب المسجد, كلامٌ طيب مائة في المائة، ولكن ما تراه في الحياة اليوميَّة شيءٌ آخر مختلفٌ كل الاختلاف، لذلك الكلمة الفصل، والكلمة الصادقة:
إذا أردت أن تربي أبناءك على أي شيء, لا تنتظر أن يكونوا كما تريد, إن لم تكن أنت كما يريد الإسلام، إذا كنت أنت عاجزاً عن أن تكون صادقاً, فأولادك أعجز عن الصدق منك، إذا كنت أنت عاجزاً عن أن تضبط شهواتك، يكفي أن يراك ابنك تستقبل امرأةً لا تحلُّ لك؛ قريبة أو صديقة، أو، أو ....، ويكفي أن ينظر إليك, وأنت تدير معها حديثاً لطيفاً, وأنت تملأ عينيك منها، أي كلامٍ تقوله لابنك عن غض البصر، وعن العفَّة، وعن كلامٌ لا قيمة له إطلاقاً، يجب أن يرى الابن من أبيه الصدق، العفَّة.
من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
((الإسلام عفيفٌ عن المحارم، الإسلام عفيفٌ عن المطامع))
إذا أردنا أن نوسِّع الدائرة فهذا ممكن, دعونا من تربية الأبناء ووسِّعوا الدائرة إلى الدعوة إلى الله، لن تستطيع أن تؤثِّر في إنسان كائناً من كان, إن رأى هذا الإنسان مسافةً بين أقوالك وأفعالك، الكلام سهل، لذلك قال بعض الأدباء:
إن أكثر الناس يستطيعون الحديث عن المُثُل العُليا، ولكنهم لا يستطيعون أن يعيشوها.
أي لك أن تقول: هذه حقوق الأم, ولكن البطولة أن تعرف هذه الحقوق وأنت متزوِّج، حينما تصطدم أمك مع زوجتك، تقف مع من؟ تقف مع مبدئك أم مع شهوتك؟ تقف مع مصلحتك العاجلة أم مع مصلحتك الآجلة؟. كيف أؤدب ابني بالأدب الإسلامي؟ :
لذلك هذه الكلمة لا بدَّ منها تقديماً لهذا الموضوع الدقيق؛ أي يا رب كيف أؤدِّب ابني بالأدب الإسلامي؟ يجب أن تكون أنت مسلماً، يجب أن يكون هذا البيت إسلامياً، يجب ألا تعد وعداً إن لم تكن متأكِّداً من أن توفيه, الطفل يصدِّق كل ما تقوله له، لقد وعدته بمكافأةٍ إذا نجح ، وها هو ذا قد نجح أين المكافأة؟ هو لا يعرف أنك لا تملك مالاً ولكن يعرف أنك وعدته، أنت أبوه وهو يظن كما يقولون: المرأة والطفل الصغير يحسبان الرجل على كل شيءٍ قدير, هكذا تظن المرأة وابنها في وقتٍ واحد، فإذا كنت لست متأكِّداً من قدرتك على أن تفي بوعدك فلا تعد؛ أي علِّم ابنك قدسيَّة الكلمة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6210/ar-6210/03.jpg
أنا ألاحظ ملاحظة هي مشكلة؛ على مستوى الأقارب، على مستوى الأصحاب، الأصدقاء، على مستوى الجيران، على مستوى العلاقات اليوميَّة، تطلب طلباً: أنا بحاجة لهذا الشيء, تجد أربعة أو خمسة اندفعوا اندفاعاً عجيباً لتقديم خدماتهم، تنتظر يوم الأحد، والاثنين, والثلاثاء، والأربعاء، بل يمضى أسبوع واثنان وثلاثة ولا تجد استجابةً لهذا الطلب، فلماذا؟
هذا الذي قال لك: أنا سأفعل هذا, هذا كلام، أما وعد الحر دين، أنت ابق صامتاً، الصامت في سلام، والمتكلِّم إما له أو عليه، أنت إذا كنت لست متأكِّداً من قدرتك على أن تفي بما وعدت فابقَ صامتاً، فهذا أشرف موقف تقفه.
أحياناً الأخ يزور أخته، تشكو له بعض ما هي بحاجةٍ إليه, فيقول لها: هذه اتركيها لي، وهذه على عيني, الأخت تصدِّق, وتنتظر الأسبوع والأسبوعين، والشهر والشهرين، ولا من مجيبٍ، ولا من سميعٍ، ولا من قريب، فهذه المشكلة أن الوعود كثيرة، التبجُّح كثير، التوجيه كثير، الوعظ كثير، ولكن التطبيق قليل، فلذلك قبل أن تفعل شيئاً:
يا أيها الرجل المعلِّم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليمُ؟
ابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
لا تنه عن خُلُقٍ وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ
هذه أبياتٌ بليغة.
والآن يطالعنا سؤال دقيق: ما هو الفرق الجوهري بين دعوة الأنبياء -عليهم صلوات الله- وبين دعوة الدعاة؟.
الفرق الجوهري هو: أنك لن تجد في حياة النبي أي مسافة بين ما يقول وبين ما يفعل، هذا هو ملخَّص ملخَّص الملخَّص، إذا أردت أن تؤثِّر في الناس فكن في مستوى دعوتك، إذا علَّمت الناس السُنَّة طبِّقها قبل أن تعلمهم إياها، إذا علَّمت الناس أدب التواضع كن متواضعاً، إذا علَّمت الإنسان أدب إنكار الذات أنكر ذاتك أولاً، إذا علَّمت الناس أدب التوكُّل توكَّل أنت قبلهم، إذا علَّمت الناس أدب السخاء كُن سخياً قبل أن تعلِّمهم السخاء، هذا إذا فعلناه رضي الله علينا جميعاً، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: ((إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما, ومالك في الموطأ]
الأبوة مسؤولية :
من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
((أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم))
[أخرجه ابن ماجة في سننه]
سبحان الله! هناك جبلَّةٌ جبلها الله عزَّ وجل في قلب كل أب، هذه الجبلَّة هي الحرص على أولاده، ولكن المشكلة أنك تحرص على أولادك من زاوية نظرك، من وجهة نظرك، فالأب الذي لا يعرف الله عزَّ وجل يحرص على مستقبل أولاده وفق تخطيطه هو، هذا الذي يسميه الناس ضالٌ مُضل، يحب أن يكون أولاده أحراراً في أعمالهم، وفي حركاتهم، وفي سكناتهم، ولا يتأثَّر كثيراً إذا رأى انحرافاً, لا بدَّ من أن يكون ابنه كذا وكذا، لذلك تعلُّم الأب فرض عينٍ قبل أن يُعَلِّم، الأبوَّة مسؤوليَّة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6210/ar-6210/04.jpg
فكل إنسان يتزوَّج ينجب أولاداً، هذا في مقدور أي إنسان؛ جاهل، عالم، عظيم، تافه، أخلاقي، لا أخلاقي -أمر واضح- كائن مع كائن ينجبان مولوداً، ولكن الأبوَّة في الإسلام مسؤوليةً قبل أن تكون مُتعة، مسؤوليَّة كبيرة، هذا الذي أنجبته له حقٌ عليك.
النقطة التي ذكرتها لكم في الدرس السابق: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لماذا جعل الدِرهم الذي تنفقه على عيالك خيراً من أي درهمٍ آخر؟ لأن إنفاق المال على الفقراء مثلاً قد تنفق عليهم أنت وهناك آخرون ينفقون عليهم، أي هو بابٍ من أبواب الخير, إن امتنعت أنت عن الإنفاق تقدَّم غيرك، ولكن رعاية الأولاد، هؤلاء الأولاد إن تخليت أنت عنهم من لهم؟ ليس لهم أحد، من هنا كان الدرهم الذي تنفقه على عيالك أو على أولادك خيراً من أي درهمٍ آخر، كما قال عليه الصلاة والسلام في مقدمة هذا الموضوع.
والحديث الثاني: عن أيوب بن موسى, عن أبيه, عن جده, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((ما نحل والدٌ ولداً أفضل من أدبٍ حسن))
معنى نحل؛ أي أعطى.
قلت لكم سابقاً فكرةٌ مهمة أُعيدها مرة ثانية:
الله سبحانه وتعالى جعل في الأرض معايش، معنى معايش: أي جعل في الأرض أبواباً لكسب الرزق، كل واحد له حرفة؛ هذا مدرِّس والتدريس بابٌ لكسب الرزق، هذا محامِ والمحاماة بابٌ لكسب الرزق، هذا موظَّف، هذا صاحب مهنةٍ يدويَّة -حرفةٍ يدويَّة-, كل إنسانٍ يعيش من عملٍ والناس في أمس الحاجة إليه، وهذا تصميم الله عزَّ وجل، فالإنسان يُتقن عملاً واحداً, وهو بحاجة إلى آلاف آلاف الخدمات والحاجات، الحياة تقوم على العلاقة المتبادلة , كذلك ربنا سبحانه وتعالى جعل في الحياة الدنيا أبواباً للعمل الصالح لا تعد ولا تحصى, الأسرة أحد أكبر هذه الأبواب؛ أي يكفي أن تكون زوجاً مثالياً، أن ترعى زوجتك، أن تحملها على طاعة الله، أن تعرِّفها بأمر آخرتها، أن تعطيها سؤلها بالمعقول من دون شطط، من دون إسراف، من دون تبذير، من دون مباهاة، أن تكفيها مؤنتها، أن تطمئنها لا أن تهددها بالطلاق صباح مساء، يكفي أن تبثَّ في قلبها الأمن والطمأنينة، وأن تطعمها مما تأكل، وأن تلبسها مما تلبس، وأن توقِّرها توقيراً يليق بها كزوجة شريكة حياة، هذا بابٌ كبير من أبواب العمل الصالح.
أولادك يكفي أن تحرص على مستقبلهم، يكفي أن تحرص على هدايتهم، يكفي أن تسعى لتنشئتهم نشأةً صالحة, بناتك يكفي أن ينشأن على طاعة الله ورسوله، يكفي أن تكون هذه البنت وفق ما أراد النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأن تبحث لها عن زوجٍ مؤمن, فإن في هذا المسعى عملاً عظيماً هو مدخلٌ لك على الله عزَّ وجل. الأبواب المفتحة إلى الجنة لا تعد ولا تحصى :
الآن أوسِّع الدائرة؛ حرفتك, عملك يكفي أن تتقنه، وأن تكون صادقاً فيه، وألا تغش به المسلمين، وأن تمارسه وفق الشرع، وأن تبتغي به خدمة المسلمين, حتى ينقلب هذا العمل إلى عملٍ صالح.
فأحياناً الإنسان يتوهَّم أنه عدداً قليلاً من الناس فقط لهم عند الله مكانة كبيرة، أقول: إن هذا وهم, فحسب ظنه أن الذي يبني هذا المسجد، وهذا الداعية، وهذا الخطيب مثلاً فقط هم أصحاب الخطوة عند الله، لا, أنت أنت أيها الأخ الكريم بحرفتك، وعملك اليومي، وفي بيتك، ومع زوجتك وأولادك، وفي علاقاتك الاجتماعيَّة إذا أوقعتها وفق منهج الإسلام، وضبطت عملك, هذه كلها أبوابٌ لدخول الجنَّة، فهل من المعقول أن يكون كل الناس دعاة؟ لا، وكن أنت صاحب مهنة، صادق، مستقيم، أمين، تنصح المسلمين، تبتغي بعملك هذا خدمة المسلمين, هذا بابٌ كبير من أبواب دخول الجنَّة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6210/ar-6210/05.jpg
فأنا أريد أن أقول: إن الأبواب المفتَّحة للجنَّة لا تعد ولا تحصى، وذو مكانة عند الله كثيرون.
شيءٌ آخر: عن عبد الله بن عامر -رضي الله عنه -هذا الحديث يؤكِّد كل هذا الكلام الذي قيل قبل قليل- قال:
((جاء النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى بيتنا -يبدو أن بينهم قرابة- وأنا صبيٌ صغير، فذهبت لألعب, فقالت لي أمي: يا عبد الله تعالَ أعطيك, فقال عليه الصلاة والسلام: ما أردتِ أن تعطيه؟ قالت: تمراً، فقال عليه الصلاة والسلام: أما إنكِ لو لم تفعلي ذلك لكُتبت عليكِ كذبة))
فعليك أن تمارس مع ابنك الصدق قبل أن تأمره بالصدق .
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: ((أخذ الحسن بن علي تمرةً من تمر الصدقة فجعلها في فيه
-أحياناً الأب لا يبالي ماذا يأكل ابنه؛ من طعام حلال، من طعام حرام، هذا الشيء يجوز أكله، أو لا يجوز أكله؟ شاهد معه حاجة ليست له, فلم يسأله: من أين هي؟ هذا الذي لا يبالي, ربَّما شجَّع ابنه على أكل مالٍ حرام وهو لا يدري-.
فقال عليه الصلاة والسلام لحفيده الحسن، وقد أخذ تمرةً من تمر الصدقة: كخ كخ -هذه كلمةٌ فصيحة وهي اسم فعل: ارم بها- أما علمت أَنَّا لا نأكل الصدقة؟))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
هذه حرام، فإذا مرَّ الأب على بائع وأكل شيئاً من هذا المبيع وهو لا ينوي الشراء، على مرأى من ابنه، صار عند ابنه شعار: ضع في الخُرج, هذا شعار آخر: لا تدقِّق، أما إذا تعفَّف الأب انتبه الابن، وصار لديه انضباط، لذلك مرَّ بنا سابقاً أنه:
من أكل لقمةً من حرام جُرِحَت عدالته.
تطفيفٌ بتمرة تجرح العدالة.
عندنا قاعدة شهيرة جداً: لا يستقيم الظلُ والعود أعوجُ.
أحضر عوداً أعوج وضعه في الشمس، هل يمكن أن يأتي ظلُّه مستقيماً؟ مستحيل، متى يستقيم العود والظل أعوج؟ والبيت الشهير الذي تعرفونه جميعاً:
إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيتِ كلُّهم الرقص
فالأب كما قلت لكم سابقاً: يكون ابنه في سن لا يُجدي معه إلا الملاعبة والمداعبة. ((لاعب ولدك سبعاً .
-طفل صغير، هذا الذي يستيقظ ليضرب ابنه ضرباً مبرِّحاً, إذا بكى في الليل وأيقظه، وعمره سنتان، هذا ليس أباً، هذا الإنسان ليس في مستوى أن يكون أباً لولد، من عام لسبعة أعوام, هذا الطفل الصغير يحتاج إلى إيناس، يحتاج إلى ابتسام، يحتاج إلى ملاعبة، يحتاج إلى أن تهبِط إلى مستواه، يحتاج إلى أن تمضي معه فترةً في تأليف قلبه، فالنبي على عظمة شأنه ، وعلى عِظَمِ قدره كان يمشي على أربع، ويركب الحسن والحسين على ظهره, ويقول: ((نعم الحملان أنتما، ونعم الجمل جملكما))
((نعم الجمل جملكما, ونعم العدلان أنتما))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
من كان له صبي فليتصابى له .
وكانت الجارية تأخذ بيد رسول الله -البنت الصغيرة جداً- وتمضي به حيث تشاء.
الآن-: لاعب ولدك سبعاً، وأدبِّه سبعاً))
من السابعة إلى الرابعة عشرة تأديب، تكلَّم الابن قليلاً خلاف الحق, أو أخذ ما ليس له، أو نظر نظرةً غير مؤدَّبة، فيجب أن تؤدِّبه باستمرار, لكن ما هي المشكلة؟.
أنه أحياناً ألف إنسان ينظِّف, لا يستطيع أن يزيل أثر إنسان يوسِّخ، فكيف إذا كان منظِّف واحد وألف موسِّخ؟ اعكسوها, الإنسان أحياناً بحكم الفساد الاجتماعي العام، يجد مصدراً واحداً للتوجيه وألف مصدرٍ للإفساد، على كلٍ؛ وأدِّبه سبعاً. وصية لقمان لابنه وهو يعظه:
1-أن يتقي الله :
هناك وصية لسيدنا لقمان مأثورة عن هذا النبي الكريم, وهي من وصايا كثيرة أثرت عنه، وبعضهم يقول: هو ليس نبياً، على كلٍ؛ ورد ذكره في القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾
[سورة لقمان الآية: 13]
قد تواجهك مرحلة لا تملك عندها إلا التوجيه الصحيح وأن تكون قدوةً، وعلى الله الباقي.
يا بني, اتخذ تقوى الله تعالى تجارتك, يأتك الربح من غير بضاعة.
أول ملاحظة: استقيموا ولن تحصوا:
-استقم على أمر الله, واجعل تجارتك أن تكون مستقيماً على أمر الله، ولا تسأل عن كثرة الخير الذي سيأتيك من كل جانب-. 2-أن يحضر الجنائز :
النصيحة الثانية: يا بني احضر الجنائز فإن الجنائز تذكِّرك بالآخرة.
-الجنائز تذكر بالآخرة، فأحياناً الشباب في مرحلة من حياتهم, أسقطوا من حساباتهم كلياً موضوع الموت، أو موضوع مغادرة الدنيا، هناك مفاجآت، فكم من شابٍ مات في مقتبل العمر؟! هذه الفكرة الخاطئة أنا شاب الآن، هذا كلام غير صحيح، نسمع كل يوم بنعوات الشاب أو الشابَّة، أو فلانة الوالدة مع ابنها، إذاً الموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً. فالنصيحة الثانية: أن يتجه الشاب إلى أمر الآخرة-. 3-أن يستيقظ في وقت السحر :
يا بني, لا تكن أعجز من هذا الديك الذي يصوِّت بالأسحار, وأنت نائمٌ على فراشك.
-أي في الصباح ساعة فيها من التجلِّي، وفي من البركات والخيرات لا يعلمها إلا الله.
((لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا))
ربنا عزَّ وجل في هذا الوقت يتجلَّى على عباده، فلذلك هناك من يستيقظ ليأخذ من هذا التجلِّي شيئاً، وهناك من يمضي هذا الوقت نائماً.
على كلٍ؛ الله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي : ((إن اللّه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر))
-. 4-أن لا يؤخر التوبة :
يا بني, لا تؤخِّر التوبة فإن الموت يأتي بغتة.
-لذلك مرَّ معي أن من أدعية المصطفى -صلى الله عليه وسلَّم-: اللهمَّ اغفر لنا ذنوبنا, وإسرافنا في أمرنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
هذا دعاء قرآني كان النبي -عليه الصلاة والسلام- كثيراً ما يتمثَّله.
وهناك شيء آخر هام جداً: "اللهمَّ تب علينا من نسيان التوبة، وتب علينا من تأخير التوبة.
نسيان التوبة ذنب يضاف إلى ذنب الذنب، وتأخير التوبة ذنب، أيضاً وبعض الشباب دائماً يردد: أنا شاب، وغداً أتوب, وقد قال عليه الصلاة والسلام:
((ويحك! أو ليس الدهر كله غدا؟))
والقول الشهير: هلك المسوِّفون- . 5-أن لا يرغب في ود الجاهل :
يا بني, لا ترغب في ود الجاهل, فيرى أنك ترضى عن عمله.
-إذا أثنيت على جاهل فكأنك تثني على جهله، من هنا الحديث الشريف:
((إن الله يغضب إذا مُدِحَ الفاسق))
إذا مدحت فاسقاً أمام ابنك، هو لا يصلي، يشرب الخمر، يا أخي لطيف، تقول عنه لابنك : مهذَّب، لبق، ذكي، شاطر، فإلى أين أنت مندفع في ثنائك الزائف؟ ابنك يصدِّقك، إذا خلعت على هذا الإنسان العاصي لربه، المقترف للكبائر, ووصفته بكل صفات الأدب, والذكاء، واللطف، فهذه مشكلة، يجب أن تسكت, وإلا فإنك تكون قد وضعت ولدك في خصم المتناقضات ...: ((إن الله يغضب إذا مُدِحَ الفاسق))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6210/ar-6210/06.jpg
يغضب، حينما تمدح الفاسق ماذا تفعل؟ تجعل القيم تضطرب في ذهن ابنك.
لذلك: أحياناً في القصص والأعمال التي تجسِّد هذه القصص في بعض أجهزة اللهو، ما الذي يحصل؟ أن شخصيةً من الشخصيات يسبغ عليها كاتب القصَّة البطولة، الشهامة، المروءة، حب الآخرين، حب خدمة الناس، الصدق، الأمانة، كل الصفات البطوليَّة تُسْقَطُ على هذه الشخصيَّة، ومع ذلك يشرب الخمر، ولا يأبه لأوامر الله عزَّ وجل، إذا قرأ الإنسان هذه القصَّة، أو شاهدها ممثَّلةً، ماذا يحصل؟ هذه القيم تتسرَّب إلى أعماقه، إلى عقله الباطن، فأخطر ما في القصَّة إذا أراد الكاتب منها تدمير القيَم هذا الخطر الماحق، إذ أن كل صفات البطولة يخلعها كاتب القصَّة على شخصيَّةٍ ما، وفي الوقت نفسه يظهر أن هذه الشخصيَّة ليست منضبطة بأوامر الدين، في أعماق أعماق المشاهد أو القارئ, يتسرَّب إلى عقله الباطن: أن البطولة ليس من مقوماتها معرفة الله ولا طاعته، بل إن المعصية من لوازم البطولة.
يكفي خطراً أن تبرز امرأةً, وتصفها بأنها دينةً, مع أنها ثرثارة، أو مهملة لأولادها، وأنها جاهلة، أو أن تظهر امرأةً متبرِّجةً متفلِّتةً من كل أدبٍ إسلامي على أنها امرأةٌ صالحة، وزوجةٌ ناجحة، صادقة، مربِّية، مخلصة لأولادها، ترعى زوجها، مثل هذه المتناقضات في الأحكام, كمن أن تقضي على مجتمعٍ بأكمله, وتحيله إلى ضلال في السلوك والعقيدة، والضلال ضياع وكفر, لذلك:
إذا قرأت أدباً, وشعرت أنه حرَّك مشاعرك العُليا وتفكيرك المرتفع, فأنت أمام فنٍ رفيع، فإذا لم يحرِّك هذا الأدب إلا المبتذل من مشاعرك، والتافه من تفكيرك, فأنت أمام فنٍ رخيص، ويستطيع الكاتب الرخيص؛ كاتب القصَّة الرخيص، كاتب الشعر الرخيص، كاتب المقالة الرخيص, يستطيع إذا آتاه الله مقدرةً أدبيَّةً رائعة أن يدمِّر مجتمعاً بأكمله.
يجب أن تعرف ماذا يقرأ ابنك؟ إذا جئت بمطبوعات من المستوى الهابط إلى البيت, فتعلم أن هذا يُقرأ من قِبَل الزوجة والأولاد، إذاً من أنت؟ أنت وعاء تفكيرك، تصوراتك محصلة ما يملأ في هذا الوعاء, فهذا الذي يعاشر رفاق السوء، هذا الذي يعاشر أناساً متفلِّتين من أوامر الدين، هؤلاء يبثون فيه قيماً أخرى غير قيم الدين، يبثون فيه عادات ليست إسلاميةً ، يبثون فيه مبادئ ليست إسلاميَّة، لذلك أنت أو ابنك في النهاية وعاء، ماذا يصبُّ في هذا الوعاء؟.
فإذا كنت ممن يقرأ القرآن، ممن يقرأ سُنَّة النبي العدنان، إذا كنت ممن يحضر مجالس العلم، إذا كنت ممكن يقرأ كتاباً إسلامياً يغذي قلبه وعقله, فأنت في النهاية إنسانٌ مبدؤك صحيح، قيمك صحيحة، وكذلك عاداتك وتقاليدك وأخلاقك، أما إذا سمحت لمُغَذِّياتٍ أخرى، لثقافاتٍ أخرى، للباطل المزيَّن المزخرف أن يملأ بيتك، عن طريق كتاب، أو مجلَّة، أو قصَّة، هناك أثر للقصَّة لا يعرفه إلا المختصّون، أن تقرأ ما تشاء هذا غذاء، حتى إن هناك دراسات –الآن- تؤكِّد: أن أكثر الجرائم التي يرتكبها الصغار، والراشدون، والمراهقون, إنما هي مستقاةٌ بشكلٍ أو بآخر مما يرونه من خلال الأعمال الفنيَّة التي تجسِّد بعض القصص.
حدَّثني رجل أثق به, فقال لي: في بعض القصص التي انقلبت إلى قصص مشاهدة، ثلاث عشرة خيانة زوجيَّة، لو أن شابةً رأت هذا العمل الفني، فإن الخيانة الزوجية لديها تصبح شيئاً بسيطاً جداً, يمكن أن تفعله المرأة انتقاماً من زوجها، أو تأديباً لزوجها، أما المرأة المسلمة بينها وبين أن تنزلِق في هذا العمل مسافاتٌ لا يعلمها إلا الله، بعيدةٌ عنه بعد الأرض عن السماء؛ فهذا الذي تقرؤه، هذا الذي تسمعه، هذا الذي تشاهده شئت أم أبيت، أحببت أم لم تُحب, في النهاية هو الذي يصنع عقيدتك، وهو الذي يصنع قيَمك، وهو الذي يصنع عاداتك وتقاليدك، فالخطر يأتي من هنا, اقرأ القرآن فهذا كلام الله عزَّ وجل: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾
[سورة فصلت الآية: 42]
مرَّة قرأت في مجلَّة كلمة مداها سطر واحد، إنها سُمٌ من أشد أنواع السموم فتكاً، قال قائلها:
أنت أخلاقي لأنك ضعيف، وأنت ضعيف لأنك أخلاقي.
بلاء، أربع كلمات، هذا يدعوك من خلالها لتكون لا أخلاقياً من أجل أن تكون قوياً، أو من أجل أن تأخذ ما تريد، لذلك لا بدَّ من مقصٍ بيد الأب, يقصُّ به كل شيءٍ لا يعجبه حتى لا يقرأه ابنه، إذا أردت أن تؤدِّبه أدباً إسلامياً-. 6- اتقِ الله ولا ترى الناس أنك تخشاه لشيءٍ ما :
يا بني, اتقِ الله ولا ترى الناس أنك تخشاه لشيءٍ ما.
-فأحياناً الإنسان لا يخشى الله ابتغاء مرضاة الله، بل إنه يخشى الله ابتغاء ألا يتعرض لغضب الناس، هذا نوعٌ من الشرك-.
يا بني ما ندمت على الصمت قط، فإن الكلام إذا كان من فضَّةٍ كان السكوت من ذهب.
-لأن الصامت في أمان أو في سلام، والمتكلِّم إما له أو عليه-.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6210/ar-6210/07.jpg
يا بني, اعتزل الشر يعتزلك, فإن الشرَّ للشر خُلِق.
يا بني عليك بمجالسة العلماء، واستمع إلى كلام الحكماء, فإن الله يحيي القلب الميِّت بنور الحكمة, كما يحيي الأرض بوابل المطر، وإياك والكذب وسوء الخُلُق، فإن من كذب ذهب ماء وجهه، ومن ساء خلقه كثر غمُّه، ونقل الصخور من موضعها أيسر من إفهام من لا يفهم.
-عندنا باللغة مصطلحان: الفهم والتَفَهُّم، الفهم معروف، أما التفهُّم هو محاولة الفَهْمِ، وتجد إنساناً لا يحب التفهُّم، أي ليس مستعداً أن يبذل أي جهدٍ ليفهم، وتجد إنساناً لا يفهم ولكنَّه يتفهَّم-.
يا بني, لا ترسل رسولاً جاهلاً, فإن لم تجد حكيماً, فكن رسول نفسك.
-أحياناً الإنسان يكلِّف إنساناً بمهمَّة، فهذا الإنسان يشوِّه سمعته، يسئ إليه، الرسول يجب أن يكون من جِنس المرسل، وشرف الرسول من شرف المُرسل-.
يا بني, يأتي على الناس زمان لا تقرُّ فيه عين حليم.
-النبي -عليه الصلاة والسلام- تعجَّب من آخر الزمان، كيف أنه يدع الحليم حيران؟-.
يا بني, اختر المجالس على عينك، فإن رأيت المجلس يُذكر فيه الله عزَّ وجل, فاجلس معهم، فإنك إن تكن عالِماً يزدد علمك، وإن تكن جاهلاً يعلِّموك، وإن يطلع الله عزَّ وجل عليهم برحمةٍ تصبك معهم.
يا بني, لا تجلس المجلس الذي لا يُذكر فيه الله عزَّ وجل، فإنك إن تكن عالماً لا ينفعك علمك، وإن تكن غبياً يزدك غباءً، وإن يطلع الله عليهم بعد ذلك بسخطٍ تصبك معهم.
-أي أن أجدى شيءٍ لك: أن تحضر مجالس العلم التي تثق بها-.
يا بني, لا يأكل طعامك إلا الأتقياء، وشاور في أمرك العلماء.
يا بني, إن الدنيا بحرٌ عميق وقد غرق فيه ناسٌ كثير، فاجعل سفينتك تقوى الله عزَّ وجل.
يا بني, إني حملت الجندل والحديد -الجندل هو الصخر- فلم أحمل شيئاً أثقل من جارٍ السوء، وذقت المرارة كلها فلم أذق أشدَّ من الفقر .
يا بني, لا تتعلَّم ما لا تعلم، حتى تعمل بما تعلم .
- من عمل بما علم ورَّثه الله علم من لم يعمل-.
يا بني, إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره.
-فالبطولة أن تنصف الناس وأنت غضبان لا وأنت فرحان-.
يا بني, إنك منذ نزلت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة، فدارٌ أنت إليها تسير أقرب من دارٍ أنت عنها راحل.
يا بني, عوِّد لسانك أن يقول: اللهمَّ اغفر لي، فإن لله ساعاتٍ لا يُرَد فيها الدعاء.
يا بني, إياك والدَين, فإنه ذلٌ في النهار, وهمٌ في الليل.
هذه بعض الكلمات التي أُشرت في الكتب القديمة عن سيدنا لقمان الحكيم.
على كلٍ؛ إذا بلغ ابن الرجل السن التي يميِّز بها, فليس عليك إلا أن تنصحه، هذا كل ما تملكه نحو ابنك.
سيدنا ابن عباس -رضي الله عنه- قال: ((كنت خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- يوماً, فقال لي: يا غلام, إني أعلِّمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإن استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف))
[أخرجه الترمذي في سننه]
هذا أيضاً من توجيه الأب لابنه، حديثٌ رائع .
حديثٌ آخر في توجيه الأولاد : ((احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، إن مع العسر يسرا))
الحق الذي قبل الأخير من حقوق الأبناء هو :أن يعوله حتى يبلغ سن الرشد.
أنا لست مجبوراً بك، لا إنك مجبور به، هذا الكلام الصحيح، أنت حينما أردت أن تكون زوجاً وأباً, فلهؤلاء الأولاد حقوق عليك، لذلك:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قالا: ((قال عليه الصلاة والسلام
-استمعوا جيداً-: كفى بالمرء إثماً أن يضيِّع من يقوت))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
مجبور فيه وزيادة .
الشيء الآخر: عن أبي قلابة, عن أبي أسماء, عن ثوبان, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((أفضل دينارٍ ينفقه الرجل على عياله، ودينارٌ ينفقه على دابَّته في سبيل الله))
إذاً: أن تعوله حتى يبلغ سن الرشد ويستطيع الكسب. الخاتمة :
بقي حقٌ ليس في الوقت فسحةٌ كي نشرحه، وسوف أُؤخره -إن شاء الله تعالى- إلى درسٍ قادم, لأنه من أعظم أبحاث هذا الموضوع أهميةً: إنه العدل بين الأولاد في العطاء والوصيَّة، فهذا الذي يقع فيه معظم الناس في تفضيل الذكر على الأنثى؛ في الوصيَّة, وفي الإرث، ويلجؤون إلى أساليب لا يرضاها الله عزَّ وجل في التهرُّب من إعطاء البنات حقَّهن، هذا الموضوع -إن شاء الله تعالى- نرجئه إلى درسٍ قادم, لننتقل بعده إلى حقٍ آخر من حقوق الإنسان مما له أو عليه.

السعيد
09-05-2018, 09:17 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( التاسع )


الموضوع : تعليمة للقران و الرماية و السباحة واطعامة حلالا



لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تتمة حقوق الأبناء على الآباء :
5-أن يعلم الأب ابنه القرآن الكريم :
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق، ولا زلنا في موضوع حقوق الأبناء على آبائهم، وقد تحدَّثت في الدرس الماضي عن بعض هذه الحقوق، وفي هذا الدرس نتابع الحديث عن هذه الحقوق .
فمن هذه الحقوق: أن يُعَلِّمُ الأب ابنه القرآن الكريم، هذا حق الابن على أبيه.
فقد ورد في حديثٍ شريف, رواه البيهقي, عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
((حق الولد على الوالد: أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية، وألا يرزقه إلا طيباً))
هذا الحديث الذي رواه البيهقي, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ورد في الجامع الصغير في الجزء الأول . لماذا وجه النبي أبناء أمته ليتعلموا القرآن الكريم؟ :
أيها الأخوة الأكارم, القرآن الكريم لماذا وجَّهنا النبي -عليه الصلاة والسلام- كي نعلمه لأبنائنا؟ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6211/ar-6211/01.jpg
لأن القرآن الكريم منهجٌ تفصيليٌ للإنسان، تعليمات الصانع، فأيَّة حركةٍ في مضمونها وفي شكلها تكون خارج هذا الكتاب، فهي حركةٌ ليست مجدية بل إنها مؤذية, أي أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وخلق الخلق وفق سننٍ ثابتة، وخلق الإنسان وفطره على فطرةٍ ثابتة، وربنا سبحانه وتعالى نظَّم تنظيماً دقيقاً علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، فما دام الإنسان وفق هذا المنهج فعمله ينجح، فإذا خرج عن هذا المنهج فلا بدَّ من أن يشقى.
والمقولة التي تعرفونها جميعاً هو أنه: ما من مشكلةٍ على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسببِ جهلٍ به، إذاً كل مصيبةٍ، كل مشكلةٍ: أساسها الجهل وعلاجها العِلم، والقرآن الكريم كتاب الله عزَّ وجل، فيه هذا كتاب مقرر ، فيه تعليمات الصانع، فمن أخذ به فقد أمسك مفتاح النجاح، ومن أهمله فقد جانب النجاح، ومن هنا قال الله عزَّ وجل:
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّا﴾
[سورة مريم الآية: 59]
وقد لقي المجتمع الذي جعل هذا المنهج وراء ظهره وانغمس في شهواته، لقي هذا المجتمع الغَي كما وعد الله عزَّ وجل . الأهداف التي يستفيدها الطفل من تعليم القرآن الكريم :
إذاً في تعليم الابن القرآن الكريم, هناك أهدافٌ لا تعدُّ ولا تحصى، أول هذه الأهداف: أن القرآن الكريم فيه النُظُم التي لا بدَّ من تطبيقها في الحياة، فربنا عزَّ وجل في هذا الكتاب ذكر أشياء، وسكت عن أشياء، وأقرَّ بعض الأشياء، وبعض الأشياء تركها مَرِنَة، فالشيء المَرِن هو الذي يمكن أن يتطور وفق الزمان والمكان، والشيء الذي بَتَّ القرآن فيه, هو الشيء الذي لا علاقة له لا بالمكان ولا بالزمان ولا بالبيئة, والشيء الذي سكت عنه القرآن الكريم, هو الذي لا يتعلق بسعادة الإنسان ولا باتصاله بخالقه.
فحينما يعلِّم الأب ابنه كتاب الله عزَّ وجل، يكون قد أدى ما عليه من حقوقٍ تجاه الدين.
لكن هنا ملاحظة مهمة جداً: يربي الأب ابنه, فهذا عمل يختلف اختلافاً كلياً عن أي عمل آخر، فمثلاً:
أن تمسك بقطعة خشب وتنجِّرها وفق ما تريد، فهذا أمر سهل لأن قطعة الخشب مطواعةٌ لك، فأنت تفعل بها ما تشاء؛ تقطعها، تنجِّرها، تصلها بأختها، ولكن الابن له اختيارٌ مستقلٌ عن أبيه، فكأن الأب مطالب أن يبذل العناية الكافية، ولكن ليس على الأب أن يحقق النتائج المرجوة في ابنه، فهذا فوق مقدور الإنسان، لأن الله عزَّ وجل ضرب بسيدنا نوح مثلاً، ابن سيدنا نوح، ومن هو سيدنا نوح؟ نبيٌ كريم, قال: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾
[سورة هود الآية: 42-43]
وبعد بضع آيات قال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقّ ُ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة هود الآية: 45-46]
أنا ذكرت هذا الكلام حتى يبذل كل أب أقصى جهده في تربية ابنه، ولكن أحياناً مع بذل غاية الجُهد وأقصى العناية والتوجيه، فالابن قد يأخذ موقفاً آخر لأن الابن مخَيَّر، من هنا قال الله عزَّ وجل للنبي -عليه الصلاة والسلام-: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية: 272]
وهذه آيةٌ ثانية في الموضوع ذاته: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾
[سورة القصص الآية: 56]
وآيةٌ ثالثة : ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾
[سورة هود الآية: 86]
وآيةٌ رابعة : ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾
[سورة الغاشية الآية: 21-23]
فعلى الإنسان أن يسعى وليس عليه إدراك النجاح، هذا الكلام أريد أن أذكره, لئلا يتألَّم أبٌ بذل قصارى جهده في تربية ابنه، وفي تعليمه، وفي إرشاده، وفي توجيهه، فرأى هذا الأب ابنه في طريقٍ آخر، وفي وادٍ آخر، ولم يستجب له, النجَّار علاقته بقطعة الخشب شيء، والأب علاقته بابنه شيءٌ آخر، لو أن عناية الأب وحدها كافيةٌ لهداية الابن, لما نشأ ابنٌ عاقٌ عند أبٍ مؤمن.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6211/ar-6211/02.jpg
ولكن كما يُمسك الطبيب مريضاً, فيبذل الطبيب قصارى جهده في معالجته، وتشخيص دائه، ووصف الدواء المناسب، ثم تنتهي مهمة الطبيب عند بذل العناية، ولذلك أجمع الفقهاء على أن أجرة الطبيب ليست من المعاوضات، ما هي المعاوضات؟ .
أي حينما تشتري بيتاً تدفع العِوَض، تستلم المَبيع وتدفع الثمن، فهذا عقد معاوضة، الإيجار والبيع وما شاكل ذلك، ولكن أجرة الطبيب والمحامي سمَّاها العلماء جُعالة؛ أي أن الطبيب يستحقها لا عند شفاء المريض ولكن عند بذل العناية الكافية، يأكل الطبيب أجرته حلالاً مائة في المائة إذا بذل العناية الكاملة للمريض، أما أن يشفى المريض أو أن لا يشفى فهذا شيءٌ آخر بتقدير الله وبعلمه.
إذاً: شأن الأب كشأن الطبيب, هناك بعض المهن تكون العلاقة خلالها بينك وبين الإنسان الآخر علاقة عناية وبذل جهدٍ ليس غير، لكن بالمقابل هناك أخطاءٌ كثيرةٌ عند الأبناء سببها تقصير الآباء، وكل إنسانٍ يعلم بالضَبط ما إذا كان قد بذل العناية القصوى أو لم يبذل، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾
[سورة القيامة الآية: 14-15]
الأب يعرف، إذا كان انحراف ابنه أو تقصيره بسبب تقصير الأب أو إهماله، أو بسبب إصرار الابن على اختيارٍ معين، هذا الشيء يعلمه الأب وحده دون غيره، فلذلك المسؤولية تنتهي حينما تبذل قصارى جهدك مع ابنك، وإذا أكرم الله عزَّ وجل أحد الآباء بابن طيِّع بار، فأنا أنصحه نصيحةً غالية أن يسجد لله عزَّ وجل، ويشكر الله على هذه الموهبة.
أقول: على هذه الهبة, لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 27]
وهبنا، ومعلومٌ لديكم أن الهبة بلا مقابل، فإذا كان عند إنسان ابن صالح مؤمن، دَيِّن، مطواع، بار، فهذا من فضل الله عليه، وأنا أنصحه مرةً ثانية ألا يعزو هذا إلى تربيته، ولا إلى ضبطه، ولا إلى توجيهه، ولا إلى حَزْمِهِ، ولا إلى شدته، يجب أن يعزو هذا لفضل الله وحده, فكم من أبٍ منحرفٍ، سيءٍ، ضالٍ، مضلٍ، جاءه ابنٌ صالحٌ كأنه مَلَك؟ وكم من أبٍ مؤمنٍ مستقيمٍ, جاءه ابن منحرف؟
فهذا الحال جزء منه، داخل باختيار الإنسان، وجزءٌ آخر داخلٌ بتقدير الله عزَّ وجل، ولذا أنصح أن يتأدب الإنسان مع الله عزَّ وجل، فإذا عزوت هذا إليك، إلى قدراتك، إلى حزمك، إلى خبراتك في التربية، فهذا من الضلال ومن الشرك.
إذاً: ((حق الولد على الوالد: أن يعلمه الكتابة, والسباحة, والرماية، وألا يرزقه إلا طيباً))
الفرق بين المتعلم والجاهل .
الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يقول: ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم، فهو نورٌ يهتدي به الحائر.
أي كما تعلمون مني سابقاً: أن هذه القيَم التي يتفاضل الناس بها في الدنيا؛ القوة، الغنى، الوسامة، الجمال، الذكاء، الصحة، هذه القيَم قد رفض القرآن الكريم أن يعتمدها قيماً مُرَجِّحَة، إلا قيمةً واحدة هي قيمة العلم والعمل به، فلذلك قال الله عزَّ وجل:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 9]
وقال الله عزَّ وجل : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾
[سورة طه الآية: 114]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6211/ar-6211/03.jpg
والفرق الدقيق الدقيق بين الإنسان الذي أكرمه الله بالعلم، وبين الإنسان الذي بقي جاهلاً هو فرقٌ كبيرٌ جداً فهما لا يستويان، فلذلك على الأب أن يحرص على تعليم ابنه في الدرجة الأولى المنهج الإلهي الدقيق.
فمرة ثانية، وثالثة, ورابعة: إذا كانت لديك آلة معقدة جداً، غالية جداً، ذات نفع عظيم جداً، وأنت حريصٌ عليها حرصاً بالغاً، إذا كنت حريصاً عليها، وإذا كان ثمنها باهظاً، وإذا كان نفعها عظيماً, فما عليك إلا أن تقرأ كتاب التعليمات المرافق لهذه الآلة وإلا خسرتها.
والقرآن الكريم في جوهره تعليمات الصانع لهذا الإنسان الأول، لذلك إذا جاء الأب بابنه وأحضره ليعلمه القرآن الكريم؛ ليعلمه تجويده، ليعلمه تفسيره، ليعلمه أحكامه، ليعلمه إعجازه، هذا الوقت الذي يبذله الأب، أو يمضيه الأب في تعليم ابنه القرآن الكريم, هو توظيف الموقت واستثمارٌ له، وليس تضييعاً كما يتوهم جهلة الناس.
أعرف أباً بلغ من نجاحه في الدنيا مرتبةً عاليةً جداً، فقد نجح في تجارته وفي صناعته إلى درجة أن تفرَّد في الشرق الأوسط في صناعةٍ معيَّنة، فحاز بها قصب السبق ودخلت عليه الأموال بغير حساب، ولكنه أهمل أولاده، نشؤوا على المعاصي، والانغماس في الشهوات، قُبَيْلَ وفاته قال لزوجته باللغة الدارجة: يا فلانة فرطنا بالذهب واتَّبعنا الفحم, لأنه هذه الأموال الطائلة سوف تغدو بين أيدي أبناء فسقة منحرفين، فعرف هذه الغلطة الكبيرة.
من هنا سيأتي معنا: أن خير كسب الرجل ولده؛ أي مهما بذلت من وقتٍ، من جهدٍ، من تعليمٍ، من توجيهٍ، من حلمٍ، من صبرٍ، من خسارةٍ، إذا أمكنك أن تصل بهذا الابن إلى الطريق الصحيح, فأنت الرابح الأكبر. بعض الأبيات الشعرية اللطيفة : بالعلم تحيا نفوسٌ قط ما عرفت
من قبل ما الفرق بين الصدق والمَيْنِ
العلم للنفس نورٌ يســتدل به
على الحقائق مثــل النـور للعين
-المَيْنِ: هو الكذب-. ولولا العلم ما سعدت نفوسٌ ولا عرف الحلال من الحرام
فبالعلم النجـاة من المخازي وبالجهل المــذلة والرغام
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6211/ar-6211/04.jpg
أنا مرة ضربت لكم مثلاً: عامل في بعض المطارات أثناء تنظيف الطائرة, رأى غرفة العجلة -والطائرة وعندما تكون جاثمة, فإن عجلاتها على الأرض، فوق العجلة غرفة كبيرة, حينما تُقلع الطائرة، فإن هذه العجلة تُرفع من قِبَل الطيار، من أجل ألا يعيق حجمها حركة الطائرة- هذا العامل نظر إلى هذه الغرفة رآها واسعة، قال: لمَ لا أقبع بها, وأنتقل من مطار إلى مطار, بلا أجور، وبلا رسوم، وبلا جواز سفر، وفي ذاك البلد أعمال كثير جداً؟ فصعد إلى هذه الغرفة، فلما أقلعت الطائرة, اضطر ربان الطائرة -حسب تعليمات القيادة- أن يرفع العجلة للغرفة المخصصة بها، فابتعدت جوانب الغرفة عن بعضها لتأخذ العجلة مكانها، فسقط هذا الإنسان على أرض المطار من على ارتفاع ثلاثمائة متر، فمات فوراً.
هذه قصة أُعلِّق عليها أهميةٌ كبرى، ما الذي قتل هذا الإنسان؟ جهله، هل كان يريد أن يموت؟ لا والله، كان يظن أنه ذكيٌ جداً، وأنه سوف يوِّفر رسوم السفر، ورسوم الخروج, وجواز السفر، وينتقل بلا قيود ولا شروط إلى بلد آخر، ولكن لو عرف أن هذا المكان مكانٌ لا بدَّ من أن يموت الإنسان فيه إذا دخله, لما ألقى به وأوردها حتفها.
قال لي واحد: لو كان في الغرفة مكان ثابت وغير متحرك ليبقى فيه الإنسان, لمات بسبب البرد, إذ تبلغ الحرارة في الجو خمسين تحت الصفر فيموت برداً، إذاً: أعدى أعداء الإنسان هو الجهل، فإذا علمت ابنك القرآن الكريم، الإنسان العالم إنسان ثمين جداً، هل هو شخصية فَذَّة؟ والجاهل مهما ارتفع قدره في الدنيا, هذا ارتفاعٌ هوائيٌ لا قيمة له، مهما انتفخ جيبه، هذا غنىً لا قيمة له، لأن الله عزَّ وجل قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾
[سورة طه الآية: 114]
وسيدنا علي -كرم الله وجهه- يقول: العلم خيرٌ من المال, لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق.
وأنا أذكر أخاً قبل اثنتي عشرة سنة، بعد خطبة الجمعة سألني سؤالاً والدموع من عينيه تسيل: إن زوجته خانته، وله منها خمسة أولاد، وهو في بحبوحة، يسكنها بيتاً فخماً، وهو يعجب لماذا حدث هذا؟ ماذا يفعل؟ أيطلقها؟ أيسكت عنها؟ أيعفو عنها؟ تكلَّم والبكاء والدمعة تترقرق من عينه والألم يعتصر قلبه, قلت: كيف حصل هذا؟ قال لي: من سنتين تقريباً وأنا لا أدري, مع من؟ مع جارنا, لكن كيف تعرف على زوجتك؟ قال لي: والله أنا السبب، فقد طرق علينا الباب ذات مرة زائراً فأمرتها أن تجلس معنا، وكان الحريق المدمر من تلك الشرارة الواهية.
فهذا الزوج لو كان يحضر مجالس العلم، ولو عرف الحرام من الحلال، وأن هذا يجوز وهذا لا يجوز ما وقع في هذه الورطة، فلما يترك الإنسان نفسه بلا علم، يدفع الثمن غالياً في تجارته، في بيعه، في شرائه، في زواجه، في أولاده، في صحته أحياناً.
فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم.
فالله عزَّ وجل كرم الإنسان بالعلم، فإذا أهمل العلم وقع ضحية الجهل, وليس العار أن تكون جاهلاً، ولكن العار كل العار أن تبقى جاهلاً.
إذا أحببت إيضاحاً أكثر: فما من قصةٍ تصل إلى أذنيك إن حلَّلْتها, تَرى أن هذا الطلاق، وأن هذا الإفلاس، وأن هذا المرض العُضال -أحياناً أقول أحياناً- وأن هذا الخلاف الزوجي، وأن هذه الجريمة، وأن هذه المشكلة، وأن هذه الفضيحة، وأن هذه الفِتنة سببها معصية، وأن هذه المعصية سببها الجهل، لذلك: العلم نور وهدى.
اللهم صلِّ عليه قال: ((إنما بعثت معلماً))
بعثة النبي -عليه الصلاة والسلام- في أصلها بعثة تعليم. حقيقة مسلم بها :
وبالمناسبة: يا أخواني, الإنسان يحب ذاته، هذه حقيقةٌ مُسلَّمٌ بها، والمطلب الثابت للإنسان في كل مكانٍ وفي كل زمان: السلامةُ والسعادة، ولو سألت خمسة آلاف مليون من البشر واحداً واحداً: ماذا تريد؟ يقول لك: السلامة من كل مرض، من الفقر، من الخوف، من الشقاق الزوجي، من الضعف، من الذل، من أن أفقد حريتي، وأتمنى البحبوحة في المال، والسعادة الزوجية، و و....
إذاً: أنا أستطيع أن أقول: إن المطلب الثابت لكل إنسان في كل مكانٍ وزمان هو السلامة والسعادة، والسلامة والسعادة لا تكونان إلا إذا سرت على منهج الله: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[سورة طه الآية: 123]
هذا كلام ربنا، والله الذي لا إله إلا هو, لزوالُ الكونِ -لا أقول الأرض بل الكون- أهون على الله من أن كون هذا الكلام غير صحيح: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[سورة طه الآية: 123]
لا يضل عقله ولا تشقى نفسه:. ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 38]
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
[سورة النحل الآية: 97]
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[سورة طه الآية: 124]
﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾
[سورة طه الآية: 125 -126]
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
[سورة الجاثية الآية: 21]
وهكذا ....
إذا علّمْتَ ابنك القرآن فقد علمته منهج الحياة حقيقة، والقرآن ليست وردةً تتزين بها، أنا تعلمت القرآن, وأنت إذا تعلمت القرآن تعلمت أهم شيء في حياتك، تعلمتَ المنهج.
مرةً ضربتُ مثلاً: كمبيوتر ثمنه ثلاثون مليوناً لتحليل الدم، وكل كبسة زِر أجرها ألف ليرة، وينتظر مائة زبون بالدور، نقطة دم تضعها وتكبس زراً يعطيك أربعةً وعشرينَ تحليلاً بكبسة زر واحدة، وكل نتيجة مسجلة على الورق، هكذا حاسوب، وعندك مائة زبون ينتظرونك، وكل زبون بألف ليرة، مائة ألف كل يوم، مبلغ ضخم، هذا الحاسوب اشتريناه، لكنْ حدث خطأ هو: أن الشركة نسيت أن تبعث لنا كتيب التعليمات، إن شغلته من دون تعليمات تخربه، وإن خفت عليه عطلت المائة ألف دخله كل يوم، يا ترى أليست هذه التعليمات أهم مِن هذا الجهاز؟ إن استعملته بلا تعليمات خرَّبته، وإن خفت عليه فلم تستعمله، جمدت ثمنه وفاتك ربح وفير, إذاً: يمكن أن تركب الطائرة وأن تدفع عشرات الألوف كي تحصل على هذه التعليمات.
إن القرآن الكريم في علاقته بالإنسان لأخطر من هذه التعليمات؛ أخطر بكثير وأهم، كيف تعيش؟ كيف تفكر؟ كيف تعتقد؟ كيف تقف؟ كيف تَصِل؟ مَن تصل؟ مَن تقطع؟ مَن تعطي ؟ مَن تمنع ؟ كيف تتعامل مع شهواتك؟ هذه الشهوة مسموح بها، هذه ممنوعة، هذه محرمة، هذا مكروه، هذا محرَّم، هذا واجب، هذا مُباح، هذا فرض، فالإنسان بلا علم بهيمة، وإن كانت الكلمة قاسية: بهيمة، وأنا أقول: دابة فلتانة، دابة جموح, فلتانة، هكذا الإنسان بلا علم, لذلك: ((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
أي على كل شخصٍ، أي على كل مسلمٍ ومسلمة بالتعريف الدقيق . وصف للقرآن الكريم من قبل إنسان غير عربي :
هناك إنسان وصف القرآن الكريم وهو ليس عربياً، لكن هؤلاء الذين يؤمنون بدافع قناعتهم وسلامة فطرتهم فقط، يفعلون المستحيلات.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6211/ar-6211/05.jpg
قال هذا الإنسان العالم الدكتور: إن القرآن الكريم هو بمثابة ندوةٍ علمية للعلماء، ومعجم لغةٍ للغويين، ومعلم نحوٍ لمن أراد تقويم لسانه، وكتاب عروضٍ لمحب الشعر وتهذيب العواطف، ودائرة معارف للشرائع والقوانين، وكل كتابٍ سماوي جاء قبله لا يساوي أدنى سورةٍ من سوره في حُسن المعاني وانسجام الألفاظ، ومن أجل ذلك نرى رجال الطبقة الراقية من الأمة الإسلامية يزدادون تمسكاً به، واقتباساً لآياته، ويبنون عليها آراءهم كلما ازدادوا رفعةً في القدر ونباهةً في الفكر.
أي أنه كتاب شامل، فدائماً ضع الفرق بين القرآن وبين كلام البشر، ادخل لمكتبة، فلو أن فيها مائة ألف مجلد، كل هذه المجلدات من تأليف البشر، والإنسان يخطئ ويصيب, ففي كلٍ منها تجد الخطأ والصواب، لكن كلام الله عزَّ وجل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, لذلك:
دخل إنسان إلى مكتبة في إيطاليا، فلفت نظره القرآن الكريم مترجماً، فسأل صاحب المكتبة: مَن مؤلف هذا الكتاب؟ فقال له: خالق الكون, وهو مغنٍ شهير، فاشترى الكتاب وقرأه مترجماً، ويبدو أنه آمن به، الآن هذا المغني الشهير من المؤمنين المتفوقين، ترك الغناء وصار يشتري كل تسجيلاته ليحرقها، يشتريها بماله، بثروته الطائلة، وهو حالياً يعيش في لندن.
فهذا كلام الله عزَّ وجل، منهجك في الحياة، إنسان بلا منهج كالبهيمة.
ضرورة تعليم القرآن للإطفال :
فإننا نرحب بكل أخ عنده ابن حريص عليه، ونحن عندنا معهد تحفيظ القرآن الكريم، طبعاً تحفيظه، وتجويده، وتعليم أحكامه أحياناً، وشيء من علومه وتفسيره، كذلك درس التفسير, هذا درس مهم جداً، لماذا هو مهم؟ هذا منهجنا في الحياة، فهل هناك عمل أخطر وأهم وأعظم من أن تتعلم المنهج الذي ينبغي أن تسير عليه؟.
فقد يقول أحدنا: الفصل شتاء فإلى أين نذهب لنسهر فالليل طويل؟ درس التفسير جيد, نذهب ونسمعه عقب صلاة العشاء, لا, ليس هذا الموضوع بل الموضوع أخطر من ذلك، لا لأن الفصل شتاء، فهذا صار ذبوناً شتوياً، بل لأن هذا منهج منهجك بالحياة، فإذا عرفت ما هو التوكل؟ ما هو الصدق؟ ما هو اليقين؟ ما هو التوحيد؟ ما هو الشرك؟ فقد عرفت الخير والإيمان حقاً.
هذه أشياء خطيرة جداً تدخل في صميم حياة كل إنسان، لذلك حضور مجلس علم هو الأجدى، وليس قولك: اليوم عندي فراغ وليس لدي ما يشغلني، أو أن أقول: أنا مشغول لا أقدر أن آتي, فموضوع أن تكون مشغولاً أو غير مشغول، الفصل شتاء، والليل طويل، لا يوجد شيء يشغلني، هذا كله مرفوض, ما من عملٍ أعظم من أن تتعلم منهج الحياة وهو القرآن.
ولابنك محل آخر عندنا، لدينا معهد يعلمه التجويد مبدئياً، يعلمه التحفيظ، مع شيء من أحكام القرآن، وشيء من العقيدة، يعلمه شيئاً من السُنَّة أحياناً، فلذلك على الإنسان أن يحرص على ذلك، عندنا لكل المستويات، عندنا ابتدائي، وإعدادي، وثانوي .
6-أن يعلمه السباحة :
الحق الآخر: أن يعلمه السباحة.
أحياناً باللغة أنت تذكر الجزء وتريد الكُل، مثلاً: الفقراء والمساكين, العلماء قالوا:
إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.
كيف؟ أي أن الله عزَّ وجل إذا قال: للفقراء والمساكين, معناها: أن الفقراء هم الذين لا يجدون حاجتهم، دخل أحدهم أقل من حاجته، أما المساكين فهم الذين لا يستطيعون العمل، أو هم بلا أعمال، إذا اجتمعا افترقا، ولكن إذا افترقا اجتمعا, فإذا قال ربنا عزَّ وجل: للفقراء؛ أي للفقراء والمساكين، إذا قال: للمساكين؛ أي للفقراء والمساكين، حيثما اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6211/ar-6211/06.jpg
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- عندما قال في حديثٍ رواه البيهقي:
((أن يعلمه الكتاب والسباحة ....))
أنا أعتقد أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يقصد بالسباحة مدلولها بالذات، بل مدلول السباحة عموماً, لأنها تحرِّك كل عضلات الجسم، فكأنه لما ذكر هذا النوع من الرياضة, وأراد به كل أنواع الرياضة، فقد يكون الإنسان بمكان لا يوجد فيه أنهار أو مسابح إطلاقاً، كما هو الحال في بعض القرى، إذاً صار المقصود من السباحة هنا, أي يجب أن ينشأ ابنك في بنيته الجسمية نشأةً قوية، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
لكن روعة الحديث: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قيَّد القوة بالإيمان، لأن القوة وحدها شيءٌ خطير، شيءٌ مخيف، شيءٌ مدمِّر، أما المؤمن القوي، لم يقل: القوي, بل المؤمن القوي، لأن الإيمان فيه ضوابط:
الإيمان قَيْدُ الفتك ولا يفتك مؤمن.
المؤمن القوي، والإنسان -كما قال سيدنا علي، هذا كلام واقعي وخطير- أعظم نعمةٍ تمتلكها ما هي؟ نعمة الإيمان.
فسيدنا عمر إذا أصابته مصيبة, كان يقول: الحمد لله إذ لم تكن في ديني ...
أي أن أعظم نعمة ألا تكون واقعاً في الكبائر، ألا تكون ذا مالٍ حرام، ألا تكون مصلحتك لا ترضي الله عزَّ وجل، ألا يكون في بيتك منكر لا تستطيع أن تزيله، هذه أكبر مصيبة، بل هي مصيبة المصائب، فإذا كان الإيمان، ما هي أكبر نعمةٍ بعد الإيمان؟ أكبر نعمة -أقول وأعني ما أقول-: هي الصحة, فما قيمة المال من دون صحة؟ لكن ما هي أكبر نعمةٍ بعد الصحة؟ أن تكون مكتفياً, لذلك: الإيمان والصحة والكفاية إذا توافرت لك, فالدنيا كلّها لا تعدل شيئاً أمامها، من هنا قال عليه الصلاة والسلام : ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ, مُعَافًى فِي جَسَدِهِ -الآمن أي مطمئن إلى ربه- عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ, فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها))
[أخرجه الترمذي في سننه]
فالإنسان متى يطمئن؟ هل يطمئن إنسان عاصٍ؟ أبداً فهو في قلق، لا يطمئن إلا المؤمن، والدليل : ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِي آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 81-82]
هذه آية قرآنية، أي لا تمتع بنعمة الأمن حصراً إلا المؤمن. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾
[سورة الحشر الآية: 2]
أقوى إنسان في الأرض، أغنى إنسان في الأرض، إذا أشرك, قذف الله في قلبه الخوف، وقد ذكرت هذا في درس الشِرك، كيف أن أصحاب أموال الطائلة إذا اعتمدوا على أموالهم فهم معذَّبون, كيف؟ لأن الله عزَّ وجل يقول: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 213]
لكن كيف يعذَّب هذا الغني؟ هذا الغني يعذب بخوف فقد المال، هذا عذاب، وإذا فقده يعذب بفقده، فهو إن كان معه المال معذبٌ بخوف فقده، وإن فقده معذبٌ بفقده، في كلا الحالين هو معذب، لذلك: أعظم نعمةٍ أن تكون مؤمناً:
آمناً في سربه.
إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين.
فالسكينة هي الطمأنينة: ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ, مُعَافًى فِي جَسَدِهِ -صحة- عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ, فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا"بحذافيرها))
[أخرجه الترمذي في سننه]
إذاً: صحة الجسد شيءٌ مهم، والحقيقة: أن الجسد مطيَّتك إلى الله عزَّ وجل، فمن الناس من يقول: يا أخي إن العمر محدود, وهذا صحيح, لكن هل من الممكن لأحد الناس أن يعيش ثلاثةً وثلاثين عاماً مسطحاً على ظهره أو واقفاً على قدميه؟ العمر هو العمر، لكنك إذا اعتنيت بصحتك، بين أن تعيش هذا العمر في راحةٍ وطمأنينة، لأنه جسمك مطيَّتك، الإنسان بالصحة يعمل، ويدرِّس، ويدعو إلى الله عزَّ وجل، ويكسب المال، ويفعل كل شيء، أما إذا تعطلت صحتك, فإنك تتعطل عن العمل بسبب المرض، فالقضية خطيرة جداً، أي أن العناية بالصحة, أريد أن أقول شيءٌ يلي الإيمان في الأهمية، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: ((علموا أولادكم الكتاب والسباحة))
المقصود بالسباحة؛ أي الرياضة، فالإنسان بطعامه، بشرابه، وبكل أموره, يجب أن يكون دقيقاً, وإلا فالخسارة محققة.
سمعت من يومين أن سرطان الفم أسبابه -هذه نصيحة للأخوان- إذا كان لديك سن انكسرت ولم تقلعها، إذا وجد نتوء حاد بالفم والإنسان بدافع الفضول يدأب بلسانه ليحكه، هذا التخريش أحد أسباب سرطان الفم، إذا انتبه الإنسان لهذه النقطة, فإنه لن يترك شيئاً من النتوءات الحادة بفمه، لأن الحركة الدائمة مع النتوء الحاد يسبب تخريشاً، هكذا سمعت من طبيب يقول، فالعلم مهم حتى في صحتك، هناك مواد مؤذية، ومواد مخرشة، ومواد كيميائية، وأصبغة إذا تراكمت, تسبب أمراضاً معينة، فالإنسان قبل أن يأكل، قبل أن يشرب، قبل أن يتحرك, قبل أن يفعل هذا كله, عليه أن يكون واعياً من أجل سلامته.
وقد يُبهر البعض فيقول: جهاز يسخن الأكل خلال ثوانٍ, هذا الجهاز أساسه تخريب الخلايا، يا ترى: هل أنت متأكد مائة بالمائة أنه لا خطر منه؟ لا تعرف، تضع الطعام في صحن بارد، واللحمة مثل الحطبة، وخلال ثوانٍ يصبح اللحم مثل النار, والصحن بارد، يتعرض الطعام لإشعاعات تخرب الخلايا وتسخنه, هذا إنجاز حضاري عظيم, لكن يا ترى: هل نحن متأكدون أن هذا الإنجاز الحضاري ليس له مضاعفات ثانية؟ لا نعرف، لذلك على الإنسان أن يبقى طبيعياً في شؤونه، فكل إنجاز حضاري قد يكون له أخطار كبيرة تكتشف بعد سنوات من وجوده، فأنا ليس عندي معلومات دقيقة حول هذا الموضوع، ولكن مجرد استنباط عام، فقد يكون هناك شيء ضار، هذا الطعام الذي تم تحضيره بثوانٍ حسب الظاهر؛ أنه إنجاز سريع، تسخين سريع. قصة بين فيلسوف وملاح :
قالوا: إنَّ فيلسوفاً من كبار الفلاسفة ركب سفينة, فالتقى بملاَّح على ظهر السفينة، فسأله عن درجة علمه: ما معك من شهادات؟ هذا الملاح قال له: والله لا أعرف شيئاً, قال له : إنك لا تنفع مطلقاً لأنك لا تعرف شيئاً, ما قيمتك بالحياة ألم تدرس أبداً؟ فقال له الملاح: يا مولاي أتعرف السباحة؟ قال: لا إنها لا تجدي نفعاً, واتفق بعد زمنٍ يسير أن حدث هياجٌ واضطرابٌ عظيمٌ في البحر، حتى أشرفت السفينة على الغرق، فدنا الملاح من هذا الفيلسوف العظيم, وقال: يا سيدي إننا هالكون لا محالة, فهل تعرف السباحة؟ فقال الفيلسوف: والله لا مفر لي من الموت، ولا حيلة بيدي, فقال الملاح: ادعُ معارفك وعلومك لعلها تنجيك, فقال الفيلسوف: إن معارفي لا تنجي من الغرق, فقال الملاح: أما أنا فأعرف السباحة، وهي تنجي من الغرق بإذن الله، رغم أنك قلت لي قبل قليل: أنها لا تجدي نفعاً, وها أنت الآن تعرف أنها تجدي حقاً.
وبينما هما يتكلمان, لطمت الأمواج السفينة فقلبتها, وسقط من فيها في الماء، فأمسك الملاح الفيلسوف بإحدى يديه وسبح بالأخرى حتى نجا كلاهما، فقال الفيلسوف: صدقَ من قال: علمك بالشيء خيرٌ من الجهل به .
المؤمن -شيء عالٍ- إن كان يسبح، وكان جسمه قوياً، وهو ذو مصلحة, بيده مهنة، يقول أحدهم: أنا كهربائي، أنا خياط، أنا مزارع, شيء رائع جداً.
فسيدنا عمر يقول: إني أرى الرجل ليس له عمل يسقط من عيني.
وقال سيدنا علي: قيمة الرجل ما يحسن.
لذلك: المؤمن الذي بيده حرفة, مصلحة، تجارة، صناعة، حرفة, خدمات، دارس، مدرِّس، طبيب، مهندس، خيَّاط، نجَّار، حدَّاد، فهو إنسان نافع، إذاً تعلَّم للآخرة، وتعلَّم مصلحة للدنيا، واجمع بينهما، و ..:
ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا واقبح الكفر والإفلاس في الرجل
إذاً: السباحة بمعنى مُطلق القوة؛ القوة الجسمية، الرياضة البدينة. قواعد فقهية :
لكن بالمناسبة: الآن لا بدَّ من التحفُّظ, فأذكركم بالحكمة الثانية:
دع خيراً عليه الشر يربو .
لو فرضنا أني أردت أن أعلم ابني السباحة، والمسبح فيه كشفٌ للعورات، أو على شاطئ فيه نساءٌ كاسيات عاريات، هذه سباحة ولكن معها فسادٌ كبير.
وعندنا قاعدة فقهية تقول:
دَرْءُ المفاسد مقدمٌ على جلب المنافع.
أي أنك إذا علمت ابنك السباحة, وفسدت أخلاقه من جراء ذلك, وانجرف إلى شهواتٍ محرمة، وضيّع دينه ودنياه وآخرته، ماذا تجديه السباحة؟.
أريد أن أعلم ابني اللغة الإنكليزية مثلاً, قالوا لي: أفضل شيء ابعثه إلى بريطانيا، إذا لم يقم لدى أسرة قد اختلط بأفرادها شهراً بكامله، وصار لديه براتيك –محادثة- فإنه لا يتقوّى, شيء جميل، بعث ابنه إلى مجتمع فاسد منحرف، الزنا في هذا المجتمع كشربة الماء، شاب في مقتبل حياته مثل الوردة, تضعه في أسرة فيها صبايا وفتيات، والأب منحرف، والأم منحرفة، رجع الابن يُتقن البراتيك ولكنه رجع زانياً، فما قولك؟ أيُّ براتيك هذا؟ .
دع خيراً عليه الشر يربو.
درء المفاسد مقدمٌ على جلب المنافع.
أحياناً تكون مصلحة تجارية رائجة جداً، لكن في السوق فيه فساد كبير، والربح ثلاثون بالمائة، وكل يوم رواج وبيع، لكن كل العلاقة مع النساء، علاقة صارخة مع النساء، الإنسان يصبر يوماً، يومين، شهراً، ثم بعد ذلك يستسلم، بعد ذلك تزل قدمه:
درء المفاسد مقدمٌ على جلب المنافع.
قاعدة أساسية، فإذا تحدثنا عن الرياضة والسباحة, فالحديث جميل بشرط ألا نضيع من أجلها أخلاق أبنائنا، هذه قاعدة مهمة جداً، كشف العورات، الاختلاط، هذا كله يتناقض مع قواعد الدين.
في أحاديث أخرى :
((علموا أولادكم السباحة والرمي والفروسية))
والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول : ((ألا إن القوة الرمي, ألا إن القوة الرمي, ألا إن القوة الرمي))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
وهذا من إعجاز النبي -عليه الصلاة والسلام-، فأحدث سلاح الآن أساسه دقة الرمي، والآن اسمع:
يقول لك الخبراء: الخطأ متر.
إن كان السلاح مدافع، وإن كان صواريخ، وإن كان صواريخ موجهة، وأي سلاح، قوة السلاح بدقة إصابته، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول : ((ألا إن القوة الرمي, ألا إن القوة الرمي, ألا إن القوة الرمي))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
هذا الحديث الشريف من أحاديثه التي تُنْبِئ عن نبوته صلى الله عليه وسلم .
ويقول في حديثٍ آخر رواه أبو داود : ((ارموا واركبوا, ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبةً عنه فقد كفر))
أي كفر هذه النعمة نعمة الرمي، طبعاً هذا كله من أجل إعداد العدة من أجل قتال الأعداء .
النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يشجِّع أبناء المسلمين على الرمي:
فعن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- قال: ((مر النبي -عليه الصلاة والسلام- على قوم ينتضلون؛ -أي يستابقون في الرمي- فقال: ارموا بني إسماعيل, فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان -فريقان انضم النبي لأحد الفريقين, وقال: ارموا أنا مع بني فلان- فأمسك أحد الفريقين بأيديهم -الفريق الثاني توقف عن الرمي- فقال عليه الصلاة والسلام: ما لكم لا ترمون؟ قالوا: يا رسول الله كيف نرمي وأنت معهم؟ -فهل نتسابق مع قوم أنت معهم!! لا يعقل هذا؟ إنه منتهى الأدب, كيف نرمي وأنت معهم؟- عندئذٍ قال عليه الصلاة والسلام: ارموا وأنا معكم جميعاً))
أي أنا مع الفريقين فتنافسوا. هذا من تشجيعه صلى الله عليه وسلم للرماية .
وفي حديث آخر رواه الطبراني :
كل شيءٍ غير ذكر الله فهو لهوٌ أو سهوٌ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 5]
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 1-3]
فسر القرطبي هذه الآية: بأن اللغو هو كل ما سوى الله هو لغو-، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((كل شيءٍ غير ذكر الله فهو لهوٌ أو سهوٌ, إلا أربع خصال؛ مشي الرجل بين الغرضين -بين الأهداف أي تعلمه الرمي- وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة))
أي إذا قعد الإنسان مع أولاده، فليس هذا لهواً, فقد كان النبي يمشي على يديه ورجليه ويركب الحسن والحسين على ظهره. الفرق بين اللهو وملاعبة الأطفال
ويقول: ((نعم الجمل جملكما, ونعم العدلان أنتما))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
النبي -عليه الصلاة والسلام- كانت بنتٌ صغيرة جارية تأخذ بيده وتقوده حيث شاءت، فإذا الإنسان دخل بيته أحداً, صار هذا القادم واحداً من أهله، داعب أولاده، أدخل على قلوبهم السرور، كن بسَّاماً، كن ضحَّاكاً، هذا ليس من اللهو، لأن هؤلاء لهم حقٌ عليك، والرجل العظيم هو عظيم خارج بيته, أما إذا دخل بيته فهو إنسان عادي بين أهله.
المشي بين الغرضين, وتأديبه فرسه, وملاعبته أهله, وتعليمه السباحة. 7-ألا يرزقه إلا طيباً :
الآن: الحق الثالث: ألا يرزقه إلا طيباً.
والمراد بالرزق الطيب الكسب الحلال، ومعنى ذلك: أن يتحرى الحلال في تجارته، وأن يؤدي الأعمال بإتقان, قضية دقيقة جداً, فإذا كنت صانعاً صاحب مهنة، وطلبت أجراً لهذا العمل مبلغاً معتدلاً جداً ومناسباً، لكن الأداء مستواه منخفض، هذا الأجر الذي تأخذه أجرٌ حرام، هذا مثل بسيط:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6211/ar-6211/07.jpg
قريب لي اضطر إلى أن يكسر كل البلاط، بلاط رخام إيطالي بالحمام، كسرناه كله, السبب: أنبوب الماء الساخن ينحصر بالإسمنت مع خوابير، وينحصر بالجبصين، فيه يحف سريعاً، بين أن يضع الخوابير حتى يحصر الأنبوب, ويضع له إسمنت, وينتظر خمس ساعات لكي يجف، وبين أن يضع قطعة من الجبصين بعد خمس دقائق جفّّت فتثبت، الجبصين يأكل الحديد أكلاً، فخلال عدة سنوات يحدث ثقب كبير قدر الباهم في الأنبوب، فهذا مبلط بالرخام، والحمام قَلد بسيراميك، والمالك أحسن كساءه، وقد دفع دم قلبه بهذه الكسوة، وأنت لكي تختصر خمس ساعات, ثبت الأنابيب بالجبصين, فماذا حصل؟ بعد خمس سنوات الحيطان سال الماء عليها، فاضطر صاحب المنزل لإصلاحها لتكسير كل الرخام، نتيجة إهمال مقصود من قبل العامل، ولذلك الأجر الذي يأخذه صاحب المهنة, إذا أهمل مهنته أو أساء أو أدَّاها أداءً منخفضاً, هذا الأجر حرام، سرقة، ولذلك: فإتقان العمل جزءٌ من الدين.
قال عليه الصلاة والسلام:
((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه))
يقول بعضهم: أنا صلاتي متقنة, وأنا أقول: إذا لم يكن عملك متقن, فكل صلاتك ليست لها قيمة، لأن الدين في التعامل.
قال له: هل عاملته بالدرهم والدينار؟ هل حاككته؟ هل جاورته؟ قال: لا، قال: إذاً أنت لا تعرفه.
فالدين لا يبدو في الصلاة والصوم والحج والزكاة، الدين يبدو في أداء العمل، العمل المتقن، فبالمهن كلها هناك أشياء مخيفة جداً.
أحدهم باع طقم كنباة, جاء لبيت الذي اشتراه ضيوف, فمن أول يوم قعدوا نزل، سارع لعند البائع قائلاً: نزل, قال له: يمكن أنكم قعدتم عليه، استعملته؟ فلماذا اشتراه؟ هل اشتراه ليقف بجانبه أم ليقعد عليه؟.
إذاً: الكسب الحلال، ومعنى الحلال: أن يتحرى الحلال في تجارته, وأن يؤدي أعماله بإتقان, حتى يكون كسبه حلالاً.
الآن بالتصريح, يقول له: هذه البضاعة متينة, قل له الحقيقة: هذه بضاعة درجة ثانية، هذه ليست أصلية، هذه فيها خيط تركيبي، يقول لك: صوف مائة بالمائة، وثمنها ثلاثمائة ليرة، والحقيقة: إذا كان صوفاً مائة بالمائة ثمنها ألف ومئتا ليرة، لماذا تكذب عليه؟ فهذا خيط تركيبي، عند الغسيل يشلف، قل له: هذا خيط تركيبي, هذا سعره، لا يوجد منها صوف مائة بالمائة كله كلام فارغ، والمشتري معه هذا المبلغ, فقنع أنه صوف مائة بالمائة فاشتراه، لو قلت له: هذا تركيبي, لما اشتراها، فأنت أخذت من تعبه، هذا اسمه عدوانٌ على الكسب.
وهناك كسب الكسب: أنت اعتديت على كسب الإنسان، أخذت من كسبه الحلال كسباً حراماً، طبعاً إذا بيَّن البائع فلا مانع، وأصبح ليس بغاش، فلو قلت للمشتري: هذا قماش درجة ثانية، هذا ينكمش، هذا خشب نوع ثانٍ، هذه طاولة مصنوعة من نشارة، يظنها لاتيه، يضع لها برغي, يغوص كل البرغي، ينساها تحت المطر فيزيد سمكها، قل له: هذه نشارة وليست لاتيه ، بيِّن له، وضِّح له .
قال عليه الصلاة والسلام: ((من أصاب مالاً في مهاوش -أي بالهيلمة- أذهبه الله في نهابر))
يذهب المال نهيباً، كيف يأتي المال يذهب.
حديثٌ ورد في الجامع الصغير: ((من أصاب مالاً في مهاوش, أذهبه الله في نهابر))
قال لي: تعاملت مع واحد أربع أو خمس سنوات، أشتري بوراً على أساس أنه أجنبي, والسعر ثلاثة أمثال، فظهر لي أنه يعطيني بللوراً وطنياً، يستنظف بعض الألواح, ويعطيني على أساس أنها من صنع أجنبي بثلاثة أمثال السعر، وإذا أذّن المؤذّن للظهر يذهب أول واحد للجامع: ((مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي))
((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
انظر الفرق: من غشنا ومن غش؛ من غش مطلقاً، لو غششت مجوسياً فلست من أمة محمد، ليس من غشنا، بل مطلق الغش فليس منا.
قال: ((الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ, أَشْعَثَ أَغْبَرَ, يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ, يَا رَبِّ يَا رَبِّ, وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ, وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ, وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ, وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ, فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لذلك!؟))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
((يا سعد, أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير]
معنى الغش: -وهذا بحث طويل -إن شاء الله- نعالجه- الغش بالوصف، إن قلت أجنبي وهو وطني فهذا غش، إن قلت من نوع أول، وهو من النوع الثاني فهو غش، إذا وصفته وصفاً وهو على وصف آخر فهو غش، إن كنت أعطيته وزناً أقل من وزنه، ونوعاً أقل جودة من نوعه، إن حددت له وقتاً أبعد من الوقت المطلوب، وفوّت عليه ربحاً كثيراً، فكل هذا من أنواع الغش، إذا أديت عملاً أداء لا إتقان فيه فهو غش، وهذا أيضاً يسبب الكسب الحرام.
يقول عليه الصلاة والسلام: ((من سعى على عياله من حِلِّه, فهو كالمجاهد في سبيل الله, ومن طلب الدنيا حلالاً في عفاف, كان في درجة الشهداء))
وفي الأثر أنه: ((من لم يبال من أين مطعمه, لم يبال الله عزَّ وجل من أي أبواب النيران دخل))
هذه كلمة: حط بالخرج؛ هذه كلمة الشيطان، ومثلها كلمة: لا تدقق، ضعها بذمتي, هذا كله كلام فارغ، ومن وحي الشيطان.
كلكم يعلم: أن أكل لقمةٍ من حرام يجرح العدالة، تطفيفٌ بتمرة يجرح العدالة.
الإمام ابن حنبل -رضي الله عنه- له صديق اسمه يحيى بن معين، له معه صحبةٌ طويلة، الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- هجر صديقه سنوات طويلة, لأن صديقه قال: إني لا أسأل أحداً شيئاً ولو أعطاني الشيطان شيئاً لأكلته, -هكذا قال له صديقه-، فحينئذٍ غضب ابن حنبل حتى اعتذر يحيى، وقال: " كنت أمزح, فقال: " تمزح بالدين؟! أما علمت أن الأكل من الدين؟!!
بل هو أخطر ما في الدين، قدمه تعالى على العمل الصالح.
في قوله تعالى في سورة المؤمنون الآية الحادية والخمسون: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾
[سورة المؤمنون الآية: 51]
الله عزَّ وجل قدم الأكل الحلال على العمل الصالح؛ أي أن عملك الصالح من دون أن تأكل مالاً حلالاً لا قيمة له:. ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 51]
إذاً: العمل الصالح ليس مجدياً إلا إذا كان كسب المال في الأصل حلالاً .
أبناء أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- كانوا يوصون أباهم قبل أن يذهب إلى العمل، يقولون له: اتقِ الله فينا ولا تعد علينا إلا بالحلال، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على عذاب الله.
إن شاء الله في الدرس القادم نتابع حقوق الأبناء على آبائهم، واعتقد أن هذه الموضوعات تمس كل إنسان منا، وهي مهمة جداً, لأنه ما من إنسان إلا وله أب أو ابن, فليعرف إذا كل واحد منهما ما له وما عليه .

السعيد
09-05-2018, 09:22 AM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( العاشر )


الموضوع : العدل فى العطاء والوصية - قصة سيدنا سالم مولى ابى حذيفة





لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من حقوق الأبناء على الآباء أيضاً :
8-العدل بين الأولاد في العطاء والوصية :
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في حقوق الأبناء على الآباء، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى حقٍ جديد، إنه: العدل بين الأولاد في العطاء وفي الوصية.
المشكلة التي يعيشها بعض المسلمين: هو الفصل بين العبادات وبين المعاملات، فإذا أدَّى صلواته الخمس، وصام شهره، وحج بيت الله الحرام، وأدى زكاة ماله، يظن أنه قد أدَّى كل شيء، أما أن يأتي فيحابي ولداً على حساب ولد، أو يعطي ولداً على حساب ولد، فيظن أن هذا من شأنه الشخصي، مع أن الإسلام نظامٌ كاملٌ أمثلٌ لكل مواقف الإنسان، سواءٌ أكانت هذه المواقف أُسَرِيَّة، أو في عمله، أو في علاقته بربه.
الحق الأخير من حقوق الأبناء على الآباء: العدل بينهم في العطاء والوصية .
فقد ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, أن أحد أصحابه أعطى أحد أولاده عطيةً، وأراد أن يُشهد النبي صلى الله عليه وسلم- على ذلك, فسأله النبي الكريم:
((أَفَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ؟ فقال هذا الصحابي: لا, فقال عليه الصلاة والسلام: فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا -هذا العمل لا يصلح- وَإِنِّي لا أَشْهَدُ إِلا عَلَى حَقٍّ))
وفي رواية: ((لا أشهد على جور))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6212/ar-6212/01.jpg
من خلال هذا الحديث يتضح: أن الذي يفرق بين أولاده في العطية, خرج عن سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- إلا في حالات خاصة.
فأحياناً هناك أبٌ يزوج بناته الأربع، ثلاث بناتٍ منهن في وضعٍ ماديٍ جيِّد، بينما بنتٌ رابعة زوجها فقير، فإذا أعطاها في حياته شيئاً, فأعانها على صعوبات الحياة، وقد رضي بقية الأخوة، فهذا وضعٌ استثنائي, له عند الله حُجَّة ومبررات، ولكن الأصل أن يعدل المُسلم بين أولاده في العطية.
روى البخاري ومسلم في صحيحهما, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم))
أمر:
اعدلوا بين أولادكم.
أمرٌ من النبي عليه الصلاة والسلام.
المشكلة: أن الإنسان أحياناً يظن أن هذا حديث شريف وقد مر به، قد قرأه, أو سمعه من مدرس، أو اطلع عليه، وهذا مجرد أمر: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
أي أن الله سبحانه وتعالى خالق السموات والأرض, هو الصانع، هو الخالق، بيده كل شيء، أعطاك أمراً واضحاً بيناً، قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، يقول لك: اعدل بين أولادك, وتقول: هذا حديثٌ شريف, قرأته, واطلعت عليه، وقد مر بي, القضية أخطر من ذلك، إنه أمرٌ من عند النبي -عليه الصلاة والسلام-, الذي فوَّضه الله عزَّ وجل أن يشرع لنا: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
والنبي -عليه الصلاة والسلام- لم يشرِّع من عنده, إنما كما قال الله عزَّ وجل: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية: 3-4]
اتقوا الله واعدلوا في أولادكم
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهما, ومالك في الموطأ]
والحديث الآخر : ((سووا بين أولادكم في العطية –سووا: فعل أمر من التسوية- فلو كنت مفضلاً أحداً لفضَّلت النساء))
وهذا الحديث أيضاً رواه الإمام الطبراني. العدل بين الأولاد :
إذاً: حديثٌ أول، وثانٍ، وثالث: يحضُّ المسلمين على أن يعدلوا بين أولادهم، والدين تطبيق هذه السنة.
لعلك رأيته يصلي, قال: نعم, قال: أنت لا تعرفه.
هذه العبادات إن لم تكن مبنيةً على استسلامٍ لأمر الله, وعلى طاعةٍ له، وعلى انصياعٍ كامل في كل ما أمر، وفي كل ما نهى، فهذه العبادات جوفاء لا تقدِّم ولا تؤخِّر ولا قيمة لها.
النبي -عليه الصلاة والسلام- رفض أن يشهد على جور, حينما بلغه أن أحد أصحابه فضَّل ولداً من أولاده على آخر، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يأمرنا أن نتقي الله, وأن نعدل في أولادنا، والنبي -عليه الصلاة والسلام- في حديثٍ ثالث يقول:
((سووا بين أولادكم في العطية, فلو كنت مفضلاً أحداً لفضَّلت النساء))
هذه النصوص الثلاثة الصحيحة التي هي الأصل في العدل بين الأولاد .
العلماء قالوا: يحرم على المرء أن يوصي لأحدهم بأكثر مما يستحق شرعاً، أو أن يحرمه مما يستحق، أو أن يحرمه بعض ما يستحق.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6212/ar-6212/02.jpg
يحرم؛ أي دخلنا في الحرمة، هناك حرمة، وهناك كراهةٌ تنزيهية، وهناك كراهةٌ تحريمية، وهناك أمرٌ مباح، وهناك سُنَّةٌ غير مؤكدة، وسنةٌ مؤكدة، وواجب، وفرض, أن تحرم أحد أولادك من حقه، أو من بعض حقه، أو أن تعطي أحد أولادك فوق حقه، فهذا مما يحرُم شرعاً، فهذا الذي سيغادر الدنيا كيف سيلقى الله عزَّ وجل؟ يلقاه وقد ظلم أولاده، وقد فضَّل بعضهم على بعض، وقد حابى بعضهم على حساب بعض, إن هذا يزيد البعيد بعداً، قد يقول قائل: إن هذا الابن لا يَبَرُّني, إن هذا التصرُّف من قبل الأب, يزيد الابن البعيد بعداً، وتنشأ عداواتٌ بين الأخوة بعد الوفاة لا يعلمها إلا الله, لذلك الأولى أن تبقى على السُنَّة، السنة منهج، طريق مستقيم، فالإنسان مهما اجتهد، وفكر، وتأمل، ليس أعظم فهماً من خالقه ومربيه الذي شرع له هذا الدين.
الآن عندنا نقطة دقيقة: ويجب أن يعطي أبناءه في الوصية مثل ما أخذه أحدهم زيادةٌ عنهم.
فأحياناً ولد يأخذ نصيباً كبيراً من والده, بحكم كونه أكبر أولاده، فيزوجه، يشتري له بيتاً، ويغادر الدنيا, وعنده أربعة أولادٍ آخرون، هؤلاء سوف يقتسمون الإرث بالتساوي مع أخيهم الأكبر الذي أخذ هذه الدفعة الكبيرة، الأولى أن يسوِّي بينهم في العَطية، بمعنى أنه إذا أعطى الأخ الأكبر، فيجب أن يعطي كلاً من الصغار بقدر ما أعطى الأكبر، هذا أيضاً حكم الله عز وجل، أي يجب أن يتم التوازن بين الأولاد في تقسيم الميراث.
شيءٌ آخر: لا يحق للأب أن يعطي في وجوه الخير أكثر من الثلث، والثلث كثير.
أي أنه إذا كان مندفعاً لفعل الصالحات, فيدع ورثته عندئذٍ من بعده عالةً يتكففون الناس, وهذا لا يرضي الله عزَّ وجل أبداً، لا يرضيه أبداً, فأحياناً يقول لك: يجب أن أوصي بثلث المال للمساجد, وقد ترك بيتاً واحداً، ويسكنه أولاده، فمن أجل أن توصي للمسجد فسوف ترغم أولادك على بيع هذا البيت، فإذا كان هناك بيت وحيد يأويهم، ففي مثل هذه الحالة لا ينبغي أن توصي لا للمسجد ولا لغيره. ((لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون))
هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام, فسواء في حياته، أو بعد مماته, فلا ينبغي أن يعطي أحداً فوق ما يستحق، ولا أن يحرم أحداً حقه ولا جزءاً من حقه، وإذا أعطى أحداً دفعةً كبيرة، فينبغي أن تدخل هذه في حساب الإرث، أما أن تكون خارج الحساب, وهو أعطاه بيت وزوجه، وفتح له محلاً, ثم توفى، وترك أربعة أولاد آخرين، فما تبقى لهؤلاء الخمسة، صار في تفاوت كبير جداً، الأولى أن يكون لكل ولدٍ حقٌ معلوم, إلا أنه في حالات أخرى، قد يكون الأب يعمل مع والده، هذا له جُهد نظير عمله، فمثلاً:
ولد في البيت لا يعمل، وولد يعمل, صار هناك تفاوت كبير جداً، فإذا أخذ الذي يعمل نصيب الجهد, واقتسم مع أخوته الباقين بالتساوي، ما تبقى فهذا أيضاً محض عدلٍ. 9-أن تدخل السرور على أولادك :
الآن: من توابع هذا الحق: أن تدخل السرور على أولادك.
فقد ورد أن مر قومٌ من الأعراب على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: تقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم، فقالوا: لكنا والله لا نقبل, فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:
((وما أملك إن كان الله قد نزع منكم الرحمة))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6212/ar-6212/03.jpg
أي أن هناك عطاءً معنوياً، كان الحديث قبل قليل عن العطاء المادي, ولكن عندنا عطاء معنوي، فالابن أحياناً بحاجة إلى عطف، بحاجة إلى قلب كبير، بحاجة إلى اهتمام، أحياناً لمسة حنانٍ من الأب أو الأم تغني عن آلاف الليرات، الإنسان مفتقر إلى العطف، لذلك هذا الذي ينشأ في حجر أمه وأبيه يكون في المستقبل متوازناً نفسياً، أما الذي ينشأ في بيت فيه خصومات، وفيه شقاق، وفيه طلاق، هذا الطفل ينشأ عنده خلل في عواطفه، فلذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- أشار إلى أن من واجبات الأب تجاه أبنائه: ليس أن يطعمهم، أو أن يسقيهم، أو يكسوهم فقط, بل هناك واجبٌ آخر, وهو: أن يغمرهم بالعطف والحنان، الاهتمام بطعامه وبشرابه، وبغرفته, وبحاجاته، وبملابسه، هذا الاهتمام هو الذي يزرع العطف والحب في قلب الأبناء.
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- حينما أنكر هذا الأعرابي تقبيل الولد، قال عليه الصلاة والسلام: ((وما أملك إن كان الله قد نزع منكم الرحمة))
شيءٌ آخر: النبي -عليه الصلاة والسلام- أراد أن يَخُصَّ البنات بشيءٍ من العطف الزائد، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- نشأ في بيئةٍ كانت البنت فيها مظلومة، ويكفي أن تقرؤوا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾
[سورة التكوير الآية: 8-9]
النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((أكرموا النساء فإنهن المؤنسات الغاليات))
((اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
واستوصوا بالنساء خيراً: قالها كثيراً في حياته، فلذلك هناك أحاديث خاصة بالنساء.
فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-, قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من عال جاريتين -أي ابنتين صغيرتين- حتى تبلغا, جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا، وضم أصبعيه كناية عن قرب الجوار في الجنة))
طبعاً كل من عنده بنتان صغيرتان يرعاهما، لكن بشرط أن ينشئهما تنشئةً طاهرة، بشرط أن ينشِّئهما على حب الله ورسوله، وعلى تلاوة كتابه، بشرط أن ينشِّئهما وفق الشرع، أما إذا سيب أمرهما, وجعلهما تعيشان كما يعيش بقية الفتيات غير الملتزمات، فهذا ما زاد عن أن أطعم هاتين البنتين فقط, والحديث الذي تعرفونه سابقاً:
أن البنت إذا نشأت نشأةً منحرفة بتشجيعٍ من أبيها، أو بغفلةٌ منه، أو بإهمالٍ لها، ورأت مصيرها في النار، تقول: ((يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي))
لقد كان هو السبب، فلذلك الأبوة مسؤولية. ((من عال جاريتين حتى تبلغا, جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا, وضم أصبعيه كنايةً عن قرب الجوار في الجنة))
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((جاءت امرأةٌ ومعها ابنتان لها تسألني أي شيءً, فلم أجد عندي شيئاً.
-انظر بيت سيدنا رسول الله, سيد الخلق, حبيب الحق، نبي هذه الأمة, ليس في بيته إلا تمرةٌ واحد-.
فلم أجد عندي شيئاً غير تمرةٍ واحدة أعطيتها إيَّاها, هذه الأم أخذتها فشقتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئاً، فدخل عليه الصلاة والسلام على أثر ذلك, فحدثته حديثهما, فقال عليه الصلاة والسلام:
من ابتلي -أي من كان له بنت- من هذه البنات بشيءٍ فأحسن إليهن, كن له ستراً من النار))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
في رواية: ((من ابتلي -أنه بلاء وليس مصيبة، البلاء من معانيه الامتحان- مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ, أو من ابتنى -من البنوة؛ أي من كانت له بنت من هذه البنات- مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ, كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ))
هذا الحديث وحده يكفي كي يدفع الآباء إلى الإحسان إلى بناتهم، فلعل الله سبحانه وتعالى يرحمنا جميعاً بالإحسان إلى أولادنا وبناتنا.
وعن عوف بن مالكٍ -رضي الله عنه-, أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : ((من كانت له ثلاث بناتٍ ينفق عليهن حتى يَبِنَّ -أي بمعنى يبتعدن عنه بمعنى يتزوجن- أو يمُتن, كن له حجاباً من النار))
في الحديث الأول: بنتان يحسن إليهن, وهنا ثلاث بنات ينفق عليهن.
وعن عوف بن مالكٍ أيضاً, قال عليه الصلاة والسلام: ((ما من عبدٍ يكون له ثلاث بناتٍ, فينفق عليهن, حتى يَبِنَّ أو يمُتن, إلا كن له حجاباً من النار, فقالت امرأة: يا رسول الله وابنتان؟ قال: وابنتان))
أي أن ملخص الملخص: إذا جاء ملك الموت ينبغي أن يكون معك عملٌ تلقى الله به، عمل طيِّب، يا رب ربيت هاتين الابنتين تربيةً صالحة، تربيةً إسلامية، علَّمتهما كتاب الله، زوَّجتهما من مؤمنين، أنفقت عليهما، حتى أدخلت على قلبيهما السرور، هذا عمل، أو ربيت ولدين فصارا صالحين من بعدك، هذا عمل، أو دعوت إلى الله, هذا عمل، أو تركت علماً نافعاً, هذا عمل، وكل ذلك عمل صالح .
فدائماً لديك سؤال كبير كبير كبير: ماذا أعددت للقاء الله عزَّ وجل؟ .
قال له: جئتك لتعلمني من غرائب العلم, قال: فماذا صنعت في أصل العلم؟ قال: وما أصل العلم؟ قال: هل عرفت الرب؟ قال: ما شاء الله, قال: فماذا صنعت بحقه؟ قال: هل عرفت الموت؟ قال: ما شاء الله, قال: فماذا أعددت له؟ .
فهذا السؤال، ينبغي أن يكون هذا السؤال في مكانٍ بارزٍ من البيت: ماذا أعددت للقاء الله عزَّ وجل؟ .
أكلت فالمأكولات مستهلكات، سكنت هذا البيت مستهلك، قمت بهذه النزهة استهلاك، لكن نريد الاستثمار، فأنت معك مبلغ من المال، سنشبه الوقت بمبلغ ضخم من المال، هذا المبلغ إما أن تستهلكه وإما أن تستثمره، فكل عملٍ ينتهي عند الموت استهلاك، وكل عملٍ يستمر إلى ما بعد الموت استثمار، فهذا السؤال الكبير: ماذا أعددت للقاء الله عزَّ وجل؟.
هل أعددت لهذا اللقاء استقامةً تامة؟ هل أعددت حباً لله ورسوله؟ هل أعددت حفظاً وفهما لهذا الكتاب وتعليماً له؟ هل أعددت أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر؟ هل أعددت تربية أولادٍ تربيةً صالحة؟ ماذا أعددت لهذا اللقاء؟.
يقول له: رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا, وأنا الحي الذي لا يموت.
و: إن الغنى والفقر بعد العرض على الله.
هذا الغنى في الدنيا لا قيمة له إطلاقاً، الغنى والفقر -كما قال الإمام عليٌ كرم الله وجهه-: بعد العرض على الله.
ماذا أعددت لهذه الساعة؟.
لدينا نقطة مهمة جداً أحب أن أقولها لكم: فأن تكون أباً وعندك زوجة وأولاد هذه أبواب مفتَّحة للعمل الصالح، فسوف تتعرض لتعب، وعليك مسؤولية، تعاني سَهَراً، وهموماً، وحُزناً، لا بد من توجيه، وتتعرض لإحباط، أحياناً يواجهك إخفاق، لكن الله عزَّ وجل وضعك بموضع لكسب ثواب العمل الصالح، فالزواج كله من أوَّله إلى آخره بدءاً بمسرَّاته وانتهاءً بمآسيه، الزواج كله بابٌ من أبواب العمل الصالح، فالجهد المبذول للتوجيه، ولإدخال السرور على قلب الأولاد، وإكرام الزوجة, هذا كله من الأعمال الصالحة التي يرضى الله عنها.
وكنت قد حدَّثتكم من قبل: من أن الأعمال الصالحة الأخرى إذا قمت بها أنت فأنعم وأكرم، وإن لم تقم، قد يقوم بها غيرك، ولكن أسرتك من لها غيرك؟ ليس لها أحدٌ غيرك، فلذلك إذا قصَّرت في حقها فأنت محاسبٌ عند الله. الأخوة الإيمانية التي كانت تسود بين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام :
ويطالعنا شيء آخر: نحن قاربنا أن ننتهي من حقوق الأبناء على الآباء، فسوف ننتقل إن شاء الله تعالى إلى حقوقٍ أخرى, نأخذها في درسٍ قادم, وأريد فيما تبقى من هذا الدرس: أن أضع بين أيديكم نموذجاً من الأخوة الإيمانية التي كانت بين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.
أردت أن يكون في هذا الدرس قصة من قصص أصحاب النبي عليهم رضوان الله، لتروا بأم أعينكم كيف ينبغي أن تكون علاقتنا فيما بيننا؟ .
طبعاً هؤلاء الصحابة الكرام -رضي الله عنهم ورضوا عنه- احتلوا عند الله مرتبةً ثابتة، بقينا نحن، ولا ينبغي أن تفهموا من كلامي هذا: أن الموضوع يتعلق بالصحابة، بل يتعلَّق بنا، لكن هذا نموذج حي من نماذج أصحاب النبي عليهم رضوان الله.
قصة سالم مولى أبي حذيفة :
صاحب القصة سيدنا -انظر لكلمة سيدنا- سالم مولى أبي حذيفة, كان عبداً رقيقاً -انظروا كيف أن الإنسان إذا عرف الله حقاً, ينتقل من العبودية إلى مرتبة السيادة:
سبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعتك.
وربنا عزَّ وجل قال:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[سورة الشرح الآية: 4]
فأنا أقول: سيدنا وهو سيدنا فعلاً، وهو عبدٌ رقيق -سيدنا سالم مولى أبي حذيفة- فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أوصى, فقال: ((خذوا القرآن من أربعة -خذوا القرآن، أي أن هذا سيدنا سالم من أهل القرآن، من أهل كتاب الله عزَّ وجل-؛ من عبد الله بن مسعود، ومن سالم مولى أبي حذيفة، ومن أبي بن كعب، ومن معاذ بن جبل))
أربعةٌ من أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- هم مرجعٌ كبير في القرآن الكريم، والقرآن -كما تعلمون- غنىً لا فقر بعده، ولا غنىً دونه.
و: من تعلَّم القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت.
و: ((من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي خيراً منه, فقد حقَّر ما عظَّمه الله تعالى))
و: ((خيركم من تعلَّم القرآن وعلمه))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6212/ar-6212/04.jpg
كان عبداً رقيقاً رفع الإسلام من شأنه، حتى جعل منه أخاً لواحدٍ من كبار المسلمين، بعد أن كان قد تبناه في الجاهلية, كان قبل إسلامه شريفاً من أشراف قريش, وزعيماً من زعمائها، ولما أبطل الإسلام عادة التبني, صار أخاً ورفيقاً ومولى للذي كان يتبناه، وهو الصحابي الجليل أبو حذيفة بن عتبة، سيد من أسياد قريش، زعيمٌ من زعمائها، شريفٌ من أشراف مكة, وهذا سالم كان عبداً رقيقاً عنده، فلما أسلم صارا أخوين في الله.
-أنا أريد من هذه القصة: أن تلمسوا أن الإسلام دينٌ يجمع ولا يفرق، يُلغي كل مظاهر الطبقيَّة، فإنسان في قمة المجتمع وإنسان في الحضيض، بعد أن أسلما صارا أخوين، وما لم تكن لك هذه النفسية فلست مسلماً، حينما تقول: أنا ابن فلان، أو أنا أملك كذا وكذا، أو أنا أحمل هذه الشهادة، أو إن أبي فلان, حينما تعتزُّ بشيءٍ غير الشيء الذي ينبغي أن تعتزَّ به وهو الإيمان, فأنت لست مؤمناً -فعلاً مفارقة كبيرة جداً-؛ إنسان يتبوأ قمة المجتمع، وإنسان يقع في الحضيض, حق الإسلام منهما أخوين، وسوف تروا معي كيف أن الإسلام سوى بينهما؟ والإنسان إذا دخل المسجد يجب أن ينسى أنه يحمل شهادة عليا، أو أنه له وظيفة مرموقة، أو أنه صاحب معمل، هذا كله يجب أن يضعه تحت قدمه إذا كان مسلماً، وأن ينظر إلى أخيه في الإيمان كما لو أنه ينظر إلى إنسانٍ مساوٍ له تماماً.
فأحد الصحابة -رضي الله عنهم- تكلم بكلمة، يبدو أنها كانت ساعة غضب, قال لأحد أصحاب النبي الأرقاء العبيد: يا بن السوداء, فما زاد النبي عن أن قال: إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ , فلم يرض هذا الصحابي بعد ذلك, إلا أن يضع رأسه على الأرض, ليدوس هذا العبد الرقيق بقدمه على رأسه، حتى يغفر الله له.
أبو حذيفة بن عتبة، عتبة بن شيبة من أَلَدِّ أعداء النبي، من زعماء الكفر في قريش, هذا ابنه، عتبة بن شيبة هو الذي خاطبه النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما رآه قتيلاً في بدر, قال :
يا عتبة بن شيبة، يا فلان، يا فلان، يا فلان.
هذا ابنه- تبنى أبو حذيفة سالماً بعد أن أعتقه, وصار يدعى سالم بن أبي حذيفة -هذا قبل أن يبطل الله عزَّ وجل عادة التبني، صار اسمه سالم بن أبي حذيفة، كما أن زيد بن حارثة -رضي الله عنه- كان اسمه زيد بن محمد، ابن النبي، تبناه النبي، لكن الله عزَّ وجل لحكمةٍ رآها حرَّم التبني، عندئذٍ أصبح اسمه زيد بن حارثة، وسالم ليس له أب، أبوه غير معروف، فصار اسمه سالم مولى أبي حذيفة، مولاه.
لم يكن شيءٌ أحبَّ إلى أحدهم بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أخوانهم في الله.
الترتيب كان على الشكل التالي: الله سبحانه وتعالى، ثم النبي -عليه الصلاة والسلام-، ثم المؤمنون, والله هذا مقياس دقيق، إذا كنت تحب إنساناً منحرفاً عاصياً لأسباب، لمصالح، لقرابة، أكثر مما تحب أخاً في الله طاهراً مستقيماً, هذه بادرةٌ خطيرة، وشرخٌ كبير في الإيمان ، أصحاب النبي -عليهم رضوان الله- كانوا يحبون بعضهم حباً لا يصدق، فإذا كان أخوةٌ في مسجدٍ واحد، على قلبٍ واحد، يدهم واحدة، مشكلتهم واحدة، خيرهم واحد، سرَّاؤهم واحد، ضراؤهم واحدة, فهذه علامة إيمانهم، والله سبحانه وتعالى يقول: ((يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
ما تميز به سالم مولى أبي حذيفة :
سيدنا سالم مولى أبي حذيفة, كان إماماً للمهاجرين من مكة إلى المدينة، وكان حجةً في كتاب الله، حتى أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- المسلمين أن يتعلموا منه، وقد قال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- :
((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَكَ يا سالم))
وكان أخوانه المؤمنون يصفونه سالمٌ من الصالحين، هكذا، آمن له مالنا وعليه ما علينا،- المسلمون جميعاً سواسية كأسنان المشط.
لا فضل لعربيٍ على أعجميٍ إلا بالتقوى:. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[سورة الحجرات الآية: 13]
ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضلٌ إلا بالتقوى.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6212/ar-6212/05.jpg
أتعلمون من هو حِبُّ رسول الله؟ أي من أحب الناس إليه؟ كان سيدنا أسامة بن زيد، ولو أتيح لكم أن تقرؤوا عن أوصافه لها لكم الأمر، كان أبوه سيدنا زيد عبداً أسود اللون، وكان ابنه كذلك، فكان يضع النبي -عليه الصلاة والسلام- أسامة على ركبته اليمنى, والحسن والحسين على ركبته اليسرى، وكان يقبلهم معاً، حتى إن أصحاب النبي سموا سيدنا أسامة حِب رسول الله هكذا.
إذاً: المؤمن الصادق يحب لأسبابٍ دينية، للكمال الذي ينطوي عليه، أما وهناك حديث شريف دقيق, قال: ((الشرك أخفى في قلب ابن آدم من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء))
أي لو كان إنسان عادلاً، وكرهت هذا الإنسان العادل لسبب أو لآخر، وإذا مال قلبك لإنسان جائر ظالم لسبب أو لآخر, فأنت في وضعٍ خطيرٍ في الدين، صار هذا شرك، فالمؤمن الصادق علاقاته كلها على أساس ديني، على أساس الكمال الإنساني .
وهذه قصة تفيدنا جداً: فقبل فتح مكة, بل وقبل الهجرة, -قصة سالم كقصة بلال، وقصة عشرات العبيد- بادر سيدنا أبو بكر الصديق, وأتى صفوان بن أمية, واشترى هذا العبد سيدنا بلال، ويقول له صفوان: والله لو دفعت به درهماً لبعتكه, ليس له قيمة خذه بدرهم، فيقول سيدنا بكر: "والله لو أبيت إلا أن تأخذ ثمنه مائة ألفٍ لأعطيتكها.
سيدنا الصديق على عظم شأنه وبلال عبد رقيق، حينما خرج أبى إلا أن يضع يده تحت إبطه -هذا تعبير عن المودة والأخوة في الله، سيدنا الصديق وضع يده تحت إبط سيدنا بلال، تعبيراً عن أخوته الصادقة- وقال: هذا أخي حقاً.
هل تصدقون: أن سيدنا عمر يخرج إلى ظاهر المدينة، وهو أمير المؤمنين, وخليفة المسلمين, لاستقبال سيدنا بلال، سيدنا عمر، خليفة المسلمين، عملاق الإسلام، أمير المؤمنين يخرج إلى ظاهر المدينة, لاستقبال سيدنا بلال!؟ سيدنا بلال يدخل على عمر بلا إذن هو وصهيب، بينما وقف أبو سفيان ساعةً وساعتين, فلم يؤذن له, وهو زعيم قريش، فلما دخل عليه عاتبه, قال: أبو سفيان زعيم قريش يقف في بابك الساعات الطوال, وصهيبٌ وبلال يدخلان ويخرجان بلا استئذان!! فما زاد عن أن قال: أأنت مثلهما؟!.
هذا هو الإسلام؛ فإذا كنت مستعداً أن ترى أن أخاك في الله، ولو كنت أنت في قمة المجتمع, وهو في حضيضه، ولو كنت في قمة العلم, وهو لا يحمل شهادات، ولو كنت أنت في قمة الغنى, وهو لا يملك شر ولا نقير، إذا شعرت أن هذا الإنسان أخوك في الله, له ما لك وعليه ما عليك، إذا شعرت هذا الشعور, فأنت بفضل الله مؤمنٌ ورب الكعبة، أما إذا كان لديك شعور بأنك غيره رفعة ومنزلة، أنت فوقه، أنت أعلى منه، أنت من أسرة أرفع وأسمى، فهذا شعور جاهلي مرضي، يحتاج إلى معالجة, لذلك فإن المؤمنين كتلة واحدة؛ مدني، ريفي، موظف، تاجر، كبير, صغير، وسيم، دميم، كلهم في الإسلام سواء:
المؤمنون طبقةٌ واحدة، يأخذ بذمتهم أدناهم، ويرعاهم أكبرهم.
كلكم يعلم: أنه عند فتح مكة أعطى النبي -عليه الصلاة والسلام- أوامر مشددة, ألا يهرق دمٌ إطلاقاً, في ظرف من الظروف فيه ملابسات، سيدنا خالد اضطر إلى استعمال السيف، حتى إن النبي -عليه الصلاة والسلام- لما سمع بهذا الخبر, اعتذر إلى ربه طويلاً, وهو يقول: ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد))
[أخرجه البخاري في الصحيح, والنسائي في سننه]
-فهذا الكلام له مغزى كبير، ليس الهدف أن تريق دم الكافر أبداً، الهدف أن تهديه، الهدف أن ينضمَّ إليك، الهدف أن تحتويه، الهدف أن يسلم على يديك، هذا أخوك في الإنسانية، وحينما شرع الله الجهاد, شرعه من أجل صيانة الدعوة, ومن أجل أن تكون كلمة الله هي العليا, لذلك فإن النبي -عليه الصلاة والسلام- أعطى توجيهات مشددة ألا يستعمل السيف، ولكن لسببٍ لسنا الآن بصدده، فإن سيدنا خالداً وهو من الصحابة الأجلاء الكرام, اضطر إلى استعمال السيف- وظل عمر -رضي الله عنه- يذكرها له, ويأخذها عليه, ويقول: إن في سيف خالد رهقاً.
والآن: نعود إلى قصة سالم-:
فقد كان مع سيدنا خالد، وسالم عبدٌ رقيق، وسيدنا خالد شريفٌ من أشراف مكة، وقائد الحملة، وقائد هذه الفرقة، سيدنا سالم أخذ على سيدنا خالد هذا المأخذ، وحاسبه، وكأنَّه نِدٌ له، فقد سوَّى الإسلام بينهما -سيدنا سالم ما نظر إلى سيدنا خالد على أنه إنسان, يجب أن نقدس أخطاءه، ولا نظر على أنه فوق أن يحاسب، كان هناك نوع من الصراحة، ونوع من الواقعية، على كلٍ؛ هناك حديث شريف قاله النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))
قالها ثلاثاً .
فالحديث ما أدقه، وفي الأحاديث الشريفة تعاريف للدين جامعة مانعة مثلاً :
رأس الدين الورع.
أي تعلم ما شئت ما لم تكن ورعاً فلست ديناً:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6212/ar-6212/06.jpg
رأس الدين الورع, فإن لم تكن ورعاً قطع رأس الدين.
فلو شبهنا الدين بإنسان وقطعت رأسه ماذا بقي منه؟ انتهى.
رأس الحكمة مخافة الله.
رأس الدين الورع.
الدين -بالتعريف الجامع المانع الدقيق الدقيق-: النصيحة.
فإذا لم تنصح المسلمين فلست ديِّناً، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ, إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ, إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ))
في حديثٍ كررها ثلاثاً. [أخرجه أبو داود في سننه]
لكن هناك نصيحة وهناك فضيحة، هناك من يفضح وهناك من ينصح، كن نصوحاً ولا تكن فضوحاً-.
النبي -عليه الصلاة والسلام- لما بلغه ما صنع خالد, سأل هذا السؤال الخطير, قال:
هل أنكر عليه أحد؟ فقالوا: نعم راجعه سالمٌ وعارضه.
فاطمأن النبي. من مواقف عمر بن الخطاب :
-وقال أحد عامة المسلمين لعمر: والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوَّمناك بسيوفنا, فقال عمر -رضي الله عنه-: " الحمد لله الذي جعل في أصحابي من يقومني إذا اعوججت.
سيدنا عمر مرةً كان مع أصحابه، -هذه قصص, هذه سنن، هذه مناهج، هذه طرائق للتعامل مع الآخرين-.
سيدنا عمر كان مع أصحابه, قال أحدهم: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله, -أي أنه من الطراز الأول، أين سيدنا الصديق؟ إنه قد مات، نريد أن نمدح الحالي، والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله-, سيدنا عمر غضب وحَدَّ فيهم النظر، إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خيرٌ منك, قال: ومن هو؟ قال: أبو بكر, فقال عمر: كذبتم جميعاً وصدق هذا.
-اعتبر سيدنا عمر أو عد سيدنا عمر أن سكوتهم كذبٌ، وأن هذا الذي قال الحقيقة هو الصادق- ثم قال: والله لقد كنت أضل من بعيري، وكان أبو بكرٍ أطيب من ريح المسك.
-فهل يجرؤ أحدٌ بعد هذا الموقف أن ينافق له؟ انتهى كل النفاق-.
النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: هل أنكر عليه أحد؟ قالوا: نعم راجعه سالمٌ وعارضه.
-عبد رقيق، وسيدنا خالد قائد الجيش, ومع ذلك راجعه في موقف، نحن كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((إذا ذكر أصحابي فأمسكوا))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
لكنني أردت من هذه القصة أن أبين: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))
وقال: هل راجعه أحد؟ هل أنكر عليه أحد؟ قالوا: نعم, راجعه سالمٌ وعارضه.
فإذا كنت تحب الله ورسوله, فقل الحق ولو كان مراً, ولا تخشَ في الله لومة لائم، والشيء الذي تعرفونه جميعاً, هو:
أن الله سبحانه وتعالى حينما قال: ﴿يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 39]
من صفات هؤلاء الذي يبلغون رسالات الله: أنهم يخشون الله وحده، فإذا خشوا غير الله انتهوا وانتهت رسالتهم-. قصة استشهاد سالم مولى أبي حذيفة :
كلكم يعلم أن النبي -عليه الصلاة والسلام- انتقل إلى ربه، وبعد انتقاله ظهرت فتنة الرِدَّة، -ويعدُّ سيدنا الصديق بحقٍ المؤسس الثاني للإسلام، وقف وقفةً لا يستطيع أحدٌ من أصحاب النبي أن يقفها إلا هو- .
خرج المسلمون لقتال المرتدين الذين تزعَّمهم مسيلمة الكذاب، -الآن كانوا تحت إمرة سيدنا خالد-، وتعانق الأخوان أبو حذيفة وسالم، وتعاهدا على الشهادة في سبيل الحق، وقذفا بنفسيهما في الخِضَمِّ الرهيب, كان أبو حذيفة ينادي, -اسمعوا جيداً-:
يا أهل القرآن زينوا القرآن بأعمالكم.
-والكلام لنا الآن، أنت حافظ للقرآن، يحب أن تزيِّن هذا الكتاب بأعمالك، الكون قرآنٌ صامت، القرآن كونٌ ناطق، سيدنا رسول الله قرآنٌ يمشي، كان خلقه القرآن، أنت مؤمن, وقتك كله في قراءة القرآن, وفي حفظه، وفي تجويده، وفي فهم أحكامه وآياته، نريد عملاً يزين القرآن-: "
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/inside-arts-6/6212/ar-6212/07.jpg
يا أهل القرآن زينوا القرآن بأعمالكم.
وكان سالمٌ يصيح: بئس حامل القرآن أنا، لو هوجم المسلمون من قبلي, فقيل له: " حاشاك يا سالم بل نعم حامل القرآن أنت.
وكان سيفه صوَّالاً وجوالاً في أعناق المرتدين, الذي هبوا ليعيدوا جاهلية قريش, ويطفئوا نور الإسلام، وهوى سيفٌ من سيوف الردة على يمناه فبترها -لسيدنا سالم-, وكان يحمل بها راية المهاجرين, بعد أن سقط حاملها زيد بن الخطاب، ولما رأى يمناه تبتر التقط الراية بيسراه, وظل يلوِّح بها إلى أعلى, وهو يصيح تالياً هذه الآية الكريمة:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُم فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 146]
أحاطت به غاشيةٌ من المرتدين، فسقط البطل، ولكن روحه ظلت تتردد في جسده الطاهر، حتى انتهت المعركة بقتل مسيلمة الكذاب, واندحار جيشه, وانتصار المسلمين، وبينما المسلمون يتفقَّدون ضحاياهم وشهداءهم, وجدوا سالماً في النزع الأخير، وسألهم: ما فعل أبو حذيفة؟ -مولاه, أخوه في الله- ما فعل أبو حذيفة؟ قالوا: استشهد, فقال: أضجعوني إلى جواره, فقالوا: إنه إلى جوارك الآن.
-هو بجانبك مضطجع، لقد استشهد في المكان نفسه.
سيدنا عمر حينما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي قال: هل صلى المسلمون الفجر؟.
هو في حالة النزع وبين الموت والحياة، ما الذي يعنيه؟ هل صلى المسلمون الفجر؟
فأحدنا إذا كان ألمَّت به شدة، ماذا يقول: البيت هل طوَّبتموه؟ ماذا صار بالبضاعة هل بعتموها؟ اشتريتموها؟ هل صلى المسلمون الفجر؟-.
ما فعل أبو حذيفة بن شيبة؟ قالوا: استشهد, فقال: أضجعوني إلى جواره, فقالوا: إنه إلى جوارك يا سالم.
هل تصدقون: أن سيدنا عمر بن الخطاب وهو عملاق الإسلام, قال وهو يموت : " لو كان سالمٌ حياً لوليته الأمر من بعدي.
أي لو كان سالم حياً، لكان ثالث الخلفاء الراشدين، وهو عبدٌ رقيق:
اسمعوا وأطيعوا ولو تولى عليكم عبدٌ رأسه كالزبيبة.
هكذا قال عليه الصلاة والسلام.
هذه كلمة خطيرة جداً: لو كان سالمٌ حياً لوليته الأمر من بعدي.
إذاً الباب مفتوح، كن من تكون، أي إنسان كن؛ بأي مستوى، بأي دخل، بأي شكل، من أي لون، من أي جنس، من أي بلد، ما دمت عبداً لله، فباب البطولة مفتوحٌ أمامك على مصاريعه كلها، وما عليك إلا أن تقوم، ما عليك إلا أن تجاهد في سبيل الله: ﴿جَاهَدُوا فِينَا﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول بعد عودتهم من إحدى الغزوات: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؛ جهاد النفس والهوى))
فلذلك -أيها الأخوة- الله سبحانه وتعالى يقول: ((لو يعلم المعرضون حبي لهم, وانتظاري إلى ترك معاصيهم, لتقطعت أوصالهم من حبي, ولماتوا شوقاً إلي، هذه إرادتي في المعرضين, فكيف إرادتي في المقبلين؟))
فالمفروض أن يَصدق الإنسان في طلب الحق, حتى يكون من السعداء في الدنيا والآخرة. .

السعيد
09-05-2018, 12:58 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الحادى العاشر )


الموضوع : حق النصيحة - 1





لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما أخطر شيء في حياة الإنسان؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, في الدروس السابقة: كان الموضوع الإجمالي هو حقوق الزوج على زوجته، وحقوق الزوجة على زوجها، وحقوق الأب على ابنه، وحقوق الابن على أبيه، واليوم ننتقل إلى بابٍ جديد من أبواب الحقوق، ألا وهو حق المسلم على المسلم، حقوق المسلم على المسلم كثيرة، منها النصح له، وقبل الحديث عن هذا الحق الجليل، أود أن أقدم لهذا الحق بمقدمةٍ موجزة: إن أخطر شيءٍ في حياة الإنسان دينه, قال:
ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك.
يعني طالب عنده مكتبة كبيرةٌ جداً، لكن هناك كتاباً واحداً في هذه المكتبة هو الكتاب المقرر الذي سيؤدي فيه امتحاناً, ويعلّق على هذا الامتحان آمالاً ضخمة، إذاً هذا الكتاب ليس ككل الكتب.
رجل الأعمال في محفظته أوراق كثيرة, لكن أخطر وثيقةٍ في هذه المحفظة جواز سفره، لولا هذا الجواز لبقي في أرضه، إذاً الدين أخطر شيءٍ في حياة الإنسان، هناك زوجته ، هناك عمله، هناك صحته، هناك دخله، لكن الدين متعلقٌ بالآخرة، موضوع الدين موضوعٌ مصيري، إذا سكنت في بيت هي سنواتٌ وتمضي, إن كان واسعاً أو ضيقاً، عالياً أو منخفضاً ، ملكاً أو أجرةً، سنواتٌ تمضي الزوجة لا بدَّ من أن يمضي وقتٌ تفارقها أو تفارقك، لكن الشيء الذي سيتصل بحياتك الأبدية هو الدين.
هل ينحصر مفهوم الدين حول العبادات الشعائرية؟ :
النقطة الثانية: هو أن الدين شيءٌ عظيمٌ جداً وواسعٌ جداً، فقد يفهمه الناس فهماً مغلوطاً، فيوجد عندنا عبادات شعائرية؛ http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4602/01.jpg
الصلاة والصوم والحج والزكاة، من توهم أن أداء هذه العبادات هو الدين فقد وقع في خطأٍ كبير، من توهم أن الطبيب هو الذي يرتدي ثوباً أبيض، أو هو الذي يضع على عينيه نظارة هو الطبيب، أو هو الذي يسأل الناس عن أكلهم أو عن آلامهم، الطبيب إنسان درس الطب سنواتٍ طويلة, وأصبح يملك قدرةً على تشخيص المرض وعلى وصف الدواء.
النبي -عليه الصلاة والسلام- في تعريفٍ جامعٍ مانعٍ قال:
فعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ, أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((الدِّينُ النَّصِيحَةُ, قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ))
قد يفهم المسلمون الدين أنه صلاةٌ وصيام وحجٌ وزكاة.
سيدنا عمر قال: من شاء صام ومن شاء صلى ولكنها الاستقامة. ((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بُعداً))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
ماذا تستنتج من هذا المثال؟ :
وأنا في طريقي إلى هذا المسجد لمع في ذهني مثل: أن العام الدراسي هو عامٌ طويل في آخره امتحان، الامتحان فيه ينكشف الطالب, وينكشف مستواه العلمي, وفهمه واستيعابه, فمن ظن أن الامتحان لا علاقة له بالعام الدراسي فقد وقع في خطأٍ كبير، إذا جاء يوم الامتحان, ارتدى هذا الطالب أجمل ثيابه, وتوجه إلى الامتحان, واقتنى الأقلام, وكل حاجاته, لكنه لم يدرس، هذا الامتحان لا معنى له، أهم شيءٍ فيه أن تُعد له العدة طوال العام الدراسي.
أردت من هذا المثل: أنك إذا وقفت لتصلي, فاعلم أن الصلاة امتحان، بل إنها ميزانٌ كما قال عليه الصلاة والسلام، إن ما بين الصلاتين؛ استقامتك، صدقك، غضُّك للبصر، نُصحك للمسلمين، ورعك، هذا يبدو في الصلاة، فإذا فصلت بين حياتك ونشاطك وتجارتك وبيعك وشرائك من جهة، وبين الصلاة من جهة، وجعلت الصلاة كشعيرةٍ تعبدية, انقلبت الصلاة والحالة هذه إلى طقسٍ لا معنى له، لكنك إذا فهمت أن الصلاة كساعة الامتحان، أهم ما فيها أن تعد لها قبل أن تأتيها، لذلك جاء قوله تعالى:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية: 14]
تقول: أقمت البناء؛ أي أنك اشتريت الأرض ووضعت التخطيط وبذلت الجهد، إقامة البناء شيءٌ يحتاج إلى جهد كبير مسبق، فلذلك: إما أن تفهم الدين فهماً أجوف على أنه شعائر تؤدى وكفى، أو على أنه كتابٌ يُقرأ، أو على أنه مجلس علمٍ يُحضر، أو على أنه حجٌ يُؤدى، أو احتفالٌ بعيد المولد يُقام وانتهى الأمر، ونحن على ما نحن عليه، هذا هو الفهم السقيم للدين.
ما هو الدين؟ :
الدين شيءٌ يدخل في كل حياتك، في كل حركاتك وسكناتك، في كل نشاطاتك، في كل علاقاتك، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4602/02.jpg
أي إذا جاءك أخ مسلم أو غير مسلم إلى محلك التجاري, وأراد أن يشتري منك حاجة، وأنت من أجل أن تبيع هذه الحاجة الكاسدة أوهمته أنها جيدة، وأثنيت عليها بما لا تستحق، حتى أقنعته بشرائها، إنك لم تنصحه، إذاً ما قيمة دينك؟ ما قيمة صلاتك؟ هذا الذي وقع في مخالفةٍ شرعية، قالت له السيدة عائشة: أبلغوا فلاناً أنه أحبط عمله، أو أنه خسر جهاده مع رسول الله.
فالذي أتمناه عليكم أن تضعوا أيديكم على جوهر الدين: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))
الدين يبدو في دكانك، في متجرك، وراء طاولتك إذا كنت موظفاً، في العيادة إذا كنت طبيباً، وراء مكتبك في المحاماة إذا كنت محامياً، وراء مكتبك الهندسي إذا كنت مهندساً، وراء مهنتك إذا كنت من أصحاب المهن، في مهنتك اليومية، إذا غششت المسلمين فلست مسلماً. لم نفى النبي عن العبد صفة الإسلام في هذا الحديث؟ :
النبي -عليه الصلاة والسلام- نفى عنك صفة الإسلام:
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال:
((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا, وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
النبي أخرجك من دائرة المسلمين إذا لم تنصح أخاك، أي إذا قال لك: ماذا أفعل بهذا المبلغ؟ لو أن هذا المبلغ لك تشتري به دكاناً، تقول له: لا, أعطن إياه، ماذا كنت تفعل لو أن هذا المبلغ معك؟ بماذا نُصحك لهذا الإنسان صاحب المبلغ ينم عن دينك، يجب أن تنصح له بما أنت فاعلٌ لنفسك، بما أنت تفعل لو أن هذا المبلغ لك، هذا هو الدين، الدين يبدو أكثر ما يبدو في التعامل. الدين معاملة :
لذلك ورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: أن الدين هو النصيحة، وأن الدين المعاملة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4602/03.jpg
والعوام يقولون هذا الكلام: الدين المعاملة، الدين في تعاملك مع زوجتك، الدين في تعاملك مع عُمَّالك، الدين في تعاملك مع أولادك، الدين في تعاملك مع جيرانك، يجب أن تعرف حدك فتقف عنده، فلذلك الشيء المؤلم: أن مفهوم الدين مضطرب، مفهوم الدين مفهوم أصبح زئبقياً, فكل إنسان يفهمه على طريقة، بحيث أن الذي قد يفهمه إنسان أن تقيم في بيتك كل عام احتفالاً بعيد المولد، وتأتي بالمنشدين وانتهى الأمر وأنت لا تصلي، هناك من يفهم الدين هكذا؛ الدين أن تذهب إلى الحج, وأن تأتي من الحج, وأن توضع الزينات، وأن تقدم الحلويات، وأن يبارك لك بهذا الحج وانتهى الأمر، الدين داخل بحياتك اليومية، داخل في كل دقيقة من حياتك، في كل ثانية، في كل حركة، في كل سكنة، في نومك، في استيقاظك، في علاقاتك بزوجتك، بأولادك، بمعملك، بعمالك، بمكتبك، بمن يقف أمامك، بمن يقف وراءك، بمن هو فوقك، بمن هو تحتك، هذا هو الدين، الدين هو النصيحة.
لم تأخر المسلمون عن الأمم؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4602/04.jpg
فلذلك: حينما فهم المسلمون أن الدين عباداتٌ شعائرية صاروا خلف الأمم، ولم تكن كلمتهم هي العليا، وحينما فهم أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- أن الدين نصحٌ لكلّ مسلم؛ الدين معاملة، الدين انضباط، فتحوا العالم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
يجب أن نرجع إلى ينابيعه الأولى، إلى ينابيعه الصافية. ليس هذا من الدين في شيء :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4602/05.jpg
الآن: لاحظ أن المسلمين يصلون، الجوامع ممتلئة, والمظاهر الدينية صارخة، ولكن إذا دخلت إلى الأسواق رأيت الكذب، ورأيت الغش، ورأيت الخداع، ليس هذا من الدين في شيء، إذا أردت أن تكسب وقتك، إذا أردت أن تكسب حياتك، إذا أردت أن تضع يدك على جوهر الدين، إذا أردت أن تكون من المؤمنين الصادقين, فالدين النصيحة.
لو أن إنساناً قال لك: أنا لا أعرف انتق لي بنطالا على ذوقك، وانتقيت له البنطال الكاسد ذي اللون غير المرغوب, من أجل أن تُصرف هذا اللون الذي ربص أمامك, فأنت لست مؤمناً، إذا قال لك: انتق لي أنت, يجب أن تنتقي له أجمل الألوان، أما إذا انتقى هو هذا شيءٌ آخر.

إليكم هذا المثل الدقيق على مفهوم: الدين النصيحة :
أنا أضرب المثل الدقيق:
الدين النصيحة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4602/06.jpg
قال لك إنسان: افتح محل بهذه المصلحة, أنت تعلم أن هذه المصلحة ذات أرباح طائلة، تقول: لا هذه مصلحة فاقورة، تريد أن تصرفه عن هذه المصلحة وأنت مسلم؟! لست مسلماً.
إنسان بعث لك ابناً تعلمه مصلحة تجعله مستخدماً، وحينما يأتي الوقت المناسب لتعلم هذه المصلحة تبعده خارج المحل، أنت مسلم؟ لا والله:
الدين النصيحة.
وهناك أمثلة لا تُعد ولا تُحصى، أكثرها في العمل، قال لك فلان: هل أشتري هذا البيت؟ تبيع البيت أنت، وأنت تبيع هذا البيت لعلةٍ خطيرة شعرت أن فيه خطر، وزينت له هذا البيت حتى بعته له، أنت مسلم؟ لا والله:
الدين النصيحة.
لم تنصحه بهذا البيت، فلذلك: الله عزَّ وجل يضع الإنسان في مواقف صعبة، أهونها الصلاة والصوم والحج والزكاة، ولكن أصعبها أن تقف على مفترق الطرق، إذا نصحت تخسر وإذا غششت تربح، وهذه حكمةٌ إلهية.
من حقوق المسلم على المسلم :
هذه المقدمة أردت منها أن أصل إلى أن: من حقوق المسلم على المسلم النصح له.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4602/07.jpg
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- من خلال حديثٍ طويل يقول:
((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ, قِيلَ: ما هن يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ, وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ, وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ, وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ, وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ, وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
اسْتَنْصَحَكَ فعل استفعل, فيه معنى الطلب, كقولك: استغفر، كقولك: استرحم، كقولك استودع.
أول حق: هذا الذي يدخل إلى محلك أليس مسلماً؟ مسلم، يقول لك: انصحن؛ هل هذا القماش جيد؟ هل هذه الآلة جيدة؟ هل هي أصلية أم تقليد؟ هل أنتفع بها أم أنها سريعة العطاب ؟ أنت قد تستعمل هذا الثوب، تقول: لا، أنا أرتدي منه بشكلٍ خبيث، ومن أجل أن تبيع هذا الثوب تفصل منه ثوباً, وكلما سألك إنسان: ما قولك بهذا القماش؟ تقول: لا, أنا أرتدي منه، من أجل أن تبيع هذه البضاعة, وهذا شيءٌ خطير، هذا الذي يدخل إلى محلك التجاري، الله سبحانه وتعالى وكيله وهو مطلعٌ عليك ويعلم السر وأخفى، فمن حق المسلم على المسلم النصح له:
وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ.
متى يستنصح الرجل؟ :
سؤال: الإنسان متى يستنصح إنساناً؟ حينما يأتيك إنسان, ويقول لك: انصحن ماذا أفعل؟ هل تعلم ماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك: أنه واثقٌ من رجاحة عقلك، ومن إخلاصك له، إنسان وضع ثقته فيك، وضع ثقته برجاحة عقلك، وضع ثقته بإخلاصك له، أعطاك صفتين؛ صفة عقلية وهي الرُجحان، وصفة نفسية وهي الإخلاص، لا يمكن أن تأتي إنساناً وتستنصحه إلا إذا وثقت بعقله وأخلاقه، إلا إذا وثقت برجاحة عقله وصدق إخلاصه، إذاً حينما يأتيك إنسان وقد منحك الثقة، وقد منحك كل عوامل الرضا تخونه؟! لذلك:
كبرت خيانةً عند الله: أن تحدث الناس بحديث هم لك مصدقون وأنت لهم به كاذب .
هو يصدقك, لأنه منحك الثقة وأنت تكذب عليه، فهذا الذي يغش الناس كذَّاب يكذب عليهم، ينصحهم بشيءٍ لا يفعله هو لنفسه.
شيء آخر: إذا طرق بابك واستُنصحت، فأنت مظنة رجحان العقل، وصدق الإخلاص ، فإن شئت أن تخيِّب الناس فيك فخيبهم إذا شئت، أما لو لم تكن راجح العقل، لو لم تكن مظنة صلاح, لما سألك أحد: وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ.
انظر ما قاله علي كرم الله وجهه :
شيء آخر: هذا الذي يستنصح هو رجل راجح العقل أيضاً، كلاهما عاقل المستنصِح والمستنصَح.
الإمام عليٌِ -كرم الله وجهه- يقول: الرجال ثلاثة؛ رجلٌ رجل -يقول لك: رِجَّال, بالمعنى العامي- ورجلٌ نصف رجل، ورجلٌ لا رجل؛ فالرجل الرجل هو الذي له رأيٌ ويستشير، والرجل نصف الرجل هو الذي له رأيٌ ولا يستشير، والرجل الذي لا رجل هو الذي لا رأي له ولا يستشير .
إن كنت تملك رأياً راجحاً فأنت رجل، أما إذا كنت تملك رأياً راجحاً وتستشير فأنت رجلٌ رجل، أي رجل مربع، رأي من دون استشارة نصف رجل، لا رأي ولا استشارة لست رجلاً.
هذا ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم :
الشيء الآخر: النبي -عليه الصلاة والسلام- أمره الله عزَّ وجل أن يشاور أصحابه, فقال تعالى:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
الإنسان يستشير بموضوع زواج، بموضوع تجارة، بموضوع فتح محل تجاري، بموضوع استثمار مال، بموضوع سفر، بموضوع شراء بيت، هذه أشياء تعارف الناس على أنها تنفع فيها المشورة، قبل أن تقدم اسأل، قبل أن تعقد قرانك على هذه الفتاة اسأل عنها، اسأل عن أهلها، عن أخلاقهم, عن مستواهم, عن ورعهم, عن استقامتهم، قبل أن تشارك فلان اسأل عنه، هل هو مستقيم أو منحرف؟ قبل أن تشتري هذا البيت، قبل أن تسافر، قبل أن تعمل، قبل أن تفعل، لا بدَّ من أن تستشير.
فلذلك: النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
وفي حديثٍ آخر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ, فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا, فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً, فَقَالَ:
((يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ مَا هَذَا؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ؟ ثُمَّ قَالَ: مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا))
مطلقاً لو غششت مجوسياً فلست مسلماً. قاعدة :
يوجد عندنا قاعدة: الإنسان عليه أن يشاور وعليه أن يستخير، الإنسان الناجح الموفق.
من استشار الرجال فقد استعار عقولهم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4602/08.jpg
عليه أن يستشير، وعليه أن يستخير، الاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين، لأن غير المؤمن يغشُّك، والمؤمن الذي لا خبرة له، كيف ينصحك؟ لا بدَّ من توافر الخبرة والإخلاص:
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
[سورة القصص الآية: 26]
القوة في العلم والأمانة الإخلاص، فلذلك الإنسان الناجح في عمله الموفق، الذي يُطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام يستشير ويستخير، يستشير أولي الخبرة من المؤمنين، ويستخير الله عزَّ وجل في كل المباحات، إياكم أن تظنوا أن المؤمن يستشير أو يستخير في الأمور التي نص على حرمتها الشرع، هذا كلام مرفوض, لأن الله عزَّ وجل يقول:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
الاستشارة والاستخارة في الأمور المباحة، بعد أن تستشير أخوانك المؤمنين أولي الخبرة المعتمدين، بعد أن تثق من دينهم, ومن خبرتهم, ومن إخلاصهم, لك تستشيرهم فيشيرون عليك. أحكام الاستخارة :
الآن تنتقل إلى موضوع الاستخارة تستخير الله عزَّ وجل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4602/09.jpg
أحكام الاستخارة: إن المؤمن عليه أن يصلي ركعتين نافلتين، ولك أن تعُدَّ بعض السنن الرواتب صلاة استخارة، لو أنك صليت قبل الظهر ركعتين أو بعد الظهر ركعتين فهي صلاة استخارةٍ أيضاً، بل إن بعض العلماء أجازوا أن تصلي ركعتي تحية المسجد كصلاة استخارة؛ أي أن المؤمن يصلي ركعتين؛ إما نافلتين, أو من السنن الرواتب، أو من سنة تحية المسجد، وبعدها يدعو بهذا الدعاء, ويقول:
((اللهم إني أستخيرك بعلمك -أنت تعلم يا رب- وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاَّم الغيوب.
خذ هذه الآية شعاراً لك في حياتك :
-المشكلة: أنه يوجد أشياء بالحياة تبدو برَّاقة، فإذا أقبلت عليها كانت لغماً متفجراً، يوجد أشياء تبدو غير براقة, فإذا أقدمت عليها كان فيها الخير الكبير، فأنت لا تعلم ولكن الله يعلم، قد يكون في هذه التجارة التدمير الكامل، وقد يكون في هذه الزوجة الشُؤم، وقد يكون في هذا السفر الخير، لا تعرف أنت، يا ترى إذا سافرت أفضل أم إذا بقيت؟ إذا عملت بهذه المصلحة أم بهذه المصلحة؟ إذا اشتريت هذا البيت أفضل أم هذا البيت؟ إذا تزوجت فلانة أو علانة؟ فإنك لا تعلم ولكن الله يعلم، لذلك ربنا عزَّ وجل قال -وهذه الآية لو عقلناها حق العقل وفهمناها حق الفهم، وتدبرناها حق التدبر لوسعتنا ولكفتنا-, قال:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 216]
ماذا نستنبط من هذه القصة؟ :
هذا الذي تعرفون قصته: خطب امرأةً ودخل بها فلم تعجبه، دخل بها ليلةً واحدة, وفي اليوم التالي هام على وجهه، وغاب في بلاد الشام, وهي في المدينة عشرون عاماً، وعاد بعدها إلى المدينة، حن إلى بلده وحن إلى أهله, –والسنة: أن يصلي في المسجد قبل أن يأتي إلى البيت-, فرأى آلافاً مؤلفة متحلقة حول شابٍ يلقي درساً في العلم الشريف فسأل عنه, -هو اسمه أنس بن عامر-, سأل: من هذا الشاب من هذا العالم؟ قالوا: هذا مالك بن أنس http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4602/10.jpg
هذه الزوجة الطيبة الطاهرة التي لم تعجبه يوم دخل بها وشعرت أنه لم يحبها، قالت له كلمة, قالت : يا أنس, قد يكون الخير كامناً في الشر؛ -أي إن رأيتني شراً قد يكون الخير كامناً فيّ, مضى عشرون عام عاد إلى المدينة، فإذا هذا الشاب هو مالك بن أنس ابنه، وقد نشأ نشأةً علميةً طاهرة وفتح الله عليه-, فلما انتهى مجلس العلم, قال له: قل لأمك: إن بالباب رجلاً يقول لك: قد يكون الخير كامناً في الشر, فلما دخل على أمه، وأبلغها مقالة هذا الرجل، قالت له: يا بني إنه أبوك:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
[سورة البقرة الآية: 216]
الله عزَّ وجل قسم لك هذه الزوجة، أنت لا تعلم لكن الله يعلم، لو أنها متوسطة في ميِّزاتها, أنت لا تعلم والله يعلم، جعلك بهذه الوظيفة أنت لا تعلم ولكن الله يعلم، جعلك بهذا الشكل، بهذه البُنية، بهذه الصحة، أنت لا تعلم لكن الله يعلم، لا يوجد عند الله خطأ، الله عزَّ وجل لا يخطئ، فكل شيء في منتهى الحكمة.
حتى إن الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- يقول: ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني.
قالت له: قد يكون الخير كامناً في الشر.
هذه الآية وحدها لو تدبرناها، الإنسان يذوب محبة لله عزَّ وجل:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 216]
من هنا أخذ النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا الدعاء-: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب.
لم تقرأ قصة سيدنا الخضر كل جمعة؟ :
-ربنا عزَّ وجل علمنا بالقرآن قصة سيدنا الخضر, لماذا تقرؤونها كل جمعة؟ هؤلاء أصحاب السفينة الذي خرقت سفينتهم, وتألموا وضجروا ولاموا سيدنا الخضر على فعلته، ما الذي حصل بعد ذلك؟ إنها نجت من المصادرة:
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾
[سورة الكهف الآية: 79]
إذاً: قد يكون الخير كامناً في الشر-. ما كان الله ليعذب قلباً بشهوة تركها صاحبها في سبيل الله :
اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، فإن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسميه- خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -الدين رقم 1, الدنيا 2, الآخرة 3- أو قال: عاجل أمري وآجله, فاقدره لي ويسره لي, ثم بارك لي فيه.
-أحياناً الإنسان يتزوج امرأة مباركة، ينجب منها أولاداً، يعيش معها حياةً مديدةً سعيدةً آمنةً-.
وعاقبة أمري وآجل أمري, أو قال: عاجل أمري وآجله, فاصرفه عني واصرفني عنه))
أحياناً الإنسان يتعلق بشيء تعلقاً شديداً, وفي هذا الشيء شرٌ له، فإذا صرفه الله عنه وبقي متعلقاً فيه انشغل، فعندما يفرغك الله من هذا الشيء ويصرفه عنك فهذه نعمةٌ كبرى، لذلك هناك حديث شريف: ((ما كان الله ليعذب قلباً بشهوةٍ تركها صاحبها في سبيل الله))
أي إذا خطبت امرأةً ولم يكن في هذه المرأة الخير، وتركتها في سبيل الله، فالله سبحانه وتعالى أعظم من أن يشغلك بها، أو يعذب قلبك بحبها، هكذا دعاء الاستخارة. دعاء الاستخارة :
فعَنْ جَابِرٍ -رَضِي اللَّهم عَنْهم- قَالَ:
((كَانَ رسول الله -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا, كما يعلمنا السُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ, يقول: إِذَا هَمَّ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ, وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ, وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ, فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ, وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ, وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ, اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي, أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي, وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي, أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ, فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ, وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ, ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ, وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
نقطة دقيقة :
النقطة الدقيقة: أن الإنسان عندما يستخير ربه عزَّ وجل, ينتظر أن يرى معجزة، أن يرى في المنام أن افعل أو لا تفعل، لا هذا كله زيادات، ما ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام, أنت إذا استخرت الله عزَّ وجل انتهى الأمر، إذا تيسَّر هذا الأمر يكون الله قد يسره لك واختاره لك، وإذا عسَّره أمامك يكون الله عزَّ وجل قد صرفه عنك، أما أن تنتظر معجزات بعد الاستخارة, هذا كلام ليس من السنة في شيء، أنت استشرت أهل الخبرة من المؤمنين, ثم استخرت الله عزَّ وجل بصلاة ركعتين, وبهذا الدعاء الذي يقطر علماً:
إنك تعلم ولا أعلم.
من خلال هذه الواقعة ماذا يتبين لك؟ :
أحياناً: الإنسان يسافر يكون هلاكه في هذا الطريق.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4602/11.jpg
قال لي شخص, وهو طالب في الطب, حجمه صغير, مقيم ببلد بجانب حلب, قال لي: يوم الخميس توجهت لكي أركب في السيارة, جلست أول مقعد, جاء شخص ضخم الجثة فتح الباب, قال له: انزل، قلت له: لماذا أنزل؟ فمسكه وكأنه عصفور حمله ووضعه, جلس هو ورفيقه في الأمام، قال لي: نشأ في نفسي حقد إلى هذه الدرجة أنا مهان؟! لا يريد شيئاً، جلس ساعة ثانية إلى أن جاءت سيارة ثانية وركب فيها، قال لي: وصلنا بعد أربعين كيلو متر في الطريق إلى إدلب، وجدنا السيارة مقلوبة وراكبين ميتين منها, عندما مسكك ووضعك لا تعرف أنت لماذا أنزلوك؟ فإنك تعلم ولا أعلم وعلى هذا قس، قس عليها كل شيء, إنك تعلم ولا أعلم.
خطبت عشر فتيات هذه أنسب إنسانة، هذه أنسب واحدة إلى دينك، لو كانت أحسن من ذلك قد تنسى الله نهائياً، يعرف أنك ضعيف, بعث لك واحدة متوسطة, تستعين بها على أمر دينك، فهذا الذي اختاره الله لك، فأنت اجتهد، لكن بعد أن يقع الشيء، هذا اختيار الله لك، قبل أن يقع الشيء, لك أن تجتهد, ولك أن تسأل, لك أن تفعل كل شيء، أنت مخير، لكن بعد أن تستنفذ كل الجهود, ويكون النصيب على هذه الفتاة, فهذا هو الخير، فإنك تعلم ولا أعلم، اجعل هذه الكلمة في بالك، يا رب إنك تعلم ولا أعلم.
اختارك أن تكون موظفاً طوال حياتك، فلا تندب حظك طوال الحياة, وتقول: الدخل لا يكفيني، فإنك تعلم ولا أعلم، فيك علة ببعض الأعضاء ومريض طيلة عمرك ومعك آلام، فإنك تعلم ولا أعلم.
متى يرضى العبد بقضاء الله وقدره؟ :
أما الذي أعرفه أنا: حينما يكشف الغطاء يوم القيامة، وربنا سبحانه وتعالى يُطلع الإنسان على كلِّ شيء ساقه له في الدنيا، لا بدَّ من أن يذوب محبةً لله، والدليل: قول الله عزَّ وجل:
﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 10]
أي كل قضيتك مع الله منذ أن خُلقت حتى نهاية الحياة ملخصةٌ بكلمةٍ واحدة, وهي: الحمد لله رب العالمين؛ أي أن القصص التي يمكن أن تؤيد هذه الفكرة على أن الله يعلم وأنت لا تعلم، وكيف قد يكون الخير كامناً في الشر، هذه القصص لا حصر لها، لا تنتهي، أي إن هناك آلاف القصص، ملايين القصص، فإذا عرفت أن في الكون إلهاً عظيماً, وله حكمةٌ بالغة ، وله قدرةٌ قادرة، وهو العدل، وهو صاحب الفضل، السميع البصير، وأن الأمر كلّه بيده، وهذا قضاؤه وهذا قدره وهذا تقديره ترضى بذلك، من هنا ورد في الحديث الشريف:
((الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن))
التوحيد مريح :
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ, وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ, حَتَّى يَعْلَمَ: أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ, وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَه))
[أخرجه أحمد في مسنده]
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة فاطر الآية: 2]
أي إن هذا الإله الذي تعبده يستحق العبادة، لأن أمرك كلُّه بيده، لو لم يكن أمرك بيده لما ركنت إليه، لما اطمأننت إلى عبادته، قد يخطر ببال العبد: يا رب سأعبدك ولكن سأعبد أيضاً من أمري بيده حتى أرضيه، يقول لك: لا، الأمر كلُّه بيدي، هؤلاء صور، هؤلاء دُمى:
﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 55-56]
التوحيد مريح:
ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
أنت عبدٌ لله، ولك إلهٌ عظيم، أنت تحت رعايته وإشرافه، والأمر راجعٌ إليه، فحُط كل ثقلك عند بابه؛ أي فوض الأمر له. يسن في صلاة الاستخارة ما يلي :
يُسَن في هذه الصلاة: أن تقرأ في الركعة الأولى: قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية: سورة الإخلاص.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4602/12.jpg
أعيد عليكم الدعاء مرة ثانية لأنه دقيق جداً:
((اللهم إني أستخيرك بعلمك, وأستقدرك بقدرتك.
-أي أنت أمام عشر قطع من الذهب, صاحب المحل يعرف هذه أربعة وعشرين قيراطاً، هذه ثمانية عشر قيراطاً، هذه ستة عشر، هذه نحاس مطلي، هذه نحاس، هذه تنك وكلّه أصفر، أنت لا تعرف، قال لك: انتقِ، أستاذ افرض لو طلعت تنك، تقول له: أنت انتق لي، لأنه هو الذي يعرف، لما أنت فوضته أن يختار لك, هو يعرف, أعطاك عيار أربعة وعشرين، قلت له: أنا أريد أن أنتقِ، فانتقيت التنك-.
إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ, وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ, وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ, فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ, وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ, وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ, اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي.
-الدين سليم والدخل قليل فأنت نجوت، الدين سليم وعندك مرضان أو ثلاثة أمراض ، فقد نجوت أيضاً، الدين سليم والزوجة سيئة فقد نجوت، الدين سليم والبيت صغير نجوت أيضاً، الدين سليم وهناك متاعب في العمل كبيرة فقد نجوت، الآن بيت واسع ودين رقيق لم تنجُ، الدخل كبير والدين رقيق لم تنجُ.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر-. وَعَاقِبَةِ أَمْرِي, أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي.
-يا رب, إذا كان فيه خير لديني وسأزداد قرباً منك بهذا العمل، إذا هذه المرأة تزوجتها فسأزداد قرباً منك فاجعل أهلها يوافقون، وإذا كانت هذه بداية الفسق والفجور، ومن أجل إرضائها أخسر كل ديني, فيا رب لا أريدها فهذه شر، وهي لغم وليست زوجة-. فَاقْدُرْهُ لِي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي, أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي
-ولكن أروع شيء في الدعاء هو: وَاصْرِفْنِي عَنْهُ, فلا أتذكره وأتألم ويحترق قلبي من أجله-.
وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ.
نهاية المطاف :
-قال له: يا رب هل أنت راضٍ عني؟ وكان الإمام الشافعي ماشياً وراءه أثناء الطواف، فقال له: هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك؟ فقال له: يا سبحان الله! من أنت يرحمك الله؟ قال له: أنا فلان, قال له: كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه؟ قال له: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4602/13.jpg
سيدنا إبراهيم مثل كبير جداً، قال له: اذبح ابنك، هل أنت تتحملها؟ حينما رضي بهذا الأمر، فداه الله بذبح عظيم، الله امتحنه ونجح بالامتحان.
أحياناً تجد أن أبواب الشر كلها مفتوحة، أبواب الدخل الحرام كلّها مفتوحة، أبواب الحلال مغلقة، ماذا تفعل؟ أنا مضطر وعندي أولاد، فقد سقطت في الامتحان، أما المؤمن يقول لك: والله أموت من جوعي ولا آكل درهماً حراماً، الآن سيكفيك الحلال بوفرة.
((ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))
كل شيء بالحياة امتحان، أروع شيء أن الإنسان يُمتحن وينجح بالامتحان-. ويسمي حاجته))
هذا الحديث والدعاء رواه الإمام البخاري، والبخاري -كما تعلمون- أصح كتابٍ بعد كتاب الله، فكل حديثٍ ورد في البخاري أو في مسلم أو في الكتب الصحيحة الست فهو حديثٌ صحيح، وسوف نتابع هذا الموضوع في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

السعيد
09-05-2018, 01:00 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الثانى العاشر )


الموضوع : حق النصيحة - 2






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من حقوق المسلم على المسلم النصح له :
أيها الأخوة الأكارم, لا زلنا في حقوق المسلم على المسلم، وقد ذكرت في الدرس الماضي: أن من أجلِّ هذه الحقوق النُصح له، إذا غش المسلم أخاه فليس مسلماً، ما الذي يقابل النصيحة؟ الغش أو الخيانة، والغاش ليس مسلماً، والخائن ليس مؤمناً، أما الدليل: النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4615/01.jpg
النبي نفى أن يكون منتمياً إلى هذا الدين، بل هناك حديثٌ آخر:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ, فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا, فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً, فَقَالَ:
((يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ مَا هَذَا؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ؟ ثُمَّ قَالَ: مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا))
لو غششت مجوسياً فأنت لست مسلماً، مجوسياً عابد صنم ملحداً، إنه مخلوقٌ من مخلوقات الله عزّ وجل:
الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.
فإذا غششت فلست مسلماً، وإذا خُنت فلست مؤمناً، والدليل:
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ))
ما الذي يقابل الغُشَّ والخيانة؟ النصح، أن تكون نصوحاً، والنبي -عليه الصلاة والسلام- وصف المؤمنين فقال: ((المؤمنون نصحةٌ متوادون ولو ابتعدت منازلهم, والمنافقون غششةٌ متحاسدون ولو اقتربت منازلهم))
إذاً: أكبر حقٍ عليك، وأول حقٍ عليك، وأوجب حقٍ عليك تجاه أخيك المسلم: أن تنصح له. ما معنى النصيحة؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4615/02.jpg
ما معنى النصيحة؟ .
جرت عادة العلماء على أن يبدؤوا التعريف بالتعريف اللغوي، إذا قلت: نصحت، ما معنى نصح في اللغة؟
علماء اللغة قالوا: نصح الرجل ثوبه إذا خاطه.
كأن النصيحة التي أرادها النبي عليه الصلاة والسلام: إذا رأيت خللاً في ثوب أخيك, عليك أن تنصح هذا الخلل؛ أي أن ترفو هذا الخلل، أي أن تخيط هذا الخلل، أي أن تسدَّ هذه الثغرة، أي أن تخيط هذا الثوب، فالنصح بالمعنى اللغوي الخياطة، نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، نصحت أخي المسلم؛ أي وجدت في ثوبه خرقاً أو ثُغْرَةً فأحكمت إغلاقها، وهذا معنى، المعنى الثاني: نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، فهذا عسلٌ نصوح؛ أي مصفَّى.
الآن: ما علاقة النصح بهذا المعنى؟ إذا قدمت لأخيك النصيحة؛ أي قدمت كلاماً صحيحاً حقاً خالصاً دقيقاً، لا يوجد فيه شائبة وهذا حق.
يا أيها الأخوة الأكارم, الذي أراه أن الكلام انتهى دوره, لكثرة الكلام المُنمق، لكثرة الفصاحة، لكثرة البيان، الكلام انتهى دوره ولم يبق إلا العمل، لذلك مهما صافحت أخاك المسلم ، ومهما شددت على يده، ومهما كان لقاؤك له حاراً إذا غششته, أو إذا أخفيت عنه العيب, أو إذا أضللته, أو إذا حاولت أن تصرفه عن شيءٍ مهم, فأنت لست مسلماً, وليس هذا مجتمع المسلمين، ومثل هذا المجتمع لا يحق أن ينصره الله عزّ وجل، لذلك:
الدِّينَ النَّصِيحَةُ.
يجب على المسلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4615/03.jpg
يجب أن تنصح المسلمين من خلال عملك في الدرجة الأولى وقبل الحديث، كلٌ في عمله؛ الطبيب في عيادته، والمحامي في مكتبه، والتاجر في حانوته، والبائع في دكانه، والموظف وراء طاولته، هذا الذي أمامك إن كان مخلوقاً فهو مخلوقٌ لله عليك أن تنصح له، وإن كان مسلماً له عليك حقَّان؛ الحق الأول هو الأخوة في الإنسانية، والحق الثاني هو الأخوة في الدين، يجب أن تنصح له، والنصح الكلام المصفى كالعسل، والنصح الكلام الذي لا شائبة فيه، والنصح إحكام الخلل، إغلاق الثُغْرَة وهذا هو النصح، لذلك: هذا المعنى أساسه لغوي وانتقل إلى المعنى المجازي، والمؤمن ناصحٌ ونصوح، من صفات أهل الإيمان أنهم نصحةٌ متوادون، من صفات أهل النِفاق أنهم غششةٌ متحاسدون.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4615/04.jpg
الله سبحانه وتعالى يقول على لسان سيدنا نوح:
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 62]
من الذي يجب عليه أن ينصح؟ هو الذي يعلم من الله ما لا يعلم الآخرون، كل من آتاه الله علماً, من أمانة العلم أن تنصح كل المسلمين.
والآية الثانية على لسان سيدنا هود:
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾
[سورة الأعراف الآية: 68]
هل المسلم مكلف أن ينصح كل إنسان في كل مكان وفي كل وقت وزمان؟ :
1-النصيحة فرض كفاية :
لكن هناك سؤالٌ دقيق, وهذا السؤال: هل أنا عليّ أن أنصح كل إنسان، في كل مكان ، في كل وقتٍ وزمان، ليس هناك استثناء؟ .
قال العلماء: النصيحة فرض كفاية, إذا قام بها البعض سقطت عن الكل.
يعني إذا كنتم جماعة في نزهة, ورأيت إنساناً يعذِّب حيواناً، إذا تكلم أحد هؤلاء ناصحاً, سقط الوجوب عن بقية الحاضرين.
إذاً: النصح فرض كفاية, إذا قام به البعض سقط عن الكل.
هذا الحكم الأول.
2- مثل هذه الحالة أعفاك الشرع من أن تنصحه:
الحكم الثاني هو: إذا غلب على ظنك إذا تيقنت, أو غلب على ظنك أن هذا الإنسان لا يقبل النصيحة بل سيستهزئ بها لأنه ينكر أصل الدين، إذا قلت له: يا أخي قال الله تعالى، يقول لك: أو مصدقٌ أن هذا كلام الله؟ مثل هذا الإنسان لا عليك إن لم تنصحه، انطلاقاً من قوله تعالى:
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾
[سورة الأعلى الآية: 9]
انطلاقاً من حديث النبي -عليه الصلاة والسلام- أن لا تضع الحكمة في غير أهلها:
من منع الحكمة أهلها فقد ظلمهم، ومن وضعها في غير أهلها فقد ظلمهما.
إما أن تظلم الناس وإما أن تظلم الحكمة، يعني انطلاقاً من قوله تعالى:
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾
[سورة الأعلى الآية: 9]
وانطلاقاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي إنه من تكلم في الحكمة لغير أهلها فقد ظلمها, ومن منعها أهلها فقد ظلمهم.
أحكام تتعلق بالنصيحة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4615/05.jpg
أول حكم في النصيحة أنها فرض كفاية, إذا قام به البعض سقط عن الكل، يعني إنسان أخطأ وكنتم جماعة، فأوجهكم أوسطكم أعقلكم أعلمكم أذكاكم أفصحكم, قال له: يا أخي, بأسلوب لطيف ولبق، وبقية الأخوة الحاضرين ليس عليهم أن يتكلموا أكثر من ذلك، وإلا تصبح هذه النصيحة فضيحة، والنصيحة شيء والفضيحة شيءٌ آخر.
الحكم الثاني: أنك إذا غلب على ظنك أن هذا الإنسان بعيدٌ عن الدين بعد الأرض عن السماء، وأنه لا يستجيب، وأنه سيستهزئ، وأنه سيكيل للدين الشتائم، وأنه بعيدٌ عن الله كالحجر الصلب، في مثل هذه الحالة أعفاك الشرع من أن تنصح له.
يعني أحياناً الإنسان يلتقي بسيارة عامة بالطريق بإنسان يسب الدين, يتكلم كلام بذيء بحق الحضرة الإلهية، فإذا نصحته ربما زدته هيجاناً، ربما زدته تفلتاً، ربما حملته على أن يقول كلمة الكفر، مثل هذا من الحكمة أن تبتعد عنه.
3- مثل هذه الحالة أعفاك الشرع من النصيحة أيضاً :
يوجد عندنا حكم ثالث: هناك حالاتٌ إذا نصحت فيها, تخشى أن يلحق بك ضررٌ كبير، كأن يُتلف مالك كله، أن تضيع حريتك، أن تفقد أحد أعضائك، أيضاً في مثل هذه الحالة الشرع الحنيف أعفاك من النصيحة، إذا خفت على نفسك الضرر الكبير، وإذا كان هذا المنصوح بعيداً عن الدين بعد الأرض عن السماء، وإذا قام بهذه النصيحة أحدٌ آخر، سقطت في هذه الحالات الثلاثة.
علام يحض هذا الحديث؟ :
الآن: الحديث النبوي الشريف الذي بين أيدينا، عن ابن رقية تميم الداري، من هو تميم الداري؟ هذا الذي اشترى القناديل والحبال والزيت من الشام, وأخذها إلى المدينة المنورة، وكان وصوله للمدينة يوم الجمعة أو عصر الجمعة، أمر غلاماً له فعلق الحبال وعلق عليها القناديل وملأها بالزيت، وحينما غابت الشمس أمر غلامه أن يُسرج هذه القناديل، ودخل النبي -عليه الصلاة والسلام-, فإذا مسجده النبوي مُزهر متألق بالأضواء، فقال عليه الصلاة والسلام: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4615/06.jpg

((من فعل هذا؟ قالوا: يا رسول الله تميم الداري، فقال عليه الصلاة والسلام والبسمة على شفتيه, وقد شعر أصحابه أنه رضي تمام الرضى, فقال عليه الصلاة والسلام: نورت الإسلام، نور الله قلبك يا تميم، لو أن لي بنتاً لزوجتكها.
-لذلك هذا الحديث وحده يكفي لدفع الأخوة الأكارم إلى أن يعتنوا بمسجدهم، هذا بيت الله، هذا الذي يُسهم في إنارته، وهذا الذي يُسهم في نقل الصوت، وهذا الذي يُسهم في تنظيفه ، وهذا الذي يُسهم في حراسته، وهذا الذي يُسهم في خدمة الأخوة الكرام رواد هذا المسجد، هذا عمل عظيم، ألا يكفينا شرفاً أن سيدنا إبراهيم -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-:
﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾
[الآية: 125سورة البقرة]
أُمر بتطهير البيت؟ لذلك إذا كان هناك من يُغبط, فهذا الأخُ الكريم الذي يعمل في خدمة مسجد لله عزّ وجل، بيت الله، خدمة بيت الله، من الذي سيجازيك؟ الله سبحانه وتعالى-.
هذا تميم الداري الذي قال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: نورت الإسلام, نور الله قلبك يا تميم، لو أن ليّ بنتاً لزوجتكها، فقال أحد أصحاب النبي: يا رسول الله, عندي بنت اسمها فلانة, فافعل بها ما تشاء، فزوجه إياها))
يعني هذا الصحابي استغل المناسبة وزوج ابنته، هذا تميم الداري كنيته أبو رُقية. هذا التعريف الجامع المانع للدين :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4615/07.jpg
فعَنْ أبي رُقية تَمِيمٍ الدَّارِيِّ -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ -التعريف الجامع المانع-:
((الدِّينُ النَّصِيحَةُ, قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ))
المسلم ينصح وغير المسلم يغش، يعني إذا دلك على شيء يغمزه, يقول له: ارفع السعر لأن حالته المادية جيدة، يعمل إشارات حتى يأخذ من ورائك مبلغاً من المال، من صفة أهل النفاق الغش، أما المؤمن نصوح, إذا استشرته يشير عليك ما هو صانعٌ لنفسه، لا يمكن إذا غش المسلم أو إذا لم ينصح فقد خسر إسلامه، وقد خسر دينه:
الدِّينَ النَّصِيحَةُ.
هذا التعريف الجامع المانع للدين، هذا هو الدين. أنواع العبادات :
وقد تكلمت كلمة اليوم, قلت: إن العبادات نوعان؛ عباداتٌ شعائرية مثل: الصلاة وهي عبادة شعائرية, تقف وتقرأ الفاتحة وسورة وتركع وتسجد، الصيام تدع الطعام والشراب، الحج تذهب إلى الديار المقدسة، تخلع الثياب وترتدي ثوبين أبيضين غير مخيطين، تطوف حول الكعبة، تُقَبِّل الحجر، تسعى بين الصفا والمروة، تصعد إلى عرفات، هذه عبادة شعائرية، ويوجد عبادات تعاملية، وهي: الصدق, الأمانة, الإخلاص, عدم الكذب, عدم الغيبة, وعدم النميمة، غض البصر, وعدم سماع الغناء، ضبط اللسان, وضبط اليد، ضبط الأعضاء، هذه العبادة الشعائرية تشبه ساعات الامتحان، وهذه العبادة التعاملية تشبه العام الدراسي بأكمله، فساعات الامتحان: لو أن طالباً لم يقرأ كلمةً أثناء العام الدراسي، إلا أنه أخذ أول قلم وثاني قلم وثالث قلم احتياطاً، وارتدى أجمل الثياب، وتعطر، وحمل شطيرةً ليأكلها إذا جاع، ووضع في جيبه بعض المال، وركب سيارةً فخمة إلى الامتحان، لكنه نسي شيئاً واحداً، نسي أن يدرس فقط, أما كل شيء هيأه سوى الدراسة؛ الأقلام مهيأة, ولباسه جيد, والعطر متعطر، كل هذه العناية بهذه الساعات الثلاث لا قيمة لها، إذا لم يسبق هذه الساعات الثلاث عملٌ دؤوب طوال العام الدراسي، فالعبادات الشعائرية إن لم يمهَّد لها بالعبادات التعاملية لا قيمة لها إطلاقاً.
هذه دعائم الإسلام وليست هي الإسلام :
من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
((بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ, وَإِقَامِ الصَّلاةِ, وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ, وَالْحَجِّ, وَصَوْمِ رَمَضَانَ))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4615/08.jpg
هذه دعائم الإسلام وليست هي الإسلام؛ الإسلام صدق، الإسلام أمانة، الإسلام إخلاص، الإسلام نصيحة، الإسلام ورع، الإسلام محبة لله عزّ وجل، الإسلام بذل المال والوقت والخبرة والجاه في سبيل الله عزّ وجل، هذا هو الإسلام، إذا فعلت هذا, جاء الامتحان, وقفت في الصلاة فانهمرت دموعك، وقفت في الصلاة فاتصل قلبك بالله، وقفت في الصلاة فشعرت بالشوق إلى الله، الامتحان أنت متهيئ له، طول العام الدراسي تعد لهذه الساعات الثلاث، لذلك انتبهوا إلى تعاريف الدين، فالصلاة وكما قال بعض العلماء هو كلام صحيح لكنه في الظاهر: أقوالٌ وأفعال؛ تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم، الصلاة صلة, والدليل: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية: 14]
﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾
[سورة العلق الاية: 19]
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 45]
لو يعلم المصلي من يناجيه ما انفتل.
الصلاة معراج المؤمن.
الصلاة نور.
الصلاة طهور.
الصلاة حبور. ما الذي جعل الناس وراء الأمم؟ :
فلذلك: هذه العبادات الشعائرية، إن الذي جعل الناس وراء الأُمم: أنهم فهموا الدين عباداتٍ شعائرية فقط، ونسوا أن الدين معاملة:
الدين المعاملة.
الدين النصيحة.
رأس الدين الورع.
رأس الحكمة مخافة الله.
هذه التعاريف الخطيرة أربعة تعاريف: رأس الدين الورع.
رأس الحكمة مخافة الله.
الدين النصيحة.
الدين المعاملة.
من هنا قال أحدهم وأظنه التستُري، عبد الله التستُري قال:
والله لترك دانقٍ من حرام, خيرٌ من ثمانين حجةً بعد الإسلام.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((لأن أمشي مع أخٍ في حاجته خيرٌ لي من صيام شهرٍ واعتكافي في مسجدي هذا))
كلمة صريحة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4615/09.jpg
فأنا أقول لكم كلمة صريحة: الإسلام لن ينتشر إلا إذا وجُد مجتمعٌ مسلم، الكلام لا قيمة له، على مستوى مسجد إذا كان هذا المسجد يطبِّق الإسلام، الأخ ورع، صادق في تعامله ، مخلص في صنعته، عفيفٌ في نظراته، ورعٌ في كسبه للمال، دقيقٌ في إنفاق المال، سرُّه كعلانيته، ظاهره كباطنه، راهبٌ في الليل فارسٌ في النهار، يعمل، يأكل من كد يده، يده عُليا وخشنة من عمله، يخدم المسلمين، عضوٌ نافعٌ في المجتمع، إذا كان المسلم هكذا اتسعت دائرة الإسلام, ودخل الناس في دين الله أفواجاً, وإذا فهمنا الإسلام عبادةً شعائرية؛ قيامٌ, وركوعٌ, وسجود, وصيامٌ, وحج، وزينات, وألقاب فخمة, وبروتوكولات, وطقوس، وألبسة خاصة بالمسلمين، وعطر خاص لهم، وحفلات خاصة، وطرب، والحلوى وما شاكل ذلك، إذا فهمنا الدين بشكلٍ شعائري بشكل طقوس انتهى الدين، الدين أكبر ثورة اجتماعية في الأرض، حينما يظهر الدين في مجتمع يصبح مجتمعاً آخر، يوجد فيه كل علاقاته، لذلك حينما فهمنا الإسلام صلاةً وصياماً، قال سيدنا عمر:
من شاء صام ومن شاء صلى ولكنها الاستقامة.
كيف يكون النصح لله؟:
1- أن تؤمن به، وأن تدعو الناس للإيمان به :
الدِّينُ النَّصِيحَةُ, قُلْنَا:
((لِمَنْ يا رسول الله؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِم))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما]
اجعل هذا الكلام في بالك، سأحاول فيما تبقى من وقتِ الحديث أن أشرح هذه النقاط الأربعة:
أولاً النصح؛ أي أن تنصح نفسك أو أن تنصح غيرك, الجواب: الحديث يحتمل كِلا المعنيين، أن تنصح نفسك أولاً، وأن تنصح غيرك ثانياً، كيف النصح لله؟ أي أن تؤمن به، أن تؤمن به أنت، وأن تدعو الناس للإيمان به، من خلال شرح آياته، وشرح نعمائه، وشرح بلائه، ونفي الشرك عنه، أن تقنع نفسك بالتوحيد، وأن تبعدها عن الشرك الجلي والخفي، وأن تنبِّه الناس إلى ما قد ينزلقون فيه من شركٍ خفيٍ أو جلي، عدم الإلحاد بأسمائه وصفاته، إذا نفيت علمه فقد ألحدت بأسمائه؛ إذا نفيت حكمته، إذا نفيت رحمته، إذا نفيت تقديره، إذا نفيت عزَّته، إذا نفيت أن دينه لا يصلح، أنت تلحد باسمه، تلحد بهذا الدين القويم، النصح لله: أن تنصح نفسك، أن تعرفها بالله عزَّ وجل، وأن تعرف غيرك.
2-أن تنفي عنه جميع النقائص :
شيءٌ آخر: أن تنفي عنه جميع النقائص.
هذا الشيء الذي تترفع أنت عنه، إياك أن تصف الله به، بشكل أن الله عزَّ وجل خلق الإنسان منذ الأزل وقدَّر عليه أن يكون شقياً، فيأتي إلى الدنيا ماذا يفعل الإنسان؟ فيقول: كاسات معدودة بأماكن محدودة، فيشرب الخمر، لأن الله قدر عليه هذا الشرب, ولم يهتد، لأن الله قدر عليه الضلال، فإذا جاء الموت كان في جهنم إلى الأبد، أتفعل أنت هذا مع تلميذٍ لك، مع صانعٍ عندك، مع مأمورٍ عندك؛ تقدِّر عليه الشر وتجبره عليه وتعاقبه عليه؟ يجب أن تنفي عنه ما لا يليق به، وهذا معنى قولنا سبحانه وتعالى: سبحان الله، هذا التسبيح هو التنزيه والتمجيد، أن تطيعه وأن تدعو الناس لطاعته، هذا هو النصح له، وأن تجتنب معصيته وتحذِّر الناس من معصيته، وأن تحبَّ فيه وأن تبغض فيه، أن تبني كل علاقاتك على أساس محبة الله عزّ وجل، فالذي يحبه الله أنت تحبه، والذي لا يحبه فلا تحبه، قد يكون هنا علاقات عمل لا يوجد مانع، علاقات العمل لا علاقة لها بالمحبة والكراهية، أما أن تقيم مع إنسان علاقةً حميمة، أن تسهر معه إلى أنصاف الليالي، أن تستمتع بحديثه وهو مُلحد، وهو عاصٍ, وهو شارب خمر، من أنت؟ أنت مثله، إذاً أن تبتعد عن معصيته, وأن تقبل على طاعته، وأن تحب فيه, وأن تبغض فيه، وأن توالي من يواليه, وأن تعادي من يعاديه، وأن تجاهد في سبيله، تجاهد نفسك وهواك، وأن تعترف بنعمه وأن تشكره عليها، وأن تخلص له في جميع الأمور، هذا معنى النصح لله، أولاً أنت عليك أن تعرفه، عليك أن تعبده، عليك أن تطيعه، وعليك أن تحبه، عليك ألا تشرك به، عليك أن توحِّده، عليك أن تنزِّهه، وأن تسبِّحه، عليك أن تدعو الناس إليه، هذا هو النصح لله.
يعني أحياناً الإنسان يلتقي بشخص في سفر, هذا أخ لك في الإنسانية, انصحه وحدثه عن الله عزّ وجل، أي حديث آخر سخيفٌ وتافه، يعني ماذا تفعل؟ أي حديثٌ آخر سماه العلماء اللغو:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 3]
هذا النصح لكتاب الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4615/10.jpg
أما النصح لكتاب الله؛ أن تؤمن بأن هذا كلام الله، وأن تدعو الناس للإيمان به، وأن تؤكِّد لنفسك ولغيرك أن هذا الكلام ليس ككلام البشر، كلامٌ آخر كلامٌ معجز، وأن تعظِّم القرآن ، وأن تتلوه آناء الليل وأطراف النهار، أن تتلوه حق تلاوته, بدءاً من التجويد وانتهاءً من التفسير، وأن تخشع عند قراءته، وأن تصدِّق ما جاء فيه، وأن تعتني بمواعظه، وأن تتفكر في عجائبه، وأن تعمل بمحكمه، وأن تسلم بمتشابهه، وأن تبحث عن عمومه وخصوصه، وأن تنشر علومه في الناس، هذا النصح لكتابه، كتاب الله؛ هذا منهجك، هذا دستورك، هذا الذي نعيش من أجله.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4615/11.jpg
هذه تعليمات الصانع، وأنت آلةٌ معقدة، لا يوجد إنسان عنده آلة غالية، فأنا أعدُّ هذا شيئاً عاماً، لا يوجد إنسان عنده آلة غالية، غالية الثمن، عظيمة الخطر، معقَّدة التركيب، إلا وهو حريصٌ عليها حرصاً لا حدود له، من حرصه على هذه الآلة يسعى لتنفيذ تعليمات الصانع تنفيذاً حرفياً, وقد يكون أحياناً شكلياً، وقد يكون أحياناً مُضنياً، آلة ثمنها ثلاثمائة وخمسون ألف, والله لا يوجد منها هكذا يقول لك، وقف لا تشغلها حتى تبرد، إن أخذ مكيفاً يقول: إياك أن تطفئه اتركه يعمل حسب التعليمات، لماذا أنت حريصٌ كل هذا الحرص على هذا المكيف، ولست حريصاً على هذه النفس التي ملكك الله إياها؟ لماذا لم تحرص على هذه النفس التي قال الله عنها: قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها؟.
لو أن أحداً عينه مريضة لا ينام الليل، أولاً يطلب موعداً, يقول له الطبيب: بعد شهرين فيقبل، قبل أن يلتقي بالطبيب, يقول لك: ثلاثمائة ليرة، مائة وخمسون, قبل أي لقاء وبكل بساطة يدفع، لأن العين -كما يقول عامة الناس-: غاليةٌ على صاحبها، فإذا كانت نفسك بهذا الغلاء فعليك أن تعتني بها، من هنا قال الله عزّ وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
[سورة المائدة الآية: 105]
أي اعتنوا بأنفسكم، عليك به؛ أي اعتنِ به. ما معنى النصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ :
ومعنى النصح لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أيضاً أن تصدقه على أنه رسول الله, وعلى أنه نبي الله، وأن تبين للناس حرص هذا النبي، ورحمة هذا النبي، تبين للناس صواب أقوال هذا النبي، حكمة سنته، وأن تنصره حياً وميتاً، حياً معروفة، أما ميتاً: بالدفاع عنه.
إذا وقف إنسان في مجتمع في احتفال، وانتقص من النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأنت تستطيع أن ترد عليه، تبقى ساكتاً؟! هذا من النصح لرسول الله، أن تنتصر له، أن ترد الشبهات التي يتقولها الناس عنه, وأن تعادي من يعاديه، وأن توالي من يواليه، وأن تعظِّم حقه ، وأن توقره، وأن تحيي طريقته وسنته، وأن تبُث دعوته، وأن تنشر سنته، وأن تستفيد من علومه، وأن تفقه معانيها، وأن تدعو إليها، وأن تتلطف في تعليمها للناس، يعني إذا علمت الناس السنة قمت بعملٍ عظيم، لأن السنة تبيينٌ للقرآن الكريم، والقرآن منهج الإنسان، لا يوجد عمل أجل في الحياة بعد تعليم القرآن من تعليم السنة، والسنة والقرآن مصدران أولان كبيران من مصادر التشريع الإسلامي, والتأدُّب عند قراءة السنة:
هناك من يفتح كتاب السنة وهو متوضئ من باب التأدب، هناك مجموعة آداب أُثرت عن السلف الصالح عند قراءة كتب السنة، والتخلق بأخلاق النبي، والتأدب بآدابه، ومحبة آله وأصحابه، وبغض أهل البدع في السنة، وبغض من يتعرَّض لأصحاب رسول الله.
قال له:
((يا سلمان, لا تبغضني فتفارق دينك, فقال سلمان: كيف أبغضك وبك هدانا الله؟ قال: يا سلمان تبغض العرب فتبغضني))
فهذا الذي يغمز من قناة الأمة العربية، يحاول في كل مجلس أن يطعن في هذه الأمة ؛ متخلفة، كذا وكذا، هذه أمتك، وهذه أمة نبيك، وإذا تعثَّرت في آخر الزمان, أنت أن تحطمها؟!!. هذه معنى النصيحة لأئمة المسلمين :
بقي معنى النصيحة لأئمة المسلمين، قال: بمعاونتهم على الحق.
فأنت إذا كنت موظفاً في دائرة، يوجد شخص أعلى منك, مشى في اتجاه أن يصدر قرار، فيه إبعادٌ للناس عن الحق، ولك مكانةٌ عنده، ويستمع إليك ويأخذ بآرائك، أنت إذا نصحته ووجهته، وبينت له الحق, وقلت له: هذا الشيء لا يجوز ولا ينبغي أن يكون في هذا المجتمع المسلم، فإذا أخذ برأيك فقد أعنته، وهذا نصح ولاة الأمور، هذا الوالي إنسان، أولي الأمر من بني البشر، فإذا أنت نصحتهم وبينت لهم فلك أجرٌ كبير، إذاً أن تعينهم على الحق، وأن تنبِّههم, وأن تذكرهم برفقٍ ولطف.
فالله عزَّ وجل علمنا حين قال لسيدنا موسى وأخيه هارون:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾
[سورة طه الآية: 44]
فرعون قال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾
[سورة النازعات الآية: 24]
ومع ذلك: ربنا عزَّ وجل قال لسيدنا موسى وهو نبيٌ عظيم: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾
[سورة طه الآية: 44]
وإعلامهم بما غفلوا عنه، وتأليف قلوب المسلمين لطاعتهم، وألا تثني عليهم ثناءً كاذباً، هذا كلُّه من النصح لولاة الأمور.
هكذا يرى بعض العلماء :
لكن بعض العلماء يرون أن ولاة الأمور تعني شيئاً آخر، وهم أئمة الدين، وعلماء الدين، يعني هذا العالم ليس معصوماً، فإذا زلت قدمه، أو إذا أخطأ كن له نصوحاً ولا تكن له فضوحاً.
النبي -عليه الصلاة والسلام- معصوم لا شك في ذلك، وليس أحدٌ بعده معصوماً، الولي محفوظ، ما الفرق بين المعصوم والمحفوظ؟ المعصوم الذي عصمه الله عزَّ وجل عن أن يغلط, لأن النبي إذا غلط, وقد أمرنا الله عزَّ وجل أن نتبع سنته, فكأن الله أمرنا بالمعصية، مستحيل، لا يمكن إلا أن يكون النبي معصوماً في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، وفي حركاته، وفي سكناته، وفي رضاه، في غضبه، في كل أحواله, معصوم لأنه مشرِّع، معصوم لأن الله قد أمرنا أن نأخذ منه، وأن نتبع أمره, وأن ننتهي عما عنه نهى، فمن باب أولى أن يكون النبي -عليه الصلاة والسلام- معصوماً، والعصمة صفةٌ لازمةٌ للأنبياء، انتهى الأمر، لكن ما جاءنا عن صاحب هذه القبة الخضراء فعلى العين والرأس، وما جاءنا عن من سواه فهم رجال ونحن رجال، أكبر عالم قد تزِل قدمه، قد يخطأ لأن الخطأ صفةٌ من صفات بني البشر، لكن الولي محفوظ، معنى محفوظ: أنه لا تضره معصية، بمعنى: أنه إذا زلت قدمه سريعاً ما يعالجه الله سبحانه وتعالى، المؤمن حساس فهيم فطن، يعرف أن هذا العقاب أو أن هذه المعالجة بهذه الزلة فيتوب رأساً، وما دام قد تاب انتهى الأمر, إذاً هو محفوظ، إذاً العصمة لرسول الله، الله عزَّ وجل عاصم، والنبي معصوم.
أن تقول: العصمة لله خطأ، الله عزَّ وجل هو العاصم، والنبي معصوم، والولي محفوظ، فإذا الإنسان زلت قدمه، سبقه لسانه، تكلم كلمة الأولى ألا يتكلمها، وأنت أخ كريم فبينك وبينه نصحته، يجب أن يقول لك: جزاك الله عني كلَّ خير، هذه صفات العلماء، يجب أن يستمع إلى النصيحة، ولو من أصغر أخوانه، جزاك الله عني كلَّ خير, أنا لست معصوماً، انتهى الأمر، انتهت المناقشة كلّها، لذلك: النبي معصوم, والولي محفوظ, والنصيحة واجبة.
قاعدة :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4615/12.jpg
يوجد عندنا قاعدة: ما من أحدٍ أكبر من أن يُنْقَد وما من أحدٍ أصغر من أن يَنْقُد.
أحياناً طفل ينتقدك، هو على حق وأنت على غير الحق، عوِّد نفسك أن تستمع إلى النصيحة تتلقاها بصدر رحب، عود نفسك أن تكون متواضعاً، عود نفسك أن لا تدعي أنك أفهم الناس، أنت واحد من الناس، هكذا قال سيدنا الصديق، مع شهادة النبي الكريم له, حين قال:
لو وزن إيمان الخلق بإيمان أبي بكر لرجح.
ماذا قال أبو بكر في خطبته الأولى؟ قال: أيها الناس, لقد وليت عليكم ولست بخيركم .
لا يوجد إنسان معصوم إلا النبي، ما دمت لست نبياً فأنت لست معصوماً.
إليكم توضيح هذا الكلام :
قد يسبقك اللسان، لكن أحب أن أبين لكم: الأخطاء الكبيرة والأخطاء التي يسبقها إصرار وتصميم, هذه يجب أن يترفع عنها كل من دعا إلى الله، أحياناً يسبقه اللسان، أحياناً تزل قدمه قليلاً، فأنت كأخ يجب أن تنصحه، ويجب أن تكون في نصحه لطيفاً؛ أي بينك وبينه ، ويجب أن يستمع إليك، ويصغي إليك، يجب أن يشكرك، يجب أن تتخذ هذا القول شعاراً لك :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4615/13.jpg
أحب ما أهدى إلي أصحابي عيوبي.
أحب هدية، لو أن إنساناً قدم لك ساعة ذهبية, أو ساعة من أغلى أنواع الساعات, ثمنها عشرات الألوف، بل مئات الألوف، وإنسان آخر نصحك نصيحة في دينك، قال لك: يا أخي هذا العمل لا يليق بك، هذا مخالفٌ للسنة، لو عرفت قدر هذه النصيحة لسارعت إلى تقبيل يديه، تقول له: شكراً لك على هذه النصيحة، هكذا مجتمع المؤمنين، فيه تناصح، نصحةٌ متوادون، لذلك إذا نُصحت فأصغ لهذه النصيحة، وتواضع للذي ينصحك، وتأدب معه، واشكره على نصيحته، وإذا رأيت أخاً كريماً لك قد زلت قدمه أو سبقه لسانه فأسدِ له النصح، ومن صفات المؤمنين التناصح، وكلُّ واحدٍ يؤخذ منه ويُردُّ عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء.
إذاً: النصح أيضاً على علماء الدين، ومن نصحهم: قبول ما روه وتقليدهم في الأحكام وإحسان الظن بهم.
قصة :
تروى قصة عن رجل جالس مع أخوانه, فمر قطيع من الغنم, فقال لأحدهم: قم فخذ غنمة واذبحها لنا، قال: أعوذ بالله أنا لا أفعل هذا، هو أساء الظن به.
هذه قصة تروى من باب أن الإنسان من الأولى أن يحسن الظن بأخيه المؤمن، أحياناً الإنسان يرى أن إنساناً وضع يده بجيب إنسان، لعل هذا الرداء رداؤه، أو لعله رداء ابنه، أنت دائماً كمؤمن حاول أن تحسن الظن، هذا الموقف سليم، أما إساءة الظن تحتاج إلى دليل قطعي، ما دام لا يوجد دليل قطعي الأولى أن تحسن الظن.
نقطة مهمة :
مرة أنا كنت عند أخ أعطاني منشفة يوجد عليها اسم فندق، أنا اضطربت هذه المنشفة خاصة بالفندق الفلاني، فكيف وصلت إلى هذا البيت؟ تألمت وما تكلمت، بعد أشهر الله عزَّ وجل سخر لي أخاً كريماً, أنبأني أن هذا الفندق يعطي هذه المناشف كل سنة لموظفيه، يقدمها هديةً له، الأمر توضح، لا تسئ به الظن.
المؤمن يجب أن يغلب حسن الظن :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4615/14.jpg
أخ حدثني ذات مرة, فقال لي: عندي صانع من الدرجة الأولى -القصة قديمة من أربعين أو خمسين سنة- فطلب من بائع الزبدة أن يبعث مع صانعه مائة باكيت، أتى الصانع بها، عدّها صاحب المحل فوجدها ناقصة واحداً، اقترب من معطف هذا الصانع فوجد في الجيب علبة، هذا ليس دليلاً قطعياً، كاد أن يطرده، كاد أن يهينه، تريث, ضبط أعصابه، بعد يومين وهو يحاسب المعمل, قال له: والله بعثنا لك مائة باكيت أخذ الصانع واحداً ودفع لنا ثمنه، نريد منك ثمن تسعة وتسعين.
-الإنسان لا يتسرع, فهذه القصة بليغة أيضاً، هو عنده دليل قطعي, طلب منه مائة بعث له مائة ووجدهم تسعة وتسعين وفي الجيبة يوجد واحد، معنى ذلك: أن الصانع أخذه-.
فلما ذهب ليحاسب المعمل، قال له: والله بعثنا مائة، اشترى صانعك واحد ولنا معك تسعة وتسعين، الواحد لازم هذه النقطة ينتبه لها، فالمؤمن يجب أن يغلِّب حسن الظن.
كيف تكون النصيحة لعامة المسلمين؟ :
قال: أما النصيحة لعامة المسلمين؛ نصيحتهم بإرشادهم إلى معرفة ربهم، بمصالحهم في دنياهم وآخرتهم، إعانتهم على أمر دنياهم بالقول والفعل، ستر عوراتهم، سدُّ خُللهم، دفع المضار عنهم، جلب المنافع إليهم، أمرهم بالمعروف، نهيهم عن المنكر برفق.
تطبيق عملي للنصيحة :
مرة قال لي شخص: البراد إذا كان وضع بشكل أُفقي, ثم وضع بشك عمودي وشغلنا, فإن المحرك يحترق على الفور، لأن الزيت يكون قد أخذ مكاناً آخر، وبعدها كنت ماشياً في الحريقة, فرأيت رجلاً قد اشترى براداً من المؤسسة الاستهلاكية, ويريد أن يضعه على السيارة بشكل أُفقي، توقعت أنه لا يعرف، فانتقلت من رصيف إلى رصيف, فقلت له: هذا عندما تشغله انتظر عليه ثماني ساعات، قال لي: والله لم يقل لي أحد والله يجزيك الخير، لعله من أجل شرائه له دفع مبلغاً أساسياً بحياته، وضعه في البيت فشغله فاحترق المحرك، ثمنه ألفان أو ثلاثة آلاف ليرة أو أكثر، نصيحة هذه.
من هو المؤمن؟ :
واحد في الطريق انصحه، النصح لكل مسلم، في أمر دينه وفي أمر دنياه، تجد الصيدلي كتب الدواء, وقال له: كم ملعقة قبل وبعد الطعام؟ يكتب قبل الطعام أو بخط لا يفهم، اكتب بخط واضح, كم ملعقة قبل الطعام بعد الطعام؟ هذا مسلم هذا؟ الطبيب كذلك يبين قبل الأكل بعد الأكل، فينقص كلمة فلم يفهم المريض شيئاً، ودفعة ثانية استشارة، النصح لكل مسلم ؛ طبيب، محام, صيدلي، موظف في دائرتك, ومواطن معه معاملة, فقل له: هذه لعند فلان وفلان وفلان، أما أن يصرفه فقط فهذا غير مؤمن، إذا كنت مؤمناً تذهب معه، هكذا المؤمن، النصح لكل مسلم.
هذه البيعة :
إذاً: هؤلاء كلهم عباد الله عزّ وجل, لا تفرق, فكلهم عباد الله، إذا كنت مسلماً صحيحاً, يجب أن يكون وقتك كله في خدمة الخلق، من أجل أن يحبك الحق:
عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ:
((بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ, وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ, وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
هذه البيعة، أنت مسلم ما دمت تنصح الخلق، فإذا غششتهم فلست مسلماً؛ ولو صليت وصمت وزعمت أنك مسلم، هذا أكبر حقٍ وأول حقٍ وأخطر حقٍ للمسلم على المسلم، فإذا فتحت دكاناً فانوِ بهذا المحل خدمة المسلمين، إذا اشتغلت أي مصلحة.
هذا الحديث لأصحاب المصالح وأصحاب المهن :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4615/15.jpg
فاليوم حدثني أخ, إذا لم تضغط هذه البواري مواسير تمديدات المياه, قد يكون ثقب صغير يسبب لصاحب هذا البيت مشكلة كبيرة، فيضطر أن يكسر البلاط كله، ويكسر السيراميك, ويدفع عشرات الألوف من أجل ألا تفحص هذا الكوع، فأصحاب المصالح، وأصحاب المهن، هذا الحديث لكم جميعاً، إذا كنت مسلماً فانصح في عملك، يقول لك: "يا أخي الغش هو الماشي، لا هذا كلام الجهلة، لا الحق هو الماشي، قل له: السعر الفلاني وهذه ميزاته الخشب الفلاني، والنوع الفلاني، يركب لوح بللور على مسمارين فقط، يخبطوه خبطة يقع البللور، وثمنه خمسمائة ليرة، من أجل السرعة فقط، يريد الخمسة خمسة، والعشرة عشرة، أصحاب المهن، أصحاب المصالح، الموظفون، الأطباء، الصيادلة، المحامون، المسلمون جميعاً، لا يوجد إنسان ليس له عمل، انصح له، باعه طقم كنباة أول جلسة نزل، يا أخي نزل، قال له: جلست عليه، ما هذا الطقم الكنباة؟ تأخذ طاولة أول يوم, ثاني يوم تقبع الفورميكا، الحذاء عياره جمعة، ويقول لك: هل لبسها ابنك؟ يعني لا يلبسه، النصح لكل مسلم، بهذا الغش انعدمت البركة، تربح كثيراً وتذهب مصادرات كثيراً، بالمائة ألف بالمائتين ألف مصادرة، هذا كله لأنه مال حرام.
أمر خطير :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4615/16.jpg
هذا أيضاً في الغذائيات, يوجد شيء خطر جداً، لأنها كلها أصباغ صناعية، أصباغ بلاط يضعونها في السكاكر، إذا لا يوجد خوف من الله هذا شيء يخوف، مواد كلها انتهى مفعولها فرضاً، يضعون مع الزعتر أحياناً نشارة خشب، كل هذا وارد، إذاً فقد الدين من المجتمع، أصبح الأمر مخفياً، وتصبح تخاف من كل شيء, هذه الأشياء الأجنبية المستوردة، يضعون فيها مواد مخففة من الكوكائين، من أجل الإدمان، تجد الطفل يريد هذا الشراب فقط أو هذه الأكلة باستمرار، يوجد مواد مخففة جداً، تجد الطفل إذا أكلها مرة أو مرتين يحبها دائماً، يبيع حاجاته ويشتريها، إذا كان فقدت الدين فقدت كل شيء, لذلك:
يا موسى خفني وخف نفسك وخف من لا يخافُني.
إذا الإنسان لا يخاف من الله فخف أنت منه:
((بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
نهاية المطاف :
الكلمة الأخيرة في هذا الموضوع: من استبد برأيه هلك، ومن استشار الرجال استعار عقولهم.
وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
((رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس، وما استغنى مستبدٌ برأيه، وما هلك أحدٌ عن مشورة.
-إياك أن تستبد برأيك، اسأل أخوانك المؤمنين، اسأل أولي الخبرة من المؤمنين الصادقين.
حديث خطير-:
رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس، وما استغنى مستبدٌ برأيه، وما هلك أحدٌ عن مشورة، فإذا أراد الله بعبدٍ هلكةً, كان أول ما يهلكه رأيه)) لهذا نحن ندعو على أعدائنا, ونقول: اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم .
إذا الإنسان استبد برأيه, وتكبر, وركب رأسه، ورفض النصيحة, قد يكون دماره في تدبيره.

السعيد
09-05-2018, 01:03 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الثالث العاشر )


الموضوع : حق اجابة الدعوة





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما ذكر سابقاً :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4606/01.jpg
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق، وكما تعلمون أداء الحقوق واجب، أداء الحقوق من العدل والعدل قسري، لكن الإحسان اختياري، فلذلك موضوع الحقوق موضوعٌ مصيري.
تحدثنا -كما تعلمون- عن حقوق الزوجة على زوجها، وعن حقوق الزوج على زوجته، وعن حقوق الأبناء على الآباء، وعن حقوق الآباء على الأبناء، وانتقلنا قبل أسبوعين إلى موضوعٍ جديد, وهو: حقوق المسلم على المسلم.
أي مسلمٍ تلتقي به له حقٌ عليك، وهذا الحق الذي له عليك يصبح عليك واجباً، ومن تعريفات الواجب: أن فاعله يُثاب وتاركه يُعاقب، ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، هذا هو الواجب، فلذلك موضوع الحقوق موضوعٌ مصيري وموضوعٌ خطير تتعلق به سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، تحدثنا عن هذه الحقوق عن حقٍ واحد هو حق النصيحة، إن أخاك المسلم له عليك حق النصيحة، وواجبٌ عليك أن تشير عليه ما أنت صانعٌ لنفسك في كل مجالات الحياة، وما لم تكن كذلك فلست مسلماً.
من حقوق المسلم على المسلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4606/02.jpg
الآن ننتقل إلى حقٍ آخر من حقوق المسلم على المسلم: إن هذا الحق هو إجابة الدعوة، أخوك دعاك، له حقٌ عليك أن تجيب دعوته، وواجبٌ عليك أن تلبي هذه الدعوة، فإجابة الدعوة حقٌ واجبٌ على المسلم لأخيه المسلم، لماذا؟ لأنها تحقق معنى الأُخوة، والأُخوة من معانيها المساواة، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 10]
من لوازم الأخوة في الله، من لوازم الأخوة في الدين، من لوازم الأخوة في الإسلام: أن تجيب دعوة أخيك في شتى المناسبات، وتلبية الدعوة -أيها الأخوة- إجابة الدعوة تحقق الأخوة وتزيد في الود وتصفِّي النفوس فيما بينها.
الإسلام حث عليها واعتبر الممتنع عنها عاصياً، عد الإسلام الممتنع عن تلبية الدعوة عاصياً، والدليل:
عن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- قال:
((قال عليه الصلاة والسلام: ست خصالٌ واجبةٌ للمسلم على المسلم, من ترك شيئاً منهن فقد ترك حقاً واجباً: يجيبه إذا دعاه، وإذا لقيه أن يسلِّم عليه، وإذا عطس أن يشمِّته، وإذا مرض أن يعوده، وإذا استنصحه أن ينصح له))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: ((لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ: يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ, وَيَشْهَدُهُ إِذَا مَاتَ, وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ, وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ, وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ, وَيَنْصَحُ لَهُ إِذَا غَابَ أَوْ شَهِدَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
ويعنينا من هذا الحديث الفقرة الأولى: يجيبه إذا دعاه.
طبعاً يوجد أحاديث أُخرى بروايات أُخرى, تشير إلى حقٍ سادس: ألا وهو إذا مات أن يتبعه؛ أي أن يشيعه.
إشارة لطيفة في هذا الحديث :
وعَنْ جَابِرٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ, فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَك))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
في هذا الحديث إشارةٌ لطيفةٌ جداً إلى أن المراد من هذه الدعوة اللقاء، هذا الذي لا يجيب الدعوة, لأنه يعاني من حميةٍ قاسية, كأن هذا الكلام يضمِّن أن الدعوة من أجل أن يأكل ويشرب، الحديثٌ دقيقٌ جداً: أن تأكل عند أخيك وأن تشرب شيئاً ثانوياً، ولكن الشيء الأساسي هو أن تلتقي به، هذا اللقاء يضمن المودة والمحبة والأُلفة والتفاهم، هناك بعض الأشخاص يبنون قصوراً من الأوهام إذا تم اللقاء والتواصل, ذابت هذه القصور من المشكلات ومن التصورات ومن الآلام ومن الغضب، فيبدو أن اللقاء شيءٌ مهمٌ جداً في علاقات الأُخوة الإسلامية:
((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ, فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَك))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4606/03.jpg
ليس شرطاً أن تأكل؛ أنت صائم، أنت في حميةٍ شديدة، لقد تناولت طعام الغداء، فتقول: يا أخي حسبوها علي، هذه حسبوها عليك ولم يحسبوها، العبرة أن تلتقي بأخيك، وأخوك حينما يدعوك معنى هذا أنه يحبُّك، ومعنى هذا أنه يتمنى أن تكون عنده في البيت، معنى هذا أنه يتمنى أن يلتقي بك، فاللقاء هو الأصل.
حديثٌ آخر: عن ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ:
((عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ))
فالآن أكثر الدعوات في عقود القِران؛ أي أن الإنسان حينما يزوج ابنه ويرسل هذه البطاقات إلى أخوانه المؤمنين, يتمنى أن يكونوا في هذا الاحتفال، وقد يكون في هذا الاحتفال خيرٌ كبير؛ ككلمةٌ تلقى أو نشيدٌ ينشد، أو مدحٌ للنبي عليه الصلاة والسلام. احذر من هذه الدعوة :
وهذا الحديث الآخر رواه مسلم.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِي اللَّه عَنْه-, أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ, وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
أي أنك إذا اخترت من المدعوين أُولي الغنى والوجاهة والشأن في المجتمع، وأهملت المؤمنين الصادقين الذين تقع مرتبتهم أحياناً في الدرجة الثانية في المجتمع، إن فعلت هذا فهذه الدعوة شرُّ أنواع الدعوات، كيف؟ عليك أن تذيب الفوارق بين المجتمع، لك أقارب، لك أخوة، لك أصدقاء، لك أخوان في الله عزَّ وجل اُدعهم جميعاً، ولا تجعل أساس الدعوة الغنى، ولا أساس الدعوة الوجاهة، ولا أساس الدعوة علوً المرتبة الاجتماعية، ليس هذا من شأن المؤمن أبداً، المؤمن أخو المؤمن:
المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره.
فيكفي ألا تدعوه إلى هذا الغذاء, لأنه من الدرجة الثانية, لأن لباسه وسط، أنا داعي علية القوم وهذا يفسد الحفلة، إذاً لست مسلماً أنت:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِي اللَّهم عَنْهم- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ, وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
ما ينبغي على المؤمن أن لا يفعله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4606/04.jpg
حديثٌ سادس:
وعن عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عُمَرَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
((مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا))
فالمؤمن ما لم يدعَ فلا ينبغي للمؤمن أن يُذل نفسه، ولا ينبغي للمؤمن أن يذهب بلا دعوة، أحياناً دعاك وحدك فجئت مع خمسة أولاد، هو لم يهيئ نفسه لخمسة أولاد، المكان محدود, والكراسي محدودة, والطعام محدود، واختارك من بين مجموعة فدعاك, فجئت مع أولادك كلهم، هذا ليس من أخلاق المسلم، أما إذا سمى أولادك واحداً واحداً بأسمائهم، أو أعطاك بطاقاتٍ خاصةً لهم, عندئذٍ الأمر طبيعي. ما الحكم الشرعي في إجابة الدعوة؟ :
الآن نريد الحكم الشرعي في إجابة الدعوة: لا شك أن هذه الأحاديث التي بين أيديكم ، هذه الأحاديث الستُ التي تلوتها على مسامعكم: كلُّها تؤكد أن تلبي دعوة أخيك، لكنكم تعلمون أن الأمر في القرآن والسنة, إما أن يكون أمر وجوب, وإما أن يكون أمر ندبٍ، وإما أن يكون أمر إباحةٍ, وإما أن يكون أمر تهديد؛ أمر الوجوب:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾
[سورة الروم الآية: 31]
أمر الإباحة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾
[سورة البقرة الآية: 187]
أي مباحٌ لكم الطعام لأن هذا أمر إباحة، أما أمر الندب: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾
[سورة النور الآية: 32]
أمر التهديد: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
[سورة الكهف الآية: 29]
﴿سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 37]
فيا ترى هذه الأوامر التي وردت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- في إجابة الدعوة: هل هي أمر وجوب أم أمر ندب أم أمر إباحة أم أمر تهديد؟ .
الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في شرح صحيح مسلم يقول: لا خلاف أن المؤمن مأمورٌ بإجابة الدعوة.
ولكن هل هو أمر إجابٍ أو ندبٍ؟ هنا الخلاف، هناك خلافٌ بين العلماء, هل الأمر أمر إيجاب أم ندب؟ عند السادة الشافعية هو فرض عين؛ إذا قام به البعض يسقط عن الكل، أي على كل مدعوٍ أن يلبي الدعوة، ولكن يسقط هذا الواجب إذا كان له عُذرٌ شرعي، عذر أي مسافر أو مريض.
بعضهم قال: وفرض كفاية.
بعضهم قال: أنه مندوب في وليمة العرس.
إلا أن العلماء اتفقوا على وجوب الإجابة في وليمة العرس، واختلفوا في سواها، وفي سواها أيضاً بين من يرى أنها واجبةٌ ومندوبة.
على كلٍ؛ الملخص: إن إجابة الدعوة بين أن تكون فرض كفايةٍ, وبين أن تكون فرض عين، وبين أن تكون واجبةً وجوب إيجاب، وبين أن تكون واجبة وجوب ندب، تتراوح أحكام إجابة الدعوة بين هذه النقاط الأربعة. إذا دعي الإنسان من زميل له كتابي :
الآن يوجد عندنا سؤال دقيق، إذا دعي الإنسان من زميلٍ له كتابي -أي من أهل الكتاب-: ما رأي الشرع الشريف في إجابة مثل هذه الدعوة؟.
قال العلماء: تجب هذه الإجابة لعموم الحكم الشرعي.
يجب عليك أن تجيب دعوة هذا الكتابي الذي دعاك إلى وليمة.
وقال بعضهم: إذا كان في هذه الوليمة منكرٌ, وبإمكانك أن تزيل هذا المنكر فلبِّ الدعوة، وإن لم يكن بإمكانك أن تزيل هذا المنكر, فلا عليك ألا تلبي الدعوة.
إذا كان هناك اختلاط، أو يوجد تماثيل، إذا يوجد فيه غناء, أو أي شيء لا يرضي الله عزّ وجل, فإذا كان بإمكانك أن تزيل هذا المنكر فلب الدعوة، وإن لم يكن بالإمكان ذلك لا عليك ألا تلبي هذه الدعوة.
بعضهم قال: إذا قال لك الداعي: أمرني فلان أن أدعوك أنت بالذات، فعليك أن تجيب، أما إذا قال: أمرني فلان أن أدعو من أشاء وها أنذا قد دعوتك، في مثل هذه الحالة لا عليك ألا تجيب.
يعني ترون من هذا الحكم: أنك إذا ذهبت إلى هذه الدعوة, ولم يكن فيها منكرات، ولم يكن فيها معاص، ولم يكن فيها اختلاط، ولم يكن فيها شرب خمر، ولم تكن فيها مخالفاتٌ شرعية، وبإمكانك أن تلبي هذه الدعوة من دون أن يُمَس دينك إطلاقاً فيجب أن تلبيها، أما إذا كان هناك منكرات وليس بالإمكان أن تزيلها، وليس بالإمكان أن تأمر بالمعروف ولا أن تنهى عن المنكر، فيجب عليك ألا تلبي هذه الدعوة، هذا هو الحكم الشرعي.
ما هي الأعذار التي يمكن أن تسقط واجب إجابة الدعوة؟ :
قلنا: إن إجابة الدعوة فرض عين لا تسقط إلا بعذر.
ما هي الأعذار التي يمكن أن تسقط واجب إجابة الدعوة؟.
قالوا: هي أعذار من يمتنع عن الصلاة في المسجد، فإذا كان مريضاً، أو يقوم بشأن مريض، أو كان يجهِّز ميتاً، أو يقوم بإطفاء حريق، أو يخاف ضياع ماله، أو في طريقه من يؤذيه، هذه الأعذار تكون أعذاراً مقبولةً إذا دُعي الإنسان ولم يلبِّ الدعوة.
نقطة هامة :
يوجد نقطة ثالثة: وهي أن هناك بعض الأعراس تستمر أياماً ثلاثة، فإذا كانت الوليمة ثلاثة أيام فدعيت في اليوم الأول وجب عليك الإجابة، فإذا دعيت في اليوم الثاني لم تجب عليك الإجابة، ولكن يُستحب أن تجيب هذه الدعوة، فإذا دعيت في اليوم الثالث ليس لك أن تجيب هذه الدعوة, هكذا قال عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث الشريفة, الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي, قال:
((الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ وَالثَّانِيَ مَعْرُوفٌ وَالْيَوْمَ الثَّالِثَ سُمْعَةٌ وَرِيَاءٌ))
مشكلة :
الآن يوجد عندنا مشكلة: أحياناً الإنسان يُدعى من جهتين, أغلب الظن أن الإنسان يختار الأوجه, يقول لك: هذه أدسم، هذا أوجه، فهنا يوجد عندنا حكم شرعي دقيق جداً، هذا الحكم يُزيل كل مشكلة، يُزيل كل التباس.
مثلاً: إذا دعاك اثنان إلى وليمتين، فإن سبق أحدهما قُدِم الأول لسبقه، دعاك إنسان على طعام متواضع جداً في مكان بعيد، بعد نصف ساعة جاءك إنسان من وجهاء المجتمع يدعوك إلى طعام نفيس، ويوجد حضور من المستوى الرفيع، أنت كمسلم يجب أن تلبي الداعي الأول لسبقه، وهذا هو الحكم الشرعي، وتعتذر للثاني، أما إذا دعواك في وقتٍ واحد.
عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((إِذَا اجْتَمَعَ الدَّاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا, فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا, فَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ))
هكذا علمنا النبي عليه الصلاة والسلام، ويوجد عندنا: إذا تساويا في الوقت وفي القرب أجب أقربهما رحماً، أي دعواك في وقت واحد والبيتان في مسافة واحدة, فأجب أقربهما رحماً. ما حكم من دعي إلى موضع فيه منكر من زمر أو خمر؟ :
الآن: من دُعي إلى موضعٍ فيه منكر من زَمْرٍ أو خمرٍ, فإن قدر على إزالته لزمه أن يحضر لوجوب الإجابة لإزالة المنكر، ومن لم يقدر لم يحضر، فقد نهى أن يجلس الرجل على مائدة تدار فيها الخمر, لما روي عَنْ جَابِرٍ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ, وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ, وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا بِالْخَمْرِ))
يقول لك: أخي أنا والله لم أشرب, لا يكفي، فقد نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن أن يجلس على مائدةٍ تدار عليها الخمر.
أيضاً: إذا وجد مكان فيه تماثيل وصور لا ترضي الله عزّ وجل هذه كلها منكرات، لكن بعض العلماء أجاز إذا كانت الصورة ليست كاملة أو كانت في مكان مُهان كالأرض أو التُكأة، هذا مما تساهل به العلماء، أحياناً يكون سجادة عليها صورة، ما دامت سجادة ويُداس عليها فهذه الصورة ليست للتعظيم، ما دامت على مُتكأ، ما دامت ليست كاملة أي جزئية، أما إذا وجدت صورة كاملة معلقة على الحائط أو تمثال, فهذا مما يجعل المؤمن في حرجٍ من أن يكون في هذا المكان. ما حكم من دعي إلى وليمة وهو صائم؟ :
الآن: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال:
((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلى الطعام فَلْيُجِبْ, فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ, وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4606/05.jpg
دعاك وأنت صائم لكنك صائمٌ صيام فرض، صيام الفرض شيء وصيام النفل شيء آخر، ما دمت صائماً صيام فرضٍ يجب أن تلبي وتصلي، أما إذا كنت صائماً صيام نفلٍ, النبي -عليه الصلاة والسلام- استحب لك أن تفطر إكراماً لأخيك، أخوك دعاك وتكلف لك, وتقول: إني صائم!! فإكراماً له أن تفطر.
فعَنْ جَابِرٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ, فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
ليس القصد أن تأكل, إنما القصد أن تكون عند أخيك، ربما كان وجودك في بيت أخيك يُدخل على قلبه السرور، يوجد أشخاص محميين، يوجد أشخاص عندهم نظام قاسٍ في الغذاء، يوجد أشخاص عندهم أمراض في جهاز الهضم، يوجد أشخاص لهم طعام خاص، يوجد أشخاص يؤثرون عدم تناول الطعام إلا بشكل معين، فهذا إذا دعي يجب أن يلبي من دون أن يُحْرَج.
المستحب لمن دعي إلى طعام وانتهى من الطعام أن يدعو لصاحب الطعام.
عن عبد الله بن الزبير, قال: ((أَفْطَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْدَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ, فَقَالَ: أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ, وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ, وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
يوجد أناس يقولون: وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ إلا جبريل، فهو يريد كأس من الشاي، وصلى عليكم الملائكة الأطهار إلا جبريل، أما الدعاء النبوي:
((أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ, وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ, وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ))
هذا كلام جميل إذا إنسان دعي إلى طعام، وانتهى من الطعام، يقول: دائماً يا سيدي, أنت قل له كما قال النبي: ((أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ, وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ, وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ الأخيار, وذكركم الله فيمن عنده))
من آداب إجابة الدعوة :
1-ألا يميز الغنى بالإجابة عن الفقير :
الآن: من آداب إجابة الدعوة كما جاء في الإحياء: هناك آدابٌ خمس؛ أول أدب: ألا يميز الغنى بالإجابة عن الفقير.
من آداب إجابة الدعوة: أن تجيب دعوة أي إنسان، أي أخ مؤمن، أي أخ مسلم، ألا تميز بين الغني والفقير، التميز بين الغني والفقير نوعٌ من التكبر.
انظر الى هذا الموقف لسيدنا الحسن بن علي :
سيدنا الحسن بن علي -رضي الله عنهما- مر بقومٍ من المساكين الذين يَسألون الناس على قارعة الطريق، وقد نشروا كِسراً -أي خبزاً يابساً فقط- على الأرض في الرمل وهم يأكلون، وهو على بغلته, فسلم عليهم, فقالوا له: هَلُمَّ إلى الغداء يا بن بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: نعم, إن الله لا يحب المستكبرين، فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل ثم سلم عليهم وركب، بعد أن ركب, قال: قد أجبت دعوتكم فأجيبوني، قالوا: نعم، فوعدهم وقتاً معلوماً فحضروا, فقدَّم لهم فاخر الطعام، وجلس يأكل معهم.
هذا ما كان يصنعه أحد العلماء في الشام :
سمعت عن أحد العلماء في الشام في زمن سابق: أنه كان إذا دعا كبراء القوم، علية القوم، وجهاء القوم، قدَّم لهم طعاماً خشناً, وكان يقول: والله هذا الطعام يحبونه لأنهم لا يأكلونه أبداً، فإذا دعا الفقراء قدم لهم طعاماً نفيساً، ويقول: هذا الطعام يحبونه.
أحياناً الواحد يدعى إلى طعام خشن، وحياته كلها من مستوى عال, فيرى هذا الطعام طيباً لأنه قلَّ ما يأكله.
قف عند هذا الكلام للسادة الصوفيين :
بعض السادة الصوفية يقولون: لا تجب إلا دعوة من يرى أنك أكلت رزقك.
إذا دعاك أحد, وهو موحد, ويرى أن هذا الرزق الذي أكلته هو رزقك، مقسومٌ لك، هذا الإنسان تُجاب دعوته، لأن الضيف يأتي برزقه ويرحل بذنوب القوم.
ويقول بعضهم: لا تجب إلا من إذا أطعمك كأنه سلَّم لك وديعةٌ كانت عنده.
كأنه لك عنده أمانة سلمك إياها, لا تجب إلا دعوة من يرى لك الفضل عليه في قبول هذه الدعوة، يعني ليس هو قد تفضل عليك, بل يرى أنك تفضلت عليه بقبول هذه الدعوة، يعني سمح لك أن تكسب عند الله أجراً، هذه معان راقية جداً.
أحد السادة الصوفيين يقول: آهٍ على لقمةٍ ليس على الله فيها تبعة ولا لمخلوقٍ فيها.
-أي إن أطيب لقمة ليس فيها تبعة عند الله ليس فيها مسؤولية، وليس لمخلوقٍ فيها منة، لا تبعة ولا منة.
قال-: فإذا علم المدعو أنه لا منة في ذلك فلا ينبغي أن يرد.
عقوبة :
أحد الرجال اسمه أبو تراب -رحمه الله تعالى- قال: عُرض علي طعامٌ فامتنعت، فابتليت بالجوع أربعة عشر يوماً.
-كان جوعان، عرض عليه طعام امتنع؛ أي أنت جائع وأخوك أحب أن يكرمك وقدم لك طعاماً، لماذا التكبر؟ وتقول له: ليس بنفسي رغبة, لست جائعاً, لماذا؟ هو أراد أن يكرمك اقبل كرامته.
فهذا أدبه الله عزَّ وجل, ابتلاه بالجوع أربعة عشر يوماً- قال: عرض علي طعامٌ فامتنعت منه، فابتليت بالجوع أربعة عشر يوماً, فعلمت أنه عقوبة.
2-لا ينبغي أن تمتنع عن إجابة الدعوة لبعد المسافة :
الشيء الآخر قال: لا ينبغي أن تمتنع عن إجابة الدعوة لبعد المسافة -هذا ليس من أخلاق المؤمن- كما لا تمتنع عن إجابة الدعوة لفقر الداعي وعدم جاهه، بل كل مسافةٍ يمكن احتمالها في العادة لا ينبغي أن يمتنع عنها الإنسان.
يوجد دعوات غير معقولة، يقول لك: على حدود تركيا مثلاً، هذه تحتاج لثلاثة أيام، تعال تغدى عندنا، هذه غير معقولة، أما خارج دمشق أو حوالي دمشق, أحب إنساناً أن يكرمك, المفروض أن تلبي الدعوة.
فعن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ بالغنيم لأَجَبْتُ))
الكراع مآدم، والغنيم؛ أي خارج المدينة.
ومن كان صائماً نفلاً, فإن كان يسرُّ أخاه إفطاره فليفطر، وليحتسب إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أخيه.
النبي -عليه الصلاة والسلام- كان مع بعض أصحابه, وهناك أخ دعاهم, قال له: ((أخوك دعاك وتكلَّف لك, وتقول: إني صائم))
ليس هذا من أخلاق المؤمن. 3-أن تمتنع عن إجابة دعوة الطعام فيها مشبوه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4606/06.jpg
من آداب إجابة الدعوة: أن تمتنع عن إجابة دعوةٍ الطعام فيها مشبوه.
تعرف إنساناً ماله كلّه حرام، هنا يوجد مشكلة، أو يوجد منكرات، أو يوجد مخالفات، أو يوجد معاص، أو يوجد شيء لا يرضي الله عزَّ وجل، يوجد مزامير, يوجد ملاه، اختلاط، هزل، لعب، كذب، نميمة, غيبة، هذه الدعوات لا تبال بها إطلاقاً، أنت مؤمن طاهر، يجب أن تلبي دعوةً نظيفة؛ فيها طهر، فيها تقوى، فيها ورع، فيها خوف من الله عزَّ وجل، لذلك النبي هكذا نصحنا.
فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ:
((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا, وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِي))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
4-ألا يقصد من إجابة الدعوة قضاء شهوة البطن :
قال: الأدب الرابع: ألا يقصد من إجابة الدعوة قضاء شهوة البطن.
أخي فلان نريد أن نذهب عنده لأن أكلاته طيبون، فلان عنده أكل مرتب، فلان دعوة دسمة غميقة، هذا كلام كلّه كلام العوام، كأنك بهذه الدعوة تريد أن تقضي شهوة بطنك، فليس هذا من أخلاق المؤمن. ما النية إذاً؟.
النية: أن تجيب هذه الدعوة إكراماً لأخيك المؤمن, لقول النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((من أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم ربه))
في حديث آخر: ((من سرَّ مؤمناً فقد سرَّ الله عزَّ وجل))
من آداب الحضور لمنزل الداعي :
وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى يوجد موضوع قصير جداً, آداب الحضور لمنزل الداعي، من آداب الحضور: أنه من التواضع لله عزَّ وجل: الرضا بالدون من المجلس.
دخلت هناك كراسي منجدة, وهناك كراسي غير منجدة، وأنت متأخر نصف ساعة، وجدت كرسياً من الدرجة الثانية، إذا أنت كبير ولو كان لك شأن.
من آداب المسلم أن تجلس حيث ينتهي بك المجلس, وإلا أحرجت صاحب الدعوة.
أحياناً يكون في كنباة وفي كراسي، أحياناً في صدر وأحياناً في ناحية الباب، وأنت متأخر, اجلس في أي مكان ولا تنزعج، هناك شخص يقول: لم يعرفوا قدري، لم يعرفوا مكانتي, من آداب المسلم أن يجلس حيث ينتهي به المجلس، هذا الأدب الأول في إجابة الدعوة, فإن من التواضع لله عزَّ وجل الرضا بالدون من المجلس. 5-ألا تجلس مقابل باب يمكن أن يرى منه النساء :
من آداب إجابة الدعوة أيضاً: ألا تجلس مقابل باب يمكن أن يرى منه النساء، دائماً في غرفة الضيوف اختر مكاناً ليس مواجهاً للباب, هكذا أدب المؤمن, يكون الباب في جهة والكنباة بهذه الجهة، وأنت وجهك إلى الحائط لئلا يكون هناك خطأ، هذا أدب ثانٍ.
6-ألا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4606/07.jpg
أحياناً: الطعام دخل عينه مالت عليه، كلما دخل صحن ينظر إليه، هل يوجد شيء ثان؟ هذا ليس من أدب إجابة الدعوة، ألا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام فإنه دليل الشراهة.
7-التعريف بالمدعوين :
وإذا كان جلس إلى جانبه أخوين مدعوين, عليه أن يسلم عليهم، ولا يكون كل همه وعقله بالطعام، وأن يسألهم عن حالهم، وإذا دخل ضيفٌ للبيت فليعرفه صاحب المنزل عند الدخول.
أحياناً تدعى دعوة فتجلس وأنت لا تعرف أحداً, تقول: من هذا يا ترى؟ كلهم صامتون, هذا ليس من أخلاق المسلم، المسلم يقول: فلان ابن عمي، فلان صهري، فلان أخي، فلان زميلي بالعمل، فلان شريكي، أخ كريم، فلان جارنا، فلان طبيب، هذا صاحب معمل، هذا تاجر، هذا أخ كريم، هذا موظف، أي أنه يعرف مهنته ويعرف مكانته لكي تنشأ المودة، ولا يكون الهدف الأكل, فالتعريف أيضاً ضروري.
8-غسل اليدين قبل الطعام وبعده :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4606/08.jpg
أيضاً: غسل اليدين قبل الطعام وبعده من سنة النبي -عليه الصلاة والسلام:
بركة الطعام الوضوء قبله وبعد.
فصاحب الطعام يجب أن يغسل يديه قبل كل واحد، في بداية الطعام وآخرهم بعد نهاية الطعام، هكذا الأدب.
بعضهم قال: من دعانا فأبينا فله الفضل علينا، وإذا نحن أجبنا رجع الفضل إلينا:
لا تكـن ضيفاً ثقيلاً يكره الناس لقاءك
فعسـاه مستمداً لك من قـومٍ عشاءك
وعساه مستعيراً لك من جارك غطاءك
إن في الفندق مأواك وفي السوق غذائك
رُبَّ من يلـقاك هشاً كسر الزير وراءك
أنت أحياناً شخص دعاك، فرأساً إليه, طول بالك عليه، دعاك رأساً لا يوجد عنده مكان للنوم، عنده غرفتين له ولأهله ولأولاده، فإن قال لك: أخي هل تريد أن تناموا عندنا؟ فتجيبه: نعم والله. من صفات المؤمن :
بعضهم قال: قم إذا ما الضيف جاءك وامنح الضيف غذاءك
وأجل من وجــهك مر آةً يـرى فيها صفاءك
إن يهُن عــندك ضيفٌ يكــن الهون جزاءك
أي أن من صفات المؤمن إكرام الضيف.

السعيد
09-05-2018, 01:06 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الرابع العاشر )


الموضوع : حق عيادة المريض



لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من حقوق المسلم على المسلم :
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق بعد الحديث عن حقوق الآباء، وحقوق الأبناء، وحقوق الأزواج، وحقوق الزوجات، انتقلنا إلى الحديث عن حقوق المسلم على المسلم، وكان من جملة هذه الحقوق حق النصيحة، وكان من جملة هذه الحقوق حق إجابة الدعوة، واليوم ننتقل إلى حقٍ ثالث من حقوق المسلم على المسلم ألا وهو عيادته إذا مرض.
هناك أخوةٌ كرام كثيرون لا يُقيمون قيمةً لهذا الحق، ولا يعرفون قيمة عيادة المريض إلا إذا مرضوا, ومضى يومان وثلاثة وأربعة أيام ولم يأتهم أحد، يقول: أهذا شأني عند أخواني؟ أهذا شأني عند المؤمنين؟ المريض من أشد الناس حاجةً إلى المواساة، المريض من أشد الناس حاجةً إلى من يؤنسه، إلى من يدعوه إلى الصبر، إلى من يعطيه شحنةً روحيةً يُعينه على تحمل المرض، فلذلك: النبي -عليه الصلاة والسلام- في أحاديث كثيرة جداً وصحيحة حضنا على عيادة المريض.
ما حكم عيادة المريض في الشرع الإسلامي؟ :
بادئ ذي بدء: عيادة المريض -كما ذكرت قبل قليل- حقٌ من حقوق المسلم على أخيه المسلم، ولكن بالمعنى الفقهي الدقيق: عيادة المريض سنةٌ مؤكدة.
كلكم يعلّم أن في الدين فرضاً، وفي الدين ندباً، وفي الدين مباحاً، وفي الدين كراهةً، وفي الدين حراماً، فالشيء المندوب، أو السنة المؤكدة أو غير المؤكدة، هذا بين المباح وبين الفرض، فعيادة المريض بالتعريف الدقيق الفقهي، حكمها الفقهي سنةٌ مؤكدة، ما معنى سنةٌ مؤكدة؟ أي فعلها النبي كثيراً وتركها قليلاً، ما معنى سنة غير مؤكدة؟ أي فعلّها قليلاً وتركها كثيراً، فعيادة المريض سنةٌ مؤكدةٌ عند جمهور العلماء، كلمة جمهور تعني أي عند أكثر العلماء.
وقال عليه الصلاة والسلام:
((لا تجتمع أمتي على خطأ))
فالشيء الذي عليه جمهور العلماء هو الشيء الحق، لذلك يعدُّ القرآن الكريم والسنة النبوية مصدران أساسيان للتشريع، ويعدُّ إجماع العلماء مصدراً ثالثاً ذا قيمةٍ كبيرة، يضاف إليه القياس، فالقرآن والسنة والإجماع والقياس مصادر التشريع الأولى، وهناك مصادر فرعية كالاستحسان، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، ومذهب الصحابي إلخ ... إذاً سنةٌ مؤكدةٌ عند جمهور العلماء. ما الدليل على أن عيادة المريض سنة مؤكدة عند جمهور العلماء؟ :
والدليل: فلولا الدليل لقال من شاء ما شاء:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 108]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4608/01.jpg
البصيرة الدليل، الدليل: قول النبي -عليه الصلاة والسلام- أو قول ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- وقول بن عباسٍ يدخل في السنة النبوية, لماذا؟ لأن السنة النبوية هي أقوال النبي وأفعاله وإقراره وصفاته، وأقوال أصحابه, وأقوال التابعين من بعدهم وإقراراتهم، ولأن هذا الصحابي الجليل ما كان له أن يقول شيئاً ما سمعه من رسول الله، وهذا التابعي الذي لازم الصحابي ما كان له أيضاً أن يقول شيئاً ما سمعه من رسول الله، إذاً: إذا رفع الكلام إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فهو الحديث المرفوع، فإذا انتهى عند الصحابي فهو الحديث الموقوف، فإذا انتهى عند التابعي فهو الحديث المقطوع.
على كلٍ؛ في السنة أن عيادة المريض سنةٌ مؤكدةٌ عند جمهور العلماء, بقول ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: عيادة المريض أول يوم سنة وبعد ذلك تطوع.
إذاً يفهم من هذا الحديث: أنه ينبغي أن تعود المريض في أول يوم، لأن الصبر عند الصدمة الأولى، والصابر يفعل في أول يومٍ من المصيبة ما يفعله الجاهل في اليوم الثالث، في اليوم الثالث يقول الجاهل: ماذا نريد أن نفعل؟ هذا أمر الله، بعد ما سب وطبش وكسر، هذا الصبر عند الصدمة الأولى، يبدو أن تعود المريض في أول يوم, هذا أفضل عند الله عزَّ وجل من أن تعوده, بعد أن يبُلَّ من مرضه، وبعد أن يغادر الفراش، وبعد أن يذهب إلى عمله، ليس هناك معنى لهذه العيادة في ذلك الوقت المتأخر. رأي البخاري في مسألة عيادة المريض :
الإمام البخاري يقول: العيادة واجبة, وقال: إنها فرض كفاية؛ أي إذا قام به البعض سقط عن الكل، لحديث أبي موسى الأشعري, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((أَطْعِمُوا الْجَائِعَ, وَعُودُوا الْمَرِيضَ, وَفُكُّوا الْعَانِي))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود في سننه]
فكيف عرف الإمام البخاري أن عيادة المريض فرض كفاية؟ من قول النبي الكريم: "وَعُودُوا الْمَرِيضَ.
لأن هذا الأمر موجهٌ إلى مجموع الأمة، إلى مجموع المؤمنين، إلى مجموع المسلمين، فإذا قام به بعضهم سقط عن بعضهم الآخر، من هنا استنبط الإمام البخاري: أن عيادة المريض فرضٌ ولكنها فرض كفايةٍ وليست فرض عين.
ماذا جاء عن النبي بالنسبة لعيادة المريض:
ولحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: ((خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ؛ رَدُّ السَّلامِ, وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ, وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ, وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ, وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِز))
النبي -عليه الصلاة والسلام- في حديثٍ قال: تجب، وفي حديثٍ أمرنا أن نعود المريض.
استنبط العلماء أن النبي -عليه الصلاة والسلام- يحضُّ أصحابه على أن يعود بعضهم بعضاً, لعظم هذا العمل ولشدة مثوبته عند الله عزَّ وجل، وإلا فهو في النهاية مندوب، والمندوب بين المباح وبين الفرض, عندما ربنا عزَّ وجل قال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4608/02.jpg
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾
[سورة النور الآية: 32]
أي زوجوا الشباب، هذا فرض أم مندوب؟ مندوب. لكن الآن يوجد عندنا تفصيل: عيادة بعض المرضى فرضٌ كفرض الصلاة، الوالدان الذين يلوذون بك، الذين ليس لهم أحدٌ سواك، في حق البعض فرضٌ وفي حق البعض حقٌ، من تستفيد من عيادته، وفي حق البعض عملٌ صالح إذا راعيت حاله، وفي حق البعض مباح ، أي شخص بعيد عنك، ليس في حاجةٍ إليك ولست في حاجةٍ إليه، ولا ترجو منه شيئاً ولا يرجو منك شيئاً، لا ترجوه ولا يرجوك، ولست بحاجته وليس في حاجتك، ولا ينتمي إلى مبدئك ولا إلى كذا فهذا عيادته مباحة، أما والداك أخوانك في الله هؤلاء يرتقي أمر عيادتهم إلى مرتبة الواجب، وهناك بعضهم إلى مرتبة الحق، وبعضهم إلى مرتبة العمل الصالح، هذا تفصيل العيادة.
ما المقصود من عيادة المريض؟ :
يقول عليه الصلاة والسلام:
((وَعُودُوا الْمَرِيضَ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود في سننه]
هذه الألف واللام، ألف ولام الجنس، يعني أي مريض، فلا تظن المريض هو الذي أقعده المرض في الفراش، لو أنه شكا من عينيه هذا يُعاد، لو أنه شكا من جلده هذا يُعاد، والدليل:
النبي -عليه الصلاة والسلام- عاد كما يقول أحد أصحابه, وقد أصابه رمد؛ أي ألم في عينيه.
فعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ:
((عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي))
الحقيقة: ليس القصد عيادة المريض؛ أن تزوره, وأن تسأل خاطره، وأن تسأله عن صحته، وعند من تطبب، وما الدواء الذي أخذه، وخاطرك مع السلامة، ليس هذا هو المقصود من عيادة المريض، قال: المقصود من عيادة المريض: تعهٌّده، وتفقد أحواله, وإيناسه, والتلطف به.
قد يحتاج إلى الدواء، أولاده في المدرسة، أو أولاده صغار,
أو ليس له أولاد ذكور، أو زوجته مريضة، وهو في أمسِ الحاجة إلى بعض أنواع الطعام، إلى لبن، إلى ليمون فرضاً، إلى الدواء الفلاني, المسكن الفلاني، فهذا الذي يزور المريض, وفي نيته أن علي أزوره, وأن أسأله عن صحته, وعند من تطبب, وما الدواء الذي أخذه؟ لا الأمر أعقد من ذلك، يجب أن تتعهده، وأن تتفقد أحواله، وأن تتلطف به، وأن تؤنسه، قد يكون مضطراً إلى إرسال رسالة أقعده المرض عن إرسالها، قد يكون مضطراً إلى تسجيل معاملة ينتهي وقتها بعد يومين أقعده المرض عن تسجيلها، قد يكون مضطراً إلى أن يفعل شيئاً أساسياً في حياته أقعده المرض عن ذلك، إذاً: عيادة المريض تعني: تفقد أحواله، التلطف به، إيناسه، تعهد حاجاته، هذا معنى عيادة المريض. المؤمن صاحب ذوق :
وإن النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما أطلق العيادة؛ أي ليس لها وقتٌ خاص، ولكن المؤمن صاحب ذوق، في الوقت المناسب، في وقت الراحة لا في وقت النوم، ولا في وقت متأخر، ولا في وقت مبكر، صلى الصبح حاضر مر أمام بيته, قال: والله أزوره، هذا وقت غير وقت الزيارة، وقت راحة, وقت تهجد، وقت صلاة, وقت ذكر، مرّ الساعة الحادية عشرة في الليل، الثانية عشرة سوف أزوره لأنه مريض، المفروض أن يكون في الوقت مناسب.
النبي -عليه الصلاة والسلام- في بعض الأحاديث القدسية يروي هذا الحديث عن رب العالمين.
كيف نفهم هذا الحديث؟ :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا بْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِ.
-كيف نفهم هذا الحديث؟ الله سبحانه وتعالى نسب المرض إليه مجازاً تكريماً للمريض-. قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ, أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَه
- لوجدت الثواب عنده، لوجدت الراحة عنده، لوجدت الأنوار عنده، لوجدت تجلي رب العالمين عنده-. يَا بْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْن, قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ, أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي
-في العيادة لوجدتني عنده، في الإطعام لوجدت ذلك عندي-. يَا بْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِ, قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ, أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي))
علام يدفعنا هذا الحديث: يا بن آدم مرضت فلم تعدن .....؟ :
هل بعد هذا الحديث حديث يدفعنا إلى عيادة أخواننا في الله؟ يدفعنا إلى عيادة أقاربنا؟ ، حتى القريب الذي لا ترجو منه هِدايةً، لو عدته في مرضه لرأيته في حالٍ آخر، لرأيته قد صفت نفسه، ورقَّت روحه، وصار قريباً من أي حديثٍ ديني، وهو في قوته وشدته، قد يكون أبعد الناس عن هذا الحديث وعن هذا الموضوع، قد يقول لك: دعنا من هذا الحديث، ولكنك إذا زرته وهو مريض, لرأيت منه استجابةً لا تصدق، لذلك النفس عند المرض ترق، تصبح شفافة، تصبح قريبةً من الله عزَّ وجل، لأنه في أثناء العلاج, الإنسان في المرض يشعر بضعفه:
وخلق الإنسان ضعيفاً.
المرض من نعم الله على الإنسان، لو أن الإنسان لم يمرض إطلاقاً لظن أنه قوي، ولكن هذا المرض يحجمه, يعطيه حجمه الحقيقي، يجعله عبداً لا يقوى على شيء, ذهبت قوته، انهارت قِواه, ما هذا المرض؟ لو كشف الغطاء يوم القيامة, لرأيت أن المرض من نعم الله الكبرى على الإنسان، لعل المرض هو الذي حثه على التوبة، لعل المرض هو الذي عرفه بعبوديته، لذلك الكافر يعلو ويعلو ويعلو، إلى أن تدق رقبته في أيام، أما المؤمن كلما غفل رده الله، أما الكافر خطه البياني يصعد صعوداً حاداً, وهو يعتدُّ بنفسه, ويظن أنه لا أحد يستطيع أن يزحزحه عن مكانه، أياماً معدودة فإذا هو في أسفل سافلين، أما المؤمن له ترتيبٌ آخر، كلما زلت قدمه جاءه العلاج، كلما جاءه خاطر جاءه العلاج، كلما غفل جاءه العلاج، هذا من رحمة الله بالمؤمنين، المؤمن سنبلة تأتي الرياح فتميلها ثم تعود، ولكن الكافر كالشجرة العملاقة تأتي الرياح فتستأصلها من جذورها، وينتهي الأمر.
قصة إسلام هذا اليهودي :
إذاً: حينما أضاف الله المرض إلى ذاته، هذا تكريمٌ للمريض، وتشريفٌ له, وحينما قال: وجدتني عنده.
أي وجدت ثوابي وكرامتي في عيادة المريض، لذلك بعد هذا الدرس لا ينبغي لواحدٍ منا أن ينسى, أو أن يغفل عن عيادة أخٍ, أو قريبٍ, أو جارٍ.
وتروي الأخبار: أن النبي عاد جاره اليهودي، وكان يؤذيه كل يوم، انقطع الأذى أيام, فتوقع أنه مريض فعاده, وكانت هذه العيادة سبباً في إسلامه.
قصة توبة هذا المغني :
سيدنا أبو حنيفة كان له جار مغنٍ, وكان يزعجه طوال الليل، كل يوم يغني، ويضرب على العود, ويقول:
أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ليوم كريهةٍ وطعان خلسي
فلما ألقي القبض عليه وسيق إلى السجن، ذهب أبو حنيفة بنفسه إلى صاحب السجن وتوسل له، وأخرج صاحب السجن كل من السجن إكراماً لمقدم أبي حنيفة، وفي طريق العودة قال: يا فتى هل أضعناك؟ تقول:
أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ليوم كريهةٍ وطعان خلسي
فكانت هذه الزيارة سبب توبته، ويبدو أنه يلحق بهذه أن تزور إنساناً فقد حريته، أيضاً هذه الزيارة لها وقعٌ كبير, في أعلى درجة من درجات الصفاء، والإنابة إلى الله، أي أن كلماتك عن الله عزَّ وجل تأتيه كالبلسم، تأتيه كالدواء، تأتيه كالماء على عطش شديد، فإذا أكرم الله عزَّ وجل أحداً بالإيمان, لا يضن بوقته وبزياراته وبأحواله وبعلمه على هؤلاء المرضى، أو هؤلاء الذين فقدوا حريتهم.
بيان ما جاء في عيادة المريض :
وعن ثوبان -رضي الله عنه-, عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ, لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ, قيل: يا رسول الله وما الخرفة؟ -الخرفة على وزن غرفة- فقال عليه الصلاة والسلام: جناها))
يعني ثمارها. أي ليس في الجنة فقط بل يأكل من ثمار الجنة، ليس في الجنة فحسب بل يأكل من ثمار الجنة, هذا إذا عاد الإنسان مريضاً.
وعن عليٍ -كرم الله وجهه- قال:
((سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً -أي صباحاً- إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ, وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً, إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ, وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ))
إن عدته صباحاً صلَّت عليك الملائكة؛ أي شعرت بالسعادة، وإن عدته مساءً صلَّت عليك الملائكة؛ أي شعرت بهذه السعادة التي تلقيتها من صلاة الملائكة عليك، والخريف هو الثمر المخروف في الجنة المجتنى. ما هي آداب عيادة المريض :
1- يستحب لعائد المريض أن يدعو له بالشفاء وأن يأمره بالصبر :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4608/03.jpg
الآن: ما هي آداب عيادة المريض؟ قال: أولاً: يستحب لعائد المريض أن يدعو له بالشفاء، وأن يأمره بالصبر, لحديث عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، أن أباها قال:
((اشْتَكَيْتُ بِمَكَّةَ, فَجَاءَنِي رسول الله -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعُودُنِي, وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي, ثُمَّ مَسَحَ صَدْرِي وَبَطْنِي, ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود في سننه]
وعن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ, فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ, إِلا عَافَاهُ اللَّهُ عز وجل مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
أي إذا ابتهلت إلى الله ابتهالاً شديداً، وكنت محباً لهذا الأخ, ودعوت الله أن يشفيه, لعل الله عزَّ وجل يظهر له كرامتك عنده, وكرامته عنده, وأن يشفيه بهذا الدعاء، لذلك دعوة الأخ لأخيه لا ترد.
وعن عائشة, أن النبي عليه الصلاة والسلام كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ, يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ:
((اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ, اشْفِهِ َأَنْتَ الشَّافِي, لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ, شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
هذا الدعاء النبوي إذا زرت مريضاً, فقل:
((اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ, اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي, لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ, شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
أي مرضاً.
وعن أبي عبد الله عثمان بن أبي العاص -رضي الله عنه-, أنه شكا إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وجعاً في جسده, فقال له: ((اجْعَلْ يَدَكَ الْيُمْنَى عَلَيْهِ, وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ, أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ, فَقُلْتُ ذَلِكَ, فَشَفَانِيَ اللَّهُ))
هذا من أدب الذي يعود المريض أن يدعو له بالشفاء، ودعاء الأخ لأخيه لا يرد، ولعل الله يُظهر كرامتك عنده، ولعل الله يظهر كرامة المريض عندك، ولعل الله يظهر هذا الحب بينكما.
إذاً: إذا عدت مريضاً فادعُ له بالشفاء، بأية لغةٍ تشاء، أو بهذا الدعاء الذي دعا به النبي: ((اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ, اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي, لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ, شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا))
تحت أي باب تندرج هذه الأحاديث :
وكان عليه الصلاة والسلام يقول:
((لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
هذه رواية ثانية وهذه مختصرة: لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. عن أبي أيوب الأنصاري, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- عاد أنصارياً فأكب عليه يسأله, قال:
((يا رسول الله, ما غمضت لي عينٌ منذ سبع ليال, ولا أحد يحضرني, لا أحد يزورني -أي أنه يبدو أن هذا الصحابي متألم ألماً شديداً، النبي زاره ألا يكفي هذا؟ يغنيه عن كل أصحابه- فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: أي أخي, اصبر تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها))
وكلكم يعلم الحديث المشهور, عندما زار النبي صحابياً كان مريضاً, قال له: ((ادع الله أن يرحمني, قال: يا رب يرحمه, فقال الله عزّ وجل: كيف أرحمه مما أنا به أرحمه؟ وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه, إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها سُقْماً في جسده, أو إقتاراً في رزقه, أو مصيبةً في ماله أو ولده, حتى أبلغ منه مثل الذر, فإذا بقي عليه شيءٌ, شددت عليه سكرات الموت, حتى يلقاني كيوم ولدته أمه))
ألم تقل السيدة فاطمة: ((يا أبت لم لعنها الله؟ قال: ما بك يا بنيتي؟ قالت: حمّى لعنها الله, فقال عليه الصلاة والسلام: لا تلعنيها, فو الذي نفس محمدٍ بيده لا تدع المؤمن وعليه من ذنب))
فهي مكفِّرة. قف هنا :
دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- على شخص:
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِي اللَّهم عَنْهمَا-, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ يَعُودُهُ, فَقَالَ:
((لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ, فَقَالَ: كَلا بَلْ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ كَيْمَا تُزِيرَهُ الْقُبُورَ, فقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فَنَعَمْ إِذًا))
أي أن عدَّ كلامه معصية، هذا المتشائم الذي يسيء الظن بالله عزَّ وجل، يعني إذا قال له الطبيب: المرض ليس له دواء، أين إيمانك: وإذا مرضت فهو يشفين؟ أين إيمانك: أليس الله قادراً على أن يشفيك؟ أتصدق كلام طبيب وتكذب كلام خالق الكون؟ ما المرض؟ بيدي الله عزَّ وجل، اسأل الأطباء جميعاً عن شيءٍ اسمه الشفاء الذاتي، مرضٌ عضال، مرضٌ مستفحل ليس له دواء، كيف يتلاشى وحده؟ لا أحد يعرف، وهناك آلاف القصص الواقعية التي أعرف أسماء أصحابها، مرضٌ عُضَال شفي بلا سبب، وإذا مرضت فهو يشفين، فالنبي عدَّ ذلك معصيةً.
قال علماء تفسير الحديث: فنعم إذاً؛ أي إذا كان الأمر كما ظننت فنعم.
لماذا التشاؤم؟ لماذا اليأس من رحمة الله عزَّ وجل؟ لعل النبي -عليه الصلاة والسلام- أراد أن يردعه.
2-يستحب للزائر أن يطيب نفس المريض :
الشيء الثاني: يستحب للزائر أن يضع يديه على مكان المرض, ويسمي الله تعالى, ويدعو للمريض لما تقدم، ويستحب للزائر أن يطيب نفس المريض باطماعه في الحياة، أن ينفس له في الأجل، أصابه مرض، زاره شخص قال له: كم عمرك؟ قال له: اثنان وأربعون عاماً، قال له: يكفيك ذلك، ما هذه العيادة هذه؟! يجب أن تنفس له في الأجل، أن تطمِّعه في الحياة، إن شاء الله عزَّ وجل يكرمك, وتزوج بناتك, وتفرح فيهم، وبناته صغار، أعمارهم سنتان وثلاثة, ومرضه شديد, فأن تدعو له أن يزوج بناته، ويكبروا, ويزوجهم، وترى أولادهم إن شاء الله، هكذا أدب الدعوة.
فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ, فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الأَجَلِ, فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَرُدُّ شَيْئًا, وَهُوَ يَطِيبُ بِنَفْسِ الْمَرِيضِ))
فلا تيئسه من الشفاء، أو أن يكون المريض مقتنعاً بمرض, فيخبره الزائر بمرض خطير جداً، غير الذي هو مقتنع به، ويقول له: لا تصدق هذا مرضك من النوع الثاني، هذا كلُّه منهي عنه، دع ذلك للطبيب هو الذي يعرف . ((إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ, فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الأَجَلِ, فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَرُدُّ شَيْئًا, وَهُوَ يَطِيبُ بِنَفْسِ الْمَرِيضِ))
فلن يقرب أجله كلامك، ولا يبعد أجله تنفيسك له في الأجل، كلامك لا يقدم ولا يؤخر، لكن أسمعه كلاماً طيباً، الطريقة الأمريكية في المعالجة، يواجه المريض بأكبر كلمة، هناك من يموتون من سماع اسم المرض، يوجد حكمة أبلغ من ذلك، كأن يبلغوا أهله مثلاً، يبلغوا بشكل تدريجي وبشكل خفيف، ولعل الله يشفيه. قصة :
سمعت أن امرأةً مدرسة في المغرب, ولقد نسيت اسمها, ألفت كتاباً عنوانه: لا تنس ذكر الله، أصيبت بمرضٍ عضال، بورمٍ خبيث في ثديها، وحينما جابت كل أطباء فرنسا، فآخر طبيب أخبر زوجها أنه بقي في حياتها أسبوع، واضطر زوجها أن يخبرها بذلك، فأحبت أن تموت في البلاد المقدسة، وانتقلت إلى الديار المقدسة، ودخلت إلى الكعبة المشرفة، وطافت حولها ثمانية عشر شوطاً إلى أن أغمي عليها، لأنها يائسة، وقصةٌ طويلة ألفت في كتاب, قرأت عنه قبل أسابيع ملخص الكتاب، وحدثني أخٌ كريم عن ملخصه، وبعد هذا الطواف الشديد, وهذا البكاء والابتهال والتضرع والخشوع، واستمرت في ذلك أياماً عديدة, بلغت عشرين يوماً تطوف كل يوم، ولا تأكل شيئاً بل تشرب ماء زمزم، ثم تحسست أماكن الورم الخبيث فلم تجد شيئاً، فكاد عقلها يطير أو كاد أن يختل توازنها من شدة الفرح، عادت إلى فرنسا وأطلعت الطبيب على حالتها، فكان الطبيب في دهشةٍ بالغة، ليس هناك أي أثر, لكنه احتياطاً أعطاها دواء هذا الدواء أسقط شعرها كلّه، فتألمت ثانيةً ألماً شديداً، ورأت النبي -عليه الصلاة والسلام- وشكت له سقوط شعرها، فمسح بيده الشريفة على رأسها ونبت شعرها بسرعةٍ غريبة، وهي الآن تتمتع بأتم أنواع الصحة، وعادت إلى الله عودةً وتابت توبةً لو وزعت على أهل بلدٍ لكفتهم، ومرضها عضالٌ خبيث ظهر في أماكن عدة من جسمها.
الذي عند الله ليس عند العبيد، اليأس نوعٌ من أنواع الكفر بالله، والقنوط من رحمة الله من صفات الكافرين:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[سورة الزمر الآية: 53]
فهو كما قال الشاعر:
نزلت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظن أن لا تُفرَج: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾
[سورة الطلاق الآية: 2]
يتقي الله؛ أي كان هناك إحكام، كلمة: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾
[سورة الطلاق الآية: 2]
كان في حلقة محكمة حولك ففتح مخرج. 3-يستحب لعائد المريض أن يطلب منه الدعاء :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4608/04.jpg
الآن: يوجد شيء جديد في آداب العيادة: يستحب لعائد المريض أن يطلب منه الدعاء ، قال: فإن دعاء المريض مستجاب، لحديث أنس بن مالك, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((عودوا المرضى ومروهم فليدعوا لكم, فإن دعوة المريض مستجابةٌ وذنبه مغفور))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط]
لأنه رقيق قريب من الله عزَ وجل، دائماً المريض تجده صافياً.


4-يستحب تخفيف العبادة :
ويستحب تخفيف العيادة، النبي الكريم عيرها قال:
((فُوَاقَ نَاقَةٍ))
واحد جلس ثلاث ساعات أصبحوا حلبتين وليس ناقة:
العيادة فُوَاقَ نَاقَةٍ.
أي مقدار حلب ناقة عشر دقائق، تخفيف العيادة وعدم تكريرها، إلا إن رغب المريض ذلك في حالات خاصة، المريض مرتاح تماماً, وآكل, ومنظف نفسه, وجالس, والساعة العاشرة صباحاً, والشرفة مشمسة, يشعر بضيق, وأتيت لعنده، قال لك: والله تجلس، إذا هو ألح عليك بالجلوس، وأنت معك وقت، وهو مرتاح ولا يوجد أي مشكلة، هذا استثناء، إلا أن يرغب المريض في إطالتها.
يبدو أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لما أصيب سعد يوم الخندق، ضرب النبي عليه خيمةً في المسجد, ليعوده أكثر أصحابه, من أجل أن يستأنس بهم, قال له: اجلس في المسجد.
وهذه يقاس عليها, إذا كان في غرفة في جانب الباب, فتكون أيسر للعوَّاد، إذا كان لك بيتان؛ بيت قريب وبيت بعيد, فاختر البيت القريب من البلد. 5-يستحب لعائد المريض ألا يتناول عند المريض طعاماً ولا شراباً :
قال: يستحب للعائد ألا يتناول عند المريض طعاماً ولا شراباً.
هنا حكمة النبي عليه الصلاة والسلام، توجد أمراض معدية, وأنت مثقف ثقافة طبية, وتعرف أن هذا المرض التهاب كبد معدي، لا تريد شيئاً، فيقولون لك: لا لا بدَّ من كأس من الشراب, وأنت لا تريد أن تشرب عنده، لا بدَّ من أن يطعموك أو فواكه، فلعلة العدوى هذه بعض الحكم، أو لعلة أن هذا المريض منعه الطبيب من هذه الأكلة، فإذا أكلتها أمامه قد يشتهيها, وقد يأكلها مغلوباً, فيتأخَّر شفاؤه، هذه الحكمة الثانية؛ أما الحكمة الثالثة:
قد يكون أهل المريض في شغل، حتى صنع فنجان من القهوة, صعب عليهم, ومشغولين، أو قد يكون لا يوجد أحد يقدم لك القهوة, وزوجته في الداخل، وأنت جالس، وهو لا يستطيع أن يقوم من الفراش، ونقروا الباب وخذوا القهوة، فالنبي الكريم هكذا قال:
إذا عاد أحدكم مريضاً, فلا يأكل عنده شيئاً, فإذا أكل عنده شيئاً, فهذا حقه من عيادته.
ذهب أجره, إلا أن يعود الأصل الفرع، الأب إذا زار ابنه:
أنت ومالك لأبيك.
هذه لها استثناء.
ما يتعلق بموضوع شكاية المريض :
يوجد عندنا موضوع شكاية المريض، فالمريض له الحق في أن يقول مثلاً: لم أنم البارحة طوال الليل، آلام لا تطاق مثلاً, ما حكم هذا في الشرع؟
قال: لا بأس أن يخبر المريض بما يجده من ألمٍ لا على سبيل الضجر والسخط مبتدئاً بحمد الله تعالى, يقول: الحمد لله أشعر كذا كذا، يؤلمني كذا وكذا، أشعر أن حرارتي مرتفعة، أشعر أن قواي منهارة، أشعر أن ألماً وصداعاً في رأسي شديداً، إذا قال المريض هذا الكلام لمن يعوده لا بأس عليه، لكن عليه أن يقدم الشكر قبل الشكوى, الحمد لله على كل حال, لكن البارحة لم أنم الليل من شدة الألم في رأسي، إذا شكر قبل أن يشتكي فلا يشتكي، فهذا ليس شكوى.
إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاكٍ.
قال: إن الألم لا يقدر أحدٌ على رفعه, والنفوس مجبولةٌ على وجدان ذلك, فلا يستطاع تغيرها عما جبلت عليه، وإنما كلّف العبد ألا يقع منه في حال المصيبة ما له سبيلٌ إلى تركه، كالمبالغة في التأوّه والجذع الزائد.
النبي بكى حينما مات ابنه إبراهيم، فقالوا:
((أتبك!! فقال: نعم، إن العين لتدمع, وإن القلب ليخشع, ولا نقول ما يسخط الرب, وإنا عليك -يا إبراهيم- لمحزونون))
هذا موقف النبي عليه الصلاة والسلام؛ أي أن الصبر ليس معناه أن تصبح إنساناً آخر كالحجر، لا أنت بشر من لحمٍ ودم، والألم ليس مخالفاً للسنة، ولكن الذي يخالف السنة أن تضجر، أن تكفر، أن تتذمر، كأن تقول: ماذا فعلت؟ أن تقول كلام يتناقض مع الإيمان، أما الألم مع الرضا هذا مقبول. نقطة هامة :
أيضاً هناك شيء آخر: هناك من يشكو إلى الله وهناك من يشكو على الله، إذا شكوت إلى مؤمن فإنما تشكو إلى الله، وإذا شكوت إلى كافر فكأنما تشكو على الله، الدليل: لما سيدنا يعقوب قال:
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 86]
وسيدنا أيوب الله عزَّ وجل أخبرنا أنه صابر: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾
[سورة ص الآية: 43]
ومع ذلك قال: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 83]
قال الشاعر: وإذا عراك بليةٌ فاصبـر لها
صبر الكــريم فإنـه بك أعلم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما
تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم
أي أن من أكمل المواقف أن تكون شكواك إلى الله وحده، أما إذا شكوت إلى مؤمن فهذا من قبيل التنفيس، والشكوى إلى مؤمن شكوى إلى الله، بينما الشكوى إلى كافر هي شكوى على الله.خاتمة القول :
الحديث الشريف الذي أخرجه الشيخان والنسائي:
فعن أَبَي هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْه))
[أخرجه البخاري في الصحيح, ومالك في الموطأ]
نحن نعرف يفقه في الدين، هذا الحديث: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ.
معناها أنت مطموع فيك، معناها أنت قابل للتربية، معناها أنت غالٍ على الله، معناها أنت فيك خير كبير جداً، معناها أنت قريب كثيراً من الحق، فهذا المرض جاء ليدفعك إلى بابه الكبير، أما الميئوس منه، خارج الاهتمام، خارج المعالجة هذا:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 44]
دققوا في هذا الكلام: ﴿حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة﴾
ثلاثة أيام.
وعن مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ, فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ, وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]
إذا صبرت فهذا دليل نجاحك في الإيمان.
وعن عَائِشَةَ -رَضِي اللَّهم عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَتْ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بها, حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه, ومالك في الموطأ]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ, حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا, إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ))
أعتقد أحاديث كافية جداً أن الإنسان يقبل المرض، وأن يصبر عليه, وأن يعود المريض، وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى نتحدث عن التداوي، التداوي له حكم دقيق جداً، ترك التداوي معصية لله عزَّ وجل.

السعيد
09-05-2018, 01:09 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الخامس العاشر )


الموضوع : حق عيادة المريض - شرعية التداوى من الامراض



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما حكم الشرع في التداوي؟ :
أيها الأخوة الأكارم, لا زلنا في الحديث عن الحقوق، تحدثنا عن حقوق الزوجة على زوجها، والزوج على زوجته، وحقوق الآباء على أبنائهم، والأبناء على آبائهم، وحقوق المسلم على المسلم, ومرَّ بنا من هذه الحقوق حق النصيحة، وحق إجابة الدعوة، وحق عيادة المريض ، وموضوع عيادة المريض، نقلنا إلى موضعٍ فرعي ألا وهو حكم الشرع في التداوي.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4609/01.jpg
فالتداوي من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، إنك مكلّف أن تعبد الله وفق ما أمر الله، وكنت أقول لكم دائماً:
إنَّ العمل الصحيح لا بدَّ من أن يتوافر فيه شرطان؛ الشرط الأول: أن يكون خالصاً، والشرط الثاني: أن يكون صواباً، والإخلاص أن تبتغي بهذا العمل وجه الله عزَّ وجل، والصواب أن يكون مطابقاً للسنة النبوية، ففي كل حركاتك وسكناتك، في كل مواقفك، في كل تصرفاتك، في كل نشاطك، في كل حركتك على وجه الأرض، يجب أن تقتفي أثرّ النبي عليه الصلاة والسلام, لأن الله سبحانه وتعالى يأمرك أن تقتفي أثره:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
أنت بنص القرآن الكريم في آيةٍ محكمةٍ قطعية الدلالة, يأمرك الله سبحانه وتعالى أن تقتفي أثر النبي عليه الصلاة والسلام. هذا حدود خيار المؤمن :
أحياناً: يجتهد المؤمن اجتهاداً مخالفاً للسنة، وكلّكم يعلم: أنه لا اجتهاد في مورد النص، ما دام هناك نصٌ صحيح في القرآن أو في السنة, فأنت ليس لك خيار، متى ينتهي خيارك؟ إذا رأيت النص الصحيح: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
قضى الله في القرآن الكريم، وقضى النبي في سنته المطهرة، فإذا وجدت نصاً قرآنياً قطعي الدلالة أو نصاً نبوياً قطعي الثبوت قطعي الدلالة أو ظني الثبوت قطعي الدلالة, فينبغي أن تقتفي أثر هذا النص أو هذه السنة. هذا عين الجهل :
لذلك هناك من يجتهد في أمر صحته وصحة ذويه، فقد لا يأخذ امرأته إلى الطبيب بدعوى الحرص على ألا يراها الأجنبي، بدعوى الغيرة، بدعوى الورع، فإذا ماتت هذه المرأة بسبب الإهمال, يحاسب الزوج على ذلك حساباً عسيراً، اتباع السنة أولى من أن تجتهد، دليل هذا:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4609/02.jpg
أن النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما نهى أصحابه عن أن يركبوا جملاً حروناً، وبعض أصحابه اجتهد أن يذهب مع النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى الجهاد، وركب جملاً حروناً, ووقع من عليه, ودقَّت عنقه, وأبى النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يصلي عليه، لأنه مات عاصياً، فأنت لا ينبغي أن تعبد الله وَفْق ما تريد، بل كما يريد الله عزَّ وجل, وإرادة الله جاءت محكمةً في القرآن الكريم ومفصلةً في السنة النبوية.
فإنسان يمتنع عن تعاطي الدواء، بدعوى أن الشافي هو الله، هذا جهل.
((من أكل التراب فقد أعان على قتل نفسه))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4609/03.jpg
أي من أكل فاكهة من دون أن يغسلها، وقال: يا أخي سَمِّ الله وكل فالحافظ هو الله، هذا عين الجهل، أنت كمؤمن ينتهي خيارك وتنتهي آراؤك وتنتهي اجتهاداتك حينما ترى السنة النبوية المطهرة، منهجٌ دقيقٌ دقيق رسمه النبي عليه الصلاة والسلام لا من عند نفسه؛ ولكن من عند خالق الكون: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية: 3-4]
فهذا الذي يجتهد بعدم تعاطي الدواء، هذا الذي يقول: سلمت أمري لله، هذا الذي يقول: توكلت على الله، هذا الذي يقول: لا شافي إلا الله، هذا الذي يقول: أنا أغار أنا لا أتحمل أن يرى طبيبٌ أجنبي وجه زوجتي، إذاً لن آخذها إلى عيادة الطبيب، هذا هو عين الجهل.
أحد أسباب تخلف المسلمين :
أعيد على أسماعكم مرةً ثانية: يجب أن تعبد الله كما يريد الله لا كما تريد أنت، ربما كان أحد أسباب تخلُّف المسلمين هو فهمهم السقيم للتوحيد، وفهمهم السقيم للتوكل، إن الله سبحانه وتعالى يقول, يحدثنا عن ذي القرنين, ويقول في سورة الكهف: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4609/04.jpg

﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾
[سورة الكهف الاية: 84-85]
وعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -رَضِي اللَّه عَنْه-, قَالَ رَجُلٌ لرَسُولَ اللَّهِ:
((أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ, قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
هل هناك تناقضٌ بين أن تعقلها وبين أن تتوكل؟ الشرك الخفي أن تعتمد على الأسباب، ولكن التوحيد الجلي أن تأخذ بها، وهذا هو الخيط الدقيق بين الشرك الخفي وبين التوحيد الجلي، التوحيد أن تعتمد على الله وأن تأخذ بالأسباب، والشرك الخفي أن تعتمد على الأسباب.
يقول: الدراهم مراهم، بالمال يحل كل شيء، بالذكاء يحل كل شيء، هذا الكلام عين الشرك:
ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
هل يوجد تناقض بين التوحيد وبين الأخذ بالأسباب؟ :
الآية الكريمة التي تتحدث عن اليهود الذين أجلاهم الله عزَّ وجل، وقد وردت قصتهم في سورة الحشر، ومن آيات هذه السورة:
﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾
[سورة الحشر الآية: 2]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4609/05.jpg
أي أنتم أيها المسلمون بحسب المعطيات المادية, ظننتم أو غلب على ظنكم أو تيقنتم أنهم لن يخرجوا, أما هم:
﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾
[سورة الحشر الآية: 2]
اليهود اعتمدوا على حصونهم، والمؤمنون في ساعة غفلةٍ أو في ساعة غيبوبة: رأوا أن هؤلاء اليهود بأيديهم من وسائل المنعة والتحصُّن الشيء الكثير:
﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾
[سورة الحشر الآية: 2]
لذلك الفعال هو الله عزَّ وجل، وأنت إذا أخذت بالأسباب, ليس معنى هذا أنك لست موحداً، أي إذا عالجت زوجتك, أو عالجت نفسك، أو تعاطيت الدواء, ليس معنى هذا أنك تعتمد عليه، الاعتماد عليه شرك، ولكن الاعتماد على الله توحيد، وليس هناك تناقضٌ بين التوحيد وبين الأخذ بالأسباب.
ما معنى هذه الآية؟ :
إذاً: موضوعنا اليوم حول التداوي، والله عزَّ وجل قال في القرآن الكريم على لسان سيدنا إبراهيم: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4609/06.jpg

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
[سورة الشعراء الآية: 80]
الشافي هو الله، وقد وضع لهذا الجسم سنناً دقيقةً جداً؛ فإذا أراد أن يشفيك، ألهم الطبيب أن يأتي تشخيصه للدواء صحيحاً, وتأخذ الدواء، ويفعل الدواء فعله بإذن الله، وتـشفى من المـرض، هـذا معنى قوله تعـالى:
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
[سورة الشعراء الآية: 80]
قد يفهم بعضهم هذه الآية فهماً مغلوطاً، يعني فهو يشفين من دون سبب، الله عزَّ وجل يعطي بسبب ويأخذ بسبب، إذا أراد أن يعطيك يعطيك بالأسباب التي خلقها، بالأسباب التي صممها، بالأسباب التي بنى عليها الكون، بالأسباب التي بنى عليها الجسم، أي إذا قلت: إن الله هو الشافي, معنى ذلك: أنه يشفي إذا اتبعت منهجه في تعاطي الدواء، فيكفي أولاً أن يلهم الطبيب التشخيص الصحيح، وثانياً يلهمه الدواء الفعال، ويمكّنك من أخذ الدواء، وقد أودع في الدواء قوة الشفاء فيما يبدو, عندئذٍ تشفى بإذن الله.
علام يطلعنا هذا الحديث؟ :
وسيأتي معنا بالتفصيل: كيف أن هذه الحقائق المهمة جداً في التوحيد وردت في تفصيلات أحاديث التداوي؟.
فعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ:
((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ, فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))
يعني ما خلق الله داءً إلا وخلق له دواء. ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ -هكذا يقول النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية: 3-4]
فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ - أي متى لا ينفع الدواء؟ إن لم يكن هذا الدواء لهذا الداء، إذاً من توفيق الله عزَّ وجل للطبيب أن يلهمه التشخيص الصحيح والدواء المناسب- بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))
هل الأسباب وحدها تصنع النتائج؟ :
هنا تطالعنا نقطة في التوحيد مهمة جداً: الأسباب وحدها لا تصنع النتائج، فإذا اعتقدت أن الأسباب وحدها تصنع النتائج فهذا شرك.
فالنار لا تحرق إلا إذا شاء الله لها أن تحرق، لذلك لخص علماء السنة والجماعة هذه العقيدة بكلمتين, قالوا: عندها لا بها.
يعني النار تحرق إذا شاء الله لها أن تحرق، والماء يروي إذا شاء الله له أن يروي، والماء ينبت الزرع إذا شاء الله له أن ينبت الزرع، والأشياء -كما يقول علماء التوحيد-: قائمةٌ بالله, وأفعالها قائمةٌ بالله, ولا يقع شيءٌ إلا بأمر الله.
فقال عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الشريف الذي أخرجه مسلم:
((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ, فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
لو لم يقل بإذن الله عزَّ وجل، لو قال: فإذا أصاب دواء الداء برَأ, معنى ذلك: أن الأسباب تصنع النتائج.
انظر إلى ما قاله الإمام السبكي :
الإمام السبكي يقول: إن التداوي مذهب الجمهور, وفيه ردٌ على من أنكر التداوي من غلاة الصوفية.
بعض الصوفيين المغالين ينكرون التداوي، ويدَّعون واهمين أن التداوي يتناقض مع القضاء والقدر.
وكلّكم يعلم: أن سيدنا عمر -رضي الله عنه- حينما كان على مشارف الشام, وقد بلغه أن بها داءً وبيلاً, امتنع عن دخولها، أصحابه وقفوا موقفين بين أن يدخلوها ويتوكلوا على الله, وبين أن يحجموا عن دخولها -آخذين بالأسباب- سيدنا عمر وقف موقف المحتاط، وامتنع من دخول المدينة، فلما قال له بعضهم: أفراراً من قضاء الله؟ قال: نعم نفر من قضاء الله إلى قضاء الله.
-يعني المرض بقضاء الله والشفاء بقضاء الله- وضرب مثلاً:
لو أن لك قطيعاً من الغنم وأمامك أرضان؛ إحداهما مجدبة والثانية مخصبة، إن رعيتها في المجدبة رعيتها بقضاء الله، وإن رعيتها في المخصبة رعيتها بقضاء الله، قال له: نعم, نفر من قضاء الله إلى قضاء الله.
متى ينعكس على حياة المؤمن التخلف والتراجع والتدهور؟ :
لذلك: فإن العلماء فرقوا بين القضاء والمقضي، أحياناً يأتيك شيءٌ ليس مرغوباً فيه، تستسلم له, ليس هذا من أخلاق المؤمن ولا من عقيدته بل يجب أن ترده، إذا كان هذا الشيء الآتي مزعجاً وهو من قضاء الله عزَّ وجل فردَّه أيضاً من قضاء الله عزَّ وجل، ولولا هذه العقيدة الصحيحة لما قامت الحياة ولما استقامت الحياة، وما من مؤمنٍ يعتقد خلاف هذه العقيدة إلا انعكس هذا على حياته تخلُّفاً وتراجعاً وتدهوراً.
أليس كلُّ شيءٍ بقضاءٍ من الله وقدر كما قال عليه الصلاة والسلام؟ لماذا أمرنا بالدعاء؟ أليس كل شيءٍ بقضاء الله وقدر؟ لماذا أُمِرنا ألا نلقي بأيدينا إلى التهلكة؟ أليس كل شيءٍ بقضاءٍ من الله وقدر؟ إذاً: قد يفهم الإنسان القضاء والقدر فهماً سقيماً, فيصبح على هامش الحياة ويصبح في آخر الركب، والمسلمون ليسوا كذلك.
من سنن الله في خلقه :
أسامة بن شريك قال:
((أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤوسِهِمُ الطَّيْرُ فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ, فَجَاءَ الأَعْرَابُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا, فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: تَدَاوَوْا, فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ))
أي أن الهرم هذه سنة الله في خلقه.
تعليق :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4609/07.jpg
لكن بالمناسبة تعليق بسيط: أي من شب على شيءٍ شاب عليه، ومن شاب على شيءٍ مات عليه، ومن مات على شيءٍ حُشر عليه.
يعني القصة المعروفة، هذا الذي بلغ السادسة والتسعين أو السابعة والتسعين, وقد أمضى سبعين عاماً في تعليم الناس الخير، تعليم الناس القرآن، وكان صحيح الجسم، وكان مستقيم القامة، وكان حادَّ البصر، وكان مرهف السمع، وكانت أسنانه في فمه، فقال له تلامذته:
يا أستاذنا الكريم, ما هذه الصحة التي أكرمك الله بها؟ قال: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
لذلك من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، البطولة ليس في مقتبل العمر، ولكن في خريف العمر، فإذا كانت لك بدايةٌ محرقة كانت لك نهايةٌ مشرقة, بقدر جدِّك وسعيك وورعك واستقامتك وطلبك للعلم وأنت في ريعان الشباب، بقدر ما يهيئ الله لك عمراً في خريف العمر, تشعر أن كل هذه الثمار تقطفها في هذا الوقت الحرج.
ما نوع هذه الصيغة؟ :
فهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي, وقال الترمذي: حسنٌ صحيح.
((تَدَاوَوْا, فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ))
وعن ابن مسعودٍ, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((إن الله لم ينزل داءً إلا أنزل له شفاءً فتداووا))
هذه الصيغة ما نوعها؟ فعل أمر، والأمر يقتضي الوجوب, أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- يقتضي الوجوب.
تعلمون أن هناك أمر إباحة، وأمر وجوب, وأمر تهديد، وأمر ندب, هذا أمرٌ يقتضي الوجوب -تداووا- فأنت ليس لك خيار, لكن أحياناً لست متأكداً أن هذا الدواء يشفي، هنا أنت مخير، هنا يصبح التداوي مباحاً، أما إذا غلب على ظنك، ما معنى غلب على ظنك؟ تسعون في المائة، الشك خمسين، الوهم ثلاثين تقريباً، الظن سبعين، غلبة الظن تسعين، اليقين مائة، إذا غلب على ظنك أن هذا الدواء يشفيك من مرضك، أصبح التداوي حكماً شرعياً يرقى إلى مستوى الفرض، أما إذا كنت شاكاً في فعالية الدواء أصبح الأمر مباحاً. ما دام لكل داء دواء: هل يحتمل هذا النص العموم؟ :
الآن سؤال: ما دام لكل داءٍ دواء, يا ترى هل يحتمل هذا النص العموم؟ فأي داءٍ له دواء؟ الأمراض الخبيثة ليس لها دواء، هناك قائمةٌ من الأمراض التي ليس لها دواء، فالعلماء وقفوا أمام هذا الحديث موقفين بعضهم, قال: إن هذا الحديث يقتضي العموم.
((وما من داءٍ خلقه الله عزَّ وجل إلا وله دواء))
ولكن الإنسان قد لا يعرفه، هناك أمراضٌ كثيرة في حينها لم تكن معروفة الدواء، ثم جاء وقتٌ إذا هي قد عُرفت أدواؤها، هذا موقف أول، والموقف الثاني: أن الداء الذي حينما خلقه الله عزَّ وجل خلقه ليشفى, خلق له دواءً؛ إما أن تأخذ المعنى الأول، وإما أن تأخذ المعنى الثاني. ما سبب مرض الإيدز؟ :
ولكن بكل تأكيد: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما حدث أصحابه في موضوع الزكاة, وقال:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, قَالَ:
((أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ, خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ, وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا, إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا))
[أخرجه ابن ماجة في سننه]
حتى يعلنوا بها: حتى يفخروا بها، حتى يحملوا بطاقات، مرخصٌ لهم أن يفعلوا كذا وكذا، طبعاً مرض الإيدز -كما تعلمون الآن- هو الشبح المخيف بالعالم.
في بعض الإحصاءات: أن العقد القادم يحتمل أن يصاب بهذا المرض ما يزيد عن خمسين مليون إنسان، وهذا المرض بكل بساطة بسبب انحراف أخلاقهم. هذه العلاقة العلمية بين المعصية ونتائجها :
لذلك هناك من يقول: إن بين المعصية وبين نتائجها علاقةً علمية، أي علاقة سببٍ بنتيجة، فالذي حرمه الله عزَّ وجل له نتيجةٌ علمية متعلقةٌ بالسبب، فهذا مرض الإيدز أحد هذه الأمراض التي تنبئنا بصدق النبي -عليه الصلاة والسلام-:
إلا ابتلاهم الله بأمراضٍ لم تكن في أسلافهم.
طبعاً الإنسان حينما يسير وفق هواه، حينما ينطلق من عقال شهواته ونزواته يدفع الثمن غالياً.
لا تنسوا قوله تعالى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[سورة طه الآية: 123]
لا يضل عقله ولا تشقى نفسه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾
[سورة طه الآية: 124]
ولا تنسوا قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[سورة الجاثية الآية: 21]
إن الله يعطي الصحة والذكاء والجمال والمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين.
متى ينجح الطبيب؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4609/08.jpg
فإذا أصاب دواء الداء، إذاً الطبيب متى ينجح؟ إذا اهتدى إلى شيئين، إذا اهتدى إلى معرفة المرض، وإذا اهتدى إلى الدواء، فإذا أصيب دواء الداء؛ عرف الداء وعرف الدواء والتقيا تقاطعا، لذلك قال الشاعر:
إن الطبيب له عــلمٌ يُدِلُّ به إن كان للناسِ في الآجالِ تأخيرُ
حتى إذا ما انتهت أيام رحلته حار الطبيبُ وخانتــه العقاقيرُ
حار الطبيب في تشخيص الداء، وخانته العقاقير في وصف الدواء.
بعضهم قال: إن الأمراض القاتلة التي لا يمكن للطبيب أن يبرئها, لعل الله سبحانه وتعالى استأثر لنفسه بدوائها، فإذا شاء شفي المريض من هذا المرض العضال.
وهذا ما يفسره الأطباء بالشفاء الذاتي، ورم خبيث مستفحل من الدرجة الخامسة كيف انحسر من دون سبب؟ لعل الله عزَّ وجل هو الذي يستأثر بالدواء، شاء لهذا المريض أن يشفى فشفاه، شفاه من دون أن يعلم الأطباء كيف شفي، هذا بعض تفسيرات الحديث. إليكم بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالتداوي :
نصلُ الآن إلى بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالتداوي.
قالوا: ينبغي أن يكون الطبيب الذي يعالج المرضى المسلمين، ينبغي أن يكون مسلماً.
هل هناك علّة لهذا الحكم الشرعي؟ طبعاً، قد يصف هذا الطبيب دواءاً محرَّماً، قد يصف للمريض النبيذ، ويقول لك: هذا يعطيك حرارة، يجب أن يكون الطبيب مسلماً, لأن المسلم يطبِّق المنهج الإلهي.
ما عند الله لا ينال بمعصية الله، ما جعل الله شفاءه في ما حرَّم .
فالطبيب غير المسلم قد يكشف عن العورات، قد ينظر إلى العورات، قد يصف الدواء غير الشرعي، فلذلك ينبغي أن يكون الطبيب مسلماً ثقةً، ومن هنا؛ ففي كل نصيحة أو في كل توجيهٍ في شأن الصيام والإفطار والإجهاض وما شاكل ذلك، لا يقبل إلا رأي الطبيب المسلم الحاذق الثقة، مسلم حاذق ثقة، مسلم انتماؤه، والحاذق مهارته, والثقة ورعه، مثلاً:
الطبيب قال لي: افطر، أي طبيبٍ هذا, قال لك: افطر؟ لا يجوز أن تفطر إلا برأي طبيبٍ مسلمٍ حاذقٍ ثقة.
رأي العلماء: ويكره لغير ضرورةٍ طلب التداوي من غير المسلمين.
فأحياناً طبيب لا يخاف الله عزَّ وجل يعطي كورتيزون، الكورتيزون له مفعول سريع جداً، فالألم يزول فوراً، لكن هذا الدواء له مضاعفات خطيرة، أما المسلم فإنه يخاف الله عزَّ وجل، يفضِّل ألف مرة أن يتألم المريض وألا يكون هذا الدواء خطراً على مستقبل حياته.
متى يجوز الاستعانة بطبيب غير مسلم؟ :
قالوا: أما إذا دعت الضرورة لذلك فلا مانع.
النبي استأجر دليلاً لطريق الهجرة إلى المدينة المنورة، فلذلك يجب عليك أن تذهب عند الطبيب المسلم، فإذا كان الطبيب المسلم معلوماته ضعيفة والمرض خطير، والطبيب غير المسلم معلوماته جيدة جداً، نفضل عندئذٍ الطبيب غير المسلم.
قال: أما إذا دعت الضرورة فلا كراهة إذا كان خبيراً ثقةً عند المريض.
وقد روي أن النبي -عليه الصلاة والسلام- استعان بطبيبٍ غير مسلم.
هل يجوز للمرأة الأجنبية أن تعالج الرجل؟ :
كما لا يجوز للمرأة الأجنبية أن تعالج الرجل إلا لضرورة -معنى الأجنبية ليس المقصود أنها غير مسلمة، بل أية امرأةٍ ليست من محارمك فهذه امرأة أجنبية، فلا ينبغي أن تعالج المرأة الأجنبية مسلماً إلا لضرورةٍ قصوى وتعلمون السبب-.
وينبغي أن تعالج المرأةُ المرأة.
-يعني إذا كانت هناك طبيبة والمرض خفيف وعادي، وفي إمكان هذه الطبيبة المسلمة أن تعالجه، عندئذٍ كن ورعاً ولا تأخذ زوجتك لعند طبيبٍ طبعاً ذكر، الطبيبة الأنثى أولى في معالجة الأنثى من الطبيب، والأسباب معروفة.
قال-: فإذا اضطر الطبيب أن يعالج امرأة, عليه أن يستر جسدها.
هذا ما يصنعه الأطباء المؤمنون :
أخواننا الأطباء المؤمنون, بارك الله بهم, عندهم أغطية بيضاء, لها فتحة صغيرة، يضعون هذا الغطاء على المرأة, وتكون الفتحة عند موضع الداء، وهنا يعالج، ولا يرى شيئاً, وهذا هو الورع، المؤمن له طريقته ووسائله وغير المؤمن له طرائق ووسائل قد تكون خبيثة.
وعليه أن يغض بصره ما استطاع، ولا يستطيع أحدٌ في الأرض أن يحاسبه إلا الله, لأن الله عزَّ وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويغض بصره ما استطاع إلا عن موضع الجُرح.
من السنة :
ويواجهنا شيء آخر، فمن الحكم الشرعي ومن السنة النبوية أن تختار أمهر الأطباء والدليل:
يروي زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, أَنَّ رَجُلا فِي زمن النبي -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَصَابَهُ جُرْحٌ فَاحْتَقَنَ الْجُرْحُ الدَّمَ، وَأَنَّ الرَّجُلَ دَعَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي أَنْمَارٍ, فَنَظَرَا إِلَيْهِ, فَزَعَمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لَهُمَا:
((أَيُّكُمَا أَطَبُّ؟ فَقَالا: أَوَ فِي الطِّبِّ خَيْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! فَزَعَمَ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: أَنْزَلَ الدَّوَاءَ الَّذِي أَنْزَلَ الأَدْوَاءَ))
[أخرجه مالك في الموطأ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4609/09.jpg
أَيُّكُمَا أَطَبُّ؟ أي أن الصحة غالية كثيراً فهي رأس مالك، رأس مالك في الدنيا، ونفسك مطيتك فارفق بها، فاخترت طبيباً من الدرجة الخامسة أو السادسة، هذا طبيب بالمجان, أو هذا أرخص وأقل تكلفة, أو هذا بجانب البيت قريب منا، لا إن صحتك أغلى من ذلك, لأن صحتك رأس مالك في الدنيا.
والنبي يقول: اعقل وتوكل.
ففي شأن الطب لا ينبغي أن تختار الأقل كلفة أو الأقرب، لا بل يجب أن تختار الأصلح, لأن الخطأ في أمر الجسد خطأ له مضاعفات خطيرة جداً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
أيكما أطب؟.
وبالمناسبة: هناك مسؤولية الطب:
من طبب -أي من عالج- ومن جعل نفسه طبيباً ولم يعرف منه طبٌ فهو ضامن.
أي مسؤول, ولا بدَّ من أن يحاسب عند الله وعند الناس.
هل يجوز التداوي بالنجس والحرام؟ :
الآن: ينبغي التداوي بالطاهر الحلال، لا يجوز التداوي بالنجس والحرام، أي هذه مادة مخدرة أو كحول وأشياء حرمها الله عزَّ وجل, هذا لا ينبغي أن يفعله المؤمن، والحديث الشريف المعروف:
((من ابتغى أمراً بمعصيةٍ, كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى))
ماذا يبغي الشفاء؟ ابتعد عن الشفاء, ماذا يخاف المرض؟ اقترب منه، هذا الحديث في كل المجالات، في التجارة تبتغي الربح عصيت الله من أجل الربح، ابتعدت عن الربح واقتربت من الخسارة، في الدراسة تبتغي النجاح عصيت الله من أجل النجاح، ابتعدت عن النجاح واقتربت من الرسوب، في الشفاء ابتغيت الدواء المحرم, ابتعدت عن الشفاء واقتربت من المرض. ((من ابتغى أمراً بمعصيةٍ, كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى))
إليكم الأدلة من السنة على تحريم التداوي بالنجس والحرام :
ما الدليل في هذا الموضوع؟ .
قال أَبِو هُرَيْرَةَ:
((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ))
يَعْنِي السُّمَّ . [أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي, وزاد: يعني ما هو نجسٌ وما هو حرامٌ وما هو سمٌ، إما أنه حرام كالخمر والبول والعُذرة أو لحم غير المأكول، هذا كلُّه مما نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عنه.
حديثٌ آخر:
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّه -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ, وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً, فَتَدَاوَوْا وَلا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
((عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ, أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ رسول الله-صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ, فَنَهَاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ قَتْلِهَا))
[أخرجه أبو داود والنسائي في سننهما]
متى تطبق هذه القاعدة؟ :
لكن يوجد عندنا حالات نادرة، قال: إذا غصَّ الإنسان بلقمة ولم يجد ما يسيغها وكاد يموت، وغلب على ظنه أنه سيموت، فإذا شرب الخمرة ليسيغها به, هنا تطبق القاعدة: الضرورات تبيح المحظورات.
خاتمة القول :
والإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يكره التداوي بما يصنعه غير المسلمين، لعل شيئاً محرماً دخل في هذا الدواء؛ لذلك: إن تقصير المسلمين في صنع الدواء يجعلهم آثمين جميعاً.
لقد بلغني أن هذه الكبسولات كلها مصنوعةٌ من شحم الخنزير، فالبرشام يصنع من دهنه، حينما يهمل المسلمون تعلُّم العلوم التطبيقية, يصبحون عالةً على غير المسلمين في تلقي الدواء، لذلك فرض الكفاية, إذا قام به البعض سقط عن الكل، فإذا أهمله الكل أثموا جميعاً.
يعني مثلاً: مدينة أو قرية فيها مائة عالم وليس فيها طبيب، وطبيبٌ ذميٌ واحد يكشف العورات، هذه المدينة كلُّها آثمة، مع أن فيها مائة عالم، فتعلم الطب فرض كفاية، هذا أحد أسباب تخلف المسلمين، يعني ترك الأخذ بالأسباب، وترك معرفة حاجات الحياة الأساسية, وإهمال كثير من المستلزمات, وتركها لغير المسلمين, كان بسبب تقصير المسلمين وتقاعسهم، مما أدى إلى هوانهم وتخلفهم.

السعيد
09-05-2018, 01:12 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( السادس العاشر )


الموضوع : حق السلام


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من حقوق المسلم على المسلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4610/01.jpg
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في الحقوق، ولا زلنا في حقوق المسلم على المسلم، وقد كان موضوع الدرس الماضي التداوي، والموضوع الذي قبل الماضي إجابة الدعوة، وعيادة المريض، والنصح لكل مسلم، واليوم ننتقل إلى حقٍ آخر من حقوق المسلم على المسلم ألا وهو: رد السلام.
قد يبدو لكم بادئ ذي بدء: أن موضوع السلام، إلقاء السلام، رد السلام شيءٌ جزئيٌ في الإسلام، ولكن الأحاديث الصحيحة تنبئ بأهمية البدء بالسلام ورد السلام، وسوف ترون بعد قليل, كيف أن موضوع السلام في الإسلام شيءٌ يشغل حيزاً كبيراً, وقبل الدخول في هذا الموضوع لا بدّ من مقـدمة.
هذه الجوانب التي يتمتع بها الإنسان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4610/02.jpg
الإنسان -أيها الإخوة- له حياةٌ فردية، له حياةٌ عضوية، له حياةٌ نفسية، له حياةٌ عقلية؛ يعيش مع عقله، يفكر, يدرس، يبحث، يطلب الأسباب، يطلب البراهين, يقتنع لا يقتنع، يقبل يرفض، هذه حياة عقلية متعلِّقة بالفكر والحقائق، والدراسة والتأمل، والقبول والرد والرفض، والبرهان وعدم البرهان، والصحة والفساد والبُطلان، هذه حياة عقلية، لكل واحد منا حياته العقلية ولعقله مستوى.
والإنسان له حياة نفسية؛ يغضب، يحزن، يتفاءل، يتشاءم، ينشأ في نفسه صراع، له طموحات، يُحِس بالانقباض، يُحس بالانشراح، يشعر بالسعادة، يشعر بالضيق، هذه حياة نفسية له حياة عقلية, وله حياة نفسية، وله حياة عضوية؛ يأكل، ويشرب، ويهضم الطعام، وله جهاز دوران، وجهاز هضم، وجهاز إفراز، وجهاز عضلي، وجهاز عظمي، له غدد صماء، وله أجهزة، وله عضلات، ويعتريه عطب، وكما يعتريه مرض، ويتمتع بصحة, هذه حياة عضوية, وله حياة نفسيةٌ، وله حياةٌ اجتماعية؛ الإنسان اجتماعي، الله سبحانه وتعالى فطره فطرةً اجتماعية، يُعبر عنها الناس بكلمات، من هذه الكلمات: الجنة بلا ناس لا تداس.
لم خلق الإنسان ذا طبع اجتماعي؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4610/03.jpg
الإنسان يأنس بأخيه الإنسان، فلو نام إنسان في بيتٍ وحده يشعر بالوحشة، لو سافر وحده يشعر بالوحشة، الإنسان مفطور على الاجتماع، رُكبت الطبيعة الاجتماعية في فطرته.
ويبدو أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ذا طبعٍ اجتماعي لأهدافٍ كثيرة، منها: أن إعداده للآخرة لا يكون إلا عن طريق الحياة الاجتماعية، كيف يرقى الإنسان لو كان يعيش وحده؟ إذا عاش مع الناس يظهر كرمه، يظهر بخله، يظهر صدقه، يظهر كذبه، يظهر حرصه، يظهر إهماله، تظهر شجاعته، يظهر وفاؤه، يظهر إخلاصه, وكل الفضائل التي يمكن أن تسعدك في الجنة وإلى الأبد، لا تكون إلا وسط المجتمع، كل الفضائل التي يمكن أن تسْعَد بها إلى أبد الآبدين, لن تنمو ولن تظهر إلا في جوٍ من الحياة الاجتماعية.
هذا نظام الأسرة الإنسانية :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4610/04.jpg
لذلك: نظام الأسرة اجتماع, هكذا رتب الله الحياة؛ لك زوجة ولك أولاد الزوجة بحاجة إليك وأنت بحاجةٍ إليها، والأولاد بحاجةٍ إليكما وأنتما بحاجةٍ إلى أولادكما، وأنت بحاجة إلى جارك، فلو عددت الحاجات التي أنت بحاجة إليها, تحتاج إلى الطعام، إلى الخبز، إلى اللحم، إلى الفواكه، إلى الخضراوات, وإلى اللباس، لو أنك عددت الحاجات التفصيلية تجدك محتاجاً لمليون مليون حاجة؛ تحتاج لزر، تحتاج إلى خيط، تحتاج إلى إبرة، تحتاج إلى حذاء، إلى نظارة، إلى ساعة، إلى فراش، إلى لحاف، إلى وسادة، إلى بناء، أنت تتقن عملاً واحداً، وتحتاج إلى مليون نشاط بشري، مليون مليون نشاط بشري.
لو دخلت إلى بيتك, تجد أن الزجاج أصل في محتوياته, وتوجد معامل للزجاج، يوجد نوافذ، يوجد بلاط، يوجد دهان، يوجد ثريات، يوجد سجاد، يوجد براد، يوجد غسالة، يوجد سرير، يوجد كتاب، يوجد طباعة، يوجد صف حروف، فكل شيء في بيتك عالم قائم بذاته؛ خبراء، علوم، جهود، أموال مبذولة، فأنت تتقن نوعاً مثلاً، بينما أنت بحاجة إلى مليون نوع وبحاجة إلى مليون نوع.
الحياة الاجتماعية للإنسان ليس فيها حل وسط:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4610/05.jpg
إذاً: حينما خلّق الله الإنسان خلقه بجبلة اجتماعية، هذا التعايش مع الناس، هذا النظام الاجتماعي يحتاج إلى ضوابط، فخالق الكون الذي أبدع وأتقن حينما خلق الإنسان, شرع له هذه الضوابط، فأنت في حياتك الاجتماعية إما أن تكون أسعد الناس بها، وإما أن تكون أشقى الناس بها، أي أن المجتمع إما أن يكون مصدر سعادةٍ لك, كأن يكون تفاهم زوجي مثلاً، تفاهم بين الأب وأولاده، ومع التفاهم محبة، مع المحبة تضحية، مع التضحية مؤاثرة، فتغدو هذه الأسرة قطعةً من الجنة, وقد تغدو هذه الأسرة قطعةً من النار، بالتباغض، والشحناء، والبغضاء، والكيد، زوجة مشاحنة، والزوج يريد أن يغيظ زوجته, فيبحث عن الطريقة التي يؤلمها به، وتبحث هي عن الطريقة التي تؤلمه بها، والأولاد في واد، والأب في واد، فبينما يجب أن تكون الأسرة مصدر سعادةٍ لأفرادها، إذاً: الأمر ينعكس فتغدو هذه الأسرة مصدر شقاءٍ لأفرادها، فالحياة الاجتماعية ليس فيها حل وسط؛ إما أن تكون سعيداً بها، وإما أن تكون شقياً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4610/06.jpg
علاقتك مع شريكك إذاً مبنية على الإنصاف، وعلى التساوي والعدالة، تجد الحياة في الشركة رائعة جداً، أما إذا كان لك شريك له نوايا عدوانية، فتتولّد نوايا خبيثة عند كل شريك, وتصبح هذه الشركة مصدر إزعاجٍ وشقاءٍ للشريكين.
علاقتك بعملك بالوظيفة، أنت في مجتمع صغير، في دائرة، معك زملاء موظفون، ولديهم مستخدم، ويرأسكم رئيس أعلى منك، كما أن هناك من هو أدنى منك، إذاً هناك حياة اجتماعية.
إذا ركبت مركبة عامة, فأنت عندئذٍ ذو علاقات اجتماعية، فالحياة الاجتماعية حياة بالفطرة، الإنسان كائن اجتماعي بالأساس، فلأن الإنسان كائنٌ اجتماعي, لا بدَّ من أن يشرع الله له تشريعاً يضمن سعادته في ظل المجتمع، لذلك حقوق المسلم على المسلم تشريعات شرعها الخالق.
علام تشير هذه النقطة؟ :
سيدنا سعد حينما قال: ثلاثة أنا فيهن رجل, وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى.
أي أن هذا الكلام للنبي الكريم يشير إلى العلاقات الاجتماعية، وحقوق المسلم على المسلم تعني بحال أو بآخر: أن هذا من عند الله عزَّ وجل، هذا بإلهام الله عزَّ وجل، بوحيٍ من عند الله، فأنت حينما تقرأ حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المتعلِّق بالحياة الاجتماعية, فأنت تقرأ تعليمات الخالق فيما يتعلق بعلاقتك بمجتمعك هكذا.
علام ينصان هذين الحديثين؟ :
وبعد: فمن تعليمات الخالق الصانع التي جاءتنا عن طريق النبي -عليه الصلاة والسلام- هذان الحديثان الشريفان اللذان هما أصلان من أصول العلاقات الاجتماعية أو من أصول حقوق المسلم على المسلم:
فعن أبي هريرة, أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ؛ رَدُّ السَّلامِ, وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ, وَاتِّبَاعُ الجنازة, وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ, وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
وروى مسلمٌ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ, قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ, وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ, وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ, وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ, وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ, وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعه))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعه؛ أي شيِّعه.
إليكم هذا الحكم الشرعي الذي يتعلق بإلقاء السلام ورده :
الآن: ربما استغرق موضوع السلام وقتاً طويلاً، وسوف ترون معي بعد قليل كيف أن هذا الموضوع خطير جداً؟ فربما كان إلقاء السلام سبباً من أسباب التفاهم الاجتماعي، ربما كان إلقاء السلام والردّ بالسلام سبباً في شيوع السلام بين الناس، ربما كان تبادل السلام سبباً لهذه المودة والمحبة التي يجب أن تكون بين الناس، الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾
[سورة النساءالآية: 86]
الحكم الفقهي: أن إلقاء السلام سنة ورد السلام واجب بل هو فرض, لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾
[سورة النساءالآية: 86]
فحيوا هذا أمر، والأمر في القرآن يقتضي الوجوب بأحسن منها, قال لك: السلام عليكم، تقول له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قال لك: أسعد الله صباحك، تقول له: أسعد الله جميع أوقاتك؛ أي: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾
[سورة النساءالآية: 86]
بل إن رد السلام على أهل الذمة أو على أهل الكتاب واجب، كالرد على المسلمين تمسكاً بعموم الآية، وهذا قول ابن عباس والشعبي وقتادة, سواء من الإنسان المسلم أو غير المسلم، أي إنسان قال لك: السلام عليكم, تقول له: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وإن الله عزّ وجل حينما حدثنا عن سيدنا إبراهيم قال:
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[سورة هود الآية: 69]
قالوا: سلاماً؛ أي سلَّموا سلاماً، قال: سلامٌ.
قال العلماء: إن كلمة سلام أبلغ من سلاماً، لأن سلاماً مفعول مطلق لفعلٍ محذوف، أُسلمُ سلاماً، والمفعول المطلق مع الفعل المحذوف يؤلف جملة فعلية، والجملة الفعلية ليست مستمرة, أي أنها وقعت وانتهت، أما سلام جملة اسمية فيها معنى الاستمرار، فسيدنا إبراهيم -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم- كانت تحيته أحسن من التي طرحت عليه. من السنة :
عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال:
((أنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ, وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
أي أن إطعام الطعام سنةٌ نبويةٌ طاهرة، وتقرأ السلام: قراءة السلام شيء ورده شيءٌ آخر؛ أي أن تطرح السلام، أن تبدأ بالسلام على من عرفت ومن لم تعرف.
وعن أبي أُمامة, قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
((إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلامِ))
أي أن هذا الذي يسلم على الناس ويبدؤهم بالسلام، أولى الناس وأقربهم إلى الله عزّ وجل. قف عند هذه الكلمة :
وعن عمار بن ياسر قال النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ؛ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ, وَبَذْلُ السَّلامِ لِلْعَالَمِ, وَالإِنْفَاقُ في الإِقْتَارِ))
أنا أقف عند هذه الكلمة: الإنصاف من نفسك:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4610/07.jpg
أحياناً الإنسان يكون في مركز قوي فإذا أخطأ سكت، ومن حوله يتحرقون على أن يعترف بخطئه، فإذا وقع الذين هم دونه بهفوةٍ أقام عليهم النكير، هذا إنسان ليس منصفاً، أنت زوج لك الحق أن تتحدث عن أم زوجتك بما يحلو لك؛ من استهزاءٍ, من تعليقاتٍ لاذعة, من نقدٍ جارح، أما إذا تكلمت زوجتك عن أمك كلمةً طلقتها، أنت لست منصفاً، كما هي أمك وأنت تغار على مكانتها كذلك هي أمها.
أحياناً أنت تكون في محل وعندك صانع وفي المحل ابنك، الصانع قد تحمله ما لا يطيق، قد تكلفه بأعمال مرهقة، قد تحاسبه حساباً عسيراً، قد تضيق عليه، قد تحاسبه على أي خطأٍ ارتكبه، أما ابنك تخاف على ظهره أن يحمل فوق طاقة, أنت لست منصفاً.
فالإسلام ليس بالصلاة والصيام ولا بالحج والزكاة فقط، ولكن الإسلام بالإنصاف أيضاً، هل أنصفت زوجتك من نفسك؟ هل أنصفت أولادك من نفسك؟ هل أنصفت جيرانك؟ تعتدي عليهم, فإذا أرادوا أن يسألوك, أو إذا أرادوا أن ينبهوك, أقمت القيامة عليهم، أنت لست منصفاً.
أمٌ لها بنت إذا أكرمها زوجها, تدعو له دعاءً حاراً بالتوفيق، فإذا أكرم ابنها زوجته تقيم عليه النكير، ليست منصفة، وليس عندها من صفة الإنصاف شيء.
يا أخوان, ليس في الحياة أروع من الإنصاف، الإنصاف من نفسك، يجب أن تعرف لكل إنسان قدره وحقه وحدوده وما له وما عليك، يجب أن تنصف في إعطاء الأجر، يجب أن تنصف في المودة التي تملكها، أنت قاضٍ وأمامك خصمان, واحد تبشُّ له وتهشّ له, وتسأله بأدب, والثاني تقول له: ما اسمك؟ بنبرة غضب وعبوس, لماذا هكذا؟. هذا ما كان عليه عمر وعلي رضي الله عنهما :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4610/08.jpg
يروون: أن سيدنا عمر كان في مجلسه مع أبي الحسن -سيدنا علي رضي الله عنهما-, فدخل يهودي له عند أبي الحسن مشكلة, قال عمر: قم يا أبا الحسن فقف إلى جانب الرجل, وحكم بينهما وكان الحق مع أبي الحسن، فلما انفض هذا المجلس رأى سيدنا عمر أن سيدنا علياً قد وجم, قال: ما لك يا أبا الحسن أوجدت عليّ؟ فقال: نعم, لماذا قلت لي: يا أبا الحسن؟ فقد ميزتني عليه عندما دعوته باسمه ودعوتني بكنيتي.
فإذا كنت قاضياً فعليك أن تنصف، وإذا كنت مدرساً فعليك أن تنصف، هذا طالب بينك وبينه مودة لم يكتب وظيفته فتتساهل معه, وتقول له: لا تُعدها مرةٌ ثانية، وطالب ثانٍ تقول له: أحضر والدك، إذاً أنت لست منصفاً، لماذا شددت على هذا الطالب وذاك تساهلت معه؟ إذاً أنت غير منصف، لا شيء يسحق الإنسان كالظلم، لذلك العدل أساس الملك.
على ماذا يدور هذا الحديث؟ :
فعن عمار بن ياسر, قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
((ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ؛ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ, وَبَذْلُ السَّلامِ لِلْعَالَمِ, وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ))
فكر في بيتك زوجتك, أي إذا أخطأت خطأ تجدك عنيفاً في توبيخك، أما أنت تكسر الشيء والكل يسكت وتظل أنت ساكت، فأنت عندما كسرت الشيء سكتّ, إذاً فعليك أن تقبل عذر المعتذر, هذا بالأواني, أما بالمواعيد فإذا تأخرت دقيقتين تقيم القيامة عليها، أما أنت فتتأخر خمس ساعات تظل وهي ساكتة.
فهذا الحديث دقيق جداً, يدور في بيتك, مع أولادك, مع زوجتك, مع أخوانك, مع أصحابك, مع زملائك في العمل, مع شركائك, أنت مرتاح وشريكك تعبان، فعليك الإنصاف من نفسك، إن الدين حينما يصبح صوماً وصلاةً، حينما يصبح شعائر، حينما يصبح طقوساً وتلغى المعاملة, انتهى الدين كله. هذا الإسلام :
سيدنا جعفر قال للنجاشي: كنا قوماً أهل جاهلية, نعبد الأصنام, ونأكل الميتة, ونأتي الفواحش, ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً, نعرف أمانته وصدقه, وعفافه ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده, ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم.
هذا هو الإسلام، لذلك فالإنسان حينما يشعر بقوته, ويستخدم قوته في الباطل, فهو ليس منصفاً، البطولة وأنت في أعلى درجة من القوة، وأنت في أعلى درجة من المكانة، وأنت في أعلى درجة من الغنى, وأن تكون منضبطاً بالشرع.
قال رجل لسيدنا عمر: أتحبني؟ فقال: لا والله لا أحبك, قال: هل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي؟ قال: لا والله.
الإنصاف من نفسك، إذاً الإسلام يتميز بمبدأ الإنصاف.
عليك مراقبة نفسك :
أحياناً: تأكل أنت ما لذَّ وطاب, والذين هم في البيت ليسوا كذلك في طعامهم، إذاً أنت لست منصفاً، من لهم غيرك؟ الإنسان عليه أن يطعم أهله مما يأكل, وأن يلبسهم مما يلبس.
يا أخوان على الإنسان أن يراقب نفسه، فهذا الحديث قلما ينجو منه أحد، على الإنسان أن يراقب نفسه في أحكامه، وفي مواقفه، في انتقاداته للناس، في ملاحظاته في تضييقه عليهم, يراقب نفسه في كل أحواله، فإذا كان منصفاً كان على خصلة كبيرة من الخير .
فسيدنا رسول الله كان منصفاً، رأى صهره أسيراً عقب معركة بدر, جاء ليحاربه, وجاء ليقتله, وجاء ليبطش بالمسلمين, لكنه صهر ممتاز، فقال عليه الصلاة والسلام:
((والله ما ذممناه صهراً))
كونه جاء ليحارب, جاء ليقاتل, جاء مع المشركين شيء، هذا عمل, أما أنه صهر ممتاز, قال:
والله ما ذممناه صهراً. هذا هو الإنصاف :
ابن أبي بلتعة أحد أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم -إنسان اجتهد اجتهاداً وأخطأ- فقد أرسل كتاباً إلى أهل مكة, يذكر لهم أن النبي سوف يفتح بلادهم -أي أنه اجتهد اجتهاد خطأ- فالنبي جاءه الوحي, وأطلعه على ما فعل ابن أبي بلتعة, فأرسل عليه الصلاة والسلام من يضبط هذا الكتاب مع امرأةٍ في الطريق، فقال سيدنا عمر للنبي الكريم: يا رسول الله, دعني أضرب عنقه, فقد خان الله ورسوله, قال: يا عمر, إنه شهد بدراً, ولعل الله سبحانه وتعالى اطلع على أهل بدرٍ فغفر لهم.
أي لا ينسى فضله، بل نلتمس له العذر, هذا هو الإنصاف.
وعن عمار بن ياسر, قال النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ؛ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ, وَبَذْلُ السَّلامِ لِلْعَالَمِ, وَالإِنْفَاقُ في الإِقْتَارِ))
الإنصاف من نفسك له ضابط، أما هذا الضابط لو طبقه المسلمون لأغلقت المحاكم أبوابها, ولأُلغيت وزارة العدل كلها، ما هذا الضابط؟.
قال عليه الصلاة والسلام: ((عامل الناس كما تحب منهم أن يعاملوك))
هذا الحديث طبقه النبي عملياً. انظر إلى هذا المنطق السليم للنبي مع هذا الأعرابي:
رجل أعرابي بلغه الإسلام فأعجبه, إلا أنه مدمن على الزنا، وهذا الأعرابي كان صريحاً, فجاء النبي -عليه الصلاة والسلام- وقال:
((يا رسول الله, أنا أشهد أنه لا إله إلا الله وأنك رسول الله, ولكن ائذن لي بالزنا -هذه اسمح لي فيها, فلا أقدر أن أتركها- والصحابة عندها أرادوا أن يقتلوه -ما هذه الوقاحة؟-.
فالنبي قال: دعوه, ثم قال له: اقترب يا عبد الله, اقترب مني, فاقترب -انظروا إلى المنطق- قال: يا عبد الله أتحبه لابنتك؟ -يتصور أن ابنته تزني- فقال: لا، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك؟ قال: لا، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، أتحبه لزوجتك؟ أتحبه لأمك؟ والأعرابي يردد: لا، فقال هذا الأعرابي بعد ذلك: والله دخلت على رسول الله وليس شيءٌ في الأرض أحب إلي من الزنا، وخرجت من عنده وليس شيءٌ أبغض إلي من الزنا))
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4610/09.jpg
انظروا للمنطق السليم، أتحبه لأختك؟ أنت تغش بهذه البيعة، فلو فرضنا أنك تبيع أقمشة وتغش الناس، فلو اشتريت حاجة لك من بائع وغشك ألا تنزعج؟ ألا تحس نفسك أنك تتمزق منه؟ لماذا غششتني؟ أوهمته أن هذه البضاعة أجنبية, وظهر بعد ذلك أنها ليست أجنبية ، أوهمته أن هذه رأس مالها مرتفع وغالٍ ولم تربح شيئاً, ثم تبيّن أنك ربحت بها مائة بالمائة ، فأنت في البيع والشراء أنصف الناس من نفسك، أتحب أن يقال لك كذا وكذا؟ أنت تسخر من إنسان, أتحب أن يُسخر أحد منك؟: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 12]
ولا الناس يحبون أن تفعل معهم كذلك، هذا الحديث يا أخوان: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك.
هذا الحديث يحثك أن تقدر الإنسان الذي أمامك، وتقدر الضعيف، وتقدر المسكين، قدر الذي هو وضعه أضعف منك. كيف فسر النووي الإنصاف؟ :
يا أيها الأخوة الأكارم, أنصفوا الناس من أنفسكم.
إن الإمام النووي -رضي الله عنه- قال: الإنصاف يقتضي أن تؤدي إلى الله جميع حقوقه وما أمر به، وأن تجتنب جميع ما نُهيت عنه, وأن تؤدي إلى الناس حقوقهم.
الإنسان يكون ابناً وأبوه موجود، يا ترى: هل تحب أن أباك بعد ما تقدمت به السن يحتاج إلى ابنه والابن يزور عنه؟ .
تصور أنك أب وابنك أغنى منك, وأنت بحاجة لمال ابنك وابنك يتبرأ منك، أليس هذا موقفاً صعباً؟ وهذه نصيحة دائماً:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4610/10.jpg
ضع نفسك محل الآخرين باستمرار، عندك زوجة وعندك أم، فأن تقف موقفاً منحازاً مع زوجتك, وتدع أمك التي ربتك, هذا موقف لا أخلاقي، تصور أنك أم وأنك ربيت هذا الابن ثلاثين عاماً, ثم تنكَّر لك, والتفت إلى زوجته على حساب حقوقك عليه، ليس هذا هو الإنصاف، لذلك الإنصاف كما فسَّره الإمام النووي -رحمه الله تعالى- قال:
الإنصاف يقتضي أن تؤدي إلى الله جميع حقوقه وما أمر به, وأن تجتنب جميع ما نهيت عنه، وأن تؤدي إلى الناس حقوقهم, وألا تطلب منهم ما ليس لك.
أحياناً الأب مع ابنه لا ينصفه، أي أن هذا الابن يشتغل عند أبيه, فيقول له: ألا تأكل وتشرب؟ ولكن الابن يريد أن يتزوج، ضع نفسك مكان ابنك, فهو يريد أن يشتري بيتاً, وأن يؤثثه، وأن يتزوج، يبذل جهده ثماني ساعاتٍ في عمل شاق معك أيها الأب على أكل وشرب فقط، وتقول له: هكذا أنا ترتيبي, هذا الترتيب خلاف الشرع، نحن نريد الشرع، فهل من المعقول: أن أحد أبنائك يشتغل معك عشر ساعات ليل نهار، والابن الآخر في البيت عاطل بلا عمل ويتساويان في النصيب؟ هذان لا يتساويان، لم تنصف ابنك، وأحياناً الابن لا ينصف أباه ، فموضوع الإنصاف يا أخوان من الدين, إني أذكركم بالحديث الشريف:
ألم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم-: الدين النصيحة؟ .
ألم يقل: رأس الدين الورع؟ .
فأكاد أقول: إن الدين إنصاف، وغير المنصف ليس فيه إيمان إطلاقاً، فيجب أن تنصف زوجتك وأولادك وجيرانك وأقرباءك ووالديك وزبائنك, فإنصافهم حق لهم وواجب عليك.
وقائع :
ذكر لي أخ, يحتاج لإجراء عملية, فقال له الطبيب: تكلفك خمسة وسبعين ألفاً, فلو أن هذا المريض باع نفسه وأولاده, فإنه لا يحصل على عشرين ألفاً، والعملية ضرورية, قال له ذاك الطبيب: هذا الحاضر، طبيب آخر قال له: خمسة آلاف.
هذا غير معقول سبعين ألف زائدة، انصفه، فلعلك تضعك الأيام في مثل موقفه، فعندما ينظر الإنسان إلى ربحه فقط, هذا هو الجهل الأساسي، ربحك في إنسانيتك، ربحك في عملك الصالح، ربحك في اعتدال سعرك، ربحك برحمة المسلمين:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4610/11.jpg
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.
كذلك أخٌ ثانٍ قال لي, وهي قضية معلقة بالطب، أول طبيب قال لي: العملية تكلف خمسةً وأربعين ألفاً، والثاني قال: تكلف خمسة وخمسين ألفاً، والثالث قال له: يا أخي الغلاء يسود الوجه, هذه العملية غالية, أنا خائف أن أقول لك فتنزعج, فقال له: ستة آلاف، من خمسة وخمسين ألفاً إلى ستة آلاف, هذا إجرام، فهل تريد منه أن يبيع بيته؟ يبيع سريره؟ يبيع براده؟ لكي تأخذ هذا كله أنت, ثم تقوم برحلة إلى أوروبا في الصيف؟ هذا ليس إنصافاً، لذلك الإنصاف، الإنصاف ويقيم أواصِر المحبة، الإنصاف يجعل المجتمع متكاتفاً، يجعل المجتمع كما قال عليه الصلاة والسلام:
((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ, مَثَلُ الْجَسَدِ: إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عضوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))
[أخرجه أحمد في مسنده]
ليس من الإنصاف :
تقول لمن يريد أن يعمل عندك: يا أخي نعطيك فقط ألفي ليرة, موظف عندك لا يكفيه ألفي ليرة، لا تريد يوجد غيرك، طبعاً الموظف مضطر لأنه عاطل عن العمل، وأنت تربح مئات، بل مئات المئات, أعطه أربعة آلاف فهذا إنسان، أخي أنا أجد من يعمل بألفين بل بألف هناك من يرضى، ليس الأمر متوقفاً على من يرضى, بل متوقف على ما يستحق هذا العامل، هناك فرق بين العرض والطلب، إنسان ربط مصيره معك, عنده زوجة وأولاد.
قال لي أخ: إنه في اليوم يصرف مبلغ كذا ألف, أما أنا كعامل يعطيني بالشهر ألف وخمسمائة، فهذه مشكلة، فعليك أن تنصف الناس من نفسك خاصة من هم دونك، وكذلك من هم فوقك، وكن منصفاً مع أولادك، مع زوجتك، مع جيرانك، الإسلام إنصاف, أن تقف عند حدك:
رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده.
أن تعرف ما لك وما عليك، ما ينبغي وما لا ينبغي، ما يجوز وما لا يجوز، ما يصح وما لا يصح، ما هو حق وما هو باطل، ما هو خير وما هو شر، ما هو عدل وما هو ظلم.
أهذا هو الإسلام؟ :
أحياناً تجد شريكين، فيذهب أحدهما إلى أوروبا, ويقضي فيها شهرين، فنادق, أجنحة, سهرات حمراء, سهرات خضراء, وهل هناك صفراء كذلك؟ لا أعرف، ثم يرجع فيسجل مصروفه على المعمل, على حساب باب الاطلاع, فقد رفع مستوى اطلاعه.
أنت ذهبت لكي تعمل سياحة, فحملت الشركاء ما لا يطيقون، السياحة شيء, والاطلاع شيء, والدراسة شيء, والاستيراد شيء، فهذا يحدث.
أنا أريد أن أشتري مرابحة منك، المرابحة ربح ثابت ويكشف رأس ماله، فمثلاً: ذهب إلى أوروبا لخمس أو ست مهام, فاعتبر هذه الرحلة مهمة واحدة, فوضع نفقات كل هذه الرحلة على هذه البضاعة، أخي مصاريف سفر, ورأس مال كذا, والربح بالمائة عشرة، فأنت قد أخذت بهذه الطريقة الربح مائة بالمائة, أحياناً يرفع المصروف فيضاعف ربحه، لا يوجد إنصاف بالبيع بالشراء، أهذا هو الإسلام؟ لا, إن الإسلام إنصاف بكل حركاتك وسكناتك.
قال له: هل تعرفه؟ قال: نعم أعرفه, فقد رأيته بالمسجد، قال: هل سافرت معه؟ قال له: لا, قال: هل عاملته بالدرهم والدينار؟ قال له: لا, قال له: هل جاورته؟ قال له: لا، قال: إذاً أنت لا تعرفه.
ملاحظات حول موضوع الإنصاف :
في نفسي على الإنصاف أشياء كثيرة وملاحظات عدّة؛ الإنصاف في كل شيء حتى في أحكامك، لم تلتقِ فلاناً ثم نسمعك تقول عنه: إنه إنسان سيء، هل التقيت معه؟ لا, هل استمعت إلى كلامه؟ لا, فأنت لم تنصفه، كيف يفعل مسلم هذا مع شخص لم يلتق معه، أو تقول: إنه يا أخي لا يفهم شيء؟ فهل سألته سؤالاً واحداً فقال: أنا لا أفهم؟ أو سألته سؤالاً, وأجاب إجابة خطأ؟ هل قرأت مؤلفاته؟ قرأت كتبه؟ حضرت دروسه؟ لا, بل تقول: أخي إنه غير فهمان، فأنت لست منصفاً، أهكذا يكون المؤمن غير منصف؟:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
فأنت مسؤول عن كلامك. هذا سر إفشاء السلام :
وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه-, قال رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-:
((أفشوا السلام تعلوا))
أي يرفع الله من شأنكم، ويرفع لكم مقامكم في الدنيا، أفشوا السلام تعلوا.
وفي حديثٍ آخر: عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: ((أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
أَفْشُوا السَّلامَ تَسْلَمُوا وَالأَشَرَةُ شر))
[أخرجه أحمد في مسنده]
يعني: إذا كنت ليس لك أصحاب ضمن حيك فإنك لا تسلم على أحد، يزورك الناس؟ لا، لأنك لا تزور أحداً، فهم إذاً يبحثون لك عن عيب، عن غلطة، ينقضون عليك، ليشفوا غليلهم منك، أما إذا كنت متواضعاً, وسلَّمت عليهم، وزرت جيرانك، وعاونتهم في حياتهم، أصبح هذا البناء التي تساكن جيرانك به أسرة واحدة، إذا سافرت سافرت وأنت مطمئن، كلهم كأنهم أنت، إذا فقدت هذه المودة، وفقدت التحية, وهذا السلام، تعيش في جفاء.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4610/12.jpg
فإذا دخل أحد من أخوة زوجتك إلى بيتك في غيابك، يقولون: دخل بيته شخص غريب, علماً بأن الداخل أخو زوجتك، يتكلمون بموضوعات ثانية، بينما إذا أنت سلَّمت عليهم, وعرفوا أخلاقك العالية، وتواضعت وخدمتهم, أصبح هذا الحي أسرة واحدة، إني أحب التكاتف والتعاون، فالإسلام جماله في هذه الحياة الاجتماعية السليمة، لأن التباعد والتدابر والتجافي والمشاحنة والبغضاء تفتت المجتمع، قال الله عزَّ وجل: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
[سورة الأنفال الآية: 46]
بالمنازعة والمشاحنة ضعف، يضعف هذا المجتمع الذي تنتمي إليه، لذلك تجد مجتمعات مفتتة, بفعل الخصومات والغيبة والنميمة والحسد والبغضاء والتدابر والتطاحن والتنافس تجد المجتمع المنهار، أما بتطبيق تعاليم الإسلام, تجد الجتمع كالبنيان المرصوص, يشد بعضه بعضاً، إذاً:
أفشوا السلام تعلوا، أفشوا السلام تسلموا. انظر هذا التواضع عند عمر :
وعن ابن الزبير -رضي الله عنهما-, عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
((دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ حَالِقَةُ الدِّينِ لا حَالِقَةُ الشَّعَرِ, وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا, أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ))
اقرأ عن الصحابة, تحس أن هؤلاء الصحابة كأنهم يد واحدة، كأنهم جسم واحد, يحب بعضهم بعضاً، يدافعون عن بعضهم بعضاً، يعرفون قدر بعضهم بعضاً.
وقف سيدنا عمر على المنبر, قبل أن يخطب نزل درجة -ماذا حدث!! ألغى الخطبة؟ الخطبة أساس في الإسلام- فلما استقر على الدرجة التي دون الأخيرة, قال: ما كان الله ليراني أضع نفسي في مقام أبي بكر, فنزل درجة اعترافاً بمنزلة أبي بكر، وسيدنا عثمان نزل درجة كذلك.
بعد عشرات السنين, سأل أحد خلفاء بني أمية أو بني العباس, فقال: لماذا لم ينزل فلان الخليفة درجة؟ فقال له صديقه: لو فعلها لكنت أنت في قعر بئر.
لو ينزل كل خليفة درجة فأين مكانك أنت اليوم؟.
المهم أن تعلم أن عمر تواضع في نفسه، فالزم أنت التواضع، سيدنا عمر كان منصفاً، فبعد أن توفي سيدنا الصديق -رضي الله عنه- صار سيدنا عمر -رضي الله عنه- كذلك هو الرجل الأول، ورغم ذلك يرى أفضلية الصديق!
أحدهم أحب أن يتقرب منه, فقال له: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله -كلام لطيف، فليس أحسن منك بعد النبي, فكاد أن يبطش بمن في المجلس جميعهم- نظر إليهم نظرةً حادة، خافوا إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خيرٌ منك، قال له: من هو؟ قال : أبو بكر، فقال: كذبتم جميعاً أيها الساكتون وصدقت أنت، كنت أضلَّ من بعيري، وكان أبو بكرٍ أطيب من ريح المسك -من الذي يقدر أن ينافق لسيدنا عمر؟ انتهى النفاق كلّه, فلا يوجد نفاق، أنصف سيدنا الصديق، فهو قد مات وليس من يدافع عنه، سيدنا الصديق الآن ليس موجوداً، فإذا كان أحب أن يحتل الساحة كلها الآن, فلا يوجد من يحاسبه، لكنه أنصفه قائلاً-: والله كنت أضلَّ من بعيري، وكان أبو بكرٍ أطيب من ريح المسك، قال: ما أنا إلا حسنة من حسنات أبي بكر.
عمر كله حسنة من حسناته، أنصفه من نفسه. النبي أنصف أصحابه واحداً واحداً :
النبي -عليه الصلاة والسلام- أنصف أصحابه واحداً واحداً، هذا قال له:
((والله إني أحبك يا معاذ))
أنصفه.
وسعد قال له: ((ارم سعد فداك أبي وأمي))
وفي سعد قال أيضاً: ((أروني خالاً مثل خالي))
أنصفه.
وعن سيدنا عمر قال: ((لو كان نبيٌ بعدي لكان عمر))
أنصفه.
وسيدنا عثمان قال عنه: ((ذو النورين، ألا أستحي من عثمان؟))
أنصفه.
وأبو عبيدة قال عنه: ((أمين هذه الأمة))
وابن الزبير قال عنه: ((حواري هذه الأمة))
وسيدنا خالد قال عنه: ((سيف الله في الأرض))
لا يوجد صحابي من أصحاب النبي إلا النبي أنصفه في تقييم صحيح، هكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام.
فعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ -رَضِي اللَّهم عَنْهم جميعاً- قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ, وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ حَالِقَةُ الدِّينِ لا حَالِقَةُ الشَّعَرِ, وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا, أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ))
هذا الحديث بإسنادٍ جيد. نقطة هامة :
والنبي يقول, وهو:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية: 3-4]
((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا, ولا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا, أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ))
ولمَ يقسم النبي فلماذا يقسم؟ معنى ذلك: أن هناك أمراً خطيراً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4610/13.jpg
أنت إذا كنت تحب أخوانك فأخوانك يحبونك، لا أحبهم يا أخي، بالزور المحبة، أي يجب أن تعاملوا بعضكم معاملة يكون من ثمارها المحبة, المحبة ليست عملاً إرادياً، بل عملاً عفوياً: ((يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم, فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها, وبغض من أساء إليها))
هذه النفس مثل الماء في المنحدر، صب الماء على منحدر, وقل له: اصعد إلى فوق ، يرجى الصعود نحو الأعلى، لا يصعد، رجاءً، لا يرد عليك، قل له: انزل، فكل هذا كلام فارغ, لأنه ينزل تلقائياً, فالنزول والهبوط إحدى خصائص الماء: ((يا داود ذكر عبادي بإنعامي إليهم, فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها, وبغض من أساء إليها))
أحسن إلى الرجل تكن أميره.
بالبر يستعبد الحر. قصة :
يقولون: إن شخصاً مخموراً، سكيراً، عربيداً، خميراً، كان ماشياً في الطريق, ورائحة الخمر تفوح منه، مر الإمام مالك بن دينار, ويبدو أنه أشفق عليه, فأخذه إلى البيت, ونظفه وغسله وأطعمه وصرفه، بهذه المعاملة الطيبة تاقت نفس هذا العاصي إلى الله، فاغتسل وصلى ثم حضر صلاة الفجر في المسجد، فصار يبكي ويناجي ربه، يقولون: إن الإمام مالك بن دينار رأى في المنام: أن يا مالك طهرت فمه من أجلنا فطهرنا قلبه من أجلك, فلما ذهب إلى المسجد صباحاً, وجده في المسجد يصلي، قال له: من الذي هداك إلي؟ فقال له: إن الذي هداني أخبرك بحالي.
أخيرك عني, يقولون لك: أخي هذا شارب، هذا عاصٍ، من الممكن إذا تاب أن يسبقك, لا تعرف, فكن أديباً مع الخلق، الآن هو عاصٍ، لكنه إذا تاب فلعله يسبقك إلى الله.
سيدنا خالد في بدر حارب رسول الله، وفي أحد حاربه، متى أسلم؟ أسلم عام الفتح، ألم يسبق معظم الصحابة؟ أليس كذلك؟ أصبح من كبار الصحابة.
لا تعرف أنت طوالع المستقبل فإنه غيب, فكن أديباً مع الناس، رأيت عاصياً انصحه، فهّمه, بين له, اخدمه.
خذ هذا الشعار لك في حياتك :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4610/14.jpg
أنا أحب أن يكون كلّ أخ شعاره: كن عوناً لأخيك على الشيطان، ولا تكن عوناً للشيطان على أخيك, عاونه على الشيطان, فتواضع له, واخدمه، ولا تنفره من الدين، ولا تكن عوناً للشيطان على أخيك. الحديث الشريف القدسي:
((أنا مع المنكسرة قلوبهم الحزانى في كنف الله, إن الله يحب كل قلبٍ حزين))
الحزانى معرضون للرحمة، الإنسان قيمته بأخلاقه، النبي بماذا مدحه الله عزَّ وجل؟ بيته فخم, مترامي الأطراف مثلاً؟ لا, بماذا مدحه الله عزَّ وجل؟ .
أحياناً أنت تقيم الإنسان بسيارته، ببيته، بمكتبه، بمرتبته، برصيده، بأسرته، بحسبه، بنسبه، أخي فلان يده طايلة، بماذا مدح الله نبيه الكريم؟ قال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4610/15.jpg
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة القلم الآية: 4]
إذا كنت تحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فاقتف أثره في التواضع، في الإنصاف.
كان إذا دخل بيته لف ثوبه لئلا يوقظ أهله, كان إذا دخل إلى بيته قال:
((أكرموا النساء فو الله ما أكرمهن إلا كريم))
كان يقول عن النساء: ((إنهن المؤنسات الغاليات))
كان حليماً صلّى الله عليه وسلَّم، بلغه حديث الإفك, وما أدراكم ما حديث الإفك؟ ومع ذلك كان حليماً, وكان صابراً، لأنه هو الأسوة لنا. إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي :
لذلك: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا, وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا, أَفَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُم))
تريد أن تحب أخاك وأخوك يحبك, المحبة ليست بالإكراه إذاً كيف؟ يجب أن تعامله معاملة يذوب محبة فيك، ويعاملك معاملة تذوب محبة فيه، فإذا أحببته وأحبك صار المجتمع كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.
ماذا قال الله عزَّ وجل عن أصحاب رسول؟ قال الله عزَّ وجل:﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
[سورة الفتح الآية: 29]
الإنسان لا بدَّ من أن يرحم أخاه: ((إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي))
إذا وقع إنسان أو عثر فارحمه. أين أنتم من الإسلام معشر التجار؟ :
أحياناً: يضطر أحد الزبائن لبضاعة ما، فيقول له البائع: بثلاثمائة وخمسين، فيقول الزبون: هي بمائتين بالخارج, فيقول: ااتركها لا تشتريها، عرفته مضطراً, وليست هذه البضاعة موجودة عند غيرك، أو يكون مضطراً أن يبيع هذا السرير, لأنه سيجري عملية لزوجته، فيقول له: بمائة ليرة! ثمنه ثلاثة آلاف, فيقول له: إنه لا يلزمني ولكن لا يرحمه، بالشراء والبيع لا رحمة، إنه مجتمع الغاب، فأين أنتم من الإسلام؟.
هذا هو مجتمع الاستغلال :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4610/16.jpg
أنا كنت أضرب مثلاً خلاصته: رجل يريد أن يشتري غرفة نوم، قال له البائع: هي ذات سرير واحد، قال له: أريدها ذات سريرين، قال البائع: إذاً عشرة آلاف زيادة، الخشب أسعاره مرتفعة، قال الزبون: إذاً أنا أريدها بسرير واحد، يقول له: أحسم لك ألفين، لماذا لما أراد شراء سريرين يطلب منه عشرة آلاف زيادة، وعندما اكتفى بسرير واحد أصبح السرير ثمنه ألفان؟ لأنه لا يوجد إنصاف، وحول موضوع الإنصاف، هذا إذا كنت تريد أن تبيع الحاجة فالثمن المدفوع لك زهيد جداً، وإذا كنت تريد أن تشتريها فهي قطعة نادرة وثمنها باهظ، هذا مجتمع القنص، مجتمع الذبح، مجتمع الاستغلال، هذا ليس مجتمعاً إنسانياً بل هو مجتمع الذئاب، لذلك نهى النبي عن بيع المضطر، إذا كان رجل مضطراً ليبيع سلعة, يجب ألا تأخذها بثمن بخس، لأنك عندئذٍ كأنك سرقتها منه، وعلى هذا فقس.
فما دام تعاملنا قائم على جور, وعلى ظلم وعدوان، بين بعضنا البعض؛ الجار مع جاره، والأخ مع أخيه، المعلم مع صانعه، الصانع مع معلمه, فالمجتمع إلى انهيار، لذلك: فالله عزَّ وجل لا ينظر إلى هذه الأمة بالرحمة إذا لم يتراحموا، أما إذا تراحموا يرحمهم الله عزَّ وجل.
ملخص الدرس :
فاليوم قرأت في الجريدة: إلى الآن أمطار دمشق ثمانية وعشرين ملم، بقي من فصل الشتاء شهران فقط، ونحن معدل أمطارنا عادةً مائتان وخمسون ملم في السنة، العام الماضي الذي كان عام محل في دمشق, كان المعدل خمسة وثمانين ملم, وما هطلت الأمطار حتى الآن في هذه السنة, إلا ثمانية وعشرين ملم فقط:
((إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي))
إذا أحدنا وقع فلا أحد يرحمه ولا أحد يأخذ بيده، فالظلم قائم، ومصدره الأنانية والجشع، وهذا ملخص الدرس.
الدرس كأنه حام حول موضوع واحد خلاصته: أن تنصف الناس من نفسك، حق لأخيك عليك أن تنصفه؛ في سمعته، في عرضه، في ماله، في بيعك له، في شرائك منه، في زيارتك له, واذكر قوله تعالى دائماً: إنما المؤمنون أخوة، واذكر أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم: المسلم أخو المسلم.

السعيد
09-05-2018, 01:14 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( السابع العاشر )


الموضوع :الانصاف من نفسك




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ماذا فهم النبي من هذه الآية؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق، ولا زلنا في موضوع حقوق المسلم على المسلم، ومن هذه الحقوق التي بدأنا بها منذ درسين حق السلام، والشيء الذي يلفت النظر: هو أن بعض الناس يظنون أن إلقاء السلام شيءٌ تافه، أو شيءٌ لا يقدِّم ولا يؤخِّر.
النبي -عليه الصلاة والسلام- جعل من السلام أداةً لشيوع المحبَّة بين المؤمنين.
لذلك كما مهَّدت في الدرس الماضي: أن الإنسان له حياةٌ جسديَّة، وله حياةٌ عقليَّة، وله نفسيَّة، وله حياةٌ اجتماعيَّة، والله سبحانه وتعالى في منهجه الحكيم، وفي قرآنه الكريم قال:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 10]
وقد فهم النبي -عليه الصلاة والسلام- من هذه الآية: حقوق الأخوَّة في الله، لذلك تجدون بعد قليل: كيف أن هناك توجيهاتٍ نبويةً عديدةً, هدفها الأوحد تمتين هذه الأخوة في الله، بين أن يكون المجتمع مفكَّكاً، بين أن يكون المجتمع متباغضاً متحاسداً متباعداً متنافراً, وبين أن يكون المجتمع متماسكاً, كأنه جسدٌ واحد, إذا اشتكى منه عضوٌ, تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى.
هذا الإيمان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4612/01.jpg
فعن أنسٍ -رضي الله عنه-, عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم- قال:
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ.
-معنى ذلك: أن الإيمان ذوق، ومن هذا الذوق أن للإيمان حلاوة, فمؤمن مع انقباض، مع ضيق، مع يأس, ليس هذا مؤمناً، الذي آمن إيماناً صحيحاً, يجب أن يذوق حلاوة الإيمان.
ومن توجيه النبي -عليه الصلاة والسلام-: أنه من آمن إيماناً صحيحاً, وجد حلاوة الإيمان. يقول عليه الصلاة والسلام-: ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ.
-الإيمان بحث، والإيمان تصديق، والإيمان اتصال بالله عزَّ وجل, والكفر جهل، والكفر تكذيب، والكفر إعراضٌ عن الله عزَّ وجل, هناك بالإيمان جانب فكري، وهناك جانب تصديقي، وكذلك جانب شعوري.
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- في هذا الحديث بيَّن الجانب الشعوري, فقال-: ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ .
ما هي الشروط التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان لكي يذوق حلاوة الايمان؟ :
1-أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما :
-بالمناسبة: فهذا الحديث مقياسٌ لنا، إنه وصفٌ للمؤمن كذلك ومقياسٌ لنا، فكل واحدٍ منا يسأل نفسه هذا السؤال: هل تنطبق عليَّ هذه الشروط؟ إذا انطبقت فليفرح, وهنيئاً له، فإذا لم تنطبق, فلا بدَّ من السعي الحثيث حتى يصل إلى هذا المستوى المطلوب، ما هي هذه الثلاث؟
قال عليه الصلاة والسلام- :أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4612/02.jpg
-هذا كلام معناه واضح، وقد يقول كل واحدٍ منا: نعم الله ورسوله أحب إليَّ مما سواهما, فإذا كان الأمر كلاماً فالقضيَّة سهلة جداً، لكن ربنا عزَّ وجل يضع المؤمن في امتحانات صعبة، مصلحته الماديَّة أن يفعل كذا وكذا، إن رضوان الله عزَّ وجل في أن يدع هذه الصفقة، فإذا أخذ صفقةً فيها شبهة وآثرها على رضوان الله عزَّ وجل، يجب أن يعلم علم اليقين أن الله ورسوله ليس أحب إليه مما سواهما, الذي يطيع زوجته ويعصي ربه, ليعلم علم اليقين أن الله ورسوله ليس أحب إليه مما سواهما؛ الذي يؤثر شهوة، الذي يؤثر مخالفة، يؤثر معصية، يؤثر انحرافاً، يؤثر تقصيراً على طاعة الله ورسوله، فهو لا يحب الله ورسوله كحبِّه لهذا الشيء الذي آثره، إذاً نحن الآن أمام مشكلة، لأن الادعاء سهل جداً:
وكلٌ يدَّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقرُّ لهم بذاك
لك أن تدعي ما شئت، ولكن الله سبحانه وتعالى كفيلٌ بأن يضع المؤمن في ظرفٍ دقيقٍ دقيق، يكشف له وللناس أنه لا يحب الله ورسوله كما يدعي، لذلك فالإنسان يجب أن يتلو هذه الآية ويتدبَّرها:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 2]
قد تواجهه موقفاً صعباً، قد تُغلق دونك كل الأبواب -أبواب الحلال كلها مغَّلقة- ويفتح الله لك باباً فيه كسبٌ حرام، المؤمن لو قطَّعته إرباً إرباً لا يقترف الحرام، أما ضعيف الإيمان يقول لك: أنا مضطر عندي أولاد, معنى ذلك: أن الله ورسوله ليس أحب إليه مما سواهما-. 2-وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4612/03.jpg
وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ.
-محبة الناس لها أسباب, هناك محبَّة أساسها المصلحة، ظاهرها محبة حقيقتها المصلحة، وهناك محبة أساسها القرابة، ومحبة أساسها الشهوة، ومحبة أساسها المتعة، ومحبة أساسها الطمأنينة، يا ترى: هل تحب إنساناً ليس لك معه مصلحة, ولا حاجة، ولا تعتز به، ولا تتقوَّى به، ولا ترجو خيره، ولا تخشى شرَّه، ولا يقدِّم لك شيئاً، ولا يؤخِّر لك شيئاً, لا تحبه إلا لله؟ هذه من علامة الإيمان، أتحب مؤمناً لله؟-.
وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) فهذا الذي على حافة، على حرف، فكلمةٌ تأخذه إلى أهل الإيمان، وكلمةٌ تدفعه إلى أهل النفاق هذا ليس مؤمناً . ما علاقة هذا الحديث بموضوع السلام؟ :
يا أخوان, حديثٌ دقيقٌ دقيق :
((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ))
فيجب علينا أن نقف عند هذا الحديث، وأن نتأمل هذا الحديث، وأن نمتحن أنفسنا في ضوء هذه المقاييس الثلاثة التي جاءت في هذا الحديث .
ما علاقة هذا الحديث بموضوع السلام؟ أي أنت إذا أردت أن تحب الآخرين عن طريق إفشاء السلام, فينبغي أن تكون مؤمناً، وهذه صفات الإيمان. ((المؤمنون بعضهم لبعض نصحاء متوادون وإن افترقت منازلهم, والفجرة بعضهم لبعض غششة خونة وإن اجتمعت أبدانهم))
من أجل أن يفشو السلام بيننا، وأن تزداد المحبة، وأن تصبح العلاقات متينة, يجب أن نكون مؤمنين، وهذه صفات أهل الإيمان. من هؤلاء السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة؟ :
1-الإمام العادل :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4612/04.jpg
حديثٌ آخر:
عن أبي هريرة -رضي الله عنه-, عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم- يقول:
((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ؛ الإِمَامُ الْعَادِلُ .
-لقد مرَّ معنا في درس الجمعة: كيف أن سيدنا سليمان -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وهو في أعلى درجة من درجات المُلك والقوة- كان أقرب الناس إلى الله عزَّ وجل.
فالإمامة قد تكون طريقاً إلى الله عزَّ وجل ولكن بشرط أن يكون الإمام عادلاً، لذلك قيل:
العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والورع حسن لكن في العلماء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن.
فهذا الإمام العادل من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله-. 2-شاب نشأ في طاعة الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4612/05.jpg
وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ .
-من شبَّ على شيءٍ شاب عليه.
من لم تكن له بدايةٌ محرقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة.
هذا الشاب الذي نشأ في طاعة الله, أصبحت حياته كلها في طاعة الله، له خريف عمرٍ مُشرق، له مستقبل مشرق، له مكانة عند الله كبيرة، هذا الذي نشأ في طاعة الله، والذي آمن في أي سنٍ هو مقبول، وله عند الله شأنٌ كبير، ولكن الشاب إذا نشأ في طاعة الله, يُبنى زواجه على طاعة الله، يُبنى عمله على طاعة الله، تبنى علاقاته الاجتماعيَّة على طاعة الله، الذي يؤمن بوقت متأخر جداً هو أمام زوجة لها مشكلة لا تستجيب له أحياناً، تجعل بيته جحيماً ، له عمل لا يرضي الله، هذا العمل الذي ألفه, فكلَّما فكرت بمعرفة الله, كلَّما جعلت حياتك تسير على وفق مرضاة الله عزَّ وجل-.3-رجل قلبه معلق في المساجد :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4612/06.jpg
وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ .
-المؤمن في المسجد كالسمك في الماء، لأنه بيت الله عزَّ وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾
[سورة النور الآية: 36-37]
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة النور الآية: 35]
فإذا أردت أن تكون طبيباً, فلا بدَّ من أن تتجه إلى الجامعة، المكان الطبيعي لتعلُّم الطب، وإذا أردت أن تكون مؤمناً فلا بدَّ من أن تتجه إلى المسجد، هو المكان الطبيعي لمعرفة الله عزَّ وجل, من خلال ما يلقى فيه من علم، ومن خلال العبادة, وتلاوة القرآن-. 4-رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4612/07.jpg
وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ, وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ, وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ .
-فلا يعرف طعم هذا الكلام إلا من كان له أخٌ في الله, ولا أبالغ إذا قلت: إن أثمن شيءٍ في الحياة أخٌ في الله, يخلص لك الود، يمحضك النصيحة، يقدِّم لك النصيحة، يعينك في الأزمات، يواسيك في النكبات، يفرح لك في المسرَّات، هو يدك اليمنى، قلبك، عينك، سمعك، بصرك, لذلك مما يخفِّف أعباء الحياة، مما يخفِّف على الناس مشاق الحياة, هذه الأخوة في الله، وأصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- كانوا قدوةً لنا في المحبة والتعاون والتآخي، وسوف نرى بعد قليل, في قصة الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف, كيف كان أصحاب النبي -رضوان الله عليهم- قدوةٌ لنا في هذا المجال؟-.5-رجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله :
وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ, فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّه .
-كنت أقول لكم دائماً: إن هناك تطابقاً أحياناً بين القوانين وبين الشرائع, فالسرقة يحرِّمها الشرع، ويحرِّمها القانون، فالذي لا يسرق ربَّما كان بدافع الخوف من عقوبة الإمام أو الحاكم ، أو ربما كان بدافع الخوف من الله، الأمر ملتبسٌ علينا، ولكن هذا الذي يغض بصره عن محارم الله.
هذا الذي تدعوه امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال ولا أحد يعلم بهذه الدعوة، فيقول: إني أخاف الله رب العالمين، هذه الأعمال لا يمكن أن تفسَّر إلا بالإخلاص لله عزَّ وجل-.6-رجل تصدق فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه :
وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ فأَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ.
-وأيضاً إخفاء الصدقة مما يؤكِّد الإخلاص فيه-.7-رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4612/08.jpg
((وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ))
هذا البكاء بكاء أهل الحب؛ أي أن الإسلام روحه الحب وجسده -إن صحَّ التعبير-؛ هذه العبادات، وهذه الأفعال، وهذه الأوامر، وهذه النواهي، وتلك الشعائر, ولكن روح الإسلام هو الحب، والحب يحتاج إلى جهدٍ كبير، أما إذا امتلأ قلبك حباً لله, تشعر بشعورٍ لا يوصف، لذلك لا ينبغي للإنسان أن يكتفي من الإسلام بمظاهره، بشعائره، بأوامره، بنواهيه، لا بدَّ من أن ينتقل من مستوىً إلى مستوى، إن الاستقامة على أمر الله، وبذل ما آتاك الله في سبيل الله، والتقرُّب إلى الله، وإتقان العبادات, هذا يولِّد في قلبك حباً لله، فإذا شعرت بهذا الحب عرفت ماذا يعني الحب؟ لأن الشاعر يقول:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها
إذاً :((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ؛ الإِمَامُ الْعَادِلُ, وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ, وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ, وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ, وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ, فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ, وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ فأَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ, وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ))
هذا الحب في الله ما الذي يفسده؟ :
لا زلنا في الحب، لأن إفشاء السلام من أجل الحب، والحب من أجل أن يمكن المجتمع وتشَدُّ أواصره .
وعن معاذٍ -رضي الله عنه- قال: ((سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- يقول :قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ))
هذا الحب في الله .
الآن: هذا الحب ما الذي يفسده؟ الذي يدعمه أن تكون مؤمناً، والذي يدعمه أن تفشي السلام بين أخوانك، ما الذي يقوِّضه؟ ما الذي يفسده؟.
قال عليه الصلاة والسلام: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَخُونُه.
-إذا خنت أخاك المسلم فقد قوَّضت هذه المحبَّة- وَلا يَكْذِبُهُ, ولا يَخْذُلُهُ, كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ)) [أخرجه الترمذي في سننه]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4612/09.jpg
العرض هو السمعة، عرض الإنسان موطن المدح والذم فيه، بمجرَّد أن تنال منه، بمجرَّد أن تغتابه فقد نلت من عرضه، وإذا نلت من عرضه تفتَّت المجتمع، ما الذي يجعل هذه المحبة قويةً؟ أن يخلو مجتمع المؤمنين من الخيانة، والكذب، والخِذْلان، والعدوان على الأعراض والأموال والدماء.
هذا حديثٌ رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسن، وأصلٌ في التعامل:
((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَخُونُه
((كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ))

[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]
كفى بها خيانة أن تنصحه بشيءٍ لا ينفعه، يحقِّق مصلحتك أنت, ولكن هذا الشيء لا ينفعه ، كفى بها خيانة أن تغشَّه في بضاعاته، كفى بها خيانة أن تغبنه في السعر، فإذا خنت أخاك المؤمن فقد تقوَّضت هذه المحبَّة-.
الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لا يَخُونُه وَلا يَكْذِبُهُ ولا يَخْذُلُهُ, كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
ماذا فهم العلماء من كلمة بينكم في هذه الآية؟ :
وربنا عزَّ وجل قال :﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
[سورة البقرة الآية: 188]
أروع ما في هذه الآية: أن الله عزَّ وجل جعل مال أخيك مالك، فلم يقل: لا تأكل مال أخيك، بل لا تأكل مالك، لأن هذا المال مالك، فيجب عليك أن ترعاه، وأن تحفظه، وأن تصونه، فلأن تمتنع عن أن تأكله حراماً فهذا من باب أولى، إذا كان مال أخيك هو مالك، ويجب أن تحرص عليه، وأن تصونه، وأن تحفظه, فلأن تمتنع من أكله ظلماً وعدواناً من باب أولى:﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾
[سورة البقرة الآية: 188]
وكلمة بينكم: فهم منها العلماء أن هذا المال يجب أن يكون بين الناس، متداولاً بين كل الناس، فإذا أصبح المال متداولاً بين أيدٍ قليلة فثم مصيبة المصائب، والله سبحانه وتعالى ما حرَّم الربا، وما حرَّم الاحتكار، وما حرم الغش، وما حرم التدليس، وما حرم الكذب، وما حرم إخفاء العيب، وما حرم كل المُحرَّمات في كسب المال إلا:
﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
إذا كانت هذه الكتلة النقديَّة بين كل الناس كان الناس كلهم بخير، أما إذا تداولتها أيدٍ قليلة وقعنا في الطامَّة الكبرى، إذاً :((كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
الخيانة، والكذب، والخذلان، والعداون على الأعراض والأموال والدماء, يفتِّت المحبة بين المجتمع، يصبح المجتمع كالذئاب كلٌ ينقض على أخيه، الأقوى يأكل الأضعف.
قال جعفر للنجاشي: كنا قوماً أهل جاهليَّة, نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً, نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحِّده، وندع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان.
عن ماذا ينهى النبي في هذا الحديث؟ :
حديثٌ آخر: رواه الإمام مسلم ينهى فيه النبي -عليه الصلاة والسلام- عن أعمالٍ كثيرة, من شأنها أن تفسد العلاقة بين المؤمنين.
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم:
((لا تحاسدوا, ولا تناجشوا .
-ما هو التناجُش؟ تكون أنت في السوق، ولك زميلٌ، أو صديقٌ، أو جارٌ, وهو يبيع شيئاً لإنسان، تقول له: خذ مني ثمنه ألف ليرة, أنت لست صادقاً في هذا الشراء، وهذا السعر ليس سعره، ولكن دفعت هذا السعر من أجل أن تغري هذا المشتري بدفع هذا الثمن، هذا بيع النجش، وبيع النجش حرام, لأنه تمثيليَّة لعملية بيع وخداع وغبن، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول-:
لا تَحَاسَدُوا, وَلا تَنَاجَشُوا, وَلا تَبَاغَضُوا, وَلا تَدَابَرُوا, وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ
-كان السلف الصالح إذا جاءه المشتري الأول يبيعه، فإذا جاء المشتري الثاني, يقول له: اذهب عند جاري, أنا قد بعت البيعة الأولى, ويريد لجاره أن يستفتح كما استفتح هو-.
وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ, وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ أخْوَانًا, الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ: لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ وَلا يَحْقِرُهُ, التَّقْوَى هَا هُنَا, وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ, بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما, ومالك في الموطأ]
قف هنا :
والحديث الأخير المتفق عليه: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ,
- من أعان ظالماً سلَّطه الله عليه- .
وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ,
-لأن أمشي في حاجة أخٍ مؤمن خيرٌ لي من صيام شهرٍ واعتكافي في مسجدي هذا-.
وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً, فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ, وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
هذه توجيهات النبي التي جاءت من أجل أن تفشوَ المحبة بين المؤمنين، التعمق بالإيمان يزيدك حباً بأخوانك المؤمنين، وإفشاء السلام يزيد هذه المحبَّة, والذي يقوُّضها أن تخونه، أن تكذب عليه، أن تظلمه، أن تسْلمه، أن تعتدي على ماله أو على عرضه أو على دمه، أن لا تقدِّم له المعونة المناسبة، هذا كله في هذه الأحاديث الشريفة.
هذه مهمة الشيطان :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4612/10.jpg
عن جابرٍ -رضي الله عنه- قال:
((قال رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ وَلَكِنْ رضي فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُم))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
فالشيطان دوره خطير جداً في التحريش بين المؤمنين، إشاعة البغضاء، من خلال الغيبة والنميمة, هذا كله يسبِّب العداوات بين المؤمنين، الشيطان يئس أن يعبده الناس بعد الرسالة، ولكن طمع في التحريش بينهم.
وفي نهاية المطاف: يقول عليه الصلاة والسلام:
((أَفْشُوا السَّلامَ, وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ, وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ, تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ))
هل سألت نفسك هذا السؤال؟ :
والآن: ننتقل إلى قصة الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف .
وقفت وسألت نفسي: أيمكن أن يكون الغني أقرب إلى الله من الفقير؟ قلت: نعم, أيمكن أن يكون الفقير أقرب إلى الله من الغني؟ قلت: نعم, أيمكن أن يكون القوي أقرب إلى الله من الضعيف؟ نعم, أيمكن أن يكون الضعيف أقرب إلى الله من القوي؟ نعم.
إذا كان الغني أقرب إلى الله تارةً، والفقير أقرب إلى الله تارةً أخرى، إذاً الغنى والفقر لا علاقة لهما بالإيمان، لكن الغنى يوظَّف في الطريق إلى الله عزَّ وجل، والفقر يوظَّف كذلك.
الذي نعرفه جميعاً: أن المؤمن تشتهي منه الغنى، وتشتهي منه الفقر، وتشتهي منه القوة، وتشتهي منه الضعف.
ماذا نستنتج من هذه المراحل التي مر بها النبي أثناء دعوته؟ :
النبي كان ضعيفاً في الطائف، وقف الموقف الأديب, فقال:
((اللهمَّ إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلَّة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين إلى من تكلني؟ إلى عدوٍ ملَّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي, ولك العتبى حتى ترضى, لكن عافيتك أوسع لي))
هذا ضعف، وهو في أعلى درجة من درجات الحب وهو ضعيف.
وحينما فتح مكَّة قال :((ما تظنون أني فاعل بكم? قالوا: خيراً؛ أخ كريم وابن أخ كريم))
وهذه قوة.
حينما كان غنياً سأله أحدهم: ((لمن هذا الوادي من الغنم؟ قال: هو لك, قال: أتهزأ بي؟ قال: لا والله هو لك))
وحينما كان فقيراً دخل إلى بيته فلم يجد شيئاً يأكله، فقال: ((إني صائم))
فالغنى يوظَّف ولكن لا علاقة له بالإيمان، الإيمان شيءٌ أعظم من ذلك، أعظم من الغنى، وأعظم من الفقر، وأعظم من القوة. ما الذي ينبغي أن نفهمه من هذه المقارنة؟ :
سيدنا سليمان كان ملكاً، آتاه الله الملك، فوهب الله له ملكاً, لا ينبغي لأحدٍ من بعده, ومع ذلك كان نبياً مرسلاً, وفرعون آتاه الله الملك، سيدنا عبد الرحمن بن عوف آتاه الله المال، وقارون آتاه الله المال، إذاً: ما الذي ينبغي أن نفهمه من هذه المقارنة؟.
يجب أن نفهم أن الإنسان يُمتحن بالغنى ويمتحن بالفقر، يمتحن بالقوة يمتحن بالضعف، يمتحن بالصحَّة ويمتحن بالمرض، ويمتحن بالأمن يمتحن بالخوف, قد يطمئن، أيستغل هذه الطمأنينة في الانسياق وراء شهواته؟ أن يستغل هذه الطمأنينة بمزيد القرب من الله عزَّ وجل, فكل شيءٍ يصيب الإنسان مادة امتحانه مع الله عزَّ وجل.
بم تمثل هذه الواقعة؟ :
الآن: نشاهد نموذجاً رائعاً من الغنى المؤمن، كيف أن الغنى إذا وصف به المؤمن كيف يكون؟.
قالوا: ذات يومٍ والمدينة المنوَّرة ساكنةٌ هادئةً، إذا نَقْعٌ -النقع غبار- يلوح في آفاقها, بعدئذٍ انكشف هذا الغبار والنقع عن جلبةٍ وصوتٍ شديد، ثم لاحت قافلةٌ لم يرَ أهل المدينة مثلها ، قافلةٌ تعد سبعمائة بعير محمَّلةٌ بكل حاجات أهل المدينة؛ الطعام، والشراب، والثياب، وما شاكل ذلك -لا يوجد في الشام، ولا في مصر من بضائع، من حاجات- .
هذه السبعمائة راحلة التي وصلت المدينة، رجَّت المدينة رجَّاً، حتى إن السيدة عائشة -رضي الله عنها- سألت: ما الأمر؟ -ما الخبر؟ ما القصَّة؟-, فقالوا: إنها قافلةٌ لعبد الرحمن بن عوف, -قافلة لواحد، تصوَّر سبعمائة شاحنة، حسبتها: يُقدّر طولها بسبعة كيلو مترات، من هنا إلى دوما تقريباً، أو إلى حرستا, هذه السبعمائة راحلة الموثوقة بكل أنواع البضائع، إنها كلها لعبد الرحمن بن عوف-.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4612/11.jpg
فقالت أم المؤمنين: قافلةٌ تحدث كل هذه الرجَّة؟! فقيل لها: أجل يا أم المؤمنين إنها سبعمائة راحلة, وهزَّت أم المؤمنين رأسها, وأرسلت نظراتها الثاقبة، كأنها تبحث عن ذكرى رأتها أو حديثٍ سمعته، ثم قالت -دقِّقوا-: أما إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- يقول: رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً -أي زحفاً.
هناك دخول للجنة وثباً، وهناك دخول هرولةً، ودخول خبباً, ودخول ركضاً، ودخول زحفاً، عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً, لماذا لا يدخلها وثباً، وهرولةً، وخبباً، وقفزاً؟-.
بعض أصحابه نقلوا له مقالة السيدة عائشة، فتذكَّر عبد الرحمن أنه سمع من النبي -صلى الله عليه وسلَّم- هذا الحديث أكثر من مرَّة، وبأكثر من صيغة، وقبل أن تفضَّ مغاليق الأحمال، وقبل أن توضع هذه الأحمال على الأرض, توجَّه إلى السيدة عائشة وقال لها: -طبعاً من وراء حجاب-: لقد ذكَّرتني بحديثٍ لم أنسه، ثم قال: أما إني أشهد الله أن هذه القافلة بأحمالها وأقتابها وأحلاسها هي في سبيل الله عزَّ وجل.
-لماذا لا يدخلها خبباً، قفزاً، هرولةً، ركضاً؟-.
وُزِّعت حمولة هذه القافلة على أهل المدينة وما حولها في مهرجان برٍ عظيم، هذه الواقعة تمثِّل نموذجاً من سخاء سيدنا عبد الرحمن بن عوف، هذه واحدة . متى دخل عبد الرحمن بن عوف في الإسلام؟ :
من عبد الرحمن بن عوف؟ دخل في الإسلام في وقتٍ مبكرٍ جداً، حينما أسلم لم يكن في الإسلام إلا ثمانية أشخاص، أبو بكرٍ -رضي الله عنه-، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقَّاص، كان من أوائل المسلمين، وقد التقى النبي -عليه الصلاة والسلام- قبل أن يجتمعا بدار الأرقم، ومنذ أن لقي النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى أن توفَّاه الله وهو في الخامسة والسبعين، وهو نموذجٌ باهرٌ للمؤمنين، مما جعل النبي -عليه الصلاة والسلام- يضعه مع العشرة المبشَّرين في الجنَّة، أحد عشر مبشرين بالجنة، وإذا أردت اليقين: ليس هناك إنسانٌ حسب يقيننا بأنه من أهل الجنة إلا هؤلاء العشرة، أما بالظن نرجو الله أن نكون من أهل الجنة، أما باليقين ليس إلا هؤلاء العشرة وهو منهم.
بم حظ هذا الصحابي؟ :
سيدنا عمر حينما أراد أن يستخلف, جعل عبد الرحمن بن عوف في عداد الستَّة الذين استخلفهم، وقال عنه: لقد توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- وهو عنه راضٍ.
يقال: إن هذا الصحابي الجليل كان محظوظاً في التجارة، كان يقول: لقد رأيتني لو رفعت حجراً, لوجدت تحته فضَّةً وذهباً.
لكن هذا الصحابي الجليل لم يكن حرصه على المال شغفاً بالثراء، ولكن قرباً من الله عزَّ وجل.
إليكم الموقف المشرف لهذا الصحابي الجليل حينما هاجر إلى المدينة :
الآن: إليكم هذا الموقف المشرِّف لهذا الصحابي الجليل حينما هاجر إلى المدينة:
النبي -عليه الصلاة والسلام- جرى على أن يؤاخي بين كل اثنين من أصحابه، أحدهما مهاجر من مكَّة والآخر أنصاريٌ من المدينة، وكانت هذه المؤاخاة تتم على نسقٍ يُبهر الألباب، فالأنصاري من أهل المدينة, كان يقاسم أخاه المهاجر كل ما يملك، حتى فراشه، ويومئذٍ آخى النبي -عليه الصلاة والسلام- بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع -له قصَّة شهيرة:
هذا الذي تفقَّده النبي في أحد، ثم أرسل من يبحث عنه، فرآه صاحبه في عداد الموتى، وهو على وشك الموت فقال: يا سعد لقد كلَّفني النبي أن أبحث عنك، فهل أنت في عداد الأحياء أم في عداد الأموات؟ فقال سعد بن الربيع: بل في عداد الأموات، ولكن بلِّغ عني رسول الله, وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمَّته، وقل لأصحابه: لا عذر لكم عند الله إذا خُلص إلى نبيُّكم وفيكم عينٌ تطرف.
هذا سعد بن الربيع هو الذي آخى النبي بينه وبين عبد الرحمن بن عوف.
قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف فيما رواه أنس بن مالك: أخي أنا أكثر أهل المدينة مالاً فانظر شطر مالي فخذه -هذا موقف الكرم، والتضحية، والمؤاثرة، والبذل.
الموقف الثاني-: قال له عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في مالك, ولكن دلَّني على السوق. فذهب إلى السوق فاشترى وباع وربح.
بم بشر ابن عوف؟ :
النبي -عليه الصلاة والسلام- قال له: يا بن عوف, إنك من الأغنياء، وإنك ستدخل الجنة حبواً, فأقرض الله يطلق لك قدميك.
يا بن عوف إنك من الأغنياء وإنك ستدخل الجنة حبواً إلا إذا أقرضت الله، عندئذٍ يطلق لك قدميك فتدخلها خبباً، أو هرولةً، أو قفزاً، أو ركضاً.
قال: منذ أن سمع هذا النصح من رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-، وهو يقرض الله قرضاً حسناً, فيضاعفه الله له أضعافاً كثيرة.
من مآثر هذا الصحابي الجليل :
قالوا: مرَّةً باع أرضاً بأربعين ألف دينار، ثم فرَّقها جميعاً في أهله من بني زُهرة، وعلى أمهات المؤمنين، وفقراء المسلمين .
قدَّم يوماً لجيوش الإسلام خمسمائة فرس، ويوماً آخر ألفاً وخمسمائة راحلة, وعند موته أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وأوصى لكل من بقي ممن شهدوا بدراً بأربعمائة دينار, حتى إن عثمان بن عفَّان -رضي الله عنه- أخذ نصيبه من هذه الوصية رغم ثرائه، وقال:
إن مال عبد الرحمن حلالٌ صفوٌ, وإن الطُعمة منه عافيةٌ وبركة.
ابن عوف لم يكن سيداً لأحد بل كان سيد ماله ولم يكن عبد ماله :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4612/12.jpg
شيءٌ مهمٌ جداً -أيها الأخوة-: سيدنا ابن عوف لم يكن سيِّداً لأحد, بل كان سيد ماله ولم يكن عبد ماله.
والخلاصة: إما أن تكون سيد مالك، وإما أن تكون عبداً لهذا المال.
سيدنا ابن عوف كان سيِّد ماله ولم يكن عبداً لماله؛ أي لم يشقَ بجمعه واكتنازه، بل سعد بكسبه وإنفاقه، لم يكن شقياً بجمعه واكتنازه بل كان سعيداً بكسبه وإنفاقه، يجمعه هوناً -بالهدوء- ومن حلال، ثم لا ينعم به وحده, بل ينعم بهذا المال أهله، ورحمه، وأخوانه، ومجتمعه كله, حتى بلغ من سعة عطائه, أنه قد قيل: أهل المدينة جميعاً شركاء لابن عوف -كل أهل المدينة شركاءٌ له في ماله-, ثلثٌ يقرضهم، وثلثٌ يقضي عنهم ديونهم، وثلثٌ يصلهم ويعطيهم, فالمؤمن الغني تتسع رقعة إحسانه إلى مسافات كبيرة جداً.
انظر إلى زهد ابن عوف :
قالوا: جئ له يوماً بطعام الإفطار وكان صائماً، فلما وقعت عليه عيناه فقد شهيته وبكى، وقال: استشهد مصعب بن عمير وهو خيرٌ مني، فكُفِّن في بردةٍ إن غطَّت رأسه بدت رجلاه، وإن غطَّت رجلاه بدا رأسه، واستشهد حمزة وهو خيرٌ مني, فلم يجدوا له ما يُكفَّن فيه إلا بردة ، ثم بسط لنا من الدنيا ما بُسط، وأعطينا منها ما أعطينا، وإني لأخشى أن نكون قد عُجِّلت لنا حسناتنا, ثم أمر برفع الطعام.
ومرَّة ثانية: اجتمع مع أصحابه على طعام، فلما رآه بكى، وقيل له: يا أبا محمد ما يبكيك ؟ قال: لقد مات رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- وما شبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، وما أرانا أُخرنا لما هو خيرٌ منه. هذه عادة الأغنياء :
((أحب ثلاثاً وحبي لثلاثٍ أشد: أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد، أحب الكرماء وحبي للفقير الكريم أشد، أحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد, وأبغض ثلاثاً وبغضي لثلاثٍ أشد؛ أبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد، أبغض المتكبرين وبغضي للفقير المتكبر أشد، وأبغض البخلاء وبغضي للغني البخيل أشد))
هناك عادةٌ عند كل الأغنياء: هي أنهم يحبون أن يتقرَّبوا, من أهل القوة، من الأمراء, ليزدادوا شأناً على شأن، وقوةً على قوة. من الذي اختار عثمان بن عفان للخلافة بعد موت عمر؟ :
هذا الصحابي الجليل الذي يعدُّ من أغنى أصحاب رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، جعله سيدنا عمر من بين الستة الذين اختارهم للخلافة من بعده, فاتحه بعض أصحابه, فقالوا له: إنك أحق الستة بالخلافة -فماذا قال؟-
قال: والله لأن تؤخذ مُديةٌ -سكين- فتوضع في حلقي, ثم ينفذ بها إلى الجانب الآخر, أحب إليَّ من ذلك.
فلما اجتمع مع الستَّة أعلن انسحابه من هذا الترشيح, وقال: أنتم أيها الخمسة اختاروا أحدكم, فلما انسحب هو من هذا الترشيح, كلَّفوه هو أن يختار أحدهم، فاختار هذا الصحابي الجليل سيدنا عثمان بن عفان، الخليفة الثالث الراشد.
ما هي المزية التي خص بها هذا الصحابي الجليل:
قال له الإمام عليٌ -كرَّم الله وجهه-: لقد سمعت النبي -عليه الصلاة والسلام- يصفك, ويقول: بأنك أمينٌ في أهل السماء، أمينٌ في أهل الأرض.
السيدة عائشة أم المؤمنين أرادت أن تخصَّ هذا الصحابي بشرفٍ لم تخصَّ به أحداً سواه، فتعرض عليه وهو على فراش الموت, أن يُدفن في حجرتها إلى جوار النبي -عليه الصلاة والسلام-، وإلى جوار أبي بكرٍ وعمر، ولكن عبد الرحمن بن عوف أحسن الإسلام تأديبه، فيستحيي أن يرفع نفسه إلى هذا الجوار، وهو على موعدٍ سابقٍ وثيقٍ مع عثمان بن مظعون، إذ تواثقت بينهما المودَّة, وقال أحدهم للآخر: أيهما مات بعد الآخر يدفن إلى جوار صاحبه.
وبينما كانت روحه تتهيَّأ لرحلتها الجديدة, كانت عيناه تفيضان من الدمع، ولسانه يتمتم ويقول: إني أخاف أن أحبس عن أصحابي لكثرة ما كان لي من مال, ثم عادت ذاكرته إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام, وهو الذي لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحيٌ يوحى، سمع قول النبي الذي قاله مرَّةً: عبد الرحمن بن عوفٍ في الجنَّة.
وقد انطبقت عليهم الآية الكريمة :
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 262]
التعقيب على هذه القصة :
التعقيب على هذه القصَّة: يمكن أن توظِّف الغنى للتقرُّب من الله عزَّ وجل، فإذا كنت غنياً فكن متواضعاً، وكن سَموحاً، وكن سخياً، وإذا كنت فقيراً فكن صابراً، متجمِّلاً، عفيفاً، وإذا كنت قوياً فتواضع لله، واجعل هذه القوة في سبيل الله، وإذا كنت ضعيفاً, فادعُ الله سبحانه وتعالى أن ينصرك، وإذا كنت صحيحاً فوظِّف هذه الصحَّة لخدمة الخلق، وإذا كنت مريضاً فاجعل هذا المرض قربةً إلى الحق، وهكذا .... الإنسان حالته الحاليَّة، ما هو فيه امتحانٌ له.

السعيد
09-05-2018, 01:17 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الثامن العاشر )


الموضوع : رد السلام





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.ما هي الصيغة التي ألقاها النبي لإلقاء السلام ورده؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق، وقد وصلنا في موضوع الحقوق إلى حق المسلم على المسلم، ومن حق المسلم على المسلم السلام، وتحدثنا في درسين سابقين عن فضل إلقاء السلام، وعن وجوب رد السلام، وبقي علينا اليوم أن نتحدث عن الأحكام الفقهية المُتعلقة بالسلام .
بادئ ذي بدء: يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه عمران بن حصين :
قال عمران بن حصين: جاء رجلٌ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: السلام عليكم, فرد صلى الله عليه وسلم السلام ثم جلس، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- عشرٌ, ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله, فرد عليه الصلاة والسلام السلام, وجلس, وقال النبي الكريم: عشرون, وجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, فرد وجلس وقال عليه الصلاة والسلام: ثلاثون.
فهم من ذلك: أن السلام التام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذا السلام ينال ثلاثة أمثال السلام الأول، هذه صيغةٌ من صيغ السلام.
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت:
((قال رسول الله -صلى الله عليها وسلم- لها: هذا جبريل يقرأ عليكِ السلام, قالت عائشة: وعليك وعليه السلام ورحمة الله وبركاته))
إذاً: كلمة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ورد السلام: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته, هذه هي الصيغة التي اختارها النبي -صلى الله عليه وسلم- لإلقاء السلام ورد السلام. مما يكره استعماله :
الصيغ الأخرى التي تعرفونها: أنعِم صباحاً، أنعِم مساءً، عِم صباحاً، عِم مساءً، أسعد الله أوقاتكم، أسعد الله صباحك، أسعد الله مساءك، هذه الصيغ التي يستعملها الناس, الأولى منها أن نستعمل تحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, لأن السلام اسمٌ من أسماء الله عزَّ وجل .
وهناك تحيات يستخدمها المتفرنجون، كلكم يعرفها، هذه التحيَّات مكروهٌ استعمالها, لأن فيها تقليداً للكفار، واعتزازاً بهم، واشتياقاً إلى أن يكون المُسَلِّمُ مثلهم، التحيَّات التي يستخدمها الأجانب، والتي أصبحت إلى حدٍ ما معرَّبة، هذه التحيات يظنها بعض الناس دليل رقيٍ وحضارةٍ, هذه في نظر الإسلام إلغاء ورد لتحية الإسلام، واستبدال الذي أدنى بالذي هو خير ، وإن طرح السلام بصيغة سلام الأجانب, نوعٌ من أنواع التشبُّه بهم والاعتزاز بهم, فلنحذر منذ اليوم ألا نطرح سلامهم ولا نرد التحية بمثل ردّهم.
ما حكم إلقاء السلام وما حكم رده في الشرع الإسلامي؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4613/01.jpg
الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾
[سورة النساء الآية: 86]
بعضهم يقول: طرح السلام سُنَّة، لكن رد السلام واجب؛ أي إذا قال لك أحدهم: السلام عليكم, فهذا قد طبق السنة، أما أنت إذا ألقي عليك السلام فردّك على هذا السلام واجبٌ, والواجب -كما تعلمون- قريبٌ من الفرض، بل هو عند بعض الأئمة هو الفرض نفسه.
والله سبحانه وتعالى حينما قال :
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾
[سورة النساء الآية: 86]
ليس هناك فرقٌ بين أن يكون هذا الذي سلَّمت عليه مسلماً أو غير مسلم، لأن الآية عامَّة ، ولا شيء يخصصها إلا بعض الأحاديث التي ترد بعد قليل.
علام استدل جمهور العلماء في هذا الحديث؟:
النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما رواه الإمام البَيهقي يقول:
((إن الله تعالى جعل السلام تحيةً لأمتنا وأماناً لأهل ذمتنا))
أي أنك إذا سلمت على غير المسلم, فهذه طريقةٌ من طرق بث الطمأنينة فيه، وإذا سلَّمت على مسلم, فهذا نوعٌ من أنواع التحية التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بها.
استدل جمهور العلماء على أن رد السلام على كل مُسَلِّم مسلماً كان أو كافراً لا يختلفان إطلاقاً، فأنت إذا ألقي عليك سلام, يجب أن ترد على هذا السلام ولا يعنيك من هو المُسَلِّم. على ماذا تحض هذه الأحاديث؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4613/02.jpg
الآن ندخل في موضوع آخر من السلام: السلام على أهل بيتك، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- فيما رواه الإمام أنس بن مالك، قال عليه الصلاة والسلام:
((يا أنس, أسبغ الوضوء يزد في عمرك، وسلِّم على من لقيك من أمتي تكثر حسناتك، وإذا دخلت بيتك فسلِّم على أهلك، يكثر خير بيتك، وصلاة الضحى فإنها صلاة الأوَّابين، يا أنس, ارحم الصغير ووقر الكبير تكن من رفقائي يوم القيامة))
يعنينا من هذا الحديث إلقاء السلام على أهل البيت:
وسلم على أهل بيتك، يكثر خير بيتك .
وفي حديثٍ آخر:
يقول عليه الصلاة والسلام: ((إذا ولج أحدكم بيته فليقل: اللهم إني أسألك خير الولوج وخير الخروج, وبسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا, وعلى الله توكلنا, ثم يسلم على أهله))
وعن زيد بن أسلم, أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إذا دخلتم بيتاً فسلموا على أهله، واذكروا اسم الله, فإن أحدكم إذا سلَّم حين يدخل بيته, وذكر اسم الله تعالى على طعامه, يقول الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم هنا ولا عشاء))
إذا دخل إلى البيت فسلم على أهل بيته، يقول الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم هنا، فإذا وضع الطعام وسمى الله قبل أن يأكل، يقول الشيطان لأصحابه: ولا عشاء لكم اليوم, فإذا دخل بيته وسلم على أهله وسمى على طعامه, يقول الشيطان: لا مبيت لكم ولا طعام في هذا البيت .
أما إذا لم يسلم على أهل بيته، ولم يذكر الله على طعامه, يقول الشيطان لأخوانه: أدركتم المبيت والعشاء . ما هي المنعكسات التي يطرحها البيت الذي يسود فيه المحبة:
وعن أنسٍ -رضي الله عنه-, قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
((يا بني, إذا دخلت على أهلك فسلم تكن بركةً عليك))
فالبيت جنة المؤمن، جنته داره، فإذا كانت علاقته طيبةً بأهله وأولاده يسعد في داره، وإذا سعد الإنسان في داره, خرج إلى الناس وهو سليم الصدر, وكان إنتاجه طيِّباً، فالإنسان يقاس إنتاجه بمدى نجاحه في بيته، فهذا البيت، هذا العُش، هذه اللبنة الأولى, هي أصل صلاح المجتمع، إذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، فلذلك: على كل زوجٍ, أو على كل أبٍ: أن يحرص حرصاً بالغاً على سلامة العلاقة بينه وبين أهله، وبينه وبين أولاده، فكلما كانت العلاقة طيِّبةً، والعلاقة علاقة محبةٍ واحترام وودٍ, انعكس هذا في عمله، وانعكس هذا في علاقاته الخارجية. ما حكم السلام على أهل البيت؟ :
فلذلك: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم, تكن بركةً عليك وعلى أهل بيتك.
وفي حديثٍ آخر:
((إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم, تحيةً من عند الله مباركةً طيبة))
وبعد: فقد قال العلماء: أواجبٌ إذا خرجت من بيتك ثم دخلت أن تسلم عليهم؟ .
قال بعضهم: لا، لكن هو أحب إلي, فمن منكم يصَّدق أن أصحاب النبي -عليهم رضوان الله- كان الصاحبان إذا مشيا معاً, وفرقت بينهما شجرة, يقول أحدهما للآخر: السلام عليكم؟ .
وإذا كان عندك أخٌ كريم, وخرجت من غرفة الضيوف, وعدت إليها, فقل: السلام عليكم, هذا اسم الله عزَّ وجل، وكلما ألقيت السلام نمت المودة بين المؤمنين، وهذه طريقةٌ سحريةٌ في تمتين العلاقة بين الأخوة المؤمنين .
إذا دخلت مسجد النبي -عليه الصلاة والسلام-, فقل: السلام على رسول الله, هذا أيضاً مما قاله بعض التابعين، وإذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد, فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ما حكم السلام على الصبيان؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4613/03.jpg
ما حكم السلام على الصبيان؟ .
ورد عن أنسٍ -رضي الله عنه-:
((أن النبي -عليه الصلاة والسلام- مر على صبيان فسلم عليهم))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
وكان عليه الصلاة والسلام يفعل هذا دائماً, فهذا الصبي الصغير يجب أن تهتم به.
كلكم يعلم: أن سيدنا عمر -رضي الله عنه- حينما كان يمشي في المدينة، رأى مجموعةً من الغِلمان، لما رأوه تفرقوا، إلا واحداً منهم, قال: يا غلام لمَ لمْ تهرب مع من هرب؟! قال: أيها الأمير, لست ظالماً فأخشى ظلمك, ولست مذنباً فأخشى عقابك, والطريق يسعني ويسعك .
ومثل هذا الغلام, فقد دخل مرة على سيدنا عمر بن عبد العزيز وفد من الحجاز, ويتقدم الوفد غلام، فامتعض سيدنا عمر منه لما أراد أن يتحدث باسم الوفد, وقال: اجلس أيها الغلام وليقم من هو أكبر منك سناً, فقال: أصلح الله الأمير, المرء بأصغريه قلبه ولسانه, -فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحق الكلام-, ولو أن الأمر كما تقول, لكان في الأمة من هو أحق منك بهذا المجلس.
أي أن هذا الصغير إذا عرف أن المسلمين يقدِّرونه، ويقدرون وجوده في المسجد، ويحبون وجوده في المسجد، ويكرمون وجوده في المسجد، فإنه ينشأ على حب بيوت الله، وهذا الشاب الذي تعلَّق قلبه في المساجد من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله.
إذاً: من السنة أن تسلم على الصبيان، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((من كان له صبيٌ فليتصابى له))
وكلكم يعلم: كيف كان يركب الحسن والحسين على ظهره الشريف ويقول: ((نعم الجمل جملكما! ونعم العدلان أنتما))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
وكيف كانت الجارية -أي البنت الصغيرة- تأخذه من يده -صلى الله عليه وسلم-, وتقوده حيث شاءت.
والنبي -عليه الصلاة والسلام- في بعض الأحاديث يقول :
((لاعب ولدك سبعاً، وأدبه سبعاً، وراقبه سبعاً، ثم اترك حبله على غاربه))
على كلٍ؛ طرح السلام من الإسلام، صغيراً كان أو كبيراً، قريباً أو بعيداً، مسلماً أو غير مسلم، لكني أضرب مثلاً:
فلو أن واحداً مشى في سوق الحميدية اليوم، أو في أيام الازدحام، أو في أيام الأعياد, فهل عليه أن يطرح السلام على كل أولئك؟ لا، ليس هذا وارداً إطلاقاً. ما حكم السلام في السوق, وما الحكم الذي يمكن أن نستخلصه من السلام؟ :
قيل: إذا مشى المسلم في السوق أو في الشوارع المطروقة ونحو ذلك مما يكثر فيه المتلاقون، فإن السلام يكون في هذه الحالة لبعض الناس دون بعض، لمن تعرف, دخلت إلى محل تجاري: السلام عليكم, دخلت إلى المسجد، دخل معك شخص، حازاك في الدخول, قل: السلام عليكم, أما في الأسواق المزدحمة: ليس من المعقول أن تطرح السلام على كل الناس .
على كلٍ؛ من حِكَمِ السلام أنه به تستكسب الود وتستدفع المكروه، قد يلقاك شخص شرير، فإذا سلمت عليه انطفأت شرته، فالسلام أحياناً تستجلب به المودة أو تستدفع به المكروه ، فإذا كان شخص يخشى شره وسلَّمت عليه وكنت معه لطيفاً، ربما صرف النظر عن إيذائك, هذا من حكمة السلام.
إذا جاء في الخطاب لفظ السلام فهل على القارىء رد السلام؟ :
والآن: عندنا أحكام أخرى لحالات أخرى:
أنه إذا جاء في الخطاب لفظ السلام، تقرأ رسالة، تقرأ في مقدمة الرسالة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال العلماء:
يجب أن تقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته, أن ترد على السلام المكتوب، هذا حكمٌ فقهي.
وعن عائشة أنها قالت:
((قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :يا عائشة, هذا جبريل يقرأ عليك السلام, قالت: قلت: وعليك وعليه السلام ورحمة الله وبركاته))
أي إذا ألقي عليك السلام مباشرةً وجهاً لوجه, لا بد من أن ترد السلام، وإذا جاءك السلام مكتوباً، أو جاءك على لسان إنسانٍ آخر، يجب أن تقول: عليك وعليه السلام, كما علمنا النبي عليه الصلاة والسلام.
فعن غالب القطان, عن رجلٍ قال: ((حدثني أبي عن جدي, قال: بعثني أبي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ائته فأقرئه السلام, فأتيته فقلت: يا رسول الله, إن أبي يقرئك السلام, فقال عليه الصلاة والسلام: عليك السلام وعلى أبيك السلام))
إذاً: طرح السلام مباشرةً لا بدَّ له من رد، إذا جاء السلام كتابةً لا بدَّ له من رد، إذا جاء محمولاً عن طريق شخصٍ ثالث, لا بدَّ له من أن تقول: عليك وعليه السلام . إذا كان المؤمنون جماعة فما حكم طرح السلام؟ :
الآن: إذا كان المؤمنون جماعةً فطرح السلام سنة كفاية، إذا قام به أحدهم سقط عن الباقي, وإذا كان المطروح عليهم السلام جماعة فردُّ السلام واجب كفاية، إذا كان الذي طرحت عليه السلام واحداً رد السلام واجب عين، وإذا كان الذي طرحت عليه السلام جماعةً رد السلام واجب كفاية، طرح السلام من جماعة سنة كفاية، طرحه من واحد سنة عَيْن، هذا حكم السلام.
طبعاً: الحكم المعروف طرح السلام سنة، ورده فرضٌ أو واجب والواجب أولى .
إليكم هذه الأحوال التي يكره فيها طرح السلام:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4613/04.jpg
الآن: هناك أحوالٌ يكره فيها طرح السلام:
فالإنسان إذا كان يبول في سفر مضطراً، لا يجوز أن تطرح عليه السلام، أو إذا كان يصلي، أو إذا كان يؤذِّن، أو إذا كان يقيم الصلاة، أو إذا كان في الحمام -أي يغتسل-, فطرح السلام على هذا الإنسان لا يجوز، أو إذا كان في فمه لقمة، أو وهو يأكل, وهو يبتلع الطعام، فإذا طرحت عليه السلام فأجابك، فإنه يتضايق ويشعر بحرج بين الرد وبلع الطعام.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4613/05.jpg
أما السلام في حال خطبة الجمعة فمكروه، أي في أثناء خطبة الجمعة, وفي مجالس العلم السلام مكروه, لأنه كلما دخل إنسان, قال: السلام عليكم, فأجابوه: وعليكم السلام, تبلبل الدرس، وشردت أذهان الحاضرين, ففي خطبة, وفي مجلس العلم، لا يجوز أن تطرح السلام ، دخولك إلى المسجد هو السلام.
وكذلك لا يجوز أن تطرح السلام على من يقرأ القرآن، فالأولى ترك السلام عليه .


ما يتعلق في باب المصافحة والمعانقة :
الآن: ندخل في بابٍ آخر باب المصافحة والمعانقة:
عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه-, عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
((إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه, وأخذ بيده فصافحه، تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط]
إذاً: فهم من هذا الحديث: أن السلام بين المؤمنين, إذا ألقى أحدهما الآخر, فيكفيه أن تسلم عليه بلسانك وتصافحه بيمينك.
وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه سلمان بن الفارسي, أنه قال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4613/06.jpg

((إن المسلم إذا لقي أخاه فأخذ بيده, تحاتت ذنوبهما كما يتحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريحٍ عاصف))
إذاً: هذا السلام وهذه المصافحة، مما أكدهما النبي -عليه الصلاة والسلام- في أكثر من حديث.
وعن أنسٍ -رضي الله عنه- قال رجلٌ: ((يا رسول الله, الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا, قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا, قال: فليأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم))
إذاً: النبي نهى عن أن ننحني لبعضنا بعضاً، ونهى أيضاً عن أن يلتزم بعضناً بعضاً, ويقبل بعضناً بعضاً, إلا لحديثٍ آخر نراه بعد قليل .
حدثني عبد الله بن طاووس, عن أبيه, عن عبد الله بن عباس ((أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لما قدم جعفر من أرض الحبشة, اعتنقه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقبل ما بين عينيه, وكان جعفر أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم))
إذاً: فهم أنه إذا قدم الإنسان من سفر، وكان لقاءٌ بعد غيابٍ طويل، السنة أيضاً: أن تلتزمه, وأن تعتنقه, وأن تقبله، هذه السنة, أما التقبيل بين الآونة والأخرى: فهذا ليس من السنة، المصافحة من السنة، طرح السلام من السنة . من آداب السلام :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4613/07.jpg
من آداب السلام :
أن يسلِّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير.
ومن آداب السلام أيضاً :
((إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ, فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ, فَلَيْسَتِ الأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ))
لكن السنة: إذا دخلت إلى جماعة, وسلمت عليهم, وصافحتهم واحداً واحداً, فليس عليك أن تصافحهم حينما تغادرهم، لك أن تقول: السلام عليكم, فالمصافحة عند الدخول فقط وعند الاستقبال، أما عند الوداع يجزئك من السلام, أن تقول: السلام عليكم وتذهب .
من هم أبخل الناس؟ :
هناك بعض أحكامٍ أخرى متعلقةٍ بالسلام :
روى الإمام البخاري في صحيحه, في الأدب المفرد, عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((أبخل الناس الذي يبخل بالسلام .
-أنت صاحب محل وعندك صانع، دخلت على المحل, فقل له: صباح الخير، السلام عليكم ، الله يعطيك العافية, ماذا تكلفك هذه؟ هذه تبث في نفسه الحب، تبث في نفسه الطمأنينة.
هناك أشخاصٌ من أصحاب المحلات مثلاً, يبخلون بإلقاء السلام, بحجة أن هذا ليس شأنه من شأني . هنا المشكلة، وهذا هو الكبر حقاً، يجب أن تسلم على كل من تلقاه على من حولك، لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول-: إن أبخل الناس من بخل بالسلام, وأعجز الناس من عجز عن الدعاء))
إذا كان الله عزَّ وجل يقول : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾
[سورة غافر الآية: 60]
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 186]
والله سبحانه وتعالى على كل شيءٍ قدير وبالإجابة جدير، وأمرنا أن ندعوه، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا, فتبخل أن تدعوه !!. ما حكم السلام على الفاسق والمبتدع؟ :
لكن الأحكام الشرعية المتعلِّقة بطرح السلام على بعض الأشخاص دقيقةٌ جداً .
فقد روى البخاري أيضاً, عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
((لا تسلموا على شارب الخمر))
إنسان شارب خمر, تقول له: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعليك السلام, أنت كأنك تقره على عمله، هذا السلام بين المؤمنين، هذا المتلبس بالمعصية الذي لا يأبه بهذه المعصية من المسلمين لا ينبغي أن تسلم عليه.
وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز في الأصل أن تسلم على الفاسق ولا المبتدع, فإن اضطرت إلى السلام بأن خفت أن تترتب مفسدةٌ في دينٍ أو دنيا فلك أن تسلم عليه؛ أي إذا كان عدم سلامك على هذا الفاسق أو المبتدع أو شارب الخمر، يترتب عليه -أي عدم السلام- مفسدةٌ كبيرة في الدين والدنيا فينبغي أن تسلم عليه، هذا هو الحكم الشرعي.
فمثلاً: إنسان لو لم تسلم عليه لجاءك منه شرٌ خطير، عندئذٍ سلم عليه إتقاءً لشره، مع العلم أنه:
شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره.
بعض العلماء قال: ينوي المسلم أن السلام من أسماء الله عزَّ وجل, فإذا قلت: السلام عليكم؛ أي أن الله رقيبٌ عليكم, هذه نية مقبولة . انظر إلى هذا القول للسادة الأحناف :
حتى إن السادة الأحناف قالوا: إن ترك السلام على من يتعاطى خوارم المروءة، من باب التأديب أولى.
من يتعاطى خوارم المروءة؛ أي كل عملٍ يخل بمروءة الإنسان، من جراء هذا العمل يجب أن يشعر هذا العاصي أنه منبوذ اجتماعياً.
وتعلمون موضوع العدالة كيف أنها تسقط وكيف تجرح؟ تسقط عمّن حدّث الناس وكان كاذباً إذاً تسقط بالكذب، وعاملهم فكان ظالماً إذاً تسقط بالظلم، ووعدهم فأخلفهم إذاً تسقط بإخلاف الوعد، فإذا كان صادقاً غير ظالم ولا يخلف وعده, فهو ممن كملت مروءته, وظهرت عدالته, ووجبت أخوَّته, وحرمت غيبته.
وتعلمون أن الأكل في الطريق، والمشي حافياً في الطريق، والبول في الطريق، وأكل لقمة من حرام، وتطفيفٌ بتمرة، وصحبة الأراذل، والحديث عن النساء، من أطلق لفرسه العنان لإيذاء الناس، من قاد برزوناً، هذا كله مما يجرح العدالة.
السادة الأحناف قالوا: إن هؤلاء الذين يفعلون أفعالاً تسيء إلى مروءتهم وعدالتهم, يجب أن نؤدبهم.
ولكن الأحكام تتغير بتغير الأزمان، حينما يكون الجو العام جواً صحياً, فيه استقامةٌ طيبةٌ من المجتمع، إذا خرج أحدهم عن هذا الخط يجب أن يؤدب، أما إذا فشا هذا الانحراف، فصار عدم إلقاء السلام, لا يؤدي الهدف الذي أراده العلماء من هذا الحكم الذي استنبطوه, فالأمر عندئذٍ يختلف والإنسان له فيه عذره.
ما حكم من قبل يد غني لدنياه وثروته وشوكته؟ :
الآن قالوا: من قَبَّلَ يد غنيٍ لدنياه، وثروته، وشوكته، وجاهه، ونحو ذلك, فإن هذا مكروهٌ كراهةً شديدة، بل إنه يرقى إلى حكم الحرام. وكلكم يعلم :
((َمَنْ دَخَلَ عَلَى غَنِيٍّ فَتَضَعْضَعَ لَهُ ذَهَبَ ثُلْثَا دِيِنِه))
من جلس إلى غنيٍ يبتغي من ماله, فتضعضع له, -تمسكن، تذلل-، ذهب ثلثا دينه.
ومن التضعضع له: أن تقبَّل يده من أجل الطمع في المال أو الثروة أو الشوكة أو الجاه، هذا أيضاً مكروهٌ كراهةً شديدة، بل إن بعض العلماء ومنهم النووي, قال: حرام. ما حكم التقبيل وما حكم تقبيل اليد؟ :
شيٌ آخر: يقولون: ما حكم التقبيل؟ قالوا: تقبيل الأرض والأقدام أمام العظماء والملوك، وتقبيل أيدي السيِّدات الأجنبيات كما هي الحالة في بعض العادات والتقاليد، وتقبيل أيدي الفتيات المُراهقات في المجتمعات وعند المقابلات، هذا منكرٌ إنكاراً شديداً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4613/08.jpg
ما حكم تقبيل اليد؟ قالوا: حكم تقبيل اليد: نابعٌ من الباعث لهذا التقبيل، فقد يكون التقبيل أساسه بقصد الخضوع وإعلان العظمة هذا الباعث غير مشروع، وقد يكون بقصد إشباع الغريزة تحت ستار التحيَّة وهذا الباعث غير مشروع، وقد يكون تلبيةً للشفقة والرحمة للوالدين وهذا الباعث مشروع، وقد يكون اعترافاً بفضلٍ، وهكذا تتنوع بواعث التقبيل ويأخذ حكم التقبيل حكم الباعث.
إذا كان الباعث التعظيم والتبجيل أو الشهوة الخفية فهذا تقبيلٌ محرم، إذا كان الباعث إكرام الأم والأب، وإشعارهما بأن هذا الابن بارٌ بهما, فهذا الباعث مقبول.
والله سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 24]
بعض الفقهاء يقول: تقبيل المودة للولد يكون على الخَد -الطفل الصغير يُقبل على خده-, وتقبيل الرحمة للوالدين يكون بتقبيل الرأس واليدين، وتقبيل الشفقة للأخ يكون على الجبهة.
بقي علينا موضوع القيام:
يقول عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ عِبَادُ اللَّهِ قِيَامًا, فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ))
هذا رأي الأحناف في موضوع السلام على الشابة الأجنبية :
الآن: هناك حكم رد السلام على الأخت المسلمة: جاء في حاشية ابن عابدين الحكم التالي : إذا عطست شابةٌ مسلمةٌ في حضرتك فلا يجوز أن تشمِّتها -يرحمك الله, هذه ليست واردة إطلاقاً- ولا يسلم عليها, فإذا سلمت عليه يرد السلام بلسانه إن كانت متقدمةً في السن، وبقلبه إن كانت شابة، إذا سلَّمت امرأةٌ أجنبيةٌ على رجل, إن كانت عجوزاً رد عليها بلسانه بصوتٍ يسمع، وإذا كانت شابة رد عليها في قلبه، وإذا سلم الرجل على امرأةٍ أجنبية، فالجواب فيه تماماً بالعكس، إذا كان المسلم شيخاً كبيراً ردت عليه السلام بلسانها، فإن كان شاباً ردت عليها السلام بقلبها.
هذا رأي السادة الأحناف في موضوع السلام على الشابة الأجنبية.
عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-, عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
((السلام اسمٌ من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض فافشوه بينكم))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والبزار في مسنده]
هذه عن أحكام السلام، وأحكام التقبيل، وأحكام القيام، وما يتبع ذلك من أحكام.
لمحة عن حياة زيد بن ثابت :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4613/09.jpg
والآن إلى قصة صحابيٍ جليل:
حينما تمسك بيدك المصحف وتقرأ، فلتعلم أن عليك دَيْنَاً يجب أن تؤدِّيه لصحابيٍ جليلٍ جداً, كان له باعٌ طويل في جمع المصحف، إن هذا الصحابي الجليل هو سيدنا زيد بن ثابت، هو الصحابي الأول الذي جمع القرآن في عهد سيدنا أبي بكرٍ وعمر وفي عهد سيدنا عثمان، فكلما أمسكت مصحفاً, ورأيت الآيات يأخذ كل منها بعناق بعضٍ، ورأيت هذه السور، فإن الفضل الأول لجمع القرآن لهذا الصحابي الجليل.
هو أنصاري من السادة الأنصار، كانت سِنُّه يوم قدم النبي -عليه الصلاة والسلام- المدينة أحد عشر عاماً، شيء يدعو للعجب، سيدنا أسامة بن زيد قاد جيشاً كبيراً عرمرماً بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام, وكانت سنه لا تزيد عن سبعة عشر عاماً.
-تقرأ عن أصحاب النبي الشباب الشيء الذي لا يصدق، أين شبابنا في هذه السن من هؤلاء الشباب الأصحاب الذي ملؤوا كتب التاريخ ببطولاتهم الفذة؟-.
فهذا الصحابي الجليل الذي ندين جميعاً له في قراءة القرآن، حينما دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- المدينة مهاجراً, كانت سِنُّه لا تزيد عن أحد عشر عاماً، وأسلم الصبي الصغير مع المؤمنين، وبارك دعوة النبي -عليه الصلاة والسلام- وصحبه أبوه معه إلى غزوة بدر، ولكن النبي -عليه الصلاة والسلام- رده لصغر سنه.
لم لم يأذن النبي لزيد بن ثابت أن يكون في صفوف المجاهدين في غزوة أحد؟ :
وفي غزوة أُحد ذهب جماعة من أترابه إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- يضرعون إليه ويرجونه أن يجعلهم في صفوف المجاهدين، وكان الأهل أكثر ضراعةً من الشباب للنبي -عليه الصلاة والسلام- ألقى النبي -صلى الله عليه وسلم- على هؤلاء الفرسان الصغار نظرةٌ شاكرة، وبدا وكأنه سيعتذر عن تجنيدهم، لكن أحدهم وهو رافعٌ بن خُديج تقدَّم بين يدي النبي -عليه الصلاة والسلام- يحمل حربةً ويحرِّكها بيمينه حركاتٍ بارعة، وقال للنبي -عليه الصلاة والسلام-: إني كما ترى رامٍ أجيد الرمي, فأذن لي يا رسول الله.
شاب صغير يحمل أمام النبي حربةً ويحركها حركاتٍ متقنة, ويقول: يا أيها الرسول الكريم، إني رامٍ فأذن لي, وتقدم شابٌ آخر اسمه سمرة بن جُندب وراح يلوِّح في أدبٍ بذراعيه المفتولتين، وقال بعض أهله للنبي: يا رسول الله! إن سمرة يصرع رافعاً -أقوى من هذا- وحيا النبي هذين الشابين بابتسامة حانية وأذن لهما، وكانت سن كل منهما لا تزيد عن خمسة عشر عاماً، ودخلا المعركة.
وبقي من الأتراب ستة أشبال منهم زيد بن ثابت، لم يأذن لهم النبي -عليه الصلاة والسلام- لصغر أسنانهم، ومنهم عبد الله بن عمر، هؤلاء راحوا يضرعون ويرجون، ولكن النبي لم يأذن لهم في هذه السن، كأنهم رجعوا وأعينهم تفيض من الدمع، -هكذا كان أصحاب النبي عليهم رضوان الله- .
هذا ما تفوق به هذا الصحابي الجليل في ظل الإسلام :
تألَّقت شخصية سيدنا زيد في ظل الإسلام تألُّقاً كبيراً، ونمت شخصيته نمواً سريعاً.
-هذا سؤال يطرح نفسه علينا جميعاً: أنت تنمو يا ترى؟ كل واحد منا له هذا المجلس, يا ترى ينمو في الإيمان؟ هل يوازن بين يومه وأمسه؟ يا ترى: أنت اليوم كما أنت قبل عام في إيمانك؟ قبل شهر؟ قبل عامين؟ قبل ثلاثة أعوام؟.
النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((من لم يكن في زيادة فهو في نقصان.
- لأن عجلة الزمن متحركة، فلو فرضنا أحداً وصل للصف الثامن ووقف، يقول: أنا لم أتأخر لكني واقف، صار زميلك في الصف الحادي عشر، إذاً إن لم يتقدم ووقف فهو في خسران-.
من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، والمغبون من تساوى يوماه))
فالإنسان يجب أن يراقب نفسه، في تبدل أحواله إلى الأحسن، في معلوماته، بمواقفه، ببذله، بتضحيته-.
وبعد فإن كُتَّاب السيرة يقولون: شخصية سيدنا زيد نمت نمواً سريعاً في ظل الإسلام، وتفوق هذا الصحابي الجليل في العلم والحكمة، وتعلم هذا الصحابي أيضاً بعض اللغات الأجنبية، وكان كاتباً من كتَّاب الوحي، وكان كاتباً للنبي -عليه الصلاة والسلام-، كتب له بعض الرسالات لملوك الأرض وعظمائها. كيف عامل ابن عباس هذا الصحابي الجليل؟ :
هناك لقطةٌ طيبة: كيف عامل سيدنا ابن عباس وهو ابن عم النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا الصحابي الجليل؟
يقول الشعبي -وهو قاضٍ تابعي-: ذهب زيد بن ثابت ليركب فأمسك ابن عباس بالركاب, فقال له زيد: تَنَحَّ يا بن عم رسول الله, فأجابه ابن عباس: لا هكذا أمرنا أن نصنع بعلمائنا. ما هي العلوم الإسلامية التي نبغ بها زيد بن ثابت؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4613/10.jpg
قبيصة يقول: كان زيدٌ رأساً بالمدينة في القضاء والقراءة والفرائض.
وكان عليه الصلاة والسلام كان يقول:
((أفرضكم زيد))
أي أعلمكم بالمواريث زيد.
- مر معنا بالخطبة، لما ربنا عزَّ وجل قال : ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 52]
هذه الهاء تعود على القرآن، معنى ذلك: إذا تعلَّمت القرآن وعلمته, فهذا في نظر العلماء فوق الجهاد، والجهاد -كما تعلمون- ذروة سنام الإسلام، وتعلُّم القرآن وتعليمه فوق الجهاد، الجهاد هدفه نشر الحق، فإذا كان الهدف نشر الحق، فإذا أنت تعلمت القرآن وعلمته, فقد ساهمت في تحقيق الهدف البعيد للجهاد، والبحث عن الحقيقة جهاد، كما قال الله عزَّ وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
إذاً-: حينما نبغ هذا الصحابي الجليل بالقرآن، ونبغ بالحكمة، وبعلم المواريث, فقد حقق هدفاً كبيراً جديداً. ما قيل عن زيد بن ثابت :
سيدنا ثابت بن عُبيد يقول: ما رأيت رجلاً أفكه في بيته -انظر لهذه المفارقة- ولا أوقر في مجلسه من زيد.
-أي في عمله وقور جداً أما في بيته فكه جداً، هكذا النبي كان, كان إذا دخل بيته بسَّاماً ضحاكاً، كان يقول: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4613/11.jpg

((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي))
[أخرجه الترمذي في سننه]
أعجبني هذا الوصف: ما رأيت رجلاً أفكه في بيته ولا أوقر في مجلسه من زيد
هذه سنة، فأنت إذا كنت في عملك، لا ينبغي أن يكثر مزاحك، إذا كثر مزاحك ذهبت هيبتك، عندك مرؤوسون، مزاح مزاح مزاح ضاعت هيبتك، أما إذا دخلت على أهل بيتك فمن لهم غيرك؟ إذا دخلت عليهم عبوساً قمطريراً، من لهم غيرك؟
بعضهم يقول: ببيته دبور وبالخارج شحرور.
فأولى الناس بمودتك، أولى الناس بلطفك وأنسك، في مزاحك اللطيف: أهل بيتك وأولادك، فهؤلاء الذين في البيت جبارون ومع أصدقائهم ليِّنون، هؤلاء من علامات أشراط الساعة: يوم يبر الإنسان صديقه ويعق أباه.
نموذج غريب جداً, علاقاته الخارجية رائعة جداً, وفي البيت سيئة جداً, ما هكذا المسلم ، هؤلاء أهل بيتك، أولى الناس بك:
ما رأيت رجلاً أفكه في بيته ولا أوقر في مجلسه من زيد-.
سيدنا ابن عباس كان يقول عن سيدنا زيد بن ثابت: كان من الراسخين في العلم.
هذه المهمة التي كلف بها زيد بن ثابت في معركة اليمامة :
سيدنا زيد حفظ القرآن وكتب الوحي، ولكن كلكم يعلم في معركة اليمامة التي كانت بين المسلمين والمرتدين، مات قراءٌ كثيرون، سيدنا عمر -رضي الله عنه- فزع إلى سيدنا أبي بكر لهذا الخبر المريع، واقترح عليه جمع القرآن في مصحف واحد، فحفاظٌ كثيرون استشهدوا في هذه المعركة, وخشي سيدنا عمر أن يستجر القتل في الحُفّاظ، ماذا فعل الصديق -رضي الله عنه-؟ استخار ربه، وشاور أصحابه –انظروا: الاستخارة والاستشارة؛ الاستخارة لله عزَّ وجل، والاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين- ثم دعا زيد بن ثابت, وقال له: يا زيد إنك شابٌ عاقل لا نتهمك، فاجمع القرآن.
- مهمة كبيرة جداً، عليه أن يلتقي بأصحاب رسول الله، وأن يستمع منهم سور القرآن، وأن يجمع بعض الصُحف، أو بعض الرقاع التي كتبت فيها الآيات، وأن يوازن ويقارن إلى أن يصل إلى النص الصحيح- قال: جهدٌ كبير جداً وقد حدثنا عن نفسه, فقال: والله لو كلفوني نقل جبلٍ من مكانه لكان أهون علي مما أمروني به من جمع القرآن, ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي يعين، لأن الله تكفل بحفظه:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 9]
إذاً: هو عمل شاق وجهد واستنفذ كل طاقته، ولكن الله سبحانه وتعالى أعانه.
لكن حينما جمع القرآن في المرحلة الأولى جمعه على عدة أحرف، وهذه الأحرف كان بينها خلافٌ طفيفٌ جداً في موضوع القراءة، فلما اتسعت الفتوحات في عهد سيدنا عثمان، ومرة ثانية خشي أصحاب النبي -عليهم رضوان الله- أن يختلف المسلمون في القرآن، ففزعوا إلى عثمان، وسيدنا عثمان أمر سيدنا زيد بن ثابت مرةً ثانية أن يجمع الناس على نسخةٍ واحدة، وأن ينسخ من هذا النسخة ست نسخٍ، وأن تعمم في الأمصار، فجمع زيد أصحابه وأعوانه, وجاؤوا بالمصاحف من بيت حفصة وكانت محفوظً لديها، وباشر زيدٌ وصحبه مهمتهم العظيمة، وعاونه في ذلك كُتَّاب الوحي. نهاية المطاف :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4613/12.jpg
فإذا قرأتم القرآن ميسَّراً, فالفضل عائدٌ لهذا الصحابي الجليل، -والإنسان إذا ترك أثراً علمياً، وإذا عمل عملاً طيباً.
وكلكم يعلم: أن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث؛ ولدٍ صالحٍ يدعو له، وعلمٍ ينتفع به، وصدقةٍ جارية.
فالإنسان يجهد أن يبقي بعد موته ذكراً يأتيه أجره كل حينٍ من الله عزَّ وجل ولو مات ، والآن أسرع شيء طلب العلم وتعليم العلم، فكل من تعلم العلم وعلمه, فله أجر من تعلم هذا العلم وعمل به إلى يوم القيامة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4613/13.jpg
فحينما تحضر أنت لمجالس العلم وتتعلم تصيب شيئين، تتعلم كيف تعيش؟ كيف تتصرف ؟ كيف تتحرَّك؟ كيف تعطي؟ كيف تمنع؟ كيف تغضب؟ كيف ترضى؟ كيف تسالم؟ كيف تعادي؟ لأن كل موقف له حكم شرعي، فتعلُّم العلم ضروريٌ لاكتساب رضوان الله عزَّ وجل، وإذا علمت العلم للآخرين والآخرون علموا العلم بدورهم، كل هذه السلسلة من الأعمال الصالحة هي في صحيفتك، لذلك لا ينبغي أن يشغل الإنسان شيءٌ عن طلب العلم، وطلب العلم -كما تعلمون- فريضةٌ على كل مسلم، وطالب العلم تضع له الملائكة أجنحتها رضىً بما يصنع-.
فرضي الله عن هذا الصحابي الجليل، الذي طوّق أعناقنا بدينٍ لا يؤدى جزاؤه إلى يوم القيامة لجمعه القرآن الكريم.
وكما قلت قبل قليل: الأعمال منوعة, وكأن الحياة فيها ثلاث قوى؛ قوة المال، وقوة العلم، وقوة القوة, فإذا كنت في مركزٍ قوي يمكن أن توظف قوتك في سبيل الحق، وإذا كنت ذا مالٍ وفير يمكن أن تبذل هذا المال في سبيل الحق، وإذا كنت ذا علم غزير يمكن أن تنفق هذا العلم في سبيل الحق، فالعلم والمال والقوة كل هذه العناصر الأساسية ، يمكن أن تكون سبيلك لتدخل الجنة إن شاء الله تعالى، فالبدارَ البدار.

السعيد
09-05-2018, 01:21 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( التاسع العاشر )


الموضوع : غض البصر - 1 - غض البصر مدرسة لتهذيب النفس





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حق الطريق :
أيها الأخوة المؤمنون, أنهينا في الدرس الماضي حقوق المسلم على المسلم، وها نحن ننتقل في هذا الدرس إلى حقٍ جديد وقد يبدو لكم غريباً، إلا أن النبي -عليه الصلاة والسلام- هو الذي سمَّاه هذا الاسم: إنه حق الطريق, الطريق التي نسير فيها لها حقٌ علينا، والنبي -عليه الصلاة والسلام- سمَّاها حق الطريق.
فعن أبي سعيد الخِدْرِيّ -رضي الله عنه-, عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم- أنه قال: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4618/01.jpg

((إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ.
-كلمة إياكم من ألفاظ التحذير، إياك والكذب، إياك والخيانة، إياك والتقصير، إياك وما يعتذر منه-. إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ.
-لا أعتقد أن أحداً يجلس في الطريق، ولكن هذا الذي له محلٌ تجاريٌ مطلٌ على الطريق ، أو هذا الذي يسمح لنفسه أن يجلس في مقاهي الرصيف، هناك مقاصف، وهناك مقاه، وهناك محلاتٌ تطل على الطريق، مثل هذه المحلات، ومثل هذه الملاهي، ومثل هذه المقاصف هذه منهيٌ عنها، فقال عليه الصلاة والسلام- :
إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا.
- أي إذا كان هناك ضرورة، إذا كان لا بدَّ من أن نجلس لشأنٍ مهم، لشأنٍ مشروع, لشيءٍ مباح، لعملٍ، لتجارةٍ، لكسب رزقٍ، لحل مشكلةٍ، لحل قضيَّةٍ -. إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ.
-الطريق لك أن تذكِّرَ هذه الكلمة ولك أن تؤنِّثها، لك أن تقول: هذه طريق وهذا طريق، وهذه حال وهذا حال، وهذه بئر وهذا بئر, في اللغة العربيَّة كلماتٌ تذكَّر وتؤنَّث في وقتٍ واحد.
قال عليه الصلاة والسلام-: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ
- المجلس أي إلا الجلوس، هذا مصدر ميمي، المجلس مكان الجلوس، ويأتي المصدر الميمي على وزن مَفْعِل، أي فإن أبيتم إلا الجلوس-. فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ, قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
1- غض البصر:
يمكن أن أسمِّي غضَّ البصر مدرسةً في الإسلام، غض البصر لا يوجد قانون في الأرض يلزم به.
قلت لكم سابقاً: إنه قد تتوافق مواد القانون مع أوامر الشرع، فإذا امتنعت عن السرقة, لا ندري امتنعت عنها خوفاً من عقاب الله أم خوفاً من عقاب البشر, لكن رحمةً من الله عزَّ وجل بهذا المؤمن, جعل بعض الأوامر في الشرع لا تتفق مع أي قانون، فجميع القوانين الأرضيَّة لا تُلزم بغض البصر، وإن كان عالِم شهير ألَّف كتاب اسمه: الإنسان ذلك المجهول.
هذا العالِم عالم نفس وطبيب في الأساس، استنبط من خلال التفسُّخ الاجتماعي، ومن خلال الشقاء الزوجي، ومن خلال الانحلال الخُلُقي في العالم الغربي والأمريكي، استنبط أنه لا بدَّ من قصر الطرف على زوجةٍ واحدة.
هذا الكلام قاله ذلك المؤلِّف, وهو لا يدري ما الإسلام؟ ولا يدري ماذا في القرآن؟ ولكن من خلال ملاحظٍة ذكيَّة، ومن خلال استقراءٍ دقيق, وجد أنه لا بدَّ للرجل من أن يقصر طرفه على زوجةٍ واحدة، لم يقل: لا بدَّ من أن يكتفي بزوجةٍ واحدة, بل لا بدَّ من أن يقصر طرفه عليها , لأن الإنسان أحياناً يهتدي بالتجربة، والبحث، والدرس، والتعمُّق، والتحليل، والملاحظة، والاستنتاج، والاستقراء, ينتهي إلى حقيقة توافق ما جاء في القرآن، القضيَّة تفسيرها سهل، فالحقائق واحدة إما أن تصل إليها بالتجربة، وإما أن تصل إليها عن طريق الوحي، فالوحي الذي أوحاه الله للنبي -عليه الصلاة والسلام- هو حقٌ مطلق, لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4618/02.jpg
فيمكنك أن تمسك آلة تحاول تبحث عنها، تفكك جهازاً، تنزع صمَّاماً، اختفى الصوت، تتوهَّم أن هذا الصمام للصوت، شيءٌ آخر:
هذا الفاصل –مثلاً- له علاقة بالشيء الفلاني، فأنت من خلال النزع، والتركيب، والتعطيل، والتشغيل، والتجريب, تكتشف بعض نظام هذه الآلة، هذا العلم اسمه علم تجريبي، وفي هذا العلم التجريبي قد تخطئ وقد تصيب، قد تملك الحقيقة الكاملة أو قد تملك بعضها، ولكنك إذا توجَّهت إلى مخترع هذا الجهاز, وسألته عن سر تصميمه، وعن دقائق عمله, لأعطاك الحقيقة المطلقة.
فأنت إذا توجَّهت إلى كتاب الله, تسأله عن حقائق الأمور، وعن سر الخلق، وعن سر التصرُّف، وعن حقيقة الأمر والنهي، وعن مؤدَّى المعاصي، وعن مؤدَّى الطاعات، لأخذت من كتاب الله الجواب الشافي المطلق الصحيح, لأنه من عند الخبير:
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾
[سورة فاطر الآية: 14]
وخبرة الله عزَّ وجل ليست حديثة، الإنسان خبرته حديثة، بمعنى أنها حادثة، بمعنى أنها مكتسبة, تنشأ مع الأيام، ولكن خبرة الله قديمة، فإذا سألت الخبير لن تجد إلا في كلامه الحق المُطلق، فإما أن تتجه إلى الصانع, وتستشف من كلامه الحقائق، وإما أن تتجه إلى التجربة، إلا أن مشكلة التجربة أنك قد تصل من خلالها إلى الحقيقة ولكن بعد فوات الأوان.
أنت أمام كرة فهل يا ترى: قنبلة، كرة، لعبة؟ ممكن تجرِّب، ممكن تلمسها بيدك، لكن فيما لو كانت قنبلة وانفجرت لم يبقَ في الحياة دقيقةٌ تستفيد من هذا الدرس، أما إذا سألت الخبير، وأنبأك بالحقيقة الشافية، فأنت قد أخذت الاحتياط، فالإنسان يجوز بعد فوات الأوان، في خريف العمر: أن يكتشف الحقيقة التي جاء بها القرآن, وأنت في مقتبل العمر. نقطة مهمَّة جداً:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4618/03.jpg
ما من مخلوقٍ إلا ويكتشف في خريف عمره: أن المال ليس كل شيء، هو شيء ولكنه ليس كل شيء، وأن المتعة شيء ولكنها ليست كل شيء، وأن الحياة لا بدَّ لها من نظام، لا بدَّ لهذا الكون من خالق، لا بدَّ لهذا الإنسان من أن يطيع خالقه، هذا متى تعرفه؟ في خريف العمر, من خلال التجربة، والخطأ، والصواب، والدروس الثمينة، والعقاب الأليم، والتجارب.
ما قولك: وأنت في مقتبل العمر, إذا قرأت القرآن من عند الواحد الديَّان، إذا قرأت هذا القرآن واستشفيت منه الحقائق، وكانت هذه الحقائق نوراً لك في طريق الحياة؟ والأغرب من ذلك: أنه ما من مخلوقٍ إلا ويعرف الحقيقة الكاملة التي عرفها الأنبياء، ولكن يوم القيامة:
﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾
[سورة الحديد الآية: 32 ]
فرعون وهو على مشارف الغرق قال : ﴿آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾
[سورة يونس الآية: 90]
فالقضيَّة قضية زمن، هذه الحقائق التي جاء بها الأنبياء، هذه الحقائق التي وردت في القرآن الكريم، هذه الحقائق لا بدَّ من أن تؤمن بها، لا بدَّ من أن تكشفها، لا بدَّ من أن ينكشف الغطاء، لا بدَّ ومن أن تملك البصر الحاد:
﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾
[سورة ق الآية: 22]
ولكن الطامَّة الكبرى: أن هذه الرؤية الصحيحة، وأن هذا البصر الحديد، وأن هذا الغطاء المكشوف, متى جاءنا؟ بعد فوات الأوان.
الطالب إذا دخل الامتحان وليس مستعداً له، وخرج من الامتحان وقلبه يعتصر من الألم، توجَّه إلى البيت, وفتح الكتاب، وقرأ الإجابة الصحيحة وعرفها، ولكن متى عرف الإجابة؟ بعد الامتحان، معنى هذا أنه رسب، أي طالب كسول يمكن أن يعرف الإجابة ولكن بعد الامتحان، أما البطولة: أن تعرفها قبل الامتحان.
حقائق الدين:
إذاً: هذه النقطة دقيقة جداً: حقائق الدين، الحقائق التي جاء بها القرآن، الحقائق التي جاء بها أي كتابٍ سماوي، الرسالات السماويَّة، رسالة الله إلى الإنسان, فيها حقائق، فيها قواعد، فيها قوانين، فيها سنن، هذه الحقائق، وتلك القواعد، وهذه السنن: إذا كشفتها في الوقت المناسب, فأنت أسعد الناس، أما إذا ألقيتها عُرض الحائط، جعلتها وراءك ظهرياً، هجرتها واتجهت إلى قواعد أخرى مستحدثة من وضع البشر، ترضي ميولك، ترضي شهواتك، وتمسَّكت بها، وتشبَّثت بها، ودافعت عنها، ودعوت إليها، وكشفت بعد فوات الأوان أنها باطلة .
قلت لكم في الخطبة: أنه من يتق الله, فلا يسمح للأفكار الزائفة أن تحتل مكانها من عقله ، جعل الله له مخرجاً من الضلال، والضياع، والحيرة، وخيبة الأمل.
الفرق بين المؤمن والكافر:
إذاً: نستنبط من هذه المقدِّمة: أن الفرق بين المؤمن والكافر من حيث المعرفة فرق زمن فقط، المؤمن عرف الحقيقة قبل فوات الأوان، والكافر عرف الحقيقة بعد فوات الأوان، عملية وقت، هذا قبل فوات الأوان، هذا في الوقت المناسب، وهذا في الوقت غير المناسب، هذا في مقتبل العمل, وهذا في خريف العمر، أو على مشارف الموت، أو يوم القيامة.
لا تنسوا هذه الآية:
﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾
[سورة ق الآية: 22]
ماذا قال سيدنا علي؟ لو كُشِفَ الغطاء ما ازددت يقيناً .
أي هو يقينه بعد كشف الغطاء كيقينه قبل كشف الغطاء، هذه البطولة، ليس من يقطع طُرقاً بطلاً, إنما من يتقي الله البطل، أن تعرف الحقيقة في الوقت المناسب. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4618/04.jpg
وبشكل ملخَّص: لو أردت أن أضغط لكم هذه الفكرة: أنت آلة معقَّدة جداً، وفي كتيِّب فيه تعليمات الصانع، فإذا أهملته، ولم تعبأ به، وسخرت منه، وألقيته في الأرض، كذَّبته، وعملت في هذه الآلة دون علم، وفق هواك، وفق مزاجك، حمَّلتها ما لا تطيق فتعطَّلت، عندما تتعطَّل وتدفع الثمن باهظاً، تعلم ساعة إذٍ أنك لو طبَّقت هذه المعلومات, لأخذت من هذه الآلة أعلى مردود، ولقدمت لك أكبر فائدة.
لذلك هذا الذي أقوله لكم دقيقٌ جداً: بمعنى أنه إذا كنت من السعداء، من المتفوِّقين، من الفائزين، من الفالحين، من الناجحين، من أولي الألباب, من أصحاب العقول, تبحث عن الحقيقة في الوقت المبكِّر، لذلك الله سبحانه وتعالى سمَّى البحث عن الحقيقة، ماذا سمَّاه؟ جهاد , فقال:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
البحث عن الحقيقة، معنى ذلك: أنك تحتاج إلى وقت، يجب أن تقتطع من زبدة وقتك وقتاً لمعرفة الله، وقتاً للتأمُّل، وقتاً لمعرفة منهج الله، وقتاً لمعرفة شرع الله، وقتاً لمعرفة كتاب الله، في الدرجة الأولى يجب أن تعرف كتاب الله وأن تعرف سُنة رسول الله، اللذان هما أصلان أساسيان من أصول هذا الدين. غض البصر مدرسة لتهذيب النفس :
فلذلك الفكرة التي قلتها قبل قليل: إن غض البصر ينفرد به الدين، وليس في القوانين الوضعيَّة كلِّها مادَّةٌ تلزم الإنسان بغض البصر، فإذا غض الإنسان بصره عن محارم الله, بماذا يشعر؟ هل يستطيع الشيطان أن يوسوس إليك أنك بهذا الغض تنافق؟ لا والله، ما أحد يراقبك، ولا أحد يلزمك، ولا أحد يحاسبك، إذا كنت خالياً وحدك، في غرفتك الشخصيَّة، والنافذة مفتوحة، وخرجت إلى الشرفة امرأةٌ من الجيران، حينما تغض بصرك عنها, وأنت وحدك في الغرفة، من الذي رأى هذا العمل؟ لا أحد، لذلك:
إذاً: غض البصر مدرسةٌ لتهذيب النفس .
النقطة الدقيقة الثانية: إن غض البصر، أنت قد سمح الله عزَّ وجل لك أن تقف بين يديه في النهار والليلة خمس مرات، في صلاة الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقد جعل لك آلاف المناسبات في النهار، بل عشرات الألوف، بل مئات للإقبال عليه، كلَّما صرفت بصرك عن امرأةٍ لا تحلُّ لك, شعرت أنك بهذا تطيع الله عزَّ وجل، كأن غض البصر هذا كان لك مُدخلاً إلى الله عزَّ وجل، فأنت حينما تقف في اليوم والليلة خمس مرات تصلي، أنت إذا غضضت بصرك عن محارم الله، في كل مرةٍ تغض فيها البصر ترقى إلى الله، كأن الله سبحانه وتعالى أعطاك مناسباتٍ عديدةً كي تقبل بها عليه.
الطاعة ونتائجها:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4618/05.jpg
والنتيجة: أن هناك علاقةً علميَّةً بين الطاعة وبين نتائجها، كما أن هناك علاقةً علميةً بين المعصية وبين نتائجها، بمعنى: أنك إذا وضعت يدك على المدفأة أحرقتك المدفأة، هذه علاقة علميَّة، أي علاقة سبب بنتيجة، هذا الذي يغض بصره عن محارم الله قبل الزواج, يعيش حياة هادئةً، حياةً نظيفةً، حياةً وادعةً، قد يبني بهذا الوقت مستقبلاً، فإذا تزوَّج وغضَّ بصره عن محارم الله, عاش حياةً زوجيَّةً سعيدة، تعيش الحياة مرَّتين؛ مرَّةً قبل الزواج ومرَّة بعد الزواج، وحينما تغض البصر عن محارم الله, لا تفعل هذا إلا ابتغاء مرضاة الله، وهذا غض البصر من عبادات الإخلاص، إذا أنفقت المال من دون أن يعلم أحد بهذا الإنفاق, فهذا إنفاق الإخلاص، وإذا غضضت البصر عن محارم الله من دون أن يعلم بهذا أحد، فهذا الغض عبادة الإخلاص. النبي -عليه الصلاة والسلام- قال-:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِي اللَّهم عَنْهم-, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجَالِسَ, فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ, وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ))
بالمناسبة: ما كان الله ليعذِّب قلباً بشهوةٍ تركها صاحبها في سبيل الله .
فأنت إذا غضضت البصر لم ينشغل قلبك بهذه الشهوة، الله أجل وأكرم من أن يعذِّبك بهذا الغض، بل تجد حلاوته في قلبك . الحكمة من غض البصر:
هناك أحاديث كثيرة سوف ترد معنا في هذا الموضوع، ولكن أريد من هذا الموضوع الوقوف عند حكمة غض البصر:
الله سبحانه وتعالى قال:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 63]
أي يمكن أن تأخذ أمر الله بضعفٍ، بتراخٍ، بليونةٍ، بشكلٍ معتدل, من دون تمسكٍ شديد، يمكن أن تأخذ أمر الله بيسرٍ، لكن ربنا عزَّ وجل قال :

﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾
[سورة البقرة الآية: 63]
أي قوةٌ في التطبيق، حزمٌ في التنفيذ، اندفاعٌ إلى طاعة الله، وقوفٌ عند الشبهات، وقوفٌ عند ما حرَّم الله، هذا معنى قول الله عزَّ وجل:
﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 63]
الإنسان منطقي، والإنسان يحب ذاته، هكذا فُطِر، لا يوجد إنسان إلا وهو مفطورٌ على حب وجوده، وحب سلامة وجوده، وحب كمال وجوده، وحب استمرار وجوده, حب الوجود، وسلامة وجوده، وكمال الوجود، واستمرار الوجود، يحب أن يعيش حياة طويلة، والدعاء الشهير: الله يطوِّل عمرك, فأجمل دعاء يسمعه الإنسان أطال الله عمرك، والنبي الكريم قال لرجل سأله:
((أي الناس خير؟ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
فالإنسان يحب طول البقاء. فلماذا يؤمن الإنسان؟ حينما يؤمن بالله عزَّ وجل, تصبح الحياة الآخرة امتداداً للحياة الدنيا، معنى هذا: أنه ما مات:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 169]
فالله عزَّ وجل فطرنا على حب الخلود, فالإنسان إذا آمن, أصبح خط بيانه صاعداً صعوداً مستمراً، ولو جاء الموت يبقى الخط صاعداً.
إذاً: لماذا الإسلام دين الفطرة؟ أنت مفطورٌ على حب الخلود، فإذا آمنت بالله، واستقمت على أمره، وعملت فيما يرضي, شعرت أن حياتك الدنيا وحياتك الآخرة متصلتان، وأن هناك استمرار، وأن الموت عمليةٌ صغيرةٌ جداً، تبديل ثياب فقط، أنت أنت؛ سعادتك، إقبالك، سرورك، طمأنينتك، أنت أنت. متى تستقر النفس البشرية؟ :
لذلك: النبي -عليه الصلاة والسلام- عندما خير بين أن تكون له زهرة الدنيا وبين أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى, قال:
((بَلِ الرَّفِيقُ الأَعْلَى))
وعندما قالت ابنة سيدنا بلال: واكربتاه يا أبت, قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم, غداً ألقى الأحبَّة محمداً وصحبه.
الإنسان مفطور على حب البقاء، وعلى سلامة البقاء، وعلى كمال البقاء، وعلى وجود البقاء، وسلامة هذا الوجود، وكمال هذا الوجود، واستمرار هذا الوجود، فإذا آمنت بالله وآمنت بالآخرة اطمأنت نفسك، إذاً أنت لست أنت, والموت على طرفي نقيض.
الموت عُرس المؤمن.
الموت فرحة المؤمن.
كلام النبي الكريم، كلام سيد المرسلين, الذي لا ينطق عن الهوى: ((لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ؛ فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ))
فما قولك: أن الشيء الذي ترتعد منه فرائص الناس, أن الموت الذي يهز كيان الإنسان، أن الموت الذي يعد أكبر مصيبةٍ عند أكثر الناس، ما قولك: أن هذا الشبح المخيف يغدو عند المؤمن شيئاً مقبولاً مسعداً؟ لذلك الإسلام دين الفطرة، فلن تستقر النفس، لن تهدأ، لن تطمئن، لن تسعد إلا إذا سارت على منهج ربها. مقومات الإنسان:
وقلت لكم البارحة أيضاً أو قبل البارحة: إن ربنا عزَّ وجل أعاننا على أنفسنا بالفطرة، فطر الإنسان فطرةً عالية، فالإنسان إذا انحرف، إذا اعتدى، إذا كذب، إذا خان, يشعر بانقباض شديد، ما هذا الانقباض؟ إنه إحساس الفطرة السليمة، فربنا عزَّ وجل علَّمنا بالعقل، وعلَّمنا بالكون، وعلَّمنا بالقرآن، وعلَّمنا بالسنة، وعلَّمنا بالفطرة، وعلَّمنا بالدعاة، وعلَّمنا بالإلهام، والفطرة أحد هذه المصادر الأساسيَّة في توجيه الإنسان إلى الصواب.
فغض البصر يتناقض مع الشهوة.
النقطة الدقيقة: أن أوامر الشرع تعتمد على العقل، بينما الشهوات تتناقض مع العقل، من تناقض العقل مع الشهوة يكون رقي الإنسان.
فأحياناً يتوافق العقل مع الشهوة, الإنسان لا يرقى، هو جائع والطعام موجود، والطعام طعامه وهو في بيته، فإذا أكل حتى شبع, لا يشعر أنه فعل شيئاً عظيماً يرضي الله عزَّ وجل، العقل توافق مع الشهوة، أنت جائع, والطعام موجود، والطعام حلال، وأنت تأكل هذا الطعام لتقتات به، فتوافق العقل مع الشهوة ربما أدَّى إلى الشُكر، أما أن ترقى بهذا العمل, إنك لا ترقى به, أما إذا عاكست شهواتك، إذا جاء الأمر العقلي يتناقض مع الشهوة التي أودعها الله في الإنسان, هنا يكون الرقي، فمثلاً:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4618/06.jpg
الإنسان بكظم الغيظ يرقى، الإنسان بالصبر يرقى، الإنسان بغض البصر يرقى، الإنسان بحفظ السر يرقى، لأن الإنسان يتمنى أن يحكي قصص الناس، شيء ممتع جداً، إذا وجد الإنسان في مجلس, وسمع قصَّة ممتعة، ومثيرة جداً، وإذا تكلَّم فيها فضح أخاه الإنسان، الشهوة تدعوه إلى أن يحكي هذه القصَّة، ولكن العقل يأمره أن يسكت عنها، إذا كان وجد في مجلس فيه اختلاط، شهوته تدعوه إلى هذا المجلس، شيء ممتع، لكن عقله يمنعه من ذلك.
لذلك ربنا عزَّ وجل قال:
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
[سورة العصر الآية: 1-3]
إيمانٌ، وعملٌ، ودعوةٌ، وصبر، الصبر ربع الإيمان، ربع الفلاح, لماذا؟ لأن الصبر معناه: أن كثيراً من أوامر الدين يحتاج إلى ضبط النفس، ويحتاج إلى كبت الشهوة، ويحتاج إلى تحكيم العقل لا الشهوة، فأنت بالصبر ترقى.
النبي الكريم عندما سُئل عن الإيمان, قال: ((الصَّبْرُ وَالسَّمَاحَةُ))
بل هناك حديثٍ آخر: الإيمان هو الصبر.
الإيمان كله صبر. فغض البصر من حق الطريق، إذا كنت في الطريق، وبالطبع الأجر يختلف، إذا كنت في عهد أصحاب رسول الله الأجر طفيف جداً، النساء كلهن متحجِّبات، طاهرات، عفيفات، تقيَّات.
ربنا وصف المؤمنات فقال :
﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾
[سورة التحريم الآية: 5]
إذا كان الطريق فيه نساء مؤمنات، عفيفات، طاهرات، مطيعات، محتشمات، صادقات، مُحْصنات, الأجر طفيف جداً، أما الأجر متى يعلو جداً؟ حينما يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر, أما إذا كان الطريق مليئاً بالمتفلِّتات الملعونات، إذا كان الطريق ممتلئاً بمثل هؤلاء, عندئذٍ يرتفع سعر غض البصر، سعر باهظ جداً؛ بالسيارة، بالطريق، بأي مكان, نساءٌ كاسياتٌ عاريات، مائلاتٌ مميلات، لذلك غض البصر في آخر الزمان أجره كبير جداً، والقاعدة الشهيرة:
الثواب على قدر المشقَّة.
أي قد أراد الله عزَّ وجل أن يجعل لك مناسباتٍ عديدةٍ كل يوم كي ترقى بها إليه، من هذه المناسبات غض البصر.
الحقيقة: الآية الكريمة :
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
الفؤاد هنا بمعنى الفكر، من فَأَدَ أي قيَّد، أي السمع والبصر والفكر كل أولئك كان عنه مسؤولاً.
الدعاء الشهير: ومتعنا اللهمَّ بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا ما أحييتنا, واجعله الوارث منا.
((عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ؛ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ, وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
يوجد عفَّة، المؤمن عفيف، لو أن امرأةً تمشي أمامه لَقَصَّرَ عنها أو لتجاوزها، لو أنه دخل إلى مصعد وفيه امرأةٌ, يخرج لأنه لا يحل له أن يكون معها في مصعدٍ واحد، في مناسبات يبدو لك الإيمان صريحاً واضحاً، وهذا يرضي الله عزَّ وجل، أودع فيك هذه الشهوة وهو ينظر إليك, بركان لكن ومع ذلك ضبط نفسه، لكن لن يضيع عند الله شيء، وزوال الكون أهون عند الله عزَّ وجل من أن يضيع مؤمناً عفَّ قبل الزواج، هذا له مكافأة عند الله، شاب في مقتبل الحياة, الشهوة فيه مستعرة كالبركان، ومع ذلك غضَّ بصره عن محارم الله، وتوجَّه إلى المسجد ليتعرَّف إلى الله، وضبط مشاعره, هذا ممن يحبهم الله:
((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ؛ ...... وَرَجُلٌ دعته امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ, فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما, ومالك في الموطأ]
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
فسماع المنكر فيه معصية، سماع المعصية معصية.
القاعدة الشهيرة: ما حَرُمَ فعله حرم استماعه وحرم النظر إليه.
وفي الحديث الشريف: ((النظرة سهم مسموم .
-هذا من بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام، سهم مسموم، لو أنه سهمٌ عادي لفعل فعله في موضعٍ واحد، ولكنه لأنه مسموم, هذا السُم يسري في كل أنحاء الجسد، لذلك الذي يُطلق بصره في الحرام تصبح حياته متسمِّمة، دراسته فيها شرود، عمله التجاري لا يوجد فيه تركيز، مأخوذٌ بمن يطلق إليهنَّ بصره، دراسته ضعيفة، نشاطه متخاذل، مَيله للراحة، لأن الشهوة تَشُل قِوى الإنسان. الحقيقة: هناك سر في تفوُّق المؤمنين في كل مجال، بغض بصرهم عن محارم الله، نفوسهم صافية، وقلبهم فارغ, فإذا أقبلوا على عملٍ أبدعوا فيه، أما هؤلاء الذين ينغمسون في الشهوات إلى قمة رؤوسهم, هؤلاء لا يملكون التركيز، لا يملكون التوفيق، لا يملكون العمل الدؤوب ..-:
النظرة سهم مسموم من سهام إبليس . -
((إبليس طَلاع رَصّاد .
-إبليس ذكي، والذكاء وحده ما له قيمة، والذكاء قوة بالإنسان. والنبي الكريم يقول:
((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
القوة قوة، والمال قوة، والذكاء قوة، والعلم قوة، بمعناها المطلق، ربنا عزَّ وجل قال:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
[سورة الأنفال الآية: 60 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4618/07.jpg
قد تكون القوة قوة علم في آخر الزمان، قد تكون القوة قوة مكيدة، القوة قوة سلاح، قوة تدريب، قوة تخطيط، قوة ماليَّة.
على كلٍ؛ القوة مُطلق على الشيء الذي له تأثير بليغ فيما حوله: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ.. -القوة وحدها خَطِرَة، الذكاء وحده خطر، أما النبي الكريم ربط القوة بالإيمان, فقال-: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
ما هما البابان اللذان يأتي منهما الشيطان للمؤمن؟ :
النظرة سهم مسموم من سهام إبليس -لعنه الله- فمن تركها خوفا من الله, آتاه الله عز وجل إيمانا يجد حلاوته في قلبه))
فهم الإيمان هنا تلك الوجهة إلى الله عزَّ وجل، فالإيمان بالأساس تصديقٌ وإقبال، والكفر تكذيبٌ وإعراض، فالذي يطيع الله عزَّ وجل يقبل عليه، سمَّى النبي -عليه الصلاة والسلام هذا الإقبال إيماناً, قال-: ((النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ... -إبليس طلاع رصّاد -ذكي- وما هو بشيء من فخوخه -الفخوخ جمع فخ- بأوثق لصيده في الأتقياء من النساء))
أي أن النساء فخٌ خطير من أفخاخ إبليس، وهو واثقٌ من أن هذا الفخ لن يخطئ، لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((اتَّقُوا النِّسَاءَ))
وقال: ((النساء حبائل الشيطان))
وكل رجل فيه نقطتا ضعف هما: المال والنساء، يستطيع عدوه أن يأتيه من هذين البابين، فإن كان مؤمناً حصَّن نفسه من باب النساء بغض البصر، ومن باب المال بالورع-: النظرة سهم مسموم من سهام إبليس -لعنه الله- فمن تركها خوفا من الله, آتاه الله عز وجل إيمانا يجد حلاوته في قلبه)) وعلى كلٍ؛ الله عزَّ وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أي أن أدق النظرات المختلسة لامرأةٍ لا تحل لك هذه يعلمها الله عزَّ وجل، ويحاسب عليها، وكلَّما تشدَّدت في غض البصر, شعرت أنك ترضي الله عزَّ وجل، وأن الطريق إلى الله سالك. طبعاً: الحقوق كثيرة ولا زلنا في هذا الحق، الآية والحديث :
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
بالمناسبة: بالإسلام لا يوجد حرمان, فما من شهوةٍ نهاك الله عنها إلا وجعل لهذه الشهوة طريقاً مشروعاً، قناةً نظيفةً، فإذا منعك من إطلاق البصر، إذا منعك من الزنا, سمح لك بالزواج، إذا منعك من الكسب الحرام, سمح لك بالكسب الحلال، إذا منعك من شيء فهناك بدائل أخرى، بل إن العلماء يقولون استنباطاً من قوله تعالى: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾
[سورة البقرة الآية: 35]
إن نسبة الممنوعات إلى المباحات نسبةٌ ضئيلةٌ جداً جداً جداً.
أي أنك إذا غضضت بصرك عن محارم الله، وتركت هذه الممنوعات في الأطعمة والأشربة، وسلكت في الطريق الصحيح فأنت مع الله عزَّ وجل . أمين الأمة أبو عبيدة:
وإلى قصة صحابي من أصحاب رسول الله -رضوان الله عليهم- أمين هذه الأمة: أبو عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه وأرضاه، وهو من العشرة المبشَّرين بالجنَّة .
النبي -عليه الصلاة والسلام- أمسك بيمينه, وقال عنه:
((لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والطبراني في المعجم الأوسط]
-أمين هذه الأمَّة، أمين أمَّه وليس أمين سر إنسان-.
سيدنا عمر حينما أراد أن يستخلف عنه خليفةً قُبَيْلَ وفاته, قال هذه الكلمة: لو كان أبو عبيدة بن الجرَّاح حياً لاستخلفته، فإن سألني ربي عنه, قلت: يا رب, استخلفت أمين الله وأمين رسوله.
أبو عبيدة بن الجرَّاح له لقبٌ شهير: ساقط الثنيَّتين.
-وسوف ترون بعد قليل كيف سقطت ثنيَّتاه؟ أسنانه الأماميَّة-.
النبي -عليه الصلاة والسلام- أرسله في غزوة ذات السلاسل مدداً لعمرو بن العاص، وجعله أميراً على جيشٍ فيه أبي بكرٍ وعمر، كان طويل القامة، نحيف الجسم، معروق الوجه، خفيف اللحية، ساقط الثنيتين، وسقوط ثنيتيه وسام شرفٍ يفخر به يوم القيامة.
أسلم هذا الصحابي الجليل على يد أبي بكر الصديق في الأيام الأولى للإسلام، وهاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية، وعاد ليقف إلى جوار النبي -عليه الصلاة والسلام- في معركة بدرٍ، ومعركة أحد، وبقية المشاهد كلها.
منذ أن بسط يمينه مبايعاً رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-، وهو لا يرى في نفسه، وفي أيامه، وفي حياته كلها, سوى أمانةً استودعه الله إياها, لينفقها في سبيله, وفي مرضاته، -أي أن نفسه أمانة بين يديه استودعه الله إياها لينفقها في سبيل الله، كأن هذا الصحابي الجليل تفهَّم ملياً معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾
[سورة التوبة الآية: 111]
باع نفسه لله، وكلمة النبي -عليه الصلاة والسلام- : ((أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ))
[أخرجه ابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه]
في إحدى المعارك وقد بلغ القتال ذروته، أحاط بأبي عبيدة طائفةٌ من المقاتلين، وكانت عيناه كعادتهما تحدِّقان كعيني الصقر في موقع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، هو يقاتل ولكن عينه على رسول الله، هذا الحب الذي بين الصحابة وبين النبي -عليه الصلاة والسلام- شيءٌ لا يصدَّق، حتى إن أبا سفيان قال: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً.
-شيءٌ ليس له سابقة في التاريخ، وليس له مثيل، كيف أحب هؤلاء الأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؛ وهو يحارب, ويقاتل الفرسان، وقد تحلقوا حوله، وانكفؤوا عليه، وعينه على النبي عليه الصلاة والسلام-.
وكاد أبو عبيدة يفقد صوابه، إذ رأى سهماً ينطلق من يدي مشركٍ فيصيب النبي، وعمل سيفه في الذين حوله وكأنه مائة سيف، حتى فرَّقهم عنه، وطار -لم يقل المؤلِّف: سار، ولا أسرع، ولا ركض- صوب النبي -عليه الصلاة والسلام- فرأى دمه الذكي يسيل على وجهه، ورأى الرسول الأمين يمسح الدم بيمينه, وهو يقول:
كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟ .
-جاء ليدعوهم إلى ربهم، جاء ليهديهم، جاء لينقذهم، جاء ليسعدهم، جاء ليدلَّهم على الجنَّة ، جاء ليجعلهم أُناساً صالحين، جاء ليكون لهم أباً وأماً، خضَّبوا وجه نبيهم-.
مسح النبي -عليه الصلاة والسلام- الدم بيمينه, وهو يقول :
كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟ .
سيدنا أبو عبيدة رأى حَلْقتين -بالمناسبة حَلَقَة غلط وصوابها حَلْقة بتسكين اللام-, رأى حلْقتين من حِلَقِ المغفر الذي يضعه النبي فوق رأسه, قد دخلتا في وجنة النبي, -أي حلقتين من هذا المغفر الذي يضعه النبي على رأسه, قد دخلتا في وجه النبي- فلم يُطق صبراً، واقترب يقبض بثناياه -بأسنانه- على حلقةٍ منهما, حتى نزعها من وجنة النبي، حينما نزعها سقطت ثنيَّته الأولى، ثم نزع الحلقة الأخرى فسقطت ثنيَّته الثانية.
وما أجمل أن ندع الحديث لسيدنا أبي بكر -رضي الله عنه- يصف لنا هذا المشهد .
قال: لما كان يوم أحد، ورُمي النبي -عليه الصلاة والسلام- حتى دخلت في وجنته حلْقتان من المغفر، أقبلت أسعى إلى رسول الله, وإنسانٌ قد أقبل من قِبَل المشرق يطير طيراناً، فقلت: اللهمَّ اجعله طاعة -خاف أن يكون عدواً آخر- حتى إذا توافينا إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا هو أبو عبيد بن الجرَّاح قد سبقني، فقال: أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه النبي, فتركته، فأخذ أبو عبيدة بثنيَّته إحدى حلقتي المغفر, فنزعها, وسقط على الأرض، وسقطت ثنيَّته معه، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيَّته الأخرى فسقطت, فكان أبو عبيدة في الناس أهتم؛ أي ساقط الثنيَّتين.
في يوم نجران سألوا النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يبعث معهم من يعلِّمهم القرآن والسُنَّة والإسلام, وفد نجران من اليمن, جاء النبي مسلماً -عليه الصلاة والسلام-، وسألوا النبي أن يبعث معهم من يعلِّمهم القرآن والسنة والإسلام, وقال عليه الصلاة والسلام :لأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجلا أَمِينًا .
-أمين على شرع الله، أمين على كتاب الله، أمين على سنة رسول الله، لا يفتي بالهوى بل يفتي بالحق- وسمع الصحابة هذا الثناء من النبي -عليه الصلاة والسلام-، فتمنَّى كلٌ منهم لو يكون هو الذي يقع عليه اختيار النبي، فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظِّه، النبي تلفَّت، قال :
لأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجلا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ.
يقول عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه-: ما أحببت الإمارة قط حبي إيَّاها يومئذٍ -أي في هذه اللحظة أحببتها حباً لا يوصف, رجاء أن أكون صاحبها- فرُحت إلى الظهر مهجِّراً -أي صلى الظهر مع النبي- فلما صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- الظهر، سلَّم, ثم نظر عن يمينه وعن يساره، فجعلت أتطاول ليراني -لعلَّه يختاره- فلم يزل يتلمَّس ببصره, حتى رأى أبا عبيدة بن الجرَّاح فدعاه, فقال: اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه, فذهب بها أبو عبيدة.
أي إنها كانت من نصيبه: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾
[سورة الصافات الآية: 61]
هنا العمل: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 26]
هنا التنافس: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾
[سورة يونس الآية: 58]
هنا الفرح، وهنا العمل، وهنا التنافس .
كلكم يعلم: أن سيدنا عمر بن الخطاب حينما تسلَّم الخلافة, أصدر أمراً بعزل سيدنا خالد، -والمؤرِّخون يذهبون مذاهب شتَّى في تفسير هذا العزل، مع أن هناك روايةً دقيقة توضِّح حكمة هذا الخليفة الراشد من عزل هذا القائد الناجح- فلمَّا جاءه سيدنا خالد قال: يا أمير المؤمنين لمَ عزلتني؟ قال له: والله إني أحبُّك, -هذا جوابه- أعاد عليه: لمَ عزلتني؟ قال: والله إني أحبُّك, قال: لمَ عزلتني؟ قال: والله ما عزلتك -يا أبا سليمان- إلا مخافة أن يُفتتن الناس بك لكثرة ما أبليت في سبيل الله.
-عزلتك إنقاذاً للتوحيد، لأن الله هو الناصر، فالناس توَّهموا أن كل معركةٍ يقودها سيدنا خالد, لا بدَّ من أن ينتصروا، مع أن الله هو الناصر، أراهم درساً عملياً، سأعزله وسيبقى النصر، إذا كان الله معكم فلا بدَّ من أن ينصركم.
الحقيقة: كان سيدنا خالد يقود معركةً فاصلةً كبرى، واستهلَّ أمير المؤمنين عهده بتولية أبي عبيدة مكان خالد، الآن دقِّقوا كيف يعامل الصحابة بعضهم بعضاً؟.
سيدنا أبو عبيدة معه أمر تعيين، يستطيع في أي ثانية يبرزه لسيدنا خالد، ويقول له: تفضَّل، تنحَّ جانباً وهات القيادة, سلمني إياها, هذا موقف، هذه الطاعة, وهذا أمر سيدنا عمر-.
قال: لم يكد أبو عبيدة يستقبل مبعوث عمر في هذا الأمر الجديد حتى استكتمه الخبر، -طبعاً أبو عبيدة يحارب مع سيدنا خالد- جاء مبعوث سيدنا عمر معه كتاب تعيين سيدنا أبي عبيدة قائداً للجيش وعزل سيدنا خالد -ماذا فعل هذا الصحابي الجليل، هذا الأمين؟-.
استكتمه الخبر, فقال له: إياك أن تذيع هذا الخبر في الناس, وكتمه هو في نفسه، طاوياً عليه صدر زاهد فطنٍ أمين، حتى أتم القائد خالدٌ فتحه العظيم، حتى انتهت المعركة الحاسمة الكبرى، وانتهت بالنصر، وانتهى كل شيء، وآن إذٍ تقدَّم إليه في أدبٍ جليل بكتاب أمير المؤمنين، ويسأله خالد: يرحمك الله أبا عبيدة, ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب؟ -لماذا تأخَّرت إلى الآن-؟ فيجبه أمين الأمَّة: إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله أخوة.
-بالمناسبة: عندما قال ربنا عزَّ وجل :
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 10]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4618/08.jpg
هذه إنما أداة قصر؛ أي لا تجد أخوَّةً في أي مجتمعٍ، أخوةً صادقةً، مخلصةً، فيها المودة، والنصيحة، والحب، والوفاء إلا بين المؤمنين.
والشيء الثاني: أن أخوة النسب تجمع على أخوة، بينما أخوة الصداقة تجمع على أخوان، الله عزَّ وجل قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 10]
أي في أعلى درجة من درجات القرب, هكذا فعل معه-.
ويصبح أبو عبيدة أمير الشام، وتحت إمرته أكثر جيوش الإسلام, طولاً وعرضاً، عتاداً وعُدداً، فما كنت تحسبه حين تراه إلا واحداً من المقاتلين، وفرداً عادياً من المسلمين, وحينما ترامَى إلى سمعه أحاديث أهل الشام عنه، وانبهارهم بأمير المؤمنين بأمير الأمراء، جمعهم وقام فيهم خطيباً، -اسمعوا ماذا قال-؟ قال:
أيها الناس, إني مسلمٌ من قريش -أنا مسلم عادي- وما منكم من أحدٍ أحمر ولا أسود يكبرني بتقوى إلا وددت أني في إيهابه.
-أي إذا واحد سبقني في التقوى, أتمنَّى أن أكون مكانه، هذا منتهى الورع، منتهى التواضع، منتهى معرفة الذات-.
الآن: سيدنا عمر يزور الشام ويسأل مستقبليه: أين أخي؟.
-سيدنا رسول الله عندما بعث سيدنا عمر للحج, قال له:
((لا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
النبي سأل سيدنا عمر الدعاء- فقال: أين أخي؟ قالوا: من؟ قال: أبو عبيدة, ويأتي أبو عبيدة فيعانقه أمير المؤمنين عمر, ثم يصحبه إلى داره، دار أمير الأمراء في الشام، دار القائد العام للجيوش الإسلاميَّة, يصحبه إلى داره, فلا يجد فيها إلا أثاثاً بسيطاً؛ جلد غزال، وقِدر ماء، ورغيف خبز، وسيفاً معلَّقاً في الحائط.
ويسأل عمر, وهو يبتسم: ألا اتخذت لنفسك مثل ما يصنع الناس؟ " فيجيبه أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين هذا يبلِّغني المقيل، هو للدنيا وعلى الدنيا كثير.
حينما جاء الخبر -خبر وفاته- بكى سيدنا عمر, وقال: لو كنت متمنياً ما تمنيت إلا بيتاً مملوءاً برجالٍ من أمثال أبي عبيدة.
لاحظوا شيئين كيف عامل النبي؟ هذا الحب الذي لا يوصف، هذا التفاني، هذه التضحية، حب رسول الله، اسمعوا ما قال العلماء: "
حب رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- هو عين حب الله، وعين حب الله حب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
لذلك قال الله عزَّ وجل:
﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[سورة الشرح الآية: 1-4]
الله سبحانه وتعالى جعل حبَّ النبي عين حب الله، وجعل حبَّه عين حب النبي .
النقطة الثانية: هذا الموقف الحكيم، هذا الموقف اللطيف مع سيدنا خالد, كان بإمكانه أن يبلِّغه قرار العزل والتعيين في أثناء المعركة، وأن يتسلَّم الإمارة منه بشكلٍ يلفت النظر, ولكن كتم الخبر حتى انتهت المعركة, لأنه لا يعمل للدنيا بل يعمل لله، هذا سر نجاح أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله .

السعيد
09-05-2018, 01:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( العشرون )


الموضوع : غض البصر - 2 - التبرج



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حق الطريق :
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق، ولا زلنا في موضوع حق الطريق، وقد بيَّنت لكم في الدرس الماضي: أن من أول حقوق الطريق غض البصر، أما أحكام غض البصر على وجهٍ تفصيلي, فقد مر ذكرها في سورة النور بتفصيلٍ شديد، ولا داعي لأن تعاد مرةً ثانية, ولكن يعنينا من غض البصر: أنه مدرسةٌ يمكن أن تصل بصاحبها إلى الاتصال بالله عزَّ وجل، كأن الله سبحانه وتعالى جعل غض البصر مناسبةً, ليشعر المؤمن في اليوم الواحد عشرات المرات أنه مخلصٌ لله عزَّ وجل، ولعله بهذا الشعور وذاك الإخلاص يقبل على الله عزَّ وجل:
ومن غض بصره عن محارم الله, أورثه الله حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه.
من الفتن التي تقع بها المرأة :
1-إظهار محاسنها للأجانب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4620/01.jpg
ماذا يقابل غض البصر؟ إذا كان المؤمنون قد أمروا بغض البصر، فماذا على المؤمنات أن يفعلن؟
هناك أحكامٌ عدَّة تتعلق بالمرأة، الله سبحانه وتعالى نهى النساء عامةً عن أن يتبرَّجن تبرج الجاهلية.
عرَّف العلماء تبرج الجاهلية بأنه: إظهار محاسن المرأة للأجانب.
مهما بالغت المرأة بإظهار محاسنها لزوجها, فهي في أعلى درجات الطاعة لربها، إذا بالغت المرأة المسلمة بإظهار محاسنها لزوجها، وكانت معواناً له على غض بصره, فهي في أعلى درجات الطاعة، أما إذا جهدت لتبرز محاسنها بطريقةٍ أو بأخرى لغير زوجها، للأجانب، لمن لا يجوز لها أن تبرُز أمامهم، لمن لا يجوز لهم أن ينظروا إليها، فهي في أدنى درجات المعصية، في أدناها دَرْكَاً، لذلك عندما قال ربنا عزَّ وجل:
﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 33]
لو قال: ولا تبرجن, نهيٌ عن مطلق الزينة، قال: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 33]
المرأة الجاهلة هي التي تبرز محاسنها لغير زوجها . 2-فتنة اللسان :
فتنةٌ أخرى يمكن أن تقع بها المرأة ألا وهي فتنة اللسان.
صوت المرأة عورة، إذا ليَّنته، وكسَّرته، ورقَّقته، ونغَّمته, إنه عورة، ربما شفَّ عن محاسنها وهي محجبةٌ عن الذي يستمع إليها، حتى لو أن صوتها وصل إلينا من وراء حجاب, إذا كسَّرته، وليَّنته، ولوَّنته، ونغَّمته، فإنه عورةٌ وأية عورة، من هنا قال الله عزَّ وجل :
﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 32]
كلمة: شكراً, فهناك كلمات تعبر عن الشكر والمودة من رجل لرجل معقولة جداً، أما من امرأةٍ لرجلٍ أجنبيٍ لا يحل لها، إنها حبائل الشيطان:
﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 32]
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾
-سيدنا موسى، قول معروف، لو فتَّشت في اللغة العربية كلها, لن تجد كلمةً جادةً صارمةً موجزةً بليغةً كهذه الكلمة:
فأجابتا- :
﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾
[سورة القصص الآية: 23]
قد يسأل: لمَ أنتما هنا؟ أين أبوكما؟ أين أخوكما؟ لتقطع باب الحوار :
﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾
[سورة القصص الآية: 23]
كلمة واحدة :. ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾
[سورة القصص الآية: 25]
لو اكتفت عند هذا القول لسألها: لماذا يدعوني؟ ما المناسبة ؟:.
﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾
[سورة القصص الآية: 25]
انتهى الكلام : ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 32]
علِّموا نساءكم، علموا بناتكم، علموا أخواتكم، علموا من يلوذ بكم من النساء: أن يقلن قولاً معروفاً مع الأجانب. شيء آخر: القصص التي تصف علاقة المرأة بالرجل، هذه القصص سُمِّيت فاحشة، لأن الإنسان بطبيعته، بطبيعة ما أودع الله فيه من شهوة، يميل إلى سماع هذه القصة، فإذا فشت هذه القصص بين المؤمنين، فكأنما فشت الفاحشة بينهم، لذلك هذا الأدب الرخيص، الأدب المثير، الأعمال الفنية المثيرة، أي عملٍ يستهدف إثارة الغرائز هذا محرم؛ ما حَرُم فعله حرم استعماله، ما حرم فعله حرم النظر إليه، ما حرف فعله حرم الحديث عنه, لذلك: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4620/02.jpg

﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾
[سورة النور الآية: 19]
أنت بدافعٍ تربوي قد تصف جريمةً أخلاقية، ولكن المؤمن يصفها بطريقةٍ أديبة، بطريقة لا تثير الغرائز، وقد توصف جريمةٌ أخلاقيةٌ بطريقةٍ أدبية تثير غرائز الإنسان، فلك أن تصف الرذيلة ولكن بطريقةٍ نشمئز منها لا بطريقةٍ نحبها.
هؤلاء الكُتَّاب الذي يصفون الرذيلة بطريقةٍ نحبها، هؤلاء كتابٌ يعملون على هدم المجتمع وهم لا يدرون أو يدرون، إن جيلاً من الشباب بأسره قد تنحط أخلاقه, بسبب هذا اللون من الأدب، لذلك الكِتاب يجب أن يحسن الإنسان اختياره، ما كل كتابٍ يقرأ، وما كل قصةٍ تقرأ، وما كل أدبٍ يقرأ، وما كل شعرٍ يقرأ، لذلك العلماء قالوا:
الشعر كلامٌ حسنه حسن وقبيحه قبيح.
الشعر كلام، هناك شعرٌ يصف النبي عليه الصلاة والسلام، يصف البطولة, تذوب نفسك بهذه البطولة، وهذا شعرٌ آخر يصف الرذيلة، فالمؤمن يجب أن يدقق فيما يقرأ.
3-فتنة الحذاء :
لو أن هذه المرأة لم تتكلم، هناك فتنةٌ أخرى، قد تسير سيراً بصوتٍ صارخٍ يلفت النظر إليها، قال تعالى:
﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾
[سورة النور الآية: 31]
فهذه الأحذية النسائية التي لها صوت حينما تمشي المرأة، كأن المرأة تقول: ها أنذا انظروا إلي, لو أنها مشت خلف الرجل, تلفت نظره إليها عن طريق هذه المِشية غير الإسلامية، فربنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾
[سورة النور الآية: 31]
4-فتنة الطيب :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4620/03.jpg
هناك فتنةٌ رابعة: فتنة الطَيْب، قال عليه الصلاة والسلام :
َ ((الْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ, فَهِيَ كَذَا وَكَذَا))
يَعْنِي زَانِيَةً . [أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
امرأة تسير في الطريق بين الأجانب وقد استعطرت، لماذا استعطرت؟ من أجل أن تلفت النظر إليها.
وفي حديثٍ آخر:
((إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلا تَمَسَّ طِيبًا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والنسائي في سننه, ومالك في الموطأ]
والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((طِيبُ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ, وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ))
[أخرجه الترمذي والنسائي في سننهما]
الزينة مطلوبة من دون أن يكون لهذه الزينة رائحةٌ تلفت نظر الرجال .
5-فتنة التعري :
وفتنة التعرِّي هذه فتنةٌ كبيرةٌ جداً، جاء في الحديث الشريف:
((إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لا يُفَارِقُكُمْ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
والنساء الكاسيات العاريات اللائي وصفهن النبي -عليه الصلاة والسلام-
((المائلات المميلات, رؤوسهن كأسنمة البَخت المائلة, لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها))
ترتدي ثياباً شفافة، أو ترتدي ثياباً ضيِّقة، الثوب الذي يشفُّ عن لون البشرة، أو يشف عن حجم العضو, هذا ثوبٌ هدفه التزيُّن وليس ستر العورة.
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((نساءٌ كاسيات عاريات، مائلات مميلات, رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة, لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها))
يدنين عليهن من جلابيبهن:
بقي موضوعٌ حساسٌ جداً, سأقرأ لكم ما ورد في بعض التفاسير عنه، حينما قال الله عز وجل :
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 59]
قال العلماء: أن يرخين جانباً من خمورهن أو ثيابهن على أنفسهن. وهذا هو المفهوم من ضرب الخمار على الوجه، والمقصود به ستر الوجه وإخفاؤه، سواءٌ بضرب الخمار أو بلبس النقاب, أو بطريقةٍ أخرى غيرها، والمسلمات إذا خرجن من بيوتهن متستراتٍ على هذا النحو، علم أهل الريبة من الرجال أنهن شريفات، وجميع المُفسرين قد ذهبوا هذا المذهب في تفسير هذه الآية.
فيروى عن ابن عباسٍ -رضي الله عنه- قوله: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة, أن يغطين وجوههن من فوق الجلابيب. وعن ابن سيرين قال: سألت عبيدة بن سفيان بن الحارث الحضرمي عن قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 59]
قال: فأخذ ثوبه فغطَّى رأسه ووجهه، وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه.
ويقول الطبري أيضاً في تفسير قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 59]
لا تتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن يُدنين عليهن من جلابيبهن، لئلا يعرض لهن فاسقٌ إذا علم أنهن حرائر بأذىً من قول.
ويقول العلامة أبو بكر الجصاص: في هذه الآية دلالة على أن المرأة مأمورةٌ بستر وجهها عن الأجانب، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج, لئلا يطمع فيها أهل الريب فيهن .
وقال العلامة النيسابوري في تفسير هذه الآية: كانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذِّلاتٍ، يبرزن في درعٍ وخمار من غير فصلٍ بين الحُرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية وستر الرأس والوجوه، ذلك الإدناء –أدنى- أقرب إلى أن يعرفن أنهن حرائر، فإن التي سترت وجهها أولى بأن تستر كل شيءٍ في جسمها.
وقال الإمام فخر الدين الرازي: وكان في الجاهلية تخرج الحرة والأمة مكشوفاتٍ يتبعهن الزناة وقع التُهم، فأمر الله الحرائر بالتجلبب، وقوله تعالى : ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾
[سورة الأحزاب الاية: 59]
أي أنهن حُرَّات، لأن من تستر وجهها هو أولى؛ أي هي مظنة أن تستر كل شيءٍ في جسمها هذا المقصود. شروط ملابس المرأة المسلمة:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4620/04.jpg
الآن شروط الثياب التي يجب أن ترتديها المرأة المسلمة:
أولاً: أن يغطي الثوب جميع الجسم، ألا يشف ويصف ما تحته:
أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- :إن من أهل النار نساءٌ كاسيات عاريات ... إلخ.
ودخلت نسوةٌ من بني تميم على عائشة -رضي الله عنها- وعليها ثيابٌ رقاق، فقالت عائشة: إن كنتن مؤمناتٍ فليس هذا بثياب المؤمنات.
وأدخلت عليها امرأةٌ عروس -على السيدة عائشة- عليها خمارٌ رقيقٌ شفَّاف, فقالت: لم تؤمن بسورة النور امرأةٌ تلبس هذا الثوب.
الآن الشرط الثاني: ألا يحدد الثوب أجزاء الجسم وألا يبرز مفاتنه:
وإن لم يكن رقيقاً شفافاً كتلك الثياب التي جاءتنا عن الغرب، فأي ثوبٍ تلبسه المرأة لو كان سميكاً، إذا كان هذا الثوب يصف حجم أعضائها فكأنه يبرز أعضاءها كما هي .
من صفات ثياب المرأة المسلمة: ألا يكون مما يختص به الرجال كلبس البنطال، وألا يكون الثوب مما اختصت به النساء الفاجرات، أي أحدث الصرعات، هذه الثياب التي ترتديها المرأة الفاجرة لا ينبغي للمرأة المُسلمة أن ترتديها.
هذا مجمل ما ينبغي على المرأة المسلمة أن تفعله إذا خرجت من بيتها، لأن ثياب الإنسان في الإسلام جزءٌ من دينه، ولا سيما المرأة، قضية الثياب، ونوع الثياب، وشكل الثياب هذا متعلقٌ بدين المرأة، أما لها أن ترتدي لزوجها ما تشاء من دون قيدٍ أو شرط، مهما تفنَّنت المرأة في التزيُّن لزوجها, فهي في أعلى درجات الطاعة, أما إذا تفنَّنت في إظهار مفاتنها لغير زوجها بشكلٍ أو بآخر، فهي في أحط درجات المعصية، هذا ملخص هذا الموضوع.
سعد بن عبادة :
والآن إلى القسم الثاني من الدرس وهو سيرة أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله .
الحقيقة: لا بدَّ من كلمة أقدم بها الحديث عن قصة سيدنا سعد بن عبادة، هذا الصحابي الجليل له مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موقفٌ صريح، هذا الموقف يعلمنا أشياء كثيرة، ولكن قبل أن نخوض في هذه القصة التي تتعلق بسيدنا سعدٍ بن عبادة, لا بدَّ من تمهيدٍ:
لماذا يجب أن نقرأ سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- مشَرع؛ أي أن أقواله، وأفعاله, وإقراره, وأحواله، وصفاته كلها تشريع، فأنت إذا قرأت ما في القرآن الكريم من أوامر ونواه، أنت لا زلت مفتقراً إلى أن ترى كيف وقف النبي الموقف الكامل في هذا الوضع, وكأن سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- فيها مواقف متنوِّعة جداً، بحيث أن هذه المواقف المتنوعة تغطي كل الأحوال التي يمكن لمؤمنٍ أن يتعرَّض لها. مواقف نبوية:
1-الثبات على المبدأ :
فمثلاً: لو أن شاباً نال شهادة الطب، وعُيِّن طبيباً شرعياً مثلاً، وجاءته حالة وفاة جُرْمِي -قتل- فلو جاءه أهل أشخاص معينون, وعرضوا عليه مبلغاً طائلاً من المال, نظير أن يكتب أن الوفاة جاءت طبيعية، جاءه مبلغٌ كبير، هذا المبلغ يحل به كل مشكلاته.
النبي -عليه الصلاة والسلام- عرض عليه كفار قريش أن يكون أغناهم، عرضوا عليه أن يعطوه أجمل بناتهم، عرضوا عليه أن يسوِّدوه عليهم, هذا موقف.
فالإنسان له مبادئ، بعمله، بمهنته، بمواقفه، يتعرض لإغراءات شديدة جداً، أو يتعرض لضغوط؛ ضغوط أو إغراءات، فإذا اقتدى بالنبي -عليه الصلاة والسلام- في ثباته على مبدئه، تكون هذه السيرة قد قدَّمت له نموذجاً كاملاً, عليه أن يقفه عندما يتعرَّض لضغطٍ أو لإغراء، إذاً: أنت في مثل هذا الموقف تقف ما وقف به النبي عليه الصلاة والسلام.
2-العطف على البنات :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4620/05.jpg
مثلاً: إنسان ولدت له بنت، العوام يقولون: البنت لها كنة, وربنا عزَّ وجل قال :
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾
[سورة النحل الآية: 58-59]
النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما ولدت له السيدة فاطمة، ضمها وشمها ....
هذا موقف، فإذا جاءك بنت قف موقف النبي -عليه الصلاة والسلام-: ريحانةٌ أشمها وعلى الله رزقها.
لعل الخير كله من هذا البنت، لعل خيرك كله من هذه الفتاة، هذا موقف .
3-موقف المؤمن إذا اتهم أهل بيته:
إنسان تحدث الناس حديثاً باطلاً عن أهله، حديث من نوع الزنا، هناك من يسكُت ولا يتأثر فهو الديوث، من هو الديوث؟ الذي يرضى الفاحشة في أهله، لا يغار على عرضه، أو يرضى الفاحشة في أهله، أو إنسان أحمق يذبح هذه المرأة, ويرتكب جريمةً, ثم يظهر أنها بريئة. هذا وقع.
في مسرحية لشكسبير شهيرة جداً، اسمه عُطَيل، توهم أن ديدمونة زوجته قد خانته فذبحها، فلما علم ببراءتها انتحر.
النبي -عليه الصلاة والسلام- تكلمت المدينة كلها عن زوجته السيدة عائشة، وقف الموقف الكامل .
4-علمك عند الفقر الصبر :
النبي -عليه الصلاة والسلام- أصابه الفقر، دخل عليه أحد أصحابه, وقد رآه مصفر اللون، فقال: بأبي أنت وأمي ما لك يا رسول الله؟
ذاق طعم الفقر، فإذا نصح الفقراء بالصبر يكون كلامه مقبولاً، لو أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يذق طعم الفقر, ونصحنا بالصبر, لما صدَّقه الفقراء.
يا محمد, أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً؟ قال:
((لا يَا رَبِّ, وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا, أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ, فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ, وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ))
أي إذا ربنا عزَّ وجل قلَّب الأمور، امتحنك في الغنى فرآك سخياً، الآن سيمتحنك في الفقر، لماذا أنت مُضَّطرب؟ لماذا أنت يائس؟:. ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾
[سورة الملك الآية: 2]
امتحنا هذه السيارة بالنزول فرأيناها جيدة جداً، الآن سنمتحنها بالصعود، لننظر قوة محركه، هل تحمى أم لا تحمى؟ فالله عزَّ وجل هو يمتحن الإنسان . 5-علمك الحلم :
أعرابي أثناء توزيع الغنائم قال:
((اعدل يا محمد. -فما هذا القول؟ يخاطب من؟ يخاطب سيد الخلق، حبيب الحق، كان بإمكان النبي أن يسحقه، أن يشير بقتله- فقال: وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ؟))
أعرابيٌ آخر جذبه من ثوبه حتى أثر ثوبه في عنقه الشريف، التفت إليه وتبسَّم, وما زاد عن ذلك.
-يعلمنا كظم الغيظ، وأنت في أعلى درجة من القوة، في أعلى درجة من التمكُّن، هذا جاهل.
اطمئن، رأى النبي مصدر أمنٍ له- فلما صلى قال: ((اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً -من هؤلاء- قال: لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعاً))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
علَّمك الحلم، علمك الصبر . سيدنا عمر كان ماشياً في المسجد ليلاً -فيبدو أنه داس على رجل إنسان خطأ، هذا الإنسان عصبي المزاج-, قال: أأعمى أنت؟ قال: لا, فقال له من معه: ماذا قال لك؟ فقال لهم: سألني فأجبته, وانتهى الأمر.
اقتدوا بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، فلا تغُرَّك قوَّتك إذا كنت قوياً، إذا كان بإمكانك أن تسحق هذا الضعيف, اقتد بالنبي -عليه الصلاة والسلام- اقرأ سيرته من أجل أن تقتدي به .
موقف الغني بالتسامح، موقف الفقر بالصبر والعفاف والتجمُّل .
6-علمك عند القهر الرحمة :
يا ترى: هل تجذبك رحمتك على التشفِّي من أعدائك؟.
النبي الكريم بالطائف حينما دعا ربَّه, فقال:
((اللهم أشكو إليك قلة حيلتي وهواني على الناس))
قف هذا الموقف الأخلاقي، جاءه جبريل, وبإمكانه أن يسحق هؤلاء المكذبين. 7-علمك عند النصر والقوة العفو :
ذاق طعم النصر، مكة التي ائتمرت على قتله، والتي أخرجته، والتي أهانت أصحابه وعذبتهم, و ...., سنوات طويلة, وها هو ذا يفتحها, وتحت إمرته عشرة آلاف سيف تتوهج بالشمس، لو أنه أشار إليهم لأبادوا أهل مكة، قال :
((ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً, أخ كريم وابن أخ كريم, فقال: أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم))
((اذهبوا فإنكم الطلقاء))
علمك العفو، علمك عند القهر الصبر والرحمة، وعلمك عند النصر والقوة العفو . 8-علمك الترفع عن السباب والترفع عن التشفي :
عمير بن وهب الذي توشَّح سيفه, وجاء ليقتل النبيعليه الصلاة والسلا، شعر عليه سيدنا عمر, فقيده بحمالة السيف، قال: أطلقه يا عمر, أطلقه، قال: اقترب يا عمير -بكل لطف ورقة- عفا عنه, وانقلب هذا الذي جاء ليقتله إلى أحب الناس إليه، علَّمك العفو .
سيدنا عكرمة حينما جاء مسلماً، قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه ....
علَّمك الترفُّع عن السباب، والترفع عن التشفي .
إنسان آخر جاء ليقتل النبي -عليه الصلاة والسلام- أمسكه عمر وجاء به إلى النبي، فقال سيدنا رسول الله: هل أعددتم له طعاماً؟
سيدنا عمر صُعِق، كأنه يتوقع أن يقول: اضرب عنقه يا عمر, قال:هل أعددتم له طعاماً؟ هكذا النبي.
9-هذا الموقف الكامل إذا فقد الابن :
أذاقه الله فقدان الابن بالوفاة, شيء صعب جداً، دمعت عينه، قالوا:
((أتبك؟ قال: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ, وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ, وَلا نَقُولُ إِلا مَا يَرْضَى رَبُّنَا, وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ))
هذا الموقف الكامل إذا قبض الابن.
كان يتفقَّد أصحابه، إذا أنت لك أخوان، لك أصدقاء، لك أصحاب، لك زملاء، لك أقارب.
في أعقاب معركة أحد, تفقد أصحابه, فلم يجد أحد أصحابه -سالم بن الربيع- تفقده وبحث عنه حتى عرف خبره. 10-سوى نفسه بأدنى جندي بالجيش :
سوى نفسه بأدنى جندي بالجيش.
في معركة بدر قال:
((كل ثلاثة على راحلة، وأنا وعليٌ وأبو لبابة على راحلة))
ركب النبي على الناقة، جاء دوره في المشي، توسلا إليه أن يبقى راكباً, قال: ((ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر))
اقتدِ بالنبي الكريم، سوّ نفسك مع أقل إنسان، هذا في الحرب . 11-هذا موقفه في السلم :
في السلم: عندما كانوا في نزهة, وأرادوا أن يذبحوا شاةً, هذا قال:
((علي ذبحها، وهذا: علي سلقها، وهذا: عليَّ سلخها، وقال: وعلي جمع الحطب, فقالوا: نكفيك، قال: لا، أعلم ذلك, ولكن الله يكره عبده متميزاً على أقرانه))
اقتدِ بالنبي الكريم، هذا موقف كامل. 12-كان يمشي في الأسواق ويتفقد أصحابه ويحمل حاجته بيده :
كان يمشي في الأسواق, ويحمل حاجته بيده، وقد تستوقفه امرأةٌ ضعيفة, وكان يقول:
((برئ من الكبر من حمل حاجته بيده))
هذا وسام شرف، حامل خضروات وفواكه، والحاجات لبيته، من أنت؟ أنت أعظم من رسول الله؟ هو في أعلى مقامات البشر، كان يمشي في الأسواق, ويتفقد أصحابه، ويحمل حاجته بيده.13-معاملته مع الصبيان ومع أهل بيته :
وكان إذا رأى صبياناً يقول:
((السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا صِبْيَانُ))
تألفاً لقلوبهم.
وكان إذا دخل بيته بسَّاماً ضحاكاً، وكان يقول: ((أكرموا النساء، فو الله ما أكرمهن إلا كريم))
تسابق مرة مع السيدة عائشة -نبي هذه الأمة، قمة المجتمع، أول خلق الله، سيد الخلق، حبيب الحق- تسابق مع السيدة عائشة فسبقته -كانت صغيرة- قالت: ((فلما ركبني اللحم سبقني, قال:
هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ))
أصبحنا تعادل.
سألته مرة: ((كيف حبك لي؟ قال: كعقدة الحبل.
-أي عقدة لا تفك، فصارت كشفرة بينهم، فصارت تقول له من حين إلى آخر-: كيف العقدة؟ يقول: على حالها))
أي متينة، فكان في بيته وديعاً، لطيفاً، مؤنساً، متواضعاً، كان يكنس داره، ويرفع ثوبه، ويخصف نعله, وكان في مهنة أهله، هذا موقف. قراءة السيرة فرضٌ لازم من أجل أن تعرف رسول الله، من أجل أن تقتدي به، من أجل أن تقتفي أثره، من أجل أن تتبع سنته، لأنه الإنسان الكامل.
14-معاملته مع الخلق :
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4620/06.jpg
كان يركب الحسن والحسين على ظهره, ويقول:
((نعم الجمل جملكما, ونعم العدلان أنتما))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
معه مسواكان؛ واحد مستقيم، والثاني معوج، فقدَّم المستقيم لأحد أصحابه، انتقى المستقيم وقدَّمه، أكثر الناس يعطي الجيدة له والرديئة للآخر، أعطاه السواك المستقيم، هذا الموقف الكامل الذي يحب أن تقفه .
إنسان نزع له ريشة من على ثوبه، رفع يديه وقال:
((جزاك الله عني كل خير))
ريشة, ماذا فعل؟ ريشة نزعها من على ثوبه.
15-إكرامه للضيف :
عدي بن حاتم استقبله في البيت, ليس عنده إلا وسادة واحدة دفعها إليه، قال:
((اجلس عليها, عدي استحيا, قال: بل أنت, قال: بل أنت, قال: فجلست عليها وجلس هو على الأرض))
إكرام الضيف هكذا؛ تعلم إكرام الضيف، تعلم العلاقة مع الزوجة، العلاقة مع الصغار، العلاقة في الأزمات، في المواقف .16-كان ينوه بفضل أصحابه :
كان ينوِّه بفضل أصحابه، فعن سيدنا الصديق قال:
((ما ساءني قط))
((ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر))
وعن سيدنا عمر قال: ((لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب))
سيدنا عثمان وصفه بأنه أحيا أمتي: ((أَلا أَسْتَحِي مِمَّنْ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلائِكَةُ؟))
وعن سيدنا علي قال: ((أنا مدينة العلم وعلي بابها))
[أخرجه الترمذي في سننه]
وعن سيدنا أبي عبيدة قال: ((أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ))
وعن سيدنا الزبير قال: ((حواري هذه الأمة))
وعن سيدنا سعد, قال: ((ارمِ فداك أبي وأمي))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
وعن سيدنا معاذ, قال: ((والله إني أحبك))
فإذا أنت كنت تاجراً عندك محل، عندك معمل، موظف عندك موظفين، عندك موظف أخلاقه عالية, أسمعه كلمة ثناء من حين لآخر، يطمئن أنك عارف قدره، عندك موظف أمين، اثنِ على أمانته.
رجل دخل على الصلاة مستعجلاً, فأحدث جلبة وضجيجاً، فلما انتهت الصلاة قال: ((زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما]
أثنى على حرصه، مع أنه أحدث جلبة وضجيجاً، قال: زادك الله حرصاً ولا تعد لمثلها.
قبل أن يوجهه ويلومه أثنى على حرصه، تعلموا. تدقيق بالحديث .
لذلك ينبغي أن نقرأ السيرة، لأن مواقف النبي -عليه الصلاة والسلام- هي المواقف الكاملة، وأتمنى عليكم أن تسألوا أنفسكم أحياناً: ماذا فعلت في حياتي اليومية اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام؟ في بيتك، في عملك، مع أصحابك، مع أخوانك، ماذا فعلت؟ ما الموقف الذي وقفت اقتداءً بالنبي؟ ما التصرف الذي تصرفت اقتداءً بالنبي؟ هكذا.
الحقيقة: نحن الآن أمام قصَّة، قصة يغلب على ظني أنكم تعرفونها جميعاً، ولكن المقصود ليس أحداثها بل تحليلها.
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- حينما انتهى من غزوة حنين، وزَّع الغنائم, واهتم يومئذٍ اهتماماً خاصاً بالمؤلَّفة قلوبهم، وهم أولئك الأشراف الذي دخلوا الإسلام من قريب، ورأى النبي -عليه الصلاة والسلام- لحكمته أن يساعدهم على أنفسهم بهذا التآلف، فأعطى ذوي الحاجة من المقاتلين, أما أولو الإسلام المكين، المسلمون الأوائل الأقوياء، فقد وكلهم إلى إسلامهم، ولم يعطهم من هذه الغنائم شيئاً، وكان عطاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شرفاً يحرص عليه الناس جميعاً، لذلك تساءل الأنصار في مرارة: لمَ لمْ يعطهم النبي -عليه الصلاة والسلام- حظهم من الغنيمة؟ حدثت مشكلة، وجد تساؤل، وحشرجة، وضيق، وحُزن، ومشكلة أساسها الحرمان.
الحقيقة: الآن سنتعلم شيئاً مفيداً جداً في الحياة: أولاً كان من الممكن ألا تقع هذه الحادثة إطلاقاً؟
الله عزَّ وجل على كل شيء قدير، وكل شيءٍ وقع أراده الله، كان من الممكن: ألا تقع هذه الحادثة إطلاقاً؟ ولكن لماذا وقعت؟ وقعت لأنها تكشف حقائق النفوس، الإنسان له حقيقة، فهؤلاء الأنصار -رضي الله عنهم- في بأنفسهم تعلق بالغنائم، لولا هذه الحادثة لما ظهر هذا التعلُّق، فالواحد منا يكون مسلماً مؤمناً مستقيماً، دخله حلال، ضابطاً لجوارحه كلها، يصلي الصلوات بإتقان، ومع ذلك تأتيه مشكلة، فالله عزَّ وجل قال:
﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾
[سورة طه الآية: 7]
أي يعلم سرك وما خفي عنك، قد يكون هناك مرض نفسي خفي عنك، فربنا عزَّ وجل بهذا الظرف الصعب, ظهر على السطح هذا المرض، فعالجك الله منه، فارتقيت عنده, هذه قضية مهمة جداً، المؤمن يظن نفسه متوهماً أنه سليم معافىً، طاهر, لا, هناك أمراض كامنة، هذه الأمراض الكامنة لا تظهر على السطح إلا بحوادث نادرة، فهذا الحادث أراده الله عزَّ وجل، أرداه ليظهر على السطح حرص هؤلاء على الغنيمة أكثر من حرصهم على رضاء النبي عليه الصلاة والسلام، فكانت هذه الحادثة.
الإنسان بساعة الضيق، أو ساعة الحزن عن الدنيا، قد تغيب عنه عصمة هذا النبي العظيم ، قد تغيب عنه نزاهته المُطلقة، قد تغيب عنه حكمته البالغة، حينما وجدوا في أنفسهم على النبي -عليه الصلاة والسلام-, غابت عنهم عصمته، وغابت عنهم نزاهته، وغابت عنهم حكمته، لذلك من خلال هذه الحادثة: أراد الله عزَّ وجل أن يكشف عن حكمة النبي, وعن عصمته, وعن نزاهته.
شيء آخر: إن هذه القصة درسٌ عملي يتعلم به المؤمنون, كيف يقفوا الموقف الحكيم الأكمل إذا واجهتهم معارضة؟
النبي واجهته معارضة، هؤلاء الأنصار تألَّموا، فقد وجدوا عليه في أنفسهم: لماذا فعل هكذا؟ لماذا حرمنا من هذه الغنائم؟ لقد نصرناه؟ هذا التعلق بالغنائم طفا على السطح، عدم المعرفة الكاملة بالنبي -عليه الصلاة والسلام- طفا على السطح، النبي ينطوي على كمالٍ شديد ظهر هذا الكمال.
أنت مدير مدرسة، مدير معمل، موظف، معلم، نشأت حولك حركة ضدك، ما الموقف الأكمل الذي يجب أن تقفه؟.
النبي -عليه الصلاة والسلام- متى واجه هذا الموقف؟ هل في أول الدعوة؟ ليته كان في ذاك الوقت، واجه هذا الموقف وهو في أقوى ما يكون، في أقوى حالة يكونها، النبي كلكم يعلم ليس نبياً فحسب, هو رئيس هذه الدولة الإسلامية، نبيٌ، رسولٌ، يوحى إليه، معصوم، سيد الخلق، حبيب الحق، سيد ولد آدم، سيد الأنبياء والمرسلين، رئيس هذه الدولة، القائد الأعلى للقوات المسلحة عند المسلمين، واجه معارضة.
كان من الممكن: أن يسحقها نهائياً، وكان من الممكن أن يسحقها أدبياً، إذا ندد بهم بهؤلاء الذين وجدوا عليه في أنفسهم سحقهم، نبيٌ عظيم يندد بمن ينتقده بهذه الطريقة سحقهم، وكان من الممكن أن يتجاهلهم، بإمكانه أن ينهيهم كلياً، وبإمكانه أن يهدر اعتبارهم، وبإمكانه أن يتجاهلهم، وبإمكانه أن يعاتبهم, لم يسحقهم، ولم يهدر كرامتهم، ولم يتجاهلهم، ولم يعاتبهم لمصلحته، فماذا فعل؟.
سيدنا سعد بن عبادة -صاحب الترجمة اليوم- كان سيد الأنصار, سمع قومه يتهامسون بعضهم بهذا الأمر، فلم يرضه هذا الموقف، استجاب لطبيعته الواضحة المُسفرة الصريحة، وذهب من فوره إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وقال: ((يا رسول الله -سلك الطريق المباشر ، سلك الأسلوب الصريح، لا يوجد لف ودوران- قال:
يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار، قد وجدوا عليك في أنفسهم, لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك, وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء -أرأيتم إلى هذه الصراحة؟ أرأيتم إلى هذا الوضوح؟ أرأيتم إلى هذا الطريق المباشر؟.
أذكركم بأن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان في أعلى درجات القوة، وكان بإمكان أن ينهيهم، بإمكانه أن يهدر كرامتهم، بإمكانه أن يعاتبهم، بإمكانه أن يجمعهم, ويبين لهم فضله عليهم، كل هذا بإمكانه، ولكن ماذا فعل؟-
قال عليه الصلاة والسلام: وأين أنت من ذلك؟ -أي هل أنت معهم؟- فقال: ما أنا إلا من قومي -نعم أنا مثلهم- فقال عليه الصلاة والسلام: إذاً فاجمع لي قومك.
النبي -عليه الصلاة والسلام- تملَّى وجوههم الآسية، ابتسم ابتسامةً متألقةً -بعرفان جميلهم، وتقدير صنيعهم- وقال:
يا معشر الأنصار, مقالةٌ بلغتني عنكم -بلغني أنكم واجدون علي- وجدةٌ وجدتموها علي في أنفسكم، أما إنكم -الآن دقة الموقف، ماذا يقول لهم؟ أنا نبي هذه الأمة، لقد هديتكم إلى الله؟ لا, بل قال-:
أما إنكم لو قلتم فلصدقتم، ولصدقتم به -لو أردتم أن تقولوا هذا الكلام أنتم صادقون مصدقون- أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وعائلاً فآسيناك، وطريداً فآويناك.
-ماذا ذكر النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ ذكر فضلهم عليه، ذوبهم، ألم يكن بإمكانه أن يبدأ بفضله عليهم؟ ذكرهم فضلهم عليه-.
يا معشر الأنصار, -الآن جاء دوره- ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ -ألم تكونوا ضالين فهداكم الله بي؟- ألم آتكم عالةً فأغناكم الله؟ ألم آتكم أعداءً فألف الله بين قلوبكم؟ -روعة الموقف أنه بدأ بفضلهم عليه، وثنى بفضله عليهم، ذكَّرهم بعملهم، ذكرهم بنصرتهم، ذكرهم بتأييدهم، ذكرهم بإخلاصهم، ذكرهم بتضحياتهم، ذكرهم بإيوائهم له، فخجلوا-.
قالوا: بلى، الله ورسوله أَمَنُّ وأفضل, قال: أجيبوني يا معشر الأنصار, قالوا: بم نجبك يا رسول الله؟ -خجلوا- لله ورسوله المن والفضل, قال: يا معشر الأنصار, أوجدتكم في أنفسكم في لعاعةٍ -أي خشخيشة- تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ -أي ألا تعذروني؟ ألستم واثقين من حكمتي؟ ألستم واثقين من نزاهتي؟ ألستم واثقين من عملي الطيب؟- أوجدتم علي في لعاعةٍ من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم -اعتماداً على إيمانكم القوي، وعلى إسلامكم، وعلى طول باعكم في الدين، وعلى قدمكم- ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحاكلم؟ -ألا توفي معكم يرجعوا الناس بالشاة والبعير وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحالكم؟ ألا يوفي معكم ذلك؟- فو الذي نفسي بيده, لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار, وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار, وبكى الأنصار حتى أخضلوا لحاهم -دموع نزلت من اللحى- وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً))
هذا موقف النبي -عليه الصلاة والسلام-, بإمكانه أن يدمِّرهم، بإمكانه أن يسحقهم، بإمكانه أن يهدر كرامتهم، بإمكانه أن يهملهم، بإمكانه أن يعاتبهم، بإمكانه أن يبيِّن فضله عليهم, ما فعل كل هذا، بل تألَّف قلوبهم، واسترضاهم، وبين فضلهم عليه, ثم فضله عليهم، وبين أنه معهم ولن يتركهم، لأنه بعد فتح مكة خاف الأنصار أن يستوطن النبي مكة، قال: ((الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
هذا هو الوفاء .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/4620/07.jpg
أي أنك إذا كنت بموقف قوي، واجهتك مشكلة، لا تسلك سبيل القوة، فهو سبيل فاشل، اسلك سبيل تأليف القلوب، اسلك سبيل التعطُّف، اسلك سبيل الرحمة، اسلك سبيل الاستلطاف، لا تنس فضل الناس عليك، هذه نصيحة، إذا فعلت مع الناس شيئاً يجب أن تنساه، أما إذا فعل الناس معك شيئاً لا ينبغي أن تنساه أبد الدهر . هناك شيئان-: سيدنا سعد كان صريحاً، سلك الطريق المباشر -أسلوب اللف والدوران تركه، مباشرةً-: إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم, أين أنت منهم؟ قال: ما أنا إلا من قومي.
عوِّد نفسك الصراحة، لا يكون لك موقفان؛ موقف معلن، موقف خفي، وجهان ولسانان، شيء يرضي وشيء لا يرضي، هذا الأسلوب لا يرضي الله عزَّ وجل، هكذا كان أصحاب النبي، وهكذا كان النبي.
فلذلك قراءة سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- حتمٌ واجب، من أجل أن تهتدي بهديه، وأن تقتفي أثره، وأن تتبع سنته، وأن يكون هذا الإنسان الكامل لك معلماً.
قال عليه الصلاة والسلام:
((إِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا))
موقف العطف واللين، موقف الحكمة، موقف عدم نسيان الفضل، هذا الموقف هو الذي يبقى مع الإنسان .

السعيد
09-05-2018, 01:27 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الحادى و العشرون )


الموضوع : كف الاذى- الحياء - سعد بن عبادة



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حق الطريق :
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق، ولا زلنا في حقوق الطريق، ومن حقوق الطريق -إضافةً إلى غضِّ البصر- كف الأذى، وكف الأذى ينقلنا إلى موضوعٍ تمهيديٍ له، ألا وهو الحياء.
النبي -عليه الصلاة والسلام- في أحاديث كثيرة يؤكِّد: أن الحياء من الإيمان، وبعد قليل سألقي على مسامعكم بعضاً من هذه الأحاديث الشريفة، ولكن الحديث الأول:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6891/01.jpg
يقول عليه الصلاة والسلام:
((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ...))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
الإيمان درجات، والدليل: أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا﴾
[سورة النساء الآية: 136]
هناك إيمان مقبول، وهناك كمال الإيمان، الإيمان إذاً درجات، والتقوى درجات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 102]
الفرق بين الإيمان والتقوى:
والإيمان شيء والتقوى شيءٌ آخر:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 102]
والإيمان شيء والإسلام شيءٌ آخر:
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾
[سورة الحجرات الآية: 14]
فمعرفة معاني هذه المُصطلحات الدقيقة في القرآن الكريم جزءٌ من الإيمان، يجب أن تعرف ما الإيمان؟ ما الإسلام؟ ما التقوى؟ ما المعصية؟ ما الفسق؟ ما الفجور؟ ما الإلحاد؟ ما الكفر؟
الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يقول:
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾
[سورة الحجرات الآية: 14]
إذاً: الإيمان شيء والإسلام شيءٌ آخر. الحديث الذي بين أيدينا هو قول النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ.
-أي أن أعلى درجة في الإيمان أن تصل إلى قول لا إله إلا الله، وإذا قال النبي: قول لا إله إلا الله, فيعني بذلك: أن تعلم أنه لا إله إلا الله، وإذا علمت أنه لا إله إلا الله, فمن لوازم العلم, بكلمة التوحيد: أنك تدخل في حصن الله.
لا إله إلا الله حصني, من دخلها أمن من عذابي.
وينبغي أن تعلم أيضاً: أن لا إله إلا الله لا يسبقها عمل، الأعمال الصالحة في ظاهرها قبل أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله, مشوبةٌ بعدم الإخلاص، لأنه لا ينفع عملٌ مع الشرك-.
... أَفْضَلُهَا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ.
-بل إن نهاية العلم: أن تؤمن أنه لا إله إلا الله، والإنسان لا يعصي ربَّه إلا إذا اعتقد أن هناك جهةً أخرى تنفعه أو تضرُّه، فهو يطيعها ويعصي الله، أما إذا أيقن أنه لا إله إلا الله، وأن الله سبحانه وتعالى هو الحقيقة الأولى والأخيرة، هو الظاهر والباطن، هو الأول والأخر، بيده ملكوت كل شيء، إليه يرجع الأمر كله، مالك كل شيء، إذا أيقن هذا اليقين انتهى كل شيء، فالعلم نهايته أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله:
وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد-.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6891/02.jpg
وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ.
- أن تميط الأذى عن الطريق، حجر تزيحه إلى جانب الطريق.
أيها الأخوة دقِّقوا: من الإيمان أن تعتقد أنه لا إله إلا الله، من الإيمان أن تميط الأذى عن الطريق-. وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ))>
هذا الحديث دقيق جداً، معنى ذلك: أن في الإيمان جانباً فكرياً، وأن في الإيمان جانباً نفسياً، وأن في الإيمان جانباً سلوكياً، كلمة إيمان: هذه الكلمة الرنانة التي يطمح كل امرىء أن يتصف بها، يجب أن نعرفها معرفةً صحيحة، من الإيمان أن تفكِّر في الكون، والآيات التي تحضُّنا على ذلك لا تعدُّ ولا تحصى، من الإيمان أن تتدبَّر كتاب الله عزَّ وجل، من الإيمان أن تنظر في الحوادث، لأن الكون خلقه، ولأن الحوادث أفعاله، ولأن القرآن كلامه، فإذا تفكَّرت وتدبَّرت ونظرت، وأجريت محاكمةً دقيقة، وتوصَّلت بعد البحث والدرس والتدقيق والتـأمُّل إلى الحقائق الأساسيَّة التي أراد الله سبحانه وتعالى أن نؤمن بها، هذا هو الجانب الأول في الإيمان. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6891/03.jpg
لذلك: الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً, أَفْضَلُهَا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ .
أي إنك إذا تأمَّلت في الكون، وإذا تدبَّرت القرآن، وإذا نظرت في الحوادث, وصلت إلى أن هناك خالقاً عظيماً ومربياً رحيماً ومسيِّراً حكيماً, لا إله إلا هو، هذه الجولة التفكُّريَّة، الجولة التأمليَّة، الجولة التبصُّريَّة -إن صحَّ التعبير- الجولة التدبريَّة في الكون، وفي القرآن، وفي الحوادث, مع إجراء المحاكمة، والدراسة، والبحث، والتمحيص، والمقدِّمات، والنتائج, يستطيع هذا الفكر البشري أن يصل إلى نتائج قطعيَّة، وهذا الذي عبَّر عنه العلماء باليقين الاستدلالي، هذا جانب في الإيمان.
مفهوم التوحيد:
فهذا الذي لا يفكر، ولا يُعمل عقله، ولا يتأمَّل، ولا يتدبَّر، ولا ينظر, هذا مقلِّد، والمقلِّد ليس من عِداد المؤمنين، كما أقرَّ بذلك علماء التوحيد، لا يمكن أن يكون الإيمان تقليداً، لأنك إذا قلَّدت في الإيمان قد تقلِّد في الضلال، إذا كان عندك استعداد أن تقلِّد في عقيدتك, فأنت ضال مضل آخر, إذا جمعتك به الصُدَف، ولقَّنك عقيدته الضالَّة, يمكن أن تعتنقها، إذاً: لا يقبل منك أن تقلِّد في العقيدة، فالإيمان شعبٌ كثيرة كما قال عليه الصلاة والسلام: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً, أَفْضَلُهَا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ.
هذا الجانب الفكري.
الدرس الماضي ليس هنا ولكن في درس العقيدة, قلت: لو جمعنا الإيمان والإسلام معاً، وعددناهما وحدة متكاملة، هناك جانبٌ فكري يمثِّله الإيمان الفكري، وهناك جانب سلوكي يمثِّله الإسلام، الإسلام انصياع، وهناك جانِبٌ نفسي قلبي يمثِّله الإيمان القلبي .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6891/04.jpg
فأنت قبل أن تستسلم لأمر الله, لا بدَّ من أن تجري محاكمة فكريَّة صحيحة، تصل بها إلى نتائج قطعيَّة، وأنت بعد أن تستقيم على أمر الله، وتنساق إلى أمر الله, لا بدَّ من أن تقبل على الله عزَّ وجل، فالإقبال على الله يجعلك تصطبغ بصبغة الله عزَّ وجل، من هذه الصبغة الحياء، فترى المؤمن له جانبٌ فكري نشيط، وله جانبٌ نفسيٌ أخلاقي، إنه يتصف بالصفات الأخلاقيَّة الرفيعة, من عدلٍ وإنصافٍ، إلى رحمةٍ وحنانٍ، إلى لطفٍ، إلى شفقةٍ، إلى طُهْرٍ، إلى عفافٍ، إلى تجمُّلٍ، إلى صبرٍ، هذا الجانب النفسي, والجانب الفكري له عقيدةٌ يقينيَّةٌ, سببها: أنه تأمَّل وفكَّر، وتدبَّر ونظر.
كأنني أقول لكم: لا بدَّ من قناعة يتبعها سلوك، تتبعها سعادة، تقنع، تسلك، تسعد، وهذا يطابق تماماً تعريف العبادة:
العبادة: طاعةٌ طوعيَّة ممزوجةٌ بمحبَّةٍ قلبيَّة، أساسها معرفةٌ يقينيَّة, تفضي إلى سعادةٍ أبديَّة.
ثلاثة أشياء؛ طاعةٌ طوعيَّة سلوك، الإسلام التزام، الإسلام ضبط الحواس، الإسلام ضبط الدخل، الإسلام ضبط الإنفاق، الإسلام ضبط العلاقات .
وكنت قد أكَّدت لكم من قبل: أن في الإسلام عباداتٍ شعائريَّة, منها: الصلاة والصيام والحج، وفي الإسلام عباداتٌ تعامليَّة، ولعمري إن العبادات التعاملية أخطر بكثير من العبادات الشعائريَّة، بل إن العبادات الشعائرية لا تصح ولا تؤتي ثمارها يانعةً إلا إذا سبقتها العبادات التعاملية, لذلك:
عندما رأى سيدنا عمر بدوياً, يرعى غنماً وشياهاً، فقال له: بعني هذه الشاه وخذ ثمنها, قال: ليست لي, قال: قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب -القصَّة معروفة-, قال: والله إنني في أشد الحاجة إلى ثمنها, ولو قلت لصاحبها: ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني، فإني عنده لصادقٌ أمين، ولكن أين الله؟
فمعلومات، تطلعات، طموحات، مشاعر من دون التزام, هذا كلامٌ فارغ، إياك أن تضيَّع وقتك.
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾
[سورة الأنفال الآية: 72]
هؤلاء الذين اعتقدوا، هؤلاء الذين أيقنوا، هؤلاء الذين طمحوا, إن لم يؤكِّد عقيدتهم مواقف؛ عطاءٌ ومنعٌ، صلةٌ وقطعٌ، غضبٌ ورضى، إن لم تؤكِّد عقيدتهم وإيمانهم مواقف ماديَّة ، يجب أن ترى الإسلام في بيت المسلم، في علاقته بأهله، في مظهر أهله إذا خرجوا من البيت، في مظهر بناته، في تجارته، في حانوته، في مكتبه، في قاعة تدريسه، في معمله، الإسلام يبدو أكثر ما يبدو في التعامل.
لعلَّك رأيته يصلي؟ قال: نعم, قال: أنت لا تعرفه، هل حاككته بالدرهم والدينار؟ قال: لا, قال: هل جاورته؟ قال: لا, قال: هل سافرت معه؟ قال: لا، فقال: أنت لا تعرفه.
فحينما فهم الصحابة الكرام الإيمان التزام، وتعامل، وانضباط، وتحرِّي الحلال, بلغوا أعلى درجات الكمال.
قال النجاشي لسيدنا جعفر:
((حدِّثنا عن نبيُّكم, قال: كنا قوماً أهل جاهليَّة, نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف -هذه الجاهليَّة- حتى بعث الله فينا رجلاً, نعرف أمانته وصدقه، وعفافه ونسبه, فدعانا إلى الله لنعبده ونوحِّده, ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث -المسلم صادق؛ صادق مع نفسه، صادق مع ربِّه، صادق مع الناس، صادق مع من هم أدنى منه، صادق مع من هم أكبر منه- أمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، والكف عن المحارم والدماء))
هكذا عرَّف سيدنا جعفر الإسلام، مواقف أخلاقيَّة، هذا الذي يجب أن نضع أيدينا عليه، الإسلام فيه جانب فكري عقائدي، بالتعبير الحديث: أيديولوجي، فيه جانب سلوكي، الجانب السلوكي هو الأصل في الإسلام:
وعالمٌ بعلمه لم يعملن معذبٌ من قبل عبَّاد الوثن
تعلَّموا ما شئتم, فو الله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم .
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6891/05.jpg
الجانب الآخر وهو: الجانب النفسي، جانب الإقبال على الله عزَّ وجل. فلاحظوا في هذا الحديث : ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً, أَفْضَلُهَا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ, وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ, وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ))
الذي أريد أن أقوله: أنه توجد بالإسلام صبغة، أنت كإنسان لك فطرةٌ عالية، ما من مخلوقٍ إلا ويتمتع بفطرة عالية، الفطرة أن تحب الكمال، لكن أن تحب الكمال شيء وأن تكون كاملاً شيءٌ آخر، أن تحب الكمال هذا قاسم مشترك بين كل البشر، ولكن أن تكون كاملاً هذا من أثر الإيمان، هذه هي الصبغة، هذه هي ثمرة الصلاة، هذه هي ثمرة الاتصال بالله عزَّ وجل؛ الصبر، الصدق، الأمانة، العفَّة، الإنصاف، ومنها الحياء، فكف الأذى في الطريق أساسه الحياء. الحياء :
ما الحياء؟ الإنسان حينما ترقى نفسه, يعظم على صاحبها أن يصدر منه نقص، وكلَّما ارتقت النفس, يعظم عليه أن يصدر منه نقصٌ في السلوك، ونقصٌ في الكلام، ونقصٌ في المَظهر، أصبح كاملاً، لماذا هو حيي؟ لأنه اتصل بالله عزَّ وجل.
ألم تسمعوا بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-:
((إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ, يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْن))
فإذا اتصلت بالله سبحانه وتعالى, لا بدَّ من أن تقتبس أو أن تشتقَّ منه صفة الحياء، الحياء أن تخشى وأن تخاف أن يصدر منك تصرفٌ ناقص؛ في الطريق، وفي عملك، وفي بيتك، مع أهلك، مع أولادك، مع أخوانك، في المسجد، تصرُّف قولي، تصرف عملي، مظهر ناقص، خلل في موقفك، هذا كله من الحياء. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6891/06.jpg
في نقطة دقيقة جداً: اليوم صباحاً سألني عنها أخ: أنه المؤمن مبتلى, لكن لماذا هو سعيد؟ المؤمن سعيد لأنه يشعر أنه على الصراط المستقيم، وأنه ضمن المنهج الإلهي، وأن الله سبحانه وتعالى راضٍ عنه، ليس معنى هذا أن حياته ليس فيها متاعب، المتاعب لا بدَّ منها، لأن المتاعب تُظهر كماله، تظهر صبره، لا يرقى إلا بالصبر، تظهر حِلمه، لا يرقى إلا بالحلم ، تظهر إنصافه، قد يعتدى عليه، فيأخذ حقَّه من دون أن يزيد عليه، فلا تتوهَّموا أن الإنسان إذا عرف الله, واستقام على أمره, أصبح الطريق كله ورود ورياحين، لا, لكنك سعيدٌ جداً, لأنك تشعر دائماً: أن الله سبحانه وتعالى خالق السموات والأرض راضٍ عنك ويحبك، هذا الشعور الدقيق، تشعر أنك على الصراط المستقيم، تشعر أنك على هدى من الله، تشعر أن الله معك، تشعر أن الله يحبك، أن الله يؤيدك، لذلك الأنبياء العِظام، كانوا كما قال عليه الصلاة والسلام:
((أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءُ, ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ))
أصحاب النبي الكرام كانت حياتهم مشحونةً بالمتاعب، لكن هذه متاعب مقدَّسة في سبيل معرفة الله، في سبيل عقيدتهم، في سبيل مواقفهم، في سبيل إرضاء ربهم. فكيف يمكن لهذا العبد أن يرقى إلى الرب؟ شيء دقيق، ربنا عزَّ وجل خلق هذا المخلوق، ويريد من هذا المخلوق أن يرقى إليه، أن يصل إليه، أن يتَّصل به، ما السبيل؟ لا بدَّ من أن يخلقه على طبيعةٍ معيَّنة، ولا بدَّ من أن يأمره وينهاه، افعل ولا تفعل, لا بدَّ من أن يكون هذا الأمر مخالفاً لطبيعته، ولا بدَّ من أن يكون هذا الذي ينهاه عنه موافقاً لطبيعته، أودع فيه حب النساء وقال له: غضَّ بصرك, لكن هذه الشهوة التي أودعها الله فيه, جعل لها قناةً نظيفةً وحيدة، وليست على مزاجه.
فهناك شهوة أودعها الله في الإنسان وهناك تكليف، من معاني التكليف: أن فيه كلفة، يجب أن تغض بصرك، ومسموحٌ لك فقط أن تستمتع بما أحلَّ الله لك:
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾
[سورة النازعات الآية: 40]
أنت بهذا ترقى، المال، أودع فيك حب المال، لك أن تكسبه من طرقٍ شتَّى، قنن لك الطرق التي يمكن أن تكسب بها المال، لا بدَّ من أن تكسبه من حلال، وقنَّن لك الطرق التي يمكن أن تنفقه بها، إذاً: أنت لست حراً. هذا بشر الحافي أحد كبار أولياء الله، كان مسرفاً على نفسه في المعصية، وكان في مجلس خمر، طُرِق بابه، فإذا رجلٌ يقول لغلامه: قل لسيدك إن كان حراً فليفعل ما يشاء، وإن كان عبداً فما هكذا تصنع العبيد.
كانت هذه الكلمة لها وقعٌ في قلبه خطير، حمله على أن يدع كأس الشراب, وعن أن يتبع هذا الذي قال هذا الكلام، وعن أن يتبعه حافياً.
قل لسيدك إن كان حراً فليفعل ما يشاء، وإن كان عبداً فما هكذا تصنع العبيد؟.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6891/07.jpg
أي أنك في قبضة الله عزَّ وجل، أنت إذا قلت في أحد الأيام: الحمد لله، الأمور ميسَّرة, صحتي طيبة, فآلاف الأجهزة تعمل بانتظام؛ أجهزة عصبيَّة، وأجهزة دورانية، وعضلات، وأعصاب، فأي خللٍ طفيفٍ في جسمك يقلب الحياة إلى جحيم، فأنت في قبضة الله.
دقِّقوا في قوله تعالى، يقول الله عزَّ وجل :
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا
-ما معنى هذه الآية؟ أي أنت مخيَّر-: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا
-هو الإنسان موليها، أما الشيء الذي يُلفت النظر: لماذا قال الله عزَّ وجل- : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ
-لماذا؟ لأن هذا الاختيار موقَّت, لا تملكه إلى أبد الدهر، والدليل-: أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾
[سورة البقرة الآية: 148]
أنت الآن مخيَّر؛ لك أن تطيع أو أن تعصي، لك أن تفعل الصالحات أو أن تفعل السيئات ، لك أن تصلي أو لا تصلي، لك أن تحضر مجلس العلم أو تحضر مجلس لهو، أنت مخيَّر:
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ
-صاحبها موليها، يا عبادي-: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6891/08.jpg
-لأن هذه الميزة، هذه الخصيصة، هذا الاختيار الذي هو سر سعادتكم، وسر ارتقائكم عند ربكم, إنما هو موقَّت، لا بدَّ من أن يُسْلَبُ منكم حينما يأتي ملك الموت.
لذلك-:
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾
[سورة البقرة الآية: 148]
إذا جاء ملك الموت انتهى الاختيار، نحن جميعاً ما دام هذا القلب ينبض, نتمتَّع بفرصةٍ لا تعوَّض، أنت الآن مخيَّر, تستطيع أن تفعل الصالحات، تستطيع أن تتوب، تستطيع أن تستغفر، تستطيع أن تتقرَّب إلى الله عزَّ وجل، تستطيع أن تغضَّ بصرك، تستطيع أن تعيد الحقوق إلى نصابها:
﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ
-استبقوا؛ أي أن هذه الفرصة التي مُنِحتموها فرصةٌُ لا تعوَّض، وهي فرصةٌ موقَّتة, لا بدَّ من أن ننتهي-:
أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾
[سورة البقرة الآية: 148]
إذاً: سر سعادة المؤمن: أنه يشعر أنه على هدى من الله عزَّ وجل: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[سورة طه الآية: 123]
الآن الحياء: النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
تستحي، حياؤك يمنعك من معصية الله، تستحي أن تمدَّ بصرك إلى ما حرَّم الله، تستحي أن تأخذ ما ليس لك، تستحي أن تسُب إنساناً، تستحي أن تشتم، تستحي أن تعتدي على أعراض الناس، تستحي أن تأكل أموالهم بالباطل، إذاً الْحَيَاءُ -كما قال عليه الصلاة والسلام- كُلُّهُ خَيْرٌ .
لماذا تحدَّثنا عن الحياء؟ لأن من حقوق الطريق كفُّ الأذى، وكف الأذى لن يكون إلا بالحياء، لأن آخر ما أدرك الناس من كلام النبوَّة -كما ورد في البخاري-: إذا لم تستحِ فاصنع ما تشاء.
لهذا الحديث تفسيرٌ دقيقٌ جداً: إذا لم تستحِ فاصنع ما تشاء؛ أي عملٍ تزمع أن تفعله, زنه بميزان الشرع، فإذا فعلت هذا العمل وأنت لا تستحي من الله عزَّ وجل في فعلك إياه، هذا العمل افعله ولا تخش شيئاً، إذا لم تستحِ من الله في هذا الفعل فافعل ما تشاء، هذا المعنى الأول.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6891/09.jpg
فالبطولة: أن تملك الجواب لله عزَّ وجل، افعل ما تشاء, لكن بشرط أن كل موقف، كل حركة، كل سكنة: يجب أن تغطِّيها بجوابٍ صحيحٍ لله عزَّ وجل يوم القيامة إذا سألك، فإذا وزنت هذا العمل, ورأيت أنه يرضي الله، ولا تستحي به، فافعله ولا تخف، إذا وزنت هذا العمل بميزان الشرع, ورأيت أنه إذا واجهك الله به لا تستحي، لماذا ضربت هذا اليتيم؟ يا ربي أنا ضربته, لأنه لو كان ابني مكانه لضربته, هذا ميزان دقيق، إذاً: اضربه، إذاً: أدِّبه, لماذا حرمت زيداً؟ لأنه ينفق ماله في شرب الخمر يا رب, فأي عملٍ تحب أن تفعله, يجب أن تقيسه بالشرع، فإن جاء الجواب إيجابياً, فاصنعه ولا تخش شيئاً، هذا المعنى الأول.
المعنى الثاني: أنه إذا خلا قلب المؤمن من الإيمان، من لوازم الإيمان الحياء، فإذا لم يستح الإنسان يفعل أي شيءٍ قبيح، ما الذي يردعه عن فعل القبيح؟ حياؤه، هو لا يستحي, ما دام لا يستحي, إذاً: فليفعل كل شيء.
إذا لم تستحِ فاصنع ما تشاء .
والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا, وَإِنَّ خُلُقَ الإِسْلامِ الْحَيَاءُ))
[أخرجه ابن ماجة في سننه]
فربَّما تعرف المؤمن من غير المؤمن من حيائه، من سيره في الطريق، يغضُّ بصره، تعامله سنواتٍ طويلةً طويلة لا تستمع منه إلى كلمةٍ تخدش الحياء أبداً، لو أنه مزح فمزاحه شريف، مزاحه أديب لا يجرح الحياء، هناك أشخاصٌ كبار مثقَّفون يحتلون مناصب رفيعة، إذا دخلت إلى مجالسهم الخاصَّة, استمعت إلى مزاحٍ رخيصٍ يندى له الجبين، هذا الذي لا يستحي ليس مؤمناً:
الحياء من لوازم الإيمان.
الخُلق الصارخ للمؤمن الحياء؛ في تصرُّفاته، في جلسته، في مَشيه، في ثيابه، في طعامه، في شرابه، في ركوبه، في تعامله مع الناس، في مُزاحه، في لهوه، في مرحه، في جده، في عمله، في بيته, في كل هذه المجالات تراه صاحب حياء.
يبدو أن أحد أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يعظ إنساناً، فقال له النبي الكريم -وأظنه سيدنا الصديق-: ((دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم, ومالك في الموطأ]
أي لا تتعب نفسك، لو أنه مؤمن لاستحيا، وما دام لا يستحي فليس مؤمناً.
تروي سيدتنا عائشة: النبي -عليه الصلاة والسلام- كان أشد حياءً من المرأة في خدرها، مرَّةً جاءته امرأةٌ, فقالت له:
((كيف أطهر يا رسول الله؟ قال: خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا, قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: تَطَهَّرِي بِهَا, قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ, فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ))
النبي كان حَيياً، ما تكلَّم كلمةً تخدش الحياء إطلاقاً .
يا بنيتي, إن هذه الثياب تصف حجم عظامكِ.
ماذا يقول مكان عظامك؟ حجم ساقيك، حجم عضدك، أية كلمةٍ أخرى تثير الشهوة.
يا بنيتي إن هذه الثياب تصف حجم عظامكِ. ماذا قال الله عزَّ وجل؟ قال:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 5-7]
كلمة لطيفة جداً لا تخدش الحياء. الحقيقة: الإنسان إذا كانت فطرته صافية, لم تُطمس بالشهوات، وكان في حضرة عظيم، وهذا العظيم كامل، وهذا العظيم الكامل بيده كل أمره، وعنده ما لا عينٌ رأت, ولا أذنٌ سمعت, ولا خطر على قلب بشر، وعنده عذابٌ أليم، إذا كنت في حضرة عظيم, فإنك تستحي منه قطعاً.
فتصوَّر نفسك: لك شخص بالأسرة عظيم الشأن، له مكانة، أخلاقياته عالية، عالم جليل وزارك في البيت، كيف تستقبله؟ هل يمكن أن تستقبله بثيابٍ مبتذلة؟ لا، هل يمكن أن تسبَّ ابنك أمامه بسبابٍ مقذع؟ لا, هل يمكن أن تتمطَّى أمامه؟ لا، هل يمكن أن تتجشَّأ أمامه؟ لا, أنت في حضرة شخصٍ من بني البشر, تشعر أنك منضبطٌ في حضرته، فإذا شعرت أن الله معك دائماً؛ في خلوتك وفي جلوتك، في بيتك وفي عملك، هذا الشعور بمراقبة الله عزَّ وجل هو من ثمار الحياء، لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلا شَانَهُ -أذرى به- وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
الكلام الفاحش، والثياب الفاحشة المتبذِّلة، والتصرُّفات الفاحشة، والأفكار الفاحشة، والقصص الفاحشة.
((مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلا شَانَهُ -عابه- وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
الحديث الخطير: أن الحياء والإيمان قُرنا جميعاً، فإذا رفُع أحدهما رُفع الآخر، فلان لا يستحي أن فلان ليس مؤمناً، فلان ليس مؤمناً لا يستحي، فهناك علاقةٌ ترابطيَّة، لا يستحي ليس مؤمناً، ليس مؤمناً لا يستحي، انتهى الأمر، فمؤمن لا يستحي مستحيل، لا يجتمع فحشٌ وإيمان:
الحياء من لوازمه الإيمان.
لذلك: إذا كان لك صديق، أو جار، أو زميل في العمل, وفيه حياء, توسَّم فيه الخير، ما دام يستحي ففيه إيمان، تعهَّد هذا الإيمان، إذا أردت علامةً صارخةً على إيمان المؤمن؛ إنها الحياء.
النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ.
-هذه من للتبعيض؛ أي بعض صفات المؤمن الحياء-.
والإيمان في الجنَّة، والبذاء -هذه الكلمات البذيئة، هذه الكلمات الفاحشة، هذا المزاح الرخيص، وصف العورات، هذا الشيء الذي يندى له الجبين، الذي تحمرُّ منه الخدود، الذي يخدِش النفوس، هذا الكلام المؤذي-.
والبذاء من الجفاء.
-ما الجفاء هنا؟ البعد عن الله عزَّ وجل، من لوازم البعد: هذا الفحش في الكلام- والجفاء في النار))
حديثٌ خطير: ((الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ, وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ, وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ, وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ))
[أخرجه الترمذي في سننه, والإمام أحمد في مسنده, وابن حبان في صحيحه]
فلو أن الإنسان التقى بك وعاملك, يجب أن يعرفك مؤمناً لا من كلامك بل من أفعالك، يجب أن يعرفك أنك مؤمن، يقول: مؤمنٌ ورب الكعبة, لأنه فقط حَيي.
عندنا مقياس دقيق جداً، هذا المقياس: النبي -عليه الصلاة والسلام- أعطانا إياه، قال :
ما أحببت أن تسمعه أذناك فأَتْهِ، وما كرهت أن تسمعه أذناك فلا تأته.
فاجتنبه, أتحب أن تستمع إلى إنسان خائن، أو إنسان كاذب، أو إنسان له انحرافه؟ إذا أحببت هذا الذي تستمع إليه فأته، وإذا كرهته فلا تأته، هذا مقياسٌ دقيق من مقاييس الحياء.
أنواع الحياء :
1-الحياء من الله عز وجل :
الآن: الحياء أنواعٌ ثلاث، الحديث عن الحياء حديثٌ عن كف الأذى في الطريق، وكف الأذى أحد حقوق الطريق، هناك حياءٌ من الله عزَّ وجل، إذا أتيت أمره, وتركت نهيه، اجتنبت ما نهى الله عنه, فأنت تستحي منه، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ, قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ, قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ, وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ؛ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى -العينان، الأذنان، اللسان، الخواطر- وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى -أن تأكل طيباً- وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى))
إن فعلتم هذا فقد استحيّيتم من الله حقَّ الحياء, عندنا ميزان دقيق:
من لم يكن له ورعٌ يصدُّه عن معصية الله إذا خلا, لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله .
البطولة وأنت وحدك، وأنت في البيت لا أحد يطلع عليك، إذا كانت خلوتك كجلوتك، وإذا كانت سريرتك كعلانيَّتك، إذا كنت تخشى الله وأنت منفرداً كما تخشاه وأنت مجتمعاً، فأنت تستحي من الله حقَّ الحياء . 2-الحياء من الناس :
النوع الثاني من الحياء: الحياء من الناس:
النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((لا خير فيمن لا يستحيي من الناس))
لأن الحياء كل لا يتجزَّأ، سِمَة الحياء تظهر في حيائك من الله، وتظهر في حيائك من الناس، وتظهر في حيائك من نفسك. 3-الحياء من النفس :
الآن: لو أنك عملت عملاً فيما بينك وبين نفسك، وقد لا ينطوي على طاعةٍ أو معصية, لكن لا يليق بك أن تفعله وفعلته، إنك الآن لا تستحي من نفسك، والإنسان إذا انهارت مكانته عند نفسه اختل توازنه، شيء كبير جداً أن تنهار مكانتك عند نفسك، أي إذا فعلت شيئاً متعلِّقاً بالصحَّة أو بالنظافة فيما بينك وبين ذاته لا يتفق مع الكمال، لا أحد يطلع عليك، ولا أحد يحاسبك، وقد تكون هذه من المباحات، لكن تشعر أنك صغيرٌ أمام نفسك.
إذاً: الحياء من الله في طاعته واجتناب نواهيه، والحياء من الناس في أن تكفَّ الأذى عنهم، والحياء من نفسك أن تكون في المستوى المطلوب.
النقطة الدقيقة: الحديث الشهير الذي يقول فيه النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ))
لا يمكن، إنك إذا ربطت الطاعة بثوابها، وربطت المعصية بعقابها, لا يمكن أن تفعل المعصية، ولا يمكن إلا أن تأتي الطاعة، ولكن حينما تعزل الطاعة عن نتائجها، والمعصية عن نتائجها، إذاً: أنت في هذه اللحظة لست مؤمناً.
إذاً: ((لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ))
كيف يزني وهو يرى أن الله مطلعٌ عليه؟. إنسان أراد أن يزني بامرأة, فأغلق كل الأبواب، قالت له: إن هناك باباً لا تستطيع أن تغلقه؛ إنه باب الله, فاستحيا, أي إذا شعرت أن الله يطلع عليك وأنت متلبِّسُ في معصية، وكانت الفطرة سليمة والإيمان قوياً, عندئذٍ تكف عن محارم الله.
فأساس كف الأذى في الطريق الحياء؛ في لباسك، في حركاتك، في سكناتك.
فأحياناً الإنسان يريد أن يتجاوز دوره، هناك شيء له دور, يحس نفسه صغيراً أمام الناس، فهؤلاء كلهم من بني البشر، هؤلاء كلهم بشر لهم كرامتهم، فإذا تجاوزت هذا الصف ونلت شيئاً ليس من حقِّك، المؤمن يستحي أن يتميَّز على الناس، هذا من الحياء أيضاً، والحياء له أبواباً كثيرةٌ جداً, إذاً: الحياء من حقوق الطريق.
سعد بن عبادة :
بقي علينا فقرةٌ متعلِّقةٌ بسيدنا سعد بن عبادة, ذلك الصحابي الجليل الذي كان صريحاً مع النبي عليه الصلاة والسلام، حينما حدَّثناكم عنه في الدرس الماضي، وقد نقل للنبي موقف الأنصار، وكيف أن النبي -عليه الصلاة والسلام- وقف أكمل موقف حينما بيَّن فضلهم عليه، وفضله عليهم, وقال:
أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير, وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟.
الآن سيدنا سعد بن معاذ قيل: لا يذكر سعد بن معاذ إلا ويذكر معه سعد بن عبادة، فالاثنان زعيما أهل المدينة، سعد بن معاذ زعيم الأوس، وسعد بن عبادة زعيم الخزرج، كلاهما آمنا بالنبي -عليه الصلاة والسلام- في وقتٍ مبكِّر، وكلاهما بايعاه بيعة العقبة، ولكن الشيء الذي يتميَز به سعد بن عبادة: أنه قد ناله من عذاب قريش الشيء الكثير، وشيءٌ يلفت النظر: أنه من أهل المدينة، وأنه زعيم الخزرج، فكيف نالت منه قريش ما نالت؟.
يروي هو هذه القصَّة فيقول: -طبعاً حينما كان في بيعة النبي -عليه الصلاة والسلام في مكَّة- علم كفَّار قريش أنه بايع النبي، واتفق معه على أن يكونا في المدينة من الدعاة لهذا الدين الجديد، لذلك أرسل زعماء قريش من يلحقهم في الطريق، واستطاعوا أن يقبضوا على سعد بن عبادة، وأن يعيدوه إلى مكَّة ليعذِّبوه, الآن نترك له الكلام-، يقول:
فو الله إني لفي أيديهم إذ طلع عليَّ نفرٌ من قريش فيهم رجلٌ وضيء -أبيض اللون-شعشاع من الرجال -أي فيه نورانيَّة- فقلت في نفسي: إن يكُ عند أحدٍ من القوم خير فعند هذا الرجل -هو الآن في قبضتهم ويعذِّبونه- فلما دنا مني -هذا الرجل الوضيء، الأبيض، الشعشاع، والذي ظن به سعد بن عبادة خيراً- قال: فلما دنا مني, رفع يده فلكمني لكمةً شديدة ، فقلت في نفسي: لا والله ما عندهم بعد هذا من خير.
-أحياناً الإنسان يتوسَّم بإنسان الصلاح، يغره شكله، أناقته, وسامته الحسن, ينكشف أنه ذئب، ينكشف أنه شخص حقير، هو توسم به الصلاح، رآه أبيض اللون، وسيم القامة، شعشاع ، يظهر أن لونه أبيض-.
فلما دنا مني لكمني لكمةً, فقلت: والله ما عندهم بعد هذا من خير, قال: والله إني لفي أيديهم يسحبونني إذا أوى إليَّ رجلٌ ممن كان معهم, فقال: ويحك, أما بينك وبين أحدٍ من قريش جوار؟ -هو يعذَّب- قلت: بلى، كنت أجير لحُبَيْر بن مطعم تجارةً وأمنعهم ممن يريد ظلمهم ببلادي، وكنت أجير للحارث بن حربٍ بن أميَّة, قال الرجل: فاهتف باسم الرجلين - وهذه الجاهليَّة، هذا قبل الإسلام، يكفي أن تكون لك يدٌ, انظر هذا الموقف: يكفي أن تكون لكم يدٌ بيضاء على رجل من قريش، وأن تهتف باسمه فقط-.
قال له: كنت أجير لجبير بن مطعم تجارةً، وأمنعهم ممن يريد ظلمهم ببلادي، وكنت أجير للحارث بن حرب بن أميَّة, قال الرجل: فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما من جوار، ففعلت -الرجل نفسه- وخرج إليهما, فأنبأهما أن رجلاً من الخزرج يُضرب بالأبطح، وهو يهتف باسميكما، ويذكر أن بينه وبينكما جواراً، فسألاه عن اسمي؟ فقال: سعد بن عبادة, فقالا : صدق والله وجاءا فخلَّصاه.
هذه بالجاهليَّة قبل الإسلام، هؤلاء المشركون، هؤلاء الكفار, هكذا كانت أخلاقهم، يكفي أن تنطق باسمه، إن كانت لك عليه يد، يكفي أن تنطق باسمه، فيأتي هذا لينقذك مما أنت فيه .
سيدنا سعد بن عبادة إضافةً إلى هذه المحنة التي تحمَّلها، كانت له صفات، هذه محنة أكَّدت طبعه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6891/10.jpg
وكما قلت لكم دائماً: سيدنا الشافعي سُئل: أندعو الله بالتمكين أم بالابتلاء؟ فقال -رضي الله عنه-: لن تمكَّن قبل أن تبتلى.
أي إن الله عزَّ وجل لا بدَّ من أن يمتحن عباده في السرَّاء والضراء، في الضيق والرخاء، في العطاء والمنع، في إقبال الدنيا وإدبارها، في الصحة والمرض، في الغنى والفقر ، في الرفعة والضعف، في كل ألوان الحياة.
سيدنا سعد كان من الأثرياء، سخَّر أمواله لخدمة المهاجرين، وكان هو جواداً إلى أعلى حدود الجود.
الرواة يروون: أن جفنته –الجفنة: قصعة الطعام الكبيرة؛ أي حلَّة كبيرة، هذا الخوان الكبير- كانت جفنة سعدٍ تدور مع النبي -صلى الله عليه وسلَّم- في بيوته جميعاً حيثما دار، وكان الرجل من الأنصار ينطلق إلى داره بالواحد من المهاجرين، أو بالاثنين، أو بالثلاثة، وكان سعد بن عبادة ينطلق بالثمانين.
الأنصار -رضي الله عنهم- وقفوا موقفاً أخلاقياً من المهاجرين, طبعاً هذا الموقف تاريخي، لكن أتمنَّى أن يكون كل مؤمن كذلك .
الحقيقة: السيرة لها مقصد بعيد جداً، ماذا يفيدك أن تعلم أن الأنصار تقاسموا مع أخوانهم المهاجرين أموالهم؟ هذه فكرة تاريخيَّة وقعت وانتهت وانتهى أمرها، وأصحابها تحت أطباق الثرى، ولكن الذي يفيدنا من السيرة -من سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام-, ومن سيرة أصحابه الكرام- أن تكون هذه المواقف قدوةٌ لنا، أخ ضعيف يجب أن ينهض له أخوته الكرام بالمعونة، والمساعدة، والتضحية، والإيثار, هذا هو الحد الأدنى في الإيمان.
فكان الرجل من الأنصار ينطلق إلى داره بالواحد، أو بالاثنين، أو بالثلاثة، وكان سعد بن عبادة ينطلق بالثمانين. هذا الصحابي الجليل له دعاءٌ يقول فيه: اللهمَّ إنه لا يصلحني القليل، ولا أصلح عليه.
هناك إنسان كريم؛ يحب أن يعطي، يحب أن يكرم، يحب أن يطعم الفقراء، يعين المحتاجين، يغيث المستغيثين، مثل هذا الإنسان يحتاج لدخل كبير، قال: يا رب, إنه لا يصلحني القليل ولا أصلح عليه.
والنبي -عليه الصلاة والسلام- فيما يرويه عن ربه يقول: إن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى، فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه".
كريم جداً, سخي، لا يقر له قرار إلا إذا أعطى، وهناك إنسان على الغنى يفسُق:
﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾
[سورة الشورى الآية: 27]
إن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه.
هناك حكمة بالغة .
النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما رأى سيدنا سعد بهذا الكرم، وهذا السخاء، وهذه النجدة، وهذه المروءة، وهذا العطاء، وهذه التضحية، وهذا الفداء, ماذا كان يفعل؟.
كان عليه الصلاة والسلام يرفع يديه إلى السماء ويقول:
((اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6891/11.jpg
دعاء النبي مستجاب.
وسيدنا ابن عبَّاس يقول: كان للنبي -عليه الصلاة والسلام- في المواطن كلها رايتان؛ مع علي بن أبي طالب راية المهاجرين، ومع سعد بن عبادة راية الأنصار.
والصفة الأخيرة التي تحدثنا عنها في الدرس الماضي: صراحته البالغة حين قال للنبي -عليه الصلاة والسلام-: إن هذا الحيَّ من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم. هذه بعض اللمحات عن هذا الصحابي الجليل، والذي أتمنَّاه دائماً: أن تكون هذه القصص نبراساً لنا في طريق الإيمان، نبراساً، مشعلاً وضَّاء، مثلاً أعلى، قدوة، فنحن مؤمنون والحمد لله رب العالمين، والإنسان إذا كان مؤمناً يجب أن يقول: مؤمن -والقضيَّة بحثها العلماء- مؤمن والحمد لله, فنحن مؤمنون والحمد لله، وهؤلاء أصحاب النبي -عليهم رضوان الله- هكذا كانوا، وهذه أخلاقهم، فإذا كنا مؤمنين ينبغي أن نقتدي بهم.
سيدنا سعد تحمَّل الأذى، سيدنا سعد كان معواناً لأخوانه، سيدنا سعد كان شجاعاً، سيدنا سعد كان كريماً، سيدنا سعد كان مؤثراً .

السعيد
09-05-2018, 01:32 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الثانى و العشرون )


الموضوع : الامر بالمعروف والنهى عن المنكر - قيس بن سعد بن عبادة




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حق الطريق:
أيها الأخوة الأكارم, لا زلنا في موضوع الحقوق، ولا زلنا في موضوع حقوق الطريق، ومن آخر حقوق الطريق: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
قد يتوهم المسلمون توهماً خاطِئاً: أن العبادات الشعائرية هي كل الإسلام، وأعني بالعبادات الشعائرية؛ الصوم، والصلاة، والحج، والزكاة، فمن صام وصلى وحج وزكى، فقد أدى كل شيء، مع أن الله سبحانه وتعالى جعل هذه العبادات الشعائرية، جعلها مناسبةً لعروج النفس إلى ربِّها، على أساس أنها في العبادات التعاملية قائمةٌ بها خير قيام، فمن توهَّم أن أمر الله عزَّ وجل يقتصر على الصلاة والصوم والحج والزكاة, فقد ضل ضلالاً كبيراً.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
الله سبحانه وتعالى حينما يقول:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 104]
هذه اللام لام الأمر، الفعل المضارع إذا سبقه لام الأمر, يصبح فعل أمرٍ قولاً واحداً، وكل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، إذاً: الأمة بمجموعها مأمورةٌ بنص القرآن الكريم, وبآية ذات دلالةٍ قطعية: أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر. السؤال الدقيق: ما المعروف؟ المعروف: ما تعارف الناس على أنه يرضي الله عزَّ وجل، والمنكر: ما أنكره الناس، وأنكره الشرع، وأنكره الحق.
الإنسان خلق الله له فطرةً سليمة، الحلال بيِّن والحرام بيِّن:
استفتِ قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك.
كل واحد منا مفتي، الذي يرضي الله أنت تعرفه تماماً؛ يرضيه أن تكون صادقاً، يرضيه أن تكون مخلصاً، يرضيه أن تكن وفيَّاً، يرضيه أن تكون مستقيماً، يرضيه أن تكون أميناً، يرضيه أن تزكو نفسك، يرضيه أن تجتنب المنكرات، هذا الذي يرضيه.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6892/01.jpg
الإنسان فطرته السليمة هي التي تحاسبه، بل إذا حوسب الإنسان, إنما يحاسب على فطرته.
الحديث الشريف الذي تعرفونه جميعاً، لو طبقه الناس لأغلقت المحاكم أبوابها: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك.
عامل هذه الزوجة كما تحب أن تعامل ابنتك المتزوِّجة، عامل هذا الشريك كما تحب أن يعاملك، عامل هذا الصانع كما تحب أن يعامل رجلٌ ابنك إذا كان عنده صانعاً، الحلال بيِّن، الحرام بيِّن، الفطرة سليمة، فمن نعم الله الكبرى, أكبر معوانٍ لنا: أن الله سبحانه وتعالى فطرنا فطرةً عالية، فإذا انحرف الإنسان عن طريق الحق؛ إذا اعتدى، إذا أخذ ما ليس له، إذا تجاوز، إذا استعلى، إذا فعل شيئاً لا يرضي الله, تنكره الفطرة، ينكره ما يسميه اليوم الناس الضمير، الضمير هو الفطر، في الإنسان إحساس سليم، إذا كنت صافياً أنت المفتي، أنت المقياس.
طبعاً: إذا اختلفت الأمور، إذا انطمست الفطرة، إذا علا هذه الفطرة الرَّان، إذا الشهوات طمست معالم هذه الفطرة، يأتي الشرع، الشرع ينطبق على الفطرة، والفطرة تنطبق على الشرع، فما هو المعروف؟ الذي جاء به الشرع، والذي تقره الفطرة, ما هو المنكر؟ الذي أنكره الشرع وأنكرته الفطرة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6892/02.jpg
فدائماً اجعل حساباً فيما بينك وبين نفسك، لماذا تكلمت هذه الكلمة؟ لماذا وقفت هذا الموقف؟ لماذا منعت؟ لماذا أعطيت؟ لماذا وصلت؟ لماذا قطعت؟ الفطرة السليمة مقياسٌ دقيق، لكن لئلا يدَّعي كل إنسان أن فطرته أمرته بهذا، إذا كانت الفطرة ميزاناً, فميزان هذا الميزان هو الشرع، بماذا أمر الله عزَّ وجل؟ عن ماذا نهى؟ لذلك: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 104]
المشكلة: أن المجتمع بحاجة إلى تنوير، بحاجة إلى توجيه، وهؤلاء الذين سمح الله لهم أن يوجِّهوا الناس، إما لصدقٍ فيهم، أو لإخلاصٍ عندهم، أو لتطلعٍ إلى مرضاة الله عزَّ وجل، هذا شرفٌ كبير، هذه صنعة الأنبياء، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يفتح هذا الباب لكل خلقه، قال:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 104]
الباب مفتوح، وفي غير هذا المجال الأبواب مغلقة، أريد أن أذهب بعثةً، نقول: ليس هناك شواغر، الشواغر ملئت، هذا يقال عند الناس، هذا الكلام ينطبق على أنظمة الناس، لكن عند الله سبحانه وتعالى الأبواب كلها مفتوحة، الشواغر كلها ميسورة، فإذا أردت أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر، فهذه أعلى مرتبة من العمل الصالح.
وأضرب على هذا مثلاً:
أبٌ غني الحال، رفيع المقام، له ابنٌ شارد، أعظم عملٍ تقدِّمه لهذا الأب: أن تأخذ ابنه وتعيده إليه طائعاً باراً، قد يقول هذا الأب: إنك بهذا العمل أسرتني حتى الموت، إن هذا الإحسان لا أنساه لك حتى الموت, إذا كانت رحمة الأب بابنه هكذا، فكيف رحمة الرب بالعبد ؟ فإذا سمح الله لك أن تدلَّ الناس على الخير:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 104]
لاحظ هذه الكلمة خير: كلمة جامعة، كلمة شاملة؛ خير الدنيا، خير الآخرة، الخير النفسي، الخير الاجتماعي، الخير الصحي، الخير في الدين، الخير في الآخرة، السعادة البيتية ، السعادة في العمل:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 104]
الخير كله في معرفة الله، الخير كله في السيَر على منهجه، الخير كله في مرضاته، الخير كله في الإقبال عليه، الخير كله في التقرُّب منه، الخير كله في خدمة خلقه:.
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 104]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6892/03.jpg
فالمؤمن الصادق إذا امتلأت نفسه بالحق، هذه النفس ملئت بالحق، يجد نفسه أنه مدفوعٌ إلى أن ينقل هذا الحق إلى الآخرين، هكذا الإيمان، لذلك هذا الذي يقول: أنا ما شأني وما شأن الناس، ما لي ولهم؟ إنهم ضالون فاسقون، فاجرون، كافرون، أنا قد هداني الله عزَّ وجل, لا زلت في أول الطريق، ما دمت قد انسحبت من المجتمع, ولم تشعر بمشاعر هؤلاء، لم تعطف عليهم، فأنت في أول الطريق، هؤلاء جميعاً عباد الله، هؤلاء جميعاً عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله, لذلك هذه الآية الكريمة:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 104]
لكن كلمة: منكم؛ هذه من للتبعيض، أي أن هناك بشرٌ قادرون على نشر الحق، قادرون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأسبابٍ كثيرة، لأنهم تعلَّموا، ولأنهم عملوا بما علموا، ولأنهم أخلصوا، فإذا كنت لا تعلم، وجمعت هذا الشخص الذي ترجو له الخير مع من يعلم, فلك أنت أجر الوسيط، لأن الدعوة إلى الله تحتاج إلى علمٍ متين، وإلى عملٍ بهذا العلم، وإلى إخلاصٍ شديد، وإلى الشعور بالمسؤولية، وإلى تواضع، وإلى التحلِّي بخلق الأمانة، هذه الصفات -إن شاء الله- نمر عليها بدروس قادمة. إذاً:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 104]
لا يتحقق الفلاح في الأمة إلا إذا دعت إلى الخير، فإذا سمح الله لك أن تدعو إلى الخير, فهذه صنعة الأنبياء. والله عزَّ وجل فقال :
﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾
[سورة طه الآية: 41]
يخاطب في هذه الآية سيدنا موسى، أي إنه لشيءٌ عظيم أن يعدك الله لخدمة عباده، أن يعدك لنشر الحق والباب مفتوح، فإذا أردت أعلى أنواع العمل الصالح، إذا أردت أن تكون عند الله مرضياً، إذا أردت أن تكون عنده في مقعد صدق، إذا أردت أن تكون مقرَّباً من الله عزَّ وجل، إذ أردت أن تكون من السابقين السابقين، من هؤلاء الذين باعوا أنفسهم في سبيل الله، فأمر بالمعروف وانه عن المنكر, فالإنسان له جيران، له زملاء في العمل، له أقارب، له أصهار، له أبناء، له بنات، له أعمام، له أخوال، له جيران، له أشخاص, تعرف إليهم في ظروف معينة، هؤلاء جميعاً مادتك إلى الله عزَّ وجل.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6892/04.jpg
إذاً: الآية الكريمة تأمرنا:
﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 104]
ولا تنس أيها الأخ الكريم أنك تنتمي إلى أمة النبي عليه الصلاة والسلام، وأمة النبي -عليه الصلاة والسلام- جعلها الله أمةً وسطاً.
من معاني هذه الآية: أن هذه الأمة جعلها الله وسيطةً بين الخلق وبين الحق، بمجرَّد أنك تنتمي إلى أمة النبي -عليه الصلاة والسلام- كأن الله سبحانه وتعالى علم فيك الخير، فلا تكن إلا في هذا المستوى الذي أنت فيه، لقول الله عزَّ وجل:
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 110]
هذه الآية يفهمها الناس فهماً مغلوطاً، لماذا كنتم خير أمةٍ؟ لأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، فما علة الخيرية في هذه الآية؟ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا انطبقت هذه الآية على مجتمع، أو على أمة، كذلك تنطبق على فرد، أي إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، أصبحت بهذه المهمة من خير الناس، ألا يحب أحدنا أن يكون خير الناس ؟ هذه هي العلة. والعلماء يقولون في تفسير هذه الآية: إنكم يا أمة محمد, لأن الله سبحانه وتعالى خصَّكم بهذه الرسالة، أصبحتم بهذه الدعوة خير أمة، لكن ليس المقصود أمة التبليغ, بل أمة الاستجابة، لأنكم دعيتم إلى الهدى, فأنتم مظنة صلاحٍ من قبل الله عزَّ وجل، فإذا دعيتم ثم استجبتم, أصبحتم بهذه الدعوة وبتلك الاستجابة خير أمةٍ أخرجت للناس، وما ينطبق على المجموع ينطبق على المفرد، أي إن الله عزَّ وجل عادل، فإذا استجبت أنت لله عزَّ وجل، ودعوت إلى الخير، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، كنت بهذه الاستجابة من خير الناس.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6892/05.jpg
والإنسان عليه أن يكون طموحاً، وعلو الهمة من الإيمان، وهذه الحياة فانية، والعمر محدود, والوقت ثمين، والأعمال كلها بأثمانها، هناك أعمالٌ لا جدوى منها، وهناك أعمالٌ تافهة:
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾
[سورة الفرقان الآية: 23]
هناك أعمالٌ سخيفة:
إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها ودنيَّها .
فاسأل نفسك هذا السؤال: ما الذي يعنيك وأنت في هذه الدنيا؛ أيعنيك هدفٌ كبير؟ أتسعى إلى عملٍ عظيم؟ أتسعى إلى مرضاة رب العالمين؟ أتسعى إلى أن تكون من المقربين؟ أتشعر أن الله يحبك؟ أن الله ينظر إليك بعين الرحمة؟ القضية باستقامتك على أمره وبعملك الصالح: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 71]
الإنسان أحياناً يجد صعوبة في الحديث عن الله عزَّ وجل، أو في الأمر بالمعروف، أو في النهي عن المنكر، لا تصدق أنك بقدرتك وحدك تستطيع أن تحدث أثراً إيجابياً في هذا الإنسان، لا، لك أن تعزم على هذا العمل، لك أن تتجه إليه، لك أن تتخذ بعض الوسائل، وانتهى الأمر، لكن الله سبحانه وتعالى بكرمه العظيم يحدث هذا الأثر الإيجابي في نفس السامع:
فإذا أراد ربك إظهار فضله عليه، خلق الفضل ونسبه إليك.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6892/06.jpg
أيها الأخوة الكرام, هناك من ذاق طعم الدنيا، هناك من ذاق الطعام والشراب، وتناول أطيب الأكلات، هناك من ذاق ما في الدنيا من مباهج حلال، لكن الذي يذوق طعم هداية الناس, هذا الطعم لا ينسى؛ أن تشعر أن الله سبحانه وتعالى وظَّفك عنده، أن تشعر أن الله جعلك مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، أن تشعر أن الله خصك بهذا الفضل العظيم، هذا شعور لا يساويه شعور آخر، والباب مفتوح، وأنا أدفعكم إلى ذلك، فالإنسان يدخل بقائمته: أن فلان صديقي فيه خير، هذا الجار عنده حياء فيه خير، هذا فلان يحتاج إلى نصيحة، هذا يحتاج إلى معاونة، هذا يحتاج إلى توجيه، هذا يحتاج إلى إكرام، إذا استيقظت على هموم خدمة الخلق, تولَّى الله مصالحك.
((اعمل لوجه واحد يكفيك الوجوه كلها))
((مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ, كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ))
[أخرجه ابن ماجة في سننه]
فلذلك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه فريضةٌ بعد الفرض، بل إن بعض الفقهاء عدَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الفريضة السادسة، كيف أنك تحج والحج فرض؟ كيف أنك تزكِّي والزكاة فرض؟ كيف أنك تصوم والصيام فرض؟ كيف أنك تصلي والصلاة فرض؟ يجب أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر، ولكن قبل أن تأمر بالمعروف وقبل أن تنهى عن المنكر: يجب أن تكون عالماً بالمعروف والمنكر، يجب أن تكون عالماً بالله، يجب أن تكون عالماً بشرعه، يجب أن تكون عالماً بالطريقة المُثلى للأمر بالمعروف، الطريقة التربوية، يجب أن تعرف الله أولاً, لأنك إذا أمرت بالمعروف تدعو إليه، تقول: هذا أمر الله، والله كذا وكذا، خالق الكون، صاحب الأسماء الحسنى, يجب أن تعرف الله ، وأن تعرف أمره، وأن تعرف الطريقة الناجحة، الطريقة التي سنَّها النبي -عليه الصلاة والسلام- للدعوة إلى الخير، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
((من أمر بمعروف, فليكن أمره بمعروف))
((لَمْ يَدْخُلِ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ, وَلَمْ يُنْزَعْ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6892/07.jpg
الهدف النبيل له وسيلةٌ نبيلة، الهدف الشريف له طريقةٌ شريفة، الهدف العظيم له أسلوبٌ رفيع، القضية بالتؤدة، وباللطف، وبالإحسان، وبالملاحظة، وبالذوق:
من أمر بالمعروف, فليكن أمره بمعروف. أول بندٍ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن تكون أنت متمثلاً لهذا الأمر وذاك النهي، حتى تقنع الناس بأنك صادق، إذا كنت أنت في واد وأمرك في واد, هذه ليست دعوةٌ إلى الله، هذه حرفة، هذه مصلحة، هذا تجمُّع ليس على حق، لن تستطيع أن تأمر بالمعروف إلا إذا أمرت نفسك، لن تستطيع أن تنهى عن المنكر إلا إذا نهيت نفسك .
إذا كنت في الطريق, لك جار رأيته يأكل مالاً حراماً، رأيته يتعامل مع الناس تعاملاً محرماً، رأيته يبيع بضاعةً محرمة، رأيته يقسو في أسعاره على الناس، رأيته يستغل حاجتهم لهذه السلعة، إذا رأيت جاراً لك, يجب أن يرى منك الكمال، يجب أن يرى منك الالتزام بأوامر الدين، إذا رآك في موضعٍ كريم، إذا رآك في موضعٍ منزَّه عن الانحراف، إذا تكلَّمت بكلمة لهذا الإنسان فإنه يستجيب لك، فليس من الكمال أن تجعل نفسك كل همك، اجعل الناس كل همِّك، هذا من الفريضة السادسة. الآية الأخيرة :
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾
[سورة الحج الآية: 40]
أنت إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فكأنك تنصر دين الله، إذا فُعِلَت الفاحشة وسكتنا عنها، الانحراف سكتنا عنه، هذا سكتنا عنه، ماذا يكون؟ يستشري الشر، فلذلك:
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾
[سورة الحج الآية: 40-41]
على نطاق البيت : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾
[سورة طه الآية: 132]
ففي بيتك مأمور أن تأمر، في عملك مأمور أن تأمر، في نُزهتك مأمور أن تأمر، في حِلِّك وترحالك مأمور أن تأمر، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفرائض الواجبة في نص القرآن الكريم.
ما مقومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ :
الآن: ما الوسيلة أو ما مقومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
الآية الكريمة توضح هذه الوسيلة، يقول الله سبحانه وتعالى :
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾
[سورة النحل الآية: 125]
ما هي الحكمة؟ وردت الحكمة في بعض الآيات الكريمة : ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 164]
الكتاب هو القرآن، والحكمة هي السُنَّة، أما هنا الحكمة لها معنىً آخر، الحكمة: العلم الذي تعمل به، إذا تعلَّمت ولم تعمل فلست حكيماً، وإذا عملت ولم تعلم فلست حكيماً، من هو الحكيم؟ الذي يعمل بما يعلم، الذي يعلم بما يعمل، الذي يطبِّق علمه، يعتقد شيئاً ويفعله، هذا الذي يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. هذا الشيخ الذي زار أحد تلاميذه، لهذا التلميذ عبدٌ عنده، هذا العبد قال مخاطباً شيخ سيِّده: يا سيدي, لو تأمر سيدي أن يعتقني, فقال هذا الشيخ: أفعل إن شاء الله, مضى الأسبوع تلو الأسبوع, والشهر تلو الشهر, ولم يستجب هذا السيد, ويعتق عبده, لأن الشيخ لم يأمره بذلك, حدث أن زار الشيخ هذا السيد مرةً ثانية، قال له العبد: يا سيدي لو تأمر سيدي أن يعتقني, قال: أفعل إن شاء الله, أيضاً مضى الأسبوع والأسبوعان والشهر والشهران ولم يعتقه سيده، لأن الشيخ لم يكلمه بذلك, المرة الثالثة لفت نظره، وبعد أيامٍ جاء سيده وأعتقه .
بقي سؤالٌ عند هذا العبد: ما دام الأمر لا يكلِّف الشيخ إلا كلمةً واحدة، فلماذا لم يقل له من وقتٍ طويل؟ التقى به رابعةً وعاتبه, فقال له: يا ولدي لقد أتعبتني، لقد أرهقتني, إنني وفرت من مصروف يومي ما أعتق به عبداً، بعد أن أعتقت عبداً, أمرت سيِّدك أن يعتق عبداً، فكانت الاستجابة .
إذا أردت أن تدعو إلى الله عزَّ وجل, فعاهد نفسك ألا تقول كلمةً إلا إذا طبَّقتها، ألا توجِّه توجهاً إلا إذا كنت في مستواه، ألا تنهى عن شيءٍ إلا إذا كنت أسرع الناس في تركه، إذا فعلت ذلك, فأنت مؤهَّلٌ عند الله عزَّ وجل أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر.
يجب أن تبقى هذه الآية في أذهانكم ماثلة:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾
[سورة النحل الآية: 125]
هذه الباء للاستعانة : ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾
[سورة النحل الآية: 125]
أنا آكل بالملعقة، أنا أكتب بالقلم، الباء للاستعانة :
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾
[سورة النحل الآية: 125]
بماذا؟:
﴿بِالْحِكْمَةِ﴾
[سورة النحل الآية: 125]
ما الحكمة؟ أن تتعلم العلم وأن تعمل به.
الآن: أنت مؤهل أن تتعلم العلم وأن تعمل به، إذاً: طلب العلم فريضة، طلب العلم حتمٌ واجب على كل مسلم، لأنك إذا أمرت بالمعروف, قلت له: هذه حرام, لماذا هي حرام؟ لا أعرف, افعل كذا, لماذا؟ ما الدليل؟ لا تعرف الدليل.
قالوا: وضع المبلغ في مصرف أجنبي, يمكن أن تأخذ عليه فائدة.
هناك فتوى, فهل أنت عندك علم بهذا الموضوع؟ عندك ملابسات الموضوع, هذا لا يؤدي إلى إضعاف الكفار، بل يؤدي إلى تقويتهم، أنت إذا نقلت مالك إلى بلدٍ أجنبي, وأخذت عليه ربا، أنت قوَّيت هذا البلد، فإذا أردت أن تدعو إلى الله عزَّ وجل, يجب أن تعرف بالضبط ما أمر الله عزَّ وجل وما نهيه، وأن تعرف الدليل.
إذاً: إذا قال الله لك:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾
[سورة النحل الآية: 125]
أي استعن أنت بهذه الدعوة بالحكمة، الحكمة أن تكون عالماً عاملاً، تعلم واعمل، تفهَّم وطبِّق، ادرس ونفِّذ، فالناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، لو بقيت ساكتاً وكنت مثلاً أعلى لدعوت إلى الله، قد تستطيع أن تدعو إلى الله وأنت ساكت، إذا كنت متمثلاً بأخلاق الإسلام، بمبادئ الإسلام, فأنت من الدعاة، بل إن بلاداً كبيرةً تعدُّ مئات الملايين في شرقي آسيا، بل في جنوبي شرقي آسيا أسلمت عن طريق التجار، عن طريق الصدق والأمانة.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6892/08.jpg
وأنا أقول لكم دائماً: أنت في عملك تستطيع أن تكون داعيةً صامتاً، إذا كنت صادقاً مع الناس، إذا كنت مخلصاً، إذا كنت أميناً، إذا كنت ورعاً، إذا كنت عفيفاً، الناس لهم عيون، الناس لا يتعلمون بآذانهم، يتعلمون بعيونهم، يرونك؛ يرون ورعك، يرون عفتك، يرون صدقك ، يرون أمانتك، هذا هو الدين.
أقول لكم دائماً: المبادئ النظرية وحدها لا تكفي، مهما كان في الإسلام مبادئ نظرية عميقة، وعليها ألف دليل ودليل، مبادئ منطقية تطابق الواقع، تطابق القيَم، تطابق المنطق حبرٌ على ورق، ما لم يأت إنسان ويتمثَّل هذه المبادئ، إذا تمثَّل الإنسان هذه المبادئ, أصبح داعيةً قبل أن يدعو، قبل أن يقول شيئاً، فالأب إذا كان في بيته مثالياً, صار داعيةً وهو لا يدري، الموظف إذا كان مثالياً في عمله، كان مخلصاً صادقاً يخدم الناس، وإذا ذهب ليصلي أمام زملائه, قالوا: هذه الصلاة تتناسب مع هذه الأخلاق، هذه الأخلاق من هذه الصلاة, أما إذا كان مؤذياً للناس، يعرقل مصالحهم، فإذا أذَّن الصبح, ذهب ليصلي ويستريح ساعة، توقع الناس أنت في إشكال، كيف يصلي ويفعل هذا؟ كيف يصلي ويأكل المال الحرام؟:
﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾
[سورة الماعون الآية: 2]
هو نفسه، فأنت عندما تخلق للناس مشكلة فكرية، أنت مسلم؛ تصلي، تصوم، تحج، تزكي، ولك أعمال لا ترضي الله عزَّ وجل، أنت بهذا توقعهم في حيرة، أنت تهزُّهم، تبلبلهم، تشككهم في الدين, من هؤلاء القلة القليلة التي تقول: هذا ليس من الدين؟ الدين أرقى من ذلك, هؤلاء قلة، أما الكثرة يقولون: إذا كان هذا هو الدين, فنحن كافرون بهذا الدين, هنا المشكلة. الآن بالمقابل: إذا كان الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر، متى يفعل الإنسان فعلاً مضاداً لهذا؟ الفعل الطيِّب أن تتعلم العلم، وأن تعمل به، وأن تتخذ الأسلوب الحسن في الدعوة إلى الله، فهل هناك أناسٌ يفعلون عكس ذلك؟ المؤمن يقرِّب الناس من الله عزَّ وجل بمنطقه، بأخلاقه، بإحسانه، لكن هل هناك أناسٌ يبعدون الناس عن الله عزَّ وجل؟ من هم؟ هؤلاء الذين لهم مظهرٌ ديني وأعمالهم سيئة، هنا يكمن الخطر.
إنسان مظنة صلاح، محسوبٌ على المسلمين، معروفٌ بين أهله؛ أنه يصلي وأنه قد حج ثلاث مرَّات، واعتمر سبع مرات، ويرتاد المساجد، فإذا أكل هذا الإنسان مالاً حرماً، هنا تقع المشكلة، أستثني بعض الناس، هؤلاء المتبصرون، هؤلاء العميقون، هؤلاء الذين لا يأخذون الدين من الأشخاص، الدين عندهم في السماء، والأشخاص إن طبقوا لهم، وإن لم يطبقوا فعليهم، لكنني أريد عامة الناس، تجار السوق، رأوا أحدهم يصلي، يرتاد المساجد، فإذا أكل مالاً حراماً، فإذا كذب، فإذا انحرف، فإذا غش، هذا الإنسان يقف في موقعٍ مضادٍ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هنا الخطر.
فإذا أردت أن تكون من أفضل الناس, فتعلم العلم واعمل به وادعُ إليه, المقابل: وإذا أراد الإنسان أن يكون أسوأ الناس، فليتزيَّ بالدين وليكن عمله سيئاً، إنه يدعو الناس إلى أن يكفروا بالدين, بالطبع عامة الناس، لذلك سيدنا علي ماذا قال؟
قال: قوام الدين والدنيا أربعة رجال -من هؤلاء الرجال؟- عالمٌ مستعملٌ علمه، فإذا ضيع العالم علمه، استنكف الجاهل أن يتعلم.
الكلمة التي تدور على ألسنة الناس دائماً: هذا يصلي ويكذب، يصلي ويغش، هذا ليس دين، أنا لا أريد هذا الدين, هذا كلام عامة الناس.
لذلك: هؤلاء الذين أسلموا عن طريق الفكر خارج هذه البلاد الإسلامية، ثم جاؤوا إليها ، أنا إذا التقيت بأحدهم أقول له: هنيئاً لك إسلامك قبل أن تعرف المسلمين، فإذا عرفت المسلمين, أغلب الظن أنك لم تسلم، تجد كذباً، وغيبة، ونميمة، وغشاً, واحتيالاً, أساليب مقيته، وهم يصلون، ويستمعون إلى المدائح النبوية، ويقرؤون القرآن، هذا السلوك لا قيمة له عند الله أبداً، يجب أن تعرف أن الله سبحانه وتعالى لا يرضى عنك إلا إذا كنت كما يريد، أما إذا كنت كما تريد وتوهم الناس أنك تحب الله عزَّ وجل، قد تستطيع أن تخدع الناس جميعاً لأمدٍ قصير ، وقد تستطيع أن تخدع واحداً لأمدٍ طويل، أما أن تخدع الله وأما أن تخدع نفسك, فهذا من المستحيل:
﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾
[سورة النساء الآية:142]

هذه الآية دقيقة : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾
[سورة النحل الآية: 125]
استعن لهذه الدعوة بالحكمة, الحكمة أن تكون عالماً عاملاً، عاملاً عالماً، أن تعرف وأن تطبق.
الآن عندنا أسلوب، الآن دخلنا في التربية، التربية هي الطريقة المثلى لنقل المعرفة:
أنت الآن أمام إنسان متلبس بألف معصية، فإذا قلت له: هذه معصية، وهذه معصية، وهذه حرام, كبر عليه الأمر, وترك هذه الدعوة، ليس من الحكمة أن تنفِّر الناس، ليس من الحكمة أن تشدد عليهم في بادئ الأمر، ليس من الحكمة أن تزدريهم، ليس من الحكمة أن تستعلي عليهم، ليس من الحكمة والموعظة الحسنة أن تجعلهم يشعرون بالصَغار أمامك، لا، الموعظة الحسنة أن تؤثر فيهم بالحسنى لا عن طريقٍ آخر.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6892/09.jpg
إذاً: ومن طلب هداية الناس بصدق, ألهمه الله الطريقة المُثلى.
الطريقة الآن شيء آخر غير العلم، أن تكون عالماً عاملاً شيء، وأن تملك الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله شيءٌ آخر.
أحياناً: النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((بعثت بمداراة الناس))
هذه الباء للاستعانة أيضاً، لو قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((بعثت بمداراة الناس))
أصبحت المداراة هدفاً, لا، المداراة وسيلة، أنا أستعين على هدايتهم بمدارتهم، ما هي المداراة؟ بذل الدنيا من أجل الدين, أما المداهنة: بذل الدين من أجل الدنيا، إذاً: هذا حديث: .
من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف ": ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
حبَّذا إذا قرأ أحدكم القرآن، أو اطلع على السنة النبوية: أن يكتشف الأحاديث التي تبين لك كيف تدعو إلى الله؟ أي ما يتعلَّق منها بالنواحي التربوية، هذه الأحاديث قيَّمة جداً، إذاً: المداراة أحد الأساليب، هذا الذي تدعوه إلى الله له مشكلة دنيوية, يجب أن تحلها له، يجب أن تعينه عليها، يجب أن يشعر أنك معه، يجب أن يشعر أن دنياه غاليةٌ عليك، يجب أن تطعمه أولاً, أن تشبعه، أن تحل قضيته، هذا الشيء الذي يخيفه يجب أن تزيله عنه، حتى يرتاح إليك ، حتى يطمئن لك، حتى يحبك، فإذا أحبك, كانت كلماتك كالبلسم الشافي, فلذلك: الشيء الذي يفتح إليك القلوب، الشيء الذي يفتح لك الآذان، الشيء الذي يقرب الناس إليك: أن تكون محسناً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6892/10.jpg
عندك صانع، وتطمح أن يكون معك في المسجد -شيء جميل-, هذا الصانع إذا أردت أن يكون معك في المسجد, وأن تهديه إلى الله عزَّ وجل, يجب أن تكون محسناً إليه، إذا عاملته كأب, لك أن تقوده إلى المسجد، رأى الرحمة، رأى الإنصاف، رأى العطف، إذا عاملته كابنك, لم تحمِّله ما لا يطيق، لم تهن كرامته أمام الناس، لم تعنِّته، إذا رأى منك العطف والحنان مال إليك، فإذا مال إليك مال إلى مسجدك، إذا دعوته إلى بيت الله لبَّاك، أما إذا قسوت عليه نفر منك.
هذا ينطبق على من معك في العمل، ينطبق على من معك في البيت، من معك في السفر ، لن تستطيع أن تهدي الناس إلا إذا كنت محسناً، لن تستطيع أن تهدي الناس إلا إذا كنت منصفاً، لن تستطيع أن تهدي الناس إلا إذا كنت متواضعاً، لن تستطيع أن تهدي الناس إلا إذا كان لك قلبٌ كقلب الأم، يجب أن تمتص أخطاءهم، أن تمتص انحرافاتهم، أن تعفو عنهم، أن تستغفر لهم، هكذا قال:
﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
إذا أخطأ فاغفر له، الله عزَّ وجل يغفر، من أنت حتى لا تغفر؟ أساء، تكلم بكلمة قاسية، لم يسلم عليك، فعل كذا وكذا، من أنت؟ خالق الكون يعفو، من أنت إن لم تعفُ؟ لذلك :
﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 199]
يجب أن تعفو، وأن تعرض، أن تعفو عمن أساء إليك، وأن تعرض عن السفيه، حتى تكون مؤهَّلاً لأن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر.
لذلك: هذا الدرس موضوعه: كيف تكون آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر؟ كيف ترقى إلى أعلى عمل يرضي الله عزَّ وجل؟ أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر، بل أن تدعو إلى الخير، والخير كله عند الله، الخير كله بمعرفة الله، بطاعته، بخدمة خلقه، بالتقرُّب إليه، بمداومة ذكره، هكذا، إذاً:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾
[سورة النحل الآية: 125]
الأسلوب التربوي الناجح: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾
[سورة النحل الآية: 125]
في بعض الآيات: ربنا عزَّ وجل علمنا كيف نكون بهذا المستوى المطلوب؟ قال : ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
[سورة سبأ الآية: 24]
فأنت كداعية أو كآمر المعروف: لا ينبغي أن تضع نفس في موقع عالٍ، أنت جاهل وأنا سأعلمك, لا، النبي -عليه الصلاة والسلام- ماذا قال لقومه؟ قال : ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
[سورة سبأ الآية: 24]
أي أن أحدنا على حق، والآخر على باطل، لم يقل: أنا على حق, قال: أحدنا، فقد وضع نفسه في مستوى خصمه تماماً، حتى يكون متواضعاً، وضع نفسه في نفس الموضع: . ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
[سورة سبأ الآية: 25]
إذا كنتم تظنون أنني بهذا العمل مجرم:
لا تسألون عما أجرمنا، ولا نسأل -ليس عما تجرمون بل- عما تعملون.
ما هذا التلطُّف؟ أعمال الكفار جريمةٌ ما بعدها جريمة، والله عزَّ وجل أمره أن يقول لهم: ﴿وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
[سورة سبأ الآية: 25]
﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾
[سورة سبأ الآية: 25]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6892/11.jpg
هذا توجيه قرآني, لن تستطيع أن تدعو إلى الله إلا إذا كنت مع خصمك على قدر المساواة، بل قل له: أنا على خطأ وأنت على صواب والمناقشة بيننا، والدليل بيننا, لن تستطيع أن تهدي الإنسان إلا إذا تواضعت له، لن تستطيع أن تهديه إلا إذا أحسنت إليه، إلا إذا أكرمته، إلا إذا أحبك من كل قلبك، لذلك يجب أن تتعلم كيف تكسب ود الناس؟.
النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يصلي مع أصحابه، دخل رجل لحق بهم, فأحدث جلبةً وضجيجاً في المسجد، وظن أصحاب النبي أن النبي -عليه الصلاة والسلام- سيعنِّفه، لكن عندما انتهت الصلاة قال: ((زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ))
[أخرجه النسائي في سننه]
فقد عَدَّ هذا العمل حرصاً منه: ((زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ))
[أخرجه النسائي في سننه]
فأقول لكم: من ذاق عرف.
من ذاق طعم هداية الخلق، وذاق طعم خدمة الخلق حباً بالحق, عرف معنى ما أقول، فإذا أردت أن تفعل هذا فالطريق مفتوح، والشواغر مفتوحة، وفضل الله يتسع لكل عباده، والحديث الشريف، هذا كلام النبي.
سيدنا سعد كان يقول: ثلاثةٌ أنا فيهن رجل, وما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس؛ ما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى.
يقول عليه الصلاة والسلام, فيما رواه الإمام أحمد من حديث معاذ، وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد، أنه قال لعلي:
((يا علي, لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً, خيرٌ لك من حُمر النعم))
الرواية الثانية: ((خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس))
الرواية الثالثة: ((خيرٌ لك من الدنيا وما فيها))
هذا كلام النبي, أي أن أعظم عملٍ تفعله في الدنيا، لو أنك ملكت الدنيا من كل أطرافها . تكلمنا مرة بالدرس: واحد يملك محلاً في شارع مهم جداً المتر بخمسمئة ألف، إذا كانوا محلين، إذا كانوا خمسة محلات، إذا كان الصف بكامله له، أرضي وعلوي، إذا الصفان، إذا شارعان ضخمان، إذا كل شوارع المدينة محلاته له، وكل الأبنية الفخمة وكل الشركات الضخمة في العلم, -هناك شركات لها ميزانيات وأرباح أضخم من ميزانيات دول، شركات الأدوية والسيارات والطائرات وناقلات النفط مثلاً-, إذا كانت كل هذه المحلات في كل عواصم الدنيا لك، وإذا كانت كل الأبنية الفخمة والقصور في كل أنحاء الدنيا لك، وإذا كانت كل الشركات الضخمة في كل أنحاء الدنيا لك، ثم جاء الموت ماذا ينفعك هذا؟.
هذا الذي ترك أضخم ثروة في العالم -وهو يهودي اسمه روتشيلد-, دخل إلى بعض صناديقه الحديدية, عنده غرف بكاملها، أحد الأبواب أغلق خطأً، صاح صاح، فلم يسمعه أحد , فجرح يده وكتب على الحائط: أغنى رجلاً في العالم يموت جوعاً.
فإذا آمنت بكلام النبي: لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً, خيرٌ لك من الدنيا وما فيها.
لكن الهداية صعبة، فأولاً يجب أن تهدي نفسك، أن تتعلم العلم، وأن تعمل به، وأن تبحث عن الطريقة المجدية، الطريقة الناجحة، الطريقة التربوية.
لا يكون الرفق في شيء إلا زانه, ولا ينزع من شيءٍ إلا شانه.
علموا ولا تعنفوا, فإن المعلِّم خير من المعنِّف:
﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾
[سورة النحل الآية: 125]
﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
[سورة سبأ الآية: 24]
﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
[سورة سبأ الآية: 25]
هذه بالتي هي أحسن، إذا ناقشت الإنسان, كن لطيفاً معه، كن متواضعاً، كن منطقياً، لا تستعلِ عليه، لا تتبرَّم منه، إذا أحبك, دخلت أفكارك إلى قلبه، وإذا فتح قلبه لك فقد اهتدى.
الآن طلب العلم في طريق الدعوة إلى الله، لذلك قال عليه الصلاة والسلام :
((من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام, فبينه وبين الأنبياء في الجنة درجةٌ واحدة))
[أخرجه الدارمي في سننه]
فهذا أعلى عمل: أن تتعلم العلم لتعلمه للناس، أن تتعلم العلم لتأخذ بيد الناس إلى الله عزَّ وجل، أن تتعلم العلم وتعمل به وتختار الطريقة المُثلى فتنشر هذا العلم بين الناس، أن تكون أمةً: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾
[سورة النحل الآية: 120]
قيس بن سعد :
والآن إلى قصة صحابيٍ جليل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هذا الصحابي هو ابن الصحابي السابق: سيدنا قيس بن سعد بن عبادة.
قال: الأنصار كانوا يعاملونه على حداثة سنه كزعيم، وكانوا يقولون: والله لو استطعنا أن نشتري لقيسٍ لحيةً بأموالنا لفعلنا.
-لم يكن له لحية، لماذا؟ كان صغيراً شاباً، لشدة رجاحة عقله وشجاعته وكرمه، يبدو أكبر من سِنِّه,. لذلك: في علم النفس هناك عمرٌ زمني، وهناك عمرٌ عقلي، هناك عمر اجتماعي، هناك عمر انفعالي، هناك عمر تحصيلي تربوي، أتفه أعمار الإنسان عمره الزمني، فهذا ابن سيدنا سعد قيس, لرجاحة عقله, وأخلاقه الكريمة, وكرمه الشديد, بدا وكأنه زعيم وهو غلام، فقال أصحاب النبي: لو استطعنا أن نشتري لقيسٍ لحيةً بأموالنا لفعلنا. والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((إن الجود شيمة أهل هذا البيت))
في هذا الحديث إشارة إلى قيمة التربية الأسرية.
أحياناً ترى إنساناً من أسرة راقية، أسرة عرفت بالصلاح والتقوى والعلم والعمل، فأولاد هذه الأسرة لو قصَّروا، لو تأخروا في معرفة الله عزَّ وجل, لهم خلفيةٌ طيبة، لهم خامةٌ طيبة، لهم بُنيةٌ طيبة، من هنا جاء النسب، النسب له أثر.
وما زلت أتقلب في أرحام الطاهرات وأصلاب الطاهرين, حتى ولدتني أمي ولم يمسني من سفاح الجاهلية شيء .
فهذا الحديث منه إشارة، فالإنسان إذا تزوج, يبحث عن أسرة راقية عريقة في تربيتها لأولادها، عريقة في أخلاقها، في تدينها. الآن هناك لقطة ثانية-: هذا الصحابي كان على درجة عاليةٍ جداً من الذكاء.
-والذكاء قوة بالإنسان، بل إن الذكاء أفضل نعمةٍ يمنحها الله لعباده، لكن الشيء اللطيف: أن المؤمن الذكي مقيَّد، مقيّد بالشرع, أحياناً يوجد ذكي يخرب بلداً بكاملها، أحياناً امرأة ذكية ترمي عداوة بين أسرة تدفعهم إلى القتل، هناك مواقف ذكية جداً ولكن ذكاء شيطاني، ذكاء أساسه الشيطان، لذلك الذكاء وحده لا يكفي, لا بدَّ له من حصن من قيم.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6892/12.jpg
النبي ماذا قال؟ قال:
((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
الذكاء قوة، إذا كان هذا الذكاء مع المؤمن وظَّفه في الحق، فهذه اللقطة-.
يقول هذا الصحابي الجليل: إنه لداهية، كان يتفجَّر حيلةً ومهارةً وذكاء.
وقال عن نفسه وهو صادق: لولا الإسلام, لمكرت مكراً لا تطيقه العرب.
-فقد كان عنده طاقات في فكره، في ذكائه، لولا أن الإسلام قيَّده بالحق، وقيده بالإحسان، وقيده بالمعروف، لفعل شيئاً لم يفعله أحد ممن قبله. لذلك المؤمن مقيَّد يا أخوان:
الإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن.
إذا كنت حراً فافعل ما تشاء، وإذا كنت عبداً فما هكذا تفعل العبيد؟ المؤمن مقيَّد, عنده أمر إلهي. أقول لكم هذه الكلمة، -هي كلمة أساسها كلمة قانونية: أن تنتهي حريتك حينما تبدأ حرية الآخرين-, أنا أقول لك: تنتهي حريتك حينما تعرف الله عزَّ وجل, فهل تستطيع أن تكذب؟ أحياناً كذبة محكمة تماماً تحل فيها مشكلة، فهل يمكنك أن تكذب؟ لا تقدر، هل يمكنك أن تغش؟ لا تقدر، هل يمكنك أن تحتال على الناس؟ لا تقدر، هل يمكنك أن تظلم؟ لا تقدر، هل يمكنك أن تأخذ مال ليس لك؟ لا تقدر، فأنت مقيد بالشرع-.
قال: لولا الإسلام لمكرت مكراً لا تطيقه العرب.
-يبدو أن هذا الصحابي قرأ قوله تعالى:
﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾
[سورة فاطر الآية: 43]
هذا كلام ربنا عزَّ وجل، قرأت قرآناً وقلت: صدق الله العظيم, هذه الآية إذا قرأتها فعلاً, وصدَّقت الله فيها, لن تستطيع أن تمكر, لأنك إذا مكرت يعود مكرك عليك:. ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾
[سورة فاطر الآية: 43]
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/6892/13.jpg
الأيام تدور وتدور وتدور, فإذا بهذا المكر الذي فعلته بغيرك, انصب على رأسك، فمن هو الذكي؟ هو الذي يقرأ القرآن ويصدِّقه قبل أن يدفع الثمن باهظاً، من هو الغبي؟ يجعل هذه الآية وراء ظهره، يتخذ هذا القرآن مهجوراً ويفعل ما يحلو له، فإذا دفع الثمن باهظاً، وعاد مكره عليه، قال: والله صدق الله العظيم, الآن عرفتها بعد فوات الأوان, إذا كنت بطلاً فاعرف الحقائق قبل فوات الأوان، -.
هذا الصحابي قرأ القرآن فصدقه، عندما قال:
﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾
[سورة فاطر الآية: 43]
قال: والله لولا الإسلام, لمكرت مكراً لا تطيقه العرب. يبدو أنه قد وقف مع سيدنا علي هذا الصحابي في خلافه مع معاوية، فقال: والله ولئن قدِّر لمعاوية أن يغلبنا, فلن يغلبنا بذكائه بل بورعنا وتقوانا.
-أيضاً هذه كلمة دقيقة، أي أنك ليس معك أسلحة غير محدودة، لا يوجد معك غير سلاح الحق، لعله أن يكون خصمك لا يوجد فيه دين إطلاقاً, له أن يفعل بك ما يشاء، فهو مطلق، وأنت مقيد، هذه مشكلة، لكن هذه المشكلة وسام شرف لك.
أحياناً أنت بمركز قوي, ولك خصم بمركز قوي، لكن خصمك متفلِّت من الدين، لا يوجد عنده قيَم، وأنت الإيمان يحجزك عن أن تفعل شيئاً لا يرضي الله عزَّ وجل-.
فقال: والله ولئن قدِّر لمعاوية أن يغلبنا, فلن يغلبنا بذكائه بل بورعنا وتقوانا.
سيدنا سعد والده حينما أسلم، أخذ بيد ابنه قيس, وقدَّمه إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وقال: يا رسول الله هذا خادمك.
- كذلك هذه إشارة ثانية، الذي عنده ابن وتمكن أن يلحقه بمسجد، يجعله في طريق الإيمان, هنيئاً له، لأن:.
أفضل كسب الرجل ولده.
هكذا كانوا الصحابة الكرام-.
يا رسول الله هذا خادمك.
سيدنا الصديق تحدَّث عنه مرةً, وقال: والله لو تركنا هذا الفتى لسخائه, لأهلك مال أبيه.
فسيدنا سعد بلغته هذه المقالة, فقال: من يعذرني من أبي بكرٍ وابن الخطاب, يبخِّلان علي ابني؟
-أي أنه ما رضي أن يسمع ابنه هذا اللوم لشدة سخائه، يبدو أن السخي يكون ابن السخي عادةً-.
قال: أقرض قيس أحداً من أخوانه المعسرين يوماً قرضاً كبيراً، وفي الموعد المضروب للوفاء, ذهب الرجل يردُّ إلى قيس قرضه، فأبى أن يقبله, وقال: إنا لا نعود في شيءٍ أعطيناك .
-كان سخياً-.
وآخر كلمة قالها: والله لولا أنني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: المكر والخديعة في النار, لكنت من أمكر هذه الأمة.
أردت من هذا الصحابي الجليل شيئاً واحداً جديداً: هو أن الإنسان إذا تمتع بذكاءٍ حاد، هذا الذكاء الحاد يجب أن يوظِّفه في الحق، أما أن يتخذه قوةً طائشة، أو قوةً عمْياء، عندئذٍ هذا الذكاء يعود وباله عليه، لذلك: الإنسان الذكي ممتحنٌ بذكائه، هل وظَّفه في الحق وضبطه أم وظفه في الباطل وجلب به الثروات الطائلة؟ تستطيع أن تكون ذكياً, وتخلق لإنسان مشكلة, وأنت صاحب مركز حساس، لك وظيفة فيها قدرةٌ على الأذى, خلقت لإنسان مشكلة خوفته، فقبضت منه ما تريد، هذا موقف تمثيلي يحتاج إلى ذكاء، وإلى تمثيل جيد، وأن تبث في روعه أنه انتهى، وهذه البضاعة كلها صودرت، وتدفع مئات المئات، ألوف الألوف، عشرات الملايين، وأنا أستطيع أن أنقذك، وبالطبع بموقف تمثيلي ذكي؛ مع أدلة، مع براهين، مع قصص، فهو انهارت أعصابه فأعطاك ما تريد، هذا ذكاء، ولكن هذا المال الذي أخذته بهذه الطريقة, هذا المال لن ينفعك, لذلك: الذكي عند الله لا قيمة له من دون أن يكون مؤمناً، والدليل:
((وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
هذا الذكي قد يصاب بعطب، يدفع هذا المال كله، فالقضية أن تعرف أنه يوجد إله، من هو الأحمق؟ هذا الذي يتجاهل الحقيقة العظمى في الكون، ويتجاهل وأن الله بيده كل شيء، وأن الله فعَّال لما يريد، وأن الذكي لا يفعل شيئاً.




الختام

آفراح
09-05-2018, 02:03 PM
جوزيت كل خير وبورك فيك
تحية

السعيد
09-06-2018, 07:43 AM
تسلمين اختى افراح