التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول - الصفحة 3 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات
منال نور الهدى : الإستغفار : سعادة لقلبك ، وغذاء لروحك ، وصفاء لعقلك ، و بركة في مالك ، و صلاح في نفسك و ذريتك ، ورضا من ربك ، فلا تغفل عنه ! منال نور الهدى : لآ نَملُك إختِيَار ﺍﻷقَدار ..! لَكننَا قَريبُونْ مَن صَاحبّ ﺍﻷقَدار رَبي ﺃحسَن أقَدارنَا وَزدَها رضاً برحمتك منال نور الهدى : إن كنت حُرمت من بعض النِعم فقد صُرف عنك أضعافها من النِقم فاحمد الله على كل حال ..

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 07-12-2018, 07:29 AM   #21


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الواحد و العشرون )

الموضوع :تعظيمك لله من محبتك لة






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الفرق بين الإيمان و التعظيم :

أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو موضوع تعظيم الله، فرقٌ كبير بين أن تؤمن به وبين أن تعظمه، إبليس آمن به:
﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
[ سورة ص الآية: 82 ]
قال: ﴿ خَلَقْتَنِي ﴾
[ سورة ص الآية: 76 ]
قال: ﴿ فأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
[ سورة ص ]
فالإيمان بالله شيء، وتعظيمه شيءٌ آخر، تعظيمه يحملك على طاعته، تعظيمه يدفعك إلى أن تقبل عليه، تعظيمه يعني أن تخشاه، تعظيمه يعني أن تحبه، تعظيمه يعني أن تطيعه، فالتعظيم شيء والإيمان به، هذا الإيمان التقليدي الأجوف شيءٌ آخر، وما أوصل المسلمين إلى ما وصلوا إليه من ضعفٍ وتخاذلٍ إلا لأنهم آمنوا ولم يعظموا، أي أهل الأرض مؤمنون بالله حتى الذين يتفننون في سحق الشعوب، ومحو ثقافات الشعوب، ونهب ثروات الشعوب، وقتل الشعوب، كُتب على عملتهم ثقتنا بالله، فأن تقول: أنا مؤمن قضيةٌ سهلةٌ جداً، لكن الذي يدفعك إلى طاعته تعظيمه. بطولة الإنسان أن يُعظم الله لا أن يقول أنا مؤمن :
أخواننا الكرام، في هذا الموضوع آيةٌ هي الأصل، قال تعالى:

﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ* فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ* إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ* فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* قُطُوفُهَا دَانِيَةً* كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ* وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ* وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ* يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ* مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ* هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ* خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ* إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة الحاقة ]
ما عظمه، ما عظم حرماته، ما عظم شعائره، ما عظم بيته، ما عظم أهل العلم، ما عظم الصحابة الكرام، ما عظم الأنبياء والمرسلين، فالبطولة لا أن تقول: أنا مؤمن، إبليس قال: أنا مؤمن، البطولة أن تُعظم الله، لذلك كيف أنك إذا قرأت هذه الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
[ سورة الأحزاب ]
التركيز لا على الذكر، بل على الذكر الكثير، لأن المنافق يذكر الله، قال تعالى: ﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
[ سورة النساء ]
تعظيم الله من خلال آياته أحد سبل الوصول إليه :
إذاً حينما نقول: إيمان، نقصد أن تؤمن بالله العظيم، إذاً أحد سبل الوصول إلى الله أن تعظمه من خلال آياته:
﴿ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة المرسلات الآية: 50 ]
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 67 ]

إذاً الإيمان بالله العظيم يقتضي التفكر في خلق السماوات والأرض.
أيها الأخوة، كنت أضرب هذا المثل كثيراً: إذا قال طفل: معي مبلغ عظيم، والده مدرس، عقب أحد الأعياد قال: معي مبلغ عظيم، أن أقدره بعملتنا مئتي ليرة، فإذا قال إنسان يحتل منصباً رفيعاً في البنتاغون: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً، كلمة عظيم قالها الطفل فقدرناها بمئتي ليرة، فإذا قال هذا الموظف الكبير: أعددنا لهذه الحرب مبلغاً عظيماً، نحن نقدرها بمئتي مليار، الرقم اختلف، الكلمة واحدة قالها طفل وقالها مسؤول كبير، فإذا قال ملك الملوك، ومالك الملوك، وخالق السماوات والأرض: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
إذاً ليس عند الله شيءٌ أعظم من أن تعرفه. (( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء))
[ تفسير ابن كثير]
يا ربي ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟ وإذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ التعظيم أن تعظم الله. (( يا رب أي عبادك أحبّ إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحبّ عبادي إليّ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء، أحبني وأحبّ من أحبني وحببني إلى خلقي، قال: يا ربي إنك تعلم أني أحبك، وأحب من يحبك، فكيف أحببك على خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي ))
[ من الدر المنثور عن ابن عباس]
التفكر في الكون طريق الإنسان للوصول إلى الخالق سبحانه :
عندما تكون المسافة بين الأرض وبين أقرب نجم ملتهب أربع سنوات ضوئية، وابنك الصغير بدقائق معدودة يحسب لك كم هذه المسافة، الضوء يقطع في الثانية ثلاثمئة ألف كيلو متر، في الدقيقة ضرب ستين، في الساعة ضرب ستين، في اليوم ضرب أربع وعشرين، في السنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين، في أربع سنوات ضرب أربع، بدقيقة تحسب هذه المسافة، فلو كان هناك طريق سالك إلى هذا النجم، ومعك مركبة أرضية، والسرعة مئة، أي قسم هذه المسافة على مئة تعرف كم ساعة تحتاج كي تصل؟
قسم على أربع وعشرين كم يوم؟ قسم على ثلاثمئة وخمسة وستين كم سنة؟ فمن أجل أن تصل إلى أقرب نجمٍ ملتهبٍ إلى الأرض تحتاج إلى خمسين مليون عام، خمسون مليون عام قيادة مركبة أرضية بسرعة مئة، من أجل أن تصل إلى أقرب نجم ملتهب، متى تصل إلى نجم القطب؟ أربع آلاف سنة ضوئية، متى تصل إلى مجرة المرأة المسلسلة؟ مليونا سنة ضوئية، متى تصل إلى بعض النجوم التي اكتشفت حديثاً والتي تبعد عنا أربع وعشرين مليون سنة ضوئية ؟ الأربع سنوات تحتاج إلى خمسين مليون عام إذاً: الأربع والعشرون مليون كم سنة تحتاج لنصل إليها؟.
أيها الأخوة، قال تعالى: ﴿ فلا أقسم بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ* وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾
[ سورة الواقعة ]
هذا الإله العظيم ألا يخطب وده؟ ألا ترجى جنته؟ ألا تخشى ناره؟. ﴿ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة القلم ]
﴿ فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ ﴾
[ سورة التكوير ]
التفكر في مخلوقات الله طريق تعظيم الله عز وجل :
إذاً موضوع اليوم تعظيم الله، طريق تعظيمه التفكر في مخلوقاته: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
إذاً ننطلق من قوله تعالى: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

إذا إنسان معه مال عظيم يدعه عند الموت، لا يدخل في قبره إلا كفنٌ رخيص، ليس هناك دفتر شيكات، ولا أموال منقولة وغير منقولة، ولا بيوت فخمة، قبر، من بيتٍ فخمٍ إلى قبر، ماذا أعددنا في القبر؟ الذي لم يؤمن بالله لابدّ من أن يعتدي على خلق الله، أي إذا إنسان أُُطفئت مصابيحه وهو يقود سيارة في طريق متعرج، لابدّ من أن يقع في الوادي ما دام قد أطفئ مصباحه: ﴿ وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
﴿>أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾
[ سورة الماعون ]
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ﴾
[ سورة القصص الآية: 50 ]
فالإنسان إن لم يكن هناك علاقة بين اعتقاده وبين سلوكه، فليعتقد ما يشاء، لأنه ما من اعتقادٍ يعتقده إلا وينعكس سلوكاً يسلكه، فإن صحت العقيدة صحّ العمل، والعالم بين أيديكم، هؤلاء الذين ما آمنوا بالله أصلاً ماذا يفعلون؟ يدمرون الشعوب، ينهبون الثروات، يبيدون الأمم، هم مرتاحون، لذلك: ﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ* فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾
ما من إنسانٍ يضعف إيمانه إلا وينحرف سلوكه، فإذا أنكر وجود الله أصلاً أصبح مجرماً، فالعقاب ليس على عدم الإيمان ولكن على العدوان. تتبع كلمة عظيم في القرآن الكريم :

أيها الأخوة، الآن لو تتبعنا كلمة عظيم في القرآن، أنا أقول لكم هذه الملاحظة: إذا قال العظيم: هذا شيءٌ عظيم، يجب أن نعظمه، فإن لم نعظمه إذاً نحن لم نؤمن بالله، أي الله عز وجل قال: ﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة ]
فالله عنده بلاء عظيم، عنده بلاء تحار منه العقول، أنا حدثني أخ مقيم بالقاهرة، في أثناء زلزال القاهرة، هو صديقٌ لي مقيم هناك، قال لي: عندما وقع الزلزال من شدة الخوف انطلقت امرأته إلى خارج البناء، وقد حملت طفلها الرضيع، في الطريق اكتشفت أن هذا الذي حملته ليس طفلها بل حذاء زوجها: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ* يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾
[ سورة الحج ]
﴿ قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 65 ]
هذه الصواعق، والآن الصواريخ: ﴿ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 65 ]
هذه الزلازل، والألغام، دققوا في الثالثة: ﴿ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 65 ]
الحروب الأهلية. ﴿ إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً ﴾
[ سورة القصص الآية: 4 ]
إذاً إذا قال الله: هذا شيء عظيم، من علامات إيماننا أننا نصدق العظيم إذا قال عن شيءٍ عظيم ﴿ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴾
البهتان :

قال تعالى: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً ﴾
[ سورة النساء الآية: 156 ]
من أدق تعريفات البهتان هو الباطل الذي يتحير في بطلانه ـ هناك تعبير معاصر و هو كلمة ليست عربية تسمى سيناريو ـ يقول لك: سيناريو مطلق، أي مكر، وتمثيلية، هم خبثاء ومجرمون، ولكن يقدمون إجرامهم بقالب إنساني، جئناكم من أجل الحرية، من أجل الديمقراطية، من أجل حقوق الإنسان، ينتهكون حقوق الإنسان كل ساعة، ويتحدثون عن حقوق الإنسان، هذا هو البهتان، باطل لكنه متقن: ﴿ وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
البهتان هو الباطل التي تحار به العقول. مقاييس أهل الدنيا لا قيمة لها :
الآن: ﴿ إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
[ سورة المائدة ]

إذا قال العظيم: ﴿ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾
ما هذا العذاب العظيم؟ فالطفل إذا قال: معي مبلغ عظيم فيقدر بمئتي ليرة، أما إذا قال إنسان كبير في مؤسسة عسكرية أعددنا مبلغاً عظيماً فيقدر هذا المبلغ بمئتي مليار، فإذا قال ملك الملوك: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
أي أن تعرف الله شيء ثمين جداً جداً، كل واحد منا يحب الجمال، والكمال، والنوال، يحب الشيء العظيم، يحب الإنسان العظيم، يحب البيت العظيم، المرتبة العظيمة، المركز العظيم، هذه جبلتنا، هذه فطرتنا.
لذلك كل واحد منا عنده مقاييس للتفوق، أهل الدنيا يعظمون بعضهم بعضاً، أهل الدنيا يعظمون رب المال، يقول لك: فلان حجمه كذا مليار ـ بلكيت حجمه المالي يقدر بتسعين ملياراً ـ فلان مئة وثلاثون ملياراً، فلان دخله خمسمئة ألف دولار بالشهر، مدراء البنوك في العالم الغربي رواتبهم فلكية، فدائماً أهل الدنيا يعظمون أهل الدنيا، فأنت من تعظم؟ بطولة الإنسان أن تأتي مقاييسه مطابقة لمقاييس خالق السماوات و الأرض :
الله عز وجل قال:
﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
[ سورة الأحزاب ]

هل تأتي مقاييسك وفق مقاييس خالق السماوات والأرض؟ أهل الدنيا يعظمون الأغنياء، والأقوياء، والأذكياء، ومن وهبهم الله وسامةً، وذكاءً، وطلاقة لسان، وقوة تأثير، وشخصية قوية، هذه مقاييس أهل الدنيا، لكن الله بمقاييس القرآن ما القيم التي ترجح في القرآن الناس بعضهم على بعض؟ قيمتان فقط، قيمة العلم، وقيمة العمل: ﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 9 ]
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
العلم، والعمل والعمل: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
[ سورة الأحقاف الآية: 19 ]
فما لم تأتِ مقاييسك وفق مقاييس القرآن فلن تفلح، مادامت مقاييسك مقاييس أخرى، المال؟ تجمع المال، والإنسان أي شيء طلبه بصدق يناله: ﴿ كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
[ سورة الإسراء ]
فما مقياسك؟ لذلك بطولتك أن تأتي مقاييسك وفق مقاييس خالق السماوات والأرض، ما دامت مقاييسك تطابق مقاييس القرآن الكريم فأنت ناجح، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾
الكسب و الرزق :
عندنا فضل عظيم:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة الأنفال ]

فضلٌ عظيمٌ جداً أن يلقي الله في قلبك نوراً ترى به الحق حقاً والباطل باطلاً، فضلٌ من الله عظيمٌ جداً أن تستقيم على أمره، أن تحسن إلى خلقه، أن تقبل عليه، لذلك في مقاييسك أيها المؤمن ما الفضل العظيم؟ يقول لك: أخذنا أرضاً ارتفع سعرها مئتي ضعف، يظن نفسه حقق النجاح المطلق، لأنه أخذناها بأثمان بخسة، كان هناك تنظيم للأرض فارتفع سعرها مئتي ضعف، يمشي مزهواً، قد يموت ويتركها ولم ينتفع بها، والفرق كبير جداً بين الرزق وبين الكسب، الرزق ما انتفعت به فقط، الطعام الذي أكلته، الثياب التي ترتديها، السرير الذي تنام عليه، المركبة التي تركبها، وما سوى ذلك كسبٌ لم تنتفع به، ستحاسب عليه، ليس لك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأبقيت، فكل الأرقام بالحسابات أرقام لا تعني شيئاً، وأساساً الأزمة المالية الكبيرة، التي هي زلزال العصر، هذه الأزمة تعني أن الذي كان يكبر ويكبر هو وهمٌ يكبر ويكبر، فلما انكشف القناع انهارت هذه النظم المالية الغربية. الفضل العظيم أن يرى الإنسان الحق حقاً والباطل باطلاً :
إذاً الفضل العظيم أن ترى الحق حقاً والباطل باطلاً:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ ﴾
[ سورة الحديد الآية: 28 ]

دقق: ﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾
[ سورة الحديد الآية: 28 ]
فإذا ألقى الله في قلبك نوراً ترى به الخير خيراً، والشر شراً، والحق حقاً، والباطل باطلاً، فهذا أكبر فضلٍ عليك، ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
تتبعوا في القرآن الآيات التي تنتهي بقوله تعالى: ﴿ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
[ سورة النساء ]
﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
من لم يُعظم ما عظمه الله فهذا ضعفٌ كبير في إيمانه :
أيها الأخوة: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ* فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة التوبة ]

قال عليه الصلاة والسلام: (( اللهم رب السماوات السبع ، ورب العرش العظيم ، كن لي جاراً ))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود ]
أخواننا الكرام، من الأدعية التي كان يدعو بها النبي عليه الصلاة والسلام: (( اللَّهمَّ إِني أعوذ بك من زوال نِعْمَتِكَ ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمر ]
تتمتع بسمعٍ، وبصرٍ، ولسانٍ، وعقلٍ، وصحةٍ، وحركةٍ. (( اللَّهمَّ إِني أعوذ بك من زوال نِعْمَتِكَ ))
أن تزول نعمة الصحة، أن تزول نعمة المال فجأةً، تصادر الأموال كلها، أن تزول نعمة السمع والبصر: (( واجعَلْهُ الوارثَ مني ))
[ أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ]
(( اللَّهمَّ إِني أعوذ بك من زوال نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ عافِيَتك ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمر ]
فجأةً خثرة فقد الحركة، تشمع كبد، فشل كلوي، خثرة في الدماغ، جلطة في القلب، احتشاء قلب، نعوذ بك من عضال الداء، ومن شماتة الأعداء، ومن السلب بعد العطاء. (( اللَّهمَّ إِني أعوذ بك من زوال نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ عافِيَتك، وفُجاءةِ نِقمَتك، وجميع سخطِك ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمر ]
أيها الأخوة الكرام، أتمنى عليكم أنك إذا قرأت القرآن الكريم ومرت معك كلمة عظيم أن تعظم ما عظمه الله، فإن لم تعظم ما عظمه الله فهذا ضعفٌ في إيمانك كبير.







والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-12-2018, 07:32 AM   #22


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثانى و العشرون )

الموضوع : اعتماد قيمة العلم والعمل من تعظيم الله سبحانه وتعالى









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
المؤمن عزيز لا يتضعضع أمام قوي أو غني :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع متصلٍ أشد الاتصال مع :"سبل الوصول وعلامات القبول"، هذا الموضوع هو التعظيم، فالمؤمن يعظم الله من خلال آياته الكونية، يعظم رسول الله، يعظم أصحابه الكرام، يعظم التابعين، العلماء العاملين، الدعاة الصادقين، يعظم المساجد، يعظم كتاب الله، يعظم الأمر، يعظم النهي
من شأن المؤمن أنه يعظم الله، ويعظم من يعظم الله، يروى أن أحد العلماء الكبار كان في الحرم المكي، فلقيه أمير المؤمنين، قال: سلني حاجتك؟ قال: والله إني أستحي أن أسأل في بيت الله غير الله، فالتقى به خارج الحرم قال له: سلني حاجتك؟ قال له: والله ما سألتها من يملكها أفأسألها من لا يملكها؟ فلما ألح عليه، قال: نجني من النار وأدخلني الجنة، قال: هذه ليست لي، قال له: إذاً ليس لي عندك حاجة.
أنت حينما تؤمن بالله لا تتضعضع أمام قوي، ولا أمام غني:
(( من دخل على غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ رواه البيهقي عن ابن مسعود]
أبو جعفر المنصور لقي أبا حنيفة النعمان، قال: يا أبا حنيفة لو تغشيتنا، قال له: ولِمَ أتغشاكم وليس لي عندكم شيءٌ أخافكم عليه؟ وهل يتغشاكم إلا من خافكم على شيء؟ إنك إن أكرمتني فتنتني، وإنك إن أبعدتني أزريت بي.
الملخص أن المؤمن عزيز، ولا يتضعضع لا أمام قوي ولا أمام غني. اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبتُ فإذا اعتززت بمن يموت فإنك عزك ميتُ
* * *

أهل الدنيا يُعظمون أهل الدنيا :

لكن أهل الدنيا يعظمون أهل الدنيا، يعظمون الأغنياء، يعظمون الأقوياء، يعظمون الأذكياء، يعظمون من أتاه الله من حظوظ الدنيا ما أتاه.
بالمقابل سيدنا الصديق ذهب إلى أمية بن خلف ليشتري منه سيدنا بلالاً، أمية بن خلف أراد أن يبالغ في ازدراء بلال، قال له: والله لو دفعت به درهماً لبعتكه، فقال له الصديق: والله لو طلبت به مئة ألف درهمٍ لأعطيتكها، فلما اشتراه وضع يده تحت إبطه وقال: هذا أخي حقاً، طبعاً بالمقاييس الاجتماعية سيدنا الصديق من أعرق أسر قريش، وبلال كان عبداً، المقاييس الاجتماعية وُضعت تحت الأقدام، قال: هذا أخي حقاً، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكروا الصديق قالوا: هو سيدنا وأعتق سيدنا أي بلالاً.
وسيدنا عمر ـ عملاق الإسلام ـ كان يخرج إلى ظاهر المدينة لاستقبال بلال، هذا هو الدين، الدين ألغى الفروق الطبقية، ألغى كل المعطيات الاجتماعية التي أساسها الانتماء، أو أساسها المال، أو أساسها القوة.
اعتماد القرآن الكريم على قيمتي العلم و العمل للترجيح بين البشر :
لذلك القرآن الكريم اعتمد قيمتين مرجحتين، اعتمد قيمة العلم، واعتمد قيمة العمل، ففي القيمة الأولى قال تعالى:
﴿ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 9 ]
وقال: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾
[ سورة المجادلة الآية: 11 ]
واعتمد قيمة العمل فقال: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 132 ]
وأية أمة لا تنهض، ولا تقوى، ولا تتألق، ولا تنتقل من رعاية الغنم إلى قيادة الأمم، إلا إذا اعتمدت قيمة العلم وقيمة العمل وهذه قيم موضوعية، أما الدول النامية الضعيفة كانت ضعيفةً لأنها اعتمدت قيم إنتمائية، قيم المال، أو القوة، أو قيم الانتماء. المؤمن يُعظّم كل ما يتصل بالله عز وجل :
أيها الأخوة، لذلك المؤمن يُعظّم ربه، يُعظّم دينه، يُعظّم قرآنه، يُعظّم المؤمنين، هؤلاء أتقياء، أخفياء، يُعظّم كل ما يتصل بالله عز وجل، الحقيقة الأولى: على قدر المعرفة تُعظّم، بقدر معرفتك لله تُعظّم الله، والشيء الدقيق جداً أنه ما لم تُعظّم ربك فلن تكون مؤمناً ناجياً: ﴿ خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ* إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة الحاقة ]

طبعاً آمن بالله، لكن ما آمن به عظيماً، آمن لأنه خالق، قال له إبليس:
﴿ خَلَقْتَنِي ﴾
[ سورة ص الآية: 12 ]
قال له: ربي ﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
[ سورة ص الآية: 82 ]
قال له: ﴿ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
[ سورة ص ]
لكن ما آمن به عظيماً، وتأكد أن أي خطأ لا سمح الله ولا قدر تقترفه، وأي طاعة تقصر فيها، وأي عملٍ صالحٍ تضن به، تأكد أنه من ضعف تعظيمك لله عز وجل. الآية التالية هي الآية الأصل في تعظيم الله عز وجل :
الآية الأصل في هذا الموضوع قال تعالى:
﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً* وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ﴾
[ سورة نوح ]

النطفة لا تُرى بالعين، لا تُرى إطلاقاً، إلا أن البويضة تشبه ذرة الملح، أحياناً إنسان يضع على طرف إصبعه بعض لعابه، ويمس كميةً من ملحٍ مساً رقيقاً، يجد على سطح إصبعه طبقة من ذرات الملح، البويضة أحد هذه الذرات، الحوين لا يرى والبويضة هكذا، بعد تسعة أشهر يولد طفل، بدماغه مئة وأربعون مليار خلية استنادية سمراء، بشبكية العين مئة وثلاثون مليون عصي ومخروط، هناك عشرون مليون عصب شمي، هناك معدة، و أمعاء، و أمعاء دقيقة، وأمعاء غليظة، و قلب، و رئتان، و عضلات، و أنسجة، ودم في أوعية، و كليتان، في تسعة أشهر يكون طفلاً سوياً، لذلك:
﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾
[ سورة الطور ]
(( يا ربي أي عبادٍك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي إليّ تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحدٍ بسوء، أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا ربي إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي))
[ من الدر المنثور عن ابن عباس]
﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً* وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً ﴾
قال ابن عباس ومجاهد: "ما لكم لا ترجون لله عظمةً؟" وقال ابن جبير: "ما لكم لا تعظمون الله حق التعظيم"؟ روح العبادة الإجلال والمحبة :
دقق:
﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 67 ]

قال بعضهم: "ما لكم لا تخافون الله حق الخوف منه"، وقال بعض العلماء أيضاً: "ما لكم لا ترجون في عبادة الله ـ أي يثيبكم على توقيركم إياه ـ خيراً؟".
﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾
[ سورة القصص الآية: 57 ]
إله عظيم، لأنك أطعته تفتقر؟! لأنك أطعته تخطف؟! تذهب دنياك؟!. ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ* نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾
[ سورة فصلت ]
قال بعض العلماء: روح العبادة، العبادة لها شكل، تصلي، تصوم، تحج، ولها روح، روح العبادة الإجلال والمحبة، فإذا تخلى أحدهما عن الآخر، أي إجلال بلا محبة، أو محبة بلا إجلال فسدت. العبادة غاية الخضوع لله عز وجل مع غاية الحب له :

لذلك:

﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
[ سورة الرحمن ]
بقدر ما تُعظمه، هناك إنسان تعظمه ولا تحبه، قد يكون أستاذاً في الجامعة، قد يكون قاسياً جداً، ومستعلياً جداً، ومستكبراً جداً، لكن باختصاصه ليس له مثيل، فتعظمه ولا تحبه، وقد يحب إنسان أمه حباً لا حدود له، لكن غير متعلمة، أي هو بلغ درجة من الثقافة لا يمكن أن يقبل أفكارها، يحبها ولا يُعظمها، وقد تُعظم ولا تحب، لكن عظمة هذا الدين أن الله سبحانه وتعالى بقدر ما تعظمه تحبه، ﴿ تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ ﴾
فروح العبادة الإجلال والمحبة، لذلك قالوا: العبادة غاية الخضوع لله عز وجل مع غاية الحب، العبادة طاعةٌ طوعية، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية، فما عبد الله من أطاعه ولم يحبه، كما أنه ما عبد الله من أحبه ولم يطعه، طاعةٌ طوعية، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية، أساسها معرفةٌ يقينية، تفضي إلى سعادةٍ أبدية. كرامة العلم أعظم كرامةٍ للولي :
لذلك قالوا: ليس الولي الذي يمشي على وجه الماء، وليس الولي الذي يطير في الهواء، ولكن الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أي أن يراك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.

بالمناسبة: هناك تعريفات لا تعد ولا تحصى، ومعظمها ما أنزل الله بها من سلطان للولي، أما التعريف القرآني يجب أن يكون كل واحدٍ منكم ولياً، الدليل:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾
[ سورة يونس ]
أما أعظم كرامةٍ للولي، طبعاً من الثابت أن الأنبياء لهم معجزات، وقد أمروا أن يتحدوا الناس بها، أما الأولياء لهم كرامات، أعظم كرامةٍ للولي كرامة العلم، قال تعالى: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
أول أنواع التعظيم بعد تعظيم الله عز وجل تعظيم الأمر والنهي :
الآن دخلنا في صلب الموضوع، أول أنواع التعظيم بعد تعظيم الله عز وجل: ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً ﴾

أول أنواع التعظيم، وأخطر أنواع التعظيم، تعظيم الأمر والنهي، الفرق بين المؤمن الصادق والمؤمن غير الصادق ضعيف الإيمان ذنب المؤمن الصادق كجبلٍ جاثمٍ على صدره، وذنب المؤمن ضعيف الإيمان كذبابة وقعت على خده فدفعها، لذلك قال تعالى:
﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾
[ سورة الحج ]
أمر الصلاة أمر مُعظم، الصيام مُعظم، الحج مُعظم، الصدق مُعظم، الأمانة مُعظمة، العفة مُعظمة، تعظيم الأمر والنهي.
مظاهر تعظيم الأمر و النهي :
إذاً ما مظاهر هذا التعظيم؟ مظاهر هذا التعظيم ألا يشوب الأمر والنهي ترخُصٌ جافٍٍ، أو تشددٌ غالٍ، من دون ترخُص يبعدك عن طاعة الله، من دون تشدد ينفر الناس من الدين، تعظيم الأمر والنهي أي ألا تكون متشدداً بحيث تبغض الدين للناس، وألا تكون متساهلاً بحيث تخرج عن طاعة الله عز وجل، وضع وسطي معتدل سليم، إذا تساهلت أي أنك لا تعظم الله عز وجل، وإذا غاليت أي أنك لا تعظم الله عز وجل، الغلو يقابله التفريط، والعبادة الحقة بين الإفراط والتفريط.

لذلك قال بعض العلماء: هناك أمران ينافيان تعظيم الأمر والنهي، أحدهما الترخص، التساهل الذي يجفو بصاحبه عن كمال الامتثال، يصلي كنقر الديك، يصوم ويغتاب، يصوم ويطلق بصره في الحرام، يحج بيت الله الحرام وهو ساهٍ ولاهٍ، لا يعنيه إقباله على الله عز وجل بقدر ما يعنيه أداء المناسك فقط، هذا من عدم تعظيم أمر الله عز وجل.
إنسان قال لي بالحرف الواحد: أنا أصلي العصر في جدة، وأركب مركبتي وأتوجه بها إلى مكة يوم عرفة، الطريق فارغ، قال لي: أطوف بأقل من عشر دقائق، الحرم فارغ كلياً، الناس كلهم في عرفات، أتوجه إلى عرفات، الطريق فارغ كلياً، أصل إلى حدود عرفة، ما إن تغيب الشمس حتى أرجع إلى منى، الطريق فارغ، أجمعُ المغرب مع العشاء جمع تقديم، وأرجم الجمرة الكبرى، وأتوجه إلى مكة، وأطوف حول البيت كذلك بدقائق، وأُوكل بالرجم في الأيام الثلاث غيري، والحج كله ما زاد عن ثماني ساعات، أنا كان تعليقي على هذا الكلام، قلت له: إنسان دعي إلى طعام نفيس جداً، بمدخل البيت موضوع سِجل للحضور، فكتب اسمه ووقع، لكن ما أكل شيئاً، كتب اسمه ووقع أنه حضر، رفع عنه الملامة، لكن لم يأكل الطعام.
أخواننا الكرام، هناك من يترخص، يبحث عن الرخص في كل المذاهب، هذا سماه العلماء رقةٍ في الدين، مثلاً يقول لك: بأي مذهب لا يوجد زكاة على الحلي؟ بأي مذهب يمكن أن أفعل كذا وكذا؟ هذا الذي يتتبع الرخص في كل المذاهب ليجمعها، هذا سمي تلفيقاً ورقةً في الدين. التساهل و التشدد ينفران الإنسان من الدين :
أيها الأخوة، الشيء الدقيق الذي أتمنى أن يكون واضحاً إذا تساهلنا في العبادة فهذا من عدم تعظيم الله عز وجل، وإذا تشددنا فهذا من عدم تعظيم الله عز وجل، هناك من يقول ـ طبعاً أناس ضالون ـ: أنه إذا لبست حذاء زوجتك خطأً تشبهت بها، وإذا تشبهت بها ينطبق عليك الحديث الشريف: (( لعن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المتَشَبِّهِينَ من الرجال بالنِّساء ))
[ أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس ]

وإذا لعن الإنسان فقد كفر، وإذا كفر طُلقت زوجته، أي إذا لبست حاجة لزوجتك في رجلك خطأً طُلقت زوجتك، والله هناك فتاوى لا يحتملها إنسان من التشدد، التشدد لا يقل عن التفريط، المتشدد ينفّر الناس من الدين.
أوضح مثل: إنسان كان شارداً عن الله، عمل مغنياً في فندق، معه مليون ليرة فرضاً، جمعهم من الغناء، يسأل إنساناً ممن يعمل في الحقل الديني، يقول له: كل مالك حرام، لكن غاب عنه أن توبة المؤمن النصوح تُطهر ماله، ماذا تعني التوبة عند هذا الإنسان؟ تعني أن يكون فقيراً فلا يتوب، لا يتوب أبداً، وكم من إنسان أفتى لإنسان: ﴿ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة الممتحنة ]
وجمع مالاً ليكون زاداً له في العمل التجاري، أُفتي له أنه مال حرام، فأنفقه فأصبح فقيراً، أحياناً الإنسان يبعد الناس عن التوبة، لكن بعض العلماء الكبار قال: توبة التائب تطهر ماله، هناك فتاوى ما أنزل الله بها من سلطان، بهذه الفتوى لا تعني التوبة له إلا أن يفتقر، إلا أن يموت من الجوع، توبة التائب تطهر ماله ما لم يتعلق بالمال حق الغير. أمثلة عن التشدد في الدين :
أنا آتي ببعض الأمثلة، هناك تشدد غير معقول، فرضاً أنا شهدت هذه القصة امرأة من أرياف دمشق ذهبت لحج بيت الله الحرام مع فوج، وهي فقيرةٌ جداً، وأنا أعتقد أنها جمعت نفقات الحج خلال عمر مديد، جاءها العذر قبل طواف الإفاضة، وطواف الإفاضة أحد أركان الحج، فسألت إنساناً متشدداً في مذهبه الفقهي أمامي فقال لها: عليك بدنة، أي جمل، ثمنه مئتا ألف ليرة، فبركت كالجمل، لا يوجد حل أبداً عنده، عليك بدنة، عند الأحناف عليها بدنة، لكن ماذا قال السادة الشافعية؟ قال: تغدو أميرة الحج، ينتظرها قومها إلى أن تطهر، أي لو أن هذه المرأة لها ابن مقيم في جدة، تذهب إلى بيت ابنها في جدة، تقيم سبعة أيام إلى أن تطهر، ثم تطوف وتعود إلى بلدها، لكن ليس عندها ابن مقيم في جدة، ولا معها ثمن فندق لسبعة أيام، والفوج لا ينتظرها، نقول لها: أنت على مذهب الإمام مالك، تطوفين البيت ولا شيء عليك، الغنية نقول لها: عليك بدنة، أطعمي الجياع، ادفعي مئتي ألف، والتي عندها إمكان أن تنتظر سبعة أيام، نقول لها: على المذهب الشافعي انتظري سبعة أيام ثم تطهرين، وتطوفين في البيت، أما الفقير الذي لا يستطيع أن يتأخر، ولا أن يدفع ثمن بدنة، وليس معه مال يقيم سبعة أيام في مكة، نقول: أنتِ على مذهب الإمام مالك، تطوفين البيت ولا شيء عليكِ، ولولا مالك لكان الدين هالكاً كما قال بعضهم.
أنا أقول دائماً: عند الشدة لك أن تقلد أي مذهب، وفي الرخاء يجب أن تأخذ الأحوط. ما أمر الله بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان؛ إما إلى تفريط أو إلى إفراطٍ :
أيها الأخوة، قضية التشدد يستطيعها كل إنسان، حتى الجاهل بإمكانه أن يتشدد، يقول لك: حرام، حرام، حرام، قضية سهلة، التشدد يحسنه أي إنسان، أما أن تعطي فتوى مؤصلة بالدليل القطعي مع الرخصة هذا هو العلم، لذلك الذي يفتي بشيء يصعب على الناس أو يستحيل فهذا متشدد، هذا لا يعظم أمر الله عز وجل، والذي يفتي بالتساهل أيضاً لا يعظم أمر الله عز وجل.

أحياناً درس طويل جداً، أنا أقول: المتكلم لا يشعر بالحر، ولا بالقر، ولا بالتعب، ولا بالعطش، ولا بالجوع، ولا بالملل، هناك نشاط، أما الذي يجلس على الأرض ويستمع الوقت ثقيل عليه، فكان عليه الصلاة والسلام يتخول أصحابه بالموعظة، أي:
(( أحْبِبْ حبِيبَك هَوْنا مَّا ))
[ أخرجه الترمذي، عن أبي هريرة ]
تكلم ثم انهِ الكلام، تكلم والناس متشوقون إلى كلامك، فلأن تلام على قصر الدرس أفضل ألف مرة من أن تلام على طوله.
لذلك قالوا: ما أمر الله بأمرٍ إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلى تفريط وإضاعة، أو إلى إفراطٍ وغلو.
أيها الأخوة الكرام، قل: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ﴾
[ سورة النساء الآية: 171 ]
نعوذ بالله من الغلو في الدين.







والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-12-2018, 07:35 AM   #23


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثالث و العشرون )

الموضوع : الأمل يعيق الاتصال بالله وينسي الإنسان الآخرة





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الأمل أن تعيش الدنيا وتنسى الآخرة وهو مرضٌ خطير يصيب المسلمين :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات تتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول"، هذا الموضوع: هو الأمل، الأمل أن تعيش الدنيا وتنسى الآخرة، لذلك قال تعالى:
﴿ رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ* ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
هذا الموضوع سلبي، بمعنى أن الأمل متصلٌ بسبل الوصول اتصالاً سلبياً، هو يعيق الوصول إلى الله، هو من علامات عدم القبول، فالأمل أن تعيش الدنيا وأن تنسى الآخرة، وهذا مرضٌ خطير يصيب المسلمين، قال تعالى: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾
[ سورة الكهف ]
تناقض الأمل مع الوصول إلى الله عز وجل :

عندما قال:

﴿ وَالْبَاقِيَاتُ ﴾
أي المال والبنون من الزائلات، فالذي يتعلق بالزائل وينسى الأبد خاسرٌ لا محالة، لعل الموضوعات السابقة تتصل بعنوان هذه السلسلة من الدروس اتصالاً إيجابياً، لكن هذا الموضوع بالذات يتصل بعنوان هذه السلسلة من الدروس اتصالاً سلبياً، فالأمل يتناقض مع الوصول إلى الله عز وجل ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾
كلمة ﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾
وصفت المال والبنين بأنها قضايا زائلة: ﴿ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾
[ سورة الكهف ]
الأمل يمكن أن يكون عائقاً أمام الوصول إلى الله كما يمكن أن يكون دافعاً :
دخلنا في موضوع جديد، يمكن أن تعقد الأمل على الآخرة، يمكن أن يكون أملك في الدار الآخرة، يمكن أن ترجو الله والدار الآخرة، فكما أن هذا الموضوع إذا تعلق بالدنيا كان عقبةً كؤوداً أمام الوصول، إن جعلت هذا الأمل مرتبطاً في الآخرة، كان هذا الموضوع إيجابياً، إذاً يمكن أن يكون الأمل عائقاً أمام وصولك إلى الله، كما أنه يمكن أن يكون الأمل إن ارتبط بالآخرة أكبر دافعٍ لك إلى الله، الآن الله عز وجل يبين ذلك بموازنةٍ رائعة قال:
﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ ﴾
[ سورة القصص الآية: 61 ]
قطعاً، وصدقاً، ويقيناً: ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
وازن، ما دمنا قد وازنا من خلال هذه الآية، هناك آيات كثيرة في القرآن الكريم فيها موازنة: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً ﴾
[ سورة السجدة الآية: 18 ]
لعل الموازنة بين المؤمن وبين غير المؤمن، لكن الله عز وجل استبدل غير المؤمن بالفاسق، أو استبدل الفاسق بغير المؤمن، بمعنى أن الذي ينحرف عن منهج الله لابد من أن يفسق: ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
[ سورة السجدة الآية: 18 ]
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ* مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
[ سورة القلم ]
الذي لم يسلم وجهه لله لابد من أن يتبع شهواته، واتباع الشهوة يعني العدوان على ما عند الآخرين. الأمل المنعقد على الدار الآخرة ينسي المؤمن كل متاعب الحياة الدنيا :
أيها الأخوة، مرة أخ اعترض وقال: كيف تقول المؤمن سعيد هو مثله مثل أي إنسان آخر؟ هكذا قال، قلت له كمثل بسيط: لو أن إنساناً دخله قليل جداً، وأولاده كثر، وبيته بالإيجار، وعليه دعوى إخلاء، ويعاني ما يعاني، مشكلات لا تعد ولا تحصى، هذا الإنسان له عم لم ينجب أولاداً، معه خمسمئة مليون، توفي بحادث، هذه الثروة الطائلة بسبب وفاة العم المفاجئة انتقلت إليه لأنه وريثه الوحيد، إلى أن يصل إلى هذه الثروة لابد من إجراءات، ومن عقبات، ومن براءات ذمة، ومن معاملات معينة، هذه الفترة بين قبض المبلغ وبين وفاة العم قد تكون أشهراً، لماذا هو أسعد إنسان مع أنه لم يمسك بيده أي مبلغ؟ لأن هذا الوعد بالمبلغ الكبير الفلكي يمتص كل متاعبه.
بمعنى أن الله عز وجل حينما يعد المؤمن الصادق المستقيم بجنةٍ عرضها السماوات والأرض، هذا الوعد بالجنة ينسي المؤمن كل متاعب الدنيا، أي أحد أسباب سعادة المؤمن أن الله وعده بالجنة ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
إذاً هذا الوعد الإلهي: ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ﴾
[ سورة النساء ]
﴿ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ﴾
[ سورة التوبة الآية: 111 ]
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ ﴾
[ سورة فصلت الآية: 30 ]
دقق: ﴿ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
[ سورة فصلت الآية: 30 ]
لا تخافوا مما سيأتي، ولا تحزنوا على ما مضى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ* نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ* نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾
[ سورة فصلت ]
هذا الوعد الإلهي، أو إن شئت فقل: هذا الأمل المنعقد على الدار الآخرة، هذا ينسي المؤمن كل متاعب الحياة الدنيا. الدنيا تضر وتغر وتمر :

لذلك هؤلاء الذين شردوا عن الله شرود البعير، هؤلاء الذين نسوا الدار الآخرة، هؤلاء الذين داسوا على القيم بأقدامهم، وصفهم الله عز وجل فقال:
﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 44 ]
لم يقل باباً، قال: ﴿ أَبْوَابَ ﴾
لم يقل: شيئاً، قال: ﴿ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ﴾
دنيا عريضة، أموال طائلة، مكانة كبيرة، قوة مخيفة، تصدر على الشاشات، تصريحات فيها غطرسة، فيها كبر: ﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
أيها الأخوة، الإنسان أحياناً يعقد الأمل على أن يعيش عمراً مديداً، يحلم بأموال طائلة، بشهوات، بمباهج في الدنيا، ببيوت، بقصور، بمركبات، بنساء جميلات، يحلم بالدنيا وينسى الآخرة، هذا يقامر ويغامر، كل آماله، وكل أحلامه، متوقفةٌ على ضربات قلبه، فإذا وقف القلب توقفت كل آماله، كل آماله وأحلامه متوقفةٌ على سيولة دمه، فإذا تجمد الدم في أحد فروع الأوعية الدموية، في الدماغ أصيب بالشلل، أو بفقد الذاكرة، أو بالعمى، أو بما شاكل ذلك، كل آماله وكل أحلامه متوقفةٌ على نمو خلاياه، فإذا نمت خلاياه نمواً عشوائياً انقطعت كل آماله، لذلك قالوا عن الدنيا: إنها تضر، وتغر، وتمر. أعظم شيءٍ في حياة المؤمن أنه عقد الأمل على الدار الآخرة وعلى عطاء الله:
لذلك أخطر شيءٍ في حياة الإنسان أن يعقد الأمل على الدنيا، وأن ينسى ربه والدار الآخرة، وأعظم شيءٍ في حياة المؤمن أنه عقد الأمل على الدار الآخرة، وعلى عطاء الله عز وجل.
هناك طرفة لكن لها معنى ، إنسان من شدة الفقر، من شدة الضنك، أراد أن ينتحر، فجاءه ملك الموت، قال له: اجعل من حرفتك أن تكون طبيباً، وأعطاه أشياء وسوائل ملونة، وقال له: إذا رأيتني على رأس المريض فإياك أن تعالجه لأنه سيموت، وإن رأيتني أمام رجليه فعالجه، لابد من أن يعيش، فإذا رآه أمام رأسه انسحب معتذراً عن معالجته، وإن رآه أمام قدميه فيعالجه، نجحت معالجاته، ونمت شهرته، وتألق في سماء المدينة، وأصبح الطبيب الأول ـ قصة رمزية ـ فمرضت ابنة الملك، فالطبيب أراد أن الذي يعالجها ليتزوجها ويصبح ولي العهد، فجاء إليها، فرأى ملك الموت عند قدميها، فعالجها فشفيت، وأصبح هذا الطبيب زوجاً لبنت الملك، وكان ولي العهد، يوم التتويج جاء ملك الموت قال له: تفضل، قال له: الآن؟ قال له: الآن، قال له: ليتك جئت قبل هذا.
المغزى أحياناً إنسان يجمع أموالاً طائلة، يصل إلى درجة عالية من التألق، نجاح في التجارة، في الصناعة، يتسلم منصباً رفيعاً جداً، بعد أن تأتيه الدنيا وهي راغمة يأتيه ملك الموت، فالبطولة ألا تفاجأ بالموت، تعلمنا في الجامعة أن الذكاء من تعريفاته الجامعة المانعة، أن الذكاء هو التكيف والتكيف مع ماذا؟ مع أخطر حدثٍ مستقبلي إنه مغادرة الدنيا. الذكاء هو التكيف مع أخطر حدثٍ مستقبلي وهو مغادرة الدنيا :
لذلك ورد في بعض برامج البرمجة العصبية اللغوية: ابدأ من النهاية، دقق أيها الأخ الكريم، أنت حينما تنطلق من الموت تستقيم على أمر الله، التفكر بالموت لا يعني ألا تعمل، يعني أن تعمل، أن تؤسس عملاً، أن تنال دكتوراه، تؤسس شركة، ولكن إذا أدخلت الموت في حساباتك اليومية تبقى مستقيماً على أمر الله، تسمو أعمالك إلى مرضاة الله، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( أكثروا من ذكر هادم اللذات ـ مفرق الأحباب ـ مشتت الجماعات ))
[أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
(( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))
[ أخرجه الشيرازي عن سهل بن سعد و البيهقي عن جابر ]

التفكر بالموت له نتائج إيجابية، إنه يسرع الخطا إلى الله، و التفكر بالموت يضبط السلوك، وهذا من السنة، لذلك ورد في بعض الآثار النبوية:
(( أكيس المؤمنين أكثرهم للموت ذكراً، وأحسنهم له استعداداً ))
[ أخرجه الحارث عن عمران بن حصين ]
ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور، فكل مخلوق يموت ولا يبقَ إلا ذو العزة والجبروت: والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
***
وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حمــلت إلى القبور جنازة فاعلم أنك بعدها مــحمول
***

التفكر بالموت والعمل للآخرة لا يتناقض مع العمل في الدنيا لكن يضبطه :
البطولة ألا تفاجأ بالموت، البطولة أن تدخل الموت في حساباتك اليومية، وهذا الإدخال لا يعني ألا تعمل، لا يعني أن تكون كلاً على الناس.
سأل النبي الكريم شاباً لا يعمل، قال له: من يطعمك؟ قال: أخي، قال: أخوك أعبد منك، أمسك بيد عبد الله بن مسعود، وكانت خشنة من العمل، رفعها بين أصحابه وقال: إن هذه اليد يحبها الله ورسوله.
إذاً التفكر بالموت، والتعلق بالآخرة، والعمل للآخرة لا يتناقض مع العمل في الدنيا، لكن يضبطه.
لذلك قال تعالى:
﴿ وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر ]
الكدح من خصائص الدنيا و الإكرام من خصائص الآخرة :

أيها الأخوة، الله عز وجل يقول:
﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾
[ سورة الانشقاق ]
أي جهدك في العبادة، جهدك في معرفة الله، جهدك في الاستقامة، جهدك في العمل الصالح، هذا محفوظٌ عند الله، وسوف يسعدك إلى أبد الآبدين ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾
الدنيا من خصائصها الكدح، أما الآخرة من خصائصها الإكرام، في الآخرة: ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ﴾
[ سورة ق ]
أيها الأخوة، عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: "خَطَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خَطّاً مُربَّعاً، وخطَّ خطّاً في الوسط خارجاً منه ـ رسم مربعاً على الرمل بقضيب، ومدّ خطاً من داخله إلى خارجه، وخط خطاً في الوسط خارجاً منه، وخط خطاً صغيراً إلى هذا الذي في الوسط من جانبه ـ وقال: هذا الإنسان، والمربع أجله، والخط الذي تجاوز المربع إلى مسافاتٍ طويلة أمله"
هناك مربع هو أجله، و خط يبدأ ضمن المربع ويتجاوز حدود المربع هذا أمله. أغبى إنسان من لم يدخل الله عز وجل والموت في حساباته :
أنا لا أنسى قصة، جلست مع إنسان يعمل مدير ثانوية، حدثني عن طموحاته ـ القصة من أندر القصص ـ قال لي: أنا قدمت طلباً لأُعار إلى الجزائر كمدرس، وقد وافقوا على طلبي ـ الإعارة كانت متبعةً في بلدنا ـ مدرس يعار إلى بلد عربي، يعطى راتباً في بلده، وراتباً آخر هناك، أي يضاعف دخله، قال لي: وافقوا لي على هذا الانتقال، ثم قال لي: سأبقى هناك خمس سنوات، خلال هذه الفترة في العطلة الصيفية لن آتي إلى دمشق، قلت له: لِمَ؟ قال لي: سأمضي كل صيفٍ في بلد أوروبي، فذكر البلاد كما يلي: الصيف الأول في فرنسا، والصيف الثاني في إيطاليا، والصيف الثالث في إسبانيا، والصيف الرابع في بريطانيا، قال لي: سأذهب إلى هذه البلاد في الصيف، أرى معالمها، أرى حضارتها، أرى ريفها، أرى متاحفها، و بعد خمسة أعوام تنتهي الإعارة وأعود إلى بلدي، وأقدم استقالتي، وأُحال على المعاش، قال لي: هذا المال الذي سأجمعه، وهذه التعويضات التي سآخذها، سأؤسس بها محلاً تجارياً أبيع التحف، لأن التحف ليس لها علاقة بالتموين والمتاعب مع الدولة، قال لي: هذا المحل أجعله منتدى فكرياً ـ هو أستاذ فلسفة ـ ثم قال لي: أنا آتي بعد الظهر أحياناً، أو صباحاً، وأولادي يكونون قد كبروا فيتسلمون هذا العمل، والله الذي لا إله إلا هو، حدثني عن عشرين سنة قادمة وأنا أستمع له، وقدم لي ضيافة، وانتهى اللقاء، وغادرت المدرسة إلى بيتي، وتناولت طعام الغداء، وبعد الظهر نزلت إلى مركز المدينة، لي عمل هناك، وعدت إلى البيت ماشياً، فإذا نعوته على الجدران في اليوم نفسه.
لذلك: كل مخلوق يموت ولا يبقَ إلا ذو العزة والجبروت:
والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر والعمر مهما طال فلا بد من نزول القبر
***
وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته يوماً على آلة حدباء محمول
فإذا حمــلت إلى القبور جنازة فاعلم أنك بعدها مــحمول
***

ما لم تبدأ من النهاية، ما لم تضع مغادرة الدنيا نصب عينيك، ما لم تسأل في كل عملٍ ما جوابك عند الله، لو سألك لماذا طلقتها؟ لماذا شاركت فلاناً؟ لماذا اشتريت هذه البضاعة المحرمة؟ لماذا بنيت مجدك على أنقاض الناس؟ لماذا ظلمت هذا الإنسان؟. ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
والله الذي لا إله إلا هو لن تجد على وجه الأرض إنساناً أغبى ممن لم يدخل الله عز وجل والموت في حساباته. المؤمن الصادق يسعى لمرضاة الله و يدخل الآخرة في حساباته :
أيها الأخوة، علامة المؤمن الصادق أنه يريد الله، والدار الآخرة، وعلامة المؤمن الصادق أنه وضع في حساباته مغادرة الدنيا، أدخلها في حساباته، علامة المؤمن الصادق أنه يسعى لمرضاة الله عز وجل.
أخواننا الكرام، دخلت مرة إلى بيت، صاحب البيت ـ سامحه الله ـ قال لي: هذا البيت مساحته أربعمئة متر، قلت له: بارك الله لك به، هنيئاً لك، قال لي: هذه القطع من الأثاث أتيت بها من إيطاليا، أي بالغ في وصف بيته، وكسوة بيته، وأثاث بيته، والطنافس، والمناظر، واللوحات، فالإنسان من حقه أن يكون عنده بيت فخم، لكن أخذ كل عقله، أنا أردت أن أُعلم نفسي درساً، قلت له: ما قولك ببيت بأحد أحياء دمشق الفقيرة جداً؟ أي تحت الأرض، بلا كسوة، هناك بيوت لا تحتمل، قال لي: والله يوجد فرق كبير، قلت له: الفرق بين جندي وبين رئيس أركان؟ بين ممرض وبين جراح قلب؟ بين معلم ابتدائي بقرية وبين أستاذ جامعة؟ جئت بتناقضات عجيبة، رئيس غرفة تجارة وبائع متجول؟ قلت له: اسمع قوله تعالى:
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾
[ سورة الإسراء ]
مراتب الدنيا مؤقتة. (( عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))
[ أخرجه الشيرازي عن سهل بن سعد و البيهقي عن جابر ]
مراتب الدنيا تنتهي بالموت، أي الموت ينهي قوة القوي، سبحان من قهر عباده بالموت، الموت ينهي غنى الغني، ينهي فقر الفقير، ينهي ضعف الضعيف، ينهي وسامة الوسيم، ينهي دمامة الدميم، ينهي ذكاء الذكي، ينهي محدودية المحدود، الموت ينهي كل شيء. أمراض الجسم تنتهي عند الموت لكن أمراض النفس تهلك صاحبها إلى أبد الآبدين :

بل يا أخوان جميع أمراض الجسم تنتهي عند الموت، لكن أمراض النفس تبدأ بعد الموت، وتهلك صاحبها إلى أبد الآبدين، جميع أمراض الجسم مهما كانت عضالة تنتهي عند الموت، ورم خبيث، مات انتهى المرض، احتشاء بالقلب مات انتهى المرض، تشمع بالكبد مات انتهى المرض، خثرة بالدماغ مات انتهى المرض، فشل كلوي مات انتهى المرض، أمراض الجسم تنتهي عند الموت، لكن أمراض النفس، الكبر، العدوان، الاحتيال، الكيد، هذه الأمراض تهلك صاحبها إلى أبد الآبدين، القلب السليم أكبر عطاء إلهي، قال تعالى:
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء ]
القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوةً لا ترضي الله، ولا يقبل خبراً يتناقض مع وحي الله، القلب السليم هو القلب الذي لا يحتكم إلا لشرع الله، والقلب السليم هو القلب الذي لا يعبد إلا الله ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
بطولة الإنسان أن يسعى لنيل الآخرة لا لنيل المراتب الدنيوية :
أيها الأخوة الكرام، مرةً ثانية، مراتب الدنيا لا تعني شيئاً لأنها زائلة، أما مراتب الآخرة تعني كل شيء: ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
[ سورة القمر ]
فطوبى لمن له ﴿ مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير، والمؤمن له عند الله مكانة كبيرة، هذا أكبر إنجاز يحققه الإنسان في الدنيا.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-12-2018, 07:38 AM   #24


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الرابع و العشرون )

الموضوع : اطلاقالأمل وتقييدة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الأمل في الدنيا :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ متعلقٍ بـ :"سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو موضوع الأمل، ولا شك أن بعض الموضوعات علاقتها بهذه السلسلة من الدروس علاقة إيجابية، وبعض الموضوعات علاقتها سلبية، وبعض الموضوعات بين بين.
فالأمل إذا أُطلق انصرف إلى الدنيا، أما إذا قُيد انصرف إلى الآخرة، كالأخلاق تماماً، تقول: فلان ذو أخلاق، أي راقية، أما إذا أردت أن تعني الأخلاق السيئة فلابد من أن تصف الأخلاق بأنها سيئة، فلانٌ ذو أخلاقٍ سيئة، فهذه الكلمة إذا أُطلقت انصرفت إلى الدنيا، أما إذا قُيدت انصرفت إلى الآخرة.
بالمصطلحات شيء لطيف، مثلاً: الفقراء والمساكين، هاتان الكلمتان إذا اجتمعتا افترقتا، وإن افترقتا اجتمعتا، إذا قلت: فقراء أي الفقراء والمساكين، إذا قلت: مساكين فتعني الفقراء والمساكين، إذا قلت: الفقراء والمساكين، الفقراء شيء، والمساكين شيء، الفقير هو الذي لا يجد حاجته، له دخل لكن أقل من حاجته فهذا فقير، أما المسكين عاجز عن أن يعمل، الفقير بإمكانه أن يعيش لكن بصعوبة بالغة.
لذلك الآن نبدأ بالأمل في الدنيا، ورد في الأحاديث الشريفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ ))
[ أخرجه ابن ماجه، عن زيد بن ثابت ]
أي إذا أصبح وأكبر همه الدنيا. (( مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ ))
[ أخرجه ابن ماجه، عن زيد بن ثابت ]
لا يوجد توفيق، الطرق كلها غير سالكة، يطرق هذا الباب مغلق، هذا الباب مغلق، هناك تعسير. (( مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ))
[ أخرجه ابن ماجه عن زيد بن ثابت ]
من تعريفات الفقر: لا أن تكون فقيراً، أنت من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرض. المؤمن الصادق المستقيم يتمتع بنعمة ينفرد بها إنها نعمة الأمن :
الآن هناك أمراض قلب سببها الخوف من أمراض القلب، أنت من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها، لذلك المؤمن وحده أعني ما أقول: المؤمن وحده يتمتع بالأمن، الدليل: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ* الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 81-82 ]

هو يتوقع من الله الخير دائماً، يشعر أن له حقاً عند الله، سيدنا رسول الله أردف معاذ بن جبل وراءه ـ الحديث طويل ـ آخر فقرة قال له يا معاذ:
(( ما حقُّ العباد على الله إذا هم عبدوه؟ قلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: حقُّ العباد على الله: أن لا يعذِّبهم ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن معاذ بن جبل ]
أنشأ الله لك حقاً عليه، تؤكد هذا المعنى آيةٌ كريمة: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾
[ سورة التوبة الآية: 51 ]
﴿ لَنَا ﴾
الفرق باللغة كبير بين كتب علينا وكتب لنا، لنا الخير، ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾
فالمؤمن الصادق، المستقيم، المخلص، يتمتع بنعمة ينفرد بها، إنها نعمة الأمن. على الإنسان أن تعظم عنده النعمة مهما دقت :
لذلك: (( مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ ))
[ أخرجه ابن ماجه عن زيد بن ثابت ]

لا يوجد توفيق، لا يوجد إنجاز، لا يوجد راحة نفسية.
(( وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ))
يكون معه ملايين مملينة، يقول لك: لا يوجد بيع هذه السنة، أي ربحه قال: خمسة ملايين، يعد نفسه صار فقيراً: ﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]
هناك نموذج والعياذ بالله، نموذج التشكي، يتشكى دائماً، بيت أربعمئة متر، أربع سيارات، دخل فلكي، ويتشكى، اشكر الله، كانت تعظم عنده النعمة مهما دقت، أنت إذا شربت كأس ماءٍ ينبغي أن تحمد الله عليه، قال: (( وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ ))
[ أخرجه ابن ماجه عن زيد بن ثابت ]
الكسب و الرزق :
الحقيقة الخطيرة أن الرزق هو الذي تستهلكه فقط، أي هذا الثوب، هذا البيت، هذا الطعام، هذه المركبة، هذا رزقك، وما سوى ذلك كسبك، والفرق كبير بين رزقك وكسبك، الرزق ما انتفعت به،
والكسب ما حصلته ولم تنتفع به وستحاسب عليه، هذا هو الكسب، أما الرزق ما حصلته وانتفعت به، والرزق له معان واسعة جداً:
﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾
[ سورة الواقعة ]
فالصلة بالله رزق، والمعرفة بالله رزق، والعمل الصالح رزق، والسمعة الطيبة رزق: (( مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ))
[ أخرجه ابن ماجه عن زيد بن ثابت ]
ومن أراد الآخرة أرادها، وسعى لها سعيها، وهو مؤمن: ﴿ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً ﴾
[ سورة الإسراء ]
(( جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ ))
[ أخرجه ابن ماجه عن زيد بن ثابت ]
هناك توفيق: (( وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ))
[ أخرجه ابن ماجه، عن زيد بن ثابت ]
والله أيها الأخوة، يتمتع المؤمن بغنى نفسي لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم، ثقته بالله كبيرة. ((أَن تكون بما في يَدِ الله تعالى أَوثَقَ منك بما في يَدَيْكَ ))
[أخرجه الترمذي عن أبي ذر الغفاري]
تجد إنساناً معه أموال منقولة وغير منقولة، أرصدة في البنوك، وهو غير مطمئن، وإنساناً لا يملك غير المعاش، لا يملك غيره وهو مطمئن، نعمة الأمن نعمةٌ يخلقها الله في الإنسان. من أشرك بالله عز وجل ألقى الله في قلبه الخوف :
بالمناسبة هذا قانون لمجرد أن تشرك يقذف الله في القلب الخوف. ﴿ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 151]
لمجرد أن يشرك الإنسان يقذف الله في قلبه الخوف. ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ* وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ* وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ* فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ* وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ* الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾
[ سورة الشعراء ]
أحياناً تشدُّ الأمور، والأمل يضعف، فالمؤمن بهذه الحالة واثق من الله عز وجل، ثقته بالله كبيرة جداً، وهذه الثقة تعطيه التوازن، إذاً: (( جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ ))
وفّق: (( وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ))
الدنيا دار التواء لا دار استواء :
أخواننا الكرام، لحكمةٍ بالغةٍ بالغةٍ بالغة أراد الله أن تكون الدنيا هكذا، كما ورد في بعض الخطب النبوية: (( إن هذه الدنيا دار التواء ))
[كنز العمال عن ابن عمر]

مال وفير لا يوجد أولاد، أولاد كثر لا يوجد مال، أولاد وأموال لا يوجد صحة، هناك صحة لكن لا يوجد دخل، أي شاءت حكمة الله ألا تكون الدنيا كما نتمنى، كي نحب لقاء الله، لذلك إذا جاءت كما نتمنى يكره الإنسان لقاء الله.
أنا أحياناً كدعابة، إذا وجدت إنساناً ينظم أموره تنظيماً يفوق حدّ الخيال، أقول له: والله الموت صعب، شيء صعب، أما إذا تعلقت آمال الإنسان برحمة الله، فمرحباً بلقاء الله.
(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح ـ هذا كلام النبي ـ وأن من عرفها لم يفرح لرخاء ـ مؤقتة ـ ولم يحزن لشقاء ـ مؤقتة ـ قد جعلها الله دار بلوى ))
[كنز العمال عن ابن عمر]
﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
(( وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجلي ))
ربما أعطاك فمنعك، أي هناك بلاد تنعم برفاهية تفوق حدّ الخيال، تجد فيها بعداً عن الله يفوق حدّ الخيال، وبلاد تحت ضغوط لا تحتمل، مع هذه الضغوط التي لا تحتمل هناك قرب من الله، ربما أعطاك فمنعك، وربما منعك فأعطاك، وإذا كشف لك الحكمة في المنع عاد المنع عين العطاء. الإنسان عندما يوطن نفسه على أن هذه الدنيا دار ابتلاء يقبلها ويسعد بها :
من الأحاديث الدقيقة التي تلتصق أشد الالتصاق بهذا الموضوع: عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه قال: (( خَطَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خَطّا مُربَّعاً ))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]

أي رسم مربعاً على الرمل بقضيب:
(( خَطَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خَطّا مُربَّعاً ، وخطَّ خطّا في الوسط ))
أخذ نقطة داخل المربع ورسم خطاً، ومدد الخط حتى خرج خارج المربع: (( وخطَّ خطّا في الوسط خارجاً منه ))
مربع، وخط يبدأ من داخل المربع، وقد مدد إلى أن وصل خارج المربع: (( وخطَّ خُطاً صغاراً، إلى هذا الذي في الوسط، من جانبه الذي في الوسط فقال: هذا الإنسان، وهذا أجله محيطٌ به ))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
المربع أجله، له عند الله ثلاث وسبعون سنة، وسبعة أشهر، وثلاثة أسابيع، وأربعة أيام، وخمس ساعات، وسبع دقائق، وثمان ثواني، هذا أجله، والمرض ليس له علاقة بالأجل إطلاقاً، يموت الإنسان حينما ينتهي أجله.
إن الطبيبَ له علمٌ يدلُّ بــه ما دامَ في أجلِ الإِنسانِ تأخيرُ
حتى إِذا ما انقضتْ أيامُ مهلتهِ حارَ الطبيبُ وخانَتـهْ العقاقيرُ
* * *

فهناك خطوط صغيرة حول هذا الخط الذي في الوسط: (( فقال: هذا الإنسان، وهذا أجله محيطٌ به ـ أو قد أحاط به ـ وهذا الذي هو خارجٌ أمَلُهُ، وهذه الخططُ الصغارُ الأعراض، فإن أخطأه هذا نهشَهُ هذا ))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
هناك مرض، هناك فقر، هناك مشاكل زوجية، هناك مشاكل أسرية، هناك مشاكل متعلقة بالعمل، هناك مشاكل متعلقة بالصحة، ﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
الإمام الشافعي سُئل أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين؟ قال: لن تمكن قبل أن تبتلى ﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت ]
فالإنسان عندما يوطن نفسه على أن هذه الدنيا دار ابتلاء، دار امتحان، دار عمل، يقبلها ويسعد بها. استعاذة النبي الكريم من أربعة أشياء :
سيدنا أنس بن مالك يروي عن النبي صلى الله عليه و سلم هذا الحديث، قال: (( أربعة من الشقاء: جمود العين ))
[ أخرجه البزار عن أنس بن مالك ]

لا يبكي أبداً، لا بتلاوة قرآن، ولا بمشهد جنازة، ولا بصلاة، ولا بذكر.
(( جمود العين ))
النبي الكريم استعاذ فقال: ((اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن نفس لا تشبع))
[مسلم عن زيد بن أرقم]
إذاً: (( أربعة من الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، وطول الأمل ))
[ أخرجه البزار عن أنس بن مالك ]
موضوعنا طول الأمل، قصة ذكرتها عشرات المرات حدثني عن عشرين سنة قادمة وقرأت نعوته في اليوم نفسه، عن عشرين سنة قادمة، عن خططه، وسفرياته، وعودته، وإنشاء محل تجاري، وقرأت نعوته مساءً في اليوم نفسه: (( أربعة من الشقاء: جمود العين، وقسوة القلب، وطول الأمل، والحرص على الدنيا ))
[ أخرجه البزار، عن أنس بن مالك ]
المؤمن أكثر محبة للتفوق من غير المؤمن لكنه نقل اهتماماته إلى الآخرة :
أخواننا الكرام، المؤمن نقل اهتماماته إلى الآخرة، المؤمن أكثر محبة للتفوق من غير المؤمن لكنه نقل اهتماماته إلى الدار الآخرة: ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 19 ]
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: (( أن عمر أصاب أرضاً بخيبر فأتى النبي صلى الله عليه وسلم ليستأمر فيها قال: إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس عندي منه، فما تأمر به؟ ))
[ أخرجه البخاري وابن خزيمة عن ابن عمر بن الخطاب ]

الآن هذه أصل الوقف:
(( قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر ))
أي أوقفها للمسلمين: (( أن لا تباع ـ أصولها لا تباع ـ ولا توهب، ولا تورث، فتصدق بها على الفقراء ))
هناك من يقول: أرض الشام كلها وقف، هذا عمل طيب، نحن الآن لا نعرف ما الوقف، في الحقيقة الوقف من أعظم الأعمال الصالحة، هذه الأرض حبست عينها أي أصلها، وتصدقت بمنفعتها.
مرة حضرت مؤتمراً للوقف، أحد مندوبي الدول العربية ذكر إجراءات عندهم تفوق حدّ الخيال، هناك وقف لتحبيب الصغار بالمطالعة، توزع كتب رائعة جداً، قصص إسلامية على البيوت مجاناً، فهذا الصغير يقرأ قصة ملونة، رائعة، ممتعة، يحب المطالعة، هناك وقف للتوفيق بين الزوجين، مؤسسة لها خبراء، وبعض الدعاة، و سيارات، فأي إنسان بلغه أن هناك شقاقاً زوجياً، يخبر المؤسسة، يأتي شخص إلى عند أهل الزوجة، و شخص إلى عند أهل الزوج، هناك وقف لتعليم الفقراء الكمبيوتر، وبعض الأشياء الحديثة الأساسية في حياتنا، استمعت من هذا المندوب عن عشرة صناديق للوقف تقريباً ، كل صندوق يحل مشكلة كبيرة جداً، حتى هناك وقف للصغار، طفل صغير دفع مئة ليرة للوقف، يُشترى بهذا المبلغ مثلاً بناء للصغار، دار أيتام، الطفل إلى أن يموت، وبعد أن يموت إلى يوم القيامة له أجر بهذا الوقف
لكن أحياناً تكون الأوقاف عندنا بتأجير بيوت بالسعر القديم، فهذه التجارة يسمونها تجارة الكسالى، أي هناك مؤسسات وقفية تولت شركات عملاقة إدارة الوقف، وتولت جمعيات خيرية توزيع الوقف، والدولة أشرفت على هذه المؤسسة بكسب أموالها، وإنفاق أموالها، وضبط أعمالها، هذا الوقف، فإذا إنسان أمله بالآخرة، يضع شيئاً للآخرة.
(( قال: إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، قال: فتصدق بها عمر: أن لا تباع، أصولها لا تباع، ولا توهب، ولا تورث، فتصدق بها على الفقراء، والقربى، والرقاب، وفي سبيل الله وابن السبيل، والضعيف، لا جناح على من وليها ))
هذا ناظر الوقف: (( أن يأكل منها بالمعروف ))
نعطيه دخلاً يعيش منه: (( أو يطعم صديقاً غير متمول فيها ))
[ أخرجه البخاري وابن خزيمة عن عمر بن الخطاب ]
فإذا نقل الإنسان أهدافه إلى الآخرة يعمل وقفاً، وأبواب الخير لا تعد ولا تحصى. الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :
أخواننا الكرام، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، قيل: يا رسول الله: (( أَيُّ الصدقة خير أو أفضل ؟ قال: أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمُل الغِنى وتخشَى الفقر، ولا تُمهِلْ حتى إِذا بلغتِ الحُلْقومَ، قلت: لفلان كذا ولفلان كذا ))
[ أخرجه البخاري، عن أبي هريرة ]

أي الإنسان عند الموت يصبح خيراً، البطولة أن تنفق وأنت شاب، وأنت غني المال له معنى عندك، أما على فراش الموت المال ليس له معنى إطلاقاً.
أخواننا الكرام، صدقوا ولا أبالغ، عندي عشرات الوصايا لم تنفذ واحدة، لا تكن تحت رحمة الورثة، لأن الأهل يضنون على أبيهم المتوفى بتنفيذ وصيته، يرون أن هذا المال لهم، لذلك تصدق وأنت في حياتك، لا تجعل هذا العمل الصالح تحت رحمة الورثة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( ألا يا رُب نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا، جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة ))
دنياه عريضة، لكن هذا البيت إلى أبد الآبدين؟ لا، مثوى مؤقت، والدليل النعوات وسيشيع فلان إلى مثواه الأخير، هذا مثوى مؤقت. (( ألا يا رُب نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا، جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة، ألا يا رُب نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا، طاعمةٍ ناعمةٍ يوم القيامة))
[ السيوطي عن أبي البحير]
الموت ينهي كل شيء لكن مراتب الآخرة أبدية :
دقق الآن: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 21 ]

أي ممرض كجراح قلب؟ لا، جندي يقوم بتأدية خدمة إلزامية، في خط النار الأول، في الشتاء، البرد، والصقيع، والأمطار، كرئيس أركان؟ لا، رئيس غرفة تجارة كبائع صحون في الحميدية؟ لا، معلم بقرية كأستاذ جامعي؟ لا.
﴿ انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً ﴾
[ سورة الإسراء ]
درجات الدنيا تنتهي بالموت، الموت ينهي قوة القوي، وضعف الضعيف، وغنى الغني، وفقر الفقير، وذكاء الذكي، ومحدودية المحدود، وصحة الصحيح، ومرض المريض، الموت ينهي كل شيء، لكن مراتب الآخرة أبدية. ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ* فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
[ سورة القمر ]
من هو الذكي؟ من هو العاقل؟ من هو الموفق؟ الذي يحتل مرتبةً في الآخرة. (( ألا يا رُب نفسٍ طاعمةٍ ناعمةٍ في الدنيا، جائعةٍ عاريةٍ يوم القيامة، ألا يا رُب نفسٍ جائعةٍ عاريةٍ في الدنيا، طاعمةٍ ناعمةٍ يوم القيامة))
[ السيوطي عن أبي البحير]
خيارات العمل الصالح أمام الغني و القوي لا تعد و لا تحصى :
طبعاً أنا أقول لكم كلمة دقيقة: (( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
إذا كان طريق الغنى، أو طريق القوة سالكاً وفق منهج الله، ينبغي أن تكون قوياً أو غنياً لماذا؟ لأن الغني أو القوي خياراته في العمل الصالح لا تعد ولا تحصى، الغني يحل مليون مشكلة، يزوج شاباً، يفتح ميتماً، يعمل مستوصفاً، يعمل مشروعاً لخدمة الفقراء، عنده إمكانيات للعمل الصالح لا تعد ولا تحصى، والقوي كذلك، بجرة قلمٍ يحق حقاً ويبطل باطلاً، أما إذا كان طريق الغنى والقوة على حساب دينك وقيمك، فأن تبقى فقيراً وضعيفاً وسام شرفٍ لك. على الإنسان أن يبتغي الرفعة عند الله عز وجل :
الآن: (( ألا يا رب مكرمٍ لنفسه وهو لها مهين ))
[ السيوطي عن أبي البحير]

مرة شيعنا طبيباً، وهذا الطبيب أستاذ في الجامعة، وكان هناك رئيس جامعة، لم يصلِّ بقي واقفاً، إنسان بالخامسة والستين ماذا ينتظر؟ أي هل أنت أكبر من أن تصلي؟ هذه المشكلة.
(( ألا يا رب مكرمٍ لنفسه وهو لها مهين، ألا يا رب مهينٍ لنفسه وهو لها مكرم ))
النبي الكريم قال: (( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))
[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]
(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))
[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعاً وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته]
قال: (( ألا يا رب متخوضٍ و متنعم ما له عند الله من خَلاق))
[ السيوطي عن أبي البحير]
دنياه عريضة، لكن ليس له وزن عند الله عز وجل، ودخل صحابي فقير، فقال له النبي الكريم: (( أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، قال: أومثلي؟ قال: نعم يا أخي، خاملٌ في الأرض، علمٌ في السماء ))
لذلك ورد: ابتغوا الرفعة عند الله. قيمة الإنسان عند الله بقدر ما يعطي :
حديث آخر: (( ألا إن عمل الآخرة حزن بربوة ))
[ أخرجه إسحاق بن راهوية، عن عبد الله بن عباس ]

الجنة فيها جهد، صعود القمة فيه تعب، فيه جهد، فيه حرارة، فيه عقبات، فيه أكمات، فيه وهاد، أما القمة فشيء رائع جداً، والطريق المنحرف الهابط وراءه حفرة ليس لها من قرار.
بشكل عام أنت تمشي بطريق مستوٍّ، تفاجأت أصبح طريقين، طريق هابط، وطريق صاعد، وأنت راكب دراجة، والطريق الهابط للدراجة شيء مريح جداً، الطريق الهابط معبد، فيه ورود، وأزهار، ورياحين، شيء رائع جداً، والطريق الصاعد صخور، وحفر، وأكمات، وغبار، وجهد كبير، وتصبب عرق، طبعاً كل شيء في هذا الطريق الهابط يدعوك أن تسير به، سهولته، لا يوجد جهد، معبد، فيه ورود، رياحين، وكل شيء بالطريق الصاعد ينفرك منه، مكتوب لوحة: هذا الطريق الصاعد ينتهي بقصرٍ هو لك، وهذا الطريق الهابط ينتهي بحفرةٍ فيها وحوشٌ كاسرة وجائعة تنتظرك، هذا البيان ألا يجب أن يعكس لك القرار؟ كمعطيات مادية الذكاء والراحة بالطريق الهابط، والصاعد متعب، لكن بعد البيان ينعكس قرارك.
وأنت إذا آمنت بالآخرة تنعكس كل مقاييسك، ترى البطولة أن تعطي لا أن تأخذ، البطولة أن تخدم الناس لا أن تستهلك خدماتهم، البطولة أن تكون معطاءً، قيمتك عند الله بقدر ما تعطي، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، والأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء عاشوا للناس والأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، فلذلك فإن: (( ألا إن عمل الآخرة حزن بربوة، وإن عمل النار سهل بشهوة))
[ أخرجه إسحاق بن راهوية عن عبد الله بن عباس ]
استرخاء، كل ما تشاء، التقِ مع من تشاء، اكسب أي مالٍ تشاء، أي عمل جهنم سهل جداً، وعمل الجنة صعب جداً.
أيها الأخوة، هذا الموضوع من أدق الموضوعات المتعلقة بسبل الوصول وعلامات القبول.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-12-2018, 07:41 AM   #25


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الخامس و العشرون )

الموضوع : الوقت ملك لمن يملكة




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الوقت هو البعد الرابع للأشياء :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ولعل هذا الموضوع من أخطر الموضوعات في حياة الإنسان، إنه الوقت، لأن الإنسان وقتٌ، بضعة أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه، ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.

(( ما من يومٍ ينشق فجره إلا وينادي: يا بن آدم أنا خلقٌ جديد وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني لا أعود إلى يوم القيامة))
[ ورد في الأثر]
فأنت وقت، من أدق أدق تعريفات الإنسان عند الإمام الجليل الحسن البصري أن: "الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه"، لو أن واحداً منا عمره عند الله ثلاثاً وسبعين سنة، وسبعة أشهر، وثلاثة أسابيع، وأربعة أيام، وسبع ساعات، وأربع دقائق، وثماني ثواني، كلما مضت ثانية مضى بضعٌ منه، كائن متحرك إلى هدف ثابت.
لذلك قالوا: النقطة إذا تحركت رسمت خطاً، والخط إذا تحرك رسم سطحاً، والسطح إذا تحرك شكّل حجماً، والحجم إذا تحرك صار وقتاً، فالوقت هو البعد الرابع للأشياء كيف؟
أي شيء مادي له أبعاد ثلاث، له طولٌ، وعرضٌ، وارتفاع، لكن الله سبحانه وتعالى جعل الكون متحركاً، لولا حركته لأصبح كتلةً واحدة، لأنه من خلال هذه الحركة تنشأ قوى نبذ تكافئ قوى الجذب، فهذا الكون على عظمته متحرك.
الآن الوقت هو البعد الحركي للأشياء، فالشيء إذا تحرك تبدلت خصائصه، اللون مع مضي الوقت يختلف، المتانة تختلف، المنظر يختلف، الإنسان يختلف، انظر إلى صورتك في السنوات العشر الأولى وانظر إليها في السبعينات، الفرق كبير جداً، هذا هو الوقت، الوقت هو البعد الرابع للأشياء. ما مضى فات والمؤمل غيب وللإنسان الساعة التي هو فيها :

أيها الأخوة، النقطة الدقيقة: أن الإنسان بين وقت مضى، ووقتٍ لم يأتِ بعدُ، وبين اللحظة الراهنة، الوقت الذي مضى لا جدوى منه، الحديث عنه مضيعةٌ للوقت، معظم الناس يتحسرون على وقتٍ مضى، يقول لك: الأرض كانت بسعر، الآن أربعمئة ضعف، وكان بإمكاني أن أشتري أرضاً، يمضي حياته في الندم.
مما أُثر عن سيدنا الصديق أنه ما ندم على شيءٍ فاته من الدنيا قط، فما مضى فات، الذكي، العاقل لا يتحدث عن الماضي أبداً، لأنه مضيعةٌ للوقت، ما مضى فات والمستقبل غيب، لا تملكه، أنت إذاً لا تملك إلا اللحظة الراهنة، ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.

لذلك الإنسان إذا قال: سوف أفعل كذا، ورد في بعض الآثار:
((هلك المسوفون ))
[ورد في الأثر]
سأفعل كذا، لا تملك المستقبل، أنا لا أصدق أن واحداً وافته المنية إلا وفي تصوراته أن هناك قائمةً من الأعمال لابدّ من أن ينجزها، مات ولم ينتهِ شيء بعد، لا يوجد إنسان بالقبر إلا كان في باله خطط، ومشاريع، وطموحات، وأعمال للمستقبل.
والحديث البارحة أن الإنسان ضمن مربع، هذا المربع هو أجله، وهناك خط ينطلق من هذا المربع إلى خارج المربع، فالذي إلى خارج المربع هو أمله، والأمل في الدنيا مهلك.
النقطة الأولى: ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.
فالبطولة الآن، غداً سأتوب، بعد انتهاء الامتحان سأتوب، بعد الزواج سأتوب، بعد أن أبلغ من الكبر سناً معيناً سأتوب.(( هلك المسوفون ))
ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، هذه الحقيقة الأولى. الوقت و المال أهم شيئين في حياة الإنسان :
الحقيقة الثانية: أنه لا يتصور وقوع حدثٍ إلا له مكان، ويظله زمان، وهناك محدث، وهناك غاية، أي حدث يقع على وجه الأرض لابدّ له من مكان، ولابدّ له من زمان، ولابدّ له من محدث، ولابدّ له من غاية.

لذلك هناك شيء اسمه الوقت، وشيء اسمه المال، أهم شيئين في حياة الإنسان مركزٌ في أعماق أعماق الإنسان أن الوقت أثمن من المال، الدليل، لا سمح الله ولا قدر لو أن إنساناً أصابه مرضٌ عضال، وأن كلفة العملية الجراحية في بلاد الغرب تساوي ثمن بيته الوحيد الذي يملكه، أؤكد لكم بالمئة ألف حالة من بني البشر لا يتردد الإنسان ثانية واحدة في بيع بيته الوحيد، وإجراء العملية، متوهماً أنه سيعيش بعض السنوات فضلاً عن وضعه الراهن.
إذاً مركبٌ في أعماقنا أن الوقت أثمن من المال، وهذا شيء يفعله كل إنسان يبيع بيته لإجراء عملية جراحية تمد في حياته بضع سنوات.
دقق الآن، لو أن هناك إنساناً وقف أمامنا، وأمسك خمسمئة ألف وأحرقها، إذا شاهده ألف إنسان، كم واحد من هؤلاء الألف يحكم عليه بالجنون أو السفه؟ الجواب الألف، خمسمئة ألف تحل بها مشكلات كثيرة، تحرقها! لذلك قالوا: إتلاف المال يعد سفهاً.
الوقت أثمن من المال والإنسان لا يتفوق إلا إذا أحسن إدارة وقته :

الآن الحقيقة الخطيرة: لأن الوقت أثمن من المال، فيعد إتلاف الوقت أشد سفاهاً من إتلاف المال، سهرة، كلام فارغ، حديث بلا طائل، طُرف سخيفة، تبادل تهم، غيبة، نميمة، مسلسل، هذا الوقت الذي هو أنت، هذا الوقت رأسمالك الوحيد، هذا الوقت الذي لا تملك أثمن منه، لابدّ من ترشيد استهلاكه، وبالتعبير المعاصر: لابدّ من إدارة الوقت، يجب أن ترسم لك برنامجاً دقيقاً بحيث لا تضيع ساعة، هل تصدق أن واحداً من الناس جاء إلى الدنيا وغادرها وعمت رسالته الخافقين؟ إنه رسول الله، أنا لا أتصور أن هذا النبي العظيم ضيّع دقيقةً من حياته، لذلك استحق أن يقسم الله بعمره، قال تعالى: ﴿ لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
والله أيها الأخ، لو عرفت قيمة الوقت لا تسمح لنفسك أن تضيع ساعة بلا طائل، كلام فارغ، لقاء تافه، عمل سخيف، حديث فارغ، تراشق تهم، غيبة، نميمة، الوقت ثمينٌ جداً لأنك وقت، لأن رأسمالك هو الوقت، لأن أثمن شيء تملكه هو الوقت، والله يا أخوان ملايين مملينة يستهلكون أوقاتهم استهلاكاً رخيصاً، لذلك الآن هناك شيء اسمه إدارة الوقت، والإنسان لا يتفوق إلا إذا أحسن إدارة وقته. على الإنسان الابتعاد عن اللغو الذي لا جدوى منه :
أيها الأخوة الكرام، قال تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
﴿ قَدْ أَفْلَحَ ﴾
وأفلح وردت في القرآن في بضع آياتٍ لا تزيد عن أصابع اليد الواحدة: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾
[ سورة الأعلى ]
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ* الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
قال بعضهم: الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها بل من فرائضها: ﴿ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ* وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
اللغو كلام فارغ، لقاء سخيف، حديث بلا طائل، كلام معاد، كلام مكرر. المؤمن الصادق يعرف قيمة الوقت فيرشد استهلاكه :

أيها الأخوة، المؤمن الصادق عرف قيمة الوقت، فرشد استهلاكه، وصرفه في عملٍ ينفعه بعد الموت، أي شيءٍ تفعله للدنيا مضيعةٌ للوقت، لأن الدنيا تتركها وتذهب، هناك مقياس واحد، أي عمل تفعله يدخل معك إلى القبر هذا هو المجدي، أعمال لا أقول هي حرام، لكن الشيطان ـ كما كنت أقول ـ يوسوس للإنسان بالكفر، فإن رآه على إيمانٍ وسوس له بالشرك، فإن رآه على توحيد وسوس له بالكبائر، فإن رآه على طاعة وسوس له بالصغائر
فإن رآه على ورع بقي مع الشيطان ورقتان رابحتان، وسوس له بالتحريش بين المؤمنين، هذه الخصومات بين الجماعات الإسلامية من فعل الشيطان، هذه الخصومات التي تعود لأسبابٍ تاريخية، والدماء سالت من أجلها من فعل الشيطان، وسوس له بالتحريش بين المؤمنين، فإن لم يفلح بقي معه ورقةٌ رابحة كبيرة، ورقة المباحات، استهلك وقته في تحسين دنياه، ويأتي الموت فينهي كل شيء، تصور إنساناً من لا شيء صار شيئاً، حسّن، رتّب، ارتقى بيته، ارتقت مركبته، ارتقت مكانته، وهو صاعد يقف القلب، بثانيةٍ واحدة يخسر كل شيء، لو أن كل نشاطه في الدنيا فهو أكبر مقامر، وأكبر مغامر، لأن البيض وضعه في سلةٍ واحدة، أما إنسان له عمل للآخرة، له عمل صالح، له إنفاق مال، له دعوة إلى الله، له نشر علم، له إطعام المساكين، له منشآت أسسها في سبيل الله، هذا إنسان عرف قيمة الوقت.
صدقوا أيها الأخوة أن المؤمن أشد الناس طموحاً، فلذلك المؤمن الصادق إذا عرف سرّ وجوده، وغاية وجوده، لا يجد شيئاً أثمن من الوقت، يستهلكه بحذرٍ شديد، وبترشيدٍ بالغ، وليس عنده وقتٌ للكلام الفارغ، ولا للمشاحنات، حتى الجدال، المؤمن يدع الجدال. الإنسان مخير و هو في قبضة الله عز وجل :
الآن:
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ﴾
[ سورة البقرة الآية: 148 ]

الإنسان مخير: ﴿ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ﴾
[ سورة البقرة الآية: 148 ]
نحن في قبضة الله، ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا ﴾
أي في أية مكانةٍ كنتم، وفي أي مكانٍ كنتم.
لا تأمن المـوت في طرف ولا نفس وإن تمنعت بالــحجاب والحرس
فما تزال سهام الـــموت نافذة فــي جنب مدّرع منها و مترس
أراك لـــست بوقاف ولا حذر كالحاطب الخابط الأعواد في الغلس
ترجو النجاة ولـم تسلك مسالكها إن الـسفينة لا تجري على اليبس
* * *
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾
الآن الوقت، ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ﴾
سبحان من قهر عباده بالموت. ﴿ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ* ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾
[ سورة الغاشية ]
معاني الوقت في القرآن الكريم :
أيها الأخوة، من معاني الوقت في القرآن الكريم قوله تعالى:
﴿ وَسَارِعُوا ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 133 ]
أي سابقوا: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة آل عمران ]

لو أن شريطاً متحركاً يمشي، والناس على هذا الشريط، هذا مضي الوقت، لو أنت خرجت عن الشريط ووقفت، أنت واقف لكن الآخرين سبقوك، أنت واقف وقوفك تراجع، لأن الحركة ماشية، كل إنسان له عمل صالح، يعبد الله، يفعل الخيرات، يصوم، يدعو إلى الله، ينفق ماله في سبيل الله، يطعم الجائع، يكسو العاري، يرعى يتيماً، العمل الصالح حركة، والذي ليس له عمل واقف، فهو في مؤخرة الركب، بالنهاية حجمك عند الله بحجم عملك الصالح.
لذلك كلمة: ﴿ وَسَارِعُوا ﴾
فيها ملمح للوقت، بالنهاية هناك عاقل، وهناك ذكي، وما كل ذكي بعاقل، قد تحمل أعلى شهادة في العالم، قد تحمل دكتوراه من أكبر دولة متطورة بالفيزياء النووية، ما دمت ما عرفت سرّ وجودك، ولا غاية وجودك، ولا عرفت أنك مخلوقٌ للجنة، وأن هذه الدنيا دار عمل، فأنت ذكيٌ ولست عاقلاً، ما كل ذكي بعاقل، الأذكياء كثر، إن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال، للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين. آيات متعلقة بالوقت :
آيةٌ أخرى متعلقة بالوقت: ﴿ سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة الحديد ]
آيةٌ أخرى متعلقة بالوقت: ﴿ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى ﴾
[ سورة طه ]

>جئت في الوقت المناسب، لذلك قالوا: لكل شيءٍ أوان، فمن تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، أي هناك وقت تتزوج فيه، وهناك وقت تعمل به، لكن ما دام الإنسان مهملاً، أعماله لا يهتم بها، لا يوجد تخطيط، وأنا أقول دائماً: إما أن تخطط، وإما أن يُخطط لك، إما أن تكون رقماً صعباً تخطط، أو أن تكون رقماً تافهاً في خطة عدوك، فالأمر ليس بالسهولة بمكان، الأمر يحتاج إلى وقفة، إلى تأمل، إلى بحث فيما مضى، في المستقبل، في سرّ الوجود، في غاية الوجود، قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ ﴾
[ سورة العنكبوت الآية: 5 ]
والآية متعلقة بالوقت: ﴿ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ ﴾
[ سورة العنكبوت الآية: 5 ]
فهناك مراحل، وهناك وقت مناسب، وهناك نضج، الإنسان عليه أن يبدأ. نية المؤمن خيرٌ من عمله :
لكن من عظمة هذا الدين أنك إذا سرت في طريق الإيمان في أي وقت، لو جاءت المنية لكتب الله لك أجر النهاية، في الدنيا لا بدّ من إنجاز، لكن في الآخرة يكتب لك نيتك، لذلك نية المؤمن خيرٌ من عمله، أنت مشيت في طريق الإيمان، ما نهاية الطريق؟ لك أجر نهايته: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة العنكبوت ]
تعاريف الوقت :

أيها الأخوة، من تعاريف الوقت: الوقت ظرف الكون، هناك كون، وهناك وقت يحتويه، الوقت وعاء العمل، لذلك لا يوجد عمل بلا وقت، الإنسان الذي فرط في حياته الدنيا: ﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾
[ سورة الفجر ]
فالوقت ظرف العمل، الوقت وعاء الكون.
أيها الأخوة، عندنا باللغة ما يسمى ظرف مكان، وظرف زمان، تقول: جلست جانب النهر، جانب إعرابه مفعول فيه ظرف مكان، سافرت عصراً، العصر ظرف زمان، فلابد لكل حدثٍ من ظرف مكانٍ، ومن ظرف زمان.
لذلك الله عز وجل لا يقال: متى كان الله؟ لأنه خالق الزمان، سيدنا علي يقول: "علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون" فالزمان من خلق الله، الله عز وجل محيطٌ بكل شيء، أما نحن محاطون بالزمن، أنت تقول: أنا غداً سأسافر، أنت ضمن الزمان. اللحظة التي يعيشها الإنسان هي أخطر شيء في حياته :
أيها الأخوة، الشيء الخطير هي اللحظة التي تعيشها، لذلك قالوا: هناك يومٌ مفقود هو الماضي، ويومٌ مشهود، ويوم موعود، ويومٌ مورود، ويومٌ ممدود، فالوقت المفقود هو الماضي، ولا جدوى في الماضي إطلاقاً، والوقت المشهود هو الوقت الحاضر، هو أثمن وقت تملكه، الآن: نويت أن أتوب الآن، نويت أن أعطي هذه الصدقة الآن، الوقت الموعود الموت، الوقت المورود يوم القيامة، والوقت الممدود الأبد، إما في جنةٍ يدوم نعيمها، أو في نارٍ لا ينفذ عذابها، لذلك من أدق أدق الأحاديث الشريفة المتعلقة بالوقت:

(( اغتنم خمساً قبل خمس، شبابك قبل هرمك ))
[ أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عباس ]
مرة قال لي إنسان: أنا ـ سبحان الله ـ قبل خمسين سنة كنت أنشط من الآن، طبعاً، الشباب غير الشيخوخة، والله كنت في الحج عندما أجد الشاب يسعى بنشاط أغبطه، لا تحج من فوق الخامسة والستين، حج وأنت شاب:(( اغتنم خمساً قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك ))
[ أخرجه الحاكم، عن عبد الله بن عباس ]
أنت لم تتزوج بعد، عندك وقت فراغ كبير، اطلب العلم، غداً يوجد زوجة، و أولاد، وحمل، و ولادة، وتأمين حاجات الأولاد، لذلك الزواج مشغلة، ومجبنة أحياناً، الشباب قبل الهرم، الصحة قبل المرض، الفراغ قبل الشغل، الحياة قبل الموت. الوقت من أخطر القضايا في حياة الإنسان :
أيها الأخوة الكرام، قضية الوقت من أخطر القضايا التي ينبغي أن تعالج، يقول النبي الكريم: (( إن الله عز وجل ليعجب من الشاب ليست له صبوة ))
[ أخرجه أبو يعلى والطبراني والإمام أحمد عن عقبة بن عامر ]
هذا الشاب الذي عرف قيمة الوقت، ما ضيّع وقته أبداً في القيل والقال، إن الله كره لكم قيل وقال، وإضاعة المال، وكره لكم كل شيءٍ يضيع الوقت.
أيها الأخوة الكرام، لا شك أن هذا الدرس متعلق بالوقت، وأن الوقت هو أثمن شيءٍ يملكه الإنسان.







والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-12-2018, 07:47 AM   #26


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السادس و العشرون )

الموضوع : الغفلة تناقض قيمة الوقت





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الوقت ينفق استهلاكاً أو استثماراً :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في الموضوع المتعلق بالوقت، وهذا الموضوع من أخطر الموضوعات، لأن الإنسان وقت، لأن الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منه.

الحقيقة الأولى: أن هذا الوقت الذي هو أنت، أن هذا الوقت الذي هو رأسمالك، أن هذا الوقت الذي هو أثمن شيءٍ تملكه، إما أن ينفق استهلاكاً، أو أن ينفق استثماراً، ينفق استهلاكاً كما يفعل أهل الأرض، نأكل، ونشرب، ونتمتع بالحياة الدنيا، ثم يفاجأ الإنسان بتطور خطير في صحته، ينتهي به إلى الموت، وأحياناً يأتي الموت بغتةً، من دون أي مقدمات، وهناك قصص لا تعد ولا تحصى، لا يشكو من شيء، خلال ثوان أصبح من أهل القبور، كان شخصاً فأصبح خبراً، فلذلك إنفاق الوقت إنفاق استهلاكي قضية سهلة جداً.

(( إن عمل النار سهل بشهوة ))
[ أخرجه إسحاق بن راهوية عن عبد الله بن عباس ]
استرخاء، عدم مبالاة، عدم انضباط، هذا إنفاق الوقت إنفاق استهلاكي، وينفق الوقت إنفاقاً استثمارياً، حينما تفعل في الوقت الذي سينقضي عملاً ينفعك بعد انقضاء الوقت. حجم الإنسان عند ربه بحجم عمله الصالح :

الحقيقة هناك ضابط لهذا الموضوع دقيق: أي شيء من أعمالك الصالحة يدخل معك في القبر، هذا العمل الذي يعد إنفاقاً استثمارياً للوقت، أما الإنسان إذا مات يترك كل شيء في البيت، مقتنياته، خزانته، حساباته، أشياء ثمينة يملكها، البيت نفسه، أثاث البيت، مكتبه الخاص، لكن أهله يمشون في الجنازة إلى شفير القبر، حتى أقرب الناس إليه يودعه عند القبر، ما الذي يدخل معه في القبر؟ عمله الصالح:

(( يا قيس! إن لك قريناً تدفن معه وهو حي، ويدفن معك وأنت ميت، فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، ألا وهو عملك ))
[ صحيح عن قيس بن عاصم]
فأنت حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، هذه الحقيقة الأولى.
إذاً استهلاك الوقت خطأ، استثماره صواب، استثماره أن تفعل في الوقت الذي سينقضي عملاً يدخل معك في قبرك، طلبت العلم، دعوت إلى الله، ربيت أولادك، عملت الصالحات، أنفقت من مالك، رعيت يتيماً، رعيت أرملةً، أطعمت فقيراً، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق. لا خير في العيش إلا لعالمٍ ناطق أو مستمعٍ واع :
الشيء الثاني: يقول عليه الصلاة والسلام في بعض خطبه:" أيها الناس! لا خير في العيش إلا لعالمٍ ناطق أو مستمعٍ واع ".

(( الناس رجلان عالم ومتعلم هما في الأجر سواء ولا خير فيما بينهما من الناس ))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن مسعود ]
" أيها الناس! لا خير في العيش إلا لعالمٍ ناطق أو مستمعٍ واع، أيها الناس! إنكم في زمن هدنة".
الآن العام الدراسي زمن هدنة، الطلاب كلهم جميعاً واحد، هذا كسول لكن لم يظهر، هذا مجتهد لكن لم يظهر، طوال العام الدراسي الطلاب لا فرق بينهم، يأتي الامتحان يفرزون، ناجح، متفوق، الأول، الوسط، المقبول، الراسب مع الخزي والعار:" أيها الناس! إنكم في زمن هدنة".
الآن كل الناس ساكن ببيت، يأكل، يشرب، عنده مركبة، يعمل نزهة، يعمل لقاء، يزوج ابنته، لم يتبين شيء، لكن بعد الموت: ﴿ وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾
[ سورة يس ]

أصبح هناك مسلم ومجرم، مؤمن وكافر: " إنكم في زمن هدنة، وإن السير بكم لسريع، وقد رأيتم الليل والنهار يبليان كل جديد، ويقربان كل بعيد، ويأتيان بكل موعود، فقال المقداد يا رسول الله: وما الهدنة؟ فقال: دار بلاءٍ وانقطاع "
دار امتحان ثم انقطاع، الموت ينهي غنى الغني، ترك ثلاثة وثمانين مليوناً، الموت أنهى هذه الثروة، ينهي قوة القوي، كان طاغية كبيراً، ترتعد منه المفاصل، صار خبراً، ينهي غنى الغني، قوة القوي، ضعف الضعيف، وسامة الوسيم، دمامة الدميم، ذكاء الذكي، محدودية المحدود:" إنكم في زمن هدنة، قال يا رسول الله: وما الهدنة ؟ قال: دار بلاءٍ وانقطاع، فإذا التبست عليكم الأمور".
صار هناك ضلالات، شبهات، طروحات فكرية ضالة، تسفيه للدين: " فإذا التبست عليكم الأمور فعليكم بالقرآن، فهو شافعُ مشفع، وشاهدٌ مصدق، فمن جعله أمامه قاده إلى الجنة، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار، هو أوضح دليل إلى خير سبيل، من قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومن حكم به عدل، فضل كلام الله على كلام خلقه كفضل الله على خلقه".
قال بعضهم: إنه رأى الصديق في منامه، فقال له: أوصني، قال: كن ابن وقتك، فسر بعضهم هذه الكلمة، في وقت الفجر أنت في المسجد، يوم الجمعة ظهراً أنت في الجامع، في النهار أنت في العمل، في الليل أنت في بيتك، كل وقت له عبادة مناسبة، كن ابن وقتك. من خصائص الوقت أنه نسبي يطول و يقصر :

أخواننا الكرام، الوقت من خصائصه أنه نسبي، يطول ويقصر، هو في الحقيقة لا يطول ولا يقصر، الوقت وقت، الستون دقيقة ستون دقيقة بالعالم كله، لكن يطول على المعذب.

إن يطول بعدك ليلي فلكم بتُ أشكو قصر الليل معك
* * *

قالوا: دقيقة الألم ساعة، وساعة اللذة دقيقة.
نحن كنا طلاباً في الجامعة، الامتحان ثلاث ساعات، والله أيها الأخوة، كيف يمضي الوقت لا أعرف؟ أكتب انقضت ساعة، مرة ثانية انقضت ساعتان، الثالثة انتهى الوقت، أصبحت أستاذاً في الجامعة، ثلاث ساعات مراقبة قدر ثلاث سنوات، راقب، انتظر، اقلب الساعة للوراء، أقول: مضى نصف ساعة، أفتح أجد دقائق مضوا، بقي أمامي ثلاث ساعات، يمكن أصعب شيء في حياة أستاذ الجامعة المراقبة، هذه الثلاث ساعات ثلاث سنوات، لأنه لا يوجد عمل و الطالب منهمك في العمل.
فالوقت يطول ويقصر. الوقت يخف على المؤمنين ويثقل على الكافرين :
الآن تطبيق هذا الكلام؛ الوقت يخف على المؤمنين، ويثقل على الكافرين، قال تعالى:
﴿ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾
[ سورة غافر ]

ستة آلاف سنة ضرب ثلاثمئة وخمسة وستين كل سنة ضرب اثنين
﴿ غُدُوّاً وَعَشِيّاً ﴾
والخير للأمام، لذلك القبر حفرة من حفر النيران، أو روضة من رياض الجنة، لكن هناك شيء يبشر: (( أَنَّ أعرابيا قال: يا رسولَ الله، مَنْ خَيْرُ الناس؟ قال: مَنْ طال عمره، وحَسُنَ عمله ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن بسر ]
كان في الشام شيخ، بدأ بالتعليم، أنشأ مدرسة خاصة إسلامية، بدأ بالتعليم في الثامنة عشرة من عمره، وتوفاه الله في الثامنة والتسعين، علّم ثمانين سنة، كان يرى الشاب في الطريق، يقول له: يا بني أنت كنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، وكان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، حينما يُسأل يا سيدي ما هذه الصحة التي حباك الله بها؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
زرت والد صديقي، قال لي: عمري ست وتسعون سنة، عملنا البارحة تحليلات كاملة كله طبيعي، قال لي: والله لم آكل قرشاً حراماً بحياتي، ولا أعرف الحرام الثاني، حرام النساء. سرعة انقضاء الوقت :
أيها الأخوة، هناك شيء ثان في الوقت، سرعة انقضائه، أي كل واحد منا له عمر، كيف مضى هذا العمر؟ كلمح البصر، يمر الوقت مرّ السحاب، يجري جري الرياح، إن كنت في مسرة، أو في فرح، أو في اكتئاب وترح، إن كانت الأيام أيام سرور، أو أيام أخرى، الوقت يمضي، يمضي سريعاً
فلذلك الوقت لا يرجع إلى الوراء أبداً، قال تعالى:

﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ ﴾
[ سورة يونس الآية: 45 ]
عاش ثمان وثلاثين سنة، أو ثمان وتسعين سنة، أو ثمان وسبعين سنة، ساعة من نهار: ﴿ لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
أيها الأخوة، من خصائص الوقت أنما ما مضى منه لا يعود، لذلك الأغبياء يتحدثون عن الماضي، الحديث عن الماضي لا يجدي، إلا إن أخذت العبرة منه فقط، أما التحسر، والتأسف فكلامٌ فارغ، ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها.
قال الإمام الحسن البصري: ما من يومٍ ينشق فجره إلا وينادي: ابن آدم أنا خلقٌ جديدٌ، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود إلى يوم القيامة. موقفان يندم فيهما الإنسان أشد الندم :
الآن، من جهل قيمة الوقت لم يعبأ بالوقت، سيأتي عليه حين يعرف قيمته ونفاسته، ولكن بعد فوات الأوان، وقد ذكر القرآن موقفين اثنين يندم فيهما الإنسان أشد الندم، الموقف الأول في قوله تعالى عند ساعة الاحتضار: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ* وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ* وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة المنافقون ]

هذا الموقف الأول، الرد الإلهي:
﴿ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾
الوقف الثاني: في الآخرة حيث: ﴿ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَت ﴾
[ سورة النحل الآية: 111]
وتجزى ما كسبت، ويدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، هناك يتمنى أهل النار لو يعودون إلى الدنيا، إلى دار التكليف، ليعملوا عملاً صالحاً، ولكن هيهات، فقد انتهى زمن العمل، وجاء زمن الجزاء، يقول تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ* وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾
[ سورة فاطر الآية: 36-37 ]
من أدق ما قاله العلماء في كلمة النذير :
1 ـ النذير هو النبي عليه الصلاة والسلام :
الآن دقق:
﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾
[ سورة فاطر الآية: 37 ]
قفوا عند كلمة نذير: ﴿ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾
الإمام القرطبي ـ رحمه الله تعالى ـ مفسر كبير، فسر كلمة نذير بتفسيرات عديدة رائعة، ﴿ النَّذِيرُ ﴾

هو رسول الله:
﴿ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾
[ سورة الأحزاب ]
لأنه قال: ((عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من أحببت فإنك مفارقه، واعمل ما شئت فإنك مجزي به ))
[ أخرجه الحاكم عن سهل بن سعد أو عبد الله بن عمر ]
قال: (( إن أكيس الناس أكثرهم للموت ذكراً، وأحسنهم له استعداداً ))
[ أخرجه الحارث عن زيد بن علي ]
(( ألا وإن من علامات العقل التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود والتزود لسكنى القبور، والتأهب ليوم النشور ))
[ورد في الأثر]
(( الكَيِّس مَنْ دانَ نفسَه ))
[ أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس ]
ضبطها: (( وعَمِلَ لما بعد الموت، والعاجِزُ مَنْ أتْبَعَ نَفَسَهُ هَواهَا وتمنَّى على الله الأماني ))
[ أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس ]
فالنبي عليه الصلاة والسلام بأحاديثه الشريفة الصحيحة هو ﴿ النَّذِيرُ ﴾
2 ـ أو القرآن :

والقرآن هو

﴿ النَّذِيرُ ﴾
قال: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ* إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ* فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ* فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ* قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ* كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ* وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ* وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ* يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ* مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ* هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ* خُذُوهُ فَغُلُّوهُ* ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ* ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ *إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة الحاقة ]
فالقرآن هو النذير، والنبي هو النذير. 3 ـ أو سن الأربعين :

قال: وسن الأربعين هو النذير، من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة، أنت سافرت سفرة لمدة عشرة أيام، باليوم الثامن تنعكس الخطة تقطع تذاكر العودة، تشتري الهدايا، تفكر في العودة، فمن بلغ الأربعين، من دخل في الأربعين دخل في أسواق الآخرة، و:

((من بلغ أربعين سنة ولم يغلب خيره شره فليتجهز إلى النار))
[أبو الفتح الأزدي عن ابن عباس]
أربعين سنة، لذلك: (( أبغض ثلاثاً، وبغضي لثلاثٍ أشد، أبغض العصاة، وبغضي للشيخ العاصي أشد ))
هذه مراهقة متأخرة، ﴿ النَّذِيرُ ﴾
هو القرآن الكريم، و ﴿ النَّذِيرُ ﴾
هو النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، و ﴿ النَّذِيرُ ﴾
هو سن الأربعين. 4 ـ أو سن الستين :

وقالوا:

﴿ النَّذِيرُ ﴾
سن الستين، إذا بلغ الإنسان سن الستين صار أقرب إلى الموت منه إلى الحياة، هذه حقيقة. 5 ـ أو الشيب :

قال و

﴿ النَّذِيرُ ﴾
هو الشيب، ورد في الأثر: ((أن عبدي كبرت سنك، وضعف بصرك، وانحنى ظهرك، وشاب شعرك، فاستحِ مني فإنا أستحي منك ))
إلى متى وأنت في اللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
* * *
تعصي الإله وأنت تظهر حبــه ذاك لــعمري في المقال بديعُ
لو كان حبك صادقاً لأطعتـــه إن الـــمحب لمن يحب مطيع
* * *

أيها الأخوة، هذا هو ﴿ النَّذِيرُ ﴾
﴿ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ ﴾
6 ـ أو المصائب :
الآن
﴿ النَّذِيرُ ﴾

المصائب، المصيبة رسالة من الله، الآية الكريمة:
﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا ﴾
[ سورة القصص الآية: 47 ]
ما قال: مصيبة، قال: ﴿ رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
فسمى الله المصيبة رسالة، الآن هناك رسائل يقول لك: عرض عسكري، رسالة للدولة المجاورة، هناك رسائل ليست كتابية، أحياناً هناك حركة هي رسالة، اعتقد يقيناً أن المصيبة رسالة، إنسان غافل، ساه، لاه، تأتي مشكلة في صحته ينتبه، فالمصائب نذير. 7 ـ أو التطور الصحي السلبي :

كذلك هناك شيء آخر، التطور الصحي السلبي، كان من الممكن أن يتمتع الإنسان بشباب دائم حتى الموت، ضغطه إحدى عشرة سبعة، نبضه ثمانون، التحليلات كلها كاملة، و هو في التسعين، لكن شاءت حكمة الله من بعد الخمسين أن يكون هناك تطورات، يشيب شعره، يضعف بصره، يضع نظارات، يصلح أسنانه، يقول لك: آلام في الظهر، معي أسيد أوريك، معي شحوم ثلاثية، هذه الأكلة ممنوع عنها، هناك مجموعة أعراض صحية سلبية بعد سن معين تصيب جميع الخلق، هي رسائل لطيفة من الله، رسائل، أن يا عبدي قد اقترب اللقاء، هل أنت مستعدٌ له؟ اقترب اللقاء.
8 ـ أو موت الأقارب :
أيها الأخوة، يناقض معرفة قيمة الوقت الغفلة، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
لذلك ﴿ النَّذِيرُ ﴾
بحث دقيق جداً، ومن ﴿ النَّذِيرُ ﴾
موت الأقارب، إنسان له هيبته، له مكانته، وقد يكون محبوباً، مات، يخافون أن يدخلوا إلى غرفته بعد موته وبعد تشييعه، غرفته تخوف، ما الذي حصل؟ لذلك موت الأقارب أيضاً نذير. التسويف من أخطر آفات الوقت :

أيها الأخوة، من أخطر آفات الوقت التسويف، الإمام الحسن البصري يقول: "إياك والتسويف فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن غدٌ لك، فكن في غدك كما كنت في اليوم، وإن لم يكن لك غدُ لن تندم على ما فرطت في هذا اليوم، لا تقل غداً، لا تقل سوف".
إنسان وعد النبي أن يتوب غداً، قال له: ويحك، أو ليس الدهر كله غداً. (( هلك المسوفون ))
[ورد في الأثر]
قيل لعالم: أوصنا، قال: احذروا سوف فهي جند إبليس، كلمة سوف من جند إبليس، قال: تزود من التقوى فإنك لا تـدري إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الــفجر
فكم من سليمٍ مات من غير علةٍ وكم من سقيم عاش حيناً من الدهر
وكم من فتىً يمسي ويصبح أمناً وقد نسجت أكفانه وهــو لا يدري
* * *

قيمة العمر بالعمل الصالح :
أيها الأخوة، عمر الإنسان الحقيقي هو عمر عمله الصالح، إنسان فتح دكاناً وداوم عشر ساعات، باع بخمسمئة ليرة، وإنسان فتح دكاناً وداوم ساعة، وباع بمليون، الزمن لم يعد له قيمة، القيمة بالغلة، مجموع المبيعات، فقيمة العمر لا بأمده، بل إن الأمد الزمن العمر أتفه أعمار الإنسان، العمر يطول بالعمل الصالح، ويقصر بقلة العمل الصالح.
أيها الأخوة، لذلك قال صاحب الحكم العطائية: "ربًّ عمرٍ اتسعت آماده، وقلّت أمداده، وربَّ عمرٍ قليلةٌ آماده، كثيرةٌ أمداده، ومن بورك له في عمره أدرك في يسيرٍ من الزمن من المنن ما لا يدخل تحت دائرة العبارة، ولا تلحقه ومضة الإشارة".

إذاً العمر قيمته بالعمل الصالح، لذلك ورد في بعض الأدعية: "لا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله علماً، ولا بورك لي في طلوع شمس يومٍ لم أزدد فيه من الله قرباً ".
والإنسان بإمكانه أن يطيل عمره بكثرة أعماله الصالحة، قيمة العمر بالعمل الصالح، لا بالأمد الزمني المحدود.
أيها الأخوة، أعظم عمل صالح الذي يستمر بعد وفاة الإنسان. (( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم يُنْتَفَعُ به، أو ولد صالح يدعو له ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
وأخطر عمل سيئ الذي يستمر بعد وفاة الإنسان، أسس ملهى ومات والملهى مفتوح، فكل ما فيه من موبقات في صحيفته، أسس عملاً صالحاً ومات، كل الأعمال الصالحة التي تستمر من خلال هذا العمل في صحيفته.
فالبطولة أيها الأخوة، أن يكون الإنسان عاقلاً يعرف كيف يتحرك في هذا الوقت المحدود.





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-12-2018, 07:50 AM   #27


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السابع و العشرون )

الموضوع : محاسبة المؤمن لنفسة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
المحاسبة :
أيها الأخوة الأكارم، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، وهذا الموضوع هو: "المحاسبة".
سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم، وسيتخطى غيركم إليكم، فخذوا حذركم".
الإنسان يقرأ في اليوم عشرات النعوات، لكن في أحد الأيام لابد من أن يقرأ الناس نعوته، فماذا أعددت لهذا اليوم؟ نحن جميعاً ندخل إلى المساجد لنصلي، لكن يقيناً هناك يومٌ ندخل فيه إلى المسجد في نعشٍ ليصلى علينا، فماذا أعددنا لهذا اليوم؟ نحن جميعاً نخرج من بيوتنا واقفين على قدمين بشكل عمودي، لكن في مرة واحدة نخرج من بيوتنا بشكل أفقي في نعش، فماذا أعددنا لهذا اليوم؟.

حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم، وسيتخطى غيركم إليكم، فخذوا حذركم.

(( الكَيِّس ))
العاقل، الذكي. (( مَنْ دانَ نفسَه ))
ضبط أموره، ضبط دخله، ضبط إنفاقه، ضبط بيته، ضبط نسائه: (( الكَيِّس مَنْ دانَ نفسَه، وعَمِلَ لما بعد الموت، والعاجِزُ مَنْ أتْبَعَ نَفَسَهُ هَواهَا وتمنَّى على الله ))
[ أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس ]
لذلك قيل: من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً كان حسابه يوم القيامة يسيراً، ومن حاسب نفسه في الدنيا حساباً يسيراً كان حسابه يوم القيامة عسيراً.
رأى النبي تمرةً على السرير، فقال: يا عائشة لولا أني أخشى أن تكون من تمر الصدقة لأكلتها، تاقت نفسه أن يأكل تمرةً، لكنه خشي من أن تكون من تمر الصدقة.
لذلك قالوا: ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلط.
المخلط الذي خلط عملاً صالحاً بعملٍ سيئ.
أخواننا الكرام، بعضكم يعمل في التجارة، والتاجر عندما تكون حساباته دقيقة يشعر براحة كبيرة جداً، أما إذا كان هناك أخطاء بحساباته، أخطاء بالمستودع، أخطاء بالذمم، تجده مضطرباً دائماً، لذلك المحاسبة مريحة، وعود نفسك أيها الأخ الكريم أن تحاسب نفسك كل يوم، المؤمن الصادق يحاسب نفسه حساباً دقيقاً، لا يسامحها، يتهم نفسه دائماً، يقول أحد التابعين: التقيت بأربعين صحابياً، ما منهم واحدٌ إلا وهو يظن نفسه منافقاً من شدة خوفه من الله، سيدنا عمر ـ عملاق الإسلام ـ جاء لسيدنا حذيفة و قال له: بربك اسمي مع المنافقين؟ قال له: معاذ الله يا أمير المؤمنين! من شدة خوفه من الله. التعريف الدقيق للمحاسبة :
أخواننا الكرام، التعريف الدقيق للمحاسبة، أن تميز ما لك وما عليك، أن تعرف ما لك وما عليك، وأن تؤدي الذي عليك، وأن تطالب بالذي لك، لذلك قالوا: أدِّ الذي عليك، واطلب من الله الذي لك.

هناك حديث أيها الأخوة شهد الله أن الأخ المؤمن إذا استوعبه يمتلئ قلبه أمناً، سيدنا معاذ ابن جبل أردفه النبي وراءه ـ الحديث طويل أقتطع منه فقرةً واحدة ـ قال له: يا معاذ:

(( أتدري ما حقُّ الله على العباد؟ فقلتُ: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حقَّه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، قال: فتدري ما حقُّهم على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: أن لا يعذِّبَهم ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن معاذ بن جبل ]
فأنت حينما تؤدي الذي عليك، من عبادةٍ، من صدقٍ، من أمانةٍ، من إنصافٍ، من ورعٍ، من ضبطٍ لبيتك، لنسائك، لدخلك، لإنفاقك، عندئذٍ أنشأ الله لك حقاً عليه ألا يعذبك، من هنا قال تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾
[ سورة التوبة الآية: 51 ]
لنا، ليس علينا. آلية المحاسبة :
أخواننا الكرام، آلية المحاسبة أن تخلو مع نفسك كل يوم دقائق، لِمَ فعلت هذا؟ لِمَ تركت؟ لمَ أعطيت؟ لِمَ منعت؟ لِمَ وصلت؟ لِمَ قطعت؟ لِمَ غضبت؟ لِمَ رضيت؟ لِمَ ابتسمت؟ لِمَ عنفت؟ لِمَ ضربت؟ لِمَ حاسبت؟ لِمَ آذيت؟ حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا.
لذلك بطولتك أن تهيئ لربك جواباً، مرة أخ يعمل في عمل حساس جداً، وبإمكانه أن يوقع الأذى بالناس دون أن يُسأل، فمرة قال لي: انصحني؟ قلت له: افعل ما تشاء، وأوقع الأذى بالناس كما تشاء، وزج الناس بالسجن كما تشاء، ولكن لا تنسَ أن تهيئ لربك جواباً عن كل شيءٍ تفعله، بطولة المؤمن أن يهيئ لله جواباً عن كل شيء يفعله.

أيها الأخوة، المؤمن ينصف الناس من نفسه، الآن هناك موضوع دقيق جداً، أحياناً الإنسان يكون بموقع لا يُحَاسب، في البيت الأب يحاسب زوجته، يحاسب أولاده، يحاسب بناته، لكن هو نمطه قمعي، لا يجرؤ أحد أن يحاسبه، الذي يحتاج أن يحاسب نفسه مليون مرة هو الذي لا يحاسب، وزير عنده عدد من الموظفين، لا أحد يجرؤ أن يحاسبه، مدير دائرة، رئيس مستشفى، رئيس جامعة، هناك وظائف أساسها أن صاحب هذه الوظيفة يُحَاسِب، لكنه لا يُحَاسَب فالإنسان إذا كان في موقع لا يُحَاسَب يحتاج إلى هذا الدرس ألف مرة زيادة عن غيره، الإنسان عندما يعرف الله عز وجل يحاسب نفسه حساباً دقيقاً جداً، لذلك يعتذر، يقدم هدية، ترميماً لخطأ ارتكبه، يقول صراحةً: إذا أخطأت حاسبوني.
سيدنا الصديق الإنسان الأول بعد رسول الله، قال: "إني وليت عليكم، ولست بخيركم، إن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني".
أنا أتمنى على كل إنسان يكون بموقع حساس، بموقع قيادي، يبلغ من حوله صراحةً، إذا ارتكبت خطأ فنبهني.
سيدنا عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله تعالى ـ اختار أحد كبار الشخصيات، اسمه حازم، قال له: كن معي، فإذا رأيتني أخطأت فأمسكني من تلابيبي، وهزني هزاً عنيفاً، وقل لي: اتقِ الله يا عمر.
من كان في موقعٍ لا يُحَاسَب فيه فليُحَاسِب نفسه حساباً عسيراً :
أنا أتمنى أن كل إنسان يكون بموقع قيادي يبلغ من حوله أن حاسبوني، لأنه في الأعم الأغلب لا يحاسب، وإذا كان لا يحاسب، هناك منافقون يمدحونه على خطئه، المنافق يمدح القوي إن أصاب وإن أخطأ، فأكبر إنسان يغش القوي من حوله، يمدحه، ويمدحه، ويصدق، لذلك عود الناس من حولك أن يحاسبوك.
الآن إن وجّه لك إنسان ملاحظة فاقبلها بصدر رحب، واشكره عليها، إن فعلت ذلك شجعت من حولك أن يقدموا لك النصح، والذي يقدم النصح إنسان له أجر كبير، والذي يقبل النصح لا يقل أجره عن أجر من أسدى النصح ، لذلك الذي هو في موقعٍ لا يُحَاسَب، ينبغي أن يُحَاسِب نفسه حساباً عسيراً.

مرة أخ قال لي: أنا عصبي المزاج، وتكلمت زوجتي كلمة أزعجتني كثيراً، ويبدو أن الحكمة لا يقابلها إلا بالقسوة، فصبّ غضبه على ابنه الصغير، ضربه ضرباً مبرحاً، بعدما انتبه ماذا فعل الصغير؟ ما ذنب الصغير؟ قال لي: والله دخلت إلى غرفتي أبكي، ثم ما كان مني إلا أن أخذت ابني الصغير، وقلت له: يا أبتي سامحني، أنا أخطأت بحقك، كلمة سامحني تحل مليون مشكلة، عود نفسك ولو كنت أباً أخطأت مع زوجتك قل لها: سامحيني أنا أخطأت، إذا كان في البيت اعتراف بالخطأ فهذا شيء عظيم جداً، أساساً أي مجتمع الإنسان في هذا المجتمع يعترف بخطئه تحل آلاف المشكلات، قل بصوتٍ جهوري: أنا أخطأت.

(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
أما يخطئ ويستعلي، ولا يقبل أن يعترف بذلك، فهذا النوع من الأشخاص لا يحتمل يخطئ ويصر على خطئه.
وقف إنسان ضعيف أمام جبار من جبابرة الأرض ـ أمام الحجاج ـ قال له: " أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وهو على عقابك أقدر منك على عقابي "
المؤمن يشعر دائماً أن يد الله فوقه، فهذا الشعور يعطيه أدب مع من حوله. أغبى الأغبياء من لا يدخل الله في حساباته :
لذلك أنا أرى أنه كلما كنت ذكياً، وكلما كنت عاقلاً، وكلما كنت موفقاً، تحاسب نفسك حساباً عسيراً، وعلامة المؤمن أنه يرى ذنبه كالجبل جاثماً على صدره، وعلامة المنافق أنه يرى ذنبه كالذبابة، كلما كبر الذنب عندك أيها المؤمن صغر عند الله، وكلما صغر عندك كبر عند الله، هناك علاقة عكسية.

لذلك أقول لكم هذه الكلمات طبعاً من زاوية الذكاء والغباء: أنا لا أرى أغبى من إنسان لا يدخل الله في حساباته، أي هذا الذي هدم آلاف البيوت في غزة، وكان من جبابرة الأرض، والذي كان يتلذذ بالقتل، هذه السنة الرابعة أعتقد أو الخامسة ولم يمت بعد، ونقول: أمدّ الله في عمره، السنة الرابعة لم يمت، شاهدت له صورةً قبل أيام مخيفة، الذي لا يدخل الله في حساباته أغبى إنسان على وجه الأرض، دائماً المؤمن يهيئ لله جواباً عن كل عمل، لو أن الله سألني ماذا أقول؟.
أنت لاحظ كمثل: لو ذهبت إلى بلد مجاور، وفي الحدود وجدت محاسبة غير معقولة على كل بضاعة يأتي به العائد إلى بلده، محاسبة غير معقولة، أحياناً تأتي موجات تشديد كبيرة جداً، فأنت عندما تكون في البلد الثاني كلما شاهدت حاجة، لا تدخل معي، بشكل آلي كلما أعجبتك حاجة بسعر رخيص، تقول: صعب أن تدخل، بحسب ما شاهدت بالذهاب.
فالمؤمن له مثل هذه الحالة، كلما أراد أن يفعل شيئاً، ماذا أقول لله عز وجل عنه؟ لذلك من هو البطل؟ الذي يحاسب نفسه دائماً، يحاسب نفسه لِمَ أعطيت؟ لِمَ منعت؟ لِمَ غضبت؟ لِمَ رضيت؟ لِمَ وصلت؟ لِمَ قطعت؟ لِمَ عنفت؟.
الإنسان مهما فعل فهو في قبضة الله فليتخذ حذره :
أيها الأخوة، قال تعالى دقق في هذه الآية:
﴿ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ* وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
[ سورة الأعراف ]

كلمة متين في العلوم، هي مقاومة قوى الشد، أمتن عنصر في حياتنا الفولاذ المضفور، التلفريك، المصاعد، الجسور، تُعلق بالفولاذ المضفور، فأمتن عنصر في الأرض هو الفولاذ المضفور، المتانة هي مقاومة قوى الشد، أما القساوة فمقاومة قوى الضغط، أمتن عنصر في الأرض يقاوم قوى الضغط الألماس، وميناء الأسنان تأتي بعد الألماس، أي مكعب الإسمنت، سنتيمتر مكعب إسمنتي يتحمل خمسمئة وخمسين كيلو ضغط، لكن لا يتحمل خمسة كيلو شد، فلابد من إسمنت مسلح، الإسمنت يتحمل السنتيمتر مكعب منه خمسمئة وخمسين كيلو ضغط، تجد بناية مؤلفة من عشرين طابقاً، الأعمدة هكذا حجمها، الإسمنت هكذا خصائصه، لكن لا يتحمل على قوى الشد خمسة كيلو، إذاً لابد من تسليح الإسمنت.
الآن هل فهمنا سرّ هذه الآية؟ ﴿ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ ﴾
أي هذا الإنسان مربوط بحبل، مهما فعل في قبضة الله، بلمحة خثرة في الدماغ، بلمحة سكتة، فهناك أمراض تأتي فجأةً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام في بعض أدعيته: (( اللَّهمَّ إِني أعوذ بك من زوال نِعْمَتِكَ، وتَحَوُّلِ عافِيَتك، وفُجاءةِ نِقمَتك، وجميع سخطِك ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن عمر ]
لذلك لا ينجو الذكي بذكائه عند الله، ولكن ينجو مع الله المستقيم، ذكاؤك لا ينجيك لكن الذي ينجيك من الله استقامتك، هناك تعبير مألوف: مع الله لا يوجد ذكي، لأن الله عز وجل يصل للإنسان من مأمنه، من مكان أمنه، والله عز وجل عنده بكل بلد أدوية، مثلاً هناك بلاد يتمتع الإنسان فيها بحرية فائقة، فهناك أدوية من نوع ثان، وهناك بلاد فيها أدوية من نوع آخر، لكن أينما كنت على وجه الأرض الله عنده أدوية مُرة يؤدب بها عباده.
لذلك ورد أنه:" إذا أحبّ الله إنفاذ أمرٍ، أخذ من كل ذي لبٍّ لبه"، مثلاً يكون الإنسان ذكياً جداً، عبقرياً، إن أراد الله أن يؤدبه سحب منه عقله، ولبه، وذكاءه، ويرتكب حماقة ما بعدها حماقة، وتكون هذه الحماقة سبب دماره، أي مع الله لا يوجد ذكي. خالق السماوات والأرض لا يقبل أحداً إلا إذا كان كاملاً :

هناك نقطة دقيقة جداً: أن القوي أحياناً يحتاج إلى أتباع، لذلك أي إنسان يعلن له الولاء يقبله، هذا شأن الأغنياء، لكن خالق السماوات والأرض لا يقبل أحداً إلا إذا كان كاملاً، لذلك إن صحّ أن نقول: إنه يقع على رأس الهرم البشري الأنبياء والأقوياء، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء ملكوا الرقاب، الأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء يمدحون في حضرتهم، الأنبياء يمدحون في غيبتهم، والناس جميعاً تبعٌ لقويٍ أو نبي، لذلك أحب الناس الأنبياء، وخافوا من الأقوياء، وبطولة الأقوياء أن يتخلقوا بأخلاق الأنبياء حتى يحبهم الناس، فإذا كنت تابعاً لله فلن يقبلك إلا إذا كنت مستقيماً، أما أي قوي أعلنْ له ولاءك يقبلك، على كل ما في الإنسان من أخطاء.

مشكلة الدين مشكلة خطيرة جداً لأنه متصل ببيت الإنسان و عمله :
أيها الأخوة، الآن سوف أضرب لكم بعض الأمثلة: إذا كان هناك مادة مسرطنة، إن وضعت في هذه البضاعة ترتفع قيمتها، وأنت لم تعبأ بصحة الناس، وضعت هذه المادة وتأذى الناس من جراء هذه المادة، أنا بحسب دعوتي إلى الله أرى أن هذا الإنسان ألغى كل عباداته، من أين جئت بهذا الكلام؟ هناك حديث صحيح، يعزى إلى السيدة عائشة تقول:
(( أبلغي زيد بن أرقم أنه قد أبطل جهادَه مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ))
[ أخرجه زيادات رزين عن عائشة أم المؤمنين ]

يمكن صلاتك بعمر مديد، وصيامك، وحجك، يلغى كله، عندما تضحي بصحة المسلمين من أجل أن تربح ألوف مؤلفة من مادة غذائية بمادة مسرطنة، تجعل لونها فاتحاً جداً، فأنت بهذا ضحيت بصحة المسلمين، ألغيت كل عباداتك، أحياناً دواء انتهت صلاحيته، و ثمنه مرتفع، يأتي طفل صغير يطلب هذا الدواء، فتحك التاريخ و تقدمه لهذا الطفل، أنا أرى أنك إن فعلت هذا ألغيت كل عباداتك، قضية الدين قضية استقامة، أحياناً مادة مسرطنة، مثلاً يكون هناك أداة طبية احتمال نكستها عشرون بالمئة، لكن معها عمولة عشرة آلاف ليرة، وهناك مادة أخرى نكستها ثلاثة بالمئة، لكن ليس لها عمولة، فيأتي طبيب لو أنه أختار المادة الأولى، أنا أرى أيضاً أنه ألغى كل عباداته.
الدين خطير جداً، الدين ليس في المسجد، الدين في عيادتك، في مكتب المحامي، عندما يقول المحامي للموكل: الدعوى رابحة قطعاً، وهو يعلم علم اليقين أنها لن تربح لكن يمكن أن يسحب منه خمسمئة ألف مثلاً، أنهى عبادته كلها، المشكلة هنا، المشكلة الدين ليس في المسجد، أنت في المسجد تتلقى التعليمات، وتقبض الثمن، أما دينك في بيتك، في عيادتك، في الحقل، الآن هناك مواد مسرطنة، هرمونات، تُرش بها المزروعات، تصبح الثمرة كبيرة جداً، وترضي، وقاسية، وغالية جداً، لكن الهرمونات محرمة دولياً، وأي صيدلية زراعية فيها هذا الدواء تُغلق فوراً، فتأتي هذه المواد مهربة، فمشكلة الدين مشكلة خطيرة جداً، الدين متصل ببيتك، بعملك، بمعملك بمكتبك، بدكانك، وعندما يضحي الإنسان بصحة المسلمين، يضحي بسلامتهم، خسر كل عباداته. عبادة الإنسان تُقبل إن كان مستقيماً وإلا فهذه العبادات لا تقدم ولا تؤخر :
مثلاً يمكن أن يكون هناك مواد أولية انتهت صلاحيتها، هذه لا تباع، لكن هناك طريقة واحدة تباع بها، للمعامل، المعامل تجعلها بضاعة، والأمر اختفى، وهذا المعمل إذا اشترى مادة أولية انتهت صلاحيتها، وبحسم يزيد عن ثلاثين بالمئة من ثمنها، يكون رأسماله قليل ويربح أرباحاً طائلة، هل يعلم أنه خسر كل عباداته؟ هذا طفل مسلم، والده أعطاه عشر ليرات، اشترى حاجة تضره ولا تنفعه، هو ربح أرباحاً طائلة، هذا واقع المسلمين
هناك غش كبير، واحتيال، و مواد مؤذية، بالأفران يوجد مادة يحتاجها الفران، سعر الكيلو خمسون ألفاً، تكفيه سنة، لكن هناك كيلو يعطي التأثير نفسه، لكنه مسرطن، سعر الكيلو خمسة آلاف تقريباً، لو استخدم المادة المسرطنة يكون قد خسر عباداته، أنا هذا الذي أراه، عبادة الإنسان تقبل إن كان مستقيماً، وإلا فهذه العبادات لا تقدم ولا تؤخر.
الآن أيها الأخوة، حتى أنت حينما تؤذي إنساناً إيذاء شديداً، وتحمله على أن يكفر فأنت تحاسب عن كفره، موظف ثلاثة أشهر لم يقبض راتبه، وسأل، فقال له: هذا الحاضر إن لم يعجبك فاترك، ذهبت زوجته لتعمل، لم يقبلها أحد إلا بخلع الحجاب، فقال له: أنا كفرت، من حمله على الكفر؟ صاحب المعمل، وبعد أيام أقام عقد قران بفندق، كلفه قريب المليون، لا تعطي الموظف راتبه وتجعله يكفر، وزوجته لا تقبل بعمل إلا بخلع الحجاب، وأنت تنفق الملايين.
لذلك الله كبير، أنا أحياناً أقول: الله عنده سرطان، عنده تشمع كبد، عنده فشل كلوي، عنده أمراض تدع الحليم حيراناً، كل إنسان ما أدخل الله في حساباته يكون أحمقاً.







والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-12-2018, 07:52 AM   #28


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثامن و العشرون )

الموضوع : حاسبوا انفسكم قبل ان تحاسبوا







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
العلاقة الترابطية بين المحاسبة و التوبة :
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوعٍ دقيق، يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ، ألا وهو "موضوع المحاسبة"، والمحاسبة مرتبطة بالتوبة، فالتوبة تحمل على المحاسبة، والمحاسبة تحمل على التوبة، بينهما علاقةٌ ترابطية، بل إن المحاسبة من نتائج التوبة، وقد تكون التوبة نتيجة للمحاسبة.
لذلك الكلمة الرائعة التي قالها سيدنا عمر رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطاكم إلى غيركم وسيتخطى غيركم إليكم، فخذوا حذركم".
(( الكَيِّس مَنْ دانَ نفسَه، وعَمِلَ لما بعد الموت، والعاجِزُ مَنْ أتْبَعَ نَفَسَهُ هَواهَا وتمنَّى على الله ))
[ أخرجه الترمذي عن شداد بن أوس ]

لعلي ذكرت لكم أن أحد علماء دمشق، كان يأخذ أخوانه في أيام العيد، في اليوم الأول يأخذهم إلى المقابر، ليعرفوا نعمة الحياة، أنت حي، بإمكانك أن تتوب، بإمكانك أن تؤدي الحقوق، بإمكانك أن تعتذر، بإمكانك أن تقدم ما يعوض تقصيرك، بإمكانك أن ترأب الصدع، بإمكانك أن تلم الشمل، بإمكانك أن تتقدم، ما دام القلب ينبض فكل شيء جائز، وكل شيء ممكن، أما إذا توقف القلب، خُتم العمل، بادروا بالأعمال الصالحة، فماذا ينتظر أحدكم من الدنيا؟
(( هل تُنْظَرون إلا فَقْرا مُنْسياً، أو غِنى مُطغياً، أو مَرَضاً مُفسِداً، أو هَرَماً مُفنِداً، أو موتاً مُجْهِزاً، والدجالَ ؟))
الذي يأتي إلينا من أجل الحرية والديمقراطية: (( والدَّجَّالُ شَرُّ غائب يُنَتظَرُ، والساعةَ؟ والساعةُ أدْهَى وأمرُّ ))
[ أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
فهذا العالم الجليل يأخذ أخوانه في اليوم الأول من أيام العيد إلى المقابر، ليعرفوا قيمة الحياة، أنت حيٌ ترزق، وما دمت حياً ترزق، بإمكانك أن تتوب، بإمكانك أن تصلح الخطأ، بإمكانك أن تعتذر، أن تؤدي ما عليك، وفي اليوم التالي يأخذهم إلى المستشفيات ليُعرّف أخوانه نعمة الصحة، هذا معه احتشاء في القلب، هذا معه تشمع كبد، هذا فشل كلوي، شلل، ورم، أنت صحيح معافى، تتحرك، تمشي، الأجهزة سليمة، الحواس سليمة، لا أحد يخدمك، تؤدي حاجاتك بنفسك، نعمة الصحة لا تعدلها نعمة، وفي اليوم الثالث إلى السجون، ليعرف الأخوان الكرام نعمة الحرية، أنت حر، لا يوجد مذكرة بحث بحقك، تتحرك بطمأنينة، تسافر، تقيم، فنعمة الحياة، ونعمة الصحة، ونعمة الحرية، هذه نعمٌ ثلاثة لا يعرفها إلا من فقدها. المحاسبة طريق النجاة من عذاب الله عز وجل :
أيها الأخوة، أحد أخواننا الكرام عنده معمل ـ والقصة قديمة ـ يقول لي: هناك نقص بالبضاعة دائماً، وأحياناً نقص في المال، فجهد بكل إمكانياته أن يكتشف السارق، ولم يتمكن، فقال لي: بعد حين توقفت هذه السرقة، بعد عشر سنوات، يأتيه شابٌ وسيم، يبدو أن هذا الشاب حاسب نفسه حساباً عسيراً، قال له: أنا كنت عندك موظفاً، وكنت آخذ من مالك، ومن بضاعتك، وجئتك كي تسامحني، وأؤدي الذي عليًّ، قال لي: تأثرت تأثراً بالغاً، قلت له: نظير هذه التوبة، وهذه الزيارة، كي تؤدي ما عليك، أنا أسامحك من أعماق نفسي بكل ما أخذت، وإن كنت بلا عمل لك عندي عمل في أعلى مستوى.

أنا مرة قلت: هذا البدوي الذي عنده أرض بشمال جدة، عندما توسعت جدة كثيراً اقتربت من أرضه، فارتفع سعرها، فنزل وباعها إلى مكتبٍ عقاريٍ خبيثٍ جداً، واشتراها بربع ثمنها، وأنشأ عليها بناءً كبيراً، يزيد عن اثني عشر طابقاً، هم شركاء ثلاث، أول شريك وقع من أعلى البناء فنزل ميتاً، والثاني دهسته سيارة، فانتبه الثالث، بحث عن صاحب الأرض ستة أشهر، حتى عثر عليه، فأعطاه ثلاثة أضعاف حصته، فقال له هذا البدوي: ترى أنت لحقت حالك، فما دام القلب ينبض بإمكاننا أن نستدرك الخطأ السابق.
أيها الأخوة، عود نفسك أن تعتذر، عود نفسك أن تطلب المسامحة، عود نفسك أن تقدم هدية لرأب الصدع، عود نفسك إذا أسأت أن تحسن، عود نفسك قبل أن تنام في هذا اليوم ماذا فعلت؟ أي حاسب نفسك، المحاسبة طريق النجاة من عذاب الله عز وجل.
مرة ثانية: من حاسب نفسه في الدنيا حساباً عسيراً، كان حسابه يوم القيامة يسيراً، وذكرت البارحة أن الذي يحتاج إلى المحاسبة أكثر من غيره، الذي موقعه بحيث لا يُسأل، أب، مدير عام، وزير، الذي من شأنه ألا يسأل، أن يُحَاسِب ولا يُحَاسَب، هذا الإنسان يحتاج إلى هذا الدرس عشرة أضعاف ما يحتاجه الإنسان العادي.
مثلاً هذا الموظف لا يسرق لماذا؟ قد يكون المدير العام قوياً جداً، وله عيون دقيقة جداً، وحسابه دقيق جداً، هو لا يسرق خوفاً من المسؤولية، وهناك إنسان لا يسرق خوفاً من الله، لكن ما دام هناك مكان عمل، فيه محاسبة شديدة، فهذا الذي يحاسب مسؤوليته أقل ممن لا يحاسب.
القوي أو الغني هو من أشد الناس حاجة إلى أن يحاسِب نفسه وإلى أن يصبر :
يقولون: الشيء بالشيء يذكر، الآن من هو الذي يحتاج إلى الصبر والمحاسبة؟ هل هو الفقير؟ لا، الضعيف؟ لا، الذي يحتاج إلى الصبر والمحاسبة هو القوي والغني
لأن الخيارات أمام الفقير محدودة جداً، دخله محدود، هذا بيته، وهذا عمله، ومن بيته إلى عمله، ومن عمله إلى بيته، خيارات الخطأ ضعيفة جداً أمامه، أما إنسان قوي وغني، له أن يأكل، ويشرب، من أي مصدر، وقد يكون من مالٍ حرام، سافر، له أن يرتاد الملاهي والنوادي الليلية، من هذا الذي يحتاج إلى شدة محاسبة وإلى يقظة وصبر؟ هو القوي والغني لأن الخيارات أمامه واسعة جداً، فكلما كثرت الخيارات اشتدت المحاسبة، واشتد الصبر.
فأنا أقول: القوي، أو الغني، هو من أشد الناس حاجةً إلى أن يحاسب نفسه، وإلى أن يصبر.
لكن بالمناسبة:
(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمِن ))
[ أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]
المؤمن قيده الإيمان، المؤمن لا يستطيع أن يفعل ما يفعله الآخرون، الفرنجة عندما فتحوا القدس، ذبحوا سبعين ألفاً في يومين، وعندما فتح صلاح الدين الأيوبي القدس، هل استطاع أن يريق قطرة دمٍ؟ لا يقدر. (( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمِن ))
التوبة علمٌ وحالٌ وعمل :
أيها الأخوة، هناك ملاحظة دقيقة جداً، حينما أكدت لكم أن التوبة سبب المحاسبة، أو أن المحاسبة سبب التوبة، لكن ما التوبة؟ التوبة علمٌ، وحالٌ، وعمل.
مثلاً إنسان معه ضغط مرتفع، متى يعالج نفسه؟ إذا علم أن ضغطه مرتفع، هذا الضغط ليس له أعراض في الأعمّ الأغلب، وهو القاتل الصامت، فأنت لا تعالج نفسك من ضغطٍ مرتفع إلا إذا علمت أن معك ضغطاً مرتفعاً.
إذاً لابد من أن تعلم، أنت حينما تطلب العلم، أنت حينما تجلس في مجلس علم، تقيّم نفسك عندئذٍ، فسبب تقييم الذات العلم، فلا توبة قبل العلم، اطلب العلم حتى تقيّم، قد يكون الدخل حراماً، هذه العلاقة آثمة، هذا اللقاء لا يجوز، هذه الزوجة فسقت بهذه الطريقة في ثيابها، فلابد من أن تطلب العلم حتى تقيّم نفسك، إذاً التوبة أحد أكبر أركانها العلم.

وبالمناسبة: طبيعة الإنسان حينما يعلم فلابدّ من أن ينفعل، مثلاً، لو إنسان قال لآخر: على كتفك عقربُ شائلة، وبقي هادئاً، مبتسماً، متوازناً، ثم التفت نحوه وقال له: جزاك الله خيراً على هذه الملاحظة، هل تعتقدون أنه فهم ما قال له؟ لو فهم ما قال له لقفز وخلع معطفه، وصاح بأعلى صوته، لكن ما دمت لا تعلم فأنت لن تنفعل، أما حينما تعلم تنفعل، فمن لوازم الإدراك الصحيح الانفعال، ومن لوازم الانفعال السلوك، هذا قانون، إدراكٌ، انفعالٌ، سلوك، إنسان رأى أفعى، إذا أدرك أنها أفعى ينفعل، فإذا انفعل إما أن يهرب منها، أو أن يقتلها، هذا القانون دقيق جداً، وحاسب نفسك في ضوئه، اسمع الدرس، قال تعالى:

﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ﴾
[ سورة التحريم الآية: 4 ]
علامة إصغائكم إلى الحق السلوك، ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ ﴾
من الإصغاء ﴿ قُلُوبُكُمَا ﴾
أيها الأخوة، التوبة علمٌ، وحالٌ، وعمل، الحال الندم، النبي قال: (( الندم توبة ))
[ أخرجه البزار عن أنس بن مالك ]
والعلم أن تعرف الحلال والحرام، قال لك إنسان: أنا لا أريد أن أُتعب نفسي بالمحاسبة، وضع معي إنسان مليون ليرة، سأعطيه بالشهر مبلغاً ثابتاً، لأن هذا أفضل لي ، لكن أنت لا تعلم أن هذا أصبح ربا، ما لم تعطِ الربح الحقيقي بحساب دقيق فهذا ربا، أي هناك أخطاء كبيرة جداً يرتكبها المسلمون بجهلهم، ما لم تتحرَ الحقيقة فقد تقع في أخطاءٍ كبيرة.
لذلك يقول سيدنا عمر: من دخل السوق من غير فقهٍ، أكل الربا شاء أم أبى".
يقول له أحدهم: أنا محتاج إلى مليون، وثمن بيته مليونا ليرة، هل تقرضني مليون وأدفع لك نصف أجرة البيت أجار؟ شيء رائع جداً، لو أنه ضمن المليون، المليون التي أقرضتها لصاحب البيت يضمنها لك صاحب البيت كقرض، فالأجرة ربا، أما إذا البيت بعد سنتين رخص ثمنه أو ارتفع وقلت له: أريد أن أحاسبك، البيت عُرض للبيع كم يساوي؟ تدفع نصف ثمن البيت، قد تدفع مليون ونصف، أو نصف مليون، فما دام المبلغ غير مضمون فالأجرة حلال، أخطاء كثيرة جداً هي كلمة تكون في الحرام فإذا أنت في الحلال. من ينوي الحلال ييسره الله له :
أخواننا الكرام، من أندر القصص، فلاح فقير، معدوم، أمضى حياته كلها بالفقر، والجهد، والتعب، صدر قانون بتوزيع بعض الأراضي، فأعطوه عشرين دونماً، من شدة فرحه اختل توازنه، كل حياته يعمل بأجر قليل لا يكفيه، صار عنده عشرون دونماً، له شيخ في الشام، ذهب لعنده ليبشره بهذه الأرض التي أعطي إياها، فقال له هذا الشيخ: هذه حرام يا بني، هذا مال مغتصب، لا يجوز أن تأخذه، كأنه جمرة أطفأتها بالماء، همد، كل فرحه انتهى، كل استبشاره انتهى، كل تألقه انتهى، قال له: حرام يا بني، لكن عندما رآه بهذا الحزن، وهذا الإحباط، قال له: اذهب إلى صاحب الأرض لعله يبيعك إياها تقسيطاً، أعطه أساور زوجتك واطلب منه أن يبيعك إياها تقسيطاً، فذهب إليه ـ القصة واقعية في الشام ـ وقال له: يا سيدي أعطوني عشرين دونماً من أراضيك، ولي شيخ قال لي: هذه حرام أن آخذها، هل تبيعني إياها تقسيطاً؟ فكر، فكر، فكر، ثم قال له: أنا يا بني ذهب لي أربعمئة دونم، و لم يأت لعندي أي واحد من هؤلاء الذين أعطوا أرضي، هذه هدية لك، تملكها وهي مني هبةٌ لك، وازرعها، وانتفع بها، حاسب نفسه، سأل شيخه، فجاء الفرج.

والله يا أخوان قضايا تكون عسيرة جداً، عندما ينوي صاحبها الحلال تيسر، قال له: هذه الأرض لك، هبةٌ مني لك، تملكها، وانتفع بها، وهنيئاً لك.
أيها الأخوة، أعتقد أن أقوى آية تتعلق بموضوعنا:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحشر ]
لو أن إنساناً عنده أراض كثيرة جداً، وجاء من يهمس في أذنه: لو أنك تبرعت بخمسة دونمات لمسجد، فالبلدية تضطر أن تنظم الأرض، وأن تجعلها محاضر، وبهذه الطريقة يرتفع السعر إلى أضعاف مضاعفة، هو لا يصلي أصلاً، فتبرع بخمسة دنومات بنية أن تُنظّم الأرض، وأن تُقسّم إلى محاضر، ويرتفع سعرها، أما الناس جميعاً ما شاء الله! محسن كبير، قدم أرضاً من ماله الشخصي.
لذلك: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ﴾
المحاسبة أحد أسباب الوصول إلى الله عز وجل :

من صرعات العصر أن الإنسان أحياناً يحسن لينجح في الانتخابات، لذلك هذا هو إحباط العمل، كان له قيمة كبيرة، فانتهت قيمته.
والله أعرف شخصاً توفي في الثمانين، أنشأ كازينو بالثمانين،
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ﴾
تجده بالسبعين للساعة الثانية يلعب بالنرد، إلى متى؟. أما تستحي منا؟ ويكفيك ما جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا؟
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً وتنظر ما به جاء وعدنــــا
* * *
إلـى متى وأنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
* * *
تــعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لعمري في الــمقال شنيعُ
لـــو كان حبك صادقاً لأطعته إن المــحب لمن يحب يطيعُ
* * *

أي المحاسبة أحد أسباب الوصول إلى الله، حاسب نفسك قبل أن تُحاسب. حقوق الله مبنيةٌ على المسامحة وحقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة :
أيها الأخوة، عندنا وهم لابد من توضيحه، الإنسان يحج بيت الله الحرام، وقد سمع من سيد الأنام أنه:
(( من حج لله عز وجل فلم يَرْفُثْ ولم يَفْسُقْ رجع كيوم وَلَدَتْهُ أمُّه))
[أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة ]

يتوهم أن كل ما عليه من حقوق غُفرت له، أبداً، الذي يغفر لك في الحج، والذي يغفر لك في الصيام، ما كان بينك وبين الله فقط، أما ما كان بينك وبين العباد فهذا لا يغفر إلا بالأداء أو المسامحة، لذلك قال تعالى:
﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ﴾
[ سورة نوح الآية: 4 ]
من للتبعيض، أي يغفر لكم بعض ذنوبكم التي كانت بينكم وبينه، لذلك هناك ذنبٌ لا يغفر، وهو الشرك، وهناك ذنبٌ لا يترك، ما كان بينك وبين العباد، وهناك ذنبٌ يغفر، ما كان بينك وبين الله.
إنسان ركب القطار باتجاه حلب، حتى يقبض مبلغاً كبيراً جداً، له عند إنسان دَيْن، قطع بطاقة في الدرجة الأولى، وركب في الدرجة الثالثة، هذا خطأ، لكن القطار في طريقه إلى حلب، فلابأس، ركب مع شباب ليسوا منضبطين، انزعج كثيراً، هذا خطأ ثان، لكن القطار في طريقه إلى حلب، يتلوى من الجوع وفي القطار عربة طعام وهو لا يعلم ذلك، هذا خطأ ثالث، لكن القطار في طريقه إلى حلب، جلس بعكس اتجاه القطار، أصيب بالدوار، وهذا خطأ رابع، لكن القطار في طريقه إلى حلب، وسيأخذ المبلغ، أما الخطأ الذي لا يغتفر أن يركب قطار درعا، وهناك لا يوجد خمسة ملايين.
فأنت حينما تتجه إلى غير الله، لا يوجد شيء، هذا هو الذنب الذي لا يغفر، أما إذا اتجهت إلى الله تغفر ذنوبك، وتستر عيوبك، لذلك هناك ذنبٌ لا يغفر، وهو الشرك، وذنبٌ لا يترك، ما كان بينك وبين العباد، لأن حقوق الله مبنيةٌ على المسامحة، بينما حقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة.
إذاً كلمة أنه رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه، من ذنوبه التي بينه وبين الله، لذلك دققوا: (( يُغْفَرُ للشهيد كلُّ ذَنْب إلا الدَّيْنَ ))
[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
لا يغفر. بطولة الإنسان أن يحاسب نفسه حساباً عسيراً و ألا يغتر بها :
أيها الأخوة، هناك نقطة دقيقة أن الإنسان أحياناً يغتر. ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ ﴾
[ سورة الانفطار ]

يقول: الله يتوب عليَّ، هذا غرور، البطولة أن تحاسب نفسك حساباً عسيراً لا تغتر أن الله عز وجل حينما تأكل حقوق العباد يعفو عنك بلا ثمن، أبداً، هذا فهمٌ ساذج، ولا تسمح للدنيا أن تغرك، أن تراها بحجم أكبر من حجمها.
لي صديق توفي ـ رحمه الله ـ كان شاباً يعمل في سوق الحميدية، عنده رغبة أن يجمع قمامة المحل بعلبة، ثم يلفها بورق فخم جداً، مع شريطة حمراء، مع وردة، ويضعها على طرف الرصيف، يأتي إنسان يظن فيها مُطيف ألماس فيحملها ويسرع، يلحقه، يمشي مئتي متر ويفك الشريط، يتابعه، مئتا متر ثانية يفك الربطة، مئتا متر ثالثة يفك الورق، يفتح حتى يشاهد المطيف الألماس فيجد قمامة المحل، هكذا يغتر الإنسان بالدنيا. ﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾
[ سورة فاطر الآية: 5 ]
الدنيا تغر، وتضر، وتمر. أدوات المحاسبة :
1 ـ طلب العلم :

أيها الأخوة، هناك شيء آخر: أحد أسباب المحاسبة أن تدقق في وضعك، هناك إنسان أحياناً لا يعرف وضعه، لذلك الأداة الأولى للمحاسبة العلم، اطلب العلم حتى تحاسب نفسك، الأداة الأولى من أجل أن تعرف مكانك، أخطاءك، الدخل، الإنفاق، العلاقات، السفر، أقمت حفلة مختلطة، يجب أن تطلب العلم كأداة أولى للمحاسبة.




2 ـ سوء الظن بالنفس :

والشيء الثاني، الأداة الثانية للمحاسبة: سوء الظن بالنفس، معظم الناس يحسن الظن بنفسه، يقول: الله يحبني، هل معك دليل؟ أنا إيماني بقلبي، أنا لا أؤذي أحداً، و أنت مرتكب أخطاء لا يعلمها إلا الله، حسن الظن بالنفس سذاجة وغباء، أنا أنصح الإنسان يبالغ بسوء الظن بنفسه، ويبالغ بحسن الظن بالآخرين، هناك مرض معاكس، كل أخطائه مبررة عند نفسه، وإذا إنسان أخطأ خطأ بسيطاً يقيم عليه الدنيا ولا يقعدها، لا، بالغ بإساءة الظن بنفسك، وأحسن الظن بالآخرين.


3 ـ أن تميز بين النعمة وبين الفتنة :

الأداة الثالثة للمحاسبة: أن تميز بين النعمة وبين الفتنة، إذا كان الله يتابع نعمه عليك، وأنت تعصيه فاحذره، هذه ليست نعمة هذه فتنة، قال تعالى:
﴿ وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ ﴾
[ سورة الدخان ]
النِعمة مع الطاعة، أما النَعمة مع المعصية، النَعمة فتنة، فلا تظن ما أنت فيه من خير، من دخل وفير، من صحة طيبة، أنها نِعمة وأنت غارق في المعاصي، هذه ليست نِعمة لكنها نقمة، هذه ليست نعمة ولكنها نَعمة، هذه ليست نِعمة ولكنها فتنة، فينبغي أولاً: أن تطلب العلم، وثانياً: أن تسيء الظن بنفسك، وأن تحسن الظن بالآخرين، وثالثاً: أن تفرق بشكلٍ دقيق بين النعمة وبين الفتنة.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-12-2018, 07:55 AM   #29


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( التاسع و العشرون )

الموضوع : الهمة وتأثيرها على أداء واجبات المسلم







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الهمة :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، هذا الموضوع اسمه: "الهمة".

هناك حالات كثيرة جداً الحق فيها واضح، والإنسان قانع جداً بهذا الحق، لكن لا يملك همة تحمله على سلوك هذا الطريق، لقاء اليوم حول هذه الهمة، لأن علو الهمة من الإيمان، إن علت همتك قويت إرادتك.
هناك حالات كثيرة يقول لي أخٌ كريم: لا أجد عزيمةً على تطبيق ما أنا قانعٌ به، فأقول له: إن كنت لا تملك إرادةً قويةً، وبالتالي لا تملك همةً عاليةً، فليس هناك أي حل لك، ما لم يملك أحدنا همةً عالية، ينتج عن هذه الهمة إرادة صلبة لتحقيق ما هو قانعٌ به، فالأمر ليس يسيراً.
حتى في شأن الطعام والشراب، حتى في شأن الحياة اليومية، حتى في شأن الدراسة، كل شيء يتفوق يحتاج إلى جهد كبير، الدنيا بنيت على الكدح.

﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلَاقِيهِ ﴾
[ سورة الانشقاق ]
من أجل أن تركب مركبة، أن تنال شهادة، أن يضاف إلى اسمك حرف دال تدرس ثلاثاً وثلاثين سنة، فهذه الدنيا هكذا، فالذي لا يملك همة عالية يكون في مؤخرة الركب. المسافة الشاسعة بين المتفوقين من بني البشر وبين المجرمين :
النقطة الأولى في هذا اللقاء الطيب صحن من البيض، كم هو التفاوت بين حبات البيض؟ بالغرامات فقط، الآن مجموعة من البشر، كم هو التفاوت بينها؟ يا لطيف! إنسان يخلف ثلاثاً وخمسين مليون قتيل بالحرب العالمية الثانية، وإنسان ينشر الهدى في الآفاق
أي المسافة يصعب تصورها، بين إنسان مؤمن أو إنسان نبي، وبين إنسان طاغية، المسافة بين الأنبياء والطغاة كما بين السماء والأرض، إنسان كتلة من الخير، كتلة من التواضع، كتلة من العطاء، وإنسان كتلة من الشر، كتلة من الجريمة، هذا الذي يجري في العالم شيء يصعب تصوره، الإنسان يبني مجده على أنقاض الآخرين، يبني حياته على قتلهم، يبني أمنه على خوفهم، يبني غناه على فقرهم، يبني عزه على ذلهم، فالمسافة بين المتفوقين من بني البشر وبين المجرمين يكاد العقل لا يتصورها.
للتقريب: أنت جائع جداً، وهناك لحم مشوي بأعلى درجة من الجودة، مع مقبلات كاملة؛ هذه حالة، ويوجد أيضاً قطعة لحم متفسخة، المسافة بينهما كما بين السماء والأرض، قطعة اللحم المتفسخة لها رائحة تكاد تخرج من جلدك منها، أحياناً يموت حيوان بالفلاة، لخمسين متراً لا تستطيع أن تواجه هذه الرائحة، هذه لحم، وهذه قطعة لحم شهية، والبشر هكذا.
لذلك يقول سيدنا علي ـ رضي الله عنه ـ: "رُكب الملك من عقلٍ بلا شهوة، و رُكب الحيوان من شهوةٍ بلا عقل، و رُكب الإنسان من كليهما، فإن سما عقله على شهوته أصبح فوق الملائكة، وإن سمت شهوته على عقله أصبح دون الحيوان".
كلما ارتقى الإنسان رأى رؤيةً إنسانية :
نحن في دمشق، قف في شرفة بيتك لا ترى إلا أمتاراً معدودة، لو صعدت إلى هذا الجبل ترى دمشق بأكملها.
مرة هناك رحلة قريبة، الطيار كان طالباً عندي، فدعاني إلى غرفته، قبل أن ندخل القطر صدقوا أني رأيت من طرطوس إلى صيدا بنظرة واحدة.

فالإنسان كلما ارتفع مكانه اتسعت رؤيته، هذا مثل مادي، يقاس عليه مثل آخر: كلما ارتقى الإنسان يرى رؤيةً إنسانية، لذلك الأنبياء الكرام كانوا يبكون كثيراً على الكفار ومصيرهم، قال:
(( لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً ))
[ أخرجه الحاكم عن أبي الدرداء ]
الإنسان أحياناً يحمل همّ أسرته، أب صالح، عنده أولاد، بعض أولاده لم يجد عملاً، عنده بنت تقدمت في السن، لم يأتِ أحدٌ ليخطبها، يتألم، هذا الإنسان حامل همّ أسرته، وهناك إنسان يحمل همّ العائلة الكبيرة، هو عميد العائلة، له أخوة، له أخوات، له أخوات عوانس، فهو متألم، هذا إنسان أرقى، لأنه حمل هماً أكبر، يأتي إنسان يحمل همّ الأسرة الواسعة جداً، همّ أمته، لكن هناك اتجاهات وطنية، يقدم لشعبه رفاهاً يفوق حدّ الخيال، ويكون سفاك دماء بحق بقية الشعوب، هذا اتجاه مرفوض، الإسلام إنساني، المسلم منهجه هذا الحديث: (( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
العنصرية و الإنسانية :
علماء الأصول يقولون: المطلق على إطلاقه، أوسع مفهوم للأخوة المفهوم الإنساني، فأنت لن تؤمن حتى تحب لأي إنسان كائناً من كان، من أي جنس، من أي لون، من هنا أقول لك كلاماً دقيقاً: هذا العالم إما أن يسوده الشعور الإنساني، أو العنصري، ما معنى كلمة عنصري؟ أي إنسان يتوهم مخطئاً أن له ما ليس لغيره، أو أن يتوهم أن على غيره ما ليس عليه فهو عنصري.

مثلاً دول إن قالت: لا ألغي القرار، فهذا حق الفيتو، حق الفيتو عنصري، دول تملك مئتي رأس نووي ولا أحد يعترض، أما إذا أرادت دولة إسلامية تطوير مفاعل نووي لأغراض سلمية تقوم الدنيا لا تقعد، عنصري.
فتاة ترتدي ثياب السحاقيات، يطردها المدير، يقيم والدها دعوى على المدير، لأنه اعتدى على حريتها، يحكم لها القاضي بمبلغ فلكي، وفتاة بفرنسا وضعت خرقةً على رأسها تقوم الدنيا ولا تقعد، وضعت خرقةً، لأنها تنتمي لدين يدين به ربع سكان الأرض تقوم الدنيا ولا تقعد، عنصري.
لو أردت أن أعدد لكم التناقضات في العالم؛ كيل بمئة مكيال، مثلاً رئيس دولة عربية إسلامية صدر قرار باعتقاله، والذي قتل بغزة الأطفال والنساء بأرقى الأسلحة، والذي عمل مئات المذابح، الذي لم يمت بعد ـ أمدّ الله بعمره ـ لم يطلب أحد اعتقاله، مليون قتيل في العراق، مليون معاق، خمسة ملايين مشرد، لم يأمر أحد باعتقاله، أرأيت إلى هذا العالم الظالم؟ الكيل بمكاييل. كلما ارتفع مقام الإنسان اتسعت رؤيته وسمت همته وازدادت مسؤوليته :
أقول لكم: ما دام هناك اتجاه عنصري فالعنف لا يقف في الأرض، إلى أن يحل الاتجاه الإنساني محل الاتجاه العنصري، لذلك كلما ارتقى الإنسان اتسعت رؤيته، وأصبح إنسانياً، لذلك القول النبوي الشريف: (( لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً ))
[ أخرجه الحاكم عن أبي الدرداء ]

لأنه يتألم على بني البشر هؤلاء الذين تفننوا في تكذيبه، وفي السخرية منه، بل تفننوا في ضربه، حتى سال الدم من قدمه الشريف، الله عز وجل سوف يرينا من هو النبي، فأرسل له ملك الجبال، ملك الجبال قال: يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، أي مكنه الله أن ينتقم، فقال: لا يا أخي:
(( اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمونَ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود ]
لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده، ما تخلى عنهم، قال: قومي، ودعا لهم، واعتذر عنهم، ودعا لهم أن تكون ذريتهم صالحة، هذا مقام النبوة.
لذلك أقول لكم دائماً: الأقوياء والأنبياء، أي الطغاة والأنبياء، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، وشتان بين أن تملك رقبة الإنسان وبين أن تملك قلبه، الأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء عاش الناس لهم، الأنبياء يمدحون في غيبتهم، والأقوياء في حضرتهم.
أريد أن أقول لكم: كلما ارتقى الإنسان اتسعت رؤيته، وسمت همته، وازدادت مسؤوليته، قلت قبل قليل: الإنسان من مكان معين يرى أكبر مساحة، أنا رأيت على ارتفاع أربعين ألف قدم طرطوس وصيدا بنظرة واحدة، الآن كلما ارتفع مقام الإنسان، مكانة الإنسان، اتسعت رؤيته، وسمت همته، وازدادت مسؤوليته، ماذا قال سيدنا عمر؟ قال: "لست خيراً من أحدكم، ولكنني أثقلكم حملاً". الإسلام ينقل الإنسان من العنصرية إلى الإنسانية :
لذلك أيها الأخوة، الله جلّ جلاله لا ينظر لا إلى أشكالنا، ولا إلى صورنا، ولكن ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا.

(( عبدي طهرت منظر الخلق سنين))
[ ورد في الأثر]
منظر الخلق: مدخل البيت، طلاء البيت، مركبتك تحتاج إلى إصلاح، هندامك، ثيابك، هذا منظر الخلق. (( أفلا طهرت منظري ساعة ))
لأن الله ينظر إلى قلبك، يا ترى فيه حقد؟ فيه كبر؟ فيه استعلاء؟ فيه عنصرية؟ العنصرية وصلنا بها إلى حق الفيتو، نبدأ بالذي يعامل زوجة ابنه في البيت معاملةً لا يرضاها لابنته عند بيت أهل زوجها، عنصري، والذي يستهزئ بأم زوجته، فإذا تكلمت زوجته كلمة عن أمه أقام عليها الدنيا، عنصري، يمكن أن تكون أفقر إنسان وأنت عنصري، ويمكن أن تكون أضعف إنسان وأنت عنصري، الإسلام ينقلك من العنصرية إلى الإنسانية. أسعد إنسان من يحمل همّ المسلمين و يسعى للدعوة إلى الله :
أيها الأخوة، الآن هناك نقطة دقيقة جداً: أنت كإنسان أنت المخلوق الأول، أنت مصمم بشكل أنه لا يسعدك إلا هدف كبير، فإذا اخترت هدفاً محدوداً، ووصلت إليه يبدأ شقاؤك، أنت مصمم لهدف كبير، فإذا اخترت هدفاً صغيراً، إنسان أراد أن يكون غنياً فقط أصبح غنياً، ألِفَ بيته، ألِفَ مركبته، أكل أطيب الطعام، سافر إلى أجمل البلاد، تزوج أجمل زوجة، يقول لك: الحياة مملة.

أحد أكبر مهندسي العالم، الذي صمم جسر اسطنبول الأول ـ هو ياباني ـ أثناء افتتاحه وقص الشريط الحريري، ألقى بنفسه في البوسفور، ذهبوا إلى غرفته بالفندق، فرأوا ورقة مكتوب فيها: ذقت كل شيءٍ في الحياة فلم أجد لها طعماً، فأردت أن أذوق طعم الموت.
حياة بلا هدف تافهة، حياة بلا رسالة تافهة، إنسان بلا رسالة حقير، همه بطنه وفرجه، وهذا معنى مسخ بعض الأقوام إلى قردة وخنازير، القرد همه بطنه، والخنزير همه فرجه، فإذا لم يكن هناك أهداف نبيلة فالإنسان لا قيمة له، تجد إنساناً فقيراً، بيته صغير، طعامه خشن، حامل همّ المسلمين، يسعى للدعوة إلى الله، فهذا أسعد إنسان، وإنسان آخر غارق بالنعيم، أشقى إنسان، فالإنسان يرقى عند الله بهمه، قل لي: ما الذي يهمك؟ هل تحمل همّ المسلمين؟ هل تبكي إذا رأيت المذابح في بلاد المسلمين؟ هل تقدم شيئاً للمسلمين؟ هل تبيع البضاعة بسعرٍ معتدل يتحمله الفقير؟ الحقيقة الإنسان عندما يعرف الله عز وجل يصبح إنساناً آخر. أسعد إنسان من اختار هدفاً كبيراً و سعى لتحقيقه :
لذلك دقق لمجرد أن تختار هدفاً محدوداً، أن تكون غنياً فقط، أن تشتري بيتاً، لمجرد أن تختار هدفاً محدوداً، حينما تصل لهذا الهدف يبدأ شقاؤك، أنا أرى رؤية شخصية أن كل الانحرافات الجنسية في العالم لا لأن الذين انحرفوا إليه أمتع من الذي انحرفوا عنه، لا، من الملل، والسأم، أما لو كان للإنسان هدف، هدف كبير، فهو أسعد إنسان، المؤمن طبعاً، لهذا أقول: المؤمن شابٌ ولو كان في التسعين، لأنه اختار هدفاً كبيراً، يقول لك: لا يوجد عندي وقت، شاب وهو في التسعين.

كان هناك عالم جليل بهذه البلدة الطيبة، يقول للشاب: كنت تلميذي يا بني، وكان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، درَّس ثمانين سنة، وكان منتصب القامة، وحاد البصر، أسنانه في فمه، يتمتع بنشاط عجيب، فإذا سُئل: يا سيدي! ما هذه الصحة التي حباك الله بها؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
لذلك الذي ألَّف كتاباً عن المئة الأوائل، وجعل النبي عليه الصلاة والسلام على رأس المئة الأوائل، ما مقاييسه؟ اتخذ أربعة مقاييس، اتساع رقعة التأثير، أي وصلت رقعة المسلمين من مشارف باريس إلى الصين، اتساع رقعة التأثير، امتداد أمد التأثير، من ألف وأربعمئة عام وإلى ما شاء الله، هذا الإسلام يمتد في أطراف الدنيا، ثم عمق التأثير.
هناك وزير إيطالي أسلم، لأنه التقى بإنسان مسلم قدّم له خمراً، فقال له: أنا لا أشرب الخمر، من كلمة لا أشرب الخمر، لأنه محرمٌ في ديني، لا تقل: معي قرحة، لا تستحِ بدينك، لأنه قال كلمة بأدب وبصدق، قال له: أنا مسلم لا أشرب الخمر، فكان سبب إسلام هذا الوزير الإيطالي.
جاءت وزيرة نفط بريطانية إلى بلد، و هناك وزير نفط طبعاً، استقبلها في المطار، ومعه كبار موظفيه، أحد الموظفين لم يصافحها لأن هناك حكماً شرعياً في ذلك فانزعجت، أما الذي انزعج أكثر هو الوزير، فعنفه، و كان هناك دعوة على الغداء، قال له: لا تأتي، هذه الوزيرة جالسة إلى جانبه، قالت له: واحد من موظفيك الكبار لم يصافحني أين هو؟ فأصابه الحرج، قال لها: لعله اعتذر، قالت له: أنا حريصة على مقابلته، فقابلته، قالت له: لمَ لم تصافحني؟ قال لها: أنا مسلم، وفي ديني لا يجوز أن أصافح امرأةً أجنبية، وأنت امرأةٌ أجنبية، فتأملت ملياً، وقالت للوزير نظيرها: لو أن المسلمين أمثال هذا لكنا تحت حكمكم. الله عز وجل ينظر إلى قلب الإنسان و عمله لا إلى شكله :
فيا أيها الأخوة، الله عز وجل ينظر إلى قلوبنا، وأعمالنا، أنت مصمم لمعرفة الله، حينما تختار هذا الهدف الكبير، أنت شاب، شاب وأنت في التسعين.

والله أيها الأخوة، قبل سنوات عدة، كرموا كبار علماء القرآن، ستة علماء أو سبعة، معظمهم فوق التسعين، فالإنسان إذا كان مؤمناً هو شابٌ حتى ولو كان شيخاً، هدفه كبير، فأنا أتمنى أن تختار هدفاً كبيراً، لا أن ترضى بدخل جيد.
الآن سيدنا عمر أدخل شاعراً السجن، لأنه قال أهجى بيت قالته العرب، ما هذا البيت؟ قال:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
* * *

هذا البيت عدّ أهجى بيت قاله الشعراء، فدخل صاحبه السجن، هذا البيت شعار كل مسلم الآن، ما دام دخله وفيراً، وبيته جيداً، وأهله معه، يقول لك: من بعدي الطوفان.
هناك كلمات يقولها العامة، كلامٌ شيطاني، يقول لك: فخار يكسر بعضه، من أخذ أمي عمي، هذه كلها كلمات تعبر عن انسحاب الإنسان من المجتمع، فما لم تحمل همّ الأمة فلست مسلماً.
والله قبل يومين أخت كريمة محجبة مع ابنتها، طلبت مقابلتي، فأول ما دخلت بكت بكاءً شديداً، قلت لها: ما القصة يا أختي؟ قالت لي: أنا زوجّت هذه البنت من شاب، ثم تبين أن معه انفصام شخصية، فأنا بحق هذه البنت مجرمة، ابنتها معها، قالت لها: يا ماما أنا قلت لك مئة مرة أنني راغبة في أن أبقى معه، ليس له أحد غيرنا، أريد أن أتقرب إلى الله بخدمته، أريد عملاً ألقى الله به، نظرت! رأيت البنت بطلة، بنت تتقرب إلى الله برعاية زوجها، وأنا من أعماق أعماق أعماقي قلت لها: إن شاء الله، الله يشفيه لك نظير عملك. من لم يكن ابنه كما يتمنى فهو أشقى الناس :

نحن الآن بحاجة إلى شاب مؤمن، إلى شابة مؤمنة، تتجاوز هموم الفتيات المتفلتات، أريد شاباً يتجاوز هموم الشباب المنحرفين، هذه أمة تبنى على شبابها، أمتنا كبت، هذه الكبوة المعول فيها على هؤلاء الشباب، فأنا أقول لك كلمة: لا يوجد ورقة رابحة بيدنا إلا أولادنا، الذي عنده ابن يمكن أن يصل إلى أعلى مرتبة في الجنة بتربية ابنه، لأن هؤلاء الصغار هم رجال الغد، أبطال الغد، فكل إنسان يعتني بأولاده، لا نملك إلا أولادنا، ومهما ارتقيت، مهما حصّلت من ثروات، مهما ارتقيت في سلم المراتب، مهما جمعت من أموال، مهما نلت من شهادات، إن لم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس.
فأنا أقول: يجب أن تختار هدفاً كبيراً، هذا الهدف الكبير يعطيك الهمة العالية، الموضوع دقيق جداً وطويل، وإن شاء الله في درس قادم أحاول أن أتمم المعالجة، لكن القصد من هذا الموضوع أنك إذا اقتنعت بالحق، ووجدت نفسك دون المستوى، أنت بحاجة إلى إرادة، والإرادة تحتاج إلى همة، وما لم تملك هذه الهمة فلن تصل إلى شيء.
في اللقاء القادم إن شاء الله نتحدث عن وسائل امتلاك هذه الهمة العالية التي تترجم إلى إرادة قوية.





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-12-2018, 07:58 AM   #30


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثلاثون )

الموضوع : علو الهمة مع الصحبة الصالحة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الهمة :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ متعلقٍ بـ:"سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو موضوع "الهمة".
وقد ورد في الأثر:
(( أن علو الهمة من الإيمان ))

الإنسان أحياناً يناجي نفسه، يسمونه الحوار الذاتي، أنا أسأل ما الذي يهمك؟
(( مَنْ كانَتِ الآخرةُ هَمَّهُ، جعل الله غِناه في قلبه، وجمع عليه شَمْلَهُ، وأتَتْهُ الدنيا وهي راغِمَة، وَمَنْ كانت الدنيا هَمَّه، جعل الله فَقْرَه بين عينيه، وفَرَّق عليه شَمْلَهُ، ولم يأتهِ من الدنيا إلا ما قُدِّر له ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
ما الذي يهمك؟ اسأل نفسك، ما الذي يقلقك؟ ما الذي تصبو إليه؟ ما الذي ترجوه؟ تعيش مع من؟ تعيش لمن؟ هناك إنسان يعيش مع الصحابة الكرام، تصوراته كلها عن الإسلام، عن عصور الازدهار، عن الصحابة، عن رسول الله، و إنسان يعيش مع الفنانين، مع الممثلين، مع لاعبي الكرة، مع السياسة المتعبة، تعيش مع من؟ تعيش لمن؟ تُرضي من؟ تُغضب من؟ تنفق على من؟ تصل من؟ تقطع من؟ ما الذي يغضبك؟ ما الذي يرضيك؟ هذه كلها مقاييس، وكلها أدلة، فالإنسان عندما يقلقه ألا يكون كما ينبغي مع الله فهذه نعمة كبيرة، الذي يفرحه أن يكون مستقيماً على أمر الله. أنواع الفرح :
الفرح نوعان أيها الأخوة، الله عز وجل حينما حدثنا عن قارون:
﴿ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾
[ سورة القصص ]

الله عز وجل لا يحب الذي يفرح بالدنيا، لأن:
(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي ))
[ كنز العمال عن ابن عمر ]
ما الذي يفرحك؟ هناك نهي عن أن تفرح بالدنيا، لأن عطاء الله جلّ جلاله لا يمكن أن يكون في الدنيا فقط، لأن العطاء الذي ينتهي بالموت ليس عطاءً، لا يوجد إنسان يقدم لإنسان سيارة ربع ساعة، التقديم الحقيقي أن يتملكها مدى الحياة، أما العطاء الذي ينتهي بالموت فليس بعطاء.
فلذلك يليق بكرم الله عز وجل أن يعطيك الأبد، فالذي يفرح بالدنيا عنده قصور تفكير، لأنه: (( من عرفها لم يفرح لرخاء ـ مؤقت ـ ولم يحزن لشقاء ـ مؤقت ـ))
فالبطولة أن تفرح بفضل الله. ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾
[ سورة يونس الآية: 58 ]
وسؤال دقيق، ومقياس دقيق، أسأل نفسك ما الذي يفرحك؟. الإنسان مخلوق مكرم بفضل الله عز وجل :

أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾
[ سورة الإسراء ]
أنت مخلوق مكرم، انظر الجماد للنبات، النبات ينمو في التراب، والنبات في الأصل للحيوان، والحيوان لك، وأنت لمن؟ أنت لله، إياك أن تُجيَّر لمخلوق، لا يليق بك أن تكون تابعاً لمخلوق، أنت لله، الجماد للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، وأنت لله، فلذلك بطولتك أن تعرف من أنت؟ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ* إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾
[ سورة البينة ]
ورود الحرب في القرآن الكريم مرة واحدة في موضوع الربا :
أيها الأخوة، في الحديث القدسي:
(( من عادى لي وَلِيّاً فقد آذَنتُه بحرب ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]

الحرب ورد في القرآن الكريم مرة واحدة في موضوع الربا:
﴿ فَإِن ْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 279 ]
ورد في الحديث: (( من عادى لي وَلِيّاً، فقد آذَنتُه بحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مِنْ أداءِ ما افترضتُ عليه، ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ، فإذا أحببتُهُ كُنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألَني أعْطَيتُه، وإن استَعَاذَ بي أعَذْتُه، وما تردَّدتُ عن شيء أنا فاعله، تردّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مَساءَتَه ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
لذلك الدعاء الشريف: (( اللَّهمَّ أحْيِني ما كانَتِ الحْياةُ خَيْراً لي، وتَوَفَّني إذَا كانتِ الْوَفَاةُ خَيْراً لي ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
أحياناً الموت رحمة. الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق :
أخواننا الكرام، أولاً: قد يكون ملك بيده كل شيء، لكن مستحيل أن تصل إليه، لا يوجد أمل بالوصول إليه، لكن الله جلّ جلاله ملك الملوك، الوصول له متاح لكل إنسان، لذلك قال ابن القيم رحمه الله تعالى: "الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق"، ألف طريق موصل إلى الله معظمها الأعمال الصالحة، والعمل الصالح يرفعك، وأوضح آية:
﴿ َمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
[ سورة الكهف ]

أنا أقول: في القرآن الكريم أكثر من عشر آيات:
﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 219 ]
العشر آيات فيها كلمة قل بين السؤال والجواب، إلا في آية واحدة: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
هذه الآية ليس فيها كلمة قل، فاستنبط العلماء من خلالها أنه: ليس بين العبد وربه حجاب، ولا وسيط، ليس بين العبد وربه وسيط، ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ﴾
هذا يدعم موضوع علو الهمة، الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق. الإنسان التافه يعيش لشهواته ومصالحه والإنسان المؤمن يعيش لمبادئه وأهدافه :
لكن هناك نقطة دقيقة: إذا إنسان تقرب إلى الله قليلاً، يرى النتائج مبهرة:
(( من تقرب إلى الله عز وجل شبراً تقرب إليه ذراعاً، ومن تقرب إليه ذراعاً تقرب إليه باعاً، ومن أقبل إلى الله عز وجل ماشياً أقبل الله عز وجل إليه مهرولاً ))
[ أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن أبي ذر الغفاري ]

أي لمجرد أن تعقد نية على الصلح مع الله، تحس براحة نفسية كبيرة عجيبة، تحس هموماً كالجبال انزاحت عنك، معنى ذلك أنك عندما فكرت أن تتقرب إلى الله رأيت النتائج، والرد الإلهي قريب جداً.
أيها الأخوة، الإنسان التافه يعيش لشهواته ومصالحه، والإنسان المؤمن يعيش لمبادئه وأهدافه.
مرة تكلمت عن خامس مهندس في العالم، الذي صمم جسر اسطنبول الأول المعلق بالحبال، الذي تقطعه في اليوم من أربعمئة إلى خمسمئة ألف سيارة، أثناء افتتاحه ألقى المهندس المصمم بنفسه في البوسفور، فذهبوا إلى غرفته في الفندق، كتب ورقة: ذقت كل شيءٍ في الحياة فلم أجد لها طعماً، فأردت أن أذوق طعم الموت.
أنا علمتني هذه القصة أن الإنسان بلا هدف إنسان تافه، هدفه الأكل، والشرب، والمكانة، وتجميع الأموال ما دام لم يصل لهدفه، و لكنه يشعر بحالة مريحة بعد أن يبلغ هذا الهدف، أخطر فكرة أقولها دائماً: أنت مصمم من قبل الخالق أن تختار هدفاً لا نهائياً، فإذا اخترت هدفاً نهائياً وبلغته بدأ شقاؤك، الحياة مملة، الغرب لماذا انحرف؟ مللاً، سقماً، أراد المال بلغ المال، اسأل إنساناً معه ملايين مملينة، كيف يعيش؟ يعيش حالة من الملل، أكل حتى شبع، بيته أجمل بيت، مركبته أحلى ركبة، وبعد ذلك؟ هناك فراغ بالنفس البشرية لا يملؤه إلا الإيمان بالله، قد تكون أقوى إنسان، قد تكون أذكى إنسان، قد تكون أغنى إنسان، هناك فراغ لا يملؤه إلا الإيمان، و الإنسان عندما يملأ هذا الفراغ بالإيمان ترتاح نفسه.
لذلك الإنسان بلا هدف، بلا رسالة، إنسان تافه، وإنسان عنده إحباط عام، إنسان عنده كل أنواع الشقاء. من يُعرض عن الله عز وجل تبدأ متاعبه :

بعد ذلك قال الله عز وجل في القرآن الكريم:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾
[ سورة طه ]
فالإنسان حينما يعرض عن الله عز وجل تبدأ متاعبه، ويوم القيامة: ﴿ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾
[ سورة الكهف ]
إنسان دخل على النبي الكريم فهش له وبش وقال: " أهلاً بمن خبرني بقدومه جبريل، قال: أو مثلي؟ قال: نعم يا أخي، خاملٌ في الأرض، علمٌ في السماء ". آيات من القرآن الكريم عن الذين شردوا عن الله :
الآن الذين شردوا عن الله، الذين لا يملكون همةً عاليةً تقربهم إلى الله، كيف هم في القرآن الكريم؟ والله شيء لا يصدق! قال: ﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾
[ سورة الفرقان ]
الأنعام غير مكلفة، هم أضل من الأنعام. ﴿ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 176 ]

بالملايين المملينة يقول لك: السوق مسموم، لا يعاش بهذا البلد، ماذا ينقصك؟ كل شيء عندك، لأنه لا يوجد شكر:
﴿ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
تجد مؤمناً ساكناً ببيت، مساحته ستون متراً، دخله محدود، زوجته أقل من الوسط، يقول لك: الحمد لله، تجد المؤمن على ضعف حياته، على فقره، شاكراً لله عز وجل، فالآيات التي تتحدث عن الذين شردوا عن الله شيء مخيف: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾
[ سورة الجمعة الآية: 5 ]
أبلغ من ذلك: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾
[ سورة المنافقون الآية: 4 ]
أي في حياة القلب، دقق في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ﴾
معيشة. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكم ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 24 ]
المعيشة و الحياة :
فرقٌ كبير بين المعيشة وبين الحياة، أسال أنا أحد الأخوة الكرام: أنت عايش أم حي؟ إن كان من أهل الدنيا فهو عايش، أما إن كان مؤمناً فهو حي، حيٌ بذكر الله، حيٌ بمعرفة الله، حيٌ بطاعة الله، حيٌ بعملٍ صالح، الآن ألقيت كلمة في حفل، قلت إن الدعاء الشريف: (( اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ))
[ أخرجه أبو يعلى والطبراني والبزار عن عبد الله بن مسعود ]

معنى الأمة المرأة،
((ابن عبدك ))
أي ابن والدي، و ((ابن أمتك ))
أي ابن والدتي، فالأمة المرأة، ضع ضمة فوق الهمزة، وشدة على الميم، كانت أمة أصبحت أُمّة: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾
[ سورة النحل الآية: 120 ]
المؤمن له أعمال صالحة كثيرة في قلوب الخلق، المؤمن له أعمال جليلة، الله عز وجل يرزقه عملاً صالحاً يرقى به عنده، ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾
فلذلك بين أن تكون فرداً و بين أن تأتي الله يوم القيامة ومئات الألوف يثنون عليك من أعمالك الصالحة، فأنا أتمنى أن يكون لك عمل يتجاوز مصالحك، لأن معظم الناس أعمالهم تصب في خانة مصالحهم، تصب بنجاح عمله، بنجاح دخله، بضغط مركزه، لكن الإنسان بحاجة إلى عمل صالح ليس له علاقة بمصالحه إطلاقاً. علو الهمة من العلم :
أيها الأخوة، لذلك الآن الموضوع الدقيق في هذا الجزء الثاني من علو الهمة كيف نرتقي بهممنا؟ الحقيقة العلم وحده يرقى بهمتك.
أحياناً نسهر مع بعض الأخوة الأطباء، وهناك طبيب تُقدم له بعض الحلويات، يرفضها أشد الرفض، فعاتبوه مرة، فقال: والله أُحبها أكثر منكم، أما أنا عملي بجراحة القلب، حينما أرى الشرايين كلها مسدودة، وكل إنسان حينما يفاجأ بالقسطرة، وأن خمسة شرايين مسدودة، من الدسم، من المواد الدسمة، فيكره الحلويات كراهة عقلية.

معنى هذا أن الإنسان عندما يكون علمه عالياً، العلم يدفعه إلى حبٍ وكراهيةٍ جديدتين، هناك حب حسي، وكراهة حسية، الأكل الطيب طيب، لكن هناك أكلاً صحياً، الأكل الصحي أقل مذاقاً من الأكل المؤذي، فالإنسان بعقله أحياناً يكره شيئاً.
الآن أحياناً طالب هدفه أن يأخذ الأولى في الجامعة، يلغي السهرات، يلغي النزهات، يلغي اللقاءات، أشياء محببة، لكن هدفه الكبير جعله يكرهها عقلياً.
فمن أين يأتي علو الهمة؟ من العلم، أحياناً تجد الطبيب يعقم الخضراوات تعقيماً غير معقول، لأن علمه غير علمك، حينما يرى الأمراض الوبيلة الناتجة عن العدوى، أو عن تلوث الفواكه والثمار، يبالغ في غسلها، فيأتي علو الهمة من العلم.
لذلك قالوا: إذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم، سيدنا يوسف:
﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾
[ سورة يوسف الآية: 24 ]
طبعاً لا شك أن همه بها غير همها به، ﴿ هَمَّتْ ﴾
أن تغريه، أما ﴿ َهَمَّ ﴾
بدفعها، وإياك ثم إياك ثم إياك أن تتوهم أنه ﴿ هَمَّ بِهَا ﴾
أي بدأ بالاستجابة لها، مستحيل ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا ﴾
همه بها غير همها به، لأنه: ﴿ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ﴾
[ سورة يوسف الآية: 32 ]
الواحد لو شاهد أفعى بغرفة، هي همت أن تلدغه، وهمّ بقتلها، همه بقتلها لا بالاستجابة لها، مستحيل! ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾
[ سورة يوسف الآية: 24 ]
هناك تفسير لطيف جداً، ﴿ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾
أعظم شيء عند المؤمن أنه بطلب العلم يملك رؤية صحيحة :

لذلك أخواننا الكرام، أخطر شيء بحياتنا الرؤية، الآن الذي يسرق ماذا رأى؟ هناك سبعة أشخاص سرقوا صائغاً من يبرود، وأخذوا الذهب، وقتلوه، وبعد شهر شُنقوا جميعاً في المكان نفسه، هم حينما أقدموا على سرقة هذا الصائغ، وقتله، هل رأوا أنهم سيشنقون هنا؟ لا، رأوا أنهم سيغتنون، إذاً كل الخطر بالرؤية، ماذا ترى؟ دقق الآن، المؤمن يلقي الله في قلبه نوراً، يريه الحق حقاً والباطل باطلاً، أقوى آية بهذا المعنى:

﴿ أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 102 ]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾
[ سورة الحديد الآية: 28 ]
إذاً أعظم شيء عند المؤمن أنه بطلب العلم ملك رؤية صحيحة، لذلك لا شيء يرفع همتك، لا شيء يقوي إرادتك، كطلب العلم، بالعلم تعرف الخير من الشر، والحق من الباطل، وما ينبغي وما لا ينبغي. الإنسان يعرف بالعلم الخير من الشر و الحق من الباطل :
إذاً: ﴿ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ ﴾

الإنسان أحياناً يُعرض عليه مبلغ فلكي مقابل أن يكتب الوفاة طبيعية، هذه الوفاة جريمة، أحياناً يقول له: سأعطيك خمسين مليون، إذاً من وفاته جاءه ألف مليون، فالمؤمن لو مئة مليون، عنده رؤية لا يمكن أن يتكلم بغير الحق، غير المؤمن تضعف همته، فيدفع ثمن عمله.
مرة كنت آتياً من حلب، في أيام الشتاء القارسة، والأمطار كأفواه القرب، وجدت رجلاً يمشي، يركض في العدوي في الشارع، قلت: الشام فيها خمسة ملايين، معظم سكان الشام يجلسون حول المدافئ، يأكلون ويشربون، هذا كم هي القناعة في ذهنه حتى في هذا الوقت العصيب و الأمطار الشديدة يمشي ويركض؟
هناك رجل اسمه جيفري لنك، هذا أكبر ملحد بأمريكا، أستاذ رياضيات في جامعة سان فرانسيسكو، هناك أستاذ أرسل له طالبة شرق أوسطية، في أيام الصيف الحارة محجبة حجاباً كاملاً، وتحضر دكتوراه في الرياضيات، فيقول هذا جيفري لنك الملحد: هذه الفتاة بهذه الثياب عندها قناعات بأعلى مستوى، جعلتها ترتدي هذه الثياب، مع أن كل الفتيات شبه عرايا، قال: تهيبت أن أحدق في وجهها، ورغبت أن أقدم لها كل خدمة، وعكفت من يومي على قراءة القرآن، لكن بنية أن أرى الأخطاء، وصل إلى قوله تعالى: ﴿ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً ﴾
[ سورة يونس الآية: 92 ]
اتصل بصديقه موريس موكاي بفرنسا، قال له: أنت ألفت كتاباً تقول: إن القرآن كتاب مقدس، تفضل هذا خطأ، فكيف فرعون نجاه الله ببدنه؟ فأجابه موريس موكاي: هذا الرجل رممت جسده بنفسي، هذا أرسل من القاهرة إلى باريس لترميم جثته، هذا فرعون موسى الذي مات غرقاً، وآثار الملح في فمه، فهنا أيقن أن هذا كلام الله، والآن من كبار الدعاة بأمريكا لذلك قالوا: (( استقيموا يستقم بكم ))
[ أخرجه الطبراني عن سمرة بن جندب]
كان أكبر ملحد، هذه الفتاة المحجبة قال: عندها قناعات متميزة، حتى لبست هذه الثياب.
فلذلك أيها الأخوة، الإنسان حينما تكون قناعاته عالية جداً يسلك سلوكاً مختلفاً عن بقية الناس، إذاً أحد أكبر أسباب علو الهمة العلم.
من كبُر هدفه ازدادت همته علواً :
الآن عندنا سبب آخر، كلما كبر الهدف ازدادت الهمة علواً، هناك أهداف محدودة، أهداف تنتهي، هدفه الأكبر شراء بيت، اشترى بيتاً، هدفه الأكبر أن يتوظف فتوظف، هدفه الأكبر أن يصبح غنياً، فأصبح غنياً، الأهداف الدنيوية لا تجعل الإنسان ذا همة عالية، أما الأهداف الكبيرة، لو إنسان أراد أن يقدم لأمته شيئاً، أو أراد أن يحل مشكلة أمته، هناك مشاكل البطالة، مشاكل العنوسة، مشاكل الجهل، مشاكل الانحراف، فالإنسان إن أراد أن يحمل همّ أمته، كلما كان همه كبيراً كانت همته كبيرة.

أخواننا الكرام، المقولة الرائعة: علو الهمة من الإيمان، لذلك صاحب أصحاب الهمة العالية، لا تصاحب أصحاب الهمة الدنية، أحياناً تعيش مع إنسان إيمانه قوي، يشجعك، تتوق أن تكون مثله، تتمنى أن تفعل الخير، تتمنى أن تحفظ كتاب الله، تتمنى أن تكون داعيةً إلى الله، صاحب أهل الشهوات، تثبط عزائمك، تشتهي أن تكون في معاصيهم، فلذلك:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]
مرة أخ أثناء الدرس على خلاف المألوف وقف، قال لي: نسمع الدرس نكون بحالة مريحة جداً، نغادر إلى البيت، نعود إلى ما كنا عليه، أين المشكلة؟ فألهمني الله جواباً مختصراً قلت له: غيّر طقمك، يجب أن تغير طقم الأصدقاء، مادمت تعيش مع ماديين دنيويين شهوانيين، يثبطون لك كل عزائمك، كن مع المؤمنين، وأنا أول ما أسأل عن هذا الموضوع، إنسان سألني على الهاتف: أنا عندي مشكلة، أقول له: صاحب المؤمن. (( لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنا ، ولا يأكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِيّ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي سعيد الخدري]
أقول له الآية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
إذاً صاحب أصحاب الهمة العالية. أصحاب الهمة العالية الدنيا عندهم صغيرة و لا يتأثرون بالبيئة :

شيء آخر: من علامات أصحاب الهمم العالية الدنيا عندهم صغيرة، ليست كبيرة، أي ليس مستعداً أن يعصي الله ولو أعطيته ملياراً، الدنيا صغيرة، صغيرةٌ أمام طاعة الله عز وجل.
شيء آخر: أصحاب الهمة العالية لا يتأثرون بالبيئة إطلاقاً، الآن نساء المسلمين أحياناً تحت رحمة مصمم أزياء فرنسي، قد يكون يهودياً، أي تصميم للأزياء يتبعه نساء المسلمين، هذا من ضعف الإيمان، أما قوي الإيمان يتحرك بقناعاته، ترتدي المرأة المؤمنة الثياب التي ترضي الله عز وجل.
فيا أيها الأخوة، علو الهمة من الإيمان، أو يمكن أن يقابلها قوة الإرادة، قوة الإرادة تحتاج إلى هدف كبير، وإلى علم غزير.







والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
الاسلامية-, التربية, الوصول, القبول, سبل, وعلامات


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 2 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 12 09-22-2018 08:42 PM
التربية الإسلامية - الموت السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 5 09-06-2018 08:30 PM
التربية الاسلامية - مدارج السالكين السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 101 07-21-2018 03:54 PM
التربية الإسلامية -علم القلوب السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 54 07-18-2018 11:42 AM
اشياء تمنع الرجل من الوصول الى النجاح منال نور الهدى رِيَاض الأسرَة وَالطِفَل وَ أنَاقَة حَواء وآدَم 4 07-14-2014 11:00 AM


الساعة الآن 02:52 AM