| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : المقدمةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الاول ) تمهيد : أيها الأخوة المؤمنون ؛ انطلاقاً من قول النبي عليه الصلاة والسلام : (( من عرف نفسه عرف ربه )) فالإنسان من دون جميع المخلوقات , يتمتع بما وهبه الله عزّ وجل بقوة إدراكية ، فإذا غفل عن سر وجوده , وعن حقيقة وجوده , وعن مهمته في الدنيا , فقد ضلَّ سواء السبيل ، الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً ﴾ [سورة الكهف الآية : 103] يجب أن نقف قليلاً عند كلمة الأخسرين ؛ إنها جمع الأخسر , والأخسر : اسم تفضيل , الأشد خسارة . الإنسان في الدنيا قد يخسر ماله ويعوضه ، قد يخسر مركزه ويعوّضه ، ولكن الإنسان في الآخرة : حينما يكتشف أنه ضلَّ سواء السبيل ، وحينما يكتشف أن أمامه شقاءً أبدياً ، لا يُقال له : خاسر , يقال له : أخسر ، خسر نفسه , وخسر الآخرة الأبدية , وضيَعها من أجل لعاعة من الدنيا , كما وصف النبي عليه الصلاة والسلام الدنيا . إذا : ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾ [سورة الكهف الآية : 103-104] فالناس مختلفون : منهم من يدري ويدري أنه يدري فهذا عالمٌ فاتبعوه ، ومنهم من يدري ولا يدري أنه يدري فهذا غافلٌ فنبّهوه ، ومنهم من لا يدري ويدري أنه لا يدري فهذا جاهلٌ فعلّموه ، ومنهم من لا يدري ولا يدري أنه لا يدري فهذا شيطان فاحذروه . إذاً : الإنسان دون جميع المخلوقات , زوده الله بقوة إدراكية . إذا قلت لكم : إن أعظم شيء خلقه الله في الأرض أو في الكون هو العقل البشري , لا أكون مبالغاً ، الإنسان به يرقى ، وبه ينحط , الإنسان هل هو إلا عقل يدرك وقلب يحب ؟ والعلاقة بين العقل والقلب كما ورد في الحديث الشريف : (( أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً )) كلما رجَحَ عقلك ازداد حبك . انطلاقاً من أنه : (( من عرف نفسه عرف ربه )) يجب أن نعرف أنفسنا من نحن ؟ ماهويتنا ؟ لئلا تستهلكنا الحياة ، الحياة تستهلك الناس من عملٍ , إلى نومٍ , إلى راحةٍ , إلى متعةٍ , إلى ندوةٍ , إلى سهرةٍ , إلى نزهةٍ , إلى لقاء , إلى خصومةٍ , إلى مجادلةٍ , ويأتي الأجل وقد ضيّع الإنسان كل شيء , فمن أجل أن لا تستهلكنا الدنيا , ومن أجل أن لا نكون ضحية الجهل , الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ [سورة الطلاق الآية: 12] علة وجود الإنسان . كأن علّة وجودنا في هذه الأرض أن نعلم ، ويبدو أن العلم إذا كان كما أراد الله عزّ وجل ينقلب إلى عمل ، وإذا صحّ العمل , سَعِدَ الإنسان في الدنيا والآخرة . قال الله عزّ وجل : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [سورة الذاريات الآية: 56] العبادة في الأصل : غاية الخضوع إلى الله عزّ وجل ، غاية الاستسلام ، غاية المحبة ، غاية التوجه , والإنسان يتوجه إلى الله ويعبده , ويحبه , ويستسلم له إذا عرفه , وإذا توجه إليه يسعد لقربه , ولذلك خلقه . ويقول الله عزّ وجل : ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ أنت أيها الإنسان مهمتك الأولى أن تعبد الله عزّ وجل . الإنسان هو المخلوق الأول , لأنه قَبِلَ حمل الأمانة , سَخّرَ الله له ما في السماوات والأرض , حَملُ الأمانة مأخوذ من قوله تعالى : ﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ [سورة الأحزاب الآية: 72 ] هذه الأمانة عُرضت على جميع المخلوقات في عالم الأزل ، أشفقن منها , وحملها الإنسان , لأنه حملها , استحق أن يسخّرَ له ما في السماوات وما في الأرض , وتعلمون أن المسخّرَ له أقربُ دائماً من المُسخّر , المسخّرُ له وهو الإنسان أكرمُ على الله من المسخّر ، لذلك الله عزّ وجل يقول : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 70] أنت المخلوق الأول في هذا الكون ، المخلوق المكرّم ، أنت مكلّفٌ بالأمانة ، مكلّفُ بهذه النفس التي بين جنبيك . أنت كائن ؛ لك جسد , ولك نفس , ولك روح , في أرجح الأقوال ذاتك , ذاتك التي وصفها الله عزّ وجل بأنها ذات الصدور , والله عليم بذات الصدور , قال تعالى : ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [سورة الفجر الآية: 26-28] ذاتك التي هي موضع الأمر والنهي ، وهي التي تؤمن وتكفر ، وهي التي تسعد وتشقى ، وهي التي ترضى وتغضب ، وهي ذات الإنسان التي خلقها الله عزّ وجل , لتبقى في أبد الآبدين , إنها نفسك . لك جسد , والله سبحانه وتعالى بطريقةٍ أو بأخرى ربط الجسد بالنفس ، هذا الجسد وعاءٌ لها ، حاملٌ لها , ثوبٌ لها ، رداءٌ لها ، وهذا الجسد شيءٌ مؤقت ينتهي عند الموت , فالذي يبالغ في إمتاع جسده , والعناية به , ويهمل نفسه , وهذا حال أهل الأرض ، تعيس تعيس , ماذا قال بعض زعمائهم ؟: ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا , سيطروا على الطبيعة على حدِ زعمهم , ولكن لم يسيطروا على هذه النفس , أنفسهم لم تسعد ، تمتعت أعضاؤهم ، تمتعت حواسهم ، ولكن نفوسهم لا تسعد , لأن فِطرة الله عزّ وجل التي فطر الإنسان عليها , لا تسعد إلا بقربه , الدليل : ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة الروم الآية: 30] أن تقيم وجهك للدين حنيفاً , وأن تُقبل على ربك , وأن تلتزم أمره ونهيه , هو الوضع الطبيعي للنفس البشرية . ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً﴾ المفارقة : أن أهل الغرب اعتنوا بأجسادهم , ولكن هذه النفس الغالية التي كرّمها الله عزّ وجل وضعوها في الوحول , وضعوها في الشهوات الخسيسة . أنت لك نفس , هذه النفس تذوق الموت ولا تموت ، هي خالدةٌ ؛ إما في جنةٍ يدوم نعيمها , أو في نارٍ لا ينفذ عذابها , هذه النفس تسعد بقربها من الله , وتشقى ببعدها عنه , قال الله عزّ وجل : ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾ [سورة طه الآية: 124] لن تجد إنساناً واحداً على وجه الأرض سعيداً , وهو بعيد عن الله عزّ وجل , فهذه الحالة مستحيلة . بعض المفسرين تساءلوا حول هذه الآية : ما بال الملوك ، ما بال الأغنياء ، ليس عندهم ولا مشكلة ؟ الأمور كلها موفورة لديهم , فأجاب بعضهم : بأنه ضيق القلب , ضيق القلب : هو الذي عناه الله عزّ وجل من قوله تعالى : ﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشةً ضنكاً ﴾ وجه اهتمامك إلى هذه النفس التي بين جنبيــك ، وانتبه لها . يقول سيدنا عمر : تعاهد قلبك , فالإنسان إذا أصاب عينــه عارضٌ ، يقلق قلقاً شديداً , ويذهب إلى أمهر الأطباء , ويبذل مئات الليرات ليطمئن , هذا الحـــرص على سلامة العين ، وعلى أن تتمتع بها طوال حياتك , هو كحرص الدعاة إلى الله , بل هم أشد حرصاً على أنفسهم , وعلى طهارتها , وعلى سلامتها , وعلى اصطباغها بالكمال , من حرصهم على أعينهم إذا أصابها عارض . الإنسان : نفس وجسد وروح . الروح في رأي بعضهم : قوة الله أودعها الله في الإنسان . فالعين ترى بالروح . هذا الكبد : الذي له خمسة آلاف وظيفة دون روح لا قيمة له ، أما بالروح له وظائف يعجز عن إدراكها العلماء فضلاً عن معرفة كنهها . هذا الكظر ، هذا البنكرياس ، هذه الأمعاء . هذه العين : بإمكانها أن ترى الفرق بين لونين بينهما واحد من 800 ألف درجة , لو أننا درّجنا اللون الأخضر ثمانمئة ألف درجة , العين البشرية تفرّق بين درجتين . العين ترى بالروح ، والأذن تسمع بما أودع الله في هذه الأذن فيما يبدو قوة السمع , فإذا ذهبت الروح , أصبح الإنسان جثة هامدة , فالروح قوة الله عزّ وجل يستردها عند الموت ، والجسد يبلى ، النفس هي التي تبقى ، هنيئاً لمن اعتنى بنفسه , نظر إلى أمراضها , نظر إلى عللها , نظر إلى ما يسعدها , نظر إلى ما يشقيها . الإنسان نفسٌ , هي ذات الإنسان , هي المعنية بالخطاب , هي التي تؤمن ، هي التي تكفر ، هي التي ترضى ، هي التي تسخط ، هي التي تسعد ، هي التي تشقى ، وله وعاءٌ هو الجسد , وفيه قوة محركة هي الروح . الإنسان حينما قَبِلَ الأمانة , استحق أن تسخر له السموات والأرض , والله سبحانه وتعالى منّ عليه بهذا العقل , العقل قوة إدراكية يميز بها الإنسان عما سواه من المخلوقات ، أعطاه فِطرة , ربنا عزّ وجل قال : ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [سورة الشمس الآية: 6-8 ] هناك تفسير لهذه الآية يتصل بفطرة الإنسان , يعني الإنسان إذا فعل شيئاً مخالفاً لفطرته يتألم ، إذا خرج عن قواعد فطرته يشعر بالضيق ، حتى إن الأجانب حينما يصفون الأمراض النفسية , من جملة هذه الأمراض الشعور بالكآبة , هذا مرض يعقب الانحراف , لو أن هذا الإنسان ما وصله الحق , ولا بلغه الحق , إن فطرته وحدها كفيلة كي تنبهه إذا انحرف , هذه هي الفطرة . قال تعالى : ﴿ ألهمها فجورها ﴾ هذه النفس , لأنها فُطرت فِطرةً عالية جداً , إذا هي انحرفت , تشعر بانحرافها , وتضيق بهذا الانحراف , هذا معنى : ألهمها فجورها وألهما تقواها , وإذا اتقت الله عزّ وجل , وكانت عند الأمر والنهي , وكانت مطيعةً له , ترتاح هذه النفس وتسعد , هذا معنى : ﴿ ألهمها فجورها وتقواها ﴾ مقومات التكليف : أعطانا الكون , وأعطانا العقل ميزاناً , ولكن أتمنى على أخوتنا الأكارم أن يعلموا : أن هذا الميزان يشبه إلى حدٍ كبير العين , مهما دقت العين تحتاج إلى ضوء لترى به ، والعقل مهما نما ومهما رجح يحتاج إلى نورٍ إلهي يهتدي به ، العقل وحده يضل , والعقل دون نورٍ رباني يزل . العقل قوة إدراكية , وهو ميزان , والشرع ميزانٌ على الميزان ، أعطانا كوناً , وأعطانا عقلاً , وأعطانا فِطرةً , والفِطرة ميزان نفسي , والعقل ميزان علمي , وأعطانا بعد كل هذا : حرية الاختيار , كي تُثمّنَ أعمالنا , وأعطانا شهواتٍ نرقى بها إلى الله صابرين وشاكرين , وأعطانا فيما يبدو لنا قوةً نحقق بها إرادتنا هذا فيما يبدو , أما في الحقيقة الفِعلُ فِعلُ الله عزّ وجل , هذه المقومات مقومات التكليف : يجب أن تكون ماثلةً بين أيدينا . أولاً : أنت كائن لك نفسٌ وروحٌ وجسد . ثانياً أنت مكلّف , مكلّفٌ ومكرّمٌ ، ومخلوق أول , مكلّفٌ بنفسك , والدليل قوله تعالى : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [سورة الشمس الآية: 9-10 ] مراحل الهدى : الله سبحانه وتعالى بعد أن خلقنا , هدانا في القرآن الكريم , آية تقول : ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [سورة طه الآية: 123] ﴿ فمن اتبعَ هدايَ فلا يضل ولا يشقى ﴾ الهدى على أربعة مراحل : 1-هداية الحواس الخمس : الله سبحانه وتعالى أعطاك الحواس الخمس , هذه هداية تشترك فيها مع كل المخلوقات : ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [سورة طه الآية: 49-50] هداه بالعينين , بالسمع , بالإدراك , بالحركة , بالشمِ , بحواسه الخمس , هداه بعقله . 2-هدى الوحي : الهدى الثاني هو : هدى الوحي , أنت كمخلوق رحمة الله بك واسعة ، وحرصه عليك شديد : ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 115] ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى﴾ [سورة القيامة الآية: 36] بلا أمر وبلا نهي , حينما أنزل الله الكتب على أنبيائه ، هذا هو الهدى هدى الوحي : ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾ [سورة الكهف الآية: 13] 3-4هدى التوفيق ثم الهدى إلى الجنة : هدى التوفيق ؛ إذا آمنت بالله عزّ وجل , ينقلك من حالٍ إلى حال , ومن مقامٍ إلى مقام ، يلهمك فِعلَ الخيرات وترك المنكرات , يمكنّك من الدعوة إلى الله ، يعطيك مالاً تنفقه في سبيل الله ، هذه المقومات مقومات الأعمال الصالحة عند بعض العلماء : هدى التوفيق ، الهدى العام ، هدى الوحي ، والهدى الأخير هو : الهدى إلى الجنة . الإنسان : مخلوق أنت كي تعبد الله عزّ وجل , الإنسان قد يأخذ وقد يعطي ، المخلوق لا يستطيع أن يأخذ إلا بقدر استيعابه , لكن الإنسان حينما جاء إلى الدنيا , جاء ليعمل الصالحات , وبهذه الصالحات , وهذه المؤثرات , وهذه التضحيات , يشعر أن الله يحبه ، بهذا الشعور الدقيق يقبل عليه ، بإقباله عليه يأخذ أكثر مما يعطى غيره , هذا هو سِرُ حمل الأمانة , يعني أنت جئت إلى الدنيا لتؤاثر الله على كل شيء : ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [سورة النازعات الآية: 40-41] أنت لك طبعٌ وعندك تكليف، وغالباً الطبع يتناقض مع التكليف, أنت مكلفٌ أن تغض بصرك, وطبعك يدعوك إلى النظر، أنت مكلفٌ أن تصلي الفجر في وقته, وطبعك يدعوك إلى النوم، أنت مكلفٌ أن تصمت عند الغيبة والنميمة, وطبعك يدعوك إلى ذكر هذه القصص الغريبة، أنت مكلفٌ أن تنفق المال, وطبعك يدعوك إلى كسب المال، قال تعالى: ﴿ فأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى* فإن الجنة هي المأوى ﴾ إذاً: من هذا التعارض بين الطبع وبين التكليف يرقى الإنسان، لكن في الشهوات يرقى مرتين؛ يرقى صابراً ويرقى شاكراً، إذا غض بصره عن محارم الله، إذا امتنع عن أكل المال الحرام يرقى صابراً, أما إذا أنفق أو إذا مارسَ هذه الشهوة وفق القناة التي سمح الله بها يرقى شاكراً, فأنت ترقى مرتين بالشهوة؛ ترقى صابراً وترقى شاكراً, عليك أن تعبد الله عزّ وجل, وهذا سر وجودك . ﴿ وماخلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ مقامك أن تعبده, ولن تعبده إلا إذا عرفته, ولكن كيف تعرفه؟. الحقيقة هناك مصادر عِدة لمعرفة الله عزّ وجل . أولاً : جاءك خطابٌ منه وهو القرآن الكريم , فإذا قرأت القرآن , وتدبرته , أو جلست في مجلس علمٍ , وتعلمت تفسيره وأحكامه , فهذا باب كبير من أبواب معرفة الله عزّ وجل . ثانياً : وهناك باب آخر جاء في القرآن الكريم , إذا تأملت في خلق السموات والأرض , رأيت عظيم الصنعة , ودقة الصنعةِ , والحكمة والعلم ، كأن هذا الكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى . معك القرآن مصدر لمعرفة كلامه , والكون مصدر آخر , وأفعاله مصدر ثالث . أنواع المعرفة بالله كما فرقها الغزالي : الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- فرّق بين أنواع ثلاثة قال : هناك من يعرفه ، وهناك من يعرف أمره ، وهناك من يعرف خلقه . 1-العلم بخلقه : فخلقه : العلوم العصرية؛ الرياضيات، الفيزياء، الكيمياء، الجيولوجيا، الفلك، الفيزياء النووية، الفيزياء الكيميائية، الكيمياء العضوية، الكيمياء المعدنية, هذه كلها فروع معرفة خلقه, العلم في هذه الموضوعات نما نمواً مذهلاً, إذا تأملت في خلق السموات والأرض, ترى دقة الصنعة، ترى الاتقان، ترى الإعجاز، ترى أن هذه الصنعة تكشف عن علمٍ, وعن حكمة, وعن تقديرٍ, وعن رحمةٍ, وعن إكرامٍ، فأشياء كثيرة خُلقت خصيصاً لك . ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [سورة ياسين الآية: 72] 2-العلم بأمره : العلم الثاني : العلم بأمره، الله عزّ وجل له أمرٌ وله نهي, وهذا الأمر مأخوذ من كتاب الله أولاً, ومن سنته ثانياً, ومن الإجماع والقياس ثالثاً ورابعاً, والعلم بأمره يقتضي الدراسة والاستماع والمطالعة والحفظ والتذكر, يعني الطريقة المدرسية لا بد من أن تقرأ, ولا بد من أن يعلمك معلم, ولا بد من أن يثقفك مثقف, ولا بد من أن تسأل, ولا بد من أن تجاب, ولا بد من أن تحفظ, ولا بد من أن تذكر, هذا العلم بأمر الله . 3-العلم به : أما العلم بالله شيء آخر, وربما الباعث لهذا الدرس, أن تزداد معرفتنا بالله عزّ وجل, العلم بالله طبيعته ليست من طبيعة العلم بأمره وخلقه، العلم بأمره وخلقه: هذان الاثنان يحتاجان إلى الطرق المعروفة في اكتساب العلم, الطرق المعروفة؛ الدراسة، القراءة، المتابعة، الحفظ، التذكر, ولكن العلم بالله عزّ وجل هذا له طبيعة خاصة, الإمام الغزالي لخصها بكلمتين قال: جاهد تُشاهد, والنبي عليه الصلاة والسلام لخصها في الحديث قال: (( من عَمِلَ بما عَلم -من طبّق الشرع تماماً- أورثه الله عِلمَ مالم يعلم )) يعني أنت أمام معرفة الله عزّ وجل, لا تحتاج إلى قراءةٍ كمعرفة أمره وخلقه، تحتاج إلى غض بصرٍ, وإلى تحرير دخلٍ، وإلى ضبط نفسٍ، وإلى صيانة الجوارح عن المعاصي، وإلى الإحسان، وإلى البذل، وإلى العطاء، كلما ازددت قرباً من الله عزّ وجل, قذف الله في قلبك النور، ازداد قربك من الله, وازداد قلبك إشراقاً . صلة العبد بربه : المُعَوَلُ عليه ، قوله تعالى : ﴿قد أفلح من زكاها﴾ مؤمن يكذب ، مؤمن يتساهل, يفعل بعض المعاصي, لن تنعقد الصلة بينه وبين الله أبداً، وما لم تنعقد هذه الصلة, لا تقطف ثمار الدين، الدين يصبح حركات، الصلاة يصبح طقوساً، الصلاة والصوم والحج تنقلب إلى طقوس ، والمعلومات تنقلب إلى ثقافات، والثقافة تُملّ, والطقوس تُملّ, لهذا وصف الله المنافقين بأنهم: ﴿إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى* يراؤون الناس ولايذكرون الله إلا قليلاً﴾ في الدين ثمرات يانعات، هذه السعادة سعادة أبدية، وطمأنينة نفسية، وشعور بأن الله يحبك، بأن الله راضٍ عنك، وسمو في النفس، وبعد عن سفاسف الأمور، فجوانح المؤمن نقية طاهرة, لا تحقد، لا تبغض، لا تنتقم، لا تنافق، لا تخنع، هذه النفس الأبية التي جاء وصفها في القرآن الكريم, لن تسطيع أن تمتلكها, إلا إذا اتصلت بالله عزّ وجل . جاهد تُشاهد, يمكن أن تعرف أمر الله إذا كنت ذكياً, ولك ثقافة جيدة, وعندك المراجع الكافية, يمكن أن تقرأ قراءةً متقنةً, وأن تلّخص, وأن تراجع, وأن تذاكر, وأن تؤدي امتحاناً, وأن تنال شهادةً, هذا بإمكانك, لكنه لن يتجلى الله على قلبك إلا إذا كنت مستقيماً، إلا إذا كنت عند الأمر والنهي, فالسرّ سرُ أن تسعدَ بالدين, أن تُقبل على الله ربِ العالمين, والله لا يقبل إلا طيباً, إن الله طيبٌ ولا يقبل إلا طيباً, وإن الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلين . نحن أمام علمٍ بالله، هذا العلم بالله طبيعته غير طبيعة العلم بأمره والعلم بخلقه . النبي : بعضهم قال النبي عليه الصلاة والسلام : أقواله شريعة , وأفعاله طريقة , وأحواله حقيقة . أقوله شريعة : كل شيءٍ أمر به فهو تشريع ، كل شيء نهى عنه فهو تشريع ، كل شيء أقرّه فهو تشريع ، كل شيء سكت عنه فهو تشريع . أفعاله : كيف صلى ؟ نحن أمام فقيه , أمام عالم بالشريعة وعالم بالطريقة ، عالم الشريعة يقول : يجب أن تستقبل القِبلة ، ويجب أن تكــون طاهراً ؛ طاهر البدن وطاهر الثوب , وأن يكون المكان طاهراً ، ويجب أن تقف منتصب القامة ، ويجب أن تقرأ الفاتحة وسورةً أو ثلاث آيات , وأن تركع مطمئناً , هذه الشروط والأركان والواجبات والسنن والمستحبات , هذه حركات الصلاة الظاهرة ، هذه يعرفها علماء الشريعة معرفة يقينية ، أما علماء الطريقة يقولون لك : يجب أن تستقيم على أمر الله حتى تصلي , يجب أن تغض البصر ، أن تحرر الدخل ، يلزمونك بالاستقامة كي تنعقد لك الكرامة , هذا من عمل علماء الطريقة . وأحواله حقيقة : ما أن تتقلبَ في معرفة اللهِ من حالٍ إلى حال ، ومن مرتبةٍ إلى مرتبة ، ومن منزلةٍ إلى منزلة , فهذا من اختصاص علماء الحقيقة . هذا العلمُ بالله كما قال الإمام الغزالي : جاهد تُشاهد . في كلمة قالها أعجبتني : ثمنه من غير طبيعة , الشيء المعروف : أن العلم يحتاج إلى كتاب , وإلى قراءة , وإلى تلقي , وإلى تعلم , ولكن العلم بالله يحتاج إلى استقامة , وكأن النبي عنى هذا المعنى حينما قال :عَنْ مُسْلِمٍ, عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: ((كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ, وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ)) [أخرجه الدارمي في سننه] يقول الإمام الغزالي : إن هذا العلم بالله ثمنه باهظ , ونتائجه باهرة . يقرأ إنسان كتاباً, وهو مقيم على معصية، يعطي نفسه ما تشتهي, يفعل ما يريد, ويقرأ, وهو ذكي الحافظة، ذكي الفكر، قوي الحافظة, يستوعب, وهذا الثمن بسيط، ولكن ثمن العلم بالله ثمن باهظ, إذا كان هناك شهوةً تقيم عليها، إذا كان هناك معصيةً تصر عليها، فالطريق إلى الله مسدود, لن يسمح لك أن تقترب، لن يسمح لك أن تسعدَ به، لن يلقي على قلبك من نوره, ومن تجلياته, ومن جلاله, إلا إذا آثرته على كل شهواتك, وعلى كل خلقه, لذلك حينما قال الله عزّ وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 1-3] قالوا اللغو: كلُ ما سِوى الله . عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأشْعَرِيِّ قَالَ : ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطُّهُورُ شَطْرُ الإيمَانِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأ الْمِيزَانَ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأانِ أَوْ تَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَوَاتِ وَالأرْضِ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما] الإمام الغزالي قال : هناك أربعة مستويات لفهم هذا الحديث . المستوى الأول : أن تُطّهر أعضاءك من النجاسات والقاذورات ، المؤمن نظيف بالمعنى المادي . المستوى الثاني : أن تُطّهــــر جوارحك من المعاصي والآثام . المستوى الثالث : أن تُطّهر نفسك من الأخلاق المذمومة ؛ الغضب ، الكبر ، الحسد . المستوى الرابع : أن تُطّهــر قلبك مما سوى الله . أربعة مستويات لطهارة البدن ثمنها باهظ . ألا إن سلعة اللهِ غالية . إنسان يطــــوف حول الكعبة ويقول : يا ربي هل أنت راضٍ عني ؟ كان وراءه الإمام الشافعي قال : هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك ؟ قال : يا هذا من أنت ؟ قال : أنا محمد بن إدريس , قال : وكيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه ؟ قال : إذا كان سرورك بالنِقمةِ كسرورك بالنِعمةِ فقد رضيت عن الله . الثمن باهظ , أن تضع كل الشهوات تحت قدمك ، أن تضع كل الرغبات تحت قدمك ، أن تقول : إلهي أنت مقصودي ورِضاكَ مطلوبي . ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الآية: 111 سورة التوبة ] أنفسهم وأموالهم : في أكثر آيات القرآن, قدّمَ الله المالَ على النفس, لسهولةِ إنفاقه أمام النفس، الإنسان ينفق الأسهل فالأصعب، إنفاق المال أسهل من إنفاق النفس, إلا في هذه الآية, قدّمَ النفسَ على المال لأنه هو الأصل, لأن النفسَ هي الأغلى, والجودُ بالنفسِ أقصى غاية الجودِ . نحن الآن على مستوى الحياة الدنيا: إنسان ينال دكتوراه, وهو نائم, مسترخ, مستلق في فراشه, دائماً مع رفاقه, يمضي الساعات الطِوال في القيـــل والقال, وفي المُزاح, ويأخذ الدكتوراه, مستحيل!! لا بد من أن ينقطع، لا بد من أن يؤثر الدراسة على كلَ شيء، من أجل شهادة دنيوية, أتريد مقاماً عند الله؟ أتريد مقعدَ صدقٍ عند مليكٍ مقتدر؟ أتريد أن يحبك خالق الكون؟ هذا يحتاج إلى بذل، إلى انضباط, الثمن باهظ جداً, الثمن: أن تضع كل الرغبات تحت قدمك, الوقت كله لله عزّ وجل . الشيء الثاني: قال له: يا سيدي كم الزكاة؟ قال له: عندكم أم عندنا؟ ما عندكم وما عندنا؟ قال: عندكــم ربع العشر، أما عندنا العبد وماله لسيده, وقتك, ومالك, وطاقاتك, وذكاؤك, وفكرك, وعضلاتك, وبيتك دائماً لله عزّ وجل . الكلمة الثانية للإمام الغــزالي : والنتائج باهرة جداً, إذا علمت أمر الله فقط, هذه الأوامر, والنواهي, والدقائق, والتفصيلات, والأدلة, والقواعد الأصولية, كلها محشوةٌ في الدماغ، تجد عنده قدرة رائعة جداً للإجابة عن أي سؤال, ومع ذلك: إذا مرت امرأة في الطريق على جانبٍ من الجمال, ملأ منها عينيه, غريب!! هذا عالمٌ بأمر الله, وليس عالماً بالله عزّ وجل, إن عصيت الله لا تعرفه, أنت لا تعرفه, لا تنظر إلى صِغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت, لو أنك تعرفه حق المعرفة, لما اجترأت على معصيته إطلاقاً, أنت تعرف أمره ولا تعرفه، لو عرفته لما عصيته, هذا ماعناه النبي عليه الصلاة والسلام: ((كفى بالمرء علماً أن يخشى الله)) فالمعلومات التي تنالها من كتاب, وتحفظها جيداً, وتؤدي بها امتحاناً وتنجح, هذه كلها محشوةٌ في الدماغ، لكن النفسَ في وادٍ آخر, قد تشتهي المعصية، قد تشتهي العمل الذي لا يُرضي الله . يقول الإمام الغزالي: النتائج باهرة جداً, يعني العلم بالله يشيع في النفس الإنسانية فيسمو بها، كيف تُحس بهذا؟ إنك إن جلست مع إنسان من أهل الدنيا, ترى دناءته، ترى سخافة عقله، ترى تعلّقه بالسفاسف، ترى أنانيته، تُحس أن بينك وبينك دورٌ شاسع, دورٌ كبير, العلم بالله يحتاج إلى طاعة, وإلى بذل, ماذا قال النبي؟ سُئل عن الإيمان, قال عليه الصلاة والسلام: ((الإيمان عِفةٌ عن المطامع عِفةٌ عن المحارم)) الإيمان: الصبر والسماحة, إذا جاءك شيء بالأمر التكويني مزعج، عليك الرضا, لأن الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين, إذا جاءك أمر الله التكويني ترضى به, الصبر, وإذا جاءك الأمر التكليفي تنفق، فأنت بين صبرٍ وبين بذلٍ، الصبر تلقي والبذل عطاء, فالإيمان الصبر والسماحة، يجب أن نضع أيدينا على جوهر الدين . قصة أقولها كثيراً: هذا البدوي الراعي الذي قال: أين الله؟ حينما أغراه سيدنا عمر أن يعطيه الشاة, ويأخذ ثمنها دون علم صاحبها . ما ذاق طعم الإيمان إلا من استقام على أمر الله، وما ذاق طعم الإيمان إلا من أقبل عليه ، وما ذاق طعم الإيمان إلا من ائتمر بأمره . الإمام الجنيد سُئل: من وليُ الله؛ أهو الذي يمشي على وجه الماء, أم الذي يطير في الهواء؟ قال: لا، الولي ُكلُ الولي: الذي تجده عند الأمر والنهي, هذا وليُ الله . فالعلمٌ بخلقه؛ الجامعات كلها في أنحاء العالم تُعلّم الناس القوانين والقواعد التي أودعها الله في هذا الكون, وحتى هذه القوانين: يمكن أن تكون طريقاً إلى الله عزّ وجل, الطبيب إذا أراد أن يعرف الله عزّ وجل من خلال الدقائق التي يقرؤها, يمكن أن يكون عِلمُ الخليقةِ باباً إلى الله, الطبيب الذي يتمنى أن يكون طبيباً ذائع الشهرة, ويكسب الآلاف المؤلفة, هذا لا يرى في آيات الله شيئاً, يقرأ ولا يرى شيئاً، لكن الطبيب الذي يريد أن يعرف الله من خلال عِلمه, يصبح عِلمُ الخليقةِ باباً إلى الله, ويصبح أيُ علِمٍ من العلوم الأرضية العصرية الكونية باباً إلى الله عزّ وجل، متعلّق بمشيئة الطالب . عِلم الخليقةِ يحتاج إلى مُدارسة, نُلخص القراءة, والمذاكرة, والتلخيص, والحفظ, وأداء الامتحانات بكلمة مُدارسة . عِلمُ الخليقةِ يحتاج إلى مُدارسة, وتبقى نتائجه في الدماغ, والعلم بأمر الله يحتاج إلى مُدارسة, وتبقى نتائجه في الدماغ, الفكرة هي تُفسّر لكم: أن إنساناً يعرف أن هذا حرام ويفعله, هذا عَلِمَ الأمر ولم يعرف الله عزّ وجل، عَرَفَ أمره ولم يعرفه . المراحل التي مر بها النبي : فالنبي عليه الصلاة والسلام بدأ بمرحلتين ؛ المرحلة المكيّة والمرحلة المدنّية . المرحلـة المكيّة : تعريفٌ باللهِ عـزّ وجل . والمرحلـة المدنيّة : تعريفٌ بأمره , وأيةُ دعوةٍ إلى الله تتجاهل هذا الترتيب , وتبدأ بتعريف الناس بالأمر قبل تعريفهم باللهِ عزّ وجل , هي دعوةٌ ليست ناجحة , تنشأ الحيل الشرعية , ما دام عَرَفَ أمره ولم يعرفه, يحتال على تطبيق أمره . موضــوع الحيل الشرعية, في أغلبه بعد عن الله، هذا الموضـوع أساسه: إذا وضعت زكاة مالك في رغيف, وقدّمته إلى فقير, وقلتَ له: خذه هِبةً مني، وبعد أن أخذه, سألته: أتهبني إياه وخذ مائة ليرة؟ الرغيف فيه خمسة آلاف, من يفعل هذا عَرَفَ الأمرَ ولم يعرف الآمر، مشكلتنا: يجب أن نعرف الآمر قبل الأمر، يجب أن نعرف الله قبل أن نعرف أمره، وإذا عرفنا الله وأمره معاً لا مانع، أما أن نبدأ بأمره فقط دون أن نعرفه, أغلب الظن أن الذي عَرَفَ أمره لا يطبّقُ أمره، بل يحتال على هذا الأمر كي لا يطبّقه، فالعِلمُ بالأمرِ، والعِلمُ بالخلقِ، والعِلمُ باللهِ, أساسه طاعةُ اللهِ عزّ وجل, ويجب أن يكون الحديث الشريف: من عَمِلَ بما عَلم, ورّثه الله عِلمَ مالم يعلم. يعني أنت إذا اتقيت الله عزّ وجل, طبّقت أمره كله, عندئذٍ يأتيك العلم الذي نتحدث عنه في هذا الدرس, وفي دروس قادمة إن شاء الله تعالى . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#2 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الحب - تزكية النفس وسلامة القلب 1التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثانى ) تمهيد : أيها الأخوة الأكارم ؛ الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة الزمر الآية: 2] ![]() العبادة تمام الخضوع للهِ عزّ وجل، أما ملخصاً: إعرابها حال , يعني إذا عبدت الله عزّ وجل , يجب أن تكون حالك المرافقة لهذه العبادة هي الإخلاص، إذا عبدت الله عزّ وجل واستسلمت لأمره وتوجهت إليه, ينبغي أن تكون حالك التي ترافق هذه العبادة حالة الإخلاص . في الإنسان شيءٌ ظاهر هذه الجوارح، وشيءٌ باطن القلب, للجوارح عبادة، وللقلب عبادة . حينما سأل سيدنا داود عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، حينما سأل ربه قال: ![]() ((يا ربي, أيُ عبادك أحبُ إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحبُ العباد إليّ؛ نقيُ القلبِ, نقيُ اليدين، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء, أحبني وأحبَ من أحبني, وحببني إلى خلقي, قالَ: يا ربي, إنك تعلمُ أني أحبك, وأحبُ من يحبك, فكيف أحببك إلى خلقك؟ قالَ: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي, فالآلاء من أجلِ أن يشعر القلب بعظمة الله، والنعماء من أجلِ أن يشعر القلب بمحبة الله، والبلاء من أجلِ أن يشعر القلب بالخوف من الله)) القلب له عبادة، يجب أن يمتلئ القلب تعظيماً للهِ عزّ وجل، إنما يخشى الله من عباده العلماء، يجب أن يمتلئ القلب حباً باللهِ عزّ وجل, قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [سورة البقرة الآية: 165] يجب أن يمتلئ القلب خوفاً من الله تعالى, لا بد من التعظيم، ولا بد من الخوف، ولا بد من المحبة . هذا الدرس له هوية خاصة, هذا القلب الذي بين جوانحنا، هذه النفس التي هي ذاتنا التي أمرنا الله عزّ وجل أن نزكيّها, أين نحن من تزكيتها؟ أين وصلنا؟ ماذا قطعنا؟ كم بقي أمامنا؟ . تزكية النفس وسلامة القلب : محور هذا الدرس إن شاء الله تعالى : تزكية النفس وسلامة القلب , وأن يكون القلب مفعماً بالمشاعر التي أرادها الله عزّ وجل . الفكرة الأولى : الحب . الحقيقة : لو استعرضتم كتاب الله عزّ وجل, لوجدتم أنه أكثر من مئة آية أو تزيد, تتحدث عن الحب, الحب مادته في القاموس حَبَبَ, ميلُ القلب, فقلبُ المؤمن لا بد من أن يميل إلى الله عزّ وجل, لا بد من أن يميل إلى الله . لو أن الإنسان طبّق الأشياء الظاهرة, ولم يجد في قلبه ميلاً إلى الله, لم يجد في قلبه أُنساً بالله, يجب أن يُراجع نفسه, أحياناً تفعل شيء, وترى أن هذا الشيء الذي فعلته لم يحقق الهدف, تُراجع نفسك, فنحن نريد في هذا الدرس أن يُراجع الإنسان قلبه, هل هو سليمٌ كما أراد الله عزّ وجل؟: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعراء الآية: 88-89] هل أنا أشدُ حباً لله؟: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 24] كلمة أحبَّ ويحبُّ, مادة الحب في القرآن, تزيد عن مئة آية, فما الحب؟. ![]() أول فكرة في الموضوع , هناك مقولةٌ شهيرة : أن الربَّ ربٌ والعبدَ عبدٌ, الله سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء, لا يشبه عباده, حاشا وكلا, كلُ ما خَطَرَ في بالك, فالله سبحانه وتعالى خِلاف ذلك . الربُ ربّ والعبدُ عبد, ولا نسبة بينهما، ليس بمتجزئ, ولا بمتبعضٍ, ولا صورةٍ, ولا متلونٍ, ولا يسألُ عنه بأين هو, لأنه خالقُ المكان، ولا بمتى هو لأنه خالقُ الزمان، وكل ما خَطَرَ ببالك فالله خلاف ذلك، عَلِمَ ما كان, وعَلِمَ ما يكون, وعَلِمَ ما لم يكون لو كان كيف كان يكون, كلام سيدنا علي . نسبةٍ بين العبد وبين الربّ, قال العلماء: إنه الحب, هناك علاقةٌ بين العبدِ وبين الربّ, العبد يحب الله عزّ وجل, والله سبحانه وتعالى في قرآنه الكريم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة المائدة الآية: 54] والله سبحانه وتعالى يحب المؤمنين والمؤمن أشدُ حباً لله . هناك علاقةٌ بين العبد وبين الرب, إنها علاقة المحبة . قال بعض العلماء: إن الكون كله دليل أن الله سبحانه وتعالى قاهرٌ, إرادته هي القاهرة: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ [سورة الرحمن الآية: 33] ![]() فاتجاه الإنسان إلى اللهِ وحبه له, دليلُ أن الله سبحانه وتعالى أسماؤه حسنى, المخلوقات جاءته مقهورة، أما الإنسان جاءه مُحباً، وشتان بين أن يأتي المخلوق مقهوراً وبين أن يأتي محباً, هو الاختيار؛ أنت تأتي ربك طائعاً، مختاراً، مستسلماً، طواعيةً، فتنتسب إليه: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [سورة الزمر الآية: 53] ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً﴾ [سورة الإسراء الآية: 53] هذا تشريف, علماء البلاغة يقولون: هذه نِسبةُ تشريف, عبادي, أُضفنا إلى ذاته العظيمة، أُضفنا إلى ذاته إضافة تشريف وتكريم. ﴿قل لعبادي يقولوا التي هي أحسن﴾ هذه الفكرة الأولى . الفكرة الثانية : العبادة . العبادة التي من أجلها خُلقنا، الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [سورة الذاريات الآية:56] العبادة لو فقدت معنى الحب ليست عبادة, لو فقدت العبادة معنى الحب أصبحت طاعة ، وقد تطيع من لا تحبه، قد تحب من لا تطيعه، أما إذا أحببته وأطعته فقد عبدته . من تعريف العبادة: غاية الخضوع مع غاية الحب, هذه هي الفكرة الثانية في موضوع الحب . الفكرة الثالثة : مظاهر وروح الإسلام . الإسلام له مظهر, في صلاة؛ نتوضأ, ونقف, ونقرأ, ونركع, ونسجد، في صيام، في حج، في زكاة، في تعامل تعامل يومي، أحكام الزواج، أحكام الطلاق، أحكام المواريث، أحكام البيوع، هذا كله أحكام ظاهرة، هذه الأحكام روحها محبة الله عزّ وجل، فإذا خلا الدين من الحب, أصبح الدين جسداً بلا روح ![]() الحب مُحرك والعقل مقود, أنت بالعقل تقود نفسك إلى الطريق الصحيح أو إلى الهدف الصحيح، أو أنت بالعقل تحافظ على بقائك على الطريق ولا تَزِلُ بك القدم, ولكنك بالحب تتحرك، تسير، تنطلق . المعلومات, ودقائق العلم, والأفكار الدقيقة, واللّفتات العقلية, والثقافات مهما تعمّقت، كان لها شهرةٌ ذائعة، قِوامها الحب, فإذا خلا العلم من الحب, أصبح جسداً بلا روح, المنافقون: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 142] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ [سورة الأحزاب الاية: 41-42] الإيمان والحب : نحن نتحدث عن موضوع الحب, لأنه أصلٌ في الإيمان. ((لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لِما جئت به)) والآية التي قلتها قبل قليل : ﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارةٌ تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ﴾ لا بد من أن تُحبَ الله ورسوله قبل كلِ شيء, يا عمر كيف أصبحت؟ قال: واللهِ يا رسول الله, أصبحت أحبك أكثر من أهلي, وولدي, والناسِ أجمعين, إلا نفسي التي بين جنبي , قال: يا عمر لمّا يكمل إيمانك بعد -إلى أن قال له مرةً ثانية-: الآن يا رسول الله أحبك أكثر من أهلي, وولدي, والناسِ أجمعين, حتى نفسي التي بين جنبي, قال: الآن يا عمر . الآيات, والأحاديث الصحيحة الثابتة, وأقوال أصحاب رسول الله المتعلقة بالحب كثيرةٌ جداً جداً . بعض الأحاديث الضعيفة: ((ألا لا إيمان لمن لا محبة له)) ![]() قال: أهل الحب فازوا بشرف الدنيا والآخرة معاً, الحقيقة: أن الإنسان لا بد من أن يحب, الإنسان عقلٌ يدرك وقلبٌ يحب, والبطل الذي يعرف من يحب . قد تُحب امرأةً، قد تُحب مسكناً، تُحب مهنةً، تُحب مُتعةً، تُحب لذّةً، تُحب صديقاً، تُحب أخاً، تُحب بلداً، تُحب مكاناً، تُحب زماناً، ولكن المؤمن نَظَرَ, فرأى كلَ من عليها فان, ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام, فأحبَّ الله، إما أن تُحبَ شيئاً فانياً, وإما أن تُحب الباقي على الدوام . الإنسان لمّا يموت -هكذا جاء في الأحاديث الشريفة- يخاطبه الله عزّ وجل في الليلة الأولى في قبره يقول: عبدي رجعوا وتركوك, أول يوم الحزن شديد، ثم يخف الحزن، الثريات كانت مغطاة بقماش, أزيح القماش، الصور قلبوها أعادوها كما كانت، بعد أسبوع صار يضحك ويبتسم في البيت، بعد أسبوعين أولَمَ وليمة، بعد شهر ذهب يتنزه، أين الميت؟ نسوه, يقول له: عبدي رجعوا وتركوك, وفي التراب دفنوك, ولو بقوا معك ما نفعوك, ولم يبقَ لك إلا أنا, وأنا الحيُّ الذي لا يموت. أتحبُ الشيء الفاني أم تُحب الباقي؟ قال: أهلُ الحب ذهبوا بخير الدنيا والآخرة, بل ذهبوا بشرف الدنيا والآخرة, لِقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((المرء مع من أحب)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما] ألا يكفينا هذا الحديث؟ المرء مع من أحب, المؤمن مع الله . الله سبحانه وتعالى يرزق عباده جميعاً, قال له: عبدي لي عليك فريضة, ولك عليَّ رزق, فإذا خالفتني في فريضتي, لم أخالفك في رزقك. ![]() فأنت تأكل وتشرب, ليس معنى هذا أن الله يحبك، أن تُوّفقَ في تجارتك, ليس معنى هذا أن الله يحبك، أن تكون صحتك طيبة قوية, ليس معنى هذا أن الله يحبك، أن تكون غنيّاً, ليس معنى هذا أن الله يحبك، قارون آتاه الله من الكنوز ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبةِ أولي القوة، أن تكون قوياً, ليس معنى هذا أن الله يحبك, فرعون قال: أليس لي مُلكُ مِصرَ وهذه الأنهار تجري من تحتي؟ . ![]() الحب شيء والرحمة شيء آخر، علماء التوحيد قالوا: محبة الله لعباده صِفةٌ زائدة على رحمته, أنت قد ترحم إنساناً سيئاً، قد ترحم إنساناً جاهلاً، قد ترحم إنساناً لئيماً, يعني: الأب يطعم أولاده جميعاً, ولكن الأب أحياناً قلبه يتجه إلى أحدِ أولاده, فاتجاه قلب الأب إلى أحدِ أولاده, هذه صفة زائدة على رحمته بهم, الله سبحانه وتعالى يرزق عباده جميعاً، يرحم عباده جميعاً، يعطي عباده جميعاً : ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 20] لكن الله سبحانه وتعالى لا يحب إلا المؤمنين الصادقين . إذاً: الحب شيء ثمين جداً، الحقيقة: سِلعةُ الله غالية: أحبابنا اختاروا المحبة مذهـــباً وماخالفوا في مذهب الحب شرعنا فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لمّا وليــــت عنّا لغيرنا ولو سمعت أذناك حُسنَ خِطابنــا خلعت عنـك ثياب العُجبِ وجئتنا ولو ذُقـــت من طعمِ المحبةِ ذرّةً عذرت الذي أضـحى قتيلاً بحبنا ولو نسمـت من قربنا لك نسمــةٌ لمتَ غريباً واشتيـــاقاً لقربنا فما حُبنا سهلٌ وكـل من ادعـــى سهولته قلنـــا له: قد جهلتنا فأيسر ما في الحب للصب قتلـــه وأصعب من قتل الفتى يوم هجرنا فالحب ثمنه باهظ, لذلك قال: ألا إن سِلعةَ الله غالية, لكن المشكلة: أُناس كثيرون يدّعون الحب, خاضوا بحار الهوى وما ابتلوا, قضية سهلة : كلٌ يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تُقرُ لهم بذاكَ ادّعاء الحب سهلٌ جداً, لذلك لمّا أعرض بعض المدرّسين عن الخوض في موضوعات الحب، موضوعات القلب سببه: أن كل إنسان مما هبَّ ودبّ, يدّعي أنه محبٌ لله عزّ وجل, الدعوة سهلة, يقول لك: أنا أحب الله, فقال: لمّا كَثُرَ مدّعو المحبة, طولِبوا بإقامة البيّنة . إذا توفي رجل وله أموال, فطرق الباب طارق, وقال: أنا لي عنده مائة ألف, فيعطى المبلغ، وإذا طرق الباب طارق وقال: أنا لي عنده نصف مليون, أيعقل أن يعطي الورثة كلَ من يدّعي أن له عندَ الميتِ مبلغاً؟ لا بد من سؤاله: أمعك إيصال؟ معك سند؟ هل هناك شهود ؟ أمعك بيّنة؟ أمعك دليل؟. دعوى الحب عريضة جداً وواسعة جداً, لمّا كَثُرَ الأدعياء, طولِبوا بإقامة الدليل والبيّنة, والدليل طبعاً قيل: لو يعطى الناس بدعواهم, لادعى الخليُّ حُرقةَ الشجيّ, لمّا كَثُرَ مدعّو المحبة طالبهم الله بالدليل, قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران الآية: 31] تعصي الإله وأنت تُظهر حبه ذاكَ لعمري في المقامِ بديعُ لو كان حبك صادقاً لأطعته إن المحّبَ لمن يحبُ يطيع أتمنى على كل أخ مؤمن, أن لا يسمح لنفسه، أن لا يسمح لخاطره, أن يقول: أنا أحبُ الله وهو مُقيم على مخالفة أمره, هذه وقاحة، هذه دعوى كاذبة، هذا سوءُ أدب، هذا ذنبٌ يضيفه إلى ذنوبه . لو أنَّ أباً تناولَ أطيبَ الطعام أمام أولاده, والأولاد ساكتون, وقال لهم: أنا أحبكم يا أولادي, هذه الكلمة ذنبٌ جديد يضافُ إلى ذنوبه, لأن فعله يتناقض مع قوله . فلذلك لا أحد يدعّي, ولا أحد يقول: أنا أحبُ الله, إذا كانَ مقيماً على معصية, لأنك إذا أقمت على معصية, معنى ذلك: أن اللّذةَ التي تأتيك من هذه المعصية أغلى عليك من الله عزّ وجل، أغلى عليك من رضوان الله . ومعنى : ﴿ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم﴾ ![]() إذا أطعت زوجتك وعصيتَ ربك, فإنك محبٌ لزوجتك أكثرَ من حبك لربك، قولاً واحداً بالدليل القطعي: إذا آثرت بيتاً على طاعة الله, في الإقامة, فيه شُبُهة، في اقتنائه شُبُهة، إذا آثرت مسكناً، آثرت تجارةً مشبوهة على طاعة الله عزّ وجل، آثرت طريقة في كِسبِ المال على طاعة الله عزّ وجل، آثرت أن تكون مع ابنك على غير ما يرضي الله، آثرت أن تُرضي جارك, آثرت أن ترضي شريكك على حسابِ طاعتك لربك, بالدليل القطعي: إنك تُحبُ هذا الذي آثرته أكثر مما تُحبُ الله . أما المؤمنون: ﴿والذين آمنوا أشدُ حباً لله﴾ وكلُّ من يتبّع النبي عليه الصلاة والسلام محبٌ لله . الله عزّ وجل يقول: يصف المؤمنين بأنهم يجاهدون في سبيل الله ولايخافون لومة لائم, أنت قد تطيع الله ومع ذلك تخاف لومة لائم, أما في مستوى أعلى من هذا المستوى: الطاعة محبة, أن لا تخافَ في الله لومةَ لائم هذه محبةٌ أعلى، أن تجاهدَ في سبيل الله نفسكَ وهواك، أن تضع كل شيء في سبيل الله, هذه محبةٌ أعلى، أن تبيع نفسك ووقتك وجهدك وخِبرتك واختصاصك وكُلَ ما تملك هذه محبةٌ أعلى, الطاعة درجة, والجهاد درجة أعلى, والبيع درجة أعلى, لكنك إذا بِعتَ كلَّ شيء, نِلتَ كلَّ شيء, الله سبحانه وتعالى أكرمُ الأكرمين، إذا بِعته كلَّ شيء أعطاكَ كلَّ شيء وزيادة . والله الذي لاإله إلا هو, لو أردده آلاف المرات لا أشبع منه . من شَغَلَه ذكري عن مسألتي, أعطيته فوق ما أعطي السائلين . إذا كنت مشغولاً بذكر الله وطاعته, مشغولاً بالتقرب إلى الله وخدمة خلقه, مشغولاً بإرضاء الله، تأتيك الدنيا وهي راغمة . هم في مساجدهم والله في حوائجهم. كنّ لي كما أريد, أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد, ولا تعلمني بما يصلحك. من أحبّنا أحببناه, ومن طَلَبَ منّا أعطيناه, ومن اكتفى بنا كنّا له وما لّنا . إذا بعت الله عزّ وجل وقتك وجهدك وخِبرتك وطاقتك وعضلاتك, بعته كلَّ شيء, نِلتً كلَّ شيء. يا ربي ماذا فَقَدَ من وجدك؟ وماذا وَجَدَ من فقدك؟ واللهِ ما وجد شيئاً . إذا سلّمت لي في ما أريد, كفيتك ما تريد, وإن لم تُسلّم لي فيما أريد, أتعبتك فيما تُريد, ثمَ لا يكون إلا ما أريد . ![]() الحقيقة: الحديث عن المحبة موضوع شاق, لو قلتُ لك: صفّ لي العسل, ماذا تقول؟ العسل حلوُ الطَعمِ, والسكر حلوُ الطَعم، أنا آتيك بعشرات الأصناف, بمئة صنف, كلها حلوة الطعم, أريد العسل, تقول لي: حلوُ الطَعم, لزج القوام, والقطر لزج القوام, هل تستطيع اللغة أن تصف بدقة بالغة طعم العسل؟ لو أن إنساناً كَتَبَ مجلداً عن طعم العسل, يغني عن هذا المجلّد, أن تلعق لعقة عسلٍ واحدة. واللهِ أريد أن ألقي عليكم أمثالاً, لا حُباً بطرح الأمثال, لأن لها محاذير بصراحة, ولكن بين ادعّاء الحب وبين أن تكون مُحباً مسافة كبيرة جداً, من قال: خمسمئة مليون ليرة سورية, أيُّ إنسان يستطيع أن يقول: خمسمئة مليون ليرة, وقد لا يملك ثمن رغيف خبز, ولكن شتان بين من يقول هذا الرقم وبين من يملكه, كم هي المسافة كبيرة بين من يقول: خمسمئة مليون وبين من يملك هذه الملايين الخمسمئة؟ . والله الذي لا إله إلا هو, يكاد الفرق نفسه، بين من يدّعي المحبة وبين من يحب, يعني مثلاً: كل إنسان بإمكانه أن يدعّي الحب, ولكن يدعّي الحب وهو من أشقى الأشقياء، يدعّي الحب وقلبه مقفر، يدعّي الحب وهو خائف، يدعّي الحب وهو قلق، يدعّي الحب وهو ممزق، يدعّي الحب وهو ضائع, ولكنك إذا أحببت الله فعلاً, وألقى الله نوره في قلبك, وأطلقَ لسانك بالحكمة, هذه المشاعر لا تُقدر بثمن . قلت لكم مرةً: أن أكثر الأمراض أسبابها حالات نفسية صعبة, فالحالة النفسية مهمة جداً, الإنسان يرتفع بحالته النفسية وينخفض بحالته النفسية : ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 139] لذلك هناك إدارات بكاملها: إدارة التوجية المعنوي لرفع الحالة المعنوية للجنود . إذا كنت تنطوي على قلبٍ متصلٍ باللهِ, مفعمٍ بالحب, لك حالةٌ معنويةٌ طيبةٌ جداً, هذه لها ثمن . ![]() على كُلٍ؛ كلمة الحب: إذا أردنا أن نبحث في اشتقاقاتها اللغوية, إلى أيّ الأبوابِ تعود؟ قال بعض العلماء: الحب مأخوذٌ من الصفاء والبياض, تقولُ: حَببُ الأسنانِ؛ أيّ بياض الأسنان ، فالحبُ فيه صفاءٌ وفيه بياض, والبياض له معانٍ كثيرة في المجتمعات، والحب بمعنى العلّو, والظهور شيء عالٍ، سامٍ، صارخ، ظاهر، تقول: حبب الماءِ فقاعات الهواء التي تعلو الماء, والحب: اللزومُ والثبات: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [سورة الأحزاب الآية:23] يعني أنت عاهدت الله عزّ وجل في المنشطِ والمكرهِ، في السرّاءِ والضرّاءِ، في الغِنى والفقرِ، في الصحةِ والمرضِ، في إقبال الدنيا وإدبارها، في الراحةِ وفي التعبِ، في كلِ شيء تُعاهدُ خالقَ الكون. فمن معاني الحب اللزوم والثبات, تقولُ مثلاً: حبَّ البعيرُ؛ أي بَرَكَ ولم يقم . المعنى الرابع: الحب بمعنى اللبّ, قال بعضهم: الحبُّ لبابُ الدين, وبالدين مظاهر, يجب أن نؤديها كاملةً, ويجب أن نحترمها, ولكن لبَّ الدين هو أن تُحبَ الله عزّ وجل، الإيمان أن تُحبَ الله عزّ وجل كما قال النبي عليه الصلاة والسلام . والمعنى الخامس: الحب هو الحِفظُ والإمساك, ومنه حِبُ الماء أي وعاء الماء، الصفاء والبياض، العلو والظهور، اللزوم والثبات, اللباب، الحِفظُ والإمساك, هذه كُلها المعاني المستفادة من كلمة الحب . تعريف الحب الحقيقة: الحب شعور داخلي لا يظهر، له مظاهر مادية, كل شيء في داخل النفس له ما يؤكده في خارجها . العلماء تنوعت تعريفاتهم للحب, قال بعضهم: المحبة هي الميل الدائم للقلب الهائم. في ميل إلى الله, أما أهل النِفاق ينسون الله، يغرقون في دنياهم، يغرقون في مشكلاتهم، يتيهون في الحياة، لكن أهل الإيمان يذكرون الله كثيراً, لأنهم يحبونه كثيراً, ومن أحبَّ شيئاً أكثرَ من ذكره, قاعدة . ![]() لو فرضنا إنساناً, قدّمَ لكَ خِدمة ثمينة, راقب نفسك؛ بأول لِقاء تحكي عنه، تأتي للبيت تحكي عنه، تلتقي مع صديق تتكلم عنه, راقب نفسك خِلالَ أسبوعين أو أكثر, كلما التقيت بإنسان تحدثتَ عنه, من أحبَ شيئاً أكثرَ من ذِكره . إذاً: علامة حُبِ الله عزّ وجل أن تُكثر من ذِكره . وقيلَ في الحب: إيثار المحبوب على جميع المصحوب. جلسةٌ ممتعةٌ, وذِكرٌ للهِ عزّ وجل، نُزهةٌ رائعةٌ, ومجلسُ علمٍ للهِ عزّ وجل, طعامٌ نفيسٌ, وخِدمةٌ لإنسانٍ طيب . إذا كنت مُحباً لله دائماً وأبداً, تؤثر مرضاة الله عزّ وجل على حظوظ نفسك, حتى المباح, لكن الإنسان إذا أخذَ من الدنيا نصيبه, دون أن تشغله عن طاعةٍ, أو عن أداءِ صلاةٍ, أو عن مجلسِ علمٍ, أو عن قضاء واجبٍ, فهذا ليسَ من الدنيا, لأن الدنيا قِوام الحياة لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ![]() ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته, ولا من ترك آخرته لدنياه, إلا أن يأخذَ منهما معاً, فإن الأولى مطيةٌ للثانية . وقيلَ الحب: موافقة الحبيب في المشهدِ والمغيب، الإنسان يصلي في المسجد, يتقن صلاته حِفاظاً على مكانته, لكن إذا كانَ وحده خالياً يصليها سريع، إذا كنتَ أمامَ مشهدٍ ممن يعجبون بك لك موقف, فإذا كنتَ وحدك لك موقف، إذا كنت في بلدك لك موقف، إذا كنت في بلدٍ أجنبي لك موقف، إذا كنت في موضعٍ مراقبٍ فيه لك موقف، إذا كنت في موضعٍ لستَ مراقباً فيه لك موقف . لذلك ورد في بعض الأحاديث: ((من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا, لم يعبأ الله بشيء من عمله)) دَخَلَ في النِفاق . من علامات الحب : 1- استكثار القليل من ذنوبك, واستقلال الكثير من طاعتك : ![]() المحبون للهِ عزّ وجل مهما قلت ذنوبهم يخشونه, ومهما كَثُرت طاعاتهم يستقلونها، أما المنافقون: لو فعلَ عملاً صالحاً, يملأ الدنيا صخباً وضجيجاً, وينمُّ به, ويقول: فعلتُ كذا وكذا. من علاماتِ المُحب: أنه يستكثر القليل من ذنوبه, ويستقلُ الكثير من طاعته, دائماً خائف , لذلك قيلَ: ذنبُ المؤمن كأنه جبلٌ جاثمٌ على صدره, وذنبُ المنافق كأنه ذبابة لا قيمة لها . 2- معانقة الطاعة ومباينة المخالفة : وقيلَ: الحب: معانقة الطاعة ومباينة المخالفة؛ دائماً مع الطاعة، دائماً مبتعدٌ عن المعصية ، مع الطاعة, مقتربٌ من الطاعة مبتعدٌ من المعصية, هذه من علامات الحب . 3- أن تهب كلك لمن أحببت: ومن علامات الحب: أن تَهَبَ كُلَكَ لمن أحببت, فلا يبقى لك منه شيء . سيدنا الصدّيق أعطى ماله كله لسيدنا رسول الله، قالَ: يا أبا بكر ماذا أبقيتَ لنفسك؟ قال: الله ورسوله, هذا ليسَ حكماً شرعياً، هذا موقف, لأن الله سبحانه وتعالى جعل المال قِوامَ الحياة، أما لو إنسان غَلَبَهُ حبه, وأنفقَ جزءاً كبيراً من ماله، الله سبحانه وتعالى يقبل اجتهاده, ويكافئه على هذا الكثير بأكثرَ منه . ![]() بعضهم قالوا: أن تَهَبَ إرادتكَ وعزمكَ وأفعالكَ ونفسكَ ومالكَ ووقتكَ لمن تحب, وتجعلها جميعاً حبساً في مرضاته ومحابه, فلا تأخذُ منها إلا ما أعطاكَ هو، سمح لك بالزواج تزوجت، سمح لك أن تأكل أكلت، لا تأخذ من الدنيا من كلِ هذا الذي تملكه, إلا ماسمح لك هو أن تأخذه فقط, دون زيادة, دون إسراف, دون كِبر . قال: جرت مساءلة في مكة المكرّمة بين علماءٍ كُثر, وكان الجُنيدُ أصغرهم، الإمام جُنيد هذا الذي قيل له: من وليُّ الله؟ قالَ: الذي تجده عندَ الحلال والحرام, فلما تحاوروا وسألَ بعضهم بعضاً, وكانَ الجُنيدُ أصغرهم سِناً, فقالوا: هاتِ ما عِندكَ يا عراقي, فأطرقَ رأسه ودمعت عيناه, ثم قال: عبدٌ ذاهبٌ عن نفسه، متصلٌ بربه، قائمٌ بأداء حقوقه، ناظرٌ إليه بقلبه، فإن تكلم فبالله، وإن نطقَ فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكنَ فمعَ الله، فهو باللهِ وللهِ ومع الله, قالَ: فبكوا جميعاً, وقالوا: ما على هذا مزيد. عبدٌ ذاهبٌ عن نفسه, نفسه تحتَ قدميه, يخضعها لطاعة الله, يحملها على مرضاة الله, لا يثأرُ لها أبداً, ذاهبٌ عن نفسه، متصلٌ بربه، قائمٌ بأداء حقوقه، ناظرٌ إلى الله بقلبه، إن تكلم فبالله، وإن نطقَ فعن الله، وإن تحرك فبأمر الله، وإن سكنَ فمعَ الله، فهو باللهِ وللهِ ومع الله . أهل الحب، أهل الإيمان، أهل الإحسان، أهل التقوى، أهل القرب، بيّنوا أن للحب وسائل, فالله عزّ وجل من رحمته جعل إليه طرائق, أحياناً جهة من الجهات, ليس لك إليها سبيل, الطريق مغلق, مهما حاولت، لكنَ الله سبحانه وتعالى جعلَ الطرائقَ إلى الخالق -كما يقال-: بعدد أنفاس الخلائق . من الطرائق أن تكون محبوباً عند الله : فقيل : من الطرائق أن تكون محبوباً عند الله عزّ وجل : أولاً : قراءة القرآن بالتدبّر والتفهم لمعانيه وما أُريدَ به . ![]() قالوا : تؤخذُ ألفاظه من حفاظه, وتؤخذُ معانيه ممن يعانيه، قراءة القرآن بالتدبر, والتفهم لمعانيه, وما أُريدَ به, يجب أن تقرأه, وأن تفهمه, وأن تُطبقه كما أراد الله عزّ وجل . وقد قالَ العكبري: تؤخذُ ألفاظه من حفاظه, وتؤخذُ معانيه ممن يعانيه . ثانياً : التقرب إلى الله بالنوافل . ![]() عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ, وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ, وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ)) في الصلوات، في الصيام، في الإنفاق، في المال حقٌ سِوى الزكاة، بالأعمال الصالحة ، بخدمة الخلق، بدوام ذِكره . ثالثاً : المداومة على ذكر الله . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 41] الأمر منصب على الذِكر الكثير، لا على الذِكر فقط، على كلِ حالٍ؛ باللسان والقلب، والعمل والحركة، نصيبك من محبة اللهِ على قدرِ نصيبك من الذِكر . رابعاً : أن تؤثر محابه على محابك عند غلبات الهوى . الرابع: أن تؤئر محابه على محابك عند غلبات الهوى, أحياناً ينشأ صِراع، إذا آثرت ما يحب على ما تُحب فأنتَ المحب، أما إذا غَلَبتكَ نفسك, وآثرت ما تُحبُ على ما يحب, فقد ضَعفَ حبك . خامساً : مشاهدة بره وإحسانه وآلائه . ![]() مشاهدة برّه وإحسانه وآلائه، التأمل في الآيات، تذّكر النِعم، تأمل العطايا، يعني النبي الكريم كان إذا أفرغَ ماعنده قال: الحمد لله الذي أذاقني لذّته, وأبقى فيَّ قوته, وأذهبَ عني أذاه. كانت تعظمُ عنده النعمةُ مهما دقت, فهذا من علامات الحب, إذا شربت كأس ماءٍ، إذا استيقظتَ صباحاً نشيطاً: الحمد لله، إذا تمتعتَ بسمعك وبصرك وقوتك: الحمد لله, دائماً أنتَ مع النِعم, وأنتَ شاكرٌ لهذه النِعم . ![]() قال أيضاً: من علامات الحب: انكسار القلب بكليّته إلى الله، أبواب الله كثيرة, هناك باب واسع وسريعٌ, ليسَ عليه ازدحام, إنه باب الانكسارِ، الانكسارِ إلى اللهِ عزّ وجل, كلما ازدادَ حبك, جئته منكسراً, معلناً عن فنائكَ في ذاته . من علامات حبك لله قال: مجالسة المحبين الصادقين, لا تُحبُ إلا المحبين، إذا مالَ قلبكَ إلى أهلُ الدنيا, وأردتَ أن تكون معهم, وأن تُقيم علاقاتٍ وشيجة معهم وهم بعيدون, سرعان ما تعود . ![]() علامة البعد عن الله عزّ وجل: كلما كنتَ محباً, تمنيت أن تكون مع المحبين في مجالسهم، في جلساتهم، في خلواتهم, مجالسة المحبين الصادقين, والتقاط أطيب ثمرات كلامهم, كما تُنتقى أطايبُ الثمر . كنت محباً للهِ عزّ وجل, فكلُ شيء يقطعك عن الله عزّ وجل تَفرَ منه, فِرارك من وحشٍ كاسر، نظرةٌ تبعدك عن الله, فبالغ في غض البصر، شبهة في لقمة ابتعد عنها . النبي عليه الصلاة والسلام تأخّر عليه الوحيُ فقالَ: ((يا عائشة, لعلّي أكلتُ تمرةً من تمرِ الصدقةِ وأنا لا أدري)) هذه بعض الأشياء التي إذا فعلتها, كانت هذه الأشياء وسيلةً إلى أن تنالَ حبَّ اللهِ عزّ وجل, وإذا ذقتَ طعمَ الحب, يعني كما قالَ الشاعر : لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#3 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : المحبة - تزكية النفس وسلامة القلب 2التربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : (الثالث ) وسائل القرب إلى الله عز وجل : أيها الأخوة الأكارم ؛ انتهينا في الدرس الماضي إلى عشر وسائل , تقرّب الإنسان من الله عزّ وجل , وقد تدخله منزلة المحبة , من هذه الوسائل : قراءة القرآن الكريم ، الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة المائدة الآية: 35] العلماء فسّروا الوسيلة تفسيرات شتى . فالعلم وسيلة . والعمل الصالح وسيلة . وعلماء القلوب يبينون : أولاً : قراءة القرآن . ![]() أن من وسائل القرب إلى الله عزّ وجل ، من وسائل أن تبلغَ منزلة المحبة : أن تقرأ القرآن متدبّراً , متفهمّاً , مطبقّاً ؛ هذه وسيلة . ثانياً : الإتيان بالنوافل . ![]() ومن وسائل بلوغ محبة الله عزّ وجل : أن تقوم بالنوافل . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((قال الله تعالى : مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ , وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ , وَلا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ )) [أخرجه البخاري في الصحيح] والحديث واضح . ثالثاً : الذكر . ومن وسائل بلوغ العبدِ محبة الله عزّ وجل : أن يكثرَ من ذِكره , لقول الله عزّ وجل : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 41] رابعاً : الإيثار . ![]() ومن وسائل بلوغ محبة الله عزّ وجل : المداومة على ذكره , وإيثار محابه على محابك ، الإنسان قد يقع في ظروف صعبة، قد ينشأ عنده صِراع ، إما أن يرضي الله عزّ وجل وإما أن يرضيَ نفسه ، إما أن يبتغي الدارَ الآخرة وإما أن يبتغي الدنيا ، إذا آثرتَ محابَّ اللهِ على محابك , فقد سِرتَ في طريق المحبة . خامساً : ملئ القلب بأسمائه الحسنى . ![]() ومن وسائل بلوغ محبة الله عزّ وجل تنفيذاً لِقولِ الله تعالى : ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ أن يجولَ قلبك في أسماء الله الحسنى وصِفاته الفضلى ، يعني أن يملأ اسمُ الله عزّ وجل قلبك ، أن تُشغَلَ به عما سِواه ، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 1-2] قالَ علماء التفسير: الخشوعُ في الصلاةِ من فرائض الصلاةِ لا من فضائلها . سادساً : التفكر . ![]() الوسيلة الأخرى لبلوغ محبة اللهِ عزّ وجل : مشاهدة برّه وإحسانه , أن تُفكّرَ دائماً بالنِعم التي أنعم الله بها عليك ؛ نِعمةُ الوجود ، نِعمةُ الإيمان , نِعمةُ الصحة ، نِعمةُ الأهلِ والأولاد ، نِعمةُ المأوى ، نِعمةُ معرفة اللهِ عزّ وجل . سابعاً : الانكسار له . ![]() ومن وسائل بلوغ محبة الله عزّ وجل : أن تأتيه من باب الانكسار. قال علماء القلوب : إن أبواب اللهِ كثيرة ، إن أسرعها وأوسعها وأقلّها ازدحاماً بابُ الانكسار ، أنا عندَ المنكسرةِ قلوبهم , لا يدخل النار من كان في قلبه مثقالَ ذرّةٍ من كِبر, لأن الكِبر يتناقض مع العبودية لله عزّ وجل . ثامناً : الخلوة . إكثار مجالس الخلـــوةِ مع الله عزّ وجل . ![]() إذا أردتَ أن تُحدّثَ الله عزّ وجل فادعوه ، وإذا أردتَ أن يُحدثّكَ الله عزّ وجل فاقرأ القرآن , إذا أردتَ أن تُحدّثَ الله عزّ وجل فادعوه أكثر من دعائه ، لذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام في كلِّ أطواره وأحواله يدعو الله عزّ وجل ، إذا دخلَ بيته ، إذا خرجَ من بيته ، إذا واجهَ مشكلةً ، إذا أصابته سرّاء ، إذا أصابته ضرّاء ، إذا تناولَ طعاماً ، إذا دخلَ بيتَ الخلاء ، إذا ارتدى ثوباً جديداً ، إذا لاحَ شبح مصيبةٍ ، إذا لاحت بشائر الرحمة . لذلك كتاب الأذكار للإمام النووي رحمه الله تعالى , ينبئكم كيفَ كان النبي عليه الصلاة والسلام يذكر الله في كلِّ أحواله ؟ . تاسعاً : مجالسة المحبين . ![]() ومن وسائل بلوغ محبة الله عزّ وجل : مجالسة المحبين الصادقين , لقول الله عزّ وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 119] أتلاحظون: ما من توجيهٍ من هذه التوجيهات إلا مدعومٍ بآيةٍ أو حديثٍ صحيح؟. عاشراً : الابتعاد عن كل شيء يبعدك عن الله . أن تبتعدَ عن كل ما من شأنه أن يبعدك عن الله عزّ وجل أو أن يقطعك عنه, ورأسُ الحِكمةِ مخافة الله، رأس الحِكمةِ أن تخافَ على هذه الصِلة أن تنقطع ![]() لذلك تبتعد عن المخالفات والمعاصي ابتعاداً كبيراً جداً, وقلبكَ فارغٌ, خوفاً من أن تقعَ في مشكلةٍ, أو معصيةٍ, أو مخالفةٍ, أو صغيرةٍ تحجبكَ عن اللهِ عزّ وجل . هذه العشرةُ بنود , والعشر وسائل تنفيذٌ لقول الله عزّ وجل : ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ القرآن وسيلة : قراءةً ، فهماً ، تدبراً ، عملاً . النوافل وسيلة : صلاة الضحى ![]() الصدقات التي فوق حق الله عزّ وجل , في المال حقُ سوى الزكاة ، كثرة ذكره , بَرِئَ من النِفاق من أكثَرَ من ذِكر الله ، بَرِئَ من الشح من أدى زكاة ماله ، بَرِئَ من الكِبر من حملَ حاجته بيده , أن تؤثر في كلِّ الأحوال : ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة الحشر الآية: 9] أن تؤثرَ جانبَ الله على جانبك ، محابَ اللهِ على محابك ، الآخرة على الدنيا ، العملَ الصالح على النفع ، وأن تجولَ في أسماءِ الله الحسنى وصفاته الفضلى , وأن ترى برّهُ وإحسانه , وأن تأتيه منكسرَ القلب , وأن تُكثّرَ من خلواتك مع الله عزّ وجل ، تُحدثه بالدعاء , ويُحدثكَ بتلاوة القرآن ، وأن تُجالسَ المحبين الصادقين ، وأن تبتعد عن كل ما من شأنه أن يقطعك عن اللهِ عز وجل . يا أيها الأخوة الكرام ؛ هذه البنود العشرة لو حاولتم أن ترسخوها في أذهانكم ، وكلما أردتم أن تستذكروا أنكم في دارِ عمل , وأنكم في وقتٍ عصيب ، بمعنى أن كلَّ ثانيةٍ من حياتكم , لها شأنٌ خطير في آخرتكم ، لو أننا آثرنا العَمَلَ على الإعجاب بهذه البنود , مهما أُعجبتم بها ، مهما تأثرّتم بها تأثراً شكليّاً , ما لم تكونوا في مستواها , لن تقطفوا ثمارها ، لذلك العملَ العمل . منزلة المحبة . أيها الأخوة الأكارم ؛ الكلام في منزلة المحبة له طرفان : الله سبحانه وتعالى يحبُّ عباده , والمؤمنون الصادقون يحبون الله عزّ وجل , هذا شيء ثابتٌ عندَ كلِّ العلماء , والدليل : أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة المائدة الآية: 54] بعضهم فسّرَ المحبةَ بالإحسان ، يعني محبة الله للمؤمن : أن يُحسن إليه , أن يرحمه ، ولكن العلماء المتعمقين يرونَ أن محبةَ اللهِ لعباده المؤمنين صِفةٌ زائدةٌ على رحمته وإحسانه إليهم , أنتَ قد ترحم إنساناً ولا تحبه ، قد تشفقُ عليه ولا تحبه ، قد تعطف عليه ولا تحبه ، قد تحسنُ إليه وأنتَ لا تحبه ، ولكنَ محبة الله لعباده المؤمنين صِفةٌ زائدةٌ على رحمته وإحسانه ، فما كلُّ رحمةٍ وإحسانٍ حبٌ من اللهِ لعبده المؤمن . هذا الخطأ الكبير الذي يتوهمه بعض الناس , من أنَ الله سبحانه وتعالى إن أعطى الإنسان صحةً أو مالاً أو جاهاً أو شأناً فإنه يحبه , يقول لك : ربي يحبني ، والمقولة : إذا الله أحبَّ عبده , أراه ملكه , كلام لا معنى له . ![]() يا أيها الأخوة الأكارم ؛ هل تصدقون أن الخلقَ خلقُ اللهِ لهذا الكون , وأنَّ الأمرَ الكتب السماوية , وأنَّ الثواب , وأنَّ العقاب , هي في الأصلِ تنبعُ من محبة ، الحبُّ أصلُ الكونِ ، الخلقُ والأمرُ والثوابُ والعقابُ أساس كلِّ ذلك : محبة الله سبحانه وتعالى لخلقه . نحن أمام مجموعة آيات ومجموعة أحاديث تتعلق كلها بالمحبة , إذاً : يمكن أن يكون هذا الدرسُ تفسيراً لكتاب الله ولسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم , ولكن من زاوية موضوعٍ واحد . الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعراء الآية: 88] ﴿إلا من أتى الله بقلبٍ سليم﴾ وأحد العارفين توفاه الله عزّ وجل , ورآه أحد تلامذته في الرؤيا , فقالَ : يا سيدي ما فعلَ الله بك ؟ فأجابَ إجابةً تنخلعُ لها القلوب , قالَ يا بني : طاحت تلك العبارات ، وذهبت تلك الإشارات ، ولم يبق إلا ركيعات ركعناها في جوف الليل . قد تؤلف ، قد تدعو ، قد يلمع اسمك ، قد يعلو نجمك ، ولكن الذي ينفعك في القبرِ , هذه الركيعات , وهذا الاتصالُ باللهِ عزّ وجل , وهذا القلبُ السليم , وتلكَ المحبة الصادقة , وهذا الإخلاص الشديد . القلب السليم . انطلاقنا في هذا الدرس , لا من ظواهر الدين ، لا من عباداته المشروعة ، لا من أعماله التي ألزمَ عباده بها ، ولكن من هذا القلب الذي قالَ الله عنه : ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الحقيقة : الدين له لُبّ . كلٌ منكم يأكل الفاكهة , أطيبُ ما فيها لُبّها , وقشورها لها وظيفةٌ مهمةٌ جداً , ولكنك لا تأكلها , القِشر له وظيفة , واللُبّ له وظيفة . تعهّدُ القلب ، سلامة القلب ، تزكية النفس . أن يمتلئَ القلب حباً ، أن يمتلئَ إخلاصاً , أن يمتلئَ توكلاً ، أن يمتلئَ استسلاماً ، أن يمتلئَ رِضىً بقضاء الله وقدره ، أن يمتلئَ طمأنينةً ، أن يمتلئَ ثقةً بعدالة الله , هو القلب السليم . ننطلق من قولِ اللهِ عزّ وجل : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [سورة الشمس الآية: 9-10] أنا لا أحبُ أبداً أن أُحدثَ في الإسلامِ مصطلحاتٍ جديدة , لأن الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المائدة الآية: 3] ![]() فالمنهج الإلهي من قرآنٍ وسُنةٍ صحيحة منهجٌ كاملٌ كمالاً مطلقاً , يوصلُ الإنسان إلى أعلى الدرجات, ولسنا بحاجةٍ إلى منهجٍ آخر, ولسنا بحاجةٍ إلى إضافاتٍ جديدة, ولكن أن تُحبَ الله عزّ وجل شيءٌ ثابت في الكتاب والسُنة : عَنْ أَنَسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَأَهْلِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ)) الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة التي تتحدثُ عن الحب كثيرةٌ جداً وأساسيةٌ جداً . كما أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكرَ في الحديث الصحيح عن الإسلام : أن تشهدَ أنه لا إله إلا الله , وأن تقيم الصلاة , وأن تؤتي الزكاة , وأن تصوم رمضان , وأن تحجَ البيت إن استطعتَ إلى ذلك سبيلاً , وأن الإيمان أن تؤمن بالله , وملائكته , وكتبه , ورسله , واليوم الآخر , والقدر خيره وشره , وتحدثَ عن الإحسان وهي مرتبةٌ فوق الإسلام وفوق الإيمان . الإحسانُ أن تعبدَ الله كأنكَ تراه , فإن لم تكن تراه فإنه يراك . هذا هو الإحسان . فالحديث عن الإحسان عن مرتبةٍ فوقَ مرتبة الإسلام , الانصياع للهِ عزّ وجل ، وفوق مرتبة الإيمان الإقبال على الله عزّ وجل , إنها مرتبة الإحسان , أن تعبدَ الله كأنكَ تراه , فإن لم تكن تراه فإنه يراك . حديثنا عن مرتبة الإحسان ، عن تزكية النفس : ﴿قد أفلحَ من زكاها وقد خابَ من دساها﴾ عن القلبِ السليم . ﴿يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون﴾ عن جوهرِ الدين . آيات الحب : الآية الأولى : ومن الناس من يتخذ من دون الله .... يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [سورة البقرة الآية: 165] هذه الآية الأولى : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ من دون الله, من عباده أنداداً, يا تُرى هل هذا العبدُ الذي اتخذته نِداً للهِ عزّ وجل هو إلهٌ؟ لا, وما قال من اتخذه أنه إله، ما قالَ أحدٌ أن هناك إله آخر، أو ربٌ آخر، أو خالقٌ آخر، ولكنك إذا اتخذتَ من دونِ اللهِ جِهةً، شخصاً، إنساناً, تحبه كحبِ الله؛ أي كما ينبغي أن يُحبَ الله عزّ وجل بالذلِّ له، وبالتعظيم، وبالطاعة، وبالدعاء، بالذل بينَ يديه، فقد اتخذته إلهاً وأنتَ لا تدري, اتخذته محبوباً، وسنداً، وملجأً، ومرجعاً، اتخذته وليّاً، ليس معنى هذا أن تدعو إلهاً آخرَ مع الله, لا, وأنتَ لكَ طابعٌ إسلامي، وأنتَ مسلمٌ فيما يعرفُ الناسُ عنك، وأنتَ لكَ زيٌّ ديني، وأنتَ لك صلاتك وصيامك وحجك وزكاتك, وأنتَ معدود بين المسلمين . ﴿ وَمِنَ النَّاسِ ﴾ هذه من للتبعيض . ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً ﴾ يتخذُ نِداً لله لا في الخلقِ ، فالكفار قالوا : ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ إبليس قال : ربي فبعزتك, ما أنكرَ أن له رباً, لم يقل: ليس لي رب, قال: ربي فبعزتك . ليسَ معنى ذلك أن تُنكر وجود الله, ولا أن تتخذَ إلهاً آخر تعبده من دون اللهِ، أما أن تُحبَ، أن تتذللَ، أن تُعظمَ، أن تدعوَ، أن تطيعَ غيرَ اللهِ, فقد اتخذتَ هذا نِداً من دون الله، وأحببته كما ينبغي أن يُحبَ الخالق، كما ينبغي أن يُحبَ الإله، كما ينبغي أن يُحبَ الربّ، لكن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾ [سورة البقرة الآية: 165] الذين آمنوا أشدُ حباً للهِ: من حبِ هؤلاءِ الذينَ اتخذوا من دون الله أنداداً، حبُ هؤلاء الذينَ اتخذوا من دونِ اللهِ أنداداً لأندادهم, أقلُّ بكثير من حبِّ المؤمنين للهِ عزّ وجل: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [سورة الشعراء الآيات: 97-98] هذا موقفٌ عصيب في جهنم : ﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ![]() من لوازم العبودية التشريع، من لوازم الألوهية أن تعبده وحده، من لوازم الربوبية التشريع، فإذا قَبِلتَ شرعاً غيرَ شرعَ اللهِ عزّ وجل، إذا أُعجبتَ بنظامٍ وضعيٍ غيرِ نظام اللهِ عزّ وجل، إذا رأيتَ أنَ الإنسان قادرٌ على أن يُشرّع، على أن يضعَ نظاماً صحيحاً، جامعاً مانعاً، فقد سويته برب العالمين، هذا الذي وضعَ النظام، وهذا الذي وضعَ التشريع، وهذا الذي وضعَ لكَ منهجاً تسير عليه منهجٌ أرضيٌ, لا علاقةَ له بمنهج السماء، هذا كأنكَ اتخذته رباً مُشرّعاً . ﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ اليهود اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله, حتى رجال الدين لهم حجمهم, يجب أن لا يكبر حجمهم عن الحجم الذي وضعهم الله فيه، ينقلون لك عن رسول الله سنته المطهرة، ينقلون لك ما في كتاب الله من أحكام, ومن توجيهات, ولا يستطيع واحدٌ كائنٌ من كان, أن يضيفَ شيئاً على منهج القرآن ومنهج النبي العدنان، هذا الحجم الحقيقي، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق وحبيب الحق، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد ولد آدم يقول: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة الأنعام الآية: 15] ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 188] هذا حجم النبي, وهو سيد ولد آدم, فهل هناك إنسان آخر يعلم الغيب؟ هل هناك إنسان آخر يملك لك نفعاً وضراً؟ هل هناك إنسان آخر يملك لك أن يرفعك أو أن يخفضك؟. الآية الثانية : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني .... أيها الأخوة الأكارم ؛ الآية الثانية التي تقصم الظهر: كلٌ يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقـــــر بذاكَ لما كَثُرَ مدعّو المحبة طولِبوا بالدليل . سؤالٌ مُحرج : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة آل عمران الآية: 31] لا تستطيع أن تدعي أنك تُحب الله عزّ وجل, وأنتَ مخالفٌ لسنة النبي عليه الصلاة والسلام، لا تستطيع أن تدعي أنك مُحبٌ لله عزّ وجل, وفي بيتك، وفي تصرفاتك، وفي بيعك وشرائك، وفي تعاملك، وفي علاقاتك، وفي جِدّكَ، وفي لَهوكَ، وفي مرحكَ، وفي طعامك, وشرابك, ونزهاتك, وأفراحكَ, وأتراحكَ, شيءٌ مخالفٌ لسنّةِ النبي . فهذه الآية فيها علاقة ترابطية: إن كنتَ محباً لله عزّ وجل اتبعتَ سنّةَ النبي عليه الصلاة والسلام، وإن اتبعتَ سنّةَ النبي عليه الصلاة والسلام نقلتكَ إلى محبة الله، إن شئتَ أن تأخذَ هذه الآية صعوداً أو نزولاً، إن اتبعتَ سنّةَ النبي عليه الصلاة والسلام نقلتكَ إلى محبة الله, وإن أحببتَ الله فِعلاً كما تدعي, من لوازم محبتك لله عزّ وجل: أن تتبع سُنّة النبي عليه الصلاة والسلام . ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾ اتبعوا سُنّتي , جاء الجواب : ﴿ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾ معنى يحببكم : جواب الطلب . فيا تُرى ما المعَولُ عليه: أن تحبه أم أن يحبك؟. الإنسان الظالم قد يحب قاضياً عادلاً, ولكن القاضي العادل لا يحب هذا الخصم الظالم، الإنسان الناقص قد يحب الكامل, ولكن هذا الكامل لا يحب الناقص، الإنسان البخيل قد يعظّم الكريم, ولكن هذا الكريم لا يحب البخيل، إذاً: ليس المُعَولُ عليه أن تُحبَ الله عزّ وجل بقدر ما المُعَولُ عليه أن يحبك الله عزّ وجل, يجب أن يحبك, لأنه إذا أحبك أسعدكَ إلى الأبد، أما إذا رحمك في الدنيا, وأحسنَ إليك, وانتهت الدنيا, وجدت المصير المشؤوم: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 222] ![]() فمحبة الله عزّ وجل لها مفتاح, مفتاحها: غُضَ بصرك, واستقامتك على أمر الله وصدقك. أيها الأخوة الأكارم ؛ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى , استنبطَ استنباطاً ذكياً جداً من قول الله عزّ وجل : ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [سورة المائدة الآية:18] ادعّاء, إذ كلُ يدّعي وصلاً بليلى، فأجابهم الله عزّ وجل: ﴿قل فلم يعذبكم بذنوبكم﴾ المعنى المخالف لهذه الآية: لو أن الله عزّ وجل أقرّكم على حبكم له وحبه لكم, لمّ عذّبكم؟ فاستنبطَ الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أن الله لا يعذبُ أحداً، فكيف بكم إذا عرفتم: أن حُبَ اللهِ عزّ وجل ينجيكم من كلِّ عذاب؟ وحقُّ الله على عباده أن يعبدوه، وحقهم عليه أن لا يعذبهم، و ضمانة من الخالق أن تعيش حياةً مباركةً, خيرّةً, ناعمةً لكَ, فيها عملٌ طيب، لكَ فيها إقبالٌ على الله، لكَ فيها استسلامكَ له . الآية الثالثة : قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني .... الآن آية ثالثة من آيات المحبة : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة المائدة الآية: 54] أحياناً: يمن إنسان على الله بأنه أدى ما عليه: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة الحجرات الآية: 17] من السهل أن يُقبلَ الإنسان على الدين، شيء جيد وطيب؛ لكنَ البطولة الاستمرار، الإنسان أحياناً يتوب إلى الله عزّ وجل, النقلّة المفاجئة: من الكفر, من الضياع, من المعصية, من الشتات, من اللؤم, من وحول الدنيا, من الأعمال السيئة, من المعاصي والآثام, النقلة المفاجئة: إلى الطاعة, والطُهر, والعفاف, والاستقامة, نقلة مُسعدة جداً، ولكن هذه السعادة المتألقة, هذه السعادة لها وقتٌ, ثم يضعف تأثيرها, لوجودها باستمرار، يضعف تأثيرها باستمرارها، هناك أناس يملّون, يسأمون, ينتكثون, يعودون إلى ما كانوا عليه . ومن علامة الإيمان: أن يكره المؤمن أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه, كما يكره أن يلقى في النار، فالبطولة بالثبات والاستمرار . كما تعرفون جميعاً في معركة الخندق, لمّا اليهود نكثوا عهدهم مع رسول الله, والأحزاب جاءتهم من كلِ جانب, وأصبح الإسلام قضية ساعات ليسَ غير, قال بعضهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 12] أما المؤمنون الصادقون: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً ﴾ [سورة الأحزاب الآية: 23] أنتَ تُعارض خالق الكون، الذي أتمناه على كلِ مؤمن هذا العهد الغليظ: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾ [سورة النساء الآية: 21] ![]() في السرّاء، في الضرّاء، أثناء الامتحانات، بعد الامتحانات, في مواسم البيع والشراء، في الصحة، في المرض، في الغنى، في الفقر، في الطمأنينة، في الخوف، في ربيع العمر، في وسط العمر، في خريف العمر، عاهدتَ خالقَ الكون وبعته بيعاً قطعيّاً. لذلك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ الآية الثالثة في علامات الحب: إذا كان الله يحبك فهذه صفتك . ﴿أذلةٌ على المؤمنين﴾ متواضع لهم، في خدمتهم، تعطف عليهم، تشفق عليهم، إذا عزَّ أخوك فهم أنت؛ أما الحسد والضغينة, وتُحطيم من نافسكَ, ومن فاقكَ, ومن وفقه الله في الدعوة إلى الله، هذا ليسَ من أخلاق المؤمنين: ﴿أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين﴾ لطيفة قرآنية : السؤال اللطيف اللغوي: لماذا قالَ الله عزّ وجل: أذلةٍ على؟ .. باللغة لا يوجد أذلةٍ على!! في اللغة يوجد: أذلةٍ لي، فلان ذليل لفلان، هذا بحث في اللغة رائع, اسمه التضمين, إذا عدينا فعلَ ذلَّ بـ على, ضمناه معنى أشفقَ، فهذا الذليل للمؤمن يعني يحبه، ويتواضع له, ويشفق عليه . عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيَعْرِفْ شرف كَبِيرِنَا)) [أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما] ﴿أذلةٍ على المؤمنين﴾ ![]() قالَ بعض العلماء في تفسير هذه الآية: للمؤمنين كالولدِ لوالده, وكالعبدِ لسيده, وعلى الماكرين كالسبعِ على فريسته, عزيز, لا تأخذه في الله لومةُ لائم, الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ بالعكس والعياذُ بالله، قوي على المؤمن, يراه ضعيفاً, لا سندَ له, يقوى عليه، وأما الأقوياء يهابهم, ويخضع لهم, ويتذلل لهم, ويستجزي منهم, وينافق لهم، أما المؤمنون هو متأكد أنهم ضُعاف مستضعفون, لذلك يقوى عليهم, إن كنتَ تقوى على المؤمنين, وتستعدي عليهم, وتخنع أمام الأقوياء, فتأكد أنك لستَ محباً لله ورسوله . العلامة الأولى : أن تكون مع المؤمنين كالولدِ للوالد، كالعبدِ للسيد؛ تذللاً, وخضوعاً, وشفقةً, وعطفاً, ومحبةً, ومعاويةً, ومؤاثرةً, وأن تكون على أهلِ الإعراضِ والكفرِ قوياً . العلامة الثانية : يجاهدون في سبيل الله بأنفسهم، بأموالهم، بأوقاتهم، بعضلاتهم، بخبراتهم، بكلِ ما يملكون, ومعنى يجاهدون: يبذلون أقصى الجهد، ربنا عزّ وجل قال: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [سورة الفرقان الآية: 52] فهمُ كتاب الله, والغوص في معانيه, وتوضيحها للناس, أحدِ أنواع الجهاد، ضبط النفسِ أحد أنواع الجهاد، المؤاثرةُ أحد أنواع الجهاد، جهاد العدوِ أحد أنواع الجهاد . العلامة الثانية : يجاهدون في سبيل الله بالنفسِ واليدِ واللسان والمال، وهذا يؤكد حبَّ الله عزّ وجل . الثالثة : ولا يخافون في اللهِ لومةَ لائم، ناس أخافونني، لوم, واحد لامك فصرفكَ عن مجلس العلم، إنسان لامك صرفكَ عن طاعتك، إنسان أخافكَ صرفكَ عن هذا العمل الصالح، إنسان حذّرك أخافك . ثلاث علامات : أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون في الله لومةَ لائم, هذه علامات صادقة ثلاث على حبك للهِ وحبِّ اللهِ لك . معنى لا تأخذه في اللهِ لومة لائم, فسّرها العلماء: لا تأخذه عن الله, عن طريق حبِّ الله، عن طريق طاعة الله، عن طريق العلم، عن طريق البذلِ، عن طريق العطاء، عن طريق القربِ، عن طريق مجالس العلم، لا تُذهبه عن هذه الطاعات لومةُ لائم . أمن تذكرُ الجيران بذي سلمٍ يا لائمِ في الهوى العذري معذرة كفَّ الملامُ فلو أنصفتَ لم تُلَمِ لو أنصفتَ لم تُلَمِ ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [سورة هود الآية:28] ![]() هذا الذي يلومك ما ذاق الذي ذقته, هذا الذي يلومك ما ذاق طعمَ قربك, هذا الذي يلومك ما ذاق طعمَ توفيق الله لك, هذا الذي يلومك ما ذاق طعم أنَّ الله نوّر قلبكَ بالإيمان, هذا الذي يلومك ما ذاق طعم طهارة القلب, ما ذاق طعم طهارةِ النفس، ما ذاقَ شيئاً من هذا، مقاييسه كلها ماديّة بالدرهمِ والدينار, لذلك قالَ عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ, وعبدَ الدِّرْهَمِ, وَالْقَطِيفَةِ, وَالْخَمِيصَةِ, إِنْ أُعْطِيَ رَضِيَ, وَإِنْ لَمْ يُعْطَ لَمْ يَرْضَ)) [أخرجه البخاري في الصحيح] ثلاث علامات: أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين، يجاهدون في سبيل الله، ولا يخافون في الله لومةَ لائم, إذا كانت فيك فأنتَ من أهل الحب, الله يحبك وأنتَ تحبه، هؤلاء الذين عُبِدوا من دونِ الله: السيد المسيح، سيدنا العُزير . الآية الرابعة : أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة .... ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 57] هنالكَ في الآية مقامات ثلاث : ![]() المقام الأول : الحبُّ يعني ابتغاء القرب ، من المعلوم قطعاً أنك لا تتنافس إلا في قربِ من تحب قربه ، شخص لا تحبه ، لئيم ، هل أنتَ حريص على زيارته ؟ على أن تكونَ إلى جانبه ؟ على أن تتنزه معه ؟ على أن تسهرَ معه ؟ مستحيل , من الثابتِ قطعاً أنك لا تحب قُربَ إلا من ترجو قُربه , من تحب قُربه ، وحب قُربه هو في الأصل حبٌ لذاته ، بل محبة ذاته أوجبت محبة المؤمنين ، إذ في محبة الله عزّ وجل حياة القلوب , ونعيم الأرواح , وبهجة النفوس , وقرّةُ العيون , وأعلى نعيم الدنيا والآخرة . فهذا الذي قال : مساكين أهلُ الدنيا ، واللهِ الذي لا إله إلا هو, لو ذاقَ الإنسان طعمَ الحب, لسعد سعادة لا تساويها سعادة, إنسان يملك أموال الدنيا كلها, وما عَرَفَ الله يقول مسكينا، جاء إلى الدنيا وخرجَ منها, وما ذاقَ أجملَ ما فيها، إن أجملَ ما فيها أن تكون من اللهِ قريباً، لذلك: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ ﴾ يوجد وسائل كثيرة، أيُّ هذه الوسائل تقرّبه إلى الله أكثر يبادر إليها . إنفاق المال, يبادر إلى إنفاق المال، حضور مجالس العلم, يبادر إلى حضور مجالس العلم, تعلّم القرآن, قراءة السنّة, خدمة الضعفاء والمساكين يسارع إليها . علامة هؤلاء الصادقين يرجون رحمة الله، يخافون عذابه، يبحثون عن وسيلة, يبتغون القربَ من الله عزّ وجل، هذه آية خامسة تتعلق بالحب . الآية الخامسة : ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي.... ![]() ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 52] ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ [سورة الليل الآية: 19-21] ليسَ في قلبه إلا همٌ واحد, أن يكون الله راضياً عنه: إلهي أنتَ مقصودي ورِضاكَ مطلوبي يا ربي ماذا فَقَدَ من وجدك؟ وماذا وَجَدَ من فقدك؟. الآية السادسة : وإن كنتن تردن الله ورسوله.... آية دقيقة جداً موجهةٌ إلى نساء النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 29] معنى ذلك: أن هناك إرادتان . ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾ إرادة الدار الآخرة ليست عينَ إرادة الله عزّ وجل. وإرادة الله عزّ وجل ليست عينّ الدار الآخرة, والدليل: العطف, والعطف يحتوي المفارقة والتغاير، أعطن قلماً ودفتراً، القلم غير الدفتر، العطف يقتضي التغاير . ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾ قال: هذا الذي يبتغي الدارَ الآخرة من أجل ما فيها؛ من حورٍ عين، ومن عسلٍ مصّفى، ومن لبنٍ لم يتغير طعمه، ومن جناتٍ تجري من تحتها الأنهار, المؤمنون يبتغون رشدَ الله عزّ وجل, والدليل: أن الإمام عليّ كرّمَ الله وجهه قال: في العُبّادِ ثلاثة؛ العبيد وهم يعبدونه خوفاً من ناره، والتجار يعبدونه طمعاً في جنته، والأحرار عَرفوا أن لهم ربّاً فأطاعوه, وما مقصودهم جنات عدنٍ, ولا الحور الحِسانُ, ولا الخيامُ, سِوى نظر الحبيب فلا منافه, وهذا مقبض القول الكِرام . تقبل دعوة إنسان عظيم جداً, دعاك إلى تناول طعام الغذاء، دخلت, تفضل, وجدت الطعام النفيس والطنافس, أينَ الداعي؟ والله مشغول, تفضل وكُلْ, كُلْ . إذاً : ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ إذاً : يجب أن تبتغي وجه الله . لذلك: أعظم ما في الجنة رؤية وجه الله، أعظم عقابٍ في النار حجبهم عن ربهم: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 15] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [سورة القيامة الآية:22-23] يرى المؤمن ربه كما يرى القمرَ في ليلة البدر، ويغيب من نظرة واحدة خمسين ألف عامٍ من خشية النظر . إذاً : ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾ في مرتبة الإيمان مرتبة, تفوق الخوف من العقاب, والسعي إلى الثواب، هؤلاء عاملون أجراء، أما المحسنون مرتبة الإحسان, اسمعوا الآن: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 133-134] يوجد صنف آخر : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 135-136] ![]() هؤلاء عاملون بأجر وهؤلاء محسنون, شتانَ بين الفريقين، مرتبة الإحسان شيء ومرتبة الإسلام والإيمان شيءٌ آخر . جاء في الصحيح: أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام قال: حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ, عَنْ أَبِيهِ قَالَ: ((صَلَّى بِنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَلاةً فَأَوْجَزَ فِيهَا, فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَقَدْ خَفَّفْتَ أَوْ أَوْجَزْتَ الصَّلاةَ, فَقَالَ: أَمَّا عَلَى ذَلِكَ, فَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعَوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ هُوَ أُبَيٌّ, غَيْرَ أَنَّهُ كَنَى عَنْ نَفْسِهِ, فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ, ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ, وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ, أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي, وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي, اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ, وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ, وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى, وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لا يَنْفَدُ, وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لا تَنْقَطِعُ, وَأَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ, وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ, وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ, وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ, فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ, وَلا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ, اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الإيمَانِ, وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ)) الناس يخافون من الموت، المؤمن يقول له: يا رب, إذا كانت الحياة خيراً لي فأحيني, وإذا كان الموت خيراً لي فأمتني . دعاء رائع جداً . ترى وجهاً مُقبلاً على الله, تقول له: كالبدر، تحارُ في جماله، تحارُ في تألقه، فكيف لو نظرتَ إلى وجه النبي عليه الصلاة والسلام؟ فكيف إذا نظرَ المرء في الجنة إلى وجه الله عزّ وجل؟ أسألك لذة النظر إلى وجهك, وأسألك الشوقَ إلى لقائك, من غيرِ ضرّاءٍ مُضرة, ولا فتنةٍ مُضلة، اللهم زيّنا بزينة الإيمان, واجعلنا هداة له . من الأحاديث الصحيحة: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ, وَجَدَ حَلاوَةَ الإيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) أمر الله وسنّة النبي أن تكون أحبَّ إليه مما سواه، تجد نفسك بحفلة، في تقاليد معينة، طقوس جديدة استحدثت, وسنّة النبي معطلة, لا, أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواه, وأن يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله. لا مصلحة, ولا علاقة, ولا نسب, ولا قرابة, ولا شراكة . ثلاث علامات؛ أن يكون الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواه، وأن يحبَّ المرءَ لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعودَ للكفرِ بعد إذ أنقذه الله منه, كما يكره أن يلقى في النار . عن أبي هريرة رضي الله عنه, أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((قال الله تعالى: من عادى لي وَلِيّا فقد آذَنتُه بحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مِنْ أداءِ ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ، فإذا أحببتُهُ؛ كُنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألَني أعْطَيتُه، وإن استَعَاذَ بي أعَذْتُه، وما تردَّدتُ عن شيء أنا فاعله، تردّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مَساءَتَه)) [أخرجه البخاري في الصحيح] يقال: إن لحوم العلماء مسمومة، لا أحد يتحدث عن العلماء, هؤلاء مصابيح الدنيا وسرد الآخرة, فليس من شأنك أن تقيّمهم, ولا أن تبحثَ في شأنهم, دعهم في ربهم, عليك أن تُطبقَ سنّة النبي عليه الصلاة والسلام؛ بالصدقات, بقيام الليل، بصلاة الضحى، بخدمة الضعفاء والمساكين، بحلِّ مشكلات الناس, ببذلِ كلَ ما آتاه الله عزّ وجل من قوةٍ في سبيل مرضاته ![]() وإذا أحبَ الله العبد, دعا جبريل فقال: إني أحبُّ فلاناً فأحبه, فيحبه جبريل, ثم ينادي في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه, فيحبه أهل السماء, ثم يوضع له القَبول في الأرض . والدعاء الشريف: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ مِنْ دُعَاءِ دَاوُدَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ حُبَّكَ, وَحُبَّ مَنْ يُحِبُّكَ, وَالْعَمَلَ الَّذِي يُبَلِّغُنِي حُبَّكَ, اللَّهُمَّ اجْعَلْ حُبَّكَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي, وَأَهْلِي, وَمِنَ الْمَاءِ الْبَارِدِ)) [أخرجه الترمذي في سننه] تحبُّ المال أعطاك المال، تحب زوجة تروق لك أعطاكَ إياها، تحب بيتاً واسعاً بلّغكَ إياه ، تحب منصباً رفيعاً أعطاك إياه, ماذا ستفعل به؟ . قال: اللهم ما رزقتني مما أحب, فاجعله قوةً لي فيما تحب. يا ربي اجعلني أسخّر هذا المال لمرضاتك، وأسخر هذا البيتَ للدعوة إليك، وأسخر هذه المركبة لخدمة عبادك، أسخر هذا المنصب لنُصرة الضعفاء والمساكين . اللهم ما رزقتني مما أحب, فاجعله عوناً لي فيما تحب، وما زويتَ عني ما أحب, مثلاً الزوجة وسط, لو أنها أفضل من هذه, لشغلَتكَ عن الله عزّ وجل, فاجعله فراغاً لي فيما تُحب، الدخل محدود نِعمة, معناها متفرغ لله عزّ وجل، لو أنه أعطاك كما تريد, لضاقت أوقاتك عن حضور مجلس علم . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#4 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الاخلاصالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الرابع ) الإخلاص : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الرابع من سلسة دروس تعبد القلب بما ينبغي له أن يكون عليه من رضوان الله تعالى ، في درسين سابقين تحدثنا عن موضوع المحبة , وكيف أن المحبة هي روح الدين ؟ واليوم ننتقل إلى موضوع جديد ألا وهو الإخلاص . الآية الأولى : وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين ........... أيها الأخوة الأكارم ؛ ربنا سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [سورة البينة الآية: 5] أمِروا أن يعبدوا الله مخلصين، الحالة الداخلية هي الإخلاص, والحالة الخارجية هي العبادة . الآية الثانية : فاعبد الله مخلصا له الدين . وآية أخرى : يقول الله سبحانه وتعالى : ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ [سورة الزمر الآية: 2] الآية الثالثة : قل الله أعبد مخلصا له ديني........... وفي آية ثالثة : ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ [سورة الزمر الآية: 14] الآية الرابعة : الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم .......... وفي آية رابعة : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [سورة المُلك الآية: 2] الفضيلُ- رحمه الله تعالى- فسّرَ: ﴿أيّكم أحسن عملاً﴾ أن يكون العمل صواباً وخالصاً؛ صواباً وفق السُنّة، وخالصاً ما ابتغي به وجه الله . الآية الخامسة : قل إنما أنا بشر مثلكم ........... وفي آية أخرى : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف الآية: 110] الإشراك هنا إشراكٌ في النيّة, فمن كان يرجو لقاء ربه, فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً, لا يشرك في قصده ولا نيّته أحداً مع الله عزّ وجل . الآية السادسة : ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ........... وفي آية أخرى يقول الله عزّ وجل : ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 125] فإسلام الوجهِ لله عزّ وجل إسلامٌ القصد والعمل للهِ عزّ وجل، والإحسان متابعة النبي عليه الصلاة والسلام . آيات كثيرة كلها حولَ محورٍ واحد : أُمرتَ أن تعبد الله وأن تكون هذه العبادة في إخلاصٍ لله عزّ وجل . انطلقت من هذا الموضوع من قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((يا معاذُ, أخلص دينك يَكفِكَ القليلُ من العمل)) وانطلقت في هذا الموضوع من قوله تعالى : ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [سورة الفرقان الآية: 23] عملٌ عظيمٌ؛ عظيم بلا إخلاص, يجعله الله هباءً منثوراً, وعملٌ قليلٌ مع الإخلاص يتقبلّه الله عزّ وجل, وربما كان هذا العمل مع الإخلاص سبباً لنجاةِ صاحبه من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرى . يقول عليه الصلاة والسلام يخاطبُ سيدنا سعد بن أبي وقاص: ((يا سعدُ, إنكَ لن تُخلّفَ فتعملَ عملاً تبتغي به وجه الله تعالى, إلا ازددتَ به خيراً ودرجةً ورِفعةً)) [أخرجه البخاري ومسلم] ما من عملٍ تعمله تبتغي وجه الله تعالى, إلا ازددتَ به خيراً ودرجةً ورِفعةً. المخلص وغير المخلص : وقد يسألُ سائل كيفَ أعرفُ ما إذا كنت مخلصاً أو غيرَ مخلص ؟ هناكَ إجابات عديدة أبرزها : أن يستوي عندك مدح الناس وذمهم , هذه علامةٌ طيبة . أن تبتعدَ عن الرياء , معنى الرياء : أن تُرائي الناس . علامةٌ ثالثة : ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾ [سورة القيامة الآية: 14-15] لِحكمةٍ أرادها الله عزّ وجل : جَعَلَ الإنسانَ مطلّعاً على نفسه , يعرف سرّها ونجواها، يعرف انحرافها واستقامتها ، يعرف إخلاصها ورياءها ، يعرف أمانتها وخيانتها ، هذا سِرٌ من أسرارِ هذه النفسِ البشرية : ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ [سورة الليل الآية: 19-21] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَحَفِظَهَا وَبَلَّغَهَا, فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ, ثَلاثٌ لا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُسْلِمٍ: إِخْلاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ, وَمُنَاصَحَةُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ, وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ, فَإِنَّ الدَّعْوَةَ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ)) فإذا أخلصتَ العملَ لله, ونصحتَ ولاة الأمور, ولَزِمتَ جماعة المسلمين, لا يمكن أن ينطوي قلبكَ على غلِّ لأحد . النبي عليه الصلاة والسلام أعطانا بعض المقاييس قالَ : (( بَرِئ من الكِبرِ من حملَ حاجته بيده)) وقالَ عليه الصلاة والسلام : ((وبَرِئ من النِفاقِ من أكثَرَ من ذِكرِ الله)) مقياس آخر : (( وبَرِئ من الشُحِ من أدى زكاةَ ماله )) هذا مقياس رابع : (( وبَرِئ من الغلِّ من أخلصَ في العمل, ونصحَ ولاةَ الأمر, ولَزِمَ جماعة المسلمين )) إذا لَزِمتَ جماعة المسلمين, ماذا يعني لك؟ هل عندك دليلٌ على أن جماعة المسلمين على حق؟ دائماً ما عليه مجموع المسلمين حق عليه أهلُ السُنّةِ والجماعة حق, ما أجمعَ عليه المسلمون حق, الدليل: قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( لا تجتمع أمتي على خطأ )) الأمة بمجموعها معصومة، والنبي عليه الصلاة والسلام بمفرده معصوم: (( لا تجتمع أمتي على خطأ )) إذا كنتَ مع جماعة المسلمين, مع مجموع المسلمين, مع ما هم عليه المسلمون مع جمهور العلماء, فقد بَرِئ قلبكَ من الغِلّ . سُئلَ عليه الصلاة والسلام عن الرجلِ, يقاتل رياءً, ويقاتل شجاعةً, ويقاتل حميّةً, أيُّ ذلك في سبيل الله؟. عَنْ أَبِي وَائِلٍ, عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: (( جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا الْقِتَالُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا, وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً, فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ, قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا, فَقَالَ: مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) [ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ] موتٌ على حمية, وموتٌ على رياء, وموتٌ على شجاعة, كلها ليست في سبيل الله، من قاتلَ لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله, والشيء المخيف: أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبرَ عن أولِ من تُسعّرُ بهم النار يوم القيامة، قالَ عليه الصلاة والسلام: قارئ القرآن إن رآى بقراءة القرآن، والمجاهد الذي يجاهد حميةً أو شجاعةً أو رياءً، والمتصدقُ بماله الذي يبتغي من صدقته, أن يقول الناس: فلان فعلَ كذا وكذا . الذين فعلوا ذلك ليقال: هذا قارئٌ, وفلان شجاع, وفلان متصدق, ولم تكن أعمالهم خالصة لوجه الله. الإخلاص : لماذا اخترتُ موضوع الإخلاص؟ لأنه موضوعٌ خطيرٌ جداً، قد يكون لكً عملٌ كالجبال, ولكن تبتغي به الدنيا, تبتغي به السُمعة, تبتغي به الوجاهة, تبتغي به أن تصرفَ وجوه الناس إليك, تبتغي به المديح, تبتغي به الرِفعة . موضوع المحبة موضوعٌ خطير, وموضوع الإخلاصِ موضوعٌ أخطر . الله سبحانه وتعالى في بعض الأحاديث القدسية يقول : (( أنا أغنى الأغنياء عن الشِرك, من عَمِلَ عملاً أشرَكَ فيه غيري, فهو للذي أشركَ فيه, وأنا منه بريء )) يعني هذا العمل أكثره لله وقليل منه لزيد أو عبيد، الله سبحانه وتعالى كلُّ هذا العمل لا يقبله, سهمين من مائة لزيد أو عبيد و 98 سهم لله, هذا العمل عند الله كله مرفوض . إن الله طيبٌ ولا يقبل إلا طيباً, والطيبُ هنا ما كانَ العملُ خالصاً لوجه الله تعالى, لذلك القصد أن ننتبه لقلوبنا، أن نتفحصَ أعمالنا، أن ندققَ في نوايانا، أن نتفحصَ نفوسنا، أن نتأملَ الغايات البعيدة التي وراءَ أعمالنا . في حديثٍ قدسيٍ آخر: يقول الله عزّ وجل للمرائي يومَ القيامة: (( اذهب فخذ أجرك ممن عَمِلتَ له لا أجرَ لكَ عندنا )) أنتَ عَمِلتَ لمن؟ لفلان؟ خذ أجركَ منه . وفي الحديث الصحيح: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((لا تَحَاسَدُوا, وَلا تَنَاجَشُوا, وَلا تَبَاغَضُوا, وَلا تَدَابَرُوا, وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] ((إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ, وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ, وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ إِلَى صَدْرِهِ)) إنسان وسيم الطلعة, عريض المنكبين، ضخم الجثة، لا ينظر الله إليه, كلكم يعلم حديثَ الأحنف بن قيس الذي وصفه الواصفون, فقالوا: كانَ قصيرَ القامة، أسمرَ اللون، أحنفَ الرِجل, مائلَ الذقنِ, ناتئَ الوجنتين، غائرَ العينين، شيء من قُبيحِ المنظر, وهو مع ذلك سيد قومه, إن غَضِبَ غَضِبَ لغضبته مئة ألف سيفٍ, لا يسألونه فيما غضب, وكان إذا علمَ أن الماءَ يفسد مروءته ما شربه . إن الله لا ينظر إلى أجسامكم: مهما يكن جسمك، مهما يكن وصفك، مهما يكن طولك ، مهما يكن لونك، مهما تكن عيناكَ واسعتين، مهما يكن شكلك جذاباً، مهما يكن لباسك أنيقاً، مهما تكن العطور منك فواحة . بعض العلماء قال: يدخل في الصرر بيتكم، مركبتكم، أثاث البيت، الحاجات الثمينة التي تقتنيها، الإمام عليٌّ كرّمَ الله وجهه, يتحدث عن علامات آخر الزمان: يكون فيه قيمة المرء متاعه, لا قيمة المرء ما يحسن. ((إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)) أعمالكم في الظاهر وقلوبكم في الباطن . يجب أن يكون القلبُ مفعماً بالإخلاص لله عزّ وجل . أثرٌ مرويٌ عن الله عزّ وجل في حديثٍ قدسي: ((الإخلاص سِرٌ من سري, استودعته قلبَ من أحببته من عبادي)) سر من أسرار الحق، لذلك غير المخلص بحاجة ملحّة إلى أن يستجدي الثناء, أما المخلص تشعر أنه لا يحتاج ثناءك, لأن إخلاصه لله أكسبه صِلةً مُسعدةً مع الله عزّ وجل, فهو لن يستجدي ثناء الناس ومديحهم، هذا الذي يهتم اهتماماً كبيراً لثناءِ الناسِ, في إخلاصه شائبة، في إخلاصه خلل. ماذا قالَ العلماء عن الإخلاص؟ أحاديثُ قدسيّة , وأحاديثُ صحيحة , وآياتٌ قرآنية , تجعلُ الإخلاصَ نصف العمل , العمل له ظاهر وله باطن , في الظاهر ينبغي أن يكون وفقَ السُنّة , وفي الباطن ينبغي أن يكون مخلصاً . قال بعض العلماء الإخلاص : إفراد الحق سبحانه وتعالى بالقصد في الطاعة . الإنسان يدخل المسجد ليصلي , كان مع أصدقائه , يدخل معهم ليصلي , ويصلي , لكن ما أفردَ الله عزَ وجل في هذه الطاعة , صلّى حياء ، صلّى مجاملةً ، صلّى مسايرةً ، صلّى ليجلبَ مدح الناسِ له ، فأيُّ عملٍ يفعله الإنسان , يستجلبُ به مديح الناس , هذا عملٌ بعيد عن الإخلاص . الإخلاص : إفراد الحق سبحانه بالقصدِ في الطاعة . من تعريفات الإخلاص : تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين. من رآني ؟ رآني فلان , يعني حينما ينشأ في قلبِ الإنسان رغبة أن يطلّعَ الناسُ على عمله , يرتاح راحةً كبرى , هذه الراحة من ضعفِ الإخلاص . بعضهم قال : الإخلاص: التوقي من ملاحظة الخلقِ على نفسك . لا يعنيك أمر الخلق لاحظوا أو لم يلاحظوا . بعضهم قال : من شَهِدَ في إخلاصه الإخلاص , فإخلاصه يحتاج إلى إخلاص . مرةً ثانية : من أخطر موضوعات الدعوة إلى الله عزّ وجل ، موضوع الإخلاص , لأن النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ صحيح متواترٍ , يُعّدُ أصلاً من أصول الدين : عن عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( إِنَّمَا الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ , وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى , فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا , أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يتزوجها , فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ )) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] قيمة العملِ تنبع من نيتك . كما قال بعض أخوتنا الأكارم : الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن . من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا, لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله. العمل يستوي في الظاهر وفي الباطن, والرياء أن يكون الظاهر خيراً من الباطن، والصدق في الإخلاص أن يكون الباطن خيراً من الظاهر, إذا استوى الظاهر مع الباطن، إذا استوت عبادتك في خلوتك كعبادتك في جلوتك, إذا استوى عملك في السر كعملك في العلانية، إذا استوى ظاهرك مع باطنك فأنت مخلص, الحد الأدنى الأساسي أن يستوي الظاهر مع الباطن، السريرة مع العلانية. قال بعضهم : الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الحق . مشغولٌ بالله عمّا سِواه ، ومن تزيّنَ للناسِ بما ليسَ فيه سقطَ من عين الله, ولئن يسقط الإنسان من السماء إلى الأرض فتنحطم أضلاعه, أهون من أن يسقط من عين الله . قيل لأحد العلماء واسمه سهل التستري: أيُّ شيء أشدُ على النفسِ؟ قالَ: الإخلاص, لأنه ليسَ للنفسِ فيه نصيب، ليس هناك شهوة الإخلاص يرويّها، ليس هناك حظُ نفسٍ الإخلاص يحققه ، الإخلاص عِبء على النفس, ربما أمرك الإخلاص أن تفعلَ شيئاً مخالفاً لرغبة النفس, النفس ترغب أن ترتفع, الإخلاص يأمرك أن تبتعد عن مواطن الرِفعة . الإخلاص أن لا تطلبَ لعملكَ شاهداً غير الله عزّ وجل, ما دامَ اللهُ قد رآك هذا شيء كاف, ما الذي يحصل مع الناس؟ الإنسان يتمنى أن يراه الناس في أحسن حالاته، إذا صلّى صلاةً خاشعة, وشعر أن الناس رأوه يبكي, ترتاح نفسه, معنى ذلك هو يبتغي السمعة، إذا عمل عملاً صالحاً, وشعر أن أحداً علمَ هذا العمل, ترتاح نفسه. قال : الإخلاص أن لا تطلبَ على عملكَ شاهداً غير الله عزّ وجل ولا مجازياً سواه . أن لا تطمع بشاهد ولا مجاز, هذا هو الإخلاص. قال أحد العلماء : ما أخلص عبدٌ قطُ أربعين يوماً , إلا ظهرت ينابيع الحِكمة في قلبه , وأجراها الله على لسانه . أربعون يوماً في إخلاصٍ شديد , ترى أن الله سبحانه وتعالى أنطقكَ بالحكمة ، سددَ خطاك , ألهمك الصواب , عَمّرَ قلبكَ بالإيمان , غَمَسَكَ في سعادةٍ لا يعلمها إلا الله . قال بعض العلماء : إذا أخلصَ العبد , انقطعت عنه كثرة الوساوس والرياء . ندخل في موضوع آخر ألا وهو تعريف الإخلاص ، ذكرنا آيات , وأحاديث صحيحة , وأحاديث قدسية , وأقوال بعض العلماء عن الإخلاص, وكيف أن الإخلاص هو نصف الدين؟ الدين عمل وحال، الحال الداخلي يجب أن يكون إخلاصاً لله عزّ وجل, والظاهر هو العمل . قال الإخلاص : تصفية العمل من كلِّ شائبة . تقول: هذا الحديد نسبة الشوائب فيه مرتفعة, إذاً: سعره متدنٍ, قد ينكسر، كلما قلّت نسبة الشوائب في الحديد ارتفع ثمنه، وكلما زادت هذه النسبة قلّت قيمته . الإخلاص تصفية العمل من كلِّ شائبة . قال بعضهم : أن لا يمازج العمل ما يشوبه من شوائب النفس . إما طلبُ التزيّنِ في قلوب الخلق, أو طلب مدحهم، أو الهرب من ذمهم، أو طلب تعظيمهم، أو طلب أموالهم، أو طلب خدمتهم ومحبتهم، أو طلب قضاء حوائجه، أو غير ذلك من العلل والشوائب: أن تريد ما سوى الله بعملك . درجات الإخلاص : الدرجة الأولى : أن لا ترى لك عملاً . قد يكون لك عملٌ عظيم ، وما دمت تراه لك عملاً ضخماً , فهذا من عدم الإخلاص , لأنك رأيت لك عملاً مستقلاً عن الله عزّ وجل , والشيء الثابت : أن العملَ الصالح بتوفيق الله , وأنتَ في الصلاة تقرأ كلَّ يوم : إيّاكَ نعبدُ وإيَّاكَ نستعين , ولا حولَ عن معصية الله إلا بالله , ولا قوة على طاعته إلا به . الإنسان إذا نظرَ إلى عمله , واستعظمَ عمله , وعرفَ حجمَ عمله , وباهى بعمله , وألقى الأضواء على عمله , ومنَّ الناس بعمله , وقال : أنا فعلتُ كذا وكذا , رؤية العملِ ضخماً نوعٌ من ضعفِ الإخلاص . النبي عليه الصلاة والسلام قالَ في بعض أدعيته : اللهم أنا بك وإليك، أنا قائمٌ بك، كلُّ ما عندي من فضلك، وإليك قصدي كله إليك. هذا الدعاء : اللهم أنا بك وإليك, يعني أنتَ قائمٌ بالله, ذكاؤك, خبراتك, أعمالك, توفيقاتك, إنفاقك, دعوتك, هذه كلها بالله, ويجب أن تكون لله, كنّ به وله, فإذا قلت: أنا بما عندي, هذه قالها قارون, قال: إنما أوتيته على علمٍ عندي, دعاءٌ مختصرٌ اختصاراً شديداً, اللهم أنا بك وإليك, الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [سورة الإنسان الآية: 30] لولا أن الله سبحانه وتعالى سمحَ لك أن تكون هكذا ما كنت، لولا أن الله سبحانه وتعالى أمدك بهذا العمل لما كنت، لولا أن الله سبحانه وتعالى جمعك مع أهل الحق ما كنتَ هكذا، لولا أنه أعطاك قوة وأعطاك مالاً ما كنتَ هكذا . حينما تنظر إلى عملك فهذا ضعفٌ في إخلاصك، أما إذا فنيتَ عن رؤية عملك, ورأيت أن هذا العمل العظيم الذي أجراه الله على يديك, إنما هو محض فضلٍ من الله عزّ وجل, هذا بعض ما في الإخلاص من معنى . يقول عليه الصلاة والسلام في بعضِ الأحاديث الشريفة: ((إذا أراد ربك إظهارَ فضله عليك, خلقَ الفضلَ ونَسبه إليك)) واحد قالَ كلمة أعجبتني قال: المؤمن صفيحة ذهب, فإذا ظنَّ أنه ممتلئٌ ذهباً, أُفرغت هذه الصفيحة من الذهب, فبقيت صفيحة, فإذا عزى الفضل إلى صاحبه, وهو الله سبحانه وتعالى, بقي هذا الذهب في هذه الصفيحة, وكان ثميناً جداً, يعني أنتَ بفضلِ الله لا بفضلك، بقوة الله لا بقوتك، بعلم الله لا بعلمك, ماذا قال الله عزّ وجل تأكيداً لهذا المعنى؟ :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة النور الآية: 21] آية واضحةٌ كالشمس : ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحدٍ أبداً ولكن الله يزكّي من يشاء﴾ أخلاقك العليّة الرضيّة, صلاتك المتقنة، تهجدك، إقبالك، ذِكرك، عملك الصالح، دعوتك إلى الله، قوة تأثيرك في الناس، هذا فضلٌ من الله عزّ وجل، فإذا رأيته منك, فهذه الرؤيا فيها ضعفٌ في الإخلاص، آية ثانية :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة النور الآية: 21] هذا دعاء النبي عليه الصلاة والسلام:﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ [سورة الحجرات الآية: 7] إنسان له عمل، الله عزّ وجل أجرى على يده الخير، وكان هذا العمل صالحاً، ورأى هذا العمل من جهده, ومن ذكائه, فقد ضَعُفَ إخلاصه, قال: كمن يرى أنه جميل الصورة, هو لم يخلقَ نفسه, لا, هذا من فضل الله عليه . الإنسان مما يُضعفُ إخلاصه, أن يطالبَ الله بجزاءٍ على عمله: يا رب هكذا فعلت يا رب؟ أين الجزاء؟ أين الثواب؟ أين رحمتك؟. مثل لطيف وإن كان مبالغ به، دائماً في الأمثلة, ينبغي أن تكون الأمثلة حادةً أحياناً, والقصة وقعت: إنسان ذهبَ ليلقي قمامته في الحاوية, فإذا في الحاوية كيسٌ أسود, فيه حركة, أطلَّ على هذا الكيس, وأمسكه, فإذا غلامٌ صغير, وُلِدَ لتوه, أخذه من الحاوية, وتوجّه به إلى مستشفى, ووضعه في حاضنة, واعتنى به عنايةً فائقة, ثم جلبه إلى البيت, وأحسنَ رعايته وتربيته, إلى أن صارَ هذا المولود طفلاً, وكَبُرَ الطفلُ, وأدخله في أفضل دار حضانة, ونقّله إلى مدرسة ابتدائية, ثم إلى إعدادية, وثانوية, وأنفقَ عليه, حتى حصّلَ أعلى شهادات, وصارَ طبيباً, ولم يكتفِ أن يكون طبيباً, أرسله إلى بلادٍ غربيّةٍ, وحصّلَ أعلى شهادات الطب, وفتحَ هذا الطبيب عيادةً, وأقبلَ الناس عليه, ونما دخله كثيراً, واشترى بيتاً فخماً, ومركبة فارهة, وصار له اسمٌ لامع, وصيتٌ ذائع, ومرةً شعرَ وليُّ نعمته, الذي رباه, الذي التقطه من الحاوية, شعرَ بألم في أمعائه, فتوجّه إلى هذا الطبيب الذي رباه, وعالجه الطبيب, وشخّصَ له المرض, وصفَ له الدواء, وخطرَ في بالِ هذا الطبيب, أن يأخذَ أجراً من سيده ومولاه وربيب نعمته، أليسَ تفكير هذا الطبيب أن يأخذَ أجرةً من هذا الإنسان بالذات جريمة؟ فهذا الذي يطالب الله بجزاءِ عمله ضعُف إخلاص: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً﴾ [سورة الإنسان الآية: 1] يؤكّد هذا أن النبي عليه الصلاة والسلام في معركة مؤتة, أرسلَ إليها جيشاً, وعلى رأسه زيد بن ثابت, فإذا قُتلَ زيد, فالقائد جعفر, فإذا قُتلَ جعفر, فالقائد عبد الله بن رواحة, ما الذي حصل؟ حينما دارت رحى المعركة سريعاً, ما سقطَ سيدنا زيد شهيداً, أخذَ الراية منه سيدنا جعفر, وسريعاً ما سقطَ شهيداً, جاء دور سيدنا عبد الله بن رواحة, وكان شاعراً, ورأى صاحبيه تساقطاً تِباعاً بسرعةٍ بالغة, يبدو أنه تردد وقال : يا نفسُ إلا تُقتلي تموتي هذا حِمامُ الموتِ قد صليتِ إن تفعلي فعلهما رضيتِ وإن توليـــتِ فقد شقيتِ ثم أخذَ الراية فقاتلَ بها حتى قُتل . نريد من هذه القصة: أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما بلغه النبأ, جمعَ أصحابه, وقالَ لهم: أخذَ الراية أخوكم زيد, وقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى مقامه في الجنة، ثم أخذَ الراية أخوكم جعفر, فقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى مقامه في الجنة, وسكتَ النبي عليه الصلاة والسلام، فلما سكتَ النبي عليه الصلاة والسلام, قَلِقَ أصحابه على عبد الله بن رواحة, قالوا: يا رسول الله! ما فعلَ عبدُ الله؟ قالَ: ثمَّ أخذَ الراية أخوكم عبدُ الله, فقاتلَ بها حتى قُتل, وإني لأرى في مقامه ازوراراً عن صاحبيه . مرتبته هبطت درجة, لأنه تردد ثلاثين ثانية، تردد, لا في إنفاق ماله، لا في أن يذهبَ معكَ ليخدمكَ في موضوعٍ ما، ما تردد ليستقبلكَ في بيته، تردد في بذلِ نفسه في سبيل الله، ومع ذلك هبطت مرتبته درجة. لذلك: هذا الذي يريد من الله تعويضاً على استقامته، وعلى إخلاصه، وعلى عمله، وعلى دعوته، وعلى بذله, إذا أردتَ تعويضاً من الله عزّ وجل على عملك, فهذا يقدحُ في إخلاصك, هيّ نقطة ثانية: أنتَ في خدمة خلقِ الله عزّ وجل لأنك عبدٌ له . الإنسان حينما يرضى عن نفسه، وحينما تُعجبه نفسه، وحينما يرتاح لها، وحينما يثني عليها, وحينما ينزهها، وحينما يعتقد فيها العِصمة، وحينما يعتقد فيها الكمال، هنا قد قُدحَ في إخلاصه, لأنَ الناسَ جميعاً عدا النبي عليه الصلاة والسلام ليسوا معصومين، ما من واحدٍ إلا وله نقطة ضعفٍ, والدليل: أنَّ أحدَ التابعين رِضوان الله عليهم قالَ: التقيتُ بأربعين صحابياً, ما منهم واحدٌ إلا وهو يظنُّ نفسه منافقاً, هؤلاءِ أصحاب رسول الله, الذين رضيَ الله عنهم, والذين كانوا مع رسولِ الله في السرّاءِ والضرّاء، في المنشطِ والمكره، الذين ذللوا الغالي والرخيص, والنفسَ والنفيس، ومع ذلك قالَ أحد التابعين: التقيتُ بأربعين صحابياً, ما منهم واحدٌ إلا وهو يظنُّ نفسه منافقاً, لِعِظمِ حق الله عليهم, فإذا رضي الإنسان عن نفسه, وأعجبته نفسه, وأثنى على نفسه, ورأى نفسه إنساناً متفوقاً, هذا مما يقدحُ في إخلاصه . أشياء ثلاثة تقدحُ في إخلاص الإنسان، الشيء الثالث أن تعجبه نفسه، أن يُثنى عليه، أن يبرئها, أن لا يتهمها، وأما السلفُ الصالح فكانوا يتهمونَ أنفسهم, ويحسنون الظنَّ بغيرهم, هذه أخلاق المؤمن, إن رأيتُ قد ألمّت بأخي مصيبة أُحسن الظنَّ به, قل: هذه مصيبة رفعٍ، وإن ألمّت بيَّ مصيبة أتهمُ نفسي, أما العكس: العكس غير صحيح، إن ألمّت بيَّ مصيبة أُبرئ نفسي، وإن ألمّت مصيبةٌ بأخي أتهمه, هذا ليسَ من الدين في شيء . والشيء الثاني: أن تُطالبَ الله بأجرةٍ على عملك, وكأنك لا تعرفُ فضله عليك: ﴿هل أتى على الإنسان حينٌ من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً﴾ والشيء الأول: أن تلاحظَ عملك, أن تكون معتداً به, مفتخراً به، عملك بارزٌ أمامك، تثني عليه, أو تنتظرُ الثناء عليه . هذه الأشياءُ الثلاثة تقدحُ في إخلاصِ العبدِ مع ربه سبحانه وتعالى. عمر بن الخطاب : الحقيقة: قد نقف مشدوهين أمام عمر, ثاني الخلفاء الراشدين، سيدنا عمر عملاق الإسلام، سيدنا عمر حينما كان مع عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما في المدينة, يطوفان في أسواقها في الليل, رأيا قافلةً قد حطت رحالها في بعض أطراف المدينة, قالَ: يا عبد الرحمن, تعالَ نحرس هذه القافلة لوجه الله تعالى, فوقفا يحرسانها, يبدو أن طفلاً صغيراً بكى, فتوجه عمر إلى أمه, وقال: يا أمة اللهَ أرضعي طفلك، بعدئذٍ بكى مرة ثانية, توجه إليها, وقالَ: يا أمة الله أرضعي طفلكِ، بكى مرة ثالثة فغضب, وكان غضوباً حاداً. -النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((الحِدةُ تعتري خيارَ أمتي)) توجه إلى هذه المرأة وقالَ: يا أمةَ السوء أرضعي ولدكِ, فقالت: دعنا يا رجل ما شأنك بنا؟ إنني أفطِمه، قالَ: ولِمَ تفطمينه؟ قالت: لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعدَ الفِطام -المعاش التقاعدي, التعويض العائلي, لا يستحق عند عمر إلا بعدَ الفِطام, إني أفطِمه- قال: يروي التاريخ: أن عمرَ بن الخطاب صاحَ صيحة صُعِقَت الناسُ، قال: ويحك يا بن الخطاب, كم قتلتَ من أطفال المسلمين؟ وقال لها: تعالي غداً, وأصدرَ أمراَ أنَّ العطاء للأطفال يُصرفُ عِندَ الولادة لا بعدَ الفِطام . ويروي أصحابه: أنه صلّى بهم الفجر, فما استطاعوا أن يفهموا الآيات التي قرأها, لشدة بكائه, وكان يقول لربه: هل قَبِلتَ توبتي فأُهنئ نفسي, أم رددتها فاُعزيّها؟. ولما جاءه رسولٌ من أذربيجان, هذا الرسول -كما تعلمون- كره أن يطرقَ بابه ليلاً, فتوجه إلى المسجد, فإذا في المسجد رجلٌ يصلي ويبكي, قالَ: من أنتَ يرحمك الله؟ قالَ: أنا عمر, قالَ: يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل؟ قالَ: أنا إن نِمتُ ليلي كله أضعتُ نفسي أمام ربي, وإن نِمتُ نهاري أضعتُ رعيتي, بقي معه حتى أذّنَ الفجر, وصلّى معه, وأخذه إلى البيت, وقال: ما الذي أقدمك إلينا؟ قال: يا أمير المؤمنين, معي هدية من عاملك على أذربيجان, فتحها عمر, فإذا بها طعامٌ نفيس, أكلَ لُقمة واحدة، قالَ: يا هذا, هل يأكلُ عندكم عامةُ المسلمين هذا الطعام؟ قالَ: لا, هذا طعام الخاصّة, فقال: حرامٌ على بطنِ عمر أن يذوقَ حلوى لا يطعمها فقراء المسلمين, والقصص التي تروى عن هذا الخليفة الراشد كثيرة جداً . مرةً جاءه ملك, جَبَلَة مَلِكٌ في الجزيرة, مَلِكٌ غساني, جاءه مسلماً، طبعاً رحّبَ به, وأسلمَ هذا الملك, وطافَ بالكعبة, فجاءَ بدويٌ داسَ طرفَ إزاره, فلما داسَ طرفَ إزاره, وهو لا يدري ولا يقصد, انخلعَ عن كَتِفه إزاره, فالتفتَ إلى هذا البدوي الملك جَبَلة, وضربه ضربةً هشمّت أنفه, هذا البدوي ليسَ له إلا عمر, توجه إليه, وقالَ: يا أمير المؤمنين, فلان لطمني هذه اللطمة, وهشمَّ أنفي, خذّ لي الحقَ منه، طلبه عمر, في إنسان صاغ هذا الموقف صياغةً أدبيّةً, قال له: أصحيح ما ادعّى هذا الفذاريُّ الجريح؟ قالَ جَبَلَة: لست ممن يكتم شيئاً أنا أدبّتُ الفتى أدركتُ حقيّ بيديَّ قالَ عمر: أرض الفتى لا بد من إرضائه ما زال ظـفرك عابئٌ بدمائه أو يهشمـــنَّ الآن أنـفكوتنـــالَ ما فعــلته كفك قالَ: كيفَ ذاك يا أمير المؤمنين؟ هو سوقةٌ وأنـا عرشٌ وتاج كيفَ ترضى أن يَخِرَّ النجمُ أرضاً؟ فقالَ عمر: نزوات الجاهلية ورياح العنجرية قد دفناها أقمنا فوقها صرحاً جديداً وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً فقالَ جَبَلَة: كانَ وهمــاً ما جــــرى في خَلدي أنني عنـــدكَ أقوى أعز أنا مرتدٌ إذا أكرهتني فقالَ عمر: عُنُقُ المرتدُ بالسيفِ تُحزعالمٌ نبنيه كلُّ صدعٍ فيه بشبا السيفِ يداوى وأعزُّ الناس بالعبدِ بالصعلوكِ تساوى هذا موقف . ولمّا امتحنَ أحدَ ولاته, وقالَ: يا فلان, ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب؟ قالَ: أقطعُ يده, قالَ: إذاً: فإن جاءني من رعيتكَ من هو جائعٌ أو عاطل فسأقطع يدك, إن الله قد استخلفنا عن خلقه, لنسدَ جوعتهم, ونسترَ عورتهم, ونوفّرَ لهم حِرفتهم, فإن وفيّنا لهم ذلك, تقاضيناهم شكرها, إن هذه الأيدي خُلقت لتعمل, فإذا لم تجد في الطاعةِ عملاً, التمست في المعصيةِ أعمالاً, فاشغلها بالطاعة قبلَ أن تَشغلكَ بالمعصية . طبعاً: هذه بعض المواقف, وله مواقف لا يعلمها إلا الله, كان عملاق الإسلام, ليسَ هذا الموضوع, هذا الموضوع تعرفونه, ولكن علاقة هذه القصص بهذا الدرس: كيف يقول عمر: ليتَ أمَّ عمر لم تلد عمر, ليتها كانت عقيمة؟ كيف يقول عمر: أتمنى أن أقدُمَ على ربي لا ليَّ ولا علي؟ لأنه كانَ مخلصاً لله, لأنه رأى عِظم حقِّ الله عليه، عِظم حقِّ الله عليه مهما عبده، مهما أخلص له، مهما بذلَ من وقته، مهما بذلَ من جهده، مهما بذلَ من ماله، لا يؤدي شيئاً من حقِّ الله عليه . هذا الذي يمنُّ على الله عزّ وجل ما عَرَفَ الله, ما ذاقَ طعمَ الإخلاص: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سورة الحجرات الآية: 17] إذا أطلق الله لسان الإنسان بالحق, إن كان مخلصاً يقول: يا ربي لك الحمد, الذي سمحت لي أن أقولَ عنك كلاماً طيباً، يا ربي لكَ الحمد, سمحتَ لي أن أكون من عبادك الصالحين، يا ربي لكَ الحمد والشكر على أن قيّضت ليّ من يهديني سواء السبيل, هذا المخلص، أما الذي يدلُّ بعمله يقول: أنا فعلت, هذا بعيد عن أن يكون مخلصاً لله عزّ وجل . الذي يعنينا أن نكونَ مخلصين لله عزّ وجل في كلِّ أعمالنا, لأن الله عزّ وجل طيبٌ ولا يقبلُ إلا طيباً, وإن الله أمرَ المؤمنينن بما أمرَ به المرسلين . ومرةً ثانية: علامة الإخلاص: أن يستوي العمل في السرِّ والعلانية, في الباطن والظاهر, العلامة الثانية: أن يستوي المدح والذم عندك: فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غِضابُ وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين العالمـين خراب إذا صحَّ منك الوصل فالكلُّ هيّن وكل الذي فوقَ الترابِ ترابُ العلامة الثالثة: ألا تطلبَ شهوداً على عملك إلا الله, وألا تطلب الجزاء على عملك إلا الله, لست محتاجاً لمن يشهد لك عملك. أحدهم ذهب إلى المسجد, عنده مال, وينوي أن يذهب إلى الحج, فقال: أدخل المسجد, وأتفحص وجوه المصلين, أيهم كان أشدَ خشوعاً أدفعُ له هذا المال, وقف في زاوية, وتأملَ وجوه المصلين, فرأى أحدهم يعصر نفسه, ويغمض عينيه, ويتطامن, أعجبه خشوعه, فتوجه إليه بعد الصلاة, وقال: أنا واللهِ أحببت صلاتك, ومعي مالٌ أريد أن أودعه عندكَ, لأنني ذاهبٌ إلى الحج, قالَ له: وأنا أيضاً صائم سيدي, فقال له: صيامك لم يعجبني . أنا ألبي رغبة كل أخواننا, يصرّ بعضهم ألا يدفع مبلغاً للمسجد, حتى توضع رخامة باسمه، المحسن الكبير فلان الفلاني, أنا أعاني هذا, لا يقبل إلا بلوحةٍ عليها اسمه, هذا ضعفٌ في الإخلاص، الله عزّ وجل رآك ماذا فعلت, وعَلِمَ فعلك, وما تفعل من خيرٍ يعلمه الله . العلامة الرابعة: أن تؤثره على كلِّ ما سِواه، العلامة الخامسة: الخلق كلهم عنده سواسية, والله سبحانه وتعالى هو قصده ومبتغاه . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#5 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : العلمالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الخامس ) منزلة العلم : أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الخامس من دروس جامع العثمان، ندخل الآن في موضوعٍ جديد, أو منزلةٍ جديدة من منازل: إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين, ولا أبالغ إذا قلت: إنها من أرقى المنازل، إنها منزلة العلم . الله سبحانه وتعالى ما اعّتمد في قرآنه الكريم إلا قيمة العلم، هناك قيمة المال, وقيمة القوة, وقيمة الصحة, وقيمة الغِنى, وقيمة الجمال, كلُّ هذه القيّم ما اعّتمدها الله عزّ وجل للترجيح بين خلقه، لكن قيمة العلمِ وحدها كانت معتمدةً في القرآن الكريم, حيث قال الله عزّ وجل: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة الزمر الآية: 9] إنها من أرقى المنازل, هذه المنزلة إن لم تصحب السالكَ من أول قدمٍ, يضعها على طريق الإيمان حتى تنتهي به الطريق, فهو على غير طريق, إن شبهنا طريق الإيمان بطريق معبّدة وطريق غير الإيمان, طريقٌ ترابية, فما لم يعتمد سالكُ طريق الإيمان العلمَ, والعِلمَ وحده, فهو على غير الطريق . يجب أن نؤمن أنَّ هناكَ طريقاً إلى الله, ليس هناك طريقٌ أخرى, إنها طريقُ العِلم, لأن الله سبحانه وتعالى يقول مخاطباً نبيه عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآَنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ [سورة طه الآية: 114 ] لم يقل: زدني مالاً، ولا زدني شأناً، ولا زدني وجاهةً. الإمام الجُنيد من كبار أئمةِ الدين, مشهودٌ له بالعِلمِ والفضل, له كلمةٌ دقيقة يقول: الطرقُ كلها مسدودة على الخلق, إلا على من اقتفى آثارَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم, يعني أيُّ طريقٍ إلى الله عزّ وجل دون أن تقتفيَّ أثرَ النبي عليه الصلاة والسلام, هذه الطريق ليست سالكة إنها مسدودة, ويقولُ أيضاً: مذهبنا هذا مقيدٌ بأصول الكتاب والسُنّة . أنتَ معك كتاب ومعك سُنّة، هما منهجاك إلى الله عزّ وجل, توزن أفعالك وأحوالك بالسنة، هذا الفعل مطابقٌ للسُنّة، أقرّه النبي، فعله النبي أم لم يفعله, يجب أن تتخذ من السُنّةِ ميزاناً لأفعالك . هذا الشعور بأنني غير هؤلاء الناس، أنا فوقهم، هذا الشعور سوي؟ هذا الشعور صحي أم شعور مرضي؟ يجب أن تزين أفعالكَ وأحوالكَ بالكتاب والسُنّة، إذا كنتَ حريصاً على آخرتك, إذا كنتَ حريصاً على سعادتك، على نجاتك, كيف تزين أفعالكَ وأحوالكَ بالكتاب والسُنّة إن لم تعرف الكتاب والسُنّة؟ هما الميزان. فمعرفة الكتاب والسُنّة شرطٌ أساسي, لتستخدم الكتاب والسُنّة ميزاناً في أفعالكَ وأحوالك. ومن لم يتهم خواطره فلا يعدُ في ديوان الرجال، يعني ما كلُ خاطرٍ يأتيك حق، ما كلُ خاطر يَرِدُ عليك موافقٌ للكتاب والسُنّة، يجب أن تزين الخواطر، أن تزينَ الأقوال، أن تزينَ الأفعال، أن تزينَ الأحوال، الأفعالُ والأحوالُ والأقوالُ والخواطر . ومن شروط التوبة: العلم, كيف تعرفُ أن هذا ذنب؟ كيف تتوب من ذنبٍ لا تعرفه ذنباً؟ مستحيل, إنسان يتوب من ذنب لا يعرفه أنه ذنب . أولُ مرحلةٍ من مراحل التوبة: العلم، أن تعلم الحلال والحرام، ما يجوز وما لا يجوز، ما ينبغي وما لا ينبغي، ما يصح وما لا يصح، ما هو مقبول عند الله وما هو غير مقبول. يقول بعض العلماء: كلُّ فعلٍ يفعله العبدُ بغيرِ اقتداءٍ فهو عيشِ النفسِ، إما أن تكونَ مع رسول الله وإما أن تكون مع هواك، إذا فعلت، تصرفت، فكرت، جاءتك الخواطر، جاءتك المشاعر، ولم تزنها بالكتاب والسُنّة, فهذه من رعونات النفس ومن حظوظ النفس . جهتان لا ثالثَ لهما: إما أن تكونَ مع الكتاب والسُنّة مع منهج الله عزّ وجل, وإما أن تكونَ مع هواك, فكلُّ فعلٍ يفعله العبدُ بغيرِ اقتداءٍ فهو عيشِ النفسِ، أنتَ مع حظوظِ نفسك، مع رعوناتِ نفسك، مع مطالبِ نفسك . ويقول بعض العلماء: من عملَ عملاَ بلا اتباعِ سُنّة فباطلٌ عمله . يتضح من هذه الأقوال أنه لا بد من معرفة السُنّة، لا بد من قراءة سيرة النبي عليه الصلاة والسلام، لأنَّ كلَّ موقفٍ من مواقفه, وكلَّ تصرفٍ من تصرفاته, إنما هو تشريع لنا، فأقواله وأفعاله وأحواله وإقراراته, هذه كلها العلم بها فرضُ عين, لأنها المنهج . قالَ بعضهم: الصحبة مع الله عزّ وجل بحسنِ الأدبِ, ودوام الهيبة والمراقبة، والصحبة مع رسول الله باتباعِ سُنّته, ولزومِ ظاهر العلمِ، والصحبة مع أولياء الله بالاحترام والخدمة، ومع الأهل بحسن الخلق، ومع الأخوان بدوام البِشر، ومع الجهالِ بالدعاءِ لهم بالرحمة، ومع الحافظيّن بإكرامهما واحترامهما، ومع النفسِ بالمخالفة، ومع الشيطان بالعداوة . قالَ بعضهم: من أمّرَ السُنّة على نفسه قولاً وفعلاً نطقَ بالحِكمة, ومن أمّرَ الهوى قولاً وفعلاً نطقَ بالبِدعة، إذا أمرّتَ الهوى, وكلُّ بدعةٍ ضلالة, وكلُّ ضلالةٍ في النار، يؤكدُ هذا قول الله عزّ وجل : ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [سورة النور الآية: 54] آيةٌ قطعية الدلالة, ﴿إن تطيعوه تهتدوا﴾ يعني طاعة النبي عليه الصلاة والسلام هي الهدى . بعضهم قال: العِلمُ قائد والخوفُ سائق، الخوف يدفعكَ إلى بابِ الله, والعِلمُ يقودكَ إلى الله، والنفسُ حرونٌ بينَ ذاكَ وذاك، النفس حرون وجموح وخدّاعة وروّاغة فاحذرها, وراعِها بسياسة العلم, وسُقها بتهديد الخوف, يتّمُ لكَ ما تريد . الإنسان إذا قاده العِلمُ إلى الله, أراحه الله من المصائب, فإن لم يقده العلم إلى الله, سخّرَ الله له بعض المصائب, كي تدفعه إلى باب الله, يعني إما أن تأتيه طوعاً وإما أن تأتيه كرهاً، إما أن تأتيه بدافعٍ من إيمانك به, وإما أن تأتيه بدافعٍ من خوفك منه، إن أتيته بدافعٍ من إيمانك, هذا أرقى لكَ عند الله عزّ وجل من أن تأتيه بدافعٍ من خوفك . وكما يقول بعض العلماء: صيدلية الله عزّ وجل أدويتها كثيرةٌ جداً جداً جداً, من ملايين الأبواب يمكن أن تصبح الحياة جحيماً لا يطاق، لذلك الإنسان حينما يقوده العِلمُ, الله سبحانه وتعالى يطمئنه, فإذا اطمأن على جهله, واطمأنَ على انحرافه, عندئذٍ يدفعه الخوف إلى باب الله عزّ وجل . بعضهم يقول: ما لنا وللعِلم، نحن نأخذُ علمنا من الحيّ الذي لا يموت, وأنتم تأخذونه من حيٍّ يموت، عِلمنا من الله مباشرةً, وعِلمكم من أشخاصٍ يموتون، عِلمنا عِلمُ نبعٍ وعِلمكم عِلمُ جمعٍ . قيلَ لأحدهم: ألا ترحلوا حتى تسمعَ من عبد الرزاق؟ فقالَ: وما يصنعُ بالسماعِ من عبدِ الرزاق من يسمع من الخلاّق . هناك أشخاصٌ يحتقرون معرفة الكتاب والسُنّة، ما أفعل بهذا؟ أنا ليَّ مشربٌ مباشر من الله عزّ وجل أستقي منه علمي . هناك من يقول: إن هذا الكلامَ جهلٌ وكلامَ شيطاني, فلولا هؤلاء الذين نقلوا لك أحاديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم, هل كنتَ تعرف سُنّته؟ هذه العبادات التي بيّنها النبي وفصلّها, أنّى لكَ أن تعرفها, لولا أنها نُقلت إليك ورويت لك؟ فهذا الذي يقول: أنا أستغني عن كلِّ علمٍ ظاهريّ, وأنا قلبي موصولٌ بالله عزّ وجل, هذا كلامٌ غير صحيح . لذلك قالوا: من أحالكَ على غير من أخبرنا وحدثّنا, فقد أحالكَ إما على خيالِ صوفيٍ, أو على قياسِ فلسفيٍ, أوعلى رأيٍ نفسي, أنتَ ماذا تريد؟ تريد دين الله عزّ وجل, تريد شرعه, تريد قرآنه, تريد سُنّة نبيه, فإذا ألغيتَ الكتابَ والسُنّة, أنتَ مع من؟ مع خيال, مع طيف, مع تجاوز, مع قياس فلسفي, مع رأي نفسي, وأنتَ لستَ مع الكتابِ والسُنّة. والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 32 ] هناك عِلمٌ وهناك حال، العلم أن تعرف الله عزّ وجل، أن تعرف ربوبيته، أن تعرف ألوهيته، أن تعرف وحدانيته، أن تعرف أسماءه الحسنى، أن تعرف صفاته الفضلى، هذا هو العلم، أن تعرف أمره ونهيه، أن تعرف حدوده، أن تعرفَ في كلِّ موقف: ماذا ينبغي لكَ أن تفعل؟ هذا هو العلم, وأما الحال أن تشعر بمشاعر مسعدة . أيهما خير العِلمُ أم الحال؟ أجابوا عن هذا السؤال, بأن نفعَ الحال لا يتعدى صاحبه, هو مسرور وحده، لكن ربنا عزّ وجل قال : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة النحل الآية: 120] بينَ أن تكونَ في قلوبِ الآلاف, بين أن يكون أثركَ في قلوبِ المئات والآلاف المؤلفة, بينَ أن يكونَ عِلمكَ قد انتشرَ بين الناسِ كلهم فاستفادوا منه، وبين أن تستمتع وحدك ولا أحدَ معك بهذا الحال . فقالوا: الحالُ لا يتعدى صاحبه، أما العِلمُ كالغيثِ, يقعُ على الوديان, والآكام,ِ ومنابت الشجر، العِلم عام بينما الحال خاص، خاصٌ بكَ وحدك, لا ينتقل إلى أهلك, ولا إلى أولادك, ولا إلى جيرانك, ولا إلى أيّةِ جهةٍ أخرى، لكنَ العلم نفعه عميم . ويقولون أيضاً: دائرة العلم تسعُ الدنيا والآخرة, أما دائرة الحال تضيق عن غير صاحبها, وربما ضاقت عنه . سُميَّ الحالُ حالاً, لأنه يتحول, ليس مضموناً, ليس ثابتاً, لا تستطيع أن تنقله للآخرين, ولا تستطيع أن تصرفه, ولا يمكن أن تبيعه, ولا أن تقدمه, شيء خاصٌ بك، لكن الذي يتعلم يؤتيه الله حالاً, لأن الحال ثمرة من ثمار طاعة الله عزّ وجل, إذا أطعته طاعة تامة. ((من عَمِلَ بما علم, أورثه الله عِلمَ ما لم يعلم)) إذا أطعتَ الله عزّ وجل في كلِّ شؤونك، في كلِّ حركاتك وسكناتك، عندئذٍ يتوج الله لكَ هذه الطاعة بحالٍ طيب تسعدُ به, أما إذا بحثتَ عن الحال وحده وسعيتَ إليه, وأهملتَ ما سواه من العلم والمعرفة والعملِ, فهذا الحال لا ينفعك, ولا يغنيك من الله شيئاً . ويقولون أيضاً: العلمُ هادٍ والحال الصحيح مهتدي به، كلّ إنسان إذا حقق هدفه, يشعر بحال مسعدة, حتى إن اللصَ لو سرقَ مالاً كثيراً, ورأى أن هذا العمل عادَ عليه بمبلغٍ كبير, يشعر بنشوة . الحال في تعريفه الدقيق: حينما تصبو إلى شيء وتحققه, تشعر براحة، هذه الراحة ميزانها العلم, إذا صبوتَ إلى حقٍ, وحصلّته, وارتحتَ مع الحق, فالعلم يقول لك: هذا حال طيب, أما إذا فعلتَ شيئاً منكراً, وحققته بالتمام والكمال, وشعرت براحة الإنجاز, هذا الحال غير صحيح, هذا حال غير حالَ أهلِ الإيمان . يعني أنتَ بالعلم تعرف ما إذا كان هذا الحال رحمانياً أو شيطانياً، أما أن يأتي الإنسان حالة سرور هذه ممكنة، إذا جاءت حركتك اليومية موافقةً لمهمتك تشعر براحة، إذا سافرت إلى بلدٍ أجنبي لتعقد صفقة رابحة, ورأيت البضاعة مناسبةً, وسعرها مناسباً جداً, ووقعّتَ العقد ، ساحَ خيالكَ بالأرباح الطائلة التي سوف تجنيها, من هذه البضاعة تشعر براحة كبيرة، تشعر بسرور، هذا السرور يقيّم بالعلم . والعلم تَرِكةُ الأنبياءِ وتراثهم، الأنبياء لم يورّثوا درهماً ولا ديناراً, ولكن ورّثوا هذا العلم, فمن أخذَ منه أخذَ بحظٍ وافر . العلم تراثُ الأنبياء، والذي يتعلم العِلم هو من أهلهم, ومن عصبتهم, ومن مرّاتهم، سلمان منّا آلَ البيت، نِعمَ العبدُ صهيب لو لم يخف الله يعصه، من هم أهل الله؟ الذين تعلموا القرآن, وعرفوا عظمته, وعرفوا أحكامه، العلمُ حياة القلوب، القلب لا يحيا إلا بالعلم، العلم نور البصائر، الله عزّ وجل سمّى كتابه نوراً مبيناً، العلم شِفاءٌ للصدور، إذا عرفتَ هذا الحكم ، إذا عرفتَ أن هذا العمل يرضي الله, هذا لا يرضيه, تشعر براحة، ما دام عملكَ يقع موافقاً لمنهج الله عزّ وجل, هناكَ راحة كبيرة . العلم رياض العقول، الإنسان عقل ونفس وجسد، العقل غذاؤه العلم، والجسد غذاؤه الطعام والشراب، والقلب غذاؤه الحب, فإذا لم تتعلم حصل هناك عرج, اختلال في التوازن، العلمُ لذّةُ الأرواح, من ذاقَه عرف, ما من شيء أحبُّ إلى المؤمن من مذاكرةِ العلم، العلم أُنسُ المستوحشين، العلم دليل المتحيرين، العلم هو الميزان الذي به توزن الأقوال والأعمال والأحوال، العلم هو الحاكم المفرّق بين الشكِ واليقين, والغيِّ والرشاد, والهدى والضلال، بالعلم يُعرفُ الله، بالعلم يُعبدُ الله، بالعلم يُذكر الله، بالعلم يوحّدُ الله، بالعلم يحمد، بالعلم يمجّد، بالعلم اهتدى إلى الله السالكون، من طريق العلم وصلَ إليه الواصلون، من باب العلم دخلَ عليه القاصدون . أنا أقول لكم: ما من عملٍ أجلُّ وأعظمُ وأخطرُ في حياتكم من طلب العلم، وأيُّ علمٍ هذا ؟ معرفة الله عزّ وجل، وكيف تعرف الله عزّ وجل؟ يجب أن تعرف القرآن الله عزّ وجل, يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 1] الكتاب يعدل خلقَ السموات والأرض، الكون كله في كفة والكتاب في كفة، لذلك إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالبِ العلم رِضىً بما يصنع، بالعلم تُعرف الشرائع والأحكام، بالعلم تميّز الحلال من الحرام, بالعلم تصل الأرحام، بالعلم تعرف مراضي الحبيب، بالعلم تكون إلى الله قريب، العلم هو كلُّ شيء، الطريق السالك الوحيد إلى الله عزّ وجل أن تعلم، أن تعرفه، أن تعرف كتابه، أن تعرفَ سُنّة نبيه، أن تعرف الأحكام الشرعية، أن تعرف سيرة سيد المرسلين ، لذلك حينما تنكشف الحقائق, وحينما يُكشف الغطاء, لا يندم الإنسان في حياته كلها, إلا على ساعةٍ مضت, لم يتعرّف إلى الله فيها، وقلت لكم دائماً: إن أبواب الدنيا مغلّقة, ولا تدخلها إلا بمبلغٍ كبير, لكن أبواب الحق مفتّحة لكلِ داخل, وبلا أجر, وبلا صعوبات, وبلا عقبات . العلم إمام والعمل مأموم، لا يمكن أن يصحَّ عملك إلا إذا صحَّ علمك، لا يمكن أن يصلحَ عملك إلا إذا صلحت عقيدتك، العلم إمام والعمل مأموم، العلم قائد والعمل تابع، العلم هو الصاحب في الغربة, والمُحدّث في الخلوة, والأنيس في الوحشة, والكاشف عن الشبهة . واحد أقرض إنساناً مبلغاً من المال لشراء بيت، صاحب البيت قال له: سأعطيك أجرة, إن ساهمتَ معي في شراءِ هذا البيت, ولكَ هذه الأجرة، أخذها وفرح بها, فحينما انتهت مدة القرض, أعاد المبلغ إلى صاحبه, وقطعَ عنه الأجرة, هو أكل الرِبا وهو لا يدري, هذه شُبُهة أم أجرة؟ لا, هذا رِبا, أما الأجرة أن تتملك هذا البيت, وتأخذ أجرة حصتك منه, فإذا أردتَ أن تسترد ثمن حِصتكَ, يُقيّمُ البيتُ تقييماً جديداً, وإذا هَلَكَ البيت, فعليك لا على ساكنه . فالعلم يكشف لك الشبهات، والغِنى الذي لا فقر على من ظَفِرَ بكنزه بعده، والكنف الذي لا ضيعةَ على من آوى إلى حِرزهِ، هو غِنىً وملجأ، مذاكرته تسبيح، البحثُ عنه جهاد، حينما تأتي من مكانٍ بعيد لتتعلم العلمَ الصحيح, فهذا السير إلى هذا المكان, أو إلى أيّ مكان آخر جهاد، طلبه قُربى، بذله صدقة، بذله ومُدارسته تعدِل بالصيام والقيام، والحاجة إليه أعظم من حاجتك إلى الطعامِ والشراب . الإمام أحمد يقول: الناس إلى العلم أحوجُ منهم إلى الطعامِ والشراب, لأن الرجل يحتاج إلى الطعام والشرب في اليوم مرة أو مرتين, أما حاجته إلى العلم بعدد أنفاسه، إن الرجلَ يتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً, كلمة, نظرة, نظرةٌ فيها عدوان, وكلمةٌ فيها سخرية, ونظرة فيها استهزاء, ومشاعر شيطانية, ما الذي يكشف لك هذا؟ العلم . الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يقول: طلبُ العلم أفضلُ من الصلاة النافلة, وأبو حنيفة يرى هذا الرأي, وقالَ ابن وهبٍ: كنتُ بين يدي الإمام مالك رضي الله عنه, فوضعت ألواحي -يعني دفاتري- وقمت لأصلي, فقال الإمام مالك إمام دار الهجرة: ما الذي قمت إليه بأفضل مما قمتَ عنه؟. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 7 ] في بعض الآراء, يجوز أن نقف عند قوله تعالى: ﴿والراسخون في العلم﴾ بل الرأي المتوازن أنكَ أردتَ بتأويل الآيات المتشابهات, أو الآيات التي تتحدث عن ذات الله عزّ وجل, يجب أن تقف عند ﴿ومايعلم تأويله إلا الله﴾ أما إذا أردتَ القرآن الكريم ما هو واضح الدلالة, لك أن تقول: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم . العلم كما نُقِلَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث المعروف, يحمل هذا العلم من كلِّ خلفٍ عدوله, ينفون عنه تحريف الغالين وتأويل المبطلين، تحريف الغالين : ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [سورة المائدة الآية: 77 ] هناك من يغلو في الدين، فالعلماء الصادقون ينفون عن العلم تحريف الغالين وتأويل المبطلين, هو حجةُ الله في أرضه, ونوره بين عباده, وقائد العباد إلى الله عزّ وجل, ودليلهم إلى جنته, ويكفي من شرفه أن فضلَ أهله على العباد كفضلِ القمر ليلة البدرِ على سائرِ الكواكب، فضلُ العالم على العابد كفضلِ القمر ليلة البدرِ على سائرِ الكواكب . ولقد رحلَ كليمُ الله موسى عليه الصلاة والسلام في طلب العلم هو وفتاه, حتى مسهما النصب في سفرهما, في طلبِ العلم, حتى ظَفِرَ بثلاث مسائل, وهو من أكرم الخلق على الله وأعلمهم, ويكفي شرفاً لمن يطلب العلم, أن الله سبحانه وتعالى أمرَ نبيه الكريم, فقال: ﴿وقل ربي زدني علماً﴾ . العلم نوعان جلي وخفي . العلم نوعان : نوعٌ جليّ ونوعٌ خفيّ . النوع الجليّ على أنواعٍ ثلاثة أحدها : علمٌ تتعلمه بالحواس الخمس , سماه بعض علماء العقيدة: اليقين الحسي، أنتَ ترى بعينكَ هذه المصابيح متألقة, وهذا المسجد نظيف, أنتَ تُحسُ أن هذا الجو معتدل, تسمع أنَّ هذا الصوت صوت فلان، هناك معارف جليّة تتوارد إليك عن طريق الحواس, هذه سماها العلماء اليقين الحسي، وهناك معارف تتوارد إليك عن طريق التعلّم، طريقة السمعيات أن تلقي السمعَ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [سورة ق الآية: 37 ] فالأذن مسلكٌ من مسالك العلم، يعني إما أن تتأمل وإما أن تأخذَ الحقائقَ جاهزة، والنوع الثالث هو: العلم الذي يأتيك عن طريق الاستدلال العقلي, وهذا يسمى أيضاً اليقين الاستدلالي، فيقين إخباري ويقين استدلالي ويقين حسي؛ يقين حسي عن طريق الحواس الخمس، يقين استدلالي عن طريق العقل، يقين إخباري عن طريق الأذن، رأيتُ أو سمعتُ أو فكرتُ، حتى إن بعضَ المفسرين يقول: إذا جاءت كلمة الفؤاد بعد السمع والبصر, فإنما تعني الفِكر: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 36 ] عندك علمٌ جليّ وعلمٌ خفيّ، العلم الجليّ ما جاءكَ عن طريق الملاحظة, عن طريق الحواس الخمس, أو ما جاءك عن طريق السماع, أو ما جاءك عن طريق الاستدلال العقلي, وقد يأتيك العلم عن طريق المشاعر, وقد يأتيك عن طريق الاستنباط, أو عن طريق الاستنتاج, هناك طرائق كثيرة يأتيك العلم منها, هذا هو العلم الجليّ, الذي قالَ عنه النبي عليه الصلاة والسلام: ((من عَمِلَ بما عَلم)) تعلمت من مجلس عِلمٍ, أن النظرة إلى النساء محرمة، تعلمت في مجلس العلم أن نقلَ الكلام إلى جهةٍ, قيلَ الكلام فيه نميمة, وهذا محرم, هذا إذا عَمِلتَ بما علمت . الآن: علمّكَ الله عِلمَ ما لم تعلم . قال: والعلم الثاني هو العلم الخفيّ, علم القلب, والحديثُ عنه شيّق، العلم الجليّ يحتاج إلى مُدارسة, يحتاج إلى مطالعة, يحتاج إلى حفظ, يحتاج إلى سماع, لكن إذا طبقّتَ كلَّ ما عرفته عن الله عزّ وجل, هناكَ شيء ثمينٌ جداً يتوارد إليك . قال: هذا العلم الخفيّ ينبت في القلوب الطاهرة. من بعض معاني هذه الآية: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [سورة الواقعة الآية: 79] هذا العلم الخفيّ الذي يكرم الله به بعضَ العباد, هذا ثمنه القلب الطاهر، عبدي طهّرتَ منظرَ الخلق سنين, أفلا طهرّتَ منظري ساعة؟ ما هو منظر الله عزّ وجل؟ هو القلب: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [سورة الشعراء الآية: 88-89] هذا العلم لا ينبت إلا في القلوب الطاهرة التي في الأبدان الزكية، معنى الزكية التي ما أكلت حراماً قط. ((يا سعدُ, أطب مطعمكَ تكن مستجاب الدعوة)) [أخرجه الطبراني في المعجم الصغير] غُذيَّ بالحلال ما أكلَ حراماً . وهذا العلم يحتاج إلى رياضةٍ خالصة، الرياضة تدريبات شاقة من ذكرٍ لله عزّ وجل, من صلاة النوافل, من قيام الليل, من تلاوة القرآن, من خدمة الخلق, هذه سماها بعض علماء القلوب الرياضة, قلبٌ طاهر, وبدنٌ زكي, ورياضة خالصة, وهِمةٌ عليّة, وأسماع صاغية, هذه بعض شروط العلم الخفي, الذي نوّهَ به النبي عليه الصلاة والسلام فقال: ((من عَمِلَ بما علم أورثه الله عِلمَ ما لم يعلم)) هذا معنى قوله عزّ وجل: ﴿واتقوا الله﴾ . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الأنفال الآية: 29 ] ما الفرقان؟ النور، هذا النور يقذفه الله في القلب, وثمنه تقوى الله عزّ وجل، وتقوى الله طاعته، إن تطيعوا الله عزّ وجل يقذف الله في قلوبكم نوراً, ترون به الخير خيراً والشرَ شراَ, هذا العلم الخفي يسميه العلماء تارة المعرفة, ويسميه العلماء تارةً الإلهام, ويسميه العلماء تارةً البصيرة, ويسميه تارة الحِكمة، فالحِكمة والبصيرة والإلهام والمعرفة أسماء لمسمى واحد . إما أن يكون العِلمُ كسبيّاً أو إشراقيّاً، العلم الكسبيّ ثمنه المُدارسة وثمنه طاعة الله عزّ وجل، أما العلم الإشراقي هو الذي سنتحدثُ عنه قليلاً في هذا الدرس . كما قلتُ قبل قليل: قلبٌ فيه غِلّ, فيه حِقد, فيه حسد, فيه كِبر, فيه استعلاء, هذا القلب لن يقذف الله به نوراً أبداً، لن يتجلى عليه أبداً، لن يتحفَ صاحبه بمعرفةٍ إشراقية أبداً, طهّر قلبك ليكون بيتَ الرب، طهّر قلبك ليكون أهلاً أن يقذف الله به نوراً . الأبدان الزكية، استقم في عملك المال الذي في حوزتك, هذا من كسبك, كيف كسبتَ هذا المال؟ هل كسبتَ هذا المال من طريق مشروع أو غير مشروع؟ إذا كان كسبُ المال مشروعاً والقلب طاهراً والبدن زكياً، هل تقرّبتَ إلى الله بالنوافل؟. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((قال الله تعالى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ, وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ, وَلا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ, فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ؛ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ, وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ, وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا, وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا, وَإِنْ سَأَلَنِي لأعْطِيَنَّهُ, وإن استعاذ بي أعذته, وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ, تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ, يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ)) [أخرجه البخاري في الصحيح] من كانت له هذه الرغبة الجموح, وهذا الإلحاح الصادق, في أن يصلَ إلى شيءٍ من العلم الخفيّ, الذي عبّرَ الله عنه بالحِكمة تارةً, وبالبصيرةِ تارةً, وبالمعرفةِ تارةً, وبالإلهامِ تارةً, إذا أردت هذا العلم فدونك الثمن؛ قلبٌ طاهر, بدنٌ زكي, رياضةٌ خالصةٌ لله عزّ وجل، لا ليعرف الناسَ أنك صليتَ قيام الليل، لا ليعرف الناس أنكَ أحسنتَ إلى فلان، لا, رياضةٌ خالصةٌ للهِ عزّ وجل, وبعد هذا وذاك هِمةٌ عليّة، المنافقون وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ، وأسماعٌ صاغية, يعني عندئذٍ يسمعكَ الله عزّ وجل ما لا يسمع الآخرين، يريكَ ما لا يري الآخرين . قال: يا صاحبَ رسول الله نافقت؟ قالَ: كيف ذلكَ يا حنظلة؟ قال: أكون مع رسول الله ونحن والجنة كهاتين, فإذا عافسنَّا الأهلَ ننسى, قالَ: انطلق بنا إلى رسول الله، ماذا قالَ عليه الصلاة والسلام؟: سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: ((قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا إِذَا رَأَيْنَاكَ رَقَّتْ قُلُوبُنَا, وَكُنَّا مِنْ أَهْلِ الآخِرَةِ, وَإِذَا فَارَقْنَاكَ أَعْجَبَتْنَا الدُّنْيَا, وَشَمَمْنَا النِّسَاءَ وَالأوْلادَ, قَالَ: لَوْ تَكُونُونَ, أَوْ قَالَ: لَوْ أَنَّكُمْ تَكُونُونَ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَلَى الْحَالِ الَّتِي أَنْتُمْ عَلَيْهَا عِنْدِي, لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ بِأَكُفِّهِمْ, وَلَزَارَتْكُمْ فِي بُيُوتِكُمْ, وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَجَاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يَغْفِرَ لَهُمْ)) قلبٌ سليم من البغضاء, من الحسد, من التعالي, من الكِبر, من الأنانية، بدنٌ زكيٌ من المال الحرام, مطهّر, كسبٌ حلال، رياضةٌ خالصة, هِمةٌ عليّة, آذان صاغية، عندئذٍ تنالُ شيئاً من هذا العلم الخفيّ الذي خصَّ الله به أحبابه . قالَ: هِمةُ الأنبياء تعلّقت في شيئين؛ تعلّقت بالعليّ الأعلى وهو الله سبحانه وتعالى, وتعلّقت بصلاح الخلق, كلما ارتقت مرتبتك, اتسعت دائرة اهتمامك . مثل حسيّ: اصعد إلى هذا الجبل, كلما صعدت مسافة, اتسعت دائرة الرؤيا, فإذا وصلتَ إلى قمة الجبل, رأيتَ دمشقَ كلها, كلما ارتفعتَ نحو الأعلى, اتسعت دائرة الرؤيا, وكلما ارتقيت إلى الله عزّ وجل, اتسعت دائرة اهتمامك, وكلما هبطت المرتبة, ضاقت دائرة اهتمامك, أجد طعامي, وشرابي, وبيتي, وأهلي, وأولادي, فأنا بخير وعلى الدنيا السلام، أما النبي عليه الصلاة والسلام قال: عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ, وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ, أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحَقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ, مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلا عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ, والله لَوْ تعلمون مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا, وَما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُش, وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ إِلَى اللَّهِ, لوَدِدْتُ أَنِّي شَجَرَةٌ تُعْضَدُ)) [أخرجه الترمذي في سننه] قال: اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون . فإذا لم تشعر بعاطفةٍ نحو كلِّ مخلوق, فالمرتبة مضطربة . الإلهام هو ما يعنيه العِلمُ الخفيّ, الإلهام هو فهم خاص، هو ثمرة من ثمرات العبودية لله عزّ وجل، الإلهام جزاء الصدق مع الله . الإلهام كما ورد في قول الإمام عليٍّ كرّمَ الله وجهه حينما سُئل: هل خصّكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيءٍ دون الناس يا آل بيته؟ فقال الإمام عليٌّ كرّمَ الله وجهه: لا, ما خصّنا بشيء، والذي فلقَ الحبَّ وبرأّ النسمة إلا فهماً يؤتيه الله عبداً في كتابه: ﴿وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة يوسف الآية: 21] هذا عطاءٌ عظيم أن تفهم كتاب الله، أن تفهم حقيقة الآيات, مراميها البعيدة, مدلولاتها الصحيحة، هذا شيء عظيم جداً, من العلم الخفيّ الذي يُعّدُ نتيجةً لتطبيق العلم الجليّ . كلُّ هذا الدرس وإلى دروسٍ كثيرةٍ إن شاء الله محور هذه الدروس: من عَمِلَ بما عَلم أورثه الله عِلمَ ما لم يعلم. لا تطمع بهذه المعرفة، لا تطمع بهذا الإلهام، لا تطمع بهذه البصيرة، ولا بالحكمة، إلا إذا دفعتَ الثمن, والثمن أن تتعلم العِلمَ الجليّ, وأن تُطبقه، أحكام الصلاة، أحكام الصيام، أحكام الحج، أحكام البيوع، أحكام الزواج، أحكام الطلاق، العارية، الوكالة، الكفالة، هذه العلاقات الاجتماعية لا بد من أن تكون وفقَ الشرع، إذا طبقتَ الشرع, منَّ الله عليك بشيء آخر . هذا العلم الخفيّ يسمى بصيرة، والدليل قول الله عزّ وجل: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 108 ] فكلُّ من يدعو إلى الله عزّ وجل بلا بصيرة, فهو في نصِ هذه الآية غير متبعٍ لرسول الله، إذا كنتَ متبعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فيجب أن تدعو على بصيرة . معنى بصيرة: أن تعرف المُراد, أن تعرف فكرة دقيقة عن فلسفة الوجود, عن سرِّ الحياة, عن سرِّ وجود الإنسان في الدنيا, هكذا يقولون: نظرية الكون والحياة والإنسان، أين كنت؟ إلى أين المصير؟ ما جدوى الحياة الدنيا؟ ما أفضل شيء تفعله في الدنيا؟ هذه البصيرة . الحكمة : أما الحِكمة ، فلنا عندها وقفةٌ متأنية , الحكمة يقول الله عزّ وجل : ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة البقرة الآية: 269] بنصِ القرآن الكريم : ﴿ومن يؤت الحِكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾ قال الحِكمة في كتاب الله نوعان ؛ قد تأتي مفردةً وقد تأتي مع الكتاب : ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سورة البقرة الآية: 129] إن جاءت مفردةً فلها معنى , وإن جاءت مع الكتاب فلها معنى آخر . قال : الحِكمة منفردة هي النبوة . أو : هي علم القرآن . أو : هي كما قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : علمُ القرآن ناسخه ومنسوخه , محكمه ومتشابهه , مقدمه ومؤخره , حلاله وحرامه وأمثاله . الحِكمة منفردة النبوة ، أن يعلمك الله القرآن بكلّ ماتعني هذه الكلمة . وقال الضحاك : الحِكمة هي القرآن والفهم فيه . وقال مجاهد : هي القرآن والعِلمُ والفِقهُ . وقالَ بعض العلماء : هي الإصابة في القولِ والعمل . أن يأتي قولكَ صحيحاً مصيباً , وعملكَ صحيحاً مصيباً . وقال بعض العلماء : هي معاني الأشياء وفهمها . وقال الحسن : الورعُ في الدين , هذه مؤداها . أما إذا جاءت الحِكمة مع الكتاب فتعني السُنّة . ﴿يعلمهم الكتاب والحِكمة﴾ أي السُنّة , لأن الله عزّ وجل يقول : ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [سورة الحشر الآية: 7] الله سبحانه وتعالى بيّنَ أن النبي عليه الصلاة والسلام من مهمته الأساسية : أن يبيّنَ للناسِ ما نُزّلَ إليهم ، فحيثُ ما جاءت الحِكمة مع الكتاب فهي السُنّة . كذلك قال الإمام الشافعي : أجمل ما قيل في الحِكمة , هو قول الإمام مجاهد : إنها معرفة الحق والعمل به , والإصابة بالقولِ والعمل . والحِكمة حكمتان : حِكمة علميةٌ وحِكمةٌ عملية . فالحِكمة العلمية : أن تطلّعَ على بواطن الأمور ، أن تعرف الخلفيات ، أن تعرف ما بين السطور ، أن تعرف المدلولات ، أن تعرف القصد البعيد ، أن تعرف المؤدى , هذه حِكمةٌ علمية . وأما الحِكمة العملية : فهي أن تضعَ الأمر في موضعه ، أن تضعه في حجمه , وفي موضعه , وفي أوانه دون زيادة أو نقصان , أو تعجيل أو تأخير . أحياناً تقول لفلان: واللهِ ما أحكمك! بحجمه, وفي وقته, وفي مكانه, دون زيادة أو نقصان, أو تقديم أو تأخير, من طلبَ الشيء قبلَ أوانه عوقِبَ بحرمانه, ما كلُّ ما يعلم يقال, وما كلُّ ما يقال له رجال, ولا إذا وجِدَ الرجال آنَ الأوان, هناك ما يُعلم ولا يقال، وهناك ما يُقال لكن لا لكلِّ الناس، في شيء يُقال لزيد, لا في هذا الظرف, فيحب أن تعرف, ماذا ينبغي أن تقول؟ ولمن تقول؟ وفي أيّ وقتٍ تقول؟ هيّ الحكمة, يقابل الحِكمة الطيش والحمق . لذلك: فسّروا الحِكمة بقولهم: الحِكمة فِعلُ ما ينبغي على الوجه الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي . الخلاصة : الحقيقة: هذا الدرس ليسَ هدفه أخذَ العِلم، هدفه الحفز, يعني أن يندفع الإنسان إلى طلبِ المزيد, لا أن يكتفيَّ بأنه صلّى, وصام, وفعلَ ما أُمر بشكلٍ شكلي, مفرّغ, أجوف, لا ينبغي أن يبقى على هامش الدين, أن يغوصَ في أعماقه, فإذا عَمِلتَ بما عَلمت, علّمكَ الله عِلمَ ما لم تعلم، وعِلمُ ما لم تعلم هو الحِكمة . الله عزّ وجل أعطى فِرعون المُلك وهو لا يحبه، وأعطى قارونَ المال وهو لا يحبه، ولكن هؤلاء الذين يحبهم ماذا أعطاهم؟: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 22] هذا الثمن, كن مُحسناً, يؤتِكَ الله حُكماً وعِلماً . بالمناسبة: أيُّ شيء تفتخر بملكه تتركه عند الموت، لكن العلم والحِكمة يستمران معك إلى ما بعد الموت, وإلى أبدِ الآبدين . قرأت كلمةً في إحدى المدارس, من أقدم الثانويات في دمشق, بخط خطاط مشهور, في مدخل الثانوية, كلما وقعت عيني على هذه اللوحة, أشعر بخشوع خاص: رتبةُ العِلمِ أعلى الرُتب، أعلى رتبةٍ تصلها أن تعرف الله عزّ وجل, فإذا عرفته عرفت كلَّ شيء . ((ابن آدم اطلبني تجدني, فإذا وجدتني وجدتَ كلَّ شيء, وإن فِتكَ فاتكَ كلَّ شيء, وأنا أحبُّ إليكَ من كلِّ شيء)) النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن يصلي قيام الليل, ترفع السيدة عائشة رجليها، قال: لأن غرفته الصغيرة لا تتسع لصلاته ونومها . ماذا قال سيدنا عليّ؟ قال: فلينظر ناظرٌ بعقله: أنَّ الله أكرمَ محمداً أم أهانه حينَ زوى عنه الدنيا؟ فإن قالَ: أهانه فقد كذب, وإن قال: أكرمه فقد أهانَ غيره حيثُ أعطاه الدنيا . النبي عليه الصلاة والسلام تزوج السيدة خديجة, هو في الخامسة والعشرين, وهي في الأربعين, وبقيَّ معها خمسة وعشرين عاماً, ربع قرن, ما فَكَرَ في أخرى، الإنسان الآن تكون سنّه مقاربة لسنّ زوجته, يندب حظه دائماً, يقول لك: تزوجتها كبيرة, يجب أن تعرف ما هو المقصود؟ النبي عليه الصلاة والسلام عاش بدخل محدود، سكن في بيت صغير، كان حجمه المالي قليلاً، ياربي ماذا فَقَدَ من وجدك؟ وماذا وجدَ من فَقَدك؟. قرأتُ مرةً كلمة, قال: مساكين أهلُ الدنيا, جاؤوا إلى الدنيا, وخرجوا منها, وما عَرَفوا أجملَ ما فيها، إنَّ أجملَ ما فيها؛ معرفة الله عزّ وجل, والأُنس به, والقُربُ منه . فيا أيها الأخوة الأكارم, ليسَ القصد من هذا الدرس أخذُ العِلم، القصد هو الحفز إلى الله، أبواب مُفتحة، أبواب الجنة مفتّحةٌ على مصارعها، أبواب جهنم ليست مفتّحة, أبواب جهنم باهظة, ثمها باهظ، أما أبواب الجنة مفتوحة، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((اشتقتُ لأحبابي, قالوا: أو لسنا أحبابك؟ قال: لا أنتم أصحابي, أحبابي أُناسٌ يأتون في آخر الزمان, القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر, أجرهم كأجر سبعين، قالوا: مِنّا أم منهم؟ قال: بل منكم، قالوا: ولِمَ؟ قال: لأنكم تجدونَ على الخير مِعواناً ولا يجدون)) والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#6 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الاستقامةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السادس ) تمهيد : أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس السادس من دروس جامع العثمان , وعدتكم في لقاءٍ سابق , أن يكون هذا الدرس في موضوع الاستقامة , وكنت قد قلت لكم : حينما تحدثنا في موضوع الحب أو منزلة المحبة , أن الحب أصلٌ من أصول الدين . وحينما تحدثنا عن الإخلاص ، قلت لكم إن الإخلاص هو كلُّ شيء . وحينما تحدثنا عن العلم ، قلت لكم العلم أساس الدين . وأنا اليوم أقول لكم : الاستقامة عين الكرامة , لأن كلَّ ثِمار الدين , وكلَّ ما في الدين من سعادةٍ , وسكينةٍ , واطمئنانٍ , وتوفيقٍ , وشعورٍ بالأمن , وشعورٍ بالتفوق , وشعورٍ بالفوز ، خطيرة وثمينة , لا يقطفها الإنسان إلا إذا استقام على أمر الله , فبين الذي يستمع كثيراً ولا يطبّق , وبين الذي يستمع ويطبّق بونٌ شاسع . منزلة الإستقامة : ماذا وردَ في القرآن الكريم عن الاستقامة ؟ الآية الأولى : ربنا سبحانه وتعالى في سورة فُصلّت , الآية الثلاثون يقول : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [سورة فصلت الاية: 30] ربنا الله هذه ليست كلمة تُقال ، لكنها بحثٌ ذاتي ، بحثٌ طويل ، الإيمان لا يتأتى بكلمةٍ تقولها , ولكن ببحثٍ ذاتيٍ طويل تبحثه , فنهاية المطاف , ونهاية هذا البحث , ونهاية التأمل , ونهاية التفكر , ونهاية التدبر , أن تقولَ : ربيَّ الله . ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ ذكرَ الله عزّ وجل في هذه الآية ثمرتين من ثمار الاستقامة : ألا تخافوا ولا تحزنوا . وقد يخاف الناس , وقد ينخلعُ قلبُ الناس لخطرٍ داهمٍ , وقد يقلقون , وقد يُقهرون ، أما ربنا سبحانه وتعالى يصف هؤلاء المستقيمين بأنهم يتمتعون بشيئين : ألا تخافوا ولا تحزنوا . لا تخافوا مما هو آت , ولا تحزنوا على ما فات ، وهل من شعورٍ يدمّر السعادة الإنسانية كالخوف أو الندم ؟. إنَّ من أمضِّ المشاعر, ومن أشدها إيلاماً : أن تندمَ على شيء فات , وأن تقلقَ للمستقبل . القلق والندم صفتان ملازمتان للمنحرفين , دائماً يندم على ما فات , ودائماً يقلق لِما هو آت . فالمستقيم كما وعدَ الله عزّ وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾ لما قالوا ربنا الله ثمَّ استقاموا ، تكوّنت قناعاتهم بأنَّ الله سبحانه وتعالى هو الربّ , وهو الربٌّ وحده , يجب أن تؤمن بأن الله هو الخالق , وأنه لا خالقَ سِواه , وأنه هو الربّ , وأنه لا ربَّ سِواه , وأنه هوَ المُسير , وأنه لا مُسير سِواه . عبّرَ علماء التوحيد عن هذه الحقائق بقولهم : وحدة الخلق ، وحدة الربوبية ، وحدة الإلوهية . الآية الثانية : في سورة الأحقاف : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سورة الأحقاف الاية: 13-14] الذي أتمناه على أخوتي الكرام ؛ أن ينزِعوا من أذهانهم هذا المفهوم الخاطئ , المفهوم الساذج ، كلما طالبتهم بالاستقامة يقول لك أحدهم : أنا لست نبياً !! ومن قال لك إن الاستقامة خاصة بالأنبياء ؟!!! من قال لك ذلك ؟!!! إليكَ الدليل القطعي ، القطعي في ثبوته والقطعي في دلالته : ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة هود الاية: 112] استقم : فِعلُ أمرٍ يفيد الوجوب . ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾ النبي عليه الصلاة والسلام فسّرَ هذه الآية فقال : إن الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلين . كلما دعوتَ إنساناً إلى أن يستقيم رفعَ عقيرته وقال : أخي أنا لست نبياً , لا تكلفني ما لا أطيق , هذا كلامٌ فيه ضلالٌ كبير , وفيه زيغُ خطير . ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾ هذه الآية وردت في سورة هود ، لذلك حينما قالَ عليه الصلاة والسلام : شيّبتني هود ؛ يعني سورة هود ، والذي شيّبَ النبي فيها هذا الأمر الخطير . أنتَ أيها الأخُ الكريم ؛ تطلب من الله الكرامة ، تطلب من الله أن ينصرك الله على أعدائك ، أن يوفقك ، أن يرفع شأنك , أن يستخلفكَ في الأرض ، أن يمكّن لكَ دينك ، وهو يطلب منك الاستقامة , إذا أردتَ أن تكون أكرمَ الناس فاتقِ الله ؛ أي استقم على أمرِ الله . ما الاستقامة ؟ قال بعضهم : إنها ضدُ الطغيان . ما معنى طغى ؟ خرجَ عن الخط المستقيم . طغى : خرجَ عن المنهج . طغى القطار : إذا خرجَ عن سكته . طغت السيارة : إذا خرجت عن الطريق المعبّد إلى وادٍ سحيق ، والله سبحانه وتعالى حينما خلق الإنسان , خلقَ له منهجاً , وقالَ الله عزّ وجل : ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ [سورة الرحمن الاية: 1-4] قدّمَ الله تعليم القرآن على خلقِ الإنسان، هذا التقديم ليسَ تقديماً زمنيّاً, لا يُعقلُ أن يعلّمَ القرآن, ثمَّ يُخلق هذا, مستحيل, لكن هذا التقديم تقديم رُتبي, فما قيمة الإنسان بلا منهج؟ ما قيمة هذه الآلة المعقدة بلا تعليمات؟ ما قيمة هذه الجامعة بلا نظامٍ داخلي؟. الاستقامة أن تلزمَ المنهجَ الإلهي, أن تلزم أمرَ الله وسُنّة نبيه, والطغيان أن تحيدَ عن هذا المنهج؛ في عقيدتك, في تصرفاتك, في كسبِ المال, في إنفاق المال, في علاقاتك, في جِدّكَ, في لَهوكَ, في إقامتكَ, في سفركَ, في علاقاتك الداخلية, في علاقاتك الخاصة جداً, في علاقاتك العامة. أيها الأخوة الأكارم ؛ متى تخرج عن منهج الله؟ لا بد من أن تعرف هذا المنهج, حتى تعرف ما إذا كنتَ قد خرجتَ أو لم تخرج، كيف تعرف أنك خرجت عن هذا المنهج إن لم تعرف المنهج؟ إذاً: طلب العِلمِ فريضة, طلبُ الفِقهِ حتمٌ واجبٌ على كلِّ مسلم، طلب العلمِ أساس الاستقامة, وطلب العلم أساس التوبة, كيف تتوب من ذنبٍ قبلَّ أن تعرفَ أنه ذنب؟ وكيف تستقيم على منهج الله قبلَ أن تعرف منهج الله عزّ وجل؟. الخطوة الأولى ، الحركة الأولى ، الموقف الأول ، الهمُّ الأول ، الاهتمام الأول : أن تعرف منهجَ الله عزّ وجل ، أمره ونهيه . الآية الثالثة : ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [سورة فصلّت الاية: 6] هنا أضيف معنى جديداً : استقيموا إليه , قد تستقيم إلى زيدٍ أوعُبيد ، قد تستقيم لتنالَ مكانة عندَ فلان, قد تتسلمُ عملاً ذا عائدٍ كبير ودخلٍ كبير, من حرصكَ على هذا الدخل, تستقيم في هذا العمل, ولكن استقامتك من أجلِ أن يرضى صاحب العمل, فأنت استقمتَ لا إلى الله عزّ وجل, استقمتَ إلى زيدٍ أو عُبيد, هنا في معنى جديد : ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه﴾ هذا يشبه قول الله عزّ وجل : ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [سورة المدثر الاية: 7] قد توضعُ في ظرفٍ تؤمر أمراً تعسفيّاً, وأنتَ ضعيف, وليس في إمكانكَ أن تقولَ: لا, إنكَ تصبر, ولكن تصبر وأنتَ مقهور, ليسَ هذا الصبر هو الذي أراده الله عزّ وجل، الله عزّ وجل يقول : ﴿ولربّكَ فاصبر﴾ بالمناسبة : كلما تذللتَ إلى الله رفعكَ الله، وكلما صبرتَ لله أعزكَ الله، وكلما كنتَ خاضعاً لله أخضعَ الله الآخرين إليك، وكلما هِبتَ الله هابَكَ الناس، وكلما نُزعت من قلبكَ هيبة الله, نُزعت من الناس هيبتك, قواعد ... قوانين ... الإنسان لو أنه يفهم ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام فهماً عميقاً, إذا فهمَ ما قاله النبي على أنه قواعد ثابتة, قوانين مثلاً: عفّوا تعفُ نساؤكم. كلما غضضتَ بصركَ عن محارم الله, الله سبحانه وتعالى حفظَ لكَ زوجتكَ من أن تَزِلَّ قدمها. ((برّوا آباءكم تبرّكم أبناؤكم)) [أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط] ((ما أكرمَ شابٌ شيخاً لسنه, إلا قيض الله له من يكرمه عندَ سنه)) [أخرجه الترمذي في سننه] ((من أرضى الله بسخطِ الناس, رضي عنه الله وأرضى عنه الناس)) هذه قواعد, لو عرفتَ أن هذه القواعد حتميّة واقعةٌ لا محالة, لأنها من عندِ خالق البشر, من عندِ خالق الكون، القضية: أن تقف من هذا الأمر أو هذه القاعدة موقف المصدّق, موقف المهتم، والطريق إلى ذلك: كلما عَظُمَ عِندكَ ربك كلما عَظُمَ أمرك . إذا تفكرّتَ في خلقِ السموات والأرض, وازدادت خشيتك لله عزّ وجل, تُعظّمُ أمرَ الله عزّ وجل، لهذا قال أحد أصحاب رسول الله, أظنه سيدنا بلال: لا تنظر إلى صِغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت . فاستقيموا إليه : يجب أن تكون استقامتك خالصة إليه, قد يأتي أمرٌ إلهي متوافقٌ مع أمرٍ وضعي, فالسرقةُ حرامٌ في شرعِ الله, وحرام في قوانين الناس, فالذي يمتنع عن السرقة لا تدري: أهوَ خوفٌ من عِقاب البشر أم خوفٌ من عِقاب خالق البشر؟ القضية هنا مختلطة، أما هناك أوامر ينفردُ بها الدين وحده, أمركَ بغض البصر, فحينما يستجيب المؤمن لهذا الأمر, مع أنه ليسَ في الأرض كلها قانون أو أمرٌ, يحظّرُ عليك أن تنظرَ إلى امرأةٍ في الطريق، حينما تنفذُ أمراً ينفرد به الدين, هذا يؤكد لك أنك مخلصٌ لله عزّ وجل، غضُّ البصر مدرسة, لأن كلَّ من يغضُ بصره عن محارم الله, يشعر في قرارةِ نفسه أنه لا يبتغي بهذا الغض إلا وجه الله, لأنَّ الناسَ لا يعنيهم هذا الأمر, ولا يوجّهونَ هذا التوجيه . الآية الرابعة : ومعنى جديد الاستقامة : ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ [سورة الجن الآية: 16-17] الطريقة مستقيمة إذا استقاموا عليها, إذا تابعوا هذا السير المستقيم: ﴿لأسقيناهم ماءاً غدقاً لنفتنهم فيه﴾ أول ثِمار الاستقامة : أن تكونَ في بحبوحة, هذا كلام خالق الكون، كلام الله عزّ وجل، هذه الأمطار الشحيحة, المعدلات المتدنيّة, انحباس ماء السماء، هذه الظاهرة إلهية, الحقيقة: إن الله عزّ وجل حينما يقول في كتابه الكريم : ﴿وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءاً غدقاً لنفتنهم فيه﴾ الناس لو استقاموا على أمر ربهم, لانهمرت السماء بمائها، لذلك كلما قلَّ ماء الحياء قلَّ ماء السماء, وكلما رَخُصَ لحم النساء غلا لحم الضأن، علاقات ثابتة، وكلما هانَ الله على الناس هانوا عليه . الإنسان حينما لا يبالي أكان دخله من حلالٍ أم من حرام, بعد عن الاستقامة، كلما هانَ أمر الله على الناس هانوا عليه، ماذا قال الله عزّ وجل؟: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ﴾ [سورة الأنعام الآية: 65] هذه البراكين والصواعق, وما يشبه الصواعق القذائف: ما أقسى بأسها ﴿قل هو القادر على أن يبعثَ عليكم عذاباً من فوقكم﴾ أو من تحت أرجلكم الزلازل, ما أقصى بأس الإنسان!: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [سورة الشعراء الآية: 130] هذا عقابٌ من الله عزّ وجل . ﴿وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءاً غدقاً لنفتنهم فيه﴾ من ثمار الاستقامة من خلال هذه الآيات : ألا تخاف مما هو آت, وألا تحزنَ على ما قد فات، أنتَ في منجاةٍ من القلق ومن الندم، والقلق والندم حالتان نفسيتان تدمران الصحة النفسية. يجب أن تستقيم على أمر الله كما أُمرَ النبي أن يستقيم على أمر الله، أنتَ بهذا الأمر واحد، الاستقامة يجب أن تكون في سبيل الله, ابتغاء مرضاة الله, لا ابتغاء زيدٍ أو عُبيد . والاستقامة من ثِمارها : أن الله سبحانه وتعالى يفرّجُ عنك, يزيلُ عنكَ كلَّ كرب, كلَّ هم, كلَّ حزن, كلَّ ضيق, كلَّ قلق . أقوال الخلفاء الراشدين بالإستقامة : إلى الخلفاء الراشدين الهادين المهديين ، الذين حدثنا عليه الصلاة والسلام عنهم . عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ قَالَ: (( صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ, ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا, فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً, ذَرَفَتْ لَهَا الأعْيُنُ, وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ, قُلْنَا أَوْ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ فَأَوْصِنَا, قَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ, وَإِنْ كَانَ عَبْدًا حَبَشِيًّا, فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ, يَرَى بَعْدِي اخْتِلافًا كَثِيرًا, فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ, وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ, وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأمُورِ, فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ, وَإِنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ )) [أخرجه أبو داود والترمذي ] أبو بكر الصديق رضي الله عنه : ماذا قالَ سيدنا الصديّق عن الاستقامة؟ قالَ: ألا تُشركَ باللهِ شيئاً، تطيعَ إنساناً وتعصي ربك فقد أشركتَ به، رأيتَ طاعته أغلى من طاعة الله، أن تتبعَ هواك وتعصي أمرَ الله عزّ وجل, أشركتَ نفسكَ مع الله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الجاثية الآية: 23 ] هذا فهمٌ عميقٌ جداً للاستقامة، الاستقامة عندَ هذا الصحابيّ الجليل, عندَ سيّدِ الصحابةِ والتابعين, عِندَ من لم تطلع شمسٌ على رجلٍ خيرٍ منهُ, وسيدنا عمر لمّا كان مع أصحابه الكِرام, أحدهم أرادَ أن يتقرّبَ منه, قالَ: واللهِ ما رأينا أحداً أفضلَ منكَ بعدَ رسول الله, فما كان من هذا الخليفة العظيم, إلا أن نظرَ في أصحابه محدّقاً ومستنكرّاً، أحدهم قال: لا والله لقد رأينا من هو خيرٌ منك, قال: ومن هو؟ قال: أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه، فقال عمر رضي الله عنه: لقد كذبتم جميعاً وصدق، جعلَ سكوتَ هؤلاء جميعاً كذِباً . قال: كنتُ أضلَّ من بعيري, وكانَ أبو بكرٍ أطيبَ من ريح المِسك ... سيدنا الصدّيق يقول: الاستقامة ألا تُشركَ باللهِ شيئاً, اعلم عِلمَ اليقين: أن تعصي الله عزّ وجل, فتجدَ في هذه المعصية أنها مغنمٌ, هنا الشِرك، رأيتَ هذا الإنسان؛ إذا أطعته وعصيتَ الله, وقعتَ في الشركِ وأنتَ لا تدري. عمر بن الخطاب رضي الله عنه : سيدنا عمر عملاق الإسلام, قالَ عن الاستقامة: أن تستقيم على الأمر والنهي, أن يجدكَ حيثُ أمرك, وأن يفتقدكَ حيثُ نهاك, ولا تراوغ روغانَ الثعلب, الحل يعقد على فتاة صغيرة في سن الرضاع, ثم تأتي زوجة أخيه فترضعها, فإذا هي أمُّ زوجته من الرضاع, ثمَّ يطلّقُ هذه الفتاة الرضيع، زوجة أخيه هي أمُّ زوجته على التأبيد, له الحقُّ أن يراها, هذا اسمه روغان الثعلب كما قال سيدنا عمر, حيلة شرعية, وكأن الله لا يدري ما يحصل، وكأن الله عالمُ السرِّ والنجوى لا يدري . عثمان بن عفان رضي الله عنه : سيدنا عثمان ماذا قال عن الاستقامة؟ قال: استقاموا؛ أي أخلصوا العمل لله، سيدنا عثمان ألقى الأضواء على الإخلاص بالاستقامة سيدنا عمر على العمل، سيدنا الصدّيق على العقيدة، التركيز عندَ الصدّيق كان على الشِرك، المنحرف مشرك، سيدنا عمر التركيز على العمل، سيدنا عثمان على الإخلاص, وكلهم من رسول الله ملتمسون. علي بن أبي طالب رضي الله عنه : أما سيدنا عليّ رضيَّ الله عنه وابن عباس قالوا: استقاموا؛ أيّ أدَوّا الفرائض، من أين جاء بها؟ الحديث الشريف: ((ما عُبدَ الله بأفضلَ مما افترضه عليكم)) أداء الفرائض مُقدمٌ على كلِّ شيء. ((اتقِ المحارمَ تكن أعبدَ الناس, وارض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس)) سيدنا الحسن رضي الله عنه : سيدنا الحسن قال: استقاموا على أمر الله؛ عَمِلوا بطاعته واجتنبوا معصيته، اجتنبوا معصيته؛ أيّ تركوا بينهم وبينها هامشَ أمان . بعض العلماء يقول: استقاموا؛ أي استقاموا على محبته وعبوديته. كما قلت لكم دائماً: العبودية غاية الخضوع مع غاية الحب، هذا معنى استقاموا. أحاديث عن الاستقامة : سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام كما ورد في صحيح مسلم: عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قُلْ لِي فِي الإسْلامِ قَوْلا لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا غَيْرَكَ, قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: بَعْدَكَ, قَالَ: قُلْ: آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] قل: آمنت بالله ثم استقم, هذا هو الدين كله . إذا الإنسان آمن بالله ولم يستقم, لم يفعل شيئاً, مع أن الاستقامة لا بد لها من إيمانٍ بالله, إنسان على وشكِ الموتِ عطشاً, عَرَفَ أن في هذه الجهةِ نبعٌ فياض, فيه ماء نميرٌ زُلال ، لم يذهب إليه، هذه المعرفة ما قيمتها؟ ماتَ عطشاً, هذه حقيقة, هذا ملخص الملخص. لهذا ربنا عزّ وجل يقول : ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فاستقيموا إليه فمن كان يرجو لقاء ربه﴾ ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة الأنفال الآية: 72] ما قيمة إيمانك؟ ما قيمة كلِّ قناعاتك؟ كلّ الحقائق التي عرفتها إن لم تتخذ موقفاً عمليّاً، إن لم تنته، إن لم تأتمر، إن لم تفعل، إن لم تصل, إن لم تقطع، إن لم تغضب، إن لم ترضَ، إن لم تعطِ, إن لم تمنع؟ لا قيمة لكلِّ قناعاتك . النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ صحيحٍ, رواه الإمام أحمد في مسنده, عَنْ ثَوْبَانَ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قال: ((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا, وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ دينكم الصَّلاةُ, وَلَنْ يُحَافِظَ عَلَى الْوُضُوءِ إلا مُؤْمِنٌ)) [أخرجه الحاكم في مستدركه] النبي عليه الصلاة والسلام كما قالَ عن نفسه -أوتي جوامعَ الكلم- . ((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا )) لكَ أن تفهمَ هذا الحديث فهمين : الأول : أنكَ إذا استقمتَ على أمر الله, لن تحصي الخيرات التي تتأتى من هذه الاستقامة ، سعادة نفسية ، توفيق في العمل ، سرور ، طمأنينة , شعور بالراحة ، شعور بالتفوق , هذا كله من لوازم الاستقامة . من علامات الاستقامة أن يقول المستقيم : ليس في الأرض من هو أسعدُ مني، المؤمن مُبتلى، المؤمن قد تأتيه بعض المكاره, ولكن ليسَ معنى هذا أنه ليسَ بسعيد, سعادته داخلية, شعوره أنَّ الله يحبه هذا مُسعد، شعوره أن الله راضٍ عنه هذا مُسعد، شعوره أنه على منهج الله هذا مُسعد، شعوره أن الله وعده بالجنة هذا مُسعد, فالإنسان المؤمن سعيدٌ في داخله, ولا يمنع أن يُبتلى في ظاهره .. يبتلى ..: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة البقرة الآية: 155] الإنسان لا بد من أن يُبتلى : ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [سورة الملك الآية: 2 ] ((اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا )) الثاني : وللحديث معنى آخر : في حالات إذا الإنسان دخل بالوسواس , فالقضية صعبة جداً ، فيمكن أن يُفهم هذا الحديث , أن الإنسان لا يدخل في حالة الوسواس , يشك ؛ توضأ أم لم يتوضأ ؟ الماء تبلّغ أم لم يتبلّغ ؟ أعاد الوضوء مرة ثانية وثالثة ورابعة , دخل بما يسمى الوساوس ، فهذا المعنى الآخر قد يكون من هذا الباب . الاستقامة هيَّ السداد، السداد يعني أن تصيب الهدف, وفي حالات قد لا تستطيع شيء فوقَ طاقتك، إذاً لا بدَ من المقاربة, المقاربة كما قالَ عليه الصلاة والسلام: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قَالَ: ((سَمِعْتُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ, يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا, فَإِنَّهُ لَنْ يُدْخِلَ الْجَنَّةَ أَحَدًا عَمَلُهُ, قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ, وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَبَّ الْعَمَلِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ وَإِنْ قَلَّ)) أهون الشرّين, أحياناً الإنسان يُفرض عليه وضعان, عليه أن يختارَ أهونهما، أهون الشرّين سماها النبي عليه الصلاة والسلام: مقاربة, له أخت ليست ملتزمة على أمر الله, هل يقاطعها أم يصلها؟ إن قاطعها تزداد انحرافاً، وإن وصلها لا تصلي، نقول له: صِلها, إنكَ إن وصلتها لعلها تهتدي، يقول لكَ: ليست مستقيمة، أهون الشريّن أن تصلها, أحياناً أنتَ مضطر أن تفعل ما هو قريب من الاستقامة, لا في الأحكام الشرعية ولكن في المعاملات . ((سددوا وقارِبوا, واعلموا أنه لن ينجو أحداً منكم بعمله, قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قالَ: ولا أنا, إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضله)) إذا أعطيناك مفتاح بيت, ثمنه ثلاثين مليوناً, المفتاح ثمنه عشرون ليرة, ظننت أن البيت مِلكُكَ, أنتَ أخذتَ مفتاح البيت ولم تدفع ثمن البيت، البيت فضلٌ من الله عزّ وجل مثل للتقريب, أنتَ حينما تستقيم على أمر الله, دفعتَ ثمن الجنة أم دفعتَ ثمن مفتاح الجنة؟ اشتريتَ مفتاح الجنة, ولم تشترِ الجنة بكاملها, الجنة محضُ فضلٍ من الله عزّ وجل، فرقٌ بين أن تشتري المفتاح وبين أن تشتري الجنة، فالجنة برحمة الله كما قالَ عليه الصلاة والسلام . حتى أخواننا الكرام ما يقعوا في تناقض بينَ هذا الحديث الصحيح الذي خرّجه علماء الحديث وبين آياتٍ كثيرةٍ تقول: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 32 ] نوّفق بين هذه الآيات وبين هذا الحديث, التوفيق سهل جداً، كنتُ قد ضربتُ لكم مثلاً من قبل: أن شاباً في الصف العاشر, توفيَّ والده، والده فقير, له عمٌ غني, قالَ العمُ لابن أخيه: ابن أخي إن أردتَ أن تدرس, فأنا أنفقُ عليكَ, وعلى أهلك، هذا الشاب نال أعلى شهادة بالطب, فتح عيادة، تألقَ اسمه, وذاعَ صيته, وكبرَ دخله، وصارَ في بحبوحةٍ, التقى العم مع ابنِ الأخ, فقال العم لابنِ أخيه: يا بنَ أخي, لقد نِلتَ ما نلتَ؛ بجهدك, وسعيك, واجتهادك, وعرقك, وكدِّ يمينك, وعرقِ جبينك, هذا الكلام صحيح؟ قال له ابن الأخ: واللهِ يا عمي, لولا فضلك واللهِ لما كنتُ بهذا المقام . هو العم, لو أنَّ ابنَّ أخيه لم يجتهد, ما تابعَ الإنفاقَ عليه, ولو أنّه كانَ مجتهداً, ولم يتوافر له عمٌ ينفقُ عليه, لما نالَ هذه المرتبة, فنقول: إن ما حصّله من هذه المرتبة الاجتماعية والعلمية, سببها, مفتاحها: اجتهاده والفضلُ فيها لعمه . فإذا قالَ عليه الصلاة والسلام: ((سددوا وقارِبوا, واعلموا أنه لن ينجو أحد منكم بعمله, قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قالَ: ولا أنا, إلا أن يتغمدني الله برحمةٍ منه وفضله)) فالعمل مهما كانَ مستقيماً، مهما كانَ البذلُ كبيراً, لا يكفي لدخول الجنة, هو مفتاحٌ للجنة, ربنا عزّ وجل جعل الاستقامة والأعمالَ الصالحة مفتاحاً لدخول الجنة, أما دخول الجنة بفضلِ اللهِ عزّ وجل . مثل آخر للتوضيح: إذا أب وعد ابنه بدراجة غالية الثمن, إذا هو نالَ الدرجة الأولى على رفاقه, هذا الطالب نالَ الدرجة الأولى, حملَ الجلاء, وتوجه من فوره إلى بائع الدراجات, قال له: أعطني هذه الدراجة, وهذا الجلاء تفضل, أيعطيه إياها؟ هل قال له الأب: خذ الدرجة الأولى, وخذ هذه الدراجة من عند هذا البائع؟ لا بد من دفع الثمن من قِبل الأب .. أيها الأخوة الأكارم ؛ الاستقامة بالأقوال والأفعال والأحوال والنيات . عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ, وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ, وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ)) شطرٌ كبير من الاستقامة؛ استقامة اللسان. شروط الاستقامة : لكن بعض العلماء قال: الاستقامة فيها ستة شروط, والمعنى دقيق جداً, قالَ: اجتهادٌ في العمل، واقتصادٌ فيه، ووقوفٌ عندَ حدود العِلم، وإخلاص للمعبود، ومتابعةٌ للسُنّة. اجتهادٌ في العمل: أحياناً الإنسان يعمل عملاً شكلياً, صلى؛ هذه الصلاة التي أرادها الله عزّ وجل, صام؛ هذا الصيام الذي أراده الله عزّ وجل, تصدق, دفعَ زكاة ماله, بالعكس عنده بضاعة فاسدة, قدّمها إلى جمعية, وقال: أخي, هذه زكاة مالي, في بضائع الناس ليسوا بحاجة لها، الناس بحاجة إلى طعام وشراب أحياناً، لاحظت ملاحظة بالجمعيات الخيرية, باركَ الله بها جميعاً, لكن كل شيء كسد عند التجار يقدمونه لهذه الجمعيات, من حِسابِ زكاةِ أموالهم, هذا اجتهاد بالعمل, لا والله ليس اجتهاداً، تطاولَ بعض التجار على الله عزّ وجل, وعدَّ الضريبة من الزكاة, شعر براحة عظيمة، طعام كرهته نفسه فقدمه للفقراء, هذا لا يجوز أبداً، الاجتهاد أن تبذلَ غاية الجهدِ. لهذا قالَ الله عزّ وجل : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة التغابن الآية: 16 ] استنفذوا كل استطاعتكم, فهموها فهماً آخر معاكساً, يعني بعض الجهد, الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة التغابن الآية: 16] أنتَ تريد أن تصلي, فصلِ في غرفة خاصة, لو صليت في غرفة الجلوس, لا بد من أن تنصرف لِما يقال حولك, فلو صليتَ في غرفةٍ خاصةٍ بعيدةٍ عن الأصوات, معنى ذلك: أنك بذلتَ جهداً في هذه العبادة، لو صليتَ وأنت حاقن, أيةُ صلاةٍ هذه؟ صليت وأنت جائع!! فهمتك أن تنتهي من هذه الصلاة . المقصود: بذلُ الجهدِ في العمل، زكاة مالك دفعتها لأول مستحق دون اجتهاد, يجب أن يُدفع المال لمن هو يستحقه تماماً, ففي دفع الزكاة, بالحج أخذت الرُخص كلها ارتحت. قالَ: حججنا, صليت العصر بجدة يوم عرفة, ركبنا السيارة, الطرقات فارغة إلى مكة, طفنا طواف القدوم وسعينا, لا يوجد ازدحام, خرجنا من مكة إلى عرفات, الطريق فارغ, أول ما وجدنا الازدحام توقفنا، الشمس ما غابت بعد, غادرنا والطرقات فارغة، هذا هو الجهد يا ترى؟ بالصلاة مثلاً, بغض البصر .. قالً العلماء: من تصيّد الرُخص من كلِّ المذاهب رقَّ دينه, يتبعُّ أيَّ مذهب بشرط أن يكون فيه رخصة . بالاستقامة أيها الأخوة ؛ الاقتصاد . الاقتصاد أن تسلك بين طرفي الإفراطِ والتفريط, أن لا تتعنتَ في الدين، أن تغلوَ في الدين, العوام تقول: لا إفراط ولا تفريط . مثلاً: أنتَ ورع جداً, غيور جداً على زوجتك، من غيرتك على زوجتك, رفضتَ أن تأخذها إلى الطبيب, أنت أخذتَ جانبَ الغلوِّ في الدين, أنتَ أورعُ من سيد المرسلين؟ أنتَ أشدُ ورعاً من العلماء العاملين؟ فالانحراف عن الاستقامة له مظهرين: إما الإفراط أو التفريط . الاستقامة أول شرط من شروطها: أن تبذلَ غاية الجهدِ، وثانياً: أن تقفَ الموقف المعتدل بين الطرفين, أنت زاهد, أعرضتَ عن الدنيا إعراضاً كليّاً . زوجة شكت زوجها لسيدنا عمر, أن زوجها كانَ صوّاماً قوّاماّ, يبدو أنه لم ينتبه لقولها, قال لها: باركَ الله في زوجك، أحد الصحابة انتبه أنها تشكوه ولا تثني عليه, قال: إنها تشكو زوجها, قال: فاحكم أنتَ بينهما, فحكم أن يعطيها كل أربعة أيام يوماً, لأنه لو عنده أربع زوجات, للواحدة منهنَّ حق يوم . الاستقامة: أن تعطي لكل ذي حقٍ حقه، أن تؤدي الحقوق تماماً، لا أن تُفرّط ولا أن تُفرط. مرة قال لي أخ: طُلب منه أن يصنع أبيات مصاحف رفض, وهو في أشدِّ الحاجةِ إلى المال, لماذا رفض؟ قال: لأن الذي كلّفه بهذا العمل, ليسَ مسلماً من أهل الكتاب, من قال لك: إنَّ هذه استقامة؟ لكَ أن تتعاملَ معه شِراءً أو بيعاً !!!: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ [سورة النساء الاية: 171] من الانحراف عن الاستقامة أن تُفرّط أو أن تُفرط، ما دام الشرع سمح للطبيب الأجنبي, أن يرى المرأة المسلمة, أما إذا في طبيبة أولى, طبيبان مسلم وغير مسلم, المسلم أولى, أما حينما يكون المرض خطيراً, وفي طبيب متخصص بهذا المرض فلا حرج . سيدنا رسول الله في الهجرة, اختار خبيراً للطريق ليسَ مسلماً, أحياناً الخِبرة لا بدَ منها .. الصفة الثانية: الاقتصاد, أي السلوك بين طرفي الإفراط, وهو الجورُ على النفوسِ والتفريط بالإضاعة . النبي ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: ((رَوِحوا القلوبَ ساعةً بعدَ ساعة, فإنَّ القلوبَ إذا كلّت عَميت)) سيدنا معاذ صلى بأصحاب رسول الله, فأطال الصلاة, فقالَ: ((أفتّانٌ أنتَ يا معاذ؟)) إذا صلى النبي وحده أطالَ الصلاة, أما إذا صلى إماماً, كان أخفهم في تمام صلاته . في كسب المال, يقول لك: العمل عبادة, أين الصلاة؟ ترك صلاته أو أهمل صلاته, وأهمل دروس العلم كلها, لم يعد يقرأ القرآن, أخي العمل عبادة, أفرط أو ترك العمل من أجل العبادة. قال: من يطعمك؟ قالَ: أخي، فقال: أخوك أعبدُ منك, لهذا الجسدِ عليكَ حق, ولأهلكَ عليكَ حق, ولأولادكَ عليكَ حق, ولعملكَ عليكَ حق, فأعطِ كلَّ ذي حقٍ حقه. أحياناً الشيطان : ﴿ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [سورة الأعراف الاية: 17] يأتيكَ عن اليمين افعل هذا، دع هذا العمل فيه شبهة، فتبقى بلا شغل، بلا دخل, ضاع، أفتى, حرّم الحلال، بلا مال، ثم جاءه الشيطان, قال له: أنت مستقيم والله لم يعطك شيئاً . أيام في حالات انتكاس خطيرة جداً، السبب: أنه لم يأخذ المنهج المعتدل، لما ترك العمل, عاش أزمات مالية, تفاقمت في ساعات ضعفه . وقوفاً مع ما يرسمه العلم، ما معنى الأمر والنهي؟ الأمر أن لا تفعل كذا, والنهي أن تفعل كذا، أراد أن يصوم صياماً طويلاً, لما صام تعطل عن عمله, فاضطرب نفسياً, النبي الكريم أمر بالصيام اثنين وخميس أو ثلاثة أيام في الشهر، فلما زادَ ذلك انعكس على حالته النفسية . هذه الاستقامة: عملٌ مع بذل الجهدِ، اقتصادٌ بين الإفراط والتفريط، متابعةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إخلاصٌ في هذا العمل، وقوفٌ عندَ الأمر والنهي . السلف الصالح كانوا يُركزّون على أصلين خطيرين؛ الاقتصاد في الأعمال والاعتصام بالسُنّة, قالَ بعض السلف: ما أمرَ الله بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان: إما إلى تفريطٍ وإما إلى إفراط, ولا يبالي الشيطان بأيهما ظَفِرَ زيادةً أو نقصاناً . النبي عليه الصلاة السلام يقول لعبد الله بن عمرو بن العاص: (( يا عبد الله بن عمرو, إن لكلِّ عاملٍ شِرّةً . -شِرّةً: هي الفورة, الإنسان حينما يؤمن, ينتقل من الضياع إلى الهدى، من الشقاء إلى السعادة، من التفلت إلى الانضباط، ما كان يصلي, وجد في الصلاة سعادة كبيرة، لمّا غض بصره, شعر بسعادة ثانية، لمّا حضر مجلس علم شعر بسعادة، هذه سمّاها النبي: الشِرّة, يعني فورة, هذه الفورة رائعة جداً, لكن لها خطران، ولكلِّ شِرّةٍ فترة, بعد هذه الفورة فترة, كما قال سيدنا الصدّيق: بكينا حتى جفت مآقينا, فكل مؤمن له فترة-. ولكلِّ شِرّةِ فترةً, فمن كانت فترته إلى سُنّةٍ أفلح, ومن كانت فترته إلى بِدعةٍ خابَ وخسر)) فالإنسان وهو في الفورة, يجب أن ينضبط بالشرع, لو فرضنا بالفورة دفع كل ماله, فلما جاءت الفترة ندمَ على ذلك, فامتنع عن دفع الصدقات, انتهى إلى بِدعة . كلُّ الخير كما قالَ بعض العلماء: في اجتهادٍ باقتصاد وإخلاصٍ باتباع, اقتصاد بين الإفراط والتفريط مع الاجتهاد والإخلاص مع الاتباع, يعني اقتصادٌ في سبيلٍ وسُنّةٍ خيرٌ من اجتهاد في خِلاف سبيلٍ وسُنّةٍ, قال: فاحرصوا على أن تكون أعمالكم على منهج الأنبياء عليهم السلام . الآن: ما الذي يُخرجُ من الاستقامة؟ قال: الرياءُ في الأعمال يخرج من الاستقامة, الرياء والفتور والتواني, على المستقيم أن يفرّقَ دائماً بينَ الأمر والنهي, والثواب والعقاب, والموالاة والمعاداة, وبين ما يحبه الله وبين ما يبغضه, وبين ما يرضيه وبين ما يسخطه . مناسبة: نتحدث حديثاً سريعاً عن الحيل الشرعية لأنه الموضوع بالاستقامة, أولاً: بعضهم يحتج بِفعل سيدنا يوسف, لمّا وضع في رحلِ أخيه صواع الملك, وقال: أيتها العير إنكم لسارقون, والقصة معروفة عندكم بهذه الحيلة, احتجزَ أخاه عِنده، فبعض الذين يسلكون الحيل الشرعية, يحتجون بهذا الموقف, مع أن هذا الموقف هو حيلة, ولكن كي يأتي بأبيه وأخوته ليسكنوا عنده في مصر ليكرمهم, إذا إنسان لا يأخذ إطلاقاً منكَ شيئاً, وأنتَ احتلتَ على أن تعطيه على شكل قرض مثلاً, هذه حيلة مقبولة, في حيل رائعة جداً . إنسان متنعنتاً, وعليك مساعدته, قد تسلك معه حيلةً كي تساعده, فالحيلة في أصلها مشروعةٌ, إن كانت لجلبِ خيرٍ أو لدفعِ شرٍ, أما إذا كانت الحيلة للتحلل من بعضِ أوامر الله عزّ وجل, فهذه حيلةٌ شيطانيةٌ مرفوضة. مثلاً: من الحيل الشائعة: أنتَ معكَ نِصاب المال, قبل أن يحولَ الحول تَهبُ جزءاً منه لابنكَ, تتفق معه, بعد شهرين يعيد المال لك, يهبُ جزءاً من ماله لشخص قبلَ أن يأتي الحول، النِصاب ما تم، بعد أن يمضيَ الحول, يسترجع هذه الهِبة, هذه حيلة . الحيلة الثانية: يشتري حاجة من بائع, ثم يردها له بعد مجيء الحول، هذه حيلة في إسقاط الزكاة . في حيلة في التعامل بالربا: بيع العينة, العينة: أن تضع حاجة أمامك تبيعها ديناً بسعر ونقداً بسعر, تبيعها للمشتري ديناً بمائة ليرة, ثم تشتريها منه بثمانين ليرة نقداً, هذا بيع العينة, هذا رِبا, لكن بشكل بيع وشراء . أحياناً تطلّقُ المرأة طلاقاً فيه بينونة كبرى من زوجها, فيقوم زواج شكلي, هذا التيس المستعار, يعقد زواجاً شكلياً, ثم يطلّق, ثم تعود لزوجها الأول, أحياناً يُرهنُ العِقار والرهن لا يستعمل, ثم يَهبُ لكَ صاحِبُ العَقار منفعته, أنت أقرضته مبلغاً, وضع عندك عِقاراً رهناً, فأنت سكنت بالعِقار, هذا القرض جرَّ نفعاً, هو على شكل رهن, والرهن لا يستعمل صاحب العِقار, وهبك الانتفاعَ به, عملت حيلة, كسبتَ فائدةً من هذا القرض وهكذا, كلُّ هذه الحيل حرامٌ, لأنها احتيالٌ على الشرع, للتفلت من أوامر الله عزّ وجل, ولكن الحيل الجائزة لجلبِ الخير أو لدفعِ الشر, لجلب الخير كما فعل سيدنا يوسف, احتال على أخيه عن طريق وضع صواع الملك في رحله, ثم فُتشَ هؤلاء, وظهرَ صواع الملك في رحلِ أخيه فاحتجزه, من أجلِ أن يأتي بأبيه وأخوته, ويكرمهم في مصر . كلُّ حيلة تنتهي بصاحبها إلى التفلتِ من أوامر الشرع, هي حيلةٌ باطلةٌ حرامٌ، أما الحيلة التي تجلب الخير وتدفع الشر, فهي حيلةٌ مقبولةٌ في الشرع . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#7 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : منزلة الخلقالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السابع ) تمهيد : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس السابع من دروس مدارج السالكين , منزلة اليوم منزلة الخُلق , وقبل أن نقفَ عند بعض الآيات الكريمة التي تتعلق بالخُلق , منطلقةً من قول الله عزّ وجل واصفاً نبيه صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [سورة القلم الآية: 4] أود أن أمهّدَ لهذا الموضوع بتمهيدٍ قصير ... كما أقول لكم دائماً : مطلبٌ ثابتٌ عندكم جميعاً , وعندي , وعندَ كلِّ إنسانٍ على وجه الأرض ؛ أن يَسلمَ , وأن يَسعد ، ونحنُ في عصرٍ ما أكثرَ الآراء , وما أكثرَ المذاهب , وما أكثرَ التفسيرات , وما أكثرَ الاتجاهات , ففي زحمةِ تماوج الأفكار , واضطرابها , وتداخلها في هذه الزحمة , ما من نِعمةٍ أعظم من أن تكتشف الحقيقة التي أرادها الله عزّ وجل لتكونَ لكَ مِنهاجاً , نِعمٌ كثيرة , قد تنعمُ بالصحة ، قد تنعمُ بوفرة المال , قد تنعمُ بالمكانة ، قد يكون لكَ أهلٌ وأولاد على ما تريد , ولكن تأكد , كلُّ شيءٍ أنتَ تعتز به في الدنيا , ينتهي عندَ الموت , ولكنَ الشيء الذي لا يُقدّرُ بثمن , ولا يعلو عليه , ولا أثمنُ منه , أن تعرف الحقيقة , لأنكَ إذا عرفتَ الحقيقة , عَمِلتَ وفقها , فإذا عَمِلتَ وفقها , سَعِدتَ في دنياكَ وأُخراك . عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ فَقَالَ : (( يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ , إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لأهْلِ الْبَقِيعِ , فَانْطَلِقْ مَعِي )) فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ , فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ , قَالَ : (( السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ , لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ , لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِنْهُ , أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ , يَتْبَعُ أَوَّلُهَا آخِرَهَا , الآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الأُولَى)) (( أقبلت الفِتن كقطع الليل المُظلم )) كل شيء يمكن أن يزور ، ويُبدّل , ويُغيّر ، فالإنسان في زحمةِ هذه الفِتن , وفي تضارب الآراء , واختلاف التفسيرات , وتعاكس التوجهات , كلٌّ يدعّي وصلاً بليلى , كلٌّ يدعّي أنه على حق , في هذه الزحمة لا شيء أثمن من أن تكونَ على حقٍ فعلاً ، لا شيء أثمن من أن تكونَ على حقٍ حقيقةً ، لذلك العمل أساس السعادة , وأساس صواب العمل , أن تعرف الحقيقة . فيا أيها الأخوة الأكارم ؛ أضربُ لكم هذا المثل , وكنتُ قد ضربته لكم سابقاً : لو دخلتَ إلى غرفةٍ , وفيها ألفُ قطعةٍ صفراء اللون , بعضها من الذهب الخالص ، بعضها من الذهب بأعيرةٍ متفاوتة , بعضها من النُحاس المُلبس بالذهب ، بعضها من النُحاس المُلمع ، بعضها من أخسّ المعادن , ألا ينبغي لكَ أن تنتقيَ ما كان ذهباً خالصاً ؟. يا أيها الأخوة الأكارم ؛ في زحمةِ تضارب الآراء, واختلاف التوجهات, وظهور الفِتن كقطع الليل المُظلم, يتبعُ أولها آخرها, لا بد من معرفة الحقيقة, من هي الجهة في الكون الوحيدة التي معها الحقيقة, معها الحقيقة المُطلقة, معها الحقيقة التي لا زيغَ فيها؛ لا خلل، لا اضطراب، لا شائبة؟ إنها الله, أيّةُ جِهةٍ أرضيّة تخطئ وتصيب, تفلح وتُخفق، تستقيم وتنحرف ، تعطي ما هو صحيح وما هو مغلوط، ما هو مقبول وما هو مرفوض، ولكنَّ الله وحده الحقُّ المبين، ولكنَّ الله وحده الذي خلقَ الكون, وخلقَ الحياة, وخلقَ الإنسان, وسوفَ نعود إليه, ولن نَسعدَ إلا إذا كُنّا على منهجه . فلذلك ليسَ غريباً، وليس شططاً أن يقفَ الإنسان ليُراجع حساباته، ليُراجع أفكاره، ليُراجع تصوراته، ليُراجع ممارساته اليومية، ليُراجع سلوكه . يا أيها الأخوة الأكارم ؛ أن نعرفَ الحقيقة، أن نعرفَ المنهج, أن نعرفَ القانون الحقيقي, الذي هو يتحّكمُ بالمخلوقات، هو سِرُّ السعادة . أنت أمام باب عليه أقفال شديدة, تصور لو أردتَ أن تكسِرَ هذه الأقفال, أو أن تخلعَ هذا الباب, أو أن تهدِمَ هذا الحائط, كم تحتاج من جهد, ومن طاقة, ومن ضجيج, ومن خصومات؟ لو جِئت بمفتاح صغير, وزنه عشرون غراماً, وضعته في القفل المُحكم, فضغطتَ هكذا, ففُتحَ الباب, أليسَ هذا العمل أذكى وأرقى وأنجى وأنجح وأربح وأريح؟ كل شيء له مفتاح, السعادة لها مفتاح، التوفيق له مفتاح، أن تُحقق الهدف الذي خُلقتَ من أجله له أسباب, فلما الإنسان يتقصّى الحقائق، يتعرّف إلى خالق الكون، ألف سؤال وسؤال . أحياناً تقرأ آية : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الروم الآية: 47] ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة يونس الآية: 103] ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 141] هذه الآية, إذا رأيتَ الواقع يُخالفها, فأنتَ أمام تفسيرين؛ إما أن تُكذّب القرآن, وإمّا أن تقول: هذا الكلام لا معنى له, هذا كلام غير واقعي, غير مُطبّق, وقعتَ في الكُفرِ وأنتَ لا تدري, وإمّا أن تسأل هذه الآية: ﴿ولن يجعلَ الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً﴾ ما تفسيرها ؟ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة النور الآية: 55] إن رأيتَ الواقع على خِلاف هذه الآية, بِم تُفسّرُ هذا؟ تقول: القرآن شيء غير واقعي, لا يتحقق, كأنه ليسَ كلامَ الله, وقعتَ في الكفر، أم أن تقول: لا بدَ أنَّ هناكَ شرطاً لم يتحقق : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾ كل إنسان قال: أنا مسلم, هو مسلم؟ كل إنسان قال: أنا مؤمن, هو مؤمن؟ كل إنسان قال: أنا أفعلُ كذا, هو يفعلُه؟ لئلا تقعَ في مشكلةٍ خطيرةٍ, وهي أن تَشُكَّ في مصداقية القرآن, يجب أن تتنوّر، يجب أن تتحقق، يجب أن تتبصر، يجب أن تقف عندَ المعنى الدقيق للآية، يجب أن تسأل ....: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 43] يجب أن تتحقق, لأن أخطر ما في الحياة أن تَشُكَ في عقيدتك, أخطر ما في الحياة أن تهتز عِندكَ المُثل، أخطر ما في الحياة أن تَشُكَ في أنَّ هذا الكلام ليسَ كلامَ الله، أو أنه كلام الله, ولكن الواقع ما أكدّه, هذه مشكلة خطيرة جداً . قلتُ لكم سابقاً: أكبرُ مصيبةٍ هي أصغرُ من أن يُصاب الإنسان بعقيدته أو بدينه, فلهذا بعيداً عن تداخل الآراء، عن اضطراب الآراء، عن اضطراب التفسيرات، أريدُ الحقيقة الخالصة، أريدُ المنهج الصحيح الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام, نبعٌ عذبٌ كالماء الزُلال, عذبٌ فرات, سارَ هذا النبع, جاءه عدو من الروافد رفدته, رافدٌ نقيٌّ, ورافدٌ غير نقيّ, ورافد فيه ماءٍ آمنٍ, ورافدٌ فيه فضلات, وصلنا إلى نهاية هذا النهرِ, فإذا هو مياهٌ سوداء, ما العقلُ؟ العقلُ أن أذهبَ إلى النبع . يا أيها الأخوة الأكارم ؛ لا يصلحُ آخرُ هذه الأمة إلا بما صَلَحَ به أولها . قلت لكم مرة: سيارة توقفت, هذا السائق لو خرجَ من السيارة, وملأَ الجوَ صخباً وضجيجاً وصياحاً وتوسلاً وبكاءاً وعويلاً ودعاءاً, يا رب أنا انقطعت, السلوك علمي, لا والله ، السلوك العلمي أن تفتح غِطاء المُحرّك, وأن تنظر أينَ الخلل؟ . في مشكلة في العالم الإسلامي, دائماً نشكو, لماذا تشكو؟ الله تخلّى عنّا, هل تخلّى الإله عنّا؟ غير معقول !!: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 4] إذاً: هناك خلل في حياتنا، في فهمنا للدين، في استقامتنا، في سلوكنا . مثلاً: لو أنَّ طالباً على موعدٍ مع امتحانٍ خطير, هناك عشر مواد, لو أنه أتقنَ المواد التسعة, وأهملَ مادة, ولم ينجح، نحن مع احترامنا لجهده, واجتهاده, وتفوقه في هذه المواد التسعة, لكنه لأنه أهملَ المادة الأخيرة العاشرة, هذه الدراسة ذهبت أدراج الرياح، هذا الجهد الذي بذله في أثناء العام الدراسي تلاشى .... مثل آخر: هذه المركبة من أجل أن تسير, لا بد لها من أجهزة, أهملتَ أحدَ الأجهزة, بقيت في مكانها، ماذا أفادكَ اعتناؤك بها؟ ما أفادكَ شيئاً . الإسلام مشكلته إما أن تأخذه كله, وإما أن تقطفَ ثماره, هي المشكلة, فكل فرد مبدئياً عليه أن يُراجع نفسه على المستوى الفردي, وجد الطريق مسدوداً، هنا لم يوفق، هنا لم ينجح، هنا لم يتحقق الهدف، بقيت نفسه كنفوس الآخرين, لم ترق نفسه في هذا المجال, في خلل, دينُ الله ينبغي أن يكونَ واضحاً, وينبغي أن يكونَ مقنناً, في قواعد, يهمل الناس هذه القواعد, ويحسبون أنفسهم مسلمين, وكأنهم يعاتبون الله عزّ وجل, إذا بدا لهم أنه تخلى عنهم, ماذا نفذتَ أنتَ من الإسلام؟ هل طبقتَ الإسلام في بيتك؟ هل حررتَ دخلكَ من كلِّ شُبهة؟ هل ضبطت مشاعرك؟ هل كنتَ كما يريد الله حتى تطالبه أن يكون لكَ كما تريد؟ هل أنت على منهجه؟ هل أنتَ في مرضاته؟ هل أنتَ أخذتَ دينه جملةً وتفصيلاً؟ هل طبقّتَ أوامره بحذافيرها؟ إن لم تكن كذلك, لا ينبغي أن تعتب, ولا ينبغـي أن تقول: لِمَ يكونُ هكذا؟ لِمَ يحدث هكذا؟ أينَ الله عزّ وجل؟ . هذه أسئلة كبيرة جداً, إن لم تملك الجواب الصحيح عليها, فأنتَ في مشكلة, أنتَ تُعامل خالقَ الكون, لو عاملتَ إنساناً, يقول لكَ: لا أستطيع، إمكانياتي محدودة، هذه ليست بيدي، مع هذا الإنسان ألف عذرٍ وعذر أن لا يُنجدكَ, أما إذا عاملتَ الخالق هو مطلق, كن فيكون, زُل فيزول, كلُّ شيء بيده, وخاضعٌ له, بيده ملكوت السموات والأرض, لا يعزب عنه شيء في الأرضِ ولا في السماء . فإذا دعوتَ الله أن يغيثكَ بالمطر, ولم يغثك بالمطر, معناها في خلل, تقنين الله عزّ وجل ليس تقنين عجز بل تقنين تأديب, أريد أن يأخذ الإنسان الإسلام مأخذاً جِديّاً، أن يأخذه كمعادلات رياضية, أن يأخذه كقوانين حتمية، أن يأخذه كسُنّة كونية، أن يأخذه كمنهج تفصيلي ، أن يأخذه كقواعد قطعية، إذا فهمتَ الدينَ هكذا, قطفتَ ثِمارَ الدين, وكنتَ أسعدَ الناس بهذا الدين, وشعرت بمعنى اسم السلام, الذي تحدثنا عنه في الدرس الماضي, شعرت بالطمأنينة, وملكتَ التفسير الصحيح لِما يجري ... الإنسان أحياناً بحاجةٍ ماسّة لأن يملكَ التفسير الصحيح لِما يجري حوله, لأنَّ الدين متكامل، الدين يغطي كلَّ شؤون الحياة, يغطي كلَّ نشاطات الحياة، يغطي كلَّ مناحي الحياة، فالدين ليسَ أن تصومَ وأن تُصلي فقط، وليسَ أن تبحثَ عن أحكام البيوع وأحكام كذا، الدين يقدم لكَ تفسيراً دقيقاً للكونِ والحياةِ والإنسان . فلهذا: يعني سؤال كبير جداً, القرآن الكريم إذا درسناه, يجب أن ندرسه دِراسةً متأنيّة، يجب أن نتدبرّه، ارجعوا إلى كتاب الله في كلِّ شيء, منهجٌ . ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المائدة الآية: 3] يعني مثلاً: حينما يتوجه المسلمون إلى أنَّ الدين: أن تؤدي هذه العبادات من صومٍ وصلاةٍ وحجٍ وزكاة, ويغفلُ المسلمُ عن أنَّ الدين هو في استقامة الجوارح, وفي استقامة اللسان, وفي طلبِ الأسباب, والتوكل على الله عزّ وجل, هل يُعقلُ أن يكونَ الدينُ مظهراً للضعفِ؟ لا والله, هل يُعقل أن يكونَ الدينُ مظهراً للخنوعِ، مظهراً للكسلِ، مظهراً للقعودِ؟ لا والله, لذلك نحن إذا طبقّنا أكثرَ أوامر الدين, وأغفلنا بعض الأوامر, ما قطفنا ثمار الدين إطلاقاً ، وأخطرُ ما في الأمرِ أن يعزوَ الإنسان خطأه إلى ربه, الله عزّ وجل كتابه واضح: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [ سورة العنكبوت الآية: 69] ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ [سورة الحج الآية: 38] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 7] فالإنسان في زحمةِ الفِتن, وفي زحمةِ اضطراب الأفكار والمقاييس, وفي زحمةِ اختلاط الأوراق, وفي زحمةِ تداخل التفسيرات, عليه أن يعودَ إلى النبع, إلى كتاب الله, وأن يقرأهُ, وأن يشعرَ بمصداقيته, لأنَّ كلَّ كلمة قالها الله عزّ وجل, حقيقة قطعيّةٌ ثابتةٌ, الوقائع دائماً تؤكدها, وهذا الكلام أنا متأكد أنَّ كلَّ واحد منكم معه عليه أدلةٌ من حياته اليومية، ما من مصيبةٍ أصابته إلا بسببٍ وجيه، ولأمرٍ خطير, ولِعلاجٍ سريع، فإذا بدأ يفهم على الله عزّ وجل, لماذا كانَ هذا الأمر؟ ولماذا لم يكن؟ لماذا وُفقتُ إلى هذا الأمر؟ ولماذا لم أُوفق إلى هذا الأمر؟ عندئذٍ يشعر أنَّ الدين أعطاه الحقيقة المطلقة التي هي أثمن ما في الوجود, أثمن ما في الوجود أن تعرف الحقيقة, انعكاس الحقيقة على حياتك الخاصة، على حياتك العامة، وعلى حياتك البيتية، وعلى مهنتكَ, انعكاسٌ رائع, وعلى مجموع الأمة . منزلة الخلق : يلفتُ نظري سيدنا جعفر, سأله النجاشي : حدثنا عن هذه الدعوة التي جاءَ بها نبيكم . وقفتُ عندَ هذا الكلام ملياً , وأُعيده كثيراً . يقول : أيها الملك , كُنّا قوماً أهلَ جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكلُ الميتة , ونأتي الفواحش ، ونُسيء الجِوار , ويأكلُّ القويُّ مِنا الضعيف ، حتى بعثَ الله فينا رجلاً ، نعرف أمانته , وصدقه , وعفافه , ونَسبه ، فدعانا إلى الله لنعبده , ولنوحده , ولِندعَ ما كانَ يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان , وأمرنا بصدق الحديث , وأداء الأمانة , وصلة الرحم , والكفِّ عن المحارم والدماء . بربكم : سيدنا جعفر , هذا الصحابي الجليل , ماذا فهم من الإسلام ؟ مكارم الأخلاق , فهمَ الدين خُلق ، فهمَ الدين استقامة ، فهمَ الدين صدق ، فهمَ الدين إخلاص ، فهمَ الدين رحمة ، فهمَ الدين وقوف عندَ حدود الله ، فهمَ الدين توحيد . هذا الذي يأكل مالاً حراماً , ويتجاوز حدود الله عزّ وجل , ويلبّي نداء المؤذن كلما أذّن , هذا الإنسان ألا يزوّر الدين ؟ ألا يشوّهُ حقيقته ؟. أذكر قول الإمام عليٍّ كرّمَ الله وجهه : أنَّ قوام الدين والدنيا أربعة رجال : عالمٌ مستعملٌ علمه , وجاهلٌ لا يستنكف أن يتعلم ، قلت : إذا ضيّعَ العالم علمه , استنكفَ الجاهل أن يتعلم . أنت كمسلم بصراحة أقولها , أنت عند أهلك ، عند والدك ووالدتك ، عند زوجتك ، عند أولادك ، عند أخوتك ، عند جيرانك ، عند من هم دونك ، عند من هم فوقك ، عند أصحابك ، عند زملائك ، عند مجتمعك ، عند بلدتك ، عند أمتك ، أنت محسوب على المسلمين , أنت مسلم , الناس لا يعبؤون بصلاتك ولا بصيامك ، يعبؤون بمعاملتك ، بذمتك ، بصدقك ، بعفتك ، بطهارتك ، بخلقك ، بتواضعك ، بعفوك ، فإذا ما أحبَّ الناس الإسلام من خلال سلوكك فأنتَ لستَ مسلماً ، إذا ما عشقَ الناس الدين من خلالك أنت لستَ مؤمناً ، إذا ما قالَ الناس هذا هو الدين , يا الله ما أروع الدين ! أهذه تربية المسلمين ؟ أهذه تربية الدين ؟ إن لم تكن كذلك فلستَ مسلماً . لعلك رأيته يصلي في المسجد , قال له : نعم , قال : أنت لا تعرفه , هل جاورته ؟ هل حاككته بالدرهم والدينار ؟ هل سافرت معه ؟ . بإمكانك أن تكون أكبرَ داعيةٍ إلى هذا الدين وأنت ساكت, ليرى الناس منكَ العفاف , أنتَ إذا ذهبتَ إلى مقام النبي عليه الصلاة والسلام ماذا ترى؟ ترى أناساً يبكون أمام مقامه, يا ربي هؤلاء ما رأوه، ما عاملوه، ما أخذوا منه شيئاً، ما أعطاهم شيئاً، لماذا هم يبكون أمامه؟ لأنَّ هذا النبي العظيم ما قالَ شيئاً خالفه في سلوكه، ما تكلّمَ كلمةً فعلَ عكسها، كانَ صادقاً مع نفسه، كانَ رحيماً بالناس، كانَ مثلاً أعلى، كانَ قدوةً صالحة . الإنسان حضرَ مجالسَ العلم, واستمع إلى إلقاء المحاضرة, وتأثرَ بها, ولم يطبّق ما سمع, هذه حالة مرضية, يقسو قلبه, يتعود على السماع بصير, لكن ليسَ مطبّقاً لِما يسمع، لا يقطف ثِمارَ ما يسمع، ثم يملّ, أعطه سيارة لا تسير, يوم غسلها، يوم لمعّها، يوم نظفّها، ما قطف ثِمارها, ثم يملّ منها، أما إذا رَكِبها, ونقلته إلى مكان جميل هوَ وأهله, قطفَ ثِمارها, شعرَ بقيمتها . أنا الذي أريده: أن تذوقَ طعم القرب، أن تذوق طعمَ الحب، أن تذوق طعمَ الصِلةِ بالله عزّ وجل، أن تشعرَ أن الدين نقلكَ من الجحيم إلى النعيم، أن تشعرَ أن الدين نقلك من الضياعِ إلى اللُقيا، أن تشعرَ أن الدين نقلك من الهموم التي بعضها فوق بعض إلى الإشراقات التي يلي بعضها بعضاً، إن لم تكن أسعدَ الناس فما قيمة هذا الدين؟ أنت مع خالق الكون، لا يحزن قارئ القرآن . يجب أن يكون شعارنا أيّةُ آيةٍ قرآناها، أو أيّةُ آيةٍ فهمنا تفسيرها، أو أيُّ حديثٍ فهمنا معناه, ينبغي أن يكون شُغلنا الشاغل أن نطبّقه, كي نقطفَ ثِماره، لو حدثّتَ الناس آلاف المرات, بل عشرات آلاف المرات, أنَّ الصدق ينجي, وأنتَ لم تكن كذلك, تملُّ من هذا الكلام, لكن دائماً كن صادقاً حتى مع الحيوان . هذا المُحدّثُ الشهير, الذي قصدَ البصرة من المدينة, فلما رأى الرجل الذي جاء ليأخذَ عنه الحديث, قد كذبَ على فرسه, سكت وعاد إلى حيثُ كان, هذا الذي يكذب على فرسه, ليسَ أهلاً أن يكونَ مُحدثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . أنا أقولها لكم بصراحة: يجب أن يكونَ بيتك جنّة, كيف فعل النبي؟ كان إذا دخلَ بيته بسّاماً ضحاكاً، هدفه الأكبر أن يهدي أولاده، أن يهدي أهله، يجب أن يكون عملك خلية نحل, يجب أن يتعلم الناس من تعاملك التجاري؛ الصدق والاستقامة والرحمة والنزاهة والأمانة, هذا الذي نعوّلُ عليه, سمعنا كلاماً كثيراً, خُطباً رنانة, كتابات رائعة، بلاغة ناصعة، أفكاراً مُنظمة ، ولكنَ التطبيق هو الذي نحن نُقصّرُ فيه . لذلك : ترى المساجد ملآى , وهناك من يشكو الكذب والاحتيال , وأن تأخذَ ما ليسَ لكَ , وأن تبغي على شريككَ , على خليقكَ , يجب أن يكون البيت جنّة , والعمل في نزاهة , وفي كلّ مكان صحيح . الآية الأولى : وإنك لعلى خلق عظيم . نقيم الناس, فنصف بعضهم بالغنـى، وبعضهم بالقـوة، والآخـر بالذكاء، ورابعهم بالحِنكة والسياسة, فلان نَصِفه بالجمال، أو بالصحة، أو بتحصيل أعلى الشهادات، ولكنَّ هذا النبي الإنسان الأول, المخلوق الأول, وصفه ربه : ﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾ فسّرَ هذه الآية : وإنكَ لعلى دينٍ عظيم , يعني جعل الخُلق هو الدين , وجعلَ الدين هوَ الخُلق , وكلاهما يعني شيئاً واحداً , أنتَ أخلاقي , أنتَ مؤمن , هذا تفسير ابن عباس والإمام مجاهد , وإنَكَ لعلى دينٍ عظيم , بأنَّ هذا الدينَ كله مكارمُ أخلاق . سيارة ألغينا مُحركها, الأبواب ممتازة، المقاعد وثيرة، العدادات متألقة، الطِلاء لماع، المُحرك من السيارة, يعني ألغينا السيارة, في طيارة عند الشيخ رسلان, هذه طائرة؟ هذه مطعم وليست طيارة, لأنها لا تطير, الطيارة تطير . أقول لكم: إذا ألغينا الأخلاق، إذا ألغينا الخُلق الحسن، إذا ألغينا السموَ النفسي، إذا ألغينا الطهارة القلبية من الدين, فقد ألغينا الدين كله . أروع تفسير للإمام مجاهد وابن عباس : ﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾ الدين هو الخُلق والخُلق هو الدين. هذه أول آية . الإمام الحسن قالَ: ﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾ الآية الثانية: ادفع بالتي هي أحسن .... وإنكَ لعلى آدابِ القرآن، القرآن بينَ أيديكم قال لك: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [سورة فُصلّت الآية: 34] الآية الثالثة : وقولوا للناس حسنا ......... هذه الآية ليست كي تقرأها وتأتي بأحكامها, لا, كي تدفعَ بالتي هيَّ أحسن: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 83] الآية الرابعة : خذ العفو وأمر بالعرف ..... ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 199] الآية الخامسة : وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما . ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَاماً﴾ [سورة الفرقان الآية: 63] يجب أن تقرأ القرآن قراءةً , تستنبط منها آيات الأخلاق . مرة حدثناكم, أتمنى على كلِّ أخٍ كريم أن يقرأ القرآن, ليستنبطَ من هذه القِراءةِ الأوامر والنواهي، وأن يقرأ القرآن ليستنبطَ من هذه القِراءة القوانين والسُنـن، وأن يقرأ القرآن ليستنبطَ منه مكارمَ الأخلاق, هذا الذي أتمناه على كلِّ أخٌ كريم, أن يجعلَ هذا القرآن وما فيه من قيّمٍ أخلاقيّةٍ دستوره . الآية السادسة : وعاشروهن بالمعروف ...... زوجتك: ﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ [سورة النساء الآية: 19] افتح التفسير: ليست المعاشرة بالمعروف, أن تمتنع عن إيقاع الأذى بها, بل أن تحتمل الأذى منها, هذا دينك, دينك مع زوجتك, أن تحتمل الأذى منها، دينك مع أولادك, أن تُحسنَ إليهم . الآية السابعة : ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ............ دينك مع والديك : ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 8] دينك مع جارك، دينك مع السائل، دينك مع الفقير . خلق النبي : درسنا الآن : ﴿إنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾ إنكَ لعلى آداب القرآن, ما هذا الأدب؟ قالَ: أدبّني ربي فأحسنَ تأديبي . وتأديب الله للنبـي عليه الصلاة والسلام توجيهاته في القرآن الأخلاقية، والسيدة عائشة تقول: كانَ خُلُقهُ القرآن . الإله عادل، إذا الناس أفلحوا جميعاً, جاء الخير للمجموع، وإذا أبَوا جاء الشر . عَجِبَ ربكم من قومٍ يساقونَ إلى الجنةِ بالسلاسل ، من أطاعني دخلَ الجنة , ومن عصاني فقد أبى . أنا أدعو إلى الله, أنصحُ الناس, ولكن إذا رأيتُ إعراضاً من الناس, وتفلتاً, وانكباباً على حُطام الدنيا, وتشبثاً بالشهوات, ماذا أفعل؟ أنغمسُ معهم؟ لا والله, هذا الذي أتمناه على كلِّ أخ، إن يئستَ من مجتمعك فعليكَ بنفسك، إن يئستَ ممن حولك, فعليكَ بخاصةِ نفسك ودع عنك أمرَ العامة، إذا رأيتَ شُحاً مُطاعاً, وهوىً متّبعاً, وإعجابَ كلَّ ذي رأيٍ برأيه, فعليك بنفسك, كل إنسان يرى نفسه مِحور العالم, كل إنسان متشبث, كل إنسان مادي وشهواني وأناني, وأنا هذا رأيي, وأنا صحيح, وأنت غلطان, حينما ترى الأمور اختلطت وتداخلت, والفِتن استعرّت, عليكَ بخاصةِ نفسك, بمعنى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة الآية: 105] إنكَ لن تستطيعَ أن تفعلَ شيئاً قبلَ أن تُصلحَ نفسك, لا تقدر أن تؤثّر بمخلوق كائناً من كان, قبلَ أن تكون أنتَ في المستوى المطلوب, علينّا أن نهتم بأنفسنا، نهتم بزوجاتنا، ببناتنا، بأولادنا، ببيوتنا, إذا كلّ واحد منكم جعلَ بيته إسلاميّاً, هذا الطريق الصحيح, لأنه الضجيج والعويل والصُراخ لا يفعل شيئاً, كالذي وقفت سيارته, فجعلَ يصرخ, ويستغيث, ويعاتب الأقدار, ويتألم, ويبكي, افتح غطاء المحرك, وانظر أين العطل؟ وهذا المجتمع أساسه البيوت، أساسه الأسرة، الأسرة هي اللَبِنةُ الأولى، إذا أردتَ أن تنجوَ من عذاب الله، إذا أردتَ أن تنجوَ من الفِتن, إذا أردتَ أن تنجوَ من المِحن، إذا أردت أن تنجو من البلاء: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [سورة فُصلّت الآية: 18] سيدنا يونس: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 87-88] هذه الآية الكريمة: ﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾ إنكَ لعلى دينٍ عظيم، والمعنى الثاني: إنكَ على آدابِ القرآن . عَنْ سَعْدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: ((أَتَيْتُ عَائِشَةَ فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ, أَخْبِرِينِي بِخُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَتْ: كَانَ خُلُقُهُ الْقُرْآنَ, أَمَا تَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ قُلْتُ: فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَبَتَّلَ, قَالَتْ: لا تَفْعَلْ, أَمَا تَقْرَأُ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ؟ فَقَدْ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَقَدْ وُلِدَ لَهُ)) في نقطة دقيقة: نسمع دروساً عشرين سنة، في كتب، في أشرطة، في مؤلفات، في خُطب، يعني في ذخيرة إسلامية لا يعلمها إلا الله, ومع ذلك هناك تقصير، هناك تفلت, هناك تسريب لبعض الشهوات، تجد مستودعاً فيه ثقب, مهما تملؤه تجده فارغاً, اسمع مليون خطبة فالعبرة بالتطبيق، العبرة بالانضباط، ادخل إلى البيت, وافتح دفترك، أين المخالفات؟ المخالفات المتعلقة بالزوجة في خروجها، في مظهرها، في الاختلاط، في العلاقات، بالبنات، بالأولاد، بعملك، بكسبك, في ذممك، في واجباتك. ((يا سعدُ, أطب مطعمكَ تكن مستجاب الدعوة)) [أخرجه الطبراني في المعجم الصغير] أطب مطعمك, أفضل شيء أن نعود إلى التطبيق, كي يتجلّى الله على قلوبنا، كي نشعر بنعيم الدين، كي نشعر بلذّةِ القرب، كي نشعر باطمئنانِ الحب . قال: الآية الكريمة: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ قال: هذه الآية جمعت مكارم الأخلاق كلها, خذ العفو: أنظر لكلمة خذ، أنت معقول أن تعطي إنساناً شيئاً مؤذياً, خذ هذه الساعة, هذه إلكترونية، خذ هذا القلم، خذ هذه القطعة من الذهب، خذ هذه القطعة من الماس، كلمة خذ من خالق الكون, الملك ماذا يعطي المتفوق أو البطل؟ يعطيه قلم رصاص, يعطيه بيتاً، يعطيه سيارة، كلمة خذ من الله, معناها شيء عظيم جداً, ماذا تأخذ؟ خذ العفو .. موقف شديد الإيلام: عندما ذهب النبي إلى الطائف, ودعا أهلها, فسَخِروا منه، كذبوا دعوته، ردوّه ردّاً قبيحاً, ضربوه بالحجارة, ماذا قال؟: اللهم اهدِ قومي, لم يتخل عنهم, لم يقل: اهدِ هؤلاء, لا . اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون . ثلاثة أشياء بالدعاء: لم يتخل عنهم، واعتذرَ عنهم، ودعا لهم، أنت عندك الإمكانية أن تفعل هذا, إذا أصابك شر من إنسان, تتمنى أن تقطعه إرباً, أليسَ كذلك؟. ﴿خذ العفو وأُمر بالعرفِ وأعرض عن الجاهلين﴾ اُعفُ عمن ظلمك، اُعفُ عمن أساء إليك, يقولون: أنَّ هذه الآية الكريمة, النبي عليه الصلاة والسلام وقفَ عِندها, فسألَ جبريل: ما هذا؟ قالَ جبريل: لا أدري حتى أسأل، فسألَ جبريل ربه, ثمَ رجعَ إليه, فقالَ: يا محمد, إنَّ الله يأمركَ أن تصلَ من قطعك، وأن تعطيَ من حرمك, وأن تعفوَ عمن ظلمك. هذه خذ العفوَ، هذا الذي قطعكَ زره في بيته، هذا الذي حرمكَ أعطه، هذا الذي ظلمكَ اعف عنه، هذه الآية جمعت مكارم الأخلاقِ كُلها, إذا قُلنا: كٌلِها على الأخلاق, لأنَّ كلمة مكارم جمع وأخلاق جمع, جمعت مكارم الأخلاق, إذا قلنا: كُلّها على المكارم، إذا قلنا: كُلِها على الأخلاق . وأُمر بالعرفِ: العُرف ما جاء به القرآن, ما جاء به الشرع، أنت كمؤمن لن تستطيع أن تدعوَ إلا إلى الشرع, لأنَّ الشرع شرعُ خالق الكون، الشرع تعليمات الصانع، الشرع تعليمات هذه الآلة, فإذا أحببت نفسكَ وأُمر بالعرفِ . لكَ أعداءٌ كثيرون، قال له: يا ربي - سيدنا موسى بالمناجاة- يا ربي لا تبقِ لي عدواً، قالَ: يا موسى هذه ليست لي . لكَ أعداء، لكَ خصوم، لكَ حاسدين، لكَ ناس منتقدين . ﴿وأعرض عن الجاهلين﴾ ارتفع عن هذه المرتبة, اصعد إلى مستوى أرقى, لا تكن في هذا المستوى . ﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾ ﴿خذ العفو وأُمر بالعرفِ وأعرض عن الجاهلين﴾ قال أنسُ رضي الله عنه: ((كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ الناسِ خُلقاً)) حُكي لنا عن رجل, كان مفتي قبل خمسين عاماً في هذه البلدة, وكان من الصالحين الأتقياء, قال: كان قاضياً, دخلت عليه امرأةٌ, يبدو أنها وهي تصعد الدرج, خرجَ منها صوتٌ قبيح، فاحمرَّ وجهها, وخَجِلت خجلاً شديداً, وقالت لأختها: سمعنا القاضي, وتألمت كثيراً، فلما وصلت إليه, سألها عن اسمها, فأجابته، قالَ: ما سمعت, ارفعي صوتك يا أختي, أنا لم أسمع، رفعت صوتها, فقالَ لها: أنا ما سمعت, أنا لا أسمع, قالت لها: شايفة معناها ما سمعنا, خُلق هذا، خُلق عظيم, خجلت, لا تحرجها، كلما ارتقى مستواك, لا تُحمّر وجه أحد، لا تُحرج أحداً. النبي عليه الصلاة والسلام لمّا كان مع أصحابه, وقد تناولوا لحمَ جَذور, وأصحابه كلهم أعلام, فظهرت رائحة كريهة, وكانوا جميعاً قد توضؤوا, وصلّوا الظهر, وتناولوا الطعام, وها قد أذنَّ العصر, من هذا الذي سيقوم ليتوضأ؟ هذا يتمنى أن تنشقَّ الأرض وأن تبتلعه, فقالَ عليه الصلاة والسلام: كلُّ من أكلَّ لحمَ جذورٍ فليتوضأ, فقالوا: كُلنا أكلنا, قالَ: كلكم فليتوضأ . ما هذا؟ من أين تأتي بهذا الخُلق؟ تجد بعض الناس, يهمه أن يُحرج غيره، يضايقه، يكذبه أمام الناس, أوقعه في موقف حرج . من جاءه أخوه متنصّلاً, فليقبل منه مُحقاً كان أم مُبطلاً, كإنسان مؤمن يقول لك: أنا لم أتكلم هذه الكلمة على العين والرأس, فعلاً أنتَ لم تتكلمها وأنا قَبِلت, لا يوجد شيء يرفعكَ إلا أن تكونَ أخلاقيّاً . عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَزْهَرَ اللَّوْن,ِ كَانَ عَرَقُهُ اللُّؤْلُؤَ, وَكَانَ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ, وَمَا مَسِسْتُ دِيبَاجًا قَطُّ وَلا حَرِيرًا وَلا شَيْئًا قَطُّ أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَلا شَمَمْتُ رَائِحَةً قَطُّ مِسْكَةً وَلا عَنْبَرَةً أَطْيَبَ مِنْ رِيحِهِ)) يعني أيام تمسك يد شخص, تجدها خشنة كالمبرد، في أشخاص لهم عمل بالأقمشة, فتجد يده ناعمة, يعني عنده حساسية بالغة .. قال سيدنا أنس: ما مسست ديباجاً ولا حريراً ألينَ من كفِّ رسول الله، ولا شممت رائحة قطُّ أطيبَ من رائحة رسول الله، ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرَ سنين, فما قالَ لي قطُّ أفٍ. تجد أناساً يطرقون, يغضبون, يكسرون الصحون, ويسبّون, ويشتمون, ولقد خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرَ سنين, فما قالَ لي قطُّ أفٍ, وما قالَ لشيءٍ فعلته: لِمَ فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله: ألا فعلتَ كذا؟ متفقٌ عليه, هذه أخلاق رسول الله . يا ترى أنت مع الناس هكذا؟ مع أخوانك، مع أولادك، مع جيرانك، مع زملائك، عندك هذا اللين، الرحمة، العطف, يسألون: أنت من شيخك؟ أين تحضر؟ خذنا معك, الآن بالعكس: يقول لك: هذا الذي علّمك شيخك؟ عندما تغلط معه, يقول: هذا الذي تعلمته بالجامع؟ هكذا الدين؟ يجب أن يشتهي الناس أن يكونوا مثلك . عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الأنْصَارِيِّ, سَأَلْتُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْبِرِّ وَالإثْمِ, قَالَ: ((الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ, وَالإثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ, وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ)) [أخرجه الحاكم في مستدركه] هل لاحظتم في كل حياتكم إنساناً يمزج الماء وبالحليب أمام المشتري؟ لا أحد يعملها, أين يضعون الماء بالحليب؟ بالمنزل يعملون هذه العملية, فكل شيء تكره أن يطّلعَ عليه الناس فهو إثم, المؤمن يصل لدرجة ما في عنده ازدواجيّة أبداً, داخله مثل خارجه, بمنزله مثل الطريق, سريرته كعلانيته, ما في قلبه على لسانه, ما في لسانه في قلبه، لن تكونَ مؤمناً صادقاً إلا بالتوحّيد, أما الازدواجيّة موقفين، لسانين، موقف مُعلن، موقف حقيقي, هذا الموقف الازدواجي، وهذا الموقف التمثيلي، وهذا الموقف الخُلّبي، وهذه تتكلمها وتحلف بالله وأنتَ لستَ كذلك, ليسَ هذا من الدينِ في شيء . ((البِرُّ حُسنُ الخُلق, والإثمُ ما حاكَ في صدركَ, وكرهتَ أن يطلّعَ عليه الناس)) هذا مقياس . وفي الترمذي: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قـَالَ: ((مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ, وَإِنَّ اللَّهَ لَيُبْغِضُ الْفَاحِشَ الْبَذِيءَ)) إذا بالغ الإنسان في الاستقامة, وبالغ بالتمسك بمكارم الأخلاق، يصل لدرجة يشعر أنَّ الله يحبه, هذا الشعور لا يُقدّر بثمن, كأنه غالٍ على الله, يشعر عندما قال الله: فإنكَ بأعيننا, كأنه كذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [سورة مريم الآية: 96] أن يكون له مودة مع أعلى إنسان بالبلد, يدخل عليه متى شاء, تجده يخوّف الناس كُلّهم, فما بالك إذا كان خالق الكون يحبك؟ يرضى عنك؟. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [سورة الفتح الآية: 18] ألا تغار من الصحابة الكِرام؟ والباب مفتوح أن يرضى الله عنك، مفتوح الآن في هذا العصر، ليس لكَ زوجة، ليسَ لكَ أقرباء، ليسَ لكَ أخوات, ليسَ لكَ أم، ليسَ لكَ أب، ليسَ لكَ جيران، ليسَ لكَ مهنة تكون نصوحاً فيها, صادقاً فيها, كريماً, رحيماً. أيام تدخل امرأة فقيرة على صيدلية, ينقصها ليرتين, يقول: اذهبي وأحضريهما، ليرة أيام اذهبي وأحضريها، تكون امرأة عجوز, أليس عندكَ رحمة؟ قل: سامحتك .. فكلما ارتقى الإنسان ينشأ في قلبه رحمة، ينشأ تسامح، ينشأ عطف، وهذا كله من الخُلق، تقل مُبالغ في الموضوع .. كتاب قرأته قِراءة متينة جداً وحفظته, تناقش فيه كلّ الناس, لا تظن أنَّ الله راضٍ عنك ، العلم ضروري جداً, والعالم على العين والرأس، أما لو كان الذي قرأ الكتاب وحفظه وفهمه أخلاقه سيئة ما أُفلح . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ: تَقْوَى اللَّهِ, وَحُسْنُ الْخُلُقِ, وَسُئِلَ عَنْ أَكْثَرِ مَا يُدْخِلُ النَّاسَ النَّارَ؟ فَقَالَ: الْفَمُ وَالْفَرْجُ)) هذا اللسان؛ الكذب، الغيبة، النميمة، السخرية، الفحش، البذاءة، الدجل، التزوير، التدليس, سُباب، شتائم، هذا اللسان . الفم: أهم شيء الداخل من لقمة حرام, والخارج من كلمة سوء. أكثر ما يُدخل الناس النار الفمُ والفرجُ, شهوة الطعامِ وشهوة الفرجِ, وأكثر ما يُدخل الناسَ الجنة: تقوى الله وحُسنُ الخُلق . عَنْ عَائِشَةَ رَحِمَهَا اللَّهُ قَالَتْ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ)) صام يوم عاشوراء, وخلقه ضيق, وآخر لم يصم، الأخلاقي الذي خلقه حسن لو لم يصم سبق الصائم، واحد صلى قيام الليل, وفي اليوم الثاني خلقه ضيق ويسب ويشتم, والذي لم يصل قيام الليل وبقي نائماً, وفي اليوم الثاني خلقه حسن أفضلُ منه، أما الأفضل من هذا وذاك, من صلى قيام الليل وكان خلقه حسناً, هذا أفضل طبعاً . عَنْ جَابِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلاقًا, وَإِنَّ أَبْغَضَكُمْ إِلَيَّ وَأَبْعَدَكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ وَالْمُتَفَيْهِقُونَ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَلِمْنَا الثَّرْثَارُونَ وَالْمُتَشَدِّقُونَ, فَمَا الْمُتَفَيْهِقُونَ؟)) [أخرجه الترمذي في سننه] هناك جبابرة, المتكبرون مقطوعون عن الله عزّ وجل . هذا الموضوع طويل إن شاء الله, يحتاج إلى درس قادم, على كُلٍ؛ من الأخلاق الأساسيّة: الصبر، والعِفة، والشجاعة، والعدل، ومن أساسيات الانحرافات الأخلاقيّة: الجهل، والظلم، والشهوة، والغضب, وأساس الأخلاق: أن تكونَ بين الإفراط والتفريط، هذه كلها موضوعات إن شاء الله نأخذها في درس قادم . على كلٍ؛ ليس لهذه الدروس من قيمةٍ إطلاقاً, إلا إذا تجسدت في السلوك، إلا إذا طُبقت في البيوت, إلا إذا طُبقت في الطريق، إلا إذا طُبقت في الحوانيت، في الدوائر، في المعامل، في المصانع، في المتاجر، في المزارع, إلا إذا طبقتَ هذه الأخلاقَ في حياتكَ اليومية، عندئذٍ تقطفُ ثمارها . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#8 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : السماعالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثامن ) منزلة السماع : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس الثامن من دروس مدارج السالكين, منزلة اليوم هي: منزلة السماع, الإنسان لـه نشاطات أساسية، فهو يتكلم, فهناكَ أحكامٌ كثيرة جداً ذكرهـا النبي عليـه الصلاة والسلام متعلقـةً بالكلام؛ الغيبة، والنميمة، والفُحش، والبذاءة، والتغرير، والكِبرُ، وما شاكلَ ذلك, وحسبكم قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( لا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ, وَلا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ, وَلا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ )) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ] الحديث والكلام نشاطٌ أساسي من أنشطة الإنسان, النظر أيضاً نشاط من أنشطة العين, لذلك وردت آياتٌ وأحاديث تتعلق بموضوع النظر، لكن منزلة اليوم هي: منزلة السماع . . كلكم جميعاً أتيتم إلى بيتٍ من بيوت الله ، أتيتم لماذا ؟!! كي تأكلوا ؟!! لا والله . كي تتكلموا ؟!! لا . كلكم يسمع . إذاً : السماع نشاط , نشاطٌ أساسي أن تستمع . هناكَ أماكن لهوٍ يأتيها الناس من كلِّ جانب ليستمعوا إلى الموسيقا . هناك أماكن أخرى يأتيها الناس من كلِّ جانب ليستمعوا إلى حِوار بين الممثلين . هناك أماكن يأتيها الناس من كلِّ جانب يستمعون فيها إلى الغناء . هذه الأذن لها نشاطات عديدة ، أما أن تأتي بيتَ الله عزّ وجل لتستمعَ إلى الحق , فهذا نشاطٌ أثنى الله على فاعليه . قبلَ أن نَخوضَ في الموضوع , أريد أن أضع بين أيديكم هذا المثل , يعني أنت إما أن تأتي إلى بيتٍ فيه طبخٌ نفيس, فتأكلَ من الطعام ما لذَّ وطاب, دون أن تبذلَ جهداً إطلاقاً, تجلس على المائدة، توضع لكَ المقبلات، ألوان الطعام الفاخر، تأكل، تتذوق، تشعر باللذة، تُحس بالشبع، وإما أن تذهبَ إلى السوق, وأن تختار الخضار، وأن تغسلها، وأن تُقطّعها، وأن تطبخها، وأن تنتظر الساعات الطويلة كي تنضج، يعني إما أن تصنع طعاماً أنت, وإما أن تأكله جاهزاً، فإذا أردتَ أن تُفكّرَ أنتَ في الكون، أن تستخدمَ عقلكَ في الكون، أردتَ أن تتأمل, أردتَ أن تبحثَ بحثاً ذاتياً, فهذا نشاط العقل، أو أن تستمعَ إلى الحق جاهزاً: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [سورة ق الآية: 37 ] سنأتي بعدَ قليل على مرتبة السماع، أتكفي وحدها أم أنها مفتاح العِلم؟ بعد قليل يتضحُ كلُّ هذا, على كُلٍ؛ السماع اسمُ مصدرٍ كالنبات، الله سبحانه وتعالى أمرَ به . أنتم الآن تُنفذونَ أمرَ الله عزّ وجل, الله سبحانه وتعالى أمرَ به في كتابه, وأثنى على أهله, وأخبرَ أن البشرى لهم . نحن اليوم في منزلة السماع , عبادةٌ من أرقى العبادات . أن تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله , وتُلقي أذناً صاغية . الآية الأولى : ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [سورة البقرة الآية: 285] الآية الثانية : ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة الزمر الآية: 18] هذه آية خبر, لكنها جاءت في معرضِ الأمر . الآية الثالثة : ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة مريم الآية: 38] صيغة أسمع بهم , هذه صيغة تعجب ، تقول : ما أعدلَ القاضي أعدلّ به ، ما أجملَ القمرَ أجملّ به ، فصيغة أجملّ به , هذه صيغة من صيغ التعجب , يعني ما أشدَّ صممهم في الدنيا ! وما أشدَّ سمعهم في الآخرة !. ﴿أسمع بهم وأبصر﴾ كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب : إذا قرأت القرآن, لا تظن أنَّ الأمر؛ أن تصومَ, وأن تصلي, وأن تَحُجَ, وأن تُزكي، أيّةُ صيغة أمرٍ في القرآن تقتضي الوجوب، مرتبتها كمرتبـة الصلاة، إذا قرأتَ القرآن ومرّت بكَ صيغة أمر, فعل أمر, أو فعل مضارع قبله في لام الأمر, أو صيغة خبرية جاءت في معرض الأمر مثلاً : ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آَتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة البقرة الآية: 233] يعني: أيتها الوالدات أرضعنَّ أولادكن، يجب أن تعرفَ معنى الأمر في البلاغة، في أمر وجوب, وأمر ندب, وأمر تهديد, وأمر استحسان, وأمر إنكار .. إلى آخره، لكن يجب أن تعرف أنَّ هذا أمر إلهي يقتضي الوجوب . الآية الرابعة : إذا تلوتَ قوله تعالى : ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 108] اسْمَعُوا : فعل أمر . ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا ﴾ الآية الخامسة : وقال تعالى : ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة التغابن الآية: 16 ] الآية السادسة : وقال تعالى : ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 46 ] الآية السابعة : ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [سورة الزمر الآية: 17-18] الآية الثامنة : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 204] السماع هنا غير الإنصات ، السماع شيء والإنصات شيء آخر , قد تنصت وعقلكَ يجول في موضوعاتٍ شتى ، أما الأمر أن تستمع وأن تُنصت ، يعني أن تسكت وأن تُعمِلَ فِكركَ في هذا الذي تسمعه ، أن تتدبر هذا الذي تسمعه . ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا ﴾ الآية التاسعة : وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 83] يعني أنت إذا ارتديت ثيابك , وأتيتَ بيتَ الله عزّ وجل , لتمارسَ عبادةً اسمها السماع , فأنتَ في عبادة , وأنتَ في ذِمة الله , والملائكة تضعُ أجنحتها لكَ يا طالبَ العلم , وهم في مساجدهم والله في حوائجهم ، ست آيات أنتَ مأمورٌ أن تستمع . الفرق بين الإسماع والسماع : أما البِشارة التي سأزفها لكم : أنَّ الإسماعَ من الله , والسماعَ من العباد , دليلٌ قطعيٌ على أن الله عَلِمَ في الإنسان الخير، ما دام قد أسمعكَ الحق، ما دام قد سمحَ لكَ أن تأتي إلى بيت الله، ما دام قد أنطقَّ المُتكلّم بالحق, وجعلك تستمع الحق, فهذه بِشارةٌ لك , الدليل : الإسماع من الله والسماع من الإنسان دليل خيريّة الإنسان , دليل قطعي , يعني ما دام الله عزّ وجل ساقكَ إلى بيت الله , وأنطقَ المتكلّم بالحق , وجعلكَ تستمعُ إليه ، قبلَ أن تفعلُ شيئاً , ما دامَ هذا قد حدث , فهذا دليلٌ قطعيٌ على أن الله : ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 23 ] الآية هذه فيها دليل قطعي ، حينما ساقكَ إلى سماعِ الحق , وحينما أنطقَ المتكلّم بالحق , فهذا دليلٌ قطعيٌ وبِشارةٌ أزفها إليكم جميعاً , والدليل : القرآن الكريم : ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ ﴾ لو أنه أسمعهم وليسَ فيهم الخير ماذا يحدث ؟ أسمعته الحق وليسَ فيه الخير ماذا يحدث ؟ . ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أعرضوا، استهزؤوا، سخروا، سئموا، ملّوا، استكبروا، هذا كلام نعرفه، هذا كلام ليسّ لهذا الزمان، مشغولون، عندنا أعمال كثيرة جداً. ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ الله سبحانه وتعالى أخبرَ عن أعدائه أنهم هجروا السماع , فقالَ تعالى : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [سورة فُصّلت الآية: 26] بيّنوا أخطاء ، بيّنوا تناقضات . ﴿ لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ ﴾ هؤلاء الذين ينهون عن السماع هم أعداء الله عزّ وجل، فكلّ إنسان يصرفكَ عن مجالس العلم، يثنيكَ عن حضورها، يُزهّدكَ فيها، يُقللُ شأنها في نظرك، يُبعدكَ عنها، يدعوكَ إلى سمر, إلى طرب, إلى نزهة, على حساب هذه المجالس, هذا من أعداء الله عزّ وجل بالآيات القرآنية القطعية . أيها الأخوة ؛ العلماء يقولون : إنَّ السماع رسول الإيمان إلى القلب ، السماع رسول وداعيه ومُعلّم ، وكم في القرآن من قوله : أفلا يسمعون ؟ ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آَذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [سورة الحج الآية: 46] ربما كانت النجاة في سماع الحق, الإنسان قد يبلغُ صدقه درجةً, يبحثُ هو عن الحق بدافعٍ ذاتي؛ يتأمل، يفكر، يبحث، يناقش، يحاور، هذا الحق, هذا الصدق في طلب الحق، إذا بلغَ مرتبةً عاليةً, صارَ صاحبه يبحثُ ذاتياً عن الحق, مبادرةً منه, في درجة أقل؛ أنكَ إذا سمعتَ الحق تُسرُّ به، جاءك الحق جاهزاً, كما قلتُ قبل قليل: إما أن تأكل طعاماً طيباً لذيذاً نفيساً دونِ جهدٍ, ولا دفعِ ثمنٍ, ولا طولِ وقتٍ, ولا معاناةٍ, ولا مشقةٍ, وإمّا أن تصنعَ أنتَ الطعام. هناك وضعٌ يجمعُ بين الشيئين, أنا الذي أراه: أنَّ البحثَ الذاتي لا يُقدّرُ بثمن, ومن أخذ البلاد بعد حرب, يهون عليه تسليم البلاد, كلّ شيء يأتيك بلا جُهد, تنساه سريعاً، تزهد به كثيراً، يتفلتُ منك، أما الذي يأتيكَ بجهدٍ جهيد لا تنساه أبداً, هل هناكَ حلٌ للجمعِ بينَ ميزةِ السماع السهلة البسيطة وبين ميزة التأمل الصعبة؟ قدّرَ الله عليك أن تستمعَ إلى الحق, لا أن تصنعه، لا أن تؤلفه، هل هناكَ من حالةٍ بالإمكان أن أجمع بين ميزات السماع وميزات العقل والتأمل؟ أن أحضر مجالس العلم, وأن أتأمل فيما قيل, وأن أُناقش, وأن أُدقق, وأن أُحقق, وأن أسأل, وأن أستوضح, وأن أُقيّم, وأن أُثمّن, وأن أُحاور, وأن أكتب, وأن أقول؟ عندئذٍ تتبنى هذه الأفكار . لا بد للأخ الكريم من جلسةٍ في الأسبوع، إما وحده أو مع صديقٍ له، يتذكرُ ما قيل، يناقش فيما قيل، يُرسّخُ ما قيل، هل حولَ هذا التوجيه دليلٌ قرآني؟ يعني أنت مأمور بعد ما حضرت مجلس علم وتعبت, مأمور أن تقعد مع أخيك، أو مع زوجتك، أو مع صديقك، أو مع من يلوذ بكَ, وتقول له: تعالَ ندرس ماذا قيلَ في هذا الدرس؟: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾ [سورة سبأ الآية: 46] من رسول الله، في هذا القرآن، في هذه السُنّة . ﴿ مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ ﴾ نحن بحاجةٍ إضافةً إلى سماع مجالس العلم, إلى جلسة، إلى تأمل، إلى تحقق، إلى تبصر، إلى تدقيق، إلى سؤال، إلى جواب، إلى محاورة، إلى تفحص، إلى تفنيد, هذه كلها من دواعي أن يرسخَ العلم . لو فرضنا أنكَ تحضر مجلس علم منذ عشر سنوات، لو كنتَ في سهرةٍ, في ندوةٍ, في احتفالٍ, في نزهةٍ, وأنت مظنة صلاح, وأنت طالب علم, وأنت من تلاميذ فلان, وأنت من رواد المساجد, يقولون لك: أخي حدثّنا تفضل, يجد نفسه لا يستطيع أن يقولَ شيئاً, أين هذه الدروس؟ أين إعجابك؟ أين تأثرك؟ أين بُكاؤك؟ هذه مشاعر آنيّة رافقت الدرس, أما إذا جلستَ جلسةً متأنيّة, تأملّتَ فيما قيل، راجعتَ ما قيل، تبصّرت فيما قيل، دققت، تحققت، سألت، أجبت ، ذاكرت، هذه الحقائق تملكها . هناك شيء تسمعه ويتفلتُ منك, وهناكَ شيء تملكه, الذي أراه أنكَ إذا تأملّتَ فيما سمعت وحدكَ أو معَ أخيك, فهذا من أسباب أن تملك الذي سمعته . تقرأ كتاباً ممتعاً جداً، تقرؤه خلال أربعة أيام، وأنتَ في غاية المتعة، قرأته وانتهى الأمر، لو قالَ لكَ إنسان: ماذا فهمتَ من هذا الكتاب؟ تقول له: واللهِ كتاب رائع، كتاب ممتع، كتاب لطيف، استمتعتُ به, ماذا تذكر من أفكاره؟ هنا تقع في حرج, والله يا أخي لا أتذكر شيئاً, هذه القراءة بهذا الجهد البسيط لا تجدي, ولا تُقدّم ولا تؤخّر، أما لو كلما قرأتَ فكرةً, وقفتَ عندها, وتأملتها, ولخصّتها, ملكتَ الكتاب, وأنتَ في الطريق، وأنتَ مع صديق، وأنتَ في سهرة، وأنتَ في نزهة، وأنتَ في سهرة، وأنتَ في جلسة، بإمكانك أن تقول: قال المؤلف كذا وكذا, وجاء بالدليل الفلاني, وبيّن رأيه كذا . لذلك: أيّ سماع دون جهدٍ, فإنَّ هذا المسموع سريعاً ما تنساه . لذلك قالوا: إنَّ ثلاثاً وتسعينَ بالمئة مما تقرؤه تنساه بعدَ سبعة أيام، لا بد من التحقق، لا بد من المُدارسة أنتَ ومن تُحب, على مستوى صديقين، على مستوى قريبين، على مستوى جارين، على مستوى بلدة، على مستوى قرية، على مستوى حي، على مستوى مهنة، على مستوى حرفة، لا بد من المذاكرة حتى يرسخَ هذا العلم, وإذا رَسَخَ هذا العلم ملكته, فإذا ملكته حدثّتَ به، فإذا حدثّتَ به زكا, العلم يزكو على الإنفاق . قال له: يا بني العلم خير من المال, لأنَّ العِلمَ يحرسكَ, وأنتَ تحرس المال, والمال تُنقصه النفقة, والعلم يزكو على الإنفاق, يعني يزداد على الإنفاق . قال : السماع أصلُّ العقلِ . والكفر أنواعٌ ثلاثة : كفرٌ جهلي ، وكفرٌ جحودي ، وكفرٌ حُكمي . إذا الإنسان أمسكَ بالمصحف, ورماه على الأرض, فهذا كافر ولم يتكلم ولا كلمة, هذا كافر حُكماً . أما إنسان مصالحه بالكُفر , فهو يردُّ الحقَّ جحوداً واستكباراً , هذا اسمه كفر جحودي أو عِنادي . لكنَّ الكفر الجهلي : الإعراض عن التأملُ في خلقِ السموات والأرض , والإعراض عن سماعِ ما يقوله العلماءُ في الدين . عدم السماعِ طريقٌ إلى الكفرِ الجهلي . عدم السماع ، الإعراض عن السماع , الانصراف عن السماع ، طريقٌ إلى الكُفرِ الجهلي . ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ [سورة يوسف الآية: 17] .. وما أنتَ بمصدّقٍ لنا, الإنسان يصدق ماذا؟ شيء يعرفه, كل خِبرة عِشتها، كل تجربة ألمّت بك، إذا قرأتَ عنها تتفاعل معها . لو فرضنا امرأةٌ لا تنجب, عِندها مشاعر مؤلمة، عندها طموحات، عِندها تمزقات، عِندها شعور بالقلق، عِندها اضطراب، لو أنَّ هذه المرأة قرأت قِصةً, تُعالج مثيلاتها, لتفاعلت معها ولبكت, الإنسان متى يبكي؟ إذا قرأ قصته، إذا قرأ مأساته، إذا قرأ مشاعره . لماذا في عقود القِران يقف المنشدون, وينشدون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ لماذا ترى إنساناً يبكي ويذوب بكاءاً, وإنسان عينه لا تدمع؟ هذا الذي يبكي, عاشَ هذه المعاني التي قالها المنشدون, فحرّكت فيه المشاعر، أما هذا الذي لم يبك, بعيدٌ عن هذه المعاني، لهذا قالَ بعضُ الحكماء, قال: الشعر والإنشاد مصباحٌ كمصباح علاء الدين, يكشفُ لكَ عن كنوزكَ المخبوءةِ في أعماقِ نفسك, ولكنه ليس بالكيس المملوء الذي يفرغُ في خزائنكَ الخاوية ". الذي عنده حب لله, إذا سَمِعَ شعراً, يصفُ الحبَّ لله عزّ وجل, ذابَ قلبه شوقاً، فمشاعركَ متعلقة بخبراتك، فأيُّ شيء حرّك لكَ هذه الخبرات, نقل لك هذه المشاعر . .. مثلاً: رِثاء ولد, في شعر عباسي أموي رائع جداً في رِثاء الأولاد، من الذي إذا قرأ القصيدة يبكي ويجهش في البكاء؟ هو إنسان فَقَدَ ابنه, وقرأ هذه القصيدة, إذاً: يتجاوب معها, يشعر . السماع أصلُ العقل , وأساس الإيمان الذي انبنى عليه , وهو رائدُ الإيمان وجليسه ووزيره ، أما المشكلة في المسموع , تسمعُ ماذا ؟ لا يوجد سهرة على مستوى الأرض إلا وفيها كلام, تسمع أحياناً حديثاً فيه غيبة، حديثاً ساقطاً عن النساء, طُرفاً لائقة وغير لائقة، أخباراً معينة، حكايات، قصصاً مسليّة، فالإنسان يسمع دائماً, لكنَّ البطولة تسمع ماذا؟. أنواع أصحاب السماع : 1-صنف يسمع بطبعه ونفسه وهواه : قال: أصحاب السماع هؤلاء الذين يسمعون, أصناف ثلاثة, قال: صِنفٌ منهم يسمع بطبعه ونفسه وهواه, هذا يحب الغناء, يعشق هذا المغني أو هذه المغنية, يعشق هذه المسرحية أو هذه التمثيلية, هذه القصة, يسمع بشهوته، يسمع بطبعه، يسمع بهواه، هذا سماعه متعلقٌ بشهوته، لذلك إذا أدمنَ السماع انتهى كإنسان . في إنسان قال: بعض المآسي العامة للشعوب سببها: انغماس الناسِ في الغناء، يعيشون سكارى في الغناء, أصبحوا يلهون بعد أن كانوا جادين . 2-صنف يسمع بعقله لا بشهوته : النوع الثاني: قال: هناك من يسمع بحاله وإيمانه ومعرفته, وعقله لا يسمع إلا القرآن، لا يسمع إلا أقوال الصحابة، لا يسمع إلا الحق، لا يسمع إلا العلم، هذا يسمع بعقله لا بشهوته، الشهوة تحتاج لغناء, ولطُرف, ولأعمال فنية, وتمثيليات, ومسرحيات, ومسلسلات, هذه شهوة الإنسان, أما بعقله فيسمع الحق، يسمع كتاب الله عزّ وجل, لا يجتمعُ في الإنسانِ قرآنٌ وغِناء, لأنَّ كُلاً منهما يطرد الآخر، القرآن يطرد الغناء, والغناء يُبعد القرآن، فهؤلاء الذين يدمنون سماع الغناء, يسأمونَ من القرآن، يملّونَ منه، يضجرونَ منه, لا يجتمع غناءٌ وقرآن, وقد قالَ عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ, وَزَادَ غَيْرُهُ يَجْهَرُ بِهِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما] 3-منهم من يسمع بالله لا يسمع بغيره : النوع الثالث: منهم من يسمع بالله لا يسمع بغيره, كما في الحديث القدسي: ((فبيَّ يسمع وبيَّ يُبصر)) يعني يُبصر بنور الله, ويسمعُ بالله عزّ وجل, هذا أرقى أنواع السماع، يعني عندئذٍ يسمعُ ما لا يسمعه الآخرون . النبي عليه الصلاة والسلام دخلَ بستانَ أنصاري, فرأى جملاً، هذا الجمل لمّا رأى النبي عليه الصلاة والسلام حنّ, يعني ذرفت عيناه، تقدّمَ منه النبي, ومسحَ ذفرتيه, وآنسَ الجمل, وقال: من صاحبُ هذه البهيمة؟ ائتوني به, بعد قليل جاء فتى من الأنصار, قالوا: هذا صاحب الجمل, قالَ: يا هذا ألا تتق الله في هذه البهيمة التي ملّككَ الله إياها؟ فإنه شكا إليّ أنكَ تجيعه وتُدئبه. شكا إليّ: هذه مرتبة السماع تسمع بالله . أحياناً تسمع الأصوات العذبة, وكأنها تُسبّح الله عزّ وجل، في وقت الفجر تسمع صوتَ العصافير, هناكَ من يسمعُ صوتَ العصافير, وهناكَ من يسمعُ تسبيحاً للهِ, من خلال هذه الأصوات . في شيء يقوله عامّة العلماء: ثلاثة في الطريق, وإنسان يبيع زعتر بري، واحد سمع انظر ترى بِرّي, وواحد سمع الآن ترى بِرّي, وواحد سمع ما أعظم بِرّي, أنت سمعت كما أنتَ على الشيء لا كما هو عليه, لأن مرتبتك سمت, قالَ عليه الصلاة والسلام: ((أعرف حجراً بمكة, كانَ يسلّم علي ّوأسلّمُ عليه, ولمّا انتقل من جذع النخلة إلى المِنبر, حنَّ إليه الجذعُ, فكان يقفُ على المِنبر, ويضع يده على الجِذعِ, إكراماً له)) لأنه حنَّ إليه . ينشأ أيام بينك وبين الطبيعة مشاركة وجدانية كلما شفّت النفس, قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ حَنْظَلَةَ الأسَيِّدِيِّ قَالَ: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِنَّا إِذَا كُنَّا عِنْدَكَ كُنَّا, فَإِذَا فَارَقْنَاكَ كُنَّا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ, فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَوْ كُنْتُمْ تَكُونُونَ عَلَى الْحَالِ الَّذِي تَكُونُونَ عَلَيْهَا عِنْدِي, لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ, وَلأظَلَّتْكُمْ بِأَجْنِحَتِهَا)) أصحاب السماع ثلاثة : منهم من يسمعُ بشهوته , وهناك من يسمع بعقله ، من مجلس علم إلى مجلس علم, من قرآن , إلى حديث , إلى سيرة , إلى سير الصحابة , إلى موضوع علمي , يسمع بعقله , هذا ينمو نمواً كبيراً جداً . أما النوع الثالث : هؤلاء يسمعون بالله , هي كرامات . .. ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ * فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [سورة النمل الآية: 18-19] إذا شفّت نفسه وضعت, يتفاعل مع المخلوقات . أحد الشعراء يركب فرسه أثناء الحرب, وجاءت السهام إلى صدر الفرس: فازور من وقع القنا بلبانه وشكا إلي بعبرة وتحسم ازوّر: تألمَ هذا الفرس, لو كان يدري . ما المحاورة اشتكى ولكان لو علمَ الكلام مُكلّمي يضرب إنسان هـرة, تبتعدُ عنـه, وتنظر إليه, وكأنهـا تخاطبـه, ماذا فعلتُ لكَ؟ لماذا ضربتني؟ فكل ما ارتقت مشاعر الإنسان, يُحس على الآخرين ما يدور في خَلَدهم . يا أخي أُطمئنك, المؤمن يرى ما لا يراه الآخرون، ويسمع ما لا يسمعون، ويعقل ما لا يعقلون، ويفكر بما لا يفكرون، ويشتهي ما لا يشتهون، ويخاف ما لا يخافون, هذا مؤمن عرفَ الله، عرفَ الدنيا، عرفَ حقيقتها، عرفَ مهمته فيها، له أفكاره، له مشاعره، له أحاسيسه ، له قيّمه، له طموحاته . أنواع المسموع : 1-مسموع يحبه الله ويرضاه وأمر به: أما المسموع قال : مسموعٌ يحبه الله ويرضاه، وأمرَ به عباده, وأثنى على أهله, ورضيَ عنهم به . كان الشيخ بدر الدين -رحمه الله- هذا كان شيخ الشام من أشهر المشاهير, كان لا يستطيع أحدٌ أن يقول كلمةً عن إنسان في مجلسه, يعني أول كلمة: اسكت, اسكت أظلم قلبي, فكل ما كان مجلسك مجلس علم ووقار وحلم، مجلس دعوة إلى الله، مجلس بيان عن الله عزّ وجل، مجلس إرشاد، مجلس أمر بالمعروف ونهي عن المُنكر، كلما كنتَ في درجة أرقى . 2-مسموع يبغضه ويكرهه ونهى عنه : قال : مسموعٌ يحبه الله ويرضاه, وأمرَ به عباده, وأثنى على أهله, ورضيَ عنهم به، ومسموعٌ يبغضه ويكرهه, ونهى عنه, ومدحَ المعرضين عنه . 3-مسموع مباح : ومسموعٌ مباحٌ, أخي كم اليوم الحرارة؟ والله 8-3 خير إن شاء الله, كم كانت كمية المطر في بلدكم؟ 23 ميليمتر, هذا مسموع لا حرام ولا حلال, ما أسعار الخضار اليوم؟ في مسموع مباح, مسموع يحبه الله ويرضاه، مسموع يبغضه ويكرهه . قال: هذا المسموح مباح مأذونٌ فيه لا يحبه ولا يبغضه . النبي الكريم دخل إلى مسجد, رأى رجلاً تحلّقَ الناس حوله, قال: من هذا؟ قالوا: هذا نسّابة -فالنبي بأسلوب تربوي- قال: وما نسّابة؟ فقالوا: هذا يا رسول الله يعرف أنساب العرب, قالَ: هذا عِلمٌ لا ينفعُ من تعلّمه, ولا يضّرُ من جَهِلَ به . في أشياء لا تُقدّم ولا تؤخّر, والإنسان وقته ثمين, قال: حكمه حُكمُ سائر المباحات من المناظر والمشام والمطعومات والملبوسات . إذا أنت في مجلس, وتكلم أحدهم في موضوع, وقع, أخي أنهي لنا الحديث, أنت أهنته، لم يتكلم شيئاً حراماً، لم يتكلم غيبة ولا نميمة ولا كذباً، لمّا أنت أسكته فقد أهنته، هذا مباح لا إثم فيه، بالعكس كان النبي يسمع، يسمع من التجّار, ويحدثهم بالتجارة أولاً, ثم عن اللهِ ثانياً . فمن أساليب الدعوة: إذا أنت بمجلس, في موضوع عن المياه, عن الأمطار, عن البركان الفلاني, عن الخبر الفلاني, أنت ليسَ لكَ حق أن تُعرض عنه، تشمئز من حديثه, ما دام مُباحاً، ما دام مُباحاً استمع معهم, كُن أديباً في استماعك, وتراه يُصغي للحديث بسمعه وبقلبه, ولعله أدرى به, اسمع معهم, ثمَّ دُلّهم على الله عزّ وجل، هناك أشخاص متزمتون, لا يسمح أن تتكلم كلمة, هو يتكلم أو كما يريد هو, اسمعوا الآية الكريمة: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159 ] من هو؟ الحديث عن من؟ عن رسول الله, هذا سيد الخلق، هذا الذي يوحى إليه، هذا المعصوم، ومع ذلك: ﴿ولو كنتَ فظاً غليظَ القلبِ لانفضوا من حولك﴾ فمن أنت إذاً؟ أنت لا يوحى إليك، ولا في معك معجزة، ولست بمعصوم، ولستَ على خُلق عظيم، فإذا كان الذي على خُلقٍ عظيم, ويوحى إليه, والمعصوم, وسيد الخلق, أمره الله عزّ وجل, قال له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159] ﴿ولو كنتَ فظاً غليظَ القلبِ لانفضوا من حولك﴾ أنت: من أنت؟ ليسَ معك سُلطة أن تعمل شيئاً, الذي معه سُلطة, مأمور باللطف والإنسانية, والحلم والمغفرة والعفو, فأنتَ لا تملكُ شيئاً . قال: فمن حرّمَ هذا النوعَ الثالث, فقد قالَ على الله ما لا يعلم, الذي يُحرّم كلاماً مُباحاً لا حراماً ولا حلالاً, قالَ: على الله ما لا يعلم وحرّمَ ما أحلّه الله، ومن جعله ديناً وقربةً؟ يقول لك: الشغل عبادة, يتكلم للساعة الواحدة بالشغل, والأسعار, والصفقة الفلانية, وفلان ربح كذا, وفلان لم يربح, وفلان ضرب فلاناً, فقد كذبَ أيضاً, وشرعَ ديناً لم يأذن به الله, وضاهى بهذا المشرك, في كلام يحبه الله، وكلام لا يحبه الله، وكلام مُباح . عِندنا السماع الإيماني، نريد السماع المطلوب، أنت جلست جلسة، كنت بحفلة, بنزهة, بسهرة, بجلسة, باجتماع, راكب مركبة عامــة إلى حلب خمس ساعات بجانبك رجل, يهمك أن تعرف السماع ما حُكمه؟ قال: السماع الذي مدحه الله في كتابه, وأمرَ به, وأثنى على أصحابه, وذمَّ عنه المُعرضين, ولعنهم, وجعلهم أضلَّ من الأنعام, قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [سورة المُلك الآية: 10] السماع طريقٌ للنجاة، طريقٌ للنعيم: ﴿لو كنّا نسمع ما كُنا في أصحاب السعير﴾ الإعراض عن سماع الحق طريقٌ إلى جهنم، وسماع الحق طريقٌ إلى الجنة . قال: هو سماعُ آياته المتلوة، سماع القرآن الكريم, هذا المنهج, هذا الكتاب المقرر، هذه تعليمات الصانع، هذا الكتاب الذي فيه قوانين الله عزّ وجل . إذا واحد أحب أن يفتح شركة تجارية في دولة أجنبية, أول شيء يطلب نظام التجارة في هذا البلد، فأنت في كون الله, أول شيء يجب أن تعرفه: قانون الله في أرضه؛ الحلال، الحرام، المكروه، المندوب، المُباح، الواجب، الشيء المُجدي، غير المُجدي، الحق، الباطل، الخير، الشر . أنواع السماع : 1-سماع إدراك : قال: هذا السماع ثلاثة أنواع؛ سماع إدراك، وسماع فهمٍ وعقلٍ, وسماع إجابةٍ وقبول, أنت مثلاً جالس في محاضرة, وتكلّم المًحاضر عن بعض أمراض القلب، أحياناً وأنت جالس, سمعت بأدب, وسمعت ناقل أو حكى عن أعراض الدخان, عن مضار الدخان, هذا المحاضر , محاضرة دقيقة بليغة, فيها حقائق علمية, عرض عليك صور عمليات جراحية بالرئتين, آثارها بالقلب, بالأوردة, بالشرايين, أما محاضرة رائعة, وهذا الإنسان السامع يُدخن, سمعها وفهمها, لكن لم يترك التدخين, ما نقول لهذا السماع؟ نقول: هذا سماع إدراك، أدرك هذه المحاضرة وفهمها, لكن لأنه لم يُقلع عن التدخين, نقول: أنتَ استمعتَ إليها سماعاً بدائياً من الدرجة الأولى . 2-سماع فهم وعقل : يأتي إنسان ثانٍ يسمع المحاضرة, معناها الدخان يرفع لي التوتر الشرياني، والدخان يُرسّب المواد الدهنية بالشرايين، والدخان يُقرّب أجلي, عن الدخان يضيق الدسامات، والدخان يُسبب احتمال سرطان بالشفتين والرئتين .... معقول أن أكون عبداً لهذا الدخان؟ معقول أن يكون مسيطراً علي؟ هنا سمع وتدبّر وعقل، هذا سمع المحاضرة بمستوى أرقى, الأول سمع وفهم فقط, هذا سمع وفهم, وأجرى محاورة، أجرى مناقشة، أجرى تقييم، ثمّن الأفكار، وازنها، نظر إلى وضعه، إلى سنه، إلى دخله، أولاده، قيمة صحته، يا ترى صحتي أغلى أم الدخان أغلى؟ لمّا دخل التأمل والتدبر, هذا سماع من نوع ثانٍ . 3-سماع إجابة وقبول : أما عندما أمسك بعلبة الدخان, ووضعها في سلة القمامة, وقال: يا ربي عهداً لك أن لا أذوقَ هذه بعدَ اليوم, هذا السماع المطلوب . سمّوا العلماء أول سماع: سماعَ فهمٍ, والثاني: سماع تدبر, والثالث: سماع استجابة . في آية قرآنية تؤكد هذا المعنى, أنه سمع هذه المحاضرة, ولكن كأنه لم يسمعها, إذا مشى رجل في طريق ببستان, على كتفه عقرب, قال له أحدهم: يا أخي انتبه, على كتفك في عقرب وخطير, فقال له: شكراً جزيلاً, وأنا شاكر جداً لهذه الملاحظة, خبرني من أين أنت؟ والعقرب على كتفه, أنا والله شاكر لك، يا ترى سمع ما حكى له؟ لا, هو سمع, لكن إما لم يفهم، أو لغته غير عربية، أو لا يعرف ما العقرب؟ لو أنه فهم عليه, وتأملَ معنى كلامه, كان قفز مباشرة ولم يكلّمه ولا كلمة, جاءت آية, أثبتَ الله لهم السماع, ونفى عنهم السماع, مثل سورة الروم : ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾ [سورة الروم الآية: 6-7] ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 21] ﴿ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون﴾ هم لا يسمعون, ماذا أراد الله بالسماع؟ ماذا أراد؟ التطبيق, الإجابة . قال: وسماعُ فهمٍ, وسماعُ عقلٍ, وسماع استجابة . الآن: إلى الآيات ؛ سماع الفهم : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً﴾ [سورة الجن الآية: 1-2 ] ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة الأحقاف الآية: 30] سماع الإدراك: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [سورة النمل الآية: 80] ﴿إنكَ لا تُسمع الموتى﴾ الموتى سمعوا, لكن باعتبار لم يتحركوا، لم يتدبروا، لم يتأملوا، فكأنهم لم يسمعوا : ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [سورة فاطر الآية: 22] ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 23] سماع الاستجابة : هذا أرقى أنواع السماع . انظر إلى الناس, ألف مليون مسلم, يوجد سؤال: هل هؤلاء من أمة سيدنا محمد؟ : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 110 ] نحن خير أمة والله جميل، أخي نحن أعظم الأمم, هناك جواب علمي, يعطيك التفريق العلمي بينهما. الجواب الدقيق: العلماء قالوا: هناكَ أمةُ الدعوة وهناكَ أمةُ الاستجابة، كل إنسان مسلم دعاه الله إلى الإسلام، وأنزلَ على النبي القرآن ليكونَ منهجاً له، فكل منتمٍ إلى المسلمين ولو بالهوية, هذا أمةُ الدعوة, أما الذي طبّق, فأمةُ الاستجابة, فأنتَ إذا بُلّغتَ الدعوة, دخلتَ في نِطاق أمةِ محمدٍ أمة التبليغ، أما إذا طبقّتَ أوامر الله عزّ وجل دخلتَ في نِطاق الاستجابة. ﴿فكنتم خيرَ أمةٍ﴾ ليسَ المقصود أيّ انتماء للنبي، هذه أمةُ الاستجابة, والدليل: ما عِلةُ هذه الخيرية؟ ﴿تأمرون بالمعروفِ وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾ فلو لم تؤمنوا بالله, ولم تأمروا بالمعروف, ولم تنهوا عن المنكر, أنتم لستم معنيينَ بهذه الآية, الآية ليست لكم, فأنتَ اسأل نفسك: أنا من أمةِ التبليغ أم من أمةِ الاستجابة؟ فرقٌ كبير بينَ أمةِ التبليغ وبينَ أمةِ الاستجابة . يعني أب غني, ومُقتدر ماديّاً, وعالم, عنده خمسة أولاد، عَرَضَ عليهم جميعاً أن يدرسوا, حتى أعلى شهادة في العالم بورد, العرض للكل والأب غني، إلا أنَّ واحداً من الأبناء, قَبِلَ هذا العرض ودرس وتفوق, نقول: أولاده كلهم دُعوُا إلى هذه الشهادة, ولكنَّ بعضهم استجاب, فالبطولة ليسَ أن يُعرض عليكَ الإسلام، ولا أن تكونَ من أمةِ محمدٍ بالشكلِ أو بالإبلاغِ، البطولة أن تكون من أمته المستجيبين لدعوته . فالإنسان ما لم يكن مُطبّقاً لأوامر الله, ليتأكد أنه ليسَ من أُمةِ مُحمد, حيث ما وردت الأمةُ المُحمدية في القرآن: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة الجمعة الآية: 2 ] هؤلاء أمة الاستجابة, إذاً: الآيات هنا تُبين أنَّ هناك سماع إدراك، سماع تدبر، سماع استجابة .. الآية الأخيرة : ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [سورة البقرة الآية: 285 ] ﴿ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ﴾ هذه الآية متعلقة بالاستجابة, وكلّ الجوامع بالعالم الإسلامي بعد الخطبة، بعد الصلاة يقولون: سمعنا وأطعنا, غفرانك ربنا وإليكَ المصير, ومعهم مخالفاتهم، تقصيراتهم، الغيبة، النميمة، كسب المال الحرام، ما هذه؛ سمعنا وأطعنا؟ أما اليهود قالوا: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيّاً بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْناً فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 46 ] فاليهود سمعوا وعصوا ربهم . في فقرتين أخيرتين قال : المؤمن يسمع الآيات , لا يسمع الأبيات , سمّاعٌ للقرآن لا سماعٌ لمزاميرالشيطان ، سمّاعٌ كلام ربِّ الأرضِ والسماء , لا سمّاعٌ قصائدَ الشعراء ، سمّاعٌ للمراشد لا للقصائد ، سمّاعٌ للأنبياءِ والمرسلين , لا سمّاعٌ للمغنينَ والمطربين . أنتَ تمارس نشاطاً خطيراً بالحياة السماع قال: السماع حادٍ يحدو القلوب إلى جِوار علاّم الغيوب أحياناً تسمع حديثاً قدسياً, فيقول لك: فعلَ في نفسي فِعلَ السحر، حديث قدسي يحملكَ على التوبة, وعلى الإقلاع عن ذنبٍ, قال: السماع حادٍ يحدو القلوب إلى جِوار علاّم الغيوب سائقٌ يســوق الأرواح إلى ديـــار الأفـراح محركٌ يثير ساكن العزمات إلى أعـــلى المقامات منادٍ ينادي للإيمــــــــان ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 193 ] دليلٌ يسير بالركبِ في طريق الجِنان . داعٍ يدعو القلوبَ بالمساءِ والصباح . من قِبَلِ فالق الإصباح؛ حيَّ على الفلاح حيَّ على الفلاح . موضوع السماع موضوع دقيق جداً . ندخل في السماع المذموم, قال: هذا السماع يُبغضه الله تعالى ويكرهه, ويَمدحُ المُعرضَ عنه, وهو سماعُ كلُّ ما يضرُّ بالعبدِ في قلبه ودينه، أيُّ شيء تسمعه أضرَّ بدينكَ وقلبكَ, فهذا السماع لا يجوز أن يكون, كسماع الباطل, إلا إذا تضمنَ رده وإبطاله, وقصدَ أن يتعلمَ ضدهُ، وكسماعِ اللغوِ الذي مدحَ التاركين لسماعه, قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 55] ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً﴾ [سورة الفرقان الآية: 72 ] اللغو : ما هو اللغو؟ تعريف اللغو : قال محمد بنُ الحنفيّة , هذا من أحفاد سيدنا علي : اللغو هنا الغناء . وقالَ الحسن وغيره: أكرموا أنفسهم عن سماعه: ﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَاماً ﴾ فإذا كنت مؤمناً فعلاً, لا تقبل أن تستمع إلى الباطل, ولا إلى غيبة, ولا إلى نميمة, ولا إلى فُحش, ولا إلى بذاءة, ولا إلى تغرير, ولا إلى قصة ساقطة, ولا تقرأ أيضاً . قالَ ابنُ مسعود: الغِناءُ يُنبتُ النِفاقَ في القلب كما يُنبتُ الماء البقلة، وهذا كلام عارفٍ بأثر الغناء وثمرته، فإنه ما اعتاده أحدٌ إلا نافقَ قلبه وهو لا يشعر . الدين بالاستقامة, أنتَ تطلب من الله الكرامة, وهو يطلبُ منكَ الاستقامة . قال: فإنه ما اجتمعَ في قلبِ عبدٍ قط, محبة الغناء ومحبة القرآن, الشيئان اللذانِ لا يجتمعان: الضدان, مثالُ ذلك: الظلمةُ والنور، وجود النور ينفي الظُلمة, ووجود الظلمةِ ينفي النور، الأبيض والأسود ضدان, لا, متعاكسان، التعاكس غير الضد، يجوز أن يكون عندك لوحة فيها أبيض وأسود . فهناكَ شيئان متعاكسان, وشيئان ضدان متناقضان، معنى متناقضان: يعني أحدهما ينقض وجود الآخر, فلان عالم جاهل, مستحيل, هذا فهو إما عالم وإما جاهل, إذا هذه الغرفة مضيئة مظلمة, كلام غير صحيح, هذا إما مضيئة وإما مظلمة . احفظوا هذه القاعدة: القرآن والغناء ضِدان متناقضان, أحدهما ينقض وجود الآخر . سيدنا ابن مسعود قال: الغناء يُنبت النِفاقَ في القلب كما يُنبت الماءُ البقل, لا يليق بمؤمن أن يسمع غناء إطلاقاً، لكن حتى لا أكون قاسياً على الأخوان, الاستماع شيء والسماع شيء, إذا كنت راكباً سيارة عامة, وفي مذياع, وفي غِناء, هذا ليس اسمه استماع, هذا سماع. الحديث الشريف: من استمعَ إلى صوتِ قينةٍ . جلس بإرادته، باختياره، بالبيت، حضّروا لنا القهوة، افتح يا بني لنسمع, هذا الاستماع, لكن راكب سيارة عامة, والسائق له ذوق خاص, تقول: اللهم إنَّ هذا منكرٌ لا أرضى به، أما إذا قدرت أن تُسكته لك أجر . قال: فإنه ما اجتمعَ في قلبِ عبدٍ قط, محبة الغناء ومحبة القرآن, إلا طردت إحداهما الأُخرى، قال: وقد شاهدنا نحن وغيرنا, ثِقلُ القرآن على أهلِ الغِناء وسماعه, أبداً؛ أهل الغناء أثقل شيء عليهم القرآن, إذا وضعوا القرآن ربع ساعة, يقول لك: طويلة, ربع يكفي, خمس دقائق, كانت نصف ساعة, صارت ربع ساعة، عشر دقائق، دقيقتين، أهلُ الغِناء يستثقلون القرآن . لذلك: في أشخاص إذا الإمام قرأ آية زائدة لا يتحمل, تجده يُضيّع ساعات طويلة, وهو واقف, في كلام فارغ, أما آية زيادة, لا يتحمل . بعض الشعراء قال: ثَقُلَ الكتاب عليهم لمّا رأوا تقييده بأوامرٍ ونواهٍ الغناء لا أوامر فيه ولا نواهي، أما هنا في: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [سورة النور الآية: 30 ] هو ينظر ويأخذ حريته، ثقيلة هذه الآية عليه: ثَقُلَ الكتاب عليهــم لمّا رأوا تقييـده بأوامــرٍ ونواهٍ وعليهم خفَّ الغناءُ لمّا رأوا إطلاقه في اللهوِ دون مناهي يا فِرقةً ما ضرَّ دينَ محمـــدٍ وجنــى عليه ومِلّهُ لله سمعوا له برقاَ ورعداً إذ حوى زجراً وتخويفاً بفعلِ مناهٍ ورأوه أعظمَ قاطعٍ للنفسِ عن شهواتها يا ويحها المتناهي وأتى السماع موافِقاً أغراضها فلأجلِ ذاكَ غدا عظيمَ الجاهِ عندنا أهلُ القرآن وأهلُ الغناء وهما يتناقضان، وعندنا السماع المذموم، والسماع المشكور، والسماع المشكور ثلاثة أنواع؛ سماعُ فهمٍ، وسماعُ عقلٍ، وسماعُ استجابة . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#9 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الذكرالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( التاسع ) منزلة الذكر : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس التاسع من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين , منزلة اليوم : منزلة الذِكر . الحقيقة : أنَّ الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يأمرنا فيقول : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 41-44] قال بعض العلماء : كلُّ جارحةٍ من جوارح الإنسان لها عبادة , فعبادة العين أن تَغُضَ بصركَ عن محارم الله , وأن تنظرَ بها إلى ملكوت السموات والأرض مفكراً ومتعظاً ، الأذن لها عبادة ، اليد لها عبادة ، أما عبادة القلب فهي الذِكر ، ففي كل جارحةٍ من جوارح الإنسان عبادة مؤقتة , والذِكر عبودية القلب واللسان , وهي غير مؤقتة ، عبادة القلب الذِكر , لذلك ربنا عزّ وجل قال : ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه الآية: 14] يا أيها الأخوة الأكارم ؛ الذِكرُ منشور الولاية ، الذي من أُعطيه اتصل ، ومن مُنعه عُزل ، من أُعطيَّ الذِكرَ اتصلَّ بالله عزّ وجل , ومن مُنعه عُزل ، وهو قوت القلوب التي متى فارقها , صارت الأجساد لها قبوراً . القلب دون ذِكرٍ لله عزّ وجل الجسم قبرٌ له ، ميتٌ في ميت ، الذِكرُ عِمارة الديار , داركَ لا تحيا إلا بذكر الله , فإذا انعدمَ منها الذِكرُ , أصبحت داراً ميتةً كالقبر التي إذا تعطلت صارت بوراً ، الذِكر سلاح المؤمن , الذي يقاتل به قُطّاعَ الطريق , فإذا خلا من سلاحه , أصبحَ عُرضةً للقتلِ من قِبل قطاع الطريق ، بالذكر تطفئ حريق الشوق إلى الله عزّ وجل ، بالذِكرِ يكون الذِكرُ دواءً لقلبكَ اللهفان . الذي أريد أن أقوله لكم : إنَّ ذِكرَ اللهِ حياةٌ للقلوب . والله سبحانه وتعالى يقول : ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد الآية: 28] الحسن البصري هذا من التابعين ، والتابعون هؤلاء الذين التقوا أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم . عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( تَسْمَعُونَ وَيُسْمَعُ مِنْكُمْ وَيُسْمَعُ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْكُمْ)) [أخرجه أبو داود في سننه] ثلاثة أجيال : جيلُ الصحابة وجيلُ التابعين وجيلُ تابعي التابعين . هذه الأجيال كانَ فيها الإسلام نقيّاً . فالحسن البصري - رحمه الله تعالى - كانَ يقول : تَفقدّوا الحلاوة في ثلاثةِ أشياء : في الصلاة ، وفي الذِكرِ , وفي قراءة القرآن , فإن وجدتم وجدتم , وإن لم تجدوا حلاوةً في الذِكرِ والصلاة وتلاوة القرآن , فاعلموا أنَّ البابَ مُغلق . أحياناً الإنسان يشعر أنَّ هناكَ حِجاباً بينه وبينَ الله ، يشعر أنَّ أبواب السماء مُغلّقةٌ في وجهه ، يفتح القرآن ويقرأ , لا يشعر بشيء أبداً ، يجلس ليذكر لا يشعر بشيء ، يقوم ليصلي لا يشعر بشيء , معنى ذلك : أنَّ البابَ مُغلق ، لماذا أُغلقَ البابُ في وجهه ؟ لِعلةٍ في عمله , فالمؤمن متبصّر ، هؤلاء الذين يصلّون , ويقرؤون القرآن , ولا يعرفون ما إذا كانَ قلبهم متصلاً أو مقطوعاً , هؤلاءِ على هامشِ الحياة . سيدنا عمر قال : تعاهد قلبك , يعني الذي لا يملك الحس المرهف أن يشعر , يقول لكَ : اليوم أنكرت قلبي ، اليوم شعرتُ أن صلاتي لا طعمَ لها , اليوم قرأتُ القرآن فلم أشعر بحلاوة تلاوته ، هذا الذي أحسَّ على قلبه , وشعرَ بقربه , هذا إنسان حيّ , أمّا الذي غفلَ عن الله عزّ وجل , فاستوت غفلته مع صحوته , يعني هو لم يصحو حتى يشعر أنه غَفل , غفلَ مستمراً , لذلك حينما يسأل : هل أنتَ متصل ؟ يقول لكَ : نعم ، هو ما ذاقَ الاتصال حتى يشعر بالهجران . لذلك : فما حُبنا سهلٌ وكلُّ من ادعى سهولته نقول له : قد جهلتنــــا فأيسرُ ما في الحبِّ للصبِّ قتله وأصعبُ مـن قتلِ الفتى يومَ هجرنا الحسن البصري قال : تفقدوا الحلاوةَ في ثلاثة أشياء : في الصلاة , وفي الذِكرِ , وفي قراءة القرآن . وربنا عز وجل يقول : ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد الآية: 28] الإنسان ليس له حق أن يُهمل قلبه , يقول لكَ : أنا أُصلي الحمد لله ، أنا مُسلم عقيدتي صحيحة , شيء جميل , لكن هذا القلب ألا ينبغي أن يكونَ حيّاً ؟ ألا ينبغي أن يكونَ مُقبلاً ؟ ألا ينبغي أن يكونَ مُحبّاً ؟ ألا ينبغي أن يمتلئ مشاعر نبيلة من خوفٍ إلى حبٍ إلى تعظيمٍ ؟ فالذي يهمل قلبه ويعيشَ على هامش الحياة , هذا أغفلَ جانباً كبيراً جداً من الدين . إذاً مقياس القرب : حلاوة الذِكرِ ، حلاوة الصلاة ، وحلاوة تلاوة القرآن . هذا مقياس . فإذا كان الباب مغلقاً معناها في حِجاب ، معناها الله عزّ وجل أغلقَ في وجهكَ الباب ، لأنه ليسَ راضٍ عن عملك , ابحث في الخلل ، ابحث في الزلل ، ابحث في الانحراف ، في تقصير . قال : بالذِكرِ يصرعُ العبدُ الشيطان كما يصرعُ الشيطان أهلَ الغفلةِ والنسيان . الشيطان إما أن تصرعه بالذِكرِ , وإما أن يصرعكَ بالغفلة , فأنتَ بين ذاكرٍ أو غافل ، تصرعُ الشيطان بذكركَ لله عزّ وجل , ويصرعكَ الشيطان بغفلتكَ عن الله عزّ وجل . الذِكرُ روح الأعمال الصالحة ، العمل الصالح دون ذكر ميت ، والإنسان إذا ماتَ قلبه , وعَمِلَ عملاً صالحاً , أغلب الظن أنه يتجه بهذا العمل إلى إرضاء الناس , يقع في النِفاق ، فإذا عَمِلَ عملاً صالحاً ولم يشكره الناس عليه تألم وضجر ، وطلبَ واستجدى منهم المديح ، استجداء المديح علامةٌ خطيرةٌ على موت القلب , إذا خلا العملُ من الذِكرِ , كان كالجسد الذي لا روحَ فيه . قول العلماء في الذكر: في القرآن الكريم , الذِكر ورد فيه آيات كثيرة جداً , يقول بعض العلماء : إن ذِكرَ الله عزّ وجل وردَ في القرآن الكريم على عشرةِ وجوه : الوجه الأول : أنَّ الله أمر بالذِكرِ مطلقاً وأمرَ به مُقيّداً . والوجه الثاني : أنه نهى عن ضده وهو الغفلةُ والنسيان ، هناك نهيٌ قطعيٌّ عن الغفلةِ والنسيان أمركَ به ونهى عن ضده . والثالث : علّقَ الفلاحَ باستدامته وكثرته , فلاحك ، نجاحك ، نجاتك ، تفوقك ، سعادتك ، علّقها باستدامة الذِكرِ وكثرة الذِكرِ . الرابع : الله عزّ وجل أثنى على أهل الذِكرِ , وبيّنَ أنه أعدَ لهم الجنة والمغفرة . والخامس : أخبرَ عن خسران من لها وسها , أمر ونهي , وفلاح وإخفاق , وثناء وخسارة . والسادس : ثمَّ إن الله سبحانه وتعالى جعلَ ذِكره جزاءً لذِكر عباده له . السابع : أخبرَ الله عزّ وجل أن أكبر شيء هو ذِكر الله , بل هو أكبر من كلِّ شيء . الثامن : أخبرَ أنَّ الإنسان لا ينتقعُ بآيات الله إلا ذكرَ الله عزّ وجل . التاسع : أنَّ الله سبحانه وتعالى جعلَ الذِكرَ قرينَ الأعمالِ كلها . الآن : إلى هذه الوجوه وجهاً وجهاً . الوجه الأول : أنَّ الله سبحانه وتعالى أمرَ به مطلقاً ومقيّداً . الأمر المطلق : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾ [ سورة الأحزاب الآية : 41 ] هذا أمر مطلق والمُطلق على إطلاقه ، يعني إذا قراتَ القرآن ذكرتَ الله ، وإذا أمرتَ بالمعروف ذكرتَ الله ، وإذا قلتَ : الله الله ذكرتَ الله ، وإذا حَمدته ذكرته ، وإذا سبّحته ذكرته ، وإذا وحدته ذكرته , وإذا كبّرته ذكرته ، وإذا دعوته ذكرته ، أمرَ الله عزّ وجل بِذكره في القرآن ذِكراً مُطلقاً : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ﴾ [ سورة الأحزاب الآيات : 41 – 43 ] الأمر المقيد : الله عز وجل أمرَ بذكره ذِكراً مقيّداً , قال تعالى : ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 205] يعني الذِكر يجب أن يُقيّد بالتضرع ، بالتذلل ، بالخضوع ، وخيفةَ , يعني يجب أن تذكره متضرعاً وخائفاً ، جهراً وسِراً ، يجب أن تذكره في سِركَ وقلبك , ويجب أن تذكره بلسانكَ وقولك . الوجه الثاني : نهى عن الغفلة والنسيان. الله عزّ وجل نهى عن الغفلة والنسيان ، قال تعالى : ﴿ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [ سورة الأعراف الآية : 205 ] غَفَلَ عن ماذا ؟ غَفَلَ عن ذِكر الله : أيا غافلاً تبدي الإساءة والجهلا متى تشكر المولى على كلِّ ما أولى ؟ عليكَ أياديه الكِرام وأنت لا تراها كأن العــينَ حـــولاءُ أو عميا لأنتَ كمزكومٍ حوى المِسكَ جيبه ولكنه المــحروم ما شـمه أصلاً يعني أكبر خطر يعيشه الإنسان أن يكونَ غافلاً . الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا . قال تعالى : ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾ [سورة الزخرف الآية: 83] ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ [سورة الطور الآية: 45] يأتي يومٌ يُصعقُ الإنسان كانَ غافلاً فَعرفَ الحقيقة بعدَ فوات الأوان , فربنا عزّ وجل نهانا عن أن نغفلَ عنه , الحياة تجذبكَ إليها , قد تُستهلك من عملٍ إلى عمل , ومن لقاءٍ إلى لقاء , ومن مشروعٍ إلى مشروع , ومن صفقةٍ إلى صفقة , ومن اهتمامٍ إلى اهتمام , ومن متعةٍ إلى متعة , أنتَ مستهلك , لذلك : العمل لو درَّ عليكَ ألوف الألوف , واستهلكَ وقتكَ كله , فأنتَ في خسارةٍ كبيرة ، إذا استهلكَ عملكَ كلَّ وقتك , فأنتَ في خسارةٍ كبيرة , لأنه جعلكَ من الغافلين : ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة الحشر الآية: 19] أمركَ بالذِكرِ مطلقاً , أمركَ به مقيّداً ، تضرعاً وخيفة ، سِراً وجهراً ، بقلبكَ وبلسانك ، ونهاكَ عن ضده , نهاكَ عن الغفلة ، ونهاكَ عن النسيان . ﴿ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾ [ سورة الأعراف الآية : 205 ] ﴿ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ ﴾ [ سورة الحشر الآية : 19 ] نسيانهم لله أنساهم سِرَّ وجودهم ، نسيانهم لله أنساهم مهمتهم ، نسيانهم لله أنساهم حقيقتهم ، نسيانهم لله أنساهم التكليف ، أنساهم الأمانة , أنساهم العمل الصالح . الوجه الثالث : علق الفلاح بذكر الله . شيءٌ آخر : الله سبحانه وتعالى علّقَ الفلاحَ بذكر الله ، الفلاح يعني تقول عن إنسان نجحَ في حياته , يعني أتقن عملاً معيناً , ودرَّ عليه هذا العمل رزقاً وفيراً , تزوج , وسكنَ بيتاً مريحاً , وله مركبة , وله مكانة اجتماعية , واعتنى بصحته , يقول الناس : فلان ناجح في الحياة , النجاح شيء له بريق , وليست البطولة أن تنجح في الدنيا وحدها , أهل الدنيا نجحوا في الحياة ، الأغنياء نجحوا في الحياة ، الأقوياء نجحوا في الحياة ، يعني أصحاب الحظوظ نجحوا في الحياة , ولو أنَّ مالهم مغتصباً من غيرهم ، ولكنَّ البطولة أن تنجحَ في الحياة الآخرة , أن تنجحَ في الدار الآخرة , ذلكَ هو النجاح ، ذلكَ هو الغِنى ، ذلكَ هو التفوق ، ذلكَ هو الفوز . لذلك سيدنا علي قال : الغِنى والفقر بعدَ العرضِ على الله، الله عزّ وجل علّقَ الفلاحَ بالإكثار من ذِكر الله, إذا أردتَ أن تُفلح في الدنيا والآخرة، إذا أردتَ أن تفوز بسعادة الدنيا وسعادة الآخرة، إذا أردتَ أن تتفوق، إذا أردتَ أن تنجح، إذا أردتَ أن تكون من السعداء، فربنا عزّ وجل ربطَ ذِكره بالفلاحِ, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 45] هذا قرآن، كلام خالق الكون : ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ اذكروا الله في أنفسكم ، اذكروه في ألسنتكم، اذكروا الله للناس، ما من جلسةٍ، ما من لقاءٍ، ما من سهرةٍ، ما من نزهةٍ, ألا ويجب أن يذكر فيها الله, إذا ذكرتَ الله عزّ وجل امتلأ القلب طمأنينةً, واستبشر الناس من حولك, وعلت البسمة الوجوه، فإذا ذكرت الدنيا تفرّق الناس، إذا ذكرتَ الدنيا حَزِنَ بعض الناس، إذا ذكرتَ الدنيا نفرَ منك بعض الناس . ﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ الوجه الرابع : الله عزّ وجل أثنى على أهل الذِكرِ . فالله سبحانه وتعالى أثنى على أهله فقال : ﴿الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 35] ليسَ الأمر أن تذكره, ولكنَ الأمر أن تُكثرَ من ذِكره : ﴿ والذاكرين الله كثيرا ًوالذاكرات أعدَّ الله لهم جميعاً مغفرةً وأجراً عظيماً﴾ الوجه الخامس : أخبرَ عن خسران من لها وسها. نهانا عن أن نغفلَ عنه وبيّنَ الخسران الكبير, فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [سورة المنافقون الآية: 9] فإذا إنسان قال: أنا والله مشغول, شغلتني الدنيا، شغلني عملي، شغلتني بعض مباهج الحياة عن حضور مجلس علمٍ, هذا ممن انطبقت عليه الآية الكريمة: ﴿ لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ الوجه السادس : جعلَ ذِكره جزاءً لذِكر عباده له . الحقيقة : هل نصدق أنَّ العبدَ إذا ذكرَ الله عزّ وجل الله في عُلاه يذكره؟ . دخل على النبي الكريم رجل, يبدو أنه من عامّة صحابته, رجل فقير، قال النبي الكريم: أهلاً بمن أخبرني جبريل بقدومه، قالَ: أومثلي, قالَ: نعم يا أخي؛ خامِلٌ في الأرضِ علمٌ في السماء. ربنا عزّ وجل يقول: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [سورة البقرة الآية: 152] إنسان ذو قيمة ذكر صديقه, لا ينسى الصديق هذا الذِكر, صورة يطبعها ويكبّرها لأنها حوتهما، كيف يضيّفه؟ كيف يصافحه؟ كيف استقبله؟ كيف ودّعه؟ وكلما زاره إنسان يريه الصورة, فما بالك إذا كان الذكر لك الله؟. الوجه السابع : أكبر شيء هو ذِكر الله . ربنا عزّ وجل قال : ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 45] ﴿ولذِكرُ الله أكبر﴾ يعني أكبر من كلِّ طاعة، أكبر من كلِّ عمل، لأنَّ ذِكرَ الله هو محطُ الرِحال ومنتهى الآمال، به تسعد، أكبر ما في الصلاة، أكبر من الركوع والسجود، ومن القيام . ﴿ولذكرُ الله أكبر﴾ الله عزّ وجل ختمَ به الأعمال الصالحة كلها، ختمَ به مثلاً الصيام , قال : ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 185] الناس في رمضان في أيام العيد يُكبّرون الله عزّ وجل، لماذا شُرعَ التكبير بعدَ الصيام؟ هكذا قالَ الله عزّ وجل: ﴿ولتكملوا العِدّة ولِتكبروا الله على ماهداكم ولعلكم تشكرون﴾ وختمَ بالذِكر الحج , فقال : ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ [سورة البقرة الآية: 200] ختمَ به الصيام، وختمَ به الحج، وختمَ به الصلاة: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ [سورة النساء الآية: 103] وختمَ به الجمعة : ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الجمعة الآية: 10] الوجه الثامن : لا ينتقعُ بآيات الله إلا ذكرَ الله عزّ وجل . الحقيقة : أنَّ الذاكرين وحدهم هم الذين ينتفعون بآيات الله ، الإنسان الغربي استمتعَ بالدنيا إلى أقصى درجة، عَرَفَ خصائص المواد, استغلّها استغلالاَ رائعاً، ولكن ما نَفَذَ منها إلى المُنعم، فالآيات الكونية؛ المجرات، الشمس، القمر، الليل، النهار، خلق الإنسان، الذريّة، الأولاد، الزوجة، النباتات، هذه المظاهر الطبيعية التي خلقها الله عزّ وجل, الذاكر لله ينتفع بها وغير الذاكر لا ينتفع بها, فالذي تعجبُ له أنَّ طبيباً مثلاً درسَ جسم الإنسان، درسَ الأعضاء، الأجهزة، الأنسجة, خصائص جسم الإنسان، دقة الصنع، دقة العمل، الفيزيولوجيا، رأى من معجزات الله في خلق الإنسان الشيء الكثير, لأنه ما ذَكَرَ الله من قبل هذه الآيات ما تأثّرَ بها, ماذا قال الله عزّ وجل؟: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 190-191] فكرة مهمة جداً: قد تكون أنتَ من رواد الفضاء, وترى بأمِّ عينكَ الأرض كرةً في الفضاء، قد تكون من علماء الطِب، قد تكون من علماء الذرّة، قد تكون مهندساً، طبيباً، عالِماً في الفيزياء، في الكيمياء، في الرياضيات، عالِماً في النبات، الحيوان, قد ترى العجبَ العُجاب ، خلق الخلية، قد ترى وظائف الخلايا، قد ترى أشياء دقيقة جداً, لا يُسمح لغيركَ أن يراها, ومع ذلك إن لم تكن ذاكراً لله عزّ وجل الذِكرَ الكثير, لا تنتفعُ بهذه الآيات, لا ينتفعُ بآيات الله إلا من ذكرَ الله عزّ وجل . الوجه التاسع : جعلَ الذِكرَ قرينَ الأعمالِ كلها . الذِكر كما قال بعض العلماء : يجب أن يُصاحبَ جميع الأعمال ، فالله سبحانه وتعالى قال: ﴿أقم الصلاة لذكري﴾ يجب أن يصحبَ الصلاة, ويجب أن يصحبَ الصيام, ويجب أن يصحبَ الحج, بل هو روحُ الحج . قَالَتْ عَائِشَةُ : ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّمَا جُعِلَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ لإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 45] معناها الذِكر يجب أن يُرافقَ كلَّ عمل, هذه الآيات التي وردَ فيها الذِكرُ. الأحاديث التي وردت بخصوص الذكر : أما الأحاديث : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ, فَمَرَّ عَلَى جَبَلٍ, يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانُ, فَقَالَ: سِيرُوا, هَذَا جُمْدَانُ سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ, قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] الحقيقة: الإنسان إذا شَرِبَ كأسَ ماء, تسميته قبل الشرب, وحمده بعدَ الشرب, هو ذِكر الله عزّ وجل، إن ألقى على ابنه نظرة, تذكرَ أن هذا الابنَ الذي ملأَ البيتَ بهجةً, كانَ في الأصلِ نُقطةً من ماءٍ مهين، إذا أمسكَ تفاحةً ليأكلها, تذكرَ خالِقَ هذه التفاحة, كيفَ أبدعها وجعلها بهذا الحجم, وبهذا القِوام, وبهذه الرائحة, وبهذا الطعم, وبهذا الشكل, وبهذا الوقت المناسب في نضجها؟ يعني كلما عاينتَ شيئاً من خلق الله عزّ وجل, يجب أن تذكر الله، هذا المؤمن دائماً ذاكر لا يغفل، يعني إذا نظرَ إلى الشمس, إذا نظرَ إلى القمر, إذا نزلت الأمطار, هبت الرياح . وفي المُسند مرفوعاً من حديث أبي الدرداءِ رضي الله عنه: عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَلا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ, وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ, وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ, وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ, وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ, فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ, وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى, قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى)) ما قولكم؟ خيرٌ لكم من كلِّ شيء . عَنِ الأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ , قَالَ : ((أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ, وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَنَّهُ قَالَ: لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلا حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ, وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ, وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ, وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] إذا مجموعة أخوان التقوا في سهرة، التقوا في دعوة، وذكروا الله عزّ وجل وذكروا آياته، ذكروا أوامره، ذكروا نواهيه، ذكروا صفات النبي عليه الصلاة والسلام، ذكروا أعمال أصحابه، ذكروا ما عنده من نعيمٍ مقيم، ذكروا عذابه فخافوا، ذكروا نعيمه فاشتاقوا، ذكروا جلاله فخشوه, هذا المجلس مجلس علمٍ، مجلس ذِكرٍ, مجلس مذاكرةٍ بين الأخوة, لذلك الإنسان لا بد له من جلسةٍ مع ربه, وجلسةٍ مع أخيه، إذا جلستَ مع أخيك, وحدثّته عن ربك, انطلقَ اللسانُ بذكرِ الله، هذا الحديث يجب أن يكون في أعلى موضع من مواضع قلوبنا . عَنِ الأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ قَالَ : ((أَشْهَدُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ, وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ, أَنَّهُمَا شَهِدَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلا حَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ, وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ, وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ, وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] يكفيكَ شرفاً إذا ذكرتَ الله عزّ وجل أنَّ الله عزّ وجل يباهي بكَ الملائكة. الآن: أغلب الناس يسهرون, يجتمعون، ويولمون وليمة، في هذه الجلسة يتحادثون في أمور الدنيا, بالبيع وبالشراء, بالتجارات, بالأخبار التي يسمعونها, وينفضُّ المجلس, وينتهي الأمر, لكنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول لك. عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: ((خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ, قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إلا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلا ذَاكَ, قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ, وَمَا كَانَ أَحَدٌ بِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَلَّ عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي, وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَى حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ, فَقَالَ: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ, وَنَحْمَدُهُ عَلَى مَا هَدَانَا لِلإسْلامِ, وَمَنَّ بِهِ عَلَيْنَا, قَالَ: آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ إِلَّا ذَاكَ؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَجْلَسَنَا إِلَّا ذَاكَ, قَالَ: أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ, وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما] إذا جلستَ مع أخيك تذاكر العِلم، إذا جلستَ مع أخيك لتذكر الله عزّ وجل، لتحدثّه وليحدثك، تتلو عليه بعض آيات القرآن الكريم، لتفسرها له، لتنصحه لينصحكَ، لتقفَ على سُنّةٍ نبوية، لتقفَ على موقفٍ شريفٍ لأصحاب رسول الله، إذا فعلتَ هذا, فأنتَ ممن ينطبقُ عليكَ هذا الحديث . قال: ((ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا لنذكر الله, ونحمده على ما هدانا للإسلام, ومنَّ علينا، قالَ: ما أجلسكم إلا ذلك؟)) اصدقوني ما في نية ثانية؟ أيام الأخ يأتي للجامع بباله أن يلتقي بفلان, يعلم أنه يوجد في هذا المجلس, النيّة اختلفت, قد يأتي الإنسان إلى بيت الله عزّ وجل, لا يرجو إلا رضاء الله عزّ وجل . إنسان كانَ في المسجد ينشدُ ضالةً, النبي عليه الصلاة والسلام غَضِبَ منه، كأنه دعا لا وجدتها . الله عزّ وجل قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [سورة الليل الآية: 1-4] هؤلاء الذاكرون جلسوا ليذكروا الله عزّ وجل, لا قصد الطعام, والشراب, ولا الضيافة, ولا الشوق, ولا اللقاء . عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, أَنَّ رَجُلا قَالَ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ شَرَائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ, فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ, قَالَ: لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ)) والحقيقة : ربنا عزّ وجل يختم عملَ الإنسان بحسب حياته , إذا كانَ في حياته طائعاً ، إذا كانَ في حياته منيباً ، يختم حياته وهو في صلاة , أشخاص أعرفهم , وهو ساجد قبضه الله عزّ وجل , في طاعة , في عبادة . عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قَالَ: ((أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْرَابِيَّانِ, فَقَالَ أَحَدُهُمَا: مَنْ خَيْرُ الرِّجَالِ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ, وَقَالَ الآخَرُ: إِنَّ شَرَائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيْنَا, فَبَابٌ نَتَمَسَّكُ بِهِ جَامِعٌ, قَالَ: لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ)) هذا أعظمُ عملٍ تفعله، يبدو أنكَ إذا ذكرتَ الله اتصلتَ به, وهذه قِمةُ العبادات كلها، الصلاة من أجل الصِلة، الحجُ من أجل الصِلة، الصيام من أجل الصِلة، الزكاة من أجل الصِلة ، غَضُ البصرِ من أجل الصِلة، تحريّ الحلال من أجلِ الصِلة، كلُّ عباداتك, وكلُّ طاعاتك, ومعاملاتك, وإحسانِكَ من أجلِ الصِلة، فإذا اتصلتَ بالله عزّ وجل, فقد حققتَ الهدفَ من وجودك. قَالَ حَسَنٌ الأَشْيَبُ رَاشِدٌ, أَبُو يَحْيَى الْمَعَافِرِيُّ: ((أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيَّ, عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا غَنِيمَةُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ؟ قَالَ: غَنِيمَةُ مَجَالِسِ الذِّكْرِ الْجَنَّةُ)) إذا عاملت إنساناً, رأيتَ منه وفاءً، حياءً، شهامةً، مروءةً، رحمةً، عطفاً، لُطفاً، يجب أن تحكم أنَّ هذا الإنسان له مجلسُ ذِكرٍ يحضره، له مشرب، له نبع يرتوي منه، له صِلةٌ بالله عزّ وجل، ما من إنسانٍ يرحمك, أو يعطفُ عليك, أو يُنصفك, أو يفي بعهده, إلا وله صِلةٌ بالله عزّ وجل: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ [سورة العلق الآية: 9-12] انظر إلى عمله، انظر إلى أخلاقه، انظر إلى لؤمه، انظر إلى قذارته، إلى أنانيته، إلى إخلافه الوعد، إلى إيثاره مصالحه، انظر إليه عمله يُنبئكَ بحاله . ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ إنسان آخر . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَنْ يُنْجِيَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ, قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِرَحْمَةٍ, فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا, وَاغْدُوا وَرُوحُوا, وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ, وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا)) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده] سافرت, اذكر الله في سفرك، رأيتَ جبلاً شامخاً، رأيتَ بحراً مضطرباً، رأيتَ سماءً صافيةً، رأيتَ بلاداً لا تعرفها، في سفرك، في حَضرك، في إقامتك، في تجارتك، في نزهتك، في سكونك، في حركتك، " اغدوا وروحوا واذكروا ". من كانَ يحبُ أن يعلم منزلته عندَ الله, فلينظر كيفَ منزلة الله عنده؟ يعني ساحة نفسك إن صحَّ التعبير: ما الذي يشغلها؟ قد تكون الدنيا هي التي تشغلها، وقد يكون ذِكرُ اللهِ عزّ وجل هو الذي يشغلها، فإذا أردتَ أن تعرفَ ما للهِ عِندك، أردت أن تعرفَ ما لكَ عندَ الله, فانظر ما للهِ عِندك . عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي, فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السّلامَ, وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ, عَذْبَةُ الْمَاءِ, وَأَنَّهَا قِيعَانٌ, وَأَنَّ غِرَاسَهَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ)) يجب أن تسبحه، أن تنزهه، وأن تمجّده، ويجب أن تحّمده، وأن توحّده، وأن تكبّره، وهذا ذِكرُ الله عزّ وجل, يعني أحياناً تُحدثنا عن آية كونية في الفلك، عن آية في خلق الإنسان ، هذا من تسبيح الله, هذا من تكبيره, لا تفهموا من هذا الكلام أن تقول: سبحان الله! سبحان الله! سبحان الله! هذا ذِكر أيضاً, ولكن إذا عرضتَ علينا آيةً من آيات الله الباهرة, فعرضُ هذه الآية نوعٌ من أنواع الذِكر، إذا عرضتَ هذه الآية سبحنا الله عزّ وجل، كبرنّاه، عظمّناه، وحدنّاه . عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ, وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ, مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ)) [أخرجه البخاري في الصحيح] ما دامَ قلبه غافِلاً عن ذِكرِ الله فهو ميت . عَنْ أَبِي مُوسَى, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَثَلُ البَيْتِ الذي يُذكَرُ اللهُ فيه ، والبيت الذي لا يذكرُ الله فيه : مَثَلُ الحيِّ والميِّت )) [أخرجه مسلم في الصحيح] هذا البيت يجب أن يكون مُفعماً بِذكر الله، بتلاوة القرآن, أما بيوت المسلمين اليوم كُلها غِناء, في أيّ وقت الأغاني تصدح في أرجاء البيت، فالبيت الذي يُذكر الله فيه بيتٌ حيّ، والبيت الذي لا يُذكر الله فيه بيتٌ ميت، قالَ بعضُ الشعراء: فنسيان ذِكر الله موت قلوبـــهم وأجسامهم قبلَ القبورِ قبـورُ وأرواحهم في وحشةٍ من جسومهم وليسَ لهم حتى النشورِ نشورُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَحْكِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ , أَنَّهُ قَالَ : ((مَنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ, ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي, وَمَنْ ذَكَرَنِي فِي مَلأ مِنَ النَّاسِ, ذَكَرْتُهُ فِي مَلأ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَطْيَبَ)) أنواع الذكر : 1-ذكر الله عز وجل وذكر أسمائه وصفاته : هناكَ ثلاثةُ أنواعٍ للذِكر: ذِكرُ الله عزّ وجل, وذكِرُ أسمائه وصفاته, الله ربنا، الله خالقنا، الله إلهنا، وجود الله عزّ وجل، وحدانيته، كمالاته، أسماؤه الحسنى، صفاته الفُضلى، لذلك: إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسماً من أحصاها دخلَ الجنة . إذا فهمتَ هذا الاسم، فهمتَ تعريفه، فهمتَ مظاهره، فهمتَ براهينه، فهمتَ تطبيقاته، هذا ذِكر, باب من أبواب الذِكر, أن تذكرَ الله خالقاً مربيّاً مسيّراً، وأن تذكره في أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى . 2-أن تذكر أمره : النوع الثاني: أن تذكرَ أمره, ما حُكم هذا الشيء؟ الأمر والنهي, والحلال والحرام، المكروه، المباح، المندوب، الواجب، في كل شيء, في تجارتك، في بيعك، في شرائك، في طعامك، في شرائك، أيجوز هذا؟ لا يجوز، هذا باب آخر من باب الذِكر, يعني أن تذكرَ الله وأن تذكرَ أمره، أن تذكرهُ كي تعرفه, وأن تذكرَ أمره كي تعبده, تذكره لتعرفه وتذكرَ أمره لتعبده، هذا نوعٌ آخر من أنواع الذِكر . 3-ذكر الآلاء والنعماء والإحسان والأيادي : النوع الثالث: ذِكرُ الآلاءِ والنعماءِ والإحسانِ والأيادي, الكون, الشمس، القمر، الماء في درجة +4 ينكمش، يزداد حجمه خِلافاً لكلِّ الأجسام, هذه آية من آيات الله, لولا هذه الآية لما كُنّا أحياء, كلُّ عنصر إذا برّدته ينكمش, فإذا سخنّته يتمدد، إلا الماء في درجة +4 إذا بردّته يزداد حجمه, لولا هذه الخاصّة, لما بقيت حياةٌ على وجه الأرض . مثلاً: آية النبات أنها تأخذ غاز الفحم وتطرح الأوكسجين, هذه آية عظيمة جداً, الثقب في القلب ثقب بوتال, لولا هذا الثقب لما نما الجنين, ولولا أنه يُغلقُ عِندَ الولادة لما عاشَ الطفل, آية القلب، آية الرئتين، آية الأعصاب، العضلات، الأجهزة، هذا الطعام، النبات، الجذور، النُسغ الصاعد، النُسغ النازل، في آيات بالنبات لا يعلمُها إلا الله، آيات بالحيوان، آيات بالإنسان، آيات بالأكوان، فهذا نوعٌ من الذِكر . تذكر الله عزّ وجل خالقاً ومربيّاً ومسيّراً أسماءه وصفاته، وتذكر أمره ونهيّه, وحلاله وحرامه، وتذكر آلاءه ونِعمه . الذِكر أنواع: نوعٌ يتواطأ عليه القلبُ واللسانُ وهو أعلاهُما، واحد ذهبَ ليَحُج فطاف, أُخذَ بالكعبةِ, فنَسيَّ أشواط الطواف, فسألَ شيخه, قال: يا بنيّ لقد طُفتَ بربِّ البيت, ولم تَطف بالبيت, فذهبَ ليطوفَ ثانيةً, وضبطَ الأشواط, ونسيَّ ذِكرَ الله عزّ وجل، قالَ: يا بنيّ, لقد طُفتَ بالبيت ولم تطف بربِّ البيت، المرة الثالثة جمعَ قلبه على الله, وضبطَ الأشواطَ بشكلٍ صحيح, قالَ له: الآن طُفتَ بالبيت وربِّ البيت, فأعلى أنواع الذِكر في صلاة: تقرأ القرآن وقلبكَ مع الله . الإمام الغزالي يقول: أعلى درجات ثواب القرآن الكريم, أن تقرأه في بيتٍ من بيوت الله, في صلاةٍ قائماً, الصلاة في المسجد، وأنتَ قائم، وتقرأ القرآن, وذِكرٌ بالقلبِ وحده, وهذا في الدرجة الثانية، وذِكرٌ باللسان المُجرد, وهذا بالدرجة الثالثة . وقالوا: ذِكرُ العبدِ ربّه محفوفٌ بِذكرين: ذكركَ الله ذكرته فذكرك, ذَكركَ قبلَ أن تذكرهُ, وذَكركَ بعد أن ذكرته، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [سورة البقرة الآية: 152] ((من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي, ومن ذكرني في ملأٍ ذكرته في ملأٍ خير منهم)) وهناك ذِكرُ الثناء, إذا قلتَ: سبحان الله, والحمد لله, ولا إله إلا الله, والله أكبر, هذا ذِكر الثناء، وإذا قُلت: ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننَ من الخاسرين, هذا ذِكرُ الدُعاء، فأنتَ إذا سبحّتَ الله, أو وحدّته, أو كبرّته, أو حمدّته, فقد ذكرته, وإذا دعوته فقد ذكرته . أدعية مأثورة : يجب أن تحفظ بعض الأدعية : اللهم إني أعوذُ بكَ من الذلِّ إلا لك , ومنَ الفقرِ إلا إليك , ومنَ الخوف إلا منك ، أعوذُ بكَ من عُضال الداء , ومن شماتة الأعداء , ومن السلبِ بعد العطاء . اللهم ما رزقتني مما أحب , فاجعله عوناً لي فيما تُحب , وما زويتَ عني ما أُحب , فاجعله فراغاً لي فيما تُحب . اللهم أنا بكَ وإليك ، اللهم استر عوراتنا , وآمِن روعاتنا , وآمنّا في أوطاننا . فالإنسان يكون ماشياً في الطريق, يتلهّى بنظرٍ عابث, لو أنه دعا الله عزّ وجل أقامَ الصِلة معه. إذاً: ينبغي للمؤمن أن يحفظَ أدعيةً أُثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم . في أدعية جميلة جداً : اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحولُ به بيننا وبينَ معصيتك, ومن طاعتكَ ما تُبلّغنا بها جنتك , ومن اليقين ما تُهونُ به علينا مصائبَ الدنيا , ومتعّنا اللهم بأبصارنا وأسماعنا وقوتنا ما أحييتنا , واجعله الوارِثَ مِنّا ... إلى آخر الدعاء . أقدمت على عمل : اللهم إني تبرأت من حولي وقوتي وعلمي , والتجأتُ إلى حولكَ وقوتكَ وعلمكَ يا ذا القوةِ المتين . اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمةُ أمرنا, وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا . فالدعاء ذِكر, فالإنسان إذا دخلَ بيته في دعاء، إذا خرجَ من بيته في دعاء. اللهم أعوذ بِكَ من أن أظلِمَ أو أُظلم, أو أجهلَ أو يُجهلَ عليّ, أو أضِلَّ أو أُضل. أقدمَ على عمل: أسألكَ خيره وخيرَ ما خُلِقَ له. ركب دابّته, ركب مركبته, فهذه الأدعية إذا حَفِظها, وأفضل كتاب بهذا الموضوع كتاب الأذكار للإمام النووي, أذكار النبي عليه الصلاة والسلام, حتى إنَّ الذي يقربُ أهله, يدعو لئلا يأتيه ولد يجعل حياته جحيماً، فالدعاء ذِكر, والتسبيح, والتحميد, والتهليل, والتوحيد, والتكبير, أيضاً ذِكر . ففي الذِكر ذِكرُ سناء, وذِكرُ دعاء, وذِكرُ رعاية, إذا قلت: الله معي, الله ناظرٌ إليّ, الله شاهدي, هذا ذِكر رعاية، فيجب أن تُنوعَ في الذِكر, ذِكرُ الدعاء, وذِكرُ الثناء, وذِكرُ الرعاية . الأذكار النبوية تجمع الأنواع الثلاثة, فهي متضمنة الثناء على الله, والتعرض للدعاء والسؤال والتصريح به . قالَ عليه الصلاة والسلام: أفضلُ الدعاءِ الحمد لله . قيل لسفيان بن عُيينة: كيف جعلها النبي دُعاءً؟ قال له: أما سَمعتَ قولَ الشاعر: أأذكرُ حاجتي أم قد كفاني جِباؤكَ إنَّ شيمتكَ الحِباءُ إذا أثنى عليكَ المرءُ يوماً كفاه من تعرضه الثنـاءُ إذا دخل أحدهم بيتك, وقال لك: أنا أعرفك كريماً وسكت، ألا تفهم منها شيئاً هذه؟ لم يقل: أريد منكَ شيئاً، قال لك: أنا أعرفكَ عفواً, وعَمِلَ معكَ ذنب، ألا يعني الثناء عليك, أنه يُطالِبكَ أن تعفوَ عنه؟. ثناؤكَ على الله عزّ وجل نوعٌ من أنواع الدعاء . النبي الكريم يقول: أفضلُ الدعاءِ الحمدُ لله . الخلاصة : الحقيقة: هذا الدرس قيمته في تطبيقه, فإذا الإنسان دعا قبلَ أن ينام، عندما يستيقظ، إذا خرجَ من بيته، دخلَ إلى عمله، أقدم على عمل مهم، قبلَ أن يعقد صفقة، هذا الدعاء هوَ صِلة بالله، هو استعانة بالله، فأنتَ إذا دعوتَ الله في كلِّ أحوالكَ فأنتَ من الذاكرين، إذا حَمِدته وأثنيتَ عليه فأنتَ من الذاكرين، إذا قلت: الله معي, الله شاهدي, الله ناظرٌ إليّ, فأنتَ من الذاكرين، إذا قرأت القرآن فأنتَ من الذاكرين، إذا سمعتَ القرآن فأنتَ من الذاكرين، إذا جلستَ تستمع إلى تفسير القرآن فأنتَ من الذاكرين، إذا فسرّته فأنتَ من الذاكرين، إذا أمرتَ بالمعروف فأنتَ من الذاكرين، إذا قرأتَ كتابَ فِقهٍ فأنتَ من الذاكرين . كلُ عملٍ ابتغيتَ به وجهَ اللهِ, وذكرتَ الله فيه, فأنتَ من الذاكرين, لذلك: كـأنَّ الذِكرَ هو غاية العبادات ومنتهى آمال العابدين . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#10 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اتخاذ الاسبابالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( العاشر ) أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس العاشر من دروس مدارج السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين . منزلة الأخذِ بالأسباب : أيها الأخوة الأكارم ؛ منزلة اليوم لستُ مُبالغاً إذا قلت: إنها من أخطر المنازل , بل إنها من أشدِّ المنازل حاجةً إليها , يعني ما مرَّ على المسلمين في تاريخهم وقتٌ هم في أمسّ الحاجةِ إلى هذه المنزلة منهم في هذا الوقت , وقد تعجبونَ من عنوانها ، إنها منزلة الأخذِ بالأسباب , أو كما سمّاها ابنُ القيم: إنها منزلة رعاية الأسباب , وقبلَ أن أُفصّلَ في هذه المنزلة , أتمنى أن أُوفقَ إلى مقدمةٍ قصيرةٍ تلقي ضوءاً على هذه المنزلة . تمهيد : الشيء الذي يلفتُ النظر : أنَّ النجاحَ في الحياة يُعزى إلى صِحة التصور، وأنَّ الإخفاقَ فيها يُعزى إلى سوء التصور ، فلو أنَّ طالباً حققَ نجاحاً عالياً في امتحانٍ ما ، هذا النجاح يُعزى إلى حُسن تصور الطالب , لضبطه للوقت , ولاستخدامه للوقت , ولإتمامِ ما يجبُ أن يُتمه , فإذا أخفق فيجب أن نتساءل : لعلَّ هناكَ خطأً في تصوره . ما الذي جعلَ المسلمون في فجر الإسلام وفي عقود الازدهار يتفوقون , والله سبحانه وتعالى يُمكّنهم , ويستخلّفهم , وتُرفرف راياتهم في مشارق الأرض ومغاربها ؟ وما الذي جعلهم بعدَ وقتٍ معين في مؤخرةِ الأمم ؟ لماذا كانت كلمتهم هي العليا وليست كلمتهم عُليا في وقتٍ آخر ؟ لماذا كانوا أقوياء في وقت وليسوا كذلك في وقتٍ آخر ؟ لماذا كانوا دُعاة ورُعاة للأمم , فلماذا أصبحت الأمم ترعاهم وتتولى الوصاية عليهم ؟ . ![]() هذا سؤالٌ كبير , القرآن هو هوَ , والسُنّة هي هيَ , والعلم هناك ازدهار في العلم , هناك ازدهار في نشر العلم ، ما الذي جعلَ المسلمون السابقون في القِمة , وما الذي جعلَ بعضهم في الحضيض ؟ لماذا كانوا مُثلاً عُليا ؟ لماذا فتحوا البلاد ؟ لماذا رحموا العباد ؟ هذه أسئلة كبيرة . لا شك أنَّ أصحابَّ النبي عليهم رِضوان الله شيء فَهِموا الإسلام فهماً صحيحاً ، ولا شك أنَّ الرعيلَ الأخير الذي جاء في آخر الزمان فَهِمَ الإسلامَ فهماً سيئاً . من باب التوضيح : إنسان عنده شركة سيارات كبيرة جداً , كل يوم ينفجر بسياراته 100 إطار ، لماذا ؟ ما السبب ؟ وشركة أخرى لا ينفجر إطار في الشهر مرة مثلاً , ماذا نقول ؟ نقول : لعلَّ مديرَ هذه الشركة أعطى تعليمات إلى جعل ضغط الهواء ضغطاً عالياً لا يتناسب مع الجو , فكلما أسرعت هذه المركبة تمدد الهواء وانفجرَ الإطار , فالخطأ في عقل مدير هذه الشركة ، الذي أعطى هذه التوجيهات بشكلٍ مغلوط ، فكلما انفجرَ إطار , يأتي هذا المدير ويوبخ صاحبَ المركبة ، العاقل والعالِم يقول : هناك خطأ في التصميم ، هناك خطأ في المنهج ، هناك خطأ في الفهم , هناك خطأ في التصور ، هذا المدير العام لهذه الشركة الضخمة : يجب أن يعلم أنَّ الإطار يجب أن يكون له ضغط للهواء في الصيف معين , نحن حينما نرى أخطاء كثيرة , في تمزق ، في تبعثر ، في ضعف ، في ركون للدنيا ، في رغبة في مُتع الحياة ، في عِداء ، في تباغض ، في تحاسد ، في ضعف عام , هناك خطأ في التصور , كأنَّ هذه المنزلة التي نحن بصدد الحديث عنها , كأنها إجابةٌ شافيةٌ لِما يعاني المسلمون من مشكلات . هناك مشاعر عاطفية إسلامية هذه نحترمها ولكن لا تكفي ، هناك شعور إسلامي جيد , كل مسلم يتمنى أن يكون المسلمون بوضع مقبول ، بوضع ممتاز ، بوضع عزيز ، بوضع قوي , بوضع فيه تفوق ، لا شك هذه العواطف نحترمها , ولكن هل تكفي العواطف ؟ هل يكفي أن أتعاطف مع الإسلام والإسلام يُعاني ما يُعاني ؟ أينَ الخطأ ؟ أينَ الخلل ؟ أينَ الضعف ؟ أصحابُ النبي من طينةٍ أخرى ، من بُنيةٍ أخرى , لا والله , يعني الإله تغيّر ؟ لا والله , هو هو, الله سبحانه وتعالى أسماؤه حُسنى, وصفاته فُضلى, وهو معنا أين ما كُنّا؟ معنا من قبل , ومعنا الآن , ومعنا من بعد, الإله هو هو ، القرآن هو هو ، الحق هو هو . تصور العلماء للدين شيء مهم جداً , ومن هنا كانت هذه المنزلة , اسمها منزلة رعاية الأسباب ، وأقول لكم دائماً : ﴿ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم ﴾ يعني أنتَ إذا بإمكانك أن تُقنع الآخرين أن هذا هو الصواب فيها ونعمت , وإن لم يكن بإمكانك أن تُقنعهم افعل ما أنتَ قانعٌ به , تنل من الله كلَّ الوعود , وتقطفَ كلَّ الثِمار ، وإن أقنعتَ الناس بأن يفعلوا ما هوَ صواب , كان الفرجُ عاماً . لماذا تفوق الصحابة والتابعين ؟ الموضوع يشمل كل مسلم . في كل مهنة . في كل حِرفة . هذا السؤال الكبير : لماذا تفوقَ أصحاب النبي ؟ لماذا تفوقَ التابعون ؟ لماذا كانوا مستخلفينَ في الأرض ؟ لماذا كانت كلمتهم هي العُليا ؟ لماذا كانوا مُمكنين ؟ ولماذا نحن متخاذِلون ؟ لماذا نحن ضعفاء ؟ لماذا كلمتنا ليست هي العُليا ؟ ما السر ؟. أقول لكم بكل تأكيد هناك خطأ في التصور . يعني مثلاً : لو أوهمنا سائق مركبة , أن ضوء الزيت إذا تألق يكون تسليةً لك , وهو في الحقيقة خطر على المُحرك ، فالذي فَهِمَ سِرَّ هذا الضوء الأحمر في العدادات التي أمامه يقف فجأة ويضيف الزيت ، والذي ظنَّ أنَّ هذا الضوء للتسلية يتابع السير , فإذا بالمركبة يحترق مُحركها , ويدفع المبالغ الطائلة لإصلاحها , أحياناً لا يهمني الخطأ بالواقع , يهمني الخطأ أين ؟ في التصور , لمّ المُحرك احترق ؟ ما السبب ؟ لِظنِّ السائق أن ضوءَ الخطر الذي تألق ليُسلّيهُ لا ليُنذرهُ . الأخذ بالأسباب والتوحيد : ![]() في ضوء هذا التمهيد نشرحُ هذا الموضوع , تجد المسلم يتوكل على الله في أعماله , لا يُتقن عمله ويتوكل ، لا يأخذ بالأسباب ويتوكل ، وقلبه مشرك ، بقلبه يعتمد على زيد أو عُبيد , وعمله ظاهره متوكل ، هذا خطأ مزدوج والعكسُ هوَ الصواب , يجب أن يتوكلَّ بقلبه , وأن يسعى بعمله ، والأحداث والظروف والصِدامات في العصور الحديثة تؤكد هذه المقولة . قال : من منازل إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين : منزلة رعاية الأسباب , ذلكَ أنَّ التوحيد : ما تعلمت العبيد أفضلَ من التوحيد . أن تقول : لا إله إلا الله , لا مُسير لا ربَّ إلا الله , لا خالِقَ إلا الله , لا معطيَ إلا الله , لا مانعَ إلا الله , لا مُعزَ إلا الله , لا مُذلَ إلا الله , لا باسطَ إلا الله , لا قابضَ إلا الله ، هذا التوحيد . والتوحيد له مستويان : مستوى قولي لساني , وهذا سهل جداً . ومستوى نفسي . فكم من موحدٍ مُشرك ؟ كم من موحدٍ بلسانه مشركٍ في قلبه في جنانه , يقول : لا إله إلا الله بلسانه , وكلُّ اعتماده على فلان , وكلُّ ثِقته بماله , كلُّ اعتماده على قوته , كلُّ اعتماده على أولاده , كلُّ اعتماده على أهله ؟ هذا موحد مُشرك بآن واحد , يؤكد هذا قول الله عزّ وجل : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف الآية: 106] يا ليت هذا الخطأ في التصور أو في العقيدة يبقى في العقيدة ، هذا ينعكس في السلوك , ينعكس في حياتنا العامة ، ذلكَ أنَّ التوحيدَ يقتضي القيامَ بالأسباب الظاهرة . ![]() أخي ابنك مريض , يقول : سلّمته لله , هذا الكلام هوَ الجهلُ بعينه ، أنت بالرياضيات مُقصّر , يقول : أنا الله عزّ وجل يُكرمني , كل سنة أدعوه دعاءاً حاراً فيوفقني , هذا هو الجهلُ بعينه ، هذه البضاعة لا تُباع معك , تقول : سبحان الله ! أنت عندما اشتريتها , كنت دقيقاً بشرائها , درست السوق , درست النوعية , درست السعر , أخذت بضاعة سيئة بسعر مرتفع , انظر لهذا الموقف الذي فيه جهل ، ما دام المسلمون في هذا الجهل , يعزون أخطاءهم إلى القدر ، كلما وجدَ مشكلة بحياته , يقول لكَ : أخي الله لم يسمح , الله لم يرد , الله لم ييسر , الله لم يجبر , هذا الموقف الذي كانَ الصحابة على عكسه . قال: التوحيد إذا كنتَ موحداً , إذا رأيتَ يدَ اللهِ لا يدَ غيرها ، إذا رأيتَ أنَّ الأمر كله بيد الله ، إذا رأيت أنَّ الله هو كلُّ شيء ، قال : يجب أن تأخذَ بالأسباب كل الحركات والأعمال ، ويجب أن تعتبرها , يعني أن تحترمها , أن تهتمَّ بها ، ويجب أن لا تُهملها ، ويجب أن لا تُعطلها ، النجاح في الامتحان يحتاج إلى دراسة ، النجاح في التجارة يحتاج إلى دراسة , السوق نوع البضاعة , وأسعار البضاعة , والكمية المناسبة , والتصنيف المناسب , وعرض البضاعة بشكل جيد , كلٌّ شيء يجب أن تأخذَ بأسبابه ، إذا أردتَ أن تنتمي إلى أمةٍ كانت فيما مضى أمةً رائدةً للأمم , إذا أردتَ أن تنتمي لأمةٍ كانت في مقدمة الأمم , هذه الأمة بدأت كما فعلَ النبي عليه الصلاة والسلام . مثل تعرفونه دائماً: هل في الأرضِ كلها إنسانٌ, يستحقُ النصرَ والتأييد والعون كرسول الله؟ أكمل إنسان رسول الله، يوحى إليه، جاء بالإسلام، ومع ذلك: ما فرّطَ في الأخذِ بالأسباب قيدَ أنملة . التوحيد إذا كنتَ موحداً, يجب أن تأخذَ بالأسباب, وأن لا تهملها, وأن لا تُعطلها, وأن تعتمدها, تعتمد أن تأخذها, لأنَّ هذا من لوازم التوحيد، أما إذا عزلتها, وأهملتها, واحتقرتها, وتجاوزتها, فأنتَ لستَ موحداً . فموقف الاستكانة، موقف التقصير، موقف الكسل، موقف التسيب، هنا خسران ووضعك سيء، ليسَ هذا موقفاً صحيحاً إسلامياً, الموقف الإسلامي ابنكَ مريض, يجب أن تأخذه إلى الطبيب, وأن تختار أفضل طبيب, وأن تشتري الدواء الصحيح, وأن تعطيه الدواء بعنايةٍ فائقة, وأنتَ في كلِّ هذه الحركات تقول: يا رب لا شافي إلا أنت, بهذا يُصبحُ حالُكَ طيباً، بهذا تقوى، بهذا ترقى، بهذا تستحقُ تأييد الله، بهذا تستحقُ نصرَ الله، بهذا تستحقُ إكرامَ الله عزّ وجل . في نقطة دقيقة: دائماً التطرف سهل، مثلاً: أب سهل جداً, أن يكون ليّناً, ضعيف الشخصية، لا يحتاج هذا إلى ذكاء, كل قضية ساكت، ابنه تطاول ساكت، ابنته تأخرت غير آبه، ابنته وضعها لا يُناسب لا تحتج، صهره مُقصّر يغض الطرف، زوجته مهملة لا يناقش، وسهل أن تكون عنيفاً, كل غلطة تضرب، كل غلطة تسب، الموقف العنيف سهل, واللين سهل ، أما الموقف البطولي: أن تكونَ في الوقت نفسه مرغوباً ومرهوباً، أن يرجوكَ من معك, وأن يخافَ منك . ![]() ألا تكونَ ليّناً فتُعصر, وألا تكونَ قاسياً فتُكسر, ألا تُؤله الأسباب. سمعتُ عن قصة طبيب, اكتشف أن الجري شيءٌ له آثار في صحة القلب, لا يعدلها شيء، هو يجري كلَّ يوم, ويكتب المقالات, ويتحدث, وينصح, لكنه اعتمد على الجري وحده ، وظنَّ أنَ الجريَّ هو كلُّ شيء، وظنَّ أنَّ الذي يجري لا يموت، وأنَّ الذي يجري لا يمرض ، وأنَّ الصحةَ كلها في الجري، ودبّجَ المقالات، وكتب الأحاديث، ونصح الناس، وكان يجري كلَّ يوم ساعتين فأكثر، وماتَ وهو يجري, وكان في ريعان الشباب, هذا ما فعل هذا الطبيب؟ ألّهَ الأسباب هذه حالة . وفي إنسان يتوكل على الله, ويهمل الأسباب, ويتوكل على الله بسذاجة، فالتوكل مع إلغاء الأسباب سذاجة وجهل، وتأليه الأسباب جهل، هذه غلط وهذه غلط، لا ترقى إلا بأخذكَ بالأسباب, وتوكلكَ على ربِّ الأرباب, هذا الكلام دقيق جداً, يمس كل مسلم، يمس كل صاحب مصلحة، كل صاحب مهنة، كل صاحب معمل، كل تاجر، كل مدرّس، كل مهندس, كل طبيب, كل أب، كل أم، كل زوجة، هذا يمسُّ كلَّ الناس . لن تكتحلَ عيناك برؤية المسلمين أقوياء, لهم الكلمة العُليا، رعاة للأمم بعدَ أن كانوا رعاة للغنم, لن ترى المسلمين قادة، لن تراهم في الصدارة, إلا إذا طبقوا هذا الموقف الدقيق, من السهل أن تأخذَ بالأسباب وتعتمدَ عليها وتؤلِهها، ومن السهل أن تدعها وأن تعتمدَ على الله ساذجاً, ولكن البطولة أن تأخذَ بالأسباب وأن تتوكل على الله . عَنْ جَابِرٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَارِبُوا وَسَدِّدُوا, وَاعْلَمُوا أَنَّ أَحَدًا مِنْكُمْ لَنْ يُنْجِيَهُ عَمَلُهُ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْتَ؟ قَالَ: وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ)) هل هناك أوضح من هذا الحديث: ((اعملوا واعلموا أنَّ أحداً منكم لن ينجيه عمله)) طبّق كلَّ القواعد الصحيّة، أما إذا طبّقتها, واستغنيتَ بها عن الله, وألهتها, لن تنجوَ من المرض, يجب أن تأخذَ بها, وأن تعتمدَ على الله عزّ وجل, وأن ترجوَ الله . اعملوا واعلموا, ادرس وتوكل، وانتق البضاعة الجيدة بالسعر المناسب, ثم توكل في بيعها على الله عزّ وجل, أقم كلَّ الأسباب, وتوكلّ على ربِّ الأرباب, هذه منزلة رعاية الأسباب . عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ جَالِسًا, وَفِي يَدِهِ عُودٌ يَنْكُتُ بِهِ, فَرَفَعَ رَأْسَهُ, فَقَالَ: مَا مِنْكُمْ مِنْ نَفْسٍ إِلا وَقَدْ عُلِمَ مَنْزِلُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَلِمَ نَعْمَلُ أَفَلا نَتَّكِلُ؟ قَالَ: لا اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ, ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾إِلَى قَوْلِـهِ: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾)) اعمل واعلم أنكَ مُيسرٌ لِما خُلقتَ له, خُلقتَ ليرحمكَ الله عزّ وجل, حينما تعمل الطاعات, فقد حققتَ المُراد الإلهي، فإذا عَمِلتَ المعاصي, وأنتَ قد خُلقتَ للرحمة والإكرام, فلا بد من العِلاج . النبي عليه الصلاة والسلام هذا الذي لا ينطقُ عن الهوى, كلام النبي يُمثل تعليمات الصانع, قالَ: يارسولَ الله! أرأيتَ أدويةً نتداوى بها، ورُقىً نسترقي بها، وتُقاتاً نتقي بها، هل تردُ من قدر الله شيئاً؟ أحياناً مُحاكمة ساذجة إذا الدواء أخذته, والله كتبَ لي أن أمرض يُفيدني, قلتَ له: لا، إذا الله عزّ وجل كتبَ ليَّ الشفاء, الدواء يُشفيني, لا, إذاً: اترك الدواء, هذه محاكمة الجهل . عَنْ أَبِي خِزَامَةَ قَالَ: ((سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَأَيْتَ أَدْوِيَةً نَتَدَاوَى بِهَا, وَرُقًى نَسْتَرْقِي بِهَا, وَتُقًى نَتَّقِيهَا, هَلْ تَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا؟ قَالَ: هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ)) هيَّ أيضاً من قدرِ الله، إنكَ إذا استخدمتَ الدواء, فررتَ من قضاء الله وهو المرض, إلى قضاء الله وهو الشِفاء، المرض قضاء الله, والشِفاء قضاء الله, فررتَ من قضاء الله إلى قضاء الله, هذا الموقف الدقيق, لن نرقى، لن نقوى، لن نعلو، لن نُعز، لن نُستخلف، لن نطمئن، إلا إذا كُنّا هكذا . القصة الشهيرة التي حدثتكم عنها كثيراً وهيَ: أنَّ سيدنا عمر -رضي الله عنه- حينما سافرَ إلى الشام, وقفَ على أبواب الشام, وكانَ فيها الطاعون, فرجعَ عمر, خافَ أن يدخلَ بأصحابِ رسول الله إلى الشام, فقال له أبو عُبيدة: يا أمير المؤمنين, أتَفِرُ من قَدَرِ الله؟ فقال عمر: لو غيركَ قالها يا أبا عُبيدة, أفِرُ من قَدَرِ الله إلى قَدَرِ الله، الطاعون قدر الله والشفاء قدر الله, وأنا فررتُ من قدر الله إلى قدر الله, ثمَّ نادى في الجيش: هل فيكم من سَمِعَ من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً في الطاعون؟ انظر للأدب, قال: هذا تعليم لنا . يعني ممكن أن يكون أمير المؤمنين, وسأل أصحابه: هل سَمِعَ أحدكم عن رسول الله في هذا الموضوع؟ أجيبوني. يعني أنتَ إذا كُنتَ لكَ مكانة علمية, لا تستنكف أن تسألَ الآخرين، تزدادُ عندهم مكانةً, ليسَ هذا طعناً في عِلمك, اسأل . سيدنا عمر, عِملاق الإسلام, أمير المؤمنين, قال لأصحابه: هل منكم من سَمِعَ شيئاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً في الطاعون؟. عَنْ أُسَامَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ هَذَا الطَّاعُونَ رِجْزٌ, سُلِّطَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ, أَوْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ, فَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ, وَإِذَا كَانَ بِأَرْضٍ فَلا تَدْخُلُوهَا)) هذا موقف علمي . ![]() أحد العلماء كان في بلد أجنبي, والتقى مع عالِم من كِبار عُلماء الجراثيم, وسأله هذا السؤال: يعني إذا كان في بلدة فيها مرض سارٍ, ماذا يجب أن نفعل؟ عالِم بعيد عن الإسلام بُعدَ الأرضِ عن السماء, ولا يعلم ما الإسلام؟ ولا ما القرآن؟ ولا ما حديثُ النبي العدنان؟ سُئل هذا السؤال: مرض سارٍ وبائي في بلد, ماذا ينبغي أن نفعل؟ قالَ: أولاً: نضربُ حولَ هذا البلد نِطاقاً، نمنع الدخول إليه، من أجل العدوى، فالخطر لا في المرضى، في حَمَلةِ هذا الجرثوم, كيفَ كشفَ النبي هذه الحقيقة؟ طبعاً: إذا كانَ الطاعون في بلد فلا تدخلوه, لأنَّ فيه عدوى, أما لا تخرجوا منه؛ هذه لا تُعرف إلا بالمخابر، لا تُعرف إلا بعد تحليل دم إنسان صحيح سوي, هذا حامل جرثوم . سنسمع مجموعة آيات ؛ مثلاً : ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾ [سورة الحجر الآية: 21] ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ [سورة الحجر الآية: 19] ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [سورة القمر الآية: 49] ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [سورة يس الآية: 39] ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآَخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة المزمل الآية: 20] ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً﴾ [سورة الطلاق الآية: 3] ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾ [سورة الفرقان الآية: 2] ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ﴾ [سورة عبس الآية: 18-19] ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 18] ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [سورة الشورى الآية: 27] كم آية ؟ كُلها بقدر ، قال : المعنى في كلِّ هذا خلقه بنظام وترتيب، خلقه بقدر, هناك سٌنن، هناك أسباب، هناك مُسببات، هناك نتائج، فإذا كانَ تصميم الكون وفق الأسباب والنتائج, وفقَ التقدير الدقيق، وفق الحساب الدقيق، وفق النظام الرائع، أنتَ أيها المؤمن؛ يا من تدعي أنكَ مؤمنٌ بالله، هل يليق بك أن تُهملَ نظام الله عزّ وجل؟ أن تُهملَ هذه السُنن؟ أن تُهملَ هذه المعطيات؟ ألاّ تبالي بهذه القواعد؟ ألاّ تبالي بهذا التقدير؟. من لم يأخذ بالأسباب : أنا أصدقكم القول: كلُّ مؤمنٍ يستخفُ بالأسباب, فهو سيء الأدب مع الله عزّ وجل، كلُّ مؤمنٍ يستخفُ بالأسباب ويحتقرها, ولا يبالي بها, ولا يأخذُ بها, فهو يُسيء الأدبَ مع الله عزّ وجل، لو أنَّ إنساناً ركبَ مركبته, ولم يُراجعها قبلَ السفر, لعل هناك قطع تالفة، لعل هناك حاجات ناقصة، لعل هناك خلل في المِكبح، إن لم تُراجع هذه المركبة, وفوجئتَ بحادث, أو بطارئ, أو بانقطاع, فأنتَ لم تأخذ بالأسباب, ولم تتأدب مع الله عزّ وجل، لا نرقى ولا نقوى ولا نستحقُ نصر الله عزّ وجل, ولا نستحق تأييده وعونه وحِفظه, إلا إذا تأدبنا مع سُننه. يعني أنت عندك مدرسة, فيها نظام دقيق, قلت: الدخول الساعة الثامنة، جاءك طالب وهو ابن صديقك الساعة التاسعة, ما دام المدير نظّم هذا النظام, قال: يُغلق الباب الساعة الثامنة, وعلى المتأخر أن يبقى خارج المدرسة, هذا نظام, إذا كنتَ تُقدّر صاحبَ هذه المدرسة, تُجِلُّ هذا النظام, وتتقيد به, وتحترمه . الآن اسمعوا الكلمة الدقيقة: ما من مؤمنٍ يُهمل الأسباب, ويستخفُ بها, ولا يعبأ بها, ولا يعتني بها, ويُهملها, ويدّعي أنه متوكل, فهو كاذب, وهو مسيءٌ للأدب, ولا يستحقُ نصر الله, ولا تأييده, ولا حِفظه, لا أقول لكَ: يجب أن تأخذَ بالأسباب الكاملة, قد تكون الكاملة ليست في مقدورك, وأنت في قرية, ولا يوجد غير طبيب واحد في العاصمة, أطباء كثر أعلم بكثير, لكن ليس بإمكانك الوصول إليهم, أن تاخذ هذا الابن إلى هذا الطبيب المتواضع, هذه كلُّ أسبابك, هذا الذي تملكه، أنا أقول: يجب أن تأخذ بالأسباب المتاحة لكَ, أنا لا أطالبك أن تأخذ بالأسباب المُطلقة، بالأسباب المتاحة, إن أخذتَ فقد تأدبتَ مع الله عزّ وجل . السقوط له قانون معروف, كل أخواننا الطلاب درسوه بالفيزياء, قانون السقوط, أنت لا تقدر أن تُلقي بنفسكَ من طائرة متوكلاً دون مظلة, هذه نقطة مهمة جداً, هذا القانون قائم فهمته أو لم تفهمه, بجلته أو لم تبجله، صدقته أو لن تصدقه، كذلك في كل شيء آخر لا ينبغي أن تُقدمَ عليه دون أن تأخذَ بالأسباب، عدم الأخذِ بالأسباب هو سببُ تخلف المُسلمين، عدم الأخذِ بالأسباب هو سببُ ضعفهم، عدم الأخذِ بالأسباب هو سبب تخلي الله عنهم . مدير مدرسة وضع نظاماً دقيقاً, يأتي ابن صديقه مُخالفاً لهذا النظام, أليست في مخالفة هذا النظام احتقار لهذا المدير؟ أليسَ من سوءِ الأدب ألا تُبالي بهذا النظام؟ فكل إنسان يهمل الأخذ بالأسباب, ويفعل ما يحلو له؛ بلا تروّ، بلا دقة، بلا حسابات، بلا دراسات، فهو إنسان بعيد عن الدين، ودائماً أعداء الدين يتهمون المسلمين بأنهم متواكلون، بأنهم حالمون، بأنهم عاطفيون, بأنهم يثارون لأتفه الأسباب، وتضعف هِممهم لأتفه الأسباب, أنتم على حق, الأولى بنا أن نأخذ بالأسباب, أن نقوى، الكلام لطالب ادرس جيداً تفوق، لمدرس، لمهندس، لعامل، لصانع، لتاجر، يجب أن تكونَ في عملكَ الأول، إذا فعلنا كلنا هذا نرقى . الآن : اسمعوا آيات ثانية : ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 57] ![]() الله عزّ وجل هل هو بحاجة إلى المطر كي ينبت الزرع؟ إذا أراد إنباتَ الزرع هل هوَ مضطرٌ كما هو الإنسان إلى إنزال المطر؟ عبّرَ عن هذا علماء العقيدة بنفي العِلةِ الغائية عن الله عزّ وجل, أنتَ كإنسان إذا أردتَ أن تأكلَ خبزاً, لا يمكن أن تأكل هذا الخبز, إلا إذا زرعت القمح, ونبتَ القمح, وحصدت القمح, وطحنتَ القمح وخبزته، فأنتَ كإنسان مقهورٌ بالأسباب لا تقدر, إلا أنَّ الله سبحانه وتعالى يجب أن ننفيَ عنه العِلة الغائية: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [سورة يس الآية: 82] الآن كل الآيات خِلاف هذه الفِكرة, اسمع: ﴿فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات﴾ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 164] ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة المائدة الآية: 16] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [سورة المائدة الآية: 105] ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 52] ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 182] كلها باء السببية, هذا بما قدمت أيديكم، الأرض أحياها بالأمطار، الأشجار أثمرت بالماء, كيف نوّفق بين أن الله سبحانه ليسَ مقهوراً بالأسباب, وهذه الآيات كلها تؤكد الأسباب؟ هذا نظام الكون, هو إذا أرادَ شيئاً يقول له: كُن, ولكن جعلَ إنباتَ النبات عن طريق المطر, والمطر عن طريق السحاب, والسحاب عن طريق الشمس, والشمس عن طريق البحر، مُسطح مائي كبير، أشعة شمس مُسلطة, تبخر، تكاثف السُحب، تأتي الرياح تُحرك السُحب، هذه السُحب مشحونة بِقوى كهربائية معينة، هذه السُحب لها درجة حرارة معينة، تدخل في منطقة باردة تبرد, وإذا بردت بخار الماء يحمل بدرجة 30 فرضاً خمسة غرامات ماء المتر المكعب ، من الهواء يحمل بدرجة 30 خمسة غرامات بخار ماء, فإذا بردّتَ هذا الهواء, يتخلى عن نصف الماء، فكل طبقة هواء مُحملة ببخار الماء, إذا دخلت في منطقة باردة, تتخلى عن جزء من بخار الماء, ينعقد على شكل حبات مطر, فيكون المطر المطر يحيي الزرع، كل الحياة أسباب، هذا المولود بسبب زواج فلان من فلانة، هذه المزرعة بسبب زرع البذور . ربنا عزّ وجل نظّمَ الكون وفق الأسباب, وأودعَ فيكَ عقلاً, لا يفهم الشيء إلا بسببه، العقل في مبدأ السببية والكون أساسه الأسباب، العقل في مبدأ الغائية والكون أساسه الغايات . ![]() قال: والقرآن مملوءٌ كله من ترتيب الأحكام الكونية والشرعية, والثواب والعقاب على الأسباب بطرقٍ متنوعة, فيأتي مثلاً بباء السببية، مرة باللام لام التعليل، مرة بأن التعليلية، مرة بكي التفسيرية، مرة بذكر الوصف، مرة بالتعليل الصريح, يعني آيات لا تعد ولا تُحصى, تُرينا أنَّ الله عزّ وجل حينما خلقَ الكون نظّمه، لتجده في سن الـ 18 مهذباً راقياً, عنده حياء وخجل, دون تربية, آباء يقولون لك: سلّمته لله, يتفاجأ بعد فترة أنَّ ابنه سيء الخُلق، منحرف الطِباع، هذا كلام لا يعني شيئاً, الخُلق والاستقامة تريد التربية، تريد الاهتمام، تريد الرعاية، يجب أن تكون راعياً دائماً، تأخذه معك، تراقبه، تنصحه, مرة بالإكرام، مرة بالشِدة، مرة بالتهديد، مرة بالوعيد، مرة بالوعد، مرة بالمكافأة، مرة بالعقاب، مرة بالهجران، تسأل متى جاء؟ ومتى ذهب؟ ومن صديقه؟ ومع من يمشي؟ وأين كنت سهران؟ وأريد أن أرى بيتَ صديقك, تريده وأنت غافل عنه, وأنت تاركه وهامله، تريد أن تفتح عينيك, تجد ولداً على أخلاق، على علم، على فهم، مستحيل هذا الكلام, هذا كلام السُذج، كلام الجهلة . يا أخوان, كلما تركنا الأسباب تقهقرنا، كلما تركنا النظام الذي خلقه الله عزّ وجل تراجعنا، كلما أهملنا هذه السُنن والنواميس تخلّفنا. قال تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 29] ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 85] ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ [سورة سبأ الآية: 17] في نظام, التعامل مع الله سهل جداً، في قواعد عامة, مثلاً: مدير عام بمؤسسة, بمعمل, بمدرسة, بمستشفى, وضع نظاماً, قال لك: كلّ إنسان يمضى عليه سنة, لا يتأخر إطلاقاً, له كتاب شكر، إذا مضى سنة ولم يأخذ ولا تقرير طبي, له كتاب شكر ثانٍ، إذا مضى سنة ولم تسحق له عقوبة, له كتاب شكر ثالث، إذا مضى سنة ولم يأخذ بحقه تقصير أو تقرير تفتيشي, له كتاب شكر رابع . حينما يُتاح لنا أن نُرسل إنساناً في بعثة خارجية نقول: من الذي معه خمسة كُتب شكر؟ أعطاك نظاماً دقيقاً هذا المدير؛ لا محاباة, ولا قرابة, ولا واسطة, ولا زُلفى, فالتعامل مع هذا المدير مريح, لا أحد أفضل من أحد, كلهم سواء, وفق نظام دقيق، لكن لو كان في محاباة, وهذا ابن عمه, وهذا أخوه, وهذا ابن حارته, وهذا يقدّم له الهدايا, وضع هذا, وأقالَ هذا, التعامل مع هذا الإنسان صعب جداً, شخص مزاجي, إذا أردتَ أن تتعرف إلى الله عزّ وجل, الخلقُ كلهم عِندَ الله سواء. لا أنسى هذا القول لسيدنا عمر, قال له: يا سعدُ, سعدُ بن أبي وقاص هذا الذي ما فدى النبي صلى الله عليه وسلم إنساناً غيره, قال له: ارمِ سعدُ فِداكَ أبي وأمي, سيدنا عمر قال له: يا سعدُ لا يُغرّنكَ أنكَ خالُ رسول الله, وفداك بأُمه وأبيه, فالخلق كلهم عِندَ الله سواسية, ليسَ بينه وبينهم قرابةٌ إلا طاعتهم له, أنا ابن فلان، الحي الفلاني، ابن العائلة الفلانية، دخلي كذا, حجمي كذا، كلام فارغ . ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [سورة الحجرات الآية: 13] ![]() هذه المعاني رائعة جداً، التعامل مع الله مريح, لأنه في قوانين: ﴿إنَّ أكرمكم عِندَ الله أتقاكم﴾ أقرب إنسان إلى الله من أطاعه كائناً من كان, اسمعوا وأطيعوا, هكذا قال النبي, ولو تولى عليكم عبدٌ رأسه كالذبيبة, عبد مستقيم على العين والرأس. سيدنا بلال قال له أحد أصحاب النبي بساعة غضب: يا بنَ السوداء, غَضِبَ النبي غضبةً ما غَضِبَ مثلها, قال له: إنكَ امرؤ فيكَ جاهلية, فهذا الصحابي الجليل وضع خده على الأرض, وقال: يا بلال, طأ على خدي بقدمك كي يرضى رسول الله، ضع قدمكَ فوقَ خدي حتى يرضى عني رسول الله، لا أحد أفضل من أحد . سيدنا بلال يأتي إلى المدينة, فيخرج عمر لاستقباله، أبو سفيان زعيمُ قريش, يقف بباب عمر ساعات, دون أن يؤذنَ له, وهو يرى بلال وصُهيب يدخلان ويخرجان بلا استئذان, غير معقول هذا, فلما دخلَ عاتبه, قال له: زعيم قريش, سيد قريش, يقف ببابك ساعات طويلة, وصهيب وبلال يدخلان بلا استئذان!؟ قال له: أنتَ مثلهما؟ بالإسلام لا أحد أحسن من أحد، أنتَ وطاعتك، أنتَ واستقامتك، أنتَ وإخلاصك، أنتَ وعملكَ الصالح، فالتعامل مع الله مريح جداً لوجود قوانين . قوانين القرآن : ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [سورة فصلت الآية: 30] لذلك: التعامل مع الله, لا تحتاج إلى يمين تحلفه له, ولا شهادة, قال له: والله يا ربي لم أعمل هذا الشيء, شاهدك أنك لم تعمل شيئاً, ولا تحتاج إلى وصل، فالتعامل مع الله عزّ وجل مريح, لأنه في قواعد دقيقة، والقرآن قواعد: ﴿كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 33] ﴿ذلك جزاء الظالمين﴾ ﴿ذلكَ جزاء المحسنين﴾ ﴿هل نجازي إلا الكفور﴾ اسمعوا بعض الكلمات الدقيقة لبعض العلماء, قال: الموّحد المتوكل لا يطمئن إلى الأسباب، لا يعتمد عليها؛ ولكن يعتمد على الله عزّ وجل، لا يطمئن إليها, ولا يرجوها, ولا يخافها, ولا يركن إليها, ولكن يكون قائماً بها, ناظراً إلى الله عزّ وجل, تقدر أن تعمل هذا, أن تقوم بأعلى أنواع الأسباب، تُهاجر. هجرة النبي اعتمد على الأسباب : اللهم صلِّ عليه هاجر خبير بالطريق، إنسان يأتيه بالزاد، إنسان لمحو الآثار، إنسان للأخبار، سارَ مُغرّباً, اتجه مُساحِلاً، دخلَ في غار ثور، أخذَ بالأسباب كُلِها، وبعدها توكل على الله، قال له: لقد رأونا, قال له: يا أبا بكر ألم تقرأ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 198] قال له: لو نظرَ أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا، قال له: يا أبا بكر, ما ظنكَ باثنين الله ثالثهما؟ أخذَ بكل الأسباب وتوكل على الله . أتمنى على كل أخواننا الكرام، كل إنسان بعمله، بمهنته، باختصاصه، بدراسته، بوظيفته, بمصنعه، بمعمله، بدكانه، ألا يتسبّب, ألا يجهل، ألا يهمل، أبسط شيء يأكل تفاحة ولم يغسلها, يقول لك: سمِّ بالله وكُل, هذا هو الجهل بعينه . قالَ عليه الصلاة والسلام: ((من أكلَ الترابَ فقد أعانَ على قتل نفسه)) ((من أكلَ فاكهةً دونِ أن يغسلها فقد أعان على قتل نفسه)) فاسمعوا: الموّحد المتوكّل لا يطمئن إلى الأسباب، ولا يرجوها, ولا يخافها, ولا يركن إليها, ولكن يأخذُ بها. المفهوم الصحيح للتوكل : ![]() قال: فلا يصحُّ التوكلُ شرعاً وعقلاً إلا عليه سبحانه وحده, فليسَ في الوجود سببٌ تامٌ مُنجٍ إلا مشيئته وحده, لا يُنجيكَ من أيِّ شيء إلا أن يشاء الله لكَ النجاة, لا يُنجيكَ من كلِّ شيء إلا أن يشاء الله لكَ النجاة, أما أنت يؤتى الحَذر من مأمنه, يا ربي لا ينفعُ ذا الجد مِنكَ الجد، أصحاب العقول الأذكياء, لا ينفعهم ذكاؤهم مع الله، أيام التجار يعبّرون عن هذا الكلام, يقول لك: مع الله لا ذكي. تاجر أربعين سنة بالتجارة, خمسين سنة, عنده خبرات طائلة, يشتري صفقة خاسرة, يُفلّس من ورائها. إذا أراد ربكَ إنفاذَ أمرِ, أخذَ من ذوي العقول عقولهم, ثمَّ ردها لهم فَنَدِموا، لا ينفعُ حذرٌ من قدر . ما الذي ينجيك؟ أن يشاء الله لكَ النجاة، ما أسباب النجاة؟ أن تأخذَ بالأسباب، واللهِ مستقيم استقامة تامة, لم ترف عيني على امرأة, ولا تكلّمت بكلمة, الآن سأصلي وأبكي, لا تبكي, أنتَ لا تقرأ قوله تعالى: إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين, والله يسد عليك، معجب في عُجب سد عليك، لن تستطيع أن تفعلَ شيئاً إلا بمعونة الله عزّ وجل، ولن يقبلكَ بلا أسباب، لن يعينك إلا أن تأخذَ بالأسباب وأن تعتمدَ عليه. قالَ له: يا رب أنا بالجبر قوي, لكن بالهندسة ضعيف يا رب, فرسبَ بالجبر, قالَ له: يا ربي الجبر والهندسة عليك, دخل طالب إلى الامتحان, مؤتمر برلين أين عُقد؟ بقي ربع ساعة, أين عُقد؟ مكتوب مؤتمر برلين أينَ عُقد؟ الله عزّ وجل أغلق على قلبه بالدراسة, بالطب, بالهندسة, كل إنسان مُعتد بنفسه, متكل على علمه, على خبرته, تجده يرتكب حماقات, كيفَ فعلتَ هذا؟ هذا من العُجبِ بالذات . قال: ليسَ في الوجود سببٌ تامٌ موجِبٌ إلا مشيئته وحده, فهو الذي سببَ الأسباب, وجعلَ فيها القِوى والاقتضاء . فإذا جمعتَ بينَ التوحيد وبينَ إثباتِ الأسباب, استقامَ قلبك على السير إلى الله، ووضحَ لكَ الطريق الأعظم الذي مضى عليه جميع الأنبياء والرسل, وهو الصراطُ المستقيم, صراطَ الذينَ أنعمتَ عليهم. قيمة هذا الدرس ليسَ في معلوماته، في تطبيقه, أتمنى من كل أخ من أخواننا الكِرام في عمله, في دراسته, هذا الموقف الذي ينجي: أن تأخذَ بالأسباب وأن تعتمد على الله سبحانه وتعالى . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| مجارى, الاسلامية, التربية, السالكين |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 5 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 12 | 09-22-2018 08:42 PM |
| التربية الإسلامية - الموت | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 5 | 09-06-2018 08:30 PM |
| التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 74 | 08-08-2018 07:11 AM |
| التربية الإسلامية -علم القلوب | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 54 | 07-18-2018 11:42 AM |
| التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 55 | 07-10-2018 03:58 PM |