التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام - الصفحة 3 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 07-08-2018, 09:00 AM   #21


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( التاسع عشر )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 6 ) حق الرفيق



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيَّها الأخوة الكرام، لا زلنا في تربية الأولاد الاجتماعَّية وقد تحدَّثنا في درسٍ سابق عن حقّ الوالدين، وعن حقّ الأرحام، وعن حقّ الجار، وعن حقّ المعلم، ننتقل الآن إلى حقّ الرفيق الذي هو جزءٌ من الآداب التي ينبغي أن نلقنها للأطفال.
أخطر شيء على الإطلاق في حياة ابنك صديقه:
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس التاسع عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام أولاً الأثر يقول:
(( الصاحب ساحب.))
[ورد في الأثر]
لا تقل لي من أنا بل قل لي من تصاحب تعرفني من أنا. عن المرءِ لا تسل وسل عن قرينه فكلُّ قرينٍ بالمقارنِ يقتدي
***
أخطر شيء على الإطلاق في حياة ابنك صديقه، بعض الدراسات الاجتماعية تؤكد أن الطفل يأخذ من صديقه ستين بالمئة مما يأخذ من محيطه، أي لا أمه ولا أبيه يأخذ منهما كما يأخذ من صديقه، لذلك الأب يجب أن يهتم اهتماماً لا حدود له بأصدقاء أولاده، يجب أن يتعرّف إليهم، أن يتعرف إلى بيوتهم أي يتعرّف إلى أهلهم، أن يمتحنهم، أن يتفرس فيهم، أما أن يسيب هذا الأمر، قد يكون رفيق سوء يهلك ابنك، يدله على مفسدة، على انحراف، على شذوذ، على اقتراف ذنوب، على سرقة، على انحراف أخلاقي، على جريمة.
لا أنسى أخاً كريماً جاءني بأحد جيرانه، هذا الشاب شاب في مقتبل الحياة التزم الدروس هنا، لكن كان له علاقة مع رفقاء سوء، وكان هؤلاء الرفقاء عصابة سرقة، اقترفوا جرائم سرقة، ما فعل شيئاً ولا أخذ شيئاً إلا أنهم كلفوه أن يقف في مكان معين حتى يحمي ظهورهم، سرقوا بيتاً، وحينما ألقي القبض عليهم ذكروا اسم هذا الصديق، وواجهوا جميعاً محكمة ميدانية، والآن هم بالسجن، فقط لأنه وقف وحرسهم وهذه السنة الرابعة أو الخامسة له.
شيءٌ خطير أقول لكم ولا أبالغ أخطر شيء بحياة ابنك صديقه، قد يدله على معصية، على شذوذ، على انحراف، على انحراف أخلاقي، على عدوان، على سرقة، على جريمة، وقد تدفع الثمن أنت. لذلك عدّ للألف قبل أن تسمح له أن يصادق فلاناً، وأنت لا تطمئن إلا إذا شعرت أنّ أصدقاء ابنك طيبون مستقيمون على ما تريد وإلا يجب أن تبذل جهدك لتبعده عنهم أو تبعدهم عنه.

الجليس الصالح كبائع المسك والجليس السوء كنافخ الكير:
الشيء الإيجابي البديل أن تبحث لابنك عن أصدقاء في المستوى المطلوب، أي لا تنسَ ابنك، اجعله معك دائماً، وإذا صادق أبناء أخوانك فهذا جيد أيضاً، أخوك ربى ابنه وأنت ربيت ابنك إذاً اجعلهم يتصادقون، لأن الطفل يشعر بحاجة ماسّة إلى إنسان من عمره ولو جلس مع الكبار لا يستأنس بهم، لا بدّ من أن يجلس مع الصغار، لذلك هيئ له مجتمعاً يتناسب مع مداركه.
إذا المؤمنون لم يتعاونوا على تأمين أجواء لطيفة و طيبة و طاهرة و عفيفة لأولادهم والله المشكلة كبيرة، والله أستمع كل أسبوع إلى قصص يندى لها الجبين أساسها والله رفقاء السوء.
أيها الأخوة استمعوا إلى توجيه النبي عليه الصلاة والسلام فيما يرويه البخاري و مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلّى الله عليه و سلَّم قال:

(( مَثَلُ الجليسِ الصالح والسوءِ، كحامِلْ المسك ونافخِ الكِير، فحاملُ المسك إمَّا أن يُحْذِيَك وإمَّا أن تبتاع منه، وإمَّا أن تجدَ منه ريحًا طيبة، ونافخُ الكير إمَّا أن يحرق ثيابك، وإمَّا أن تجد منه ريحًا خبيثة. ))
[البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري]
هكذا النبي علمنا، هذا الحديث صحيح، الجليس الصالح كبائع المسك والجليس السوء كنافخ الكير.
لذلك قالوا: الوحدة خيرٌ من جليس السوء، بكل صراحة الانعزالية والتقوقع والبقاء بالبيت أفضل مليون مرة من الجليس سوء، لكن الجليس الصالح خيرٌ من الوحدة، الوحدة خيرٌ من الجليس السوء لكن الجليس الصالح خيرٌ من الوحدة، لك أخوان أطهار طيبون ورعون مستقيمون محبون مندفعون مؤاثرون وتعتزلهم !! هذا انحراف، لكن إن رأيت من حولك منحرفين، غير منضبطين، بذيئي اللسان، مزاحهم رخيص، والله اعتزلهم وأنت الموفّق.
(( لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقيّ ))
[ رواه أبو داود وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري ]
الحقيقة النبي نهى بقوله: لا تصاحب إلا مؤمناً، لا يأكل طعامك إلا تقي.
مرة صديق لي دعا مجموعة من الأصدقاء على طعام نفيس، وأحد هؤلاء الأصدقاء علماني ـ شبه ملحد ـ فقال للداعي الذي قدّم أطيب الطَّعَام: والله أنت يجب تأميمك، هكذا قال له، فقلت له أنا: يا فلان ألم ينهك النبيُّ عليه الصلاة والسلام أنَّ تدعو مثل هؤلاء، ولا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقيَّ.
عدم إقامة علاقات حميمة مع غير المؤمنين:
إذا دخل بيتك مؤمن يفرح لك، إن أنت أكرمته يشكرك، ويدعو لك بالخير والبركة، وإن وجد عندك مقتنيات يفرح لك، المؤمن علامته أنَّه يفرح بما عند أخوانه، أمَّا غير المؤمن يحسد، ولله درُّ الحسَّد ما أعدَّله بدأ بصاحبه فقتله.
لذلك قالوا: كثرة الظهور تقسم الظهور، لا تحاول أن تبرز ما عندك من إمكانيات وملكات وعطاءات ومقتنيات وإمكانات لغير المؤمنين، قارون:

﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79)وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ(80)فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (81) ﴾
( سورة القصص )
هذا حديث يجب أن نأخذه دائماً، لا تصاحب إلا مؤمناً.
أخواننا الكرام، علاقات حميمة، شراكة، نزهة، زيارات إلى البيت، هذه اسمها علاقات حميمة لا ينبغي إلا أن تكون مع المؤمنين، إنسان لا يصلي، إنسان منحرف الأخلاق، نزوره في بيته، تدخل زوجته لكي تصافحك، تجلب القهوة، هكذا هو نموذجه، تُحرَج وتتضايق ويعكر مزاجك، وقد تعصي الله عزَّ وجلَّ.
علاقات حميمة لا ينبغي أن تقيمها مع غير المؤمنين، أمّا علاقات العمل مباحة مع أي كان، حتى إذا كان أعلى منك في الدائرة، تأتي في الوقت المناسب وتقوم بواجبك وتحترمه ويحترمك.
علاقات العمل ليس فيها ما يخدش المروءة، لكن العلاقات الحميمة هي علاقات منهي عنها:
(( لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامك إلا تقيّ ))

[ رواه أبو داود وابن ماجة عن أبي سعيد الخدري ]

(( إياك وقرين السوء فإنك به تعرف ))

[ابن عساكر عن أنس]

من يصحب الأراذل مجروحة عدالته:
كلكم يعلم أيها الأخوة أن الإناء إمَّا أن يُكسَر وإمَّا أن يُشْعَر، والعدالة إمَّا أن تسقط وإمَّا أن تخدش:

(( من عامل النَّاس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروءته وظهرت عدالته.))

[سلسلة الأحاديث الضعيفة]

الآن بالمقابل: من عامل النَّاس فظلمهم سقطت عدالته، من عامل النَّاس فأخلف وعده معهم سقطت عدالته، من عامل النَّاس فكذبهم سقطت عدالته، ما الذي يجرح العدالة ؟ إبريق من زجاج كسرته بالمطرقة أصبح محطماً إلى مئة قطعة، أحياناً الإبريق يخدش، أي يجرح أو يُشعَر، ما الذي يجرح العدالة ؟ صحبةُ الأراذل ومن يصحبهم لا تقبل شهادته، مجروحةٌ عدالته.
الأكل في الطريق، البول في الطريق، أن تمشي حافي القدمين، أن يكون حديثك عن النساء، صحبة الأراذل، تطفيفٌ بتمرة، أكل لقمة من حرام، من قاد برزوناً، من أطلق لفرسه العنان، أي السرعة الزائدة، تجرح العدالة، تربي كلباً عقوراً لتخويف النَّاس في الطريق، يجرح العدالة، التنزُّه في الطرقات يجرح العدالة لوجود نساء في الطريق كاسيات عاريات، ويتبع ذلك مقاهي الرصيف، أكثر الأماكن العامة والفنادق لها مقاهٍ على الرصيف، هذه المقاهي يقصد منها النظر للنساء الغاديات والرائحات، من علا صياحه في البيت، يوجد بيت ملائكي هادئ، ويوجد بيوت كل يوم عندهم مشاكل والجيران يعرفون كل مشاكلهم، أحياناً الأخ مع أخته، أو الزوج مع زوجته، يعرفون الأصوات، كلها تجرح العدالة.
(( إياك وقرين السوء فإنك به تعرف ))

[ابن عساكر عن أنس]

أنت قد تكون بريئاً، وقد تكون إنساناً راقياً، إذا شخص دعاك ولم يكن الداعي إنساناً مؤمناً راقياً لا ينبغي أن تستجيب الدعوة قد يكون هناك مطب، مشكلة، قد يكون اختلاط، غناء، أو قد يكون في هذه الدعوة أشياء لا ترضي الله عزَّ وجلَّ.
(( المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل ))

[أبو داود عن أبي هريرة]

التعرف على أصدقاء ولدك وانتقاءهم معه:
قلت لكم في البداية أن الطفل يتأثر ستين بالمئة من أصدقائه هذه حقيقة علمية جاء بها علماء النفس وعلماء الاجتماع، أما هنا جاء بها النبيّ:

(( المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل ))

[أبو داود عن أبي هريرة]

على دين صديقه فلينظر أحدكم من يخالل، لذلك بعض الصوفيين قالوا: لا تصحب من لا ينهض بك إلى الله حاله، ويدلك على الله مقاله.
إذا كنت عاقلاً اصحب إنساناً أرقى منك قالاً وأرقى منك حالاً، أرقى منك قالاً تتعلم من علمه، وأرقى منك حالاً تتأثر بقلبه المفعم بحب الله، علامة الحال العالي أن تأنس به، أن تشعر بسعادة وأنت في قربه، أن تتمنى أن لا تقوم عنه، أي أنسك به دليل حاله العالي، لا تصاحب إلا من كان له حال ينهض بك ومن كان له قال يزيدك علماً.
الآن أقول لك أيها الأخ الكريم أو أيها الأب الكريم لا تستطيع أن تلغي من حياة أبناءك الأصدقاء لأنهم حاجة أساسية وحاجة اجتماعية، لكن تستطيع أن تنتقي له أصدقاء جيدين، أحيانا الطفل يُسَرُّ برحلة مع أصدقائه مليون ضعف عن أن يكون معك، أنت في سنّ الخمسين وهو في سنّ العشرين يريد أن يكون له صديق من عمره يتفاهم معه، يتكلمون في موضوعات مشتركة، أما معك يوجد مسافة كبيرة بينكما في السن.
لذلك قال سيدّنا عليّ: ربّوا أبناءكم وأدبوهم فإنّهم خلقوا لزمنٍ غير زمنكم.
لا تطالب ابنك أن يكون بعقلك فأنت من جيل وهو من جيل آخر، لكن طالبه أن تكون أخلاقه عالية، طالبه أن يكون له أصدقاء ذوو أخلاق جيدة، أصدقاء مؤمنون، أصدقاء مستقيمون.
إذاً موضوع درسنا اليوم أخطر شيء في حياة ابنك هو صديقه فيجب أن تتعرف إلى أصدقائه واحداً وَاحداً، تتعرف إلى آبائهم، تأخذ أرقام هواتفهم، تعرف أين هو ذاهب ؟ مع من يجلس ؟ مع من يسهر ؟ هل كان حاضراً ؟
حقوق الصديق على صديقه:
الآن ما هي حقوق الصديق على صديقه والرفيق على رفيقه والأخ على أخيه في الله ؟

1ـ إلقاء السلام:

السّلام إذا لقيه، عوِّد ابنك إذا دخل أن يقول السّلام عليكم، كلما التقى مع أخيه يسلم عليّه، كان الصحابة رضي الله عنّهم إذا كان الصحابيان يمشيان معاً ففرّقت بينهما شجّرة فإذا التقيا ثانيةً يقول له: السَّلام عليَّكم، أنت إذا دعيت لركوب سيارة مع أشخاص كنت معهم وجلس السائق وجلس شخص أمامك وأنت جلست خلفهم فقل لهم: السّلام عليكم، فعندما تدخل سيّارة فقل السلام عليكم، إذا دخلت إلى بيت فقل السلام عليكم، فالسّلام أولى آداب الطفل مع أصدقائه.
((رجلاً سأل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أيُّ الإسلام خير ؟ قال: تطعم الطعام))
[رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما]
قد يغفل الإنسان عن هذه النقطة، إطعام الطعام فيه مودة كبيرة، يؤلّف القلوب ويلينها، ويخلق مودة ومحبة وألفة، فالكريم لم يغلط، والله عزَّ وجلَّ كما ورد في الأثر:
(( الضيف يأتي برزقه ويرتحل بذنوب القوم. ))
[ابن السني عن أبي الدرداء]
هل يوجد أرقى من ذلك ؟ الضيف يأتي برزقه ويرحل بذنوب القوم ؟ والكريم يعوّض الله عليه، ويطرح له برزقه البركة، إطعام الطعام يؤلف القلوب.
أحياناّ يأتي أخٌ مسّافر ـ لا يوجد أروع من ذلك ـ الأخوان يستضيفونه، هل يعقل أن يأتي أخ من منطقة بعيدة إلى الشام ويذهب ليأكل في المطعم ؟! إذا الإنسان أخذه إلى بيته وأطعمه دون أن يكلِّف نفسه هذا مما يزيد العلاقات الإيمانية متانةً، إطعام الطعام، فأنا أتمنى والله وأنا أقدّر وإن شاء الله أنا في هذا الموضوع أفعل كما أقول لك.
إذا أخ قادم من حلب أو من اللاذقية أو من مكان بعيد إلى جامع ووجد أخوانه محبين دعوه وأكرموه، إطعام الطعام هذا من الأعمال الصالحة، لكن النّاس كرهوا إطعام الطعام لأنه أصبح فيه تكلفة.
((يا عائشة لا تكلفي للضيف فتمليه ولكن أطعميه مما تأكلين.))
[أبو عبد الله محمد بن باكويه الشيرازي والرافعي عن عياض بن أبي قرصافة عن أبيه]
أنت تريد طعاماً يكسر العين، لا، هذا عمل غير إسلامي، الموجود مع ترميمات بسيطة، هذا هو الموجود، الضيف لا يريد خمسين صنفاً لكنه يريد وجهاً رحباً، يريد ترحيباً، يريد استقبالاً، يريد أن يشعر أنّه بين أهله، لذلك إطعام الطعام من الإسلام.
تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف.
يوجد هنا تعليق بسيط هل يعقل أن الإنسان وهو يمشي في سوّق الحميديّة أن يلقي السلام على كل من في الطريق، السلام عليكم، السّلام عليكم، وإن كان هناك ازدحام ؟ هذا غير معقول، لكن في حيّك، وفي الشارع، وفي البيت، وفي البناء، أحياناً تجد مستأجر في العطلة الصيفية وفي البناية التي تقطن أنت فيها قل له السلام عليكم، شخص يسكن في بيت أجرة بالصيفية قل له السلام عليكم، والمقصود أن تلقي السلام على كل إنسان في الطريق لكن ضمن حيّك أو ضمن بنايتك أو ضمن حارتك، أو أنت في الطريق دخل زبون إلى المحل لم يلقِ السلام فألق ِأنت عليه السلام، هو لم يسلم ودخلت أنت على محل تجاري وأنت تعرف صاحب المحل وكان يوجد ثلاثة رجال ألقِ أيضاً عليهم السّلام، هذا على من عرفت وعلى من لم تعرف.
(( لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلُّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السّلام بينكم ))
[ رواه مسلمٌ عن أبي هريرة ]
نحن الآن نستعمل كلمة مرحباً، ويوجد كلمات أخرى يقول لك: باي بَاي، ما هذا ؟! السلام عليكم، سلّم بسلام الإسلام، والله اسمه السلام، أنت حينما تُسَلِّم تلفظ اسّم الله عزَّ وجلَّ.
2ـ عيادة المريض:
أول حقّ: إلقاء السلام، الحقّ الثاني: عيادته إذا مرض.
(( عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفُكّوا العاني، أي الأسير ))
[رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري]
عودوا المريض، عيادة المريض من حقوق أخيك عليك، أنا أقول لكم والله من عاد مريضاً فإنّما يخوضُ في الرحمة خوضاً، هكذا النبيّ قال والحديث القدسي:
(( يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَاناً مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ))
[ أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
لأن الله عزَّ وجلَّ لمّا سلب المؤمن بعض الصحة عوض له تجلّياً، عوض له سكينة، فأنت إذا زرت مريضاً مؤمناً شعرت بالأنس والقرب من الله، لأنّه هو قريب فقد قال تعالى: لوجدتني عنده.
(( عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفُكّوا العاني، أي الأسير ))
[رواه البخاري عن أبي موسى الأشعري]
(( حقّ المسلم على المسلم خمس، رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس ))
[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
المقصود من هذا الحديث عيادة المريض، لكن م‍ا الذي يحدث ؟ سوف أقول لكم ما الذي يحدث: يكون أخ من أخواننا الكرام في الأصل دوامه متقطّع، فإذا لم يحضر درسين أو ثلاثة، نتوهَّم نحن أنه مثل عادته في دوامه ولكنّه قد يكون مريضاً.
حدثني بعض الأخوان وهو يتألّم أشدّ الألم وقال لي: أربعة وعشرين يوماً لم يزرني أحد، والله كأنه مطعون بطعنة خنجر، وهو في الأساس دوامه متقطّع، عندما غاب هذه الفترة ماذا ظنّ أخوانه ؟ مثل عادته، أمّا إذا كان الإنسان دوامه جيد في المسجد وغاب درساً أو درسين يلفت النظر، يوجد إنسان إذا غاب يفتقد، فالذي دوامه جيد والثابت على حضور مجالس العلم إذا غاب درساً واحداً أو درسين ـ حتى نكون واقعيّين ـ إن سألت عنه يجيبوا: لا لم نره.
اليوم افتقدت شخصاً فخبرته، قال لي: كنت حاضراً في خطبة الجمعة والموضوع كان كذا وكذا، لكن أنا كنت في القاعة وذهبت فوراً، لكن الحمد لله أحسن من لا شيء.
جميل من الإنسان أن يتفقد أخوانه، هكذا النبيّ علمنا النبيّ كان يتفقد أخوانه.
روى الشّيخان هذا الحديث ذكرته قبل قليل:
(( حقّ المسلم على المسلم خمس، رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس ))
[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
3ـ تشميت العاطس:
الآن الحق الثالث: تشميته إذا عطس.
(( إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله ))
[ البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
كلمة (صحة) التي يقولونها الآن غير واردة، صحة على قلبك، ما هذه الكلمة ؟! النبيّ قال له: قل الحمد لله، ويقول لك: يرحمك الله، وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله، فإذا قال له: يرحمك الله فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم لأن الله تعالى قال:
﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) ﴾
( سورة محمد )
تجد أمهات يعلّمن أولادهنّ: صحة على قلبك، لا، نحن نريد كلاماً إسلامياً، الحمد لله، يرحمك الله، هداكم الله وأصلح بالكم، أو يهديكم الله ويصلح بالكم، أمّا أثناء الصلاة لا يوجد تشميت عاطس.
بدوي صلّى مع النبيّ أول مرة، فعطس صحابيٌ فقال له: يرحمك الله، فالصحابة ضربوا على أرجلهم زجراً له فخاف، فلمّا انتهت الصلاة قال له النبيّ الكريم: يا أخي لا يكون في الصلاة، يقول البدوي: والله ما رأيت معلماً أرحم منه ولا أحكم منه، والله ما نهرني ولا شتمني. فهو قد خاف أن يضربه الصحابة بعد الصلاة.
إذاً الواجبات ثلاثة، أولاً: السلام، وعيادته إذا مرض، وتشميته إذا عطس، أمّا إذا كان الشخص مصاباً بالرشح فمرة واحدة فقط.
4ـ الزيارة في الله:
زيارته في الله:
(( من عاد مريضاً، أو زار أخاً في الله ناداه منادٍ بأن طبت وطاب ممشاك وتبوّأت من الجنّة منزلاً ))
[ابن ماجه والترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
لم يخسر شيئاً إلا في سبيل الله، هذه الزيارة التي أشار لها النبيّ عليه الصلاة والسّلام ناداه منادٍ بأن طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً:
(( أنّ رجلاً زار أخاً له في الله في قريةٍ أخرى، فأرسل الله تعالى له على مدرجته، أي على الطريق، ملكاً فلمّا أتى عليه قال: أين تريد ؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية. قال: هل لك من نعمةٍ هي عليك ؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله تعالى. قال: فإني رسول الله إليك لأنّ الله قد أحبك كما أحببته فيه ))
[ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
يعني أنّ أجمل زيارة وأسعد زيارة أن تزور أخاً في الله لا تبتغي من هذا شيئاً إلا أن تصل هذا الإنسان المؤمن.
إن كان عندك وقت فراغ يوم الجمعة أحياناً بعد الصلاة ولك أخ مؤمن زرته على موعد، مكثت عنده ربع ساعة، آنسته، سألته عن صحته، عن أولاده، تذاكرتم في آيتين أو ثلاث آيات مع تفسيرهم، ورجعت، أو أي جلسة تجلسها مع أخوانك في أثناء الأسبوع تذاكر فيها دروس الجمعة والسبت والأحد والاثنين، شي من القرآن الكريم أو شي من الفقه مثلاً، هذه اللقاءات الأسبوعية بين الأخوان طيبةٌ وجيدة جداً وتثبت الدروس.
5 ـ الإعانة وقت الشدة:
من حقوق الأخ عليك وهذا ينبغي أن تعلّمه أولادك: إعانته وقت الشدّة.
روى الشيخان عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال:
(( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ ))
[ البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
معنى يسلمه يتركه لمصيبته، لا يكفي العباد إلا ربُّ العباد، الحقّ عليه هو الذي قصَّر، هذا غلط، إذا أخ وقع وجب علينا أن نعينه جميعاً، أحياناً تقف السيارة من هو السبب ؟ لا نريد السبب، نريد أن نجعلها تسير ثم بعد ذلك نبحث عن من هو السبب، لا توزّع تهماً ولا تشمت بالنّاس وتقول الحقّ عليك، أخوك وقع يجب أن تخلّصه، هذا واجب الأخوة الإسلامية، هذه مروءة.
الإنسان حجمه عند الله بحجم عمله الصالح:
لذلك النبيّ الكريم يقول:
(( الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ، لَا يَظْلِمُهُ، وَلَا يُسْلِمُهُ، وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
[ البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
لذلك كل إنسان يفرج عن مسلم كربة يفرّج الله عنه كربة يوم القيامة، والله اليوم سمعت عن شخص غلط غلطة بالتجارة، ودخل بسببها السجن وقد طلب منه المحامي مئة وخمسين ألفاً وهذا مبلغ ضخم جداً، ولا يوجد معه سوى خمسين ألفاً، أخذهم منه المحامي ولم يستكمل المرافعة، وتركه لخصمه، قابلوه فقال لهم: ليس معي وكذلك أهلي، ولكن أحد أخواننا الكرام محامٍ ـ والله لا أنسى ذلك له ـ قال لي: أنا يا أستاذ أي خدمة تريدها مني فأنا جاهز لها، فأخبرته اليوم وقلت له: رجاءً احسم الموضوع لوجه الله، فوافق وأخذ العنوان، فشتّان بين هذا المحامي والمحامي الآخر، هذا يعمل لله والآخر أخذ خمسين ألفاً ويريد مئة أخرى ولم يكمل عمله، لم يعودوا يملكون شيئاً.
مثل هذا الإنسان لا يوجد في قلبه رحمة، ولا خوف من الله، ولا فيه غيرة على أخوانه، فالإنسان حجمه عند الله بحجم عمله الصالح، فمن عنده اختصاص في المحاماة، اختصاص في الطب، أو مختصّ في اللغة الإنجليزيّة، فجزء من زكاة اختصاصه، يقدّم جزءاً من خبراته للفقراء للمؤمنين، للمصابين، للمنكوبين، يعني زكِّ عن اختصاصك، والله نحن والحمد لله أخواننا بالمسجد في كلّ الاختصاصات يقدّمون خدمات مجّانيّة للمؤمنين الفقراء. قدّم جزءاً من اختصاصك لوجه الله هذا زكاة اختصاصك
زكاة اختصاصك تقديم جزء منه لوجه الله:
قال لي طبيب ذات مرّة: أي أخ يحتاج إلى عمليّة فأنا حاضر فأرسلنا أول أخ، والثاني، والثالث وهو ممتن، هذا الطبيب الله سيوفقه، جزء من اختصاصه قدّمه للمؤمنين، أنا أتمنى من كلٍ واحد منكم أن يكون له مثل هذا العمل، وبحسب اختصاصك، قدّم جزءاً من اختصاصك لوجه الله، هذا زكاة اختصاصك، فالله عزَّ وجلَّ يحفظك به، ويكرمك، ويوفّقك.
عدل ساعةٍ أحياناً يفضل أن تعبد الله ثمانين عاماً، مثلاً إنسان لا أحد له ومُلقى في السجن، وأولاده صغار ولا يملكون مالاً، خمسون ألفاً مبلغٌ جيدٌ وكبيرٌ !! لا، يريد مئة وخمسين وإن لم تكملوا لي المبلغ فلن أكمل المرافعة، فترك الدعوى، أما الثاني فقال: أنا أكملها بدون مقابل ولوجه الله، فالله كبير وغني وهو يحفظك ويمدّك برزقٍ من عنده، إعانته وقت الشدّة.

(( َمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ، وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ))
[ البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا]
6 ـ إجابة الدعوة إذا دعاه:
الآن الحق السادس: إجابة دعوته إذا دعاه.
(( حقُّ المسلم على المسلم خمس، ردُّ السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميت العاطس ))
[ البخاري ومسلم عن أبي هريرة َ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
وقال:
(( من دعي فلم يجب فقد عصى الله ورسوله))
[أبو داود، والبيهقي عن ابن عمر]
من دعاك وجب حقّه عليك، إذاً الحقوق هي: إلقاء السلام، عيادته إذا مرض، وتشميته إذا عطس، وزيارته في الله، وإعانته وقت الشدّة، وإجابة دعوته إذا دعاه.
7 ـ التهنئة في المناسبات والتعزية في المصائب:
الآن: تهنئته بالشهور والأعياد مما اعتاده الناس، أي أن تهنّئه بالعيدين الفطر والأضحى، بقدوم رمضان، بنجاح ابنه أو بزواج ابنه، المناسبات والأعياد، يجب أن تهنّئ أخاك بها، من لقي أخاه عند الانصراف من الجمعة فليقل له:
(( تقبّل الله منا ومنك ))
[رواه الديلمي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما]
روى صاحب المقاصد عن خالد بن معد أنّه لقيه واثلة بن الأصقع في يوم عيد فقال له:
(( تقبّل الله منا ومنك. فقال له واثلة مثل ذلك ))
[رواه صاحب المقاصد عن خالد بن معد]
جاء في الصحيحين أنّ طلحة قام لكعب بن مالك وهنّأه بتوبة الله عليه.
(( أتدرون ما حقُّ الجار ـ ويدخل في الجار الرفيق ـ إن استعان بك أعنته، وإن استقرضك أقرضته، وإن أصابه خيرٌ هنّأته، وإن أصابته مصيبةً عزّيته ))
[الجامع الصغير عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه مرفوعاً]
نهنّئ، ونعزّي، ونجيب الدعوة، ونعين وقت الشدّة، ونزوره، ونشمِّته إذا عطس، ونعوده إذا مرض، ونلقي عليه السلام إذا لقيناه.
8 ـ تقديم الهدية:
بقي شيء هو آخر واجب من واجبات الأخ تجاه أخيه:
(( تهادوا تحابوا ))
[البيهقي عن أبي هريرة]
تهادوا: فعل أمر، ماضيها: تهادى بعضهم بعضاً، وصيغة فاعلَ تفيد المشاركة أي أنت قدّمت له هديّة وهو قدّم لك هديّة فأصبحتم متعادلين، أي لم تدفع ولم تخسر ولكن أصبحت المحبة بينكما.
جاءه مولود فأهديته هديّة، جاءك مولود فردّها لك، سافر للحج قدمت له هديّة، سافرت أنت فرد لك الهدية فلم تخسر شيئاً ولكن صارت بينكم محبّة، فالهدية سلوك إسلامي راقٍ جداً:
(( تهادوا تحابوا ))

[البيهقي عن أبي هريرة]

قيمة الهدية وأهميتها:
بالمناسبة أجمل الهدايا هدايا الزواج، عندما يتزوج الشاب أحياناً يكون بأَمسّ الحاجة إلى كلّ شيء، فإذا اجتمع عدد من الأخوة وتعاونوا واشتروا له برّاداً، وأخ أخذ له سجّادة، والثالث ثريا، وآخر أخذ له غازاً، وأحدهم أخذ له غرضاً من أغراض المطبخ، فلا هديّة أثمن من هدايا الزواج، عندما يستقر في البيت بعد سنة تزوّج أحد الأخوة فأصبح من الممكن أن تردّ له هديّته، والثاني تزوّج وهكذا، فالعمليّة كما يقول عامّة الناس دَيْن ووفاء، لكنّ الهديّة تذهب بوغر الصدر، وتمتّن المودّة والأخوّة في الله.

(( يا نساء المؤمنين تهادَين ولو فِرسِنَ شاة، فرسن شاة، أي ظلف الشاة، أي مقادم، ولو فرسن شاة واحدة، فإنّه ينبت المودّة ويذهب بالضغائن ))
[رواه الطبراني في الأوسط عن عائشة رضي الله عنها]
(( عليكم بالهدايا فإنها تورث المودة وتذهب بالضغائن ))
[الديلمي عن أنسٍ مرفوعاً]

(( تصافحوا يذهب الغلُّ، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء ))

[مالكٌ في الموطّأ عن عطاء الخرساني]
ليس الأصل أن تكون الهدية غالية لكن الهدية رمز، أحياناً الإنسان يحضر معه باقة صغيرة من الزنبق لمريض يعوده ولكنها مودة، أو يحضر كيلو من الحلويات لأخته إذا زارها، أو كيلو فول، دائماً ادخل عليهم وبيدك شيء ولو كان قليلاً، فهذا الشيء يخلق المودة.
إذا أردت أن يحدث ميلٌ قلبي واحتكاك ويذهب الضغن والحقد ولاسيّما الأقارب والأرحام والأصدقاء في مناسبات الزواج، أحياناً توجد حالة ولادة عند أحد من الناس ويكون بأمسّ الحاجة لأقل شيء، فمن الممكن أن تكون الهدية شيئاً من الأشياء التي يحتاجها في البيت، وهذا توجيه النبي اللهم صلِّ عليه.
التعاون أمر إلهي:
كلّما وجدت أخواننا يتهادون بعضهم مع بعض، ويتعاونون في زواجهم وفي عملهم، أو في فتح محل تجاري أو تأسيس شركة، عاونه بشيء، قدم له هدية، أقرضه شيئاً فهذا التعاون أمرٌ إلهي فقد قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2)﴾
( سورة المائدة )

أخواننا الكرام كلمة تهادوا فيها مشاركة، بالنهاية لا توجد خسارة، فكل أخ أهدى أخاه بالمناسبات الأساسيّة والأخ الثاني رد له الهدية عندها لا توجد خسارة، بل بالعكس وجدت المودة وربحت أخاك، وما قدمته جاء مقابله.
حقوق الصاحب بالجنب:
الآن يوجد فرع بسيط في هذا الموضوع فهناك صاحب مؤقّت، ذهبت للحج فكان معك بالخيمة أخوان أو ثلاثة، في الغرفة ثلاثة أو أربعة، ذهبت لتنام على السرير وكان في المهجع ثلاثة أو أربعة مثلاً، سافرت لحلب فركب بجوارك شخصٌ، فكثير من هذه المناسبات الطارئة هذا الصاحب يدعى الصاحب بالجنب أي المؤقت، صحبة طريق، وقد يقدّم الصاحب لصاحبه بالجنب خدمات كبيرة، وقد تكون هدايته على يديك إذا كلّمته بكلمة طيّبة أو عاونته، لذلك هذا الرفيق ينبغي أن ينال منك كلّ عطفٍ وإحسان بالحج، بالعمرة، بالطائرة، بالقطار، بالسيارة العامة، بالجندية، بالوظيفة، ذهبت لمهمة، أو سافرت لسفر ما معك شخص آخر، فهذا الصاحب بالجنب له حقوق.
أسند الطبري أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كان معه رجل من أصحابه وهما على راحلتين فدخل عليه الصلاة والسلام غيضةً فقطع قضيبين، أحدهما معوج فخرج وأعطى لصاحبه القويم، الجيد، فقال الرجل: كنت يا رسول الله أحقّ بهذا، قال: كلا يا فلان إنّ كلّ صاحبٍ يصحب آخر فإنّه مسؤولٌ عن صحابته ولو ساعةً من نهار.
وبيّن النبيّ كيف كان يؤاثر أصحابه وإخوانه بالشيء الجيد فهذه مؤاثرة، إنّ كلّ صاحبٍ يصحب آخر فإنّه مسؤولٌ عن صحابته ولو ساعةً من نهار.
يوجد قول لطيف لربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول: للسفر مروءة وللحضر مروءة، فأما مروءة السفر فبذل الزاد ـ أي إطعام الطعام ـ وقلّة الخلاف على الأصحاب، وكثرة المزاح في غير ما سخط الله عزَّ وجلَّ، وأما مروءة الحضر فالإكثار من دخول بيوت الله، وتلاوة القرآن، وكثرة الأخوان في الله عزَّ وجلَّ، كثرة المزاح في غير ما يسخط الله عزَّ وجلَّ، السفر يلزم له المرح، البعض في السفر يكون عبوساً قمطريراً، يضع نفسه في مكانة كبيرة والسفر سيران في الأساس، السفر يلزم له المرح وروح الدعابة في الإنسان، مزاح لطيف، مرح مثلاً، وقلّة الخلاف على الأصحاب: تقول لهم كما تريدون، تمشون نمشي معكم، تنامون ننام كذلك، كما ترتاحون، قلّة الخلاف.
هذا الموضوع متعلّق بحق الأخ في الله، يجب عليك أن تعلّم ابنك هذه الحقوق، يسلّم، يبذل، يصافح، أحياناً يعود المريض، يهنّئ، يقدّم هدية بمناسبة، أو يعمل حفلات صغيرة للصغار، تأخذ ابنتك هدية لرفيقتها، هذه لها معنى كبير جداً، ولو علبة أقلام، مقلمة، دفتراً، كتاباً صغيراً، فالهدية لها أثر كبير، والمؤمن دائماً يعتمد على الهدية في تأليف القلوب، فكلما وجد نفوراً مع أقربائه، مع والدته، مع والده، أو مع أخيه، أو صديقه، تكلّم كلمة فغضب منه أخوه، الهدية تذهب بوغر الصدر، وتزيد في المودة.
موضوع الدرس اليوم: الهدية، والتهنئة، إجابة الدعوة، الإعانة وقت الشدة، الزيارة الخالصة لله عزّ وجل، تشميته إذا عطس، عيادته إذا مرض، إلقاء السلام عليه، هذه آداب الأخوان في الله عزَّ وجلَّ هذه يجب أن تلقن للصغار، فكلما خالفها ننبهه، والحقيقة إذا كنا قد عرفناها نحن وقمنا بتطبيقها، فبذلك نعلمه إياها بالتقليد وبالقدوة.







والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 09:04 AM   #22


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 7 ) حق الكبير





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس العشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا في مسؤولية الآباء عن تربية أولادهم التربية الاجتماعيّة.

النبيّ عليه الصلاّة والسلاّم بيّن حقَّ الكبير في توجيهاتٍ دقيقةٍ وكثيرة:
وصلنا إلى تلقين الصغار الحقوق المتعلّقة بالوالدين وذوي الرحم، والمعلّم والمربّي وها نحن أولاء ننتقل اليوم إلى حقِّ الكبير.
صدقوني أيّها الأخوة ما من طفلٍ أو صغيرٍ يرتكب عملاً قبيحاً أشدَّ من أن يتطاول على كبير، لذلك قد تعجبون أن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم تبرأ ممَن لا يوقر كبيرنا ولا يرحم صغيرنا ولا يعرف لعالمنا حقه.
الإنسان المتطاول على من هو أكبر منه في السن هو إنسانٌ بعيدٌ بعداً شديداً عن التربية الإسلامية لذلك النبيّ عليه الصلاّة والسلاّم في توجيهاتٍ دقيقةٍ وكثيرة بيّن حقَّ الكبير.
أولاً من هو الكبير ؟ أحد تعاريف الكبير أنّه كبير السن، فالمتقدّم بالسن كبير، ولا يمكن لصغير في السن أن يتطاول على كبير مع أنّ العالم شيخٌ ولو كان حدثاً، والجاهل حدثٌ ولو كان شيخاً، هذه حقيقة، العلم يكبِّر الإنسان والجهل يصغّره، ترى أشخاصاً كباراً في السن حول مهندسٍ شابٍ يأخذون منه التعليمات، الموافقة، التوجيهات، وقد يكون في سنِّ أولادهم، هم كبار ولكنّهم لم يدرسوا، فالعالم شيخٌ ولو كان حدثاً والجاهل حدثٌ ولو كان شيخاً، لكن الكبير هو الكبير في السن مبدئيّاً، والكبير هو الكبير في العلم، والكبير هو الكبير في القدر.
في الحياة توجد ثلاث قوى: إمامٌ عادل، وعالم عامل، وإنسان كبير في السن، فالإنسان يُحترم إما لعلمه، أو إذا كان في منصب وهو يقوم بحقِّ هذا المنصب.
على كلٍ من كان أكبر منك سناً، أو أكثر منك علماً، أو أرفع منك تقوى وديناً، أو أسمى منك جاهاً وكرماً هذا هو الكبير.
ما رأيت أدباً أرفع من أدب أصحاب رسول الله، سيّدنا العبّاس عمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل: أيكما أكبر، أنت أم رسول الله ؟ قال: هو أكبر مني وأنا ولدت قبله، أرأيتم إلى هذا الأدب.

كما تدين تدان:
أيُّها الأخوة، روى الترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:
(( ما أكرم شابٌ شيخاً لسنّه إلا قيّض الله له من يكرمه عند سنّه ))
[الترمذي عن أنس رضي الله عنه]
شابٌ نكرة، أي شاب أكرم شيخاً ـ أي شيخ كبير في السن ـ بعضهم استنبط استنباطاً لا أدري مبلغه من الصحّة أي إذا أكرمت إنساناً في الثمانين فأبلغ الظن أنّك سوف تصل إلى الثمانين عاماً حسب الحديث ـ هذا استنباط لا أدري مبلغه من الصحّة ـ لكن الإنسان إذا أكرم شيخاً لسنّه قيض الله له من يكرمه عند سنّه.
هل لهذا الحديث معنى مخالف ؟ المعنى العكسي إذا تطاول إنسانٌ على إنسان كبير وهو شاب في ريعان الشباب، أو قوي، أو في منصب حسّاس، وإنسان في سنّ والده تطاول عليه، اعتدّ بقوّته، وبمنصبه، وبسلطته، تطاول عليه، الحديث له مفهومٌ معاكسٌ ويسمونه المفهوم المخالف، وما تطاول شابٌ على شيخٍ استخفافاً به إلا قيّض الله له من يستخفُّ به ومن يهينه في هذا السن.
حدّثني رجل أثق بحديثه، كان راكباً في قطار، وقبل أن ينطلق القطار من المحطّة، غرفته فيها شاب، صعد إلى هذه الغرفة شيخ وقور، كبير في السن، أناس غير مهذّبين أنزلوه بالقوّة وتطاولوا عليه، هذا الشيخ انكفأ على نفسه، تألم، وأظنُّ أنّه بكى، الذي حدّثني بهذه القصّة أخذ هذا الشيخ إلى غرفةٍ أخرى في القطار وأكرمه، وأراد أن ينسيه هذه المأساة، فما كان من هذا الشيخ إلا أنّ قال: والله في هذا المكان بالذات كنت شاباً وتطاولت على رجل كبير في السن.
العوام يروون قصصاً كثيرة جداً وأنا أصدّقها، مثلاً بهذا المكان ضرب والده، وبنفس المكان ابنه ضربه:
(( ما أكرم شابٌ شيخاً لسنّه إلا قيّض الله له من يكرمه عند سنّه ))
[الترمذي عن أنس رضي الله عنه]
بالمقابل لا يتطاول شاب على إنسان كبير في السن، على والده، بالكلام أو بالضرب إلا سوف يدفع الثمن باهظاً.
(( البرُّ لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديّان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان.))
[عبد الرزاق والبيهقى في الزهد عن أبى قلابة مرسلاً]
ذكرت لكم مرّة قصّة رجل عادي جداً بل أقل من العادي وله أولاد عاديّون وأقلّ من عاديين، ليس له ميّزة وليس لهم فضل، لكن هذا الرجل فقد حركته وأصيب بالشلل، فنهض أولاده الشباب الذين هم أبناؤه وخدموه خدمةً لا يمكن تصورها، وكان لهم قريبٌ يلحظ هذه الخدمة قال لي: بقيت سنة وأنا أعجب لهذه الخدمة، لا الرجل المخدوم من العلم والقدر والكرامة والعطاء والتضحية والمؤاثرة بحيث يستحقّ هذه الخدمة، ولا هؤلاء الشباب من العلم والتقى والورع بحيث ينطلقون من إيمانهم بهذه الخدمة، فقال لي هذا الرجل: والله بقيت عاماً وأنا أتساءل ما سرّ هذه الخدمة ؟!! ثم بعد ذلك اكتشف أنّ هذا الرجل المشلول رعى أمّه خير رعاية حينما أصيبت بفالجٍ أقعدها الفراش. ربّنا عزَّ وجلَّ تجاوزاً لطبيعة الشباب وطبيعة الأب دفع هؤلاء الشباب لخدمة أبيهم، أي بالتعبير الدقيق الحياة دينٌ ووفاء.
من الكبائر ألا ترحم الصغير وتعرف حقّ الكبير:
قال عليه الصلاة والسلام:
(( ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حقَّ كبيرنا ))
[الترمذي عن عمروٌ بن شعيب عن أبيه عن جدّه رضي الله عنهم ]
ليس منّا، وهذه الأحاديث كلمة (ليس منّا) تشير إلى أنّها كبيرة، من مقاييس الكبائر أن يتبرّأ النبيّ من نسبة هذا الإنسان إليه: (ليس منّا)، فإذا قرأتم في الجامع الصغير: (ليس منّا) اثنا عشر حديثاً تقريباً، عبارة (ليس منّا) خطيرة جداً، تعني أنّ هذا الشيء من الكبائر:
(( ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية ))
[أبو داود عن جبير بن مطعم]
(( ليس منا من خبب امرأة على زوجها أو عبدا على سيده ))
[أبو داود، والحاكم، والبيهقي عن أبى هريرة]
(( ليس منّا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حقَّ كبيرنا ))
[الترمذي عن عمروٌ بن شعيب عن أبيه عن جدّه رضي الله عنهم ]
(( إنّ من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط ))
[أبو داود عن أبي موسى رضي الله عنه ]
من إجلال الله تعالى أن تكرّم كبيراً في السن، ذا شيبة، مسلم، طبعاً القصد مسلماً، أمّا إذا كان فاجراً، فاسقاً، غارقاً في الزنا، في شرب الخمر، فهذا موضوع ثان، أمّا الحديث فيما بين المسلمين.
يعني إكرام حامل القرآن غير الغالي فيه، أي أنّ بعض الناس يحفظون كتاب الله ولكنّهم يحتقرون الآخرين، القرآن يهذّب الإنسان، الإنسان إذا حفظ كتاب الله، أو كان ماهراً به، أو فهمه فهماً عميقاً، أو فسّره فلا ينبغي أن يستعلي على خلق الله، وحامل القرآن غير العالي فيه ولا الجافي عنه، الجافي عنه: أي تركه وانشغل بأمور الدنيا.
إكرام ذي السلطان المقسط: أي أنت موجود في قريّة ومدير الناحية رجل مستقيمٌ ليس له أي عمل سيّء، فلا داعي إلى أن تتجاهله أو لا تبالي به، ما دام يقوم بعمله ويرعى أمور هذه القرية، قائم مقام مثلاً، أو أنت بمكان ودخل المحافظ مثلاً فلا مانع من أن تحترمه وتقف له، هذا شيء ضمن الآداب الإسلاميّة أن تكرم ذي السلطان المقسط.
الأخلاق الحميدة عماد المسلم:
بالمناسبة فقد ورد أن:
((العدل حسن ولكن في الأمراء أحسن، السخاء حسن ولكن في الأنبياء أحسن، الورع حسن ولكن في العلماء أحسن، الصبر حسن ولكن في الفقراء أحسن، التوبة حسن ولكن في الشباب أحسن، الحياء حسن ولكن في النساء أحسن. ))
[ الديلمي عن جابر بن عبد الله ]
أي أنّ ألزم صفة للأمير هي أن يكون عادلاً، العالم ورع، الأمير عدل، الغني سخاء، الفقير صبر، الشاب توبة، المرأة حياء، أي أجمل ما في المرأة حياؤها قال تعالى:
﴿ فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (25) ﴾
( سورة القصص )
من علامات قيام الساعة أن ترفع النخوة من رؤوس الرجال، وينزع الحياء من وجوه النساء، الآن يُعقد مؤتمر بمصر، هذا المؤتمر من اللائحة التي عقد من أجلها أن الدول الفقيرة عليها أن تصدر تشريعات تبيح الزنا واللواط والسحاق، وتمنع الأب من محاسبة أولاده قبل البلوغ من ممارسة الجنس، وتبيح الإجهاض بلا قيد أو شرط، وتلزم من يمارسون الجنس باستعمال الواقي، هكذا يريدون.
الإنسان إذا انحلّت أخلاقه انتهى، طبعاً قد قاطعت بعض الدول هذا المؤتمر الذي له ضجّة كبيرة، كي نحلّ مشاكلنا الاقتصاديّة يجب أن نسمح باللواط والسحاق والزنا والإجهاض لكي نحل مشاكلنا الاقتصادية، هكذا يريدون لنا.
تجاهل لديننا، تجاهل لهذا المنهج الإلهي، ولكن أنا والله متفائل هذا المؤتمر كاللقاح تماماً، أي يثير في المسلم نخوته، ويثير فيه تمسُّكه بدينه.
(( إنّ من إجلال الله تعالى إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذي السلطان المقسط ))
[أبو داود عن أبي موسى رضي الله عنه ]
هناك أُسر تعيش وفق المنهج الإلهي، أسر نظيفة، أولاد ينشؤون في طاعة الله، ينشؤون على الحياء والعفّة، ينصرفون إلى طلب العلم، إلى بناء مستقبلهم، إذا في أزمةً اقتصاديّة تعالج بطريقة أخرى، تعالج بمضاعفة الدخل، تعالج بضبط النفقات، تعالج بإصلاح الأراضي، تعالج باستغلال الثروات الموجودة في باطن الأرض، فيوجد في أكثر من ألف حل، أيعقل أن يكون هذا الحل المعروض في المؤتمر هو حل لمشكلاتنا ؟!! هكذا أرادوا لنا لكنّهم لن ينجحوا.
من آداب الإسلام احترام الكبير و تبجيله:
(( عائشة رضي الله عنها مرَّ بها سائل فأعطته كِسرةً ـ أي قطعة خبزٍ ـ ومرَّ بها رجل عليه ثيابٌ وهيئة فأقعدته فأكل، فقيل لها في ذلك فقالت: قال عليه الصلاة والسلام: أنزلوا الناس منازلهم ))
[أبو داود عن ميمون عن أبي شديد رضي الله عنهم ]
وفي روايةٍ:
(( أمرنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أن ننزل الناس منازلهم ))
[أبو داود عن عائشة رضي الله عنها ]
طبعاً بماذا ننزل هذا الكبير منزلته ؟ قال: أن يستشار في الأمور الاستشارية، وأن يقدَّم في المجلس، وأن يبدأُ به بالضيافة تحقيقاً لقول النبيّ عليه الصلاة والسلام:
((أنزلوا الناس منازلهم ))
[أبو داود عن ميمون عن أبي شديد رضي الله عنهم ]
فقد ورد أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قدم عليه وفدُ عبد قيس وهم يقولون: قدمنا على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فاشتدَّ فرحه، فلمّا انتهينا إلى القوم أوسعوا لنا فقعدنا، فرحّب بنا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ودعانا، ثمّ نظر إلينا فقال: من سيّدكم وزعيمكم ؟ فأشرنا جميعنا إلى المنذر بن عائد، فلما دنا منه المنذر أوسع القوم له حتى انتهى إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقعد عن يمين رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فرحّب به وألطفه، وسأله عن بلادهم.
النبي قبل وفداً من دون رئيس، قبل وفداً ليس رئيسهم، جلس إلى يمين النبي، من زعيمكم ؟ من سيّدكم ؟ أشرنا إلى المنذر بن عائد، فلمّا دنا من النبيُّ عليه الصلاة والسلام قعد على يمين رسول الله تكريماً له.
معنى ذلك: من آداب الإسلام أن يحترم وأن يبجّل الكبير، الكبير في السن، الكبير في المنصب، الكبير في العلم طبعاً، وإكرام ذي السلطان المقسط، أي هذا الإنسان العادل المستقيم المتواضع هذا يُكَرَّم، وعالم وكبير في السن يُكَرَّم، لم يرد الغني هنا في هذا الحديث ولكن ورد فقط إمام مقسط، وعالم، وكبير في السن، هؤلاء يقدّمون في المجالس، يقدّمون في الضيافة، هؤلاء يُستشارون، هؤلاء يُحترمون، هؤلاء يجلسون في صدر المجلس.
من الكبائر أن يهزأ الصغير من الكبير ويسيء إليه:
قال: الكبير ينبغي أن يقدّم في صلاة الجماعة، وفي التحدُّث إلى الناس، وفي الأخذ والعطاء، أحياناً نقوم بتوزيع الهدايا على الطلاّب، فإذا وجد إنسان ضيفٌ من ضيوف المسجد، عالم جليل، فنجعل التوزيع على يدِّ هذا العالم، إنسان له سابقة في الإسلام فنجعل التوزيع على يده.
(( كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم ))
[مسلم عن أبي مسعود رضي الله عنهم ]
النبيّ عليه الصلاة والسلام كان يستقبل وفداً فتكلّم من هو صغيرٌ في السن فقال عليه الصلاة والسلام:
(( كبّر كبِّر ))
[البخاري، ومسلم، وأبو داود عن سهل بن أبى حثمة]
أي ليتكلّم الأكبر سنّاً، أحاديث كثيرة، النبيُّ عليه الصلاة والسلام نبّه إلى أنّه من الخطأ الكبير بل من الكبائر أن يهزأ الصغير من الكبير، أن يسخر منه، أن يوجّه إليه كلاماً سيّئاً، أن يسيء الأدب في حضرته، أن ينهره في وجهه:
((ثلاثٌ لا يستخفُّ بهم إلا منافق الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمامٌ مقسط ))
[الطبرانيُّ في الكبير عن أبي أُمامة رضي الله عنهم ]
ألا تتذكرون أحياناً أطفال من المدارس ذوي تربية سيّئة جداً إذا مرَّ إنسانٌ كبيرٌ أمامهم يقلّدونه ويستهزؤون به، هذا الشيء وارد وهو من ضعف التربية ومن سوء التربية.
الحياء فضيلة أما الخجل نقيصة بالإنسان:
الآن يتفرّع عن توقير الكبير: الحياء، الحياء خلق في المسلم يمنعه من فعل القبيح، يمنعه من التقصير في حقِّ الكبير، يدفعه إلى إعطاء كلِّ ذي حقٍ حقّه، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( أنّ الحياءَ خيرٌ كُلُّه ))
[متفق عليه عن عمران بن حصين]
الحياء كلُّه خير، بالمناسبة هل يوجد فرق بين الحياء والخجل ؟ الخجل مرض وهو نقيصة بالإنسان، الإنسان يخجل من قول الحقيقة، مظلوم ولكنّه ليس مذنباً وخاف أن يتكلّم، فهذا خجل والخجل مرض، خجل أن يطالب بحقّه، خجل أن يبيّن الحقيقة، خجل أن يواجّه الناس، خجل أن ينصح، الخجل شعور بالنقص، هذا يجب أن يقاوم، أما الحياء شيء آخر، فالحياء فضيلة، أما الخجل نقيصة بالإنسان.
هناك أشخاص لا يطالبون بحقّهم فتكون الواقعة على عكس ما قيل ويظلّ ساكتاً، تكلّم ما دمت لم تفعل هذا لماذا سكتّ ؟ خاف، هذا خجل، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( يَا عَائِشَةُ لَوْ كَانَ الْحَيَاءُ رَجُلًا كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَوْ كَانَ الْفُحْشُ رَجُلًا كَانَ رَجُلَ سُوءٍ.))
[الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]
بصراحة أقول لكم: والله هذا لا أصدقه أبداً، مؤمن يمزح مزاحاً جنسيّاً، يتكلّم بالعورات، يسبّ سباباً مقزعاً، مستحيل:
(( ليس المؤمِن بالسّبّابِ ولا باللّعَّان ولا بالفاحِش ولا البذيء.))
[أحمد والبخاري والترمذي عن ابن مسعود]
تعيش معه ثلاثين أربعين سنة فلا تلقى كلمة منه تجرح الحياء، فالنبيُّ قال: يا بنيّتي إنّ هذه الثياب تصفُ حجم عظامك.
تصف حجم عظامك، اختار كلمة لا تجرح الحياء أبداً، فالإنسان أحياناً يتكلّم عن أهله، يحكي اسم زوجته، قل: أهلي، أهل البيت، بناتي. يتكلّم عما يجري بينه وبين امرأته من حديث أحياناً، يصف أحياناً زوجته أمام الآخرين، طبعاً يصف عنايتها بطبخها عنايتها بالبيت، فمن عدم اللباقة والحكمة أن ينقل الإنسان للآخرين خصوصيّاته.
(( يَا عَائِشَةُ لَوْ كَانَ الْحَيَاءُ رَجُلًا كَانَ رَجُلًا صَالِحًا، وَلَوْ كَانَ الْفُحْشُ رَجُلًا كَانَ رَجُلَ سُوءٍ.))
[الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَأَبُو الشَّيْخِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]
المؤمن لا يستخدم عبارات تجرح الحياء لأن خلق الإسلام الحياء::
يقول عليه الصلاة والسلام:
(( ما كان الفُحش في شيءٍ إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه.))
[ الترمذي عن أنس رضي الله عنه]
أنا ألاحظ ملاحظة أن أخواننا روّاد المساجد طلاّب العلم لهم سمتاً حسناً، أينما جلسوا، بأعمالهم، ببيوتهم، مع أصدقائهم، بنزهاتهم، بلقاءاتهم، باحتفالاتهم، يمزح ويتكلّم لبقاً ولطيفاً، ولكن لا توجد عنده كلمةً تجرح الحياء.
تجد البعض كلامه مقذعٌ، كلام فيه وقاحة، وكلام فيه سُباب، كلام ملغوم، كلام مغشوش، تجد أشخاصاً كيفما تكلّموا يغشوا الكلام، فأيّ عبارة يقولها يعني بها شيئاً آخر، هذا ليس من أخلاق المؤمن، ما أقوله لكم كلام دقيق فمؤمن يستخدم عبارات تجرح الحياء ؟ هذا شيء مستحيل، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( ما كان الفُحش في شيءٍ إلا شانه، وما كان الحياء في شيء إلا زانه.))
[ الترمذي عن أنس رضي الله عنه]
(( إنّ لكلّ دينٍ خلقاً، وخلُق الإسلام الحياء ))
[مالك وابن ماجة عن زيد بن طلحة]
تجد المؤمن ببيته غير متبذِّل، التبذُّل في البيت ليس من الإيمان في شيء، حتّى في الثياب، فهل من الممكن أن يقوم الإنسان بارتداء ثيابٍ داخليّة أمام بناته مثلاً ؟ أو أمام أخته ؟ الأخت أمام أخيها تكون بثياب متبذِّلة ؟ هذا كلُّه من قلّة الحياء.
الثياب دليل التحضُّر والرقيّ والتعرّي دليل التخلُّف:
المسلم منضبط، المسلم ضمن البيت وخارج البيت منضبط، فالتعرّي دليل التوحُّش، فكلّما كان التعرّي موجوداً فهذا دليل التوحُّش:
﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْأتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) ﴾
( سورة الأعراف )
معنى هذا الثياب دليل على التحضُّر والرقيّ، والتعرّي دليل تخلُّف.
(( الحياء شعبةٌ من الإيمان ))
[متفق عليه عن عمران بن حصين]
أي الحياء لا يأتي إلا بخير، فنحن نقول: توقير الكبير، التوقير من لوازمه الحياء، عندما يستحي الصغير من الكبير فقد وقّره أمّا لو استخفَّ فيه، تلاحظ أحياناً بالمركبات العامّة طفلاً جالساً على مقعد وإنساناً كبيراً واقفاً ومتمسّكاً وسوف يقع والطفل جالس،‍ فالطفل يجب عليه أن يقف على الفور، وحتّى لو قام بحمل حاجة الكبير فهذا أكمل.
((لقد كنت على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلّم غلاماً فكنت أحفظ عنه فما يمنعني من القول إلا أنّ هاهنا رجالاً هم أسنُّ منّي ))
[متفق عليه عن أبي سعيد رضي الله عنه]
النبيّ يسأل سؤالاً والغلام يعرف الجواب لذاكرته القويّة لكنّه يخجل، يستحي أن يتكلّم لوجود من هو أسنّ منه في المجلس، هكذا كان يقول أحد الصحابة. الصحابة الكرام وقروا النبيّ توقيراً لا حدود له:
يروي البخاري وأبو داود والترمذيّ عن عائشة رضي الله عنها قالت:
(( ما رأيت أحدا أشبه سمتاً ودلاً وهدياً برسول الله في قيامها وقعودها من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وكانت إذا دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم قام إليها فقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل عليها قامت من مجلسها فقبلته وأجلسته في مجلسها.))
[البخاري وأبو داود والترمذيّ عن عائشة رضي الله عنها]
هذا هو الأدب، قال: يا رسول الله ما هذا الأدب !! قال:
(( أدبني ربّي فأحسن تأديبي.))
[رواه العسكري عن علي رضي الله عنه]
الشيء الصارخ بالمؤمن هو أدبه، فالمؤمن إنسان كسائر البشر له عينان وأذنان وأنف ورأس وجذع وأطراف، لكن المظهر الصارخ له أدبه، أدبه في مشيه، أدبه في جلوسه، في شرب الماء، في طعامه، في نومه، حتى في قيادة مركبته، هناك جلسة فيها أدب وجلسة فيها كبر، تجد السائقين يسبون بعضهم من قلّة الأدب.
كان عليه الصلاة والسلام يحدّثنا فإذا قام قمنا قياماً حتى نراه دخل إلى بعض أزواجه.
(( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ مَعَنَا فِي الْمَجْلِسِ يُحَدِّثُنَا فَإِذَا قَامَ قُمْنَا قِيَامًا حَتَّى نَرَاهُ قَدْ دَخَلَ بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ.))
[أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
الصحابة الكرام وقروا النبيّ توقيراً لا حدود له.
النبيّ عليه الصلاة والسلام كان جالساً فأقبل أبوه من الرضاعة، فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمّه من الرضاعة ـ السيّدة حليمة السعديّة ـ فوضع لها شقّ ثوبه من الجانب الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام عليه الصلاة والسلام فأجلسه في مكانه، كلّهم من الرضاعة فكيف حقيقةً، والده من الرضاعة مدّ له طرف ثوبه، والدته من الرضاعة مدّ لها طرف ثوبه الآخر، جاء أخوه أجلسه مكانه.
(( سعد بن معاذ رضي الله عنه لمّا دنا إلى المسجد قال عليه الصلاة والسلام: قوموا إلى سيّدكم أو خيركم ))
[متفق عليه عن أبي سعيد الخدري]
أي أنّ النبي أمر أصحابه في حضرته أن يقوموا لسيّدنا سعد، فهو سيّد الأنصار، حتى يجعل لكلّ إنسان مكانه.
النبي الكريم أعطى كلّ واحد من الصحابة حقّه:
الإنسان يتجاهل أي إنسان حوله أمّا العظماء، فسيّدنا رسول الله اللهمّ صلّي عليه مع أنّه سيّد العظماء لكنّه لم يتجاهل من حوله من الصحابة الكرام أعطى كلّ واحد منهم حقّه، فقد قال لسيدنا معاذ:
(( يا معاذ إنّي أحبُّك في الله. ))
[أبو داود عن معاذ]
وقال:
(( ارمِ سعد فداك أبي وأمّي. ))
[متفق عليه عن علي رضي الله عنه]
دخل سيّدنا سعد قال:
(( هذا خالي فليرني امرؤ خاله.))
[الترمذي عن جابر بن عبد الله]
وقال:
(( لكل أُمَّةٍ أمينٌ وأمين هذه الأمَّة أبُو عبيدة بْنُ الْجَرَّاحِ.))
[متفق عليه عن أنس بن مالك رضي الله عنه]
وقال:
(( خالد بن الوليد سيف من سيوف الله.))
[ البغوي عن عبد الله بن جعفر]
وقال: ما ساءني قط، وأيضاً:
(( ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر ))
[كنز العمال عن أبي الدرداء]
سيدنا عمر:
(( لو كان نبيٌ بعدي لكان عمر ))
[أحمد والترمذي عن عقبة بن نافع]
سيدنا عثمان:
(( ألا استحي من رجل تستحي منه الملائكة ))
[متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها]
وعن سيدنا عليّ قال:
(( أنا مدينة العلم وعليٌ بابها ))
[الطبراني في الكبير عن ابن عباس]
أي أنّه لا يوجد صحابي إلا والنبيّ الكريم أعطاه صفته الحقيقيّة، وهي من عظمة رسول الله، مع أنّ الأقوياء لا يذكر معهم أحد إطلاقاً، وكلّ إنسان معهم مطموس المكانة، لكن النبيّ الكريم مع أنّه أعظم خلق الله لكنّه أعطى كلّ صحابي حقّه.
تكريم المؤمن العالم أو الكبير من السنّة:
أحد الصحابة سيّدنا كعب بن مالك عندما قصّ علينا خبر تخلُّفه في تبوك وبعد أن تاب عليه الله عزَّ وجلَّ قال: انطلقت أتأمم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تلقّاني الناس فوجاً فَوجاً يهنّئونني بالتوبة ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك، حتى دخلت المسجد فإذا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم جالسٌ حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه يهرول حتى صافحني وهنّأني.
استدلّ العلماء من هذا أنّ تكريم المؤمن العالم، أو الكبير، تكريم ذي الشيبة المسلم، تكريم الإمام المقسط، أن تقوم له تكريماً فهذا مقبول وهذا العمل من السنّة، إلا أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام قال:

(( لا تقوموا كما تقوم الأعاجم ))
[ أبو داود عن أبي أمامة ]
هذا الحديث له معنى آخر، قالوا: من أراد أن يتمثّل الناس له قياماً يجب ألا تقوم له، المتكبّر الذي يفرض على الناس أن يحترموه بالقوّة هذا متكبر، هذا يريد التكريم لذاته، هذا لا تقوم له، أو إنّهم ما قاموا إلى مرتبته العلميّة قاموا إلى ذاته خوفاً من بطشه، طمعاً بماله، فإذا كان التكريم طمعاً بالمال أو خوفاً من البطش هذا خلاف السُّنة، أمّا إذا كرّمت إنساناً حاملاً لكتاب الله، فو الله أنا ذات مرّة أخ أصغر مني في السنّ بكثير ولكنّه حافظٌ لكتاب الله ركب معي بالمركبة فلمّا أوصلته نزلت من الباب وودّعته واقفاً، وهو أصغر مني سناً فهذا يحمل كلام الله، فلا مانع من أن تكرّم إنساناً حافظاً لكتاب الله ولو كان أصغر منك سناً.
أما إن كرّمت إنساناً خوفاً منه أو طمعاً في ماله هذا قال عنه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
(( من دخل على غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[الخطيب عن ابن مسعود]
نظافة اللسان من سمات المؤمن:
ورد:
(( أنّ زيد بن ثابت قُرِّبت له دابّةً ليركبها فأخذ ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما بركابها، فقال زيد: تنحّ يا ابن عمّ رسول الله. فقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بكبرائنا وعلمائنا. فقال زيد: أرني يدك. فأخرج يده فقبّلها فقال: هكذا أُمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا ))
[ابن عساكر عن أبي عمّار]
الأول قدم ركاب الدابة لسيدنا زيد بن ثابت وهو ابن عباس ابن عم رسول الله، وقال له: هكذا أمرنا أن نفعل بكبرائنا وعلمائنا، والثاني قال له: أرني يدك فقبّلها، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا.
أي لو وجدّت مؤمنين يتعاملان دائماً تجد كلّ واحد منهما يقدّم للآخر أحسن كلمة وأجمل حركة، كأن يقدّم له محلّه، ويؤاثره، ويحترمه، ويصافحه، ويقبّله أحياناً إذا كان مسافراً، العلاقات الإيمانيّة علاقات راقية جداً.
أخواننا الكرام، الحياة جميلة بالمودّة والمحبّة والاحترام والأدب والعفّة وطهارة اللسان:
((لا يستقيم إيمان عبدٍ حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه.))
[أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه]
الشيء الذي يبدو في المؤمن نظافة لسانه، وكما قلت قبل قليل المؤمن يعيش ثلاثين سنة في سفر، في حضر، في بيته، في وليمة، في نزهة، في مسجد، في جامع، في لقاء، لا يمكن أن يتكلّم بكلمة فاحشة، أو بكلمة بذيئة، أو بكلمة ملغومة، أو بكلمة مغشوشة، أو يذكر اسم العورات بأسمائها الفاضحة، أمّا هذا الذي يتكلّم بكلمات فاحشة، ويسمّي الأشياء بأسمائها الوقحة السوقيّة هذا بعيد عن ذوق الإيمان:
(( ليس المؤمِن بالسّبّابِ ولا باللّعَّان ولا بالفاحِش ولا البذيء.))
[أحمد والبخاري والترمذي عن ابن مسعود]
صار معنى الكبير بحسب الدرس هو كبير السن، طبعاً من المسلمين، والحديث فيما بين المسلمين الكبير كبير السن، و الكبير كبير العلم، والكبير الإمام العادل، مدير مدرسة وأنت معلّم عنده هل يجب أن تتطاول عليه ؟ لم يبدر منه شيء، فهو رجل يقوم على خدمة الطلاّب، مدير مشفى وأنت طبيب ناشئ فإذا رأيته دخل عليك فقم وقف له، فهذا ضمن عملك، فاحترام مدير مشفى، مدير ثانويّة، مدير جامعة، أو أستاذ جامعة مثلاً، مدير معمل، مدير ناحية، احترام إنسان مستقيم منصف عادل هذا ليس فيه أي إهانة لك أبداً، فأحياناً بعض الناس يصنع لنفسه بطولات ويقول: استطعت أن أهينه، فإذا قلت له: هل عمل لك شيئاً ؟ يقول: لا، ولكنني أهنته. لماذا أهنته وما هذه الأخلاق الشرسة ؟!
من عظّم القوي فوق الحدّ المعقول خوفاً من بطشه فقد أشرك:
إذا وجد إنسان له منصب، مكانة، و يسيء لك، أو يظلم، أو يتجاوز حدّه فهل تبني مجدك على إهانته ؟ كثيراً ما أسمع هذه البطولات بقولهم: لم أقف له، لم أسلّم عليه، فهل عمل معك شيئاً ؟ يقول: لا، لم يعمل معي شيء، إذاً لماذا لم تحترمه فهذا مدير عام ؟ بالمناسبة إذا كنت موظفاً في مؤسسة ولها مدير عام، فاحترامك له هذا ضمن إيمانك وضمن إسلامك، لا يخدش مكانتك أن تحترمه، فالله قد جعله مديراً عاماً، وهو أكبر سناً، أو أكثر علماً.
أما أن يعظّم الغنيُّ لماله فهذا من النفاق، أن يعظّم القويُّ لقوّته فهذا من النفاق، أن يعظّم القويُّ خوفاً من بطشه فهذا من الشرك، إذا عظّمت القوي فوق الحدّ المعقول خوفاً من بطشه فهذا شرك.
أنا أتمنّى من أخواننا الكرام أنّ يربوا أولادهم على هذا الأدب، فإذا جاء به إلى المسجد، الطفل قد يركض في المسجد، يعلو صوته، يضحك، يضطجع على السجّاد، فأين والده ؟ المفروض أن يتعلّم الأدب، فو الله نحن نحبّ كلّ الصغار، فعندما أرى أخاً مع ابنه فو الله أسعد به، لأنّ هذا الابن عندما ينشأ على المجيء لبيوت الله عزَّ وجلَّ هذا مكانه الطبيعي، فأنا أتمنّى من كل أخ كريم أن يحضر معه ابنه حتّى يألف الطفل المسجد، وأحب أن يكون مكرّماً جداً، وأتمنى إذا حضر أحد مع ابنه أن تبتسموا في وجه الابن، وإذا كان معك شيء من الحلوى أعطها له، واسأله عن أبيه، فيشعر بمكانته في المسجد، فالنبيّ الكريم كان يسلّم على الصبيان ويقول:

(( السلام عليكم يا صبيان ))
[ابن ماجة عن أنس رضي الله عنه]
أحياناً تكون سائراً بحارتك، تجد أحياناً طفلاً صغيراً هو الذي يسلّم على الكبار، فهذا شيء جميل ويجب عليك أن لا تتجاهله فقل له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ما اسمك يا بني ؟ ومن هو والدك ؟ بارك الله بك، فخذ اسمه واسأله عن والده فهو قد ألقى عليك السلام، وإذا كنت خارجاً من مدخل بناية ورأيت طفلاً فقل له: السلام عليكم، ولو كان صغيراً، هكذا الإسلام، من لوازم المؤمن السلام، سلّم على الصغير وعلى الكبير، على من تعرف ومن لم تعرف، مثلما تكلّمنا في الدرس الماضي هذا حقّ الكبير، من صفات المؤمن توقير الكبير وليس منّا من لم يوقّر كبيرنا.
على الإنسان أن يعلم أولاده احترام الضيف وحقه:
أرجو الله سبحانه وتعالى أن تترجم هذه الحقائق وتلك التوجيهات النبويّة، وهذه الأحاديث الشريفة، إلى واقعٍ نعيشه، ففي الحقيقة الأب إذا أراد أن يوجّه ففي ذلك جهد، تجد ابنه يرتكب غلط واثنان والأب ساكت لا يتكلّم، فالابن ليس له ذنب لأنّه لم يتعلّم، وإذا لم يتعلّم فمن يعلّمه غير أبيه ؟! أما إذا حضر الأب لمجلس علم وتلقّى هذه المبادئ ورأى ابنه لم يسلّم على الكبير فيقول له: سلّم يا بني، أحياناً يدخل الابن على ضيوف أبيه وينظر لهم دون مبالاة، لذلك يجب أن تسلّم وتقول: السلام عليكم.
أحياناً بالعكس يكون عند أبيه أكثر من ثلاثين شخصاً والحديث مهمٌّ فيصافحهم واحداً وَاحداً فمكن في هذه الحالة أن تقول له: يا بني سلّم واقعد، بأن يقول: السلام عليكم ثم يجلس، أو يكون عنده ست أولاد وكلّما دخل واحداً منهم يصافحوا الحضور واحداً وَاحداً والكل يقفوا لهم، لذلك يجب إذا دخل الابن أن يقول: السلام عليكم ثم يجلس، أما إذا وجد ضيف واحد ودخل الابن فعليه أن يسلّم عليه.
علّم ابنك أن يسلّم ويحترم ويقدّم الضيافة بنفسه، فبعض الأبناء عندهم نباهة وبدون إشارة من أبيهم يقومون على الفور بتقديم الضيافة للضيف، فهذا شيء جميل أن يعرف الابن حقّ الضيف.
أحياناً يكون الأب غير موجود في البيت ولك إخوة أكبر منك ويأتي صديق والدك أو زميله أو رجل معروف ولـه قيمته، يقول له: ليس موجوداً، وابن آخر يقول: تفضّل وانتظر، الآن سنخبره ليأتي سريعاً، ويقوم الابن بتقديم الضيافة له، يجب أن تعلّم ابنك كيف يستقبل الضيف ؟ كيف يودّع الضيف ؟ أحياناً يقدّم الضيافة من فوق رأس الضيف، أو يسلّم على الضيف فيوقع فوقه الشراب.

على الإنسان أن يسعى لتربية أولاده التربية المثلى:
القصد أن تعلّم أولادك الأدب مع الكبير، استقبال الضيف، أو إذا دخل عمّه للبيت فالعم كما قال النبي والد، فالمفروض أن تعرّف ولدك على أهله، وتأخذه معك في الأعياد، ويرى عمومه وأخواله كلّهم، وتذهب إلى كل بيت من بيوت أقربائه كأولاد خاله وأولاد خالته حتى يعرف الطفل من هم أهله، أحياناً يقول لي أحدهم: والله لا أعرف من هم أولاد عمّي، هذه قطيعة، لا يعرفون بعضهم البعض، ففي الحقيقة محبّة الآباء تورث محبّة الأبناء، وبصراحة إذا الإنسان أحبّ شخصاً يحبّ أولاده، فالأولاد مثل الشخص، فالنبي قد وجّهنا توجيهاً أن لا يقطع أحدنا أهل ودّ أبيه:
(( احفظ وُدَّ أبيك لا تقطعه فيطفئ الله نورك.))
[البخاري والطبراني والبيهقي عن ابن عمر]
عندما سأل النبيّ أحد الصحابة قائلاً: أبقي عليّ من برِّ والديّ شيء ؟ قال له: نعم أن تصل صديقهما.
أصدقاء الوالد يجب أن تبقى على صلة بهم، أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه التوجيهات مطبّقة في بيوتنا جميعاً، والطفل المؤدّب والله يا أخوان لا يقدّر بثمن، فهو ثروة، الطفل الأديب، والطفل المربّى، والطفل المعلّم، والطفل الذي يعرف حقّ الكبير، وطليق اللسان، شيء لا يقدّر بثمن، ولا يوجد أبشع من طفل وقح تجده يسبّ بعبارات بذيئة بالطريق، أُقسم بالله الحائط يخجل من كلامه، تجده من أبناء المدارس ويسب أخته وأخت أخته وأمّه بكلمات مقذعة، فأين تربى هذا ؟ وأين أبوه ؟ وأين أمّه ؟ ومن علّمه ؟ وتجد طفلاً يستحي من كلمة نابية، وطفلاً يتكلّم الكلمات النابية كأنّها كلمات طيّبة.
أحياناً تجد من يضع ويعلّق الشهادات ببيته يبرزها، فهذا معه البكالوريوس وهذا معه الليسانس، وهذا معه الدكتوراه، فأنا قناعتي ـ وأرجو أن تكون كلمة دقيقة ـ شهادتك أولادك، ويا أيّتها الأخت المؤمنة شهادتك العالية تربية أولادك، فإذا كان عندك أولاد وبنات على خلق وتربية عالية فهذه شهادة للأم، فشهادتك الحقيقيّة هي أولادك، فيجب على الإنسان أن يسعى لتربية أولاده التربية المثلى.
اليتيم الحقيقي هو من لا يجد الرعاية الكافية:
نحن في الدرس العشرين ولا زلنا بحاجة إلى المزيد، وأنا حريص جداً على أن تكون بيوتنا إسلاميّة، وعلى أن يكون الابن سائراً على منهج والده، ولكن هذا يلزمه جهداً كبيراً، أحياناً يتوفّى الأب وتقوم الأم بتربية أولادها تربية راقية جداً، وأحياناً يتوفى الأب ويكون العم مثل الأب، فأنا أعرف عماً قام بتزويج بنات أخيه، ولا تجد فارقاً ولو ضئيلاً بين ابنته وابنة أخيه، اختار لهنّ الأزواج الأطهار، وأقام الحفلات ببيته، وألبسهن، فأحياناً يكون العم مثل الأب.
من هو اليتيم ؟ اليتيم هو الذي له أمٌ تخلّت عن تربيّته، أو أبٌ مشغولٌ، أب مشغول وأم مسيّئة متخلّية عن مهمّتها، فاليتيم الحقيقي هو من لا يجد الرعاية الكافية، فقد قال النبيّ الكريم:

(( أيُّما امرأةٍ قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنّة.))
[ابن بشران عن أنس]
أحياناً تجد العم أرقى من الأب، وأحياناً تجد الأم تقوم بدور الأب والأم معاً، فاليتيم الحقيقي هو الذي ليس له أبٌ يراعاه، أبوه مشغول وأمّه مقصِّرة في واجباتها تجاه أولادها.
الحقيقة هذا الدرس نحن في أمسّ الحاجة إليه صغاراً وكباراً، صغاراً نتأدّب بهذا الأدب، وكباراً نعلّم أولادنا هذا الأدب.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 09:08 AM   #23


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الواحد و العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 8 ) غرس الاداب الاجتماعية عند الاطفال





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام مع الدرس الواحد والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام ولا زلنا في مسؤوليّة الآباء عن تربية أبنائهم التربية الاجتماعيّة.
المؤمن يتأدّب بآداب الإسلام بإحدى طريقين:
ننتقل إلى بابٍ جديد من أبواب هذا القسم وهو غرس الآداب الاجتماعيّة عند الأطفال، والآداب الاجتماعيّة تشمل: آداب الطعام والشراب، وآداب السلام، وأدب الاستئذان، وأدب المجلس، وأدب الحديــث، وأدب المزاح، وأدب التهنئة، وأدب عيادة المريض، وأدب التعزية، وأدب العطاس والتثاؤب.
نبدأ بأدب الطعام والشراب، الصحابة الكرام رضوان الله عليهم تحيّرت عقولهم في هذا الأدب الرفيع الذي كان عليه الصلاة والسلام متحلّياً به، فسألوه: ما هذا الأدب يا رسول الله ؟!! فقال:
(( أدبني ربّي فأحسن تأديبي.))
[رواه العسكري عن علي رضي الله عنه]
أيّها الأخوة، قبل أن نمضي في الحديث عن آداب الطعام والشراب، وآداب السلام وما إلى ذلك، أريد أن أُوضّح لكم حقيقة كيف أنّ المؤمن يتأدّب بهذه الآداب ؟
هناك طريقان:
1ـ طريق التعلم:
الطريق الأول هو طريق التعلُّم، النبيّ عليه الصلاة والسلام يقول لك:
(( يا غلام سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك. ))
[مسلمٍ عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما]
2ـ الاتصال بالله عز وجل اتصالاً حقيقياً:
يمكنك أن تتحلّى بهذه الآداب عن طريق التعلُّم، يوجد طريقٌ آخر أنّك إذا اتصلت بالله عزَّ وجلَّ اتصالاً حقيقياً، الكمال الإلهي قد سرى إلى نفسك، فمن دون أن تعرف الحكم تجد أنّك لا تفعل هذا ذوقاً، فإمّا أنّك لا تفعل هذا العمل معرفةً أنّه لا يجوز فهذا مستوى، والمستوى الثاني لا تفعله ذوقاً.
الحقيقة والأكمل أن تجمع بينهما، أن تجمع بين اتصالك بالله وسريان هذا الكمال الإلهي إلى نفسك، وأن تجمع بين تعلُّم السنّة، فإذا اتصلت بالله حققت جوهر الأدب، وإذا قرأت السنّة حققت تفاصيل الأدب، فإذا جمعت بين جوهر الأدب وتفاصيله كنت أديباً متأدّباً بآداب الإسلام .

المؤمن أدبه بيّن، لا تعرفه بصلاته وصيامه فقط، فلو كان بين الصلاتين، قاعدين في سهرة والعشاء قد أذّن له والكل قد صلّوا، أو لم تعرف من قد صلّى، يا ترى ألا تعرف المؤمن من حديثه فقط ؟ من حديثه، من نظراته، من طرقه للباب، لا يطرق الباب ويقف بوجهه نحو الباب، فإذا فتحت امرأةٌ الباب رآها كما هي !! لا، بل يدير ظهره للباب، وإذا كان جالساً عند صديقه لا ينظر، فإذا حدثت حركة خلف الجدار وكانت هناك نافذة فلا ينظر بل يدير وجهه، فالمؤمن لا تعرفه من صلاته وصيامه فقط، بل ينبغي أن تعرفه من آدابه، أدبه في المشي، أدبه في دخول البيت، أدبه في الجلوس، أدبه في تناول الطعام، أدبه في السلام. الصبغة اصطباغ النفس بكمال الله من خلال الاتصال بالله:
الحقيقة إن شاء الله لا أُبالغ أنّ هذا الفصل الذي بين أيدينا من أهمّ الفصول، لأنّ النبي عليه الصلاة والسلام كان أدبه ظاهراً، ما هذا الأدب ؟ قال:
(( أدبني ربّي فأحسن تأديبي.))
[رواه العسكري عن علي رضي الله عنه]
شيءٌ جميلٌ جداً أن تكون أنت أديباً وتعلّم أولادك الأدب، تعلّم أولادك أن لا يتكلّموا بكلمةٍ نابية، وألا تكون لهم نظرة غير لائقة، فقد قال تعالى:
﴿ مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) ﴾
( سورة النجم: آية " 17 " )
أحياناً البصر يطغى، تنظر إلى شيء لا يحلُّ لك، إذاً الأدب له طريقان، طريق التعلُّم والتقليد، وطريق الصبغة، فقد قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) ﴾
( سورة البقرة: آية " 138 " )
الآية واضحة، فالفطرة صفحة بيضاء لا يوجد فيها خيرٌ أو شرٌ، لكنّ الصبغة هي اصطباغ النفس بكمال الله من خلال الاتصال بالله والدليل دقيق جداً يوجد دليل قرآني نبوي، فالدليل القرآني قال تعالى:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾
( سورة آل عمران)
هذه الرحمة التي تراحم بها الناس وتراحم بها المؤمنين، والبادية بشكلٍ صارخ من تصرُّفاتك، من لينك، من محبّتك، من شفقتك، من رأفتك، هذه الرحمة من الله كما ورد في السنّة:
(( إن محاسن الأخلاق مخزونة عند الله فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً. ))
[الحكيم عن العلاء بن كثير]
الأخلاق الاستعراضيّة لا قيمة لها عند الله لأن أساسها حنكةٌ وذكاء وهدفها رخيص:
الخلق الحسن من الله، من خلال الاتصال بالله، لكن توجد عندنا حالة خاصّة يجب أن تعلموها وهذه الحالة أنّ الإنسان بحنكته وذكائه يقف موقفاً أخلاقيّاً، هو ليس أخلاقياً لكن هذا الموقف أخلاقي، فهذا الموقف موقف استعراضي، وهدفه تحقيق مصالح معيّنة، هذه الأخلاق برع بها الكفّار براعةً ما بعدها براعة.
سيّارة عامة لم تقف لطفل، حقوق المواطن غالية جداً، أهل هذا الطفل أقاموا دعوى على الشركة بخمسين ألف جنيهاً إسترلينياً، المركبة العامّة لم تقف لهذا الطفل وقت الغروب.

كن شعوباً بأكملها تموت فلا مانع، يفتعلون المشكلات في كل مناطق العالم، ما بين الهند والباكستان، لا يوجد دولتان متجاورتان إلا ولديهما مشكلة من فعل الغرب، وحروب، واعتداءات، وشراء أسلحة، وتدمير أسلحة، هم يفتعلون المشكلات ويسفكون دماء الشعوب وينهبون الثروات، وإذا لم تقف مركبة لطفل صغير تقام دعوى وتحصل من الشركة خمسون ألف جنيه في بلادهم، هذا الكلام قد قام بتلخيصه شاعرٌ ببيتٍ واحدٍ فقال:
قتل امرئٍ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر وقتل شعبٍ آمنٍ مسألةٌ فيها نظر
***
إذاً قد يقف الإنسان موقفاً أخلاقياً وهو غير أخلاقي، وهذا الموقف موقف استعراضي، هدفه تحقيق مصلحة ماديّة، هذا الموقف لا قيمة له عند الله إطلاقاً، فقد قال تعالى:
﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً (105) ﴾
( سورة الكهف )
التحلي بأخلاق إسلامية أساسها الاتصال بالله لا الحنكة والذكاء:
لذلك يوجد موقف أخلاقي ويوجد إنسانٌ أخلاقيٌ، ولدينا مثالٌ أوضح من ذلك: مثلاً عليك سند بادرت بدفعه فهل أنت صاحب أمانة ؟ لا، لا وبأعلى صوت لأنّ هذا سند والذي بيده السند يقيم عليك دعوى ويحجز عليك، ويعمل لك مشكلة ويفضحك بالسوق، فمبادرتك إلى تأدية الحق هذا سلوك مدني، أما الأمانة أن يعطيك إنسان مئة ألف لتشغلها له عندك، ويموت أمامك فجأةً، ولم يبلغ أحداً إطلاقاً، لا إبلاغ، ولا إيصال، ولا إعلام، ولست مُداناً أمام أحد، طرقت باب الورثة وقلت لهم: هذه أمانة أودعها أبوكم عندي قبل أن يموت، هذه هي الأمانة.
يا أخواننا الكرام، الإنسان بذكائه وحنكته يستطيع أن ينتزع إعجاب الناس ولكن إلى حين، لكن وحشيته تظهر أحياناً بشكل يفضحه، فمثلاً بالخمسينات كان الناس مأخوذين بهذا العالم الغربي، بالعلم والحضارة والرقي والتقدُّم والقيم، الآن ابن الشارع، الطفل الصغير، عامّة الناس، الطبقة غير الواعية من المجتمع ترى وحشيّة الغرب، وازدواجيّته، وكيف أنّه يكيل بمكيالين، وكيف أنّه حاقد على الإسلام حقداً لا حدود له، أليس كذلك ؟ فالأخلاق الاستعراضيّة لا قيمة لها عند الله، هي أخلاق أساسها حنكةٌ وذكاء هدفها رخيص، هدفها مكاسب دنيويّة لا تقدِّم ولا تؤخِّر.
عندنا مثل عربي معروف: أنّ أحد الناس رأى صيّاداً يذبح عصفوراً وقد سقطت من عينه دمعة، فقال: ما أشدَّ رحمته، فقال له الآخر: انظر إلى السكين، لا تنظر إلى هذه الدمعة ولكن انظر إلى السكين التي يذبح فيها هذا العصفور.
أردت من هذا الكلام أن لا ينخدع الإنسان بألفاظ برّاقة، بكلمات يقولها الغرب مثل: حقوق الإنسان، حقوق الحيوان مقدّمةٌ عندهم على حقوق الإنسان، لأنّ ما يأكله الكلاب من لحوم في العالم الغربي أضعاف ما يأكله شعب الهند من اللحوم بأكمله، هذا شيء معروف.
نحن نريد أخلاقاً إسلاميّة، آداباً إسلاميّة، آداباً أساسها الاتصال بالله لا أساسها الحنكة والذكاء.

الصبغة هي الكمال و الفطرة حبُّ الكمال:
التعلُّم مطلوب، أتمنّى أن يضاف التعلُّم إلى الاتصال بالله، الاتصال بالله يحقق صبغة، فهذان التعبيران في القرآن الكريم دقيقان، الفطرة صفحةٌ بيضاء، قال تعالى:
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) ﴾
( سورة الروم )
فطرة الله التي فطر الناس عليها، الفطرة أيُّها الأخوة أن تحبَّ الخير دون أن تكون خيّراً، أن تحبَّ العدل دون أن تكون عادلاً، أن تحبَّ الإحسان دون أن تكون محسناً، أما الصبغة: أن تكون عادلاً عدلاً أصيلاً، وأن تكون محسناً إحساناً أصيلاً.
فلان مصطبغ بصبغـة الله أي إنسان متصل بالله مع هذا الاتصال اكتسب كمالاً، هذا الكمال يمنعه أن يكذب، يمنعه أن ينظر إلى عورات المسلمين دون أن يعرف الحكم الشرعي، هذا الكمال يمنعه أن يستعلي، يمنعه أن يتكبّر، يمنعه أن يأخذ ما ليس له، هذه هي الصبغة:
﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) ﴾
( سورة البقرة: آية " 138 " )
الصبغة الكمال، أما الفطرة: حبُّ الكمال، فأنت مفطورٌ فطرةً عالية، أي أنّك تحبّ الكمال، تحبّ العدل، السارقون إذا سرقوا شيئاً يقسمونه فيما بينهم يقولون: اقسمه بالعدل، وكل العملية سرقة، محبّة العدل فطرة، فالسارقون لم يكونوا عادلين، أخذوا مالاً حراماً، أخذ المال المسروق هذا أكبر ظلم ولكنّهم بالعدل يريدون قسمته، لأنّ هذا فطرة، الفطرة محبّة العدل، الفطرة محبّة الرحمة، فقد يكون الأب فاسقاً لا يصلّي وليس فيه ديــنٌ إطلاقاً ولكنّه حريص أن يكون ابنه مربّى تربيةً إسلاميّة، فيضع ابنـه أو ابنته في مدرسة لها توجه إسلامي، لأنّ هذه من الفطرة، وهي موجودة في كلّ إنسان حتى في المجرم، حتى في المنحرف، حتى في الزاني، فإذا كان الإنسان له ماضٍ سيّئ وأراد الزواج يبحث عن امرأة شريفة، يقول لك: أنا أعرف كلّ شيء وأريد امرأة نظيفة، وهو في الأساس غير نظيف، فهذه فطرة والفطرة أن تحبّ الكمال.
الفرق بين الفطرة والصبغة:
الفطرة أن تحبّ الكمال، أما الصبغة أن تكون كاملاً، الفطرة ليس لك فيها أجر هكذا فطرك الله، أما الصبغة كسبيّة، أساسها جهد واتصال بالله وعملٌ صالحٌ وضبطٌ للنفس والشهوات، فالفطرة فطريّة من اسمها، أما الصبغة كسبيّة، الفطرة أن تحبّ الشيء، أما الصبغة أن تكون كذلك، لذلك الأدب أعظم مصادره الصبغة، أن تتصل بالله فتصطبغ نفسك بالكمال.
لن أكون مبالغاً بهذا الكلام: لو تصوّرنا إنساناً له صلة شديدة بالله ولم يقرأ أي حديث عن آداب الإسلام فأرجّح أنّه يفعل معظمها وهو لا يدري، عنده حياء من الله يمنعه أن يتواقح، أو أن يكذب، أو أن يسُبّ الناس بالألفاظ البشعة، عنده حياء يمنعه أن ينظر إلى ما لا يحلّ له، هذا هو الحياء، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: أدبني ربّي، أي أنّ اتصالي بالله جعلني مؤدّباً.
أيُّها الأخوة الكرام، الشيء الذي ينبغي أن يبدو منك كمؤمن هو أدبك، أدب الطعام، الشراب، السلام، الاستئذان، المجلس، الحديث، المزاح، التهنئة، عيادة المريض، التعزية، العطاس، التثاؤب.

نبدأ بآداب الطعام، بالطبع الآن نتعلّم الآداب تعلُّماً بيانيّاً، وكما قلت سابقاً أنّ الأَولى أن نتعلّمها بيانياً أي شرحاً، وأن نتصل بالله حتى تشتق النفوس هذا الكمال الإلهي بحيث لا تفعل هذا الشيء لا لأنّه حرام ولكن نفسك تأبى أن تفعله، مثلاً أحد الأشخاص عند سفره إلى أحد المحافظات فتح سائق السيّارة العامّة إحدى الأغاني التي يحبُّها فيترنّم تماماً ولكنّه غير محاسب، هو لا يستمع ولكنّه سمع، والنبي قال: من استمع، لكن هذا الإنسان ذاته بعد أن تتعمّق صلته بالله، وبعد أن تطهر نفسه، بعد أن يرقى إلى الله، بعد سنة لو استمع إلى الأغنية نفسها يتمزّق، يقول في نفسه: ما هذا الانحطاط، ما هذه العبارات البذيئة مثلاً، ولكنّه لم يكن كذلك، ففي المرحلة الأولى كان منصاعاً لأمر الله، ولكن نفسه لم تصطبغ بالكمال، لكن بعد أن اصطبغت نفسه بالكمال يتأبّى هذه المعصية.
الفطرة أن تحب العدل، أما الصبغة أن تكون عادلاً، الفطرة ليس لك فيها أجر لأنّ الله خلقك هكذا، أما الصبغة لك فيها أجر لأنّها كسبيّة فقد بنيت على أساس إيماني واتصالٍ بالله وعمل صالح واستقامة وضبطٍ للجوارح وغير ذلك.

آداب الطعام:
الآن آداب الطعام، هذا الأدب سهلٌ جداً ففي اليوم الواحد لدينا ثلاث وجبات، يمكن أن تنفذوها على عشاء اليوم أولاً.
1ـ بركة الطعام الوضوء قبله بغسل اليدين والفم والوضوء بعده:
الأدب الأول:
(( بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده ))
[رواه أبو داود والترمذي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه]
هل تصدّقون فقد ذكرت في إحدى الخطب أنّ ثلاثمئة مليون إنسان يصاب في العالم كلّ يوم بسبب عدم تنظيف اليدين عقب قضاء الحاجة وعقب الطعام والشراب، وتحت اسم أمراض القذارة أصدرت منظمة الصحّة العالميّة التابعة للأمم المتحدة نشرة بذلك.
وضوء الطعام ليس وضوء الصلاة وضوء الطعام غسل اليدين والفم فقط، فإذا أمسكت بشيء في يدك سابقاً، أو خلعت حذاءك، أو وضعت يدك على حائط قد يكون قذراً، أو قد يكون طفلاً لم ينظّف نفسه ووضع يده على الحائط، أو مسكت شيئاً غير نظيف، أثناء النهار يجوز أن يكون الفم مفتوحاً ويوجد غبار أو أشياء لا ترى، فبركة الطعام الوضوء قبله بغسل اليدين والفم، والوضوء بعده. هذه واحدة.
قال أحد الصحابة سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم يقول:
(( من أحبَّ أن يكثر الله خير بيته فليتوضّأ إذا حضر غداؤه وإذا رفع ))
[ رواه ابن ماجة والبيهقي عن أنسٍ رضي الله عنه ]
الآن يقولون عن تفشّي مرض الحمّى المالطيّة، حمّى البحر المتوسّط، بسبب عدم غلي الحليــب أو الأجبان، وأمراض العدوى معروفة عندكم، فغسل اليدين قبل الطعام تعتبر تقريباً حرزاً للإنسان من أن تنتقل له بعض الأمراض عن طريق اللمس، فليتوضّأ إذا حضر غداؤه وإذا رفع، قبل الطعام وبعد الطعام، هذا أول أدب
2ـ التسمية في أوّل الطعام والحمد في آخره:
التسمية في أوّله والحمد في آخره، الأدب الثاني:
(( إذا أكل أحدُكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى في أوّله فليقل: بسم الله في أوّله وآخره ))
[رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها ]
معنى التسميّة: بسم الله أشرب هذا الماء، أنّ هذا الماء من نعم الله، وللتسمية معنيان: الأول أن تذكر أنّ هذه نعمة من الله، أن تذكّرك بفضل الله عليك، والثاني أن تشرب وفق السنّة، أن تذكّرك بسنّة رسول الله في الشرب، تذكُّر النعمة، وتطبيق السنّة، هذه معنى التسمية، بسم الله أشرب يعني أشرب ماءً هو من نعمة الله، وأشرب ماءً وفق ما أمر الله، هذه معنى التسمية.
كان عليه الصلاة والسلام إذا أكل وشرب يقول:
(( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ))
[الترمذي عن أبي سعيد الخدري]
عند زيارتي لبعض المياتم في شهر رمضان وجدت شيئاً جميلاً جداً، أنّ الأطفال جميعاً وبصوت واحد يبدؤُون بالتسميّة فإذا انتهى الطعام يقولون:
(( الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين ))
[الترمذي عن أبي سعيد الخدري]
هكذا علموهم، قال لي أحد الأخوة: وضعت ابني في مدرسة فيها توجيه إسلامي جيد، ذات مرّة صحا من نومه متأخراً فقلت له: يا بني خذ معك هذا الطعام، وكُلْه في الطريق، فقال لي: يا أبتِ قال عليه الصلاة والسلام:
الأكل في الطريق دناءة.
شيء جميل أن يتعلّم الطفل وهو صغير الآداب، كيف يأكل ؟ وكيف يشرب ؟
3ـ ألا يعيب طعاماً قدّم إليه ولا يمدحه:
الأدب الثالث: ألا يعيب طعاماً قدّم إليه، كما قالت السيدة عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام:
(( ما ذمّ طعاماً قط.))
[مسلم عن أبي أيوب]
بعض الأشخاص يشمئزون ويُشمَئز منهم، فلا بدّ من أن يعلّق على ما يقدّم له من الطعام، هذه قليلة الملح، أو لم تعقد كفاية، أو اللحم قاسي، لا بد من أن يعلّق، أما النبيّ عليه الصلاة والسلام لم يعب طعاماً قط، قال:
(( ما ذمّ طعاماً قط لكن إن أعجبه أكله وإن كرهه تركه.))
[مسلم عن أبي أيوب]
هذا الأدب الثالث، مرَّ معي أدبٌ رابعٌ غير مذكور هنا وهو: ما عاب طعاماً ولا مدحه.
كأن يقول: أكلة رائعة، طعمها كالقشطة، مثل كذا وكذا، أكلت فقم بشكر الله فقط، المبالغة في المدح أيضاً ليست من أخلاق المؤمن، فمعنى ذلك أنّه عبد بطنه، وقد قال النبي:
(( تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيصَةِ ))
[ البخاري عن أبي هريرة ]
4ـ أن يأكل بيمينه ومما يليه:
الأدب الرابع: أن يأكل بيمينه ومما يليه.
لما روى مسلمٍ عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما قال:
(( كنت غلاماً في حجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكانت يدي تطيش في الصفحة، فقال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: يا غلام سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك. ))
[مسلمٍ عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما]
تطيش: أي تتحرّك في الإناء، حضرت طعاماً ووجدت طفلاً صغيراً، وكان الطعام كباباً هندياً، والطفل يأكل بأصابعه دون خبز وأبوه ساكت ولا يتكلّم، فشيء لا يحتمل أنّ ابنه سيأكل نصف الموجود من اللحم دون خبز ويترك الآخرين وأبوه لا يتحرّك وكأن لا مشكلة في ذلك أبداً.
لا بد أن تربّي ابنك وتقول له: كل مما يليك يا بني، أو كل مثل الناس مع الخبز مثلاً، أما أن يأكل الابن كيفما أراد فهذا لا يجوز، لا بد أن يكون له أب ليربّيه.
النبيّ لم يسكت عندما رأى يد الطفل تطيش في الإناء بل قال له:
(( يا غلام سمّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك. ))
[مسلمٍ عن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنهما]
5ـ ألا يأكل متّكِئاً:ا
لأدب الخامس: ألا يأكل متّكِئاً لما فيه من الضرر الصحّي، وظواهر الكبر، بالطبع إلا المرضى في المستشفيات، أما غير المريض يجب أن يأكل وهو جالسٌ جلسة نظاميّة.
(( لا آكُلُ متّكِئاً ))
[رواه البخاري عن أبي جحيفة ]
الاتكاء يتنافى مع الأدب أمام شخص عظيم، فسيّدنا زيد الخيل كان رجلاً من وجهاء الجاهليّـة، فلمّا أسلم سمّاه النبيّ زيد الخير، ورحّب به وقال له: يا زيد ما رأيت رجلاً وكان قد وصف لي إلا رأيته دون ما وصف إلا أنت يا زيد، لله درُّك، وقد دعاه النبي إلى بيته وأعطاه متَّكَأً يتكئ عليه، سيّد الخلق ويجلس أمامه متّكئاً !! أسلم قبل ساعة فقال له: والله يا رسول الله لا أتّكئ في حضرتك.
هذا هو الأدب، رأيت مرّتين أو ثلاثاً في غير هذا الجامع أثناء الدرس من يجلس جلسةً لا أدب فيها على الإطلاق، إن كان معذوراً فلا يحق لي أن أتكلّم، أمّا إذا كان بلا عذرٍ وهكذا رجلاه ومرتاحاً على التمام فعليه أن يعلم أن هذا بيت الله، فو الله لو جلس هذه الجلسة أمام إنسانٍ كبيرٍ وله مكانته لطرده،

أنت في بيتٍ من بيوت الله، أما المعذور معذور ولا أتحدّث عنه أبداً، بعض الأشخاص مرضى بتصلُّب في المفاصل فهذا الله عزَّ وجلَّ يعذره ولا يحاسبه، لكن من دون سبب ؟! يجب أن نتأدّب بآداب الإسلام.
6ـ يستحبّ التحدُّث على الطعام:
قالوا: يستحبّ التحدُّث على الطعام، البعض يتحدثون بكلام ليس له معنى، فالنبي كان يتحدّث على الطعام، الحقيقة أعرف أسراً كثيرة أغبطها، الطعام عندهم متعة، الأولاد كلّهم يجلسون إلى مائدة الطعام ويتحدّثون، فالأب يحدثهم ويستمع إلى أولاده، بموعظة، بقصّة، بطرفة مثلاً، وقد يكون أحد أطفال العائلة في المدرسة فيقول: هكذا تكلمت المعلّمة، فهذا شيء جميل مع الطعام، فمن السنّة التحدُّث مع الطعام، أما كل واحد من الجالسين عينه على القصعة ويأكل بِنَهَم وكأنّهم في مسابقة، فهذا ليس طعاماً بل طعام الشياطين، لما روى مسلمٌ عن جابر رضي الله عنه أنّ:
(( النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سأل أهله الأُدم فقالوا: ما عندنا إلا خل. فقال: فدعا به فجعل يأكل منه ويقول: نعم الإدام الخل، نعم الإدام الخل.))
[مسلمٌ عن جابر رضي الله عنه]
قد صحّ عنه أنّه كان يتحدّث إلى أصحابه وهو يأكل على المائدة في أكثر من مناسبة.
قال لي أحد الشباب عن والده: من عشرين سنة نأكل طعام الغداء مع رنين الساعة الثانيـة ظهراً، هكذا نظامه ولا يمكن أن لا نكون مجتمعين على الطاولة جميعاً في هذا الوقت، فهذا وقتٌ مقدّسٌ يجلسون ويأكلون مجتمعين.
هناك بيوتٌ مليئة بالفوضى كل ولد له وجبة طعام له وحده، فأولاً تذهب بركة الطعام، وثانياً تحدث مشقةٌ كبيرةٌ جداً، فإذا أمكن اجتماع الأهل كلّهم ودفعةً واحدة على الطعام، ويتحدّثون بحديثٍ ممتعٍ ومؤنسٍ ولطيفٍ فهذا من السنّة وهكذا النبي علّمنا.
7ـ الدعوة للمضيف:

يستحبُّ أن يدعو الضيف لمضيفه إذا فرغ من الطعام، فتجد البعض إذا انتهى من طعامه يطلب الذهاب، فأين يذهب ؟ ادعُ لصاحب الطعام بأن تقول له:
(( أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة.))
أبو داود والترمذيّ عن أنسٍ رضي الله عنه]
قد دعاك وتكلّف فادعُ له كأن تقول له: اللهمّ بارك هذا البيت وبارك أهل هذا البيت، اللهمّ أعطهم ولا تحرمهم، ادعُ دعاءً لهم.
روى أبو داود والترمذيّ عن أنسٍ رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جاء إلى سعد بن عبادة فجاء بخبزٍ وزيت فأكل ثمّ قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام:
(( أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة.))
أبو داود والترمذيّ عن أنسٍ رضي الله عنه]
هذه من السنّة، التسميـة في أوّله والحمد في آخره، وغسل اليدين قبل الطعام، والحديث على الطعام، وعدم الأكل متّكئاً، أن تأكل بيمينك ومما يليك، والدعاء للمضيف، وألا تعيب طعاماً قط وألا تمدحه.
آداب أخرى للطعام:
إذا سألك المضيف عن الأكل وجودته، فيجب أن تمدح له، فقد أراد أن يتقرّب منك وصنع لك طعاماً وقد بذل فيه جهداً، وسألك عن الأكلة وهل أحببتها ؟ فقل له: نعم جزاك الله الخير على هذا الطعام الطيّب، أكلة نفيسة، إذا سألك عن الأكل هل أعجبك ؟ فمدحه له جبراً لخاطره.
زارنا أخ له دعوته مع طلاّبه، مما لفت نظري أنّه لا يمكن أن يأكل أحد لقمة من الطعام قبل أن يأكل أكبر من في المجلس، هذا شيء جميل، أحياناً نكون في نزهة وثلاثة أو أربعة من الأصدقاء لم يحضروا بعد فقد كانوا في خدمة المجموع، وليس لهم مكان في غرفة الطعام، فتجد أن نصف الطعام قد أُكِل، أمير الجلسة يجب أن لا يأكل ولا لقمة من الطعام حتى يكون الكل مجتمعين، ليعد حتى الخمسة عشر مثلاً فإذا كان الكل حاضراً يبدأ بسم الله.
الصغار لا يأكلون قبل أن يأكل أكبر إنسان في الجلسة، والآن يُعمَل بهذا في المآدب الرسميّة، فإذا بدأ بالأكل أعلى شخصيّة بالمأدبة الكل بعده يأكل، هكذا السنّة، فإذا وجد أولاد يجلسون مع أبيهم، أو طلاّب مع أستاذهم بنزهة، ووضع الطعام، فالطالب ليس له الحق في أن يأكل قبل أن يأكل أستاذه، فإذا

ناول قطعة من الطعام فهذا خلاف للسنّة، فلا يأكل الكل إلا بعد أن يمدّ يده رئيس هذه الجلسة أو أمير هذه الجماعة ويأكل أول لقمة، وليس للأمير ـ أمير المائدة أو أمير النزهة ـ ليس له الحقّ في أن يبدأ الطعام إلا بعد أن يحضر كلّ من معه ويتأكّد من ذلك، فالكل بمكانه، والطعام موزّعٌ توزيعاً جيّداً، ثم يبدأ بالطعام وعازماً عليهم بأن يتفضلوا الطعام، وهم ليس من حقّهم أن يبدؤوا قبله فهذا من دقّة النظام.
تعلموا ذلك، كذلك بعض الناس لا يحلو له عمل الشاي أو غسل أسنانه أو قراءة شيء ما إلا والناس مجموعون حول المائدة، ويطلب منهم أن ينتظروه، هذا شيء صعب إذ لا بدّ أن تراعي كلّ النواحي، فإذا وضع الطعام فيجب أن يقبل عليه الجميع، والأب يجب ألا يبدأ حتى يكون الكل موجودين، والأولاد يجب ألا يبدؤوا بالطعام حتى يبدأ أبوهم.
روى مسلم في صحيحه عن حذيفة قال: كنا إذا حضرنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طعاماً لم نضع أيدينا حتى يبدأ رسول الله فيضع يده، هذه السنّة.
الحديث الأخير:

(( كان عليه الصلاة والسلام إذا أكل طعاماً لَعِقَ أصابعه الثلاث ))
[رواه مسلمٌ عن أنسٍ رضي الله عنه ]
متى يستطيع أن يلعق أحد أصابعه ؟ إذا غسل يديه قبل الأكل وإلا فلن يستطيع الإنسان أن يلعقهم، فإذا كان التغسيل جيداً وبأصابعه دسمٌ فهذه نعمة، وقال:
(( إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها فليمط ما كان بها من أذى وليأكلها ولا يدعها للشيطان))
[رواه مسلمٌ والنسائي وابن ماجه من رواية سفيان الثوري عن أبي الزبير عن جابر]
أحياناً تقع على الأرض لقمة فتعلق عليها بعض الغبرة فنغسلها قبل أن نأكلها هذا من السنّة.
حفظ النعمة وعدم الاستهتار بها:
أخواننا الكرام، من الاستهتار بالنعمة أن تجد بالقمامة بعض الطعام، فالمؤمن الكامل لو رأى في القمامة بقايا من الطعام لاقشعرّ جلده، أحياناً يترك في وعاء الطبخ بقايا رز ويُوضع في المجلى ويذهب ما في الوعاء من الرز إلى القمامة، وأحياناً تجد كسرات من الخبز هذه تأكلها الطيور فقم ببلها بالماء وضعها على السطح فتؤكل كلّها، أو بقايا فتّة كذلك تأكلها الطيور، فإذا وجد شيء عافت نفسك أن تأكله يوجد من يأكله وبِنَهَم ولك فيه أجر، فكل شيء فيه طعام يجب أن لا ترمي به ـ ولو ذرة ـ إلى القمامة، فالطير يأكله، أرى بعيني كثيراً من الخبز يلقى فوق سطح البيت فلا تبقي منه الطيور شيئاً، الطير يأكل بقايا الخبز أو الفتّة أو الطبخ بنهم ولك أجر، فحاول أن لا تلقي ولو بذرّة واحدة إلى القمامة.
لكن ترى أحياناً أفخر الطعام ـ لطف الله بنا ـ يلقى في القمامة، فقد سمعت أنه في بعض البلاد يصنعون وليمة من الطعام بها جملٌ صغيرٌ مكتّفٌ ـ وهي من أنفس الأكلات ـ ضيف الشرف يأكل منه فقط نصف الأوقيّة، ولكن من التقاليد والعادات أن لا يأكل أحد بعد الضيف أبداً والباقي يلقى على القمامة.
أشعر أنّ الإنسان المؤمن إذا رأى طعاماً ملقى على القمامة يهتزّ من أعماقه، فقد قال رسول الله: يا عائشة أكرمي مجاورة نعم الله، فإنّ النعمة إذا نفرت قلّما تعود.
دُعيت مرّة إلى عقد قران وكان فيه الكثير من الطعام النفيس وبكميات كبيرة، لاحظت أنّه لم يؤكل منه خمسه، فاحترت، والداعي رجلٌ مؤمنٌ فسألته مستفسراً في اليوم الثاني، فقال لي: والله يا أستاذ ما ضاعت منه رزة واحدة، كل الطعام وضع في أكياس ووضع في البرّادات وأخذ إلى المآتم وأكل منه لمدة عشرة أيام، أراد أن يكرم الناس بذلك ولم يؤكل سوى خمس الأكل وقام على الفور بتوزيع الباقي.
كذلك ذات مرّة أقام أحد الأخوة وليمة، فقلت له: أين الأكل ؟ قال لي: قمت بتوزيعه كلّه، فبعض الناس يكون جائعاً والطعام جيّد ونفيس فيوزّع، وكذلك الثياب توزّع.

آداب الشرب:
أيها الأخوة الكرام، هذه الدروس دروسٌ أساسية، فإذا ضبط الإنسان سلوكه، ضبط طعامه وشرابه، حفظ نعمة الله هذه النعمة لن تفقدها أبداً، أما إذا كان هناك استهتارٌ فالله كبير وسيحاسبك.
الآن آداب الشرب.

1ـ استحباب التسميـة والحمد والشرب ثلاثاً:
استحباب التسميـة والحمد والشرب ثلاثاً لما روى الترمذي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام:
(( لا تشربوا واحداً كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثُلاث، وسمّوا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم.))
[الترمذي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما]
قدّموا له زبديّة من شراب الليمون فشربها دفعة واحدة، فقالوا: السنّة أن تشربها على ثلاث دفعات !! فقال: هذه واحدة فأين الاثنتان الأخريان ؟
لا تشربوا واحداً كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثُلاث، فالأدب الأول أن تسمّي وتحمد الله عزَّ وجلَّ، وتشرب الكأس على ثلاث مرّات.
2ـ نهى الرسول الكريم عن الشرب من فِيْ القرب:
الأدب الثاني، نهى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يشرب من فِيْ السقاء أو القُرب.
أي من فمها، من فم الزجاجة، أو الإبريق مباشرة، فقد نهى النبي أن يكون الشرب هكذا.
3ـ كراهية النفخ في الشراب:
الأدب الثالث، كراهية النفخ في الشراب، فمثلاً شرب أحد الناس ثلاثاً حسب السنّة ولكن في المرّة الثانية ترك الإناء على فمه وتنفّس بداخله، فأحياناً الزفير يحمل بعض الأمراض، فالسنّة ما بين الشربتين أبعِد القدح عن فيك، لذلك نهى النبيّ الكريم أن يتنفّس في الإناء أو ينفخ فيه لما في ذلك من الأمراض الصحيّة، والمنافاة للآداب الاجتماعيّة.
4ـ استحباب الشرب والأكل جالساً:
الأدب الرابع، استحباب الشرب والأكل في حال الجلوس.
الآن درجت موضة الأكل والشرب واقفاً، سفرة بوفيه، وهذا خلافاً للسنّة، فإذا لم تجد لديك عدد كافٍ من الكراسي فلا مانع من ذلك، فيسكب الضيف الطعام ويعود لمكانه السابق الذي كان يجلس فيه لأنّ الأكل واقفاً منهيٌ عنه.
نهى عليه الصلاة والسلام أن يشرب الرجل قائماً قال قتادة: فقلنا لأنس: الأكل ؟ قال: ذلك أشرّ.
إذا كنت منهياً عن أن تشرب واقفاً فالنهي عن الأكل واقفاً أشدُّ نهياً.
وفي رواية أنّه قال:
(( لا يشربنّ أحدٌ منكم قائماً ))
[رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
لكن النبي شرب قائماً، لماذا شرب قائماً ؟ في بعض الحالات، إذا كنت ماشياً في الطريق، والطريق مزدحم، وكنت عطشان، ووقفت على سبيل ماء فمن غير المعقول أن تقرفص لتشرب والناس يقفون أعلى منك، هذه حالة صعبة، فمثلاً إذا كنت في الكعبة ـ زادها الله شرفاً ـ والازدحام شديد فإذا أردت أن تشرب قاعداً فستجد الناس فوقك، فاشرب واقفاً، النبيّ الكريم شرب ماء زمزم واقفاً ـ وهي حالات قليلة ـ الأولى فيها أن تشرب قاعداً، فالنبي شرب قائماً لئلا يوجد حرجٌ عند الحالات الضروريّة.
5ـ النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضّة:
الأدب الخامس، النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضّة، ففي الحكم الشرعي حرامٌ أن تستعمل الآنية المصنوعة من الذهب الخالص أو الفضّة الخالصة، أما المُذهّب والمفضض ففيه إجازة.
فإذا كان مطلياً بالذهب شيء لا يذكر، فالمذهّب شيء والذهب شيء آخر، وأيضاً المفضض شيء والفضّة شيء:
(( من شرب في إناء من ذهب أو فضة فإنما يجرجر في بطنه من نار جهنم))
[مسلم عن أم سلمة]
أي أصبح فيه من الترف والاستعلاء والبذخ وتجميـد للمال كبير، فلينفع الناس بهذه الأواني من الذهب الخالص، فالآن تجد صنابير من الذهب الخالص، ومقابض للأبواب من الذهب الخالص، سمعت عن أحد الملوك أنّ مرحاض طائرته من الذهب الخالص.
6ـ النهي عن امتلاء المعدة بالأكل والشرب:
الأدب السادس، النهي عن امتلاء المعدة بالأكل والشرب.
(( ما ملأ آدميٌ وعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بدّ فاعلاً، فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلثٌ لنفسه ))
[رواه الإمام أحمد والترمذي عن المقدام بن معد يكرب]
هذه هي آداب الطعام والشراب، تنفيذها سهلٌ جداً، علّمها لأولادك وقم أنت بتطبيقها، وإذا دُعيت إلى طعام نفذها أمام أخوانك فتصبح جزءاً من حياتك.
إن شاء الله في درسٍ قادم ننتقل إلى آداب السلام، والموضوعات كما يلي:
أدب الطعام والشراب، أدب السلام، أدب الاستئذان، أدب المجلس، أدب الحديث، أدب المزاح، أدب التهنئة، أدب عيادة المريض، أدب التعزية، أدب العطاس والتثاؤب.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 09:11 AM   #24


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثانى و العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 9 )








الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، وصلنا إلى موضوع الآداب، وتحدّثنا في الدرس الماضي عن آداب الطعام والشراب، وها نحن ننتقل اليوم إلى آداب السلام وآداب الاستئذان.

السلام بابٌ من أبواب الآداب الإسلاميّة:

(( أنّ رجلاً سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أيُّ الإسلام خير؟ قال: أن تطعم الطعام، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ))
[رواه الشيخان عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
علَّقت في درسٍ سابقٍ على هذا الحديث، على من عرفت ومن لم تعرف وأنت في مدخل بنايتك خرج إنسان فقم بالسلام عليه، وأنت في حيِّك، وأنت في دائرة عملك، أما في الطريق العام المزدحم هذا غير مقبول وغير معقول، على من عرفت ممن حولك، ومن لم تعرف ممن حولك عليك أن تسلّم، في نطاق العمل، في نطاق السكن، في نطاق السفر، سافرت جلست إلى جانب إنسان لا تعرفه فقل له: السلام عليكم، هذا معنى الحديث، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا (27)﴾
( سورة النور: آية " 27 " )
السلام إذاً ورد في القرآن حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها، وفي آيةٍ ثانية: ﴿ لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آَبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أخوانكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتَاتاً فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (61) ﴾
( سورة النور )
الحبُّ بين المؤمنين شرطٌ لصحّة إيمانهم:
إذاً السلام، الله جلّ جلاله اسمه السلام، فإذا قلت: السلام عليكم، ماذا تفعل ؟ إنّك تلفظ اسم الله السلام، قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا تدخلوا الجنـّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم ))
[رواه الإمام مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه]
لا أدري ما إذا كان هذا الحديث يشكّل في حياة المسلم ركناً أساسياً، لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، فالحبُّ بين المؤمنين شرطٌ لصحّة إيمانهم، مؤمنان متباعدان، مؤمنان متباغضان، مؤمنان متحاسدان، هذان الرجلان لولا أنهما ضعيفا الإيمان لما فعلا ما فعلاه، فكلّما قلّ الحبُّ بين المؤمنين هذا يشير إلى ضعف الإيمان، وقد يشير أحياناً إلى انعدام الإيمان، فالأصل هو الحبّ والحبُّ يعبّر عنه بالمودّة:
(( لا تدخلوا الجنّة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابّوا، ألا أدلُّكم على شيءٍ إذا فعلتموه تحاببتم ؟ أفشوا السلام بينكم ))
[رواه الإمام مسلمٌ عن أبي هريرة رضي الله عنه]
قرأت مرة أنّ الصحابة الكرام كانوا إذا ساروا في طريق وفرّقت بينهم شجرة، فإذا التقوا مرةً ثانية يسلّم بعضهم على بعض، ويقاس على ذلك، كنّا مجتمعين وركبنا معاً سيّارة فلمّا دخلناها قلنا السلام عليكم، أي أنّه كلّما استطعت أن تكثر السلام على أخوانك فهذا مما يزيد الودّ والحبّ فيما بينكم، في الحقيقة هي " كلمة " لكن وراءها يوجد مودّة، يوجد طاعة، هي كلمة والله عزَّ وجلَّ هو الذي يخلق الحبّ بينك وبين أخيك، فأنت عليك أن تأخذ بالأسباب، السبب هو أن تسلّم، لكن الله عزَّ وجلَّ يتولّى أن يخلق في نفس أخيك الآثار الإيجابيّة لهذا السبب.
" السلام عليكم ورحمة الله وبركاته " الصيغة التامة للسلام:
أمّا الطريقة التي ينبغي أن يسلّم بها: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تتصل هاتفيــاً بأحد الأشخاص وتقول: هنا فلان ؟ فيقولون لك: انتظر. وبعد أن تنتظر يأتي فلان ويقول لك مبادرةً: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذه سُنّة، مباشرةً: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حتى لو كان الذي تسلّم عليه واحداً فتقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وليس السلام عليك ابدأ أنت بالسلام بهذه الصيغة التامّة، هذه الصيغة التامّة مستفادة من هذا الحديث الشريف.

(( جاء رجلٌ إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: السلام عليكم. فردّ عليه ثمّ جلس. فقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: عشر، الصحابــة الكرام لم يفهموا ماذا يعني النبيّ بهذه الكلمة، ثمّ جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمـــة الله. فقال النبيُّ الكريم: عشرون. فجاء آخر وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فردّ عليه وجلس وقال: ثلاثون ))
[رواه أبو داود والترمذيّ عن عمران بن الحصين رضي الله عنهما]
إذا قلت: السلام عليكم فالأجر عشرة، وإذا قلت: السلام عليكم ورحمة الله فالأجر عشرون، وإذا قلت: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته فالأجر ثلاثون.
أنت وطّن نفسك أن تبدأ السلام بهذه الصيغة أن تقول: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(( قال لي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: هــــذا جبريلُ يقرأ عليكِ السلام. قالت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ))
[ رواه الشيخان عــن عائشة رضي الله عنها ]
هذا في الصحيحين، والله أيها الأخوة مجتمع المؤمنين مجتمعٌ متميّز، فريد، مجتمع متأدّب بآداب الإسلام، مجتمع يقيم أمر الله فيما بينهم، لذلك الله جلَّ جلاله بعليائه وبقدرته وبرحمته يلقي في قلوب المؤمنين الحب والمودّة.
يوجد تعليقٌ لطيفٌ لعلّي لم أوضّحه تماماً، هي كلمة السلام عليكم ؟ هي كلمة تقولها أنت لكنّك حينما تقولها امتثالاً لأمر الله عزَّ وجلَّ فالله يتولّى أن يلقي في قلب أخيك الحبّ لك، وأن يلقي في قلبك حبَّ أخيك، هذا من فعل الله، أنت معك المفتاح، أنت فتحت بالمفتاح، قد يقول قائل: ما تفعل كلمة ؟!! هي كلمة ومن دون الدعم الإلَهي لا تفعل شيئاً، أمّا السلام كلمة تقولها أنت، لكنّ الله يتولّى أن يلقي حبَّك في قلب أخيك، ويتولّى أيضاً أن يلقي حبَّ أخيك في قلبك، فحينما تقول له: السلام عليكم، لا تدري هذا الميل الذي وجد في قلبك تجاه أخيك.
السلام طرحه سنّة والردُّ عليه فرض عين:
السلام، اسم الله السلام، والسلام طرحه سنّة والردُّ عليه فرض عين.
لكن أيها الأخوة، يسلِّم الراكب على الماشي، أنت راكب مركبة ووقفت أمام شخص لم يسلّم عليك، بل أنت الذي يجب أن تسلّم عليه، طبعاً في عهد النبيّ كانت الركائب هي الحصان والناقة والدابة، الآن مركبة، فالراكب في مركبة يجب أن يسلِّم على غير الراكب، يسلِّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، فإنسان جالس على الكرسي أمام دكّانه وأنت ماشٍ، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، خمسة يمشون معاً وواجهوا ثلاثين في نزهة، فطبعاً الذوق والسنّة أن يسلّم هؤلاء الخمسة على الثلاثين لا أن نكلِّف الثلاثين أن يسلِّموا على هؤلاء الخمسة، فيسلِّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير، والصغير على الكبير، أنت أصغر سناً فيجب أن تبدأ أنت بالسلام.

(( يسلِّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير
وفي رواية البخاري ـ يسلّم الصغير على الكبير ))

[ رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
أخواننا الكرام في الحياة الاجتماعيّة توجد سلامات غير إسلاميّة منتشرة وشائعة، فأنا لا أرضى لإنسان مسلم في بيت مسلم أن يربّي أولاده على طرح سلام غير إسلامي، الآن وبأكثر الأسر الإسلاميّة: (باي). ما هذه الكلمة ؟ أنت مسلم، وبيتك إسلامي، وزوجتك مسلمة، وأولادك مسلمون وتعلِّمه أن يقول: باي. ليس لها معنى السلام عليكم.
(( ليس منّا من تشبّه بغيرنا ))
[رواه الترمذيّ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه ]
أحياناً يقول له: سعيدة، فما هذه السعيدة ؟ ساعة ! باي وساعة سعيدة:
(( ليس منا من تشبه بغيرنا، لا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى، فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالأكف ))
[رواه الترمذي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهم]
في هذا النهي تمييزٌ لخصائص هذه الأمّة الإسلاميّة من الأُمم الأخرى.
النهي عن التشبه بالأجانب:
أحياناً الإنسان يلبس على رأسه قبّعة يرتديها النصارى في بلادهم، طبعاً هذه مكروهة، لأنّك حينما ترتدي هذه القبّعة التي يرتديها النصارى في بلادهم فأنت بذلك معجبٌ بهم، وكأنّ هذه القبّعة تؤكّد أنّك تنتمي إليهم بالولاء:
(( من أحبَّ قوماً حشر معهم ))
[رواه الطبراني عن جابر]
(( كل نفس تحشر على هواها، فمن هوى الكفر فهو مع الكفرة، ولا ينفعه عمله شيئاً".))
[رواه الطبراني عن جابر]
لا ينفعه عمله شيئاً، من أحب قوماً أي كفّار، حشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً، أي إذا الإنسان أحب الكفار، فالكفار فاسقون، فجّار، يشربون، يرقصون، يأكلون أموال الناس بالباطل، لكنّهم قد يكونون أذكياء، قد يسكنون في بيوتٍ فخمة جداً، علاقاتهم الاجتماعيّة مبنيّة على أصول معيّنة، فالإنسان حينما يحبُّ قوماً كفّاراً يحشر معهم يوم القيامة ولا ينفعه عمله شيئاً، من هذا المنطلق ورد عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم الدعاء الشريف: " اللهمّ لا تجعل لي خيراً على يد كافر أو منافق."
لأنّ الخير إذا جاءك على يديهم، القلب يميل لهم، ميل القلب إلى الكفّار شيء خطير جداً، أنا أُلاحظ عندما يتورّط الإنسان بإرسال ابنه إلى بلدٍ أجنبي، فيأتي الابن وهو لا يطيق بلده، ولا قومه، ولا أمّته، ولا تراثها، ولا حضارتها، ولا دينها، يقول لك: كلّه تخلُّف، فقد رأى التقدُّم هناك في بعض المظاهر الفارغة ونسي أنّ هؤلاء فُرِّغت حياتهم من كلِّ القيم.
من أحبّ قوماً حشر معهم ولا ينفعه عمله شيئاً:
(( من أقام مع المشركين فقد برئت منه الذمة ))
[الطبراني والبيهقى عن جرير]
إذا الإنسان أقام معهم وأحبّهم بعد قليل يعتقد اعتقادهم، بعد قليل تصبح قيمه قيمَهم، بعد قليل يُحبُّهم، وأناسُ كثيرون تنصّروا وأعلنوا ذلك صراحةً، لذلك الإنسان قبل أن يرسل ابنه إلى بلد أجنبي حتى يدرس، يجب أن يعدّ إلى المليون فقد يخسره نهائياً، قد يخسر الابن دينه، إذاً هناك نهيٌ عن التشبُّه بالأجانب.
العطف على الصغار من دلائل الرحمة:
أعياد الميلاد، ما الذي يمنعك أن تقيم في البيت عيداً للمولد النبوي الشريف بدلاً من عيد الميلاد، فأنت مسلمٌ، فإذا أردت أن تفرح أولادك الصغار، ودعوت أصدقاءهم الصغار للاحتفال بعيد المولد النبوي الشريف، وتُليت على أسماع الصغار بعض مواقف النبيّ اللهمّ صلِّ عليه، بعض محبّته للصغار، تسليمه على الصغار، رأفته بالصغار:
(( ليس منا من لم يرحم صغيرنا ))
[ أحمد والترمذي والحاكم عن ابن عمرو ]
هكذا قال عليه الصلاة والسلام.
(( قدم ناس من الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: أتقبلون صبيانكم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم: نعم. فقالوا: لكنا والله ما نقبل !! فقال صلى الله عليه وسلم: وما أملك إن كان الله نزع منكم الرحمة ))
[مسلم عن عائشة رضي الله عنها]
معنى ذلك أنّ من دلائل الرحمة العطف على الصغار، فنحن إذا جمعنا أصدقاء أولادنا بحفلة إسلاميّة بدل أن تكون عيد ميلاد، وعدد من الشموع، ونطفئ الشموع على قالب كاتو، نوزِّع الحلوى، ونتلو على هؤلاء الصغار سيرة النبيّ عليه الصلاة والسلام وشمائله، التشبُّه بالأجانب دليل ضعف الإيمان، والدليل الإعجاب بهم، والدليل التقدير، وهذا لا ينفعنا إطلاقاً، وكلُّكم يعلم أنّ امرأة نوح حُشرت مع قومها، مع أنّه ما من امرأةٍ على وجه الأرض تُحِّبُّ الشذوذ، لأنّها إذا أحبّت الشذوذ ألغت وجودها، فالشذوذ يتناقض مع طبيعة المرأة، امرأة لوط لماذا أهلكها الله عزَّ وجلَّ ؟ لا لأنّها فعلت فعل قوم لوط، لكنّها أحبّت قومها ودافعت عنهم، وأعانتهم على انحرافهم فاستحقّت عقابهم، مع أنّها لم تفعل فعلهم.
من رضي بالمعصية فهو شريك في الإثم:
يوجد دليلٌ آخر، هؤلاء الذين عقروا الناقة، كم واحداً عقر الناقة ؟ واحد فقط، يقول الله تعالى:
﴿ فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15) ﴾
( سورة الشمس )
يقول الله تعالى:
﴿ فَعَقَرُوهَا (14) ﴾
( سورة الشمس )
كيف والذي عقرها واحد ؟ قال: لأنّ أهل البلدة كلِّهم أقرّوه على فعله فكأنّهم عقروها جميعاً.
حتى قال سيّدنا عمر: " لو أنّ أهل بلدةٍ ائتمروا على قتل رجلٍ واحدٍ لقتلتهم به جميعاً "، لذلك:
(( إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شَهِدَها فكَرِهَها ـ وقال مرة: فأنكرها ـ كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فَرَضِيَها كان كمن شهدها. ))
[أبو داود عن الْعُرْس بْنِ عَميرة الْكِندِيِّ]
الآن أنــت يكفيك أن تسمع عن سلوك منحرف في أوروبا وتقول كلمةً واحدة: بسيطة، والجماعة أعطوا نفوسهم هواها، فهل تدري ماذا قلت ؟؟ إذا قلت هذه الكلمة عن مجتمع يبعد عنك عشرة آلاف كيلو متر كأنّك شهدت هذه المعصية ورضيت بها وأنت شريكٌ في الإثم:
(( إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شَهِدَها فكَرِهَها ـ وقال مرة: فأنكرها ـ كان كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فَرَضِيَها كان كمن شهدها. ))
[أبو داود عن الْعُرْس بْنِ عَميرة الْكِندِيِّ]
هذا ينقلنا إلى حديث رسول الله:
(( الذنب شؤم على غير صاحبه ))
[الجامع الصغير عن أنس بسند فيه ضعف]
((الذنب شؤم على غير فاعله إن عَيَّره ابتلى به وإن اغتابه أثم وإن رضى به شاركه ))
[ الديلمي عن أنس ]
التعليم بالمواقف أبلغ من التعليم باللسان:
أخواننا الكرام، يجب أن تكون دقيقاً جداً، إذا ارتكب أخوك معصية، فإن ذكرتها فضحته واغتبته، وإن عيّرته بقولك مثلاً: أين عقله ؟! ابتليت بهذه المعصية عقاباً لك على هذا التجبُّر، وإذا قلت: ماشي الحال دبرّ حاله والعمل فيه معصية فقد شاركته في الإثم، فكلّما ارتكب أخوك ذنباً ينبغي عليك أن لا تقرّه، وينبغي ألا تشمت به، ألا تعيّره، وينبغي ألا تفضحه، وينبغي ألا ترضاه له، إن رضيته فقد شاركته، وإن عيّرته ابتُليت به، وإن ذكرته فقد اغتبته.
ينبغي أن تقول: هداه الله إلى الصواب وعصمني من الزلل، دائماً التعليم بالمواقف أبلغ من التعليم باللسان، المربّي ينبغي أن يبدأ الأولاد بالسلام، لأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يفعل ذلك، كان يسلّم على الصبيان إذا مرّ بهم، فقد روى الشيخان عن أنس رضي الله عنه:

(( أنّه مرّ على الصبيان فسلّم عليهم وقال: كان النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم يفعله ))
[متفق عليه عن أنس رضي الله عنه ]
(( أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرّ على غِلمانٍ فسلّم عليهم ))
[مسلم عن أنس رضي الله عنه]
(( أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم مـرّ على غِلمانٍ يلعبون فسلّم عليهم ))
[أبـو داود عن أنس رضي الله عنه]
في روايةٍ أُخرى قال لهم:
(( السلام عليكم يا صبيان ))
[ابن ماجة عن أنس رضي الله عنه]
أرجو الله سبحانه وتعالى أن يحملكم على أن تهتمّوا بالصغار، أحياناً السلام، ابتسامة بوجه طفلٍ صغيرٍ، أو قطعة من الحلوى تقدّمها له، أحياناً نصيحةً تنصحه إيّاها.
ذكر لي رجل وهو الآن ملء السمع والبصر في دينه وفي تقواه قال لي: عندما كنت صغيراً كان لي أستاذ، غبت عن المدرسة أحد الأيّام وتفقّد غيابي وكنت قد ذهبت إلى السينما، فعاقبني عقاباً شديداً ثم نصحني، ثم أعطاني هديةً على صلاتي، قال لي: والله منذ ذلك التاريخ وأنا أحترم هذا المعلّم وأُجلُّه، وحينما علم أنّه قد توفّاه الله عزَّ وجلَّ بكى، لأنّه أدّبه على المعصية، وكافأه على الطاعة.
قد لا تدري أنت بكلمة طيّبة ماذا تفعل ؟ يقول لي أحدهم: دخلت إلى مسجدٍ لأصلّي سرق حذائي، وهو طفلٌ صغيرٌ في ريعان صباه، تألّم ألماً لا حدود له إذ يبدو أنّه فقير والحذاء جديد، صار يبكي، فرآه رجلٌ من المصلّين يبكي، فقال له: ما لك يا بنيّ تبكي ؟ فقال له: سُرق حذائي يا عم، هذا الرجل يبدو أنه صالح، وكان ذلك في سوق الحميديّة، فأخذه إلى بائع الأحذية واشترى له حذاءً من فوره، هذا الحذاء الذي اشتراه هذا الرجل الكبير لهذا الطفل الصغير كان سبب محافظته على الصلاة طوال حياته، طفل فجع بحذاء له، فالمفروض أن نعينه.
البارحة أعلمني أخ بسرقة حذائه، وبالطبع الجامع مفتوح للجميع، وتوجد نفوس مريضة جداً، قدر الإمكان لا تحضروا بحذاء جيّد إلى المسجد، فقد ذكر لي أحدهم ذات مرّة أنّه قد حضر بحذاء ثمنه سبعة آلاف، ألم تجد غيره لتأتي به إلى الجامع ؟ احضر بحذاء رخيص الثمن، تألّمت ألماً شديداً لهذا الأخ الكريم الذي أتى ليحضر الدرس فسرق حذاءه، فانتبهوا وضعوا أحذيتكم بأماكن جيّدة، وسأكلّف بعض الأخوة بمراقبة أماكن الأحذية، فسارق الحذاء عمله هذا مضاعف لأنّه كان ضمن المسجد.
الشاهد أنّ هذا الطفل الصغير الذي فجع بسبب سرقة حذائه واشترى له هذا الرجل الكبير غيره، كان سبباً لمحافظته على الصلاة لفترة طويلة.
من الكبائر ألا تجيب السلام:
كان عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يرسل كتاباً إلى غير المسلمين ماذا يقول في الكتاب ؟ يقول: السلام على من اتّبع الهدى، طبعاً هذا الكلام حق.
الشيء الآخر إنّ إجابة السلام فرض عين، طرح السلام سنّة، وإجابته فرض عين، روى ابــن السُنّيّ عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال:

(( من أجاب السلام فهو له، ومن لم يجب فليس منّا ))
[ابن السني عن عبد الرحمن بن شبل]
كلمة (فليس منّا) كلمة كبيرة جداً، أي أنّه من الدلائل على أنّه من الكبائر ألا تجيب السلام:
(( من أجاب السلام فهو له، ومن لم يجب فليس منّا ))
[ابن السني عن عبد الرحمن بن شبل]
الله عزَّ وجلَّ قال:
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا (86) ﴾
( سورة النساء: آية " 86 " )
توجد نقطة جديدة في السلام:
(( يا رسول الله الرجلان يلتقيان أيُّهما يبدأُ بالسلام ؟ قال: أولاهما بالله تعالى))
[رواه الترمذي عن أبي أُمامة]
الأقرب إلى الله يبدأ بالسلام، الأكمل يبدأ بالسلام، الأكثر إيماناً يبدأ بالسلام وفي رواية:
(( إنّ أولى الناس بالله من بدأهم بالسلام ))
[رواه أبو داود عن أبي أمامة]
الآن، الذي يبدأ بالسلام أقرب إلى الله، الذي يبدأ بالسلام أكبر إيماناً، الذي يبدأ بالسلام أولى بالله.
حالات ينبغي ألا تلقي السلام فيها:
هناك حالات ينبغي ألا تلقي السلام فيها: مجلس علم منعقد بالمسجد ويدخل شخص ويلقي السلام: السلام عليكم، هنا السلام مكروه، هذه الأحوال ذكرها العلماء، الذي يتوضّأ لا يُسَلَّم عليه، لأنّ الوضوء عبادة، ومن في الحمّام لا يُسَلَّم عليه، ومن يأكل لا يُسَلَّم عليه، ومن يقاتل لا يُسَلَّم عليه، والذي يتلو القرآن لا يُسَلَّم عليه، والذي يذكر الله لا يُسَلَّم عليه، والذي يلبّي في الحج ويقول لبيك اللهمّ لبيك هذا لا يُسَلَّم عليه، وخطيب الجمعة لا يُسَلَّم عليه، والواعظ في المسجد لا يُسَلَّم عليه، ومدرِّس الفقه لا يُسَلَّم عليه، والمشتغل بالتدريس بشكلٍ عام لا يُسَلَّم عليه، والباحث في العلم لا يُسَلَّم عليه، والمؤذّن لا يُسَلَّم عليه، والذي يقيم الصلاة لا يُسَلَّم عليه، ومن يقضي حاجته لا يُسَلَّم عليه، والذي يشتغل بالقضاء بالحكم بين الناس لا يُسَلَّم عليه، هذه الأحوال كلّها السلام يسقط فيها.
هذه الأعمال أعظم من أن تطرح عليه السلام، وفي هذه الأحوال ينبغي أن تعلّموا أولادكم أنّه من الكراهة بمكان أن تطرح السلام، أحياناً الإنسان يكون ماشياً مع زوجته ومستحٍ، وتقول له: السلام عليكم، فإذا رأيته كذلك فابتعد عنه ولا شيء عليك، ولا تحرجه، بعض الأحوال تشعر أنّ السلام لا يناسب، من سلّم في هذه الحالة التي لا يستحب فيها السلام لم يستحق المسلّم جواباً، فإذا لم تردّ عليه فلا مانع، فأنت تُدَرِّس ويقول لك: السلام عليكم، أنت على المنبر، تذكر الله، تتلو القرآن، في هذه الأحوال لا ينبغي أن يسلّم عليه الإنسان، فإذا سلّم عليه جاهل ينبغي ألا يرُدّ عليه.
هذه بعض آداب السلام، الأحوال التي يكره فيها طرح السلام، وأنّ الذي يسلّم أولاً هو أعلى عند الله مقاماً، وأنّك إذا سلّمت على غير المسلمين قل: السلام على من اتّبع الهدى، وأنّك إذا سلّمت على تلاميذك أو أبنائك فقد علّمتهم درساً عملياً، ولا ينبغي أن نستخدم سلام الأجانب لأنّه تشبُّه بهم، وينبغي أن نتعلّم آداب السلام، الراكب على الماشي، الماشي على القاعد، القليل على الكثير، الصغير على الكبير، وينبغي أن نسلّم السلام الكامل بقولنا: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والذي يبدأ هو الأرقى.

آداب الاستئذان:
الآن ننتقل إلى آداب الاستئذان، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (59) ﴾
( سورة النور )
أي إذا كان الطفل دون الحلم له أن يستأذن ثلاث مرّاتٍ في اليوم، المرة الأولى من قبل صلاة الفجر، والمرّة الثانية وقت القيلولة، والمرّة الثالثة بعد صلاة العشاء.
أمّا إذا كبر هذا الطفل الصغير ينبغي أن يستأذن على أمّه وأبيه كلّما دخل عليهم، فلّما تعجّب أحد أصحاب رسول الله قال عليه الصلاة والسلام: أتحبّ أن تراها عريانة.
(( رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أستأذن على أمي ؟ قال: نعم، قال: إني أخدمها ؟ قال: استأذن عليها، فعاوده ثلاثاً، قال: أتحب أن تراها عريانة ؟ قال: لا قال: فاستأذن عليها ))
[رواه الطبري عن عطاء بن يسار]
غرفة نوم الأم والأب فيها يخلعون ثيابهم، أيحبّ الابن أن يرى أُمّه عريانة ؟ إذاً ينبغي أن يستأذن دائماً، فإذا تجاوز سنّ الحُلم ينبغي أن يستأذن دائماً، أمّا دون سنّ الحُلم فثلاث عورات، من قبل صلاة الفجر، وفي القيلولة، وبعد صلاة العشاء.
عندما يكون الإنسان نائماً قد يكون مكشّفاً، فإذا كانت أمّه نائمة قد تكون مكشّفة، فالدخول على الأم ينبغي أن يكون وفق الاستئذان.
للاستئذان آدابٌ وهي مرتّبة كالتالي:
للاستئذان آدابٌ أخرى وهي مرتّبة كما يلي:
1ـ الاستئذان بقول " السلام عليكم أأدخل ":
(( أنّ رجلاً من بني عامر استأذن على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو في بيتٍ فقال: أألج ؟ فقال عليه الصلاة والسلام لخادمه: اخرج إلى هذا فعلّمه الاستئذان، فقل له: قل السلام عليكم أأدخـل ؟ فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم أأدخل ؟ فأذن له النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فدخل ))
[ رواه أبو داود عن ربعي ]
هكذا علّمنا النبيّ، السلام عليكم أأدخل ؟
2ـ الإعلان عن الاسم أو الصفة أو الكنية:
الأدب الثاني، أن يعلن عن اسمه أو صفته أو كنيته، لما جاء في الصحيحين في حديث الإسراء المشهور قال عليه الصلاة والسلام:
(( فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح فقيل: من هذا ؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك ؟ قال: محمد. ))
[متفق عليه عن مالك بن صعصعة]
وفي الصحيحين:
(( لمّا جلس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على بئر البستان وجاء أبو بكر فاستأذن فقال أبو موسى: من ؟ قال: أبو بكر. ثم جاء عمر فاستأذن. قال: من ؟ قال: عمر. ثم عثمان))
[متفق عليه عن أبي موسى]
أي أنّ الأصول أن تقول ـ ولو على الهاتف ـ من حضرتك، أحياناً يقول لك: خمِّن، ما هذه الكلمة ؟ فلان الفلاني، السلام عليكم فلان يتكلّم، أعلن عن اسمك قبل الاستئذان، سلّم وقل أنا فلان، شيء جميل جداً يعني منتهى الأدب أن تقول أنا فلان، إمّا على الباب أو على الهاتف، جاء في الصحيحين:
(( أتيت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فدققت الباب. فقال: من ذا ؟ فقلت: أنا. فقال عليه الصلاة والسلام: أنا، أنا، كأنّه كرهها ))
[متفق عليه عن جابر بن عبد الله]
أنا، من أنت ؟ فلان، إذاً الإشارة هنا إلى أنّه ينبغي أن تعلن عن اسمك.
3ـ الاستئذان ثلاث مرّات:
الاستئذان ثلاث مرّات، ورد في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:
(( الاستئذان ثلاث فإن أُذن لك وإلا فارجع ))
[مسلم عن أبي موسى وأبي سعيد]
قال: يحسن أن يكون بين استئذان المرّة الأولى والثانية انتظار مقدار صلاة أربع ركعات، فإذا كان يصلّي الظهر فمن غير معقول أن يسمع دقّات متلاحقة غير معقولة، فهو يصلّي، أطول صلاة بمقدار أربع ركعات، بعد القرعة الأولى أن تنتظر مقدار صلاة أربع ركعات، في المرّة الأولى وفي الثانية.
أيها الأخوة، فالإنسان يكون بقضاء حاجة، أو بالحمام، أو يتوضّأ، أو يصلّي، فتجد إنساناً أرعن يطرق الباب وكأنّ صاحب البيت واقفٌ خلف الباب ينتظره، هذه ليست من السنّة.
إذاً الاستئذان ثلاث مرّات والأفضل أن يكون بين المرتين مقدار صلاة أربع ركعات.
4ـ ألا يدق الباب بعنف:

من آداب الاستئذان ألا يُدقّ الباب بعنف، ولا سيّما إذا كان ربُّ المنزل أباه أي أبا الصغير، أو أستاذه، أو رجلاً ذا فضل، فقد أخرج البخاري عن أنسٍ رضي الله عنه:
((أَنَّ أَبْوَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ تُقْرَعُ بِالْأَظَافِرِ. ))
[البخاري عن أنس رضي الله عنه]
لشدة أدب أصحاب رسول الله، وكان السلف يقرعون أبواب أشياخهم بالأظافر، وهذا يدلُّ على مبالغتهم في الاحترام والأدب، وهو حسن لمن قرُب محلّه من بابه، فإذا كان البيت كبيراً جداً يبلغ ثلاثمئة متر مثلاً فلن يسمعوك لو قرعته بالأظافر، أمّا إذا كان في البيت جرس فنقرعه مرّة واحدة، الآن ولّى زمن الأظافر واستحدثت وسائل أخرى، شرط ألا يطرق بعنف، أما إذا كان على الباب جرسٌ ـ كما جرى العرف اليوم ـ فيقرع المستأذن بقرعةٍ خفيفةٍ لطيفة تدّلّ على لطفه وكرم أخلاقه ومعاملته.
5ـ أن يتحوّل عن الباب عند الاستئذان:
الآن من آداب الاستئذان أن يتحوّل عن الباب عند الاستئذان، بعدما طرق الباب يعطي ظهره للباب خوفاً من وقوف امرأةٍ أجنبيّة أثناء فتح الباب، والاستئذان جعل من أجل النظر هكذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( إنّما جعل الاستئذان من أجل البصر ))
[أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن سهل بن سعد]
لئلا ترى.
(( لا تأتوا البيوت من أبوابها، ولكن ائتوها من جوانبها فاستأذنوا، فإن أُذن لكم فادخلوا وإلا فارجعوا ))
[رواه الطبرانيّ عن عبد الله بن بشر رضي الله عنه ]
(( إذا أتى باب قومٍ لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم ))
[رواه أبو داود عن عبد الله بن بشر رضي الله عنه]
(( من اطّلع في بيت قومٍ فقد حلّ لهم أن يفقؤوا عينيه ))
[متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه]
طبعاً لو فقؤوا عينيه يعاقبون، لكن هذا الحديث العلماء قالوا عنه: أن النبيّ أراد أن يبيّن عظم الذنب الحاصل من اطلاعك على بيت أخيك.
التلصص، النظر غير المقصود، النظر لمعرفة ماذا في داخل البيت، هذا لا يجوز.
(( من اطَّلع في بيت قومٍ ففقؤوا عينه فلا دِيَة ولا قصاص ))
[ النسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه]
على المؤمن ألا يتألم إذا لم يُؤذَن له بالدخول:
المقصود أن لا يطلّع الإنسان، وقال الله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى (28) ﴾
( سورة النور )
قال قتادة:
(( قال بعض المهاجرين: لقد طلبت عمري كلّه هذه الآية فما أدركتها، أن استأذن على بعض أخواني، فيقول لي: ارجع، فأرجع وأنا مغتبط.))
[الطبري عن قتادة]
إذا أُبْلِغَ الشخص بوجود مشكلة ما، أو مشغولين، أو عدم إمكانيّة استقباله، فإن غضب من ذلك فهو لم يفهم الآية أبداً، فهو غير متفقّهٍ في الدين، مادام الله عزَّ وجلَّ يقول لك:
﴿ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا (28) ﴾
( سورة النور )
جئت على غير موعد والشخص يقوم بعمل مهم جداً، هذا الشي يحدث، قد يكون هناك لقاء حاسم لقضيّة خطيرة، حل لمشكلة، أو توفيقٍ بين زوجين ويجب أن لا يتواجد شخصٌ ثالثٌ، فإذا جاء إنسان من غير موعد وقلت له: والله نحن مشغولون، فلا شيء في ذلك، لو كان هناك موعد معك كلّ الحق، أما لا يوجد موعد وأنا الآن أقوم بعملٍ خطيرٍ، كأن يكون الشخص يقوم بتحضير درس من الدروس والوقت حرج جداً، فالإنسان المؤمن إذا قيل له: ارجع، ينبغي أن يرجع دون أن يتألّم.
كلّما ارتقى الإنسان تجده أديباً:
إن شاء الله تعالى في درسٍ قادم أتحدّث عن آداب المجالس، وعن أدب الحديث وعن آداب أُخرى، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع بها لأنّ الإسلام كلّه أدب، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام لمّا سئل: ما هذا الأدب ؟ قال:
(( أدبني ربّي فأحسن تأديبي.))
[رواه العسكري عن علي رضي الله عنه]
لفت نظري في السيرة أن سيّدنا زيد الخير وقد كان رجلاً جاهلياً، قدم المدينة واستمع إلى خطاب النبيّ يوم الجمعة، والنبيّ رحّب به وأخذه إلى بيته، وهو حديث عهد بالإسلام فقد أسلم من نصف ساعة تقريباً، وكان قد سمع الخطبة وقال: يا محمد أشهد أن لا إله إلا الله وأنّك رسول الله وأسلم، والنبي أخذه إلى البيت، أعطاه متّكأً وقال له: اتكئ عليه فقال هذا الصحابي الجليل الذي أسلم منذ قليل: والله يا رسول الله لا أتكئ في حضرتك.
قضيّة ذوق، كيف يجلس متكئاً أمام النبي ؟ فكلّما ارتقى الإنسان تجده أديباً، والله أديب في جلوسه، فإذا جلس تجده جالساً بأدب، البعض يجلس مباعداً بين رجليه، والآخر يجلس دون ذوق إطلاقاً، أو يجلس جلسة غير مقبولة، غير مهذّبة، فالإنسان كلّما اتصل بالله عز وجل يصير مهذّباً في جلوسه، في كلامه، في حديثه، في حركته.








والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 09:15 AM   #25


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثالث و العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 10 )ادب المجلس







الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام لازلنا مع تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا في الآداب الخاصّة التي أدّب بها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم صحابته الكرام، ونحن مع الدرس الثالث والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، وننتقل الآن إلى أدب المجلس.
آداب المجلس:
المجالس لها آداب، ودائماً وأبداً كلّما رأى الصحابة الكرام من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ذلك الأدب الرفيع وذلك الخلق الكريم كانوا يسألونه: ما هذا الأدب يا رسول الله ! فيقول عليه الصلاة والسلام:
(( أدبني ربّي فأحسن تأديبي.))
[رواه العسكري عن علي رضي الله عنه]
تأديب الله للنبي من خلال التوجيهات القرآنيّة، وقلت لكم في درسٍ سابق التأديب إمّا أن يلقى عليك توجيهٌ معيّن، وإمّا أنّ اتصالك بالله يكسبك هذا الخلق الرفيع، إمّا تنطلق من ذوق، أو من معلومات، هذه حرام لا تفعلها، أو إذا سمت نفسك باتصالها بالله عزَّ وجلَّ تتأدّب بالأدب الإسلامي الرفيع.
1ـ المصافحة:
نحن الآن مع أدب المجلس، الأدب الأول إذا دخلت إلى مجلس عليك أن تصافح من في المجلس.
((إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله واستغفراه غفر لهما ))
[رواه أبو داود عن البراء]
أي أنّك كلّما التقيت بأخيك المسلم وصافحته وسلّمت عليه باشّاً، طليق الوجه، الله سبحانه وتعالى يرضى عنكما ويغفر لكما، فالمصافحة جزءٌ أساسي من توجيهات النبيّ عليه الصلاة والسلام.
(( ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر الله لهما قبل أن يفترقا ))
[ رواه الترمذيّ عن البراء رضي الله عنه]
كأنّ الله سبحانه وتعالى يحبّنا مجتمعين، ويحبّنا متعاونين، ويحبّنا أصفياء وأخلاّء، يحبّنا مخلصين ومتسامحين، وهذا السلام الحار، المودّة البالغة التي تمنحها لأخيك هذا من الأعمال الصالحة التي يرضى الله عنها، وتعبيرك عن حبّك لأخيك يبدو بهذا السلام الحار، وفي حديـثٍ ثالث في الموطّأ:
(( تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابّوا وتذهب الشحناء ))
[ مالك عن عطاء الخرساني ]
المصافحة تنمّي المحبّة وتذهب الغل والحقد، والهديّة تزيل الحقد بين الأخوين، فهذه نصيحةٌ نبويّة، كلّما رأيت في قلبك غلاً لأخٍ ما أو رأيت في قلبه غلاً تجاهك، بادر إلى إكرامه:
(( تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَغرَ الصَّدْرِ ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
2ـ أن تجلس حيث أشار لك صاحب البيت:
الآن الأدب الثاني في المجلس أن يجلس الزائر في المكان الذي يخصصه له ربُّ البيت، وربُّ البيت أدرى ببيته، فيوجد مقعد ليس أمامه شيء، وآخر أمام نافذة والنافذة على ممشى، والممشى فيها نساء، فإذا قال لك صاحب البيت: تفضّل بالجلوس هنا، لا ينبغي أن تعترض أبداً لأنّ الأمكنة في البيت مدروسة، فكل مكان له ميزة، ربما جلس هو في مكان يرى خارج الغرفة، أمّا إذا جلست أنت مكانه كشفت أهـل البيت، فالأدب النبوي أن تجلس حيث يشير لك صاحب البيت، من دون مراجعته بقولك هنا أريح لي أو أنشط، فهذا ليس من أدب المسلمين، أينما أجلسك اجلس، فربُّ البيت أدرى بالذي فيه، أهل مكّة أدرى بشعابها وقد ورد في الحديث الشريف:
(( من دخل دار قومٍ فليجلس حيث أمروه، فإنّ القوم أعلم بعورة دارهم.))
[الطبراني في الأوسط، وابن عساكر عن أبى هريرة]
إذاً المصافحة، ثم أن تجلس حيث أشار لك صاحب البيت.
3ـ الجلوس في محاذاة القوم لا في وسطهم:
الأدب الثالث أن تجلس في محاذاة القوم لا في وسطهم، فأحياناً تكون المقاعد على شكل صفوف، أو على شكل حلقة، وهو يحب أن يجلس في مكان وجيه ولا يوجد محل فيجلس منفرداً في المنتصف، ظهره إلى النصف، ووجهه إلى النصف الآخر، هذا المكان منهي عن الجلوس فيه، لذلك على الإنسان أن يجلس في محاذاة الناس لا في وسطهم فقد روى أبو داود بإسنادٍ حسن عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنّ:
(( رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لعن من جلس في وسط الحلقة.))
[أبو داود عن حذيفة بن اليمان]
روى الترمذيّ أنّ رجلاً قعـد وسط الحلقة فقال حذيفة:
(( ملعونٌ على لسان محمد صلّى الله عليه وسلّم من جلس في وسط الحلقة.))
[الترمذي عن حذيفة بن اليمان]
أي كن مع الناس، ولا تكن في الوسط، أحياناً تكون في ضرورة أو حرج، فإذا كانت هناك ضرورة فالضرورات تبيح المحظورات، فقد قال تعالى:
﴿ وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلاة ﴾
( سورة الحج: آية " 78 " )
4ـ ألا تجلس بين اثنين إلا بإذنهما:
الآن الأدب الرابع، ألا تجلس بين اثنين إلا بإذنهما، قد يكونا أخوين، أو شريكين، أو جارين، أو زميلين، وبينهما حديث فإذا جلست بينهما فقد أسأت، ألا تجلس بين اثنين إلا بإذنهما، فقـد روي عـن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:
(( لا يحلُّ لرجلٍ أن يفرّق بين اثنين إلا بإذنهما. ))
[رواه أبو داود والترمذي عن أسامة بن زيد الليثي]
(( لا يُجلَس بين رجلين إلا بإذنهما. ))
[أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده]
إذا كانا اثنين فليس لك أن تجلس بينهما ولاسيما إذا كانا أخوين أو قريبين أو شريكين أو صديقين أو جارين فبينهما حديث. 5ـ أن يجلس القادم حيث ينتهي به المجلس:
الآن الأدب الخامس، أن يجلس القادم حيث ينتهي به المجلس.
النبيّ عليه الصلاة والسلام من شمائله النبويّة أنّه إذا دخل يجلس حيث ينتهي به المجلس، فقد كان الشيخ بدر الدين رحمه الله يطبّق هذه السنّة، أينما دخل يجلس حيث ينتهي به المجلس.
(( كنّا إذا أتينا النبيّ صلّى الله عليه وسلّم جلس أحدنا حيث ينتهي ))
[أبو داود والترمذي عن جابر بن سمرة رضي الله عنهما ]
هذا إذا كان الشخص القادم شخصاً عادياً، لكن هناك استثناء، أنت كصاحب بيت الآن أي كمضيف، فإذا قدم عليك إنسان من أهل العلم ينبغي ـ وأنت صاحب البيت ـ أن تضعه في المكان الذي يليق به وهذا من السنّة لقول النبيّ عليه الصلاة والسلام:
(( أنزلوا الناس منازلهم ))
[أبو داود عن ميمون عن أبي شديد رضي الله عنهم ]
وفد عبد قيس قدموا على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، رحّب بهم وأوسع لهم وقرّب زعيمهم المنذر بن عائد إليه وأقعده عن يمينه، بعد أن رحب به وألطفه، هذا من السنّة، أي إذا وجد شخصاً من علية القوم، ودائماً نقول لكم نحن لا نعظّم أرباب الأموال ولا الأقوياء غير المنضبطين، بل نعظّم الذين لهم اتصال بالله عزّ وجلَّ، الذين لهم أعمال طيّبة حتى إذا كان ميسوراً ولكن له أعمالاً طيّبةً جداً هذا إذا أكرمناه تشجيعاً له، فالتكريم هو تكريم أهل العلم والفضل وهذا من السنّة.
6ـ ألا يتناجى اثنان دون الثالث فإنّ ذلك يحزنه:
الآن من آداب المجالس أيضاً ألا يتناجى اثنان دون الثالث فإنّ ذلك يحزنه، مثلاً نحن ثلاثة، اثنان أسروا بينهم الحديث، فهذا الثالث ظن بأنهم يتحدثون عنه، أولاً هذا يحزنه يجعله خارج القوس، ثانياً لعلّهم يتحدثون عنه، فإذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث فإنّ ذلك يحزنه.
بالمناسبة أيّها الأخوة الكرام أنا أتألّم جداً حينما نكون في الصلاة أو في صلاة السنّة وتجد أخوين يتناجيان في الحرم وبصوت مرتفع فأقول: أين أدب المجلس ؟ فهذا بيت الله، حتى لو انتهى الدرس المفروض إذا تحادثنا أن نتحدث بصوت منخفض، والأكمل أن نتحادث خارج الحرم وفي الصحن، ونحن من فضل الله مسجدنا له ميزة، هذا الصحن يتسع لكل الحاضرين في الحرم، فلهم أن يقفوا وأن يتكلّموا وأن يتسامروا وأن يعدوا بعضهم بعضاً لكن في الحرم لا، فالحرم له قدسيّته، وبالطبع إذا أردتم الكلام بعد الدرس وبصوت منخفض فلا مانع، ولكن أثناء الصلاة أو أثناء قراءة القرآن والكلام بصوت مرتفع فهذا لا يجوز.
7ـ من خرج من مجلسه لحاجةٍ ثم رجع فهو أحقُّ بمجلسه:
من خرج من مجلسه لحاجةٍ ثم رجع فهو أحقُّ بمجلسه، فقد شاهدت مئات المرّات وبعقود قران وبحفلات كبيرة عندما قام الخطيب ليلقي كلمة جلسوا مكانه، فلمّا انتهت كلمته أحرج، فإذا قام من أحد من مجلسه ووجدت آخر سيجلس مكانه فقل له: هذا المكان لفلان، لا مانع، إذا قام رجل من مجلسه لحاجةٍ فهو أحقُّ بهذا المجلس إذا رجع، فالحديث النبوي الشريف:
(( إذا قام أحدكم من مجلسٍ ثم رجع إليه فهو أحقُّ به.))
[رواه مسلم عن قتيبة بن سعيد]
8ـ الاستئذان قبل الخروج من المجلس:
الأدب الآخر من آداب المجالس أنّ على الإنسان أن يستأذن قبل انصرافه من المجلس.
فأنا أُعاني من قضيّة سأقولها لكم: يكون أحد الأخوة الكرام طالباً مني قضيّة أو حاجة وليس في بيته هاتف ولا أعرف عنوان بيته، ويأتي إلى الدرس، وعندي له مفاجأة سارّة ولا يسلّم، فكيف أتّصل به ؟ نحن جعلنا السلام سريعاً حتى لا يستغرق وقتاً، ولكن أحياناً أنت صاحب مصلحة وليس لديك عمل في هذا الوقت، ويريد أخ تركيب ألمنيوم مثلاُ، أو أخ يريد نجّاراً وأنت تعمل في النجارة ولا عمل لديك، وقد استنصحني إنسان، فأردت أن أنصحه فيك ولكنني لم أستطع أن أراك، فالسلام لو استغرق من الوقت عشر دقائق أفضل لأن كلمة أحياناً تحلّ مشكلة.
النبيّ الكريم هكذا علّمنا أنّ على الإنسان أن يستأذن قبل انصرافه من المجلس لقول النبيّ عليه الصلاة والسلام كما روى الشيخان:
(( إنّما جعل الاستئذان من أجل البصر ))
[أحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن سهل بن سعد]
الحقيقة هذا المقصود به إذا كنت في بيت وأردت أن تخرج منه فهل من المعقول أن تخرج دون معرفة صاحب البيت ؟ فلعل النساء خارج الغرفة، أو عند الباب الخارجي، فليس لك الحق إطلاقاً أن تخرج من البيت إلا عن طريق صاحب البيت، إلا أن تستأذنه، وقد أضفت إلى هذا، إذا كنّا في المسجد والباب مفتوح، ولكن هذا السلام السريع يحلّ مشكلة كبيرة جداً، أليس لي الحق في أن أتفقّد أخواني ؟ أليس هذا من السنّة، فالنبي الكريم علّمنا أنّ الإنسان يجب أن يتفقّد أصحابه، ذات مرّة سألت أحد الأخوة عن عدم رؤيتنا له منذ شهر تقريباً ! فقال لي: أنا أحضر دوماً ولكنني أجلس في صحن المسجد وأنصرف على الفور، فما ذنبي ؟! أنا عندي علم بأنّه لم يحضر الدروس، فإذا جلس الإنسان في هذا الجو الحار خارج حرم المسجد وأراد أن ينصرف فالأولى أن يسلّم، والأكمل أن يسلّم، فأولاً السلام يحدث المودّة بيننا، والسلام يحدث الطمأنينة، ويحدث شعوراً بأن الأخ الفلاني مواظبٌ على الحضور، فهو يغيب عندي ولكنّه لا يغيب عن الدروس فلمّا عاتبته وجدته يحضر كلّ الدروس وذكر لي موضوعاتها ولكنّه يخرج على الفور، فالأكمل أن تصير هذه المودّة بهذا السلام.
9ـ دعاء كفارة المجلس:
الآن، إذا انتهى المجلس ووقفنا لنغادر فالنبي الكريم علّمنا دعاء كفّارة المجلس، فقد كان عليه الصلاة والسلام يقول:
(( سبحانك اللهمّ وبحمدك، أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. فقال رجل يا رسول الله: إنّك لتقول قولاً ما كنت تقوله فيما مضى. قال: كفّارةٌ لما يكون في المجلس.))
[أبو داود والنسائي والحاكم من طريق الحجاج بن دينار]
أي حدثت كلمة، أو إشارة، أو عبارة، أو تعريضٌ بإنسان، أصبح يوجد خطأ، فإذا قمنا ووقفنا قلنا: أستغفر الله، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أنّ لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، هذا الدعاء كفّارة ما كان في المجلس.
إذاً آداب المجلس أن تصافح من تلتقي بهم في المجلس واحداً وَاحداً، أحياناً يكون مجلس العلم في بيت مثلاً والمتكلّم يتكلّم والجميع منصتون، الأكمل في هذه الحالة أن تدخل وتجلس من دون سلام لوجود مجلس العلم، أمّا إذا كانت الجلسة عاديّة والحديث مفتوح أو معايدة، ولا أحد يتكلّم فقل: السلام عليكم، وصافحهم واحداً وَاحداً، هكذا السنّة، وأن يجلس في المكـان الذي يشير إليه صاحب البيت، وأن يجلس في محاذاة الناس لا في وسطهم، ألا يجلس بين اثنين إلا بإذنهما، أن يجلس القادم حيث ينتهي به المجلس إذا كان إنساناً عاديّاً، وإذا كنت إنساناً غير عادي فاجلس أنت حيث ينتهي بك المجلس ولكن إذا أحبّ أن يكرّمك صاحب البيت بسبب فهذا كرم منه، ولا تفرض عليه أنت ذلك، كأن تقول: ألا يوجد مكان بصدر المجلس فالسلام عليكم أنا سوف أعود، فهذا ليس وارداً على الإطلاق، أنت اجلس حيث ينتهي بك المجلس، فلو أنّ صاحب البيت لم ينتبه لذلك فلا مانع وهكذا النبي علّمنا حتى لا تأخذ على خاطرك، فمن أنت أمام رسول الله ؟! فإذا دخلت فاجلس في المقعد الأوّل فإذا كان صاحب البيت يعرف قيمتك ولك مهمّة أو لك كلمة فوضعك في مكان آخر لائق فلا مانع فقد كرّمك وهو مكلّف أن يكرّمك من قبل النبي، السنّة علّمته، وأنت كزائر مكلّف أن تجلس حيث ينتهي بك المجلس، وألا يتناجى اثنان دون الثالث فإنّ ذلك يحزنه، لكن قالوا إذا كانوا أربعة أشخاص أو ستّة فلا مانع من المناجاة، وأحياناً نكون بانتظار الطعام ولا يوجد حديث، وتكلّمت مع أخيك والحضور ثمانية فلا مانع من ذلك أمّا ثلاثة فلا يجوز أن تناجي من بجوارك.
ائتلاف القلوب و اجتماع النفوس عند التحدث عن الله عز وجل:
بالمناسبة أيّها الأخوة الكرام، لاحظت شيئاً له أثر سلبيّ كبير، فماذا تعمل ؟ فرضاً تعمل تاجراً فليس لك مصلحة أن تتحدّث عن عملك أمام جماعة لا يعملون في التجارة فقد تحزنهم بكلامك، أو أنت تحمل شهادة عليا وبالمجلس أناس لم يحصلوا على هذه الشهادات فليس لك الحق أن تتكلّم عن ميّزات شهادتك وعن علاماتك، أي أنّ كلّ كلام يسبب الحزن للآخرين هذا ليس من السنّة، أحياناً الإنسان يتكلّم بكلام يطيّب قلوب الحاضرين، أحياناً أرى شخصاً لم يدرس أبداً فأقول له: كفى بالمرء علماً أن يخشى الله.
إنني أؤمن أنّ الإنسان لو كان مستقيماً فهذا يعتبر أكبر عالم ولا أقول هذا الكلام مجاملةً، فالإنسان المستقيم عالم، فكفى بالمرء علماً أن يخشى الله، فلو كان أحدكم يحضر دروساً للعلم في المسجد ولمدّة عشر سنوات وثلاثة دروس في الأسبوع، والجامعة أربع سنوات وتأخذ الليسانس في أربع سنوات، فكل أسبوع تفسير وفقه وسيرة وتوجيهات عامّة ومكارم أخلاق فبالطبع هذا علم، فهل يجب أن تكون معك شهادة معلّقة على الحائط ؟ ليس هذا من شروط التعلّم.
إذاً يجب دائماً أن تتكلّم كلاماً يجبر خاطر الحاضرين، إذا كان الحديث عن الدنيا فالدنيا تفرّق ولا تجمع، أمّا عن الله الحديث يجمع، كلّما تحدّثت عن الله عزَّ وجلَّ ائتلفت القلوب واجتمعت النفوس، وظهر البشر على الوجوه، أمّا حدثهم عن دخلك، وأنّك قمت بنزهة لأوروبا وتكلّفت مبلغاً كبيراً من المال، فما فائدة هذا الكلام ؟! كلام فيه من التبجُّح، والعلو، والافتخار، فلا تحاول أبداً أن تعلو على الناس، استمع إلى هذه الآية الكريمة:

﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83) ﴾
( سورة القصص: آية " 83 " )
الحديث عن الدنيا يفرِّق بينما الحديث عن الله تعالى يجعلنا نرتقي ونسمو:
هناك أشخاص من حديثهم يحبّون العلو في الأرض، يفتخر بماله، بتجارته، بهندامه، بشكله، إذا كان يلبس لباساً أنيقاً ولم يتكلّم أحد بكلمة مديح له، أو يثنِ على ملابسه يتضايق ويتكلّم هو ويقول: هذه البذلة كلّفتني كذا من المال، أو هل لونها مناسب ؟ أو كيف وجدتموها ؟ يريد أن يستجدي المديح، واستجداء المديح من ضعف الإخلاص.
إذا أردت أن تكون بطلاً يجب أن تجعل كلامك كلّه تذكيراً بالله عزَّ وجلَّ، تكلّم عن رسول الله فالنفوس تشتاق إليه، تحدّث عن الصحابة الكرام نجعلهم قدوةً لنا، حدّثنا عن كتاب الله، عن سيرة رسول الله، حدّثنا عن العلماء المخلصين العاملين، فالموضوعات كثيرة، ولو تحدّثت بهذه الموضوعات يمكن أن نرتقي ونسمو، في بعض الموضوعات يحدث النفور، كقضيّة استعلاء، أو عرض للعضلات، أو قضيّة حبّ الظهور، أو قضيّة كبر، بهذه القضايا دخل الشيطان وانتهى الأمر.
في الحقيقة المتحدّث المؤمن يتحدث حديثاً يجمع كلّ الحاضرين، فلا يترك أحداً خارج الموضوع، فما هي الموضوعات التي تجمع ؟ الموضوعات التي عن الله عزَّ وجلَّ، أما عن الدنيا فتفرّق.
كنا ذات مرّة في جلسة فقال أحد الحضور للآخر: إذا كان معك عملة سوريّة فإيّاك أن تحتفظ بها وعلى الفور بدّلها بعملّة صعبة، وأغلب الموجودين لا يملكون قرشاً واحداً زائداً ليشتروا به عملةً صعبة، فما هذا الكلام الذي ليس له معنى ؟ هل هذه نصيحة ؟ نصيحة لاثنين ويوجد أكثر من خمسة عشر حاضراً في المجلس، ودخلهم على قدر مصروفهم، فهذا الكلام ليس له معنى.
تتمة آداب المجلس أن يستأذن قبل انصرافه، وأن يقرأ دعاء كفّارة المجلس.

آداب الحديث:
الآن ننتقل إلى أدبٍ آخر وهو أدب الحديث، الحقيقة الحديـث له آداب كثيـرة.
1ـ عدم قطع حديث المتكلم:
قد يقطع أحدهم حديثك أكثر من مئة مرّة ويقول لك، بلا مقطوع عن حديثك، لا يجعلك تتكلّم بكلمة واحدة، ويستلم الحديث طوال الجلسة.
ذات مرّة أراد أن يزورني أحد الأشخاص ليستمع إلي، ولكنني لم أستطع أن أتكلّم بكلمة واحدة وهو يتكلّم طوال الجلسة، ثم استأذن وخرج.
2ـ التحدث بلغة مفهومة وقريبة من الفصحى قدر الإمكان:
الحديث له آداب كثيرة جداً، ويجـوز هذا الشيء فوق طاقة أخواننا الحاضرين ولكن ممكن أن تتكلّم بلغة ليست هي بالفصحى، وليست بالمغرقة في العاميّة مثلاً: " خوش أنا ما بدي أروح "، فما هذه الكلمة ؟ أي بيد أنّه، أو لكنّه، قل: لكنني، أو لكن، وتوجد كلمات أخرى كثيرة، فالكلمات العاميّة والمغرقة في العاميّة تذهب برونق الكلام، فإذا تمكّن الإنسان من أن يتكلّم لغة فصحى مبسّطة فهذا شيء جميل جداً.
(( أقبل العبّاس رضي الله عنه إلـى النبي صلّى الله عليه وسلّم وعليه حُلّتان وله ضفيرتان وهو أبيض فلمّا رآه تبسّم، فقال العبّاس: يا رسول الله ما أضحكك أضحك الله سِنّك ؟ فقال: أعجبني جمال عمِّ النبيّ. فقال العبّاس: ما الجمال ؟ قال: اللسان ))
[رواه الحاكم في مستدركه عن عليّ بن الحسين رضي الله عنهما]
على عكس ما فهمنا نحن أنّ عليه حلّتين وله ضفيرتين وهو أبيض اللون، وعند العسكري: الجمال في الرجل فصاحة لسانه.
إذا حاول الإنسان أن يتكلّم بكلام فصيح، وأنا لا أُحمِّلكم فوق طاقتكم، لكن ابتعد عن العاميّة المغرقة، مثلاً: أين هي ؟ فيجيب قائلاً: ليكوك، كلمات غريبة جداً، وأحياناً تجد شخصاً مثقّفاً كبعض المدرسين يلقون درساً في الرياضيّات وباللغة العامية، أو بالفيزياء باللغة العاميّة، هذه مشكلة كبيرة، لأن الدعوة إلى الله تحتاج إلى لغة، وتعلُّم اللغة من الدين أيها الأخوة، فقد قال سيّدنا عمر رضي الله عنه: "تعلّموا العربيّة فإنّها من الدين."
إذا كان عندك كتاب في النحو أو في الصرف، أو سمع درساً في النحو أو سأل سؤالاً، أو اقتنى معجماً صغيراً، أو قرأ نصاً أدبياً وتفاعل معه فهذا شيء جيّد وجميل، فإذا أراد الإنسان أن يتكلّم عن الله عزَّ وجلَّ فالعربيّة جزء من الدين، وأحياناً أسمع عن أخواننا بأنّهم يتدارسون معاً دروساً في اللغة العربيّة، فاللغة العربية هي الإطار، فهل تستطيع أن تشرب عصيراً أو أنفس الشراب في كيلة أو كأس صدئ، فالوعاء غير النظيف غير الجميل يُنَفِّرك من الشراب الذي بداخله، فإذا كان المعنى عميقاً، المعنى قرآنيّاً واللغة عاميّة فقد شوّهت المعنى، فبقدر الإمكان تعلّم اللغة العربيّة.
(( قلنا يا رسول الله ما رأينا أفصح منك ! فقال: إنّ الله تعالى لم يخلقني لحّاناّ، اختار لي خير الكلام كتابه القرآن ))
[رواه الشيرازي والديلمي عن أبي هريرة رضي الله عنه ]
قال النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ذات مرّة:
(( أنا أفصح العرب بيد أنّي من قريش.))
[رواه السيوطي في المزهر]
بيد أنّي أي إلا أني وكأنّه سيذمُّ نفسه، وقريش أفصح قبيلة، قيل هذا الأسلوب أسلوب تأكيد المدح فيما يشبه الذّم، كقول الشاعر: ولا عيب فيهم غير أنّ سيوفهم بهنّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ
***
كقولنا: فلان كريم لكن شجاع، هذا اسمه تأكيد المديح بما يشبه الذّم، هكذا النبي قال:
(( أنا أفصح العرب بيد أنّي من قريش.))
[رواه السيوطي في المزهر]
في الحقيقــة قد تعلّمنا في الجامعة أنّ أفصح كلامٍ على الإطلاق هو القرآن الكريم، وأفصح كلامٍ بعده على الإطلاق كلام النبيّ عليه الصلاة والسلام، فإذا قرأ الإنسان القرآن وقرأ الحديث فقد ملك بهما الفصاحة.
حينما كنّا ندرس في الجامعة كان عندنا أستاذ تفكيره غير إسلامي، وغير علمي إطلاقاً، وغير ديني، لكنّه كان يقول: لا تستقيم ألسنتكم إلا إذا قرأتم القرآن كلّ يوم بصوت جهوريّ.
القرآن يعلّم الفصاحة، والحديث الشريف يعلّم الفصاحة، فإذا أردت الفصاحة والبلاغة فعليك بكتاب الله وحديث رسول الله.
3ـ التمهُّل في الكلام حتى يفهم المستمع المراد منه:
من أدب الحديث التمهُّل في الكلام حتى يفهم المستمع المراد منه، فكل إنسان في بدايته يتكلّم كلاماً كثيراً في وقت قليل، كلام سريع، فالنصيحة أن تتكلّم نصف الذي ينبغي أن تقوله بهدوء وبإشارات وبتعليقات أفضل بكثير من أن تلقي كماً كبيراً بأسلوب سريع غير متروٍ، روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنهـا قالـت:
(( ما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسرد الحديث كسردكم هذا، يحدِّث حديثاً لو عادّه العادُّ لأحصاه ))
[ متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها ]
كان عندنا أستاذ في الجامعة وقد كنا مئتين وعشرين طالباً، ففي بعض الدروس يكون الحضور خمسة طلاّب، وبدرسه كنا نحضر جميعاً وبعضنا على الواقف، إذا تكلّم الأستاذ فلا نحتاج أن نقرأ الدرس مرّة أخرى في البيت لوضوحه وبساطته وكلامه البليغ، تخرج من المحاضرة حافظاً لكل الدرس، ولا تحتاج أن تقرأه في البيت إطلاقاً، لذلك من السنّة أن تقول كلاماً متمهّلاً دون سرعة، حتى يحدث الاستيعاب:
(( ما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يسرد الحديث كسردكم هذا، يحدِّث حديثاً لو عادّه العادُّ لأحصاه ))
[ متفق عليه عن عائشة رضي الله عنها ]
(( كان كلامه صلّى الله عليه وسلّم فصلاً يفهمه كلُّ من سمعه ))
[ أبو داود عن عائشة أيضاً رضي الله عنها]
4ـ الابتعاد عن الثرثر والإطناب الممل والإيجاز المخل:
يوجد وصف من أمّ معبد للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقد مرّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وصاحبه أثناء طريق الهجرة بمنازل خزاعة ودخلا خيمة أمِّ معبد فاستراحا بها قليلاً ولما خرج من عندها قيل لها: صفيه لنا يا أُمّ معبد، فقالت: رأيت رجلاً ظاهر الوضاءة، أبلج الوجه، حسن الخَلق، وسيماً قسيماً، إذا صمت علاه الوقار، وإذا تكلّم سماه وعلاه البهاء، فهو أجمل الناس وأبهاهم من بعيد، وأحسنهم وأجملهم من قريب، حلو المنطق، فصلٌ، لا نزرٌ ولا هزرٌ، كأنّ منطقه خرزات نظمٍ يتحدّرن، ربعةٌ لا يأس من طولٍ ولا تقتحمه عينٌ من قصر، غصنٌ بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظراً، وأحسنهم قدراً، له رفقاء يحفُّون به، إن قال أنصتوا لقوله، وإذا أمر تبادروا لأمره، محفودٌ محشود لا عابسٌ ولا مفنِّد، فقال لها زوجها أبو معبد: هو والله صاحب قريش، ولقد هممت أن أصحبه، ولأفعلنّ إن وجدت إلى ذلك سبيلاً.
لا نزرٌ: أي لا تسحب الكلام منه سحباً، بعض الأشخاص ذوو كلام نزر إذا قلت له: ماذا تمّ ؟ يقول لك: ماشي الحال، هل أخذت موافقة ؟ فيجيبك بالإشارة برأسه، ولا تفهم منه كلمة، قل: أخذت الموافقة، هذا النزر.
لا هزرٌ: أي كثير الكلام، لتّات، يعمل من الحبّة قبّة.
كأنّ منطقه خرزات نظمٍ يتحدّرن: أي كلامه مثل عقد اللؤلؤ، كان حلو المنطق لا نزرٌ ولا هزرٌ، البلاغة بين الإيجاز المخلّ، والإطناب الممل، فالإطناب الممل ليس من البلاغة ولا الفصاحة، والإيجاز المخلّ أيضاً عيبٌ في الكلام.
5ـ الابتعاد عن التقعُّر والتكلُّف:
النبيّ صلّى الله عليه وسلّم نهى عن التكلُّف في الفصاحة، التكلُف في الفصاحة: أي فيه تقعُّر، والتقعُّر هو تكلُّف الفصاحة، فأجمل شيء في الحياة الفصاحة، والشيء الطبيعي، أما من قال هذه العبارة:
ما لكم تكأكأتم عليّ كتكأكُئِكم على ذي جنّة، افرنقعوا عنّي.
هذا الكلام تكلُّف وليس من الفصاحة، تكأكأتم: أي تجمّعتم، وهذا من التكلُّف الذي ينهى عنه النبيّ، وكقول الشاعر:
إن كنت كنتَ كتمت الحبَّ كنت كما كنّا ولكن ذاك لم يكُنِي
***
ألغاز وأحاجي وكلمات متكررة هذا التكلُّف نهى عنه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
(( إنّ الله عزَّ وجلَّ، يبغض البليغ من الرجال الذي يتخللُ بلسانه كما تتخلل البقرة بلسانها ))
[ رواه أبو داود والترمذيّ عن ابن عمر رضي الله عنهما]
التكلُّف، والتقعُّر نهى عنه النبي صلّى الله عليه وسلّم.
(( كان إذا تكلّم بكلمةٍ أعادها ثلاثاً حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قومٍ فسلّم عليهم، وكان صلّى الله عليه وسلّم يتكلّم بكلامٍ فصلٍ لا هزرٍ ولا نزرٍ ويكره الثرثرة في الكلام والتشدُّق به أي التكلُّف ))
[ في الصحيحين عـن أنسٍ رضي الله عنه]
هذا من آداب الحديث، ابتعد عن اللغة العاميّة، وعن السرعة في الكلام، ابتعد عن الثرثرة والإطناب الممل والإيجاز المخل، وابتعد عن التقعُّر والتكلُّف هذا كلُّه نهى عنه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
6ـ التكلّم بكلامٍ يناسب ثقافة القوم:

من أدب الحديث أيضاً أن تتكلّم بكلامٍ يناسب ثقافة القوم، أنت تحمل مرتبة الدكتوراه وتجلس مع أناس بسطاء، وتتكلّم في النظريّة النسبيّة وعن رأي أينشتاين في الفراغ هل هو مستقيم أم منحنٍ ؟ والبعد الرابع للأجسام، وهم لا يفهمون شيئاً مما تقول، فهذه تعتبر كمن يعرض عضلاته على الغير، لكن البطولة أن تتكلّم بكلام يفهمه كلّ الحضور، فتأتي بمثل يوضّح هذه القضيّة المعقّدة، فأحياناً قضايا معقّدة جداً توضّح بمثال بسيط.
الابتعاد عن الكلام المليء بالشطحات و التجاوزات:
ذات مرّة سألني أحد الأخوة وقد كان واقعاً في إشكال بين العقل والنقل وقد دخل في متاهات، فأراد أن يفهم مني عن ذلك الموضوع فذكرت له مثالاً ألهمه الله لي فقلت له: نفرض أنّ لدينا بقّالية أو صيدلية وبها من الأصناف ما يربو عن العشرة آلاف صنف ولكن كلّ هذه الأصناف لا تقل عن الخمسين غراماً ولا تزيد عن الخمسة كيلو من الغرامات، فاشترى صاحب هذه البقاليّة أعظم ميزان وثمنه ثلاثمئة ألف وهو إليكتروني ومعه ذواكر، وأراد أن يزن سيارته، فهل من المعقول أن يستخدم هذا الميزان بوزن سيّارته ؟ فقال لي: لا، وإلا كسر الميزان، فإذا كسر الميزان فهل يكون ذلك خطأ من الشركة ؟ لا، الخطأ من سوء استعمالك للميزان، فقلت له: هذا العقل الله عزَّ وجلَّ خلقه وأعطاه مهمّة وقال لك: فكّر في هذا الكون فتعرف الخالق، أمّا إذا أردت أن تستخدم العقل فـي معرفة ذات الله، فهذا من المستحيل، فإذا أقحمت عقلك لمعرفة ذات الله فعقلك لا يستطيع، فكلّما دخلت في الغيبيّات كلّما حُلَّت مشكلة نشأت مشاكل، لأنّ عقلك ليس مجهّزاً لهذه المهمّة، فقد قال النبيّ الكريم:
(( تفكروا في خلق الله، ولا تفكروا في الله فتهلكوا ))
[ أخرجه ابن حبان عن أبي ذر ]
البطولة أن تفكّر وفق المنهج، أمّا إذا أردت أن تعرف وزن سيّارتك فاسأل المعمل، والمعمل لا يكذب، فكل شيء عجز عقلك عن إدراكه الله أخبرك به وانتهى الأمر.
نحن عندنا في الدين إخباريّات أو مسموعات وعندنا معقولات، فالإيمان بالله، والإيمان بالنبي، والإيمان بالكتاب من المعقولات، أمّا بالدار الآخرة مسموعات وكذلك بالأزل، وبذات الله، فقد ورد في الحديث:
(( حدثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يُكَذَّب الله ورسوله ؟ ))
[البخاري عن علي رضي الله عنه]
عندما قال الحلاّج: ليس في الجبَّة إلا الله، من أفتى بقتله ؟ الإمام الجنيد، وهو شيخٌ كبير، لأنّ هذا الكلام يسبب فتنة كبيرة، وقد يحتاج لشرح طويل، ولكن هذا الكلام غلط، فقد ترى شطحات في كتب التصوّف مثل: من وحّد فقد ألحد، فليس هذا معقولاً، أو معبودكم تحت قدمي، قيل أنّ تحت قدمه كان كنز من الذهب، فمن يعرف أنّ تحت قدمه كنزاً من الذهب فقد قال: معبودكم تحت قدمي، فهذا كلام يسبب الفتن، والنبي ما قال وما فعل مثل هذا أبداً، فكل كلام فيه شطحات أو صدمات أو تجاوزات هذا كلام ممنوع أن نقوله لذلك لا يجوز أن تقرأ كتاباً فيه مثل هذه الشطحات، لأنّك ستضيع وهذا خلاف السنّة.
على الإنسان أن يبقى وفق سنّة النبيّ فيتكلّم كلاماً واضحاً لا لبس فيه:
اقرأ سنّة النبي الكريم كلّ ما فيها واضح فقد قال صلّى الله عليه وسلّم:
(( تركتكم على بيضاء نقية ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك ))
[رواه أحمد وابن ماجه عن العرباض بن سارية]
قال تعالى:
﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(6) ﴾
( سورة البقرة: آية " 6 " )
في أحد التفاسير الذي به شطحات قال: هؤلاء هم المؤمنون، كفروا في الدنيا.
تجد أسلوباً فيه تكلُّف أما الآية واضحة، إن الذين كفروا أي الذين كفروا أما أن يطلعوا في هذا التفسير هم المؤمنين فهذه من الشطحات، وهذه التجاوزات، مثل قولهم: معبودكم تحت قدمي، وليس في الجبّة إلا الله، ومن وحّد فقد ألحد، هذا كلام خلاف السنّة، ونحن نقول أنّ هذا الكلام خلاف السنّة، ولعلّ من حسن الظن أنّ صاحبه لم يقله، لعلّ الذين عُزي إليهم هذا الكلام لم يقولوه، فالأولى أن تبقى وفق سنّة النبيّ أي تتكلّم كلاماً واضحاً لا لبس فيه.
(( رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم إحدى نسائه فمر به رجل فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا فلان هذه زوجتي صفية، فقال: يا رسول الله من كنت أظن فيه فإني لم أكن أظن فيك، فقال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم.))
[البخاري و أبو داود عن أنس بن مالك]
كيف كان النبي حريصاً على سلامة صدر أصحابه، كذلك المؤلّف العالم ينبغي أن يكون حريصاً حرصاً بالغاً على أن لا يقع القارئ في إشكال أو إرباك، بأن يخلق له مشكلة يحتاج حلّها إلى عشرين صفحة، فقد كنت غنياً عن إيراد مثل هذه المشكلة كلّها، فأنا أحاول وبفضل الله عزَّ وجلَّ أن لا آتي بشبهة أنتم في غنى عنها، ثمّ نقوم بتحليلها، فإذا سئل الإنسان فعليه أن يجيب عليهـا، أمّا أن يأتي هو بالمشكلة ويحللها ويشرحها فأنتم في غنى عن ذلك، يوجد جواب لكلّ قضيّة لو سألتم، إذاً المخاطبة على قدر الفهم، قال عليه الصلاة والسلام:
(( أُمرنا معاشر الأنبياء أن نحدّث الناس على قدر عقولهم.))
[روى نافع عن ابن عمر]
إذا قعدت مع أُناس بسطاء تجد أجمل شيء يذكر هو قصّة مؤثّرة تبيّن حكماً شرعياً، وكيف أنّ إنساناً قد جاوز حدّه فعاقبه الله.
السهولة دليل الرقيّ والدين لا يحتاج إلى تعقيد ولكن يحتاج إلى تبسيط:
أسلوب القصّة هو أبلغ أسلوب علـى الإطلاق، فالقصّة تستوعب كلّ الناس، كلّ الحاضرين، تروي مثلاً قصّة واقعيّة ومدروسة وذات مغزى واضح تماماً فيتأثّر الناس منها، فلست في حاجة أن تدخل في متاهات علم المنطق وعلم الكلام وأقوال الفلاسفة، فمن رأيي تبسيط الإسلام لأن الدين ليس معقّداً، الدين بسيط، فهو دين الله عزَّ وجلَّ.
انظر إلى المركبات كلّما كانت أرقى في الصنع كانت سهلة في القيادة، والسهولة دليل على الرقي الكبير، ويسمّى بالسهل الممتنع، فإذا كانت السيّارة ذاتيّة الحركة فتكون قيادتها ذات سهولة بالغة أمّا وراء هذه السهولة يوجد تعقيد بالغ، فالسهولة دليل الرقيّ، والدين لا يحتاج إلى تعقيد ولكن يحتاج إلى تبسيط.
مثال: من هم الأولياء ؟ يجيبك: يوجد أولياء أبدال ونقباء وأقطاب، لا، فقد قال تعالى:

﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63) ﴾
( سورة يونس )
هذا تعريف القرآن الكريم، هذا هو الولي، فكل من عرف الله واستقام على أمره فهو ولي، فلا تتطلب لفّة خضراء، أو كرامات، أو أن يمشي على الماء، أو أن يطير في الهواء، فأعظم كرامة هي العلم، أن تكون عالماً، وأعظم كرامة كذلك هي الاستقامة، فالاستقامة عين الكرامة، فإذا كنت عالماً ومستقيماً فأنت مكرّم، لا تحتاج أن تعرف ماذا في بيت رفيقك أو ماذا يطبخ اليوم، وتقــول له: أنت طابخ الطعام الفلاني، فقد شممت رائحته ولا يحتاج ذلك إلى شطارة منك، أو ماذا أكل ؟ ويقولون: هذا كشف، أو أنت اليوم فعلت الشيء الفلاني في منزلك، فهذه ليست ولاية، فالولاية كما قال الله تعالى:
﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ(63) ﴾
( سورة يونس: آية " 63 " )
سُئل الجنيد: لعلّ الولي الذي يمشي على وجه الماء ؟ قال: لا. قالوا: الذي يطير في الهواء ؟ قال: لا، الوليُّ كلُّ الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يجدك الله حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.
لا تقبل شيئاً غير منطقي فالعقل أساس كل شيء:
نحن من أنصار تبسيط الدين، دين الله عزَّ وجلَّ لا يحتاج إلى تعقيد، بسّط الأمور فهي واضحة جداً، عقل وتطبيق تكن أكبر داعية في العالم.
بسّط الأمور واجعلها معقولة أي وعقلٍ، أي لا تقبل شيئاً غير منطقي، فالعقل أساس، وطبّقها تكن أكبر داعية.

(( حدّث الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله ؟ ))
[ صحيح البخاري عن عليّ موقوفاً ]
قال لي أحد الأشخاص أنّ الأستاذ فلان وليّ كبير في المغرب ذهب إلى الحجّ ولم يطف حول الكعبة، فقلت له: هل هذا معقول أن لا يطوف بالكعبة فطواف الإفاضة ركن ؟! قال لي: الكعبة هي التي طافت حوله.
هذه لا أعرفها ولا تقل ذلك لأحد حتى لا يضحك علينا، دائماً لا تتكلّم بكلام غير معقول، وأنصح أخواننا الكرام بترك الكرامات والمنامات، فالكرامات والمنامات يدخلوننا في متاهة كبيرة جداً، فنحن الكرامة لا نرويها ولا ننكرها، فالكرامات وردت في القرآن، ولكن لا أصدّق كرامة إلا إذا ورد بها نصّ صحيح.
السيّدة مريم لها كرامة عند الله فقد أنجبت من دون زوج، وأهل الكهف لهم كرامة عند الله فقد بقوا في كهفهم ثلاثمئة عام، فهذه كرامة ولكن فيها نص صحيح أمّا أنا لست مضطراً أن أصدّق كل شخص، فقد استمعت إلى كرامات بأشكال مختلفة وعجيبة ولست مضطراً أن أصدّقها، ولا مكلّفاً أن أقوم بتصديقها على الإطلاق والأولى كما قال العلماء: " الكرامة ليست خاضعةً للنشر."
كثرة التكلم عن الكرامات توقع الناس في المتاهات:
من يتباهى بكرامته فقد كرامته، أمّا المعجزة للتحدّي، فهي للنبي والنبي معصوم أمّا أنت لست معصوماً، فإذا ذكرت كرامة وأقنعتهم بها ولكن سلوكك غير منتظم عندها تربكهم، ويظهر لهم أنّ الدين دجلٌ وتدجيل، فالكرامة لا ينبغي أن تروى إطلاقاً، فإذا كنت رويتها لأخ يحبّك فلا مانع من ذلك ولكن على انفراد، أمّا تتخذها دعاية وتقول: هكذا حدث معي، وهكذا فعلت، فهذا غير وارد، ولا تنكرها لعلّها وقعت، أوكل إلى الله ما إذا كانت وقعت أو لم تكن قد وقعت، قال:
(( حدثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يُكَذَّب الله ورسوله ؟ ))
[البخاري عن علي رضي الله عنه]
ذُكِر أنّه دخل أحد الأشخاص على الإمام الشعراني ليتفقد أحد أقاربه فقال له: أين فلان ؟ فقال له: الآن كان هنا، ووجدوا على الأرض بقعة من الماء، فقال له: هو هذا الماء، وبقدر ما صار له من الحب ذاب وأصبح ماء، هذه القصّة وردت في كتاب وربما لم يقلها إطلاقاً، وقد تكون من دسّ الزنادقة، ولا يمكن أن نقبل كلّ شيء ذكر في الكتب، فإذا بالغنا في ذكر الكرامات فقد أوقعنا الناس في متاهات، وفي مقدّمة صحيح مسلم:
(( ما أنت بمحدّثٍ القوم حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة ))
[صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه ]
(( لا تحدّثوا أُمّتي من أحاديثي إلا ما تحمله عقولهم فيكونُ فتنةً عليهم ))
[ الديلمي عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما ]
إن شاء الله في درس قادم نتابع هذا الموضوع من آداب الحديث فهو موضوع دقيق لأنّ الحديث نشاط أساسي في حياة المؤمن، ولا سيّما المؤمن، وكلّ مؤمن يطمح أن يكون داعية، فالحديث له شروط وخصائص وله آداب، وكلّ هذا الذي ذكرناه في توجيهات نبويّة واضحة جداً، فدائماً يجب أن تبقى مع الكتاب والسنّة.
أكبر ناحية في هذا الدرس هي الحق يجب أن يجتمع فيه النقل الصحيح، مع العقل الصريح، مع الفطرة السليمة، مع الواقع المتوازن، فشروط الحق: العقل، والنقل، والفطرة، والواقع، الفطرة لا تأباه، والعقـل يقرّه، والواقع يؤكّده، والنقل يثبته، نقل، عقل، فطرة، واقع، فحاول أن تتكلّم بما يجمع بين هذه الصفات كلّها.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 09:18 AM   #26


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الرابع و العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 11 ) متابعة ادب الحديث





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام مع الدرس الرابع والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ونحن مع أدب الحديث.

البلاغة مراعاة الكلام لمقتضى الحال:
قد تحدّثنا في درسٍ ماضٍ عن أنّ المتحدّث ينبغي أن يختار اللغة العربيّة الفصحى أو البسيطة ليست المقعّرة، وأن يتمهّل بالكلام كما فعـل النبيّ عليه الصلاة والسلام، وأن يبتعد عن التقعُّر والتكلُّف، ويخاطب الناس علـى قدر عقولهم، وقد قالوا في البلاغة: إنّها مراعاة الكلام لمقتضى الحال، فالذي يأتي كلامه مطابقاً لمقتضى الحال فهو البليغ، والله سبحانه وتعالى يقول للنبيّ عليه الصلاة والسلام:
﴿ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63) ﴾
( سورة النساء )
القول البليغ الذي يطابق مقتضى الحال، فقد تعلّمنا في درس البلاغة في الجامعة أنّه لو كلّفت طفلاً صغيراً أن يضع رسالة في البريد البلاغة تقتضي أن تقول له: أمسك هذه الرسالة واشترِ الطابع وضع عليه شيئاً من لعابك وضعه على الرسالة واضغطه جيداً وضعه في الصندوق الأحمر من الفتحـة اليمينيّة، تعطيه تفاصيل كثيرة، هذه التفاصيل هي عين البلاغة، أما إذا أعطيت هذه الرسالة لصديقٍ لك بالغٍ عاقلٍ راشد، تقول له: هذه من فضلك ضعها في البريد هذه هي البلاغة.
البلاغة مراعاة الكلام لمقتضى الحال، فأحياناً يقتضي الحال أن تفصِّل، أحياناً يقتضي الحال أن توجز، أحياناً يقتضي الحال أن تؤكّد، أحياناً يقتضي الحال أن تضرب المثل، أن تأتي بالقصّة، أن تأتي بالدليل، أن تأتي بالشاهد، لو أنّك خاطبت إنساناً غير مسلمٍ تقول له: قال تعالى في كتابه العزيز ؟ فهو غير مؤمنٍ بالقرآن، يجب أن تأتيه بالدليل العقلي فقط، إذا خاطبت مسلماً تأتيه بالدليل النقلي، إذا خاطبت إنساناً لم تر عنده هذا العمق في الفهم تعطيه قصّة بسيطة لها مدلول عميق جداً، فمراعاة الكلام لمقتضى الحال هي البلاغة بعينها.
من آداب الحديث التحدُّث بما لا يخل ولا يمل:
الشيء الآخر في آداب الحديث التحدُّث بما لا يخل ولا يمل، دائماً البلاغة بين الإيجاز المُخِل، والإطناب الممل، الكلام يسمّى حشواً يفهمه السامع من دون أن تقوله ومثالاً على ذلك فقد قال تعالى:
﴿ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ (43) ﴾
( سورة يوسف )
وقال:
﴿ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) ﴾
( سورة يوسف )
وقال:
﴿ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) ﴾
( سورة يوسف )
وقال:
﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ (46) ﴾
( سورة يوسف )
قال الملك:
﴿ وَقَالَ المَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43) ﴾
( سورة يوسف )
قال أحد رجال الحاشية:
﴿ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) ﴾
( سورة يوسف )
توجد فجوة كبيرة جداً في القصّة وتفاصيل وجزئيّات فقول أحد رجال الحاشية:
﴿ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) ﴾
( سورة يوسف )
التفاصيل: فأرسلوه فخرج من القصر وتوجّه إلى السجن وتقابل مع مدير السجن وقال له: عندك سجين اسمه يوسف يعلم تأويل الأحلام، وقد أرسلني الملك لألتقي به، كل ذلك الحديث مفهوم ولكن قال تعالى في الآية:
﴿ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) ﴾
( سورة يوسف )
وقال:
﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ (46) ﴾
( سورة يوسف )
البلاغة بين الإيجاز المخل والإطناب الممل:
الكلام الذي يفهم من دون أن يذكر الأولى ألا يذكر هذا قول البلاغيين: البلاغة في الإيجاز، لذلك ورد عن سيّدنا الصديق: أن نضّر الله وجهه من أوجز في كلامه واقتصر على حاجته.
إذا كان كلامك موجزاً، بين الإطناب الممل، والإيجاز المخل بوضع دقيق جداً، دائماً التطرُّف سهل، الحديث الطويل المليء بالتفاصيل والجزئيّات والتحليلات السخيفة والتفاصيل المملّة هذا سهل على الإنسان.
يروى أنّهم سألوا رئيس جمهورية: كم يستغرق إعداد خطاب تلقيه في عشر دقائق ؟ قال: أُعدّه في عشر ساعات، عشر ساعات إعداد لخطاب يلقى في عشر دقائق، كل حرف منه يعني شيئاً، وكل كلمة منه تعني شيئاً، فقيل له كم تعدّ خطاباً تلقيه في ساعة ؟ قال: ساعة، فقيل له: كم تعدّ خطاباً تلقيه في خمس ساعات ؟ قال: لا أُعدُّ له إطلاقاً.
كلّما صار الوقت ضيّقاً تحتاج إلى دقّة في التعبير، لذلك البلاغة في الإيجاز، أما الإيجاز المخل ليس بلاغةً، والإطناب الممل ليس بلاغةً، فتريد كلاماً لا يملّه السامع من كثرة التفاصيل والجزئيّات، ولا يستعصي على فهم السامع لكثرة الإيجاز، البلاغة بين الإيجاز المخل، والإطناب الممل.

(( شهدتُّ مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الجمعة فقام متوكِئاً على عصا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه فكانت كلماتٍ خفيفاتٍ طيّباتٍ مباركات ))
j
إذا اهتمّ الإنسان بشيء تكفيه كلمات قليلة، أمّا إذا أعرض عن الشيء لو ألقيت عليه آلاف المحاضرات، فالإنسان الصادق تكفيه كلمات قليلة.
الكلام المنظّم والمركّز مع الأدلّة يخاطب العقل والقلب معاً:
تصوّروا عندما سأل أعرابي سيّدنا رسول الله فقال له: عظني ولا تُطِل. فقال له: فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره. فقال له: كُفيت. فقال النبيّ: فقه الرجل.
نحن نقرأ القرآن وعدد صفحاته ستمئة، وآيةٌ واحدة كانت كافية لهذا الأعرابي، وتوجد آلاف الآيات من هذا القبيل كآية:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) ﴾
( سورة النساء: آية " 1 " )
هذه الآية تكفي، وكذلك الآية:
﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ (14) ﴾
( سورة الفجر: آية " 14 " )
وآية:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾
( سورة الحجر: آية " 92، 93 " )
آية واحدة من هذه الآيات تكفي الإنسان طوال حياته، فالبلاغة بين الإطناب الممل والإيجاز المخل.
(( كنت أصلّي مع النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فكانت صلاته قصداً، وخطبته قصداً أي وسطاً ))
[ مسلمٍ عن جابر بن سمرة رضي الله عنه ]
ليس فيها إطالة ولا إيجاز، كلام معتدل يفهمه السامع ويحفظه، كلام منظّم ومركّز مع الأدلّة يخاطب العقل والقلب معاً، مثل هذا الكلام له أثر طيّب.
الكلمة إذا كثر استعمالها فقدت مدلولها:
فـي الصحيحين كان ابـن مسعودٍ يذكّرنا فـي كلّ خميس فقـال لـه رجل: يا أبا عبد الرحمـن لوددت أنّك ذكّرتنا كلّ يوم، فقال: أما إنّه يمنعني من ذلك أنّي أكره أن أملّكم، وإنّي أتخوّلكم ـ أتعهّدكم ـ بالموعظة كما كان عليه الصلاة والسلام يتخوّلنا مخافة السآمة علينا.
يعني أنّ الإنسان يجب أن يتكلّم والنفوس مشتاقة إلى كلامه، وينبغي أن يسكت والنفوس مشتاقة إلى كلامه، هذا كما يقولون في الطعام: اجلس إلى الطعام وأنت تشتهيه، وابتعد عنه وأنت تشتهيه.
إذا تكلّمت تكلّم والناس مشغوفون بسماع كلامك، وتوقّف عن الكلام وهم مشغوفون لمتابعة كلامك، وعكس ذلك مخيف فإذا تمنّوا أن تسكت وأنت تتكلّم هذه مشكلة في الحديث، وهنا نكون قد خرجنا عن البلاغة وعن آداب الحديث.
النبيّ على عظمته وعلى علوّ شأنه وعلى فصاحته وعلى حكمته وعلى نورانيّته كان: يتخوّلنا بالموعظة. فالمواعظ إذا كثرت أعطت عكس المفعول، المواعظ كالملح في الطعام إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه، فإذا ربّى الإنسان أولاده فأكثر من التوجيهات والمواعظ ليلاً نهاراً وصباحاً مساءً فهذا الكلام لا معنى له، عندنا قاعدة في البلاغة: الكلمة إذا كثر استعمالها فقدت مدلولها.
أصبح لا معنى لها، فالمواعظ يجب أن تكون معتدلة من حين لآخر، أما إذا أكثرت منها على الصغار أو على أبنائك أو على طلاّبك تفقد هذه الكلمات معناها.
يقول الإمام عليٌ كرّم الله وجهه: " إنّ القلوب تملُّ كما تملُّ الأبدان، فابتغوا لها طرائف الحكمة."
أي إذا جلس الإنسان مـع أولاده، طلابه وتكلّم كلاماً جادّاً ولمدّة ساعتين فهذا شيء ممل، يجب أن تمر بطرفة لطيفة، أو تسأل سؤالاً، أو تبتسم ابتسامة، أو تداعب أحد أولادك، أو تلقي بطرفة جميلة، إذا المجلس لم يكن فيه ذلك يصبح مملاً، فالنبي كان يمزح وكان لا يقول إلا حقاً، فالمجلس يجب أن يكون فيه روحانيّة، فيه طرفة، أحياناً الفكاهة تؤدّي دوراً لا يعلمه إلا الله، فيكون المجلس فيه من السآمة، فيه الملل، فيه الضجر، فتأتي الفكاهة اللطيفة الأديبة تشجع وتنشّط الجسم وتزيد من الانتباه.

من آداب الحديث الإصغاء التام إلى المتحدّث:
قد يكون الإنسان من أعظم العظماء ومرحاً، فالمرح أساساً من صفات العظماء، فإذا كان لديك طرفةٌ لطيفة، تعليقٌ لطيفٌ، لأنّ الدرس إذا كان مليئاً بالكهنوت ودائم الصرامة وكنت عبوساً قمطريراً، فتجد كلّ الموجودين يتثاءبون، ويملون، ويقولون في أنفسهم: ما كان أبانا ينتهي إلى الآن من كلامه، والله كل ذلك نعرفه فكفى، هذه كلّها مشاعر داخليّة.
أما إذا كان هناك تعليق وحوار وسؤال، أو قصّة أو مثل، أو طرفة أو فكاهة، فهذا مما يجذب النفوس، لذلك فالحديث فن ويعدونه قدرة من قدرات الإنسان الخاصّة، ويسمّونه متحدّثاً لبقاً، أي عنده القدرة أن يجذب النفوس بحديثه، فالحديث الذي يجذب له صفات سآتي عليها بعد حين.
الآن من آداب الحديث الإصغاء التام إلى المتحدّث، أي تعلَّم حسن الإصغاء كما تتعلّم حسن الكلام، من أعلى أنواع الأدب الإصغاء، وتراه يصغي للحديث بسمعه وبقلبه، مثلاً إنسان تكلّمه وهو يمسك بمسبحته أنت هنا وهو ينظر من النافذة ويقول لك: أكمل الحديث، ماذا أكمل فأين أنت ؟!! أو يقوم بعمل ما، أو يكتب، أو يقرأ، ويقول لك: تكلّم فأنا أسمعك جيّداً، لا تقرأ ولا تكتب ولا تتشاغل ولا تمسك بالمسبحة ولا تنظر من النافذة، فإذا كلّمك أحد فانظر إليه وأصغ له فهذا من الأدب.
الإصغاء من الآداب الراقية فكان عليه الصلاة والسلام يصغي لمحدّثه، فبالطبع عندما يستمع الإنسان من رسول الله سيصغي له طبعاً، أما النبي يستمع لإنسان عادي ويصغي له !! هذا أدب عالٍ.
أحياناً تجد شخصاً يظنّ أنّه يفهم وهو يخطئ في كل ما يقول، لكن الأدب يقتضي أن تستمع إليه إلى أن ينتهي، فتقول له: يا أخي الكريم هذه الفكرة صوابها كذا، هذه الفكرة تحتاج إلى دليل، هذه الفكرة تتناقض مع هذه الآية، بأدب، لكن أصغ له، فإن أصغيت له ملكت قلبه، لذلك من آداب الحديث الإصغاء.
كان الصحابة رضي الله عنهم حينما يحدّثهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بحديثٍ كأنّ على رؤوسهم الطير، من شدّة الأدب، من فرط المهابة، من شدّة الاهتمام، وفي مقابل هذا كان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يصغي كلّ الإصغاء إلى من يحدّثه أو يسأله، بل يقبل عليه بكلّيته ويلاطفه.

السؤال مفتاح العلم ونصف العلم أن تسأل:
روى أبو داود عن أنسٍ رضي الله عنه قال:
(( ما رأيت رجلاً التقم أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فينحي رأسه حتى يكون هو الذي ينحي رأسه.))
[أبو داود وابن عساكر عن أنس رضي الله عنه]
إذا اقترب أحد من النبيّ ووضع فمه في أُذنه وهمس له سراً فالنبي لا ينحّي نفسه عنه أبداً من شدّة الأدب، حتى يكون الرجل هو الذي ينحّي رأسه.
مشى عديُّ بن حاتم ذات مرّة مع النبي في الطريق فاستوقفته امرأةٌ فوقف معها النبيّ يكلّمها في حاجتها، فقال: والله ما هذا بملك هذا نبيّ.
هذا التواضع الشديد، والإصغاء التام من آداب الحديث.
أيّها الأخوة الكرام يوجد بعض أمراض تصيب الأطفال في الكلام كالتأتأة، والثأثأة، والحبس، فإذا أراد أن يتكلّم فلا يستطيع، هذه الأمراض أسبابها نفسيّة، أسبابها ضعف الثقة، وأسباب ضعف ثقة الطفل الصغير بنفسه عدم اهتمام والديه به حينما يتكلّم، إذا لم يصغوا له وقالوا له: اسكت إنّك لا تفهم واخرج من هنا، هذا التصرف ليس من أخلاق المؤمنين، فهذا ابنك يتكلّم فاستمع له، إذا أنت أسكتّه ولم تبال بكلامه، وقمعته على الدوام، تضعف ثقته بنفسه، فإذا أراد أن يتكلّم يتهته، فالثأثأة والفأفأة والتأتأة وانحباس الكلام، هذه من أمراض الكلام قد درسناها في الجامعة، توجد مجموعة أمراض كل أسبابها نفسيّة، فالطفل ليس به أي عيب خلقي، جهازه النطقي تام وكامل مئة في المئة، لكن يوجد عنده ضعف ثقة بالنفس، توجد كثير من الأمراض أساسها نفسي.
عندما يقمع الإنسان أولاده، لا يصغي لهم، كلما تكلموا يسكتهم ـ اسكت أنت لا تتكلم هنا ـ يجب أن تجعل ابنك يتكلم، اجعله ينطلق بالحديث، اجعله يتكلم كلاماً ضعيفاً سخيفاُ، وأصغِ أنت له.
أخواننا الكرام التعليم من لا شيء يمنع العالِم من الاستهزاء بالسائل، كثير من الآباء يستهزئ بسؤال ابنه، استهزاؤه بسؤال ابنه يمنعه أن يسأله مرةً ثانية، فإذا أنت مؤمن ومطبّق للسنّة، وسألك ابنك سؤالاً ـ ولو كان سخيفاً جداً ـ يجب أن تصغي له وأن تجيبـه باهتمام، وأنا دائماً أقول هذه الكلمة، أنا أقول للطلاب حتى لا يخجل من السؤال أقول: ليس العار أن تسأل العار أن تبقى جاهلاً، ليس العار أن تخطئ العار أن تبقى مخطئاً، إذا تكلمت بهذه الكلمة لأبنائك أو طلابك، تشجعهم على أن يسألوا، فسيسألك، شجعه ولو كان سؤالاً سخيفاً، كيف يتعلم إلا بهذه الطريقة ؟ بالسؤال، السؤال مفتاح العلم، نصف العلم أن تسأل.
من آداب الحديث إقبال المتحدث على الجُلساء جميعاً:
من آداب الحديث، إقبال المتحدث على الجُلساء جميعاً، أنا ألاحظ أحياناً إمّا مدرس أو متحدث في جلسة يحضرها عشرون شخصاً، يجوز أن يكون شخصٌ على اليمين مهم أو طليق الّلسان، أو عنده قدرة على جلب الانتبـاه، تجد المتحدث جالساً ملتفتاً طوال الجلسة إلى شخصين أو ثلاثة وغافلاً عن الباقين، هذا ليس من أدب الحديث لا بد من أن تمرَّ على كل الحاضرين مروراً بشكل مستمر، لأن هذا المرور على كل الحاضرين اهتمامٌ بهم وهذا من فنّ الحديث.
لذلك من أدب الحديث أن يقبلَ المتحدِّث بنظراته وتوجيهاته على الجلساء جميعاً حتى يشعر كل فردٍ منهم أنه يريده ويخصه، دائماً انتبه وأنت تتكلم، غرفة الاستقبال مليئة فإيّاك أن تهتم بشخص أو شخصين فقط.
المعلمون دون أن يشعروا يوجد عدد من الطلاّب المتفوقين يجلسون على اليمين تجد المعلم طوال الدرس ملتفتاً إليهم فقط وكأنّ الباقي ليسوا طلاباً عنده، إهمال شديدّ، وعندما يهمل المعلِّم طلاّبه يهملونه فيتشاغلون عنه ويتصايحون، أما لو نظرَ نظرةً مستمرةً إلى كل هؤلاء شدّهم، فالنظرة كأنَّها ربط كهربائي، أحياناً يقولون لك: توجيه عن بعد، بجهاز صغير يكون معك وتضعه أمام الجهاز فيتحرك الجهاز الآخر وذلك يسمّونه توجيهاً عن بعد، فعندما تكون هناك نظرة شاملة لكل الجالسين هذه النظرة أصبحت توجيهاً عن بعد وبها ربطت الكل مع نفسك وهذا من آداب الكلام.

(( كان عليه الصلاة والسلام، يقبــل بوجهه وحديثه على شرِّ القوم يتألَّفه بذلك، وكان يقبل بوجهه وحديثه عليّ حتى ظننت أني خيرُ القوم ـ هذه من عظمة رسول الله، لا تجد إنساناً التقى معه إلا ظن أنه أقرب الناس إليه ـ فقلـت: يا رسول الله أنا خيرٌ أم أبو بكر ؟ قال: أبو بكر، قلت: يا رسول الله أنا خيرٌ أم عمر ؟ قال: عمر، قلت: يا رسول الله أنا خيرٌ أم عثمان ؟ قال: عثمان، فلمّا سألت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم صدَّ عني فوددت أني لم أكن سألته ))
[روى الطبراني بإسناد حسن عن عمروِ بن العاص ]
أي على أيٍّ من كان، إذا تحدث أقبل على كل الجالسين، ولو كان بعضهم شريراً يتألفه بذلك، ومن شدّة إقبال رسول الله بوجهه وحديثه عليه ظن أنه خيرُ القوم أي أحسن صحابي.
من عظمة رسول الله، لا يوجد إنسان التقى معه إلا ظن أنه أقربُ النّاس إليه، من شدة إقبال النبيّ يقبل عليه بوجهه حتى يظنّ نفسه أنه أحسن صحابي.
الحديث له مغزى عميق، أي كل إنسان يجلس أمامك عليه أن يظنّ أنه أقرب النّاس إليك، لا بدَّ من الاهتمام إمّا بنظرةٍ حانية، وجه طليق، ابتسامة، ترحيب، أو سلام حار، هذه هي السنّة، فكيف يكون المجتمع متماسكاً وقوياً كالبنيان المرصوص ؟ بهذه الطريقة أي بالتآلف.
من أدب الحديث مباسطة الجلساء أثناء التحدث وبعده:
من أدب الحديث أيضاً مباسطة الجلساء أثناء التحدث وبعده، تعني المباسطة أن يكون الجو مرحاً، جواً لطيفاً، جواً غير كئيب، غير جاد، غير قاسٍ.
(( كان أبو الدرداء إذا حدَّث حديثاً تبسم، فقلت ـ أي زوجته: لا يقول النّاس إنك أحمق ـ أي بسبب تبسمك في كلامك ـ فقال أبو الدرداء: ما رأيتُ أو سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يحدثُ حديثاً إلا تبسَّم، فكان أبو الدرداء إذا حدَّث حديثاً تبسَّم اتباعاً لسنّة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ))
[ أحمد عن أمِّ الدرداء رضي الله عنها]
(( قلـت لجابرٍ بن سمرة رضي الله عنه، أكنت تجالس رسول الله صلـّى الله عليه وسلّم ؟ فقال جابر: نعم كثيراً، كان عليه الصلاة والسلام لا يقـوم مـن مصلاَّه الذي فيه يصلّي الصبح حتى تطلع الشمس فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدَّثون والنبيُّ جالس فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسَّمُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ))
[مسلمٌ عن سِماكِ بن حـرب]
أحياناً في عقد قران مثلاً يتكلم خطيب، أيَّ خطيب يتكلم يوجد أنّاس تغمض عينيها، لماذا إغماض العينين ؟ انظر إليّه وشجعه على كلامه هكذا يكون الأدب، فالنبيّ كان يجلس مـع أصحابه ويستمع إلى حديثهم، فإذا كان حديثاً يدعو إلى الضحك يبتسم، ابتسامته لهم جبرٌ لخاطرهم، ولو شيء لم يعجبك لكن الكل ضحك فأنت تبسَّم ولو مجاملة.
أيها الأخوة أدب الحديث المقصود منه أدب الدعوة إلى الله، فالحديث المجدي الذي ترقى به عند الله أن تدعوَ إلى الله، أن تبين، أن تفصل، أن تقنع النّاس بأحقية هذا الدين، بالكتاب الكريم، بالحديث الصحيح.
من القواعد المتبعة في التأثير في الآخرين جلب انتباههم:
بعض القواعد المتبعة في التأثير في الآخرين أولاً: جلب انتباههم، أحياناً يكونون متشاغلين عنك لا بد من أن تجلب انتباههم، العلماء قالوا: الحركة بأوسع معانيها تجلب الانتباه.
أحياناً تجد المعلم جالساً في مكان لا يغيره، فلا يغير اتجاهه ولا حركة وجهه، فهو جالس مثل الصنم هذا ممل، لكن لو تحرّك حركة لطيفة كحركة اليد مثلاً أو حركة الرأس أو حركة العينين، العينان تتحركان، الرأس يتحرك، الجسم يتحرك، الحركة من شأنها أن تجلب الانتبـاه، فالمتحدث اللبق لا بد من أن يتحرّك التحرك اللطيف المعتدل، أحياناً تجد مدرساً يمشي ذهاباً وعودة فلا ينتبه إليه الطلاّب، هذا غير معقول، هذه ليست حركة معقولة، الحركة الشديدة أصبحت كالنوّاس، أو بندول الساعة، يريد الطلاب متابعته وهو يتحرَّك ذهاباً وإياباً ثم دخل من بينهم ثم رجع مرّةً أخرى، لا هذه حركة غير مقبولة، أمّا لو تحرك متراً أو نصف المتر أو حرك يده، حرك رأسه، حرك عينيه، فهذه الحركة اللطيفة تمدّهم بالحيوية.
من أجل أن تجلب انتباه المستمعين ينبغي أن تستعين بالحركة، الحركة المعتدلة، المنوَّعة.
الآن تستغربون، الحركة تكون بتحريك الجسم والرأس والعينين واليدين، وتحريك الصوت تلوينه، الصوت الرتيب يدعو إلى النوم، فإذا كان شخص نائماً عشر ساعات وقام بتشغيل مروحة كهرباء لها صوت رتيب فسوف ينام، الآن أكثر حوادث السيّر من النوم تجد براداً ثمنه خمسة ملايين سقط في الوادي بسبب نوم السائق، لماذا نام السائق ؟ لأن صوت المحرك رتيب، ولو كان نائماً خمس ساعات أو عشر ساعات، أي صوت رتيب يدعو إلى النوم.
لذلك المتحدث ذو الصوت الرتيب يدعو المستمع إلى النوم، إذاً أنت تحتاج إلى تلوين الصوت، ترفع الصوت تارةً وتخفضه تارةً، تجعل وقفات ـ أي سكون ـ تثير الانتباه، الوقفة تثير، رفع الصوت وخفضه يثير أيضاً، التلوين والصمت المفاجئ والصمت الذكي هذا مما يلفت انتباه المستمعين.

للأسلوب أثر كبير في جلب الانتباه:
الآن الأسلوب، يوجد أسلوب خبري، ويوجد أسلوب إنشائي، الخبري كلام تقريري، أما الإنشائي أمر، ونهي، واستفهام، وتمني، وترجّي، وحضّ، ونداء، فالسؤال كما ورد في الآية الكريمة:
﴿ أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) ﴾
( سورة النازعات: آية " 27 " )
فقد ورد في القرآن الكريم سؤال، حوار، تقرير، تحليل، فيجب أن تحرِّك الأسلوب بين الخبر والإنشاء، والأمر والنهي، والوعد والوعيد، والوصف والتحليل، والسرد والنقد، والقصَّة والمثل، والتقرير والتصوير، والترغيب والترهيب، والحوار والحدث، فهذه الحركة في الأسلوب تجلب الانتباه، مرّة حوار، مرة مثل، مرة قصّة، مرة تأكيد، مرة تحليل، مرة وصف، مرة سرد، مرة خبر، مرة إنشاء، تنوِّع أساليب المتكلِّم تجعل هناك حركة وجذباً للحديث.
هذا الكلام موجّه للآباء، فالحقيقة أفضل شيء في التربية هو القصّة، أحياناً تكون هناك قصّة نموذجيّة، مثلاً اليوم كنت في جلسة قبل الحضور إلى الدرس ورويت قصّة وأنتم تعرفونها ولكنّها شديدة الوضوح، أحد الأشخاص عليه زكاة ماله فرضاً عشرة آلاف وخمسمئة وثلاثين ليرة، وله زوجةٌ صعبة للغاية فأقنعته بعدم دفع الزكاة، فاستجاب لها ولم يدفع الزكاة، وهو يملك مركبة فاصطدمت وقام بإصلاحها، وكانت تكلفة إصلاح ما فيها من حديد وصاج ودهان ومصابيح إضاءة تبلغ عشرة آلاف وخمسمئة وثلاثين ليرة وهو مقدار ما عليه من الزكاة بالضبط ولم يدفعها، فأحياناً تكون قصّة بسيطة أبلغ من محاضرة طويلة في الزكاة، أي أنّه:
(( ما تلف مال في بر ولا بحر إلا بحبس الزكاة.))
[الطبراني في الأوسط عن عمر]
أحياناً تكون القصّة شديدة التأثير فيكون الجالس أمامك طفل صغيرٌ أو إنسانٌ بسيطٌ فتدخل معه في متاهات العقيدة، ومتاهات الإيديولوجيّات، والأدلّة والنظريّات، فلو ذكرت له قصّة عن إنسان عندما تصدّق نما ماله، وعندما اشتغل بالربا محق الله له ماله تكون هذه القصّة كافية، أو عندما عفّت نفسه عن الحرام هيّأ الله له زواجاً ناجحاً، فهذه القصَّة مؤثِّرة جداً.
عدم توفيق المتكلّم يدل على معالجته لموضوعات لا تعني المستمعين:
المستمع الموجود أمامك هناك موضوعات تعنيه، وموضوعات لا تعنيه، فمن عدم توفيق المتكلّم أن يعالج موضوعات لا تعني المستمعين، فمثلاً عَتق العبيد الآن هل هو موضوع مثير للحاضرين، لأنّه لا يوجد عبيد، ولا عتق للعبيد، أو أنت جالس في حيّ غني وتتكلّم عن الصبر، فما هذا الصبر الذي لا يعنيهم ؟ فالجماعة أغنياء وكلّ شيء ميسّر لديهم، وكذلك مع الفقراء تكلّم عن الزكاة، فليس من المعقول أن يدفعوا الزكاة، أو مع التجّار وتتكلّم عن الأمور الثقافيّة معهم، وإذا كنت مع المثقفين وتكلّمت عن التجارة فهذا الموضوع خارج اهتماماتهم، فدائماً أنت كمتحدِّث لن تكون موفّقاً في الحديث إلا إذا اخترت وتكلّمت في موضوع يعني الحاضرين.
فالمستمع الذي يستمع إليك ما الذي يعنيه ؟ يعاني من قضيّة، لذلك الاستعانة بالرغبات والحاجات، فمثلاً انظر إلى شاب في مقتبل حياته وليس متزوِّجاً فما الموضوع الذي يعنيه ؟ يعنيه أن تقنعـه بأنّ طاعته لله عزَّ وجلَّ وعِفّته قبل الزواج أحد أسباب توفيق الله له بزواج ناجح، وهذا الكلام حق، وتوجد آيات وأحاديث تؤكِّد ذلك، ولأنّه يحتاج إلى الزواج، وهذا الزواج سبُلُه غير ميسّرة، فإذا بيّنت له أنّ طاعة الله عزَّ وجلَّ والعفّة قبل الزواج والاستقامة على أمره هذه تيسِّر له سبل الزواج من باب التوفيق الإلهي لقول النبيّ: حقٌ على الله أن يُعين الشاب إذا طلب العفاف.
فهذا الموضوع يعني الشباب، أما إذا جلست مع التجار فذكرت لهم أن الإنسان إذا أدّى زكاة ماله حفظ الله تعالى له المال، وكل إنسان خائف على رأس ماله من التلف والضياع، تغرق الباخرة المحمّلة ببضاعته، فإذا ذكرت له أنّ أداء الزكاة يحفظ له المال طمأنته، إذاً فأنت لا يمكن لك أن تؤثِّر في الآخرين إلا إذا عالجت موضوعات تعنيهم، فإذا تكلَّمت إيّاك أن تطرح موضوعاً لا يعني الحاضرين، الكلام يصبح لا معنى له إطلاقاً أنت في واد وهم في واد.
كل فرد منا له رغبات وله حاجات مشروعة، والإنسان حينما يستغل هذه الحاجات المشروعة فيوجه توجيهاً صحيحاً ينجح في الدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ.

مزج القديم مع الحديث من الأساليب المتبعة في التأثير:
عندما يتحدث الإنسان عليه مزج القديم مع الحديث يكون هذا المزج مفيداً جداً، أحياناً يكون كل الحديث عن القديم وهذا لا يجوز فأحياناً تجد خبراً له تأثير كبير، فقد قرأت ذات مرّة خبراً في إحدى الجرائد أعجبني كثيراً وهو عن عصابات في الصين تقوم بخطف الفتيات في سنّ الزواج، لماذا ؟ السبب هو تحديد النسل عندهم تحديد قسري فلا يسمح للأسرة الواحدة إلا بإنجاب طفلٍ واحدٍ، وبحكم محبّة كل الشعوب للذكور لا للإناث، فكلّما أنجبوا بنتاً يخنقونها إلى أن يأتي الصبيّ فيسجلوه في السجلات الرسميّة، وبعد حين تفاجؤوا بقرى بأكملها كل سكانها من الذكور، فنشأت عصابات لخطف الإناث، فعندما يشرِّع الإنسان تجده يرتكب الحماقات الكبيرة جداً.
أحياناً تجد خبراً تقرؤه في جريدة تخرج منه بفائدة، فقد قرأت مرّة في جريدة خليجيّة أنّه قد تم إعدام عشرين مليون رأس من الأغنام في أستراليا، أطلقوا عليها الرصاص ودفنت في مدافن جماعيّة، من أجل الحفاظ على سعر اللحم، وهذه الشعوب التي تموت من الجوع في بنغلاديش والسودان وأفريقيا، فإذا أردت أن تبيّن وحشيّة هذا الإنسان الكافر بالرغم من الدعاوى الكاذبة لحقوق الإنسان وحقوق الحيوان فاذكر هذا.
مرّة في أمريكا من أجل الحفاظ على البرتقال قاموا بوضع محاصيل وبكميّات كبيرة في أماكن مسوّرة لإتلافها، فتسلل بعض الفقراء الزنوج من أسفل السور وقاموا بخطف بعض الثمار وأكلها، فقاموا في العام التالي بتسميمها حتى الزنجي لا يأكل برتقالة دون دفع ثمنها، هذه تبيّن وحشيّة الكافر فهو وحش في صورة إنسان.
أحياناً تقرأ الخبر ويكون مهماً جداً، ذات مرّة ألقيت خطبة من على المنبر ثلاث خطب قرأتها في الصحف اليوميّة عن الإيدز، شيء مثير، مثلاً موظف كبير أرسلته الدولة في مهمّة للخارج وزلّت قدمه هناك، وعاد محملاً بالهدايا، بعد سنة زوجته الوفيّة أصيبت بالإيدز وابنتـه وكذلك هو، والثلاثة الآن قد ماتوا، وله ابنٌ أو بنتٌ أنجبه قبل السفر ما زال حياً، وهي قصّة واقعيّة، وقد ذكرت ثلاث قصص من هذا النوع.

أمثلة عن قصص فيها مزج بين القديم والحديث:
أحياناً الإنسان يلتقط قصّة ذات تأثير بالغ، فذكر كل شيء قديم يصبح الحديث مملاً، أما أن تذكر القديم والحديث كخبر معاصر ـ كزلزال مثلاً ـ وحوله موعظة بالغة، فقد قرأت ذات مرّة عن زلزالٍ وقع في المغرب في بلد تسمّى أغادير وهي مدينة ساحليّة، مدينة السيّاح، فيها نوادٍ للعراة، وفيها أشياء مخيفة، وفيها فندق شهير مكوّن من ثلاثين طابقاً، فهذا الزلزال ابتلعه، ولكن ليكون هذا الفندق شاهداً على دمار بلاد الفاسقين وعبرة للآخرين ظل الطابق الأخير ظاهراً فوق الأرض وعليه اسم الفندق وكأنّها شاهدة له، فقد قال تعالى:
﴿ وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) ﴾
( سورة الأعراف: آية " 145 " )
أحياناً خبر مهم جداً تقرؤه وتستوعبه وتحدّث به الناس، والقصد إحداث تأثير لدى المستمع فتنفِّره من هذه الحضارة الماديّة المبنيّة على الكفر والانحلال.
إذاً من الأساليب في التأثير مزج القديم مع الحديث، فلا يكون الحديث كلّه عن القديم، أحياناً آية معاصرة مثلاً كإعصار ضرب الساحل الشرقي لأمريكا وكانت الخسارة ثلاثين ملياراً من الدولارات، فلا تتكبّر فالله أكبر، من دون أي مشاكل عاقبهم الله فوراً، أو مركبة فضائيّة أطلقوا عليها اسم المتحدّي وبعد إطلاقها بسبعين ثانية أصبحت كتلة من اللهب فمن تتحدّون ؟ بالرغم من المراجعة الدقيقة، والعدّ التنازلي، والاحتياطات المتخذة فكل جهاز يوجد منه اثنان، وبعد سبعينَ ثانية أصبحت كتلة من لهب إنها المركبة (Challenger).
ربط الله عزَّ وجلَّ القديم مع الحديث في بعض الآيات القرآنية:
لذلك أحياناً القديم مع الحديث يعطي تأثيراً كبيراً، فأنت لا تعيش خارج العصر، أنت مع العصر، مع معطياته، مع فلسفته، مع ثقافته، مع أحداثه، وتعيش بين مشاكل الناس، همومهم، أحزانهم، أفراحهم، لك رأي إيجابي في الموضوع فلست تعيش من وراء التاريخ، فقد لاحظت أنّ الدعاة البعيدين عن العصر لا يؤثِّرون في الناس إطلاقاً، فلذلك مزج القديم مع الحديث مهم للتأثير في الآخرين، فانظر لقوله تعالى:
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا (8) ﴾
( سورة النحل: آية " 8 " )
لو انتهت الآية عند هذا المقطع من الآية الكريمة:
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً (8) ﴾
( سورة النحل: آية " 8 " )
وأنت تركب طائرة حديثة أسرع من الصوت كطائرة الكونكورد التي تقطع المسافة ما بين لندن ونيويورك في أقلّ من ساعتين، وأنت ترى سيّارة فخمة وقطاراً فخماً وتبلغ سرعته في الساعة الواحدة ثلاثمئة وخمسين كيلو متراً وتقرأ هذه الآية وقوله تعالى:
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾
( سورة النحل: آية " 8 " )
كيف ربط الله عزَّ وجلَّ القديم مع الحديث ؟ فهذا كلام الله مغطىً، فلو كان الكلام من محمد فما كان ليكمل الآية، كان سيقول:
﴿ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً (8) ﴾
( سورة النحل: آية " 8 " )
ويتوقف، لأنّ سيدنا محمد لا يعلم ما سيكون، ولكنّ الله تعالى يعرف ما سيكون فقال:
﴿ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) ﴾
( سورة النحل: آية " 8 " )
الإنسان الواقعي يجذب الناس إليه:
توجد نقطة دقيقة جداً فالله تعالى عندما وصف الأنبياء ماذا قال ؟ قال:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً (20) ﴾
( سورة الفرقان: آية " 20 " )
ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق معنى ذلك أنّهم شاركوا الناس، فمن يعيش في برج عاجي وبعيداً عن الناس لا يستطيع أن يخاطبهم بلغةٍ يفهمونها، فأخطر شيء في الداعية أن يعيش في برج عاجي، فإذا لم يعش مع الناس، ومع مشكلاتهم، ومع أحوالهم، ويشعر بما يزعجهم وما يؤلمهم وما يفرحهم، فهذه المعاناة والمشاركة فيها توفِّق إلى اختيار الأسلوب المناسب.
أحياناً يعاني أحد الأشخاص من شيء صعب أنت لا تعانيه فتحاسبه حساباً قد يخرج من جلده، ولكنّك إذا عانيت ما يعانيه فتعطيه عذراً وتلتمس له العذر، وإذا لم يكن الإنسان واقعياً فلن يجذب الناس إليه، وهذا كلّه من أدب الحديث وهو أدبٌ ذو أهميّة كبرى.
الحديث العابر لا يحتاج إلى إعداد، أما إذا كُلِّفت أن تلقي كلمة، أن تُدلي برأي، أن تقيم مناظرة، أن تطرح موضوعاً، أن تعالجه فلا بدَّ من أن تُعِدَّ له إعداداً جيّداً.
الكلام المركَّز الموجز والمُثير يشد الناس ويجذبهم إليه:
كلّ أخواننا الذين بدؤوا بالدعوة إلى الله عزَّ وجلَّ لو فرضنا أنّك كنت بمجلسٍ ودُعيت إلى إلقاء كلمة فيجب عليك أن تعلم جيّداً ماذا ينبغي أن تقول من آيات، وأحاديث، وشواهد، وأدلّة عقليّة نقليّة، وهذه يجب أن تكون قبل هذه، وهذا الدليل بعد الآية، والآية بعد الدليل، فإذا لم يكن لديك إعداد علمي جيد فلن تؤثر بالآخرين، لأن الكلام المضطرب والارتجالي وغير المنظّم والعشوائي كأن تتكلّم عن كلّ ما يخطر في بالك فهذا لا يؤثِّر أبداً في الآخرين.
حدّثني شخص دخل إلى مسجد وحضر خطبة الجمعة أنّه قد قام بعدّ الموضوعات التي طرحها الخطيب من فوق المنبر فكانت ثمانيةً وعشرين موضوعاً، فقد طرح موضوعاً ولكنّه لم يعالجه، وكان كلّ شيء يخطر في باله يقوله، لأنّ الموضوع ارتجالي، الذي يرتجل كلاماً من دون إعداد فهو يحتقر الناس، هذا الجالس أمامك ترك بيته وأتى إليك ليستمع منك، والوقت ثمين فقد كان مع أولاده وأهله وجاء إليك ليستمع إلى كلام منظّم، وكلام عميق، ومصحوب بالأدلّة والشواهد، ومعروض عرضاً جيّداً وبأفكارٍ عميقة، فإذا لم تُعِدَّ الكلام جيداً فلن تنجح ولن تؤثّر في الآخرين، الحديث المضطرب لا يصغى إليه، الحديث غير المُعدّ، غير المنظّم، غير المدعَّم بالأدلّة والشواهد لا يصغى إليه.
هناك نقطة بالغة الأهميّة فإنّك لا تستطيع أن تؤثِّر في الآخرين وأن تتمثّل أدب الحديث إلا إذا اعتقدت الذكاء والنباهة في المستمعين، فإذا اعتقدّت أنّهم ليسوا كذلك فإنّك لن تؤثِّر فيهم، إذا لم تعتقد فيهم الذكاء والنباهة فستأتي بتفصيلات مملّة، محاكمات ساذجة، أفكار سخيفة، أما إذا اعتقدت فيهم الذكاء والنباهة فستأتي بأفكار عميقة، تختصر التفاصيل المملّة، كلّما كان كلامك أكثر إيجازاً وتركيزاً وأكثر إثارة فستشِدّ الناس أكثر وتجذبهم إليك.

من حسن الحديث أن يُمزج بفكاهةٍ أديبةٍ ذكيّة:
شيء آخر من حسن الحديث أن يمزج بفكاهةٍ أديبةٍ ذكيّة، دائماً الفكاهة لها تأثيرٌ كبيرٌ جداً في ثنيّات الحديث، وأحياناً ممكن أن تعبِّر عن أدقَّ الأفكار وعن أعمقها بفكاهة بسيطة، أحياناً تجد شخصاً يريد من هذا الصانع الصغير الذي يعمل لديه أن يتحلّى بالذكاء والفطنة والفهم والبديهة، وهذا ليس معقولاً، فصاحب المحل يبلغ من العمر الخمسين أو الستين سنة وقد عركته الحياة ويملك خبرات متراكمة ودفع ثمناً باهظاً لها، وينتظر من طفل صغير عمره لا يتجاوز العشرين عاماً أن يكون ذكياً ونبيهاً وفهيماً، لو كان كذلك لجلس في مكانك، ففي مثل هذا الموقف تحضرني طرفة:
دخل ملك ذات مرّة إلى بستان ليتفقّد رعيّته، وكان صاحب البستان يملك حصاناً يدور حول بئرٍ وهو معصوب العينين لاستخراج الماء، وعلّق في عنقه جلجُلاً ـ جرساً ـ وكان الملك ذكياً فسأل صاحب البستان: لمَ عصبت عينيه ؟ فقال له: لئلا يصاب بالدوار، فقال له: ولمَ وضعت هذا الجُلجُل ؟ فقال له: حتى إذا توقّف عن الدوران أعرف ذلك، وكان الملك كثير الذكاء فقال له: فإذا وقف وهزَّ رأسه ؟ فردَّ عليه قائلاً: وهل له عقلٌ كعقلك ؟!
دائماً عندما يتواجد معك أشخاص لا تظن أنّ عقولهم مثل عقلك، فإذا اعتقدت أن عقل الذي أمامك مثل عقلك فأنت إذاً لا تعرف شيئاً، فهذا أقل منك في الخبرة، فكل من طالب من حوله بأن يكونوا في أعلى درجات الذكاء والفهم والفطنة والبديهة والطلاقة فهو بذلك لا يفهم شيئاً، فهذا الصغير خبرته محدودة، أو يريد صهره أن يكون في نفس مستواه، فأنت عندك بيت مرتّب وواسع وأنت في الستين من العمر وصهرك خرج جديداً للحياة، يقول له: ألا تملك بيتاً ؟ يقول له: عندي، فيقول له: كم تبلغ مساحته ؟ هذه المساحة لا تكفي، انظر إلى نفسك عندما تزوّجت لم يكن لديك بيت ولا جدار من حائط، فدائماً لا تقس الناس بنفسك، وأعطِ كلّ إنسانٍ حجمه الحقيقي ـ قال الملك له: فإذا وقف وهزَّ رأسه ؟ فقال البستاني له: وهل له عقلٌ كعقلك ؟! ـ أحياناً تستطيع أن تعبِّر عن أعمق الأفكار الدقيقة وذلك بطرفة بسيطة.

صفات تسيء للحديث:
هناك نقطة هامّة، ما الذي يجعل الحديث غير مؤثِّرٍ ؟ قال: الجمود وعدم الحركة، البعد عن حاجات المستمع، عدم مزج القديم بالجديد، الارتجال، الإطناب الممل، الإيجاز المخل، عدم الوضوح، عدم وجود الإثارة، الوتيرة الواحدة، التكرار، المتكلِّم في واد والمستمع في واد فالموضوعات غير ذات أهميّة، اللف والدوران، التعميم، السرعة في إصدار الأحكام، المبالغة، التهويل، الحشو والتفصيل، هذه كلُّها تجعل الحديث مملاً.
الحشو والتفاصيل سخيفة تُفهَم دون أن تذكر فألغها من حديثك، ولو ذكرتها تجعل الحديث مملاً.
المبالغة والتهويل يضعف المصداقيّة في كلامك، قال لي أحدهم عن طريق يبلغ عرضه ستّة كيلو مترات، فقلت له: أتقصد طوله ؟ فقال لي: لا بل عرضه، فهذا كلامٌ غير معقولٍ، فعندما تبالغ فقد انتهيت عند الآخرين لذلك دائماً اجعل كلامك علمياً.
اللف والدوران بسبب غموض فكرة في ذهنك فتلف وتدور لتبيّنها، فإذا كان هناك فكرة غامضة فلا تقلها، أما إذا كانت الفكرة واضحة فتحدّث بها، فاللف والدوران يصيب المستمع بالسأم والضجر.
المتكلِّم في واد والمستمع في واد معنى ذلك أنّك لم تختر موضوعاً يمس بشغف قلوب الحاضرين.
التكرار يدعو للسأم، الوتيرة الواحدة في الصوت تدعو للسأم، عدم وجود الإثارة في الحديث تدعو للسأم، عدم الوضوح يدعو للسأم، الإيجاز الممل يدعو للسأم، الارتجال كذلك يدعو للسأم، عدم مزج القديم بالحديث، البعد عن حاجات المستمع، الجمود.
هذه كلُّها صفات تسيء للحديث، وقد دمجنا فيما بين آداب الحديث وبين عوامل التأثير في الحديث.

صفات تسيء للحديث:
كان درسنا اليوم آداب الحديث كما وردت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، والعوامل التي تجعل من الحديث مؤثِّراً، فإذا جلس الإنسان مع أولاده، أو أراد أن يلقي كلمة، أو يدير حواراً، أو أن يوجِّه وأن يدعو إلى الله عزَّ وجلَّ يستخدم هذه القواعد في حديثه.
الأنبياء بماذا جاؤوا ؟ جاؤوا بالكلمة، فالدعوة أساسها الكلمة، يجوز المهندس أساس عمله مواد البناء من اسمنت وحديد وغيرها، والمعمل أساس عمله المواد الأوليّة من قوالب وخلافه، ولكن الداعية أساس عمله الكلمة، فإذا أحسن انتقاء الكلمة ونظمها وإلقاءها فقد أثَّر بالحاضرين، فأنت تعاملك مع الكلمة، والكلمة لها قوّة التأثير، وقد جاء الأنبياء بالكلمة، بكلمةٍ من عند الله عزَّ وجلَّ.
كل إنسان يحب أن يدعو إلى الله عزَّ وجلَّ ولا أعتقد بوجود أحد من الأخوة الحاضرين معنا لا يطمح أن يدعو إلى الله لأنّ هذا أعظم عمل فقد قال تعالى:
﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) ﴾
( سورة فصلت: آية " 33 " )
حتى يلهمك الله عزَّ وجلَّ الصواب استعن بهذه الآداب النبويّة التي وردت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، واستعن بهذه القواعد الفنيّة في جذب اهتمام المستمعين وإحداث التأثير القويّ فيهم عن طريق هذه القواعد.







والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 09:20 AM   #27


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الخامس و العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 12 ) اداب المزاح





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة المؤمنون مع الدرس الخامس والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام ننتقل إلى أدبٍ جديد وهو أدب المزاح.
آداب المزاح:
الحقيقة حياة المؤمن ليست قاسية، فحياته فيها مرح وتفاؤل وسرور وثقة بالله عزَّ وجلَّ، وفيها تودد وحب، فالمزاح أحياناً يعبِّر عن هذه، المزاح والود له فوائد كثيرة فهو يؤلّف القلوب ويجمع الشمل ويجعل الجو لطيفاّ، فالأب الذي في بيته شيء من المرح وشيء من المزاح وشيء من التسامح يصبح بيته كالجنّة.
أما البيت الذي فيه قسوة وعبوس ومتابعة ونوع من السيطرة القمعيّة، هذا البيت أمنية الأولاد فيه أن يخرج أبوهم من البيت، فنجاحك في البيت مؤشّره أن يتمنّى أولادك أن تكون بينهم، وعدم نجاحك في البيت أن يتمنّى أولادك أن تكون بعيداً عنهم.
كان النبي عليه الصلاة والسلام هو القدوة في البيت كواحد منهم، في التواضع والعفويّة وعدم التكلُّف وعدم القمع وعدم التصنُّع وهذا يجعل البيت روضة من رياض الجنّة، أما إذا دخلت السيطرة والقمع والعبوس والجديّة المستمرّة، فهذا من شأنه أن يُنفّر الأولاد من أبيهم.
في الحقيقة المزاح له آداب، والمزاح شائع بين الناس جميعاً ولكنّه كالملح في الطعام ـ دققوا في هذا المثل ـ فالملح في الطعام إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه.
قد تحدث أخطار كبيرة بسبب المزاح نحو ضعف الهيبة، والاستخفاف، وعدم المبالاة، والتساهل، والتسيّب، وهذه من آثار المزاح السلبيّة، لكن كالملح في الطعام إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه.
1ـ أول أدب من آداب المزاح عدم الإكثار منه:
أول أدب من آداب المزاح عدم الإكثار منه، أي لو جلس الإنسان ساعة من الزمن وروى طرفة أو طرفتين فلا بأس، أما طرفة ووراءها أخرى فليس هكذا، فإذا أكثرت من المزاح ذهبت هيبتك، واستخفّ بك، وأقول مرّة ثالثة فهو كالملح في الطعام إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه.
(( لست من دَدٍ ولا دَدٌ منّي ))
[ رواه البخاري والبيهقيُّ عن أنس بن مالك رضي الله عنه]
ما معنى: دَدٍ ؟ قال: لست من أهل اللعب واللهو.
المؤمن له مهمّة وهدف كبير في الحياة، يحمل رسالة وهدفه أن ينشر الهدى، لذلك يأتي المزاح كواحة في الصحراء فالدرب شاق وطويل من الحرّ والرمال، لكن إذا اشتدّ التعب فيأتي المزاح كواحة وكاستراحة يرتاح بها المؤمن ليستأنف السير، فإذا كثر المزاح أصبح الأمر على خلاف ما هو مطلوب، إذاً:
(( لست من دَدٍ ولا دَدٌ منّي ))
[ رواه البخاري والبيهقيُّ عن أنس بن مالك رضي الله عنه]
أي لست من أهل اللهو والمزاح والفكاهة والضحك.
الجوانب المتنوِّعة من علامات الشخصيّة المتفوِّقة:
كيف أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين. ))
[أحمد عن معاذ رضي الله عنه]
المؤمن يتنعّم ولكن ليس التنعُّم هدفاً استراتجياً من أهدافه، لا فالهدف الأساسي مرضاة الله عزَّ وجلَّ ويأتي التنعُّم عرضاً، وهدفه نشر الحقّ وتأدية الرسالة وحمل الأمانة، لكن يأتي المزاح ليلطّف الجو جو الأسرة، فالمدرس الناجح يمزح مع طلاّبه، والطبيب الناجح تجده مرحاً، وقد تجده يصعب الأمر فيزداد المريض مرضاً، وتجد طبيباً مؤمناً بالله فيطرح طرفةً ويؤانس المريض ويطمئنه، ويعطيه أملاً فيشفي الله عزَّ وجلَّ المريض بسبب هذه المعنويّات المرتفعة، فالمزاح يجب أن يكون في كلِّ مجال ولكن كالملح في الطعام إذا زاد عن حدِّه انقلب إلى ضدّه.
سأذكر لكم نقطة دقيقة، الحقيقة من السهل أن تكون متطرِّفاً، ومن السهل أن ترخي العنان، مزاح وضحك، ومن السهل أن تكون قاسياً جبّاراً في البيت، التطرُّف سهل ولكنّ البطولة أن تجمع بينهما، البطولة أن تكون بين الإفراط والتفريط، أن تكون بين القسوة والقمع وبين التسيُّب، كان أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يترامون أحياناً.
أحياناً يكون الثلج متساقطاً وترى الناس يتقاذفون به كنوع من المرح، لكن إذا كانت الحقائق كانوا هم الرجال، فالإنسان العظيم يمزح ويكون مرحاً مع أصدقائه وأهله وأخوانه، لكن إذا جدّ الجد كان كما قال ابن المقفّع: " فهو الليث عادياً "، وقد ذكر أحد أصدقائه فقال: " من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظّمه في عيني صغر الدنيا في عينيّه، كان خارجاً عن سلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد، وكان خارجاً عن سلطان الجهالة فلا يتكلّم بما لا يعلم، ولا يماري فيما علم، وكان أكثر دهره صامتاً، فإذا جدَّ الجدُّ فهو الليث عادياً ".
أي أنّ الشخصيّة العظيمـة تجدهـا متنوّعـة الجوانب، ففي البيت وديعاً، ومع أصدقائه متواضعاً، وفي حديثه مزح وطرافة، وإذا جدَّ الجدُّ فهو الليث عادياً، الجوانب المتنوِّعة من علامات الشخصيّة المتفوِّقة.
أخطر ما في المزاح أن يمسّ إنسان أو يجرحه:
النبيُّ عليه الصلاة والسلام نهانا عن الإكثار من المزاح.
سيّدنا عمر رضي الله عنه يقول: " من كَثُرَ ضحكه قلّت هيبته، ومن مزح استُخِفّ به ".
ولاسيّما المناصب القياديّة، كالمعلِّم في صفّه، أو الطبيب في المشفى، أو المدير العام، فإذا أكثر من المزاح استخفّ به، وقلّت هيبته، وإذا كان القمع هو ديدن هذا الإنسان نفر الناس منه، فإذا كان الإنسان قاسياً وقمعيّاً تجد في غيبته من يسخر منه ويتندّر به ويكال له الشتم، أما إذا كان مرحاً وواقعياً وطبيعياً وكانت معاملته فيها لطف ورحمة، تجد الثناء يكال له كيلاً في غيبته.
الحقيقة أنّ مقياس نجاحك في عملك وفي بيتك لا ما يقال في حضرتك، فأغلب الناس يجاملون، ولكن مقياس نجاحك هو ما يقال عنك في غيبتك لا في حضرتك.
الآن أخطر ما في المزاح هو أن يمسّ إنسان أو يجرح إنسان أو يوجّه المزح لشخص فيمزح على شكله، أو على عاداته، أو على ما فيه من طباع، أو على مهنة من المهن، ولذلك على المعلّمين أن يكونوا دقيقين جداً فليس من حقِّ المدرّس أن يتناول مهنة بالسخرية على الإطلاق، لأنّه ما من مهنة إلا ويمكن أن توظّف في طاعة الله، فليس للمعلّم أو المربّي أو الأب أن يتناول حرفةً بالسخرية، أو أن يتناول إنساناً ويذكر عيباً من عيوبه، فهذه أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها التي قالت عن أختها وضرتها أنّها قصيرة. فقال النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم:

(( لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته. ))
[أبو داود والترمذي عن عائشة رضي الله عنها]
المزاح إذا مسّ إنساناً في شكله، أو طبعه، أو بعض صفاته، أو مسّ فئةً أو جهةً أو قطاعاً، فالإنسان يعظم عند الله بمعرفته وطاعته، وقد يوجد بعض الأشخاص الذين يتندّرون من فئات معيّنة، أو الذين يسكنون أماكن معيّنة، أو من حرف معيّنة، وهذا من الجاهليّة، وقد قال أحد الصحابة لغلامه: يا ابن السوداء، فقال له النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم:
(( إنّك امرؤٌ فيك جاهليّة. ))
[متفق عليه عن أبي ذر رضي الله عنه]
الإنسان يعلو بطاعته ويسفل بمعصيته:
الإنسان إما رحماني أو شيطاني، فلمجرّد أن تقدح بإنسان أو بفئة أو بقطاع أو بطبقة أي قدح فهذه جاهليّة جهلاء، لذلك أنا أقول كلمة: المؤمن لا يمكن أن يضاف على اسمه ولا كلمة، مؤمن تحبُّه غنياً، تحبُّه فقيراً، تحبُّه متعلّماً، تحبُّه غير متعلّم، تحبُّه حرفياً، تحبُّه من المدينة، تحبُّه من الريف، لأنّه مؤمن وقد هذّبه الإيمان وارتقى وسما به، وتخلّق بأخلاق الإسلام، لذلك أيّ كلمةٍ تضاف إلى كلمة مؤمن جاهليّةٌ جهلاء، فقد قال عليه الصلاة والسلام له:
(( إنّك امرؤٌ فيك جاهليّة. ))
[متفق عليه عن أبي ذر رضي الله عنه]
لأنّه قال له: يا بن السوداء، لا يكون القدح بلون ولا بجنس ولا بعرق ولا بشعب ولا بأمّة ولا بطبقة ولا بحرفة ولا بأهل حيّ ولا بأهل عشيرة، وأساس الحروب والمآسي والدماء عبارة عن افتخار لا أصل ولا وجود له، كان العرب في الجاهليّة يمدُّ أحدهم رجله ويقول: من كان أشرف منّي فليضربها، فيقوم إنسان فيضربها فتنشب حرب قد تدوم عشر سنين، الهدف سخيف والسبب أسخف.
يا أخوتي الكرام المؤمن الراقي يعيش عمره كلّه فلا يطعن بإنسان، ولا بحرفة، ولا بشعب، ولا بأُمّة، ولا بحقبة، ولا بمذهب ـ فلان كذا، ولا يطعن بطبقة من الطبقات فالإنسان يعلو بطاعته ويسفل بمعصيته فإذا لم يكن مقياسك قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكـُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13) ﴾
( سورة الحجرات: آية " 13 " )
إذا لم يكن مقياسك قوله تعالى:
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) ﴾
( سورة الحجرات )
فأنت لست مؤمناً، لذلك فالمزاح مندوب بين الأهل والأقرباء، والأخوة والأصدقاء بشرط ألا يكون فيه أذىً لأحد، أو استخفاف بمخلوق، فأحياناً يمزح الأخ مع أخيه فيجرحه، فيجوز أن يضحك أخوه من ذكائه ويمتصّها، ولكن أنت هل تعلم ماذا أحدثت في نفسه ؟ أحدثت جرحاً عميقاً، ولو ابتسم أو جاملك فقد جرحته، لذلك سنعيد الحديث الشريف عن السيّدة عائشة رضي الله عنها قالت عن أختها صفيّة: إنّها قصيرة. فقال عليه الصلاة والسلام:
(( يا عائِشَة لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْه ))
[ رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها ]
انتبه: فلا تقل: فلان طويل أو فلان قصير أو أسمر أو أبيض أو فلان عيونه صغيرة أو جبهته عريضة فهذا كلّه من كلام الجهلة وقيمة الإنسان بأخلاقه وبعلمه، وقيمته بمعرفته بالله عزَّ وجلَّ، فلا تستخفّ بأحد.
معاملة الناس جميعاً بمقياس واحد وهو مقياس التقوى:
مثلاً في مصر إذا أرادوا أن يستخفّوا بإنسان يقولون عنه: صعيدي، أي من أهل الصعيد، فهذه من الجاهليّة الجهلاء، وفي كلّ بلد فيها من المناطق التي يستخفُّ بها، وهذه عنعنات جاهليّة ما أنزل الله بها من سلطان، جبلة بن الأيهم عندما داس بدوي على طرف ثوبه قام بضربه على أنفه ضربةً هشّمتها، فلما اشتكى إلى عمر بن الخطاب قال له: أصحيحٌ ما ادّعى هذا الفزاريُّ الجريح ؟ قال له: نعم، لست ممن ينكر شيئاً، أنا أدّبت الفتى أدركتُ حقّي بيدي، فقال عمر رضي الله عنه: أرضِ الفتى ـ لا بدَّ من إرضائه ـ ما زال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمنّ الآن أنفك وتنال ما فعلته كفُّك ـ ليس من المعقول ذلك فجبلة ملك وهذا الفتى من عامّة الناس ودهمائها وسوقتها ـ فقال له جبلة: كيف ذاك يا أمير ؟! هو سوقةٌ وأنا عرشٌ وتاج !! ـ أي ما هذا الذي تقوله ؟ كيف ترضى أن يخرّ النجم أرضاً ـ فأجابه عمر رضي الله عنه قائلاً: نزوات الجاهليّة ورياح العنجهيّة قد دفنّاها وأقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً، فقال له: كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عندك أقوى وأعزّ، أنا مرتدٌ إذا أكرهتني، فقال له عمر رضي الله عنه: عنق المرتدّ بالسيف تحز عالم نبنيه كلُّ صدعٌ فيه بشبا(أم بشذى) السيف يداوى، وأعزُّ الناس بالعبد وبالصعلوك تساوى.
أخواننا الكرام ما الذي يجمع الناس حولك ؟ نزاهتك، احترامك للناس، أدبك معهم جميعاً، إذا لم تعامل أي إنسان بمقياس واحد مقياس التقوى فلست مؤمناً فقد قال الله تعالى:

﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) ﴾
( سورة الحجرات )
إذا أدخلت مقياس المال فأنت لست مؤمناً، وقد قال صلّى الله عليه وسلّم:
(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه.))
[البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
إذا كنت تعامل الأقوياء معاملةً خاصّة فأنت بذلك لم تعرف الله عزَّ وجلَّ، لم تر القوي، ولم تر أقوى الأقوياء.
عليك أن تعلم أن الناس كلهم سواسية وإلا فأنت بعيد عن الدين وعن أخلاق المؤمنين:
قال تعالى:
(( أنا الله لا إله إلا أنا مالك الملوك، و ملك الملوك.))
[غريب من حديث مالك مرفوعاً تفرد به علي بن معبد عن وهب ابن راشد]
إن رآك مالك الملوك تعامل الأقوياء باحترام ولكن من دون نفاق، وتعامل الأغنياء باحترام ولكن من دون تملُّق، إذا لم يكن مقياسك:
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) ﴾
( سورة الحجرات )
أنت بعيد عن الدين وعن أخلاق المؤمنين.
أخواننا الكرام حدّثني أخ كان معاراً لبلد عربي ليُدرّس بها، وفي المدرسة صبّ كأساً من الشاي ليشربه فقرع جرس الدرس، فوضعه كما هو وكاد ينطلق إلى غرفة الصف رأى آذِناً يقوم بمسح الأرض، فقال له: خذ هذا الكأس واشربه، وهذا الفَرَّاش من بلاد شرق أسيا، فلفت نظره هذا العمل، وفي اليوم التالي قال للأستاذ: لماذا قدّمت لي هذا الكأس فأنا هنا منذ سنتين ولم يسلّم عليّ أحد ولا قدّم لي شيئاً ـ فهو آذن أو فرّاش من الطبقة الدنيا ومن بلد فقير ـ ؟ فقال له: والله ديني يأمرني بذلك، فقال له: أتسمح لي أن أجلس معك في جلسة لكي أتعرّف على دينك، وقد كان مذهبه هندوكياً، عابداً للصنم، وقد دعاه إلى جلسة وكانت لغته الإنجليزيّة ضعيفة فدعا أخاً ذا لغة أقوى، فقال الفرّاش له: أنا أحمل بكالوريوس في الكيمياء، فتعجّب الأخ من ذلك وفي الأسبوع التالي أحضر معه معجماً باللغة الإنجليزيّة وافتعل أنّ ابنه سأله عن قضيّة كيميائيّة وطلب إليه أن يشرحها له واتضح فعلاً أنّه حاصل على البكالوريوس، لمدة شهرين في كلّ أسبوع جلسة حتى دلّه على الله وأقنعه بالدين فأسلم هو وخمسة من أصدقائه، والسبب هو كأس من الشاي.
احترم الآخرين فهذا الفرّاش يحمل بكالوريوس في الكيمياء، ومن فقره يعمل فرّاشاً، وعندما احترمته هديته إلى الله عزَّ وجلَّ، فأنا لا أعتقد أنّ مؤمناً لديه ذرّةٌ من الإيمان ويحتقر إنساناً، فحينما تحتقر أحداً فأنت لست مؤمناً، فما هذا الإيمان ! هذا عبد لله لو عرف الله لارتقى عند الله إلى أعلى عليين.
الذي أُحبّ أن أركّز عليه إيّاك ثم إيّاك ثم إيّاك أن تمزح مزاحاً يجرح إنساناً، فإذا كنت معلّماً وذكرت أنّ المهنة الفلانيّة كل من يعمل بها من الأراذل وكلّهم لصوص، وكان عندك في الصف تلميذ يعمل أبوه في هذه المهنة، فماذا حدث لهذا الابن ؟ لقد صغّرته وعقّدته، فهل أنت متأكد أنّ كلّ أصحاب هذه المهنة أرذال ولصوص ؟ هذا كلام فيه جهل.
الإنسان بطاعته لله يرقى إلى أعلى عليين ويصبح فوق الناس أجمعين:
حدّثنا أستاذ لنا في الجامعة فقال: التعميم من العمى، فإذا عممت فأنت جاهل، حينما تعمم فأنت جاهل كأن تقول: أهل المدينة الفلانيّة كلّهم كاذبون، فما هذا الكلام !! ومن قال لك ذلك ؟ هذا هو الجهل بعينه فإيّاك أن تعمم، كل بلد فيها أناس طيبون ومستقيمون وفيها ورعون وأناس ذوو أخلاق عالية، وكذلك فيها أناس ذوو أخلاق سيّئة، فالتعميم على مدينة أو جهة أو منطقة أو طبقة أو على أصحاب حرفة هذا من الجهل والتعميم من العمى، حينما تعمم فأنت أعمى ولا تعرف، فلا تتناول أحداً بسخريتك فهذا ليس من أخلاق المؤمن.
أنت مؤمن وكلُّ مخلوقٍ عبدٌ لله يرقى عند الله بطاعته، فأنا لا أنسى ولن أنسى قوله صلى الله عليه وسلم لأحد أصحابه وهو سيّدنا سعد بن أبي وقاص:

(( ارمِ سعد فداك أبي وأمّي. ))
[متفق عليه عن علي رضي الله عنه]
هذا ليس بقليل، النبيّ لم يفد أحداً بوالديه إلا سيّدنا سعد، وإذا دخل سيّدنا سعد كان يقول:
(( هذا خالي فليرني امرؤ خاله.))
[الترمذي عن جابر بن عبد الله]
أي أنّ المحبّة والود يفوق حدّ الخيال، فلما توفّي النبيّ عليه الصلاة والسلام ـ انظروا إلى هذا الفهم العميق ـ قال سيّدنا عمر رضي الله عنه: يا سعد لا يغُرنّك أنّه قد قيل خال رسول الله، فالخلق كلُّهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له، أنت بطاعتك لله ترقى إلى أعلى عليين، وتصبح فوق الناس أجمعين:
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) ﴾
( سورة الحجرات )
لا نرقى، ولا نتقدّم، ولا يرضى الله عنّا إلا إذا حكّمنا بيننا مقياساً واحداً وهو التقوى.
نماذج من المزاح المؤذي:
الآن نماذج من المزاح المؤذي:
(( لا يأخُذنّ أحدُكم متاع أخيه لاعباً ولا جاداً، ومن أخذ عصا أخيه فليرُدّها ))
[رواه الترمذي عن عبد الله بن السائب عن أبيه عن جدّه]
في بعض الأحيان يمزح أحدهم مزاحاً ثقيلاً، كأن يخفي سواراً أو غرضاً من الأغراض، أو يخفي حذاء طفل وهو يقوم بالبحث عنه وأبوه ينتظره في السيّارة وهو غاضب، هذا ليس من المزاح، والنبيّ نهى عن مثل هذا المزاح، أو الجندي بالثكنة العسكريّة يخفون عنه سلاحه، وفي ذلك محاكمة عسكريّة ميدانيّة فيمكن بسبب ذلك أن يصاب بالجلطة، فهذا ليس من المزاح كأن تخفي عنه سلاحه أو تخوّفه فهذا نوع من المزاح المؤذي، وقد نهى عنه النبيّ.
المزاح أحياناً أن يكلّفك أحد الأشخاص بقضيّة ما ويكون عصبي المزاج، فيقول لك: هل أنهيت هذه القضية ؟ فتقول له: لا لم أنته منها وقد نسيتُ، فيقوم منفجراً، وقد تكون أنهيتها وقدمتها له جاهزة ولكنّك أحببت أن تراه وهو منفجر أو غاضب أمامك، فلماذا تفعل مثل ذلك ؟ ما دمت قد أنجزت القضية قل له: نعم لقد أنجزتها، فيشكرك على عملك، أما بعملك السابق جعلته ينفجر ويتكلّم بكلمات قاسية، وربما بكلمات قبيحة، وبعد ذلك قلت له: لا تصدّق فهي جاهزة وتفضّل بأخذها، فهذا من المزاح الثقيل، فإذا كان الإنسان عصبي المزاج وطلب إليك خدمة ما وكنت قد أنجزتها فأخبره بأنّك قد أنجزتها.
أو إذا تكلّم بالهاتف فقلت له: من المتكلم ؟ يقول لك: خمِّن، ما هذا الكلام ؟ أحياناً يكون المخاطب مشغولاً أو مضطراً أو مستعجلاً قل له: على الفور أنا فلان.
حدّثنا أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أنّهم كانوا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنام رجلٌ منهم، فانطلق بعضهم إلى حبلٍ معه فأخذه، ففزع، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( لا يحلُّ لمسلمٍ أن يُروّعَ مسلماً ))
[رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى]
النبي لم ينْهَنا فقط عن ترويع مسلمٍ، بل نهانا أيضاً عن أن نحمّر وجهه فقال:
(( لا تحمّروا الوجوه ))
[ورد في الأثر]
لا تحرجه أو تضعه في موقف حرج، قال لك: بالأمس كانت الحرارة ستاً وخمسين، غلط في درجتين أو ثلاث، فتجاوز عن هذا الخطأ، أما أن تقول له: غلطان، دائماً تجد أشخاصاً يحبّون أن يفنّدوا الأقوال، ويحرجون من أمامهم، أما إذا كان الكلام بالعقيدة فهنا يجب عليك أن تردّ وتتكلّم، فكلّ ما يمسّ العقيدة أو يمس الحديث الشريف أو تفسيراً لآية، أما إذا كانت القضيّة لا علاقة لها بالعقيدة أو الحديث أو التفسير أو السنّة، فتجاوز عنها، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا يحلُّ لمسلمٍ أن يُروّعَ مسلماً ))
[رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى]
نهي النبي الكريم عن المزاح المؤذي:
يوجد مزاح شديد القسوة، كأن يختفي أحدهم عنك ثم يظهر فجأةً أمامك، بعض الأشخاص تُحدث الصدمة له أمراضاً وبيلة، فهل تصدّقون أنّ بعض أسباب السرطان ضعف جهاز المناعة، ومن أسباب ضعف جهاز المناعة الشدّة النفسيّة ـ الخوف ـ فأحياناً الخوف المفاجئ يسبب ضعفاً في جهاز المناعة فيصاب بالسرطان، أحدث بحثٍ في مرض السرطان هو حينما يضعف جهاز المناعة لدى الإنسان تنمو الخلايا نمواً عشوائياً، فما الذي يقوم بضبط نمو الخلايا ؟ جهاز المناعة، وهذا الجهاز تضعفه الشدّة النفسيّة أي الخوف، فقمت بإخافته، والإنسان أحياناً يخاف خوفاً شديداً:
(( لا يحلُّ لمسلمٍ أن يُروّعَ مسلماً ))
[رواه أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى]
قد يكون أحد الأشخاص لا يجيد السباحة فيلقوه في مكان عميق، فيجوز أن يخاف أو يعلو صوته بالصراخ فأيضاً هذا مزاح منهيٌ عنه، الشيء الذي يخيف ويحدث صدمة منهيّ عنه، دققوا في هذا الحديث الشريف في يوم الخندق كان زيد بن ثابت ينقل التراب مع المسلمين فأصابته سنةٌ من النوم ـ أي نعس ـ فجاء عمارة بن حزم فأخذ سلاحه دون أن يشعر فنهاه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن ذلك، فهذا ليس مزاحاً بأن يسحب له سلاحه.
رجلٌ أخذ نعل رجلٍ غيّبهـا وهو يمزح ـ أي أخفاها ـ فذكر ذلك للنبي صلّى الله عليه وسلّم فقال عليه الصلاة والسلام:
(( لا تُروّعوا المسلم، فإنّ روعة المسلم ظلمٌ عظيم ))
[رواه البزّار والطبراني وابن حبّان عن عامر بن ربيعة رضي الله عنه]
أحياناً اثنـان في السفر يخفي أحدهم للآخر جواز سفره، وأخطر شيء جواز السفر أو هويّته وبإخفائك له فقد أهلكته، وكذلك محفظته يكون بها كلّ وثائقه الرسميّة، فإخفاء الحاجات الخطرة ليس من المزاح، هذا من المزاح المنهي عنه.
أما الذي يستهزئ مازحاً، ويغتاب مازحاً، ويُحقِّر مازحاً، وينتهك حرمة الدين مازحاً فإنّه آثمٌ وواقع في الحرام من حيث يعلم ومن حيث لا يعلم.
2ـ من آداب المزاح تجنّب الكذب وقول الزور:
الآن يوجد لدينـا أدب آخر من آداب المزاح وهو تجنّب الكذب وقول الزور فالنبيّ عليه الصلاة والسلام كان يمزح ولا يمزح إلا حقاً.
(( ويلٌ ـ أي الهلاك ـ للذي يحدّث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويلٌ له ويلٌ له ))
[رواه أبو داود والترمذيّ والدارمي عن بُهزُر بن حكيم عن أبيه عن جدّه]
أي أنّ إضحاك الناس عن طريق الكذب لا يجوز، أحياناً يكون لدى بعض الناس خيال مبدع فيقوم بتركيب وتلفيق قصّة من عنده ويدخل فيها شخصاً من الحاضرين أو غائباً، ويقوم برواية هذه القصّة بحيث توحي إليك بأنّه صادق فيُضحك الناس، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( ويلٌ للذي يحدّث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب، ويلٌ له ويلٌ له.))
[الترمذي وأبو داود والدارمي عن بهزر بن حكيم عن أبيه عن جده]
يوجد شيء آخر في هذا الحديث وهو من أخطر الأحاديث، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( كبُرت خيانةً أن تُحدّث أخاك حديثاً هو لك به مصدّق، وأنت له كاذب ))
[ رواه أبو داود عن سفيان بن أسيد الحضرمي رضي الله عنه]
المستمع لك بريء ومصدّق لك، وأنت تقوم بالكذب عليه، أخواننا الكرام يقول صلّى الله عليه وسلّم:
((المؤمن يطبع على كل خلق إلا الكذب والخيانة.))
[البزار عن سعد بن أبى وقاص]
إذا كذبت فلست مؤمناً، وإذا خنت فلست مؤمناً، يمكن للمؤمن أن يقع في كثير من الأخطاء إلا الكذب والخيانة، كأن يكون مؤمناً عصبي المزاج، أو انطوائياً، أو اجتماعياً، أو مؤمناً أنيقاً، أو مؤمناً أقلّ أناقة، أو مؤمناً ينفق الأموال بغير حساب، أو مؤمناً أقلّ إنفاقاً، كلّ هذا على العين والرأس إلا أن تكذب أو أن تخون:
((المؤمن يطبع على كل خلق إلا الكذب والخيانة.))
[البزار عن سعد بن أبى وقاص]
(( كبُرت خيانةً أن تُحدّث أخاك حديثاً هو لك به مصدّق، وأنت له كاذب ))
[ رواه أبو داود عن سفيان بن أسيد الحضرمي رضي الله عنه]
بالطبع من باب المزاح لاحظت أنّ بين طلاّب المدارس من يحدث الطفل بأشياء ليس لها أصل ولا وجود، أو أن تكون ذاهباً للنزهة فتقول له: لن نأخذك معنا، فيبكي الطفل ويُسَرّ أنّه أبكاه وقام بإزعاجه، هذا كلّه من المزاح المنهي عنه، أو يأتيه هاتف كاذب أو يسمع خبراً سيّئاً أو يكتبون نعوة ويطبعونها لأحد الأشخاص وهو ليس بميّت، أو أحد الجنود أراد أن يأخذ إجازة فيقوم بطبع نعوة كاملة بأن جدّه قد مات، فموضوع الوفاة المزاح فيه قبيح جداً.
الزواج والطلاق والعتق مزحُهنّ جد وجدّهُنّ جد:
بالمناسبة بالزواج والطلاق والعتق هذه الثلاثة مزحُهنّ جد وجدّهُنّ جد، كأن يقول: والله إني أفكر أن أتزوّج فلانة، مازحاً، أعوذ بالله من ذلك، فلانة عندما بلغها الخبر لم تنم ليلتها من فرحها، وهي تنتظر وتقول الآن سيأتي أو غداً، وأنت تمزح.
وإذا طلّق مازحاً فقد وقعت الطلقة وحسبت عليه وهو مازح، فإيّاك أن تقترب من هذه الموضوعات الثلاثة، أو أن تقـول إنّ فلاناً سيخطب فلانة، والقصّة لا أصل لها، يحدث للإنسان بذلك حالة تسمى الإحباط، فقد بلغ هذه المرأة أن فلاناً وهو شخص جيّد سيقوم بخطبتها، فهذه المسكينة تفرح من هذا الخبر ولا تنام من شدة الفرح وتنتظر يوماً ويومين وأسبوعاً وأسبوعين ولم يأت أحد لخطبتها، وبعد ذلك يقولون لها: هل صدّقتِ ما قلناه لقد كنا نمزح معك، هذا المزاح قبيحٌ بل من أقبح أنواع المزاح إذا تناول الخطبة أو الطلاق أو العتق.
قد يقول صاحب العمل لصانعه سوف أجعلك شريكاً لي في المستقبل، فيقول الصانع لأبيه فيمدحه الأب ويقول: جزاه الله كلّ الخير فهذا الإنسان صاحب أصل، وهم بذلك قد دخلوا بالأمل، وتكون هذه الكلمة كلّها مزاحاً فلا شريك ولا هم يحزنون.
لا تمزح مزاحاً كأن تقول: سأجعلك شريكاً لي أو سأقوم بتوظيفك في العمل، أو سأمنحك منحة، فهذا كلّه لا يجوز.
(( لا يؤمن العبدُ الإيمان كلّه حتى يترُكَ الكذب في المِزاحةِ والمراءِ وإن كان صادقاً ))
[رواه الإمام أحمد والطبرانيّ عن أبي هريرة رضي الله عنه]
لا مزاح مع كذب، فهذا ليس في الدين، تمزح من دون كذب، كان يمزح ولا يمزح إلا حقاً، لذلك المؤمن كلمته مسجّلة، كلمته تصريح رسمي لأنّه لا يكذب أبداً، ووعده قطعي، وبشارته صحيحة، وتحذيره صحيح، وتصريحه صادق لأنّه مؤمن، فإذا مزح استُخِفَّ به، وهذه الكذبة التي يطلقون عليها كذبة نيسان ليس لها أصل عندنا فهي مستوردة من أوروبا.
مزاح النبي عليه الصلاة والسلام:
الآن كيف كان يمزح النبيّ عليه الصلاة والسلام:
(( رجل من أهل البادية كان اسمه زاهراً، وكان يُهدي إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم هديّةً من البادية، والنبيّ كما علّمنا كان يقبل الهديّة ويرُدُّ عليها، فيُجهّزه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم إذا أراد أن يخرج إلى البادية، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: إنّ زاهراً باديتُنا ونحن حاضره. وكان النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يحبّه، وكان زاهرٌ رجلاً دميماً فأتاه النبيّ يوماً وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره. فقال زاهر: من هذا ؟ أرسلني ـ أي اتركني ـ فالتفت زاهر فعرف النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره في صدر النبيّ. فقال: من يشتري هذا العبد ؟ فقال: يا رسول الله إذا تجدُني كاسداً. فقال عليه الصلاة والسلام: ولكنّك عند الله لست بكاسد..))
[رواه الترمـذيّ عن أنسٍ رضي الله عنه]
أنت عند الله غالٍ، فإذا أحضر لك أحد من الريف هديّة فأنت مقابل ذلك قدم له علبة من الحلوى، فقد قدّم لك هديّة فأصبحت بينكما مودّة فبادر أنت بالردّ عليها، هو عنده الفاكهة بكثرة ومبتذلة ويهمّه علبة من الحلوى مثلاً، فهو قدّم لك فاكهة وأنت قدّم له من الحلوى الموجودة في المدينة، " إنّ زاهراً باديتُنا ونحن حاضره "، هذا من نوع المداعبة أي هو يجلب لنا من حاجات البادية ونحن نؤمّن له حاجات من المدينة.
(( إنّ زاهراً باديتُنا ونحن حاضره ))
[رواه الترمـذيّ عن أنسٍ رضي الله عنه]
هذا من نوع المداعبة ونوع من المزاح اللطيف.
فقال: يا رسول الله إذا تجدُني كاسداً ـ أي لن يشتريني أحد ـ فقال عليـه الصلاة والسلام: ولكنّك عند الله لست بكاسد ـ أنت عند الله غالٍ ـ هذا هو مزاح النبي اللهمّ صلِّ عليه.
المزاح ينشّط المجلس بشرط أن يكون حقاً ولا يؤذي أحداً:

من المزاح ما يذوّب الإنسان وهو كثير اللطف فيقرّب القلوب، ويحبب الناس ببعضها، والآن يحضرني بعض هذه النماذج:
(( قال أتيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في غزوة تبوك وهو في قبّةٍ من أدم صغيرة - أي من جلد - فسلّمتُ فردَّ عليّ السلام وقال: ادخُل. فقلت: أَكُلّي. قال: نعم كُلُّك ادخل ))
[رواه أبو داود عن عوف بن مالك الأشجعي]
الصحابي بدأ بالمزاح، فمزح معه النبي صلّى الله عليه وسلّم.
(( أتى رجل إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلـّم يستحمله - أي يطلب منه دابّة - فقال عليه الصلاة والسلام: إنّي حاملك على ولد النّاقة. فظن الصحابي أنّه شيء صغير، قال: يا رسول الله ما أصنع بولد النّاقة ؟ قال: وهل يلد الإبل إلا النوق ؟ ))
[رواه الترمذيّ وأحمد عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه]
ولد الناقة: أي الجمل.
(( أنّ امرأةً يقال لها أمُّ أيمن الحبشيّة جاءت إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقالت: إنّ زوجي يدعوك. فقال: من هو، أهو الذي في عينه بياض ؟ فقالـت: ما بعينه بياض!!. فقـال: بلى بعينه بياض. فقـالت: لا والله. فقال عليه الصلاة والسلام: ما من أحدٍ إلا بعينه بياض ))
[رواه ابن بكّار عــن زيد بن أسلم]
هل يوجد أحد ليس في عينه بياض ؟!! (( أتت عجوزٌ إلى النبيّ صلّى الله عليـه وسلّم فقالت : يا رسول الله ادع الله أن يدخلني الجنـّة . فقال : يا أُمّ فلان إنّ الجنّة لا يدخلهـا عجوز . قـال : فولّت وحزنت . فقال عليه الصلاة والسلام : أخبروها لا تدخلها وهي عجوز إنّ الله تعالى يقول :إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً(35)فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً(36)عُرُباً أَتْرَاباً(37) ( سورة الواقعة ) ))
هذا نموذج من مزاح النبي اللهمّ صلِّ عليه، فقد كان يمزح مع أصحابه، ويلطّف الأجواء، والمزاح أحياناً ينشّط المجلس، ولكن أن يكون حقاً، وثانياً أن لا يؤذي إنساناً أو فئة أو طبقة أو أصحاب حرفة.
أتألم أحياناً إذا رأيت مزاحاً قاسياً، إذا ذهبوا مثلاً إلى نزهة فالمزاح القاسي، والكلمات النابية، وأحياناً تبادل الشتائم، أو تبادل الأوصاف غير اللائقة فهذا ليس من أخلاق المؤمن.

(( لَا يَسْتَقِيمُ إِيمَانُ عَبْدٍ حَتَّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، وَلَا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتَّى يَسْتَقِيمَ لِسَانُهُ))
[أحمد عن أنس بن مالك]
على كلٍ إذا كان الإنسان أحياناً في بيته وفي عمله ومع أصدقائه مرحاً ومازحاً كما مزح النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فهذا حسن، وكذلك يوجد نوع من المزاح بابتسامة وبطلاقة الوجه والتعليق اللطيف فهذا مما يجعل الجو مريحاً.
الإنسان الذكي الموفّق تأتي سعادته من سرعة تكيّفه مع الظروف:
تجد بعض أصحاب الأعمال دوام الموظفين عنده ثماني ساعات فإذا كان صاحب العمل مرحاً معه تجده يعمل بنشاط ولا يتعب، فما دام الجو مريحاً في العمل بمزاح بسيط، أو مداعبة أو تعليقات لطيفة بين ربِّ العمل والعامل أو الموظّف تجده سيعمل بنشاط ويؤدّي عمله أضعافاً مضاعفة، أما جو الكهنوت وجو العبوس والقسوة، وجو اللوم الدائم والنقد والتجريح كأن يقول للعامل: إنّك لا تفهم، فهذا ليس بالجو المريح للعمل، هذا الجو يبعد العامل عن تأدية واجبه، فإذا كان للإنسان عمل فيجب أن يكون لطيفاً، وإذا كان رباً للعمل فيجب أن يكون ألطف، لأن سعادة الإنسان تأتي من سرعة التكيُّف.
سمعت عن مدرّس كبير في العمر ووقور وأديب كبير وشاعر، ولسبب أو لآخر جعلوه مدرّساً في أحد المدارس الثانويّة، والمدير في عمر ابنه وذو عقل خفيف، أراد أن يزعجه فقرر له برنامجاً للدوام بحيث يكون بعد الظهيرة، وهذا الوقت للتعليم يكون متعباً ومرهقاً، فهذا الوقت وقت للنوم، يكون الطلاّب قد بدأت استراحتهم، فهذا المدرّس الذكي لم يتكلّم بكلمة واحدة، جاء بعد فترة وقال للمدير: والله إنّ هذا التعليم جيّد جداً، نذهب للسوق ونتسوّق ونأخذ أطيب الفاكهة والخضراوات من أعلى الصناديق ثمّ نعود إلى البيت مطمئنين ونأتي إلى المدرسة، لكن المدير لا يريد ذلك فانزعج كثيراً، وكان قصده أن يزعج الأستاذ بهذا الدوام الصعب فلم ينزعج، بعد حين افتعل مناسبة وقام بتغيير البرنامج وجعل دوام هذا الأستاذ في الصباح فلم ينطق بكلمة، وبعد أسبوع قال للمدير: والله التعليم جيّد جداً مثل الموظفين، نداوم ثم نأتي ظهراً نتناول طعام الغذاء ثم ننام، فلم يستفد المدير من إزعاجه بشيء، ولم يتبقّ من الحالات إلا حالة كثيرة الصعوبة وهي تدريس ساعة وراحة ساعة، أي فراغات بين الحصص، وهي أصعب شيء بالتعليم، فإذا انتهت الحصة الأولى الساعة التاسعة فالحصّة الثانية في الحادية عشرة، ماذا تفعل في الساعة العاشرة التي بينهما ؟ لا تستطيع الذهاب للبيت والعودة، فليس لك سوى الانتظار في غرفة المدرسين، فأعدّ له برنامجاً مليئاً بالنوافذ والفراغات، وبعد فترة قال له الأستاذ: والله التعليم جميل جداً، فلن تجد مهنةً كمهنة التعليم ساعة للعمل وساعة للراحة.
الإنسان الذكي يمتص الإجراءات الموجّهة ضدّه ويحولها إلى طرفة، أما من يظن أن كلّ شيء ضدّه ويخرج عن طوره فهو بذلك يعذّب نفسه ويشقيها ولا يستفيد شيئاً، وهذه يسميها العلماء التكيُّف، فالإنسان الذكي الموفّق المؤمن يتكيّف مع الظرف.

لا يرقى بالمجتمع إلا قيم أصيلة تستنبط من كتاب الله:
أكثر شيء أحبّ أن أُركّز عليه في هذا الدرس أن لا يؤذي المزاح الإنسان، فلا شكله أو طولـه أو أهله ولا صنعة والده ولا حرفة معيّنة ولا فئة ولا طبقة اجتماعيّة ولا إقليم مدني أو ريفي فهذا كلّه باطل في الدين، فإذا كانت هذه موجودة فيك فهي عنعناتٌ جاهليّة، هذه جاهليّةٌ جهلاء، وهذا يتناقض مع الدين، فأنت كمؤمن توقّر الناس جميعاً، فلا يوجد سوى مقياس واحد علمهم وعملهم فقط، وإذا لم نحكّم هذا المقياس كنا متخلّفين، وأساس العالم المتخلّف أن تحكمه مقاييس غير صحيحة، كمقاييس القرابة، والعشائريّة، والقبليّة، والإقليميّة، كل ذلك يفتت المجتمع، ولا يرقى بالمجتمع إلا قيم أصيلة تستنبط من كتاب الله:
﴿ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ (13) ﴾
( سورة الحجرات )
كذلك قوله تعالى:
﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(9) ﴾
(سورة الزمر: آية " 9 " )
إن شاء الله في درس قادم ننتقل إلى أدب مهم جداً هو أدب التهنئة، وأدب التهنئة أدبٌ يجب أن نحرص عليه في مناسبات الزواج، أو النجاح، أو في تأسيس عمل، أو نيل شهادة، فهذا أخوك له حق عليك، يحب أن تزوره، وأن تهنّئه، وأن تكرّمه، وأن تقدِّم له هديّة حتى يبقى المجتمع كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضه بعضاً.





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 09:23 AM   #28


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( السادس و العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 13 ) ادب التهنئة





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام مع الدرس السادس والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا في مسؤوليّة الآباء عن تربية أبنائهم التربية الاجتماعيّة.
الإنسان كائن اجتماعي:
لازلنا في موضوع الآداب العامّة التي حضّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم على تلقينها للصغار، وقد تحدّثنا في درسٍ سابق عن أدب المجالسة، وأدب المزاح، وها نحن ننتقل إلى موضوعٍ جديد وهو أدب التهنئة.
الحقيقة أنّ الإنسان كائن اجتماعي، وما دام كائناً اجتماعيّاً هكذا أراده الله، فكيف جعله اجتماعيّاً ؟ جعلك تتقن شيئاً، وجعلك بحاجة إلى مليون شيء، أن تتقن شيئاً واحداً، وجعلك بحاجة إلى عشرات بل ملايين الملايين من الأشياء.
هذا الزر المركّب على قميصك يحتاج إلى اختصاص، وإلى معامل، وباحثين، ومهندسين، وله تاريخ، وخبرات، وله أشكال عديدة، وكذلك هذا الطعام، وهذا الشراب، وهذا المسكن، فأنت بحاجة إلى ملايين وملايين الحاجات، وسمح الله لك أن تتقن حاجةً أو حاجتين، فأنت مضطّر لأن تعيش مع مجتمع، ولو أردت أن تعيش وحدك لكان لزاماً عليك أن تشتري أرضاً، وأن تحرثها، وأن تصنع محراثك، وأن تزرع قمحاً، وأن تحصده، وأن تخبزه، وأن تطحنه، ومن أجل أن تصل إلى رغيف الخبز تحتاج إلى عمل لا تستطيعه لذا أرادك الله أن تكون بين المجتمع.
ما دام الله سبحانه وتعالى أرادك كائناً اجتماعيّاً إذاً عليك أن تمتّن علاقتك بالمجتمع، لأن الإنسان من خلال المجتمع تظهر أخلاقه ومن خلال أخلاقه يرقى عند ربّه، فالفضائل لا تظهر وأنت وحدك في الجبل، فلو عاش أحد من الناس وحيداً في صومعة فلن تظهر فضائله ولا رذائله ولا يمتحن ولا يبتلى، فكيف يعبد الله عزَّ وجلَّ ؟ إنّك لن تستطيع أن تعبده إلا إذا قدّمت شيئاً للآخرين، هؤلاء خلقه فإذا نصحتهم، فإذا صدقتهم، فإذا خدمتهم ترقى عند ربّهم.
كأنّ الله سبحانه وتعالى جعل خدمة الخلق سبيلاً إلى الحق، فأنت كائن اجتماعي شئت أم لم تشأ، هكذا صممت، وصممت حاجاتك كي تكون كائناً اجتماعياً، وأرادك الله بهذا الابتلاء أن ترقى بعلاقاتك مع الناس إلى خالق الناس.

ما يرفع الإنسان عند الله هو مقدار ما ينفع به خلق الله:
إذاً الهروب من المجتمع والتقوقع والانزواء والسلبيّة والطعن ليست من صفات المؤمن، فصفات المؤمن الانفتاح، سيّدنا يوسف تعامل مع ملك وفي الأعم الأغلب كان الملك كافراً وقد قال تعالى عنه وهو يخاطب سيّدنا يوسف:
﴿ وَقَالَ اَلْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54)﴾
( سورة يوسف: آية " 54 " )
ماذا أجاب سيّدنا يوسف ؟ قال:
﴿ َقَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)﴾
( سورة يوسف: آية " 55 " )
لم ينسحب لوثوقـه من خبراته، أراد أن يخدم المجتمع، طلب من الملك أن يكون على خزائن الأرض بقولـه إني حفيظ عليم، ومعنى ذلك أنّه إذا أوكل للإنسان موضوع أو عمل وبإمكانه أن ينفع الناس به فعليه أن يقبله، وعليه أن يتمنّاه وأن يبادر إليه، لأنّ خدمة الناس سبيلٌ إلى مرضاة ربّ الناس، فأنت ترقى عند الله بقدر نفعك للناس، وسوف ترى يوم القيامة كيف أنّ هناك مقياساً واحداً يرقى بك عند الله وهو مقدار ما حصّلته من معرفةٍ بالله ومقدار ما نفعت بهذه المعرفة خلق الله، مقياس المعرفة والنفع وما سوى هذين المقياسين لا قيمة لبقيّة الأعمال كلّها فقد قال تعالى:
﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُوراً (23)﴾
( سورة الفرقان: آية " 23 " )
هذه الإنجازات الحضاريّة الضخمة، وهذه الأعمال العملاقة، والشركات ذات الجنسيّات المتعددة، هذا كلُّه لا يرفع أصحابها عند الله، فما يرفع الإنسان عند الله مقدار ما ينفع به خلق الله.
الله عز وجل خلق الإنسان كائناً اجتماعياً ليتواصل مع غيره وليمتحنه بهذه العلاقة:
نحن حينما بدأنا بأدب التهنئة، فأنت كائن اجتماعي وهكذا مصمم،خلقك الله لتكون كائناً اجتماعياً تتقن عملاً واحداً ولكنّك تحتاج إلى مدرّس يعلّم أولادك، وإلى طبيب، وإلى محامٍ، وإلى قاضٍ، وإلى مفتٍ، وإلى بائع خبز، وبائع لحم، وبائع للخضراوات، وإلى مزارع، وإلى تاجر، وإلى مستورد، فأنت تحتاج إلى ملايين الملايين.
أنت أحياناً من باب التأكُّد ادخل إلى بيتك، القفل له مصانع ومعامل، يقولون لك هذا المعمل له من الخبرة الكثير من السنوات، مئة عام للقفل فقط، والخشب كيف استورد ؟ وكيف عولج ؟ وكيف وضع في مستودعات خاصّة حتى لا يخرب ؟ والبلاط، والطلاء، والكهرباء، وجهاز التبريد والتكييف، والترطيب، والمكواة، فكل شيء في بيتك عبارة عن شركات عمرها مئة عام، وذات خبرات متراكمة، فأنت تأخذ خبرات البشر من مئة عام بدراهم قليلة، وأنت تقدم شيئاً للمجتمع، لو كنت تاجراً، أو معلّماً، أو مهندساً، أو طبيباً، أو صانعاً، فالله عزَّ وجلَّ أرادك أن تكون اجتماعياً، أراد ذلك من خلال ترابط المصالح، ثم أراد أن يمتحنك بهذه العلاقة، وجعل طريق الوصول إليه عن طريق هذه العلاقة، لذلك لا يتوافق الإيمان مع الانطواء، ولا مع الانعزاليّة، ولا مع التقوقع، ولا مع الهروب والانسحاب لا يتوافق، لهذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( المسلم الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم.))
[الترمذي، وابن ماجه، وأحمد، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن ابن عمر]
أولاً أحد أكبر أسباب تمكين علاقاتك مع الناس ومع المؤمنين التهنئة، فأيُّ خيرٍ أصاب أخاك المؤمن يجب أن تُهنّئه، والأكمل يجب أن تزوره مُهنّئاً، والأكمل من هذا وذاك يجب أن تذهب إليه ومعك هديّة، فإذا جاء من الحجّ، أو أنجب مولوداً، أو تزوّج، أحد الأخوة الأفارقة قال لي شيئاً لا أعرفه عن أفريقيا فقال: في التعزية ما من معزٍ يُعزّي هذه الأسرة إلا ويقدّم لها مبلغاً من المال بقدر إمكاناته، فهذه الأسرة فقدت الرجل فأصبح لديها عجز، فكل معزٍ يقدّم شيئاً من المال، وقد يتحصّل في أيّام التعزية مبلغاً ربما أعانهم على متابعة المسير.
إذاً أول شيء في التهنئة هو تمكين العلاقات الاجتماعية، والتعبير عن حبّك لأخيك المؤمن، وتعني نفي الحسد، لذلك التهنئة لأخيك المسلم إذا أصابه خير ولتدققوا فيما أقول فهذه التهنئة تُعدُّ من أعظم القربات إلى الله، فلا تستخِفّ بها.
إلى أين أنت ذاهب ؟ ذاهـب لزيارة صديقي لتهنئته بالنجاح، فهذا عمل عظيم، وسأزور صديقي الآخر لأهنّئه بمولوده الجديد، أو سأُلبّي دعوة صديق لي لعقد قران، فهذه كلّها أعمال صالحة، فأنت لا تعرف مقدار فرح الداعي لك إلى بيته بمناسبة ما كعقد قران أو احتفال أو تهنئة والجميع يلبّون دعوته لهذا قال عليه الصلاة والسلام:
(( من دُعي فلم يُجب فقد عصى الله ورسوله ))
[أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمر ]
تلبيـة الدعوة فرض عين، دعاك، إلا إذا كان هناك عذر من قبلك أو من طبيعة الدعوة، إذا كانت الدعوة فيها معصية فلا تُلبّي ولا تعبأ بهذه الدعوة.
نصوص من السُّنة الشريفة عن أهمية التهنئة وإدخال السرور على المسلم:
الآن إلى النصوص قال عليه الصلاة والسلام:
(( من لقي أخاه بما يُحبُّ ليسُرّه بذلك سرّه الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة ))
[رواه الطبرانيّ في الصغير عن أنسٍ رضي الله عنه]
إذا التقيت مع أخيك ودعَوته بأحبِّ الأسماء إليه، وبششت بوجهك، وبششت أمامه، وكان وجهك طليقاً، وصافحته بحرارة، وهنّأته على خيرٍ أصابه، والأكمل إذا كنت ميسوراً فمع هديّة، فما الذي يحدث بينكما ؟ يحدث ود وحب وهذا الذي يريده الله بين المؤمنين، المحبّة والمودّة والتعاون.
أحياناً تكرم ابن أخيك الصغير وهذا الإكرام إكرامٌ لأخيك، وهو إكرام مباشر لأخيك.
(( إنّ من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم ))
[رواه الطبرانيّ في الكبير عن الحسين بن عليٍ رضي الله عنهما]
فالحديث الأول:
(( من لقي أخاه بما يُحبُّ ليسُرّه بذلك سرّه الله عزَّ وجلَّ يوم القيامة ))
[رواه الطبرانيّ في الصغير عن أنسٍ رضي الله عنه]
أما الحديث الثاني:
(( إنّ من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم ))
[رواه الطبرانيّ في الكبير عن الحسين بن عليٍ رضي الله عنهما]
أيّها الأخوة الكرام من موجبات المغفرة أي إذا أردت أن يغفر الله لك فكر في الذي يدخل السرور على قلب أخيك ؟ أن تزوره، أن تُهنّئه، أن تواسيه، أن تُعزّيه، أن تُصبِّره، أن تخدمه، أن تُعينه، أن تكون عوناً له، لأن من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم.
(( إنّ أحبّ الأعمال إلى الله تعالى بعد الفرائض إدخال السرور على المسلم ))
[رواه الطبرانيُّ في الأوسط والكبير عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما]
بعد الفرائض: أي بعد الصلاة والصوم والحج والزكاة، معنى ذلك أنّ المؤمن الصادق يبحث عن طريقة يدخل بها السرور على أخيه المسلم، فهل نحن كذلك ؟ هل أصحاب النبي فعلوا مع بعضهم بعضاً كما نفعل اليوم، تجد الحسد، وتجده يقتنص الفرص ليحاسبك على الكلمة، ولا يقوم بزيارة أخيه حتى يبدأ الأول بزيارته، أي عمليّة تراشق زيارات، هذه المبالغة بالمحاسبة أو المعاتبة أو المبالغة بسوء الظن ليست من أخلاق المؤمنين.
(( من أدخل على أهل بيتٍ من المسلمين سروراً لم يرض الله له ثواباً دون الجنّة ))
[رواه الطبراني عن عائشة رضي الله عنها]
أمثلة من الحياة العامة عن بعض الأعمل الصالحة:
أي إذا وجدت رجلاً فقيراً وأنت ميسور الحال وأمددته بمعونة على أيّام الشتاء، وأمَّنت له حاجاته الأساسيّة، أو كان مريضاً فأكرمك الله عزَّ وجلَّ بأن جعل شفاء هذا المرض على يديك، أو كان بحاجة إلى عمليّة جراحيّة فتكفّلت بنفقاتها، شيء سهل، فقد حدّثني أحد الأخوة ويبدو أنّه رقيق الحال وله مركبة يعيش منها، وضرب مركبته إنسان أرعن فاجر ومعتدٍ كذلك، وتحتاج مركبته إلى تصليحات تبلغ خمسين ألفاً من الليرات، وهو يقف بالطريق مرّ إنسانٌ محسنٌ كريمٌ نظر فرأى هذه السيّارة وما تحتاج إليه من تصليحات وصاحبها فقير يعيش منها، والضارب أرعن ظالم، فقال له: لا تحزن عليّ تصليحُها، فماذا فعل ؟ أدخل على قلبه السرور.
أيّها الأخوة الكرام كان السلف الصالح إذا مشوا في الطريق ووجدوا بائعاً للعنب ولم يبع شيئاً منها إلى ما بعد وقت العشاء والبضاعة من النوع السيّئ، فيقوم بشراء كل ما لدى البائع ويذهب إلى بيته فيتشاجر مع زوجته ويقول لها أحضرتهم لنصنع منهم الخل.
أوقف أحدهم وقفاً مفاده إذا رأى طفلاً معلّمه ظالم أو امرأة كسرت آنية من الأواني وزوجها ظالم فيأتوا بقطعة من هذا الإناء فيحصل على إناء جديد، وبهذا قد حلّ مشكلة، فقد كان السلف الصالح يتفننون بخدمة الناس، ويتفننون بإكرام الناس، وبحل مشاكل الناس، الآن يخلقون المشاكل لبعضهم البعض.
كلّما وجد في قلب الإنسان الرحمة وامتلأ بها تجده يعبّر عنها بالعمل الصالح ولذلك كما قال عليه الصلاة والسلام:

(( من أدخل على أهل بيتٍ من المسلمين سروراً لم يرض الله له ثواباً دون الجنّة))
[رواه الطبراني عن عائشة رضي الله عنها]
قد تكون أحد الأسر فيها شقاق، فالأولاد مشرّدون بين أمّهم وبين أبيهم، وكبر على الزوج أن يذهب إلى بيت أهل زوجته، وكبر على الزوجة أن زوجها لم يأت لأخذها إلى بيته، وهي تتلقى من أهلها تغذية شيطانيّة وهو كذلك يتلقّى من أهله، وهناك تباعد بينهما، فيأتي إنسانٌ ويتدخّل ويقرّب وجهات النظر ويقوم بزيارة أهل الزوجة ويقنعهم بالزوج، ويزور أهل الزوج ويقنعهم بالزوجة، ويتوسط بإحضار الزوجة إلى بيت زوجها وبنفسه، فتلتئم الأسرة بذلك ويدخل على قلب الأولاد السرور فقد أصبحوا بين أمّهم وأبيهم، فماذا فعل هذا الإنسان ؟ فعل كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( أفضل شفاعةٍ أن تشفع في نكاح.))
[ورد في الأثر]
أسرة تصدّعت تعيد التئامها، أو أخوان هجر بعضهما بعضاً تعيد المحبّة بينهما.
إرضاء الناس غاية لا تُدرك فعليك بإرضاء الله تعالى وحسب:
أيُّها الأخوة الكرام:
(( من أدخل على أهل بيتٍ من المسلمين سروراً لم يرض الله له ثواباً دون الجنّة))
[رواه الطبراني عن عائشة رضي الله عنها]
عاينت هذا الشيء بنفسي، ففي إحدى المرّات وجدت أخاً رقيق الحال ويحتاج إلى عمليّة جراحيّة، فتبرع أحد الأشخاص بأجر هذه العمليّة وكان المبلغ كبيراً، وزرت هذا الأخ بعد نجاح العمليّة فوجدْت أولاده فرحين، فقد نجحت العمليّة وكان أبوهم مريضاً فشفاه الله، كان دائماً يخيّم عليهم الهم والحزن، الزوجة كئيبة، والأولاد يرون أباهم وأمّهم في هذه الكآبة فيكتئبون، وهذا الإنسان الذي قدّم أجر هذه العمليّة الكبيرة وقد نجحت العمليّة وأدخل على قلب الأهل السرور لشفاء أبيهم فهذا ماذا فعل ؟ أليس هذا أفضل من أن يقيم ليلة عرس في فندق كبير، ويدفع في هذه الليلة مليون ليرة، وبعد ذلك يتكلّمون عليه، أحد الأشخاص وضع في كل علبّة من علب الملبس ليرة من الذهب، وبدل أن يُثنوا عليه، قالوا: لو وضع ليرتين بدلاً من هذه الليرة، فإرضاء الناس غايةً لا تدرك، فأنت أرضِ الله عزَّ وجلَّ.
كان الشيخ عطا الكسم مفتياً، وكان رجلاً عالماً كبيراً فإذا دعا كبراء القوم ـ الوالي مثلاً ـ إلى طعام وضع طعاماً خشناً نحو الكشكة أو المجدرة، وكان أولاده ينزعجون ويقولون له: ما هذا يا أبي فلقد أنزلت من قدرنا وشأننا. فيقول: هذا الأكل لا يأكلونه يا أبنائي لذلك يحبّونه، وكان إذا دعا الفقراء يصنع لهم لحماً، فالأصل أن ترضي الله عزَّ وجلَّ بأن تعلّم هؤلاء المترفين ماذا يأكل الفقراء، وتطعم الفقراء الطعام الطيّب، فدائماً ضع المظاهر تحت قدمك ولا تبالِ وأرضِ الله عزَّ وجلَّ.
من موجبات المغفرة إدخال السرور على قلب المسلم:
إذا تمكّن الإنسان أن يؤلّف بين زوجين ويفرّح الأطفال، كأن يكسو طفلاً على العيد بملابس جديدة يزهو بها، أو يؤمّن مساعدة لأسرة فقيرة، فعندما ينفق الأب على أهله وأولاده ويجدهم مسرورين سيفرح كثيراً، فإذا قدّمت المساعدة لأسرة فقيرة فهذا شيء جيّد.
أعرف رجلاً صالحاً يعمل في مهنة التعليم إذا رأى طفلاً فقيراً فلا يعطيه ولكن يطلب والده فيقدم له المساعدة ويقول له: اشترِ لابنك سترة، فيأتي الابن في اليوم التالي إلى المدرسة وهو يلبسها وهي ليست مساعدة من المدرسة ولكن من والده، فبعض الناس عندهم حكمة، فقد أراد أن يجمع بين كسوة الطفل وبين كرامته، فيدفع المبلغ لوالده ليشتري لابنه السترة، فهذا الطفل لا يرى أنّه فقير.
بعض المعلمين تجدهم يدخلون إلى الصفوف ويقولون: من منكم الفقراء، الفقير يرفع إصبعه لنكتب اسمه ؟ ما هذا الكلام، فقد جعلت طبقيّة بين الطلاّب، وقد أذللت الفقراء بهذا الكلام.
لذلك إدخال السرور على قلب المؤمن، وعلى قلب الأسرة المسلمة، وحل مشكلات الناس، هؤلاء الذين في قلوبهم رحمة لا يسعدون إلا إذا مسحوا دموع الأسى عن وجوه الصغار، وأكثر عنصر في المجتمع يؤلم النفس هو الطفل الصغير إذا كان جائعاً أو عارياً ليس عليه ثوب يقيه من البرد.
البعض يكون له أخت متزوّجة فيقول لك: والله لم أزرها من ستّة أشهر، أتعرف أيها الأخ الكريم إنّك لو قمت بزيارة أختك ستنتعش نفسها انتعاشاً ليس له حدود، فزوجها سيجدها مقطوعة من الأهل وليس لهـا أحد يسأل عنها، وقد روى لي أحدهم فقال: شكوت زوجتي لأخيها عن مشكلتي معها فقال لي: طلقها، ماذا تريد منها ؟ هذه نصيحة أخ الزوجة لزوجها أن يطلقها لأنّها غير حسنة وغير جيّدة.
يوجد لدينا أخ يحضر في هذا الجامع معنا وقد أكبرته كثيراً عندما قال لي: لي أخت معذّبة مع زوجها، أذهب لزيارتها مرتين في الأسبوع، فيخفف عنها، ويصبّرها، ويواسيها، ويقنعها بزوجها ويقول لها: كلّ الأزواج بهذا الشكل ويجب أن تتحمليه، ولك الجنّة، فزيارته لها تعينها على الصبر.
فمن له أخت أو قريبة من محارمه يجب عليه أن يزورها ويخفف عنها، يجب أن يكون لك سهم بإدخال السرور على قلب المسلم، هذا من موجبات المغفرة.

استطاعة الإنسان الرقي بماله عند الله إلى أعلى الدرجات:
سأذكر لكم الأحاديث مرة أخرى، قال صلّى الله عليه وسلّم:
(( أحبّ الأعمال إلى الله بعد الفرائض إدخال السرور على المسلم ))
[رواه الطبرانيّ عن ابن عباس رضي الله عنه]
(( إنّ من موجبات المغفرة إدخالك السرور على أخيك المسلم ))
[رواه الطبرانيّ في الكبير عن الحسين بن عليٍ رضي الله عنهما]
(( من لقي أخاه بما يُحبّ ليسرّه بذلك سرّه الله عزَّ وجلَّ ))
[رواه الطبرانيّ في الصغير عن أنسٍ رضي الله عنه]
(( من أدخل على أهل بيتٍ من المسلمين سروراً لم يرض الله له ثواباً دون الجنّة))
[رواه الطبراني عن عائشة رضي الله عنها]
قال لي أحدهم وحالته الماديّة جيّدة: يوجد شخص يقوم بالتنظيف في البناء ويبلغ من العمر السبعين عاماً، ولديه أولاد وله دخل قليل، فقال له: كم تأخذ من المال شهرياً ؟ فقال له: ثلاثة آلاف، فقال له: تعال وخذهم منّي واذهب لترتاح كفاك ذلك، فهو في السبعين من عمره ولا يتحمل مسح الأدراج.
هؤلاء الأغنياء لو عرفوا كم من أبواب الرحمة مفتّحة لهم لو أعانوا الناس، فالمال شقيق الروح، ويمكنك أن ترقى بمالك عند الله إلى أعلى الدرجات، فسبحان الله الغني ينفق الجاهل المال تبذيراً وإسرافاً للمباهاة، فإذا أنفقوه أَنفقوه إسرافاً وتبذيراً، وإن منعوه مَنعوه بخلاً وتقتيراً.
آداب التهنئة:
1ـ إظهار الفرح والاهتمام في مناسبة التهنئة:
الأدب الأول من آداب التهنئة إظهار الفرح والاهتمام في مناسبة التهنئة، فبعض الناس حتى لا يتكلّم عليه أحد يأتي للتهنئة وهو عابس كأنّه حاقد أو حاسد، فمن آداب التهنئة أن يبدو الفرح على وجهك.
أيها الأخوة الكرام يوجد مقياس للإيمان لا يخيب أبداً، فراقب نفسك هل تفرح إذا أصاب أخاك خير، فإذا اشترى أخٌ لك بيتاً جيّداً، أو تزوّج، أو استلم عملاً جيّداً، أو له أولاد نجباء كلّهم مثقفون ثقافة عالية فإذا حسدته فأنت لست مؤمناً، وإذا فرحت فرحاً حقيقياً لأنه اشترى البيت الجيد، أو تزوّج، أو وفقه الله في الدعوة وأطلق له لسانه وعزّه الله، فإذا أفرحك ذلك فأنت مؤمن، وإذا انزعجت من ذلك واصفر لونك فتساءلت متى كان ذلك !! وطعنت بعلمه وبأخلاقه فمعنى ذلك أنّك حسود والحسود لا يسود.
لذلك أيّها الأخوة علامة الإيمان أن تفرح بخيرٍ أصاب أخاك، أن تهنّئه، الإسلام ليس فيه بروتوكولات، قالوا عن الدبلوماسيّة: هي التعبير عن أسوأ النوايا بأحلى الألفاظ، الإسلام ليس فيه ديبلوماسيّة، الإسلام فيه حب حقيقي، فعندما تزور أخاك مهنّئاً له بزواج ابنه أو ابنتـه، أو لنجاحـه بشهادة عُليا، أو بتأسيس عمل، أو بشراء بيت، أو بنجاحه في الدعوة، وقد زرته وأنت فرح حقيقةً، فرحاً من أعماق قلبك، وعلامة فرحك أن يبدو على وجهك، والحياة بين المحبّين جميلة جداً ولو كان الفقر موجوداً.
أحياناً تجد أسرةً تأكل أخشن الطعام ولكن يوجد بينهم محبّة، وأسرة أخرى تأكل من أفخر الطعام ولكن لا يوجد بينهم محبّة، فالسعادة لا تنبع ولا تأتي من الخارج، ولكنّها تنبع من الداخل، يكفيك أن تحبّ الذين من حولك فأنت أسعد الناس، فقد يكون الدخل قليلاً أو كبيراً، ويكون البيت كبيراً أو صغيراً، ويكون مرتفعاً أو قليل الارتفاع، أجرة أو ملكاً، ليس هذا شرطاً ولكن الشرط أنّك مع من حولك تحبّهم ويحبّونك، والحب أساسه الإيمان.
المؤمن متسامح ولا ينتقم ممن أساء إليه:
من هو العاجز ؟ العاجز هو من يعجز أن يتخذ صديقاً مؤمناً، فبعض الأشخاص يتجنبه الآخرون لأنه ذو أخلاق فظّة، حساس وسريع الغضب يحاسب على الكلمة، بينما المؤمن متسامح.
قيل عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه إنّه كان يمشي ليلاً في المسجد فداس على رِجل أحدهم وكان مستلقياً في المسجد فقال لأمير المؤمنين دون أن يعرفه: أأعمى أنت ؟ فقال له: لا. فقيل له: أنت أمير المؤمنين ؟! فقال: سألني فأجبته بأنني لست أعمى، فالمؤمن بسيط وليس معقّداً، ولا ينتقد، فالذي جرّ النبيّ صلى الله عليه وسلم من ثوبه وكان يلبس برداً يمنياً فأثّر على عنقه الشريف وقال له: أعطني من مال الله، فهذا المال ليس مالك ولا مال أبيك، فتبسّم النبي صلى الله عليه وسلم وقال لأصحابه: صدق إنّه مال الله، وأعطاه دون أن يفعل له شيئاً.
العظماء لا ينتقمون من أحد بل يرحمون، العظماء سرورهم في إدخال الفرح على الناس، إذاً الشيء الأول إذا أردت أن تهنئ شخصاً فلا يكن وجهك مصفراً بل متورّداً بشوشاً فرحاً بنجاحه بالفعل.
لاحظت ذات مرّة شخصاً حضر ليهنّئ شخصاً بمجيئه من الحج فكأنّ له ثأراً معه جلس دقيقتين ووجه مصفر وعابس ثم انصرف، فهل هذه تهنئة ؟!!
جاء في الصحيحين في قصّة توبة كعب بن مالك رضي الله عنه قال كعبٌ:

(( سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ يَقُولُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ...فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا... فَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَتَلَقَّاني النَّاسُ فَوْجًا فوْجًا يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ لِتَهْنِئْكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ. حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ وَحَوْلَهُ النَّاسُ فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَني وَهَنَّأَنِي وَاللَّهِ مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ. قَالَ فَكَانَ كَعْبٌ لاَ يَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ وَيَقُولُ: " أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ ".))
[متفق عليه عن كعب رضي الله عنه]
هكذا علّمنا النبي صلى الله عليه وسلم، فقد قاطعه النبي مع أربعة غيره، وعندما تاب الله عليه فرح له الصحابة جميعاً بهذه التوبة وتألّقت وجوههم وقام الصحابي الجليل سيّدنا طلحة مهرولاً وصافحه وهنّأه وبرق وجه النبي عندما هنّأه، إذا فالتهنئة من آداب الإسلام.
الهديّة تمتّن العلاقات وتوثّقها:
دائماً تفقّد أخاك واسأله عن أحواله وأخباره، إذا قال لك: والله نجحت، فقل له: بارك الله بك، هنيئاً لك النجاح، وإذا أنجب مولوداً فقم بزيارته وقدّم له هديّة، والهديّة دين أيها الأخوة ليس فيها خسارة تؤخذ وتُعطى، فالنبيّ كان يتلقى الهديّة ويرد عليها، فيكافئ على الهديّة بأخرى مثلها، فالهديّة تمتّن العلاقات وتوثّقها.
إذا جاء لأخيك مولود والولادة صعبة تتطلّب الكثير من النفقات، فإذا برفاقه ومن حوله يقدّم كل منهم شيئاً له، أتمنى الآن تغيير هذا الترتيب بترتيب آخر، فبدل أن يحضر كل واحد من المهنئين طقم من الملابس الخاصة بالمولود، ماذا يفعل بكل هذه الهدايا التي جاءت للمولود ؟ اسأله وقل له: أنا أريد أن أقدّم لك هديّة بهذا المبلغ فقل لي ما يلزمك ؟ ارفع الكلفة واسأله، فإذا جاء للإنسان هديّة وهو بحاجة لها فهذا شيء رائع، فقل له: أنت أخونا وحبيبنا وقد أردت أن أهديك هدية بهذا المبلغ، وتوجد طريقة أخرى هي أن يتعاون أربعة أو خمسة من الأخوة ويجمعوا مبلغاً قيّماً ويشتروا له ما يلزمه، فربما كان يلزمه سجادة في الشتاء ولا يملك سجادة، أو يكون طالباً للعلم وافداً إلينا من بلد آخر وفي هذا الشتاء لا يوجد في بيته سجادة، وأنت لديك سجادة فلم تشعر به.
إذا تعاون الأخوة على شراء سجادة، أو مدفأة، أو مواد تموينيّة، إذا كان الأخ فقيراً مواد تموينيّة جيدة جداً، فلا تقدّم هديّة للاحتفاظ بها في خزانته، أو تكون متكررة، بل قدم هديّة حقيقيّة مناسبة، فهذا عمل صالح، جزء من عملك الصالح هو أن تعاون أخاك، وأكبر هديّة ثمينة تقدّم أثناء الزواج، فو الله عندما أسمع عن تعاون أخواننا بأن قدّموا لأخيهم براداً مثلاً أو غسّالة أو سجادة أو غرفة نوم أحياناً، وقد يتعاون عشرة أشخاص مثلاً على ذلك فأشعر بفرح ليس له حدود، هكذا يريد الله من المسلمين أن يتعاون بعضهم مع بعض.
فلا تكن هديّتك هديّة بروتوكوليّة ودبلوماسيّة، أو هديّة متكررة، فأحياناً تكون الهدايا عينيّة وهي مفيدة جداً.

2ـ التلفُّظ في المناسبة بعباراتٍ لطيفةٍ وأدعيةٍ مأثورة:
النقطة الثانية التلفُّظ في المناسبة بعباراتٍ لطيفةٍ وأدعيةٍ مأثورة، مثلاً جاءه مولود فينبغي أن تقول له: بورك لك بالموهوب، وشكرت الواهب، ورزقت برّه، وبلغ أشدّه.
بورك لك بالموهوب، أحياناً يكون الابن نقمة على أبيه، ففي آخر الزمان:
(( يوم يكون المطر قيظاً، والولد غيظاً، ويفيض اللئام فيضاً، ويغيض الكرام غيضاً ))
[ رواه ابن أبي الدنيا عن أبي هريرة ]
عبارات تستعمل للتهنئة بالمولود:
أحياناً أخرى يكون الابن بركةً على أهله، أثمن شيء في هذه الحياة ابن بار، وقد أقسم بالله واحد من الناس قائلاً: والله لو مات ابني دهساً أو قتلاً فسأحيي مولداً فرحاً بذلك، لشدة مضايقته لأبيه، كأنه وحش من الوحوش الكاسرة، قتل لأبيه وضرب وابتزاز أموال وصخب وانحراف، وهذه القصّة منذ اثنتي عشرة سنة، فهل هذا ابن ؟!!
تجد أباً آخر متعلقاً بابن له، كلّه خير لأبيه، فإذا رزق أحدهم مولوداً فالتهنئة أن تقول له: بورك لك بالموهوب، وشكرت الواهب ـ على ما وهب ـ ورزقت برّه، وبلغ أشدّه.
أحياناً تجد من يعتني كثيراً بابنه ولكن وهو في سن الخامسة عشرة توفاه الله، فلم يقطف ثمار هذا الاعتناء قال تعالى:

﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا ﴾
( سورة الصافات: آية " 102 " )
بلغ أشدّه أي أصبح في طول أبيه ويعتمد عليه، وسلّم له المحل، وابنه أصبح في المحل وهو أمين وكفء وموثوق به يحل محلّه، فيستطيع الأب أن لا يذهب بعد الظهيرة إلى العمل بالمحل، وهذا الابن الذي أعان أباه في عمله هو من إكرام الله له ومن نعمه الكبرى.
يوجد دعاء آخر يردّ به على من جاءه المولود على الداعي له بقوله: بارك الله لك وبارك عليك ورزقك الله مثله.
إذا لم تحفظ هذه العبارات يمكن أن تقول أيّة عبارة أخرى، كأن تقول: جعله الله من الأولاد الصالحين، أو جعله الله قرّة عين، وهذا الكلام طيّب ومأخوذ من القرآن قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً(74) ﴾
( سورة الفرقان )
أو أن تقول له: الله يقر عينك به، أو الله يجعله من الصالحين، أو أي عبارة فإذا نسيت الدعاء فهل تظل صامتاً، يوجد بدلاً منها ألف عبارة.
أدعية مختارة للتهنئة بمناسبات أخرى:
إذا جاء إنسان من سفر فتدعو له وتقول: الحمد لله الذي سلّمك، وجمع الشمل بك، وأكرمك، وهذا الدعاء مروي عن السلف.
يمكنك أن تقول: حمداً لله على السلامة، إن شاء الله سفراً مباركاً، إن شاء الله سالم غانم، فأعطيك مرونة ولكن يجب أن تختار عبارة أصلها من الكتاب والسنّة، فإذا جاء أخ من سفر أزوره وأهنّئه على عودته، أو قدم أحد من الجهاد فقل له: الحمد لله الذي نصرك وأعزَّك وأكرمك، أو جاء إنسان من الحج فقل له: قبل الله حجّك وغفر ذنبك وأخلف نفقتك، الآن نقول: حجاً مبروراً، وذنباً مغفوراً، وسعياً مشكوراً:

(( الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنّة.))
[رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى ]
روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه قال:
(( جاء غلام إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: إني أُريد الحج، فمشى معه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم وقال: يا غلام زوّدك الله التقوى، ووجهك في الخير، وكفاك الهم، فلمّا رجع الغلام إلى النبيّ قال: يا غلام قبل الله حجّك وغفر ذنبك وأخلف نفقتك.))
[ابن السني عن ابن عمر]
يقول الحاج لك: هذه الحجّة قد كلفتنا ثمانية وستين ألفاً، الله يعوض عليك ما أنفقته، فإذا استقبلت حاجاً فقل له:
(( قبل الله حجّك وغفر ذنبك وأخلف نفقتك.))
[ابن السني عن ابن عمر]
عوّد نفسك إذا كان لك إخوة قد حجّوا زرهم واحداً وَاحداً، أو إذا جاؤوا من السفر ـ ليس سفراً قصيراً وقريباً ولكن سفراً طويلاً ـ أو إذا رزقوا مولوداً، أو تزوّج أحدهم.
في عقد النكاح يستحبُّ أن يقال لكلا الزوجين: بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما على خير، كذلك من الكلام اللطيف: بالرفاء والبنين، فالرفاء: الاجتماع والوئام، والبنين: الإنجاب، لكن هذه التهنئة تهنئة جاهليّة، فالأولى أن نهنّئ تهنئة إسلامية بأن نقول:
(( بارك الله لك، وبارك عليك، وجمع بينكما على خير.))
[رواه أبو داود عن أبي هريرة]
التهنئة بالعيد: تقبّل الله منا ومنك، متى يأتي العيد ؟ يأتي عقب عبادة كبيرة، عقب الصيام، فقد صام وقام ثلاثين يوماً وقرأ القرآن فيهم وصلّى التراويح، فقد قام بتلك العبادات ثلاثين يوماً، وجاء العيد وأهم دعاء يقال له: تقبّل الله منك هذه الطاعة.. وهذه العبارة:
((تقبّل الله منا ومنك.))
[رواه البيهقي عن واثلة]
هذه مسندة إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم في يوم العيد.
تهنئة من صنع إليك معروفاً:
الآن تهنئة من صنع إليك معروفاً، صنع شخص إليك معروفاً، خدمك خدمة فماذا تفعل تجاهه ؟ تقول له: بارك الله لك في أهلك ومالك وجزاك الله خيراً.
أحياناً وبشكل لا شعوري كلّما دعوا الأخوان للتبرُّع لأحد المساجد في يوم الخطبة وأعرف أنّهم قد دفعوا مبلغاً كبيراً وضعف ما أتوقّع، ففي الخطبة التالية أقول لهم: بارك الله لكم في أهلكم وفي مالكم وحفظ الله مالكم ونمّى الخير في بيوتكم.
قد تأتي لجنة جمع التبرعات من أطراف حلب فيذهبون لجامع آخر فيجمعون ألفاً أو ألفين من الليرات، ولكن هنا يدفع لهم مبلغاً من المال كبيراً جداً فأصبح الجامع مقصوداً، وأصبح أخواننا مظنّة صلاح وسخاء ولهم سمعة طيّبة، فمن جعل الوجوه بيضاء سوى أخواننا المصلين، فبشكل لا شعوري أدعو لهم بالدعاء السابق.
قال سيّدنا عبد الله بن أبي ربيعة: استقرض النبيّ صلى الله عليه وسلم مني مالاً فلما ردّه قال:

((بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِكَ إِنَّمَا جَزَاءُ السَّلَفِ الْوَفَاءُ وَالْحَمْدُ.))
[أحمد وابن ماجة والنسائي عن عبد الله بن أبي ربيعة عن أبيه عن جده]
فإذا أقرضك أحدهم ديناً ورددته له فيجب أن يسمع منك ألطف العبارات كأن تقول له: جزاك الله الخير، تفضّلت علي، الله يبارك لك في أهلك وأموالك، فلقد خدمتني خدمةً لا تنسى. هكذا المؤمن، أما أن تقول له: تعالَ وخذ نقودك ما هذا ؟ فقد قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ(178) ﴾
( سورة البقرة: آية " 178 " )
أداء إليـه بإحسان أي اذهب إلى بيته، كما أخذت المبلغ من بيته يجب أن تؤديه إليه في بيته. الكلمة الطيبة صدقة:
أحياناً يستعير منك كتاباً كالقاموس، ويلقاك في الطريق فيعطيه لك، فأين تعطيه لي الآن فكما أخذته من البيت فرده لي في البيت ولا تجعلني أحمله في ذهابي.
بعض الناس ليس لديهم أيّة ملاحظة، فقد يحملك شيئاً أنت الآن في غنى عن حمله، فكما أخذته من البيت فأعده إلى البيت وهذا ما جاء في الآية الكريمة:

﴿ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ (178) ﴾
( سورة البقرة: آية " 178 " )
أي أوصله، فكلمة (إلى) تفيد انتهاء الغاية، و كلمة (بإحسان) أي بكلمة طيّبة كأن تقول له: جزاك الله الخير. فالكلمة الطيّبة صدقة، وبعض الناس كلامهم قاسٍ كثيراً أو قد يسكت، وقد ترى شخصاً ذا كلام لطيف ويأسِر، وقد قيل: إما اللسان وإما الإحسان والاثنان معاً أفضل.
(( من صنع إليه معروفٌ فقال لفاعله: جزاك الله خيراً فقد بلغ في الثناء ))
[ رواه الترمذي عن أسامة بن زيدٍ رضي الله عنهما]
كلمة: جزاك الله خيراً، أي أنا أضعف من أن أجزيك فالله هو الذي يجزيك عني كلّ الخير. كلمة صادقة تقال من القلب تنسيك تعبك، فعوّد لسانك على الكلام الطيّب كأن تقول: جزاك الله خيراً.
إذاً توجد لدينــا التهنئة لمن قدّم لك خدمة، والتهنئة بالعيد، وبالنكاح، وبالقدوم من الحج، وللقادم من الجهاد أو السفر، وبالمولود، هذه هي أنواع التهنئة التي وردت عن النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم.
3ـ يستحبُّ المهاداة مع التهنئة:
قال يستحبُّ المهاداة مع التهنئة، أحياناً قد تقدم هديّة لا تكلف خمسين ليرة وتترك في النفس أثراً كبيراً، ليس شرطاً أن تكون الهديّة غالية الثمن فكلٍ على قدره، قد يزور أحدكم أخته في يوم الجمعة فيأخذ معه كيلو من الفول ثمنه خمس وعشرون ليرة، فأنا لا أدعو لهدايا فوق طاقة الإنسان، مثلاً كيلو من التفاح أو الفواكه يكفي، أو يكون مسافراً فيأتي ومعه شيء عادي جداً ولكن حاملاً بيده شيء فهذه تنشئ المودّة.
نهنئه بالقدوم من الحج ومع هديّة، بالمولود مع هديّة، وكذلك الزواج مع هديّة:
(( تهادوا وهاجروا، تورثوا أبناءكم مجداً وأقيلوا الكرام عثراتهم ))
[ رواه الطبراني والعسكري عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً ]
لم يقل: أهدوا، بل تهادوا ففيها مشاركة، أي أنّك تلقيت فكافئ، قدّمت فتلقَّ.
(( يا نساء المؤمنين تهادينَ ولو فِرسَنَ شاةٍ، فإنّه ينبت المودّة ويذهب بالضغائن ))
[الطبراني في الأوسط عن عائشة رضي الله عنها]
فِرسَنَ شاةٍ: أي يد شاة ـ مقدُم واحد ـ وليس زوجاً منه.
(( تَهَادَوْا، فَإِنَّ الْهَدِيَّةَ تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْر ِ))
[الترمذي عن أبي هريرة]
وحر الصدر: أي غِشّه وحقده.
والد أحد أخواننا يحمل في جيبه قطعاً من الحلوى ـ سكاكر ـ وبكميّة كبيرة، فكلّما رأى طفلاً مع والده أعطاه منها، والطفل يجد هذه القطعة جيّدة جداً، وقد ذكرت لكم ذات مرّة بعد درس ممتع جاء ليسلّم عليّ أحد الأخوة ومعه ابنه فأعطيته قطعة من الحلوى كنت أحملها، وقلت لأبيه هذا الدرس له طعم عندك ولكن عند ابنك ليس له طعم ولكن بهذه الحلوى أصبح له طعم.
إذا كنت تريد أن تكرم ابنك فكلّما حضر معك إلى الجامع اشترِ له أكلاً طيّب المذاق فيقترن ذلك مع مجيئه للجامع، فهكذا يفهم الطفل، وفي العيد الماضي أحضرت قطعاً من الحلوى للصغار وكلما حضر طفل مع أبيه أعطيته قطعة منها، فحدثني أحد الآباء عن ابنه وهو يقول لأمّه في البيت: إنني قد أحببت هذا الشيخ كثيراً ودوماً سأذهب مع أبي إلى الجامع، فالطفل عبد الإحسان، فإذا أردت أن تجلب قلبه نحوك فاجلبه بشيء يسرّه فإذا ربطت بين مجيئه معك إلى المسجد وبين شيء يأكله كهديّة أو قطعة من الحلوى فسيحب المجيء دوماً.
بأحد احتفالات القرآن الكريم كان هناك طفل يبلغ من العمر الخمس سنوات ويحفظ جزأين أو ثلاثة، ولكل الحفّاظ قدموا كتاباً ثميناً ولهذا الطفل قدّموا علبة من الحلوى تناسب سنّه.
(( عليكم بالهدايا فإنّها تورث المودّة ))
[ الديلمي عن أنسٍ مرفوعاً ]
بعض الناس يخزنون الهدايا، فمن يريد تمتين علاقاته بالآخرين دائماً تجد عنده هدايا جاهزة ولو هديتين أو ثلاث، ولو كانت هدايا رمزيّة، كأن يحتفظ بعدد من الأقلام أو بدفتر هاتف أو بدفتر لحفظ الصور أو الأشياء اللطيفة والمهيَّأة مسبقاً، فإذا رأى شيئاً يستدعي ذلك أو مناسبة أو زاره شخص مع ابنه وأراد أن ينشئ أو يقيم مودة بينه وبين الزائر وابنه لا يحتاج إلى أن يفكر فيما يعطيه.
أساس التهنئة تمتين العلاقات الاجتماعيّة:
القسم الأول من آداب التهنئة، يجب أن تظهر الفرح في التهنئة، والقسم الثاني ماذا تقول في التهنئة، والقسم الثالث يستحبُّ المهاداة مع التهنئة.
أما أساس التهنئة هو تمتين العلاقات الاجتماعيّة، أن يكون المؤمنون كالبنيان المرصوص، وأساسها إرادة الله أن يكون الإنسان كائناً اجتماعياً، فقد قهره بذلك، فقد جعله مضطراً لأن يعيش مع مجتمع، وما دمت أنت مقهوراً أن تكون اجتماعياً فبقي عليك أن تعبّر عن كمالك الأخلاقي بهذه العلاقات النامية، فالتهنئة جزء من الدين.
إذا دعاك أحد إلى عقد قران، أو إلى مولد، أو إلى تهنئة بإنجاب مولود، أحد الأخوة أقام مولداً في بيته لأن سيارته سرقت ووجدها بعد شهر، فدعا بعض العلماء وقام بتوزيع الحلوى وألقوا الكلمات، فكلّما انحلّت مشكلة أقمنا احتفالاً فبذلك نعلّم الناس الدين بهذه الكلمات وكذلك نضيّفهم.
إذا نجح أحدهم في عمله أو تخلّص من مشكلة فأقام حفلة، فماذا يمنعك أن تدعو أحبائك وتطعمهم من الحلوى، وادعُ عالماً أو عالمين وقدمهم لإلقاء كلمات فيها من التوجيه المفيد، فهذا شيء جميل.
سمعت عن أحدهم كان شيوعياً أي ملحداً، ظلّ ابنه يدعو أباه أكثر من سنتين أو ثلاث حتى أقنعه بأن يصلي، وأول صلاة صلاّها أبوه عمل له مولداً وجمع أصدقاء والده الذين هم على شاكلته ودعا عدد من العلماء الكبار وألقوا الكلمات وأقنعوا الحضور، فإذا حفظ ابنك مثلاً القرآن أو حصل على الشهادة بتفوّق فقم بعمل مولد، واستغل المناسبات واجمع الناس وعرّفهم بالله عزَّ وجلَّ، فهذا عمل عظيم.

المناسبات وسيلة لدعوة الناس إلى الله عزَّ وجلَّ ونشر الحق:
كلّما كثرت المناسبات كمن سرقت سيارته، أو كشفاء مريض من مرضه العضال، أو عقد زواج، أو إنجاب مولود، أو نجاح في شهادة، أو تأسيس عمل، أو نجاح في العمل، أو مشكلة صرفت عنه، فالقصد هو جمعك للناس وأن تدُلّهم على الله إن كنت تقدر على ذلك أو يدلّهم غيرك على الله، فالقصد أن يكون لك عمل صالح لتساهم في نشر الحق.
المناسبة وسيلة والأصل هو الدعوة إلى الله، فأحياناً في عقود القران ألقي كلمات فأقول: هذه الكلمات في هذه المناسبات ليست جزءاً من الاحتفال، إنها جزءٌ من الدعوة إلى الله، لذلك إذا دعي الإنسان فعليه أن يُلبّي، وإذا طلب إليه كلمة فلا يتدلل بل يقوم ويبلغ الحق للناس ويلقي الكلمة.
توجد نقطة على كثير من الأهميّة يطبقها بعض أخواننا الكرام يكون لهم أقرباء كثر لا يصلّون ولا يتوجّهون إلى بيوت الله إطلاقاً، فيقوم بعمل مولد في بيته ويدعو من يثق بعلمه وإخلاصه ومنطقه السديد، ويلقي هذا الإنسان كلمة، ويقدم لهم الضيافة، وبذلك كأنّه دعاهم إلى أن يستمعوا إلى هذه الموعظة، فيجوز من المئة الحضور يهتدي إلى الله منهم أربعة أو خمسة، فليكن همّك نشر الحق، واجعل المناسبات وسيلة لدعوة الناس إلى الله عزَّ وجلَّ.
انتهينا من درس أدب التهنئة وننتقل في درسٍ آخر إن شاء الله إلى أدب عيادة المريض.









والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 09:26 AM   #29


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( السابع و العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 14 ) ادب عيادة المريض





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة المؤمنون لازلنا في دروس تربية الأولاد في الإسلام ومع الدرس السابع والعشرين من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا مع مسؤولية الآباء في تربية أبنائهم التربية الاجتماعية، ولازلنا في موضوع الآداب الاجتماعية، وها نحن اليوم ننتقل إلى أدب عيادة المريض.
حقُّ أخيك عليك أن تعوده إذا مرض:
أيها الأخوة الكرام من الثابت أنَّه لا شيء يسعد المريض وهو في مرضه كأن يزوره أخوه في الإسلام، هذه الزيارة بلسمٌ لهذا المريض، وأتمنى عليكم جميعاً أن لا تقللوا من شأنها، أي قد يعين أحدكم أخاه على مرضه بزيارته، وقد يُعجِّل شفاءه بزيارته، قد يرفع معنوياته بزيارته، وهذه سنة النبي عليه الصلاة والسلام، لا تقل لا يوجد عندي وقت، هذا واجبٌ عليك تجاه أخيك، هذا حقُّ أخيك عليك أن تعوده إذا مرض، وأقول لكم مرةً ثانية المؤمن حينما يأتيه أخوانه يعودونه يشعر كأنَّ روح الحياة تودع في نفسه، فهذا واجب.
يقول النبي عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث الشريفة:

(( عائد المريض يخوض في الرحمة فإذا جلس غمرته ))
[ابن عساكر عن أنس]
الأعمال التي فيها مصالح نحو قبض المال، أو عقد صفقة، أو استقبال زبون، أو بيع، أو قضيَّة هذه ليس لك فيها أجر فهذه من مصالحك، أما حينما تذهب لعيادة أخٍ في الله لا يحدوك لهذا العمل إلا إرضاء الله عزَّ وجلَّ هذا هو العمل الذي يرضيه، فلذلك:
(( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرار القسم، ونصرة المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام ))
[ متفق عليه عن البراءِ بن عازب رضي الله عنهما]
أمرنا أي أمر فقد قال تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً(36) ﴾
( سورة الأحزاب )
أي أمرٍ أمره النبي صلى الله عليه وسلم ليس للمؤمن الخيار في قبوله أو رفضه:
أنت لك الخيار ماذا تأكل اليوم، و لك الخيار إلى أين تسافر، ولك الخيار أي عمل تعمل، هذا ضمن خيارك، أما إذا كانت قضية أمر إلهي في القرآن، أو أمر نبوي في السنة إذا كنت مؤمناً ليس لك الخيار، أما إن لم تكن مؤمناً فلك الخيار، أفعل أو لا أفعل أمراً أمر به النبي، إذا كنت قد أدخلت هذا الموضوع في مجال البحث والمداولة تفعل أو لا تفعل فإنك غير مؤمن، لا تكون مؤمناً إلا إذا أُلغِي اختيارك في أمرٍ أمره النبي صلى الله عليه وسلم، قضية دقيقة جداً وهي الآية والدليل:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً(36) ﴾
( سورة الأحزاب )
آية قرآنية أخرى صريحة:
﴿ وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾
( سورة الحجرات آية "12" )
أنا أغتاب بنيّة حسنة، كلام فارغ، من يقول أنه يزني بنية حسنة، الزنا محرم، لا يوجد نوايا هنا، ما دام يوجد أمر فيه تحريم لا يوجد اجتهاد، اسأل طالباً في الصف السابع الشرعي يقل لك: لا اجتهاد في مورد النص، إذا كان لا يوجد نص أو أن يكون النص ظنيَّ الدلالة، في النص ظني الدلالة يوجد اجتهاد، أما إذا وجد نص قطعي الدلالة:
﴿ وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً ﴾
( سورة الحجرات آية "12" )
فإنَّ أقل طالب علم شرعي يقول لك: لا اجتهاد في مورد النص انتهى الأمر.
على المؤمن ألا يُدخِل موضوعاً بَتَّ به الشرع إيجاباً أو سلباً في دائرة الاختيار:
أخواننا الكرام هناك نقطة دقيقة جداً، أنت كمؤمن هويتك مؤمن، ويظن أنك مؤمن، ومحسوب على الناس مؤمن، لك خلفية إسلامية، اتجاهك إسلامي، ما كان لك أن تُدخِل موضوعاً ما بَتَّ به الشرع إيجاباً أو سلباً في دائرة الاختيار:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً(36) ﴾
( سورة الأحزاب )
أمرك الله عز وجل بغضِّ البصر انتهى هذا الأمر، أمرك بإمساك اللسان، أمرك بالصدق، أمرك بالاستقامة، أمرك بالأمانة انتهى الأمر، فهنا يوجد أمر بعيادة المريض استمعوا إلى الحديث مرّة ثانية الذي رواه الشيخان أي البخاري ومسلم، وإذا قلنا الشيخان أي أعلى درجات الحديث في الصِحَّة، روى الشيخان عن البراءِ بن عازب رضي الله عنهما:
(( أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيادة المريض، واتباع الجنازة، وتشميت العاطس، وإبرارِ القسم، ونصرة المظلوم، وإجابة الداعي، وإفشاء السلام ))
[ رواه الشيخان عن البراء بن عازب رضي الله عنهما]
يحلف الزوج على زوجته بالطلاق، سبحان الله لا يحلو لهذه الزوجة إلا أن تذهب إلى مكانٍ قد حلف عليها زوجها بالطلاق أن لا تذهب إليه، يقول لي: حلفت عليها وراحت، أين عقلها ؟ طلقت، يقول لي: ذهبت، شيطان يوسوس لها، لا يحلو لها إلا أن تفعل شيئاً يوقع زوجها في الحرمة، إذا أقسم عليك إنسان يجب أن تبرَّ بقسمه، إنسان دعاك إجابة الداعي واجبة وإفشاء السلام كذلك.
الله يفرح بالمؤمنين لأنهم كتلة واحدة:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( حقُّ المسلم على المسلم خمس، رد السلام، وعيادة المريض، واتباع الجنائز، وإجابة الدعوة، وتشميتُ العاطس ))
[ رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه]
هذا حقّ المسلم على المسلم، أحياناً هناك شيء يؤلمني والله إلى أقصى درجة، أخ يمرض يوماً واثنين وثلاثة وخمسة حتى الشهر ولا أحد يزوره، أقول لكم الحقيقة جزء من الحق عليه وجزء من الحق على أخوانه، الجزء الذي عليه هو دوامه الغير منتظم في المسجد، فإذا غاب ظن الناس أنه لا يأتي اليوم وقد يكون مريضاً، فالذي دوامه منتظم إذا غاب درساً واحداً افتُقِد على الفور، وترى الناس يقولون لعله مريض، أما إن كان دوامه مخلخلاً لم يعرف مريضٌ هو أم غائب، فإذا أنت لزمت مسجداً الأكمل أن تداوم، الأكمل أن تواظب، الأكمل أن تكون أحد أركان المسجد، الأكمل أن تكون عنصراً فعَّالاً في المسجد بالحضور الدائم، الآن يوجد جامعات في العالم إذا كان الدوام كاملاً فالطالب ناجح، غير معقول طالب مقبول قبول انتقائي وحضر المحاضرات كلها، وداوم دواماً جيداً معنى ذلك أن الطالب حصَّل العلم، ما دام القبول انتقائياً في مستوى الفرع وداوم دواماً كاملاًَ، الدوام وحده يكفيه، كما توجد جامعات تغيب ثلاث حصص عن المقرر تحرم من تقديم الامتحان في المقرر، أصبح هناك خلخلة في تحصيل العلم.
الدروس كلها سلسلة، دروس التفسير، دروس الحديث، ودروس الفقه كلها سلاسل تتراكم، ومجيء الدرس فيه دعم للحق، حضور الدرس فيه دعم لمكانتك في المسجد فالذي له حضور قوي في المسجد إذا غاب ساعة واحدة عرف غيابه فيتفقدوه، أما إذا كان حضوره للدرس مرّة يأتي ويغيب عشرات المرّات ثم يقول: أنا مرضت ولم يزرني أحد، فو الله الحق عليك أنت بالأساس دوامك مخلخل، ونحن لا نعلم الغيب، ولم يخبرنا أحد.
الإنسان عضو في جماعة، عندنا درس في الطاووسيّة في أيام السبت، والأحد، والاثنين بعد صلاة الظهر، فكان يحضر عندنا أخ رحمه الله وكان يعمل في القضاء نائباً لرئيس محكمة النقض، وله كرسي خاص، وله سمت حسن ومحب ووجهه يشع نوراً، وكان دائماً كلّما انتهى الدرس سلَّم علي وأثنى على الدرس، وهو مثقف ثقافة عالية وقد توفي البارحة رحمه الله، وقد تكلَّمت عنه في الدرس وطلبت من أخواننا تعزية أهله فهذا واجب، وقد قلت لهم إننا أسرة واحدة، وأنت عضو بهذه الأسرة، وما يؤلمك يؤلمنا وما يفرحك يفرحنا، يفرح كلّ أخوانك، فالله يفرح بالمؤمنين، ونحن كتلة واحدة فآلامك آلامٌ لنا جميعاً لا سمح الله، أفراحك أفراحنا، فإذا تزوَّجت نحضر، لأنّ تلبية الدعوة واجب.
الإسلام صعَّد الدافع الاجتماعي وسما به ليصبح في خدمة الجماعة تقرباً إلى الله تعالى:
خطبة الجمعة القادمة إن شاء الله حول هذه المعاني، كيف أنَّ الإنسان كيانه اجتماعي، وكيف أنّ الله سبحانه وتعالى قد غرس فيه الطابع والدافع الاجتماعي، ولكن الإسلام صعَّد هذا الدافع وسما به، فقد يكون الدافع الاجتماعي عند عامَّة الناس مربوطاً بالمصالح، فما دام هناك مصالح فهناك دافع اجتماعي، فإذا تضاربت المصالح مع الدافع الاجتماعي آثر مصالحه الشخصيَّة، أما القرآن والإسلام قد هذَّب هذا الدافع عند المؤمن وسما به إلى درجة أصبحت خدمة الجماعة تقرُّباً إلى الله عزَّ وجلَّ، قال عليه الصلاة والسلام يسأل أصحابه:
(( من أصبح منكم اليوم صائماً ؟ قال أبو بكرٍ: أنا. قال: من عاد منكم اليوم مريضاً ؟ قال أبو بكرٍ: أنا. قال: من شهد منكم جنازةً ؟ قال أبو بكرٍ: أنا. قال: من أطعم اليوم منكم مسكيناً. قال أبو بكرٍ: أنا. قال مروان أحد رواة الحديث: بلغني أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: ما اجتمعت هذه الخِصال في رجلٍ إلا دخل الجنّة ))
[ رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]
صام، وعاد مريضاً، وشهد جنازةً، وأطعم مسكيناً في يومٍ واحد، فنحن كما قلنا أسرة واحدة، فإذا تزوَّج أخ يجب علينا تلبية دعوته، أو لا سمح الله مرض يجب أن نعوده، أو توُفّي أحد أقاربه يجب أن نعزّيه، هذا حقُّ المؤمن على المؤمن، هذه تمتِّن العلاقات، تجعل المؤمنين أسرة واحدة، كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمّى.
لا تنسوا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث متواتر تواتراً معنوياً:
(( يدُ الله مع الجماعة ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]
أنت في جماعة، فأنت في رحمة الله، في مظلَّة الله عزَّ وجلَّ.
آداب عيادة المريض:
1ـ المسارعة إلى عيادته:
أخواننا الكرام الأدب الأول في عيادة المريض المسارعة إلى عيادته، لقوله عليه الصلاة والسلام:
(( وإذا مرض فعده ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]
تعلمون حديث الجار:
(( إذا استعان بك أعنته، وإن استنصرك نصرته، وإن استقرضك أقرضته، وإن مرض عدته، وإن مات شيَّعته، وإن أصابه خيرٌ هنّأته، وإن أصابته مصيبةٌ عزّيته، وإذا اشتريت فاكهةً أهديته، وإذا لم تفعل فأدخلها سراً، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ))
[ رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق وابن عدي في الكامل عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ]
هذا حقّ الجار على الجار، فكيف يكون حقُّ المسلم على المسلم ؟ أقوى، لو كان لك جار غير مسلم فله عليك حق، فكيف إذا كان الجار مسلماً فله عليك حقان، وإذا كان الجار مسلماً وقريباً فله عليك ثلاثة حقوق.
لكن قد يبدو لكم في الأحاديث مفارقة بين أن تعود أخاك فور سماعك بمرضه أو فور إصابته بالمرض، وبين أن تعوده بعد ثلاثة أيام.
(( كان عليه الصلاة والسلام لا يعود مريضاً إلا بعد ثلاث ))
[ رواه ابن ماجة عن أنس بن مالك رضي الله عنه]
كيف نوفِّق بين هذا الحديث، وبين حديث:
(( وإذا مرض فعده ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]
أحياناً تكون قد أجريت له عمليَّة خطيرة وبالعناية المشددة وممنوع زيارته وفي غيبوبة، فانتظر ليستفيق ويصحو، ففي بعض الحالات تمنع زيارة المريض والدخول عليه، ثانياً هو في غيبوبة، وثالثاً في العناية المشددة، ورابعاً ممنوع من التكلّم مع أحد بأي كلمة، فإذا كان المرض بهذه الدرجة فالأكمل أن تؤخِّر الزيارة يومين أو ثلاثة حتى يعي من حوله وإذا شاهدك يرحِّب بك، أما إذا كان في حالة الغيبوبة فلن يستفيد من زيارتك.
أما إذا كان مرضه مرضاً بسيطاً ويعي من حوله وصاحياً، فقم بزيارته على الفور، إذا مرض فعُده مباشرةً.
(( العيادة بعد ثلاثٍ سُنَّة ))
[رواه الطبراني عن ابن عباّسٍ رضي الله عنهما ]
هناك حديث ثالث يجمع بين هذين الحديثين، يروى عن الأعمش قال:
(( كنا نقعد في المجلس، فإذا فقدنا الرجل ثلاثة أيّام سألنا عنه، فإن كان مريضاً عُدناه. ))
[البيهقي عن الأعمش]
في اليوم الأول لم يأتِ خيراً، واليوم الثاني والثالث لم يأتِ فمعنى ذلك هناك مشكلة، أو قد يكون مريضاً فالآن نزوره.
قصص من الحياة العامة عن التدابر والنفور بين الناس في العالَم الغربي:
سمعت ببعض البلاد الغربية أنّ موزِّع الحليب يضع كلّ يوم قارورة من الحليب أمام عتبة باب البيت، فإذا وجد القارورة الأولى والثانية والثالثة ما زالوا موضوعين أمام الباب فيعني ذلك أنّ صاحب البيت ميّت في الداخل، من هذا التدابر الشديد في العالم الغربي لا يعرفون بموت الإنسان إلا من قوارير الحليب.
حدَّثني أخ كان يعمل في إنكلترا قائلاً: كان لي صديق هناك طرقت بابه فلم أجد أحداً ولكنّي وجدت قارورة من الحليب، وفي اليوم الثاني طرقت الباب عليه ولم أجد أحداً ولكنّي وجدت قارورتين، وفي اليوم الثالث وجدت ثلاث قوارير فأخبرت الشرطة، فقاموا باقتحام البيت فوجدوه ميّتاً.
زارني مرّة شخص حاصل على الدكتوراه وطلب معادلة شهادته الثانويّة مني وقد كنت أفحص المتقدمين للغة العربيّة، فكان هناك قانون إذا لم يحصل المتقدِّم للعمل على الشهادة الثانويّة ولو معه أعلى شهادة فلا يُعيَّن في الدولة، وبعد ذلك تمّ تعديل هذا القانون بسبب أننا كدنا أن نخسر خبرات عديدة وكثيرة جداً، فأصبح يجرى للحاصل على الدكتوراه ولم يكن حاصلاً من قبل على الشهادة الثانويّة فحصاً ولو شكلياً ليعادل الشهادة الثانويّة حتى يُعيّن في بلده، فزارني هذا الطبيب وهو يعمل في بريطانيا بمقاطعة مانشستر، وقال لي: أنا عندي فيلا فخمة ودخلي كبير ومع ذلك آثرت أن أعود إلى بلدي ـ وقد يكون ما سيحصل عليه من الدخل يعادل عشر ما يحصل عليه هناك ـ فسألته عن السبب ؟ فقال لي: هناك بناء قريب من سكنه يرتفع ستة طوابق، ولندن ذات جوٍ بارد وكان في الطابق السادس من هذا البناء يسكن شخص قد مات منذ أكثر من ستة أشهر ولا أحد يعلم بموته، وبسبب سكنه في الطابق الأخير والغرف محكمة الإغلاق، والبرد الشديد، ثم خرجت الروائح النتنة فاقتُحم البيت فوجدوه ميّتاً من ستة أشهر.
هذه القصّة حملت هذا الطبيب على العودة إلى بلده ولو بدخلٍ قليل والسبب أنّ لهذا الإنسان ستة أولاد مقيمين في لندن، وما خطر في بال واحدٍ منهم أن يزور أباه في هذه المدةِ من الزمن مرّةً واحدة، تدابر، تقاطع، ووحشة، فالإنسان في بلاد الغرب إذا تجاوز الأربعين أو الخمسين عاماً فقد انتهى، وعاش في عزلة وأصبح على الهامش.
عندنا في الحالة الأولى أنّه قد بلغك مرض أخيك، ومرضه عادي فيجب أن تسارع إلى عيادته، وإذا كان ـ لا سمح الله ـ المرض خطيراً كأن يكون في غيبوبة أو في العناية المشددة، وممنوع من الزيارة أو الكلام، فبعد ثلاثة أيام، وبالأحوال العاديّة إذا غاب الأخ ثلاثة أيام يجب أن نسأل عنه، وقد كنت دائماً وأبداً أقول ومن أعماقي أرجو أن يتولّى كلّ أخ أخاً آخر واحداً فقط، تعاهده، فإذا غاب سألت عنه، خذ رقم هاتفه واختر أخاً قريباً من بيتك، أو يعمل معك في العمل، أو قريباً من سنِّك، أو جئتما معاً إلى المسجد، اختر أخاً من أخوانك وتآخيا في الله اثنين اثنَين كما قال عليه الصلاة والسلام، هو يتولّى أمرك وأنت تتولى أمره، أكون مسروراً جداً إذا أبلغني أحد الأخوة بوفاة والد أحد الأخوة للقيام بتعزيته، فإن كانت عندي إمكانيّة ذهبت، وإلا فالأخ يذهب بدلاً عني للتعزية، وأحياناً يكون عندي وقت فأقوم بالتعزية.

2ـ تخفيف العيادة أو إطالتها على حسب المريض:
الآن الأدب الثاني في العيادة تخفيف العيادة أو إطالتها على حسب المريض، فهناك حديث:
(( العيادة فُواقُ ناقة ))
[ رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أنس بن مالك رضي الله عنه]
أي مقدار حلب ناقة، أي عشر دقائق أقصى شيء، لكننا نفصِّل في هذا الموضوع، أحياناً يكون المريض في حالة النقاهة، ولا يوجد لديه شيء، فقد تناول طعامه وفي راحة تامّة والورود حوله، وهو نظيف، وفراشه نظيف، وهو في حالة ملل وضيق خلق بسبب مكوثه في البيت وقال لك: امكث عندي، وأنت ليس لديك عمل، فاقعد عنده وآنسه نصف ساعة أو ساعة حسب حاله وتكلّم عن الله وذكِّره به، لكنك إذا رأيت السيروم معلّقاً والإبرة في يده، أو يريد أن يأخذ حقنة، أو لم يتناول طعامه بعد، وتجلس عنده وتنسى أنه مريض فهذا غير معقول أبداً، فالعيادة فواق ناقة عندما تكون هناك ظروف صعبة وإذا كان مرتاحاً فاقعد معه.
3ـ الدعاء للمريض عند الدخول عليه:
الأدب الثالث الدعاء للمريض عند الدخول عليه:
(( النبيّ صلَّى الله عليه وسلّم كان يعودُ بعض أهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: أذهب البأس ربَّ الناس، اشف أنت الشافي، لا شِفاء إلا شِفاؤك، شفاءً لا يُغادرُ سقماً ))
[رواه الشيخان عن عائشة رضي الله عنها]
حدّثوني عن أخ طبيب، شديد الصلاح، قائم الليل وحافظ للقرآن، يقسمون بالله لمجرّد أن يدخل عليه المريض يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، فتجد المريض اطمأن وطاب فالمريض له معنويّات فإذا كان الطبيب مؤمناً فالشفاء يحصل بسبب كلامه الطيّب كأن يقول: بسم الله، لا شافي إلا الله، فتجد المريض هدأ وشعر براحة.
أما الأطباء الغير مؤمنين فقد يقيس الضغط للمريض ويقول: ضغطك يبلغ الثلاثة والعشرين أعوذ بالله هذا الضغط مميت، إلى الآن لم تمت ؟ فهناك طبيب يبني دخله على تخويف المريض وتحطيمه، أما المؤمن فيبني معالجته على إرضاء الله عزَّ وجلَّ فلا تهمّه المادّة ولكن يهمّه أن ترتفع معنويّات المريض، فالطبيب المؤمن التّقي الصادق الموصول بالله مجرّد حديثه مع المريض تجد أنّ أربعة أخماس مرضه شفي منه.
أذكر ذات مرّة أني أحضرت طبيباً لقريبة من أقربائي وكان مرضها خطيراً، وكان الطبيب عنده حكمةٌ بالغةٌ فقال لي: كنت من المفروض أن لا تحضرني فمرضها بسيط جداً وقد تكلّفت بأجرة السيارة وليس عندي وقتاً كافياً، وتشاجر معي ونهرني أمام المريضة، فأصبحت لا تشعر بشيء وانتعشت وكانت مريضة بمرض خطير، فالحكيم لماذا أسموه حكيماً ؟ لأنه أحياناً بكلمة بسيطة ولطيفة يرفع معنويات المريض.
على المؤمن أن يدعو لأخيه المؤمن بخشوع وإقبال والتجاء إلى الله:
كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل على مريض يضع يده اليُمنى على جبينه ويقول:
((اللهم رب الناس أذهب البأس واشفه وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً ))
[رواه البخاري ومسلم وأبو داود عن عائشة رضي الله عنها]
هكذا السنّة.
(( من عاد مريضاً لم يحضُره أجله، فقال عنده سبع مرّاتٍ: أسأل الله العظيم ربَّ العرشَ العظيم أن يشفيك، إلا عافاه الله من هذا المرض ))
[رواه أبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عبّاس رضي الله عنهما]
الله يحب أن نتبادل الدعاء، يحب أن يظهر آياته وإكرامه للمؤمن أولاً، أنت ادعُ له بخشوع وإقبال وبالتجاء إلى الله، كأن تقول له كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم:
((أسأل الله العظيم ربَّ العرشَ العظيم أن يشفيك، إلا عافاه الله من هذا المرض))
[رواه أبو داود والترمذي والحاكم عن ابن عبّاس رضي الله عنهما]
أحياناً أخواننا يطلبون منا قراءة الفاتحة ليشفيهم الله، وأحد أخواننا طلب إلينا ذلك ذات مرّة وبعث إليّ برسالة بعد قراءتنا للفاتحة أخبرني بنجاح العمليّة نجاحاً باهراً، فقد ألهمه الله أنّ النجاح لهذه العمليّة بسبب دعاء أخوانك وهذا ممكن، ومن السنّة أيضاً:
(( أنّه اشتكى إلى النبيّ الكريم وجعاً يجدُه في جسده فقال عليه الصلاة والسلام: ضع يدك على الذي يؤلمُك من جسدك وقل ثلاثاً: بسم الله. وقل سبعة مرّات أعوذ بعزَّة الله وقدرته من شرِّ ما أجد وأُحاذر ))
[رواه الإمام مسلم عن أبي عبد الله عثمان بن أبي العاص]
هذا إيمان بالله عزَّ وجلَّ، ضع يدك مكان الألم وتوجّه إلى الله بالشفاء منه، فالله تعالى هو الشافي، وبالطبع هذا لا يُغني عن سؤال الطبيب وأخذ الدواء، فهذا يعتبر اتجاهاً وهناك خطٌّ واتجاه آخر.
4ـ سؤال أهل المريض عن حاله:
الأدب الآخر من آداب عيادة المريض أن تسأل أهل المريض عن حاله، كأن تقول: كيف حالة الوالد، إن شاء الله يكون مرتاحاً، ومَن الطبيب الذي قام بعلاجه ؟ وهل يلزمكم مساعدة ؟ وما الأدوية وهل هي متوفِّرة ؟ هذا من السنّة.
(( أنَّ عليَّاً بن أبي طالب رضي الله عنه خرج من عند رسول الله في وجعه الذي توُفي فيه فقال الناس: يا أبا الحسن.. كيف أصبح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ؟ قال: أصبح بحمد الله بارئاً ))
[رواه البخاري عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما]
كذلك سؤال أهله من السنَّة، وأن تدعو له من السنَّة، وأن تضع يدك على جبينه من السنّة.
من السنّة أيضاً أيّها الأخوة أن تقعد عند رأس المريض، فأحياناً يكون مضطجعاً على سريره وهناك كرسي عند أرجله وآخر بجواره، فالسنّة أن تجلس عند رأس المريض قريباً منه، ليس بآخر الغرفة.
(( كان النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم إذا عاد المريض جلس عند رأسه، ثم قال سبع مرّات: أسأل الله العظيم ربَّ العرش العظيم أن يشفيك. فإن كان في أجله تأخير عُوفي من وجعه ))
[رواه البخاري عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما]
يقولها سبع مرّات، وفي قول الشاعر:
إنّ الطبيب لـه علمٌ يُـدلُّ به إن كان للناس في الآجال تأخيرُ
حتى إذا ما انتهت أيّام رحلته حـار الطبيب وخـانته العقاقير

***
ما دام هناك تأخير فالشفاء حاصل.
5ـ استحباب تطييب نفسِ المريض بالشفاء والعمر الطويل:
استحباب تطييب نفسِ المريض بالشفاء والعمر الطويل، هذا الأدب قلّما يخطئه أحد، كأن تقول له: إن شاء الله اللهُ يعافيك ربنا كريم، ونخرج معك للنزهة، فهناك كلمات تبُثُّ الأمل في الإنسان، فدائماً إذا عدْت مريضاً فينبغي أن تُنَفِّس له في الأجل ولو كان المرض خطيراً، فأعرف شخصاً كُتبت نعوته وطبعت، ورتّب كلَّ شيء، وقد علمت بأنّه قد تُوُفِّي، وخرجت إلى صلاة الفجر لأرى النعوة على باب المسجد فلم أجدها، فتعجّبت من ذلك، ففي البارحة اشترت النساء الثياب السوداء وسلِّمت غرفته بالمشفى، وطبعت النعوة، ولم أجدها على الحائط، فسألت عن ذلك ؟ فقالوا لي: والله قد تحسَّن تحسُّناً طفيفاً في الثالثة صباحاً، وقد بدأ النبض في التحسُّن وعاش المريض، والذي كتب النعوة مات قبله.
المرض لا ينهي عمراً قدّره الله فالإنسان يموت حينما ينتهي أجله:
أحد أخواننا الكرام يسكن في بيت عربي يوم أن ولد كانت زوجة عمِّه بالغرفة الثانية ـ وقديماً كان الأقارب يسكنون معاً ـ وكانت مريضة مرضاً خطيراً جداً، وجاء الطبيب وقال لهم: انتهى أمرها ولن تستطيعوا معها، وهذا الأخ قد كبر وعمل في التجارة وانتقل إلى بيت في حي العدوي وسكنه وأصبح يبلغ من العمر خمساً وأربعين سنة وجاءت لزيارته زوجة عمِّه التي كانت في عداد الأموات، فقد عاشت خمسة وأربعين سنة بعد أن قال عنها الطبيب أنّها قد انتهت وليس هناك خيطاً من الأمل، فالآجال عند الله عزَّ وجلَّ.
أيها الأخوة الكرام المرض لا ينهي عمراً قدّره الله، فالإنسان يموت حينما ينتهي أجله، تجد إنساناً صحيحاً وغير مريض مات من غير علّةً، وتجد آخر سقيماً عاش حيناً من الدهر، فلا أحد ينتظر أحداً، يمكن للمنتظِر أن يموتُ قبل المنتظَر، فبعض الناس يخططون من أجل الإرث ويحسب أنّه لو مات فلا يرثه فلان، فيموت قبله المخطط وتنعكس الآية وهناك قصص كثيرة جداً.

(( إذا دخلتم على مريضٍ فنفِّسوا له في أجله، فإنَّ ذلك لا يَرُدُّ شيئاً ويُطيُّب نفسه ناقة ))
[رواه الترمذي وابن ماجة عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه]
وهناك قولٌ آخر يقول:
(( لا بأس طهورٌ إن شاء الله. )).
[رواه البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما]
كما جاء في حديث ابن عبّاس.
أحياناً يقول المريض لأحد: ضغطي مرتفع يبلغ الثمانية عشر، فيقول له المستمع: إنّ هذا شيء خطير، وقد مات ابن عم لي بهذا المرض، وكذلك فلان وفلان ماتوا بهذا المرض، فهذا الكلام غير لائقٍ، ولا أقول أنّه يقولها قصداً ولكن أحياناً يسترسل الإنسان ناسياً أنّه مريض ويذكِّره بأناسٍ ماتوا بالمرض نفسه، فهذا سوء أدب من الإنسان.
بعكس ذلك هناك قصص أعدّها في منتهى الحكمة، فإذا كان الإنسان مريضاً وتعرف أنّه مريض به منذ ثلاثين سنة وإلى الآن ليس فيه من البلاء شيء، فاذكر مثل هذه القصّة تنفِّس في أجله كثيراً، وإذا عرفت عن مريضٍ كان مصاباً بالمرض نفسه وعافاه الله فاذكر له مثل هذه القصّة.
ذكر قصص للمرضى من الحياة العامة للرفع من معنويّاتهم:
عندي عدد من القصص ولكن من الدرجة الحادة والصارخة، فأحد الأشخاص مصابٌ بمرضٍ خبيثٍ ومن الدرجة الخامسة، والطبيب الذي يعالجه من أحسن الأطباء، وأُخذت خزعة من الورم للتحليل في مخابر بريطانيا، وقد قمت بزيارته أكثر من مرّة، ومثل هذه العمليّة في أمريكا تكلِّف مليون ليرة وهذه القصّة من اثنتي عشرة سنة، وكان بيته ممتازاً ويبلغ ثمنه مليوناً ويقع في الميدان، وله ابن صغير، وسيباع البيت، ونسبة نجاح العمليّة ثلاثون بالمئة فقط، ثمّ تراجع المرض دون أي تدخُّل من أحد، وهذا الشخص صديق لي وأعرفه كما أعرف نفسي، وقد قام بعلاجه كبار الأطبّاء، وحُلِّلت له الخزعات في أكثر من مكان، والتشخيص سرطان خبيث في الرئة، ولكنّه تراجع ذاتياً، وإلى الآن هذا الصديق حيُّ يرزق.
هناك عدد من القصص يمكن أن تذكر للمرضى لترفع من معنويّاتهم، وهناك أمراض مستعصية والله عزَّ وجلَّ يقيم آياته ويقيم حُجَّته، يقولون لك: شفاء ذاتي.
ذكر لنا أحد الأخوة عن مرضه الخطير جداً ونسبة حدوثه في العالم واحد على ستّة عشر مليوناً، ذهب إلى فرنسا وقام بمعالجته أشهر وأحسن مختص في العالم في هذا المرض، فقال له: أنا أعلى مستوى بالعالم ومرضك لا أمل في شفائه، عليك بالذهاب إلى الهند فهناك مهراجا لعلّه يخفف من آلامك، هكذا ذكر الطبيب في فرنسا، وفي الشام عاده سبعة وثلاثون طبيباً ولا أمل في الشفاء، وفي فرنسا أبلغوه أنّ ذهابه وإيابه وإقامته على حساب الحكومة الفرنسيّة لا حباً فيه ولكن لندرة المرض وليتعلموا ويجروا عليه التجارب، فظلَّ هناك ستّة أشهر وفقد الأمل من الشفاء، فجاء إلى الشام وحضر درساً من الدروس الدينيّة، وكان شاباً في ريعان شبابه وحاصلاً على شهادات عُليا واستمع إلى الدرس فتأثَّر وقال في نفسه: يا رب إن شفيتني سوف أُصلّي لك، فقد كان لا يصلّي إطلاقاً، وحضر درساً ثانياً فألهمني الله تعالى بالقول: أنّ الله لا يشترط عليه ولا يُجرَّب، فصلّى مرةً وأخرى وفي الثالثة أذن الله عزَّ وجلَّ له بالشفاء، وكان مرضه عصبياً وكاد أن يصعق من المفاجأة.
هناك آيات صارخات وقل ما شئت عن الأمراض أنّه مرضٌ خطير أو عُضال وليس له دواء وقد أجمع الأطباء على ذلك، وغير ذلك، فكل هذا الكلام كلام بشر وما عند خالق البشر ليس موجوداً عند البشر، فهذه القصص ترفع من المعنويّات عالياً، وتعطي أملاً في الشفاء، فانتقِِ من هذه القصص ومن أمثالها واذكرها للمريض حتى لا يظّنَّ أن مرضه كبير وخطير، ولكي يعرف أنّ الله شفى من كان مرضهم أخطر وأكبر.
لا شيء يعين على الشفاء و رفع المعنويات كالثقة بالشفاء وإيمان المؤمن بالله:
ذكر لي مريض ذهب إلى بريطانيا لإجراء جراحة في القلب فقال لي: قبل إجراء العمليّة بساعتين أو ثلاث دخلت ممرّضة ولكن على مستوى رفيع جداً لتنسيق الأزهار فقط، وهي تقوم بتنسيق الأزهار تكلّمت معه دون أي اهتمام به قائلة: من هو طبيبك ؟ فقال لها: فلان، فدهشت وقالت له: فلان !!! فقال لها: نعم، فقالت له: وهل قبل أن يجري لك هذه الجراحة ؟! فقال لها: نعم فقد حضرت بناءً على موعد معه، فقالت: هذا غير معقول، فقال لها: ولماذا غير معقول ؟ فقالت له: ليس عند هذا الطبيب وقت كافٍ وهو أجرى أكثر من عشرة آلاف عمليّة كلّها ناجحة، وبعد انتهاء العمليّة ونجاحها وجد في الفاتورة مكتوباً: رفع معنويَّات.. ألفان من الجنيهات، ظهر أنّها ليست ممرِّضة بل طبيبة في علم النفس.
نحن لا نريد هذه المعنويَّات فإيماننا بالله يرفع هذه المعنويَّات، فقد ثبت للأطبّاء أنّه إذا ارتفعت معنويّات المريض تغلّب على عضويّته وغلب المرض، وعندما ينهار يزداد مرضه، فلا شيء يعين على الشفاء كالثقة بالشفاء، والمؤمن واثقٌ من الله عزَّ وجلَّ، فالعلماء الذين لا يعرفون الله ولا يؤمنون به درسوا هذا العلم ووجدوا وعرفوا أنّ هذا الإنسان إذا كان عنده معنويات عالية فالعمليّة تتم بكل بساطة، فالممرّضة تكلَّمت عن الطبيب وعن عملياته وبراعته وكيف قبل إجراء العمليّة له، وكلّ ذلك الحديث وهي تنسِّق الأزهار ودون انتباه منها له، ثم دفع ألفين من الجنيهات لرفع المعنويّات، فالمؤمن لا يحتاج إلى رفع المعنويات فإيمانه بالله هو الذي يرفع له معنويَّاته.
أيها الأخوة الكرام يجب أن تذكر في حديثك للمريض قصّتين أو ثلاثاً من هذه النوعيّة بحيث يشعر أنّ مرضه بسيطٌ للغاية، والله هو الشافي وبيده كلَّ شيء، وليس هناك شيء صعب على الله تعالى فهو على كلَّ شيء قدير فقد قال تعالى:

﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ ﴾
( سورة الشعراء )
هذا الذي يذكر، لا أن تقول: فلان مات بهذا المرض، وفلان كذلك مات بهذا المرض، وأعوذ بالله هذا الضغط ضغط قاتلٌ، فهذا كلام بعض الناس.
6ـ طلب الدعاء من المريض لعله أقرب إلى الله منك:
الأغرب من ذلك أنّك إذا زرت مريضاً فاطلب منه الدعاء، لعله أقرب إلى الله منك، فعندما يأخذ الله عزَّ وجلَّ صحّة عبد مؤمن يُعوِّضه عن ذلك تجليّاتٍ كثيرة، والدليل:
(( يَا ابْنَ آدَمَ، مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ، كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلَانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ ؟ ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه]
قال ربنا عزَّ وجلَّ:
(( أوحى الله لموسى يا موسى أتحب أن أسكن معك بيتك ؟ فخر لله ساجداً، ثم قال: يا رب وكيف ذلك ؟ فقال: يا موسى أما علمت أني جليس من ذكرني وحيثما التمسني عبدي وجدني.))
[رواه ابن شاهين عن جابر]
عندما تؤخذ من المريض بعض صِحَّته، فالله جبّار للخواطر فيُعوِّضه القرب، والتجلّي، والنورانيَّة، والرِقَّة، فتجده سريع البكاء، ويمكن وهو صحيح البدن مثل الحصان لو حدّثته خمسين محاضرة تجد قلبه قاسياً، وإذا مرض رقّت نفسه بهذا المرض ودمعت عينه واضطرب قلبه وتأثر وبكى، فالمريض في الأعمِّ الأغلب أقرب إلى الله من الزائر، لذلك قل له: أطلب منك الدعاء.
((إذا دخلت على مريضٍ فمره فليدعُ لك، فإنَّ دعاءه كدعاء الملائكة ))
[رواه ابن ماجة وابن السنيِّ عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه ]
قل له: ادعُ لنا، كذلك فيها رفع للمعنويّات، الدعاء منك، أنت ينبغي أن تدعو لنا فأنت أقرب إلى الله منّا، وأنت رقيق الحال في هذه الساعة وفي حالٍ نفسيٍ من الشفافية.
7ـ تذكير المريض في حالة الاحتضار بلا إله إلا الله:
إذا كان مريضاً ـ لا سمح الله ـ في حالة الاحتضار فيجب عليك تذكيره بلا إله إلا الله.
(( لقِّنوا موتاكم لا إله إلا الله محمد رسول الله ))
[ رواه الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ]
إذا المريض يحتضر فينبغي أن تُلَقِّنه لا إله إلا الله، هذه آداب عيادة المريض.
آداب التعزية:
أما آداب التعزية:
(( ما من مؤمنٍ يُعزِّي أخاه بمصيبته إلا كساه الله عزَّ وجلَّ من حُلَلِ الكرامة ))
[رواه ابن ماجه عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده]
نعود المريض ونعزي أهل الميت، ما من مؤمنٍ يُعزي أخاه بمصيبته إلا كساه الله عز وجل من حُلَلِ الكرامة.
(( من عزَّى مصاباً فله مثل أجره ))
[رواه الترمذي والبيهقي عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه]
هذا شيء دقيق من عزَّى مصاباً، المصاب المؤمن إذا عزَّيته فلك مثل أجره، ينبغي أن تكون التعزيةُ لجميع أهل البيت وأقاربه الكبار والصغار، والرجال والنساء، وقد استثنى العلماء المرأة الشابّة فهذه لا يُعزِّيها إلا محارمها.
إذا دخل أحد إلى بيت للتعزية فليقل: أين أولاد المرحوم ؟ وليعزهم واحداً وَاحداً وأين أخواته ؟ هكذا السنّة، أما المرأة الشابّة فهذه لها حكمٍ خاص لا يُعزِّيها إلا محارمها.
التعزية إلى ثلاثة أيّام، وتلك هي السنّة، إلا إذا كان المعزّي أو المُعَزَّى غائباً فلا بأس بالتعزية بعد ثلاث.
أحياناً يموت قريب لأخ من الناس، وهذا الشخص كان مسافراً فيذهب إلى بيته ويقدِّم له التعازي ولو بعد ثلاثة أيّام فترة التعزية، وأحياناً أنت لا تعلم أنّه توفّي ومضت الأيام الثلاثة، والتعزية واجبة، فبعد هذه الأيام الثلاثة اذهب إليه وعزِّهِ.
من مدة أبلغوني أنّ والدة أحد أخواننا وليس لدي علم توفِّيت، وكنت مسافراً، بعد يومين من انتهاء التعزية عزَّيته، فإن كان الخبر قد بلغك ضمن الأيام الثلاثة فالأكمل أن تُعزِّيه ضمن المكان المناسب وفي الوقت المناسب، أما إذا بلغك الخبر وقد كنت مسافراً فليس هناك مانع أن تُعزِّيه بعد الثلاثة أيّام.
1ـ أن تُعزِّيه باللفظ المأثور إن أمكن:
أول سنّة في التعزية أن تُعزِّيه باللفظ المأثور إن أمكن.
(( أرسلت إحدى بنات النبيّ الكريم صلى الله عليه وسلم إليه تدعوه أنّ صبياً لها في الموت. فقال لمن أرسلته: ارجع إليها فأخبرها أنَّ لله ما أخذ ولهِ ما أعطى، وكلُّ شيءٍ عنده بأجلٍ مُسمّى، مُرها فلتصبر ولتحتسب ))
[صحيح البخاري ومسلم عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما]
أعظم الله أجرك، وأحسن عزاءك، وغفر لميِّتك، هذا التعبير النبوي المسنون.
الآن يقولون: عظَّم الله أجرك.
2ـ استحباب صنع الطعام لأهلِّ الميّت:
استحباب صنع الطعام لأهلِّ الميّت، وهذا عكس ما يفعله الناس الآن، وأتمنّى منكم ألا تستجيبوا لدعوة فيها طعام صنعها أهل الميِّت، فهذا لا يجوز وهو خلاف للسنَّة، فوق مصيبتهم وهمِّهم وبكائهم وعويلهم عليهم القيام بتأمين الطعام للناس وإطعامهم، لذلك من السنَّة أن تصنع لهم أنت طعاماً، وهذا عملٌ طيِّبٌ، فإذا كان أحد الناس ميسور الحال وله أقرباء توفيَ رجلهم في البيت وأحضرت لهم طعاماً للبيت هذه هي السنة، أما أن تذهب لتأكل فهذا خلاف السنة لقول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم:
(( اصنعوا لآل جعفر طعاماً فإنه قد أتاهم أمرٌ يشغلهم ))
[عن عبد الله بن جعفر رواه الإمام أحمد وأهل السنن بإسناد صحيح]
اتفق الأئمّة على كراهة صنع أهل الميت الطعام لحديث جرير قال:
(( كنا نعدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنيعةَ الطعام بعد دفنه من النياحة ))
[رواه الإمام أحمد بإسناد صحيح عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه]
أي إذا أهل البيت أحضروا طعاماً إلى المعزين فهذه من النياحة التي حرمها النبي عليه الصلاة والسلام.
3ـ على المعزّي أن يرفض أية ضيافةٍ تقدَّم إليه لكونها تتنافى مع الهدي النبوي:
على المعزّي أن يرفض أية ضيافةٍ تقدَّم إليه لكونها تتنافى مع الهدي النبوي، طبّق السنة ولا تقل عيب يتكلمون علينا، كلام الناس تحت قدمك، طبّق السنة وانصر دين الله عزَّ وجلَّ.
4ـ إظهار التأسّي لمن يواسيهم ويُعزِّيهم:
كذلك من السنَّة أيضاً إظهار التأسّي لمن يواسيهم ويُعزِّيهم، فقد كنت سائراً ذات مرَّة خلف جنازة، ويمشي خلفي اثنان، والله الذي لا إله إلا هو كانوا يتكلَّمون عن مشروع تجاري يتعلق بالعمار من مكان انطلاق الجنازة إلى القبر، ولم أسمع أو أفهم كلام المؤذِّن من صوتهم العالي وهم يقولون نربح فيه أو نخسر والأحسن أن نلزمه لأحد المتعهدين، أو نبيعه على المخطط، ووصل النعش إلى المقبرة وهم يتابعون الحديث، وألقى أحد أخواننا كلمة لتأبين الميِّت ولم يتوقفوا عن الكلام وشوَّشوا على الحضور، اقعد في بيتك فهذا أحسن واعمل الاجتماعات في بيتك، فإذا كنت في تعزية فكن أديباً، وأول شيء يجب عليك فعله أن تصمت.
يقول سيِّدنا سعد رضي الله عنه: " ثلاثةُ أنا فيهنَّ رجل ـ من هذه الثلاثة ـ.. وما سرت في جنازةٍ فحدّثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها."
ما معنى ذلك ؟ معنى ذلك: أنَّ هذه الجنازة لها كلام بالسرياني وليس باللغة العربية، أي معانٍ تسري إليك أن هذا الذي على النعش أين كان أمس ؟ على السرير، له زوجة وأولاد، ومهندم الثياب، وسيارته تنتظر أمام بيته، فأين هو الآن ؟!! كان يسكن في بيت أربعمئة وخمسين متراً، وفيه العديد من الصالونات وغرف الضيوف أو النوم وحمامان وحمام آخر خاص بغرفة النوم، فأين هو الآن ؟ هل هناك قبر خمس نجوم ؟ القبر فيه نجوم الظهر، وليس فيه خمس نجوم، فالجنازة تقول وتتكلَّم معك:
" ما سرت في جنازةٍ فحدّثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها ؟"
تقول: يا أهلي يا ولدي، لا تلعبنَّ بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلَّ وحرم فأنفقته في حلِّه وفي غير حلِّه، فالهناء لكم والتبعة علي.
5ـ التنبيه إلى المنكرات إن وجدت:
إذا رأيت بالتعزية منكرات فعليك أن تُنبِّه إليها، هكذا السنَّة، أحياناً ترى لطماً للخدود، وشقّاً للجيوب، وشداً للشعر، وعويلاً، وصراخاً، ونواحاً، وأُناساً يقرؤون القرآن بالأجر كالمرتزقة، ومنكرات كدخول النساء على الرجال، فهذه كلَّها من المنكرات فعليك أن تُنبِّه إليها إن كانوا من أقربائك.
من تكلَّم بالحق رفع الله شأنه و أعزّه:
لندقق في هذا الحديث فهو حديث خطير:
(( لا يحقِرنَّ أحدكم نفسه. قال: يا رسول الله: وكيف يُحَقِّر أحدُنا نفسه ؟ قال النبي الكريم: يرى أنَّ عليه مقالاً ثم لا يقول فيه ))
[رواه ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]
أي استحى أو خاف، فإذا كان معك كلمة حق وفيها شفاء ودواء وفيها موعظة وتبيين لحقيقة وجلاء ظلمة، فلماذا تسكت ؟ يقول لك: والله قد استحيت، أو خفت، فهم أحرار، ولا أريد أن أنصح أحداً، فمن يفعل هذا فقد احتقر نفسه:
(( لا يحقر أحدكم نفسه ! قالوا: يا رسول الله ! كيف يحقر أحدنا نفسه ؟ قال: يرى أمراً لله عليه فيه مقال، ثم لا يقول فيه، فيقول الله عز وجل له يوم القيامة: ما منعك أن تقول في كذا وكذا ؟ فيقول: خشية الناس، فيقول الله عز وجل: فإياي كنت أحق أن تخشى. ))
[رواه ابن ماجة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه]
كان عليك أن تخشاني أنا أحق، أي معنى ذلك أن الإنسان إذا امتلك كلمة طيِّبة، أو حكماً شرعياً، أو تفسيراً لآية، أو بياناً للحق فلا يظل ساكتاً لأنَّ كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تُقرِّب أجلاً، فالله يعِزُّك.
كان أحد الأشخاص يتكلَّم مع الخليفة الذي جاء بعد سيِّدنا عمر بن عبد العزيز وهو يزيد، فقال له: جدّك قطعني أرضاً وعمر بن عبد العزيز رحمه الله أخذها منّي، فقال له: عجباً لك الذي أقطعك الأرض لم تترحَّم عليه، والذي نزعها منك تترحَّم عليه ! لأنَّ سيِّدنا عمر كان معه الحق في ذلك فنزعها منه، وهو قد ترحَّم عليه، ومن أعطاها له لم يترحم عليه، فالإنسان إذا تكلَّم بالحق فالله يرفع شأنه ويُعِزُّه.
(( بايعتُ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم على السمع والطاعة والنصحِ لكُلِّ مسلم ))
[رواه الشيخان عن جريرٍ رضي الله عنه]
في حديثٍ آخر أيضاً عن جرير سمعت النبيَّ الكريم صلى الله عليه وسلم يقول:
((ما من رجل يكون في قوم يعمل فيهم بالمعاصي، يقدرون على أن يغيروا عليه ولا يغيرون إلاّ أصابهم الله منه بعقاب قبل أن يموتوا ))
[رواه أبوا داود وابن ماجة عن جريرٍ رضي الله عنه]
أي إذا كنت بمركز وتقدر على منع أحد عن المعصية ولم تمنعه فالله يغضب عليك، فإذا قلت هو حر في عمل ذلك فقد غششتَه ولم تنصح له.
أيّها الأخوة الكرام إن شاء الله الكريم في درسٍ قادم نتابع هذه الآداب الإسلاميَّة، ونرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها وأن تكون مترجمةً في سلوكنا.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 09:29 AM   #30


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثامن و العشرون )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 15 ) ادب العطاس





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام مع الدرس الثامن والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، وسنتابع الآداب التي أدّب بها النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أصحابه، والآداب اليوم هي أدب العطاس والتثاؤب.
للأدب طريقان طريقٌ تعلُّمي وطريقٌ ذوقي:
أريد أن أبيّن هذه الحقيقة وقد ذكرتها من قبل ولكن في إعادتها فائدة كبرى، الأدب له طريقان، طريقٌ تعلُّمي، وطريقٌ ذوقي، فكلّ إنسان اتصل بالله عزَّ وجلَّ ومن خلال هذه الصلة يكافئه ربنا بأن يمنحه خلقاً حسناً، فالأخلاق الأصيلة الحقيقيّة التي يمكن أن تكون سبباً في سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة هي أخلاقٌ مكتسبة من الله عزَّ وجلَّ، هذه الأخلاق لا علاقة لها إطلاقاً بالأخلاق التجاريّة.
الأذكياء دائماً وبحكم ذكائهم يسلكون سلوكاً مقبولاً محموداً لينتزعوا إعجاب الناس وليحققوا مصالحهم.
أي أنّ الشيء الذي تسمعونه أحياناً: فلان يفعل هذا من أجل الانتخابات، ليس عنده رغبة في الإصلاح، ولا في السلام مثلاً، ولكن من أجل الانتخابات يفعل هذا، معنى ذلك أنّ الأفعال البشريّة من الأشخاص الذين لا يعرفون الله سبحانه وتعالى أفعال معلولة بالمصالح، وهذه الأخلاق تتفوق أوروبا بها كثيراً، تتحدّث عن حقوق الإنسان وهي أكبر جهة في الأرض تنتهك حقوق الإنسان، تراعي حقوق الحيوان وهي تهضم حقوق الشعوب.
الإنسان أحياناً بذكائه يتصرَّف تصرُّفاً محموداً ومقبولاً، هذا التصرُّف أيها الأخوة لا علاقة له بالدين إطلاقاً، هذا التصرُّف أساسه الذكاء، وهدفه المصلحة، إما الإعجاب المعنوي كانتزاع إعجاب الآخرين، وإما المصالح الماديّة، وهذا خارج نطاق دروسنا كلّها، فالأذكياء دائماً لهم تصرُّفات مقبولة في انتزاع إعجاب الآخرين وهي ليست عبادة وليس هذا من الدين، الأخلاق الأصيلة التي تسعد صاحبها إلى الأبد أخلاقٌ اشتُقَّت من اتصال العبد بربّه هذه واحدة.
هناك أسلوب ذوقي أساسه الصلاة، وإذا كان الذوق العام ضعيفاً، والاتصال ضعيف تأتي هذه الدروس لنذكر فيها ما فعله النبي وما لم يفعله، وهذا أسلوب تعليمي أساسه التبيين، كان النبي إذا عطس مثلاً فعل كذا، أو إذا رأى من أصحابه شيئاً قال: كذا، هذا أسلوب تعليمي بياني، وهناك أسلوب إشراقي.

الكمال نوعان كمال إشراقي وكمال بياني:
يمكن لك أن تتأدّب بآداب الإسلام مرّتين، مرّةً باتصالك بالله عزَّ وجلَّ، وعندي في ذلك شواهد كثيرة، فأحياناً تجد إنساناً موصولاً بالله يوضع في ظرف معيّن فيتصرّف وفق الحكم الشرعي وهو لا يعلم الحكم الشرعي أصلاً، وأنا أعلم علم اليقين أنّه لا يعلم الحكم الشرعي لكنّ الكمال الذي اشتقّه من الله عزَّ وجلَّ أملى عليه أن يفعل كذا وكذا، ولا مجال لذكر كثير من الشواهد في ذلك.
الآداب إما انضباط ذاتي، أو انضباط خارجي، فالإنسان بوعيه يقول: هذه لا يجوز فعلها ولا أفعلها، وهذه نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنها، وهذا شيء جيّد أيضاً، فقد تلقيت دروساً في العلم وعرفت سلوك النبيّ الكريم، والأسلوب الصحيح الكامل، وبوعيك انضبطت، لكن لو اتصلت بالله عزَّ وجلَّ تشتقُّ من الله الكمال، وهذا الكمال هو الكمال الإشراقي.
هناك كمال بياني أساسه التعلُّم والتعليم والتذكُّر والوعي والسيطرة على الذات، وهناك كما ذكرنا كمال إشراقي، لكن المواقف التي تعجب الناس أحياناً من الأجانب والكفّار، وهذه بالتأكيد لا علاقة لها إطلاقاً بالدين، قضيّة ماديّة إما لهدف انتزاع إعجاب الآخرين، أو لهدف آخر هو تحقيق مصالح معيَّنة، والدليل على ذلك هذا الذي يتخلّق بأخلاق أساسُها الذكاء وحينما تضرب مصالحه ينقلب إلى وحش، فكلّ نعومته تختفي، وقد ذكرت هذا في خطبة الجمعة الماضية.
بدأت الخطبة هكذا، الإنسان له حاجات أساسيّة، فعنده حاجةٌ إلى الحب وهي حاجة أساسيّة أن تُحِب وأن تُحَب ويستوي في ذلك كلّ الناس ولو كانوا غير مؤمنين، وعندك حاجة إلى التقدير، أن يقدِّرك الناس، وعندك حاجة إلى الأُنس ؛ تأنس بالمجتمع، وعندك حاجة إلى التقوّي بالآخرين والاحتماء بهم، وعندك حاجة إلى الأمن، فهذه كلّها حاجات اجتماعيّة، وعندك حاجة إلى اقتباس أفكار الآخرين ومنجزاتهم ومعارفهم.
مجموع هذه الحاجات الحب، والتقدير، والأُنس، والأمن، والتقوّي، والاستنصار، واقتباس المعارف والعلوم والمكتسبات، كل هذه الحاجات وبمجموعها تولّد الدافع الاجتماعي.

الدافع الاجتماعي في الإسلام أساسه العبادة والتقرُّب إلى الله عزَّ وجلَّ بخدمة خلقه:
الإنسان بفطرته يميل إلى المجتمع، إلى أن ينخرط فيه، وأن يندمج مع المجتمع، ويميل إلى الالتقاء مع الناس، وفي الوقت نفسه هناك دافعٌ فرديّ، ونزعةٌ انعزاليّة.
لو أنّ هناك دافعاً اجتماعياً وآخر فردياً، واصطدم الدافع الاجتماعي بالمصالح الشخصيّة فتجد الإنسان المقطوع عن الله الذي لا يعرف الله يركل بقدمه كل دوافعه الاجتماعيّة ويغتصب هذا الشيء ليحقق مصلحته، فيأخذ بيتاً ليس له، فأين سمعته ؟!! فقد أعارك البيت يوماً أو يومين أو شهراً أو شهرين ومن غير أن تدفع له إيجاره فسكنت فيه ثماني سنوات، وقلت لصاحبه بعد ذلك: هذه المحاكم أمامك ؟ فأين هي سمعتك وخوفك على مكانتك ؟!! فعندما تحققت المصلحة الماديّة ركل سمعته الاجتماعيّة بقدمه، هذا هو الإنسان قبل أن يعرف الله.
لكن ماذا فعل الإسلام ؟ الإسلام غذّى الدافع الاجتماعي، غذّاه ولكنّه صعّده وسما به، فقد جعل الإسلام الدافع الاجتماعي أساسه العبادة، أساسه التقرُّب إلى الله عزَّ وجلَّ، وأساس الدافع الاجتماعي في الإسلام التقرُّب إلى الله بخدمة خلقه، فكل ما لدى المؤمن من اجتماعيّات وميول اجتماعيّة هدفها التقرُّب إلى الله بخدمة خلقه، إذاً الدافع الاجتماعي عند المؤمن هو الله فقد سما به وصعّده فأصبح دافعاً نبيلاً قال تعالى:

﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً (9) ﴾
( سورة الإنسان )
أصبح دافعه دافعاً سامياً هدفه أن تأخذ بيده إلى الله، فتلتقي مع أخيك وتقوم بدعوته وتأخذه لنزهة وتخدمه وتعاونه، من أجل هدفٍ واحد وهو أن تأخذ بيده إلى الله، فأين الثرى من الثريا، أين الدافع الاجتماعي عند الكافر وأين الدافع الاجتماعي عند المؤمن ؟
شيءٌ آخر النشاط الاجتماعي عند المؤمن وفق قنوات نظيفة، فلا يوجد اختلاط، ولا تبادل أو تجاوز للحدود، فالنشاط الاجتماعي أساسه القنوات النظيفة التي شرعها الله عزَّ وجلَّ، لا يوجد كذب، أو مجلس يسفك فيه دمٌ، أو يُنتهك فيه عِرضٌ، أو يُغتصبُ مالٌ فهذه المجالس محرَّم أن تجلس فيها، فقد جعل لك كلّ النشاط الاجتماعي نظيفاً وضمن قنوات نظيفة.
شيء آخر حينما يفسد المجتمع وتنحلُّ فيه القيم وتداس فيه المبادئ عندئذٍ يأمرك الإسلام أن تعتزل هذا المجتمع، قال عليه الصلاة والسلام فيما روي عنه:
(( الوحدة خيرٌ من جليس السوء.))
[الحاكم والبيهقي عن أبي ذر]
إذاً قضيّة الآداب قضيّة مهمة جداً، أي أنّ الآداب هي المظهر الصارخ للمؤمن، فالمؤمن أديب في حركاته، وسكناته، وجلوسه، وطعامه، وشرابه، وسائر تصرُّفاته.
آداب العُطاس:
الآن ندخل في آداب العُطاس:
(( إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. فَلْيَقُلْ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]

في رواية أخرى:
(( فليقُل هو يغفر الله لنا ولكم ))

[أبو داود والترمذيّ عن سالم بن عبيد الله الأشجعي]

كلمات: " الحمد لله "، "يهديكم الله ويصلح بالكم "، "غفر الله لنا ولكم "، كلمات طيّبة جداً تبعث الأُنس والمودّة.
العاطس يقول: الحمد لله، أو الحمد لله ربِّ العالمين، أو الحمد لله على كلِّ حال أي أنّ العاطس عليه أن يحمد، ويقول صاحبه: يرحمك الله، فيجيب العاطس: يهديكم الله ويصلح بالكم، أو يغفر الله لنا ولكم.
هنا سنذكر نقطة هامة جداً، قيل: لا يشمّت العاطس إذا لم يحمد الله، أي يوجد شيء اسمه تأديب، فيوجد أدب وهناك تأديب، فالإسلام يوجد فيه تصرُّفات واقية.
(( إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتُوهُ فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ فَلا تُشَمِّتُوهُ ))
[مسلم عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّه عَنْه]
(( عَطَسَ رَجُلانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا وَلَمْ يُشَمِّتِ الأخَرَ فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ شَمَّتَّ هَذَا وَلَمْ تُشَمِّتْنِي. قَالَ: إِنَّ هَذَا حَمِدَ اللَّهَ وَلَمْ تَحْمَدِ اللَّهَ ))
[البخاري عَنْ أنسَ رَضِي اللَّه عَنْه]
الأب أحياناً يعمل مكافأة لمن أدّى صلاة الفجر، أو لمن قرأ القرآن، أو يعمل مكافآت لمن حضر معه مجلس العلم، فيقدِّم له هديّة صغيرة فإذا اعترض الآخر قال له: لقد حضر معي الدرس أو حفظ جزءاً من القرآن، فالعطاء ينبغي أن يكون مرتبطاً بالإنجازات، على حين الأب الجاهل يعطي ويمنع بلا سبب، أي العطاء مِزاجي والمنع مِزاجي، فلا يوجد قيم للعطاء والمنع، أو يعطي لسبب يكتمه فلم نستفد من هذا العطاء، ولكن ينبغي أن يربط العطاء والإكرام والهديّة بسبب ديني.
كن إيجابياً فهذا أفضل أسلوب في التعامل:
سمعت عن سلفنا الصالح كانوا إذا حفظ الطالب القرآن أقاموا له احتفالاً ضخماً وقدّموا له الهدايا، فيقدم له أثمن الأشياء، والآن يوجد شيء من هذا القبيل.
فالابن يأتي بالمرغِّبات والمكافآت والتشجيع، ودائماً أيُّها الأخوة أسلوب التشجيع أعظم بكثير من أسلوب التقريع، فمثلاً الأب مع ابنه، يمكن للابن أن يغلط آلاف الأغلاط ولكن إذا رأى الأب من ابنه موقفاً جيّداً فقال له: والله لقد سررت منك يا بني وقد كبرت في عيني كثيراً، فخذ الموقف الجيِّد وقم بالثناء عليه تجد الطفل تشجّع وبادر إلى عمل موقف جيّد ثانٍ وثالثٍ، فأسلوب الترغيب أفضل بكثير من أسلوب الترهيب، أسلوب الثناء والمديح أفضل من أسلوب التقريع، أسلوب الهديّة والمكافأة أفضل من أسلوب العقاب والتأنيب، فدائماً كن إيجابياً.
ذكرت في إحدى المرّات أتمنّى أن أُعيده عليكم، فالدعوة إلى الله أرقى أسلوب لها هذا الأسلوب، لو فرضنا لدينا عشرة محلاّت تجاريّة، وهذه المحلاّت فيها بضائع ممنوعة، وبضائع مغشوشة، وأسعار غير معقولة، وأنت وزير للتموين فأرسلت الموظفين لكتابة الضبط ولقمع هذه المخالفات، فقاموا بإغلاق المحلاّت وبختمها بالشمع الأحمر وأرسلوا أصحابها إلى السجون، هذا الأسلوب اسمه أسلوب القمع.
هناك أسلوب آخر راقٍ جداً اسمه التدخُّل الإيجابي في السوق، قم بفتح محلٍ بجوار المحلاّت العشرة المخالفة وقم ببيع أحسن البضاعة ومن أجود الأنواع وبأرخص الأسعار، وبأطيب المعاملة، فستجد كلّ الزبائن جاؤوا إلى هذا المحل للشراء منه، وباقي المحلاَّت إذا لم يقلِّدوك سيخسرون ويفلّسون، هذا الأسلوب اسمه أسلوب التدخُّل الإيجابي فطبقّوه على الدعوة إلى الله.
لا تنتقد أحداً، ولا تطعن بأحد، دع الناس وقدِّم أنت الإسلام بشكل إيجابي فقط، كن مثالياً وطبِّق الدين تطبيقاً حقيقياً، وادعُ إلى الله بشكل إيجابي، من دون مهاترات، ومن دون طعن، ومن دون تقريع، ومن دون تحجيم، ومن دون غمز أو لمز، ومن دون عدوانيّة فكل هذه الأساليب في الدّعوة لا تُجدي، قدِّم الإسلام بالشكل الإيجابي وفي أبهى صورة، قدِّم أجمل ما في الدين، وانتقِ أجمل حديث واشرحه، اشرح آية وكن مثالياً وبذلك ينتهي الأمر.
توجد أساليب كثيرة أساسها العطاء لا النقد، فكذلك الأب أو المربّي يفلح كثيراً مع أولاده لو آثر الترغيب على الترهيب، والمكافأة على العقوبة، والثناء على التقريع، فليكن المربّي إيجابياً، حتى الرجل مع زوجته، أليست لها ميزة واحدة ؟!!

التعامل مع الآخرين يحتاج إلى صفة الموضوعيّة:
أحد ملوك الأندلس وهو ابن عبّاد له قصّة بالغة الشهرة، فقد أحبّ جارية وتزوّجها وأصبحت ملكة، وبعدما صارت حروب الطوائف وجاء ابن تاشفين من شمال إفريقيا، وردَّ الأعداء، ووحّد الدويلات الأندلُسيّة، وضع ابن عبّاد في السجن وكان ملكاً فافتقر، وكانت زوجته التي كانت جارية من قبل أن يتزوّجها وتصبح ملكة قد حنّت لحياتها الفقيرة، فطلبت منه طيناً لتمشي عليه وتخوض فيه، فعجن لها المسك والكافور وقت أن كان في عزّه وقال لها: دوسي في هذا الطين، هذا هو الطين، ولما افتقر أعرضت عنه وأهملت شأنه، فتألّم، وفي ذات مرّة قالت له: لم أر منك خيراً قط، فقال لها: ولا يوم الطين ؟!!
vأحياناً تقول الزوجة لزوجها: لم أر منك يوماً طيباً أو أبيضَ، فيقول لها: ولا يوم ؟!! هذا كلام فيه مبالغة، يجب أن يكون الإنسان واقعياً، فأساساً التعامل مع الآخرين يحتاج إلى صفة الموضوعيّة، فلا تُلغِ ميزات الآخرين فتكون غير واقعي وتكون ملحفاً وظالماً، العوام وحدهم ليست عندهم حالة وسط، ليس عندهم سوى لونين الأبيض والأسود، فإذا أحبّوا بالغوا، وإذا كرهوا عادوا، أما المؤمن فوسطيّ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:

(( أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما.))
[الترمذي وابن جرير والبيهقي عن أبي هريرة]
يطلق الناس على ذلك: شعرة معاوية "، فقد كان شديد الذكاء، فقد وردته رسالة من عبد الله بن الزبير يقول له فيها: أما بعد فيا معاوية إنّ رجالك قد دخلوا أرضي فانههم عن ذلك وإلا كان لي ولك شأنٌ والسلام. ـ من يخاطب ؟ يخاطب أمير المؤمنين دون ألقاب وهو أحد أفراد الرعية ـ وكان ابنه يزيد بجواره فقال له: اقرأ. فلما قرأ غضب. فقال له سيّدنا معاوية: ما ترى يا يزيد ؟ فقال: أرى أن ترسل له جيشاً أوّله عنده وآخره عندك يأتونك برأسه. فقال له: غيرُ ذلك أفضل يا بني، فكتب: أما بعد، لقد وقفت على كتاب ولد حواريِّ رسول الله، ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كُلُّها هيِّنة جنب رضاه، لقد نزلت له عن الأرض وما فيها. فأتى الجواب: أما بعد، فيا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك، ولا أعدمك الرأي الذي أحلَّك من قومك هذا المحل. فقال لابنه يزيد: يا بني، من عفا ساد، ومن حَلُم عظُم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب.
على الإنسان أن يكون منصفاً:
أنت أحبب حبيبك هوناً ما، فمثلاً تجد أحد الأشخاص يأتي لخطبة فتاة فأسمع عنه مديحاً من أسرة الفتاة عن صفاته وكأنّه ولي وعارف بالله، وشديد الفهم، وورع، وبهذا المديح أصبح قطباً للأقطاب، وبعد ذلك يترك ابنتهم فيقولوا عنه إنّه لا يصلّي، وماله من حرام، وأهله ليسوا على ما يرام، وهو مصروع ويصاب بالإغماء، أصبحت كل العيوب فيه مرّة واحدة، فلا تجد حلاً وسطاً بالمرّة، فهل إذا أحببت انكببت عليه بكلياتك، وإذا أبغضت عاديته عداءً شديداً نعوذ بالله من ذلك، لذلك:
(( أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وأبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما.))
[الترمذي وابن جرير والبيهقي عن أبي هريرة]
كن موضوعياً، أيها الأخوة الكرام يقع بين اللونين الأبيض والأسود أكثر من مئة لون رمادي، فالنبي الكريم رأى صهره زوج ابنته أسيراً في صفوف المشركين، جاء ليحاربه، فكان يجب أن يقتله، فما تعني كلمة محارب ؟ أي جاء ليقتل، فماذا قال النبي عن صهره ؟
(( سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرَ صِهْراً لَهُ قَالَ: وَعَدَنِي فَوَفَى لِي ))
[البخاري عَنْ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
أي كان صهراً ممتازاً، وهو مشرك وجاء ليحارب، ووقع أسيراً، فيمكن كلمة: ما ذممناه صهراً أمالت له قلبه، ويمكن أن تكون هذه الكلمة سبب إسلامه، وقد أسلم بعد ذلك فهل الإنصاف قليل ؟ هذا مشرك جالس مـع الأسرى وجاء ليقتل ولم ينسَ النبي فضائله أنّه كان صهراً ممتازاً، وكان زوجاً رائعاً.
كن منصفاً، قد تجد موظفاً تحت إمرة رئيس دائرة من الدوائر وتأخر قليلاً فينهره قائلاً: اليوم تأخرت عن العمل. أليس لهذا الموظّف ميزة، فقط يتكلّم عن نواقصه، فهذا المدير العام الذي يتتبع نواقص الموظفين ويتغافل عن ميّزاتهم من أسوأ المديرين.
جَاءَ أَبَا بَكْرَةَ وَرَسُولُ اللَّهِ رَاكِعٌ، فَرَكَــعَ دُونَ الصَّفِّ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْــهِ وَسَلَّمَ صَلاتَهُ قَالَ:
(( أَيُّكُمِ الَّذِي رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى إِلَـى الصَّفِّ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: أَنَا. فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: زَادَكَ اللَّهُ حِرْصاً وَلا تَعُدْ ))
[أبو داود عَنِ الْحَسَنِ رَضِي اللَّه عَنْه]
هذا هو الأدب النبوي، فلماذا ركض ؟ لحرصه على الصلاة خلف رسول الله ولحرصه على العبادة، إذاً يثنى عليه.
إدارة الناس فن:
إذا كنت ربَّ أسرة، أو مدير مدرسة، أو مديراً لدائرة، أو مديراً لمشفى، أو معمل، وترأس عدداً من الموظّفين، فإيّاك أن تتغافل عن ميّزاتهم، فإذا أردت أن تحاسب إنساناً أو تلفت نظره لشيء أو توجّهه فقد يأتي كلّ يوم متأخّراً. فقل له: أنا معجب بأمانتك وإخلاصك ولكن هناك تأخر منك، أصبح هناك توازُن فقد عرِفت ميّزاته وحاولت أن تصلح له عيوبه، كذلك الأب مع أولاده، يكون الابن له عدّة مميزات وله عدّة نقائص، فيظلّ الأب دائماً مركّزاً على النقائص، بعد ذلك تجد الابن ضجراً ويقول: أليست لي ولو ميزة واحدة ؟!! فدائماً ذكِّر أولادك بميّزاتهم وقل لابنك: أنا معجب يا بني باستقامتك، أو معجب باجتهادك، أو أنا مسرور لطاعتك لوالدتك، فدائماً ذكِّر ابنك بميزاته حتى يميل لك، فلا تحاول انتقاده إلا بعد أن تذكِّره بميزاته فهذه من أروع وسائل التربية، وستجد هذا الابن قد لان، ويقول في نفسه: معنى ذلك أن أبي يعرف مميّزاتي، ولم يضع تعبي معه، فيعرف محبّتي وإخلاصي ولكن هناك تقصير، فهذه يا بني يجب أن لا تفعلها.
هكذا المعلِّم، والطبيب مع من حوله، إذا كان مديراً لمشفى، أو كان مسؤولاً عمن حوله، فقد قال النبيّ الكريم:

((زَادَكَ اللَّهُ حِرْصاً وَلا تَعُدْ ))
[أبو داود عَنِ الْحَسَنِ رَضِي اللَّه عَنْه]
ذكرت لكم عن كتاب أُلِّف في أمريكا عنوانه " كيف تؤثِّر في الآخرين وتكسب الأصدقاء "، للمؤلِّف دايل كارينجي، وطبع منه خمسة ملايين نسخة، وهو من أوسع الكتب انتشاراً، فقام عالم كبير من الأزهر من مصر وأخذ كل القواعد المذكورة في الكتاب وقام بتخريجها على آيات وأحاديث، أي أنّ كلّ هذه القواعد الذي استنبطها المؤلِّف بذكائه وتجربته هي أصول إسلاميّة.
أذكر هذا المثل لكم وهو مذكور في الكتاب أنَّه لا يحقُّ للمدير العام أن ينتقد موظّفاً قبل أن يثني على فضائله، فجاء العالم الأزهري بالحديث الشريف:
((.. زَادَكَ اللَّهُ حِرْصاً وَلا تَعُدْ ))
[أبو داود عَنِ الْحَسَنِ رَضِي اللَّه عَنْه]
الحقيقة أيها الأخوة الكرام إنّ إدارة الناس فن، فقد تكون مديراً لمعمل وناجحاً في إدارتك ولكنّك غير ناجح في أسرتك، فالنجاح في الأسرة شيء هام جداً، فإدارة الأسرة فن، وإدارة مؤسسة فن، وإدارة الدوائر الحكوميّة فن، وأن تكون مديراً عاماً محبوباً ومرغوباً في الوقت نفسه لا بدَّ لها من الجهد والخبرات، ومن الأساليب التربوية.
لن يسعد الإنسان إلا إذا رأى ابنه كما يريد:
تحدثنا عن تربية الأولاد، وقلنا إنه يجب أن تعرف ميزات ابنك وأن تنمّيها له وبعد ذلك قم بمحاسبته، بعض الآباء يقولون: هذا شيء طبيعي أن يكون الابن أميناً، لا ليس طبيعياً أن يكون أميناً، فابنك أمين لم يأخذ قرشاً واحداً من دون إذنك فأثنِ على أمانته وأشعره بأنّك تعرف أنّه أمين، وامنحه الثقة بنفسه، فدائماً العظماء يمنحون الثقة للناس.
لكن من لديهم قيادة مركزيّة، ليس لديهم ثقة بأحد فلا ينجحون في إدارتهم، فكل شيء بداخله، فإذا قلت لابنك: أوصل هذا المبلغ لفلان من الناس وقد يكون مبلغاً كبيراً، وأنت قد غامرت بذلك لكن عندما يوصله يشعر بنشوة لوثوقك به، وأنّك واثق من أمانته وحرصه وحكمته، فأرجو أن يلهمنا الله سبحانه وتعالى الصواب.
إذا نجحنا في تربية أولادنا فهذا شيء عظيم جداً، فقد كنت منذ يومين مع بعض الأخوة وتكلّمت بكلمة دقيقة فقلت: لو وصل الإنسان إلى أعلى درجات النجاح المادي وكان ابنه شقياً فهو لن يسعد أبداً وسيشقى بشقائه.
سمعت عن شاب في مصر عمره دون الأربعين عاماً يملك مبلغاً من المال يحتفظ به في المصرف ويبلغ أربعة آلاف مليون دولار، وهو أغنى رجل في مصر، ولكن حتى لو وصل إنسان إلى هذا المستوى من الثروة، أو في المرتبة الثانية حصل على أعلى شهادة في العالم كالبورد في الطب بأمريكا، والأكريجيه بفرنسا، أف. آر. إس، بانكلترا وهي أعلى الشهادات، أو في المرتبة الثالثة حققت كلّ أهدافك الماديّة وكان ابنك شقياً فو الله تشقى أنت بشقائه، فلا تسعد ولن تسعد إلا إذا رأيت ابنك كما تريد، فانظر ما أعظم القرآن الكريم عندما ذكر دعاء المؤمنين:

﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (74) ﴾
( سورة الفرقان )
أي إذا كان ابنك منضبطاً بالشرع، يصلّي، ولا يكذب مثلاً، وكان باراً بك فهذا شيء جميل جداً، فتنام قرير العين، وتعرف كلّ رفاقه، فليس له رفيق سيئ الخلق، أو معصية ارتكبها، فهذا من نعم الله العظمى.
الأولاد أمانة في أعناق آبائهم:
أيُها الأخوة الكرام اجتهدوا في تربية أولادكم فالمكسب معكم كمن يضع ماله في خزانة، فلا تقل لم يتبقَ لي شيء، ففي أية لحظة تجد مالك محفوظاً، أو من عنده خزانة من الحديد ووضع فيها رزماً من المال، ويقول لك لا يوجد معنا شيء من المال فقد افتقرنا، لا لم تفتقر فخزانتك مليئة ومعك مفتاحها، وهذا كلّه ملكك، وكل إنسان يربّي ابنه فهذه التربية استثمار له، أحياناً أقوم بزيارة أحد أخواننا في محله التجاري فأجد ابنه ملء السمع والبصر، وهذا الأخ يذهب للمحل في الساعة الثانية عشرة ويعود للبيت الساعة الثانية ظهراً، وابنه في المحل من الساعة الثامنة صباحاً حتى آخر الدوام.
أعرف أخاً عنده محل للأقمشة، وفقه الله بابن أمين إلى أقصى درجة ومنضبط ويدرس الحقوق في الجامعة وله ميول أدبيّة وقائم بأعمال المحل، بنهاية الأمر لن تجد مثل ابنك ليحل محلّك وهذا الكلام لكل أصحاب المصالح، فمن يملك محلاً تجارياً عليه بتربية ابنه وتعليمه وأن يأتي به للعمل عنده، فالعلم لا يطعم خبزاً الآن ولكنّه ضروري.
كان عندي طالب حصل على مئتين وأربعين علامة في البكالوريا فسألته: هل دخلت كليّة الطب ؟ فقال لي: لا بل زراعة، فسألته: لماذا ؟ فقال لي: لا أريد الطب فأبي يملك أراضي زراعيّة فمن يقوم بها غيري، وأنا أولى الناس في رعايتها واستثمارها وزارعتها، لم أجد أعقل منه، فهو حاصل على مجموع كبير يؤهِّله لدخول الطب، والطب طريقه طويل جداً، ولكنّه رأى أن عمله مع والده بالأرض أفضل.
يجب أيها الأخوة الكرام أن تخططوا لأبنائكم، فيعاونك في مشروعاتك وعملك، فالإنسان يجب أن يأخذ ابنه جزءاً كبيراً من اهتماماته، وأن يفكر بتزويجه ولو في بيت صغير، وأن يعينه، لأنّ الأولاد أمانة في رقبة آبائهم.
كلمة أقولها دائماً لو ربى الإنسان أولاده تربية عالية وقام بتزويجهم واطمأنَّ عليهم ووضع رأسه ثمَّ مات فهو بهذا العمل سيدخل الجنّة، أحياناً تجد أماً صالحة ربّت خمس بنات على الحياء والأدب والخلق والصلاة، وزوّجتهم من أصهار ممتازين، واعتنت بهم، وكلّما ولدت بنت منهنّ مكثت عندها أسبوعاً لخدمتها ومعاونتها وتوجيهها، وبعد ذلك توفاها الله فهذه تذهب للجنة فقد قامت بمهمتها أعلى قيام، حتى لو لم يكن للإنسان أي عمل صالح فأسرته عمل صالح، إذا رعى أولاده وربّاهم تربيةً صحيحة وأنشأهم تربيةً إسلاميّة وزوّج أولاده ذكوراً وإناثاً فقد أدّى رسالته، وكأنّ الجنّة أصبحت مفتّحةً له، فهذا ليس كلامي أيّها الأخوة بل كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال:

(( من جاءته بنتان فأحسن تربيتهما حتى يزوجهما أو يموت عنهما فأنا كفيله في الجنّة. فقال له أحدهم: ومن كان عنده بنت واحدة ؟ فقال له: وبنتاً.))
[ورد في الأثر]
بعض آداب العطاس والتثاؤب:
من السنّة عند العطاس وضع منديل على الفم والتخفيض من الصوت ما أمكن:
(( أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدِهِ أَوْ بِثَوْبِهِ وَغَضَّ بِهَا صَوْتَه ُ))
[الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
الثوب لخروج رذاذٍ من الفم، أو إذا كان بالفم أكل يشمئز الناس من ذلك، أو كان هناك إبريق من الماء أو صحن من الطعام، أو صحن فواكه، فيضع الإنسان يده والأولى أن يضع ثوبه أو منديلاً على فمه أثناء العطاس هكذا علمنا النبيّ صلى الله عليه وسلم.
(( التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ هَا ضَحِكَ الشَّيْطَانُ ُ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
التثاؤب مع صوت شيء لا يحتمل إطلاقاً، أحياناً يكون في الصلاة ويفتح فمه ويتثاءب بصوت عالٍ لا يحتمل إطلاقاً وهو أمر قبيح للغاية وكما قال تعالى في كتابه العزيز:
﴿ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) ﴾
( سورة لقمان )
التثاؤب يجب أن يكون من دون صوت، صورة من غير صوت ويداً من فوقها، أما أن تحدث صوتاً عالياً فهذه مشكلة في التثاؤب، وكذلك مشكلة من عنده زكام ويعطس كثيراً.
(( أَنَّ رَجُلا عَطَسَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ. ثُمَّ عَطَسَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الرَّجُلُ مَزْكُومٌ ُ))
[أبي داود عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّه عَنْه]
أحياناً يحرج الأخ، فإذا عطس مرة يقولون له: يرحمك الله، ويعطس ثانيةً وثالثة ويقولون له: يرحمك الله، فليتمهلوا قليلاً عليه فهو مزكوم ومتضايق منها كثيراً.
مثل من يشرب كأساً من الماء ويكون معه أشخاص كثيرون والكل يقولون له: هنيئاً، هنيئاً، هنيئاً، فأراد أن يشرب مرّة أخرى فخرج بعيداً عنهم ورجع فقالوا له: شفيتم، شفيتم، شفيتم.
المرأةُ الشّابة الأجنبيّة لا تُشمّت:
هذه البروتوكولات إذا زادت عن الحد أصبحت مشكلة، فإذا لاحظت أنّ أخاك مزكوم فقل له مرّة واحدة وانتهى الأمر، أما أن تشمِّته في كلَّ مرّة فهذا غير معقول.
(( يُشَمَّتُ الْعَاطِسُ ثَلاثاً فَمَا زَادَ فَهُوَ مَزْكُومٌ ُ))
[ابن ماجة عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّه عَنه]
لو كان أخوك مصاباً بالزكام وعطس ففي المرة الثالثة قل له: يرحمك الله، ثم اسكت، أو إذا كان بينهم فاصل زمنيّ فليُشمَّت مرَّةً واحدة فقط.
(( كَانَ الْيَهُودُ يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ: يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَيَقُولُ: يَهْدِيكُمُ اللَّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ ))
[الترمذي عَنْ أَبِي مُوسَى رَضِي اللَّه عَنْه]
كان صلّى الله عليه وسلّم فطناً فهذه ليست بعطسة ولكنها تعاطس من أجل أن يقول لهم يرحمكم الله وهو نبيُّ هذه الأمّة، فيقول لهم: يهديكم الله.
أخواننا الكرام المرأةُ الشّابة الأجنبيّة لا تُشمّت، فإذا كنت في دائرة حكوميّة وعطست امرأة فلا تقل لها يرحمك الله فهذا غير وارد على الإطلاق، فهذا جهل بالفقه، فقد قال ابن الجوزي: روي عن أحمد بن حنبل رضي الله عنه أنّه كان عنده رجل من العُبّاد، فعطست امرأة، فقال لها العابد: يرحمك الله، فقال الإمام أحمد: عابدٌ جاهل، يقصد بأنّه جاهل بكراهية تشميت المرأة الأجنبيّة كراهة تحريميّة، فامرأة شابّة وعطست فليس لك أيّة علاقة بها على الإطلاق هذا عن العُطاس.
الله تعالى يحب العطاس لأنه ينشط الإنسان ويكره التثاؤب لأنه دليل تعب وملل:
أما التثاؤب:
(( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْـرَهُ التَّثـَاؤُبَ، فَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمِّتَهُ، وَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فَإِذَا قَالَ هَا ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
التثاؤب دليل تعب ودليل ملل، أما العطاس فينشِّط الإنسان، فيصحو من نعاسه وتعبه، أنت تقول له: يرحمك الله، أما العوام فيقولون: صحّة، فما هذه الكلمة ؟ ليس لها أيّ معنى، فالأم الجاهلة تقولها لولدها، ولكن لو قالت له: يرحمك الله، فهذا شيء جميل جداً أن نتكلّم بكلمات المسلمين.
أحدهم عمل أُحجية فقال: عندما كان النبي الكريم يتثاءب هل كان يضع يده اليمنى أم اليسرى ؟ فأجابه الآخر: لم يمر علي ذلك، أي اليدين يضع ؟ فقال له: النبيّ لم يتثاءب قط، اللهمّ صلِّ عليه، ما تثاءب النبيّ قط، وقد قال العلماء: إذا غلب على الإنسان التثاؤب فليذكر أنّ النبي ما تثاءب، وإذا ذكر ذلك يذهب عنه التثاؤب، كما قال العلماء: لو تثاءبت في الصلاة ضع يدك على فمك أثناء الصلاة.
(( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، وَلا يَقُلْ: هَاهْ هاهْ فَإِنَّمَا ذَلِكُمْ مِنَ الشَّيْطَانِ يَضْحَكُ مِنْهُ ))
[أبي داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه]
الفائدة التي قلتها قبل قليل: مما يروى عن السلف أنّه من ملكه التثاؤب وتخيّل بذاكرته أنّه عليه الصلاة والسلام لم يتثاءب قط يذهب عنه التثاؤب بإذن الله، وهذا هو علاج التثاؤب.
بعض أحاديث من السُّنة النبوية عن آفات اللسان:
بإنهاء موضوع العُطاس والتثاؤب تنتهي الآداب التي ينبغي أن تُلقِنها أبنائك وطلاَّبك ـ إن كنت معلِّماً ـ وهي أساسيّةً جداً في تربية الأولاد، وننهي هذا الدرس بحديثٍ سريعٍ عن آفات اللسان كما وردت في كتاب "منهج القاصدين " وهو ملخَّص " إحياء علوم الدين "، فقد شعرت أنّ هذا الموضوع لا يكفي لدرس فقمت بترميمه بموضوع آخر واخترته لكم من هذا الكتاب.
الإمام الغزالي يقول:" آفاتُ اللسان كثيرة متنوِّعة ولها في القلب حلاوة، ولها بواعث من الطبع، ولا نجاة من خطرها إلا بالصمت ".
الآفات لها حلاوة، وأقول لكم دائماً إنّ التكليف مخالف للطبع، فمن الأشياء الممتعة أن تتحدَّثوا عن أشخاص وعن أعمالهم ومشاكلهم وفضائحهم، ولماذا طلّق زوجته ولماذا لم يطلِّقها وكيف ضبطها ؟ فالإنسان لديه رغبة في أن يستمع إلى القصص، فعندما يجلس الإنسان في المجلس ويكون فيه غيبة أو نميمة فهي ممتعة جداً، ولا نجاة من خطرها إلا بالصمت.
لنذكر أولاً فضيلة الصمت، تجد المؤمن صامتاً ليس صمتاً ينمَّ عن البلاهة، تجد شخصاً صامتاً لأنّه لم يفهم شيئاً من الحديث، ولكن صمت المؤمن صمت انضباط، وسكوت عبادة، فإذا كان هناك موضوع فيه غيبة فلا يتكلَّم بكلمة واحدة وهذا الصمت يربك المجلس، فألاحظ عندما يتكلَّم شخص على أحد الأشخاص ولم تتجاوب معه ولم تقل له أكمل الكلام أو معقول فعل ذلك فلان ؟ ولكن إذا بقيت صامتاً، فهذا السكوت من دون أي تعبير إطلاقاً يحرجه، ومعنى ذلك أنّه قد عرف ذنبه فيقوم بتغيير الحديث أو يسكت، فالصمت في مثل تلك الموضوعات فضيلة والحديث النبوي الشريف:

((من يضمن لي ما بين لحييه ـ أي لسانه ـ وما بين رجليه أضمن له الجنّة.))
[البخاري عن سهل بن سعد]
معنى ذلك أنّ الإنسان يؤتى من آفات اللسان، ومن آفات الفرج، الحديث الآخر أرويه لكم كثيراً:
(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه ))
[أحمد والبيهقي عن أنس بن مالك]
هذا حديث أساسي، وعندما سأل سيِّدنا معاذ سؤالاً غريباً:
(( كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ.... ثُمَّ قَالَ النبي: أَلا أُخْبِرُكَ بِمَلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ ؟ قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ وقَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا. فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ. فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِم إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ ))
[الترمذي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِي اللَّه عَنْه]
اللسان وحده يكفي لدخول النار، والحديث الآخر:
(( من كفَّ لسانه ستر الله عورته ))
[ابن أبى الدنيا عن ابن عمر]
(( ما على ظهر الأرض من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان ))
[رواه الطبراني عَنْ عبد الله بن مسعود رَضِي اللَّه عَنْه]
أبو الدرداء يقول:" أنصت أُذُنيك من فيك، فإنّما جُعُلت لك أُذنان وفمٌ واحد، لتستمع أكثر مما تتكلّم ".
عوّد النفس أن تأخذ ولا تعطي، فالأذكياء يستمعون ولا يتكلّمون، ومن كثُر كلامه كثُر خطؤه.
من آفات اللسان:
1ـ الكلام فيما لا يعنيك:
أول آفة أيّها الأخوة الكلام فيما لا يعنيك.
(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه.))
[الترمذي عن أبي هريرة]
2ـ الخوض في الباطل:
الآفة الثانية الخوض في الباطل، فإذا كان الحديث عن المعاصي، والمقاصف، والحفلات، والأفلام، والسهرات، والأعراس، وعن الموبقات، فإذا تكلَّمت عن هؤلاء فهذه آفة كبيرة للسان، وسأذكر لكم الآفات باختصار شديد ففي الأصل حول كل آفة عدد كبير من الصفحات.
الآفة الأولى: أن تخوض فيما لا يعنيك، والآفة الثانية: أن تخوض في الباطل.
(( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللـَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنه]
أي كلمة واحدة.
3ـ التقَعُّر في الكلام والتشدُّق وتكلُّف السجع:
الآفة الثالثة: التقَعُّر في الكلام والتشدُّق وتكلُّف السجع، وقد تكلمنا سابقاً عن التقعُّر، فليس من الآداب النبويّة التكلُّف والتقعُّر والفيهقة.
4ـ الفحش والسبُّ والبذاءة:
الآفة الرابعة: الفحش والسبُّ والبذاءة.
(( إيّاكم والفُحش فإنَّ الله لا يُحبُّ الفُحش ولا التفحش ))
[ الطيالسي وأحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.]
لا يمكن أن يكون مؤمن فاحشاً، يقول لك: عشت معه ثلاثين سنة ولم أسمع كلمة تجرح الشعور أو تُخجل أبداً، فممكن أن تعبِّر عن كل المعاني المشكلة بعبارات لطيفة ومهذّبة فالله تعالى أعاننا على البيان، فالقرآن يعلّمك، فهل ذكر القرآن وتكلَّم عن اللواط ؟ نعم فقد قال تعالى:
﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) ﴾
( سورة المعارج )
هذا هو الدليل أو كما قال:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً (43) ﴾
( سورة النساء)
كلام لا يجرح ولا يحرج، في بعض كتب الفقه تجد فيها الكثير من الألفاظ المحرجة، وعندما تُدرَّس لطلاَّب صغار أو لبنات يحدث إحراج كبير، فيها المسميات بأسمائها، ولكن القرآن الكريم والنبي كنّى والكناية من علامات الذوق الرفيع وكذلك البلاغة.
(( لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلا اللَّعَّانِ وَلا الْفَاحِشِ وَلا الْبَذِيءِ ))
[الترمذي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ]
5ـ الغناء:
الآفة الخامسة: الغناء، وهي من آفات اللسان، فالغناء والقرآن لا يجتمعان أبداً:
(( الغناء ينبت النفاق ))
[ابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن مسعود]
6ـ المزاح:
الآفة السادسة: المزاح، أما اليسير منه إذا كان صادقاً فلا شيء عليه، وهو بعكس ذلك ضروريّ، فالنبي كان يمزح، كن مرحاً، وكن متفائلاً، ولطيفاً، واجعل الجو جواً ممتعاً، فيوجد جو كهنوت وآخر رحموت، الرحموت مليء بالرحمة والأُنس، والكهنوت فيه قسوة.
7ـ السخرية والاستهزاء:
الآفة السابعة: السخرية والاستهزاء، فالسخرية والاحتقار الاستهانة، والتنبيه على العيوب والنقائص على وجه يضحك، قالت للنبي الكريم: قصيرة، فقال لها:
(( لقد قُلتِ كلمةً لو مزجت في مياه البحر لمزجته.))
[أبو داود عن عائشة رَضِي اللَّه عَنْها]
فإيّاك أن تعير مخلوقاً، لأن من عيّرَ أخاه ابتلاه الله.
8ـ إفشاء السّر والكذب في القول واليمين:
الآفة الثامنة: إفشاء السّر، والكذب في القول واليمين.
9ـ الغيبة:
الآفة التاسعة: الغيبة:
(( أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ يَوْمَ النَّحْرِ فَقَالَ:... فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ))
[البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَ]
الأعراض: يعتقد بعض الناس أنّها النساء، ولكنّها هي موضع المدح والذّم من الإنسان أي سمعتك، فهذا هو عرضك، فكلمة عرض لا تعني امرأة، الإنسان له جانب اجتماعي وجانب معنوي، فإذا اعتديت على سمعته واتهمته بعدم الفهم مثلاً أو بعدم النظافة، أو قلت عنه إنّه حرامي دون أن تتأكّد من ذلك فماذا فعلت بقولك ؟ فقد اعتديت على عرضه، أي على سمعته.
(( صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمِنْبَرَ فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ لا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ ولا تُعَيِّرُوهُمْ وَلا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنـَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ ))
[الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّه عَنه]
هذا الحديث يقصم الظهر، فضحه الله في بيته، فالله ستّار.
الله ستار يحب الستر:
ذكرت لكم قصّة عن رجل تزوّج وبعد مدة قصيرة وجد امرأته حاملاً في خمسة أشهر، ومعنى ذلك أن الحمل ليس من صلبه، وكان خطيب المسجد الذي يصلّي فيه هذا الرجل قد رأى رسول الله في المنام وهو يقول له: قل لجارك فلان أنّه رفيقي في الجنّة، فما هذه البشارة ؟ فطرق باب جاره وكان سمّاناً، فقال له: عندي لك بشارة من رسول الله واستحلفه بالله ماذا فعلت ؟ فقال له: والله لقد تزوّجت امرأة وكانت في الشهر الخامس من حملها، وكان بإمكاني فضحها أو سحقها أو أن أطلقها أو أركلها برجلي إلى الطريق، ولكنني شعرت بأنني يمكنني أن أجعلها تتوب فأحضر لها قابلة في البيت لتوليدها، وحمل الطفل وذهب به إلى جامع الورد وعندما كان الإمام يصلّي وضعه خلف الباب، وبعد ما انتهت الصلاة بكى الولد وتجمّع من حوله الناس وكأنّه ليس له علاقة به فقال: خيراً ماذا هناك ؟ فقالوا له: انظر هذا طفل، فقال لهم: أعطوه لي فسأكفله، وكفله أمام الحي، وسترها وربّاها وحفظها وتركها عنده، فالله ستار، كثير الستر.
سيّدنا عمر سئل ذات مرّة، وقال السائل: لي أخت قد زنت مع شخصٍ وأُقيم عليها الحد وهو الجلد، وتابت توبة نصوح وحسن إسلامها، وقد جاءها الآن خاطب، أأذكر له ما كان منها ؟ فقال له: والله لو ذكرتَ له ما كان منها لقتلتك، لشدة تأثّر سيّدنا عمر.

لا تحمروا الوجوه:
الإنسان إذا تاب وتعرف عنه أنّ له قصّة سيّئة فلا تذكِّره بها أليس عندك أدب ؟ فقد تغيَّر وتبدَّل وتاب وارتقى ونسي ذلك العمل، وما زال يذكِّره بها، فتعلّموا من سيِّدنا يوسف عليه السلام عندما قال:
﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
التربية, الإسلام, الإسلامية, تربيةالأولاد, في


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 11 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 11 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التربية الإسلامية تسهم في تنمية القيم الروحية منال نور الهدى رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 2 11-03-2018 09:55 AM
التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 12 09-22-2018 08:42 PM
التربية الإسلامية - الموت السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 5 09-06-2018 08:30 PM
التربية الاسلامية - مدارج السالكين السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 101 07-21-2018 03:54 PM
التربية الإسلامية -علم القلوب السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 54 07-18-2018 11:42 AM


الساعة الآن 05:17 AM