| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#61 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول الدرس : ( التاسع و الخمسون ) الموضوع : الفتوة منزلة من منازل السالك إلى الله. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الفتوة : أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع عنوانه: "الفتوة"، فالفتوة منزلة من منازل السالك إلى الله، حقيقتها الإحسان، والإحسان نهاية العمل، لقوله تعالى: ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ [ سورة الرحمن ] ![]() لقد منحك الله نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، ومنحك نعمة الهدى والرشاد، أنت حسنةٌ من حسنات الله عز و جل فهل جزاء إحسان الله لك إلا أن تحسن إلى خلقه؟ ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾ الله عز وجل خلقنا لـ: ﴿ َجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾ [ سورة آل عمران الآية: 133 ] الله عز وجل خلقنا ليسعدنا، خلقنا ليرحمنا. ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ [ سورة هود الآية: 119 ] وكل الخلق مطلوبون لرحمة الله عز و جل، فإذا كان ردّ فعلك على إحسان الله لك أن تحسن إلى عباده، فهذه منزلة سماها العلماء منزلة الفتوة، وهي بين التخلق وبين المروءة، جُمعت مكارم الأخلاق كلها في المروءة. والبدايات إنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم، وإنما العلم بالتعلم، فأن تتصنع الحلم هذا سبيل أن تكون حليماً، أن تتصنع الكرم هذا طريق أن تكون كريماً، أن تتعلم هذا طريق أن تكون عالماً. فالفتوة بين التخلق وبين المروءة التي جمعت فيها مكارم الأخلاق، وإن مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله تعالى، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً، فالإيمان هو الخلق ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان. من آمن بالله و شكره حقق الهدف من وجوده : أيها الأخوة، مرةٍ ثانية وثالثة: الله عز وجل سخر لك هذا الكون لأنه حينما عرضت عليك الأمانة المخلوقات جميعاً أبوا أن يحملوها، وأشفقوا منها، وأنت أيها الإنسان قلت: أنا لها يا رب، قبِلت حمل الأمانة ، فلما قبلت حمل الأمانة. ![]() ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ ﴾ [ سورة الجاثية الآية: 13 ] سخر الله لك أيها الإنسان. ﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾ [ سورة الجاثية الآية: 13 ] تسخير تعريفٍ وتسخير تكريم، أراد من هذا الكون الذي سخره لك أن تعرفه، وأراد من هذا الكون الذي سخره لك أن يكرمك به، فردّ فعل التعريف أن تؤمن، وردّ فعل التكريم أن تشكر، إذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك، قال تعالى: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾ [ سورة النساء الآية: 147 ] فحينما تشكر وحينما تؤمن تكون قد حققت الهدف الأكبر الذي خلقت من أجله. الفرق بين الفتوة و المروءة : أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الفتوة هي: الإحسان إلى الخلق، وكف الأذى عنهم، بل احتمال الأذى منهم، الإحسان يعني الفتوة، والفتوة تعني الإحسان، كف الأذى، بل احتمال الأذى، بل الإحسان إلى الخلق. ![]() مرة ثانية: الإيمان حسن الخلق، وذهب حسن الخلق بالخير كله، وسوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل. أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الفرق بين مرتبة الفتوة وبين مرتبة المروءة أن المروءة أعمّ من الفتوة، وكأن الفتوة تعني أن يتخلق الشباب بأخلاقٍ بطولية، وكأن الفتوة تخص الشباب بادئ ذي الأمر. أيها الأخوة، الفتوة بمعناها الدقيق استعمال ما يجمل ويحسن مما هو مختصٌ بالعبد، وترك ما يدنسه ويشينه مما هو مختصٌ به، فالموقف الكامل هو المروءة وهو ترك الموقف الناقص، كأن مكارم الأخلاق جُمعت في المروءة، وكأن مساوئ الأخلاق جُمعت في اللؤم، فلان ذو مروءة أي فيه خير، فيه تواضع، فيه كرم، فيه شجاعة، فيه وفاء، فيه إنصاف، جمعت مكارم الأخلاق في المروءة، وجُمعت مساوئ الأخلاق في اللؤم، لئيم، على بخيل، على جبان، على منحرف، على شهواني، جُمعت مساوئ الأخلاق في كلمة واحدة هي اللؤم. الإمام عليٌ رضي الله عنه يقول: والله والله مرتين، لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز في يومٍ عاصفٍ بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون عليّ من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين. سئل أحدهم ما الذل؟ قال: أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يرده. ما من شيءٍ أحب إلى الله تعالى من شابٍ تائب : لذلك أيها الأخوة، جُمعت مكارم الأخلاق كلها في كلمة واحدة هي المروءة وجمعت مساوئ الأخلاق كلها في كلمة واحدة هي اللؤم، والفتوة بين التخلق وبين المروءة وكأن هذه المرتبة تخص الشباب لأن ريح الجنة في الشباب، ولأن الله يباهي الملائكة بالشاب المؤمن، يقول: "انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي" . وما من شيءٍ أحب إلى الله تعالى من شابٍ تائب. ![]() أيها الأخوة، حينما نقول: إنما الحلم بالتحلم، أنت بالبدايات تتصنع الحلم، موقف يؤلم، تغلي من الداخل، لكنك ضبطت أعصابك، هذا تحلم، لكن بعد حين تكون حليماً، وكاد الحليم أن يكون نبياً، والحلم سيد الأخلاق. إذاً تتحلم فتكون حليماً، تتكرم فتكون كريماً، تتعلم فتكون عالماً، هذه مرتبة البدايات، للتوضيح: إنسان تاب إلى الله، من لوازم توبته أن يكف عن سماع الغناء، لكن كان هناك أغان قبل أن يتوب يحبها كثيراً، راكب في مركبة عامة وضعت هذه الأغنية لا شك أنه يطرب لها أشد الطرب، لكن هو بحسب النصوص لم يستمع إنما سمع، وفرقٌ كبير بين من استمع وبين من سمع، فهو الآن حينما كف عن سماع الغناء ضبط هذه الشهوة، لكن بعد حين يمقت هذه الأغنية، هذه مرتبة أعلى. حينما تشتاق للمعصية ولا تفعلها خوفاً من الله هذه مرتبة في البدايات، لكن بعد حين: (( ليس منا مَنْ لم يتَغَنَّ بالقُرآنِ )) [أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ] لكن بعد حين تشمئز من هذه الأغنية لأنها لا تليق بمؤمن، والمعاني ساقطة، والمعاني مثيرة، وكأنها تدعو إلى معصية. عظمة الإسلام أنه أقرّ مكارم الأخلاق في الجاهلية : أيها الأخوة، شيءٌ آخر: الإسلام عظمته أن مكارم الأخلاق في الجاهلية أقرها، فقال عليه الصلاة و السلام: (( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق )) [أخرجه البزار والإمام أحمد عن أبي هريرة ] ففي الجاهلية كان هناك مروءة، و كرم، إنسان يركب فرسه في أيام الحر الشديدة رأى رجلاً ينتعل رمال الصحراء المحرقة، أشفق عليه، دعاه إلى ركوب الخيل وراءه، ولم يكن يدري أن هذا أحد لصوص الخيل، فما أن اعتلى هذا اللص وراء صاحب الخيل حتى دفعه نحو الأرض، وعدا بالفرس لا يلوي على شيء، فقال له صاحب الفرس: لقد وهبت لك هذه الفرس، اطمئن، ولن أسأل عنها بعد اليوم، ولكن إياك أن يشيع هذا الخبر في الصحراء، فإذا شاع هذا الخبر تذهب المروءة، وبذهاب المروءة من الصحراء يذهب أجمل ما فيها، كان هناك قيم جاهلية، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول: (( أسلمت على ما أسلفت لك من خير )) [أخرجه البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام ] وكان يقول: (( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام )) [ أحمد عن أبي هريرة] لذلك قال عليه الصلاة و السلام: (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )) [أخرجه البزار والإمام أحمد عن أبي هريرة ] ولهذا الحديث روايةٌ أخرى: (( وإنما بعثت معلماً )) [أخرجه الحارث وأبو داوود الطيالسي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ] (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق )) [أخرجه البزار والإمام أحمد عن أبي هريرة ] الفطرة و الصِبغة : ![]() لابد من توضيح دقيقٍ جداً، هناك فرقٌ كبير بين الفطرة وبين الصِبغة، الفطرة أن تحب الخير وليس من الضروري أن تكون خيراً، الفطرة أن تحب العدل وليس من الضروري أن تكون عادلاً، الفطرة أن تحب الإحسان وليس من الضروري أن تكون محسناً،ً هذه الفطرة تحب مكارم الأخلاق، محبة مكارم الأخلاق شيء وأن تكون ذا أخلاقٍ شيء آخر، لكنك حينما تتصل بالله تصطبغ نفسك بكمال الله، الآن دخلنا في الصبغة قال تعالى: ﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾ [ سورة البقرة الآية: 138 ] أما الفطرة فأن تحب مكارم الأخلاق، لذلك: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ [ سورة الروم الآية: 30 ] كل واحد حتى السيئ، حتى اللص، حينما يسرق مع رفاقه يقول أحدهم: وزع هذا بالعدل، و لكن هذا مال مسروق! أحياناً الإنسان يقول كلاماً عجيباً، هو غارق في المعصية وعنده فطرة، أحياناً تقول الراقصة: إن الله وفقني بهذه الرقصة، شيء مضحك طبعاً!. ما من عملٍ أعظم عند الله من حلّ مشكلات الشباب : الآن كما هو ملاحظ الشباب قوة كبيرة جداً، الله عز وجل قال عنهم: ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ [ سورة الكهف ] ![]() كلمة فتوة تعني الشباب، أنا لي رأي خاص، أنا أرى أن الشباب في المجتمعات المعاصرة قنبلةٌ موقوتة، هذا الشاب يحتاج إلى بيت، يحتاج إلى زوجة، يحتاج إلى فرصة عمل، فإن لم توفر له هذه المطالب الأساسية الثلاث تطرف، هناك تطرفان؛ تطرف تفلت و تطرف تشدد، تطرف التفلت يبدأ بإلغاء الدين وينتهي بالإباحية كما ترون وتسمعون، أما تطرف التشدد فيبدأ بالتكفير وينتهي بالتفجير، الشباب بين تطرفين؛ تطرف تفلت و تطرف تشدد، لأن من حقه أن يكون له بيت، من حقه أن يكون له زوجة، من حقه أن يكون له عمل يعيش منه. لذلك أيها الأخوة، ما من عملٍ أعظم عند الله الآن من تأمين لشاب وشابة، من تزويج شابٍ بشابة، من تهيئة فرصة عمل لشابٍ أو شابة، هذه مشكلة المشكلات، ما لم تحل مشكلة الشباب، لن يكون لنا مستقبل، مستقبلنا في الشباب، وريح الجنة في الشباب، ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ ﴿ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ﴾ [ سورة الأنبياء ] هذه المرتبة في القرآن الكريم، مرتبة الفتوة كأنها خاصة بالشباب، أنا أقول أيها الأخوة: الشيوخ هم الماضي، والكهول هم الحاضر، والشباب هم المستقبل، لذلك الآن ليس هناك من نهضةٍ لأية أمة إلا وتعتمد على الشباب. الشباب قوةٌ كبيرة وهم قوام نهضة الأمة : هناك ملمح من السيرة والله يلفت النظر، أن النبي الكريم يشكل جيشاً يضع على رأسه قائداً شاباً لا تزيد سنه عن سبعة عشر عاماً، من جنود هذا الجيش؟ أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، يعني هل يعقل أن يمشي خليفة المسلمين مشياً وقائد الجيش أسامة على ناقة؟ أسامة كتلةٌ من الأدب، قال: يا خليفة رسول الله لتركبنّ أو لأمشينّ، قال: والله لا ركبت ولا نزلت، وما عليّ أن تغبر قدمي ساعة في سبيل الله، خليفة المسلمين الصاحب الأول لسيد المرسلين يمشي، وشابٌ في السابعة عشر من عمره عينه النبي قائداً للجيش. ![]() الآن شاب عندنا في السابعة عشر، كان الشاب قديماً معه بضع تمرات والسيف إلى الجهاد، الآن معه همبرغر، وبيبسي إلى الملعب، اختلف الوضع اختلافاً كلياً، مستقبل هذه الأمة للشباب. لذلك سيدنا الصديق احتاج إلى عمر ليكون مساعده في إدارة البلاد، وهذا عمر جندي عند أسامة، فقال له: يا أسامة! أتأذن لي بعمر؟ ما هذا النظام التسلسلي؟ هناك جيش، و قائد، القائد أسامة، أحد الجنود عمر، الخليفة أراد أن يستبقي عمراً إلى جانبه كي يعينه على إدارة البلاد، فما قال له: ابقَ معي، إذا قال له: ابقَ معي تجاوز القائد، قال له: يا أسامة أتأذن لي بعمر؟ هؤلاء أين تعلموا؟ في أي جامعاتٍ درسوا؟ من أي جامعاتٍ تخرجوا؟ أي أعلى درجة بإدارة البلاد اتبع التسلسل. مرة حدثني مدير ثانوية معين في بلدة قال لي: جاء مدير التربية، فأخذ معه أمين السر، دون أن يسألني، ثم قال لي: جاء مدير تربية ثان، احتاج لأمين السر دخل واستأذنني، قال لي هل تسمح لي به؟ الموقف الثاني حضاري، هناك مؤسسة على رأسها مدير، وهذا موظف عند هذا المدير. أيها الأخوة، ما عيّن النبي عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد في هذا المنصب إلا ليشعرنا أن الشباب قوةٌ كبيرة، وأن الشباب قوام نهضة الأمة. أيها الأخوة، ورد في الأثر: (( أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد ـ كتلة شهوات ضبطها ـ أحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد، أحب الكرماء وحبي للكريم الفقير أشد، وأبغض ثلاثاً وبغضي لثلاثٍ أشد، وأبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد، وأبغض المتكبرين وبغضي للفقير المتكبر أشد، وأبغض البخلاء وبغضي للغني البخيل أشد )) [ورد في الأثر] من يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه : أخواننا الكرام، ملخص الملخص أن الله عز وجل أودع فينا الشهوات، وبإمكانك أن تتحرك بهذه الشهوات مئة وثمانين درجة ![]() الشرع سمح لك بمئة درجة، بطولة المؤمن أنه يوقع حركته في هذه المنطقة التي سمح الله بها، لذلك قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾ [ سورة القصص الآية: 50 ] المعنى المخالف عند علماء الأصول الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه، كلنا نعلم إذا كان هناك عرس يوجد إطلاق أبواق السيارات، ألا يستحيون؟ لا، هذا منهج الله عز وجل، الزواج مشروع، أما أي علاقة مع أنثى خارج الزواج ففضيحة، لذلك قال تعالى: ﴿ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾ [ سورة هود الآية : 86 ] الشرع سمح لك بحيز كبير جداً من الحلال ومنعك عن الحلال، كم نوع من الشراب الآن؟ والله هناك ألف نوع، كله مباح عدا الخمر، سمح لك أن تشرب ما تشاء من عصائر الفواكه، أما الخمر فمحرمة، سمح لك بالمرأة كزوجة أولى وثانية وثالثة ورابعة، لكن لا يوجد عشيقة بالإسلام. الفتوة هي الصفح عن عثرات الإخوان : ![]() قال بعض العلماء: الفتوة هي الصفح عن عثرات الإخوان: ما كنت مذ كنت إلا طوع أخواني ليست مؤاخذة الإخوان من شأني إذا خليليَّ لم تكثر جنايتــــه فأين موضع إحساني و غفراني؟ *** من صفات الفتى الصفح عن عثرات الأصدقاء، والصفح عن الزلات، يقول لك: اتق شر من أحسنت إليه، هذه ليست حديثاً هذه كلمة، أما أنت حينما تحسن إليه وتنسى الله وتفاجأ بموقف غير أخلاقي منه فتحس بإحباط شديد، أما لو أنك قدمت هذا العمل لله، ولم يكن منه رد فعلٍ جميل فلا تعبأ به. لذلك قيل: اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهلهِ، فإن أصبت أهلهُ فأنت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله. الفتوة مرتبةٌ من مراتب السالكين إلى الله عز و جل : ![]() أيها الأخوة، قال الإمام أحمد: الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى، الإنسان أحياناً هناك أكلات لذيذة يحبها، قال له الطبيب: هذه الأكلة تسبب لك أزمة قلبية فيتركها، لذلك جاء الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- فقال: يا نفس لو أن طبيباً منعك من أكلةٍ تحبينها لا شك أنك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله؟ إذاً فما أجهلك، أيكون وعيد الطبيب أشد عندك من وعيد الله؟ إذاً فما أكفرك، طبيب يقول لك: البيت المرتفع بعه فوراً واشترِ داراً أرضيةً من أجل قلبك، تكون قد بذلت جهداً كبيراً في كسوته سنوات وسنوات تبيعه فوراً، لأن الطبيب قال ذلك، الله عز وجل يقول لك بستمئة صفحة بكتاب الله : ﴿ اتَّقِ اللَّهَ ﴾ [ سورة البقرة الآية: 206 ] افعل كذا، افعل كذا، يا نفس لو أن طبيباً منعك من أكلةٍ تحبينها لا شك أنك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله؟ إذاً فما أجهلك، أيكون وعيد الطبيب - وعيد الطبيب مرض- أشد عندك من وعيد الله؟ -جهنم- فما أكفرك. أيها الأخوة الكرام، ترك ما تهوى لما تخشى هذه من مراتب الفتوة، والفتوة مرتبةٌ من مراتب السالكين إلى الله عز و جل، وكأن هذه المرتبة تعني الشباب أكثر ما تعني، وفي موضوعٍ قادمٍ إن شاء الله نتابع هذه التفصيلات. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#62 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول الدرس : ( الستون ) الموضوع : تعريف مضامين الفتوة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من تعريفات الفتوة : 1 ـ فضيلةٌ تأتيها ولا ترى نفسك فيها : أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ عنوانه: "الفتوة"، وهو موضوعٌ يتصل اتصالاً وثيقاً بـ :"سبل الوصول إلى الله وعلامات القبول". من تعريفات الفتوة: هي فضيلةٌ تأتيها ولا ترى نفسك فيها، المؤمن الصادق إذا فُعل معه معروف لا ينساه أبداً، أما إذا فَعل معروفاً ينساه فوراً، البطولة أن تنسى معروفك مع الناس، وألا تنسى معروف الناس معك، بينما أناسٌ كثيرون إذا فَعل خيراً يمنن به، وإذا فُعل معه خير لا يفكر فيه إطلاقاً، الفتوة فضيلةٌ تأتيها ولا ترى نفسك فيها. 2 ـ ألا تحتجب عمن قصدك : ![]() أيها الأخوة، ومن تعريفات الفتوة: ألا تحتجب عمن قصدك، هناك إنسان يسحب الهاتف قبل أن ينام، أنت طبيب قلب، يتصل بك أحدهم فلا تجيب، بشكل أو بآخر أي إنسان حجب نفسه عن خدمة الآخرين هو ضعيف الفتوة، أي راحته وسعادته فوق كل مصالح الخلق، الحياة دار عمل وليست دار جزاء، فإذا ظنها الإنسان دار جزاء وقع في خطأ كبير، الأنبياء العظام، الصحابة الكرام، عاشوا للناس، أما الأقوياء فعاش الناس لهم، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء ملكوا الرقاب، فلأنك مؤمن يجب أن تعلم أن هذه الدنيا دار عمل، لأنك مؤمن يجب أن تعلم أن هذه الدنيا إعدادٌ للآخرة. لذلك أول صفات المؤمن أنه يبني حياته على العطاء لا على الأخذ، وأول صفات غير المؤمن أنه يبني حياته على الأخذ. 3 ـ إظهار النعمة وإسرار المحنة : ![]() الفتوة إظهار النعمة وإسرار المحنة، أناسٌ كثيرون يتشكى ويتشكى، يكون في بحبوحة كبيرة، وبيت، ومركبة، وأولاد، وزوجة، وتجارة عريضة، لأتفه الأسباب يتشكى، هذا التشكي ليس من صفات المؤمن، انظر ما الذي أعطاك الله إياه، انظر كم أنت بنعمة، المؤمن يرى نعم الله عليه، والذي غاب عنه يراه حكمة بالغة، من هنا ورد في الأحاديث الشريفة: ((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ)) [أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ] أي يظهر النعمة ويحجب عنك المحنة، المحنة بينه وبين الله، لأنه يعلم علم اليقين أنه ما من محنةٍ إلا وراءها منحة، ويعلم علم اليقين أنه ما من شِدةٍ إلا وراءها شَّدة إلى الله عز وجل، فهو راضي عن الله ، ويقبل كل المصائب عن فهمٍ وعن وعيٍّ، ويرى هذه المصائب ساقها الله لحكمةٍ بالغةٍ بالغة، وحينما يكشف الله لنا يوم القيامة الحكمة من سوق المصائب نذوب محبةً لله عز وجل. 4 ـ الفتوة ألا تدخر وألا تعتذر : أيها الأخوة، وقيل في الفتوة: الفتوة ألا تدخر وألا تعتذر، ألا تدخر وسعاً، أي إذا كان بإمكانك أن تخدم الناس بمالك، أو بعلمك، أو بجاهك، أو بوقتك، لا تدخر ما آتاك الله إياه عن الناس، أنت في الدنيا من أجل العمل الصالح، حجمك عند الله بحجم العمل الصالح، اسأل نفسك هذا السؤال المحرج ماذا قدمت لهذه الأمة؟ حجمك عند الله لا بما تستهلك، حجمك عند الله بقدر ما تقدم، ألا تدخر وسعاً، لا وسعاً مالياً، ولا علمياً، ولا اقتصادياً، ولا اجتماعياً، لا تدخر جاهك إذا كان هذا الجاه يحل مشكلة، وألا تعتذر، من أدق الأحاديث الشريفة. (( وإياك وما يعتذر منه )) [ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمر ] ![]() أي موقف، أي سلوك، أي تصرف، تضطر أن تقول: اعذروني، إياك أن تفعله أصلاً، كما قلت لكم: جمعت مكارم الأخلاق في المروءة، والفتوة قريبةٌ من المروءة، ولكن تخص الشباب، الفتوة ألا تدخر وألا تعتذر، الفتى معطاء، هناك أشخاص الموقف الأساسي بحياتهم العطاء، الآن المؤمن يسعد إذا أعطى، غير المؤمن يرى نفسه ذكياً جداً إذا أخذ، في بالتعبير المعاصر إستراتيجية، ما الذي يحكمك العطاء أم الأخذ؟ إن كان الذي يحكمك العطاء فأنت من أهل الآخرة، المؤمن لا يفكر أبداً بالتعويض، يفكر بعمل صالح، وأنا أقول دائماً: هذا المال ضعه تحت قدمك تناله، أما إذا وضعته أمامك فتخسره، أنت طبيب، مهندس، تاجر، إذا كان همك الأول المال تخسره، إذا همك تقديم خدمة للناس تربحه أضعافاً مضاعفة، شيء عجيب! إن وضعته أمامك تخسره وإن وضعته تحت قدمك تربحه. فلذلك الفتى خيِّرٌ معطاء. 5 ـ استرسال الناس في فضلك : والحقيقة من تعريفات الفتوة: استرسال الناس في فضلك، طبعاً أنت باشٌ فيهم، تعرض عليهم خدماتك، هذا الموقف اللطيف -عرض الخدمات- حينما يلتقون بك يرون أنساً وترحيباً، هم يسترسلون في فضلك، فأنت عندئذٍ تبذل لهم ما تستطيع، استرسال الناس في فضلك، أي وجه باش، زارك ترحب به ![]() أما أنت بأيام معدودة تصرف عنك كل الناس، موقف قاس، كلمة قاسية، أغلق الباب في وجهه، انتهى، لا أحد يأتيك إطلاقاً، فحينما يسترسل الناس في فضلك بسبب أنك رحبت بهم، وآنستهم، وأكرمتهم طبعاً هناك متاعب كثيرة، قال: اصنع المعروف مع أهلهِ ومع غير أهلهِ، فإن أصبت أهلهُ أصبت أهلهُ، وإن لم تصب أهله فأنت أهله. النقطة الدقيقة: ما دمت تعمل هذا العمل لوجه الله لا تهتم إطلاقاً لردود الفعل، أي قدر أم لم يقدر، شكر أم لم يشكر، عرف قيمتك أم لم يعرف، نوه للناس بفضلك أم لم ينوه، كله عندك سيان، أنت عملت هذا لوجه الله، والله قبل هذا العمل، أروع ما في حياة المؤمن أنه يستغني عن المديح، أو لا يستجدي المديح، يرضي الله، وانتهى الأمر، بينما الذي يرضي الناس إن كانت ردود الفعل غير مناسبة له يضجر، يقول: يا أخي اتقِ شرّ من أحسنت إليه، أنت أحسن لله ولا تعبأ بردود الناس معك. إذا أحبّ الله عبداً جعل حوائج الناس عنده : كما قلت قبل قليل: ببساطةٍ ما بعدها بساطة تصرف الناس من عندك بكلمة قاسية، بوجه متجهم، باعتذار قاس، بتعليق شديد، لا أحد يطرق بابك، الناس عندهم ذوق، فإن استرسلوا بفضلك طمعوا فيك، وإذا أحبّ الله عبداً جعل حوائج الناس عنده، فالذي يأتيه الناس زرافاتٍ ووحدانا عليه ألا يضجر، فإذا ضجر ليس أهلاً لهذه الأعمال الجليلة، الله عز وجل يقول: ﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾ [ سورة محمد ] ![]() والحقيقة هناك عشرات التصرفات الذكية، والحكيمة، والمخلصة، والرحيمة، تجذب بها الناس إليك، تصرف واحد أحمق تصرفهم عنك، فجمع الناس ليس قضية سهلة، هذا الشيء يحتاج إلى لباقة، إلى فهم، إلى أن تعرف أقدار الناس، إلى أن تكون حكيماً معهم، إلى أن تستوعبهم، أن تحتمل تجاوزاتهم، ما دام الهدف الله عز وجل، ما دام الهدف الجنة، فالمؤمن يمتص كل هذه المزعجات. ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [ سورة القلم ] لذلك ورد في بعض الأحاديث: (( إنكم لن تَسَعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم )) [أخرجه أبو يعلى وابن أبي شيبة في مسنده عن أبي هريرة ] الحلم سيد الأخلاق : لذلك الله عز و جل يخاطب نبيه الكريم يقول له: ﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾ [ سورة الأعراف الآية: 199 ] كلمة خذ أي هذا شيء ثمين من الله ﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾ اعفُ عنهم أي اجعل نصيبك من الله أنك عفوت عنهم. ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾ [ سورة الأعراف ] من هنا يكون الحلم، وكاد الحليم أن يكون نبياً، والحلم سيد الأخلاق، بتعبير آخر الفتوة أن تدع الناس يطؤون عليك من شدة لينك، وتواضعك، وخفض جناحك. من يتصل بالله عز وجل يمتلئ قلبه رحمة و ليناً : أخواننا الكرام آيةٌ من أدق الآيات يقول الله عز وجل: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾ [ سورة آل عمران الآية: 159 ] ![]() حينما يتصل الإنسان بالله عز وجل يمتلئ قلبه رحمة، الرحمة شيء ثمين، يمتلئ قلبه رحمة، هذه الرحمة تنعكس ليناً في المعاملة، هذا اللين يجعل الناس يلتفون حولك، الآن ولو كنت منقطعاً عنا يا محمد لامتلأ القلب قسوة، فانعكست القسوة غلظةً، وفظاظة، والغلظة والفظاظة تجعل الناس ينفضون عنك. هذه الآية يحتاجها الأب، والأم، والمعلم، وأي منصب قيادي في الأرض، تتصل بالله يمتلئ القلب رحمةٍ، فالرحمة من منعكساتها اللين، اللين يجذب الناس إليك، والبعد عن الله عز وجل يجعل القلب قاسياً، والقسوة تنعكس غلظةً وفظاظةً، ينفضون من حولك، هل هناك أب لا يتمنى أن يكون مَن حوله مِن أولاده وبناته وأصهاره يحبونه و يعجبون به؟ شيء طبيعي جداً، الرحمة تجعلك ليناً، والبعد عن الله يجعلك قاسياً، والرحمة منعكساتها اللين، والقسوة الغلظة والفظاظة. مرة الشيخ بدر الدين -رحمه الله تعالى- شيخ سورية، مشى مع أخوانه، و هناك أحد الأخوة ابتسم، فقال له: ما الذي دعاك تبتسم؟ استحى، جراب الشيخ قد نزل، فنظر إلى جرابه قال له: أدخل الله على قلبك الفرح. الذين حولك يجب أن تؤنسهم، أن تداعبهم، أن تمازحهم، حتى يلتفوا حولك، المؤمن ليِّن، هيِّن ليِّن ، يألّف ويؤلّف، دائماً التصنع ينفر الناس منك، كن طبيعياً. 6 ـ ألا تترك لنفسك رتبةً تتقاضى الناس بها : الآن من معاني الفتوة ألا تترك لنفسك رتبةً تتقاضاهم بها، أنا لي مكانة غير مكانتكم، أي إنسان يتوهم لنفسه رتبة عالية جداً، في ضوء هذه الرتبة يحاسب الناس، أنت لم تقف لي، أنت لم تحترمني، أنت لم تقل لي: دكتور، ما هذا؟! كن طبيعياً، عامل الناس كواحد منهم، لا كسيدٍ عليهم، الفتوة ألا تترك لنفسك بينهم رتبةً تتقاضاهم بها، أنا أب خير إن شاء الله! أنت في البيت واحد من أهل البيت، قد يكون لك خارج البيت مكانة كبيرة، أما في البيت فواحد منهم. (( إن دخل دخل ضاحكاً وإن خرج خرج بساماً )) [ أخرجه الحاكم عن أم أبان بنت عتبة بن ربيعة ] كان يصف النساء: (( فإنهن المؤنسات الغاليات )) [ أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن عقبة بن عامر ] كان إذا دخل بيته يكون كواحدٍ من أهله. (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله )) [أخرجه أبو يعلى وابن حبان وعبد الرزاق عن عائشة أم المؤمنين ] يصغي الإناء للهرة، كان في مهنة أهله، هذا الإنسان العظيم صاحب أكبر دعوة في الأرض، في بيته واحد منهم، كان يرى أن أبناء ابنته فاطمة الحسن والحسين يسرهم أن يركبوا على ظهره، سيد الخلق وحبيب الحق، يركبون على ظهره ويدع لهم وقتاً كافياً كي يستمتعوا، ما هذه النبوة؟. فالمؤمن يألّف ويؤلّف، لازلنا في صفات الفتوة. واحد من أصحابه، دخل أعرابيٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، تأملهم واحداً واحداً، قال: أيكم محمد؟ ما هذا! والله يحكى سنة على هذا النص أيكم محمد؟ ليس له لباس خاص؟ ولا كرسي خاص؟ ولا مكان خاص؟ ولا هيمنة؟ ولا كهنوت؟ واحد من أصحابه، وكلما ألغيت التصنع، والعلو، والهيمنة، كنت أقرب إلى الله عز وجل. النبي معروف، كان مع أصحابه في سفر أرادوا أن يعالجوا شاةً بكل بساطة، قال أحدهم عليّ ذبحها، قال الثاني: علي سلخها، قال الثالث: عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، واحد من أصحابه، قالوا: نكفيك ذلك يا رسول الله، قال: أعلم أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه، هذا هو. في معركة من المعارك الرواحل ثلاثمئة و الصحابة ألف، أعطى النبي أمراً قال: كل ثلاثة على راحلة، هو قائد جيش، زعيم أمة، نبي، رسول، قال: وأنا وعليٌ وأبو لبابة على راحلة، سوى نفسه مع أقل جندي، ركب الناقة، فلما جاء دوره في المشي توسلا صاحباه أن يبقى راكباً، قال: ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر، هذه النبوة. 7 ـ الحفاظ على القلب مع الله ودوام الإقبال على الله : ![]() قالوا: الفتوة الحفاظ على القلب مع الله، ودوام الإقبال على الله، ما دمت متصلاً بالله فأنت أسعد الناس، أنت مستنير ترى الحق حقاً والباطل باطلاً، بقدر اتصالك بقدر رؤيتك الصحيحة، بقدر اتصالك بقدر النور الذي يقذف في قلبك، عفواً تجد المؤمن يعيش ثلاثين سنة لا يدخل مركز شرطة لأنه محسن، الأشياء واضحة عنده تماماً، أما الإنسان البعيد عن الله فيتورط بورطات كبيرة، يدفع ثمنها باهظاً، فالإنسان كلما استقام كلما حقق السلامة. فالفتوة الحفاظ على القلب مع الله، ودوام الإقبال عليه، لكن كيف نجمع بين أن تكون مع الناس وبين أن تنأى عن سقطاتهم ووحلهم؟ هناك مصطلح جديد سماه بعض الأدباء البرج العاجي الأخلاقي، أنت لست في برجٍ عاجيٍ فكري تنأى عن هموم المجتمع، عن مشكلاته، أنت مع الناس، مع مشكلاتهم، لكنك في برجٍ عاجي أخلاقي، أنت معهم لكن لا تسقط في وحولهم، أنت معهم لكن لست في سقطاتهم، هذا البرج العاجي الفكري وسام شرف أما البرج العاجي الفكري فاستعلاء وابتعاد عن مشكلات المجتمع. 8 ـ ألا تشهد لك فضلاً وألا ترى لك حقاً : قالوا: والفتوة ألا تشهد لك فضلاً، وألا ترى لك حقاً، فضلك على الناس أغفلته كلياً وكأنه لم يكن، وحقك على الناس نسيته، تنتبه إلى فضل الناس عليك وإلى حقهم عليك، الحقيقة هذه بطولة كبيرة. لما وجد الأنصار في أنفسهم على النبي الكريم، هذا متى؟ عقب حنين، عقب حنين دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، أي أقوى وقت كان فيه النبي عقب حنين، انتهت بدر، أُحد، والخندق، فتحت مكة، آخر معركة حنين دانت له الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها، وأناسٌ وجدوا عليه في أنفسهم، والله بمنطق الأقوياء يلغي وجودهم، بمنطق الأقوياء يهملهم، بمنطق الأقوياء يعاتبهم عتاباً شديداً، يهدر بهذا العتاب كرامتهم، ماذا فعل؟ والله شيء لا يصدق! ذكرهم بفضلهم عليه قال: (( أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدقتم ولصُدقتم )) [أخرجه أبو يعلى والإمام أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية ] لو قلتم هذا الكلام أنتم صادقون والناس جميعاً تصدقكم بهذا الكلام: (( أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدقتم ولصُدقتم، أتيتنا مكذَّباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك ، وطريداً فآويناك )) يمكن أن تذكر من حولك وأنت قويٌ جداً بفضلهم عليك: (( يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلالاً)) دقق فما قال هديتكم، قال: (( فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم، أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا؟ تألفت قوماً ليسلموا؟ ووكلتكم إلى إسلامكم ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده إنه لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ولو سلك الناس شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار قال : فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً وحظاً )) [أخرجه أبو يعلى والإمام أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية ] سبحانك يا رب! هذه المواقف أين مكانها في السيرة؟ مع وفائه؟ أم حكمته؟ أم مع رحمته؟ أم مع محبته؟. أي حوار فيه استعلاء لا ينجح : أيها الأخوة، سيدنا عمر مرة جاءه رسول من نهاوند، سأله ما الذي حصل؟ قال له: والله مات خلقٌ كثير، قال له: من هم؟ قال له: أنت لا تعرفهم، فبكى قال: ما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم، ومن أنا؟ انظر إلى أدب القرآن في الحوار. ﴿ وَإِنَّا ﴾ [ سورة سبأ الآية: 24 ] النبي الكريم: ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [ سورة سبأ ] ![]() الحق كرة عندي أو عندك، سويت نفسك مع المحاور، هناك إنسان يحاور وهو الأصح، وهو الذي لا يخطئ، وهو المهيمن، لا، إن أردت أن تأخذ بيد الناس تواضع لهم، كلام النبي ينطق به القرآن: ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ بهذه المساواة التامة مع الخصم، أخي إما أنا أو أنت على حق، سنتحاور، أنا نبي مرسل معي وحي السماء وأنت لا تفهم شيئاً، لا، لا يجوز أن تتكلم هذا الكلام ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ يوجد أدب آخر لا يصدق. ﴿ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ [ سورة سبأ ] معقول دعوة النبي جريمة؟ ﴿ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ هذا أدب القرآن في الحوار. لذلك أي حوار فيه استعلاء لا ينجح، يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أنا على حق وقد أكون مخطئاً، والآخر على باطل وقد يكون مصيباً. حاجة الشباب إلى مبادئ وقيم و فرص عمل : ![]() أيها الأخوة، الفتوة تعني مكارم الأخلاق، لكن الشباب الآن بحاجة للفتوة، بحاجة إلى قيم، إلى مبادئ، بحاجة إلى مثل، الشباب هم المستقبل، والحقيقة الذي يصنعه الشباب لا تصنعه فئةٌ أخرى، لكن هؤلاء الشريحة الشابة بحاجة إلى مبادئ، إلى قيم، بحاجة إلى فرص عمل، بحاجة إلى زواج، بحاجة إلى بيوت، والله أنا الذي أتمناه على الله أن تهتم الأمة بشبابها، وإلا الشباب أمام تطرفين تطرف تفلتي إلغاء الدين والإباحية، أو تطرف تشددي التكفير ثم التفجير، فما لم نرعَ الشباب، ونرعَ مصالحهم، ونرعَ مستقبلهم، ونرعَ زواجهم، ونرعَ تأمين فرص عمل لهم، فالأمة تمشي في طريق مسدود. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#63 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول الدرس : ( الواحد و الستون ) الموضوع : الاعتصام بالله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الاعتصام : أيها الأخوة الأكارم، مع موضوع جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول" والموضوع اليوم: "الاعتصام". اعتصم العبد بالله إذا استعان به، والتجأ إليه، واحتمى به، عصم الله عبده أي حماه من سوءٍ قاربه، العصمة؛ المنع أي منع شريراً أن يصل إليك، والحفظ حفظك من كل مكروه، يمنع عنك المعتدين، ويحفظك من كل مكروه. الاعتصام بالكتاب والسنة التمسك بهما ، إقامة أمرهما. أنواع الاعتصام : أيها الأخوة، بادئ ذي بدء: الاعتصام نوعان: أن تعتصم بحبل الله، وأن تعتصم بالله، بينهما فرقٌ دقيق، أن تعتصم بحبل الله أن تهتدي بالقرآن، القرآن يدلك على سبل سلامتك، وسبل سعادتك، الاعتصام بالقرآن اعتصامٌ بالنور الإلهي، اعتصامٌ بمنهج الله عز وجل، اهتداءٌ بهديه، سيرٌ على طريقه. ![]() الاعتصام بحبل الله اعتصام معرفي، أما الاعتصام بالله فأن تستعين به، فتغدو قوياً، أن تستعين به فتغدو حكيماً، أن تستعيذ به وأن تستعين به فترى عدوك صغيراً، الاعتصام بالله، بقدرته، بتوفيقه، بتأييده، بنصره، الاعتصام بحبل الله اعتصام معرفي، أما الاعتصام بالله فاعتصام بقوته، اعتصام بحكمته، اعتصام بحفظه، فالآيات متنوعة قال تعالى: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾ [ سورة آل عمران الآية: 103 ] وهناك آيات كثيرة: ﴿ وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ﴾ [ سورة النساء الآية: 146 ] الاعتصام بحبل الله أن تهتدي بهديه، أن تتحرك وفق منهجه، أن تستنير بنوره، أن تحقق ما أمرك به، اعتصام معرفي، الاعتصام بحبل الله اعتصام معرفي، أما الاعتصام بالله فاعتصام بقوته، ونصره، وتأييده. النبي صلى الله عليه و سلم معصومٌ بمفرده بينما أمته معصومةٌ بمجموعها : أيها الأخوة، ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾ ![]() للسادة المفسرين آراءٌ متباينة منها: الاعتصام بدين الله، هذا الدين جملةً وتفصيلاً، بما في كتابه وبما في سنته، الاعتصام بحبل الله الاعتصام بدين الله، والاعتصام بحبل الله الاعتصام بالجماعة. (( عليكم بالجماعةِ، وإِيَّاكُم والفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشيطانَ مع الواحد، وهو من الاثنين أبعدُ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاسية )) [ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمر ] أن تعتصم بجماعة المسلمين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم طمأننا أنه: (( لن تجتمع أمتي على الضلالة)) [ الطبراني عن ابن عمر] النبي صلى الله عليه و سلم معصومٌ بمفرده، بينما أمته معصومةٌ بمجموعها. (( لن تجتمع أمتي على ضلالة)) للتوضيح: نُشر كتاب، لا يوجد فيه خطأ، النصوص صحيحة، الأدلة قوية، وفق منهج الله، وفق سنة رسول الله، وفق مقاصد الشريعة، يُنشر ويباع منه بالآلاف ولا أحد ينطق بكلمة، فإذا نُشر كتاب فيه ضلالات تقوم الدنيا ولا تقعد. لذلك من حكمة الله عز وجل ومن فضله أنه عصم الأمة عن أن تجتمع على خطأ، هي معصومةٌ بمجموعها لا بأفرادها، بينما النبي عليه الصلاة والسلام معصومٌ بمفرده. الجماعة لا تعني الكثرة تعني من كان على الحق المبين : لذلك ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾ ![]() اعتصموا بدين الله جملةً وتفصيلاً، واعتصموا بجماعة المسلمين، وهل تصدقون أن الجماعة قد تكون واحداً؟ الجماعة من كانت على حق، جمعاً غفيراً، أو قلةً قليلة. (( ولا تزال طائفة من أمتي على الحق، لا يضرُّهم مَنْ خالفهم )) [أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان ] أي بكل عصر هناك حق، قد يتسع، قد تتسع رقعته، وقد يقل، فالجماعة لا تعني الكثرة تعني من كان على الحق المبين، ولحكمة الله البالغة في كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل جمع، وفي كل مؤسسة هناك إنسان مستقيم، حجةٌ على من حوله، بأسوأ الأماكن، بأسوأ الظروف، إنسان مستقيم يقيم الحجة على من حوله، والظروف نفسها. هناك بلاد عليها ضغوط لا يعلمها إلا الله، أحد هذه البلاد يقيم منهج الله، هذا البلد الصغير الضعيف لا يوجد به خمر، ولا مقهى، ولا انحراف، هذا البلد الضعيف حجةٌ على من حوله، لذلك دائماً الحجة قائمةٌ على العباد. القصة المعاصرة وقعها أشد في النفس لأن الذي يعاصرك واقعٌ تحت الظروف نفسها : بالمناسبة القصة القديمة لها وقع، أما أنا فأرى أن القصة المعاصرة وقعها أشد، السبب هذا الذي يعاصرك واقعٌ تحت الظروف نفسها، والإغراءات نفسها، والعقبات نفسها، والصوارف نفسها، واستقام على أمر الله، بل إن الأنبياء بشر، تجري عليهم كل خصائص البشر ![]() ولولا أنهم بشر وتجري عليهم كل خصائص البشر لما كانوا سادة البشر، النبي يغضب، ويرضى، ويشتهي، ويحب، ويتمنى، لأنه بشر، ولأنه تجري عليه كل خصائص البشر، لذلك هو سيد البشر. فالقصة المعاصرة لها وقع كبير جداً، كيف استطاع هذا الإنسان أن ينجو من كل هذه الضغوط والإغراءات والصوارف والعقبات؟ إذاً هو حجةٌ على من حوله، لا تتصور أن الله سبحانه وتعالى يكلفك ما لا تستطيع. ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾ [ سورة البقرة الآية: 286 ] والاستطاعة لا تحددها أنت يحددها الله عز وجل، فإذا أمرك بغض البصر بإمكانك أن تغض البصر، فإذا توهمت أنك لا تستطيع غض البصر اعلم يقيناً أنك لا تريد أن تغض البصر، الذي تدّعي أنك لا تستطيعه هو الذي لا تريده. على الإنسان الاعتصام بعهد الله و الاعتصام بجماعة المؤمنين : أيها الأخوة، على الإنسان الاعتصام بدين الله عامةً، والاعتصام بجماعة المؤمنين، وأن يتبع سبيل المؤمنين، المؤمنون لا يكذبون، المؤمنون لا يحتالون، المؤمنون لا يدلسون، المؤمنون لا يخونون، المؤمنون لا يخدعون، هناك صفات للمؤمن، الذي يميزه عن بقية الناس ليس العبادات ولكنها المعاملات، هناك مبادئ وهناك قيم تحكمه. (( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمِن )) [أخرجه أبو داود عن أبي هريرة] ![]() فلذلك الاعتصام بجماعة المؤمنين، والاعتصام بعهد الله، هذا العهد الذي قطعته على نفسك في عالم الأزل. ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ﴾ [ سورة الأعراف الآية: 172 ] الاعتصام بحبل الله، والاعتصام بالقرآن لأن النبي وصفه بأنه حبل الله المتين، والاعتصام بأمر الله ونهيه، هذه المعاني التي قالها المفسرون في الاعتصام بحبل الله ، أما الاعتصام بالله فأن تستعين بقوته، أن تستعين بجبروته، أن تستعين بعلمه، أن تستعين بتوفيقه، بحفظه، الآية الكريمة الأصل في هذا اللقاء الطيب: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾ [ سورة آل عمران الآية: 102 ] حق التقوى أن تطيعه فلا تعصيه، وأن تذكره فلا تغفل عنه، وأن تشكره ولا تكفره. ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾ [ سورة آل عمران ] وحبل الله كما تبين قبل قليل التمسك بدين الله، بجماعة المؤمنين، بعهد الله، بالقرآن، بالأمر والنهي ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾ [ سورة آل عمران ] الاعتصام بالله اعتصام معرفي : الآن الآية الثانية بمنحى آخر: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ ﴾ [ سورة آل عمران الآية: 101 ] بحبل الله اعتصام بياني، اعتصام معرفي ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ ﴾ بقوته، بجبروته بقدرته، بغناه، بعلمه: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [ سورة آل عمران ] الكافر لا يضل الإنسان أما الخطير فهو المنافق : ![]() أيها الأخوة، الآية الثالثة: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾ [ سورة النساء الآية: 145 ] لأن المؤمن واضح، والكافر واضح، الكافر رفض الدين، رفض الآخرة، آمن بالدنيا واضح، الكافر لا يضلك، قال لك: أنا لست مؤمناً، أما الخطير فهو المنافق تظنه مؤمناً وهو كافر، المنافق في بعض الآيات كافر لكنه ذكي جداً، في مجتمع المؤمنين من أجل مصالحه يتزيا بالزي الديني، يطرح أفكاراً دينية كي تقبله، كي ينتفع بك، قال: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ﴾ [ سورة النساء الآية: 145 ] من آمن بالله هدي إلى الصراط المستقيم : ![]() ثم قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ﴾ [ سورة النساء الآية: 146 ] تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله. ﴿ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ﴾ [ سورة النساء ] أيها الأخوة، آيةٌ رابعة: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً * فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً ﴾ [ سورة النساء ] الله عز وجل تولى حفظ النبي الكريم وعصمه من الناس : أيها الأخوة، هذه الآيات، أما الأحاديث فعن عائشة رضي الله عنها قالت: (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحْرَسُ ليْلا، حتى نزل { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ } [ المائدة : 67 ] فأخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رأسهُ من القُبَّةِ، فقال لهم: يا أَيُّها الناسُ، انصرفوا، فقد عَصمَنِي الله )) [ أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ] الحقيقة هناك رجل ألماني سبب إسلامه هذا الحديث، لو كان الذي يقوله للناس ليس قانعاً به لا يمكن أن يصرف حراسه، ما دام إيمانه بالله عز وجل إيماناً في أعلى مستوى الله قال له: (( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)) هذه خصوصية، ذلك لأن اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم هو عدوان على الذات الإلهية، لذلك الله عز وجل تولى حفظه، عصمه من الناس، النبي يحارب، يكذب أما لا يقتل، فإذا قتل النبي فقد انتهت رسالته ومهمته، بعد انتهاء المهمة اليهود قتلوا أنبياءهم، أما مادام في صلب الدعوة، ما دام في طور الدعوة، فالله عز وجل عصمه من أن يقتل: (( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، فأخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رأسهُ من القُبَّةِ، فقال لهم: يا أَيُّها الناسُ، انصرفوا، فقد عَصمَنِي الله )) النبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم : أخواننا الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم، وقد تعلمنا في الجامعة أن النص النبوي أفصح نصٍ على الإطلاق بعد القرآن الكريم ، وقد قال عن نفسه: (( أنا أفصح العرب بيد أني من قريش )) [ أخرجه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ] هذه بيد أني من قريش أسلوب بلاغة اسمه تأكيد المدح بما يشبه الذم، تقول: فلان كريم إلا أنه شجاع، هذه إلا أنه تتوهم أنه سيذم، وقد أخذ هذا النبي الكريم هذا الأسلوب: (( أنا أفصح العرب بيد أني من قريش )) [ أخرجه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ] وقريش أفصح قبيلة. الدعاء مخ العبادة : الدعاء التالي من أدق الأدعية: (( اللهم! إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها شملي، وتلم بها شعثي، وترد بها أُلفَتي، وتصلح بها ديني، وتحفظ بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتبيض بها وجهي، وتلهمني بها رشدي، وتعصمني بها من كل سوءٍ اللهم أعطني إيماناً صادقاً، ويقيناً ليس بعده كفر، ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة. اللهم إني أسألك الفوز عند القضاءِ، ونزل الشهداءِ، وعيش السعداءِ، ومرافقة الأنبياءِ، والنصر على الأعداءِ. اللهم أُنزل بك حاجتي وإن قصُر رأْيي، وضعف عملي وافتقرت إلى رحمتك، فأسألك يا قاضي الأمور، ويا شافي الصدور، كما تجير بين البحور أن تجيرني من عذاب السعير، ومن دعوة الثبور، ومن فتنة القبور، اللهم ما قصر عنه رأْيي وضعف عنه عملي، ولم تبلغه نيتي من خير وعدته أحداً من عبادك، أو خير أنت معطيه أحداً من خلقك، فإني أرغب إليك فيه )) [ أخرجه الترمذي وابن خزيمة في صحيحه عن عبد الله بن عباس ] ![]() طموح النبي ليس له حدّ. (( اللهم وما قَصَّرَ عَنهُ رَأْيي، وَلَمْ تَبْلُغْه مَسألتي، ولم تَبلُغْهُ نِيَّتي مِن خَيرٍ وَعَدْتَهُ أحَدا مِن خَلقِكَ، أَو خَيرٍ أنْتَ مُعطيه أحداً من عبادك، فَإني أرغَبُ إليكَ فيه، وأسأَلُكَهُ برحمتكَ يا ربَّ العالمينَ، اللهم يا ذا الحَبْلِ الشَّديدِ، والأمرِ الرَّشيدِ أسأَلُكَ الأمنَ يومَ الوعيدِ والجَنَّةَ يَومَ الخُلودِ، مع المقَرَّبينَ الشُّهودِ، الرُّكَّعِ السجودِ، المُوفِينَ بالعهودِ، إِنَّكَ رَحيمٌ ودَودٌ، وإنك تفعل ما تُريدُ، اللهم اجعلنا هَادِينَ مهتدينَ، غير ضالِّينَ، ولا مُضِلِّينَ، سِلْما لأوليَائِكَ، وحَرْبا لأعدائِكَ، نُحِبُّ بِحُبِّكَ مَنْ أَحَبَّكَ، ونُعَادي بِعَدَاوتِكَ مَن خالَفَكَ اللهم هذا الدُّعَاءُ وعليكَ الإجَابَةُ اللهم هذا الجُهدُ، وعَلَيكَ التُّكلانُ، اللهم اجعَل لي نُورا في قَلبي، ونُورا في قبري، ونورا من بين يَدَيَّ، ونُورا من خَلفي، ونورا عن يَميني، ونورا عن شِمالي، ونورا من فَوقي، ونورا من تَحتي، ونورا في سَمعي، ونورا في بصري، ونورا في شَعْري، ونورا في بَشَري، ونورا في لحمي، ونورا في دمي، ونورا في مُخِّي، ونورا في عِظامي، اللهمَّ أعظِم لي نورا وأعطِني نورا، واجعَلْ لي نورا، سُبحَانَ الذي تَعَطَّفَ بِالعِزِّ وقالَ بِهِ، سُبحَانَ الذي لَبِس المجدَ وتَكرَّمَ بِهِ، سبحانَ الذي لا ينبغي التَّسبيحُ إلا لَهُ، سبحانَ ذِي الفَضْلِ والنِّعَمِ، سبحانَ ذِي المَجدِ والكَرَمِ، سبحانَ ذِي الجَلالِ والإكرَامِ )) [ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ] هل بعد هذه الفصاحة من فصاحة؟ هذا الدعاء والدعاء مخ العبادة، أتمنى أن يكون للمؤمن ساعة يناجي بها ربه، ناجِه في الطريق وأنت تمشي، وأنت في مركبتك، وقبل أن تنام، وبعد أن تستيقظ، مناجاة الله عز و جل شيء مسعد جداً. من الأدعية الشهيرة: (( اللَّهمَّ أَصْلِح لي ديني الذي هو عِصْمَةُ أمري )) [ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ] ((الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ ، لا يَفْتِكُ مؤمِن )) [أخرجه أبو داود عن أبي هريرة] (( اللَّهمَّ أَصْلِح لي ديني الذي هو عِصْمَةُ أمري، وأصَلِح لي دُنيَايَ التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعَل الحياة زيادة لي في كلِّ خيرٍ، واجعل الموتَ راحة لي من كل شَرٍّ )) [ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ] كتاب الله وسنة نبيه من تمسك بهما فلن يضل أبداً : أيها الأخوة، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (( أيها الناس ـ كلام خطيرـ قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم )) [أخرجه عبد ابن حميد وابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمر ] ![]() الله عز و جل ما تعبدنا بأقوال العلماء، تعبدنا بكتابه وسنته، أحياناً إنسان داعية يُدرس كتاباً، الكتاب رائع لكن لا يرقى إلى القرآن الكريم، فيه حق وفيه تقصير أحياناً. (( أيها الناس، قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به، لن تضلوا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم )) وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: (( أيما شاب تزوج في حداثة سنه ـ كان زواجه مبكراً ـ عج شيطانه يقول: يا ويله يا ويله عصم مني دينه )) [أخرجه أبو يعلى والطبراني عن جابر بن عبد الله ] وأنا الآن أرى مع هذا العصر الذي يعج بالفتن، والفتن في أي مكان، أينما التفت تمسك جريدة فيها فتنة، الإنترنت فيه فتنة، الفضائية فيها فتنة، الطريق فيه فتنة، أي حركةٍ أو أية سكنةٍ فيها فتنة، في هذا العصر أنا مع أنصار الزواج المبكر، هذا الشاب الذي تزوج في حداثة سنه: (( عج شيطانه يقول: يا ويله يا ويله عصم مني دينه )) النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله )) [ أخرجه البزار في مسنده عن عبد الله بن مسعود ] ألا تقول في الفاتحة في اليوم عشرات المرات: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ [ سورة الفاتحة ] أي نستعين على عبادتك بك. لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله : وفي بعض الأقوال: (( لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله )) [ أخرجه البزار في مسنده عن عبد الله بن مسعود ] ![]() وهذا مقام النبوة، قال: ربِ: ﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [ سورة يوسف ] (( لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله )) [ أخرجه البزار في مسنده عن عبد الله بن مسعود ] (( نزل جبريل عليه السلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره: أنها ستكونُ فتَن، قال: فما المخرَجُ منها يا جبريل؟ قال: كتابُ الله، فيه نَبَأُ ما قبلَكم ونبأ ما هو كائن بعدَكم، وفيه الحُكم بينكم، وهو حبلُ الله المتين، وهو النورُ المبين، وهو الصراطُ المستقيم، وهو الشفاء النافع، عِصْمة لمن تمسّك بهِ، ونجاة لمن اتَّبعه، لا يَعْوجُّ فَيُقَوَّم، ولا يزيغ فَيُسْتَعْتَبَ، ولا يَخْلَقُ على كثرة الردِّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لا تلتبس به الأهواء، ولا تشْبع منه العلماء، هو الذي لم تنته الجنّ إِذ سمعتْه أنْ قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنا عَجَبا يَهْدِي إِلى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ، مَن وَلِيَه من جبَّار فحكم بغير ما فيه قَصَمه الله، وَمَن ابتَغَى الهُدى في غيره أَضَلَّه الله ، مَن قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومَن اتَّبعه هُدِي إِلى صراط مستقيم )) [أخرجه زيادات رزين عن عبد الله بن عمر ] أيها الأخوة، ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أنه: (( مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ، ولا استَخْلَفَ مِن خَليفةٍ، إلا كانَتْ لَهُ بِطَانَتانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمعْرُوفِ، وَتَحُضُّهُ عليه، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ، وَتَحُضُّهُ عليه، والمَعْصُومُ مَنْ عَصمَ اللهُ )) [أخرجه البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ] والحديث الأخير: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم إن هذا القرآن حبل الله والنور المبين والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه لا يزيغ فيستعتب ولا يعوج فيقوم ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد اتلوه فإن الله عز وجل يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف )) [ أخرجه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن مسعود ] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#64 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول الدرس : ( الثانى و الستون ) الموضوع : الاعتصام سلوك ايمانى يؤدى الى ايمان قوى الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. انضباط المؤمن بأقواله وأفعاله : أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" إنه الاعتصام. فعن الحارث بن هشيمٍ رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني بأمرٍ أعتصم به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( املك هذا وأشار إلى لسانه )) [ الطبراني عن الحارث بن هشيم] (( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً يَهْوِي بها سبعين خريفاً في النار )) [أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة ] ![]() بل إنه: (( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه )) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك ] الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ذكر في الإحياء أكثر من عشرين أو ثلاثين معصية كبيرة عن طريق اللسان. (( املك عليك هذا )) احفظ لسانك أيها الإنســان لا يلدغنــــك إنه ثعبان كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تخاف لقاءه الشجعان *** فالإنسان بكلمة يفرق بين زوجين، بكلمة يفسد علاقة شريكين، بكلمة يفرق بين أمٍ وابنها، بكلمة يفرق بين أخٍ وأخيه، فالكلام أحياناً له فعل السنان، والمؤمن منضبطٌ في أقواله وأفعاله، الشيء الصارخ بالمؤمن المتميز أنه يضبط لسانه، هنك غيبة وهناك نميمة. (( لا يدخل الجنة نمّام )) [أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن حذيفة بن اليمان ] كبائر اللسان لا تقل عن الكبائر الأخرى : ![]() المشكلة أن المسلمين توهموا أن الكبائر؛ الزنا، والقتل، والخمر، وهذا صحيح، ولكن هناك كبائر لا تقل عنها؛ كبائر اللسان، تجد لقاء طويلاً كله غيبة ونميمة، والناس في راحة تامة: (( املك عليك هذا )) [ الطبراني عن الحارث بن هشيم] (( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه )) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك ] (( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً، يَهْوِي بها سبعين خريفاً في النار )) [أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة ] لي رأيٌ خاص أنه إذا ذُكرت امرأةٌ في مجلس فقال الواحد: لا نعرف، ما تكلم شيئاً، كأنه طعنها في الصميم، كأنه اتهمها بالزنا، فالإنسان قبل أن يقول كلمة، قبل أن يتكلم يجب أن يعد للمليون. (( املك عليك لسانك )) الشرك الخفي أخطر شيء في حياة المسلمين : وعن عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال: أيها الناس ، كلام دقيق: (( قد يئس الشيطان بأن يعبد بأرضكم )) [ أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عباس ] ![]() من فضل الله أن الشرك الجلي بالعالم الإسلامي غير موجود، طبعاً هناك بلاد بشرق آسيا يعبدون صنماً من دون الله، بلاد يعبدون حجراً، بلاد يعبدون شمساً وقمراً، هناك شرك لا ينتهي جلي في العالم، في العالم الإسلامي الشرك الجلي الله عز وجل عافانا منه، لكن هناك شرك خفي، هناك آلهة تعبد من دون الله . ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾ [ سورة الجاثية الآية : 23 ] الشهوات آلهة تعبد من دون الله، بالمصطلحات المعاصرة التنمية، من أجل التنمية فقط نشجع السياحة، ومن أجل تشجيع السياحة يجب أن نتغاضى عن آلاف الجرائم الأخلاقية ، إذاً التنمية أحياناً إلهٌ يعبد من دون الله: (( قد يئس الشيطان بأن يعبد بأرضكم ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم )) [أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عباس ] المسلم محجوب عن الله بما يتوهمه ذنوباً صغيرة : النقطة الدقيقة: فالمسلم لم يقتل، لم يرتكب الزنا، لم يشرب الخمر، لكنه محجوب عن الله بما يتوهمه ذنوباً صغيرة. (( قد يئس الشيطان بأن يعبد بأرضكم ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم )) ![]() أليس من الخسارة الكبيرة أن تحجب عن الله بذنوبٍ تتوههما صغيرة؟ اضبط لسانك، اختلاط، وغيبة، ونميمة، ومصافحة، ومتابعة أفلام، إن بعضهم قال: هذه ليست أمة محمد، لعلها أمة مهند، حينما يتعلق الناس بأفلامٍ ساقطة، يتعلقون بها أشد التعلق، هذه مشكلة كبيرة جداً، إذاً . (( قد يئس الشيطان بأن يعبد بأرضكم ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروا يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، إن كل مسلم أخو المسلم، المسلمون إخوة ولا يحل لامرئٍ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس، ولا تظلموا )) [ أخرجه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عباس ] الآن دقق: (( ولا ترجعوا من بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض )) [ أخرجه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عباس ] الخصومات المذهبية والطائفية في أمة الإسلام تعد عند رسول الله صلى الله عليه و سلم كفراً. (( ولا ترجعوا من بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض )) ألم تسل الدماء بين المسلمين؟ المسلمون. ﴿ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ ﴾ [ سورة الحشر الآية 14 ] وسلمهم لأعدائهم. ما لم نستقم على أمر الله لن نقطف من ثمار الدين شيئاً : ![]() أيها الأخوة، هذا حديثٌ دقيقٌ جداً في الحديث عن اليوم الآخر، وكيف أن الإنسان سوف يحاسب أشد الحساب. وعن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت: يا نبي الله حدثني بأمرٍ أعتصم به -أتمسك به- يكون نجاةً لي، الله عز وجل قال: ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾ [ سورة آل عمران الآية : 103 ] حبل الله القرآن الكريم، وحبل الله دين الله، وحبل الله جماعة المؤمنين، وحبل الله الأمر والنهي: (( قلت يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به قال : قل : ربي الله ثم استقم )) [ أخرجه الحاكم عن سفيان بن عبد الله الثقفي ] أي ما لم نستقم على أمر الله لن نقطف من ثمار الدين شيئاً، إسلام من دون استقامة فلكلور، عادات، تقاليد، تراث قديم، خلفيات إسلامية، أرضيات إسلامية، الإسلام لن تقطف ثماره إلا باستقامتك على أمر الله، وفر وقتك وجهدك. المؤمن مكلف أن يأتمر بما أمر به الأنبياء : هناك رواية أخرى بهذا الحديث قال له : (( قال: قل ربي الله ثم استقم، قال: قلت: يا رسول الله ما أكثر ما أخاف علي؟ قال : فأخذ بلسان نفسه ثم قال : هذا)) [ أخرجه الحاكم في مستدركه عن سفيان بن عبد الله الثقفي ] ![]() لذلك النبي الكريم شيبه في سورة هود قول الله عز وجل : ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾ [ سورة هود الآية : 112 ] (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين )) [أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة] أي هل يستطيع ممرض مهما تكن مرتبته متدنية أن يعطي حقنة من دون تعقيم؟ تعقيم الحقنة يستوي به جراح القلب مع الممرض. (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين )) العوام يقولون : نحن لسنا أنبياء، ومن قال لكم أنكم أنبياء؟ لكن: (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين )) مقام الأنبياء يفوق حدّ الخيال، لكن أنت كمؤمن أنت مكلف أن تأتمر بما أمر به الأنبياء، والدليل الآية: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ﴾ [ سورة هود الآية : 112 ] بشكل مختصر إنسان معه التهاب معدة حاد، بحميةٍ قاسيةٍ يشفى من هذا المرض، قال له: والله الحمية صعبة، قال له: إذاً تهيأ لعملية جراحية ما دمت ترى أن الحمية صعبة فأمامك عملٌ جراحيٌ كبير . (( قال: قل : ربي الله، ثم استقم، قال : قلتُ: يا رسول الله، ما أخوفَ ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: هذا )) [ أخرجه الحاكم عن سفيان بن عبد الله الثقفي ] من عدّ كلامه من عمله فقد نجا : الآن مشاكل المسلمين بالكلام، من عدّ كلامه من عمله فقد نجا، يقول لك: كلام بكلام، من قال لك: كلام بكلام؟ مرة ثالثة: (( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً يَهْوِي بها سبعين خريفا في النار )) هناك كلمات تزلزل الإنسان، مرة قرأت كلمة لكاتب قال: أنت أخلاقي لأنك ضعيف، وأنت ضعيف لأنك أخلاقي، نسف الدين كله، نسف مكارم الأخلاق كلها، لماذا أنت ضعيف؟ لأنك أخلاقي، ولماذا أنت أخلاقي؟ لأنك ضعيف، طبعاً كلمة تحت الأقدام، عن أم الحصين رضي الله عنها قالت: (( حَجَجْتُ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حَجَّةَ الودَاعِ، فَرأيتُهُ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ وانصَرَفَ، وهو على راحِلَتِهِ، ومعه بلالٌ وأُسَامَةُ: أَحَدُهُما يقودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ والآخرُ رافعٌ ثَوبَهُ على رأسِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يُظِلُّهُ من الشمس، قالت : فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قَولا كثيراً لم أفْهمهُ، ثُمَّ سَمِعتُهُ يقولُ: إِنْ أُمِّرَ عليكم عَبْدٌ مُجَدَّعٌ، حَسِبْتها قالت : أسودُ )) [ أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن أم الحصين ] والعبد المجدع هو العبد المقطوع الأذن. (( يَقُودُكمْ بِكِتابِ اللهِ فَاسمعوا لَهُ وَأَطِيعوا )) [ أخرجه مسلم والترمذي والنسائي، عن أم الحصين ] هذا الدين، لا يهم المسلم من يحكمه، يهمه كيف يُحكم، مادام هذا العبد المجدع أسود اللون ومقطوع الأذن. (( يَقُودُكمْ بِكِتابِ اللهِ فَاسمعوا [ لَهُ ]وَأَطِيعوا )) الإسلام دين مبادئ وقيم : الإسلام دين مبادئ، قال له: ابسط يدك لأبايعك، سيدنا الصديق لسيدنا عمر، قال له: أي أرضٍ تقلني، وأي سماءٍ تظلني، إذا كنت أميراً على قومٍ فيهم أبو بكر، قال: يا عمر أنت أقوى مني، قال: يا خليفة رسول الله أنت أفضل مني، فقال عمر: قوتي إلى فضلك نتعاون. ![]() هذا مجتمع المؤمنين، قوتي إلى فضلك، لذلك يقول سيدنا عمر: كنت خادم رسول الله، وجلواذه، وسيفه المسلول ، فكان يغمدني إذا شاء، وتوفي وهو عني راضٍ، الحمد لله على هذا كثيراً، وأنا به أسعد، ثم آلت الأمور إلى أبي بكر، فكنت خادمه، وجلواذه، وسيفه المسلول، فكان يغمدني إذا شاء، وتوفي وهو عني راضٍ، وأنا بهذا أسعد، ثم آلت الأمور إلي، فالناس خافوا شدته، قال: يا أبا ذر لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى، ثم آلت الأمور إلي، أيها الناس! اعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت وإنها تكون على أهل المعصية والكفران، أما أهل التقوى والعفاف فإني سأضع خدي على الأرض ليطؤوه بأقدامهم، أيها الناس: خذوني بخمس –حاسبوني- : لكم علي ألا آخذ من أموالكم شيئاً إلا بحق، ولكم عليّ ألا أنفق من هذه الأموال شيئاً إلا بحق، ولكم علي ألا أجمركم في البعوث، ولكم علي أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا، هذا عمر. النسب تاجٌ يتوج به المؤمن : وعن زيد بن أرقم قال : (( قام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيبا بماء يُدعى خُمّا بين مكةَ والمدينةِ، فَحمِد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكَّر، ثم قال: أما بعدُ، ألا أيُّها الناس إنما أنا بشر يُوشِكُ أن يأتيَ رسولُ ربي فأُجيبَ، وإني تارِك فيكم ثَقَلَيْن، أولُهما: كتابُ الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحثَّ على كتاب الله، ورغَّب فيه ثم قال: وأهلُ بيتي، أُذَكِّرُكُم الله في أهل بيتي، أُذَكِّركم الله في أهل بيتي )) [ أخرجه مسلم عن زيد بن أرقم ] ![]() أما بشرح هذا الحديث نحتاج إلى حديثٍ آخر، عن أنسٍ بن مالك رضي الله عنه قال: (( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من آل محمد؟ فقال: كل تقي، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ } )) [ أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك ] أي أقرب إنسان لرسول الله المتقي، والدليل: هناك دليل وأقرب إنسان للنبي نسباً أبو لهب. ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ [ سورة المسد ] نستنبط من هذا أن النسب تاجٌ يتوج به المؤمن، فإذا كان هذا الإنسان غير مؤمن فلا قيمة للنسب إطلاقاً بدليل قوله تعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ لا عصمة لأحدٍ إلا في كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع العلماء : ![]() على كلٍّ مرة ثانية النسب تاجٌ كبير يتوج به المؤمنون، جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي ملك الحبشة: (( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لتوحيده ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأن نعبد الله لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، قالت: فعدّد عليه أمور الإسلام فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله وحده ولم نشرك به، وحرّمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، ثم ذكر باقي الحديث)) [ أخرجه الإمام أحمد عن أم سلمة أم المؤمنين ] أيها الأخوة، يقول ابن بطال: لا عصمة لأحدٍ إلا في كتاب الله، أو في سنة رسوله، أو إجماع العلماء على معنى في أحدهما، أي الله عز وجل ما تعبدنا بأقوال فلان، ولا أقوال علان، ولا الكتاب الفلاني، تعبدنا بالقرآن الكريم، هذا حبل الله المتين، هذا هو الصراط المستقيم، هذا القرآن كما وصف بأنه كونٌ ناطق، والكون وصف بأنه قرآنٌ صامت، والنبي عليه الصلاة والسلام وصف بأنه قرآنٌ يمشي، نحن الآن في أمس الحاجة إلى مسلم يمشي. حجب الإسلام بالمسلمين : ![]() أخواننا الكرام، كلام دقيق العالم الآخر لا يقتنع بديننا إطلاقاً، إلا إن رأى واقعاً قوياً، الواقع مؤلم جداً، من ملامح الواقع المؤلم ارتفاع نسب البطالة، ارتفاع نسب الأمية، ارتفاع نسب الفقر، ارتفاع نسب العنوسة، من ملامح الواقع المؤلم أننا نستورد ولا نصدر، من ملامح الضعف الكبير الذي أصاب المسلمين أن بأسنا بيننا وأن سلمنا لأعدائنا، هذا الواقع لا يقنع أحداً بديننا. لذلك قالوا: الإسلام محجوبٌ بالمسلمين، أنت إذا رأيت إنساناً من دين معين قذراً، يتسول الناس، هل يخطر ببالك لثانية واحدة أن تشتري كتاباً عن دينه فتقرأه؟ مستحيل، فالإسلام محجوب عن العالم بالمسلمين، والله الذي لا إله إلا هو لو أن الجاليات الإسلامية في العالم طبقت منهج الله عز وجل بالتمام والكمال لكان موقف العالم الغربي من الإسلام غير هذا الموقف. لذلك الآن القضية كبيرة جداً، تحتاج أن نقدم إنجازاً حضارياً، ورقياً في واقعنا، وأن نسكت، عندئذٍ يقتنع العالم بهذا الدين، وأقول لكم كلمة خطيرة: لو نجح الخطاب الإسلامي وكان واقعنا متخلفاً لا نقنع بهذا الخطاب الناجح أحداً، لسان حال الآخرين يقولون: يا طبيب طبب لنفسك. إقناع الطرف الآخر بالدين الإسلامي لا يكون إلا بواقع قوي و متماسك : الآن عندنا ظاهرة جديدة، قبل خمسين عاماً هل من الممكن أن تعيش كل أمة وحدها؟ نعم، أما الآن مع التواصل العالم كله كان خمس قارات، صار قارة، صار بلداً، صار مدينة، صار قرية، صار بيتاً، صار غرفة، الآن العالم كله سطح مكتب، ما يقع في أي مكان في أطراف الدنيا تراه بعد دقائق، فالعالم فيه تواصل مذهل، فيه ثورة بالمعلومات مذهلة، هذه الظاهرة الجديدة التي ظهرت مؤخراً جعلت الأمة أو الشعب أو الإنسان لا يمكن أن يعيش وحده ، فنحن لم نستطع إقناع أحدٍ بهذا الدين إلا بواقع قوي، بواقع متماسك. ![]() فلذلك ما دام هناك أقوياء، طغاة، قال: (( إِنما ينصُر الله هذه الأمةَ بضعيفها)) [ أخرجه البخاري والنسائي عن سعد بن أبي وقاص ] هؤلاء الضعفاء ينبغي أن نطعمهم إذا كانوا جياعاً، أن نكسوهم إن كانوا عراةً، أن نؤويهم إن كانوا مشردين، أن نعلمهم إن كانوا جاهلين، أن نعالجهم إن كانوا مرضى، أن ننصفهم إن كانوا مظلومين، إذا فعلنا هذا كافأنا الله بمكافأة من جنس عملنا، فنصرنا على من هو أقوى منا. (( هل تُنصَرون وتُرزَقون إِلا بضعفائكم ؟ )) الطريق طويل، والطريق شاق، ونحن الآن مكشوفون أمام العالم، فلابد لكل واحدٍ منا أن يسهم بشكل أو بآخر بتقوية أمته بعمل جاد، بعمل صادق أمين، وإلا فالمشكلة كبيرة، أسأل الله جل جلاله أن يعصمنا بهذا الكتاب الكريم، وأن يعصمنا بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#65 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول الدرس : ( الثالث و الستون ) الموضوع : التبتل و حياة المتبتل الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. التبتل : أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع اليوم هو "التبتل". ولابد من وقفةٍ قصيرة حول اختيار الموضوعات، هناك موضوعاتٌ تتصل اتصالاً قوياً بموضوع سبل الوصول وعلامات القبول، وهناك موضوعاتٌ تتصل اتصالاً سلبياً، تحدثنا عن الشرك والنفاق، هذه موضوعات تتناقض مع سبل الوصول، وهناك موضوعات اتصالها بالوصول إلى الله من أعلى مستوى. ![]() إذاً الموضوعات بين أن تكون في أعلى درجة، أو في درجة عادية، أو في درجة سلبية، الحقيقة التبتل من الموضوعات التي يتصف بها كبار المؤمنين، الله عز و جل يقول: ﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ﴾ [ سورة المزمل ] الإنسان حينما يصنف من حوله في مراتب محدودة، أحياناً بعالم الوظائف عشر مراتب، وكل مرتبة ثلاث درجات، إذا كان هناك خمسة ملايين موظف ينزلون جميعاً في هذه الثلاثين خانة، هذا شأن البشر، لكن شأن خالق البشر أن كل إنسانٍ على وجه الأرض له مرتبة والدليل: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ [ سورة الأحقاف الآية : 19 ] هذه المرتبة مرتبة التبتل هي للسابقين السابقين، لكبار المؤمنين. كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينةٌ على خلاف ذلك : بالمناسبة: من تعليمات وضع الأسئلة في الشهادات العامة أن يكون هناك سؤال لا يجيب عنه إلا الطلاب المتفوقون جداً، وهناك سؤال يجيب عنه الطلاب الضعاف في تحصيلهم، وفي قدراتهم، والأسئلة الأساسية يجيب عنها المتوسطون. ![]() لأن في أساس تقسيم البشر هناك عالم قديم رمز للتقسيم في كل القدرات التي يتحلى بها البشر، هناك خمسة بالمئة متفوقون، وخمسة بالمئة متخلفون، وتسعون بالمئة متوسطون، في شأن الجمال، في شأن الذكاء، طلاقة اللسان، في معظم صفات البشر خمسة بالمئة تفوق، وخمسة بالمئة ضعف، وتسعون بالمئة وسط. لذلك هناك سؤال يجيب عنه معظم الطلاب؛ متوسطو الثقافة والتحصيل والقدرات، و سؤال لا يجيب عنه إلا المتفوقون جداً، و سؤال يجيب عنه ضعاف الطلاب، فحينما نختار موضوعاً من موضوعات سبل الوصول هناك موضوعات إيجابية، أساس في الوصول إلى الله، وهناك موضوعات سلبية تتناقض مع الوصول إلى الله، وهناك موضوعات للمتفوقين. فموضوع اليوم للمتفوقين "التبتل"، قال تعالى: ﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ﴾ بالمناسبة أيها الأخوة، من قواعد الفقه أن كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، توهم الناس أن الدين خمس عباداتٍ شعائرية، والحقيقة الدين هو كل أمر في القرآن الكريم وفي السنة، هذا الأمر يقتضي الوجوب، وعلة هذا الأمر أنه أمر من الله عز وجل، فالذي يطلب العلم يرى أن الدين عشرات بل مئات الألوف من الأوامر والنواهي، منهج تفصيلي يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، وهناك من يتوهم أن الدين خمس عباداتٍ شعائرية ليس غير، هذا فهمٌ ساذج وفهمٌ ضعيف، لذلك كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، وللدقة البالغة ما لم تقم قرينةٌ على خلاف ذلك. إذا قلت: في بيتنا زهرة أي زهرة، أما إذا قلت: في بيتنا زهرةٌ تلعب إذاً طفل، كلمة تلعب قرينة تنفي معنى الزهرة الطبيعية، إذاً كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينةٌ على خلاف ذلك. الدين منهج تفصيلي يغطي كل شؤون حياة الإنسان : أنت أيها المؤمن حينما تقرأ القرآن الكريم وتمر على أمر اجتماعي، أمر نفسي، أمر شخصي، أمر علمي. ﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ [ سورة يونس الآية : 101 ] أمر، فكلما كان إيمانك أقوى ترى أن هذه الأوامر كلها ينبغي أن تطبق، مثلاً قال تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ [ سورة الأحزاب الآية : 36 ] علامة إيمانك -وهذا مقياس دقيق- أنك إذا مررت في كتاب الله على أمر، أي أمر من المئة ألف أمر، أو من الخمسمئة ألف أمر، هذا الأمر يقتضي أن تنفذه، هذا الدين منهج تفصيلي يغطي كل شؤونك، وكل أحوالك، وكل أقواتك، وكل أطوارك، إذاً ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾ التفاوت الواسع بين بني البشر : لكن هناك ملاحظة: لو جئت بمئة بيضة الفرق بين اثنتين لا يزيد على خمسة بالمئة من حيث الحجم أو الوزن، إلا أن بني البشر شيءٌ آخر، قد تجد إنساناً في أعلى عليين، قد تجد إنساناً عمّ خيره معظم الخلائق، وقد تجد إنساناً كتلة من الشر، كيف بقطع اللحم هناك قطعة من اللحم الطازج المشوية وأنت جائع، وهناك قطعة متفسخة تكاد تخرج من جلدك من رائحتها، التفاوت بين بني البشر واسع جداً. ![]() ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ [ سورة الماعون ] إنسان مجرم، يبني حياته على أنقاض الآخرين، يبني غناه على إفقارهم، يبني أمنه على إخافتهم، يبني عزه على إذلالهم، وإنسان حياته كلها عطاء، المسافة كبيرة جداً، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول : (( هذا خيرٌ من مِلءِ الأرض من هذا )) [ أخرجه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي ] رجل واحد يساوي ملء الأرض، أي الأرض لو أنها مجوفة تتسع لكم إنسان؟ لمليارات ممليرة، إنسان يساوي ملء الأرض من غيره، لذلك قالوا: واحد كألف وألف كأف، حال واحدٍ في ألف أفضل من قول ألفٍ في واحد، إنسان واحد موصول بالله يؤثر بألف إنسان، وألف إنسان متكلم بارع لا يؤثر في إنسان واحد، إذا كان هناك بعد عن الله عز وجل. أغبى إنسان من يتمنى شيئاً في الدنيا فقط و ينسى الآخرة : ![]() أيها الأخوة، الأصل في ذلك أنك مصمم أيها الإنسان لهدفٍ كبير، فحينما تختار هدفاً محدوداً تسقط من عين الله، دخلت على ملك قال لك: اطلب وتمنى، قلت له: قلم رصاص، أقل عطاء للملك بيت فخم وسيارة معه، فأنت قبلت من عطاء الملك بقلم، كم هو غبيٌ الإنسان حينما يتمنى شيئاً في الدنيا فقط، والدنيا زائلة ومنقطعة. ﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ ﴾ [ سورة التوبة الآية : 38 ] الله يعجب! ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [ سورة التوبة ] ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾ [ سورة التوبة ] خُلق الإنسان لمعرفة الله عز وجل : هناك آيات أخرى: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾ [ سورة النساء الآية : 77 ] ﴿ َفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾ [ سورة القصص ] إذاً أنت أيها الإنسان خُلقت لمعرفة الله، أنت مُصممٌ لمعرفة الله، فحينما تختار هدفاً أرضياً محدوداً قبل أن تصل إليه ربما تشعر بالسعادة، لأن هذه السعادة شعور بالوصول، فإذا وصلت إلى هذا الهدف خبا بريق هذا الهدف، وأصبح شيئاً مألوفاً، ولو سألت من نجحوا في الحياة الدنيا، من جمعوا أموالاً طائلة، من ارتقوا إلى مناصب رفيعة، من تزوجوا بنساءٍ جميلات، لو سألتهم الوضع أقل مما يتصور، لأن الله سبحانه وتعالى أبى أن يجعل لهذه الدنيا قدرةً على أن تمد الإنسان بسعادة مستمرة، تمده بلذائذ متدنية، ولذائذ متناقصة، ولذائذ حسية، أما الذي يمدك بسعادة مستمرة بل ومتنامية فهو الإيمان. حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح : أيها الأخوة، الآن كل واحد من الأخوة المؤمنين بمعرفته، باستقامته، بإخلاصه، بنواياه الطيبة، بتضحياته، بانضباطه، بورعه، بمؤثراته، بكل هذا يحتل عند الله مرتبة، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ [ سورة القمر ] هذه المرتبة لها أثر كبير في السعادة الأبدية ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ فالبطولة أن يكون لك: ﴿ مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ ![]() والله مرة التقيت مع إنسان عدة لقاءات، دنياه يصعب تصورها، أذواقه، بيته، أثاث بيته، مركباته، سفرياته، معمله، شيء يفوق حدّ الخيال، أتاه الله أذواقاً عالية جداً، وذكاء، وقدرة على تحصيل المال، ثم توفاه الله عز و جل، وحضرت جنازته، قام أحد علماء دمشق ليؤبنه، والله قال: أخوكم أبو فلان كان مؤذناً، هو كان صوته حسناً، و أحياناً إذا حضر صلاة جمعة يدعوه الإمام إلى أن يؤذن، فقال: أخوكم كان مؤذناً ترحموا عليه، أنا صعقت، كلمة واحدة؟ ثم عذرت المتكلم، أي بعد الوفاة هل هناك من حديث عن نوع البيت؟ مساحة البيت؟ تزيينات البيت؟ نوع المركبات؟ عند الوفاة لا يتحدث إلا عن العمل الصالح، فقلت وقتها في نفسي: اعمل عملاً يستمر الحديث عنك أربع دقائق، هناك مشكلة عند الموت لا يذكر إلا العمل الصالح، والناس في الدنيا حجمهم كبير، الحجم المالي كبير، الهيمنة كبيرة، الأتباع كثر، أما عند الموت فلا يذكر إلا العمل الصالح، وهذا درسٌ بليغ. أيها الأخوة، حجمك عند الله، لا بأناقتك، ولا بطعامك، ولا بشرابك، ولا بأثاث بيتك، ولا بموقع بيتك، ولا بمساحة بيتك، ولا بنوع مركبتك، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، فالبطولة وأنت في الدنيا أن تستخدم مقاييس القرآن ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾ مرتبة التبتل مرتبة المتفوقين و المنقطعين إلى الله : أيها الأخوة، مرتبة التبتل ليست مرتبةً مألوفةً بين الناس، هذه مرتبة المتفوقين، مرتبة المنقطعين إلى الله، مرتبة الذين قال الله عنهم: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [ سورة الأنعام ] ![]() مرتبةٍ تستنبط من دعابةٍ بين إنسانين، قال له: سيدي كم الزكاة؟ قال له: عندنا أم عندكم؟ قال له: عجيب الدين واحد! قال له: عندكم اثنان ونصف بالمئة، أما عندنا فالعبد وماله لسيده. المؤمنون السابقون، المتفوقون، أوقاتهم، طاقاتهم، جهدهم، ذكاؤهم، أقلامهم، ألسنتهم في سبيل الله كلها، ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ومن بعض الآيات التي تؤثر، حينما خاطب الله سيدنا موسى قال له: ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ [ سورة طه ] أنت لي. ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ [ سورة النجم ] المؤمن الصادق في مرتبة التبتل يحمل همّ المسلمين : ![]() أيها الأخوة، المؤمن الصادق في مرتبة التبتل يحمل همّ المسلمين، أهدافه في الحياة تزيد عن حاجاته اليومية، هناك أناس كثيرون إذا أمّن بيتاً، وتزوج، انتهت كل أهدافه، وهناك أشخاص يحملون همّ المسلمين، هدفهم كبير، يتحركون لأهدافٍ ساميةٍ كبيرة، فمهما ارتقت أهدافك ارتقيت عند الله، هناك إنسان يهتم بأهله فقط جيد، لكن هناك أشخاص يسمون عميد أسرتهم، يهتم بالأسرة الموسعة، وهناك إنسان يهتم بأمته، الأنبياء يهتمون ببني البشر. (( لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً )) [ أخرجه الحاكم عن أبي الدرداء ] النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف نال منه أهل الطائف شيئاً لا يحتمل حتى سال الدم من قدمه، جاءه جبريل ليمكنه أن ينتقم منهم، جاء ملك الجبال وقال: يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين، قال: اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده. المؤمن في مرتبة التبتل يقود نفسه ولا تقوده : المؤمن في مرتبة التبتل يقود نفسه ولا تقوده، يسخر كل طاقته لله، ولا يسخر من القيم والمبادئ، الآن الله عز و جل يقول: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [ سورة الأعراف الآية : 180 ] ![]() الإنسان يتقرب إلى الرحيم بأن يرحم خلقه، يتقرب إلى العدل بأن يكون منصفاً، أي كل واحد منا أحياناً في موقع أنه قاض، جاءت ابنته تشكو زوجها، فالعم الآن قاض بين ابنته وزوجها، اختلف ولداه هو يقضي بينهم، هناك إنسان ينحاز إلى ابنته، تكون ابنته قد تطاولت على زوجها، وهناك آباء كثر لا يتنازل أن يسأل صهره ما الذي أزعجك من ابنتي؟ تأتي إلى بيت أهلها يحجزها ليذله، لا يوجد إنصاف، فأنت أحياناً تكون في موقع قاض، أحياناً بين تاجرين، بين شريكين، بين أخوين، بين جارين، لن تتقرب إلى الله إلا بالعدل، لن تتقرب إلى الله إلا بالرحمة، إلا بالحكمة، إلا بالإنصاف. لذلك الآية الكريمة: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ أي تخلق بخلقٍ من كمالات الله تقرب بهذا الخلق إلى الله، هذا معنى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ تقرب إليه بخلقٍ مشتقٍ من كمال الله. الفطرة و الصِبغة : أيها الأخوة، هذا الموضوع ينقلنا إلى موضوع الصبغة، هناك مصطلحان في القرآن الكريم مصطلح الفطرة ومصطلح الصبغة، مصطلح الفطرة. ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ [ سورة الروم الآية : 30 ] ![]() نحن جميعاً مفطورون على حب الكمال، فأن تحب الكمال شيء وأن تكون كاملاً شيءٌ آخر، أن تحب العدل شيء وأن تكون عادلاً شيءٌ آخر، أن تحب الرحمة شيء وأن تكون رحيماً شيءٌ آخر، كل واحد منا يتمنى أن يكون رحيماً ويقدر الرحماء، بل إن اللصوص حينما يسرقون يقسمون هذا الذي سرقوه بالعدل بينهم، فطرتهم تدعوهم إلى العدل، الفطرة ليست كمالاً لكنها حبٌ للكمال، أنت ولِّفت، جُبلت، فطرت على حب الكمال، وحب الكمال هو الذي يعذبنا إذا أخطأنا، لو أن الإنسان فطر على النقص وكان ناقصاً لا يتعذب إطلاقاً، أحد أسباب الشقاء النفسي أنك مفطور فطرة سليمة على حب الكمال، فإذا وقع منك نقصٌ تتألم، هذا يسمونه تأنيب الضمير، يسمونه الشعور بالنقص، الشعور بالذنب. مرة ذكرت لكم أن هناك فندقاً بألمانيا كُتب على السرير إن لم تنم هذه الليلة فالعلة ليست في فراشنا إنها وثيرة، ولكن العلة في ذنوبك إنها كثيرة. الذين يقترفون السيئات، يظلمون البشر، هؤلاء يعانون من أزمات، ما سبب هذه الأزمات؟ أنهم فطروا فطرةً عالية، أي إنسان حتى الكافر، حتى المجرم، حتى الطاغية، في أصل فطرته فطرة عالية، ما الذي يعذبه؟ أنه خرج عن مبادئ فطرته، فأنت سواء اصطلحت مع الله فأطعته دون أن تشعر تصطلح مع نفسك، لأن منهج الله مطابقٌ تماماً لقواعد الفطرة التي فطرك الله عليها، وكل خروج عن منهج الله هو خروج عن مبادئ الفطرة، فهناك توافق عجيب بين منهج الله وبين خصائص نفسك. هذه الفطرة، الفطرة أن تحب الكمال، أن تقدر الرحمة، أن تقدر العدل، أن تقدر الكمال هذه فطرة، أما الصبغة فأن تكون رحيماً، أن تكون منصفاً، أن تكون حكيماً، أن تكون سخياً، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ﴾ [ سورة البقرة ] مصطلحان دقيقان الفطرة والصبغة، بعد الاتصال بالله تنتقل من الفطرة إلى الصبغة، الصبغة كمال، الصبغة إنصاف، الصبغة عدل، الصبغة رحمة، أما الفطرة فحب الرحمة، حب الكمال، حب العدل، حب الإنصاف وهكذا ... التبتل هو الانقطاع المستمر لله عز وجل : ![]() أيها الأخوة الكرام، التبتل هو الانقطاع، وهو الَّتفعل من البتل، وهو القطع، بتل أي قطع، انقطع لله، ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ بتل قطع، تبتل تفعل ، التفعل العمل المتكرر، انظر كسر تكسر، تكسر على مراحل، فالتبتل هو الانقطاع المستمر، الانقطاع المتعدد، منقطع لله عز وجل، وسميت مريم البتول بتولاً لانقطاعها عن الأزواج، وعن أن يكون لها نظراء من نساء زمانها. ﴿ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴾ [ سورة آل عمران ] أول اصطفاء اصطفاء الكمال، والاصطفاء الثاني أنها الوحيدة التي أنجبت من دون زواج، اصطفاء إعجاز، واصطفاء تكريم. الإنسان حينما ينقطع لله فالله عز وجل له عطاء استثنائي : أيها الأخوة، النقطة الدقيقة أن الإنسان حينما ينقطع لله فالله عز وجل له عطاء استثنائي، هؤلاء الذين انقطعوا على الله مغمورون بسعادةٍ لا توصف، حتى قال بعضهم -وكان ملكاً-: والله لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف. ![]() وصدقوا أيها الأخوة، إن لم تقل-إذا كنت متبتلاً، منقطعاً لله-: أنا أسعد الخلق ففي التبتل شك، أنت مع الله . تنام أعيننا كما قال النبي الكريم ولا تنام قلوبنا، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة. نقول نحن في الصلوات على رسول الله: وعلى أسعدنا محمد، هذا الذي وصل إلى الله، واتصل به، وسعد بقربه عن طريق التبتل، التبتل مرتبة، عامة الناس يعمل، ويصلي، ويصوم، وله بيت، وله نزهات، وله حظوظ نفسية، كلها وفق المباحات لا يوجد مشكلة هذا مؤمن، أما هناك سابق. ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾ [ سورة الواقعة ] أوقاتهم كلها لله، طاقاتهم كلها لله، قدراتهم كلها لله، أموالهم كلها لله، فأرجو الله سبحانه وتعالى حينما نعرض موضوعاً متفوقاً أن نطمح إلى هذه المراتب العليا. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#66 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول الدرس : ( الرابع و الستون ) الموضوع : حال المتبتل مع الله الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. التبتل بطولة كبيرة جداً وهو الانقطاع إلى الله بالكلية :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ :"سبل الوصول وعلامات القبول" وهو موضوع "التبتل". هناك مقدمةٌ قصيرة تبين أن الإنسان ينبغي ألا يكتفي بالرخص، ينبغي أن يكون من حينٍ إلى آخر بطلاً، أضرب على هذا مثلاً: مسيلمة الكذاب قبض على صحابيين جليلين، قال للأول: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما سمعت شيئاً، فقطع رأسه، وقال للثاني: أتشهد أني رسول الله؟ قال: أشهد أنك رسول الله، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام عنهما؟ قال: أما الأول فقد أعز دين الله فأعزه الله، المفاجأة تقييم النبي للثاني، قال: وأما الثاني فقد قبل رخصة الله. ![]() فالله عز وجل رحمة بنا ما كلفنا فوق ما نستطيع، الأول أعز دين الله فأعزه الله، كان بطلاً، والثاني قبل رخصة الله عز وجل، لكن لو أن كل الذين وقعوا في موقفٍ حرج أخذوا بالرخص لأُلغيت البطولات في العالم. أصحاب الأخدود كان بإمكانهم أن يقولوا: أنت إلهنا ومعهم رخصة، وماشطة بنت فرعون حينما قال لها: أتشهدي أن لك رباً غيري، قالت له: الله ربي وربك، وضع ولدها الأول في زيتٍ مغلي، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس، ثم وضعها، لو ألغينا البطولات لأصبح التاريخ باهتاً. فلذلك هناك رخص، لكن لابد من أن تكون من حينٍ إلى آخر بطلاً، أي بالتعبير الآخر في كل موضوع مستوى عال جداً، ومستوى مقبول، الآن حتى في الجامعة هناك امتياز، ومقبول، المقبول ناجح، أما الامتياز فمتفوق، فالإنسان لِمَ لا يطمح أحياناً أن يكون في موضوعٍ ما بطلاً؟ فالتبتل بطولة كبيرة جداً، التبتل الانقطاع إلى الله بالكلية. ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [ سورة الأنعام ] الإنسان حينما يكون متبتلاً ينفذ أمر الله عز وجل : ذكرت من قبل أن موضوعات سبل الوصول منها ما علاقته بهذه السلسلة من الدروس علاقة سلبية كالشرك والنفاق، ومن هذه الموضوعات ما له علاقة إيجابية، ومن هذه الموضوعات ما له علاقة متميزة، فأنت حينما تكون متبتلاً تنفذ أمر الله عز وجل، وقد بينت من قبل أن كل أمرٍ يقتضي الوجوب. ﴿ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ﴾ [ سورة المزمل ] ![]() للتقريب كلما كثرت ساعات الإقبال وقلت ساعات الغفلة فأنت اقتربت من البطولة كثيراً، كلما كثرت ساعات الصحوة، ساعات التألق، ساعات الإقبال، ساعات البذل والتضحية، لماذا أنت في الدنيا تحب أن تحمل أعلى شهادة؟ وأن ترتقي إلى أعلى منصب؟ وأن تجمع أكبر ثروة ؟ وأن تكون التاجر الأول أو الأستاذ الأول أو الطبيب الأول أو المهندس الأول؟ لماذا في الدنيا وهي فانية؟ والموت ينهي كل شيء، ينهي قدرة القدير، ينهي وسامة الوسيم، دمامة الدميم، قوة القوي، ضعف الضعيف، صحة الصحيح، مرض المريض، غنى الغني، فقر الفقير، الموت ينهي كل شيء، لِمَ في هذه الدنيا الفانية التي هي بضعة أيام تحب أن تكون في أعلى منصب؟ وأن تقتني أجمل بيت؟ وأن تتزوج بأجمل امرأة لماذا؟ لماذا تحب التفوق في الدنيا ولا تحب أن تكون علماً من أعلام الآخرة؟. فلذلك ما الذي يمنع أن أكون الأول؟ لِمَ هذا الرضا بالدون؟ وراء الباب، لِمَ لا تكون في الفردوس الأعلى؟ والأمر بيدك؟ أي الطموح في الدين ضعيف، أما الطموح في الدنيا فكبير جداً. الإنسان ينبغي أن يعبد الله وحده ويخلص له وحده ويعتمد عليه وحده : لذلك التبتل الانقطاع إلى الله بالكلية، أما قول الله عز وجل: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾ [ سورة الرعد الآية : 14 ] ![]() دعوة الحق له وحده، بمعنى أن الإنسان ينبغي أن يعبده وحده، وأن يخلص له وحده، وأن يقبل عليه وحده، وأن يعتمد عليه وحده، وأن يتوكل عليه وحده، وأن يرجوه وحده، وأن يخافه وحده ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾ لأنه: ﴿َ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾ [ سورة المدثر ] أهلٌ أن تُفني عمرك من أجله، أهلٌ أن تعطيه كل شيء، لذلك لا تنسى هذه الآيات: ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾ [ سورة طه الآية : 41 ] أنت لي. (( خلقت ما في الكون لأجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك )) [ ورد في الأثر] الناس عند الله زمرتان لا ثالث لهما : أيها الأخوة: ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴾ [ سورة الرعد ] له وحده العبادة، والدعاء قال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ سورة آل عمران ] ![]() هذا من التبتل، لكن هناك واواً يظنها بعض العلماء واو عطفٍ هي في الحقيقة واو استئناف، لأن هؤلاء زمرة. ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ [ سورة آل عمران ] هناك زمرة: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ هذا هو التبتل. وهناك زمرة درجة ثانية، الدرجة مقبول ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾ فالواو ليست عاطفة الواو استئنافية، انتهى الكلام الأول بدأنا بكلامٍ جديد: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾ تفاوت الناس في مواقفهم : أيها الأخوة، ورد في الأثر أنه: "من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا"، أي الواقع أن هناك أناساً كثيرين يستقيمون كي يُنعم الله عليهم بالصحة، وبالزواج الناجح، وبالدخل الكبير، استقامتهم مقبولة لكنها معلولة، استقام ليربح، استقام ليستريح، استقام ليعلو شأنه بين الناس، استقام لتنجح تجارته، هذه استقامة مقبولة وعلى العين والرأس لكنها معلولة، أما هناك أناسٌ يعبدون الله عز وجل لأنه أهلٌ للعبادة. ![]() مرة وقع تحت يدي دراسة حول استبيان، سألوا ألف زوج لماذا لا تخون زوجتك؟ فجاءت الإجابات وصنفت تصنيفاً أخلاقياً، الدرجة الدنيا من هذه الإجابات لا أستطيع لأنها معه في المحل التجاري، وفي البيت، الوقت كله مغطى بها، قال: لا أستطيع، يتمنى لكن ولا يستطيع، الدرجة الأعلى قال: لا أتحمل الشعور بالذنب أعلى، أما الدرجة الأعلى والأعلى لا أحب الخيانة. المواقف تتفاوت، هناك إنسان يستقيم همه أن يربح في تجارته، استقامته مقبولة ومعلولة، لكن هناك أشخاص: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾ [ سورة الإنسان ] نزه طاعته عن المكاسب الدنيوية. هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهمُ معدلٌ وإن عدلوا والله وإن فتتوا في حبهم كبدي باقٍ علـى حبهم راضٍ بما فعلوا * * * أي الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين. الحب منزه عن المصالح : أيها الأخوة، كان عليه الصلاة والسلام يصلي الليل حتى تتورم قدماه، تقول له السيدة عائشة رضي الله عنها: (( لم تصنعُ هذا يا رسول الله وقد غُفِرَ لكَ ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ قال : أَفلا أُحِبُّ أن أَكُونَ عبداً شكوراً؟ )) [ أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين ] ![]() أيها الأخوة، أضرب مثلاً: إنسان له صديق غني، كلما زاره أطعمه، أخذه إلى مكان جميل، أنفق عليه، قدم له الهدايا باستمرار، فهذا الغني مرةً جاءه صديقه فلم يقدم له شيئاً، وجاءه ثانيةً فلم يأخذه إلى مكانٍ جميل، وجاءه ثالثةً فلم يطعمه فتركه، إذاً هذا الود من هذا الصديق المنتفع معلول بعطاء هذا الغني، فلما توقف العطاء تركه، أما هناك إنسان فيحب إنساناً ضيفه أو لم يضيفه، أعطاه أو لم يعطه، هذا الحب منزه عن المصالح. أحياناً للتوضيح إنسان يستقيم لعلة، فربنا عز وجل ليرفع مقامه وليؤدبه على الرغم من استقامته لا يحقق له الله ما يصبو إليه، فإذا ثبت يكون قد نجح في الامتحان. التبتل هو الانقطاع لله عز وجل، أن يعبد وحده، يدعى وحده، يقصد وحده، يُشكر وحده، يحمد وحده، يحب وحده، يرجى وحده، يُخاف وحده، يُتوكل عليه وحده، يُستعان به وحده، يُستجار به وحده، ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾ كلما وضحت حكمة الأمر يضعف الجانب التعبدي في هذا الأمر : ![]() الآن: كلما وضحت حكمة الأمر يضعف في هذا الأمر الجانب التعبدي، وكلما غابت حكمة الأمر تعلو القيمة التعبدية، مثلاً: أبٌ أعطى ابنه توجيهاً: أن يا بني لا تنم حتى تنظف أسنانك واضح، يا بني ادرس واضح، كل أوامر الأب مؤداها لمصلحة ابنه، والأمر واضح جداً، فطاعة هذا الابن في هذه التوجيهات تضعف قيمتها لأنها في النهاية لصالحه، لكن تصور الابن جائع جداً، والطعام نفيس, والطعام لأبيه، فقال له الأب: يا بني لا تأكل، الأمر صعب تفسيره، قال: الطعام لأبي وأنا ابنه، وأنا جائع، والطعام حلال، وأنا لست مريضاً، لماذا لا آكل؟ فإذا قال هذا الابن بأدبٍ جم: سمعاً وطاعةً، الآن تكون المحبة في أعلى مستوى، والتقدير بأعلى مستوى. فكل واحد منا أحياناً تأتيه مصيبة صعب تفسيرها، مستقيم، مطيع لله، يؤدي العبادات، يدفع الصدقات، تأتيه مصيبة، هذه المصيبة ليمتحن الله عبوديته فقط. سيدنا إبراهيم هو الأول من الأنبياء لأنه في أعلى درجات العبودية والتوكل على الله : من هو الأول من الأنبياء؟ سيدنا إبراهيم، اذبح ابنك صعب أن تُفهم، من ابنه؟ شقي؟ لا، نبي، ابنه نبي، بلغ معه السعي، كأن هذا الأمر يعطي هذا النبي الكريم أعلى درجات العبودية والتوكل. ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾ [ سورة الصافات الآية : 102 ] ![]() أعلى امتحان فيما أتصور بتاريخ البشرية أن يقال لنبي ٍكريم هو أبو الأنبياء : اذبح ابنك. ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾ [ سورة الصافات ] قال: ﴿ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾ [ سورة الصافات ] ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ [ سورة الصافات ] نجح بالامتحان. أحياناً توضع في ظرف صعب جداً، وتقف موقفاً بطولياً جداً، ثم ربنا عز وجل يصرف عنك هذه المغامرة والمخاطرة، لكنك نجحت عند الله. قصص عن بطولات عالية جداً : أحياناً الإنسان لو كان مستقيماً، لو كان متألقاً، لو كان يؤدي العبادات، قد يأتي امتحان لامتحان عبوديته لله، نحن في هذين اللقاءين الحديث عن بطولات عالية جداً، الحديث عن مستوى رفيع من مستويات الإيمان، الحديث عن درجة عالية جداً من الانقطاع لله عز وجل. ![]() السيدة عائشة حينما اتهمها بعضهم بأثمن ما تملكه امرأة، بعفتها، وتأخر الوحي أربعين يوماً، والنبي عليه الصلاة والسلام ليس معه دليل إثبات، ولا دليل نفي، ثم نزلت تبرئتها من الله عز وجل وكان أبوها عندها. (( فقال لها أُبوها: قُومِي إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقُلْت: لا واللّه لا أقومُ إليه، ولا أحْمَد إلا اللّه )) [ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ] على مسمع من النبي الكريم فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال: (( عرفت الحق بأهله )) التوحيد أعلى درجة: (( قُومِي إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقُلْت: لا واللّه لا أقومُ إليه ولا أحْمَد إلا اللّه)) هناك قصة تكاد لا تصدق، أن النبي خطب امرأةً لتكون زوجته، هل هناك من أنثى في تاريخ البشرية لا تطمح أن تكون زوجة سيد الأنبياء والمرسلين؟ اعتذرت، سألها: لِمَ؟ قالت : يا رسول الله لي خمسة أولاد، أخاف إن قمت بحقك أن أقصر بحقهم ، وأخاف إن قمت بحقهم أن أقصر بحقك، هذا التوحيد من أعلى مستوى، اعتذرت عن أن تكون زوجة رسول الله خوفاً من أن تحاسب عن أبنائها، ما هذه التربية؟. سيدنا الصديق، أنا لا أتصور أن هناك اثنين على وجه الأرض يحب أحدهما الآخر حباً يفوق حدّ الخيال كالنبي الكريم و أبي بكر، فلما انتقل النبي إلى الرفيق الأعلى يقول سيدنا الصديق: (( فَمَنْ كان منكم يَعْبُدُ محمداً ـ بلا لقب ـ فَإنَّ محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فَإنَّ اللهَ حَيٌّ لا يموتُ )) [أخرجه البخاري عن أبي بكر الصديق] ما هذا التوحيد؟ ما هذا التنزيه؟. سيدنا عمر عزل سيدنا خالداً، قال له: لِمَ عزلتني؟ قال له: والله إني أحبك، قال له: لِمَ عزلتني؟ قال له: والله إني أحبك، قالها ثالثةً: لِمَ عزلتني؟ قال: والله إني أحبك وما عزلتك يا بن الوليد إلا مخافة أن يفتتن الناس بك لكثرة ما أبليت في سبيل الله، كان الصحابة الكرام في أعلى درجة من التوحيد، خاف على إيمان الناس أن يتوهموا أن الناصر هو خالد، الناصر هو الله فعزله وبقي النصر مستمراً. الله عز وجل يغار على عبده المؤمن أن يتجه إلى غيره : أيها الأخوة، أنت حينما تعبده، وتوحده، وتنقطع إليه، وتؤثره على كل شيء، تحتل عند الله مرتبةً، هذه المرتبة تنفعك إلى أبد الآبدين. ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾ [ سورة القمر ] ![]() والله عز وجل من أجل أن يرقى بك أحياناً تتعلق بشيء مما سوى الله، فالحكمة بالغة بالغة، ومن أجل أن يؤدبك تأديباً لطيفاً، هذه الجهة التي اعتمدت عليها يلهمها الله أن تقف موقفاً غير معقولٍ منك، يكون لك صديق حميم، صديق العمر، تسلم منصباً رفيعاً، فهذا الصديق يطمئن صديقه الثاني و يقول له: إن صديقي فلان يتمنى لي خدمة فينسى الله، ويذهب إليه واضعاً كل الأمل فيه، فيقف موقفاً متجهماً يصعق له، هذا التجهم من إلهام الله عز وجل لأن الله يغار على عبده المؤمن أن يتجه إلى غيره. وطّن نفسك إذا تعلقت بشيء، والله أخٌ كريم له دخل كبير أحب ابنه حباً يفوق حدّ الخيال يقترب من الجنون، أرسله إلى بلاد بعيدة، وأنفق عليه، واشترى له بيتاً في الشام بعشرات الملايين، فإذا بهذا الابن ينسى أباه ويتزوج ويقيم إقامةً دائمةً، ويضن على أبيه باتصال هاتفي، حينما تتعلق بغير الله الله يؤدبك، لذلك: (( لو كنتُ متخذا من أُمَّتي خليلا لاتَّخذتُ أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي في الله)) [أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري ] نصيحةٌ لوجه الله، أحب زوجتك، أحب أولادك، أحب من حولك، ولكن لا تعتمد عليهم، اعتمد على الله وحده، ضع ثقتك بالله، ضع آمالك في الله، علق أهمية على رضاء الله عنك فقط. رجل له قريب مدير مكتب السلطان عبد الحميد، افتقر، فذهب إليه على نية أن يبحث له عن عمل كوظيفة، فاستقبله قريبه، وأقام عنده مدة طويلة، يقول هذا القريب: كلما وضع كتاب التعيين لا يوقعه السلطان لثلاثين يوماً، يبدو أن القريب على علم بالله، فعلم أن قريبه متعلقٌ به ونسي الله عز وجل، أعطى توجيهاً لأحد الخدم أن يتجهم به، ثلاثون يوماً يكفي، الزيارة ثلاثة أيام، فهذا المسكين خرج من بيت قريبه هائماً على وجهه يبكي، قال له: اتبعه، انظر أي مكان ذهب، فذهب إلى بعض الخانات - الفنادق قديماً- قدم الطلب ووقعه السلطان فاستدعاه، قال له: ثلاثون يوماً وأنت معتمد عليّ، فلما خرجت من البيت مكسوراً اعتمدت على الله فوقع لك. أحياناً إنسان يعتمد على الله، في توفيق، أحياناً يضع أمله بإنسان، هذا الإنسان الذي وضعت فيه كل أملك هو الذي سيخيب ظنك، هذا تأديب من الله لأن هذا شرك خفي. أيها الأخوة: لا تسألــن بني آدم حاجةً وسل الــذي أبوابه لا تغلقُ الله يغضبُ إن تركت سؤاله وبني آدم حين يُسأل يغضبُ * * * على العبد ألا يخافن إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه : ![]() أيها الأخوة الكرام، حديثٌ جامعٌ مانع موجز قصير: ((لا يخافن أحد منكم إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه)) [سعيد بن منصور في سننه عن علي] هناك قوى شريرة بالأرض، هناك طغاة، هناك وحوش، هناك كائنات مؤذية، هناك عداوات. ((لا يخافن أحد منكم إلا ذنبه)) كلهم بأزمةٍ محكمةٍ بيد الله، أو كلهم عصيٍ بيد الله، إياك أن تقع في ذنب لئلا يسمح الله لأحدهم أن يصل إليك، والآية الكريمة: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [ سورة هود ] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#67 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول الدرس : ( الخامس و الستون ) الموضوع : اكل الطيبات الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. أكل الطيبات : ![]() أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع اليوم "أكل الطيبات"، فطاب الطعام لغةً لذَّ وزكا، الطعام الطيب الطعام اللذيذ، وطاب الطعام شرعاً إذا كان حلالاً، أي إذا أُشتري من مالٍ حلال، والطيب لها معنى واسع جداً، الطيب من كل شيءٍ أحسنه، هناك كلام طيب، وعمل طيب، وطعام طيب، و لقاء طيب، الله عز وجل يقول: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [ سورة الأعراف ] الشاهد: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ فأي شيءٍ ثبت علمياً أنه خبيث كالدخان فهو محرم بنص هذه الآية، هذه الآية تسمى عند علماء الأصول دليل عام، الخمر محرمة بدليل خاص، ولحم الخنزير محرم بدليل خاص، أما أي شيءٍ ضار، ثابتٌ علميٌ أنه ضار فهو محرمٌ بالدليل العام بنص هذه الآية: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ أوامر الدين ونواهيه ليست حداً لحرية الإنسان ولكنها ضمانٌ لسلامته : أخواننا الكرام، هناك ملمحٌ دقيقٌٌ جداً متعلق بالحلال والحرام، أو بشكل أوسع متعلق بالأمر والنهي، أي أمرٍ في القرآن الكريم، أو أي أمرٍ فيما صحّ من السنة النبوية المطهرة، أو أي نهيٍ في القرآن الكريم، أو أي نهيٍ مأخوذٍ من السنة المطهرة الصحيحة، العلاقة بين الأمر ونتائجه، وبين النهي ونتائجه علاقةٌ علمية، أي علاقة سببٍ بنتيجة. ![]() فالإنسان إذا رفع سرعة مركبته تؤخذ له صورة، ويدفع مبلغاً كبيراً، لكن لا يوجد علاقة علمية بين أن تركب مركبة وتنطلق فيها بسرعةٍ هي من خصائصها، وبين مخالفةٍ تدفع آلاف الليرات لأن القانون يمنع هذه السرعة، لا يوجد علاقة علمية هناك علاقة وضعية، أي المشرع قال: أقصى سرعة على هذا الطريق هي: ستون كيلو متراً، المشرع وضع هذا الشيء، لكن أنت حينما تضع يدك على مدفأة مشتعلة تحترق، العلاقة بين وضع اليد على المدفأة المشتعلة وبين احتراقها علاقةٌ علمية، مثل أوضح: راكب مركبة، معك عشرون طناً، وصلت إلى جسر مكتوب على مقدمة الجسر: الحمولة القصوى عشرة طن، فالسائق الذي يبحث هل هناك شرطي يخالفني أحمق، هنا الموضوع لا يتعلق بالشرطة، الجسر يعاقبك، حمولته القصوى عشرة طن، معك عشرون طناً فلابد من أن تقع في النهر، أحياناً سبب النتيجة مترابط علمياً من أجل أن توقنوا أن كل أمرٍ أمر الله به وأن كل نهيٍ نهى الله عنه، بين الأمر والنهي، بين الأمر ونتائجه، والنهي ونتائجه، علاقةٌ علمية. خط كهربائي التوتر عشرة آلاف فولت، هذا التوتر قاتل، لو اقترب الإنسان من هذا التيار دون ثمانية أمتار يصبح قطعةً من الفحم، فهل يا ترى إذا أراد الإنسان أن يقترب على أساس أنه لا يوجد شرطة يكون أحمقاً، التيار نفسه يعاقبك، فالاقتراب من التيار ينتج عنه احتراق الإنسان، فأنت حينما تؤمن أن كل أمرٍ إلهي بينه وبين النتيجة علاقة علمية، هذا الفهم للدين فهم عميق جداً، هذا الفهم فهم حضاري، أي أوامر الدين ونواهي الدين ليست حداً لحريتك ولكنها ضمانٌ لسلامتك، تمشي في الطريق وجدت لوحة كتب عليها: ممنوع التجاوز حقل ألغام، يا ترى هذه اللوحة وضعت حداً لحريتك أم ضماناً لسلامتك؟. حينما تفهم الأمر الإلهي أنه ضمان لسلامتك، وحينما تفهم النهي الإلهي ضمان لسلامتك عندئذٍ تكون فقيهاً. لذلك الفكرة الأولى: أن العلاقة بين الشيء الطيب ونتائجه، وبين الشيء الخبيث ونتائجه، علاقة علمية. معاني الطيب : الشيء الثاني: من معاني الطيب قال تعالى : ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ ﴾ [ سورة فاطر الآية : 10 ] ![]() الإنسان عنده ثلاث حاجات، عنده حاجة إلى الطعام والشراب حفاظاً على وجوده كفرد، وعنده حاجة إلى الجنس حفاظاً على بقاء النوع، وعنده حاجة ثالثة إلى تأكيد الذات حفاظاً على بقاء الذكر، فالإنسان عنده حاجة إلى أن يكون عزيزاً، له مكانة، له شأن، يشار إليه بالبنان، حاجة عند كل إنسان، لكن هذه الحاجة تلبى وفق منهج الله، اطلب العلم، اعمل الأعمال الصالحة يرفع الله لك ذكرك، قال تعالى : ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ [ سورة الشرح ] يموت عالم تجد ملايين يشيعونه بلا جهد في إقناعهم أن يشيعوه، ملايين لأن الله عز وجل رفع له ذكره، فأنت إذا عملت الصالحات، وعملت عملاً يرضي الله عز وجل، الله عز وجل يكافئك بأن يرفع لك ذكرك، وأية آيةٍ يتوهمها الإنسان أنها متعلقةٌ برسول الله وحده في الحقيقة لكل مؤمنٍ منها نصيب. إذاً الحاجة الثالثة أن تكون عزيزاً، أن تكون إنساناً مهماً، الناس يعرفون قدرك، هذه حاجة عند كل إنسان، لكن ببساطةٍ ما بعدها بساطة هذه الحاجة تلبى وفق منهج الله، اطلب العلم تكون عالماً، اعمل الأعمال الصالحة يرقى الله بك، ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾ لذلك من كان يريد العزة، الرفعة، المكانة: ﴿ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾ [ سورة فاطر الآية 10 ] (( إِنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة مِنْ رضوان الله لا يُلْقِي لها بالاً، يرفعه الله بها في الجنة، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنم)) [أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك عن أبي هريرة ] كلمة ترقى بها إلى أعلى عليين، وكلمة يهوي بها الإنسان إلى أسفل سافلين. الأنبياء العظام قمم البشر جاؤوا بالكلمة الطيبة : فلذلك ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾ ![]() الكلمة الصادقة، الكلمة المخلصة، الكلمة الحانية، الكلمة التي تنطلق من واقع، من تجربة، من صدق، من إخلاص، هذه الكلمة جاء بها الأنبياء، الطغاة جاؤوا بالصواريخ، جاؤوا بالمدرعات، بالطائرات، بالأقمار الصناعية، بالقنابل الذرية النووية، بماذا جاء الأنبياء؟ الأنبياء العظام قمم البشر جاؤوا بالكلمة الطيبة. ﴿ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) ﴾ [ سورة إبراهيم الآية : 24 -25 ] لكن المشكلة أنه في هذا الزمان حينما انفصلت الكلمة عن الواقع، تأتي إلى بلد تقول: أنا جئت لهذا البلد من أجل الحرية، فتقتل مليوناً، وتصيب بالعطب مليوناً آخر-مليون معاق- وتشرد خمسة ملايين، وتنهب ثروات البلد، وتؤخر البلد مئة سنة للوراء، وأنت جئت من أجل الحرية! لذلك كفر الناس بالحرية، حينما تكون الممارسة سيئة جداً، والغطاء راق جداً، يكفر بالكلمة، الأنبياء جاؤوا بالكلمة الصادقة، بالكلمة المخلصة، بالكلمة الرحيمة، بالكلمة الحانية، بالكلمة التي تنطلق من واقع، لذلك الكلمة الطيبة جاء بها الأنبياء، وجاء بها المرسلون، وجاء بها الدعاة الصادقون، فالكلام يكون طيباً ويكون خبيثاً. المؤمن منضبط اللسان لا ينطق إلا بالكلم الطيب : مرة قرأت كلمة لا أبالغ أن الذي قالها يهوي بها سبعين خريفاً، أنت ضعيف لأنك أخلاقي، وأنت أخلاقي لأنك ضعيف، الشيطان وراء هذه الكلمة، لماذا أنت ضعيف؟ لأنك أخلاقي، لماذا أنت قوي؟ لأنك غير أخلاقي. ![]() فلذلك حينما تطرح طُروحات تتناقض مع عظمة هذا الدين، تتناقض مع منهج الله، هذه الكلمة الخبيثة يهوي بها صاحبها سبعين خريفاً. (( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنم)) [أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك عن أبي هريرة ] ورد: (( أن قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة)) [ورد في الأثر] قذف محصنة، إنسانة طاهرة عفيفة، أحياناً يُذكر اسم امرأة تقول: لا نعرف، يهوي بها من دون دليل، من دون تحقق في جهنم سبعين خريفاً. (( قالت: قلتُ: يا رسول الله حَسْبُكَ من صفيّةَ قِصَرها، قال: لقد قلتِ كلمة لو مُزِجَ بها البحر لَمَزَجَتْهُ )) [أخرجه أبو داود والترمذي عن عائشة أم المؤمنين] أنت حينما تؤمن أن كلامك من عملك تستقيم على أمر الله. ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه)) [أخرجه الإمام أحمد،عن أنس بن مالك] أبرز صفة بالمؤمن أنه منضبط اللسان، تعيش معه ثلاثين عاماً لا يسمع منك كلمة لا ترضي الله عز وجل، لا يوجد بهتان، ولا كذب، ولا احتقار، ولا اشمئزاز من الناس، ولا استعلاء، ولا كبر، المؤمن ينطق بالكلم الطيب وهذا يرفعه عند الله، وغير المؤمن ينطق بالكلم الخبيث. من عاش تقياً عاش قوياً : الآن هناك طعام طيب، طبعاً كفكرة أولى هناك لحوم كثيرة، ومواد غذائية من أعلى نوع، وخبرة بالطبخ من أعلى مستوى، حيثما جاءت كلمة طعام طيب ليس هذا هو المعنى في الدين إطلاقاً، المعنى أنه أُشتُريّ بمالٍ حلال. ![]() والله زرت والد صديقي -قصة من عشر سنوات تقريباً- عمره ستة وتسعون عاماً، قال لي: الحمد لله أجريت البارحة تحاليل كاملة، فكانت النتيجة أن كل التحاليل طبيعية، ست وتسعون سنة التحاليل كلها طبيعية، وفق الحدود الدنيا والقصوى، قال لي: والله لم آكل في حياتي لقمة حرام، ولا أعرف الحرام النسائي، لا يعرف حرام المال ولا حرام النساء، من عاش تقياً عاش نقياً. عالم شهير أسس مدرسة شرعية وعلّم فيها ثمانين سنة، بدأ في الثامنة عشرة من عمره ومات في الثامنة والتسعين، كان إذا رأى شاباً في الطريق يقول له: أنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، هذا في الثامنة والتسعين كان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، على كل خد وردة، فكان من حوله يسألونه يا سيدي ما هذه الصحة؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش نقياً. من استقام على أمر الله كان مستجاب الدعوة : أيها الأخوة، الآن هناك طعام طيب أي أُشتريَّ بمالٍ حلال، أنت عملت في مهن عديدة، ما كذبت، ولا غششت، ولا دلست، ولا زورت، ولا أعطيت صفة للبضاعة بخلاف واقعها، هناك أكثر من مليون مخالفة في البيع والشراء، قد تأتي ببضاعة من دولة من الدرجة العاشرة، وتدمغها على أنها من دولة من الدرجة الأولى، هذا غش، أنواع الغش لا تعد ولا تحصى، أنت حينما لا تكذب، ولا تزور، ولا تدلس، ولا تحتكر، ولا تبع بيع نجشٍ، أنت حينما تستقيم في بيعك وشرائك، معنى ذلك أن هذا المال الذي ربحته مالٌ حلال، فإذا اشتريت به أي طعام فهو عند الله طعامٌ طيب. (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)) [أخرجه الطبراني في المعجم الصغير عن عبد الله بن عباس] ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [ سورة البقرة ] ![]() عندي طالب له خال صاحب دار سينما، هذه الدار تأتي بأفلام فيها إثارة جنسية عالية جداً، والإقبال عليها منقطع النظير، فهذا جمع ملايين عدة من هذه الدار، وفي الأربعين من عمره أصيب بورم خبيث، فزاره ابن أخته تلميذي، فبكى خاله، قال له: جمعت هذا المال كي أستمتع به في خريف عمري، أما وقد داهمني المرض فلن أستفيد شيئاً، لأنك بنيت هذه الثروة على إفساد أخلاق الشباب، عقب هذا الفيلم كم حادث زنا صار؟ كم انحراف جنسي صار؟ كم انحراف أخلاقي صار؟ حينما تجمع المال على حساب أخلاق الشباب فأنت مؤاخذ: (( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة)) [أخرجه الطبراني في المعجم الصغير عن عبد الله بن عباس] إن الله طيِّب لا يقبلُ إلا طيباً : أيها الأخوة، وهناك زوج طيب وزوجة طيبة، وهناك زوج خبيث وزوجة خبيثة، قال تعالى: ﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾ [ سورة النور الآية: 26 ] ![]() هناك إنسان طيب صادق، متواضع، رحيم، منصف، محسن، وهناك إنسان كاذب، خائن، منحرف، يغتاب، ينم بين الناس، إنسان طيب وإنسانة طيبة، المؤمنة إنسانة طيبة. ((أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة)) [أخرجه البزار والإمام أحمد عن عائشة أم المؤمنين] أي أعظم النساء بركةً أقلهن مهراً. لذلك: ((إن الله طيِّب ، لا يقبلُ إلا طيباً)) [أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة] لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (( لا يتصدَّق أحَد بتمرة من كَسْب طَيِّب إلا أخَذَها الله بيمينه، يُربِّيها كما يربي أحَد فَلُوَّه أو قَلوصَه، حتى تكون مثل الجبل، أو أعظم )) [أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ومالك عن أبي هريرة] دفعت مبلغاَ من مالٍ حلال، من مبلغٍ طيب حصلته بجهدٍ طيب. الرزق أخطر شيء بحياة الإنسان : أخواننا الكرام، أخطر شيء بحياة الإنسان أن يكون رزقه حراماً، مثلاً: دعوة ميئوس من نجاحها، لكن الموكل ليس له خبرة في القوانين، تقول له: بالمئة مليون ناجحة، يمكن أن تبتز منه مئات الألوف لعشر سنوات، ثم تفاجئه بأن القاضي لم يكن عادلاً ليس هذا ذنبي، هذا المال حرام، يمكن أن تنصح مريضاً بعملية جراحية لا يحتاجها، فالمبلغ مال حرام، يمكن أن ترفع مستوى الأسئلة فالطلاب جميعاً بعلامات متدنية، يحتاجون إلى دروس خاصة، فهذا المال حرام، والله أساليب الحرام لا تعد ولا تحصى. ![]() وأنت حينما تراقب نفسك، أنت حينما توهم الشاري أن هذه البضاعة في طريقها إلى المنع، أي ِالحق نفسك والأمر غير صحيح، فرفعت السعر قبله، أساليب البيع الحرام لا تعد ولا تحصى، فالبطولة أن يكون كسبك حلالاً، لا فيه كذب، ولا تدليس، ولا غش، ولا تزوير، ولا تحوير، ولا احتكار، ولا تلقي الركبان، فمعاصي البيع والشراء لا تعد ولا تحصى، الله عز وجل كما قلت : (( إن الله طيِّب ، لا يقبلُ إلا طيباً )) حديثٌ آخر بهذا المعنى يقول عليه الصلاة والسلام : (( أيُّها الناس، إن الله طيِّب ، لا يقبلُ إلا طيباً، وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين )) [ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ] تقول: أنا لست نبياً، ومن قال لك أنت نبي؟ لكن أنت مكلف أن تستقيم كما استقام النبي، أنت ممرض بمستشفى كُلفت أن تعطي حقنة لمريض، يجب أن تعقمها كما يعقمها الطبيب، هذه قضايا حدية ليس لها علاقة بالمكانة، الممرض وجراح القلب يستويان في تعقيم الحقنة: (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين )) [ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ] (( ثم ذكرَ الرجلَ يُطيل السَّفر، أشعثَ أغْبَرَ، يمدّ يديه إلى السماء: يا ربِّ يارب ومطْعمه حرام، ومشْرَبُهُ حرام، وملبَسَهُ حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجَاب لذلك؟ )) [ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ] أكل الطيبات أحد سبل الوصول وأحد علامات القبول، أن تأكل طيباً، أن تأكل طعاماً أُشتري بمالٍ حلال، والمال الحلال هو المال الذي كسبته بطريقٍ مشروع مئة بالمئة. الشيء الطيب والخبيث تعرفه الفطر السليمة بدايةً : أيها الأخوة: (( إنَّ من أطيب ما أكل الرجلُ من كسبه )) [أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ] ![]() أي عمل مشروع، عمل يدوي، عمل صناعي مشروع، عمل تجاري، عمل زراعي، عمل خدمي، فيه صدق، فيه أمانة، ليس فيه كذب، ولا إيهام، و لا دجل، و لا تزوير، و لا غش، هذا العمل دخله حلال، إن اشتريت به أسوأ طعام صناعةً فهو عند الله أطيب طعام، ولو اشتريت أطيب طعامٍ من حيث المذاق بمالٍ حرام فهو عند الله طعامٌ خبيث. لذلك أيها الأخوة، الشيء الطيب والخبيث تعرفه الفطر السليمة بدايةً، لماذا سمّى الله المعروف معروفاً؟ لأن الفطر السليمة تعرفه، ولماذا سمّى الله المنكر منكراً؟ لأن الفطر السليمة تنكره، فالطيب تعرفه الفطر السليمة. أنت فتحت دكاناً، اشتريت بضاعة جيدة وسعرها معتدلاً، وعاملت الناس معاملة طيبة، فالفرق بين الشراء والمبيع هذا الربح، هذا حلال مئة بالمئة، البضاعة طيبة والسعر معتدل، و لا يوجد غش. لكن لو إنسان فرضاً يبيع الزيت وجد فأرة في الزيت، لم يراها أحد من زبائنه نزعها بملقط، وباع الزيت كزيت، فهذا المال حرام، هذا الزيت يباع لمعمل الصابون، أما لا يباع للناس للأكل. فأنت حينما تخالف الشريعة فالدخل حرام، ومع الدخل الحرام هناك دمار مال، يقول لك: مصادرات، احترق المحل. أحياناً هناك ردّ إلهي دون أن تشعر، قال له: يا ربي -هكذا يروى- لقد عصيتك فلم تعاقبنِي، قال: وقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ. كما أن هناك مليون طريق للمال الحرام، هناك مليون طريق لتدمير المال، يقول لك: مصادرة، احتراق شاحنة، أصابها حادث. أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الفرق بين الطيب والحلال؛ الحلال ما أفتى به المفتي، أما الطيب فما أفتاك به قلبك، أنت معك فطرة سليمة تشعر أن هذا الدخل طيب، ليس فيه كذب ولا دجل. أيها الأخوة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن نجهد أن يكون الدخل حلالاً حتى إذا اشترينا به طعاماً يكون هذا الطعام طيباً عندئذٍ يستجيب الله دعاءنا. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#68 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول الدرس : ( السادس و الستون ) الموضوع : اكل الطيبات و تعلقة بالحلال والحرام الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. قواعد في الحلال والحرام : 1 ـ الأصل في الأشياء الإباحة أما في العقائد والعبادات فالأصل فيها الحظر : ![]() أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ متعلقٍ بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" الموضوع "أكل الطيبات". ولكن من لوازم هذا الموضوع موضوع الحلال والحرام، ومن خلال النصوص القرآنية والنبوية الصحيحة استنبط بعض العلماء قواعد في الحلال والحرام لابد من الوقوف عندها، لأنها منهجٌ للمؤمن في موضوع الحلال والحرام. فالقاعدة الأولى: الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يحرم شيءٌ إلا بالدليل القطعي الدلالة، والثابت نسباً، هذا في الأشياء، أما في العقائد والعبادات فالأصل فيها الحظر، ولا تشرع عبادةٌ إلا بالدليل القطعي والثابت، عندنا عقائد وعبادات الأصل فيها الحظر، وعندنا أشياء الأصل فيها الإباحة، بالأشياء التحريم يحتاج إلى دليل، أما في العبادات فالتشريع يحتاج إلى دليل، لو كان كل مسلم يخترع عبادة انتهى الدين، فالعبادات توقيفية، ولا تشرع عبادةٌ إلا بالدليل القطعي والثابت، هذه قاعدة، طبعاً قال تعالى: ﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾ [ سورة الجاثية الآية: 13] الكون كله مسخر لهذا الإنسان، إذاً الأصل في الأشياء الإباحة. (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال)) [أخرجه الطبراني والبزار عن أبي الدرداء] الآن بموضوع الحلال والحرام والعبادات: (( وما حرم هو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } )) [أخرجه الطبراني والبزار عن أبي الدرداء] ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾ [ سورة مريم الآية: 64 ] هذه القاعدة الأولى مهمة جداً، الأصل في الأشياء الإباحة ولا يحرم شيءٌ إلا بالدليل القطعي والثابت، والأصل في العقائد والعبادات الحظر ولا تشرع عبادةٌ إلا بالدليل القطعي والثابت هذه قاعدة. 2 ـ التحليل والتحريم من شأن الله وحده : القاعدة الثانية: التحليل والتحريم من شأن الله وحده، غير مسموحٍ لأي إنسانٍ كائنٍ من كان أن يقول لك: هذا حلال وهذا حرام، التحليل والتحريم من شأن الله وحده، ونحن لا يوجد عندنا بالعالم الإسلامي إنسان كلامه دليل، إلا أن كلامه يحتاج إلى دليل، أما النبي وحده فكلامه سنة، وفعله سنة، وإقراره سنة، بحياة المسلمين إنسان واحد هو رسول الله كلامه دليل، أي إنسان آخر يحتاج كلامه إلى دليل، هذه قاعدة ثانية: التحليل والتحريم من حق الله وحده. ﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾ [ سورة الشورى الآية: 21 ] ﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾ [ سورة النحل الآية: 116 ] فالتحليل والتحريم من شأن الله وحده، غير مسموحٍ لإنسان أن يقول: هذا حلال وهذا حرام بلا دليل، كان بعض العلماء الكبار إن سُئل عن شيء يقول: لا أرتاح له لا أفعله فقط، أما حلال و حرام فهذا تألي على الله. 3 ـ تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر : أيها الأخوة، القاعدة الثالثة: تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر، بل إن تحريم الحلال ليس أقل إثماً من تحليل الحرام، يقول الله عز وجل فيما يرويه النبي عن ربه: (( إني خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ )) حنفاء أي مائلون بفطرتهم إلى الشرع، الفطرة متوافقة مع الشرع. (( إني خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كلّهم . وإنهم أَتَتْهُمُ الشياطين فاجْتَالَتْهم عن دينهم )) [أخرجه مسلم عن عياض بن حمار] ![]() أي استخفت بهم، فجالوا معها في الحلال والحرام، الآن إنسان عادي جداً يقول لك: حرام، حلال، لست مقتنعاً أنه حرام، من أنت؟ يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتمُ حتى يكون لكم عندُ؟ *** (( وإني خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كلّهم، وإنهم أَتَتْهُمُ الشياطين فاجْتَالَتْهم )) أي استخفت بهم، فجالوا معها، جالوا تجولوا معها في الحلال والحرام وقالوا: هذا حلال بزعمهم، وهذا حرام بزعمهم. (( وحرمت عليهم ما أَحللتُ لهم . وأمرْتَهُم أن يُشرِكوا بي ما لم أُنَزِّلْ به سُلطانا )) [أخرجه مسلم عن عياض بن حمار] الآن هناك فئة من الناس متشددون، يحرمون الحلال، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( هَلَكَ المُتَنَطِّعُون )) [أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن مسعود] المتنطع هو المتعمق، المغالي في الكلام، هو مرتاح يقول لك: حرام، أين الدليل؟ يا أخي الكريم عود نفسك ألا تقبل شيئاً إلا بالدليل، ألا تقبل تحريماً إلا بالدليل، وألا تقبل إباحةً إلا بالدليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء. 4 ـ الحلال تطيب به النفس والحرام تخبث به النفس : إذاً: الأصل في الأشياء الإباحة والأصل في العبادات الحظر، والتحليل والتحريم من حق الله وحده، وتحليل الحرام من أكبر الكبائر، كما أن تحريم الحلال من أكبر الكبائر، ويقترن بالشرك. ![]() أخواننا الكرام، الحلال طيب تطيب به النفس، والحرام خبيث تخبث به النفس، هذا ينقلنا إلى أن هناك علاقةً علميةً بين الحلال ونتائجه، وبين الحرام ونتائجه، الحلال طيب تطيب نفسك به، إنسان اشتهى المرأة قام وتزوج، زوجة صالحة، طاهرة، عفيفة، أنجبت له أولاداً، ملأت حياته فرحاً، هذا الزواج كلما تقدم في السن صار هناك مراحل أخرى، صار جد والجد له مكانة كبيرة، المرأة أصبحت أماً، أصبحت جدة، أي هناك مستقبل للحلال، ولا يوجد مستقبل للحرام، الحرام خبيث تخبث به النفس، أوضح مثل: خاطب لابنتك تتم الموافقة عليه، يعقد العقد الشرعي، يسهر عندكم للساعة الثانية ليلاً، لا أحد يتكلم كلمة، أما لو أن فتاة كلمها شاب لا تعرفه، ومشت معه في الطريق، ورآها أبوها كأنها وقعت في فضيحة، الحلال مقبول والحرام مرفوض، الحلال تطيب به النفس والحرام تخبث به النفس، طبعاً الدليل: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾ [ سورة الأعراف الآية: 157 ] وهذا دليل عام، أي شيء ثبت أنه خبيث فهو حرام بالدليل العام. 5 ـ في الحلال ما يغني عن الحرام : ![]() أيها الأخوة، هناك قاعدة أخرى: في الحلال ما يغني عن الحرام، أي شيءٍ حرمه الله عز وجل أحلّ مقابله شيئا آخر، الله عز وجل حرم الاستقسام بالأزلام - وسيلة بدائية لأن تختار هذا الشيء وهذا الشيء- عوضهم عن الاستقسام بالأزلام بدعاء الاستخارة، الاستقسام بالأزلام محرم يقابله دعاء الاستخارة، حرم عليهم الربا عوضهم عنها بالتجارة الرابحة والبيع الحلال، حرم عليهم القمار و جعل بدلاً منها المسابقة في الدين، حرم عليهم الحرير و استعاض عنها بالملابس الفاخرة، حرم عليهم الزنا و استعاض عنها بالزواج الحلال، حرم عليهم شرب المسكرات عوضهم بالأشربة اللذيذة، حرم عليهم الخبائث من المطعومات و استعاض عنها بالمطاعم الطيبات، ما من شيءٍ حرمه الله إلا له بديل. الآن التأمين حرام لكن التأمين التعاوني حلال، أنت بالتأمين التعاوني شريك في هذه المؤسسة، أربع سنوات لم يحدث معك أي حادث يقتضي أن تأخذ تعويضاً، لكن مالك محفوظٌ لك، ولك أن تربح منه، أي لا يوجد شيء حرام إلا ويقابله شيء حلال، حرمان بالإسلام لا يوجد لكن هناك تنظيماً. 6 ـ ما أدى إلى حرام فهو حرام : أيها الأخوة، النقطة الدقيقة في القاعدة السادسة: ما أدى إلى حرام فهو حرام، الزنا محرم، إطلاق البصر محرم، مقدمات الزنا محرمة، التبرج الجاهلي محرم، الخلوة بامرأةٍ لا تحل لك محرمة، الاختلاط العابث محرم، الصور الفاضحة محرمة، الأدب المكشوف محرم، المواقع الإباحية بالإنترنت محرمة، القصص الماجنة محرمة، الفضائيات التي يوجد فيها مشاهد مثيرة محرمة، فما أدى إلى حرام فهو حرام، نحن عندنا قاعدة مذهلة: ![]() الأهداف النبيلة لها وسائل نبيلة، الوسائل من جنس الهدف، لا يوجد هدف نبيل وسائله خبيثة أبداً، لا يوجد يانصيب خيري، ولا حفلة غنائية كبرى يرصد ريعها للأيتام، لا تصح، الأهداف النبيلة لابد لها من وسائل نبيلة، الأهداف الشريفة لها وسائل شريفة، في الإسلام الوسيلة من جنس الهدف، إذاً ما أدى إلى حرام فهو حرام. هناك نقطة ثانية: الحرام تتسع دائرته لا لتبقى عند فاعل الحرام بل لتشمل كل من شارك فيه، ملهى ليلي كل ما في الملهى معاصي وآثام، الذي ركب الكهرباء آثم، والذي دهن البناء آثم، والذي زين البناء آثم، كل من شارك في هذا الملهى آثم، فإثم الحرام لا يقتصر على فاعله المباشر بل تتسع الدائرة لتشمل كل من شارك بجهدٍ ماديٍ أو أدبي، أي من أعان ظالماً ولو بشطر كلمة، أنت عند موظف خطير يريد أن يوقع الأذى بإنسان، قال لك: معي الحق، قلت له: طبعاً شاركته في الإثم. (( مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ )) [أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة] لذلك من أين أُخذ هذا؟ في الخمر: (( لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه )) [أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عباس] يمكن أن نضيف شيئاً الآن؟ والمعلن عنها، مؤسسة إعلانية، تعلن عن نشاط ملهى ليلي مثلاً، هذا الإعلان آثم، تتسع دائرة الحرام حتى تشمل كل من شارك في هذا الحرام، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾ [ سورة النساء الآية: 85 ] هذه القواعد ليست من بنات أفكار العلماء، هذه القواعد مستنبطة من نصوص كثيرة، آيات وأحاديث صحيحة متعلقة بالحلال والحرام. 7 ـ التحايل على الحرام حرام : أخواننا الكرام، قاعدة أخرى: التحايل على الحرام حرام، آتي بسجادة من محل بيع السجاد، يأتي إنسان بكم هذه السجادة؟ يقول له: هذه بعشرة آلاف، يشتريها ديناً، نكتب في الدفتر مبيع السجادة لفلان بعشرة آلاف، اشتراها ديناً بعشرة آلاف، الآن يقول هذا الشاري: أتشتريها مني بثمانية آلاف نقداً؟ قال له: موافق أعطاه الثمانية آلاف، الذي حصل أن إنساناً أخذ ثمانية آلاف يجب أن يؤدي بعد شهرين عشرة آلاف، هذا الربا بعينه، أما الصورة بيع وشراء، بيع العينة حرام، هو ربا بشكل بيع وشراء، ببلاد سجادة، ببلاد كيس رز، يشتري الإنسان كيس الرز بخمسة آلاف ديناً، يبيعه للبائع بأربعة آلاف نقداً، أي اقترض أربعة آلاف سددها خمسة آلاف عن طريق شراء كيس رز. لذلك التحايل على الحرام حرام، وهذا موضوع ينقلنا إلى الحيل، الذي يحتال على الله كأن الله لا يعلم، مثلاً يريد أن يسكن مع امرأة أخيه، يحضر طفلة صغيرة من الحي ترضعها امرأة الأخ تصبح أمها من الرضاعة، يعقد قرانه على هذه الطفلة التي عمرها سنتين أو شهرين، تصبح هي حماته، يُطلّق الصغيرة، تصبح حماته على التأبيد، فيسكن معها دائماً، هذه الحيل لا تنطلي على طفل، هناك أساليب لا تعد ولا تحصى في الحيل، أنت بهذه الحيلة لا تعرف الله أبداً، فالتحايل على الحرام حرام، أحياناً يتغير الاسم، بدل فائدة عائدة تبقى فائدة، هناك أشياء محرمة قطعاً تعطى أسماء أخرى وكأن هذا الاسم إذا تغير تغير طبيعة الشيء. 8 ـ النية الحسنة لا تبرر الحرام : الآن القاعدة الثامنة: النية الحسنة لا تبرر الحرام، لا يوجد حرام بنية حسنة، طبعاً الإسلام يقدر الباعث الكريم، والقصد الشريف، والنية الطيبة في التشريعات. (( إِنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى )) [أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب] ![]() بالنية الطيبة تصبح المباحات والعادات طاعات وعبادات، أنت إذا اشتريت ثياباً بنية أن تظهر بمظهر لائق، أنت مؤمن لك خصوم، أنت حينما تشتري ثياباً بنية أن تظهر بمظهر لائق صار عملاً صالحاً، حينما تأخذ أهلك إلى نزهة بنية أن تمتن العلاقة بينك وبين أولادك عمل صالح، عادات المؤمن عبادات بالنية الطيبة، وعبادات المنافق سيئات بالنية الخبيثة، هذا شيء ثابت، لكن كما قال عليه الصلاة والسلام: (( ومن طلب الدنيا حلالاً استعفافاً عن المسألة وسعياً على أهله، وتعطفاً على جاره ، لقي الله عز وجل ووجهه مثل القمر ليلة البدر)) [شعب الإيمان عن أبي هريرة] أنت تعمل عملاً يومياً، بائع، موظف، طبيب، أنت حينما تنوي خدمة المسلمين بطبك أصبحت حرفتك عبادة، حينما تنوي نفع المسلمين بتجارتك تقدم لهم بضائع جيدة بسعر معتدل بمعاملة طيبة، وأنت في محلك التجاري في عبادة، بل إن العمل المهني، العمل الذي ترتزق منه، إذا كان في الأصل مشروعاً، وسلكت به الطرق المشروعة، وابتغيت منه كفاية نفسك وأهلك ولم يشغلك عن طاعةٍ، ولا عن واجبٍ ديني، انقلب إلى عبادة، ماذا تقولون؟ كل إنسان إذا ابتغى بعمله خدمة المسلمين انقلب عمله إلى عبادة. 9 ـ اتقاء الشبهات أولى : أيها الأخوة، عندنا قاعدة أخرى اتقاء الشبهات أولى، أي درء المفاسد مقدمٌ على جلب المنافع، اتقاء الشبهات أولى. (( إنّ الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن )) [أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير] الزنا حرام، السرقة حرام، وأن تشتري طعاماً بمالٍ حلال تأكله مع أهلك هذا حلال، فالحلال الصرف واضح كالشمس، والحرام الصرف واضح كالشمس، لكن: (( وبينها أمور مشتبهات )) [أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير] أي هذا الأمر يشبه الحلال من جهة والحرام من جهة، هذه: (( أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس )) [أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير] الآن: (( فمن اتقى الشبهات ، استبرأ لدينه وعِرْضهِ ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يَوشك أن يرتَعَ فيه ، ألا ولكِّ ملك حمى، إلا وإنّ حمى الله محارمُه )) [أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير] 10 ـ الحرام حرام على الجميع : ![]() أخواننا الكرام، الحرام حرام على الجميع، نحن لا يوجد عندنا استثناءات بالدين، لا يوجد حرام على فئة وحلال لفئة، لا يوجد شيء ممنوع على فئة ومسموح لفئة، لا يوجد شيء مباح لفئة ومحرم على فئة، الحرام حرامٌ على الجميع، فالإسلام فيه عدل مطلق، السرقة حرام سواء أكان السارق ينتمي إلى المسلمين أو لا ينتمي، سواء أكان المسروق ينتمي إلى المسلمين أو لا ينتمي، هذا كافر، من قال لك إن ماله حلال لك؟ من قال لك؟ أنا لي رأي خاص: الحرمة أشد، إنك إن أسأت إلى كافر، أو أكلت ماله، يتهم الإسلام كله، الجزاء لازم للسارق أياً كان نسبه: (( إنما هلك الذين من قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها )) [ أخرجه الطبراني عن أم سلمة أم المؤمنين] الحرام على الجميع. 11 ـ ضابط الكسب الحلال : لكن آخر شيء في هذا اللقاء الطيب: عندنا ضابط، قاعدة تجمع كل الحرام، وقاعدة أخرى تجمع كل الحلال، الحلال منفعةٌ بنيت على منفعة، أما الحرام فمنفعةٌ بنيت على مضرة، لو جمعت كل أنواع الحرام؛ يانصيب، سرقة، احتيال، غش، تدليس، أي المحرمات في البيع لا تعد ولا تحصى، لو جمعت كل المحرمات في البيع والشراء لا تزيد عن أن منفعةً بنيت على مضرة، ولو جمعت كل أنواع الحلال لا تزيد عن أن منفعةً بنيت على منفعة، هذه محور الأصل في الحلال أن منفعةً تبنى على منفعة أي منافع متبادلة، والحرام منفعة بنيت على مضرة. أيها الأخوة الكرام، موضوع الحلال والحرام مهم جداً لأنه قوام حياتنا، لأنه قوام طريقنا إلى الله، لأنه ما من موضوعٍ أشد لصوقاً بسبل الوصول وعلامات القبول من موضوع الحلال والحرام. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#69 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول الدرس : ( السابع و الستون ) الموضوع : صلة الرحم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. صلة الرحم : أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ولعله من أبرز العبادات التعاملية إنه "صلة الرحم"، فقد قال الله عز وجل: ﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى ﴾ [ سورة النساء الآية: 36 ] ![]() وقد قرنت هذه العبادة التعاملية بالصلاة والزكاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي أيوب الأنصاري أن رجلاً أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: (( أخبرني بعمل يُدْخِلُني الجنَّةَ، ويباعدني من النار، فقال القوم: ما لَهُ؟ ما لَهُ؟ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أرَبَّ ما لَهُ؟ تعبدُ الله لا تُشْرك به شيئاً، وتقيمُ الصلاةَ وتُؤتي الزكاةَ، وتَصِلُ الرَّحِمَ )) [أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي أيوب ] هذا قانون، وقد أُمرت الأمم قبلنا بصلة الرحم، فقال سبحانه: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى ﴾ [ سورة البقرة الآية: 83 ] ودعا النبي صلى الله عليه وسلم في مطلع نبوته إلى صلة الرحم، فعن أبي أمامة قال: (( كُنْتُ وأنا في الجاهلية أظُنُّ أنَّ الناس على ضلالة، وأنهم لَيْسُوا على شيء وهم يَعْبُدُون الأوثان، فسمعتُ برَجُل بمكةَ يُخْبِرُ أخْبارا، فَقَعَدْتُ على رَاحِلتي، فَقَدِمْتُ عليه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مُسْتَخْفِيا، حِرَاء، عليه قومه، فَتَلَطَّفتُ، حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنتَ؟ فقال: أنا نبي، فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله فقلت: فَبِأيِّ شيء [ أرسلك ]؟ قال: [ أرسلني ] بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يُوَحَّدَ الله ولا يشرك به شيء )) [ أخرجه مسلم عن عمرو بن عبسة ] صلة الرحم عبادة تحتل المركز الأول بعد العبادات الشعائرية : تلاحظون أن هذه العبادة التعاملية تحتل أول مركز بعد العبادات الشعائرية، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يربط هذه العبادة بأن يكون الأرحام لهم مكانة، قال النبي الكريم: ((أوصاني خليلي بصلة الرحم وإن أدبرت )) [ أخرجه الطبراني والطبراني عن أبي ذر الغفاري ] و: ((أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع : خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية ، وكلمة العدل في الغضب والرضى ، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا ، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة )) [أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ] أيها الأخوة، بل إن هذه العبادة التعاملية الأولى ربطت بالإيمان، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (( وَمَن كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر فليَصِل رَحِمَه )) [أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة ] صلة الرحم عبادةٌ عظيمة من أخصّ العبادات : أيها الأخوة، صلة الرحم عبادةٌ عظيمة من أخص العبادات، يقول عمر بن دينار: ما من خطوةٍ بعد الفريضة أعظم أجراً من خطوةٍ إلى ذي رحم، ثوابها معجلٌ في الدنيا، ونعيمٌ مدخرٌ في الآخرة، فقد قال صلى الله عليه وسلم: (( إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم )) [أخرجه الطبراني في المعجم عن أبي هريرة ] ![]() أعجل ثواباً في الدنيا قبل الآخرة، والقائم بحقوق ذوي القربى موعودٌ في الجنة، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((أصحاب الجنة ثلاثة ذو سلطان مصدق ومقسط موفق )) [أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم عن عياض بن حماد] إنسان قوي، عادل، مستقيم، موفق، محسن. (( ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قُرْبَى ومسلم ، وعفيف مُتَعَفِّف ذو عيال )) [أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم عن عياض بن حماد] السخاء على الرحم له ثوابٌ مضاعفٌ من رب العالمين : ![]() أيها الأخوة الكرام، أمر الله بالرأفة بالأرحام كما نرأف بالمساكين، قال عز وجل: ﴿ وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ﴾ [ سورة الإسراء الآية: 26] وحق الرحم في البذل والعطاء مقدمٌ على اليتامى والمساكين، قال تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ [ سورة البقرة الآية: 215 ] أيها الأخوة، السخاء على الرحم له ثوابٌ مضاعفٌ من رب العالمين، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم دققوا في هذا الحديث: (( الصَّدَقَةُ على المسكينِ صَدَقة، وهي على ذي الرَّحمِ اثنتان: صدقة وصِلة )) [أخرجه أبو داود والترمذي عن سلمان بن عامر ] إن تفقدت ذوي رحمك لك أجران؛ أجر الصدقة مع أجر الصلة، وأول من يعطى من الصدقة هم الأقربون من ذوي المسكنة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (( كان أبو طلحةَ أكثَرَ الأنصار مالا بالمدينة من نخل، وكان أحبَّ أمواله إِليه بَيْرُحاءَ - بستان جميل جداً وكانت مستقبلةَ المسجدِ - فكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدخُلُها، ويشربُ من ماء فيها طيِّب ، قال أنس: فلما نزلتْ هذه الآية: { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } [آل عمران : 92] قام أبو طلحةَ إِلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله، إِن الله تبارك وتعالى يقول: { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } وإِن أحبَّ مالي إِليَّ: بَيْرُحاءَ، وإِنَّها صدقة لله، أرجو بِرَّها وذُخْرَها عند الله فَضعْها يا رسولَ الله حيث أراكَ الله، قال: فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: بَخ، ذلك مال رابح ذلك مال رابح )) [ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن أنس بن مالك ] بعضهم يقول: لما سمي المال مالاً؟ لأنه ليس لك ما لك، أما إذا أنفقته في سبيل الله فيصبح لك. (( ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإِني أرى أن تجعلَها في الأقربين، فقال أبو طلحةَ: أفعلُ يا رسولَ الله، فقسمها أبو طلحةَ في أقاربه وبني عمه)) [ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن أنس بن مالك ] الباذل لأقربائه سخيُ النفس كريم الشيم : أيها الأخوة، الباذل لأقربائه سخيُ النفس، كريم الشيم، يقول الشعبي -رحمه الله-: والله ما مات ذو قرابةٍ لي وعليه دين إلا وقضيت عنه دينه. أحد أخواننا الكرام، له ابن عم أستاذ جامعي، توفي بمرض وبيل، فسأل أولاده أمامي أَعلى والدكم دين؟ قالوا: نعم، قال: هو عليّ، قال لي: تصورت عشرة آلاف، عشرين ألفاً، بعد عدة يوم سألهم، فقالوا: ثلاثمئة وخمسة وثمانين ألفاً، قال لي: والله دفعتها عداً ونقداً، أقسم لي بالله وقال: كان عندي بضاعةٌ كاسدة من سنوات طويلة بعتها بعد عدة أيام ونصيب أرباحي منها المبلغ نفسه. فهذا الشعبي يقول: ما مات ذو قرابةٍ لي وعليه دين إلا وقضيت عنه دينه. من هم الأرحام؟ من هم الأرحام؟ بشكل موضوعي الرحم الأولى رحم الدين، هي رحمٌ عامة تشمل جميع المسلمين، تتفاوت صلتهم بحسب قربهم وبعدهم من الدين، أو بحسب قربهم المكاني أو الزماني فيدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [ سورة الحجرات الآية: 10 ] ![]() أي مؤمن هو أخوك في الدين بحسب مكانه، طبعاً الإنسان بالصين غير الإنسان بالشام، الذي في الشام أقرب إليك، بحسب المكان، والزمان، والقوة في الدين، لذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ [ سورة الحجرات الآية: 10 ] الأخوة الإيمانية لجميع المسلمين، وقال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾ [ سورة محمد ] هنا الرحم العامة رحم الإيمان، أي كل أخ مؤمن له عليك حق. النوع الثاني: رحم القرابة القريبة أو البعيدة من جهتي الأبوين، إذاً كل أقربائك القريبة والبعيدة من جهة الأبوين، أي من جهة والدك ومن جهة أمك. صلة الرحم تدفع ميتة السوء : ![]() أيها الأخوة، العلاقات بين الناس تزداد وثوقاً بالرحم، وقريبك لا يمَلّك على القرب، ولا ينساك في البعد، عزه عزٌ لك، وذله ذلٌ لك، قال القرطبي رحمه الله تعالى: اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبةٌ، وأن قطيعتها محرمة. وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم وحسن الجوار وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار)) [ أخرجه الإمام أحمد عن عائشة أم المؤمنين ] معنى يزيدان في الأعمار؛ هناك معنى شرحه العلماء قالوا: العمر لا يتبدل، لكن العمر يغتني بالعمل الصالح، أو يطول بالعمل الصالح، ويقصر بضعف العمل الصالح، أوضح مثل إنسان فتح محله التجاري ساعة باع بمليون، وإنسان فتحه اثنتي عشرة ساعة باع بمئة ليرة، فالزمن ليس له قيمة، القيمة لهذا المبلغ الذي باع فيه في هذا اليوم. و عن أنسٍ رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الصدقَةَ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ ، وتَدْفَعُ مِيتَة السُّوءِ )) [ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ] والله مرة في طريقي إلى مكتبي وجدت إنساناً ملقى على الأرض مغطى بغطاء، مات لعله بسكتة دماغية في الطريق، هذا الساعة التاسعة صباحاً، الساعة الرابعة بعد الظهر هو هو، الطبيب لم يأتِ، إنسان يموت في الطريق، إنسان يموت في بيته بين أهله، فلذلك صلة الرحم تدفع ميتة السوء. كيفية صلة الرحم العامة و الخاصة : أيها الأخوة، أولاً: رحم الدين كيف نصلها؟ قال: بملازمة الإيمان، والمحبة للمؤمنين، ونصرتهم، والنصيحة لهم، وترك أذيتهم، والعدل بينهم، والإنصاف في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة، كتمريض المرضى، ومواساة الفقراء من دون أن يمن عليهم، ونصرة المظلومين، وحقوق الموتى من غسلهم، والصلاة عليهم، ودفنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة على أهل الإيمان، هذه الرحم العامة، الرحم الخاصة رحم القرابة، وتكون صلتها بزيارتهم، وتفقد أحوالهم، والسؤال عنهم، والإهداء إليهم، والتصدق على فقيرهم، والتلطف مع وجيههم وغنيهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتكون الصلة باستضافتهم، وحسن استقبالهم، وإعزازهم، ومشاركتهم في أفراحهم، ومواساتهم في أتراحهم، وتكون الصلة بالدعاء للأرحام، وسلامة الصدر لهم، والحرص على نصحهم، ودعوتهم للخير، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وإصلاح ذات البين إذا فسدت. ![]() حدثني أخ قال لي: أنا أسكن ببيت، ثاني قبو تحت الأرض، شمالي، مساحته سبعون متراً، رطوبته عالية جداً، أولادي معهم أمراض كثيرة، قال لي: والله ما خطر في بالي شيء، إلا أنك حينما تحدثت عن صلة الرحم زرت أحد أقربائي، لم أجده فوضعت له بطاقة، يبدو أن هذا القريب رأى من الواجب أن يرد الزيارة، ردها بعد العيد، رأى بيتي بهذا الوضع، قال له: هذا البيت لا يُسكن، قال لي بمروءةٍ عجيبة وبحرصٍ على أولادي: ابحث عن بيت بمليوني ليرة، القصة قديمة، قال لي: والله الله أكرمني ببيت في الطابق الرابع، جنوبي، انتقلت إليه وحياتنا انقلبت رأساً على عقب بهذه الصلة. صلة الرحم زيارة وتفقد ومساعدة وتوجيه : ![]() الحقيقة هذه الصلة تعني أن القوي من الأقارب يعاون الضعيف، وأن الغني يعاون الفقير، وأن العالم يعاون الجاهل، أنا أتصور صلة الرحم عملية معقدة جداً، الناس اختصروها بزيارة مع بطاقة، ويتمنى ألا يجده، يضع البطاقة وانتهى الأمر، كأن هذه الصلة مسخت، أنا أتصور صلة الرحم أن تزوره، أن تتفقد شؤونه المعاشية، التربوية، الدينية، الاجتماعية، أن تمده بما تستطيع، من مال بأسلوب ذكي جداً، لطيف، مثلاً على المدارس هناك هدية معينة، على أول العام الدراسي هناك هدية معينة، في مواسم العبادة هناك هدية معينة، في الأعياد أن تمده بالمال، أن تمده بتعليم أولاده. والله حضرت قبل يومين جمعية رائعة جداً، أي طالب متفوق لم يتح له أن يدرس في الجامعة، هذه الجمعية مختصة بالإنفاق عليه حتى التخرج، هذا شيء يفعله أهل الدنيا بأكملهم، طالب متفوق يجب أن يدرس. فأنت حينما تتفقد من حولك المكافأة في الدنيا قبل الآخرة، أولاً: تكون هذه الصلة ببشاشةٍ عند اللقاء، ولينٍ في المعاملة، وطيبٍ في القول، وطلاقةٍ في الوجه، وزيارات، وصلات إحسانٍ إلى المحتاج، وبذلٍ للمعروف، تكون بنصحهم والنصح لهم، ومساندة مكروبهم، وعيادة مريضهم، والصفح عن عثراتهم، وترك مضرتهم، والمعنى الجامع لكل هذا إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر، هذه الصلة، الصلة زيارة، الصلة تفقد، الصلة مساعدة، الصلة توجيه. والله سمعت عن أسرة في هذه البلدة الطيبة أنشؤوا شركة غير ربحية من أجل أن تهيئ فرص عمل للشباب الفقراء من هذه الأسرة، لها اجتماعات تعين الشباب، تبحث عن مستقبلهم، تبعثهم إلى الجامعات، من أروع الأُسر، أقامت جمعية خيرية من أجل مساعدة أفراد هذه الأسرة الكبيرة. كل إنسان يتفقد أرحامه له من الله معاملة خاصة : أيها الأخوة، إلا أن الأقارب يختلفون في أحوالهم، وطباعهم، ومنازلهم، منهم من يرضى بالقليل، تكفيه الزيارة السنوية، والمكالمة الهاتفية، منهم من لا يرضى بطلاقة الوجه، والصلة بالقول، منهم من يعفو عن حقه كاملاً ويلتمس المعاذير لأرحامه، ومنهم من لا يرضى إلا بالزيارة المستمرة والاهتمام الدائم، فمعاملتهم بهذا المقتضى، كل قريب له طبع، هذا القريب يكفيه بالسنة زيارة، هذا القريب يحتاج إلى زيارة دورية، هذا القريب دقيق جداً يحاسبك على الهمسة، هذا القريب متسامح. ![]() على كلٍّ بشكل مختصر: تبدأ صلة الرحم بنوعٍ من الاتصال، قد يكون هاتفياً، قد يكون بريدياً، قد تكون زيارة، ثم تفقد الأحوال المعيشية والاجتماعية، ثم المساعدة بألطف أسلوب، ثم الأخذ بيد القريب وأهله إلى الله، وحملهم على طاعته والتقرب إليه، وهذا تاجٌ تتوج به الصلة، أي إذا تمكنت أن تأخذ بيد هذه الأسرة إلى الله، دعوتهم إلى مسجدك، اعتنيت بهم، تفقدت شؤونهم، أكرمتهم بهدايا: (( يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها )) [ ورد في الأثر] والله بالواقع أعرف أناساً كثيرين يتمتعون بهذه العبادة التعاملية، والله عز وجل أكرمهم إكراماً لا حدود له، أخ كريم له خمس أخوات بنات، أزواجهن ليسوا أغنياء، هذه بحاجة إلى عملية جراحية على حسابه، هذه تريد مساعدة شهرية على حسابه، شيء عجيب جداً، كل إنسان يتفقد أرحامه له من الله معاملة خاصة. الآن عندنا أقارب متعبون، حتى لو كان الأقارب من النوع المتعب الذي يقابل الإحسان بالإساءة لا يجوز أن تقاطعهم، لأنك تتعامل مع الله، طاعةً لأمره، والتزاماً بسنة نبيه، أي اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله. غض البصر عن الهفوات والعفو عن الزلات تجني الود والإخاء واللين والصفاء : ![]() أيها الأخوة، الواقع أن ذوي الرحم غير معصومين، يتعرضون للزلل، ويقعون في الخلل، تصدر منهم الهفوات، يقعون في خطيئاتٍ كبيرات، فإن بدر منهم شيءٌ من ذلك فالزم جانب العفو معهم، فإن العفو من شيم المحسنين، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزة، وقابل إساءتهم بالإحسان إليهم، واقبل عذر معتذرهم، ولك في النبي الكريم يوسف القدوة والأُسوة، فقد فعل أخوة يوسف مع يوسف ما فعلوا، وضعوه في الجب ليموت، أي قتلة، وعندما اعتذروا قَبِل عذرهم، وصفح عنهم الصفح الجميل، ولم يوبخهم بل دعا لهم وقال: ﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [ سورة يوسف ] هناك ملمح دقيق في الآية، قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾ [ سورة يوسف الآية: 100] لم يقل من الجب، إن قال: إن أخرجني من الجب ذكرهم بخطيئتهم، تجاهل خطيئتهم قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾ [ سورة يوسف الآية: 100 ] لم يصف أنهم أعداء، قال: نزغ الشيطان بيننا، هذا تلطف عال جداً، الأنبياء مثل عليا. حق الرحم : أيها الأخوة، إذاً غض البصر عن الهفوات، والعفو عن الزلات، وإقالة العثرات تجني الود، والإخاء، واللين، والصفاء، وتتحقق فيك الشهامة، والوفاء، وداوم على هذه الصلة ولو قطعوا، وبادر بالمغفرة ولو أخطؤوا، وأحسن إليهم ولو أساؤوا، ودع عنك محاسبة الأقربين، ولا تجعل عتابك لهم سبباً لبعدهم عنك، وكن جواد النفس، كريم العطاء، وجانب الشح فإنه من أسباب القطيعة. وعن عبد الله بن عمرو قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (( وإياكم والشح فإنما أهلك من كان قبلكم الشح أمرهم بالقطيعة فقطعوا أرحامهم، وأمرهم بالفجور ففجروا وأمرهم بالبخل فبخلوا )) [ أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ] ![]() قيل لأحدهم ما حق الرحم؟ قال: تستقبل إذا أقبلت، وتتبع إذا أدبرت، أي ليس الواصل بالمكافئ، زارني أزوره، دعاني إلى وليمة أدعوه إلى وليمة، هذا نمط الغرب، أما عند المسلمين فأصله ولو قطعني، أصله ولو جافاني. (( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع: خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة، وآمرُ بالعُرْف )) [أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ] عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي الكريم: (( يا رسولَ الله، إِن لي قرابة، أصلِهُم ويقطعونني، وأُحْسِن إِليهم ويُسيئُون إِليَّ وأحلُم عنهم، ويجهلون عليَّ؟ قال: لئن كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهُم الملَّ - التراب - ولن يزال معك من الله ظهير عليهم ما دُمتَ على ذلك )) [أخرجه مسلم عن أبي هريرة ] أيها الأخوة، هذا بعض ما في هذه الصلة، وهذه العبادة التعاملية الأولى بعد العبادات الشعائرية، أسأل الله سبحانه وتعالى أن تترجم هذه النصوص والحقائق إلى سلوك يومي. والحمد لله رب العالمين
|
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#70 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول الدرس : ( الثامن و الستون ) الموضوع : الوصول الى صلة الرحم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. صلة الرحم تدفع نوائب الدهر وترفع بأمر الله عن المرء البلايا : أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ متصلٍ أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو موضوع "صلة الرحم". ![]() الحقيقة أن لهذه الصلة، أو لهذه العبادة التعاملية الأولى التي وردت بعد العبادات الشعائرية في القرآن والسنة ثماراً يانعةً وكبيرة، فصلة الرحم تدفع نوائب الدهر، وترفع بأمر الله عن المرء البلايا، فقد قال جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام في الغار: (( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } فرجع بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَرْجُف فؤاده )) [ أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين ] لأول مرة: (( فدخل على خديجة بنت خُويلد، فقال: زمّلوني، زمّلوني، فزملوه حتى ذهب عنه الرَّوْع. فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيتُ على نفسي )) [أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين ] الآن دققوا: (( فقالت له خديجة: كلا، أبشر، فو الله لا يُخزيك الله أبداً، إنك لتَصِلُ الرحم )) [ أخرجه البخاري ومسلم، عن عائشة أم المؤمنين ] من أبرز العبادات التعاملية بعد العبادات الشعائرية صلة الرحم. (( فو الله لا يُخزيك الله أبداً، إنك لتَصِلُ الرحم، وتَصْدُق الحديث، وتحمل الكَلّ - الضعيف - وتَكسِب المعدوم . وتَقْرِي الضيف ، وتُعين على نوائب الحق )) [ أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين ] (( لا يُخزيك الله أبداً، إنك لتَصِلُ الرحم )) صلة الرحم محبة الأهل و بسط الرزق و بركة العمر : أيها الإخوة، لقد خلق الله الرحم، وشق لها اسماً من اسمه، ووعد ربنا جلّ وعلا بوصل من وصلها، ومن وصله الرحيم وصله كل خير، ولم يقطعه أحد، ومن بتره الجبار لم يعله بشر، وعاش في كبد، فالله عز وجل يصل من وصل رحمه، ويقطع من قطع رحمه. أيها الإخوة، في الحديث الصحيح. (( إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك: قالت: بلى قال فذاك لك قال ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا إن شئتم { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ } )) [ أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ] أيها الإخوة، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرَّحِمُ مُعلَّقة بالعرشِ، تقولُ: من وَصَلَني وَصَلَهُ اللهُ، ومن قطعني قَطَعَهُ الله )) [أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين ] ![]() صلة الرحم محبة الأهل، بسط الرزق، بركة العمر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: (( تعلَّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صِلَة الرحم: مَحَبَّة في الأهل مَثْرَاة في المال، مَنْسَأة في الأثر)) [ أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة ] و هناك حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَن سَرَّهُ أن يَبسُطَ اللهُ عليه في رِزْقِهِ، أو يَنْسَأ في أثرِه، فَلْيَصِلْ رحمه)) [ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن أنس بن مالك ] أيها الإخوة، صلة الرحم أمارةٌ على كرم النفس، وسعة الأفق، وطيب المنبت، وحسن الوفاء، ولهذا قيل: من لم يصلح لأهله لن يصلح لك، ومن لم يذبَّ عنهم لن يذبَّ عنك، يقدم على صلة الرحم أولو التذكرة وأصحاب البصيرة. أيها الإخوة، صلة الرحم مدعاةٌ لرفعة الواصل، وسببٌ للذكر الجميل، وموجبةٌ لشيوع المحبة، وعزة المتواصلين، صلة الرحم تقوي المودة، وتزيد المحبة، وتتوثق بها عرى القرابة، وتزيل العداوة والشحناء، فيها التعارف، وفيها التواصل، وفيها الشعور بالسعادة. تلبية دعوة الفقراء والأقارب من عمل الآخرة : ![]() لكن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، المسلمون ليسوا كذلك، كثيرٌ من الناس مضيعٌ لهذا الحق، مفرطٌ فيه، فمن الناس من لا يعرف قرابته لا بصلةٍ، ولا بمال، ولا بجاهٍ، ولا بحال، ولا بخلقٍ، ولا بود، تمضي الشهور، و ربما الأعوام، ولا يقوم بزيارتهم، ولا يتودد إليهم لا بصلةٍ، ولا بهدية، ولا يدفع عنهم مضرةً، ولا أذية، بل ربما أساء إليهم، وأغلظ القول فيهم، هذا الواقع المر. ومن الناس من لا يشارك أقاربه في أفراحهم، ولا يواسيهم في أتراحهم، ولا يتصدق على فقرائهم، بل تجده يقدم عليهم الأباعد في الصِلات والهبات، أحياناً تأتيك دعوة من جهة قوية أو غنية تلبيها فوراً، وتلبية هذه الدعوة من الدنيا، وأحياناً تأتيك دعوة من قريب فقير في أطراف المدينة لا تلبيها لضعف شأنه، لذلك تلبية دعوة الفقراء والأقارب من عمل الآخرة. (( لو دعيت إلى كراع لأجبت )) [ أخرجه البخاري ] ((ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله )) [أخرجه البخاري ومسلم] لكن الناس ألفوا أن يلبوا دعوة الأغنياء والأقوياء، وتلبية هذه الدعوة ليست من الدين بل من الدنيا، لكن تلبية دعوة الفقراء والأقرباء من عمل الآخرة. بطولة المؤمن أن يصل من قطعه : ![]() هناك حالة أخرى من الناس من يصل أقاربه إن وصلوه، ويقطعهم إن قطعوه، يدعوهم إن دعوه، هذه ليست بصلة رحم، إنما هو مكافئٌ للمعروف بمثله، وهو حاصلٌ للقريب والبعيد، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( ليس الواصلُ بالمكافئ، ولكن الواصلُ مَنْ إِذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا)) [ أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ] البطولة أن تصل من قطعك، أما أن تصل من وصلك، أن تلبي من لباك، فهذا ليس في باب صلة الرحم هذا في باب المكافأة. الآن هناك أناسٌ يحرصون على دعوة الأباعد، ويغفلون دعوة الأقارب، الأباعد قد يكونون من أصحاب الشأن، من أصحاب القوة والمال، لذلك الأقربون أولى بالمعروف. نتائج قطيعة الرحم : ![]() النتائج أيها الإخوة نتائج صلة الرحم تحدثنا عنها كثيراً، لكن نتائج قطيعة الرحم معاداة الأقارب، هذه المعاداة شرٌ وبلاء، الرابح فيها خاسر، والمنتصر مهزوم، وقطيعة الرحم من كبائر الذنوب، وقبائح العيوب، متوعدٌ صاحبها باللعنة والثبور، فالتدابر بين ذوي القربى مؤذنٌ بزوال النعمة، وسوء العاقبة، وتعجيل العقوبة. فعن جبير بن مطعم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( لا يَدْخُلُ الجنةَ قاطِع -أي قاطعَ رحم -)) [ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن جبير بن مطعم ] عقوبتها معجلةٌ في الدنيا قبل الآخرة، فعن أبي بكرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: (( ما من ذنب أجدر أن يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من قطيعة الرحم والبغي )) [ رواه الترمذي عن أبي بكرة ] ذنبان يعجل الله لصاحبهما العقوبة في الدنيا قبل الآخرة. أيها الإخوة، قطيعة الرحم سببٌ للذلة والصغار، والضعف والتفرق، مجلبةٌ للهم والغم، قاطع الرحم لا يثبت على مؤاخاة، ولا يرجى منه وفاء، ولا صدقٌ في الإخاء، يشعر بقطيعة الله له، ملاحقٌ بنظرات الاحتقار مهما تلقى من مظاهر التبجيل، لقد كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم يستوحشون من الجلوس مع قاطع رحم. معنى قوله تعالى ﴿ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ ![]() أخواننا الكرام، ما دام القلب ينبض كل شيء له حل، المشكلة أن يقف القلب وأنت قاطع رحم، ما دام القلب ينبض، ما دام في الحياة بقية، كل مشكلة مهما عظمت لها حل، فالعداوات التي تتوهم أنها لن تنقضي تنقضي، بزيارة مفاجئة، بهدية، باعتذار على الهاتف، بعمل صالح، فالإنسان إذا أراد أن يحسن العلاقة بينه وبين الخلق الله يعينه على ذلك، قال تعالى: ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ [ سورة الأنفال الآية: 1 ] قال بعض العلماء: ﴿ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ تعني ما بينك وبين الله عز و جل، هذه أهم علاقة، وقال بعضهم: ﴿ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ ما بينك وبين من حولك، مع زوجتك، مع أولادك، مع أهلك، مع والديك، مع أخوتك، مع أخواتك، مع أصهارك، ﴿ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ بزيارة، بمصالحة، بمودة، بهدية، باتصال هاتفي، باعتذار ﴿ َأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ والمعنى الثالث: ﴿ َأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾ أي أصلح أية علاقةٍ بين اثنين، أول معنى: بينك وبين الله، المعنى الثاني: بينك وبين من حولك، المعنى الثالث: أصلح أي علاقةٍ بين اثنين، لذلك النمام لا يدخل الجنة، النمام ينقل ما قاله فلان عن فلان. أثر الهدية في اجتلاب المحبة وإثبات المودة : ![]() أيها الإخوة، حسن الخلق له تأثير في هذه الصلة، حسن الخلق من جهة والهدية قال: (( تَهَادُوا، فإن الهدية تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ)) [ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ] (( تهادوا تحابوا )) [ البيهقي عن أبي هريرة] هناك مشكلة مع أخيك قدم له هدية، لتكن هذه الهدية شفيعاً لك في إعادة المودة إلى ما كانت عليه، فالهدية لها أثرٌ في اجتلاب المحبة، وإثبات المودة، وإذهاب الضغائن، وتأليف القلوب، وكان عليه الصلاة والسلام يحذرنا ويقول: (( لا يَحِلُّ لمسلم أن يهجرَ أخاه فوقَ ثلاث ليال، يلتقيان، فيُعرِضُ هذا، ويُعرضُ هذا، وخيرُهما الذي يبدأُ بالسلام )) [ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي أيوب ] الله عز و جل يقول: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ [ سورة فصلت ] أخلاق الحرب شيء وأخلاق السلم شيءٌ آخر : ![]() أيها الإخوة الأكارم، قد يلتبس على بعض الناس أخلاق الجهاد مع أخلاق السلم في السلم: ﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ هذا في الحياة الدنيا، أما في الحرب. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾ [ سورة التحريم الآية:9] أخلاق الحرب شيء وأخلاق السلم شيءٌ آخر، بالسلم اجعل هذه الآية شعاراً لك: ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ ﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾ [ سورة فصلت ] قطيعة الرحم من أقبح العيوب و أفظع الذنوب : مرة ثانية: (( لا يَدْخُلُ الجنةَ قاطِع- أي قاطعَ رحم -)) [ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن جبير بن مطعم ] وكأنها من أكبر الكبائر، من أقبح العيوب، من أفظع الذنوب، الله عز و جل يقول: ﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾ [ سورة الرعد ] هدي النبي صلى الله عليه و سلم من خلال سيرته : ![]() لنقف وقفةً متأنيةً عند هدي النبي صلى الله عليه و سلم من خلال سيرته، كان عليه الصلاة والسلام أرق الناس، وأعفهم، وأوصلهم للرحم، وأحلمهم، لذلك ذكره القرآن الكريم بأنه ذو: ﴿ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [ سورة القلم الآية: 4 ] وقال أيضاً: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ [ سورة آل عمران الآية: 159 ] أي أنت أنت يا محمد على علو قدرك، وعلى أنك سيد الأنبياء والمرسلين، وقد أوتيت وحي السماء، أوتيت القرآن، أوتيت الفصاحة والبيان، أوتيت جمال الصورة، أوتيت الحكمة، أوتيت المنطق، مع كل هذه الخصائص أنت أنت يا محمد مع كل هذه الخصائص. ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾ [ سورة آل عمران الآية: 159 ] أمثلة من التاريخ عن صلة النبي الكريم لرحمه : النبي الكريم بلغ من صلة رحمه مبلغاً عظيماً ضرب به المثل على مرّ التاريخ، فما سمعت الدنيا بأوصل منه. قرابته، أبناء عمه، أبناء عمومته، أخرجوه من مكة، طاردوه، أرادوا قتله، شتموه، آذوه، حاربوه في المعارك، نازلوه في الميدان، قاموا بثلاثة حروبٍ في بدرٍ وأحدٍ والخندق، ودخل مكة منتصراً، عشرة آلاف سيف متوهجة تنتظر كلمة من فمه، وقفت له الأعلام مكبرة، طنت بذكر نصره الجبال والوهاد، فلما انتصر وقف عند حلق باب الكعبة صلى الله عليه و سلم منحنياً وهو يقول للقرابة والعمومة: ماذا ترون أني فاعلٌ بكم؟ فيتصورون الجزاء المر، والقتل الحار، والموت الأحمر، فيقولون وهم يتباكون: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، فتدمع عيناه، فيقول: اذهبوا فأنتم الطلقاء، هذا من أعلى درجات العفو، أخرجوه، طاردوه، قاتلوه، شتموه، نكلوا بأصحابه لعشرين عاماً، فلما تمكن منهم، وحياتهم موقوفة على كلمة من فمه، وعشرة آلاف سيف متوهجة تأتمر بأمره، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، النبي الكريم أسوة حسنة لنا، في الطائف حينما قهر قال: ((إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي)) [ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن جعفر ] ![]() وفي فتح مكة حينما انتصر قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، كأنه يقول عفا الله عنكم وسامحكم، يأتي ابن عمه - أبو سفيان بن الحارث- يسمع بالانتصار، وقد أذى الرسول الكريم، وشتمه، وقاتله، فيأخذ هذا الرجل أطفاله، ويخرج بهم من مكة، فيلقاه علي بن أبي طالب يقول له: يا أبا سفيان إلى أين تذهب؟ قال: أذهب بأطفالي إلى الصحراء فأموت جوعاً وعرياً، والله إن ظفر بي محمد ليقطعني إرباً إرباً، يقول له عليٌ وهو يعرف رسول الله: أخطأت يا أبا سفيان، إن رسول الله صلى الله عليه و سلم أوصل الناس، وأبر الناس، وأكرم الناس، فعد إليه وسلم عليه بالنبوة، وقل له كما قال أخوة يوسف: ﴿ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾ [ سورة يوسف ] فيأتي بأطفاله ويقف على رأس المصطفى صلى الله عليه و سلم ويقول: يا رسول الله: السلام عليك ورحمة الله وبركاته ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾ فيبكي عليه الصلاة و السلام وينسى تلك الأيام، وتلك الأعمال، وتلك الصحف السوداء، ويقول: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [ سورة يوسف ] هذه هي النبوة، يقول أبو سفيان: يا بن أخي ما أوصلك! وما أرحمك! وما أحكمك! يا بن أخي ما أوصلك! أي ما أشد وصلك لنا، وما أرحمك! وما أعظم رحمتك بنا، وما أحكمك! وما أعقلك! الآن تأتيه أخته من الرضاعة، وقد ابتعدت عنه عقوداً كثيرة، فتأتيه وهو لا يعرفها وهي لا تعرفه أصلاً، رضعت معه وتسمع وهي في بادية بني سعد في الطائف بانتصاره، فتأتي لتسلم على أخيها من الرضاعة، وهو تحت سدرةٍ عليه الصلاة و السلام، والناس بسيوفهم بين يديه، وهو يوزع الغنائم بين العرب، فتستأذن فيقول لها الصحابة: من أنت؟ تقول: أنا أخت رسول الله من الرضاعة، أنا الشيماء بنت الحارث، أرضعتني أنا وإياه حليمة السعدية، فيخبرون النبي الكريم، يتذكر القربى وصلة الرحم، ويقوم لها ليلقاها في الطريق، ويرحب بها ترحيب الأخ بأخته بعد طول غياب، وبعد الوحشة والغربة، ويأتي بها ويجلسها مكانه، ويظللها من الشمس، تصوروا هذا النبي الكريم، ومعلم الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، يظلل هذه العجوز أخته من الرضاعة من الشمس، ويترك الناس وشؤون الناس ويقبل عليها ويسألها: يا أختاه كيف حالكم؟ يا أختاه اختاري الحياة عندي أو تريدين أهلك؟ تقول: أريد أهلي، فيمتعها بالمال، ويعطيها مئة ناقة، ليُعلّم الناس صلة الرحم، يا سيدي يا رسول الله، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك، هذه نبوة النبي، هذه أخلاق النبي، هذه صلة الرحم، العبادة التي تأتي بعد الفرائض. أسباب قطيعة الرحم : ![]() إخواننا الكرام، قطيعة الرحم لها أسباب كثيرة، أولها: الجهل بعواقب القطيعة وفضائل الصلة، ضعف التقوى والكبر، الانقطاع الطويل عن الأقارب، العتاب الشديد، هذا يضعف العلاقة، التكلف الزائد أحياناً بإكرامهم بحيث أن الآخر يخاف على هذا القريب من أن يدفع مبالغ فوق طاقته، الشح والبخل، تأخير قسمة الميراث، أحد أسباب قطيعة الرحم، الشراكة بين الأقارب أحد الأسباب، الاشتغال بالدنيا، الطلاق بين الأقارب، بعد المسافة والتكاسل، هذه كلها أسباب، أو الاحتكاك الشديد يأتي إلى قطيعة الرحم من حيث الأولاد أحياناً، قلة التحمل، أن تنسى أقاربك في الولائم والمناسبات و تدعو الأباعد، هذه كلها أسباب تدعو إلى ضعف صلة الرحم. أيها الإخوة الكرام، أرجو الله سبحانه وتعالى أن تترجم هذه الحقائق، وهذه المواقف الرائعة للنبي الكريم إلى سلوك يومي. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| الاسلامية-, التربية, الوصول, القبول, سبل, وعلامات |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 3 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 3 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 12 | 09-22-2018 08:42 PM |
| التربية الإسلامية - الموت | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 5 | 09-06-2018 08:30 PM |
| التربية الاسلامية - مدارج السالكين | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 101 | 07-21-2018 03:54 PM |
| التربية الإسلامية -علم القلوب | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 54 | 07-18-2018 11:42 AM |
| اشياء تمنع الرجل من الوصول الى النجاح | منال نور الهدى | رِيَاض الأسرَة وَالطِفَل وَ أنَاقَة حَواء وآدَم | 4 | 07-14-2014 11:00 AM |