الفقة الاسلامى 2 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 09-08-2018, 07:04 AM   #1


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي الفقة الاسلامى 2



بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى

الدرس : ( الاول )

الموضوع : شروط الزواج





تحريم الزواج بالمشركة :
أيها الأخوة المؤمنون : وصلنا في الدرس الماضي في موضوع الزواج إلى المحرمات مؤقتاً من النساء . من هذه المحرمات مؤًقتاً المشركة ، اتفق العلماء على أنه لا يحل لمسلم أن يتزوج من الوثنية ولا الزنديقة ، ولا المرتدة عن الإسلام ولا عابدة البقر ، ولا المعتقدة بمذهب الإباحة أي هذا اللانمطي ، اللاديني ، الذي لا يؤمن بشيء ، ويفعل كل شيء ، هذه الإباحية ، من تعتقد بمذهب الإباحية لا يحل لمسلم الزواج منها .
فالوثنية من تؤمن بالوثن ، من تعبد صنماً ، والزنديقة التي تنكر الأديان السماوية، والمرتدة التي أسلمت ثم كفرت ، وعابدة البقر والمعتقدة لمذهب الإباحة كالوجودية ، ونحوها من مذاهب الملاحدة ، هؤلاء النساء كلهن لا يحل لمسلم الزواج منهن . ربنا سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾
[سورة البقرة : 221]

أي الزوج أم الزوجة إن كانا مؤمنين بالله فهما يدعوان إلى الله والدار الآخرة وإلى الجنة ، وإن كانا على خلاف ذلك ، إن كانت امرأة دعت زوجها إلى جهنم ، وإن كان رجل دعا زوجته إلى جهنم .
الحقيقة هناك سبب أو علة بليغة لتحريم الزواج بالمشركة ، هذا الإنسان الذي لا دين له . . ماذا يفعل الدين ؟ الدين فيه مجموعة أوامر ومجموعة نواه ، فيه نظام ، فيه ما يجوز وفيه ما لا يجوز ، فيه ما هو مباح وفيه ما هو غير مباح ، فاللاديني لا يحرم شيئاً ويبيح لنفسه كل شيء ، أي اللاديني قد يقارب امرأته في أثناء الحيض ، مع أن الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾
[سورة البقرة : 222]
خطر في بالي مرةً أن بحثاً عليماً قيماً يمكن أن يُبحث فيه وهو تقصي علل الأوامر والنواهي في القرآن الكريم . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة البقرة : 183]
هذه العلة ، السبب ، الهدف . . ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾
[سورة البقرة : 222]
فالزوج المشرك أو المرأة المشركة لا ترحم حلالاً ، ولا تفعل شيئاً مما يأمر الله به . هذه العلة ، فالإنسان الذي لا دين له ، لا كتاب سماوي لديه ، لا يخاف من الله ، لذلك جاء في الحديث القدسي : " ياموسى خف ثلاثاً ؛ خفني ، وخف نفسك ، وخـــف من لا يخافني " .
هذا الذي لا يخاف الله يخيف ، ليس عنده رادع ، ليس عنده شيء لا يجوز ، ليس عنده شيء حرام ، ليس عنده شيء مخالف للإنسانية ، للرحمة ، للقيم . دابة فلتانة . ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
[سورة الكهف : 28]
علة الزواج بكتابية :
أما الكتابية فشيء آخر ، الكتابية تؤمن بالله ، تؤمن بكتاب مقدس نزل على سيدنا عيسى ، تؤمن بشيء لا يجوز وشيء يجوز ، فالكتابية شيء ، والمشركة شيء آخر ، ولا يُجمع بينهما لأن الله سبحانه وتعالى سمح للمؤمنين بالزواج من الكتابية لعلة سوف نراها .
يحل للمسلم أن يتزوج الحرة من نساء أهل الكتاب .
الحقيقة يوجد آيتان ، آية تبيح وآية لا تبيح ، وبعضهم جمع بينهما ، لأن هناك حالات تبيح ، وهناك حالات لا تبيح ، أي إذا كان دين الكتابية أقوى من دين المسلمين ، فالأولاد يأتون لأقوى الأبوين ، فإذا كان الدين المسيحي أقوى من الإسلام في العالم ، وله مركز الصدارة ، فأولاد الزوجة الكتابية يميلون لأقوى الأبوين ، أو لدين أقوى الأبوين ، أو للدين الأقوى، ففي هذا الظرف لا ينبغي للمسلم أن يتزوج بالكتابية لأنه إذا تزوج بالكتابية نشأ الأولاد على حب غير المسلمين .
شيء عانيته بنفسي ، زرت صديقي ، هو متزوج من كتابية رأيته يلح على أولاده لحضور خطبة الجمعة في هذا المسجد إلحاحاً غير طبيعي فلما سألته عن السبب ، قال لي: أولادي على دين أمهم ، يميلون إلى أمهم . حتى طالب كان ديانته الإسلام ، أدى الفحص تربية مسيحية بالشهادة الثانوية بتوجيه أمه ، أي إذا الإنسان تزوج كتابية في هذا الزمان فهناك احتمال كبير أن يكون الأولاد على دين أمهم . أما إذا كان الإسلام هو الأقوى ، وهو الأعز ـ الإسلام عزيز دائماً ، لكن المسلمين هناك مراحل يكونون فيها في مركز الصدارة ، وفي مركز القوة ، و مراحل أخرى ينتابهم الضعف ، فإذا كان الإسلام هو الأقوى ، وهو مركز الصدارة ، ويُدار به دفة العالم لا مانع من أن تأخذ كتابية لأنها سوف تسلم قطعاً ، دينك هو الأقوى .
هناك شيء آخر : الإسلام حكيم إلى أبعد الحدود ، حينما سمح للرجل المسلم أن يتزوج من الكتابية فلأن في الزواج علاقات متينة جداً ، هذه العلاقات المتينة تكون عن طريق الزواج ، فلعل هذه المرأة الكتابية إذا تزوجها المسلم وصار بينه وبين أهل زوجته خبز وملح كما يقولون وزيارات وأخذ وعطاء ، ربما كان هذا المسلم سبباً في هداية هؤلاء جميعاً ، في هداية زوجته وأهل زوجته . أي لابد من هدف أخلاقي سامٍ حينما يقرر الرجل المسلم الزواج من الكتابية لسبب عالٍ ، لسبب وجيه ، أن يأخذ بيدها ، أو أن يكون هذا الزواج سبباً لهداية أهلها ، أو إذا كان دينه هو الأقوى . أما في بعض الحالات فلا ينبغي للمسلم أن يأخذ الكتابية بسبب أن الأولاد قد ينشؤون تنشئة لا ترضي الأب ، وهذا ما يحصل كثيراً ، كثيرون هم الأشخاص الذين تزوجوا كتابية ففي ليلة لا قمر فيها كما يقولون افتقد الزوجة فإذا هي في بلدها وقد أخذت الأولاد معها .
تحريم زواج المسلمة بغير المسلم :

أما زواج المسلمة بغير المسلم فهذا لا يجوز قطعاً ، هناك حكمة بالغة ، لأن للرجل القوامة ، الرجال قوامون على النساء ، مسلمة تخاف من الله ، تحب أن تطيع الله عز وجل ، يأتي زوجها غير المسلم فيأمرها بالفجور ، لا يمكن هذا ، يأمرها أن تختلط مع الرجال، يأمرها بما لا يرضي الله ، قد يعاملها معاملة خلاف الشرع ، لذلك إذا أبيح للمسلم أن يأخذ الكتابية فلأن القيادة بيده ، أما لا يباح للمسلمة أن تتزوج الكتابي إطلاقاً كيفما كان دين هذا الكتابي ضعيفاً كان أو قوياً لأن القيادة بيده ، والولاية له ، والقوامة عائدة للزوج ، فقد يأمرها وكثيراً ما يأمرها بما يغضب الله عز وجل .

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾
[سورة الممتحنة :10]
هذه الآية مدلولها قطعي في تحريم زواج المسلمة بغير المسلم . تعدد الزوجات :
أما الزيادة على الأربع فطبعاً ربنا عز وجل قال :
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا﴾
[سورة النساء : 3]

طبعاً منطوق هذه الآية مثنى وثلاث ورباع ، بعضهم أصلحهم الله فهم هذه الآية فهماً على خلاف اللغة ، مثنى وثلاث أي اثنتان زائد ثلاث صاروا خمس ، ورباع زائد أربع صاروا تسع ، بعضهم فهم مثنى على اثنتين اثنتين أي أربع ، وثلاث ست صاروا عشر ، ورباع ثماني صاروا ثماني عشرة . طبعاً لغة العرب واضحة كالشمس ، العرب ليس من عادتهم ولا في لغتهم أن تعبر عن التسعة بكلمة اثنتين ، ثلاث ، أربع ، ما أحد فعلها إطلاقاً ، هذا الأسلوب ليس وارداً في لغة العرب إطلاقاً ، أما مثنى وثلاث ورباع أيضاً مثنى مثنى ، ثلاث ثلاث ، رباع رباع ، إذا أردت التكرار تكرر .
الشيء الرابع الواو هنا للتخيير ، ولكن لو استخدمنا حرف أو بدل الواو ماذا ينتج عن هذه الآية ؟ لا يحل لمن عنده اثنتان أن يقترن بالثالثة ، مثنى أو ثلاث أو رباع ، لو استخدمنا أو فهذه للتخير ، ولا يجوز الجمع بينهما ، إما اثنتان وإما ثلاث ، أما كان عنده اثنتان فصاروا ثلاث ، لذلك لا ينبغي أن تكون هذه الآية بهذا الشكل ، هي أوضح شيء مثنى وثلاث ورباع ، فقال الإمام الشافعي : بلغ سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع أكثر من أربع نسوة ، وهناك أدلة أخرى . النبي الكريم قال لغيلان بن أمية الثقفي وقد أسلم وتحته عشر نسوة اختر منهن أربعاً وفارق سائرهن ، وفي كتاب أبي داود عن الحارث بن قيس قال : أسلمت وعندي ثماني نسوة ، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال : اختر منهن أربع . إذاً لا يجوز الاقتران بأكثر من أربع نساء في حكم الشرع ، أما في هذه الأيام فالواحد ليس بمقدوره أن يأخذ أكثر من واحدة .
وسوف ننتقل إن شاء الله إلى موضوع العدل بين الزوجات ، وهذا موضوع دقيق العدل بين الزوجات هو حكمة تعدد الزوجات . * * *
المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب أو لذي حلم :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة . ((إن المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب أو لذي حلم))
[ الطبراني عن أبي أمامة ]
هذا الحديث له معنيان ، المعنى الأول : أن المعروف لا يمكن أن يصدر إلا عن رجل يعرف الله عز وجل ، وإلا لماذا يفعل المعروف ليس له تفسير ؟ تنتظر إكراماً من إنسان مقطوع عن الله ، تنتظر إنساناً لا يعرف الله أن ينصفك ، مستحيل ، تنتظر إنساناً يضحي من أجلك ولا يعرف الله عز وجل ؟ مستحيل ، المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب . . الناس يستخدمون عبارة أن فلاناً ابن عائلة أي ابن أسرة عريقة ، يبدو أن الأسرة الدينة لها تربية ثابتة ، لها تقاليد ، لها عادات مقتبسة من الدين ، فالإنسان يردعه دينه ، أحياناً في بعض الأسر العريقة التي لها باع طويل في العلم والدين أولادها على مستوى راق من التهذيب ، الدين بحكم العقل دين ، أما أولاد الأسر الراقية فبحكم العادة ، ألفوا عادات راقية ، فالمعروف لا يصدر إلا من رجل دين ، وأن هذا الدَّيِّن يعرف مهمته في الحياة ، وأن الله سبحانه وتعالى خلقه للعمل الصالح ، وهذا العمل هو بغيته ، والإيمان يحرك الإنسان نحو العمل الصالح إلى أبعد الحدود ، هذا الدين ، أما بالحسد لو كان من أسرة راقية ، هذه الأسرة كما قلنا : لها تربيتها ، لها عاداتها ، فيها الحياء ، فيها الوقار ، الصغير يحترم الكبير ، الكبير يحنو على الصغير ، العمل المشين لا يفعله أفراد هذه الأسرة ، القبائح يترفعون عنها يخافون على سمعتهم .
أذكر أنه وقع خلاف بين شخصين ، أحد هذين الشخصين من أسرة راقية الأب له مكانة دينية في المجتمع ، فقلت لابنه : ألا تغار على سمعة أبيك ؟ قال : نعم ، وأخاف على سمعتي واحكم كما تشاء ولا أخالف أمرك ، أنا أردت أن أثير عنده هذا الشعور ، أي يخاف على سمعته ، يخاف على سمعة أبيه ، يخاف على اسم أبيه ، فهذا ليس بداع ديني ولكن بداعي الحفاظ على مكانة الأسرة ، فهذا قد يفعل خيراً بحكم العادة ، أما الأول فبحكم العقيدة . أو بذي حلم ، الحلم من عُرف عنه أخلاق فاضلة ، أي إنسان أحياناً يكون تفكيره ناضجاً جداً يجد أن مكارم الأخلاق أليق به من ترك هذه المكارم ، حتى إني أقول كلمة : إن العمل الأخلاقي يلتقي مع العمل الذكي في النتائج ، ويختلف عنه في البواعث .
مثلاً مدير دائرة مؤمن ، ومدير دائرة ذكي ، المؤمن يرى أنه إذا عدل بين الناس يطبق أمر الله بحكم محبته لله عز وجل ، بحكم ورعه ، بحكم خوفه من الله عز وجل ، يعدل بين الموظفين ، يتواضع لهم ، يبحث في مشكلاتهم ، يعين ضعيفهم ، يقبل العذر من المقصر، لطيف ودود ، هذه صفات المؤمن .
وإنسان إذا عنده ذكاء من درجة عالية يرى أنه من أجل أن يكون له مكانة كبرى في هذه الدائرة يعدل بين الموظفين ، لا حباً بالله ، ولا خوفاً من عقاب الله ، ولا يبتغي بهذا العمل رضا الله أبداً ، ولكنه يبتغي بهذا العمل أن تكون له مكانة كبيرة عند الناس ، قد يسأل من كان بحاجة إلى مساعدة ، هذا الذي ساعده ينشر هذه القصة بين الموظفين ، فيأتيه الثناء فيحبه الجميع ، هو يسعى إلى أن ينتزع إعجاب الناس ، ينتزع محبتهم ، ينتزع مودتهم وتكون له هذه ، ولكن مثل هذا الإنسان الذكي ليس له عند الله في الآخرة من خلاق . هذه المشكلة التي تحير المؤمن . يا أخي الجماعة في أوربا صادقون . . نعم ، لا يغشون . . نعم ، بضاعتهم درجة أولى صحيح ، يصنفونها لك تصنيفاً صحياً ، الشحن ، المواعيد كلها مضبوطة ، لا يوجد عندهم غش ، لا يوجد عندهم خداع ، نعم ، العمل الذكي يلتقي مع العمل الأخلاقي في النتائج ويختلف عنه في البواعث ، شتان بين من طهرت نفسه فهو لا يفعل إلا هذا الموقف الكامل ، وبين من خطط فرأى أن هذا الموقف أنفع له في الدنيا ، فرق كبير . . هذا الذي يعانيه بعض المسلمين . الإنسان الذكي لا يكذب ، الذكي لا يخلف وعده ، الذكي لا يتكبر . .
الآن إذا رجل تكبر ، اسمع ماذا يقولون عنه في غيابه ، لو تتبع ما يُقال في غيبته وتهكمات الناس ، وسخريتهم لا تحتمل . يأتي إنسان يتواضع ، إذا تواضع يثنون عليه ، يا أخي ما هذا ؟ متواضع ، نفسه هنية مثلاً ، لا يتكبر ، عطف علينا ، فإذا دخل مدير دائرة والآذن وقف له فقال له : الله يعطيك العافية ، كيف صحتك ؟ كيف أولادك ؟ هل يلزمك شيء ؟ هذا العمل يقوم فيه ذكي ، حتى ينتزع إعجابه ، الآذن يتكلم ، يقول لك : ما هذا ؟ مديرنا متواضع ، مديرنا الجديد ابن حلال ، هو هكذا يريد ، يريد السمعة وقد حصلت له لذلك يوم القيامة يقول : " يا رب ، قرأنا القرآن من أجل رضاك ، يقول لهم : كذبتم ، قرأتم القرآن ليقال عنكم قراء وقد قيل، تعلمت العلم ليقال عنك عالم وقد قيل ، جاهدت في سبيلي ليقال عنك شجاع وقد قيل " لما الإنسان يكون ذكياً يفعل عملاً يلتقي مع عمل المؤمنين ، أما بالنوايا فشتان بينهما أين الثرى من الثريا ؟

التعليق هذا على أن المعروف لا يصلح إلا لذي دين ، أو لذي حسب ، أو لذي حلم ، طبيب مثلاً راكب سيارته ورأى رجلاً جريحاً ، ورأى جمهرة من الناس حوله ، وهذه الجمهرة من الناس أبناء حيه ، فيوقف سيارته ويأخذ هذا الجريح ، ولا يبالي بالدماء التي ستلوث السيارة، يأخذه إلى المستشفى ، إذا كانت نيته تكثير الزبائن - لأن الناس يثنون عليه - فإذا كانت نيته هكذا فهذا العمل فيه رحمة ، ولكن قد يكون الطبيب خال من الرحمة ، عمله رحيم وهو خال من الرحمة . أحياناً قاض يأتيه مواطن عادي ، يأتيه شخص له قيمته ، فيرى الحق مع هذا المواطن العادي ، وهذا الشخص الوجيه الكبير الحق ليس معه ، يحسب إنه إذا حكم لهذا الفقير والحكم انتشر وبلغ الناس ، ووصل هذا الحكم لقضاة الاستئناف والتمييز من رؤسائه تيقنوا من نزاهته ، إذاً يصير له مستقبل باهر في القضاء ، فيحكم بالعدل لا حباً في العدل وليس عادلاً ، حكمه عادل وهو ليس بعادل . لذلك النوايا دقيقة جداً ، الإنسان يتفحص نيته لماذا أفعل هذا الخير ؟ هل أبتغي به السمعة والجاه ؟
(( عن عمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّه عَنْهِ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ ))
[متفق عليه عن عمر ]
(( يا معاذ أخلص دينك يكفك القليل من العمل ))
[شعب الإيمان عن معاذ]
إذاً : " إن المعروف لا يصلح إلا لذي دين أو لذي حسب ، أو لذي حلم " .
هذا أخلاقي ، أخلاقه جاءت من ذكائه ، وهذا أخلاقه جاءت من عاداته ، وهذا أخلاقه جاءت من تدينه ، هذا متدين ، نفسه سمت واتصلت بالله عز وجل ، فأصبح المعروف من قبله عفوياً ليس متصنعاً . إذا إنسان رأى ابنه اقترب من المدفأة ، وكاد يضع يده عليه أيقول يا ترى أوبخه أم لا أوبخه ؟ بشكل لا شعوري يصرخ فيه ، توبيخ الأب أو نهي الأب عن اقتراب ابنه من مدفأة ليس عملاً إرادياً ، عمل لا إرادي عفوي . المعروف عفوي عند المؤمن :
المعروف بالمؤمن عفوي ، غير مقصود ، لا يفكر ، رجل بحاجة إلى مساعدة يساعده فوراً ، شخص استجار به يجيره ، استغاث به يغيثه ، والدته بحاجة إلى مساعدة يساعدها فوراً ، لا يناقش الأمور . أعمل أم لا أعمل ؟ ماذا سيتكلمون عني ؟ هذا شيء بالمؤمن غير وارد ، أما أهل الدنيا فعلهم للمعروف بعد دراسة طويلة ، بعد دراسة طويلة وجد أن يدفع السند لأنه ذمة عليه ، فإذا لم يدفعه قد يضطر أن يشتري شقة ثانية منه ، فإذا لم يدفع له أول دفعة يجوز ألا يبيعه شقة ثانية ، ليس من باب وفاء دين ، لا ، لكن إذا أعطيناه الدفعة الأولى يثق بنا ، الآن نستطيع أن نأخذ منه بضاعة بمئة ألف ، حسابه معي عشرون ألفاً سأدفعه قبل أسبوع ، إن دفعته قبل أسبوع سيحس هذا البائع الكبير أنني أنا إنسان موثوق هو أعطاني عشرة آلاف فقط ، أما أنا فمتأكد إذا أعطيته الحساب قبل أسبوع و طلبت منه مئة ألف سيعطيني ، ولكن بعد أن آخذ هذه المئة ألف أماطله . يقول لك : دخل في قلبي غرقنا ، وفاء السند في الوقت المناسب ليس فضيلة عند هذا الإنسان ، يسمونه تكتيك ، بالتعريف الحديث مناورة . أحياناً يعجب هذا الإنسان ولكنه يناور عليك ، مخادعة ، مناورة ، تكتيك . عندك تكتيك واستراتيجية
المؤمن أخلاقه استراتيجية ، أي ثابتة ، لا يغير ، لا تحت ضرورة ولا تحت إغراء ولا تحت ضغط ، أخلاقه هي هي ، أما الكافر فأحياناً يعمل خطة مرحلية ، أحياناً إنسان يقول لك : أتضع أموالي عندك ؟ تقول له : نعم ، أنا أعطي بالمئة ثمانية وأربعين أرباحاً ، ما هذا الكلام ؟ مبلغ مذهل ، أين ما كان بالمئة عشرة ، أو بالمئة خمسة عشر ، بالمئة عشرون إذا كان الإنسان موفقاً جداً ، هذا الدفع المغري حتى تأتيه الأموال الطائلة ، عندئذ يأخذها ويهرب بها . وهذا شيء يقع باستمرار . هذا المعنى الأول : أن المعروف لا يصدر إلا عن إنسان دين بسبب سمو النفس وعقيدته الراقية ، والمعروف لا يصدر إلا عن إنسان من أسرة راقية ، أن هذه الأسرة لها عادات راقية بحكم العادة ، والمعروف لا يصدر إلا عن إنسان صاحب خلق ، صاحب أخلاق وهذه الأخلاق الثانية ناتجة عن ذكاء . والمعنى الآخر لهذا الحديث أنك إذا صنعت المعروف مع غير هؤلاء فإنهم يفسرون هذا المعروف تفسيراً سيئاً ، فإنهم يردون على معروفك بإساءة بالغة ، وهناك شكاوى كثيرة تصلني ، أنه فعلت معه كذا وكذا وكذا ، وفعل معي كذا وكذا وكذا ، كان الرد بمنتهى الوقاحة ، بمنتهى اللؤم ، كيف فعلت معه هذا المعروف وقابلك بهذه الإساءة ؟ لأن هذا ليس صاحب دين ، وليس صاحب نسب رفيع ، وليس صاحب ذكاء عال . . لا ذكاء يهديه للمواقف المقبولة ، ولا عنده عادات أصيلة ثابتة في أسرته ، ولا عنده مخافة من الله عز وجل فشيء طبيعي إذا فعلت معروفاً مع أحد غير هؤلاء أن تلقى رداً وقحاً ، أو رداً سيئاً ، أو رداً فيه مقاومة ، فالإنسان لا يُفاجأ ، و قد جاء في الحديث الشريف :

((اصنع المعروف إلى من هو أهله ، وإلى غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله كنت أنت أهله))
[ ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه إلى الخطيب في تاريخ]
أي الإنسان يريد أن يعمل موازنة بين الحديثين ، إذا كنت تريد أن تضحي تضحية كبرى ، وتضيع أولادك من أجل إنسان لئيم ، لا ، أولادك أولى ، أحياناً إنسان يقول لك : أنا مستجير بك ، فتعطيه من قوت أولادك ، تعطيه من حصة أولادك ، وتنجده ، ثم يعاملك معاملة في منتهى اللؤم . المكثرون في الدنيا الذين يتبجحون بأموالهم الطائلة هم المقلون يوم القيامة :
و:
(( عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ : خَرَجْتُ لَيْلَةً مِنَ اللَّيَالِي فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ إِنْسَانٌ قَالَ : فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَمْشِيَ مَعَهُ أَحَدٌ قَالَ فَجَعَلْتُ أَمْشِي فِي ظِلِّ الْقَمَرِ فَالْتَفَتَ فَرَآنِي فَقَالَ : مَنْ هَذَا ؟ قُلْتُ أَبُو ذَرٍّ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ قَالَ يَا أَبَا ذَرٍّ تَعَالَهْ قَالَ : فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ : إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا قَالَ فَمَشَيْتُ مَعَهُ سَاعَةً فَقَالَ : لِي اجْلِسْ هَا هُنَا قَالَ فَأَجْلَسَنِي فِي قَاعٍ حَوْلَهُ حِجَارَةٌ فَقَالَ لِي : اجْلِسْ هَا هُنَا حَتَّى أَرْجِعَ إِلَيْكَ قَالَ : فَانْطَلَقَ فِي الْحَرَّةِ حَتَّى لَا أَرَاهُ فَلَبِثَ عَنِّي فَأَطَالَ اللُّبْثَ ثُمَّ إِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ مُقْبِلٌ وَهُوَ يَقُولُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ : فَلَمَّا جَاءَ لَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ مَنْ تُكَلِّمُ فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ مَا سَمِعْتُ أَحَدًا يَرْجِعُ إِلَيْكَ شَيْئًا قَالَ : ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام عَرَضَ لِي فِي جَانِبِ الْحَرَّةِ قَالَ : بَشِّرْ أُمَّتَكَ أَنَّهُ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قُلْتُ : يَا جِبْرِيلُ وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى قَالَ : نَعَمْ ، قَالَ : قُلْتُ : وَإِنْ سَرَقَ وَإِنْ زَنَى ؟ قَالَ نَعَمْ وَإِنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ))
[متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه]
إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . طبعاً الحديث طويل ، وهذه أول فقرة منه ، المكثر يقول : عندي مال لا تأكله النيران ، أهلكت مالاً لبداً ، هؤلاء المكثرون في الدنيا الذين يتبجحون بأموالهم الطائلة ، وبأن أموالهم لا تفنى ، وأن أموالهم بازدياد ، وأنهم لا يخشون شيئاً في الدنيا ، هؤلاء الذين يقولون هذا الكلام هم المقلون يوم القيامة ، هم الفقراء ، لأن هذا المال يفيد الجسد في هذه الحياة الدنيا ، فإذا جاء الأجل انقطع هذا المال ، وهناك بعد الموت شيء آخر هو العمل الصالح ، هو الذي يجدي . (( . . .إِنَّ الْمُكْثِرِينَ هُمُ الْمُقِلُّونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . .))
[متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه]

لذلك قال الله تعالى :
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف : 32]
النبي الكريم استثنى ، قال : (( إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا فَنَفَحَ فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا . .))
[متفق عليه عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِي اللَّه عَنْه]
هنا في الحديث دقة بالغة ، إلا من أعطاه الله تعالى خيراً . لذلك قال العلماء : لا يُسمى المال خيراً إلا إذا أنفق في طاعة الله ، قال تعالى : ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾
[سورة الفجر : 15-17]
قال ربنا له : كلا . . ليس هذا إكراماً إلا إذا أنفقته في طاعتي فهذا إكرام ، أي لا يُسمى المال إكراماً إلا إذا أنفق في طاعة الله عز وجل . ﴿فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِي . .﴾
[سورة الفجر : 15]
أي أدخل إلى بيته كل وسائل الراحة . ﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِي . . كلا﴾
[سورة الفجر : 16-17]
ربنا عز وجل قال : كلا . . وكلا أداة ردع ، أي لا هؤلاء على حق ولا هؤلاء على حق ، لا هذا القول صحيح ، ولا هذا القول صحيح ، ليس إعطائي المال إكراماً بل هو امتحان، فإذا أنفق في طاعة الله انقلب إكراماً ، وليس حرماني لهذا العبد من المال إهانة ، إنه معالجة ، الحرمان معالجة ، والعطاء إكرام . النبي الكريم قال : " إِلَّا مَنْ أَعْطَاهُ اللَّهُ خَيْرًا - لماذا سماه النبي خيراً - قال : فَنَفَحَ - نفح أي أعطى - فنفح فِيهِ يَمِينَهُ وَشِمَالَهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ وَوَرَاءَهُ وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا ". .
أي سأله عن يمينه شخص فأعطاه ، عن شماله فأعطاه ، سأله شخص قرضاً لثمانية أشهر دفع له ، سأله شخص عطاء من دون قرض ، فدفع له . أي اليمين والشمال والأمام والوراء كناية عن شتى وجوه الخير . وَعَمِلَ فِيهِ خَيْرًا . . قال : هذا الإنسان المكثر هنيئاً له ، هذا قد يسبق المقل ، لأن المال قوة ، وفي المال طاقة كبيرة جداً على اكتساب مرضاة الله . وحبذا المال أصون به عرضي ، وأتقرب به إلى ربي . التيسير و التعسير :
وفي حديث آخر :
(( إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصنع ))
[ الترمذي عن زر بن حبيش]
من المعاني المستفادة من هذا الحديث الشريف أن الملائكة وهم جنود الرحمن يضعون أجنحتهم لطالب العلم ، بعضهم فهم هذا الحديث على أنها تكرم طالب العلم ، الملائكة تكرم طالب العلم ، إن الملائكة في السماء والحيتان في البحر لتصلي على معلم الناس الخير .

هذا المعنى معنى تكريم ، أي الملائكة تكرم طالب العلم ، بعضهم توسع في هذا المعنى ، فقال: الملائكة تكيد لأعداء طالب العلم فتمنعهم من أن يؤذوه ، الملائكة تتكفل بحاجات طالب العلم ، ما الذي جعل أبو حنيفة ينقطع للعلم والدراسة ؟ هو أنه مرّ في الحج بشيخ يدرس في الحرم ، وقد سمع منه هذا الحديث :" من طلب العلم تكفل الله له برزقه " يلهمك إذا كنت تاجراً يلهمك الصفقات الرابحة ، فيكون عملك قليلاً وربحك كثيراً . إذا كنت صانعاً يرسل إليك زبائن درجة أولى ، أخلاقهم عالية ، شراؤهم سهل ، دفعهم جيد . إذا كنت موظفاً تنتزع ثقة رؤسائك ، يعطونك إضافات ليست لغيرك . أي مادام الإنسان طالب علم يتكفل الله عز وجل برزقه . أب عادي يكون راغباً أن يكون ابنه طبيباً ، والابن يكلفه بأعمال فوق طاقته ترى الأب إذا شاهد ابنه متفوقاً بدراسته ، وأحياناً عنده فحص لا يدع أحداً يكلفه بشراء غرض حتى شراء خبز يقول له : أنا أحضر الخبز ، اجلس وادرس ، إذا جاءه ضيوف ، ويريدون غرضاً إذا قالوا : أوصل فلانة خالتك ، الأب ينهى الأم يقول : دعيه يدرس ، أي إنسان عادي إذا رأى ابنه متفوقاً يريحه من أعباء البيت ، يمكن أن يعطيه غرفة خاصة ، يمكن أن يبالغ بإكرامه . فربنا عز وجل خلقنا لنعرفه . معقول إذا اتجه إنسان إلى الله يتعب بحياته ؟ العكس هو الصحيح . الإنسان عندما يتجه إلى غير الله عز وجل ، يذيقه الله مرارة الدنيا . الدنيا تغر ، وتضر ، وتمر . . أوحى ربك إلى الدنيا أنه من خدمني فاخدميه ، ومن خدمك فاستخدميه . تسمع من الناس قصصاً ، ترى رغم ذكائهم ، رغم تقديرهم للأمور ، تأتيهم مشكلة لم تكن في الحسبان ، تأتيهم مزعجات ، يتورطون تورطات ما كان لهم بها .
البعد عن الله عز وجل يسبب تضييقاً في الدنيا ، والقرب من الله عز وجل يسبب تيسيراً ، والتيسير والتعسير لهما قانون في كتاب الله .
﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾
[ سورة الليل : 5-7 ]
تلقى شخصاً تريده ، بيته بعيد ، الحاجة لا تجدها فوراً . آلة منتجة تعطلت ، تحضر خبيراً فيخربها ، يكسر قطعة فيها ، بدلاً من أن يصلحها . إذا كنت موفقاً تحضر شخصاً يلهمه الله إلى الحق ، يقول لك : العطل من هنا ، ولكن إذا أنت موفق تحضر شخصاً بدل أن يعطلها خمسة أيام يصلحها في ساعة ، إن كان في التجارة ، أو في الصناعة ، أو في الزراعة فالإنسان عندما يكون مع الله عز وجل يتكفل له برزقه . ليس معنى هذا أن يمد يده إلى الناس ، لا ، ليست واردة ، معنى يتكفل له برزقه يلهمه أعمالاً مريحة ، ودخلها معقول ، انظر أهل الدنيا لا يعرفون الله عز وجل ، يقول لك : آه ، يخرج منه آهة محروقة حرقاً ، يقول : اشتغلنا ثلاث سنوات بلا مقابل ، يدخل بمشروع ، يدفع ، يسهر ، يركض ، بعد ذلك يعمل حسابه جمع طرح خسران ثمانية آلاف ليرة بعد ثلاث سنوات عمل ، انظر إلى الدنيا ما أصعبها الخسارة مؤلمة جداً . إنسان يتعب ، يحضر بضاعة ، يبيعها ، يشحنها ، يحصل ثمنها ، يشتغل فيها سنتين ، بعد ذلك تظهر النتيجة خسارة ثمانية آلاف بضاعة ، هذا عمل بلا مقابل ، فالله عز وجل قادر أن يشغل الإنسان بلا مقابل طول عمره ، يقول لك التجار كلمة مضحكة : مثل مطحنة الجن ، خرير وعجيج على الفاضي ، يشغله ، يشغله ، بالآخر لا يوجد محصول ، لا يوجد نتيجة ، أما المؤمن فموفق . ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى* وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى* فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾
[ سورة الليل الآيات : 5-9 ]
إعانة الملائكة طالب العلم على أمر معاشه :
(( إِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ الْعِلْمِ رِضًا بِمَا يَصنع ))
[ الترمذي عن زر بن حبيش]
أي أول شيء تعينه على أمر معاشه ، أنا أدعو هذا الدعاء : " اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا - الإنسان ينضبط بالدين ، يعرف الحرام من الحلال ، الخير والشر، ما يجوز وما لا يجوز ، عنده منظومة قيم ينضبط فيها - وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا - أيضاً الدنيا إذا إنسان بحاجة إلى المال ، ما عنده قوام الحياة شيء صعب - وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردنا ، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير ، واجعل الموت راحة لنا من كل شر " فالملائكة تعينه على حوائجه ، الملائكة ترد كيد أعدائه عنه ، الملائكة تكرمه . . على الإنسان أن يسعى للدار الآخرة :
انظروا إلى الحياة الدنيا ، انظروا إلى عمارة ترتفع ، نشاط ، اليوم جبل إسمنت ، ثاني يوم جاء الإسمنت ، ثالث يوم جاء نجار الباطون ، ترى الذي يبني العمارة كتلة انتباه ، كتلة يقظة ، نشاط البناء ، نشاط التجارة ، نشاط الصناعة ، نشاط العلم ، دراسات في الجامعة، أي هناك نشاطات عديدة ، أقدس نشاط على وجه الأرض أن تطلب العلم الشرعي ، لا يوجد نشاط عند الله أكثر قدسية منه ، تذهب تزور أقرباءك ، تحصّل مبلغاً ، تفكر بمشروع، تعقد صفقة ، تشتري بيتاً ، تبيع بيتاً ، تبدل سيارتك ، تعمل نزهة ، هذه نشاطات مشروعة ، مباحات ، لكن أقدس نشاط تقوم به أن تتعلم ، أن تعرف الله عز وجل ، خُلقت من أجل أن تعرفه ، وأي نشاط مناقض لهذا النشاط فهو خسارة كبرى . عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ :
((إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))
[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]
حقيقة كبيرة جداً إنسان يظن أن هذا مات ، لذلك النبي الكريم قال : (( كسر الرجل ميتاً ككسره حياً ))
[التمهيد لابن عبد البر عن عائشة]

إذا وضعوه بالقبر ورموه رمياً ، أحياناً يكون أطول من القبر يحصروه به ، هذا عمل فيه إهانة ، لا يجوز كشف عورة الميت أثناء التغسيل ، إهانة له . حينما خاطب النبي الكريم قتلى بدر من المشركين . قال : يا أمية بن خلف ، يا هشام بن عيينة ، يافلان ، يا فلان سماهم بأسمائهم هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً ؟ كذبتموني وصدقني الناس ، وأخرجتموني وآواني الناس . . الحديث طويل ، الصحابة تعجبوا ، قالوا : يا رسول الله أتخاطب قوماً جيفوا ، قال : ما أنتم بأسمع لي منهم ولكنهم لا يجيبونني - يسمعون مثلكم - فهذا الحديث إذا توفي الإنسان فمن بكى ، ومن فرح ، و من أهانه يرى الميت كل ذلك، ويسمع ما يقولون ، فالنبي الكريم يقول : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ
((إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))
[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]
وقال : ((إن العبد إذا وضع في قبره , وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم ..))
[البخاري عن قتادة عن أنس رضي الله عنه]
أما هذا الشعور الذي لا يوصف فهو اشترى البيت ، هو فرش البيت على ذوقه ، قال لي أخ قصة من يومين يبيع مفروشات درجة أولى ، جاءه تاجر ، قال له : أريد غرفة نوم من خشب الجوز ، قال له : والله لا يوجد جوز عندنا زان . . قال : أريدها جوزاً ، قال له : إذاً اشتر لي خشب جوز ، اشـتروا خشب جوز ، قال : هذا الجوز يتخمر سنة صحيحة ، يكون أبيض بعد تخميره سنة يصير أسود ، أخذنا له خشب الجوز ، وخمرناهم سنة اثنا عشر شهراً ، قال : ما مرّ بحياته كهذا الزبون ، زار الخشبات وقت التخمير مرتين أو ثلاث ، بعد ذلك صنعوا غرفة النوم ، قال لي : هناك عقدة بالخشب بالرجل من الداخل ، فرفض و قال : بدل لي إياها ، كل أسبوعين أو ثلاثة له زيارة ، يتفقد غرفة النوم ، الخزانة ، البخ ، المسكات ، المرايا . هذا معه وسواس . وبعد ذلك ، قال له : اترك لي إياها حتى ندهن الغرفة ، ثم دهنوا الغرفة واعتنوا بالغرفة ، ورتبوها ودوكروها ، قال له : أما تريد أخذ الغرفة إنها حاجزة محل عندنا ؟ قال له : غداً إن شاء الله ، خبرته ليأتي ليأخذها رفعت السماعة سمعت ضجيجاً ثم جاء إلى التلفون من يكلمني فكانت امرأة قلت لها : أختي الغرفة ، قالت : لا نريد الغرفة مات صاحبها . غضبت . سبحان الله ، فعلى الإنسان أن يسعى للدار الآخرة . ((إِنَّ الْمَيِّتَ يَعْرِفُ مَنْ يَحْمِلُهُ وَمَنْ يُغَسِّلُهُ وَمَنْ يُدَلِّيهِ فِي قَبْرِهِ ))
[ أحمد عن أبي سعيد الخدري]
((العبد إذا وضع في قبره, وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم. . .))
[البخاري عن قتادة عن أنس رضي الله عنه]
هو عمر هذا البيت ، هو فرش هذا البيت ، هو رتب هذا البيت ، دفنوه بنفس اليوم، قال لي شخص : شاهدت جنازة تشيع بعد العشاء ، مع أنه مكروه ، ما الدليل ؟ معنى هذا أن هناك مشكلة بالبيت ، هو اشترى البيت !!
المشكلة الإنسان يعلق آماله كلها بزوجته تخيب له ظنه ، يعلق آماله بولده . . قال رجل لشاب : أين ذاهب ؟ قال له والله حرفياً : رايح أسكر على روح أبي . أبوه خلف له مالاً كثيراً ومات ، فهذا الابن يشرب خمراً على روح والده . قال : " يا عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت به ؟ قال : يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي ، قال له : عبدي أما علمت أني أنا الرزاق ذو القوة المتين ، إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم - أي جعلتهم فقراء ، وأنت تظن أنك تجمع المال لهم - والثاني قال له : ماذا صنعت في المال ؟ قال له : يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين ، لثقتي أنك خير حافظاً وأنت أرحم الراحمين . فقال : عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك ". اطلب من الله يحفظ لك الأولاد من بعدك فقط . الله عز وجل يرزقهم ، ويعافيهم ، ويهديهم ، ويجعلهم قرة عين ، ويجعلهم خلفاء لك ويجعل لهم أعمالاً صالحة مستمرة . (( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم يُنْتَفَعُ به، أو ولد صالح يدعو له ))
[مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
المؤمن يستمد قيمته من أن الله سبحانه وتعالى راض عنه :
الحديث قبل الأخير :
(( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب]

أحياناً الناس يقدرون شيئاً من الأشياء ، طبعاً لا يرفعون شيئاً بغير حق ، أحياناً يقدرون شيئاً لا يرضي الله عز وجل ، وأحياناً يتهافتون على معصية تغضب الله ، هناك أشياء غالية كثيراً ، معنى هذا أن عليها طلباً كثيراً ، وقد تكون تغضب الله عز وجل ، هناك أجهزة لهو عليها طلب شديد ، إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ، قرأت مقالة لكاتب أن حجزاً برأس السنة لا يوجد ، كل الأماكن لا يوجد بها محلات ، معنى هذا أن الطلب كثير على الفنادق ، سهرة بالفندق الفلاني ، والفلاني ، والفلاني ، عشاء مع أعمال لا يعلمها إلا الله ، فيها مخازي لا يعلمها إلا الله ، ألف ليرة على الشخص وطاولات درجات أولى وثانية وثالثة ، لا يوجد محلات ، واضطر أن يعملها بالبيت ، أحضر رفاقه وعملها بالبيت . قال :
(( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب]
أي أنت تعلق بالذي رفعه الله ، الله رفع قراءة القرآن ، رفع فهم القرآن ، رفع أن تكون أديباً متأدباً بآداب القرآن ، رفع أن تكون عالماً بالله عز وجل ، رفع أن تكون محسناً ، رفع أن تكون محباً لله ورسوله ، ولم يرفع الإنسان لما عنده من متاع ، لكن في آخر الزمان تكون قيمة الرجل بما عنده من متاع . أي يستمد قيمته بين الناس من أثاث بيته ، وأجهزته فقط . لكن المؤمن يستمد قيمته من أن الله سبحانه وتعالى راض عنه . (( إن الناس لا يرفعون شيئاً إلا وضعه الله تعالى ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن سعيد بن المسيب]
الأولاد مجبنة و مبخلة :
ويقول عليه الصلاة والسلام :
(( إن الولد مبخلة ، مجبنة ، مجهلة ، محزنة ))
[ صحيح الجامع عن الأسود بن خلف و خولة بن حكيم ]
أي هذا الحديث فيه توجيه نبوي شريف ، أن الإنسان إذا رزقه الله أولاداً يجب أن يعتدل ، أن يعاملهم معاملة راقية تتيح له أن يقبل على الله عز وجل . أما معنى مبخلة أي قد يشد الإنسان على نفسه باختياره أبواب خير كان يفعلها خوفاً على أولاده ، أو خوفاً على أولاده من بعده كما قلنا قبل قليل ، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد أن نتهرب من العمل الصالح والإنفاق في سبيله خوفاً على الأولاد من بعدنا ، لأن الله عز وجل قال : ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴾
[سورة البقرة 272]
فأحد أسباب البخل بالعمل الصالح ، بالخير ، بالإنفاق ، بالمال الخوف على الأولاد من بعده . مبخلة ، أي إن الأولاد يسببون البخل أحياناً وهذا بخل غير مشروع ، لم يرضه النبي صلى الله عليه وسلم . وسيدنا الصديق أعطى كل ماله ، فلما قال له النبي الكريم : يا أبا بكر ماذا أبقيت لنفسك ؟ قال : الله ورسوله . ممكن أتصور إنساناً ينفق ماله ثم يفقره الله ؟ هذا الشيء أنا أعده من خامس المستحيلات ، أنفق أنفق عليك ، أنفق بلالاً ولا تخشى من ذي العرش إقلالاً . لا يمكن ، فالذي يتخذ أدنى حجة بعدم الإنفاق غلطان . جعله بخيلاً ، الابن جعل أباه بخيلاً ، هذا معنى مبخلة .
مجبنة : أي الإنسان أحياناً يقف مواقف مشرفة ، ابنه تزوج مثلاً لا يريد أن يخزي بيت عمه ، يقف موقفاً لا يليق به ، لولا هذا الابن كان وقف موقف الحق ، هذا العمل لا يجوز، أي شخص دين يصلي يعمل عرساً مختلطاً بفندق ؟ هذه مشكلة ، هكذا طلبوا بيت العروس ، طلبوا عرساً مختلطاً بالذات ، أي رجال ونساء ، المرأة بأبهى زينة ، أثناء العرس يعرفهم على بعضهم ، فلان وزوجته ، هذه زوجته ، هذه زوجة فلان ، جاؤوا بأحدث طرز ، كلها فتنة ورجال ونساء . دين وتصلي وتعمل عرساً مختلطاً بفندق !! جبن أن يرفض بسبب الابن ، فالأولاد مبخلة مجبنة ، الإنسان أحياناً يسافر في طلب العلم ، من أجل أولاده لا يسافر إذاً يبقى جاهلاً ، هذه على موضوع الفقر فسرها الفقهاء . لها تفسير آخر : إذا الإنسان جالس مع أولاده ، وحان درس العلم و تريد ابنته أن تأتي إليه هي و زوجها ، يتخلى عن الدرس ، عليه أن يقول لها : لا يا ابنتي أهلاً وسهلاً هذا بيتك ، أنا سأغيب ساعة وأرجع ، مكانتك محفوظة أما هذا فمجلس العلم لابد منه . فأحياناً الإنسان من أجل أولاده يجهل أي يصير جاهلاً هذا معنى مجهلة .
أما محزنة : إنسان قبل الزواج ، أو قبل أن ينجب أولاداً ، تهمه صحته ، بعدما أنجب أولاداً ، وابنه ارتفعت حرارته يا ترى التهاب سحايا ؟ يا ترى التهاب أمعاء ؟ صار الأب لا ينام الليل ، طبعاً صار معه متاعب ، ومشاغل ، وأسباب للحزن عن طريق أبنائه ، الحديث ليس فيه نهي ولا أمر ، الحديث فيه تقرير ، أي من خصائص الأولاد أنهم يحملون على البخل ، وعلى الجهل ، وعلى الحزن ، فخذ من الدنيا ما شئت ، وخذ بقدرها هماً . سبحان الله الإنسان غير المؤمن لايرضى ، قالت ممرضة : دخلت لبيت فولدت المرأة بنتاً فبكوا كثيراً ، من غرائب الصدف بنفس اليوم دُعيت إلى بيت آخر ، البيت الآخر جاءهم صبي بكوا كثيراً لأن هذا الصبي السابع ، فهذا الحديث فيه تقرير ، تقرير لحقيقة أن الذي عنده بنات الحمد لله ، والذي عنده بنات وذكور الحمد لله ، والذي لا يوجد عنده أي الله فرغه لطاعته ، الحمد لله .
والله هناك دعاء هذا الدعاء من أدق الأدعية ، يقول عليه الصلاة والسلام : ((اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله عوناً لي فيما تحب ، وما زويت عني ما أحب فاجعله فراغاً لي فيما تحب ))


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-08-2018, 07:07 AM   #2


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى 2



بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى

الدرس : ( الثانى )

الموضوع : حقوق الزوجة






الحقوق المعنوية للزوجة :
1 ـ حسن المعاشرة :
أيها الأخوة المؤمنون : وصلنا في موضوع الزواج إلى حقوق الزوجة ، وحقوق الزوجة كما بينا من قبل حقوق مادية ، كالمهر ، والجهاز ، والنفقة ، وحقوق معنوية .
أولى هذه الحقوق المعنوية حسن المعاشرة .
2 ـ صيانة الزوجة :

والحق الثاني غير حسن المعاشرة صيانة الزوجة ، فماذا تعني صيانة الزوجة ؟ يجب على الزوج أن يصون الزوجة ، ويحفظها من كل ما يخدش شرفها .
هناك أزواج يأخذون من زوجاتهم حظوظهم ، ولكن لا يعنون بشرف زوجتهم ، وسمعتها ، وصيانتها ، فهم يستهترون بالقواعد الشرعية التي شرعها الله عز وجل ، فكلما يسلم عرضها ، ويمتهن كرامتها ، ويعرض سمعتها لمقالة السوء ، هذا مما يتحمله الزوج أمام الله عز وجل .
وقد روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
(( إن الله يغار - الغيرة على الزوجة خلق عظيم - وإن المؤمن يغار ، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حُرم عليه ))
[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]
الفرق بين غيرة الله و غيرة المؤمن :

ما الفرق بين غيرة الله عز وجل وبين غيرة المؤمن ، الله سبحانه وتعالى يغار على عبده أن يعصيه ، لذلك مما يدل على غيرة الله عز وجل أن العبد إذا عصاه ساق له من الشدائد ما يجعله يعود إليه راشداً غانماً .
الله سبحانه وتعالى يغار أيضاً أن يرى عبده يعتمد على مخلوق مثله ، من علامة غيرة الله عز وجل أن هذا المخلوق الذي اعتمد العبد عليه يخذله ، هذه علامة ثانية . إذا اعتمدت على عبد من عباد الله ، وعلقت عليه الآمال يغار الله عز وجل ، إذا تذللت أمام فلان وفلان عبد مثلك لا يملك شيئاً ، لا يقدم ولا يؤخر ، يغار الله عز وجل ، فيجعل الإساءة عن طريق هذا الذي اعتمدت عليه ، إذا التفت إلى ما سواه يغار الله عز وجل ، حتى أن بعضهم يفسر أن سيدنا إبراهيم عليه أتمّ الصلاة والتسليم حينما التفت إلى ابنه إسماعيل وهو نبي كريم غار الله عز وجل ، فأمره أن يذبح ابنه . لما يركن المؤمن لشيء مما سوى الله عز وجل ، إذا ركن المؤمن لزوجته ، وظن فيها سعادته لابد من أن تسيء هذه الزوجة ، لأن الله يغار خلقتك من أجلي ، لم أخلقك من أجلها .
إذا تعلق الإنسان بأي جهة من الجهات ، ورأى فيها خلاصه فإن الله يغار ، هذه غيرة الله ، من غيرة الله عز وجل أن العبد إذا بقي شارداً عن الله ، ملتفتاً إلى الدنيا بعث إليه شيئاً يذكره بالله ، حتى يسمع صوت عبده .
أي إذا إنسان زوج ابنه ، كان يأتي إليه كل يوم مرة ، بعدما زوجه لم يعد يأتيه بالشهر مرةً ، يتألم الأب ، أنسيتنا ؟ . .
الأب زوج ابنه ، النفقات على الأب ، هو اختار له إياها ، لما رآها نسي الأب . الأب يغار ، والله سبحانه وتعالى إذا رأى عبداً مؤمناً ، في الشدة ملتفت إليه ، فلما آتاه الدنيا نسيه ، يغار ، يسلبها منه . إذا أحب الإنسان ألا يسلبه الله النعم فلا يتعلق بها ، إذا تعلق بها سلبها الله منه ، هذه غيرة الله عز وجل ، أما غيرة المؤمن : (( وإن المؤمن يغار ، وغيرة الله أن يأتي العبد ما حُرم عليه ))
[البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه]
وروي عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : (( ما أحد أغير من الله ، ومن غيرته حرم الفواحش ))
[متفق عليه عن ابن مسعود]
لأن الله يغار حرم الفواحش ، أي أن يتعلق إنسان بغير زوجته الله يغار ، وهذا محرم ، زوج يميل إلى غير زوجته ، زوجة تميل إلى غير زوجها ، يصير استلطاف ، إن الله يغار ، هذا لم يسمح الله به عز وجل ، سمح لك بالزوجة ، قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ ﴾
[ سورة المعارج: 29-31 ]
(( ما أحد أغير من الله ، ومن غيرته حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وما أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل ، ومن أجل ذلك أثنى على نفسه ، وما أحد أحب إليه العذر من الله عز وجل ومن أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين ))
[متفق عليه عن ابن مسعود]
الحديث جميل جداً ، يوضح أخلاق الله عز وجل .
((قَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ لَوْ رَأَيْتُ رَجُلًا مَعَ امْرَأَتِي لَضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ غَيْرَ مُصْفَحٍ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: أَتَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ وَاللَّهِ لَأَنَا أَغْيَرُ مِنْهُ وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي وَمِنْ أَجْلِ غَيْرَةِ اللَّهِ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ الْمُبَشِّرِينَ وَالْمُنْذِرِينَ وَلَا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْمِدْحَةُ مِنَ اللَّهِ وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ وَعَدَ اللَّهُ الْجَنَّةَ ))
[متفق عليه عن المغيرة بن شعبة]
أي إذا إنسان وهو في محله التجاري دخلت عليه امرأة ، إذا كان يحب الله عز وجل فالله يغار أن يلتفت هذا الرجل إلى هذه المرأة ، يجب أن تكون التفاته إلى زوجته فقط ، والزوجة إذا كانت مؤمنة تصون نفسها ، وتخاف أن تكون غيرة الله عز وجل قد اطلعت عليها، لذلك من علامات إيمان المؤمن العفة عند الرجال وعند النساء .
هناك فكرة ساذجة ، سخيفة أن الرجل لا يعيبه شيء ، والله الذي لا إله إلا هو إن الذي يعيب المرأة يعيب الرجل ، في عالم الإيمان ما يعيب المرأة يعيب الرجل ، أما في عالم الجهلة فالرجل لا يعيبه شيء ، أما المرأة فقط فيعيبها كل شيء ، المرأة والرجل سواء في العيب . ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم :
1 ـ العاق لوالديه :
(( ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؛ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ ، وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ، وَالدَّيُّوثُ ، وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ ، وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ ، وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى ))
[النسائي وأحمد عن عبد الله عن أبيه]

العاق لوالديه : لا يوجد إنسان أقرب لإنسان من الأب لابنه ، فالذي يعق والديه لا يدخل الجنة أبداً ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( ليعمل العاق ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة ))
[الحاكم عن معاذ بن جبل رضي الله عنه ]
وفي رواية " فلن يُغفر له . . " . لو أن في اللغة أقل من كلمة أف لقالها الله عز وجل ، أي أقل كلمة ، أقل صوت ، أف اسم صوت ، يعني أتضجر ، أقل كلمة في اللغة إصدار صوت من الشفتين هو الفاء ، في هذه الكلمة عقوق للوالدين : " ما بر أباه من شدّ النظر إليه "
قال له : أحضر لنا هذه الحاجة من السوق ، فنظر له هكذا وقال : طيب . ذهب فأحضر الحاجة من السوق ثم عاد ، ولكن هذه النظرة فيها عقوق للوالدين . لذلك من علامات أهل الإيمان أن الأبناء يعتزون بآبائهم .
والنبي الكريم قال: (( رحم الله والداً أعان ولده على بره ))
[ كشف الخفاء رواه أبو الشيخ في الثواب بسند ضعيف عن علي وابن عمر مرفوعا]
2 ـ الديوث :
(( ثَلَاثَةٌ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمَرْأَةُ الْمُتَرَجِّلَةُ وَالدَّيُّوثُ وَثَلَاثَةٌ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ الْعَاقُّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمُدْمِنُ عَلَى الْخَمْرِ وَالْمَنَّانُ بِمَا أَعْطَى ))
[النسائي وأحمد عبد الله عن أبيه]

من هو الديوث ؟ النبي الكريم في أحاديث أخرى عرف الديوث قال: " الذي لا يغار على عرضه ، أو يرضى الفاحشة في أهله " أي إذا أخذنا التعريف الدقيق : الذي يرضى الفاحشة في أهله بالمئة خمسة في بلادنا ، الذي يبلغه أن امرأته تأتي المنكر وتأتي الفاحشة ويسكت هؤلاء قلة قليلة ، ولكن الذي لا يغار على عرضه كثرة كثيرة ، أي إذا الأب جالس وزوجته على الشرفة تنشر الغسيل ، وهي متبذلة في ثيابها ، هذا الذي يرى زوجته هكذا ، ولا يتحرك فيه شيء ، هذا في عرف رسول الله ديوث ، الديوث لا يدخل الجنة ، الذي يفتخر أن تظهر زوجته بأكمل زينتها أمام الأجانب ، ويدعو الناس إلى التعرف على زوجته . . أعرفك عليها زوجتي المصون . أي مصون هذه ؟
هذا الذي يرضى الفاحشة في أهله ، أو لا يغار على عرضه ديوث ، والديوث لا يدخل الجنة ، ولا يذهبن الظن بكم إلى أن هذا تشدداً ، حينما تبدو المرأة بزينتها أمام أجنبي لابد من أن تقع أشياء لا تُحمد عقباها ، أقل هذه الأشياء ميل القلب ، أي أطهر إنسان إذا التقى إنسانة في مكان ، في دائرة ، في غرفة ، وتملى منها ، لو لم ينبس ببنت شفة أقل شيء أنه يميل إليها وينقطع عن الله عز وجل ، لكن الإنسان إذا مال إلى زوجته لا ينقطع عن الله ، يقوم ويصلي ويقبل في صلاته ، لأن هذه حلاله ، يصلي العشاء ، ويصلي الفجر ، ويقبل على الله ، ويستغرق في كمال الله ، وهو مائل إلى زوجته ، لأن هذا يرضي الله عز وجل ، حتى أن النبي الكريم قال : "إذا نظر الرجل إلى امرأته نظرة رحمة أظلهما الله برحمته " ، و أن تضع اللقمة في فم زوجتك هي لك صدقة ، كأن الله في عليائه يرضى عن زوجين متحابين ، سبحان الله ! يرضى عن زوجين ودودين ، يرضى عن زوجة تؤثر رضا زوجها وعن زوج يؤثر رضا زوجته ، هذا كله شيء مباح ، هذه القناة الصحيحة ، هذا الشيء المسموح به . ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ ﴾
[ سورة المعارج: 29-31 ]
3 ـ المرأة المترجلة :
إذاً العاق لوالديه ، والديوث ، ورجلة النساء ، أي المرأة المسترجلة التي تبدو كالرجال فيما تلبس ، أو فيما تقول ، أو تقلدهم فيما يفعلون ، في كلامهم ، في حركاتهم ، في تصرفاتهم ، في أشياء ترى أنها ترتفع في نظر الناس إذا قلدت الرجال . . شيء يقوله علماء النفس : المرأة هي أنثى وفيها أنوثة ، إذا استرجلت المرأة فقدت أنوثتها ، وإذا فقدت المرأة أنوثتها فقدت أجمل ما فيها ؛ فالوقاحة ، والصوت المرتفع ، والتصرفات التي تكون معهودة عند الرجال إذا فعلتها النساء فقدن أنوثتهن .
الطلاقة ، أحياناً أنت تغض بصرك وهي تنظر إليك ، أنت مستح منها وهي تنظر إليك ، هذه امرأة مسترجلة ، رجلة .
(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ حَجَّاجٌ لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ ))
[متفق عليه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
فالمرأة الرجلة ، والديوث ، والعاق لوالديه هؤلاء لا يدخلون الجنة .
ويقول عليه الصلاة والسلام : ((ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً الديوث والرجلة من النساء ، ومدمن الخمر قالوا : يا رسول أما مدمن الخمر فقد عرفناه ، فما الديوث ؟ قال: الذي لا يبالي من دخل على أهله ))
[الدلائل في غريب الحديث عن عمار بن ياسر]
تقول : والله جاء رفيقك في غيابك ، يقول : أدخلته ؟ ليس من اللائق ألا تدخليه ، لماذا أدخله ؟ أأستقبله في البيت في غيابك ؟ لا يبالي . يأتي رفيقه يقول : هاتي القهوة أم فلان. ماذا هاتي القهوة ؟؟ هذا شيء لا يجوز ، هذا ديوث .
" قالوا: يا رسول الله أما مدمن الخمر فقد عرفناه ، فما الديوث ؟ قال : الذي لا يبالي من دخل على أهله ، قلنا : فما الرجلة من النساء ؟ قال: التي تتشبه بالرجال " .الغيرة :

إذاً وكما يجب على الرجل أن يغار على زوجته فإنه يُطلب منه أن يعتدل في هذه الغيرة ، هنا حالتان ، حالة سليمة ، وحالة مرضية . مرضان ووضع سليم ، المرض الأول المبالغة في الغيرة ، هذه مرض ، والمرض الثاني عدم الغيرة ، ديوث ، لا يبالي ، لا يهمه . أما الوضع السوي فالاعتدال في الغيرة ، فلا يبالغ في إساءة الظن بها ، ولا يسرف في تقصي كل حركاتها وسكناتها ، ولا يحصي جميع عيوبها ، فإن ذلك يفسد العلاقة الزوجية ، ويقطع ما أمر الله به أن يوصل .
(( إِنَّ مِنَ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنَ الْخُيَلَاءِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْهَا مَا يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ وَأَمَّا الْغَيْرَةُ الَّتِي يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ وَعِنْدَ الصَّدَقَةِ وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يَبْغُضُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخُيَلَاءُ فِي الْبَاطِلِ))
[النسائي وأبو داود وأحمد عن جابر بن عتيك الأنصاري]
الغيرة في الريبة : شعرت الوضع غير طبيعي ، صار هناك ريبة ، هناك وضع لست مرتاحاً له ، الآن الغيرة يحبها الله . لكن زوجتك مؤمنة طاهرة ، لم تر أبداً في سلوكها شيئاً شاذاً ، تقصي الحركات والسكنات ، ومن خبّرك ؟ وأريد أن أحضر جهازاً يسجل لي المخابرات الآتية في البيت ، المبالغة في هذا الموضوع يفسد العلاقة الزوجية ، إن كانت هذه الغيرة مبنية على ريبة فهي التي يحبها الله عز وجل ، وإن كانت هذه الغيرة غير مبنية على ريبة فهذه التي يبغضها الله عز وجل ، وهي التي تسيء العلاقة بين الزوجين .
كذلك المرأة ، هناك امرأة غيورة ، والغيرة في النساء مرض وضعها الطبيعي سوي ، هناك امرأة لا تبالي ، هذه مريضة ، وهناك امرأة تبالي كثيراً لدرجة أنها ترهق زوجها بالتحقيقات ؛ أين كنت ؟ ومع من ذهبت ؟ وامرأة بين بين ، هذه تغار على زوجها إن ارتابت في سلوكه ، ولا تغار عليه إذا كانت واثقة من أخلاقه . ((وَالِاخْتِيَالُ الَّذِي يُحِبُّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ اخْتِيَالُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ ))
أي إذا كنت أمام عدو لله يجب أن تظهر بمظهر قوي ، إن هذه المشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن . الله عز وجل يحب الرجل رابط الجأش عند الصدمات :

وعند الصدمة ، أحياناً الإنسان يبلغ نبأ مفجعاً ، الله يحب الإنسان إذا تبلغ نبأ مفجعاً أن يكون متماسكاً ، الصبر عند الصدمة الأولى ، أي إذا المرأة بكت لا مانع ، المرأة تبكي ، والطفل يبكي ، والصغير يبكي ، والشاب يبكي ، والشابة تبكي ، والبكاء لا يزلزل مكانة الباكي ، أما إذا الزوج بكي فتنهار الأسرة كلها ، أي بكاء الزوجة شرف لها ، بكاء الابن شرف له ، لكن بكاء الرجل عند المصيبة ، بكاؤه إذا تجلى الله على قلبه هذا بكاء الصحابة الكرام ، هذا بكاء الصديقين ، هذا البكاء الذي يحبه الله عز وجل ، إن لم تبكوا فتباكوا ، أي إذا إنسان جلس بذكر الله عز وجل وفاضت عيناه في الدموع أقول لك : هنيئاً له، قلبه حي ، هناك حياة بقلبه ، هناك نبض ، تذرف عيناه بالدموع ، هذا البكاء ليس له علاقة في حديثنا ، أما إنسان بلغه نبأ فبكى ، هو الرجل هو القيم في البيت ، لذلك من صفات الرجال محنكون في الأزمات ، متماسكون عند الزلازل ، أحياناً قائد جيش إذا فرطت أعصابه تفرط المعركة كلها ، القيادة العالية ، التماسك الداخلي ، مهما كانت الأخبار سيئة في الحرف ، مهما كان هناك تقدم واجتياح ترى القواد الكبار متماسكين ، لأنه إذا انهارت أعصابه انتهت المعركة . حتى ربان السفينة ، يكون هناك أخطار هائلة ، على وشك الغرق ، ربان الطائرة ، قائد الطائرة يكون في مطبات جوية خطيرة جداً ، أحياناً يكون في عطل خطير بالطائرة ، إذا انهار الربان ينتهي ، ويموت الركاب جميعهم . هناك مناصب قيادية أحوج ما يحتاج فيها الإنسان إلى رباطة الجأش وتماسك الأعصاب . فالله عز وجل يحب الإنسان أن يكون عند الصدمة رابط الجأش متماسكاً .
" ثلاثة أنا فيهن رجل ؛ ما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حق من كتاب الله تعالى ، ما مشيت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول ، ما صليت صلاة فشُغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها " رجولة :
﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة النور: 37]
سُئلت امرأة مسترجلة : أنك على هذا الموقف ثابتة ؟ قالت لهم : هل أنا رجل حتى أقلب ؟ أي نحن في عصر ضاعت قيمة الرجال ، أي هي تترفع عن أن تكون رجلاً فتغير موقفها . شيء مؤلم . الاختيال :

الاختيال الذي يبغضه الله عز وجل الاختيال بالباطل ، يقولون إن أحد الصحابة كان له شأن - ليس اختيالاً حاشا لله ، كبر لا - في موقف ظنه الصحابة تيهاً ، فقيل له : ما هذا التيه يا فلان ؟ قال: هذا ليس تيهاً ولكنها عز وطاعة .
الطائع يشعر بعزة ، إذا إنسان طائع لله عز وجل يحس نفسه غالياً على الله ، أحياناً بحياتنا الاجتماعية إذا رجل له مكانة كبيرة في دائرة ، عنده موظف مخلص ، ومستقيم وإنجازه شديد ، ومقرب من هذا المسؤول الكبير ، ترى هذا الموظف المخلص المستقيم النزيه عنده نوع من أنواع الكبرياء ، هذه مقبولة . . الحمد لله الذي أخرجنا من ذل معصيته إلى عز طاعته . والله الذي لا إله إلا الله في قلب المؤمن عزة لو جمعت أهل الأرض كلهم وما فيهم من كبر لا يبلغون ما عنده من عزة ، قال تعالى :
﴿فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾
[سورة النساء: 139]
المؤمن عزيز .
سيدنا عبد الرحمن بن عوف ، جاءه رجل يقول له: يا أخي أنت أخي في الله ، خذ هذا البستان بكامله ، هدية ، قال له: بارك الله لك في مالك ، ولكن دلني على السوق . أحياناً إذا قلت لإنسان : خذ هذا المبلغ ، يتألم ، إذا دين آخذه ، أنت كن رقيقاً ، وقل له: دين . بكلمة دين حفظت له ماء وجهه .
وقال علي كرم الله وجهه :" لا تكثر الغيرة على أهلك فتؤتى بسوء من أجلها"
أي إذا شخص أكثر الغيرة ، هناك شخص كان يقفل الباب ، ما هذا الكلام ؟ الشباك مفتوح ، إذا قفلت الباب هناك هاتف ، لا يوجد حل وسط ، إما ثقة ، أو عدم ثقة ، أنت ابحث عن زوجة من أرقى الناس ، من أشرف العوائل ، ادرس الأمر دراسة ملية ، لا تتسرع بالزواج لأن الشك يتلف الأعصاب . * * *
أحاديث تبدأ بكلمة إنما :
إلى بعض الأحاديث الشريفة . هناك بعض الأحاديث القصيرة التي تبدأ بكلمة إنما . .
تفسير إنما البيع عن تراض :
(( إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاض))
[أبو داود عن أبي سعيد]
طبعاً المعنى واضح ، والحديث من الأحاديث الواضحة ، لكن أردت أن أذكره لفكرة واحدة ، هو أن بعض الباعة يستغلون جهل بعض الزبائن ، يقول لك: هو راض . مثلاً يأتي زبون ، هذه الحاجة سعرها عشرة ، رآه غشيماً قال له: ثلاثون ، قال له: راعينا ، قال بخمس وعشرين من أجلك ، أنت ابن حلال ، يقول : إذاً أعطني ، ماذا يظن هذا البائع ؟ أن هذا البيع عن تراض ، لو كُشف لهذا الشاري أن هذه الحاجة سعرها عشر ليرات ، هل يرضى ؟ لا يرض ، لذلك التراضي هنا ليس معناه أن يرضى وهو لا يعلم ، أن يرضى وهو يعلم السعر الحقيقي ، هذه الناحية أضعها بين أيديكم لأنها خطيرة .
أخي هو رضي ، أحياناً يخفي العيب ، النبي الكريم قال : " من باع عيباً " ما سماه سلعة ، باع عيباً ، فكلمة تراضي ، الإنسان لا يرضى إذا كان مغبوناً ، أما يرضى إذا كان جاهلاً ، فرضاه وهو جاهل لا قيمة له ، ولا علاقة له بهذا الحديث إطلاقاً .
رضا الشاري الجاهل لا علاقة له بهذا الحديث ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((غبن المسترسل حرام ))
[الطبراني عن أبي أمامة]
من هو المسترسل الغشيم ؟ الجاهل ، سبحان الله إذا الباعة غير مؤمنين و عرفوا أن هذا الشاري جاهل يرفعون السعر إلى درجة مذهلة ، لذلك عندما يسخر الله أناساً لقمع أناس فالله حكيم ، وهؤلاء دواء لهؤلاء ، وأما المستقيم فلا سلطان لأحد عليه . (( إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاض))
[أبو داود عن أبي سعيد]
أي التراضي الحقيقي . تفسير إنما الحلف حنث أو ندم :
حديث آخر : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
(( إِنَّمَا الْحَلِفُ حِنْثٌ أَوْ نَدَمٌ ))
[ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
أي نوع من أنواع الأيمان حنث أو ندم ، حلفت ألا تزور بيت أختك ، إن زرتها حنثت في يمينك ، وإن لم تزرها تندم وتقول : ما كان يجب عليّ أن أحلف هذا اليمين . هناك حالة ندم ، فالإنسان يكون حراً طليقاً يقيد نفسه بيده . حلفت يميناً ألا تذهب زوجتك إلى عند أمها ، الآن إذا ذهبت صار هناك طلقة ، وإن لم تذهب فأنت متألم أي زودتها في هذا اليمين ، أمها !! مثل ما تحب أن تزور أمك هي تحب أن تزور أمها ، فكل إنسان يحلف لابد من أن يندم ، ولا بد من أن يحنث ، والحنث مشكلة ، والندم مشكلة . وقال أصيحابي الكرار أو الردى فقلت : هما أمران أحلاهما مر
***
انظر إلى هذا الكلام الموجز : (( إِنَّمَا الْحَلِفُ حِنْثٌ أَوْ نَدَمٌ ))
[ابن ماجه عَنِ ابْنِ عُمَرَ]
أحياناً يكون له جار سمان ، يتشاجر هو وإياه ، يحلف بالله ألا يشتري منه ، يأتيه أحياناً ضيف ، ويلزمه أوقية لبن ، وهو بجانبه ، والباعة بعيدون ، فيتغلب غلبة لأنه حلف اليمين ، لا تحلف يميناً ، لا تقيد نفسك أبداً ، كن حراً طليقاً ، أنت قل بنفسك : لن أشتري من عنده ، وأنا أجد من علامة جهل الإنسان كثرة أيمانه ، كيفما تحرك يحلف يميناً ، تراه مقيداً ، من شيخ إلى شيخ ، حلفت طلقت أم لم أطلق ، والله نحتاج نحن إلى مجلس خبراء من أجل هذا الموضوع . تفسير إنما الطاعة في المعروف :

(( إنما الطاعة في المعروف ))
[ البخاري عن علي]
أحاديث كلها موجزة ، أحياناً تظن الزوجة أن الله أمرها بطاعة زوجها ، وإذا أمرها بالسفور ؟ فهذه ليست طاعة ، إذا أمرها أن تدخل على رفيقه وتسلم عليه ، هذه ليست طاعة . حيثما وردت كلمة طاعة في القرآن والحديث فيعني في المعروف ، فيما شرع الله ، فيما أمر به ، فيما سمح به ، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، أي مخلوق . من يطيع مخلوقاً في معصية الخالق كمن يتلقى أمراً من عميد ، ويتلقى أمراً من عريف ، فيطيع العريف ويعصي العميد ، يكون لا يعرف الرتب إطلاقاً ، لا يعرف الصلاحيات ، هذا إنسان لا تقدم طاعته ولا تؤخر ، ولا تقدم معصيته ولا تؤخر ، ولكن ذاك الذي يملك الثكنة ، هذا مثل منتزع من حياتنا ، فالذي يطيع إنساناً ويعصي إلهاً ، هذا منتهى الحمق ، إنه من ضعف اليقين أن ترضي الناس بسخط الله . تفسير النساء شقائق الرجال :

ربنا عز وجل يزوج الرجال بما يشبههن من النساء ، وأغلب الظن أنه هذه الزوجة أنسب زوجة لي . أي الزواج حدث ضخم . طبعاً في حالات شاذة ، لها تفسير ، أما الحالة العامة فإن الطيبين للطيبات .
الطيبون للطيبات والطيبات للطيبين ، والزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة . له غلطة ، لها غلطة ، له خبرات سابقة ، لها خبرات سابقة ، عفيف جداً ، عفيفة جداً ، ورع ، ورعة: (( إنما النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ))
[ الترمذي عن السيدة عائشة ]
هناك رجل فطن و هناك امرأة فطنة ، رجل عنده ذكاء اجتماعي و رجل أحمق و امرأة حمقاء . ((لا تسترضعوا الحمقاء ؛ فإنَّ اللبن يورِّث ))
[البزَّار عن عائشة]
هذه الحقيقة اكتشفت حديثاً أن جزءاً من أخلاق المجتمعات يتأثر بنوع الطعام بنوع اللحوم التي يأكلها المجتمع . ((لا تسترضعوا الحمقاء ؛ فإنَّ اللبن يورِّث ))
[البزَّار عن عائشة]
وتخيروا لنطفكم فإن العرق دسـاس ، فهذه الأحاديث : " إنما النساء شقائق الرجال " ، " إنما الطاعة في معروف " ، " إنما الحلف حنث أو ندم " ، " إنما البيـع عن تـراض " .
حقائق أساسية : لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . لا تحلف يميناً مهما يكن السبب ، إلا إذا استحلفت ، إذا استحلفت لا خيار لك .
قال له : أنا والله حلفت ، ولكن نويت على غيرها . قال : له أخذت منه المبلغ؟ قال : ما أخذتهم أنا سيدي ، قصده المفاتيح ما أخذهم ، اليمين على نية المستحلف لا على نية الحالف . يحنث بيمينه بحسب نية المستحلف لا بحسب نية الحالف . * * *
فن الانتقاد الناجح المثمر مبني على حقيقتين :

والآن إلى السيرة التي نتحدث عنها كل أسبوع ، وهي متابعة لقصة سيدنا عمير ابن سعد .
عمير هذا الشاب الصغير الذي لا يزيد عمره عن عشر سنين ، والذي حدثتكم عنه في الدرس السابق ، وكيف أنه كان سبباً في توبة عمه زوج أمه الجلاس ، وكيف أنه وقف موقفاً رائعاً .
اليوم خطر في بالي خاطر ، النبي الكريم كان يصلي ، بعد أن نوى الصلاة وائتم به الصحابة الكرام ، جاء رجل متأخراً فأحدث من الجلبة والضجيج في الجامع ما شوش على المصلين صلاتهم ، بعد أن انتهى النبي الكريم من صلاته ، قال لهذا الرجل : " زادك الله حرصاً ولا تعد ". استنبط العلماء من هذا القول أن فن الانتقاد الناجح المثمر مبني على حقيقتين ؛ الحقيقة الأولى : أن تبدأ بالثناء على الذي تنتقده .
عندك ابن غلط ؛ أنا والله يا بني مسرور من أمانتك ، ومن أدبك ، ومن صلاتك، لكن هذا الموضوع لا أحبه لك . لما الابن سمع كلمات الثناء بما هو أهله ، الشيء الواقعي صار بعد هذا الثناء يتحمل النقد ، هذه بتلك ، صار هناك تعادل .
أساساً ألّف كتاب اسمه : كيف تكسب الأصدقاء ؟ لدييل كارينجي ، هذا مؤلف أمريكي ، الكتاب طُبع منه خمسة ملايين نسخة ، من أوسع الكتب انتشاراً ، أي كيف تعامل الناس معاملة يحبوك فيها ؟ هناك رجل عالم في مصر ، ألف كتاباً تعقيباً على هذا الكتاب ماذا فعل ؟ دلل على أن كل قواعد هذا الكتاب إنما هي آيات كريمة ، وأحاديث شريفة . ففي أحد الفصول ، أنه إذا أردت أن تنتقد مرؤوساً لك ؛ أنت مدير معمل ، مدير مؤسسة ، رئيس دائرة، مدير ثانوية ، مدير مدرسة ، ضابط في قطعة عسكرية ، عندك عنصر أساء ، لابد من أن تحاسبه ، لما تحاسب هذا العنصر على خطئه ولا تذكر محاسنه ، هذا العنصر ينقم عليك ، هذا العنصر عامل جهده ، جاء باكراً ، عامل أعمالاً لا بأس بها ، غلط غلطة مع مراجع مثلاً استدعاه المدير ، هذه كيف تغلطها ؟ يتألم بنفسه ، أنه أما رأى دوامي مضبوطاًَ ؟ أما رأى إخلاصي ؟ ألم ير أني لم أرتشِ في حياتي ؟ لما المدير العام يقول له : أنا مسرور من نزاهتك وأنا أعرف أن دوامك مضبوط . وأنا بلغني أنك إنسان نبيه ، لكن هذا الموضوع لا تريد أن توصف به ، والموضوع كذا وكذا وكذا . الثناء الحقيقي ، المعتدل ، الواقعي ، إذا بدأ به الذي يحاسب ، ثم ثنى بالخطأ هذا الخطأ يُتقبل ، فالنبي الكرم لما ركض هذا الإنسان أحدث جلبة وضجيجاً وصياحاً في المسجد ، وشوش على المصلين ، هذا عمل سيئ ، ولكن بدافع ماذا؟ بدافع حرصه على الصلاة ، قال له عليه الصلاة والسلام: " زادك الله حرصاً ولا تعد"
جربوا هذه القاعدة ، لا يوجد واحد منا إلا و يكون تحت يده أحد ، قد يكون أباً ، قد يكون معلماً ، قد يكون عنده موظفون في محل تجاري ، أنت أثني على ما هو موجود ، ثم ثني بالخطأ ، وعلى انفراد ، إذا فعلت هذا أمام الناس صار تشهيراً ، والإنسان قلّما يعترف بخطئه إذا كان في ملأ . لا يعترف بخطئه . تذكير الآخرين بفضلهم قبل انتقادهم :
لذلك سيدنا عمير بن سعد كان الجلاس أمامه قد تكلم بكلمة فيها كفر ، لكن أحسن له كثيراً ، قال له: والله يا عماه ، ما من رجل على ظهر الأرض أحب إلي بعد رسول الله منك . بدأ بموقفه ، حتى لا يقول ما هذا اللؤم ؟ ربيته ، أطعمته ، كسوته ، اعتنيت به و هكذا تكلم ، أي أنا أعرف فضلك عليّ .
سيدنا رسول الله بلغه أن بعض الأنصار في أنفسهم حزن ، قال له: يا رسول الله: إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم - سيدنا سعد بن عبادة - قال: ولمَ ؟ قال: في هذا الفيء الذي وزعته على الأنصار ؟ قال له : يا سعد أين أنت منهم ؟ قال: ما أنا إلا من قومي . والله أنا مثلهم حزين أيضاً . قال له : اجمع لي قومك ، فجمع قومه ، قال لهم : " يا معشر الأنصار، مقالة بلغتني عنكم ، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم ، من أجل لعاعة تألفت بها قوماً ليسلموا ، ووكلتكم إلى إسلامكم ، يا معشر الأنصار ، أما أنكم لو قلتم لصدقتم ولصدقتم به ، أتيتنا مكذباً فصدقناك ، أتيتنا عائلاً فأغنيناك ، أتيتنا ضعيفاً فنصرناك - هذا صحيح - لو قلتم هذا أنتم صادقون ، ولو قلتم للناس هذا أنتم مصدقون ، أنتم صادقون ومصدقون . ولكن يا معشر الأنصار ، ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ؟ ألم تكونوا أعداءً فألف بين قلوبكم ؟ ألم تكونوا عالة فأغناكم الله ؟" متى بدأ بفضله عليهم ؟ بعدما ذكر فضلهم كما يتوهمون ، لا ينسى الجميل صلى الله عليه وسلم .
صهره دخل مع المشركين في حربه ، أبو العاص ، كان أحد الجنود أو أحد الأبطال إن كان هناك بطولة لجيش الكفار في بدر . ألقي القبض عليه أسيراً ، استعرض الأسرى فرأى صهره . . قال : والله ما ذممناه صهراً . كصهر ممتاز ، أما هنا فيحارب رسول الله . بكلمة ما ذممناه صهراً ذوبه ذوباناً . وضمه إلى بيته ، وأكرمه ، وقبل الفداء الأقل من المطلوب وأرجعه إلى زوجته . انظر هذه المواقف كلها ، أنت تريد أن تنتقد .
الآن معظم مشاكل الناس الانتقاد ، ينتقده بقسوة فيقطعه ، إن كان الأب مع ابنه ، إن كان الأخ مع أخيه ، الشريك مع شريكه ، الزوجة مع زوجها ، انتقاد حاد ، مؤذ ، كلمة قاسية ، اذكر الميزات ، هذه التي تشكو منها ، أليست عفيفة ؟ نعم ، أليست شريفة ؟ نعم . أليست سيدة منزل جيدة ؟ نعم . تطبخ ؟ تطبخ ، نظيفة ؟ نظيفة ، إذا كنت تريد أن تعاتب زوجتك ، قل لها : والله أنا ممنون من اهتمامك ، ومن ترتيبك ، ومن نظافتك ، ومن ، ولكن لي عندك ملاحظة . انظر الآن كلمة ممنون برد وسلام . أما إذا بدأت بالنقد تلقى بركاناً . . لذلك إذا أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ، ثم رأت منك شيئاً قالت: لم أر منك خيراً قط .
إذا إنسان بلغ سيدنا رسول الله ما معنى هذا ؟ أنه صار نماماً ، أنه تكلم عنك هكذا ، قال له: إني ذاهب إليه ، لأقول له ما قلت . وبهذا الكلام أعطاه فرصة ليتوب . ذكر فضله وانتقده ، وأعطاه فرصة ، وذهب وما غدر به ، وطفل عمره عشر سنوات .
كيفية اختيار عمر بن الخطاب ولاته :
سيدنا عمر رضي الله عنه كان يختار ولاته ، وكأنه يختار قدره . مهم كثيراً أن يحسن الخليفة اختيار الولاة ، لأنه أحد أسباب نجاحه في خلافته حسن اختياره للولاة ، وأحد أسباب إخفاق الخليفة سوء الاختيار للولاة ، هؤلاء الحواشي خطيرون جداً ، لأنه إن كانوا محسنين فالناس في بحبوحة ، وإن كانوا سيئين فالناس في بلاء .
قال : وكان رغم بصيرته النافذة ، وخبرته المحيطة يستأني طويلاً ، ويدقق كثيراً في اختيار ولاته ومعاونيه . اسمعوا هذه العبارة كان يقول سيدنا عمر: أريد رجلاً إن كان ليس عليهم أمير بدا وكأنهم أميراً عليهم ، وإن كان أميراً عليهم بدا وكأنه واحد منهم ، هكذا يريده. والله هذا مقياس من أرفع المقاييس ، يعين أميراً عليهم إنساناً منهم متواضعاً ، هو ليس أميراً عامل حاله أمير بالرعاية والاهتمام والشؤون والخدمة . إن كان ليس عليهم أمير بدا وكأنهم أميراً عليهم ، وإن كان أميراً عليهم بدا وكأنه واحد منهم . أريد والياً ، لا يميز نفسه على الناس في ملبس ، ولا في مطعم ، ولا في مسكن . يقيم فيهم الصلاة ، ويقسم بينهم بالحق، ويحكم فيهم بالعدل ، ولا يغلق بابه دون حوائجهم .
هذه الشروط الواجب توافرها في الولاة . والدليل هكذا كان سيدنا عمر ، ترك اللحم أثناء المجاعة أربعين يوماً فكركب بطنه فحدثه ، قال: يا بطني ، قرقر إن شئت أولا تقرقر ، فوالله لن تأكل اللحم حتى يشبع منه صبية المسلمين ، جاءته هدية من أذربيجان طعام نفيس ، فلما أكلها قال : يا هذا أيأكل عندكم عامة المسلمين هذا الطعام ؟ قال: لا هذا طعام الخاصة . فلفظها من فمه .
إلزام أمير المؤمنين عمر عمير بن سعد بولاية حمص :
في ضوء هذه المعايير اختار سيدنا عمر عمير بن سعد بعدما كبر والياً على حمص ، وحاول عمير أن يخلص منها وينجو ، ولكن أمير المؤمنين ألزمه بها إلزاماً وفرضها عليه فرضاً ، واستخار الله عميراً ومضى إلى واجبه وعمله ، وفي حمص مضى عليه عام كامل ، لم يصل إلى المدينة منه خراج ، ولا كتاب ، ولا خبر ، ولا شيء ، بل ولم يُبلغ أمير المؤمنين رضي الله عنه كتاباً ، و نادى أمير المؤمنين كاتبه وقال له: اكتب إلى عمير ليأتي إلينا ، فدعاه على جناح السرعة سيدنا عمير جاء من حمص إلى المدينة ، وسيدنا عمر كتب فقال: ذات يوم شهدت في شوارع المدينة رجلاً أشعث أغبر تغشاه وعاء السفر ، يكاد يقتلع خطاه من الأرض اقتلاعاً ، متعباً ، من طول ما لاقى من عناء ، وما بذل من جهد ، على كتفه اليمنى جراب وقصعة – قصعة : صحن - وعلى كتفه اليسرى قربة صغيرة فيها ماء . مطرة ، وصحن ، وجراب . وإنه ليتوكأ على عصا لا يؤودها حمله الضامر الوهنان ، وجلس إلى مجلس عمر في خطا وئيدة وقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين . من هذا ؟ سيدنا عمير ، ما استدعاه عمر ، جاء .
ويرد عمر السلام ثم يسأله ، وقد آلمه ما رآه عليه من جهد وإعياء ما شأنك يا عمير ؟ قال : شأني ما ترى ، ألست تراني صحيح البدن ؟ قال: بلى ، معي الدنيا أجرّها بقرنيها ، هذه معي ، كل الدنيا أجرها ، هذا الجراب ، وهذه القصعة ، وهذه المطرة ،
قال: يا عمير ما معك ؟ قال: معي جرابي أحمل فيه زادي ، وقصعتي آكل فيها ، وأدواتي أحمل فيها وضوئي وشرابي ، وعصاي أتوكأ عليها ، وأجاهد بها عدواً إن عرض ، فوالله ما الدنيا إلا تبع لمتاعها ، هذا كل دنياي ، جئت من حمص أنا وأغراضي كلها ، قال عمر: أجئت ماشياً ؟ قال : نعم . قال : أو لم تجد من يعطيك دابة تركبها ؟ قال: إنهم لم يفعلوا ، وإني لم أسألهم .
قال له : فماذا عملت فيما عهدنا إليك به ؟ قال : أتيت البلد الذي بعثتني إليه فجمعت صلحاء أهله ، ووليتهم جباية فيئهم وأموالهم - انظر إلى هذه الإشارة ، الصلحاء ولاهم جباية الأموال ، أحياناً يكون هناك أخطاء كبيرة جداً في جباية الأموال ، أحياناً يتحمل الإنسان فوق طاقته ، أحياناً تنهار أسر - قال له عمر: فما جئتنا بشيء ؟ طبعاً الوالي يجبي الأموال ينفقها على المحتاجين ، والفائض يرسله إلى الخليفة . فقال له : أما جئتنا بشيء ؟ قال له : أتيت البلد الذي بعثتني إليه ، فجمعت صلحاء أهله ، ووليتهم جباية فيئهم وأموالهم ، حتى إذا جمعوها وضعتها في مواضعها ، ولو بقي منها شيء لأتيتك به .
قال له: أما جئتنا بشيء ؟ قال : لا ، فصاح عمر وهو منبهر سعيد : جددوا لعمير عهداً ، تمديد سنة ثانية ، فأجابه عمير في استغناء عظيم : تلك أيام قد خلت ، لا عملت لك ولا لأحد بعدك .
سيدنا عمر ماذا قال ؟ قال : وددت لو أن لي رجالاً مثل عمير ، أستعين بهم على أعمال المسلمين أي نزاهة فوق التصور ، لم يملك من الدنيا إلا هذا الجراب ، وهذه القصعة ، وهذه المطرة كما يسمونها الآن ، وهذه العصا ، جاء بكل متاعه من حمص ، مشياً على قدميه ، فأمير حمص سيدنا عمير رسم واجباته فقال : ألا إن الإسلام حائط منيع ، وباب وثيق ، فحائط الإسلام العدل ، وبابه الحق .
له حائط ، وله باب ، الحائط هو العدل ، والباب هو الحق ، فإذا نُقض الحائط ، أي لا يوجد عدل ، وحطم الباب ، استفتح الإسلام ، ولا يزال الإسلام مينعاً .
طبعاً استفتح الإسلام أي انتهى ، فتحت بلاد المسلمين ، وأخذت أرضهم ، وانتهكت حرماتهم ، وفعل بهم أعداؤهم ما يشاؤون ، متى ؟ إذا انهار الحائط وهو العدل ، وتخرب الباب وهو الحق ، ولا يزال الإسلام منيعاً ما اشتد سلطانه ، وليست شدة السلطان قتلاً بالسيف ، ولا ضرباً بالسوط ، ولكن قضاءً بالحق ، وأخذاً بالعدل ، هذا كان منهجه في إدارة شؤون حمص .
سيدنا عمير رأيتم في الأسبوع الماضي حينما كان شاباً صغيراً كيف وقف من عمه الجلاس ، وحينما كبر وعينه سيدنا عمر والياً على حمص ، رأيتم تقشفه ، وزهده وورعه ، وتقاه . وكل واحد منا إذا تعفف عن الحرام ، إذا زهد في الدنيا ، وأحب الله ، وكان عند أمره فهو من أسعد الناس بلا شك ، ولا يزيده الزمن إلا سعادة ، والزمن في صالحه ، ومهما امتد به العمر يزداد رفعة ، وسعادة ، ومكانة ، فإذا جاء الموت كان الموت عرسه ، وفرحته الكبرى ، لأن الله عز وجل أعدّ للمؤمنين ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر .
إمكانية الهدى موجودة عند كل إنسان :
هناك سؤال : هؤلاء الصحابة هل هم من طينة ونحن من طينة ثانية ؟ لا والله . والله الذي لا إله إلا هو حينما خلق الله الخلق لم يميز أحداً على أحد ، فرعون عنده استعداد أن يكون مؤمناً كبيراً ، لذلك :
﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً ﴾
[ سورة طه: 43 -44 ]
إمكانية الهدى عند فرعون موجودة ، إذا رأيت إنساناً ضالاً بعيداً عن الحق ، عنده استعداد أن يكون من كبار المؤمنين ، كهؤلاء الصحابة الذين بلغوا الأوج ، سعدوا وأسعدوا ، أخلصوا لله فكسبوا الدنيا ، هم ملوك الآخرة ، هؤلاء الصحابة هم ملوك الآخرة .
أحياناً يكون الإنسان له عمل متواضع ، يأتي إلى مكان آخر له شأن كبير ، فالإنسان قد يكون في الدنيا إنساناً عادياً ، لكن إذا انتقل إلى الدار الآخرة قد يكون ملكاً من ملوك الآخرة ، يُشار له بالبنان . ﴿ إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ ﴾
[سورة الواقعة]
الإنسان ألا يغار ، هذه القصص ألا تبعث الغيرة في نفس أحدنا ؟ والإله موجود كما هو ، وأبواب البطولة مفتوحة ، أبواب التقوى ، والعمل الصالح ، ومد يد المعونة للناس ، وذكر الله ، وقراءة القرآن ، والتفكر في آلاء الله ، كله مفتوح ، والله هو هو ، وكل الفرص التي كانت متاحة لهؤلاء الصحابة متاحة لكم ، ولي الآن . ألا تستطيع أن تكون ورعاً ؟ نعم . ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ، ألا تستطيع أن تكون محسناً ؟ نعم . ألا تستطيع أن تكون محباً لله ؟ نعم . كله بيدك ، فلماذا هؤلاء كانوا هكذا ولماذا نحن هكذا? نحن ألف كألف ، وكانوا واحداً كألف ، فلذلك سُمي عصر رسول الله عصر الأبطال . إذا الطفل هكذا مواقفه ، ولما كبر صار والياً على حمص ، هكذا مواقفهم ، الإنسان يستطيع أن يسلك هذا الجانب . على الإنسان محاسبة نفسه ليرتفع عند الله عز وجل :
أنا أردت من هذه القصص ليس المتعة ، أي إذا خطر ببال أحدكم أن هذه القصص ممتعة ، هي ممتعة ، ولكن والله ما أردتها لأنها ممتعة ، ولكني أردتها كدرس عملي أمامنا ، وحافز يحفزنا إلى أن نكون على قدم هؤلاء ، قال: لا تسبوا أصحابي من بعدي ، فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغتم مد أحدهم ولا نصيفه .
ورع ، محبة ، استقامة ، طهر ، إخلاص ، صدق ، تضحية ، هكذا كانوا والأبواب مفتحة ، فالإنسان يحاسب نفسه ، أنا ماذا فعلت من هذه القصص ؟ من هذه المواقف المشرفة ؟ هل لي مواقف مثلها ؟ هل لي مواقف أفخر بها عند الله عز وجل ؟ لقد رضي الله .
الآن أرقى لقب ، يقول لك : معه بورد ، يكتبها عند أحسن خطاط يضع لها إضاءة من الداخل . والله كلمة رضي الله عنه والله أرقى من بورد ، إذا كان إنسان مذنب رضي عنك فأعطاك هذه الشهادة ، فكيف إذا رضي عنك الإله ؟
ما معنى منحوه شهادة ؟ رضوا عنه . متى يمنح الدكتور الطالب الإجازة ؟ عندما يرضى عن مستواه العلمي ، كأنها رضي فلان عنه ، فإذا رضي فلان عنه فمنحه هذه الشهادة فكيف إذا رضي الله عنه ؟ فكلمة رضي الله عنه أعلى لقب علمي ، أعلى لقب أخلاقي ، أعلى لقب إنساني ، الإنسان يسعى أن يرضي الله عز وجل ، لذلك :
﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾
[ سورة الفتح : 18]
لذلك : "ما ضر عثمان ما فعله بعد اليوم " . إن شاء الله عز وجل يكرمنا ، ويكون لأحدنا موقف مشرف ، موقف أخلاقي ، موقف فيه نبل ، موقف فيه تضحية ، فيه معاونة ، فيه ورع ، فيه عفة . قال لي مرة شخص : دُعيت إلى امرأة ذات منصب وجمال ، فقلت : إني أخاف الله رب العالمين . . هذه القصة وقعت معه من ثلاثين سنة كلما رأى شخصاً يحكيها له ، يفتخر فيها ، هذا موقف ، موقف مشرف ، لا أحد يخشاه إلا الله .
والإنسان كلما تقدم بهذا الموضوع يسعد ، في فترة يحس حاله كتلة من السعادة متنقلة ، شيء عظيم عند الله عز وجل ، أما المال وحده فلا يرفع الإنسان عند الله عز وجل ، لا المال ولا الشهرة ولا أي شيء من متاع الدنيا .


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-08-2018, 07:09 AM   #3


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى 2



بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى

الدرس : ( الثالث )

الموضوع : حقوق الزوج





حقوق الزوج على زوجته :
1 ـ أن يكون أمره نافذاً :
أيها الأخوة المؤمنون: حقوق الزوج على زوجته ، تحدثنا في الدرس الماضي كيف أن الله سبحانه وتعالى قال:
﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾
[سورة النساء34: ]
وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لموفدة النساء إليه : (( انصرفي أيتها المرأة ، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها ، وطلبها مرضاته ، واتباعها موافقته ، يعدل ذلك كله- أي يعدل الجهاد في سبيل الله - ))
[أخرجه ابن عساكر وأخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]
وكيف أن المرأة إذا صلت خمسها ، وأطاعت زوجها ، وحفظت فرجها ، دخلت جنة ربها . وكيف أن المرأة إذا ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة .
عقبت على هذه الأحاديث التي في صالح الزوج أن المرء يجب أن يكون أهلاً لهذه المعاملة ، عليه أن يكون كريماً ، عليه أن يكون حليماً ، عليه أن يكون ورعاً ، إذا حقق هذه الصفات استحق أن تكون هذه الأحاديث مما تعنيه . والحديث الأخير الذي أنهيت به موضوع الفقه في الدرس الماضي قوله عليه الصلاة والسلام : ((حق الزوج على زوجته ألا تمنعه نفسها ولو كان على ظهر قتب – بعير- وألا تصوم يوماً واحداً إلا بإذنه إلا لفريضة ، فإن فعلت أثمت ولمن يُتقبل منها ، وألا تعطي من بيتها شيئاً إلا بإذنه ، فإن فعلت كان له الأجر وكان عليها الوزر ، وألا تخرج من بيته إلا بإذنه فإن فعلت لعنها الله وملائكته حتى تتوب أو ترجع ، وإن كان ظالماً ))
[ أبو داود عن عبد الله بن عمر]

لحسن سير الحياة في الأسرة لابد من طرف أمره نافذ ، وهو الزوج كونه ظالم أو غير ظالم بحث آخر ، لكن لابد من إنسان يأمر فيطاع ، لابد لهذه السفينة من ربان ، لابد لهذه الطائرة من طيار وقائد إذا أمر يُنفذ الأمر ، بصرف النظر عن قناعة معاونه بأحقية هذا الأمر ، أو عدم قناعته ، لذلك وإن كان ظالماً .
حينما جاء النبي الكريم أخو إحدى الصحابيات يستأذنه في أن تخرج أخته لعيادة أبيها ، قال له: " قل لأختك طاعتها لزوجها خير من عيادة أبيها" وكره النبي عليه الصلاة والسلام أن يعتدي على حق الزوج .
هذا ملخص الأحاديث التي سيقت في الأسبوع الماضي ، وقد رجوت الأخوة الأكارم أنهم إذا ذكروا هذه الأحاديث في ثورة الغضب فإن الزوجة تكفر بها ، وقد تسمعك كلاماً لا ترضاه ، لا ينبغي أن تستغل هذا الحديث استغلالاً شخصياً ، قبل أن تقول هكذا يقول عليه الصلاة والسلام راقب نفسك ، هل أنت في مستوى هذه الأحاديث ؟
لذلك خرج النبي عليه الصلاة والسلام مرةً إلى أصحابه قائلاً: "غضبت أمكم غضبت أمكم " السيدة عائشة ، يُستنبط من هذا الحديث أن المرأة إذا غضبت على الزوج أن يسكت ، وإذا غضب الزوج على المرأة أن تسكت .
أي إذا مسكنا زجاجتين وصدمناهما ببعضهما تتكسران ، أما قطعة من الإسفنج وقطعة من الزجاج فلا يحصل شيء ، الأولى تمتص الثانية ، فإذا كانت الزوجة غضبانة فأنت مثّل دوراً سلبياً ، فإذا كنت أنت الغاضب عليها أن تمسك . النبي الكريم هكذا علمنا ، خرج على أصحابه وقال: "غضبت أمكم غضبت أمكم "
المرأة أحياناً يكون عليها ضغوط كثيرة ، الزوج يخرج من البيت يرجع الظهر أحياناً تتعسر في أمور الغسيل ، أحياناً يكون حاجات ناقصة في البيت ، فالرجل حين يرجع إلى البيت ويلقى زوجته غاضبة عليه أن يتلقى هذا بصدر واسع . 2 ـ عدم إدخال من يكره زوجها إلى البيت :
الحق الثاني الذي على المرأة : عدم إدخال من يكره زوجها إلى البيت ، إذا قال زوجها: فلانة لا أريد أن تدخل بيتي فمعنى ذلك أن فلانة لا ينبغي أن تدخل بيته ، رضيت أم غضبت ، أعجبها ذلك أم لم يعجبها ، فمصلحة الزوجة مع زوجها لا مع جاراتها ، وكم من مشكلة وقعت بسبب أن هذه الزوجة الحمقاء آثرت علاقتها الطيبة بجيرانها ، وضحت برضا زوجها ، لذلك إذا أمر الزوج أن هذه فلانة لا أحب أن تدخل بيتي ، فللزوج وجهة نظر تحترم، قد تدخل امرأة إلى البيت من أهل اليسار ، ليس عكس اليمين ، أي الغنى ، فكلما وقع بصرها على شيء في البيت ازدرته ، فانطمست الزوجة ، فإذا عاد الزوج أقامت عليه النكير؛ أنت لا تعرف قدري ، أنت لا تقدم لي على الأعياد شيئاً يُذكر ، أنت لا تكرمني بسبب هذه الزائرة الظالمة التي لا تعرف الله عز وجل .
لذلك قال عليه الصلاة والسلام: " ليس منا من فرق " .
أي إنسان يفرق بين زوجين ، بين أخوين ، بين أم وابنها ، بين شريكين ليس من أمة سيدنا محمد ، وقد يكون التفريق ببعض الملاحظات .
امرأة زارت امرأة أخرى ؛ كم كان مهرك ؟ تقول : عشرة آلاف ، عشرة ، لماذا من بهذا الوقت قبل بعشرة ؟ شيطان داخل فيها ، إن تكلمت على المهر تؤذي ، وإن تكلمت على نوع الصيغة تؤذي ، وإن تكلمت على البيت تقول : ما هذا البيت ؟ أيسكن هذا البيت؟ والله خم دجاج أفضل منه . يأتي الزوج يرى زوجتها مقلوبة ، لم تكن هكذا ، هو مسرور وراض و هي راضية ، فإذا أمر الزوج أن هذه المرأة التي تزورنا كل حين فتفسد العلاقة فيما بيننا ينبغي ألا تأتينا ، فعلى الزوجة أن تنصاع لهذا الأمر .
طبعاً كل إنسان له مشكلة ، والناس كما يقال بلاء للناس ، أحياناً الإنسان يكون مرتاحاً ، كلمة سيئة ، ساعة غفلة من الزوجة ، وساعة يقظة شيطانية من الزائرة ، ترى أن عرى الزوجية قد فصمت وصار الخصام والمشاحنة ، وما من مشكلة إذا أردت أن أعمم إلا وراءها إنسان سبب الإيقاع بين هذين الشخصين .

لذلك يتمنى الشيطان أن يفرق تلك العلاقات ، أي ما من علاقة يرضى عنها الله سبحانه وتعالى كأن تكون العلاقة بين الزوجين طيبة ، وما من علاقة يكرهها الله عز وجل كأن يكون الخصام والشقاق . تدخل إلى بيت متواضع جداً بالجادة العاشرة إن كان هناك عشر جادات ، الأرض عدسة ، الفرش إسفنج فقط ، الجلائل خام أبيض ، و لكن هناك سعادة، و مودة ، و رحمة ، هذا البيت جنة . وتدخل إلى بيت فرشه مكلف مليون ليرة ، ثمنه مليونان، وجميع الأجهزة الكهربائية موجودة من دون استثناء ، وهذا البيت قطعة من جهنم .
سر الزواج الوفاق بين الزوجين ، وأبشع ما في الزواج أن يكون الخصام والنكد. تلقى البنت تنشأ على النكد ، البنت تشرب من أمها ، إذا زُوجت هذه الفتاة تكون علاقتها بزوجها سيئة ، لأنها رأت علاقة أمها بأبيها ، وإذا كانت العلاقة طيبة بين الأم والأب ، أغلب الظن بأن زواج البنات ناجح ؛ لأنك ترى المودة والرحمة والتسامح واللطف والاعتذار تتعلم من أمها ، فالإنسان إذا خطب الأهل لا يكون مخطئاً ، إذا أصرّ على معرفة طبيعة العلاقة في هذا البيت بين الزوجين ؛ هل هناك تسامح ؟ هل هناك مودة ؟ هل هناك احترام ؟ هل هناك شقاق ؟ خصام ؟ نكد ؟ إغاظة ؟ إذا تزوج إنسان ابنة بيت فيه خصام أغلب الظن أنه لن يرتاح، إذاً هذا أمر قطعي ، أنا أريد أن أوضح ذلك ، إذا قال الزوج : لا أريد أن تدخل فلانة إلى بيتي . . لكن أنا سأهمس في أذن الأزواج : إياك أن تستخدم هذا الحق في منع الزوجة أن ترى أهلها . لا أسمح لأمك أن تدخل بيتي . لا ، هذا فيه ظلم ، هذه أمها ، إن قلت ذلك ووقع منك يمين معظم ، فكأن الطلاق صار بيد الزوجة ، كانت تخاف منك ، فصرت تخاف منها ، فإذا سمحت لأمها بدخول البيت وقعت طلقة . لا ينبغي أن تستخدم هذا الحق استخداماً تعسفياً ، بالقوانين مادة تقول : التعسف في استعمال السلطة ، مثلاً موظف في دائرة وموظف آخر في دائرة ، الأول أعلى من الثاني ، لم يرض الثاني أن يتواطأ مع الأول لكسب حرام ، فأمر بنقله إلى محافظة نائية ، نقول : إن هذا النقل تعسفي ، لم يُقصد منه المصلحة العامة ، لكن القصد الكيد والإبعاد . كذلك الزوج أعطاه الله صلاحيات ، كل إنسان أعطاه الله صلاحيات لا ينبغي أن يستخدمها بشكل تعسفي . أي إذا رسول الله قال للمرأة : " إذا صلت المرأة خمسها ، وصامت شهرها ، وأطاعت زوجها ، دخلت جنة ربها "، لا ينبغي لهذا الزوج أن يستخدم هذه السلطة بشكل تعسفي . الإنسان العاقل دائماً يجعل مجالاً كبيراً جداً للمودة .
أحبب حبيبك يوماً ما عسى أن يكون بغيضك يوماً ما ، وأبغض بغيضك يوماً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما . أي لا ينبغي أن يعادي الرجل أهل زوجته ، صار هناك مشكلة يعاتب عاتباً لطيفاً فقط . أما يقيم النكير ، ويسب ، ويبهدل ، ويخبط الأبواب ويطردهم. أنت ما أبغضتهم هوناً ما ، أبغضتهم بالمبالغة ، فكأنك قطعت حبال المودة .
الاعتدال علامة عقل الإنسان الراجح :

الإنسان علامة عقله الراجح اعتداله ، علامة عقله الراجح أنه معتدل في انفعالاته، معتدل في تصرفاته ، معتدل في كلامه . أي إذا دخل إلى البيت فوجد شيئاً لا يعجبه قال : والله إذا هذا الشيء وقع مرة ثانية سأحزن ، . . شيء جميل ، أريد أن أحزن الكلام معقول أما أريد أن أطلق فوقعت مرة ثانية بمشكلة ، أحرجت أنت ، إن ما طلقت لم يعد لكلامك قيمة وإن طلقت خربت بيتك ، لا تقل أريد أن أطلق . إن وقعت مرة ثانية سأحزن ، أما أريد أن أعمل شيئاً لن تسري منه ، ما هذا الشيء ؟ هذا الشيء المخفي يخيف كثيراً . إنسان دخل إلى مطعم فقال: هل تعشيني أم أعمل مثلما صنع أبي البارحة فخاف منه ، أن يكون أبوه مجرماً ، أو قاتل قتيل ، قال له: لا تعال أعشيك ، فصنع له عشاءً فخماً ، بعد أن انتهى قال له: ماذا صنع أبوك ؟ قال له: نام بلا عشاء . فإذا إنسان قال : إن أعيد هذا الشيء سترون شيئاً كبيراً ، ما هذا الشيء ؟ الله يعلم ، هذا شيء واسع ، مفتوح ، إذاً هناك أزواج ما عندهم حكمة ، الإنسان لا يحدد ، ولا يذكر عقوبات محددة ، يذكر عقوبات معممة ، لذلك قال الله تعالى :
﴿ إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾
[سورة النجم: 16]

هذا اسمه في البلاغة إيجاز غني ، إذ يغشى السدرة ما يغشى ، لقد أصابني ما أصابني ، آلمني ما آلمني ، إيجاز ولكنه غني يحتمل معاني كثيرة . أحياناً الإنسان يتخاصم مع سمان بجانبه ، يحلف يميناً ألا يشتري من عنده ، ثم يأتيه ضيف بعد أسبوعين ويريد كبريت ، والسمان فاتح ، والمحل بعيد جداً ، تقع بحرج ، إذا خاصمت السمان جارك قل له : والله أحزنتني ، إذا قلت له : أحزنتني فقط واضطررت أن تذهب إليه مرة ثانية ، لا يصير شيئاً ، لا احتقرك ، ولا تحداك ، أما إذا قلت له : والله لن أشتري منك بعد الآن ، وكنت مضطراً فتوقفت عنه تقع بحرج كبير .
الإنسان كلما ازداد عقله لا يحلف أيماناً ، ولا يحدد عقوبات ، ولا يقيد نفسه ، أنت حر ابق حراً . أنا ألاحظ أن معظم الكلمات تأتي من كلمة مرتجلة غير مدروسة ، لذلك يتمنى سيدنا عمر أن تكون له رقبة مثل رقبة الجمل ، الكلمة قبل أن ينطق بها تمشي مسافة طويلة ، يدرسها وهي تمشي ، تُحكى ، أو لا تحكى ، تجوز أم ما تجوز ، هناك كلمة تهد علاقة ، تفصم علاقة كبيرة ، تفصم شركة ، كلمة واحدة ، هناك كلمة تطلق . ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[سورة البقرة: 269]
كل إنسان مأمور بالإحسان :
ولا تنسوا أن الله عز وجل يأمرنا جميعاً قال : ﴿ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً ﴾
[ سورة البقرة: 83 ]
أنت مأمور . أكثر الناس يظنون أن الأوامر هي الصلاة والصوم والحج والزكاة مع أنك لو دققت في كتاب الله لوجدت أن أي أمر في كتاب الله يقتضي الوجوب . ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ﴾
[ سورة النحل الآية : 90 ]
أنت لست مخيراً ، أنت مأمور بالإحسان ؛ أخي ليس له حق عندي ، نعم ليس له حق عندك ، هذا عدل ، والإحسان ؟ له حق عندك بالإحسان . رجل طلق زوجته لأسباب قاهرة ، عاهد نفسه أن يقدم لها معاشاً شهرياً ما امتد به العمر ، لم يقصر ولا شهر ، يطرق الباب هذا المبلغ يكفيها ، الطلاق كان لأسباب مشروعة وقاهرة ، هذا إحسان ، أنت مأمور به. لذلك في بعض الآيات القرآنية تقول : حقاً على المحسنين ، حقاً على المتقين .
الآن إذا إنسان من أهل الكرم ، من أهل الجود ، وشخص أكرمك كنت في مدينة وضيفك ، وأكرمك ، ونمت عنده ليلتين ، رجع هذا الشخص المضيف فزارك في بلدك ، له عليك بالقضاء حق أن ينام عندك ، له عليك في القضاء حق أن تعشيه ، لكنك أنت كإنسان كريم تجد أنك مدين له ، ولا بد من أن تقابله على ضيافته بضيافة أكبر ، هذا حق على المحسن ، حق على المتقي ، حق على المؤمن ، فالإنسان لا يقول : ليس له عندي حق ، أنت كمؤمن عندك حق كبير ، له عندك حق الإحسان ، ولو لم يكن له عندك حق ثابت ، هذه الآية تحل مليون مشكلة ، وما من إنسان يصلي الجمعة في المسجد إلا ويقرؤها الخطيب قبل أن ينزل : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى ﴾
[ سورة النحل الآية : 90 ]
والقصة المشهورة قلتها لكم سابقاً ، الذي وجد زوجته حاملاً ليس منه ، فسترها وأكرمها ، وجعلها زوجة طيبة ، إمام المسجد المجاور رأى في المنام رسول الله عليه الصلاة والسلام يقول له : قل لجارك فلان إنه رفيقي في الجنة .
يستطيع أن يطلقها ، من حقه ، لأنها أتت فاحشة ، يستطيع أن يفضحها ، لكنه قبلها ، وجبر خاطرها ، فقال له : إنه رفيقي في الجنة . لا تعاملوا الناس على العدل عاملوهم على الإحسان ، أنت أدِّ ما عليك ، والناس يفعلون ما يشاؤون ، إن قدموا لك حقك لابأس ، وإن لم يقدموا فالله يعرف من المحسن . لذلك في حديث كلما أذكره يقشعر بدني ، قال عليه الصلاة والسلام : ((اصنع المعروف إلى من هو أهله ، وإلى غير أهله ، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله كنت أنت أهله))
[ ذكره السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه إلى الخطيب ]
أنت تتمتع به ، العمل الطيب فيه سعادة كبرى ، لا يعلمها إلا من ذاقها . 3 ـ خدمة المرأة زوجها :

والحق الثالث الذي للزوج على الزوجة خدمة المرأة زوجها ، أساس العلاقة بين الزوج وزوجته هي المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات ، وأصل ذلك في قوله تعالى: ، انظر إلى الآية ما أدقها :
﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[ سورة البقرة : 228]
أي أنت تريد من زوجتك أن تتزين لك ، هذا حقك ، ولها حق مشابه .
(( اغسلوا ثيابكم، وخذوا من شعوركم واستاكوا، وتنظفوا فإن بني إسرائيل لم يكونوا يفعلون ذلك فزنت نساؤهم ))
[ابن عساكر عن عبد الله بن ميمون القداح]
إن كان لك عليها هذا الحق ، فلها عليك مثل هذا الحق ، ربنا عز وجل يقول : ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[سورة البقرة :228]
بالمعروف أي المألوف ، بيت معقول خدمته ، أما أحياناً تأتي الكنة إلى بيت ثماني غرف وصالون ، الكل يرتاحون ، وعليها المسح والجلي والطبخ والعزائم ، هذا شيء فوق طاقتها ، أما بيت مؤلف من غرفتين وصالون ، بيت معقول خدمته وطبخه ، أما تطبخ لعشرة أشخاص فهناك أشخاص ليس عندهم إنصاف ، هذه كنة .
الدرجة هي القيادة فقط ، أنا أشبهها بالرتب العسكرية ، مثل عميد ولواء ، درجة واحدة بينهما ، لكن ليس مجنداً ولواء . درجة واحدة ، هذا له رتبة ، وهذا له رتبة ، هذا له معاش ضخم ، وهذا له معاش ضخم ، هذا له مكتب فخم ، وهذا له مكتب فخم ، لكن هذا آمر هذا ، هذا قائد اللواء ، هذا معاون قائد اللواء . فإذا صحّ أن يطرح هذا المثل في البيت المرأة لها حقوق مشابهة لحقوق الزوج ، وعليها واجبات مشابهة لواجبات الزواج ، وله عليها درجة واحدة ، فالآية تعطي المرأة من الحقوق مثل ما للرجل عليها ، فكلما طولبت المرأة بحق طولب الرجل بمثله . فكأن النبي الكريم استنباطاً من قوله تعالى: ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[ سورة الأحزاب: 33 ]

هذه أصل من أصول النظام الاجتماعي ، المرأة متفرغة لخدمة زوجها وأولادها والزوج متفرغ لتأمين نفقات هذه الأسرة وحسن قيادتها . لذلك في المجتمعات المستهترة المنحل خلقياً ، أرقى مرتبة تنالها امرأة أن يُكتب على هويتها سيدة منزل ، أي متفرغة لتربية الأولاد ، الطيار إذا جلس في غرفته يكون محصوراً ، هذا مكانه الطبيعي مكان القيادة ، فلما المرأة تخرج من بيتها من أجل أن تقوم بأعمال مشابهة للرجل ضاع البيت وضاع الأولاد ، ولما الرجل يكون باله مشوشاً ، مضطرباً ؛ هل حضر ابنه أم لم يحضر ؟ فتح الباب ، دخل مع رفيقه إلى البيت ، صنعوا شيئاً ، مشوش . لا ينتج ، حتى الرجل ينتج إنتاجاً مضاعفاً ، وحتى المرأة تكون مصونة ، الأصل الذي جاء به القرآن الكريم : ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[ سورة الأحزاب: 33 ]
ولا يخطر في بال أحدكم أن هذه الآية موجهة لنساء النبي فقط إن كن مأمورات بأن يقررن في بيوتهن ، فنساء المؤمنين من باب أولى أن يقررن في بيوتهن . بعض الأحاديث الشريفة في توزيع العمل في البيت :
وهناك بعض الأحاديث الشريفة في توزيع العمل في البيت ، وقد حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين علي كرم الله وجهه وبين فاطمة رضي الله عنها ، فجعل على فاطمة خدمة البيت ، وجعل على علي العمل والكسب ، لا يوجد أحد ابنته أشرف من السيدة فاطمة ، أي صهره وابنته حكم على فاطمة بخدمة البيت ، وحكم على علي بالكسب والعمل ، هذا توزيع النبي الكريم .
وقد روى البخاري ومسلم أن فاطمة رضي الله عنها أتت النبي صلى الله عليه سلم تشكوا إليه ما تلقى في يديها من الألم وتسأله خادمة ، فقال: " ألا أدلكم على ما هو خير لكما مما سألتما ؟ إذا أخذتما مضاجعكما فسبحا الله ثلاثاً وثلاثين ، واحمدا ثلاثاً وثلاثين ، وكبرا أربعاً وثلاثين فهو خير لكما من خادم "
كأن النبي ما أحب أن يكون الإنسان عنده خادم في البيت ليس ما أحب للمؤمنين ، بل ما أحبها لابنته ، لو أعطى إشارة يأتيها مئة خادم ، مئة إنسان يخدمونها ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحب ذلك ، الإنسان يخدم نفسه ، ويكون أكثر تواضعاً ، وأكثر إرضاءً لله عز وجل ، وإن الله يكره العبد أن يُرى متميزاً على أقرانه ، منظر غير مقبول ، إنسان مرتاح والثاني يعمل ، أما الزوج فليس مرتاحاً و هو تعب جداً ، وهناك كل هم يهد جبلاً ، قد يكون عمل البيت أشق ، مسح ، جلي ، غسيل ، يجوز الرجل ذهب إلى المكتب ثلاث ساعات يوجد عنده هموم ، كل هم يجعله يفكر ، خمس ساعات في المكتب ، عليه دفع ولا يوجد بيع ، وسندات مستحقة ماذا يعمل ؟ تقول له : أنت لا تعمل شيئاً في المكتب ، جالس مرتاح ، لا ليس مرتاحاً . أحياناً الأعمال المادية أخف من الأعمال التي تصيب الهم في الإنسان .
وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها قالت: " كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله - أسماء بنت أبي بكر زوجة الزبير بن العوام حواري رسول الله ، وعبد الله بن الزبير ابنها ، هذا الطفل الصغير الذي مر به سيدنا عمر في الطريق ورأى غلمان كثيرين فلما رأوه تفرقوا لهيبته إلا عبد الله بن الزبير بقي واقفاً في مكانه ، فلما حاذاه عمر قال له: يا غلام لمَ لم تهرب مع من هرب ؟ قال : أيها الأمير لست ظالماً فأخشى ظلمك ، ولست مذنباً فأخشى عقابك ، والطريق يسعني ويسعك- هذا عبد الله بن الزبير . وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها أنها قالت: " كنت أخدم الزبير خدمة البيت كله وكان له فرس فكنت أسوسه وكنت أحش له ، وأقوم عليه ، وكانت تعلفه ، وتسقي الماء ، وتخرج الدلو ، وتعجن ، وتنقل النوى على رأسها من أرض له على ثلثي فرسخ "
تقوم بخدمة شاقة لها أجر كبير . ففي هذين الحديثين ما يفيد بأن على المرأة أن تقوم بخدمة بيتها كما أن على الرجل أن يقوم بالإنفاق عليها . وقد شكت السيدة فاطمة رضي الله عنها ، هذه التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم قال : " فاطمة بضعة مني ، من أكرمها فقد أكرمني ، ومن أغضبها فقد أغضبني "
وكل أب إذا عنده ابنة يشعر هذا الشعور نفسه ، أي لا يوجد أغلى من البنت، لذلك الزوج إذا كان مخلصاً ، إذا كان مستقيماً ، إذا أكرم الزوجة ، فله مكانة عند الأب قد تزيد عن أولاده . الصهر غال .
شكت السيدة فاطمة رضي الله عنها ما كانت تلقاه من خدمة ، فلم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم لا خدمة عليها ، وإنما هي عليك . شكت له فما تكلم ولا كلمة ، عليها الخدمة . قال ابن القيم: " وهذا أمر لا ريب فيه "، لا يصح التفريق بين شريفة ودنيئة وفقيرة وغنية ، فهذه أشرف نساء العالمين كانت تخدم زوجها .
أنا والله ابنتي لا تخدم أحداً ، احضر لها خادمة ، من ابنتك ؟ أشرف من السيدة فاطمة ؟ لا . من أنت ؟ أعظم من رسول الله ؟ لا . هو رسول الله ، أبوها وهي ابنته ، وكانت تخدم زوجها . يقول له : احضر لها جلاية ، كيف كان أجدادنا يعيشون ؟ جاءت الرسول صلى الله عليه وسلم تشكو الخدمة فلم يشكها ، أي لم يسمع منها ، دعواها مشطوبة ، غير مقبولة .
4 ـ تجاوز الصدق بين الزوجين :
آخر موضوع : تجاوز الصدق بين الزوجين ، العنوان قد يثير التباساً أي يكذبون على بعضهما ؟ لا . ولكن اسمعوا أي صدق يجب أن نتجاوزه بين الزوجين .
روي عن ابن أبي عذرة الدؤلي أيام خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، أنه كان يخلع النساء اللاتي يتزوج بهن ، فثارت له في النساء في ذلك أحدوثة يكرهها ، فلما علم بذلك أخذ بيد عبد الله بن الأرقم حتى أتى به إلى منزله ثم قال لامرأته : أنشدك بالله هل تبغضينني – تكرهيني – قالت : لا تنشدني بالله – لا تحرجني – قال : فإنما أنشدك بالله ، قالت: نعم . فقال لابن الأرقم : أتسمع ؟ انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب . فقال لعمر : إنكم تتحدثون أني أظلم النساء وأخلعهن فاسأل ابن الأرقم ، فسأله فأخبره فأرسل إلى هذه المرأة وقال : أنت قلت إنك تبغضين زوجك ؟ قالت: إني أول من تاب ، إنه ناشدني - أي حلفني بالله- فتحرجت أن أكذب ، أأكذب يا أمير المؤمنين ؟ - أقول أحبه وأنا لا أحبه - قال: نعم تكذبين .
ليس هذا هو الصدق ، أحياناً يكون الزوج كريماً ، ميسور الحال ، أخلاقه عالية، مؤمن ، فيه علة بخَلقه يسأل زوجته أتحبينني ؟ لا أحبك ، هذا ليس صدقاً ، هذه وقاحة . . قالت : أأكذب ، قال: نعم تكذبين .
والعكس أحياناً يكون ، أي نصيبه ، ليست كاملة ، فيها مجموعة علل ، كيف تراني ؟ يقول لها : والله الحمد لله ، أنا مسرور منك كثيراً . أنت تكذب بهذا الكلام ، هذا الكذب يحبه الله ، هذا الكذب يرضاه الله عز وجل ، هذا الكذب أنت مأمور به ، هناك أزواج سبحان الله ما عندهم حكمة ، لو كنت مثل فلانة . أذهب لها كل معنوياتها ، رأته لا يحبها ، فلما دخل إلى البيت ليست لابسة ، يائسة ، لا يوجد أمل ، أزالت اسمك من القائمة ، أما المؤمن فلا يتكلم هذا الكلام ، الحمد لله أكرمني الله بك ، لا يوجد أحسن منك ، أنت أنسب واحدة لي ، هذا الموضوع دقيق جداً .
(( قالت: أأكذب يا أمير المؤمنين ؟ قال: نعم تكذبين ، فإن كانت إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك ، فإن أقل البيوت الذي يُبنى على الحب ))
كلمة بيت ، ليس هناك بيت واحد مبني على حب صاعق ، أي حب مجنون ليلى، البيت مبني على التعامل بالإسلام ، على الإيمان ، على الرضا بقضاء الله ، على الرضا بما قسمه الله لك من زوجة وهي كذلك ، الكلام دقيق : " فإن أقل البيت الذي يُبنى على الحب ، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب "
هناك بنت أصل ، وهناك ابن أصل ، لا يكسر خاطرها ، وبنت الأصل لا تذم زوجها ، هذا نصيبها . زوجك صحته زيادة ، قولي له أن يخفف وزنه . ما هذا الكلام ؟ أتكرهها فيه ؟ هناك أشخاص كثيرون كلامهم ثقيل ، فإن أقل البيت الذي يُبنى على الحب ، ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والأحساب .
كل إنسان يعمل بأصله ، الأصيل لا يحرج امرأته ، لا يحمر وجهها ، لا يخجلها، لا ييئسها منه ، وبنت الأصل لا تذم زوجها ، هذا الحديث دقيق جداً ، وله آثار كبيرة، مسموح للزوج أن يكذب على زوجته تقرباً لها ، تطييباً لقلبها ، ومسموح للزوجة أن تكذب على زوجها تطييباً لقلبه وإكراماً له .
وفي درس قادم إن شاء الله تعالى نتحدث عن إمساك الزوجة بمنزل الزوجية، وعن الانتقال بالزوجة أي السفر بها ، ومنع الزوجة من العمل ، وخروج المرأة لطلب العلم، وتأديب الزوجة عند النشوز ، وتزين المرأة لزوجها ، هذه كلها موضوعات الدروس القادمة إن شاء الله تعالى .
***
أحاديث تبدأ بإنما :
الحديث الأول الاستئذان من أجل النظر :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة : لأن أحاديث كثيرة تبدأ بكلمة إنما . أي إذا قلت : إنما شوقي شاعر . إذا قلت : شوقي شاعر ماذا تعني باللغة ؟ المعنى الدقيق لها أنه شاعر ، هل يمنع أن يكون كاتباً ؟ لا ، هل يمنع أن يكون حقوقياً ؟ لا كان هو حقوقياً ، هل يمنع أن يكون مثلاً تاجراً ؟ لا . إذا قلت : شوقي شاعر معناها شاعر ، ولا يمنع أن يكون أديباً ، أو كاتباً ، أو قصصياً ، أو محامياً . إذا قلت : إنما شوقي شاعر . اختلف الوضع شاعر فقط ، أي حصرنا شوقي بالشعر ، إذا قلنا : الشاعر شوقي . عكسناها ، أيضاً شوقي شاعر . أما إذا قلنا : إنما الشاعر شوقي ، أي لا شاعر غيره . فكلما وجدنا كلمة إنما تعني أداة حصر وقصر فمثلاً :
﴿ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾
[ سورة فاطر: 28 ]
معناها العلماء وحدهم يخشون الله ، إذا قلنا : العلماء يخشون الله ، لا تمنع أن يخشى الله بعض الجهال ، قلنا : العلماء يخشون الله لا يمنع أن يخشى الله غير العلماء ، أما إذا قلنا : إنما يخشى الله من عباده العلماء أي العلماء وحدهم ولا أحد سواهم يخشى الله .
هذا هو القصر . (( سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ اطَّلَعَ رَجُلٌ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجَرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِدْرًى يَحُكُّ بِهِ رَأْسَهُ فَقَالَ لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِهِ فِي عَيْنِكَ إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ ))
[متفق عليه عن سهل بن سعد]

إذاً ما حكمة يا الله ؟ ما حكمة طرق الباب ؟ لو إنسان باب صديقه مفتوح أله حق أن يدخل فوراً ؟ لا يجوز ، إذاً ما العلة ؟ النظر ، لما ينظر الإنسان إلى زوجة صديقه فقد أتى إثماً كبيراً ، الإنسان في بيته حر ، يتحلل من الثياب أحياناً ، يتبذل في بيته ، المرأة تطبخ ، تجلي ، تغسل ، تلبس لباساً خفيفاً ، ألبسة غير سابلة ، حرة في بيتها مادام بيتها غير مكشوف مستور . فلما يكون الاستئذان موجوداً معناها من أجل البصر .
هناك أشخاص كثيرون ، يدخلون إلى غرفة في المستشفى ، أخي نريد أن نزور صديقنا ، إذاً صديقك زوجته عنده ، يجب أن تطرق الباب ، أخي هنا مستشفى ؟ أيضاً يجب أن تستأذن ، أينما كنت يجب أن تستأذن . . السلام عليكم أأدخل ؟ السلام عليكم أأدخل ؟ فإن قيل لك ادخل تدخل وإلا انتظر ، وإلا انصرف . إنما جعل الاستئذان من أجل البصر ، حتى لا تقع عينك على امرأة لا تحل لك . لكن علماء الحديث وسعوا هذا الحديث ، قال: ليس من أجل المرأة فقط حتى من أجل الرجل .
الإنسان أحياناً يكون في بيته جالس بقميص شيال مثلاً ، ليس مؤاخذاً ، هو في بيته أو بمحل مثلاً ، وبالمحل له غرفة داخلية يعزل المحل ، متخفف من ثيابه ، يجب أن تطرق الباب ، لو كان المستودع داخلياً ، انقر نقرتين على الباب ، أنا فلان ، لو كان رجلاً ، طبعاً المرأة أشد إثماً ، وأكثر حرجاً ، وأكثر إيلاماً للزوج أن يراها الأجنبي ولكن لا يمنع هذا أن يكون من أجل الزوج أيضاً . ((إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ))
[متفق عليه عن سهل بن سعد]
لذلك علمنا عليه الصلاة والسلام أن إذا طرقنا باباً أن نعطي ظهورنا للباب أولاً وأن نقف بإزاء المصراع الثابت ، في مصراع متحرك ومصراع ثابت ، أول شيء نعطي ظهرنا للباب وفي حذاء المصراع الثابت ، هناك أشخاص يقفون مواجه الباب ، وعلى الباب المتحرك ، يُفتح الباب فيرى داخل البيت . هكذا أدبنا عليه الصلاة والسلام . الحديث الثاني إنما الدّين النصح :
حديث آخر وأخير : يقول عليه الصلاة والسلام :
(( إنما الدين النصح ))
[ أبو الشيخ الأصبهاني عن ابن عمر]
تنصح زبائنك ، أما إن كنت لا تنصحهم فلست ديناً ، ولو كنت تصلي مئة ركعة كل يوم ، وعامل ثلاثاً وعشرين عمرة ، خير إن شاء الله ، و حاجج ثماني مرات ، و تصوم اثنين وخميس ، وعاشوراء ، ونصف شعبان ، وسبع وعشرين من رجب ، وتصلي قيام الليل، والأوابين ، والضحى ، و لكنك لا تنصح زبائنك لست ديناً . .
(( إنما الدين النصح ))
يجب أن تنصح زبونك ، وكأن الحاجة لك هل تأخذها أنت ؟ أنا لا آخذها ، ولكنها رخيصة ، هذه فيها عيب . ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي ﴾
[ سورة النور: 55 ]
لما فهموا الدين النصح فتحوا العالم ، ولما فهمناه صوماً وصلاة وحجاً وزكاة فقط تلك الله يعفو عنا ، يقول لك : أخي الله يسامحنا نحن عبيد إحسان ولسنا عبيد امتحان ، يقول لك: الله قال : ﴿ إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ﴾
[سورة يوسف: 53]
يتكلم لك بكلام من القرآن ، يفعل ما يشاء ، يغش ، ويكذب ، ويغير الحقائق ، أما عندما يؤذن الظهر ، يقول : أخي بالإذن أريد أن أصلي ، ما هذه الصلاة ؟ إن راحت أو ما راحت الصلاة مثل بعضها ،لما تغش الناس بمصالحهم ، وتكذب عليهم.
أحياناً عامل البلور يضع للبلور مسماراً في كل جهة فقط ، أحياناً يضرب الباب ضربة قوية فينكسر البلور ، ثمنه خمسون ليرة . حتى يوفر دقيقة واحدة دفعك خمسين ليرة ، ويصلي ، والله قال لي أخ عن دهانين شركاء ، أحدهما له لحية ، والصلاة بالجامع ، والله شيء جميل ، أنعم بها وأنعم به ، ولكن صاحب البيت قال لهم : أنا مشغول ، وهذا المفتاح دهنوا البيت ، أنا واثق بكم .
الشريك الأول ليس له مظهر ديني ولكنه ورع ، قال له: هناك هاتف بهذا البيت إذا لزمني أن أخبر زوجتي هل عندك مانع ؟ قال: لا والله مسامح ، خبر على حسابك بقدر ما تريد . الثاني الذي له لحية خبر مخابرة إلى السعودية ، فيها ثلاثمئة وخمس وخمسون ليرة ، قال : أما هو فقال لنا خبروا ، أهو قال لك خبر مخابرة خارجية ؟ قال: خبر مخابرة داخلية سمح لك ، قال له : أريد أن أقول له ، قال : لا تقل له ما فيها شيء . فكوا الشركة من هذا العمل ، قال له: أنت لست إنساناً مستقيماً ، إذا أنت زيك ديني ، والفاتورة جاءت ثلاثمئة وخمس وخمسين ، ماذا يقول على دينك ؟ أهكذا المسلم ؟ غدار ؟ . دهنت البيت أخذت أجرة مضاعفة بهذه الطريقة .
فأنا قناعتي أن الدين بالاستقامة ليس بالمظهر ، مع أن المظهر أنعم به وأكرم ، أنا أحترم المظهر ، ليس معناها أنا أطعن بالمظهر لكن مظهراً من دون مخبر ليس له قيمة . كان هناك طفل بسوق الحميدية أصلحه الله وهداه ، يكنس المحل ، يجمع الغبار ، يحضر علبة جرابات ثقيلة ، يضعهم فيها ويلفهم بورق هدايا ، و شريطة حمراء ثم يضعها على الرصيف. يأتي رجل يراها يظنها واقعة من شخص يأخذها وينظر حوله هل أحد يراه ؟ . ثم يتبعه ، وعندما يبعد مئتي متر ويفك الشريطة الحمراء و يفتح العلبة يراها وسخاً .
هناك شخص تراه ، مظهره فخم جداً ، افتحه تراه أعوذ بالله ، غشاش ، آكل مال حرام ، لا يؤتمن ، كذاب . الدين مخبراً وليس مظهراً . (( إنما الدين النصح ))
هناك أحاديث بروايات أخرى : (( إِنَّمَا الدِّينُ النَّصِيحَةُ قَالُوا لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ ))
[ مسلم والنسائي وأبو داود وأحمد عن تميم الداري ]
***
على الإنسان أن يكون مستقيماً ورعاً و صادقاً :
والآن إلى قصة صحابي جليل رضوان الله عليه : غريب لو قرأت النصوص القديمة ، قال جعفر بن أبي طالب للنجاشي: " كنا قوماً أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف ، ونقطع الرحم ، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف صدقه ، ونسبه ، وأمانته ، وعفافه ، فدعانا إلى الله لنعبده ، ونوحده، وندع ما يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار " لم يتكلم عن الصلاة ، هذه الصلاة وسيلة ليست غاية ، الغاية أن تكون إنساناً شريفاً ، مؤتمناً ، صادقاً ، ورعاً لذلك :
(( ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط ))
[ الجامع الصغير عن أنس ]
(( من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله تعالى بسائر عمله ))
[ مسند الشهاب عن أنس بن مالك]
لذلك قال تعالى : ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾
[سورة الكهف من الآية 105]
هؤلاء الذين يعصون الله في السر ، ويعبدونه في العلانية لا شأن لهم عند الله . أبو طلحة الأنصاري :
ضيفنا اليوم الصحابي الجليل أبو طلحة الأنصاري ، وله قصة مثيرة عرف زيد ابن سهل النجاري المكنّى بأبي طلحة أن الرميصاء بنت ملحان النجارية المكناة بأم سليم قد غدت أيماً ، أي مات زوجها فاستطار فرحاً بهذا الخبر ، ولا غرو ، فقد كانت أم سليم سيدة حصاناً رزاناً ، راجحة العقل ، مكتملة الصفاة . يظهر أنها إنسانة ممتازة ، درجة أولى كمالاً وصلاحاً ، كمال في العقل ، وصلاح في الشكل .
فعزم على أن يبادر إلى خطبتها قبل أن يسبقه إليها أحد من الذين يسعون إلى أمثالها من النساء ، وكان أبو طلحة على ثقة من أن أم سليم لن تؤثر عليه أحداً من طالبها - كان واثقاً من نفسه ، يظهر أنه من وجهاء المدينة ، ومن أغنيائها - فهو رجل مكتمل الرجولة، مرموق المنزلة ، طائل الثروة ، وهو إلى ذلك فارس وأحد رماة يثرب المعدودين .
مضى أبو طلحة إلى بيت أم سليم ، وفيما هو في بعض طريقه تذكر أن أم سليم قد سمعت من كلام هذا الداعي المكي مصعب بن عمير فآمنت بمحمد واتبعت دينه . هو في الطريق قال لنفسه : لكنها أسلمت أي هذا شيء كأنه عيب صار فيها .
سيدنا رسول الله قبل أن يهاجر بعث إلى المدينة مصعب بن عمير يدعو إلى الدين الجديد ، وآمن من آمن من الأنصار مع هذا الصحابي الجليل قبل أن يأتي النبي إلى المدينة . لكنه ما لبث أن قال في نفسه : وما في ذلك عناء ، ألم يكن زوجها الذي توفي عنها مستمسكاً بدين آبائه ، نائياً بجانبه عن محمد ودعوته ؟
بلغ أبو طلحة منزل أم سليم ، واستأذن عليها ، فأذنت له وكان ابنها أنس حاضراً فعرض نفسه عليها ، فقالت: إن مثلك يا أبا طلحة لا يُرد ، لكني لن أتزوجك وأنت كافر - انظروا دقة الكلام ، كلام مثل الرياضيات - لم تقل لن أتزوجك لأنك كافر . لا ، وأنت كافر معناها إذا آمنت أتزوجك ، الواو الحالية ، لن أتزوجك على هذه الحال ، إعراب الجملة حالية والواو واو الحال . لن أتزوجك وأنت رجل كافر . فظن أبو طلحة أن أم سليم تتعلل عليه بذلك أي هذه حجة غير صحيحة ، وأنها قد آثرت عليه رجلاً آخر أكثر منه مالاً وأعز نفراً . فقال لها: والله ما هذا الذي يمنعك مني يا أم سليم . قالت: وما الذي يمنعني إذاً ؟
قال: الأصفر والأبيض - العوام يقولون : والله لا أخذنا منه لا أصفر ولا أبيض . أي لا فضة ولا ذهب - قالت: الذهب والفضة ؟ قال: نعم . قالت: بل إني أشهدك يا أبا طلحة ، وأشهد الله ورسوله ، أنك إن أسلمت رضيت بك زوجاً من غير ذهب ولا فضة ، وجعلت إسلامك لي مهراً ، حتى أؤكد لك أن سبب رفضي أنك كافر ، لو أسلمت لرضيت بإسلامك مهراً لي .
فما إن سمع أبو طلحة كلام أم سليم حتى انصرف ذهنه إلى صنمه الذي اتخذه من نفيس الخشب ، وخصّ به نفسه كما كان يفعل السادة من قومه ، لكن أم سليم أرادت أن تطرق الحديد وهو ما زال حامياً - كما يقولون - فقالت له : ألست تعلم يا أبا طلحة أن إلهك الذي تعبده من دون الله قد نبت من الأرض ؟ قال: بلى . قالت: أفلا تشعر بالخجل وأنت تعبد هذا الجذع من الشجرة ؟ جعلت بعضه إلهاً بينما جعل غيرك بعضه الآخر وقوداً يصطلي به ، شجرة قسم صنعته أنت إلهاً وقسم جعله غيرك حطباً، إنك إن أسلمت يا أبا طلحة رضيت بك زوجاً ، ولا أريد منك صداقاً غير الإسلام ، قال: ومن لي بالإسلام ؟ قالت: أنا لك به ، قال: وكيف ؟ قالت: تنطق بكلمة الحق ، فتشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله ، ثم تمضي إلى بيتك فتحطم صنمك ، ثم ترمي به .
فانطلقت أسارير أبي طلحة وقال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله أي الله أعلم فرح بها زوجة فأسلم ، ثم تزوج من أم سليم ، فكان المسلمون يقولون ما سمعنا بمهر قط كان أكرم من مهر أم سليم . أكرم مهراً ، فقد جعلت صداقها الإسلام . جهاد و جود أبي طلحة الأنصاري :
منذ ذلك اليوم انضوى أبو طلحة تحت لواء الإسلام ، ووضع طاقاته الفذة كلها في خدمته ، فكان أحد السبعين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة ، ومعه زوجه أم سليم ، وكان أحد النقباء الاثني عشر الذين أمّرهم النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الليلة على مسلمي يثرب - جعله أميراً- ثم إنه شهد مع رسول الله مغازيه كلها ، أي بدر ، وأحد ، والخندق ، وأبلى فيها أشرف البلاء وأعزه ، لكن أعظم أيام أبي طلحة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما هو يوم أحد . وهاكم خبر ذلك اليوم .
أحب أبو طلحة رسول الله صلى الله عليه وسلم حباً خالط شغاف قلبه ، وجرى مجرى الدم من عروقه ، فكان لا يشبع من النظر إليه ، ولا يرتوي من الاستماع إلى عذب حديثه ، وكان إذا بقي معه جثا بين يديه وقال له: نفسي لنفسك الفداء ، ووجهي لوجهك الوقاء، فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون عن رسول الله فنفذ إليه المشركون من كل جانب ، حتى إن المرجفين أرجفوا بأن محمداً صلى الله عليه وسلم قد قتل ، فازداد المسلمون وهناً على وهن وأعطوا ظهورهم لأعداء الله ، عند ذلك لم يثبت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غير نفر قليل في طليعتهم أبو طلحة ، قالوا : انتصب أبو طلحة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم كالطود الراسخ بينما وقف النبي عليه الصلاة والسلام خلفه يتترس به ، أي جعل نفسه ترساً لرسول الله .
ثم وتر أبو طلحة قوسه التي لا تفل ، وركب عليها سهامه التي لا تخيب ، وجعل - هو أحد الرماة الكبار ، بالأساس كان رامياً من رماة معدودين - وجعل يذود بها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويرمي جنود المشركين واحداً إثر واحد ، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يتطاول من خلف أبي طلحة ليرى مواقع سهامه ، فكان يرده خوفاً عليه ويقول له: بأبي أنت وأمي لا تشرف عليهم فيصيبوك . رسول الله أحب أن يرى السهام ما مصيرها ، هل تصيب ؟ وكان عليه رضوان الله يقول : إن نحري دون نحرك ، وصدري دون صدرك ، جُعلت فداك يا رسول الله ، وكان الرجل من جند المسلمين يمر برسول الله ومعه الجعبة من السهام ، فيميل عليه النبي ويقول له : انثر سهامك بين يدي أبي طلحة ولا تمض بها .
ولا زال أبو طلحة ينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كسر ثلاثة أقواس ، وقتل ما شاء أن يقتل من جنود المشركين ، ثم انجلت المعركة ، وسلم الله نبيه وصانه بصونه . أي هذا موقف لا يُقدر بثمن ، أن جعل من نفسه ترساً لرسول الله وقال: نفسي دون نفسك ، ونحري دون نحرك ، جعلت فداك . كما كان جواداً بنفسه في سبيل الله ، وفي ساعات البأس كان أكثر جهاداً بماله في مواقف البذل ، من ذلك أنه كان له بستان ، من نخيل وأعناب لم تعرف يثرب بستاناً أعظم منه شجراً ، ولا أطيب ثمراً ، ولا أعذب ماءً ، وفيما كان أبو طلحة يصلي تحت أفيائه الظليلة أثار انتباهه طائر غرد ، أخضر اللون ، أحمر المنقار ، مخضب الرجلين . طائر جميل جداً وهو يصلي نظر إليه . وقد جعل يتواثب على أفنان - الأفنان : الأغصان - الأشجار طرباً مغرداً متراقصاً ، فأعجبه منظره ، وسبح بفكره معه ، ثم ما لبث أن رجع إلى نفسه فإذا هو لا يذكر كم صلى . كم ركعة ، اثنتان أم ثلاث ، لا يدري ، فما إن فرغ من صلاته حتى غدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وشكا له نفسه التي صرفها البستان ، وشجره الوارف ، وطيره الغرد عن صلاته ثم قال : اشهد يا رسول الله أنني جعلت هذا البستان صدقة لله تعالى ، لأنه شغله عن الصلاة ، هل أحدنا إذا رأى شيئاً في البيت وأعجبه وما عرف كم ركعة صلى ، أيقدمه لله هدية جزاءً عن شروده في الصلاة ؟ بستان واسع فيه أشجار مثمرة ، فيه خيرات ، لأنه شغله عن صلاته قدمه هدية لله عز وجل ، لشدة حرصه على الصلاة .
يروون أن سيدنا رسول الله علمنا ، أهديت له بردة يمانية ، فصلى بها ركعتين ثم خلعها ، فقال : خذوها عني كادت تفتنني عن صلاتي ، أي بعضهم يقولون تعليماً لنا : الإنسان إذا التفت لغير الله في الصلاة كأنه ما صلى .
خروج أبي طلحة للغزو و موته في عِرض البحر :
المسلمون عزموا على غزوة في البحر في خلافة عثمان بن عفان ، أول غزوة في البحر . إذا ذهبت إلى قبرص ترى جوامع في مدن قبرص كلها ، هذه الجوامع بفضل سيدنا عثمان رضي الله عنه الذي فتحها بحراً .
فأخذ أبو طلحة يعد نفسه للخروج مع جيش المسلمين فقال له أبناؤه : يرحمك الله يا أبانا لقد صرت شيخاً كبيراً ، وقد غزوت مع رسول الله ، وأبي بكر ، وعمر ، لم تفتك غزوة واحدة ، بدر وأحد والخندق ومؤتة ، والغزوات كلها ، وحنين ، ومع سيدنا الصديق ، حرب المرتدين ، وفتوح الشام ، والقادسية ، واليرموك ، ومع سيدنا عمر . يكفيك ، تقاعد . لا يوجد تقاعد في الجهاد ، يرحمك الله يا أبانا ، لقد صرت شيخاً كبيراً - بالمناسبة لا شيخوخة في الإسلام المسلم لا يشيخ أبداً ، عمره النفسي سبعة عشر ، ثمانية عشر دائماً ، أما عمره الزمني فيصير خمساً وثمانين ممكن ، يشيخ جسمه ولا تشيخ نفسه - فهلا ركنت إلى الراحة وتركتنا نغزو عنك ، نحن أولادك ، نيابة عنك .
فقال: إن الله عز وجل يقول - اسمعوا كيف فهموا كلام ربنا عز وجل :
﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[سورة التوبة: 41]
انظروا فهمه الدقيق لهذه الآية ، ما معنى خفافاً ، الشاب خفيف ، الطفل إن صعد الدرج يصعد خمس درجات معاً ، وإن نزل على الدرابزين ينزل زحفاً ، بدقيقة يصبح تحت ، خفيف ، أما انظر الإنسان في الثلاثين درجة درجة ، بالسبعين بالثمانين ، يضع رجله على الدرجة ويسحب الثانية إليها ، ثم يرتاح عشر دقائق ، فربنا عز وجل قال: ﴿انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً ﴾
[سورة التوبة: 41]
فهو قد استنفرنا جميعاً شيوخاً وشباناً ، ولم يحدد لنا سناً ، ثم أبى إلا الخروج ، وبينا كان الشيخ المُعَمَر أبو طلحة - المُعَمَر يصح ، والمُعمِر يصح ، إذا قلنا : معمَر اسم مفعول عمره الله عز وجل ، إذا قلنا معمِر كان عمره طويلاً - وبينما كان الشيخ المعَمَر أبو طلحة على ظهر السفينة مع جند المسلمين في وسط البحر ، مرض مرضاً شديداً فارق على إثره الحياة ، فطفق المسلمون يبحثون له عن جزيرة ليدفنوه فيها ، فلم يعثروا على مبتغاهم إلا بعد سبعة أيام ، وأبو طلحة مسجى بينهم لم يتغير فيه شيء كأنه نائم . وفي عرض البحر بعيداً عن الأهل والوطن ، نائياً عن العشير والسكن دُفن أبو طلحة ، أغلب الظن بجزر من جزر اليونان ، حول قبرص . وما يضيره بعده عن الناس مادام قريباً من الله عز وجل .
أي إذا إنسان دفن بمدفنة العائلة لها بناء فخم ، ونوافذ عليها حديد ، وشاهدتان من أمام ومن وراء ، ويا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية ، وكان آكل ربا ماذا استفاد ؟ وإذا دُفن بباب صغير أو بالدحداح ، أو وضع له قبر صنعوا له مقاماً . . وإذا رجل كان الله راضياً عنه ودُفن في البحر لا مانع ، وماذا يضيره بعده عن الناس مادام قريباً من الله عز وجل ؟
هذا صحابي جليل أحب أم سليم ، وكيف تزوجها ، وكان مهرها الإسلام ، وكيف أنفق البستان بكامله ، وكيف جاهد ، وكيف وقف موقفاً من رسول الله ، يشهد له التاريخ . رضي الله عنه وأرضاه أعلى لقب يحوزه إنسان في الدنيا ، لا يوجد معه بورد ، يقول لك: فلان معه بورد ، بالحرب العالمية يقول لك : فلان ماريشال أي أعلى رتبة عسكرية ، أعلى رتبة يحوزها إنسان أن يُقال بعد اسمه رضي الله عنه .
إذا رضي الله عن إنسان فقد سعد في الدنيا والآخرة .
***
الصيام أثناء الامتحان :
جاءني سؤال من أخت كريمة ، تقول : أنا طالبة من طالبات جامعة دمشق فرع الطب أريد فتوى بالنسبة لصيام شهر رمضان المبارك والامتحان على الأبواب ، فهل يجوز لي أن أفطره ؟ لا أستطيع تقديم الامتحان ، ثم أصوم شهراً متتالياً بعد الفحص ، فما حكم ذلك فأنا في حيرة وقلق ؟ طبعاً هذا السؤال ربما يكثر وروده في هذه الأيام ، لأن فحوص الجامعة وفحوص الشهادتين الإعدادية ، والثانوية ، ولم تنج إلى الفحوص الانتقالية من رمضان .
ما سمعت في كتاب الله إجازة للإفطار إلا للمريض أو المسافر فإن كنتم مرضى أو على سفر ، أي المرض والسفر عذران مقبولان عند الله ، لكن اسمعوا ماذا قال الله عن السفر والمرض .
﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾
[سورة البقرة :184]
أي الذي يطيق الصيام في السفر إذا أفطر فعليه فدية ، ليس قضاءً فقط ، قضاء وفدية ، أي إذا رجل ركب طائرة ذهب إلى فرنسا في رمضان ، والطائرة مكيفة ، وجالس على مقعد وثير ، يصير سريراً إذا أحب ، ومن فندق مكيف إلى فندق مكيف ، وأفطر ، لأن الله قال : ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَر﴾
[ سورة البقرة :184]
وقال : ﴿ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ﴾
من يطيق الصيام مع السفر أو يطيق الصيام مع المرض ؟ أي عنده دسك ، آلام في الظهر ، وآلام في الرجل ، لكن هذا لا علاقة له بالمعدة والطعام والشراب ، والأدوية كلها خارجية ، تسطيح على ظهره ، هذا يطيق الصيام مع المرض إذا أفطر فعليه إضافة إلى القضاء فدية . طعام مسكين ، قال : ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
إفطار يوم لا يعدله صيام الدهر كله ، لذلك نحن بتوفيق الله عز وجل ننصح الأخت الكريمة ونقول لها كما قال الله عز وجل : وأن تصومي خير لك إن كنت تعلمين ، السبب الامتحان دقيق جداً إذا طالب آثر رضاء الله عز وجل وصام ، هناك مليون طريقة للتوفيق .
أحياناً الله عز وجل يلهم هذا الطالب فيقرأ بحثاً معيناً ، يقول لك : إني أقرأه ، جاء رفيقه ، قال له: البحث قرأته ؟ قال: ما قرأته ؟ فيقول له : اقرأه . في اليوم الثاني جاء في الامتحان سؤال قد يأخذ علامة تامة ، إلهام من الله عز وجل ، هذا شيء بيد الله وحده ، فإذا راقب الله عز وجل إنساناً طالباً أو طالبة يصوم في رمضان ، في شهر الصوم والامتحان في هذا الشهر الله سبحانه وتعالى لا أقول أغلب الظن ، لئلا تجربوا ، الله لا يجرب ولا يُشارط، لكن لا أعتقد طالباً يصوم برمضان ويؤدي امتحاناً ويخفق في امتحانه إلا إذا ترك الأخذ بالأسباب أي ما درس إطلاقاً ، أنا سوف أصوم وأنجح ، لا تنجح بالصوم ، أما إذا درس وعمل جهده وصام برمضان أغلب الظن أن الله سبحانه وتعالى سيوفقه .
بالمناسبة ممكن للطالب برمضان أن ينام العصر بقدر ما يقدر ، يجبر نفسه على الاستلقاء ساعتين أو ثلاث ، حتى يقدر بعد الإفطار إلى السحور أن يبقى يقظاً . إذا سهر من الإفطار إلى السحور وصلى الصبح ونام ساعتين ، استيقظ الساعة الثامنة ، ثم درس بنشاط من الثامنة إلى الساعة الثانية عشرة كاف ، اشرب كمية كافية ، كُلْ أكلاً يقيم أودك ، اعتمد الطعام والشراب ، واسهر طوال الليل ، و نم العصر ، وحاول بالسهرة أن تشرب قدر ما تستطيع ، لعل التفوق يكون في هذا الامتحان في رمضان ، الله عز وجل موجود .
قال النبي الكريم : " إذا استشير أحدكم فليشر ما هو صانع لنفسه "
بعيد عن موضوع فتوى رسمية وكيف الجواب ، ليس هذا عملي إطلاقاً ، لكن أنا لا أفطر ، لو كنت طالباً في رمضان لا أفطر ، وليكن ما يكون ، ولا يكون إلا الخير . ولا يكون إلا النجاح ، هذا الكلام ليس للأخت الكريمة ، لكل طالب في الثانوية أو الكفاءة أو الجامعة ، هذا الجواب للجميع .


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-08-2018, 07:12 AM   #4


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى 2



بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى

الدرس : ( الرابع )

الموضوع : التبرج





حمد لله رب العالمين ، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا و انفعنا بما علمتنا و زدنا علماً ، و أرنا الحق حقاً و ارزقنا اتباعه ، و أرنا الباطل باطلاً و ارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، و أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
بقاء المرأة في بيتها نظام اجتماعي أمثل تنتظم به الحياة :
أيها الأخوة المؤمنون ؛ وصلنا في هذه الموضوعات إلى موضوع التبرج .

التبرج إظهار ما يجب إخفاؤه ، إظهار محاسن المرأة التي أمر الله بإخفائها ، الآية القرآنية التي تتحدث عن التبرج قوله تعالى :

﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[سورة الأحزاب : 33]
بهذه الآية أسئلة كثيرة ، أول شيء حينما يذكر الله عز وجل شيئاً في كتابه الكريم فمعنى ذلك أن هذا الشيء أساسي في سلامة المرء وسعادته في الدنيا والآخرة .
لا يظن بعض الناس أن الله عز وجل ذكر آية في القرآن الكريم فيها توجيه اجتماعي أن هذه الآية من الثانويات ، ما دام الله عز وجل قال : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
معنى ذلك أن بقاء المرأة في بيتها نظام اجتماعي أمثل تنتظم به الحياة ويسعد به الرجال ، وتسعد به النساء ، ويسعد الناس في الدنيا والآخرة .
المرأة إذا خرجت من بيتها ، وخالطت الرجال سببت فساداً كبيراً . لأن المرأة محببة إلى الرجال هذه فطرة ، قال تعالى : ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾
[سورة آل عمران : 14]
كيف أن البارود يشتعل بالنار ، من خصائص هذه المادة اشتعالها بالنار ، فإذا منعت النار عن البارود فهذا مبني على علم كبير ، ربنا عز وجل قال : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]

فلما خرجت ابنتا سيدنا شعيب عليه على نبينا أفضل الصلاة والسلام لسقي الغنم قالتا :
﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ﴾
[سورة القصص: 23]
أي ما خرجنا إلا لسبب قاهر ، أما من غير سبب قاهر فينبغي أن تبقى المرأة في بيتها ، وليس معنى ذلك أن تبقى جاهلة ، بعض الجهلة يقرن بين بقاء المرأة في بيتها وبين الجهل ، يجب أن تبقى في بيتها وهي في قمة الفهم ، والتأدب بأخلاق الإسلام والتفقه في الدين وفهم كتاب الله ، واتباع سنة رسول الله ، قربنا عز وجل يقول : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
لا حاجة إلى التفصيل لأن كلكم تعرفون ذلك ، ولو أن امرأة متبرجة تعمل في مكان، يراها الرجال كل يوم ، وكل ساعة ، الرجال على أنواع ، بعضهم كالذئب ، بعضهم كالثعلب ، بعضهم يشتهي ما ليس عنده ، هذا شيء طبيعي أن يتقرب الرجال إليها ، فإذا تقرب الرجال إليها شعرت بقيمتها ، وبخطورة جمالها في الحياة ، لذلك تستعلي على زوجها في البيت، تفسد علاقتها مع زوجها ، وتفسد علاقة الأزواج مع زوجاتهم ، وتحتل مكان رجل لو عُين مكانها لتزوج ، إذاً عطلت مكاناً لرجل ، وعطلت زواجاً لأنثى ، ورزقها مضمون على أبيها أو على زوجها ، هذا نظام الإسلام . فربنا عز وجل حينما قال : ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
أي النظام الأمثل أن تتفرغ المرأة لرعاية زوجها وأولادها ، وأن تكون عالمة لأمر دينها وحقوق زوجها . ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
العلاقة بين الآيتين التاليتين:
السؤال الدقيق : لماذا قرن الله عز وجل بين أمره الشريف العظيم
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
- وبين نهيه الآخر - : ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[سورة الأحزاب : 33]
لماذا قرنهما مع بعضهما ؟ الأصل أن تبقى المرأة في البيت . يا بنيتي يا فاطمة - هكذا قال عليه الصلاة والسلام - ما خير ما تفعله المرأة ؟ قالت : ألا ترى وألا تُرى . (( صَلاةُ الْمَرْأَةِ فِي بَيْتِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي حُجْرَتِهَا ، وَصَلاتُهَا فِي مَخْدَعِهَا أَفْضَلُ مِنْ صَلاتِهَا فِي بَيْتِهَا ))
[ سنن أبي داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ]
الدار مجمل الغرف مع الساحة الثانوية ، مع الفناء ، أما البيت فالغرفة ، " وصلاتها في قعر بيتها خير من صلاتها في بيتها " . إذا في غرفتين ، غرفة مطلة على فناء الدار ، وغرفة داخلية ، لأن المرأة كلها فتنة ، صوتها فتنة ، حركتها ، مشيتها . ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
ما علاقة النهي الثاني ؟ فإذا خرجتن لأمر ضروري لا تبرجن ، إذا قلنا لإنسان : لا تأكل أكل النهم ، فهل نحن ننهاه عن الأكل ؟ لا . لا تقوموا لي كما يقوم الأعاجم ، الأعاجم يقومون تعظيماً لملوكهم ، أما إذا قام الصحابة الكرام لنبيهم فهذا التعظيم ليس لذاته ، بل لحقيقته العظمى ، إذاً النهي ليس نهياً مطلقاً . ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]

المرأة لابد من أن تتبرج لزوجها ، فإذا تركت التبرج لزوجها أثمت ، لأنها إذا تبرجت لزوجها كان تبرجها لزوجها أغض لبصره ، وأحصن لنفسه ، لكن المرأة غير المسلمة تتبرج لغير زوجها ، للأجانب في الطرقات ، تظهر مفاتنها لمن ليس له علاقة بها ، تبرز مفاتنها لمن لا يجوز له أن يرى مفاتنها ، تبرز مفاتنها فتفسد علاقة الأزواج بزوجاتهم ، أو تفسد علاقة الشباب بربهم ، أو تفسد علاقة المجتمع بعضه ببعض .
﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]
أي هذه الفتنة ، هذا الجمال الذي منحه الله للمرأة ، حينما منحه إياها من أجل أن يكون عوناً لها على أن يحبها زوجها ، من أجل الوفاق الزوجي ، أي المرأة محببة ، لو أنها تقوم بتربية الأولاد وتقوم بالوضع ، وبالحمل ، وبالرضاع ، وبالخدمة ، وبالطبخ وليس لها شكل مقبول ، لم تستقم الحياة الزوجية ، لكن الله سبحانه وتعالى جعل لها هذا الشكل المحبب وقال : ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ﴾
[ سورة آل عمران: 14 ]
من أجل أن تكون الألفة بينهما : ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾
[سورة الروم: 21]
هذه مودة ، تأتي من أنها محببة للرجل ، هذا الشيء الذي منحه الله إياه لعلة واضحة ، إذا استخدمت لغير ما خلقت له فقد فسدت وأفسدت . على المرأة صون عرضها و عفافها لأن هذا أثمن ما تملك :
﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[سورة الأحزاب : 33]
في الجاهلية كانت النساء تتبرج لا بقصد إرضاء أزواجهن ، بل بقصد إبراز مفاتنهن، لذلك هذه تصل في تفرغ المرأة لزوجها ، وفي صونها لنفسها ، وأثمن ما تملك المرأة شرفها وعرضها وعفافها ، فإذا عرضت هذا الشيء الثمين لأنظار الناس كلهم فقد أثارت حولها الذئاب ، الجوهرة المكنونة توضع في علبة مخملية ، وفي صندوق ، أما الشيء التافه الذي لا قيمة له فتراه ملقياً في الطريق . ﴿ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[سورة الأحزاب : 33]

من الكلمة الأولى يُفهم أن هناك جاهلية أمر وأدهى سوف تأتي في آخر الزمان .
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 59]
أكثر المفسرين فسروا هذه الآية أن الجلباب يجب أن يستر جسد المرأة كله ، من رأسها إلى أخمصها ، هذا هو الجلباب ، وسُمح أن تبقى عين واحدة مكشوفة كي ترى طريقها. ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 59]
والآن هات لي واحدة لا يرى الناس وجهها ، لا يستطيع أحد مهما بلغ فسقه أن يسمعها كلمة في الطريق ، ولا أن يتحرش بها ، ولا أن يصف شكلها ، ولا أن يتكلم كلاماً يؤذيها، لأنه لا يراها ، فإذا بدا الوجه ، وهو موطن الفتنة في المرأة كانت التعليقات ، إن كان فاتناً علق الناس تعليقاً خاصاً ، فإن لم يعلقوا أضمروا في نفوسهم ما لا تُحمد عقباه ، وإن نظروا وكان في الوجه دمامة تكلموا بكلمات تعقد هذه المرأة ، لذلك قال الله عزوجل : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ﴾
[سورة الأحزاب : 59]
معنى المرأة التي تظهر مفاتنها قد تؤذي ، وقد تؤذى ، تؤذي بإثارة الشهوات وقد تؤذى ببعض الكلمات التي تجرح شعورها إن بقي عندها شعور .
على كلٍّ الآية الثانية : ﴿ وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾
[سورة النور : 31]
المفسرون قالوا : الذي يظهر من زينة المرأة طولها ، هل تستطيع أن تخفي طولها؟ كونها ممتلئة الجسم أو نحيلة ؟ هذا شيء لا تستطيع أن تخفيه ، لذلك الآية الكريمة : ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ﴾
[سورة النور : 31]
أما الوجه لو أن الوجه مستثنى من هذه الآية إلا ما أظهرن ، بيدها أن تظهره أو لا تظهره ، أما إلا ما ظهر ليس إلا ما أظهرن منها ، الوجه إلا ما أظهرنا ، والمعصم إلا ما أظهرن ، والرقبة إلا ما أظهرن ، كل هذه الأعضاء يمكن سترها ، إلا ما ظهر من دون قصد، ومن دون إرادة ، ومن دون إمكان ، إلا ما ظهر منها ، قالوا : طولها ، وقالوا : ثيابها. ابتعاد المرأة عن التبرج :
﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ﴾
[سورة النور : 31]

الجيب فتحة الصدر ، يضربن بخمورهن ، والخمار الرداء التي تختمر به المرأة، والخمر تستر عقل الإنسان ، والخمار يستر المرأة ولتضرب خمارها على جيبها مروراً بوجهها .
﴿ وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[سورة النور : 31]
والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : (( يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح لها أن يُرى منها ))
[أبو داود عن عائشة]
أي المرأة إذا بلغت سن البلوغ لا ينبغي أن يراها الأجنبي لأنه إذا رآها زرعت الشهوة في قلبه ، يقول عليه الصلاة والسلام : ((... إن المرأة إذا أقبلت أقبلت في صورة شيطان ...))
[الترمذي عن جابر بن عبد الله]
أي إذا رأيتها مقبلة بزينتها حركت الشهوة ، وإذا رأيتها مدبرة حركت الشهوة لذلك قال عليه الصلاة والسلام : (( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ))
[ مسلم عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ]
ويقول عليه الصلاة والسلام : (( صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ))
[ مسلم وأحمد عن أبي هريرة]
أي الثوب إذا شفّ عن لون الجلد فهذا ليس بثوب ، إنها بهذه الثياب كاسية عارية، أي القماش الرقيق الذي يظهر ملامح الجسد يدخل بهذا الحديث كاسية عارية ، والثياب الثخينة إذا كانت ضيقة فوصفت حجم العضو كاسية عارية . ((.....كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا ))
كيف أفهم أن امرأة مؤمنة تظهر مفاتنها للأجنبي ؟ إيمانها بقلبها كبير ، لا تدع الصلاة ، أي غطاء رأسها في محفظتها ، لكن مضطرة ، هذا كلام مرفوض ، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
أب سأل بناته ، لماذا أنتن متحجبات ؟ فأجابت كل فتاة كلمة بحسب مستواها قالت إحداهن : لأن الله أمر بذلك ، وقالت أخرى : لأنني بهذا أرضي الله عز وجل ، وقالت ثالثة : أنا متحجبة لئلا أؤذي عباد الله .

شاب في مقتبل حياته ، ملتهب ، إذا رأى فتاة وكان منظرها مثيراً لشهوته ، ماذا يصنع بنفسه ؟ جاهل ، ليس له مجلس علم يعلمه غض البصر ، ليس له أستاذ يعلمه الدين الصحيح ، ليس له تعلق بالآخرة ، سيفسق ، سينحرف ، سوف يبتغي وراء ذلك ، هي شريفة ما جرؤ على التكلم معها ، ولا تكلم معها ، ونظرها في الأرض ، ولكن زرعت الفتنة في نفسه.
إذا لبست المرأة لباساً حديثاً وفق أحدث الموضات ، معنى ذلك أنها تدعو الناس إلى النظر إليها ، تدعو الناس إلى التهامها بعيونهم ، وتقول إنها شريفة ، أين شرفها ؟ لو أنها شريفة لحجبت مفاتنها عن الذئاب . أقول الذئاب بالذات .
مثل مضحك ، إذا رجل ركب سيارة عامة ترى أبوابها مخلوعة لها وضع خاص هذه عامة ، أما السيارة الخاصة فمنتظمة ، أيضاً المرأة لما تظهر مفاتنها صارت عمومي ليست خصوصي ، مستهلكة من الجميع ، يستمتع بها الجميع ، ولا شأن لها عند الله عز وجل أما هذه المرأة التي خلقها لتكون لزوجها ، فعندئذ يرزقها الله بهاءً إلى أمد طويل ، سبحان الله المرأة التي تصون نفسها بالخمسينات مشرقة ، والتي يراها الأجنبي صباحاً ومساءً بسن مبكرة يذهب رونقها ، ويذهب جمالها لأنها استهلكت ، استهلكت وأهلكت . الحياة السليمة أساسها تطبيق لكتاب الله :
وعن موسى بن يسار رضي الله عنه قالت : " مرت بأبي هريرة امرأة وريحها تعصف - الآن أين ما مشيت ، على بعد ثلاثة أمتار تشم رائحة المرأة ، أي يدفع الناس على العطورات مبالغ طائلة ، النساء في الطريق ، إذا كان الرجل غير منتبه يشم رائحة نسائية فينظر طبعاً أهل الدنيا . فسيدنا أبو هريرة مر بامرأة وريحها تعصف ، فقال لها : أين تريدين يا أمة ؟ قالت إلى المسجد ، فقال : وتتطيبين ؟ قالت نعم ، قال : فارجعي فاغتسلي ..أي إذا خرجت المرأة متعطرة خرجت زانية ، قال : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
((لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ مِنِ امْرَأَةٍ صَلاَةً خَرَجَتْ إِلَى الْمَسْجِدِ وَرِيحُهَا تَعْصِفُ ، حَتَّى تَرْجِعَ فَتَغْتَسِلَ ))
[ أبو يعلى عن أبي هريرة]
الموضوع حساس ودقيق ، وكل منا يعرف أبعاده ، ويعرف كم من طلاق تم بسبب الاختلاط ، كم من شقاء وقع في بيت بسبب التبرج ، كم من انحراف وقع من زوج أو من زوجة بسبب ذلك .
أحياناً في هذا المسجد تأتيني مشكلات ، شيء لا يُذكر ، إنسان غائب عن زوجته دخلت إلى بيت الجار في غيبته ، طبعاً هناك إهمال للشرع ، هذا الشرع إذا طبقته كان وقاية لك من المشكلات ، ومن المفاجآت ، ومن الأمور التي لا تحتملها ، فإذا أطلقته ، ولم تكن عالماً بمضار الاختلاط نلت فوق ما تستطيع ..
رجل والله في هذا المسجد ، القصة من ثماني سنوات، بعدما انتهت خطبة الجمعة قال لي سؤالاً : قال : والله زوجتي وجدتها مع رجل ، قلت : له ما السبب ؟ قال لي : جارنا دخل إليّ ، زارني ، فقلت لا : فلان مثل أخيك هات القهوة ، هذا جاهل بما يكون من عواقب الاختلاط . الإنسان الذي يحب نفسه ويحب أن يمضي عمراً مع زوجته في اطمئنان ودعة ، واطمئنان إلى أخلاقها ، وإلى استقامتها ووفائها ، لا يعرض نفسه إلى مهالك بسبب جهله بالدين.
إنسان آخر دعا زوجته إلى العمل خارج المنزل ، بوظيفة حساسة لها علاقة بضرائب معينة، جاءتها الهدايا ، جاءتها المبالغ ، اشترت بيتاً آخر ، غابت عن البيت ، استعلت على زوجها ، بعد ذلك شعر أن على نفسها جنت براقش ، تركته بعد ذلك ، من هو أمام من هو معجب بها ، وبقيمتها ، وبدخلها .
أحدهم نفخ قربة وركب فيها بالنهر ، في منتصف الطريق نفست فغرق ، فقال له بعضهم : يداك أوكتا وفوك ونفخ ، أي ربطتا ، هذا من صنعك .
تسمعه أحياناً يقول لزوجته : يجب أن تظهري على إخوتي كلهم من دون شيء هؤلاء إخوتي . هل هذه آية أم حديث ؟ من أين أتيت بها ؟ جهل .
أحياناً الأهل يشترطون على الزوج أن ابنتهم تختلط مع أخوة زوجها شرطاً ، لا تعمل لنا تفرقة في العائلة ، نحن ربينا سوية ، شيء جميل ما هذه العادات ؟

صنف آخر ، أن فلانة ربيتها ، أين هي ؟ صارت زوجة ، يجب ألا تحجبها عني أنا مربيها ، ما هذا الكلام ؟ كلام جهل ، وترى مضاعفات ، وانحرافات ، وغمز ، ولمز ، ويفاجئون بعضهم بأوضاع غير سليمة ، ويشتكون من بعضهم ، ويخونون بعضهم ، وتصير عداوات . هذه كلها منافذ الشيطان .
فإذا أردت أن تحيا سليماً من هذه الآفات فطبق كتاب الله .
إذا اشترى رجل سيارة ، معها نشرة بالعربية ، مرة قرأتها بكاملها هي من ستين أو سبعين صفحة تقريباً ، متى يجب أن تضع الزيت ، كيف تمسح البلور ، إذا مستحته من دون ماء ينجرح ، لابد أن تفحصها كل فترة من أسفلها لتزفيتها ، وإلا تهترئ ، وجدت أشياء ضرورية جداً . من أفهم جهة تعطيك النصائح الصحيحة في صيانة السيارات ؟ المعمل . أما إذا سألت رجلاً ليس له علاقة بالمصلحة إطلاقاً فيعطيك نصائح غير صحيحة ، يقول لك : لا تحميها صباحاً فوراً امش لا يوجد وقت . غير فهمان .
فالإنسان حينما يتلقى النصائح بأمور حياته من جهات غير خبيرة يدفع الثمن ، أما إذا تلقى النصيحة من خبير : ﴿ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾
[ سورة الملك : 14 ]
نحن من خلقه ، وهذا الكتاب القرآن الكريم هو دستورنا في الحياة تخالفه فتدفع الثمن . علاقة المعصية بنتائجها علاقة علمية :
كنت أقول دائماً : إن الإنسان إذا لمس مدفأة تحترق يده ، العلاقة بين لمسها واحتراق اليد هذه علاقة سبب بنتيجة ، أي علاقة علمية ، أما إذا اشترى الأب دراجة لابنه الناجح هذه علاقة حكيمة ، الأب قال لابنه : إذا نجحت أشتري لك دراجة . هذه علاقة ليست بالضرورة، علاقة وضعها الأب ، فلما نجح الابن اشترى له دراجة .

علاقة المعصية بنتائجها علاقة علمية ، أي كل معصية فيها بذور نتائجها ، من دون تدخل من الله ، نفس المعصية . تيار ستة آلاف فولت ، يقول لك : خطر الموت ، أي ما من حاجة إذا مسكه إنسان يأتي آخر و يكتب له ضبطاً ويخالفه ، يموت لوحده منه ، من دون تدخل الدولة ، إذا إنسان مسك تياراً توتره عال وخالف اللوحة المرسوم عليها جمجمة وعظمتين ، ومسكه يصبح فحماً فوراً ، لا حاجة لأن يكتبه مخالفة ، ويحيلوه على القضاء ، ما من حاجة لذلك . مسك التيار نفسه يحول صاحبه فحماً فوراً ، يجب أن تفهم الدين هكذا ، الاختلاط يسبب خراب البيوت ، التبرج يسبب فساد العلاقة بين الأزواج كلهم ، كل معصية لله عز وجل تسبب فساد الحياة من دون تدخل من الله ، الله لا يعاقب أحداً ، عمل نظاماً دقيقاً ، تخالف فتقع . إذا رجل حرك المقود على اليمين فجأة وعلى اليمين واد ، هذا التحريك بحد ذاته فيه بذور الوقوع في الوادي ، هكذا الشرع ، لذلك أوامر الشرع ليست قيوداً للإنسان ولكنها ضمان لسلامته .

الحرام هو ما حرمه الله :
لا أقول من باب المبالغة إذا الإنسان أحب نفسه يستقيم على أمر الله ، يحب أن يعيش حياة هادئة مع زوجته يقول لك : والله عشت معها خمساً وأربعين سنة ما رأيت منها شيئاً أكرهه ، معناها أنت حصنتها وحصنت نفسك ، أما المفاجآت فلا يعلمها إلا الله .

لا أحب أن أخوض بهذه الموضوعات كثيراً لأنني سمعت قصصاً يقشعر منها البدن من الاختلاط . قال رجل لأستاذ في المدرسة : أخي عنده ثلاثة أولاد ، من كل أخ واحد، مني واحد ومن أخيه الثاني واحد ، ومنه واحد . اختلاط ، هذا أخي ، وإذا أخوك ؟ الحمو الموت.
الذي حرمه الله فهو حرام ، سبحان الله أرى عوائل لا أقول في قمة الجهل ، لا ، الجهل ليس له قمة ، بل في حضيض الجهل ، إذا أراد الشاب فيهم أن يطبق الشرع يقيمون عليه النكير ، لماذا ؟ من أين أتيت بهذا الدين ؟ هذا قرآن كريم ، حديث رسول الله ، ألا يعجبكم قرآن الله عز وجل :
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾
[سورة الأحزاب : 33]
و : ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[سورة النور الآية 31]
معدودون سبعة لا يوجد غيرهم . ابن عمها ليس وارداً ، أخي نحن هكذا تربينا . ابن خالتها غير وارد ، أخو زوجها غير وارد ، خال زوجها غير وارد ، فبذلك يخالفون الشرع ، وتقع المشكلات . * * *
ارتقاء الإيمان يؤدي إلى صفاء النّفس :

والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة التي درجنا قبل رمضان على شرحها بفضل الله وتوفيقه .
قد يكون الحق مراً ، أو الحق قاس على بعض الناس ، هذا الحق ونحن نقول: النسب النظامية بالكولسترول هكذا ، إذا أنت عندك نسبة عالية تقول : أنا لا أعاني من شيء ، فالإنسان إذا انحرف عن الشرع هذه حالة مرضية ، والعلاج حتمي فإما أن يعالج نفسه قبل أن يعالجه الله عز وجل ، حتمية المعالجة ، رحمة الله عز وجل تقتضي أن يعالج كل العباد .
يقول لك : نحن نخالف ولم يحدث معنا شيء ، هذا كلام فيه جهل أيضاً ، هناك أمراض دور حضانتها ثلاثون سنة وأمراض عشر سنوات ، وأمراض خمس سنوات ، إذا إنسان وضع في الأساسات خمسة أكياس بدلاً من سبعة ، ثم يقول لك : لم يحدث شيء ، نقول له : طول بالك .. هذا الحديث : ((لَقِيَنِي أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتَ يَا حَنْظَلَةُ قَالَ قُلْتُ نَافَقَ حَنْظَلَةُ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا تَقُولُ قَالَ قُلْتُ نَكُونُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُذَكِّرُنَا بِالنَّارِ وَالْجَنَّةِ حَتَّى كَأَنَّا رَأْيُ عَيْنٍ فَإِذَا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَافَسْنَا الْأَزْوَاجَ وَالْأَوْلَادَ وَالضَّيْعَاتِ فَنَسِينَا كَثِيرًا))
[ مسلم عن حنظلة الأُسَيِّدِىِّ رضي الله عنهما ]

الإنسان كلما ارتقى إيمانه تصفُ نفسه ، يصبح يرى ما لا يراه الناس ، إذا كانت المطر ستهطل ، يجوز واحد من أهل الدنيا يقول : قالوا : اليوم ستنزل المطر ، انظر كم ميلي نزلت اليوم ، يأتي بباله مطر نزلت ، وكم ميلي ، وكان يجب ألا تنزل المطر لأنه يوجد عنده شيء من دون تغطية ، عنده إسمنت من دون تغطية ، هذا تفكيره ، يأتي المؤمن يرى المطر تنزل، يراها رحمة الله ، يرى يد الله تنزله ، يرى استجابة الله لعباده ، يخطر بباله معاني قد يبكي منها ، كل هذه المعاني لا تخطر في بال الكافر أبداً .
المؤمن يأكل فاكهة ، يرى الذي خلقها بهذا القوام ، بهذا الشكل ، بهذه الرائحة ، بهذا الطعم ، بهذا السعر ، بهذه الكمية ، بهذه الغزارة كانت تراباً ، بستان فيه أجاص ، وتفاح، وخوخ ، ومشمش ، أثمار متفاوتة في الأشكال والألوان والطعوم ، هذه حامضة ، وهذه حلوة ، هذه هلامية ، هذه قاسية ، هذه لها قشرة ، هذه ليس لها قشرة ، هذه شكلها كثمرة ، هذه شكلها مربع ، هذه شكلها كروي ، هذه شكلها دائري ، هذه كبيرة ، هذه صغيرة، يرى رحمة الله عز وجل ، لذلك المؤمن يرى ما لا يراه الناس ، لو كبر إيمانه أكثر يحس أن هذه المخلوقات تسبح الله عز وجل .
إذا إنسان رأى زهرة يقشعر بدنه أمامها ، كائن جميل خلقه الله ، تسبح بحمد الله ، تجنب أن يدوس على زهرة في الطريق ، إذا ارتقى أكثر ، كأنها تخاطبه ويخاطبها .
إنسان صالح بقي بالطعام رزة فأكلها ، قال : سمعتها تقول : رب لا تذرني فرداً وألحقني بالصالحين .
الله خلقها من أجلك أيها الإنسان ، لمَ تتركها هكذا هملاً ؟ خلقت من أجلك . الأصل هو الدين :
كلما صفت نفس الإنسان يرى ويسمع ما لا يراه الناس وما لا يسمعون . الأنبياء ..
(( أعرف حجراً بمكة كان يسلم علي ))
[ مسلم عن جابر بن سمرة ]

دخل على بستان صلى الله عليه وسلم فرأى جملاً ، فلما رآه حن - بكى الجمل- فتقدم منه ، ومسح ذفريه ، وقال :
(( من صاحب هذا الجمل؟ قال فتى من الأنصار: هو لي يا رسول الله، قال له النبي الكريم: ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه))
[الطبراني عن عبد الله بن جعفر]
لا تنكر على العلماء الكبار ، لا تنكر على العارفين بالله ، أحوالهم شفافية ، نفوسهم كشوفاتهم ، قل : الله أعلم .
أخي هل هذه : يا سارية الجبل الجبل ، أنت في مستوى سيدنا عمر ؟! . قال : أسمع صوت أمير المؤمنين يحذرني الجبل ، قال : يا سارية الجبل الجبل ..
إذا سمع الإنسان هذه الحادثة من عالم دكتور في الجامعة هذه حقيقة علمية .. كم نحن مخدرون ، دخل عندنا دكتور قال لنا : هذه الحادثة اسمها التخاطر النفسي ، النفس لا تزال كائناً مجهولاً ، لها شعاع .
هناك حادثة سجلها العلماء أن امرأة في إيطالية ابنها في باريس رأت وهي في المطبخ أن ابنها قد داسته سيارة ، رأته في عينها هذه اسمها أحلام اليقظة ، بعد أربعة أيام جاء ابنها بنعش مع تقرير بنفس الدقيقة ، قال : هذه حادثة علمية ثابتة اسمها التخاطر النفسي تفسيرها صعب ، عندما يقولها دكتور في الجامعة ساعتئذ يا سارية الجبل الجبل صحيحة ، إذا لم يقلها الدكتور فهي غير صحيحة ، هذا هو الجهل ، إذا كان شيء بالعلم يوافق الدين أقبله ؟ لا ، إذا كان الدين يوافق العلم تقبل الدين ، الأصل هو الدين ، الأصل ما جاء به كتاب الله . أنواع الحقائق :
لذلك بعض العلماء قالوا : الحقائق نوعان ، حقائق تنحدر إلينا عن طريق الوحي للأنبياء ، وحقائق نكشفها عن طريق التجربة ، مصدرها واحد.
ربنا عز وجل قال : العسل فيه شفاء للناس ، كلام إله ، حقيقة ثابتة قطعية ، قد يكون العلماء كشفوا للعسل مليون فائدة ، وألفوا عنه كتباً ، هذا العلم جاءنا عن طريق التجربة، وكلمة فيه شفاء للناس هذا عن طريق الوحي ، العلم الذي جاءنا عن طريق التجربة علم ناقص أحياناً يعتريه الشك والخطأ والنسيان ، وأما العلم الذي جاءنا عن طريق الوحي فكامل مكمل . أي إذا مسكت مذياعاً ونزعت منه الصمام توقف الصوت ، قلت : هذا من أجل الصوت ، قد يكون الصمام على طريق الصوت من أجل شيء آخر ، أما إذا قال لك مخترع الجهاز : هذا الصمام من أجل ثلاثين فائدة هي كذا وكذا وكذا ، هذا علم كامل من مخترع الجهاز ، أما إذا نزعت الصمام ورأيت آثار نزعه فغاب الصوت قلت : هذا من أجل الصوت هذا علم ناقص ، قد يكون الصمام على طريق الصوت ، أما هو فمهمته تصفية الصوت لا إحداث الصوت ، فالعلم التجريبي علم له قيمته ولكن يبقى ناقصاً ، أما علم الأنبياء فكامل ، لما قال الله :
﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[سورة الأحزاب : 33]

الآن العلماء الأجانب يقترحون إنشاء جامعات للفتيات وجامعات للذكور في أمريكا نفسها ، وجدوا سبعاً وعشرين ألف لقيط في الحدائق ، هناك بلاد نصف سكانها بالقضاء . الآن الأجانب بدافع علمي بحت يقترحون أن تكون جامعات للفتيات وجامعات للذكور .
(( أعرف حجراً بمكة كان يسلم علي ))
[مسلم عن جابر بن سمرة ]
يقول عليه الصلاة والسلام : (( قَالَ : لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ))
[أبو داود والنسائي عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]
هذا تعليم لنا ، إياك أن تكون شاهداً على جور . (( عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا قَالَ سَأَلَتْ أُمِّي أَبِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِي مِنْ مَالِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَوَهَبَهَا لِي فَقَالَتْ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِيَدِي وَأَنَا غُلَامٌ فَأَتَى بِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أُمَّهُ بِنْتَ رَوَاحَةَ سَأَلَتْنِي بَعْضَ الْمَوْهِبَةِ لِهَذَا قَالَ أَلَكَ وَلَدٌ سِوَاهُ قَالَ : نَعَمْ قَالَ فَأُرَاهُ قَالَ لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ وَقَالَ أَبُو حَرِيزٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ لَا أَشْهَدُ عَلَى جَوْرٍ ))
[أبو داود والنسائي عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ]
هذا جور . الأب العاقل المؤمن يعدل بين أولاده ، بصرف النظر عن فروقهم الفردية ، واحد بهلول ، واحد لا يوجد عنده إمكانيات يكون بهلولاً ، واحد قريب منه ، بعيد عنه ، واحد متزوج عنده غضبان على كنته لا يريد أن يعطيه شيئاً من الميراث ، واحد ليس متزوجاً بعد ، هذه كلها اعتبارات لا قيمة لها عند الشرع . هؤلاء جميعاً أولادك ، ساوِ بينهم في العطية ، قال له : إني لا أشهد على جور ، هذا جور .
يقول عليه الصلاة والسلام : ((إِنِّي لَأَدْخُلُ الصَّلَاةَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطِيلَهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَاوَزُ فِي صَلَاتِي مِمَّا أَعْلَمُ مِنْ شِدَّةِ وَجْدِ أُمِّهِ مِنْ بُكَائِهِ))
[البخاري عن أبي قتادة ]
كان عليه الصلاة والسلام حكيماً ، دخل في الصلاة وفي نيته أن يطيل الصلاة سمع بكاء الصغير وأمه تصلي خلف الصفوف ، فاقتصر من الصلاة رفقاً بهذه الأم التي تشفق على ابنها من البكاء . لذلك كان عليه الصلاة والسلام أخف الناس صلاة في تمام .
أي أحياناً تصير الصلاة عرض عضلات ، حافظ والله شيء جميل أما إذا كان لوحده وصلى عشر ساعات فلا مانع ، لكن مع الناس أحدهم لا يستطيع أن يقف كثيراً ، أي تحملك أن تقرأ نصف صفحة ، ثلاثة أرباع الصفحة ، خمس صفحات ، أما إذا كان في قيام ليل فهذا لحاله ، ليس له علاقة ، أما الصلاة العادية ، الصلوات الخمس ، فكان أخف الناس صلاة في تمام ، أي يؤدي خصائصها وأركانها وشروطها بالتمام والكمال مع خفة في الصلاة، أي نصف صفحة ، ثلاثة آيات ، أربع آيات ، يقول عليه الصلاة والسلام : (( إِنِّي لَمْ أُؤمَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ ))
[متفق عليه عن عمارة بن القعقاع]
التأدب بآداب الإسلام :
أنت بعت صحوناً ، أخي هذه الصحون يا ترى يريد أن يضع فيها مستلزمات المشروب ؟ هذا ليس شغلك .
أنت بعت صحوناً ، صحون يوضع بها طعام ، هناك شخص يدقق بشكل مزعج .
الإنسان إذا دخل المسجد ، و رأى إماماً ، يسأل : أخي هذا الإمام ورع ؟ هذا ليس شغلك ، صلِّ وراء كل بر وفاجر . إذا تعرفه فاجراً سلفاً فلا تصلِّ وراءه ، أما دخلت إلى المسجد فصلّ من أجل وحدة الصف .

إنسان وضع لك طعاماً ، يا ترى هل ماله حلال ؟ إذا قلت له : مالك حلال يجوز أن ينفر منك ، إن قلت له : أنا لا أعرف هل دخلك حلال أم حرام ؟ يعمل معه تحقيقاُ من أجل لقمتين ، حل عنه لا يريد أن يطعمك .
النبي الكريم كان رقيقاً ، قال :
(( إِنِّي لَمْ أُؤمَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُمْ ))
[متفق عليه عن عمارة بن القعقاع]
كان بعض الأصحاب مع سيدنا عمر في البادية ، وجدوا ماء يريدون أن يتوضؤون منه ، قال : يا صاحب الماء هل ترد الوحوش هذا الماء ؟ قال سيدنا عمر : يا صاحب الماء لا تخبرنا ، أي ماء موجود ، ونظيف ، وطاهر ، إذا كنت تريد أن تتبع الأمور لأقصاها صار هذا تعنتاً .
الإنسان يجب أن يتأدب بأدب الإسلام ، هناك شخص يحل غلاظته على الناس باسم الدين ، أنا من أجل أن أتحقق ، من أجل أن أدقق وأتقصى الحلال ، أنت تقصى الحلال بشكل لطيف ليس بشكل مزعج للناس ، لئلا يكره الناس دينك .
إنسان اضطر أن يصافح شخصاً مشركاً ، هو مسك العباءة وصافحه قال: هذا مشرك نجس ، هذه ليس لباقة أن تصافحه بالعباءة ، ليست نجاسة عينية ، نجاسة حكمية ، قد يكون منذ قليل كان في الحمام غسل بصابون معطر ووضع عطراً على يديه ، ليس يديه النجسة، بل تصرفاته نجسة .
﴿ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾
[ سورة التوبة : 28 ]
لا يصافحه إلا بالعباءة ، هذا مما ينفر الناس من الدين .
مرة أحدهم قال لي : ضع لي عندك هذا الغرض ، كتبت عليه السيد فلان ، هو ليس مسلماً بل نصرانياً ، قيل لي : كيف تقول عنه سيد ؟ كان سيعمل لي مشكلة ، قلت له : أنا أقصد السيد هو الذئب ، وجمعه أسياد فسكت . نفدت منه بهذا التوجيه . يكون هو له عمل أسوأ منه ، لكنه تزين بالباطل ، المسلم إذا لم يكن ورعاً مستقيماً ما هذه الادعاءات الكاذبة ؟ (( إني لا أصافح النساء ))
[النسائي وابن ماجه وأحمد ومالك عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ]
تراه يصافح معظم الناس وضحكته ظاهرة ، ويشد على يدها من باب المودة وهي أجنبية عنه .
إني لا أصافح النساء ، يقولون عنه : جلف ، لا يوجد عنده لباقة ، عند الله مكرم. إني لا أقبل هدية مشرك ، بعض الأشخاص يقبلون أية هدية ، إن كانت من مشرك لها معانٍ كثيرة ، لكن هناك استثناءات قليلة ، إذا كان هذا المشرك فيه نواة طيبة ، ويُرجى له الصلاح وقبلتها تأليفاً لقلبه ، فالنبي فعل هذا حينما قبل مارية القبطية من المقوقس ، أما للأفراد فلا يجوز ، فإذا فعلوها فقد خالفوا هذا الحديث الشريف . لا تصح إلا من أنبياء أو ممن بيدهم ولاية الأمور ، أما من أفراد فتقبل هدية من مشرك معنى ذلك كأنها رشوة ، أي خذها واسكت. فالإنسان إذا جاءه خير عن طريق مشرك ، أو كافر يميل نحوه ، إذا مال قلبه إلى مشرك تنتقل له أحواله ، شهواته ، دناءته ، ميوله المرضية ، هذا كله يأتيه عن طريق العدوى ، من أحبّ قوماً فهو معهم . كل نفس تُحشر على هواها ، فمن هوي الكفرة حشر معهم ولا ينفعه علمه شيئاً. (( إني وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقاً ))
[ﺍﻟﺘﺭﻤﺫﻱ ﻜﺘﺎﺏ ﺍﻟﺒﺭ ﻭﺍﻟﺼﻠﺔ ﻋﻥ ﺃﺒﻲ ﻫﺭﻴﺭة]
هناك مزاح غليظ يسبب جلطة أحياناً ، يسبب طلاقاً ، أحدهم خطب امرأة قيل له هذه ليست من مستواك ، ففي اليوم الثاني طلقها ، بعد أسبوعين قال له : ماذا صنعت ؟ قال له: والله كنت أمزح معك مزاحاً . كان قد طلقها وانتهى ، هذا المزاح مدمر . " إني وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقاً " .
معناها المداعبة والمزاح مستحب من المؤمن ، لكن المزاح الذي لا يخدش حياء إنسان ، ولا يجرح إنسان ، أي له شروط كثيرة جداً ، مطلق المزاح غير مطلوب .
من كثر مزاحه استخف به ، إياك وكثرة الضحك ، فإن كثرة الضحك تميت القلب.
لكن المزاح اللطيف ، القليل ، يضفي بهجة ، وأنساً ، ويسبب محبة وميل القلوب نحو المتكلم . الفكاهة بالتعليم :

درسنا في التربية موضوعاً مستقلاً ، الفكاهة بالتعليم ، أحياناً تشعر أن الطلاب قد تعبوا ، وبقي لانتهاء الدرس ثلث ساعة ، أحياناً طرفة أدبية تعطي نشاطاً و استماعاً إلى ساعة ثانية . ولكن له شروط ، ألا تمزح على طالب بالذات ، أو على مهنة أولياء الطلاب ، هذا شيء لا يجوز ، لذلك المعلم الناجح يعرف مهن أولياء الطلاب كلهم ، ولو كان هناك طرفة ممتعة جداً تمس إحدى المهن فلا يستخدمها أبداً ، لأنها تجرح طالباً . فالمزاح المطلوب هو الذي لا يؤذي أحداً ، ولا يحرج إنساناً ، ولا يجرح نفساً ، ولا يخدش شعوراً . هناك مزاح ليس له علاقة بالحاضرين إطلاقاً ، مزاح أدبي ، مزاح لغوي ، فكرة معينة ، مفارقة.

(( إني وإن داعبتكم فلا أقول إلا حقاً ))
[ﺍﻟﺘﺭﻤﺫﻱ ﻋﻥ ﺃﺒﻲ ﻫﺭﻴﺭة]
التأدب بآداب النبي الكريم :
قال :
(( إنما يقيم من أذن ))
[ كنز العمال عن ابن عمر]

إنما يقيم الصلاة من أذن ، ما علاقة هذه بهذه ؟ كان في المئذنة أنهى الأذان ، فقام غيره ليصلي ، ثم بدؤوا بالصلاة وهو لم ينزل من المئذنة ، بهذه الطريقة المؤذن نفسه الذي كان في رأس المئذنة هو الذي يقيم الصلاة ، هذا نظام اجتماعي .
ساقي القوم آخرهم شرباً ، إذا إبريق ليمون والحاضرون عشرة ، فعبأ كأساً وشربها ، ثم صب كأساً وكأساً ثالثاً انتهى الإبريق ، إذاً كان يجب بحسب الشرع أن يشرب آخر واحد ، ساقي القوم آخرهم شرباً ، اعمل حسابك ، الكل يريد أن يشرب وأنت آخر واحد معنى هذا عليك أن توازن بحيث يبقى لك شيء في الآخر . إنما يقيم الصلاة من أذن ، تريد أن تسبق المؤذن لا يجوز ، الذي أذن يقيم الصلاة .
العيادة فواق ناقة ، زرت مريضاً ، يريد أن يأخذ إبرة ، أو يقضي حاجة ، قعد وانبسط ، جلس ثلاث ساعات والمريض يغلي .
العيادة فواق ناقة ، مقدار حلب ناقة ، أي عشر دقائق . * * *
نعيم بن مسعود :
والآن إلى قصة لصحابي جليل رضي الله عنه وأرضاه .
قام هذا الصحابي بعمل كبير جداً . هذه القصة مفادها أن المؤمن يجب أن يكون ذكياً ، المؤمنون كلهم مكرمون ، ولكن هناك مؤمناً محدوداً ، ومؤمناً متقد الذكاء ، متقد الذكاء يجري الله على يديه خيراً كثيراً .

قال : نعيم بن مسعود فتى يقظ الفؤاد ، ألمعي الذكاء ، خرَّاج ولاج ، لا تعوقه معضلة ، ولا تعجزه مشكلة ، يمثل ابن الصحراء بكل ما حباه الله من صحة الحدس ، وسرعة البديهة ، وشدة الدهاء ، لكنه كان صاحب صبوة - له ميول- وخدين متعة ، كان ينشدهما أكثر ما ينشدهما عند يهود يثرب - طبعاً قبل أن يسلم - فكان كلما تاقت نفسه لقينة أو هفا سمعه لوتر شدّ رحاله إلى منازل قومه في نجد ، ويمم وجهه شطر المدينة حيث يبذل المال ليهودها بسخاء ، ليبذلوا له المتعة بسخاء أكثر ، ومن هناك فقد كان نعيم بن مسعود كثير التردد على يثرب ، وثيق الصلة بمن فيها من اليهود وبخاصة بنو قريظة ، ولما أكرم الله الإنسانية برسول الله صلى الله عليه وسلم كان نعيم بن مسعود ما يزال مرخياً لنفسه العنان، فأعرض عن هذا الدين الجديد أشد الإعراض خوفاً من أن يحول هذا الدين بينه وبين متعه ولذاته .
أحياناً ترى شخصاً خلافه مع الدين ليس عقائدياً ، خلافه ليس إيديولوجياً ، خلاف تضارب مصالح ، له عدة شهوات مستمتع بها ، يخاف إذا تدين أن يحرم منها ، يقول لك : أخي لا أريد مازال الوقت باكراً .
سيدنا نعيم كان من هذا القبيل ، ثم ما لبث أن وجد نفسه مسوقاً إلى الانضمام إلى خصوم الإسلام .. كان على الحياد فصار مع الخصوم ، مدفوعاً دفعاً إلى إشهار السيف في وجه المسلمين ، لكن نعيم بن مسعود فتح لنفسه يوم غزوة الأحزاب صفحة جديدة في تاريخ الدعوة الإسلامية ، وخطّ في هذه الصفحة قصة من روائع قصص مكائد الحروب .
قصة من روائع قصص مكائد الحروب :
الحقيقة قصة مثيرة جداً ، قصة ما يزال يرويها التاريخ بكثير من الانبهار بفصولها المحكمة ، والإعجاب ببطلها الأريب اللبيب .
فقبيل غزوة الأحزاب بقليل هبت طائفة من يهود بني النضير في يثرب وطفق زعماؤهم يحزبون الأحزاب لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم والقضاء على دينه ، فقدموا على قريش - من بني النضير - وحرضوهم على قتال المسلمين ، وعاهدوهم على الانضمام إليهم عند وصولهم إلى المدينة ، وضربوا بذلك موعداً لا يخلفونه ، ثم تركوهم وانطلقوا إلى غطفان في نجد ، فأثاروهم ضد الإسلام ونبيه ، ودعوهم إلى استئصال الدين الجديد من جذوره، وأسرّوا إليهم بما تمّ بينهم وبين قريش .
وفد من بني النضير ذهبوا إلى قريش وحرضوهم على قتال المسلمين ، ليس قتالاً ولكنه استئصال ، حرب إبادة ، إنهاء الإسلام كله ، وانطلقوا بعدها إلى غطفان ، وحرضوهم كذلك وعاهدوهم على ما عاهدوهم عليه ، وآذنوهم بالموعد المتفق عليه .
خرجت قريش من مكة بقضها وقضيضها، وخيلها ورجلها ، بقيادة زعيمها أبي سفيان بن حرب متجهة شطر المدينة ، كما خرجت غطفان من نجد بعدتها وعديدها ، بقيادة عيينة بن حصين الغطفاني ، وكان في طليعة رجال غطفان بطل قصتنا نعيم بن مسعود .

خرج مع الأحزاب ليحارب رسول الله ، كان في القمة ، فلما بلغ الرسول صلوات الله عليه نبأ خروجهم جمع أصحابه الكرام وشاورهم في الأمر ، فقرّ قرارهم على أن يحفروا خندقاً حول المدينة ، ليصدوا عنها هذا الزحف غير المقدس الكبير الذي لا طاقة لها به ، وليقف الخندق في وجه الجيش الكثيف الغازي .
هذا كله معروف لديكم ، وما كاد الجيشان الزاحفان من مكة ونجد يقتربان من مشارف المدينة حتى مضى زعماء يهود بني النضير إلى زعماء يهود بني قريظة القاطنين بالمدينة .
الآن مؤامرة ثالثة ، زعماء بني النضير ذهبوا إلى زعماء بني قريظة وهم يسكنون في المدينة نفسها، وجعلوا يحرضونهم على الدخول في حرب النبي ، ويحضونهم على مؤازرة الجيشين القادمين من مكة ونجد ، فقال لهم زعماء بني قريظة : لقد دعوتمونا إلى أن نبغي ، ولكنكم تعلمون أن بيننا وبين محمد ميثاقاً ، على أن نسالمه ونوادعه لقاء أن نعيش في المدينة آمنين مطمئنين ، وأنتم تدرون أن مداد ميثاقنا معه لم يجف بعد ، ونحن نخشى إذا انتصر محمد في هذه الحرب أن يبطش بنا بطشة جبارة ، وأن يستأصلنا من المدينة استئصالاً جزاء غدرنا به .. لكن زعماء بنو النضير مازالوا يغرونهم بنقض العهد ، ويزينون لهم الغدر بمحمد صلى الله عليه وسلم ويؤكدون لهم بأن الدائرة ستدور عليه في هذه المرة لا محالة .
ويشدون عزمهم بقدوم الجيشين الكبيرين ، فما لبث بنو قريظة أن لانوا لهم ونقضوا عهدهم مع رسول الله صلوات الله وسلامه عليه ، ومزقوا الصحيفة التي بينهم وبينه ، وأعلنوا انضمامهم إلى الأحزاب في حربه .
النبي الكريم حفر الخندق تجاه الجيش الغازي ، أما بنو قريظة فيسكنون خلفهم ..
فوقع الخبر على المسلمين وقوع الصاعقة .. حاصرت جيوش الأحزاب المدينة وقطعت عن أهلها الميرة والقوت ، وشعر النبي صلوات الله عليه أنه وقع بين كيد عدوين؛ قريش، وغطفان ، وبنو قريظة ، وبنو النضير .
فقريش وغطفان معسكرون قبالة المسلمون من خارج المدينة ، وبنو قريظة متربصون متأهبون خلف المسلمين في داخل المدينة ، ثم إن المنافقين الذين في قلوبهم مرض أخذوا يكشفون عن مخبآت نفوسهم ويقولون : كان محمد يعدنا بأن نملك كنوز كسرى وقيصر وها نحن اليوم لا يأمن الواحد منا على نفسه أن يذهب إلى بيت الخلاء لقضاء حاجته .
ثم طفقوا ينفضون عن النبي جماعة إثر جماعة بحجة الخوف على نسائهم وأولادهم وبيوتهم من هجمة يشنها عليهم بنو قريظة إذا نشب القتال ، حتى لم يبق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سوى بضع مئات من المؤمنين الصادقين .
أعتقد هذه النقطة أخطر نقطة مرّ بها المسلمون .
وفي ذات ليلة من ليالي الحصار الذي دام قريباً من عشرين يوماً لجأ النبي صلوات الله عليه وسلامه إلى ربه ، وجعل يدعوه دعاء المضطر ، ويقول : "اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك .."
إذا الإنسان وقع في مأزق حرج وتقطعت به الآمال يلتجئ إلى الله عز وجل ، هو في حسب الظاهر .


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-08-2018, 07:15 AM   #5


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى 2



بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى

الدرس : ( الخامس )

الموضوع : انواع الطلاق





حمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين.
أنواع الطلاق :
1 ـ الطلاق الرجعي :
أيها الأخوة المؤمنون ، وصلنا في موضوع الطلاق إلى الطلاق السني ، والطلاق البِدْعي .
واليوم نتحدَّث إن شاء الله تعالى عن الطلاق الرجعي ، والطلاق البائن، فالطلاق الرجعي هو الذي يوقعُه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقة .
فعليه أن يكون دخل بالزوجة حقيقة وإلا الطلاق لا يقع ، أي دخل على زوجته دخولاً حقيقيًا ، أو طلّقها على مال ، أو كان الطلاق مكمِّلاً للثلاث كان طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه ، معنى رجعي أي يمكن تداركهُ ، يمكن أن يعود الزوج ، ويرجع إلى زوجته .
الطلاق الرجعي لا يمْنعُ الاستمتاع بالزوجة ، لأنّه لا يرفع عقْد الزواج ، أي طلّقها في طهْرٍ لم يمسَّها فيه ، لها الحقّ أن تتزيَّن وأن تتبرّج وأن تبدو بأجمل زينة ، هذا كلّه من حقّها وله الحقّ أن ينظر إليها ، الطلاق الرجعي لا يمنعُ الاستمتاع بالزوجة ، ولا يُزيل المُلْك ، ملْكُه عليها قائم ولا يؤثِّر في الحلّ ، لا يحلّ عقْد الزواج ، إلا أنَّه لا يترتَّب عليه أثرهُ ما دامت المطلَّقة في العدّة ، ما دامت المطلّقة في الحيضات الثلاث لا يظهر أثرهُ ، لا يظهر أثرهُ إلا بعد انقضاء العِدَّة ، فإذا انْقضَت العِدَّة ، ولم يُراجِعها بانَتْ منه بيْنونةً صغرى ، إذًا الطلاق الرجعي لا يمنعُ الاستمتاع بالزوجة ، وإن مات أحدهما ورثهُ الآخر ، مادامت العِدَّة لمْ تنْقض ، ونفقتها واجبة عليه ، فما دام العدّة قائمة والزواج قائم ؛ كلّ شيء قائم .
والرجعة حقّ للزوج مدّة العِدَّة ، إذا قال لها : راجعتُك ومسَّ يدها ، فقد راجعها ، وقد أنهى هذه الطَّلْقة ، وهو حقّ أثبتَهُ الشارعُ له ، ولهذا لا يملك إسقاطهُ ، فلو قال : لا رجعة لي كان له الحق في الرجوع ، أيْ كلامه لا يقدّم ولا يؤخِّر ، ، ولا يغيّر من الحقوق التي ثبَّتها الله عز وجل ، قال تعالى :

﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾
[ سورة البقرة : 228 ]
وإذا كانت الرجعة حقّاً له ، فلا يشترط رضا الزوجة وعلمها إن بانَت عنه ما دامتْ ضِمْن العِدَّة ، علمها ورضاها لا يشترط ، المقصود هو ، إذا ندم على فعلته ، وقال لها : راجعتكِ أو مسَّ يدها فقد راجعها و انتَهت الطَّلْقة .
ولا تحتاج إلى وليّ ، فجعل الله الحقّ للأزواج لقول الله عز وجل :
﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾
[ سورة البقرة : 228 ]
وتصحّ المراجعة بالقول مثل أن يقول : راجعتك ، مثل أن يضع يده على يدها ، وروى الشافعي أنّ المُراجعة لا تكون إلا بالقول الصريح للقائل عليه ، ولا تصحّ إلا باللّقاء.
قال أبو حنيفة : لا بأس للزَّوجة أن تتزيَّن لِزَوجها ، طبعًا المطلّقة طلاقًا رجعيًّا ، وتتطيَّب له ، وتتشوّق ، وتلبس الحليّ ، وتُبدي الجمال والكحل ولا يدخل عليها إلا أن تعلم بِدُخوله بِقَولٍ ، أو حركة من تَنَحْنُحٍ ، أو خفق نعْلٍ .
الطلاق الرجعي ينقص عدد الطلقات التي يملكها الرجل على زوجته ، فإن كانت الطلقة الأولى احْتَسَبَتْ ، وبقيَت له طلقتان ، وإن كانت له الثانية احتسبَتْ وبقِيَت له طلقة واحدة ، ومُراجعتها لا تمْحو الأثر ، فلو طلّقها في طُهْر لم يمسَّها فيه ، وبعد أسبوعين ندم على هذه التطليقة ، وقال لها : راجعْتُك ‍، فما انتهى كلّ شيء ، فهذه حُسِبَت طلقة ولو راجعها ، لو أنّه تراجع عن هذه الطلقة حُسبَت طلقة ، إنّ المراجعة لا تمحو الأثر ، وهذه حكمة بالغة لكي لا يصبح الطلاق لعبًا بين الأزواج .
مثلاً ، وإن كانت الثانية احْتسبَت وبقيَت له طلقة واحدة ، ومراجعتها لا تمحي هذا الأثر ، بل لو تركت حتى انْقضَت عِدَّتها من غير مراجعة وتزوَّجَت زوْجًا آخر ، ثمَّ عادَت إلى زوجها الأوّل ، عادَت إليه بما بقي لها من الطَّلقات ‍! فالطلقة هذه ثابتة ، شيء دقيق ، أنت قلتَ لها بِساعة غضب : طلّقتك ، وكانت في طُهْرٍ لم تمسَّها فيه ، وبعد ساعةٍ ندِمت ، وقلت لها : راجعتك ولمسْت يدها ، رجعَت واحْتُسبَت طلقةً ، فلو أنَّكَ طلَّقتها طلاقًا فيه بيْنونة صغرى وتزوَّجَتْ مكانك رجلاً آخر ثمّ طلَّقها ، وعُدْت إليها بقي لك عندها طلقتان ، احْتُسب الواحدة .
2 ـ الطلاق البائن :
أما الطلاق البائن فهو الطلاق المُكمّل للثلاث ، والطلاق قبل الدخول والطلاق على المال ؛ أي مخالعة ، وقبل الدخول مباشرةً ينفذ مرَّةً واحدة أو الطلاق المُكمِّل للثلاث .
والطلاق البائن إن شاء الله تعالى نأخذه في درس آخر ، وربّما أمكن إعطاؤهُ في هذا الدرس .
وهو ينقسم إلى بائن بَيْنونةً صُغرى ، وهو ما كان دون الثلاث ، وبائن بَينونة كبرى وهو المكمِّلُ للثلاث ، فإذا طلَّقها في طهْرٍ لمْ يمسَّها فيه ، ومضَتْ عِدَّتها كاملةً ثلاث حيضات ولم يراجعها ولم يمسَّها فهذه طلقة بانَت عنه ، لكن بيْنونة صغرى ، لا ترجع إليه إلا بعقْد جديد ، ومهْر جديد ، ورِضاءٍ منها ، لكن لا تحتاج إلى أن تُزوَّج بغيره ، هذه هي البينونة الصغرى .
الطلاق البائن بيْنونةً صغرى يُزيل قيْد الزّوْجيَّة بِمُجرّد صدوره ، وإذا كان مُزيلاً للرابطة الزوجيّة ، فإنّ المطلّقة تصير أجْنبيَّةً عن زوجها ، فلا يحلّ له الاستمتاع بها ، لا يستمتع بها إلا ضمن العِدَّة ، فإذا انْقضَت العِدَّة بانَتْ عنه بيْنونةً صغرى ، ولا يرثُ أحدهما الآخر إذا مات ، يحلّ بالطلاق البائن موعد مؤخَّر الصداق ، فنحن عندنا مهر مؤجّل ، ومهر معجَّل ، المؤجّل يحِلّ في حالتين ، أيّهما أبْعَد ، وأيّهما أقرب ، الطلاق أو الموت ، وللزّوج أن يعيد المطلّقة طلاقًا بيْنونةً صغرى إلى عصمته بِعَقْدٍ ومهْرٍ جديدَيْن دون أن تتزوَّج زوجًا آخر ، وإذا أعادها عادَت إليه بما بقيَ من الطَّلقات، عادَت إليه على تطليقة واحدة ، أو على تطليقتين ، فإذا كان طلَّقها واحدةً من قبْل ، فإنّه يملك عليها طلْقتَيْن بعد العَوْدة إلى عصمتِهِ ، وإذا كان طلَّقها طلْقتَين لا يملك عليها إلا طلْقةً واحدة .
وأما الطلاق البائن بَيْنونةً كبرى فيُزيل قَيْد الزَّوجيَّة تمامًا مثل طلاق البينونة الصغرى ويأخذ جميع أحكامه ، إلا أنّه لا يُحِلّ للرجل أن يعيد من أبانها بيْنونةً كبرى إلى عصمته ، إلا بعد أن تنكحَ زوْجًا آخر نكاحًا صحيحًا لا لبْسَ فيه ، ويدخل بها دون إرادة التحليل ، فإن طلَّقها فلا تحلّ له من بعدُ حتى تنكحَ زوجًا غيره ، فإن طلَّقها الطَّلقة الثالثة ، فلا تحلّ لزوجها الأوّل إلا بعد أن تتزوَّج آخر ، لقوله عليه الصلاة والسلام :

(( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها آخر فيغلق الباب ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها فهل تحل للأول؟ قال: لا حتى تذوق عسيلته. وفي لفظ: حتى يجامعها ))
[البيهقي عن عائشة]
أي حتى يتمّ الزواج الحقيقيّ ، هذا فيما يتعلّق بالطلاق الرجعي والطلاق البائن البَينونة الكبرى أو الصغرى ، الصغرى ربطت نفسها ، وينعقد زواج جديد بِعَقد جديد ، ومهر جديد ، ورضاء الزوجة ، أما البينونة الكبرى فلا بد من الزواج من رجل آخر زواجًا صحيحًا لا تحليل فيه ، أما الطلاق الرجعي طلّقها في طهر لمْ يمسّها فيه، فإن راجعها في خلال العدَّة ثلاثة أطهار رجعت له من دون عقْد ومن دون مهْر ، وانتهى الأمر ، ولكنّها احْتُسبَت طلقةً ، ولو أنَّه طلّقها طلاقًا رجعيًا ، وبانَت عنه بيْنونة صغرى ، ثمّ تزوَّجَت برجل آخر ، ثمّ طلّقها ، فعادَت إليه عادَت إليه على طَلقتين ، فالطلاق لعِبٌ بالنار ، فلو قلت : طلّقتك ، وبعد ساعة راجعتها احْتُسِبَت طلْقة ، فالأفضل ، والأوْجه ، والأعقل ألا تلجأ إلى الطلاق إلا في حالات نصَّ عليها الشّرع أما أن يُتَّخَذ أداةً لِرَدع الزَّوجة فهذا لعبٌ بالنار ، ويوقع الرجل في شبهة الحرام ويبقى مُشوَّشًا ، ومُتْعبًا ، ويصبح متعباً بالفتاوى المتناقضة التي يجمعها من عامّة الناس . * * *
تحريم الدخول على النساء :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :
((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ....))
[ متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
" طبعًا المقصود بالنساء الأجنبيّات ، أنا من خلال ملاحظتي أرى أنّ بعض الرجال أو بعض الشباب يكثر الدخول إلى بيت قبل التأكّد من أنّ هذا البيت مثلاً ليس فيه نساء ، سريع الدخول إلى البيوت ، قليل الاستئذان ، سريع القبول ، النبي الكريم قال : ((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ....))
[ متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
لأنّ أوّل شيء هناك تهمة ، فالإنسان قد يُتَّهَم وهو بريء ، وهناك شيء آخر ، قد يقعُ هو فريسة لهذه المخاطرة ، لأنّ النبي صلى اله عليه وسلم وهو الرؤوف الرحيم قال : (( ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ... ))
[أحمد عن عمر]
لماذا لم يقل : ما خلا كافر بكافرة ؟ ولماذا لم يقل ما خلا منافق بِمنافقة ؟ قال : ما خلا رجلٌ ، وهذه كلمة مطلقة ، وما دامت الكلمة نكرة ، وتنكيرها شمولي أيْ أيّ رجلٍ كائنًا من كان - مؤمن ، كافر ، فاسق ، عاص ، طائع - أيّ رجلٍ إذا خلا بامرأة كان الشيطان ثالثهما ، إياكم والدخول على النساء ، أحيانًا الإنسان يطرق باب أخيه ، أخوه له زوجة ، تقول له : أخوك غير موجود ، يقول لها : سأرتاح عندك قليلاً ثمّ أذهب ، تقول له : لا، هذا لا يجوز ، هذه زوجة الأخ امرأة أجنبية لا تحلّ لك أن تدخل عليها ، ولا أن تنظر إليها ، قيل يا رسول الله : الحمو ؟ فقال : الحمو الموت ..." أحيانًا تقول : النَّمِر الموت ، أي النَّمر يفضي بك إلى الموت ، فالحمو الموت أي يفضي خطره إلى الموت ، وربّما كان الموت أهْون ، حديث مقتضب وموجز ، و تكمن بلاغته صلى الله عليه وسلّم في إيجازه ، إياكم والدخول على النساء ، المقصود الأجنبيّات اللاتي لا تحلّ لك أن تراهنّ ، الإمام مالك رضي الله عنه توسَّع في هذا الحديث ، فمَنَعَ الدخول على النساء اللاتي لا يحلّ لك الزواج منهنّ خوْفَ ما قد يخطر في البال من تهمٍ بعيد ، نهى الابن على أن يدخل على زوجة أبيه ، لا تحلّ له، ولكن قطع الابن من أمّه أكبر بكثير من طبعه من زوجة أبيه .
السادة الأحناف نهَوا الرجال عن الاختلاء بالصِّهرة الشابة ، الكنَّة ، فهي محرّم الزواج منها ، ولك أن تنظر إليها ، ولكن في حضرة الابن يجوز ، ولكن في غيبة الابن فالأكمل والأولى ألا تخْلُوَ بها ، لذلك قال بعضهم : لا تبلغ أن تكون من المتّقين ، حتى تدع ما لا بأس به ، حذرًا ممَّا به بأس ، زوجة الأب لا ينبغي أن تخْلُوَ بها ، مع أنَّها لا تحلّ لك ، والصِّهرة الشابة زوجة الابن الشابة لا يقبل لك أن تخلُوَ بها، أما بحضور ابنك فهي زوجة ابنك ، ولك أن تحادثها ، وتجلس معها ، وتأكلا معًا، الإمام مالك توسَّع في فهْم هذا الحديث حتى وسَعهُ إلى دائرة تَحِلّ ، ولكن منعَ الخَلوَة من باب الكمال .
إياكم والدخول على النساء، هناك أشخاص سريع الدخول ، امرأة في غرفة لوحدها ولو أنّها مسنَّة لا يجوز الدخول عليها ، مثلاً زوجة أخي ، وأخي مسافر ، قد يحتاجون إلى أغراض ، فيذهب ويبقى ساعة عندهم ، يمكن لأحد الجيران ألا يعرف هذا ، يعرفون أنّ زوجها بالحج أو مسافر ، وجاء رجل فبقيّ ساعة ثمّ خرج ! ممكن أن تسبِّب سمعة سيّئة للبيت ، قال النبي الكريم :
((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ....))
[ متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
هذا كمال المؤمن ، قٌال عليه الصلاة والسلام : " الإيمان عفّة عن المطامع، الإيمان عِفّة عن المحارم ..." الإنسان كلّما كان عفيفًا أكثر كلّما ارتفع في نظر الناس، هناك شهوَة ، هناك شهوتين مهلكتين ؛ النساء والمال ، (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ))
[الترمذي وابن ماجه عن أسامة ]
الورع :
الورع قال عليه الصلاة والسلام : لا ورعَ كالكفّ ..." ترك المحارم ورع ، وهذا حدّ ، وهو أحد أنواع الورع ، فأنت إذا سألتني ما الورع ؟ أقول لك : الاستقامة على أمر الله تعالى ، ترْك ما نهى الله عنه ، وهناك تعريف أرقى ؛ ترْك ما لا بأس به حذرًا ممَّا به بأس، هذا ترْك مضانّ التُّهم ، فالدخول مثلاً على زوجة الابن وهي وحدها في البيت ، هناك احتمال بالمئة خمسة أو بالمئة سبعة ، احتمال بسيط جدًّا ، فاحتمال أن يميل قلبه إلى أمّه هذا ينتفي كُليًّا ، أما زوجة أبيه فالاحتمال أكثر ، لذا الإمام مالك وسّع الدخول ، وهذا من كمال الورع ، أن تدع ما لا بأس به حذرًا ممّا به بأس ، أن تدع مضانّ المعصِيَة ، فتَرْك المعصيَة ورع ، وترك مضانّ المعصيّة ورع أرقى ، ترك ما يشغل القلب عن الله عز وجل هذا أرقى درجات الورع ، شيءٌ مباح ، لكنّك إذا اشتغلتَ به أبْعدك عن الله عز وجل ، وهذا أرقى درجات الورع ، أي القلب له عز وجل وما جعل الله عز وجل لرجل من قلبين في جوفه .
النهي عن محادثة النساء :
شيءٌ آخر ؛ يقول عليه الصلاة والسلام : إياكم ومحادثة النساء ، تجد شخصًا طليق اللّسان ، إذا كان عنده زبونة بالمحلّ يسوق الحديث من موضوع إلى موضوع ! هذا لا يجوز قال تعالى :
﴿ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾
[ سورة الأحزاب : 32]
نساءً ورجالاً ، كم سعر هذا القماش ؟ سعر هذا القماش المتر بعشرة ، أما هذا اليوم فمناسب ، وهذا اللون مناسب لك ، هذا كلّه كلام باطل ، إياكم ومحادثة النساء ، الواحد قد يكون طليق اللسان ، وقد يكون فصيحًا ، وقد يكون له ذكاءً ، وقد يكون له قدرة على إدارة حديث ممتع ولبق ، ولكن لا يظهر هذه البراعة على النساء ، فربّما أهلكهُ هذا الحديث : (( إياكم ومحادثة النساء ))
[ كنز العمال عن سعد بن مسعود]
أكثر الناس لهم جولات في الحديث مع أقربائهنّ ، بنت خالته ، بنت عمّته ، زبونة بالمحلّ ، وهو لا يدري أنّ هذا حجاباً بينه وبين الله تعالى ، لا يدري أنّه بهذه المحادثة قد ابتعد عن الله تعالى بعدًا كبيرًا ، لا يدري أنّه بهذه المحادثة قد سدّ الطريق إلى الله عز وجل : (( إياكم ومحادثة النساء فإنَّه لا يخلو رجل بامرأة ليس لها محرم إلا همّ بها))
[ كنز العمال عن سعد بن مسعود]
قال تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 14 ]
الصمت أحد أنواع العبادة الراقية :
الحديث الثالث ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام :
(( إياكم والفتن ، فإنّ وقْع اللّسان فيها مثل وقع السيف ))
[ ابن ماجة عن ابن عمر]
أحيانًا يكون هناك امرأة فلتانة ، قد تحكي كلمةً لا تبالي بها ، قد لا تعلّق عليها أهميّة ، هذه الكلمة خطيرة جدًّا ، كأن تقول : والله سمعتُ أنّه يريد الزواج عليها! وهو ما سمع ، مزاح فقط ! هذه الكلمة في هذه الفتنة ، الزوجة في بيت أهلها ، والزوج مزعوج ، وهي تتلقّف الأخبار بفارغ الصّبر ، تتلقّف شبح الخبر ، وهو ينتظر ردّ الفعل، وأعصابهُ متوتّرة ، يأتي إنسان خاليّ البال مرتاح ينقل كلمة غير دقيقة فإذا هي تُسبّب الطلاق ، هذا مثل ، فالإنسان بالفتنة تكون أعصابهُ متوتّرة لا يحتمل كلمة ، ويشبه الطالب بالامتحان ، قبل الفحص بِساعتين يقول لك : فلان أتى بالأسئلة ، وتكون هذه مزحة ، تجد أعصابه تضطرب ، وقد يجد أنّ موضوعًا ما درسه ، لذا المؤمن لا يلعب بأعصاب الناس ، فهناك حالات يحدث فيها توتّر شديد ، فهذا الذي يُشيع أخبارًا سيّئة في الحروب ، هذا مؤاخذ عند الله عز وجل ، وفي الأزمات الكبرى، وفي موضوع الطلاق ، وفي موضوع الفراق ، وموضوع خصومة شديدة ، مثل هذه الموضوعات الخطيرة الكلام فيها خطير ، لأنّ أعصاب الطَّرَفين متوتِّرة إلى أقصى الحدود ، وأيّ كلمة قد تخرب بنيانًا ، أو قد تقوّض دعائم الصلح ، لذا قال عليه الصلاة والسلام : (( إياكم والفتن ، فإنّ وقْع اللّسان فيها مثل وقع السيف ))
[ ابن ماجة عن ابن عمر]
أحيانًا خطبة ، عند أهل الزوجة وعند أهل الزوج حساسيّة بالغة أن تقول: الزوج بخيل ، أنت تمزح فقط ، ولكن هناك من يظنّها حقيقة فيتَّهمون بعضهم بالبخل، وينقل الكلام لأهل الزوجة ، فيقولون : لا نعطي البخيل !!! هذا وضع خطِر، أنت بالحاسّة السادسة تعلم أن هناك حالات يكون فيها الإنسان في أقصى درجات التوكّل ، الكلام قد يفضي إلى التهلكة ، الكلام قد يفصل علاقة شريفة ، قد يقطع خيرًا كثيرًا : (( إياكم والفتن ، فإنّ وقْع اللّسان فيها مثل وقع السيف ))
[ ابن ماجة عن ابن عمر]
أحدهم تزوّج امرأة ، فقال لي شخص : هذه المرأة ليْسَت من مُستواه ! هذه فقيرة وهو قصَدَ شيئًا ، وانفعل الزوج ، وحصل الطلاق ! أحيانًا الإنسان يحذّر أنيسه فيقول : لا نعرف الله أعلم ، هو يقصد موضوع الإرث ، وذاك فهم موضوعًا أخلاقيًّا فحدث الطلاق ، في الفتن المؤمن الراقي ، والمؤمن في حدّه الأدنى يلْزم الصَّمت .
أحيانًا تحصل خطبة ، ولا تتِمّ ، نريد أن نفهم لماذا فسِخَت الخطبة ؟ يمكن أن يكون لهذا الزوج وضعٌ خاص مثلاً ، وما ناسبتْهُ هذه الزوجة ، ولكن قد تناسب غيره ، لا ينبغي أن تلوك الحديث بين الناس ، أحد أنواع العبادة الراقية الصّمت .
* * *
أمنية أربعة شباب في فناء الكعبة :
والآن إلى قصّة تابعيّ جليل ؛ هو عروة بن الزبير ، ما كانت شمس الأصيل تُلَملم خيوطها الذهبيّة عن بيت الله الحرام ، وتأذن للنَّسمات النبيلة بأن تتردَّد في رحابه الطاهرة ، حتى شرع الطائفون بالبيت من بقايا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وكبار التابعين يعطّرون الأجواء بالتّهليل والتكبير ، ويقرعون الأرجاء بصالح الدعاء ، حتى أخذ الناس يتحلَّقون زمرًا زمرًا حول الكعبة المعظَّمة الرائدة وسط البيت في مهابة وجلال ، ويملؤون عيونهم من بهائها الأسمى ، ويُديرون أحاديث لا لغو فيها ولا تأثيم ، وبالقرب من الركن اليماني جلس أربعة فتيان ، صلاح الوجوه ، كرام الأحساب ، معطّري الأردان ، كأنّهم حمامات المسجد نَصاعةً ؛ هم عبد الله بن الزبير ، وأخوه مصعب بن الزبير ، وأخوهما عروَة بن الزبير ، وعبد الملك بن مروان، أربعة شباب في فناء الكعبة تحلّقوا قُبَيل الغروب ، وجلسوا ، ودار حديث الفتية الأبرار ثمّ ما لبث أن قال أحدهم : لِيَتَمَنَّى كُلّ منَّا على الله ما يحبّ ، فانطلق أخْيِلَتُهم تحلّق في عالم الغيب الرَّحب ، ومضَت أحلامهم تتوق في رِياض الأماني الخضْر ، ثمّ قال عبد الله بن الزبير : أمنيَّتي أن أملِكَ الحجاز ، وأن أنال الخلافة ، وقال أخوه مصعب: أما أنا فأتمنَّى أن أملِك العراقَين - الكوفة والبصرة - فلا يُنازعني فيهما منازع ، وقال عبد الملك بن مروان : إذا كنتما تقْنعان بذلك فأنا لا أقْنعُ إلا أن أملك الأرض كلّها ! وأن أنال الخلافة بعد معاوية بن أبي سفيان ، مَنْ بقيَ عروَة بن الزّبير ، وسكت عروة بن الزبير فلم يقل شيئًا ، فالْتفتوا إليه وقالوا : وأنت ماذا تتمنّى يا عروة ؟ قال : بارك الله لكم فيما تمنَّيْتم من أمر دنياكم ، أما أنا فأتمنَّى أن أكون عالمًا عاملاً يأخذ الناس عنِّي كتاب ربّهم وسنَّة نبيِّهم وأحكام دينهم ، وأن أفوز في الآخرة بِرِضا الله عز وجل ، وأن أحظى بِجَنّته ، قصّة واقعيّة ، أربعة شباب في فناء الكعبة ، تمنّى الأول أن يكون ملك الحجاز ، وتمنّى الثاني أن يكون ملِك العراق ، وتمنّى الثالث أن يكون خليفة المسلمين كلّهم ، وتمنّى الرابع أن يكون عالمًا بِكِتاب الله ، وسنّة نبيّه ، ربّنا عز وجل قال :
﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 20]
والشيء الثابت في العلم الدّيني أنّ الله عز وجل متكفّل أن يعطيّ كلّ مخلوق سُؤلهُ ، لكنّ الشرط أن يكون الطلب في صدق شديد ، إن كنت بطلبك صادقًا تصل إليه وربّ الكعبة ، فالذي وصلت إليه هو الذي أنت فيه سابق ، والذي لم تصل إليه هو الذي تمنَّيْتهُ ، فالتَّمَنِّي شيء ، والطّلب السابق شيء . قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 19]
من سعى في طلب شيء ، وصلهُ وربّ الكعبة ، أحدكم يطلب من الله تعالى، إذا طلبت أن تختم كتاب الله ، والله لن تموت إلا بعد أن تفهم كتاب الله ، وإن طلبْت الدنيا تأتيك الدنيا ، إلا أنّ الله تعالى إذا كان يُحِبّ عبْدًا ، وطلبَ الدنيا ، وكانت الدنيا تؤذيه ، ربّما أخَّرها له فلعلَّه يُغَيِّر رأيَهُ ، قال تعالى : ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 18]
وقال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 19]
والآية الثالثة : ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 19]
ودار الزمان دورته ، فإذا بعبد الله بن الزبير يُبايَعُ له بالخلافة عقب موت يزيد ، فيَحكِمُ الحجاز والبصرة واليمن وخراسان والعراق ، هذا الطّفل الصغير صار رجلاً ، وحكمَ هذه البلاد ثمّ وثب عند الكعبة غير بعيد عن المكان الذي تمنّى فيه ما تمنّى ، وإذا بمصعب بن الزبير يتولّى إمْرة العراق من قِبَل أخيه عبد الله ، ويُكْتب هو الآخر دون ولايته أيضًا ، وإذا بعبد الملك بن مروان تؤول إليه الخلافة بعد موت أبيه ، وتجتمع عليه كلمة المسلمين بعد مَقْتَل عبد الله بن الزبير ، وأخيه مصعب على أيدي جنوده .
ثمّ وجدوه أعظم ملوك الدنيا في زمانه ، فماذا كان أمر عروَة بن الزبير ؟ كلّ واحد تمنّى أمنية .
عروة بن الزبير نشأته و حياته :
ولد عروة في بيت من أعزّ البيوت شأنًا وأرفعها مقامًا ، أبوه الزبير بن العوّام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وأوّل من سلّ سيفًا في الإسلام ، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة ، هذا والدهُ .
وأمّه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها المُلقَّبة بذات النّطاقين ، وجدّه من أمّه أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه ، وجدّته من أبيه صفيّة بن عبد المطّلب عمّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وخالته عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها ، فقد نزل إلى قبرها حينما دُفنت بنفسه وسوّى عليها لحْدها بيَديه ، أفتظنّ بعد هذا الحسب حسبًا ؟ وأنّ فوق هذا الشَّرَف شرَفًا ؟ وحقّق عروَة أمنيته التي تمنّاها على الله عند الكعبة المعظّمة ، علامة صدق طلبه السعي ، أكبّ على طلب العلم ، وانقطع له ، واغْتنَم البقيّة الباقية من صحابة رسول الله ، فطفق يؤمّ بيوتهم ، ويصلّي خلفهم ، ويتتبّعُ مجالسهم ، حتى روى عن علي بن أبي طالب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وزيد بن ثابت ، وأيّوب الأنصاري ، وأسامة بن زيد ، وسعيد بن زيد ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عباس ، والنعمان بن بشير ,
هم طلب العلم و هؤلاء طلبوا الخلافة والمُلْك ، هذا طلب العلم ، تتبَّع صحابة رسول الله ، صلّى خلفهم ، سألهم ، روى عنهم ، نقل عنهم ، وأخذ كثيرًا عن خالته عائشة أمّ المؤمنين ، حتى غدا أحد فقهاء المدينة السبعة الذين يفزع إليهم المؤمنين في دينهم ، ويتَّعظ بهم الولاة الصالحون على ما استرعاهم الله عز وجل من أمر العباد والبلاد ، من ذلك لمّا قدم عمر بن عبد العزيز المدينة واليًا عليها من قِبَل الوليد بن عبد الملِك ، جاءه الناس فسلّموا عليه ، فلمّا صلّى الظهر دعا عشرةً من فقهاء المدينة، وعلى رأسهم عروة بن الزبير فلمّا صاروا عنده رحَّب بهم وأكرمَ مجالسهم ، ثمّ حمِد الله عز وجل وأثنى عليه بما هو أهله ، ثمّ قال : إنّي دعوتكم لأمر تؤجرون عليه ، وتكونون لي فيه أعوانًا على الحقّ ، فأنا لا أريد أن أقطَع أمرًا إلا برأيِكم أي برأي من حضر منكم ، فإن رأيْتم أحدًا يتعدّى على أحد ، أو كان لعامل مظلمة فأسألكم أن تبلّغوني ذلك ، فدعا له عروة بن الزبير بخير ، ورجا له من الله السّداد والرّشاد ، وقد جمع عروة بن الزبير العلم إلى العمل ، فقد كان صوّاماً في الهواجر ، قوّامًا في العتمات ، رطب اللّسان دائمًا بذكر الله عز وجل ، وكان إلى ذلك ختيمًا لكتاب الله جلّ وعلا ، عاكفًا على تلاوته ، فكان يقرأ ربع القرآن كلّ نهارٍ نظراً في المصحف ، ثمّ يقوم به الليل تلاوةً عن ظهْر قلب ، ولم يُعْرف عنه ترْك ذلك منذ صدْر شبابه إلى يوم وفاته ، غير مرّة واحدة بِخَطب نزلَ به سيأتيكم نبأه بعد قليل .
كان عروة بن الزبير يجد في الصلاة راحة نفسه ، وقُرّة عينه ، وجنّة ربِّه فيُتقِنها ويتقن شعائرها أتمّ الإتقان ، ويُطيلها غاية الطول ، - طبعًا وحده - وروِيَ عنه أنّه رأى رجلا يصلّي صلاةً خفيفة ، فلمَّا فرغ من صلاته دعاه وقال له : يا بن أخي ، أما كانت لك عند ربّك جلّ وعلا حاجة ؟! والله إنّي لأسأل الله تبارك وتعالى كلّ شيءٍ حتى الملْح ! وأنا أدعوكم لذلك ، حياتنا كلّها مشاكل ، صلِّ وادْعُ الله في الصلاة حتى تحسّ أنّ ربّنا عز وجل سمعك ، وقد أدّى رغبتَك ، وكان عروة بن الزبير رضوان الله عليه سَخِيّ اليد ، سمْحًا ، جوادًا ، ومِمَّا أُثر عن جوده أنّه كان له بستان من أعظم بساتين المدينة ، عذب الماء ، ذليل الأشجار ، باسط النخيل ، وكان يُسَوِّر بستانه طوال العام لحماية أشجاره من أذى الماشيَة ، وعبث الصُّبْيَة ، حتى إذا آن أوان الرُّطَب وأيْنعت الثِّمار ، وطابَتْ واشْتَهَتْها النُّفوس كسر حائط البستان من أكثر من جهة ليُجيز للناس دخوله ! أما الآن فيقول له : انْتبه الفواكه مرشوشة بالمواد السامّة !! ولا تكون هناك مواد ولا شيء !!! أما ذاك فكان يكسر جدران البستان حتى يتيح للمارة الأكل منها ، والآن بأمريكا حتى يُحافظوا على سعر الفواكه يتْلفون قسمًا كبيرًا منها ، فأبناء الجيوش كانوا يذهبون إلى أماكن إتلاف هذه الفواكه ، لما أكلوا البرتقال خفّ البيع ، العام القادم سمّموا البرتقال حتى لا يأكل الطفل الفقير البرتقال من دون دراهم ، يشتريها أبوه من السوق فيبقى السعر مرتفعاً !! وُحُوشٌ فكان الناس يلمّون به ذاهبين آيبين ، ويأكلون من ثمره ما لذّ الأكل ، ويحملون ما طاب لهم الحمْل ، وكان كلّما دخل بستانه هذا ردّد قوله عز وجل :

﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ﴾
[ سورة الكهف : 39 ]
قبل عشرين أو ثلاثين سنة هكذا قيل لي : يخرج الفلاّح من البستان ويضع سلّة تفاح بالطريق ، هذا مشمش ، وهذا تين ، وهذا تفاح ، فالناس في الطريق يأكلون ما يشتهون، الآن كيلو التوت بخمس عشرة ليرة ، وقد كان لا يُباع إطلاقًا ، التوت وقف مبذول للناس كلّهم، ولكن لمَّا بخل الناس شدَّد الله عليهم ، والآن في بعض القرى، وقد شاهدْت هذه بنفسي ، كلّما مرّ المارّ يسلّمونه فواكه ضيافةً ، والله عز وجل يُعطيهم ثمارًا فوق الحُسبان ، خيرات وبركات ، وتصدير وأسعار جودة ، أما أهل هذه القرية فلا تمرّ إلا وتأخذ فاكهةً مجَّانًا . امتحان الله عز وجل لعروة بن الزبير :
وفي سنة شاء الله جلّ وعزّ أن يمتحن عرْوَة بن الزبير امتحانًا لا يثبت له إلا ذوي الأفئدة التي عمّرها الله بالإيمان ، دعا خليفة المسلمين عروة بن الزبير لزيارته في دمشق فلبّى الدعوة ، وصحب معه ابنه الأكبر ، ولمَّا قدِم على الخليفة رحَّب بِمَقْدَمهِ أعظم ترحيب ، وأكرم وِفادته أوفى إكرام ، وبالغ في الحفاوة به ، ثمَّ شاء سبحانه وتعالى أن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ، ذلك أنَّ ابن عروة دخل على اصْطبل الوليد لِيَتَفَرَّج جِياده الصافِنات فرَمَحَتْهُ دابَّة رمْحةً قاضِيَةً أوْدَتْ بِحَياتِهِ ‍، ولم يكد الأب المفجوع ينفض يديه من تراب قبر ولده حتى أصابتْ إحدى قدَمَيْه الآكلة - الغرغرينا- وأصبح معه الموات ، فتورَّمَتْ ساقُه ، وجعل الورم يشتدّ ويمْتدّ بِسُرعة مذهلة فاسْتدعى الخليفة لِضَيفِهِ الأطباء من كلّ جهة ، وحضَّهم على معالجته بأيَّة وسيلة ، لكنَّ الأطِبَّاء أجمعوا على أنَّه لا منْدوحة لِبَتْر ساق عروَة ، قبل أن يَسْرِيَ الورَم إلى جسَدِهِ كلّه ، ويكون سببًا في القضاء عليه ، ولم يجِد بُدًّا من الإذعان لذلك - انظر مقامه العالي ، أحيانًا المصائب تكون مصائب رفْع ، فالأنبياء مصائبهم كشف، والمؤمنون رفع ، وغير المؤمنين ردْع :
(( ما أصاب عبد مصيبة فما فوقها إلا بإحدى خلتين بذنب لم يكن الله ليغفر له إلا بتلك المصيبة أو بدرجة لم يكن الله ليبلغه إياها إلا بتلك المصيبة))
[ الديلمي عن ثوبان]
ولمَّا حضر الجرَّاح لِبَتْر الساق أحضَرَ معه مباضعه لِشَقّ اللَّحم ، ومناشيره لِنَشْر العظم ، قال الطبيب لعروة : أرى أن نسْقيك جرعةً من مُسْكر لكي لا تشعر بالآلام ، فقال : هيهات ‍!- اسم فعل ماض- لا أستعين بِحَرام على ما أرجوهُ مِن عافِيَةٍ، فقال له : إذًا نسقيك مخدِّرًا ، فقال : لا أحبّ أن أُسلبَ عضْوًا من أعضائي دون أن أشْعرَ بِألمِهِ وأحْتسب بذلك ، فلمَّا همَّ الجراح بِقَطع الساق تقدَّم نحو عروة طائفة من الرجال ، فقال : ما هؤلاء ؟ فقال : جيءَ بهم لِيُمسِكوك ‍فربَّما اشْتدّ عليك الألم فجذبْت قدمَكَ جذْبةً أضرَّتْ بك ، قال : رُدُّوهم لا حاجة لي بهم ، وإنِّي لأرجو أن أكْفيَكم ذلك بالذِّكْر والتَّسْبيح ، ثمَّ أقبلَ عليه الطبيب وقطع اللَّحم بالمِبضع ، ولمَّا بلغَ العظم وضع عليه المنشار وطفِقَ ينشرهُ به ، وعروَة يقول : لا إله إلا الله والله أكبر ، وما فتىء الجرَّاح ينشر وعروة يكبّر ويُهلِّل حتى بُتِرَتْ الساق بتْرًا ، ثمّ أغْليَت الزَّيت في مغارف الحديد ، وغُمِسَت فيه ساق عروة لإيقاف تدفّق الدِّماء ، وحسْم الجراح ، وأُغْمِيَت عليه إغماءةً طويلة حالَت دون أن يقرأ حصَّته من كتاب الله ذلك اليوم ، هذا هو الأمر القاهر الذي لم يقرأ فيه حصّته من كتاب الله ، وليس لسبب تافهٍ ، نعسان ، لك كمّية قرآن اقرأها ؛ حزب أو نصفه جزء اقرأها ، وكان هذا هو اليوم الوحيد الذي لم يقرأ فيه القرآن !! وكانت المرَّة الوحيدة التي فاتهُ فيها ذلك الخير ، ولمَّا صحا عروة دعا بقَدَمِهِ المبتورة فناولوه إيَّاها ، اسْمعوا الآن ؛ فجعلَ يُقبِّلُها بيَدِهِ ويقول : أما والذي حملني عليك يا قدمي في عتمات الليل إلى المساجد - انظروا هذا القسَم - إنَّه ليعْلمُ أنَّني ما مشْيتُ إلى حرامٍ قطّ ، وقد شقَّ على الوليد بن عبد الملك ما نزل بِضَيفه الكبير من النوازل ، فقد احْتسَب ابنه ، وفقَدَ ساقهُ في أيَّام معدودات فجعل يحتال لِتَعْزيَتِهِ وتصبيره على ما أصابه ، وصادف أن نزلَ بِدَار الخلافة جماعةٌ من بني عفْسٍ فيهم رجلٌ ضرير ، فسأله الوليد عن سبب كفّ بصره ، قال : يا أمير المؤمنين لم يكن في بني عفْس رجلٌ أوْفَرَ مِنِّي مالاً ، ولا أكثر أهلاً وولدًا ، والله إذا أعطى أدْهش وإذا أخذ أدْهش ، نزلْتُ مع مالي وعِيالي في بطْن واد من منازل قومي فطرقنا سيْلٌ لم نرَ مثلهُ قطّ ، فذهبَ السَّيل بما كان لي من مالٍ وأهل وولدٍ ،‍‍ ولم يترك لي غير بعيرٍ واحد وطفلٍ صغير حديث الولادة ‍‍!! وكان البعير صعبًا ففرّ مِنِّي ، فتركْتُ الصَّبيّ على الأرض ، ولَحِقْت بالبعير ، فلم أُجاوِز مكاني قليلاً حتى سمِعْت صَيْحة الطِّفل فالْتَفَتّ فإذا رأسهُ في فمِ ذئْبٍ يأكلهُ ، فبادرتُ إليه غير أنَّني لم أستطع إنقاذهُ إذْ كان قد أتى عليه ، ولحِقْت بالبعير فلمَّا دَنَوْت منه رماني بِرِجلهِ على وجهي رمْيةً حطَّمَتْ جبيني وذهبتْ بِبَصري ، وهكذا وجدْت نفسي في ليلة واحدة من غير أهل ولا ولد ولا مالٍ ولا بصر !!! فقال الوليد لِحاجِبِه انْطلق بهذا الرجل إلى ضَيْفنا عروة بن الزبير ، ولْيقصَّ عليه قصَّته لِيَعلمَ أنَّ في الناس من هو أعظمُ منه بلاءً ، ولمّا حُمِل عروة إلى المدينة، وأُدخل على أهله ، بادرَهم قائلاً لا يهُولنَّكم ما ترَوْن ! لقد وهبني الله عز وجل أربعةً من البنين ، ثمَّ أخذ منهم واحدًا وأبْقى ليَ ثلاثًا ، فله الحمد والشكر ، وأعطاني أربعة أطراف ثمَّ أخذ منها واحدًا وأبقى لي منها ثلاثة ، وَيْمُ الله لأن أخذ الله لي قليلاً فقد أبقى لي كثيرًا ، ولأن ابتلاني مرَّةً فلطالما عافاني مرَّات .
الصبر مؤشّر للإيمان ، إذا كان هناك إيمان كان هناك الصبر ، وإذا لم يكن الإيمان لم يكن الصَّبر ، الصّبر معرفة بالله عز وجل ، الأمر بيده وهو رحيم ، وحكيم ، وعليم، وعلامة المؤمن أنَّه راض ، ويقول : الحمد لله رب العالمين على أشدّ المصائب فكيف على أهونها ؟ إذا أصابتْه مصيبة قال : " الحمد لله ثلاثاً ، الحمد لله إذ لم تكن في ديني ، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها ، والحمد لله إذْ أُلْهِمتُ الصَّبْر عليها " مواقف الصحابة أو أصدقاؤهم من المصيبة ، إذا الواحد ساذج ورأى مؤمنًا أُصيب بِمُصيبة يقول : حتْمًا عمل معصيَة !! وهذه فظاظة بالتفسير، وسوء الظنّ بالأخ المسلم ، كبار الصحابة أصابتهم مصائب كبيرة ، وهذه مصائب رفْع وليْسَت مصائب ردْع ، فالعاصي له مصائب ردْع ، أما المؤمن فله مصائب رفْع قال تعالى :
﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
[سورة البقرة: 155-157]
فالإنسان بالمصيبة يظهر ، وبها ينحطّ .
أما أصحابه ماذا قالوا ؟
ولمَّا عرف أهل المدينة بِوُصول إمامهم وعالمهم عروة بن الزبير ، تسيلوا على بيته لِيُواسوه ويُعَزُّوه فكان من أحسن ما عُزِّيَ به كلمةً قالها إبراهيم بن محمّد بن طلحة ، قال له : " أبْشِرْ يا أبا عبد الله ، فقد سبقَكَ عضْوٌ من أعضائك ، وولدٌ من أبنائك إلى الجنَّة ، والكلّ يتْبَعُ البعض إن شاء الله تعالى ، ولقد أبقى الله لنا مِنك ما نحن فقراء إليه ، أبقى لنا منك علمك وفقْهك ورأيَك ، أما الطرف الذي سبقك إلى الجنَّة احْتسِبْهُ عند الله ".










 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ

التعديل الأخير تم بواسطة السعيد ; 09-08-2018 الساعة 01:15 PM

رد مع اقتباس
قديم 09-08-2018, 01:17 PM   #6


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى 2



بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السادس )

الموضوع : الخلع





الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .
أمراض الإنسان متأتية من بعده عن الله عز وجل :
أيها الأخوة المؤمنون ، ربّنا سبحانه وتعالى في سورة البقرة يخاطب سيّدنا آدم عليه وعلى نبيّنا أفضل الصلاة والسلام ، قال تعالى :
﴿ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
[ سورة البقرة : 38 ]

عندنا هُدَى بالزواج ، فمن طبَّق شرع الله بالزواج لا خوفٌ عليه ولا هو يحزن ، والعلماء فرّقوا بين الخوف والحزن ، الخوف ممّا سيكون والحزن عمّا مضى ، فلو جاء ملك الموت لا يخاف ممّا بعد الموت ، ولا يحزن على ترك الدنيا ، وهل في الدنيا حالةٌ أرقى وأشرف وأبعث على الطمأنينة من أن تواجهَ شيئاً لا تخاف ممّا سيليه ؟ ولا تخاف ممّا كان ؟ فهذه الحالة النفسيّة تغطّي ما كان وما سيكون ، أحيانًا الإنسان يخاف ممّا سيكون يكاد قلبهُ ينخلع ، أو يحزن على ما كان ، فإذا عرف الإنسان الله عز وجل لا يحزن على ما فاته من الدنيا ، ولا يهلع لما سيُصيبُه في المستقبل ، لأنّ الله عز وجل طَمأنهُ ، فهذه الأبحاث الفقهيّة في الزواج ، والطلاق ، والمخالعة ، و أبحاث البيوع ، والعلاقات الشخصيّة ، وعلاقات الإنسان مع الله عز وجل ، علاقاته مع جيرانه وزوجته وأولاده ، كأنّه قطار ماشٍ على سِكَّةٍ في سلامة ، فإذا خرج عن هذه السكَّة تعرّض هذا القطار للتَّدَهْوُر ، تمامًا حينما يخرج الإنسان عن خطّ الله عز وجل يتدَهْوَر ، فالأمراض النفسيّة كثيرة جدًّا ، ما هي الأمراض ؟ هي شعور بالاختلال الداخلي ، هذا الدِّين دين الفطرة أحيانًا تمشي بالسيارة على الزّفت ، تقول : هذه السيارة مصنوعة لهذا الطريق ، وهذا الطريق لهذه السيارة ، أما إن مشَيت بها في طريق وعِرة فتشعر أنّ الوضع غير طبيعي فهذه الطرق ليسَت لهذه السيارة .
الباخرة بالبحر هذا مكانها الطبيعي ، السَّمَك بالماء مكانه الطبيعي ، لمَّا الإنسان يعرف الله عز وجل تستقرّ نفسهُ ، ربّنا عز وجل في آيات كثيرة قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[سورة الروم: 30]
أي هذا الدِّين بِتَشريعاته ، وعلاقاته العامّة والخاصّة ، العبادات والمعاملات ، كلّ هذه العلاقات تنطبق انْطِباقًا تامًّا على فطرة الإنسان ، فالإنسان دائمًا يحسّ أنَّه مخلوق بهلع شديد ، الدِّين يُزيل هذا الهلَع ، قال تعالى: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ ﴾
[ سورة المعارج: 19-22]
ذهب الهلَع ، وذهب الحسَد: ملك الملوك إذا وهب لا تسألنَّ عن السَّبب
الله يـعطي من يشاء فقِفْ على حدّ الأدب
***

أكثر أمراض الإنسان مُتأتِّيَة من بعده عن الله ، سأقول كلمة الآن : الإنسان لو جُمِعَت له الدنيا من أطرافها ، لو جمع مالها إلى سلطانها إلى ملاذِّها إلى مباهجها إلى العمْر الطويل إلى الزواج الناجح وكان بعيدًا عن الله عز وجل فهو أشقى الناس ، وإن وجدْتم في علاقاتكم ، وفي خبراتكم ، وفي معارفكم ، أو من يلوذ بكم إنساناً بعيداً عن الله تعالى وسعيداً فهذا الدِّين يكون باطلاً ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[ سورة طه: 124]
قانون ؛ مَنْ اسم شرط جازم ، تعريف الشّرط في اللّغة : حدَثان لا يقع الثاني إلا بوقوع الأوَّل ، فإذا وقع الإعراض فجزاء الشرط حَتميَّة وقوع الجواب بالمئة مئة ، كأن تقول : إذا لمَسْت المدفأة وهي مشتعلة تحترق يدك ، احتراق اليد شيءٌ لازِم ؛ أيْ حَتْمي ، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[ سورة طه: 124]
كلّ الأبحاث الفقهيّة الهدف منها الإنسان يسلك طريق الإيمان . الخلع :
نحن في دروس سابقة تحدَّثنا عن الخلع ، أو المخالعة ، كما أنَّ الزَوْج الله سبحانه وتعالى أعطاه الطَّلاق ، هو الذي عقد الزواج ، يستطيع الزَّوْج لأسباب قاهرة أن يستخدم حقَّه فإما العلاقة الزوجيّة وهي الطلاق ، ولكن الذي يستخدم هذا الحقّ للطَّرَف الآخر تنشأ حقوق واجبة ؛ المهر ، وكذلك الزوجة ، كأنَّ ربّنا عز وجل جعل الطلاق والمخالعة صمّام أمان في هذا الوعاء البخاري ، ففي الوعاء البخاري مادام محكم الإغلاق هناك منطقة يضعون لها قطعة بلاستيك ، فإذا كان الإحكام شديداً والضغط صعد وكان هناك احتمال لانفجار الوعاء تذوب هذه القطعة وتفتح البخار ، ويتلافى الانفجار تمامًا ، في الزواج هناك صمَّام لسلامة هذا الزواج ، فإذا كانت العلاقة بين الزَّوجين بِشَكل متفجِّر يأتي الطلاق من طرف الزَّوج ، وتأتي المخالعة من طرف الزوجة ، ولكنّ الزَّوج إذا طلَّق عليه المهر ، أما الزوجة فتطلب المخالعة فعليها أن تفتدي نفسها بما قدَّم لها .
الخلْعُ كما سبق إزالة مُلْك النِّكاح في مقابل المال ، فالعِوَض جزءٌ أساسي في مفهوم الخلْع ، أي لا يوجد خلْع من دون عِوَض ، لأنّ الزَّوْج تكلّف ودفع ، دفع خمسين ألفًا ، وكتب عليه خمسين ألفًا ، وأسّس البيت وفرش ، ووضع كلّ شيء جمَّعه بهذا الزواج ليَسْتقرّ ، ليجد طبخة مطبوخة عند الرجوع ، وليجد امرأة تنتظرهُ ، ليُحْصِن نفسهُ ، فإذا لم ترغب به المرأة وجب عليها أن تدفعَ له كلّ التكاليف ، لا خلْعَ بلا عِوَض ، فهذا جزء أساسي في مفهوم الخلع فإذا لم يتحقّق العِوَض لم يتحقّق الخلع ، وهو باطل .
الفرْق بين النِّكاح الفاسد والنِّكاح الباطل :
نحن تكلمنا سابقًا عن الفرْق بين النِّكاح الفاسد والنِّكاح الباطل ، النِّكاح الفاسد يُصحَّح ، أما النِّكاح الباطل فلا يُصحّح ، فإذا قال الزوج لزوجته : خالعْتك وسكت لم يكن ذلك خلعًا ، خلع باطل ولا يسمَّى ذلك خلعًا ، خالعْتك على ماذا ؟ على أن تردِّي إليّ ما أعطيتك إيّاه!! هنا الخلْع صحيح .
ثمّ إنَّه إن نوى الطلاق كان طلاقًا رجعيًّا ، بالمناسبة إذا الإنسان استخدم ألفاظ الطلاق ليْسَت النيَّة شرطًا في الطلاق ، أما إذا استخدم عبارات أخرى غير عبارات الطلاق فعندئذٍ تُشترط النيّة ، إذا الإنسان قال : وهبتك هذا الكتاب بمئة ليرة ، ما دام قال : بمئة ليرة فهو ينوي البيع فهذا عقد بيع ، أما إذا قال : بعتك هذا الكتاب بلا ثمن ، هو قال : بلا ثمن فهو يعني هديّة ، فالإنسان عندمَّا يغيّر الألفاظ النيّة شرط أساسي ، أما إذا لم يغيِّر الألفاظ من دون نيّة ، إذا قال لآخر بِعنِ هذا القلم ؟ فقال: بعتكه بِلَيرة ! انْوِ ما شئت ، أما إذا قلت له : هَبني وخذ ليرة فكأنّك تريد البيع .
أحيانًا تدخل إلى مكتبة عند بائع ، تقول له: كم ثمن المصحف ؟ يقول لك: أعوذ بالله ، هذا وهبه خمسون ليرة ! فقط خمسون !! أنا الذي أراه الأمور بمقاصدها ، أنت تدفع ثمنه فلا تقل له بيعه بخمسين ، قل: وهبه على خمسين ليرة ، من أجل الشرع ، لأن الألفاظ هذه شيء غير طبيعي .
إذًا : فإذا قال الزوج لزوجته : خالعْتك وسكت ، لم يكن ذلك خلعًا ، أما إذا قال: خالعتك ونوى الطلاق ، هذا أصبح طلاقًا وليس مخالعة ، وكان طلاقًا رجعيًّا ، كما تحدّثنا من قبل عن الطلاق الرجعي ، وإن لم ينو شيئًا لم يقع شيء ، إذا قال: خالعتك وسكت ، وما نوى الطلاق هذا كلام لا معنى له لا يقع شيئًا إطلاقًا ، لأنَّه من ألفاظ الكناية التي تفتقر إلى نيّة .
الشافعيّة قالوا : لا فرْق في جواز الخلع بين أن يخالع على الصداق أو على بعضه أو على مال آخر سواء أكان أقلّ من الصداق أو أكثر ، ولا فرق بين العَين والدَّيْن والمنفعة ، ربّنا عز وجل أطلق ، والمطلق على إطلاقه ربّنا عز وجل بالمخالعة ، وفي آية المخالعة يقول تعالى:
﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾
[ سورة البقرة: 229]
بالآية لا يوجد تخصيص أنَّ المهر بالذات مال آخر ، قدَّم لها المهر مثلاً أساور بأربعين ألفاً ، وهي معها نقدي ، فدفعت له ثلاثون ألف ليرة سورية ، هذا ممكن ، افْتَدَت به فكما يقول الشافعيّة : لا فرق في جواز الخلع بين أن يخالع على الصداق نفسه ؛ دفع لها أربعين ألفاً بشكل أساور ذهبيّة ، ممكن أن تعطيه الأساور نفسها أو على بعضه خمسة أساوِر من ستّة ، ثلاثة من ستّة ، أو على مال آخر كأن تقول له : خذ الدكان وخلّصني ، سواء أكان أقلّ من الصداق أو أكثر ، ولا فرق بين العَين والدَّيْن والمنفعة ، وضعت له سنداً ، تأخذ أجرة بيت بعد سنة ثلاثة آلاف هذا ممكن دَين ، أو منفعة من دون مقابل ، أو عَين كأن تقدّم له قطعة ذهبيّة أو سيارة .
وضابطه - أي الشيء الذي يضبطه - أنّه كلّ ما جاز أن يكون صداقًا جاز أن يكون عِوَضًا ، كلّ شيء يمكن أن يكون صداقًا يمكن أن يكون عوضًا ، الصحابة على درع ، أو على تحفيظ القرآن ، أو على إسوارة من ذهب ، أو قطعة من فضة ، أو على عين ، أو على جمل ، أو زيتون ، كلّ ما جاز أن يكون صداقًا جاز أن يكون عوضًا في الخلع لِعُموم قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾
[ سورة البقرة: 229]
هذا الشيء العام في موضوع الخلع . جواز أن تدفع الزوجة للزوج أكثر مما أخذت :
لكنّ جمهور الفقهاء ذهبوا إلى أنّه يجوز أن يأخذ الزوج من الزوجة زيادة على ما أخذت منه ، المهر خمسون ألفًا قالتْ له : خُذْ ستِّين ألفًا وخلِّصْني ، فجمهور الفقهاء قالوا : يجوز لقول الله تعالى:
﴿ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾
[ سورة البقرة: 229]
لكنّ بعضهم قال : لا يجوز ، أي عندنا شخص العِوَض هو المهر ، لماذا ؟ هل هذه تجارة ؟ تزوَّج ثمّ أصبح يقسو عليها ، حتى عافَت المهر ، وأصبح الزواج تجارة .
روى البيهقي عن أبي سعيد الخدري أنه قال: " كانت أختي تحت رجل من الأنصار فارتفعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، فقال: أتردّين حديقته ؟ قالت : وأزيد عليها - معناها متألّمة كثيرًا - فردَّت عليه حديقته وزادته " ومن هنا أخذ العلماء أنَّه يجوز أن تدفع الزوجة أكثر مما أخذت ورأى بعض العلماء أنّه لا يجوز للزوج أن يأخذ منها أكثر مما أخذت منه ، لما رواه الدارقطني بإسناد صحيح أنّ أبا الزبير قال : " إنّه كان أصدقها حديقةً فقال النبي عليه الصلاة والسلام : أتردّين عليه حديقته التي أعطاك ؟ قالت : نعم ، وزيادة ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أما الزيادة فلا ! ولكن حديقته " عندنا روايتان لحديث واحد ، رواية فيها زيادة ورواية من غير الزيادة ، بعض العلماء أخذ الزيادة ، وبعضهم الآخر أكتفي بعدمها ، واختلاف الفقهاء رحمة واسعة ، واتفاقهم حجّة قاطعة ، كأنّ - سبحان الله - اختلاف الفقهاء الكبار توسعة على الناس ، ممكن لواحدة أن تكون متألّمة كثيرًا ، الزوج دفع مبلغًا زهيدًا ، وهي في بحبوحة فوهبَت له على أن يتركها ، في بعض المذاهب يجوز ، وعلى بعضها الآخر لا يجوز ، وكنت أقول لكم : إنّ التقليد يجوز ، والتلفيق لا يجوز ، وهناك حالات يسعها الشرع . طريقة الفقهاء الكبار في استنباط الأحكام :
هنا الخلاف في أصول الفقه ، ما معنى أصول الفقه ؟ طريقة الفقهاء الكبار في استنباط الأحكام ، هل يجوز أن يأتي حديث فيُخصِّص آية ؟ بعضهم قال : يجوز ، والبعض الآخر قال : لا يجوز ، الأصل في الخلاف تخصيص عموم الكتاب بالأحاديث الأحاديّة ، فمن رأى أنّ هموم الكتاب يُخصَّص بأحاديث الآحاد مثلاً ، إذا قلنا : أعلى راتب في الدولة خمسة آلاف ليرة هذه مادة الدستور ، وسيصْدر قانون يفصّل ذلك القانون ؛ ألا يستطيع أن يقول أعلى راتب ثمانية آلاف ؟ الدستور وضع حدّاً أعلى ، فالقانون إذا أراد أن يفسّر ويوضّح راتب الموظّفين وأنواع التعويضات عليه أن يتقيّد بهذا السقف ، من الألف إلى الخمسة ، وبعضهم قال: يجوز و للتفسير أن يتجاوَز السقف ، وهو رأي ضعيف ، ربّنا عز وجل بالقرآن الكريم وضع حدودًا أحيانًا يأتي حديث مفرد يتجاوز هذا السقف ، هناك من الفقهاء مَن قال : لا يجوز لأحاديث الآحاد أن تخصِّص عموم الكتاب ، وبعضهم قال : يجوز .
هناك توجيه لطيف جمع بين الرأييْن ، قال : فمن رأى أنّ القدْر راجع فيه إلى الرضا يجوز ، هي راضِيَة ، أما إذا كان هناك نوع من الابتزاز ، لا أخلعك حتى تعطيني هذا البيت ، دفع لها خمسين ألفًا ، وأراد أن يأخذ منها مئتي ألف ! فهذا ابتزاز ، هنا يأخذ الفقهاء بظاهر النصّ ، وعموم الآية ، وبحديث الآحاد الذي يمنع أن تردّ الزوجة أكثر ممّا أخذت ، أما إذا كانت المرأة في بحبوحة ويُسر ، ووهبَت له شيئًا من مالها ، فنأخذ بظاهر الآية وعمومها .
عظمة الشرع الإسلامي :
الخلْع في العادة يكون بتراضي الزوج والزوجة ، فإذا لم يتمّ التراضي منهما فللقاضي إلزام الزوج بالخلْع ، كثير من يسألني : سامحني فهل يؤاخذني الله تعالى ؟ الله يؤاخذ إذا لم تكن هناك مسامحة
إذا كانت هناك علاقة ماليّة بين شخصين ، وأحد الشخصين سامح ، هنا انتهى الأمر ولا يوجد شيء ، إلا في بعض الحالات هناك حق عام ، وحقّ خاص ، أحيانًا يحصل القتل الخطأ ، سائق السيارة دعس إنساناً يظهر أنّ أهل المقتول ورعون ، ويخافون من الله ، ووجدوا أنّ هذا السائق فقير ، ثمّ الأمر قضاء وقدر ، ولم يرتكب خطأً في السواقة ، حينها يتنازل الأهل عن حقوقهم ، هنا بالقرآن الكريم هناك حقّ عامّ ولو تنازلت ، قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾
[ سورة النساء: 36]
الديّة هذه هي الحق الخاص ، أما تحرير رقبة مؤمنة فهذا في الحق العام يعني أنت بهذا الحادث أزْهقْت نفسًا مؤمنة ، المجتمع الإسلامي كان هناك مليون مؤمن فنقصهُ واحد ، ولو تنازل لك الأهل عن هذا الحق ، فأنت أنقصْت من المجتمع شخصًا قد يكون طبيبًا ، أو مهندسًا ، أو إنسان داعيَة ، أو طالب يُنتظر منه مستقبلاً باهرًا ، فأنت أفقدْت المجتمع الإسلامي عنصرًا طيِّبًا فالأهل تنازلوا ؛ هذا حقّهم الشخصي أسقطوه ، ولكن هناك حقّاً عاماً وهو إعتاق رقبة مؤمنة وهي أن تدخل لهذا المجتمع إنسانًا مؤمًنا كان عبْدًا تُحرِّرهُ ، دِقَّة الشَّرع ، فهنا الآن في المحاكم ولو أنت تنازلت عن الحقّ الخاص هناك حقّ عام ، فلو سرق إنسان وقال له المسروق : تنازلت عن حقّي الشخصي ، يُلاحق السارق بالحق العام ، من أين أُخذ الحق العام؟ من هذه الآية: ﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾
[ سورة النساء: 36]
هذه هي عظمة الشرع الإسلامي . من كان متوازناً مع الآخرين أصبح محبوباً عندهم :
قال : فإذا لم يتِمَّ التراضي منهما ، فللقاضي إلزام الزوج بالخَلْع ، لأنّ ثابتًا وزوجته رفعَا أمرهما إلى النبي صلى الله عليه وسلّم ، وألْزمهُ النبي بأن يقبل الحديقة ، اللهمّ صلِّ عليه دخل وسيطًا بين زوجين ، يبْدو أنَّ الزوجة تكرهُ زوْجها ، فقال عليه الصلاة و السلام : لو تُراجعينهُ ؟ قالتْ : يا رسول الله ؛ أَتأْمُرُني ؟‍ قال: لا ، إنَّما أنا شفيع ، لو أمرتُكِ لوَجَب أن تنفِّذي الأمر إنَّما أنا شفيع ، فالإنسان أحيانًا تكون له مكانة بأُسرة إذا رأى الأمر صعبًا لا يفرض الحلّ فرضًا ولكن يجعل الحلّ باختيار الطَّرفَيْن ، لأنّ مكانته الكبيرة تقتضي الإلزام ، وإذا كان هناك إلزام كان هناك ظلم ، قالتْ : يا رسول الله أَتأْمُرُني ؟‍ قال : لا ، إنَّما أنا شفيع ، أنا لا آمرك أنت حرَّة ، فالإنسان عندمّا تكون له مكانة بمُجتمعه لا يستخدم هذه المكانة لطرف دون آخر ، ولكن عليه أن يوازن موازنة دقيقة ، كلّما كان الإنسان متوازنًا مع الآخرين يصبح محبوبًا عند الأطراف جميعًا أما ينحاز إلى فئة من دون فئة فلا تصبح له مكانة عاليَة ، من عظمة رسول الله صلى الله عليه وسلّم أنّه ما من صحابيّ جليل عاملَهُ إلا ظنَّ نفسهُ أنه أقربَ الناس إليه
هل عندك هذه الإمكانيَة التي تستطيع أن تعاشر مئتي رجل أو أكثر كلّ واحد يظنّ نفسه أقرب إليك ؟؟‍ صلى الله عليه وسلّم من رآه بديهةً هابهُ ، له هيبة ، ومن عاملهُ أحبَّه ، عظماء العالم يجلس معهم طفل صغير فيستأنس فيهم ، وشابّ يستأنس ، وكبير ومتقدّم في السنّ يستأنس ، فالذي عنده هذه النفس الشابة والنّفس المتطلِّعة لمعرفة الله عز وجل عنده مرونة فائقة ، إذا جلس مع طفل صغير ، قال له يا : عُمَير ماذا فعل النُّغَير ؟ طفل له عصفور يداعبه ، فكلّما رآه النبي صلى الله عليه وسلّم يقول له يا عمير ما فعل النُّغَير ؟ سيّدنا الحسن والحُسَين كانا يركبان على ظهره الشريف أثناء الصلاة فكان يقول : نعم الجمل جملهما ، ونعم الحِمل أنتما ، كان يضع الحسن والحسين على ركبتيه ويقبلهما ويقول : " اللَّهم إنِّي أحبّهما فأحِبّهما " هكذا المؤمن ، من كان له صبيًّا فلْيتصاب له ، إذا الواحد دخل إلى بيته وكانت له مكانة كبيرة خارج البيت ، إذا دخل ولاعب ابنه الصغير وضاحكه ومزح معه ، ونزل إلى مستواه هذه سنَّة مطهَّرة ، كان عليه الصلاة والسلام يُسلِّم على الصِّبْيان ، أحيانًا يدخل صبيّ للمسجد فإذا بالمؤمنين يرحِّبون به ، ويضعونه بينهم ، ومرَّةً تجد أخًا آخر يسيء الكلام معه ، ويردّه إلى الوراء ، لا يوجد عندنا أحد أحسن من الآخر ، سيّدنا مالك بن أنس هذا إمام دار الهجرة يقولون إنّ هارون الرشيد كان في عمرة أو حجّ فبعث له خبرًا وقال له : يا مالك لو جئتنا إلى بيتنا لِتُعلِّمَنا ؟ هارون الرشيد الخليفة، فبعث له جوابًا قال له : يا هارون العِلْم يُؤْتى ولا يأتي ، فلمَّا سمع هذا القول قال: هذا صحيح وهذا هو الحق ، أنا سآتي ، ثمَّ بعث له خبرًا آخر : وإذا أتَيْتني فلا أسمح لك بِتَخطِّي رِقاب المسلمين ، عليك أن تجلس حيث ينتهي إليك المجلس ‍‍!! قال: صحيح ، ثمّ جاء الخليفة ودخل إلى المسجد فوضعوا له كرسيًّا فقال هذا الإمام : من تواضع لله رفعَه ، ومن تكبَّر وضعه !! كم كان للعلم قيمة في ذلك الزمان ، نعم الحاكم في باب العالم ، وبئس العالم في باب الحاكم ، فالإسلام لا يوجد أحد خير من الآخر لو جاء طفل صغير مبكِّرًا ، وجلس في أوَّل المجلس لكان هذا مقبولاً ، ويُثنى عليه ، أما أن تضعه آخر الصفّ فهذا غير مقبول ، اِجْلس حيث ينتهي بك المجلس ، قال: لو علم الناس ما في الصفّ الأوّل لكان قرعةً ، لو علم الناس كم في الصفّ الأوّل من الخير الكبير لكان قُرْعةً .

تحريم إيذاء الزوجة بِمَنْع حقوقها حتى تضجر و تخلع نفسها :
آخر موضوع بالخلع ، يُحرَّم على الرجل أن يؤذيَ زوجته بِمَنْع بعض حقوقها حتى تضجر ، وتخلعَ نفسها ، وهذا هو الظلم بِعَينه ، يأتي كلّ يوم الساعة الثالثة ليلاً ، ولا يحضر لها أكلاً ، يُعنِّفها أمام والدته ، ويضربها أحيانًا ، يجعلها ترى الجنَّة بِفِراقِهِ ، لو كان مهرها المتأخِّر مئة ألف لفضَّلت الخلع ، حكى لنا شخص من المسجد أنَّ أحدهم تزوَّج امرأةً صالحة بنت عالم ، يظهر أنَّه ما حصل تحقّق بالزواج ، فهذه مُربَّاة تربيةً دينيّة ، وهذا الشاب يريد أن يفلت على هواه ، يريد اختلاطاً ، ويستقبل رفاقه ، فأمرها بِمَعاص كبرى فرفضَت ، متأخِّرها مئة ألف ، وهذا الزوج أساء إليها إساءة بالغة ، يتأخّر ويهينها ويضربها ، وهي صابرة ، وخلال سنة يئسَت ، وبعدها استسْلَمَت وقالَتْ له : لا أريد شيئًا فقط الخلْع ، فعلاً خلَعَها وخلص منها ، ولكن كيف خلعها ؟ لأنَّه ضارَّها ، بعدما خلعها وكان هذا الخلْع بِتَوجيه والدَتِهِ ، اخْلُصْ منها وأنا أزوِّجك أحسن منها ، وهو كلام معروف ، فالنتيجة خلعها ، وتزوَّج أخرى وبعدما مضى على زواجه فترة طويلة ، ذهب إلى الزبداني في نزهة ، ورجع يوم الجمعة عصرًا ، والظاهر كان هناك ازدحام بالسير ، وهو ماهر بالسواقة ، فكان يمر ويخرج من هنا ويدخل من هناك فكأنَّها خافَت ، فقالت له : على رسْلك ! فقال: أنته منك كما انتهَيت من فلانة ، فالأب كان غير راض على عمل ابنه ، هذه التي أخذتها صاحبة دين ، وأنت الذي تظلمها ، وهذه بنت عالم والأم توجِّه ابنها وتحرّضه على طلاقها ، وخلعها ، ومضايقتها ، والأب ينهاه على ذلك فركب الابن وراء المِقوَد ، وزوجته جنبه ، وأمّه وراءه ، وأبوه وراء زوجته ، النتيجة أنّه دخل في سيارة شحن كبيرة أقْسمَ بالله الأخ الذي حكى لنا القصّة قال : انقسم الابن وأمّه إلى قطعتين !!! فالأب خرَّ لله ساجدًا وقال: يا رب أنا أشهد أنَّهم ظلموا ، الأم لقِيَت جزاء عملها ، والأب لقي نتيجة عمله إذْ نجَّاه ، والزوجة ما حدث لها شيء ، وكذا الأب ، والأبناء ، من الذي قُتِلَ ؟ الابن الظالم والأم المحرِّضة ، فالواحد إذا كانت له زوجة ، ولو كان لها الحق أن تخلع نفسها منه إذا لم يعجبهُ شكلها ، أما أن يُضايِقَها في أنصاف الليالي ، ويظلمها ، ويهينها ، ويحرمها ، ويقسو عليها إلى أن تفدي نفسها منه ، فهذا أبشع أنواع الظلم ، والله سبحانه وتعالى يقتصّ منه ، فكما قلت سابقًا : فويل لقاضي الأرض من قاضي السماء ، أحيانًا القاضي يجور ولكن ربّنا عز وجل كلّ شيء عنده بِحِسابٍ دقيق .
هذا الموضوع يحتاج إلى تفصيل طويل ، موضوع الإساءة إلى الزوجة حتى تخلع نفسها، وإن شاء الله نرجئه إلى موضوع قادم ، والخلع فيه موضوعات كثيرة .
الذي لا يخاف من الله تعالى أحمق ، وكلّ إنسان يظنّ إذا أكل حقوق الآخرين ، أو ظلم زوجته، أو ظلم جيرانه ، وتعدَّى على الناس أنَّه ذكيّ يكون في حضيض الغباء ، أما الذكاء فله قِمَّة ، كلّ إنسان يظنّ أنَّه إذا لعب على الناس ، وأكل حقوقهم هو ذكيّ بهذا العمل يكون في غاية الحمق والغباوة .
* * *
الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة ، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن . . . ))
[ كنز العمال عن أبي هريرة]

ائتني بواحدٍ مؤمن بالقضاء والقدر إيمانًا صحيحًا ، أنّ لكلّ شيءٍ حقيقة وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليُخطئه ، وأنَّ ما أخطأهُ لم يكن لِيُصيبهُ ، إنسانٌ بهذا المستوى أنا أضْمنُ له بأن لا يحْزَن ، عظمة الإيمان أنَّك ترى يد الله فوق أيدي الناس ، وترى أنّ الله عز وجل لا يمكن أن يقع في الكون حادث إلا بعِلْمه وأمره وقوَّته وقدرته وانتهى الأمر .
تجد المؤمن مطمئنّاً ؛ الحمد لله على كلّ حال ، إذا أقْبلت الدنيا ، أو أدْبرت ، وإذا كثر ماله ، أو قلَّ ، إذا تزوَّج فلانة هذه نصيبي ، أحدهم جاء عند رسول الله وقال له : اُدع الله أن يرزقني زوجة صالحة ؟ فتبسَّم عليه الصلاة والسلام ، فقال : والله يا أخي لو دعوتُ لك أنا رسول الله وجبريل وميكائيل ما تزوَّجْت إلا التي كتبها الله لك ، لأنَّ هذا الزواج أخطر حادث بحياة الإنسان ، وستعيش مع إنسانة طوال حياتك ، فالله عز وجب يتدخَّل ، ويبعث الطِّيب للطَّيِّبة ، قال تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ﴾
[ سورة النور :26 ]
والزاني لا ينكح إلا زانية ، لك أنت تجربة قبل الزواج ، ولها هي أيضًا تجربة قبل الزواج ، ولك عِفَّة بالغة قبل الزواج تأخذ واحدة مثل الألماس ؛ عفيفة ، لك تطلّعات ، تجدها هي أيضًا لها تطلّعات ، لك مغازلات ، لها مغازلات ، كلّ شيء بِثَمنه ، تجد بالأخير الله عز وجل أنّ التي كتبها الله لك هي التي سوف تأخذها ، هذه هي شريكتك بالضَّبْط ، هذا الكلام أقوله للشباب : حسِّنْ نفسك ، رقِّ إيمانك ، وجدِّد إيمانك حتى يسمح الله لك بزوجة صالحة ، تسرّك إذا نظرت إليها ، وتحفظك إن غبت عنها ، وتطيعك إذا أمرتها ، لا تقل : أمِّي تفهم كثيرًا بالخطبة ‍! تجد نفسك وقعْت على رأسك رغم خبرة أمِّك ، ولا تقل حتى أراه أوَّل مرَّة وثاني مرَّة ، أنت تجدها بالخطبة كالملائكة ، تقول : أنا أرى ملكًا وليس امرأة !! طوِّل بالك الكلام بعد الزواج!!! والله تظهر لك نجوم الظُّهر ، لذا موضوع الزواج موضوع خطير جدًّا ، ليس لك خيار فيه ، لذا قال النبي عليه الصلاة والسلام : " أفضل شيء بعد التقوى زوجة صالحة " إذا صاحب تقوى يستحقّ الزوجة الصالحة ، وإن كان قليل التقوى يستحقّ زوجة مشابهة له .
الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن ، هذا البيت لم يكن من نصيبي ، الحمد لله رب العالمين ، أنا أسعى ولا أتواكَل ، لكن رأيته مناسباً ، وسعره مناسب ، والمبلغ موجود ، ثمّ ذهبنا فقيل لنا: والله بيع !! نقول: هذا من سوء حظّنا ، ليس لا ننام طوال الليل ! انظر ما أجمل المؤمن ، خطب فلانة والبنت مناسبة ، والعمر مناسب ، وثقافتها مناسبة ، ذهبنا للخطبة فقيل لنا خطبت ، لا ننتحِر ، لا يوجد نصيب وانتهى الأمر . علامة قارىء القرآن أنَّه لا يحزن :
لذلك قال عليه الصلاة والسلام : "لا يحزن قارىء القرآن . . ." علامة قارىء القرآن أنَّه لا يحزن يعلم أنَّه توجد آيات دقيقة :
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 216]

أحدهم حمل أواني زجاجية ، تزحلق فانكسروا كلّهم ، صار يبكي بكاء مراً ، ويقول: يا رب ، أريد أن آتي لأهلي بأكل ، ذهب كلّ رأس ماله ، قال له : يا رب ، ذهبت مني قطعة ذهب ثمنها مئة وسبعون ليرة وما غضبتُ ، أما الآن فليس عندي إلا هذه ، وعندي الآن عائلة ، فُتِحَ الشباك وقال له : تعال ، أنت الذي ضاع منك الذَّهَب ؟ فقال : نعم ، قال له : خُذْ هذه وجدتها منذ سبع عشرة سنة ، وها أنا أردّها لك !! أين انكسرت الأواني؟ أمام من وجد ذهبه ، قال تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة: 216]
هذه الآية وحدها لو لم يكن في كتاب الله غيرها لكفَتْ ، كلّ شيء بِقَدر تمكَّنت من الذهاب مع هذه البِعْثة أم لا ، قل : الحمد لله رب العالمين وبعدها ذهب ! شرّ أذهبه الله عنك ، هل كان الله غافلاً ؟ قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾
[ سورة الحديد: 22 ]
قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾
[ سورة الطور:48 ]
قال تعالى ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
[ سورة هود : 123 ]
عندما تُوحِّد ترتاح ، لذلك الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن ، حرامٌ على مؤمن يحزن، أموره كلّها بيَدِ أرْحم الراحمين ، وبيَدِ كريم وعليم وقدير هل يخاف الإنسان من أمِّه ؟ كم يشعر بمحبَّة تِّجاه أمِّه ؟ كلّها رحمة له .
النبي عليه الصلاة والسلام رأى امرأة تقبّل ابنتها ، فقال: " أتُلقي هذه بولدها إلى النار . . . .للّه أرحم بعبده من هذه بولدها . . ." لمَّا الإنسان يتذوّق القرآن الكريم ، هناك آية وحدها تكفي قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ ﴾
[ سورة آل عمران: 158 ]
إلى أين تذهب ؟ إذا كانت لك زوجة فيها رحمة ، لم تغضبني أبدًا ، مرَّةً عزَّيت صديقًا لي بوفاة والدته ، عمر والدته ثمانون سنة ، أثناء التعزية بكى الأب بكاءً مُرًّا ، بعد التعزية حاوَل الأصدقاء التخفيف عنه ، فصار يبكي أكثر ، فقال : والله عشت معها خمساً أربعين سنة ما نمت ولا ليلة غضبان منها ! هذه زوجة فيها إخلاص ومحبّة فتأثّر ، فأنت ذاهب إلى من هو أرحم ، عليم حكيم ، ربّنا عز وجل لمّا يتجلّى على قلبك تذوب ذوبانًا محبَّةً ، تُوفِّيَت امرأة صالحة رأتْها ابنة ابنتها بالرؤيا بِمَكان يشبه أماكن جميلة جدًّا كلّها جبال خضراء وسواحل ، وقالت لها : أنا مفتوح من قبري نافذة مباشرة لهذه المناظر ! تعيش في الجنَّة ، ورأتْها بنتٌ أخرى في بيت فخْم جدًّا مثل القصر ، فقالت لها : هذا بيتي ! وبيتها في الدنيا كان متواضعًا ، أنت لا تعرف الإنسان إذا مات على الإيمان أين يذهب ؟ إذا مات الواحد يقولون : مسكين !! ليس هو المسكين أنت المسكين ، إذا الواحد غير مستقيم في حياته هذا هو المسكين ، ذاك في قمَّة السعادة ، لا كرب على أبيك بعد اليوم ، فالإنسان إذا رزقه الله موتةً على الإيمان ، ماذا فيها الدنيا ؟
الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحزن ، والإيمان بالقدر نظام التوحيد ، إذا أردت أن تناقش ناقش ، هذا فعل معك هكذا ، هل هذا بعِلْم الله أم لا ؟ إذا قلت : ليس بعلمه أشْركت ، وإذا قلت : بعلمه ، فكيف سمح الله له ؟ الله تعالى حكيم ، إذًا للحكمة حكمة ، والله عليك ، فهو يعلم ما في النفوس ، الله قدير ، والله لطيف ، والله جبّار ، فأنت إذا قلت : ليس بعلم الله ؛ هذه مشكلة وإذا قلت بعلمه : معنى هذا أنك أشركت ، لذلك ممَّا أثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه إذا أصابتْه مصيبة كان يقول : لا إله إلا الله العليم الحكيم ، لا إله إلا الله الرحمن الرحيم ؛ انظر دقَّة الكلام كلّ شيء بيَدِهِ هو العليم الحكيم ، وكلّ شيء بيدِه هو الرحمن الرحيم ، الحديثان دقيقان ؛ الإيمان بالقدر يذهب الهمّ والحَزَن ، والإيمان بالقدر نظام التوحيد ، وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد ، ما من عثرة ، ولا اختلاج عرق ، ولا خدش عود إلا بما قدَّمَت أيديكم وما يعفو الله أكثر . الإيمان والعمل قرينان متلازمان :
الإيمان والعمل قرينان لا يصلح كلّ واحد منهما إلا مع صاحبه ، إيمان بلا عمل كالشّجر بلا ثمر .
المؤمن عفيف عن المحارم ، عفيف عن المطامع ، الغنى غنى النفس ،الأمْن والعافية نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ، ما معنى الأمن ؟ لسْتَ مُلاحقاً ، شيء جميل ، تنام ملء عينيك ، إذا دقّ الهاتف الساعة الثانية عشرة ليلاً لا تخاف ، إذا الباب طرق الساعة الواحدة لا تخاف ، قال تعالى:
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الأنعام : 81 ]
هذه النعمة العظمى من الله عز وجل ، تجد قلب المؤمن كلّه أمن وطمأنينة بحيث له من الطمأنينة لو وزَّعَها على مليون من الناس لاطمأنُّوا ، هذه نعمة الله الكبرى ، والكافر يلْقي في قلبه الرعب ، قال تعالى: ﴿ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ ﴾
[سورة الحشر: 2]
تجد في قلوبهم فزعًا شديدًا . الأمانة تجلب الرزق والخيانة تجلب الفقر :
آخر حديث :
(( الأمانة تجلب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر ))
[ الديلمي عن جابر]
هذا قانون من قوانينه صلى الله عليه وسلّم ؛ الأمانة تجلب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر ، إذا الصانع سرق ، وأراد أن يطلب عملاً يسأل صاحب العمل صاحب الدكان الأوّل ، فإذا قال له : يده خفيفة يصرفه عنه ، ثمّ تجده ينصرف من محلّ لآخر ، جميع الأبواب مغلّقة في وجهه ، لذلك في الأمن يُشاركونك ، ويعطونك أموال استثمار ، ويقدِّمون لك أثْمن ما عندهم، ويعطونك محلاّت وبيوت ، فقط أن تكون أمينًا لذلك سأل أحد الشعراء الإمام الشافعي ، قال له: يد بعشر مئين عسجد وديت ، اليد هذه إذا قطعت بحادث خطأً ديَّتها عشر مئات دينار ذهبي ، الدينار الذهبي الآن ثمنه سبعمئة ليرة أو أكثر ، عشر مئات ، أي ألف دينار ذهبي
ما بالها قطِعَت في ربْع دينار ، إذا الواحد سرق ربع دينار يقطعون له يده ؟ وإذا قطعَت خطأً يدفع المتسبِّب بالحادث ألف دينار ذهبي ، وهي سرقت ربع دينار فقطعت ؟‍‍
فقال الإمام الشافعي: عِزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها ذلّ الخيانة فافْهم حكمة الباري
***

لمَّا كانت أمينة كانت ثمينة ، فلمَّا خانَت هانَتْ ، سائق تاكسي من المطار إلى الشام وجد بالمقعد الخلفيّ خمسين ألف ليرة ، أخذها عند مدير مكتبة التاكسي ، هذا الإنسان جاء من الكويت ، وقعت له بطريقة أو أخرى ، وصل عند بيت عمّه فوجد خمسين ألفًا مفقودة ، انخلعت روحهُ ، فقال له أحدهم : أخي لا تزعج نفسك فقد ذهبت دراهمك ‍! أصابه كمد منقطع النظير ، طرق الباب صديقه فرآه على هذه الحال ، فقال له : دعنا نذهب إلى المطار ، راحوا إلى هذا المطار وسألوا أنّهم ركبوا سيارة تاكسي ، وضاعت منا دراهم ، فقال لهم : نعم هناك سائق وجد دراهم أين هو ؟ قالوا: الآن نزل إلى الشام ، نزلوا على مكتب الشام سألوا فقالوا لهم : أعطاهم لمدير المكتب ، راحوا على البيت ، فأعطاهم خمسين ألفًا ، سحب خمسة آلاف وقال له هذه هديّة له ، فقال له : لا ، سنقيم له لقاء صحفياً نثني على أمانته ! شيءٌ جميل ، وأنا كنت راكبًا تاكسي آتٍ من بيروت إلى الشام ، والسائق ربح بضاعة وركّاباً ، ركب معه جندي ، وضع في الخلف علب سردين ، وقف هذا السائق في محلّ ، نزلت كي أرى أغراضي ، السائق لم ينتبه لي ، رأيته يأخذ علب سردين ويضعها وراء الدولاب ، هذه سرقة ، قلتُ : سبحان الله ، هذا عند الله سائق وذاك سائق ؟ ظفره بمليون . عِزُّ الأمانة أغلاها وأرخصها ذلّ الخيانة فافْهم حكمة الباري
ربحت ألفي ليرة ، وسيارتك ملك لك ، وهذا جندي فقير ، تخبِّؤهم وراء الدولاب !! وذاك خمسون ألفًا سلَّمهم لصاحبها ، الأمانة تذهب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر . * * *
الربيع بن خثيم :
والآن إلى بعض حياة التابعين ، الربيع بن خثيم حينما حضرته الوفاة - من آخر القصّة - جعَلَت ابنتهُ تبكي ، فقال لها: ما يُبْكيك يا بنيتيّ وقد أقبلَ على أبيك الخير ؟! ها قد جاء الخير ، هل نحن الآن نعدّ لأنفسنا هذا الإعداد ؟ الموت حق ، نعدّ أنفسنا كي نجد كلّ خير في هذه الساعة ، قمَّة السعادة عرس ، الموت عرس المؤمن وتحفة المؤمن ، نهاية القصّة بكت فقال لها : ما يبكيك وقد جاء على أبيك الخير ؟ هذا الرجل الربيع بن خثيم أصيب بالفالج ، فقال هلال لضيفه منذر الثوري ألا أمضي بك يا منذر إلى الشيخ لعلَّنا نؤمن ساعة ؟ بعض الصحابة كان يقول : اجلس بنا نؤمن ساعة ، إذا جلست مع أخيك وحدَّثك وحدَّثتهُ هي ساعة إيمان
فقال منذر: بلى فوالله ما أقْدَمَني الكوفة إلا الرَّغبة في لقاء شيْخِك الرَّبيع بن خُثَيْم والحنين في عَيْش ساعة في رِحاب إيمانه ، ولكن هل استأذنت لنا عليه ؟ فقد قيل لي : إنَّهُ منذ أُصيب بالفالج لزِمَ بيتهُ وانْصرفَ إلى ربّه ، وعزف عن لقاء الناس ، فقال هلال : إنّه كذلك منذ عرفته ، وإنّ المرض لم يغيّر منه شيئًا !! هذه هي البطولة ، حكَيتُ لكم عن قصّته لمّا قطعت رجله حملها وبكى ، وقال : والله يا رب ما مشيْت بها إلى معصية قطّ ، وأنا أحتسبها عندك ، أصيب بالفالج فما غيَّرَ المرض منه شيئًاً ، فقال منذر : لا بأس ، ولكِنَّك تعلم أنَّ لِهَؤلاء الأشياخ أمْزِجَةً رقيقة ، فهَلْ ترى أن نُبادِر الشَّيْخ فنسْألهُ عمَّا نريد أم نلْتزمُ الصَّمْت فنَسْمعُ منه ما يريد ؟ فقال هلال : لو جلست مع الربيع عامًا بأكمله فإنَّه لا يكلّمك إلا إذا كلّمته ، ولا يبادرك إلا إذا سألته ، فهو قد جعل كلامه ذكرًا وصمته فكرًا ، فقال منذر : فلنمض إليه إذًا على بركة الله ، مضيا إلى الشيخ ، فلمَّا صارا عنده سلَّمَا وقالا : كيف أصبح الشيخ ؟ فقال: أصبح ضعيفًا مذنبًا يأكل رزقهُ ، وينتظر أجله ، فقال له هلال : لقد أمّ الكوفة طبيب حاذق ، أفتأذن بأن أدعوه لك ؟ قال: يا هلال ، إنِّي لأعلم أنَّ الدواء حقّ ، ولكنِّي تأمَّلتُ عادًا وثمود وأصحاب الرسّ وقرون بين ذلك كثيرة ، ورأيت حرصهم على الدنيا ، ورغبتهم في متاعها ، وقد كانوا أشدَّ منَّا بأْسًا ، وأعظمَ قدرةً، وقد كان فيهم أطبَّاء ومرضى ، فلا المُداوي ولا المُدَاوَى ، ثمَّ تنهَّدَ تنْهيدةً عميقةً وقال: ولو كان هذا هو الداء لتداوَيْنا منه ، فاسْتأذن منذر وقال: فما الداء إذًا يا سيّدي الشيخ ؟ قال: الداء الذنوب ، قال منذر : وما الدواء ؟ قال : الاستغفار ، قال منذر : وكيف يكون الشفاء ؟ قال: بأن تتوب ثمّ لا تعود ! ثمَّ حدَّق فينا وقال : السرائر السرائر ، أي عليكم بالسرائر تكون نقيّة طاهرة ، قال تعالى
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء:88-89]
قال: عليكم بالسرائر التي تخفى على الناس وهنّ على الله بوادر ، هذه النوايا الخفيّة عند الله تعالى مكشوفة ، قال منذر فما الدواء ؟ قال: التوبة النصوح ، ثمّ بكى حتّى بلَّلت دموعه لحيتَهُ ، ثمَّ بكى حتى بلَّلَتْ دُموعه لِحْيتهُ ، ثمّ قال له منذر أَتبكي وأنت أنت ؟ قال: هيهات لِمَ لا أبكي وقد أدْركتُ قومًا نحن في جنبهم لُصوص ، أي عظمة الصحابة واستقامتهم وعملهم الصالح وتضحياتهم ، نحن إلى جانبهم كأنّنا لصوص .
قال له : لقد أدركْت قومًا نحن في جَنبِهم لُصوص ، فقال هلال : وإذْ نحن كذلك دخل علينا ابن الشيخ فحَيّا وقال: يا أبت إنَّ أمِّي قد صنَعَت لك خبيصًا وجوَّدَتهُ ، نوعٌ من الحلْوَة، وإنَّه ليَجْبر قلبها أن تأكل منه ، فهل آتيك به ؟ فقال: هاتِهِ ، فلمَّا خرج لِيُحضرهُ طرق سائلٌ فقال : أدْخلوه ، ولمَّا صار بِصَحن الدار نظرتُ إليه فإذا هو رجل كهْلٌ مُمَزَّق الثِّياب ، قد سال لُعابهُ على ذقنه ، وبدا من ملامح وجهه أنَّه معتوه ، فما كِدْتُ أرفعُ بصري عنه حتى أقبل ابن الشيخ بِصَحبة الخبيص فأشار إليه أبوه أن ضَعها بين يدي السائل ، مَعتوه لُعابهُ على لحيته مُمَزَّق الثياب ، وهذا الطعام صنَعَتْهُ الزَّوجة ليأكل زوجها منه فوضَعَها بين يديه ، فأقبل عليها الرجل وجعل يلتهم ما فيها الْتِهامًا ، ولعابهُ يسيل فوقها ، فما زال يأكل حتى أتى على ما في الصَّحفة كلّها ، فقال له ابنه : رحمك الله يا أبي ، لقد تكلَّفَت أُمِّي وصنعت لك هذا الخبيص ، وكنا نشتهي أن تأكل منه فأطْعمْتهُ لهذا الرجل الذي لا يدري ما أكل ، فقال : يا بني إذا كان هذا الرجل لا يدري ماذا يأكل فإنّ الله يدري ، ثمّ تلا قوله عز وجل: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة آل عمران: 92]
وفيما هو كذلك إذْ دخل عليه رجل من ذوي قُرْبة ، وقال : يا أبا يزيد ! قُتِلَ الحُسَيْن بن عليّ كرَّم الله وجهه ، وابن فاطمة عليها وعليه السلام ، فقال الربيع : إنا لله وإنا إليه راجعون ثمّ تلا قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾
[ سورة الزمر : 46 ]
ولكنَّ الرجل لم يشْفه كلامه ، فقال له : ما تقول في قتله ؟ قال: أقول إلى الله إيابهم وعلى الله حسابهم ! قال هلال : ثمَّ إنِّي رأيتُ وقت الظهر قد اقترب فقلتُ للشيخ أوْصِني ؟ قال: لا يَغُرَّنَك يا هلال كثرة ثناء الناس عليك ، فإنَّ الناس لا يعلمون منك إلا ظاهرك ، واعْلم أنَّك صائرٌ إلى عملك ، وأنَّ كلّ عملٍ لا يُبْتغى به وجْه الله يضْمحِلّ - والله كلمات تكتب بماء الذهب - فقال المنذر : وأوْصني أنا أيضًا جُزيت خيرًا ؟ قال : يا منذر اتَّق الله فيما علمْت ، وما اسْتأثر عليك بعلمه فَكِلْهُ إلى عالمه ، لا تقل فيما لا تعلم ، يا منذر لا يقل أحدكم : اللهمّ إني أتوب إليك ، ثمّ لا يتوب ثمّ تكون كِذْبة ، ولكن قلْ : اللهمّ تُب عليّ ، فيكون دُعاءً ، واعْلم يا منذر أنَّه لا خَير في كلامٍ إلا في تهليل الله أي التوحيد ، وتحميد الله أي الحمْد ، وتسبيح الله في التنزيه ، وسؤالك من الخير ، وتعوُّذك من الشرّ ، وأمرِكَ بالمعروف ، ونَهْيِكَ عن المنكر ، وقراءة القرآن ، فقال المنذر : قد جالسْناك فما سمعناك تتمثَّل بالشِّعر ، وقد رأينا بعض أصحابك يتمثَّلون به ؟ فقال : ما من شيءٍ تقوله هناك إلا كتِبَ وقرأ عليك هناك يوم القيامة ، وأنا أكرهُ أن أجد في كتابي بيت شِعْر يقرأ عليَّ يوم يقوم الحساب ثمّ الْتفتَ إلينا جميعًا وقال : أكْثروا من ذِكْر الموت فهو غائبكم المُرتقب ، كلّنا ينتظرنا الموت ، والمطابع جاهزة ، وإنّ الغائب إذا طالتْ غَيبَتُه أوْشكَتْ أوْبَتُه ، ثمَّ اسْتعْبَر أيْ بكى ، وقال : ماذا نصْنعُ غدًا إذا دُكَّت الأرض دكًّا دكًّا وجاء ربّك والملك صفًّا صفًّا وجيء يومئذٍ بِجَهَنَّم ؟ قال هلال : وما كاد الربيع أن ينتهي من كلامه حتى أُذِّن للظُّهر فأقْبل على ابنه وقال : هيَّا نُجِبْ داعيَ الله ؟ فقال ابنهُ : أعينوني على حَمْلهِ إلى المسجد جُزيتُم خيرًا ؟ فرفعناهُ ووضعَ يمناهُ على كتف ابنه ، ويُسْراه على كتفي وجعل يتهادى بيننا ، ورجلاه تخطان على الأرض خطا ، فقال المنذر : يا أبا يزيد لقد رخَّص الله لك ، فلو صلَّيْت في بيتك ! فقال : إنَّه كما تقول : ولكنَّني سمعتُ المنادي ينادي حيّ على الفلاح ، فمَن سَمِع منكم المنادي ينادي إلى الفلاح فلْيُجِبْهُ ، ولو حَبْواً .
الربيع بن خثيم علمٌ من أعلام التابعين ، لا أريد أن أطيل عليكم ، نأخذه في درس آخر ، ولكن آخر كلمة تركت في نفسي أثرًا : لقد ظلَّ الربيع حياته كلّها يترقَّب الموت ويستعدّ للقائه ، هذا الذي أريده من الإخوة الأكارم ، من الآن إلى عند الموت استعدّ له ، وهذا مكسب لك وتكون أذكى الناس وأعقلهم ، استعدّ ، وأكثر من العمل الصالح ، وابذل من مالك ، كن ورعًا، ادفع مالك أمامك ، إذا دفعته أمامك سرَّكَ اللَّحاق به ، وإذا خلَّفْتهُ وراءك أزْعجَكَ تركَهُ ، ما هو المال ؟ وسائل راحة ، زوجة ، أولاد ، وأموال طائلة ، إذا تركته في الدنيا ، والله خروجك منها تمزيق ، أما إذا دفعته أمامك فأسهل شيء أن تسافر عند مالك ، لذلك استعدُّوا للموت منذ الآن بالعمل الصالح ، والاستقامة ، وحضور مجالس العلم ، والقرآن الكريم بقراءته ، وفهمه، وتطبيقه .


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-08-2018, 01:19 PM   #7


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى 2



بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( السابع )

الموضوع : فسخ العقد اما بسبب اساسى او سبب طارئ



الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين .
فسخ عقد الزواج :
أيها الأخوة المؤمنون ، سوف ننتقل الآن إلى موضوع آخر وهو الفسخ في العقد أي نقضه ، نقض الشيء أي حلّ عُراه وجزَّأهُ ، وفسْخ العقد يعني حلّ الرابطة بين الزوجين ، وقد يكون الفسخ بِسَبب خلل وقع في العقد ، أو بسبب طارىءٍ عليه يمنع بقاءهُ ، إما خللاً في العقد أو طارئاً طرأ عليه يمنعُ بقاءهُ .
مثال الفسخ بسبب الخلل الواقع فيه ، إذا تمَّ العقد وتبيَّن أنّ الزوجة التي عُقِدَ عليها أو التي عقد عليها ، إذا تبيَّن له أنَّها أخته من الرضاعة فُسِخَ العقد ، عقدك على امرأة هي أختك من الرضاعة عقْدٌ باطل لا يُصَحَّح ، علاجه الفسخ ، أما عقدك على امرأة بلا مهْر فعقْدٌ فاسدٌ يُصَحَّح علاجُه تسْمِيَة مهر المثل ، إذًا فرْق بين العقد الباطل ، وبين العقد الفاسد ، فإذا تمَّ العقد وتبيَّن أنَّ الزوجة التي عقدَ عليها أختهُ من الرضاع فُسخَ العقد أيْ أُلْغِيَ ، إذا عقد غير الأب أو الجدّ للصغير أو للصغيرة عقد بالوكالة ، ثمّ بلغ الصغير أو الصغيرة فَمِنْ حقّ كلّ منهما أن يختار البقاء على الزَّوجيَّة أو إنهائها ، فلو زوَّج الواحد ابنته دون سِنّ البلوغ إلى شاب، أو إلى صغير وتمَّ العقد بينهما ، فإذا بلغت البيت فلها خيار البقاء أو الفسخ لأنّ خيارها لم يكن صحيحًا حين العقد ، لم تكن تعرف ما إذا كانت توافق أو لا توافق ، ولا أعني صغيرة سبعة عشرة ، الصغيرة هي سبع أو ثماني أو إحدى عشرة سنة ، قبل أن تعي ما الزواج ، إذا عقد على الصغيرة وكان العاقد غير الأب والجدّ ، لأنّ الأب والجدّ لا يبتغي لابنه غير الصلاح ، غير الأب والجدّ إذا عقد وكالة على صغيرة أو صغير ، ثمَّ بلغ الصغير أو الصغيرة فللصغير أو الصغيرة إذا بلغا اختيار البقاء أو الفسخ فهذا هو الخلل في صلب العقد ، العقد فيه خلل ، العقد ينقصه موافقة الزوجة أو موافقة الزوج إذا كان صغيرًا ، فلمَّا كبرَت العقد إمَّا أن يثبت وإما أن يُفْسخ ، إذا ثبت أنَّ هذه البنت أو هذه الزوجة أخت الزوج من الرضاع يفسخ العقد مباشرة ، هذا الفسخ لِعِلَّة ثابتة في العقد .
أما الفسْخُ لِعِلَّة طارئة فإذا ارتدَّ أحدُ الزَّوجين ، كان مسلمًا ثمّ ارْتدّ عن الإسلام ولم يعُد إليه فُسِخَ العقد بسبب الردَّة الطارئة ، والنبي صلى الله عليه وسلّم فسَخَ عقْد ابنته زينَب على صِهره حينما أصرَّ على الشِّرْك ، ودخلَت زيْنت في الإسلام ، ثمَّ عاد إليها بعد أن آمنَ ، فارْتِداد أحد الزوجين عن دين الله ، أو إصراره على الشرك ، وبقائه على الشرك يفسخ العقد بينهما .
الحالة الثانية : إذا أسْلم الزوج وأبَت الزوجة أن تسلم ، أو إذا أسلمت الزوجة وأبى الزوج أن يسلم ، فيُعَدُّ العقد فاسخًا ، أي لاغيًا ، وتحلّ علاقة الزوجين ، إذا كان الزوج مسلماً ، أو الزوجة مسلمة توصلهُ إلى جهنَّم ، تجد بعضهم يتزوّج امرأة غير مسلمة ، ويأتي بها إلى بلده فإذا بها تعمل حمَّام شمس على الأسطوح ! ما هذا ؟ هكذا عاداتهم !! لو كنت فقيهًا هذا الزواج فاسِخ ، تجدهُ يقول لك : الحمد لله أنا إيماني بقلبي ! ماذا تريدني أن أفعل معها ؟ هكذا النساء ! هداها الله ، فهذا الزواج لا يجب أن يتِمّ ، امرأة فاسدة مائلة مميلة ، تخرج وكأنَّها عارية ، تُخالط الرجال ، لا تستحي من الله ، ولا من الناس ، هذه كيف تكون زوجتك؟
الفسخ و الطلاق :
الفرْقة الحاصلة بالفسخ غير الفرْقة الحاصلة بالطلاق ، هنا عندنا فرقتان ، فرقةٌ حصَلَت بالفسخ ، وفرقة حصلَت بالطلاق ، إذْ أنَّ الطلاق ينقسم إلى طلاقٍ رَجْعِيّ ، وطلاقٍ بائن ، الطلاق الرجعي لا يعني أنّ تفكيره قديم أو صعب !! لا ، الرجعي يعني أنَّه يمكن أن تُراجعها في هذا الطلاق ، والرجعيّ لا ينْهي الحياة الزوجيّة في الحال ، طلَّقتها وبعدها هناك ثلاث حيضاتٍ أو ثلاثة أشهر تبقى عندك وتستطيع ان تشاهدها ، وتستطيع أن تتزيَّن لها ، ولك أن تراجعها بكلمة ، أو بكنايةٍ ، أو بإشارة ، أو بأيّ شيءٍ آخر ، هذا هو الطلاق الرجعي ، فالطلاق إما رجعيًّا ، وإما بائنًا ، والرجعيّ لا يُنهي الحياة الزوجيَّة في الحال ، والبائن يُنهيها في الحال ، أما الفسخ فسواءٌ أكان بسببٍ طارىء على العقد ، أو بسبب خلل فيه ، فإنَّه ينهي العلاقة الزوجيّة في الحال ، إذا الواحد شعر أنَّ بجانب الوقود السائل نار يقول : والله ناوي أن أبْعِد النار عن الوقود السائل ! ما هذا ؟ أتنْوي ؟ لن تستطيع اللَّحاق ، سيكون انفجار ، ففي مثل هذه الحالات لا بدّ من إبعادهما في الحال ، ومن جهة أخرى ، فإنّ الفرقة بالطلاق تنقص عدد الطلقات ، أي الواحد طلَّق زوجته طلاقًا رجْعيًّا ، ومضَت العِدَّة ولم يُراجِعها فبانَت عنه بيْنونةً صغرى ، له أن يعْقِدَ عليها عقْدًا جديدًا بِرِضاها ، وبِمَهر جديد ، ولكنَّه بقي معه فرصتان فقط لا ثلاث ، فالطلاق البائن ينقص عدد الطلقات ، فإذا طلَّق الرجل زوجته طلاقًا رجْعِيًّا ثمَّ راجعها في عدَّتها ، أو عقد عليها بعد انقضاء العدّة عقْدًا جديدًا فإنَّه تُحْسبُ عليه تلك الطَّلقة ، ولا يملك عليها بعد ذلك إلا طلْقتين ، أما لو أن رجلاً جاء الإسلام ودخل في دين الإسلام وأصرَّتْ الزوجة على الشّرْك ففُسِخَ العقد بينهما ، بعد خمس سنوات أسْلمَت فعقدَ عليها عقْدًا جديدًا ، وتزوَّجها ، أمامه ثلاث طلقات ، فالفُرْقة بسبب الفسْخ لا تنقص عدد الطَّلقات لكنّ الفرقة بسبب الطلاق البائنة تنقص عدد الطلقات ، فلو فُسِخَ العقد بسبب خيار البلوغ ، مثلاً صغيرة عُقِدَ زواجها على شاب ، فلمَّا بلغَت اختارَت أن تفسخَ العقد وفسخَتْهُ ، وبعد فتْرةٍ ارْتأتْ أن تنْفِذَهُ فَعَقَدَتْ على زوجها عقدًا جديدًا ، ما دام هذا الفسخ بسبب خيار البلوغ إذًا بقِيَ أمامه ثلاث طلْقاتٍ .
الفسخُ بِقَضاء القاضي ، هناك حالات يكون سبب الفسْخ فيها جليًّا لا يحتاج إلى قضاء القاضي .
علامة التَّدَيّن الصحيح الخوف من الله :
يبْدو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام تشْريعهُ كان واضحاً ، و فقه الناس بالدِّين واضح ، فَتِسْعة وتسعون بالمئة من المشكلات كانتْ تُحَلُّ فيما بين الناس ، سيّدنا أبو بكر عيَّن سيّدنا عمر قاضيًا ، وبقيَ في منْصبه الرفيع سنَتَين أو حَوليْن كاملين ، ولم يترافَع إليه اثنان في قضيَّة .
لو أنصف الناس استراح القاضي ومال الجميع إلى التراضي
***
الحقيقة لا تُغْلق أبواب المحاكم إلا إذا عرف الناس ربّهم ، إذا عرف الناس ربّهم لا يجترئون على حقّ الآخرين ، ولو دفعوا الثمن غاليًّا ؛ يخافون من الله تعالى ، علامة التَّدَيّن الصحيح الخوف من الله ، وعلامة ضعْف التَّدَيُّن في الناس عدم الخوف من الله تعالى ، وعدم الخوف من الله يعني رفع القضايا إلى القضاء ، لذلك جاء في الحديث القدسي : " يا موسى خَفْ ثلاثًا ، خفني وخف نفسك وخف من لا يخافني " نصيحة لكلّ أخ مسلم ، في كلّ علاقاتك؛ علاقة الزواج ، علاقة الشراكة ، علاقة الجِوار ، إذا ما كان مؤمنًا سوف يُسَبِّب لك متاعِبَ كُبرى ، المشكلة أنَّني لا أُفاجأ بِتَصرّف فيه بغي أو عدوان أو ظلم من إنسان غير مؤمن، بالعكس أنا أُفاجأ إذا كان مؤمنًا لأنّ الذي لا يعرف الله لا لا يمكن أن يستقيم ، فالإنسان عندما يُشارك شخصًا لا دين له ، يقول لك : فقط لا يُصَلِّي !! لا قيمة لها ، أما أخلاق وفهم ومرونة وذكاء ، فقط لا يصلّي ، هذا ما دام مقطوعًا عن الله قد يُسَبِّب لك متاعب لا حصْر لها ، أنت قلْت ذكيّ ، وأحد أنواع الذكاء يظهر أمامك بِمَظهر يأخذ بالألباب ، ما هذا الشريك؟! وسيم ، بعد سنوات تجده أخذ منك مئة ألف وأنت لا تشعر ، سافرت فغشّك ، أخي هذا لبِق ، ما معنى لبِق ؟ ليس لها معنى ، إما أن يكون متديِّنًا أو لا ؟ إذا لا يوجد دين أي لا يخاف من الله عز وجل ، ولو أرضاك بلسانه فسوف يُفاجئك بعمله السيئ ، فهذه نصيحة ، لا تقيم علاقة مع إنسان ليس فيه دين ثمّ تُفاجأ ، أنا أفاجأ إذا استقام معك ، لأنّ انحراف غير الديِّن حَتْمي ، قال تعالى : ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيم ﴾
[سورة الماعون: 1ـ2]
سبب ، التعليل العلمي أنَّ هذا الإنسان مجموعة شهوات ، وهذه الشهوات قِوَى مندفعة ، فهناك محرك إلى حُبّ المال ، الإنسان محرّك لكسب المال بشكل منقطع النظير ، وهناك محرِّك إلى حبّ النساء منقطع النظير ، فهذه الشهوات المندفعة ما الذي يوهنها ؟ خوف الله وحده ، فإذا لا يوجد خوف من الله شهوات ، ولا بدّ وهي تنطلق من أن تأخذ ما لها وما ليس لها ، قال تعالى: ﴿ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا * وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ﴾
[سورة الماعون: 19-20]
عندنا قاعدة وهي أنَّ هذا الإنسان إذا كانت له صِلَة بالله عز وجل يخافه فهو منضبط ، وإن لم تكن له صِلَة لا يخافه ولا ينضبط ، هو عنده شهوات ، ومن أجل أن يروي شهواته لا بدّ من مال ، والمال قد يأخذه حلالاً أم حرامًا ، فلذلك احتمال انحراف غير الدَّيِّن احتمال حتمي ، ولا بدّ منه ، فلمَّا الإنسان يتورَّط بعلاقة مع إنسان مشرك أو غير ديِّن ، أو لا يصلّي ، وطعنه طعنةً فلا يشكي للخلق ، ولا يتفاجأ ، ولا يقول : أنا ما توقَّعت أن أفعل هكذا ، أنت ما توقَّعتَ لأنَّك لا تعرف ، لو تعرف طبيعة المعرض عن الله عز وجل تتوقَّع منه كلّ شيء ، نِيَّة المؤمن خير من عمله ، ونيَّة الكافر شرّ من عمله ، إلا أنّ الكافر نوعان ، هناك كافر ذكيّ يستدرج كثيرًا من الناس ، أشخاص كثيرون يقولون لك : فلان آدمي وجيّد إلا أنّه لا يُصلِّي ، هذا لا يكفي ، ما دام مقطوعاً عن الله فهو إنساني شهواني ، ويصل إلى شهواته بأيّ ثمن ، قال تعالى : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾
[ سورة القصص: 50 ]
الربط بين الإيمان و العمل الصالح :
انظر للقرآن ما أجمله ، لو تتبَّعْت آيات القرآن الكريم تجد معظمها يربط بين الإيمان والعمل الصالح ، قال تعالى :
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
[ سورة البقرة:25 ]
عندنا معنى عكسي ، إذا قلنا : فلان طويل ، وفلان غير طويل ، ما معنى غير طويل ؟ أي قصير ، هذا المعنى العكسي ، تقول : من جدَّ وجَدَ ، ومن تكاسلَ خسِرَ ، فمن تكاسل خسر هذا معنى لم يُذْكر لكنَّه منطو في الجملة الأولى ، المعاني العكسيّة دقيقة جدًّا ، من سار على الدَّرب وصل ؛ هذه عبارة مُنْطوٍ فيها أنَّه من وقف في الدَّرب لا يصل ، فقوله تعالى : ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
[ سورة البقرة:25 ]
ماذا ينطوي في هذه الآية ؟ الذين لم يؤمنوا لهم أعمال سيّئة دون ذلك ، لهم أعمال لا ترضي الله ، ولا تُرضي الناس ، فالإنسان عندما يقيم علاقة مع إنسان جيِّد يكون قد أراح نفسه ودخل ببحر الأمان ، فإذا تورَّط بعلاقة مع إنسان لا دين له تجد أنَّه سوف يُسبِّب له متاعب لا حصْر لها ، وأنا في غِنَى عنها ، لذلك : اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله عز وجل . تلخيص لما سبق :
هناك حالات يكون سبب الفسْخ فيها جَلِيًّا لا يحتاج إلى قضاء القاضي كما إذا تبيَّن للزَّوجين أنَّهما أخوان من الرضاعة ، وحينئذٍ يجب على الزوجين أن يفسخا العقْد من تِلْقاء أنفسهما ، وهناك حالات يكون سبب الفسخ خفيًّا غير جليّ فيحتاج إلى قضاء القاضي، ويتوقّف عليه ، كالفسخ بإباء الزوجة المشركة الإسلام إذا أسْلم زوجها ، لأنَّها ربّما لا تمتنع فلا يُفْسخُ العقد، فالقاضي متى يفسخ العقد ؟ إذا لم يحصل شيءٌ ، فالقاضي يرفع الأمر إليه ، وكان منْصب القاضي في العصور القديمة أعلى منصب الدولة ، لأنَّه أوَّل شيء فقيه وورع ، وهو الحكَمُ الفيْصَل في كلّ أمرٍ ، وإن شاء الله تعالى في درس قادم ننتقل إلى موضوع العدَّة ، وهذا موضوع جليل ، كثير من الناس يسأل عنه ، ولاسيما في هذه الأيام التي يظنّ الناس فيها أنّ العدَّة شيء يجب أن نتساهل فيه مع أنَّ العِدَّة لها تعليلات جليلة سوف نقف عندها إن شاء الله في درسٍ قادم .
* * *
رسول الله لا ينطق إلا بالحق :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة ، بالمناسبة صلى الله عليه وسلّم قيل له : " يا رسول الله إنَّك بشر ، وإنَّك تغضب ، فإذا غضبْت أفنكْتُب عنك ؟ - أي هناك ساعات غضب أفنكتب عنك هذا الغضب ؟ لأنَّه ممكن أن يكون هناك خطأ - فأمْسك عليه الصلاة والسلام بِفَمه الشريف وقال : والذي بعث محمدًّا بالحق ، إنّ هذا الفم لا ينطق إلا بالحق "
فالإنسان عندما يوقن أنَّ هذا الكلام وحيٌ يوحى إلى رسول الله وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى ، أي قاعدة من الله عز وجل ، فإذا أخذ بها سعد ، وإذا تركها شقي ، وسيّدنا سعد بن معاذ كان يقول : " ثلاثةٌ أنا فيهنّ رجل ، وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس " معنى كلمة رجل إنسان عظيم ، قال تعالى :
﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة النور : 37 ]
ما سمعتُ حديثًا من رسول الله إلا علمت أنَّه حقّ من الله تعالى ، مثلاً : (( الأمانة تجلب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر ))
[ الديلمي عن جابر]
أنا سمعتُ آلاف القصص عن شخص أُتيح له أن يسرق فسرَق ، وهو يظنّ أنَّه بهذه السرقة سوف يغتني ، ولو قرأ هذا الحديث ، وتيقَّن منه ، لعلم أنَّ الخيانة طريق الفقر ، وضع ابنه عند صديقه في المحل التِّجاري ، هذا الابن وجد الغلّة كثيرة ، كلّ يوم يأخذ ألف ليرة ويخبّئها ، على عدَّة أسابيع أصبح معه تسعون ألف ليرة ، خبَّأهم بعلبة نحاس بِمَحلّ بالبيت ، وجاءته سفرة ، ووصَّى زوجته أن تنظِّم البيت تنظيمًا جيِّدًا ، فوجدت عِدَّة أشياء لا قيمة لها فرمَتها، ورمَت معهم التسعين ألفًا ‍! لو علم هذا الابن أنَّ الأمانة تجلب الغنى، والخيانة تجلب الفقر ما فعل هذا ، وهذه أحاديث مصيريّة ، وما منَّا واحد إلا وله أعمال ، أحيانًا الإنسان يكون تحت يده مال ، ولا توجد قوَّة تكشفه ، وأحيانًا يضع مصروفًا ، يضعهم ثلاثينات ، ضعهم ستِّين، الحمد أنَّه لم يحاسبْك ، الله المحاسب ، والخيانة تجلب الفقر ، لو تتبَّعت مليون قصَّة كلّ إنسان خان لا بدّ أن يفتقر ، الذين أكرمهم الله تعالى بالحياة الدنيا أُمناء يملكون ثرْوةً طائلة هي ثقة الناس بهم ، ثقة الناس بك ثرْوَة لا تُقدَّر بِثَمَن : (( الأمانة تجلب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر ))
[ الديلمي عن جابر]
والأمانة ليس لها وَضع نسبي ، إذا كان عندك مستودع للوقود ، وسألوك هل هو محكم ؟ فلا تقل وسط ! ما معنى وسط ؟ إما أن يكون محكمًا أو غير محكَمٍ ، المحكم أن تملأ ألف لتر فيبقى ألف لتر ، أما إذا كان غير محكم فيمكن أن يرشح منه بشهر أو شهرين أو سنة وأحيانًا بأسبوع ، إذا كان بِقَعْره فتحة كبيرة ، بخمس دقائق يفرغ ، فالخيانة نسبيَّة أما الأمانة فمطلقة ، الأمانة إذا أراد أن يضع الإنسان عظمة في فمه في غير دكانه لا يستطيع . أشياء تجرح العدالة :
طبعًا هناك موضوع عالجْتهُ كثيرًا :
((من عامل الناس فلم يظلمهم وحدثهم فلم يكذبهم ووعدهم فلم يخلفهم فهو ممن كملت مروءته ، وظهرت عدالته ، ووجبت أخوته ، وحرمت غيبته))
[ مسند الشهاب عن علي بن أبي طالب]
فإذا حدَّث الناس وكذبهم سقطَت عدالته ، فإذا وعد الناس وأخلفهم سقطَت عدالته ، فإذا عامل الناس وظلمهم سقَطَت عدالته ، وهناك أشياء تجرحها ، هناك أشياء تسقطها وهناك أشياء تجرحها ، الخيانة ، وإخلاف الوعد ، والظّلم يسقط العدالة ، أما أكل لقمةٍ من حرام يجرحها، مقبل على الحرام ، تطفيف بِثَمرة ، الميزان لم يأت بما يُعادل تمرة تُجْرح العدالة ، حتى بعض العلماء قالوا : إذا كذب الإنسان على حيوان وليس على إنسان تُجْرح عدالته ، ألهى قطَّة فظنَّت أنَّ معه لحمًا ، فلمَّا أتَتْ عنده فَطردها ! لو كان هذا الإنسان محدّث لامْتنعَ علماء الحديث عن الأخذ عنه لأنَّه كذب على حيوان ، وهذا الذي جاء من المدينة المنوَّرة إلى البصْرة ليتلقَّى العلم عن رجل ، فلمَّا وصل إليه رآه رفع طرف ثوبه يلهم فرسه بأنّ في هذا الرِّداء شعيرًا ، فلمَّا أقْبلَت عليه أمسك بها ، ولم تجد الشعير فعاد إلى المدينة ولم يُكلِّمْهُ ، وهذا هو المؤمن، المؤمن شيءٌ عظيم ، خُلق إلى أبْعَد الحدود ، استقامة ، نُبْل ، وفاء ، عفَّة ، حياء ، صبر ، تجمُّل في فاقة ، شُكر ، والله المؤمن كما يقولون أحيانًا شخصٌ كألف ، أما المؤمن فأحد أعضائه يعادل مجتمعًا بِكَاملِهِ إذا كان مستقيمًا ، ليس يصلّي فقط ، من شاء صام ، ومن شاء صلّى ، فتَطفيف بِتَمرة تجرح العدالة ، أكل لقمة من حرام تجرح العدالة ، السَّيْر حافيًا في الطريق تجرح العدالة ، البول في الطريق يجرح العدالة ، الأكل في الطريق يجرح العدالة ، من علا صوته فسمعه من في الطريق يجرح العدالة ، الحديث عن النّساء يجرح العدالة ، التّنزّه في الطرقات يجرح العدالة ، صحبة الأراذل تجرح العدالة ، سماع الغناء يجرح العدالة ، من قابل هونًا تُجرح عدالته ، من أطلق لفرسه العِنان تُجْرح عدالته ، الموضوع طويل ، وأنا أذكر ثلاثاً وثلاثين نقطة إذا فعلها المسلم جُرِحَت عدالته ، ورُفضَت شهادته ، فكم الإسلام مُقدَّس ، والشيء بإمكانك ، فممكن ألا تأكل بالطريق ، وممكن ألا تنظر للنساء ، وممكن ألا تتنزَّه بالطّرقات ، لأنّ هناك عورات ، ولاسيما في هذه الأيام ، كيفما الْتفتّ نساء كاسيات عاريات ، حامل بذر في وقت العصريّات ! أنت مسلم ؟! هذا يجرح عدالتك . أهمية الوقت :
(( من لعب بالنرد فكأنّما غمس يديه في لحم خنزير ودمه ))
[ ابن حبان عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه]
الوقت ثمين جدًّا ، يقول لك ماذا فعلنا ؟ ما لعبنا وما كذبنا ولا شربنا خمرًا ، إنَّما نحن نتسلّى ، إذا طالب عنده فحص الساعة الثامنة ، وجلس ورتَّب مكتبته ، ونزَّل الكتب كلّها على الأرض ، وصفَّها حسب الطول ، ثمّ ضبّطها أكثر ، ولمَّعها ماذا عمل هذا ؟ رتَّب مكتبته ، هل هذا وقت ترتيب المكتبة ؟ أنت جالس بزمن محدود ، الله عز وجل خلقك في الدنيا لمهمّة كبيرة جدًّا ، وأعطاك إمكانات لا نهائيّة لمعرفة الله ، فَمِنَ الغباء أن تستخدم هذه الإمكانات ، وأن تستهلك هذا الوقت ، أن تستخدم هذا الفكر البشري ، وأن تستخدم هذا الوقت في أشياء لا تمدّ إلى سعادتك الأبديّة بِصِلَة ، خُلِقْت في الدنيا لعُمْرٍ محدود ، وأعطيت إمكانات غير محدودة لمعرفة الحقائق ، وحلّ المشكلات ، فمِنَ السخف والغباء أن تستخدم إمكاناتك في أشياء سخيفة، وأن تستهلك وقتك في ما لا علاقة له بالآخرة ، لذلك ما من مؤمن يأتيه ملك الموت إلا ويُحِسّ بالنَّدَم ، على ماذا ؟ دخل الجنّة ، يندم على ساعةٍ مضَت في الدنيا لم يذكر الله فيها ، لذلك لا إسراف في الخير ، ولا خير في الإسراف ، قرأت قرآناً الصبح ، والساعة عشرة عندك وقت فراغ، اقرأ سورة ثانية وافهمها ، فهمتَ هذه الآية زارك ضيف ، ما هي أسعار الذهب ؟ غالٍ هذه الأيام! لا ، تكلّم عن هذه الآية فهي تُفرحُ القلب ، أما هذه فتزعجه ، احْك له عن موضوع يتعلّق بآخرته ، لا يوجد خبر سارّ ، قال عليه الصلاة والسلام : " ما من يوم إلا والذي بعده أشر حتى تقوم الساعة " فلا أحد يتوقَّع أنّ هناك شيئاً أحسن ممَّا مضى ، و لكنه يتوقع أنَّ الله سيُكْرمهُ إكرامًا شديدًا ، والخير بيد الله فقط وليس بيد الأشخاص . استقامة الحياة لا تكون إلا بالدين :
إذًا :
(( الأمانة تجلب الرزق ، والخيانة تجلب الفقر ))
[ الديلمي عن جابر]
إذا كنت رجلاً بالمعنى الذي أراده سيّدنا معاذ ، وقرأت هذا الحديث علمْت أنَّه حقّ من الله تعالى اعْمِل شيئًا فيه خيانة لن تعمل شيئًا ، هناك محاسب ، وحسابه قليل ، هذا المال ليس لك ، لذلك لن تستقيم الحياة الدنيا إلا بالإيمان ، لأنّ الإيمان وحده وليس شيء آخر يرْدع الإنسان ، لأنّ الإنسان إذا أراد أن يطبّق شيئاً من أخيه الإنسان ، فهذا إنسان وهذا إنسان ؛ يلعب عليه ، نسمع أشياء مضحكة ، حكى لي شخص كان بأوروبا ، قال لي : الطريق سرعته ثمانون ، والناس يمشون بسرعة مئة وعشرين ، طبعًا يضعون برابيش بالطريق تمشي عليها السيارة ، الجهاز يكشف أنّ هناك سرعة زائدة ، فكلّ المواطنين عند هذه النقطة يضبِّطون سرعتهم ، ثمّ يعيد المشي على سرعة أكبر ، لا يوجد حل للموضوع ، فأعادوا صنع أجهزة متنقّلة، يضعونها بتمويه ضمن شجرة ، يقولون لك : هذا الطريق مراقب بالرادار ! هذا أبسط مثل ، وهناك الآن عدّة طرقات مراقبة بالرادار ، ما فوق الثمانين تُخالف ، من هذا الذي يُخالف؟ سيارة واقفة معها جهاز ، أما إذا الله عز وجل شرّع فالله يرى العداد بكلّ لحظة ، ويرى نيّتك ، فلو الواحد أراد أن يسرع لعلم نيّته ، فما الحياة إلا تشريعًا إلهيًّا ، لا يمكن أن تنتظم ، سمعتُ قصَّةً عن أحد التابعين اشترى زيتًا ، وجد بتنكةٍ فأرةً ميتة ، فقال : لو أرْجعتُ هذا الزيت لصاحبه لباعه غيري من المسلمين ، فآثر أن يبقي هذا الزيت على أن يرْجِعَه لصاحبه ، تشريع إلهي ؛ هذا زيت نجس ، خطر ببالي خاطرًا ، نحن نشتري الزيت كثيرًا ، فيا ترى بائعو الزيت عندهم ورع إذا وجدوا بهذا الحوض أو المستودع فأرة ، هل يمتنعون عن بيعه ؟! يقولون : لا بدّ من بيعه ، ومن يدري ؟ الله يدري ! فالحياة لا تستقيم إلا بالدِّين ، يمكن للواحد أن يأكل زيتًا نجسًا وهو لا يدري ، فلمَّا يكون هناك تشريع إلهي تجد الناس تنضبط انضباطاً مذهلاً ، أمريكا بعام ثمانيةٍ وعشرين فيما أذكر أصدرتْ قانونًا بِتَحريم الخمر ، بقي القانون أربعة عشر عاماً ، الذي حصل أنّ ثلاثمئة إنسانٍ أُعْدِموا ردعًا للناس ، وأكثر من ثلاثمئة ألف كتاب طبع لِتَحذير الناس من الخمر ، ودخل السِّجن مئات الألوف ، وصنعَت بواخر بِكَاملها ذات جدارين لتهريب الخمر ، الخمور يزداد بيعها في ظلّ هذا القانون ، أما الدّين الإسلامي فحرَّم الخمر ، إلا ما ندر؛ هذا المسلم الفاجر ، ولكنّك تجد ألف مليون مسلم لا يشربون الخمر إلا ما ندر هذا هو مفعول الشرع الإلهي ، حُرِّمَ عليكم ، وما دام هناك تحريم انتهى الأمر ، لا تحتاج إلى نشرات ، ولا إلى ... حُرِّم عليكم وانتهى الأمر ، فالآن في أوروبا يعرفون المسلم من الخمر ، لا يشرب فيَثِقون به ، يمكن أن يبعث بضاعة له من دون أن يحوِّل ثمنها إذا لم يكن يشرب الخمر ، أما إذا شرب ، فهذا الذي خان دينه لا يوثق به ، من كأس خمْرٍ يكشفونه . الأمانة غنى :
حديث آخر ، يقول عليه الصلاة والسلام :
(( الأمانة غنى ))
[الجامع الصغير عن أنس]
الأمانة طريق الغنى الحديث له علاقة بالأوّل ، من منَّا لا يحب أن يكون في بحبوحة ؟ إذا قال : لا ! يكون كلامه غير صحيح ، إذا الإنسان ميسور الحال ، ومعه قوت يومه ، لذَّ شيئًا فاشتراه ، بذلة اشتراها ، لباسه أنيق ، وبيته مريح ، هذا شيء مطلق طبيعي وشرعي ، هذا غير ملام فيه ، أنت طريقك الأمانة فيا أيّها الشباب هذا الطريق طريقه الأمانة ، بعملك كُنْ أمينًا ، لا تحدِّثْك نفسكَ أن تأخذ قرشًا غير شرعي ، إذا شعر من أنت عنده بهذه الأمانة ، وهذا النقاء يمحضك ثقته ، ثمّ يعطيك من الأرباح نسبة ، ثمّ يُشاركك ، ثمَّ يُزوِّجك ابنته، يقول : لن أجد مثل هذا ! سببها الأمانة ، وأنا أعرف أناسًا بالأمانة بلغوا أعظم مرتبة ، وبالخيانة ينفض كما ينفض الفأر الميّت !! هذا لا نريده ، يمكن أن يكون قد أخذ ليرة ! فتح الدرج وأخذ ليرة فانتهى، وسقطت عدالته ، فالذي يريد أن يزداد بحبوحة ويكون رزقه وفيرًا ، ولا يكون متضايقًا فلْيَكن أمينًا إلى أبْعد الحدود . * * *
عمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك :
والآن إلى قصَّة من قصص التابعين ، القصّة بين عمر بن عبد العزيز وابنه عبد الملك .
ما كاد التابعيّ الجليل وأمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ينفض يديه من تراب قبر سلفه سليمان بن عبد الملك ، سلفه الخليفة سليمان بن عبد الملك توفّي ، وليّ العهد الخليفة من بعده عمر بن عبد العزيز ، بعدما انتهى من مراسم الدَّفن ، ونفض يديه من تراب قبره حتى سمع للأرض من حوله رجَّةً – ضجيج - فقال ما هذه ؟ فقالوا : هذه مراكب الخلافة يا أمير المؤمنين قد أُعِدَّت لك لِتَرْكَبها ، فنظر إليها عمر بِطَرف عينه ، وقال بصوته المتهدّج الذي أنهكه التَّعَب وأدبره السفر : ما لي ولها ، نَحُّوها عنِّي بارك الله فيكم ! وقرِّبوا إليّ بغلتي فإنَّ لي فيها بلاغًا ؛ أي متعوِّد عليها ، ثمّ إنَّه ما كاد يستوي على ظهر البغلة حتى جاء صاحب الشُّرطة لِيَمشي بين يديه ومعه رِجاله الذين اصطفوا عن يمينه وعن شماله ، وفي أيديهم الحراب اللامعة ، فالْتَفَتَ إليه وقال : ما لي بك وبهم حاجة ، فما أنا إلا رجل من المسلمين أغدو كما يغدون ، وأروح كما يروحون ، ثمَّ سار وسار الناس معه حتى دخل سيّدنا عمر المسجد ، ونودي في الناس : الصلاة جامعة الصلاة جامعة ، فتسايَلَ الناس على المسجد من كلّ ناحيَة ، فلمَّا اكْتملَت جموعهم قام فيها خطيبًا ، فحمِدَ الله وأثنى عليه ، وصلى على نبيّه صلى الله عليه وسلّم ، ثمَّ قال : " أيّها الناس إنِّي قد ابْتُليتُ بهذا الأمر - رآه بلْوى ، وبلاءً من الله عز وجل - على غير رأيٍ منِّي - طبعًا سليمان بن عبد الملك عقد أمراً وما أطْلعَ عليه أحد قال: إذا متُّ افتحوا هذا الكتاب تعرفوا مَن الذي سيأتي من بعدي - فقال : إني قد ابْتُليتُ بهذا الأمر على غير رأي منّي فيه ، ولا طلبٍ له ، ولا مشورة من المسلمين ، وإنِّي خلعْت ما في أعناقكم من بيْعتي ، فاختاروا لأنفسكم خليفةً ترضونه ، فصاح الناس صيْحةً واحدة : قد اخْترْناك يا أمير المؤمنين ، ورضينا بك فَلِي أمرنا باليُمْن والبركة " فلمّا رأى الأصوات قد هدأت ، والقلوب قد اطمأنَّت حمد الله كرَّةً أخرى ، وأثنى عليه ، وصلى على سيّدنا محمَّدٍ صلى الله عليه وسلّم ، وطفق يحضّ الناس على التقوى ، ويزهِّدهم في الدنيا ، ويرغّبهم في الآخرة ، ويذكّرهم بالموت بلهْجةً تسْتلين القلوب القاسيَة ، وتسْتدرّ الدموع العاصِيَة ، وتخرج من فؤاد صاحبها ، وتستقرّ في فؤاد السامعين ، ثمّ رفع صوته المتْعب حتى أسْمع الناس جميعًا وقال : " من أطاع الله وجَبَت طاعته ، ومن عصا الله فلا طاعة له على أحد ، أيّها الناس أطيعوني ما أطعْت الله فيكم فإن عصَيْت الله فلا طاعة لي عليكم " ثمَّ نزل عن المنبر واتَّجَهَ إلى بيته ، وآوى إلى حجرته ، فقد كان يبتغي أن يصيب ساعةً من الراحة بعد ذلك الجهد الجاهد الذي كان فيه منذ وفاة الخليفة ، يظهر انَّه بذل جهدُا جهيدًا أضْناه ، بعدما ألقى هذه الخطبة السريعة نزل إلى بيته ليَسْتريح .
لكنّ عمر بن عبد العزيز ما كاد يسْلم جنْبهُ إلى مَضْجعه حتى أقبل عليه ابنه عبد الملك ، وكان يومئذٍ يتَّجِه نحو السابعة عشرة من عمره ، وقال : ماذا تريد أن تصنع يا أمير المؤمنين ؟ فقال : أيْ بُنيّ أريد أن أغفَلَ فلم تبق في جسدي طاقة ! فقال : أتغْفو قبل أن تردّ المظالم إلى أهلها يا أمير المؤمنين ؟! فقال : أيْ بنيّ ، إنِّي قد سهرت البارحة في عمّك سليمان وإنِّي إذا حان الظهر صلَّيْت في الناس ، ورددْت المظالم إلى أهلها إن شاء الله ، فقال ابنه : ومن لك يا أمير المؤمنين لأن تعيش إلى الظهر ؟ هل تضمن العيش ؟ فأْهبَت هذه الكلمة عزيمة عمر ، وأطارَت النَّوْم من عَيْنيه ، وبعثَت القوَّة والعزم في جسده ، وقال : اُدْن منِّي أيْ بُنيّ ، فدنا منه فضمَّه إليه ، وقبَّلَ ما بين عينيه ، وقال : الحمد لله الذي أخرج من صُلْبي من يُعينني على ديني ، والله إذا الواحد أخرج له من صلْبهِ من يُعينه على دينه ، بابا قُم فصَلِّ الصُّبح ، وأحيانًا توقظه ابنته ، لا بدّ أن يذوبَ خجلاً من الله أن بعث له طفلاً يعينه على أمر دينه .
بكى سيّدنا عمر ، ثمّ قام وأمر في الناس أن يُنادَى : ألا من كانت له مظلمةٌ فلْيرْفَع - لم ينَم - فمن عبد الملك هذا ؟ وما خبر هذا الفتى الذي قال عنه الناس : إنَّه هو الذي أدخل أباه في العبادة ! وسلكه مسالك الزهاد .
سيرة عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز :
كان لعمر بن عبد العزيز خمسة عشر ولدًا ، فيهم ثلاث بنات ، وكانوا جميعًا على حظٍّ مَوفور من التُّقَى ، ومقامٍ كبير من الصَّلاح ، لكنّ عبد الملك كان واسطة العِقْد - أي أحسنهم- فقد كان أديبًا أريبًا له سنّ الفتيان وعقل الكهول - أما الآن الجسم كبير والعقل كالقمحة !! أجسام البغال وأحلام العصافير - أما عبد الملك فقد كان له سنّ الفتيان وعقول الكهول ، ثمّ إنَّه نشأ في طاعة الله جلّ وعزّ منذ نعومة أطفاله ، فكان أقرب الناس سمْتًا إلى آل الخطَّاب عامَّةً ، وأشْبههم بعبد الله بن عمر ، خاصَّةً في تقوى الله ، وتخوُّفه من معاصيه ، وتقرّبه إليه بالطاعة ، حدَّث ابن عمّه عاصم قال : وفدْتُ على دمشق ، فنزلْت على ابن عمّي عبد الملك وهو عذب وذي زوج ، فصلَّينا العشاء ، وآوى كلٌّ منَّا إلى فراشه فقام عبد الملك إلى المصباح فأطفأه ، وأسْلك كلٌّ منَّا جفْنيه إلى الكرى ؛ ناموا ، ثمَّ إنِّي استيقظت في جوف الليل فإذا عبد الملك قائمٌ يصلّي في العتمة ، وهو يقرأ قوله عز وجل :
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ*مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾
[ سورة الشعراء: 205-207]
قال : فما راعني منه إلا أنَّه كان يُردِّد هذه الآية ويبكي بكاءً مكبوتًا يقطع نياط القلب ، وكأنَّه كلَّما فرغ من الآية عاد إليها حتَّى قلتُ : سيقتلهُ البكاء : ﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ*مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾
[ سورة الشعراء: 205-207]
وقد كان فضل الشام في زمنه ، فقد رُوِيَ أنَّ عمر بن عبد العزيز جمع فقهاء الشام وقال : إنِّي قد دعوْتكم لأمر هذه المظالم - عنده مظالم- التي في أهل بيتي -أقربائي - فقالوا: يا أمير المؤمنين إنَّ ذلك أمرٌ كان في غير ولايتك - هذا الشيء كان بعهد سليمان - وإنّ هذه المظالم على من غصبها ، فلمْ يرْتَح إلى ما قالوه ، فالْتفت إليه أحدهم مِمَّن يرى غير رأيِهِم وقال: ابْعَث يا أمير المؤمنين إلى عبد الملك - ابنك- فإنّه ليس بدون من دعَوت علمًا ، أو فقْهًا ، أو عقلاً ، ابنك ليس أقل عقلاً من هؤلاء ، ابْعَث إليه واسْتشرْهُ في هذا الأمر ، عمرهُ سبعة عشر عامًا ، فلمَّا دخل عليه عبد الملك قال له عمر : ما ترى في هذه الأموال التي أخذها بنو عمِّنا من الناس ظلمًا وقد حضر أصحابها وجعلوا يطلبونها وقد عرفنا حقَّهم فيها ؟ فقال : أرى أن تردّها إلى أصحابها ما دمت قد عرفْت أمرها ، وإنَّك إن لم تفْعل كنت شريكًا للذين أخذوها ظلمًا !! هذا هو رأيه ، وأنت بيَدِك الأمر، تقدر أن تنتزعها منهم بقوَّة السلطان وعلمت بذلك ، فإن سكت عليهم فأنت شريكهم في الإثم ، فانْبسطَت أسارير عمر ، وارْتاحَت نفسهُ ، وزال عنه ما أغمَّه .
ولقد آثر الفتى العمري المرابطة على الثغور ، والإقامة في إحدى المدن القريبة منها على البقاء في بلاد الشام . حرص عمر بن عبد العزيز الشديد على ابنه عبد الملك :
كان أبوه أيْ عمر بن عبد العزيز على الرغم من كلّ ما عرفه من صلاحه وتُقاه شديد الخوف عليه من نزعات الشيطان ، كثير الإشفاق عليه من نزوات الشباب ، حريصًا أن يعلم من أمره كلّ ما يجوز له أن يعلم ، وكان لا يغفل عن ذلك كلّه ولا يهمله ، حدَّث ميمون بن مهران وزير عمر بن عبد العزيز وقاضيه ومستشاره قال : دخلت على عمر بن عبد العزيز فوجدته يكتب رسالة إلى ابنه عبد الملك يعظه فيها ، وينصحه ، ويبصِّره ، ويحذِّرهُ ، وينذرهُ ، ويبشِّرهُ ، وكان ممَّا جاء في قوله : " أما بعد ، فإنّ أحقّ من وعى عنِّي وفهم قولي لأنت ، أحقّ الناس عرف الهدى أنت ، وإنَّ الله وله الحمد قد أحسن إلينا في صغير الأمر ، وفي كبيره ، فاذْكر يا بنيّ فضْل الله عليه وعلى والدَيْك ، وإيَّاك والكِبْر والعظمة فإنَّها من عمل الشيطان ، وهو للمؤمنين عدوّ مبين ، واعْلَم أنِّي لمْ أبْعَث بكتابي هذا لأمْرٍ بلغني عنك ، فما عرفْتُ من أمْركَ إلا خيرًا - لا توجد وِشايَة - إلا أنَّه بلغني عنك شيءٌ من إعجابك بِنَفسك - ابن الخليفة ؛ تقى وصلاح وورع وشكل وشباب ، له حق في الإعجاب - قال : فإنَّه بلغني عنك شيءٌ من إعجابك بِنَفسك ولو أنَّ هذا الإعجاب - انظر يا بني - خرج بك إلى ما أكره لرأيْتَ مِنَّي ما تكره ! انتبه !! "
قال ميمون : ثمّ الْتَفَتَ إليّ عمر وقال : يا ميمون إنَّ ابني عبد الملك قد زُيِّنَ في عيني ؛ أرى أنَّه إنسان ممتاز ، وإنِّي اتَّهم نفسي في ذلك ، وأخاف أن يكون حبّي له قد غلب على علمي به ، هناك من يحبّ ابنه محبَّةً عَمْياء ، يأتي ابنه لعنده فيقول له : فلان ضربني لأمّه أو أبيه ، فينزل الأب بغضب ! مهلاً عليك ، أنت أيها الأب حبّك لابنك غلب علمك به ، فقد يكون هو المفتري ، وقد يكون هو المُسبِّب ، لا يكن حبّك لابنك غالبًا على علمك به ، وهذه دقيقة جدًّا .
قال له : أخاف أن يكون حبِّي له قد غلب على علمي به ، وأدركني ما يدرك الآباء من العمى عن عيوب أولادهم - أحيانًا الآباء يُصيبهم العمى عن عيوب أولادهم - فصِرْ إليه واصْبر غَورهُ ، وانْظر هل ترى فيه ما يشبه الكبْر والفخْر ؟ من أجل قليل من الكبر بعث وزيره يراقبه ، فإنَّه غلامٌ حَدَثٌ ولا آمن عليه الشيطان .
قال ميمون : فشَدَدْت الرِّحال إلى عبد الملِك حتى قدِمْتُ عليه فاسْتأذنْتُ ودخلْت ، فإذا غلامٌ في مقتبل العمر ، ريَّان الشباب ، بَهِيّ الطَّلْعة ، جمّ التواضع ، قد جلس على خشبةٍ بيضاء فوق بساطٍ من شعر ، فرحَّبَ بي ثمَّ قال : لقد سمعْتُ أبي يذكرك بما أنت أهل له من الخير ، وإنِّ لأرجو أن ينفع الله بك ، هذا كلام الابن لِمَيمون وزير عمر ، فقلتُ له : كيف تجد نفسك ؟ فقال : بخير من الله عز وجل ونِعمة ، غير أنّي أخشى أن يكون قد غرَّني حُسن ظنِّ والدي بي ، وأنا لم أبلغ من الفضل كلّ ما يظنّ ، وإنّي أخاف أن يكون حبّه لي قد غلب على معرفته بي - الوزير طار عقله !! هذا مضمون الرسالة - فأكون آفة عليه ، فعَجِبْتُ من اتِّفاقهما !!! ثمّ قلتُ له : أعْلِمْني ؛ من أين معيشتك ؟ فقال : من غلَّة أرْضٍ اشْتريْتُها مِمَّن ورثها عن أبيه ، ودفعْتُ ثمنها من مال لا شبهة فيه فاستغنيت بذلك عن فيء المسلمين - أي هذا مِن كَدِّي - قلتُ : فما طعامك ؟ فقال: ليلة لحمٌ ، وليلة عدس وزيت ، وليلة خلّ وزيت، وفي هذا بلاغ ، فقلتُ له : أفما تعْجبكَ نفسكَ ؟ - أراد أن يرى رأيَ والده فيه - فقال : قد كان فِيَّ شيءٌ في ذلك فلمَا وعظني أبي بصّرَني بِحقيقة نفسي ، وصغَّرها عندي ، وحطّ من قدرها في عيني ، فنفعَنِي الله عز وجل بذلك فجَزاه الله عنِّي خير الجزاء ، قال : فقعَدْتُ ساعةً أحدِّثهُ ، وأسْتمتعُ بِمَنطقهِ فلم أرَ فتًى كان أجْمَلَ وجْهًا ، ولا أكْمَلَ عقْلاً ، ولا أحْسنَ أدبًا منه على حداثةِ سِنِّه ، وقِلَّة تجربته ، فلمَّا كان آخر النهار أتاه غلامٌ فقال : أصْلحك الله لقد فرغْنا ! - جاء يتفحّص الأمر ، جاء يحاسبه على الشعرة - فسكَتَ ، فقلتُ : ما هذا الذي فرغوا منه ؟ فقال: الحمَّام ، وقال : وكيف ؟ فقال : أفرغُوهُ لي من الناس ، فقلتُ : لقد كنت وقعْتَ من نفسي موقعًا عظيمًا حتى سمعتُ هذا ، الآن سقطت من عيني ؛ الحمَّام أفرغوه من أجلك !! من أنت ؟ فَذُعِرَ واسْترجَعَ - قال : لا حول ولا قوّة إلا بالله - وقال : وما في ذلك يا عمّ يرحمك الله ؟ فقلتُ : الحمّام لك ، فقال : لا ، فقلتُ : وما دعاك أن تخْرج الناس منه ؟ كأنَّك تريد بذلك أن ترفع نفسك فوقهم ، وأن تجعل لك قدْرًا يعلو على أقدارهم ، ثمّ إنَّك تؤذي صاحب الحمَّام في غَلَّة يومه ، وتُرْجِع من أتى حمَّامهُ خائبًا - يأتي الواحد للحمَّام فيُرْجعونه - أنْقصْت الغلَّة لصاحب الحمام ، وخيَّبت أمل المتحمِّم ، وارتفعْت عن الناس - قال : أما صاحب الحمَّام فأنا أرْضيهِ وأعْطيه غلَّةَ يومه ، فقلتُ : هذه نفقَةُ صدقة خالطها كِبْر ‍! هذه كذلك حرام ، وما يمنعك أن تدخل الحمَّام مع الناس فأنت كأحدهم ؟ قال : يمنعني من ذلك أنَّ طائفةً من رعاع الناس يدخلون الحمَّام بغير أُزر ، فأكره رؤية عوراتهم - العورة الفخِذ ، تلك المغلَّظة شيء آخر - قال عليه الصلاة والسلام : لا تنظر إلى فخذ أخيك ...." قال : يمنعني من ذلك أنَّ طائفةً من رعاع الناس يدخلون الحمَّام بغير أُزر ، فأكره رؤية عوراتهم ، وأكره أن أُجبرَهم على وضع الأزر فيأخذوا ذلك على أنَّه إجبار منِّي عليهم بالسلطان ، الذي أسأل الله منه كفافًا لا علينا ولا لنا ، فعِظْني رحمَكَ الله عِظَةً أنتفع بها ؟ ماذا أفعل أنا أكره الدخول معهم ، فقلتُ : انتظر حتى يخرج الناس من الحمَّام ليلاً ، ويعودوا إلى بيوتهم ثمّ ادْخُلْه ، فقال : لا جرم - صحيح - لا أدخله نهارًا بعد اليوم ، عاهده ، ولولا شدَّة برد هذه البلاد ما دخلتهُ أبدًا ، وأطْرقَ قليلاً كأنَّما يفكِّر في أمر ، ثمّ رفعَ رأس إليّ وقال : أقْسَمتُ لَتُطْوِينَّ هذا الخبر على أبي ، فإنِّي أكرهُ أن يظلّ ساخطًا عليّ ، وإنِّي لأخشى أن يحول الأجل دون الرضا منه ، قال ميمون : فأردْت عند ذلك أن أسْبرَ عقلهُ ، فقلتُ له : إن سألني أمير المؤمنين هل رأيْت منه شيئًا ؟ فهل ترضى لي أن أكذب عليه؟ أن أقول له : لا يوجد مثله ، موضوع الحمّام أمر كبير ‍! فقال : لا ، معاذ الله ولكن قل له رأيتُ منه شيئًا فوعظْتهُ وكبَّرْتهُ في عيْنِهِ فسارع إلى الرجوع عنه ، فإنّ أبي لا يسألك عن كشف ما لم ترد إظهاره له !! لأنَّ الله جلّ وعزّ قد أعاذهُ من البحث عن السَّفَه ، أحيانًا يسألك الواحد : أين ذاهب ؟ فتقول : مشوار ، فيعيد السؤال : أين هذا المِشوار ؟ لذا هناك من لا أدب له ، تقول له اُقْعُد هنا ، فيقول لك : لا هنا أحسن ، وقد يكون مباشراً للباب ! لذا هناك أشخاص حشريِّون، سيّدنا عمر أعاذه الله من أن يكشف ما اسْتتَر ، أحدهم أراد أن يستتر عنك فأنت بيّن له أنَّك لم ترهُ .
قال ميمون : فلم أر والدًا قطّ ولا ولدًا مثلهما يرحمهما الله ، هذه قصَّة عبد الملك بن مروان بن سيّدنا عمر بن عبد العزيز ، ومشكلة الحمَّام كانت كبيرة .


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-08-2018, 01:22 PM   #8


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى 2



بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( الثامن )

الموضوع : العدة - طلاق الفار






الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
العدّة :
أيها الأخوة الكرام ... كان موضوعنا في الدرس الماضي العدَّة التي تعتدُّها المرأة إذا طُلِّقت ، أو إذا توفي عنها زوجها ، وقد عُرِّفت العدَّة ، وبُيِّن حكمة مشروعيتها ، وأنواع العدَّة.
فالتي لم يُدخل بها لا عدة لها ، التي لم يُدخل بها إذا مات عنها زوجها ولم يدخل بها فعليها عدة ، المدخول بها على أنواع : إن كانت تحيض فعدتها ثلاثةُ قروء ، أي ثلاثة حَيضات ، وعدة غير الحائض إن كانت صغيرةً لم تحِض بعدُ فعدتها ثلاثة أشهر . وعدة الآيسة من الحيض ثلاثةُ أشهر .
أما إذا طلِّقت المرأة وهي من ذوات الأقراءِ ، من ذوات الحيض - أيْ تحيض - ثم إن لم ترَ الحيض في عادتها ، ولم تدرِ ما سببه ، هذه حالات قد تقع ، طلَّقها زوجها ، وفي الأصل أنها تحيض ، أي من ذوات الحيض ، طلِّقت ، بعد الطلاق لم ترَ الحيض ولم تدر ما السبب ، في مثل هذه الحالات النادرة عليها أن تعتدَّ سنةً بكاملها ، تتربَّص مدة تسعة أشهر لتعلم براءة رحِمها ، لأن هذه المدَّة هي غالب مدة الحمل ، فإذا لم يبن الحمل فيها عُلم براءة الرحم ظاهراً ، ثم تعتدُّ عدة الآيسةِ ثلاثة أشهر ، أي مجموع عدة المرأة التي تحيض ثم طُلقت ولم ترَ الحيض ولم تعلم ما السبب اثنا عشرَ شهراً ؛ تسعة أشهر لبراءة الرحم ، وثلاثة أشهر كعدة الآيسة من الحيض .
عدة الحامل تنتهي بوضع الحمل سواءٌ أكانت مطلَّقةً ، أو متوّفَّى عنها زوجها ، لقول الله تعالى :
﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾
[سورة الطلاق : 4 ]
وأما المتوفَّى عنها زوجها فعدَّتها أربعةُ أشهرٍ وعشرة أيام ما لم تكن حاملاً، لقول الله تعالى : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾
[ سورة البقرة :234 ]
إذا طلَّق الرجل امرأته طلاقاً رجعياً ، ثم مات عنها وهي في العدة ، اعتدَّت بعد الوفاةِ ، لأنه توفي عنها وهي زوجته ، أيْ إذا طلَّق الرجل امرأته طلاقاً رجعياً ، ثم مات عنها وهي في العدة ، اعتدَّت بعد الوفاة كعدة المتوفى عنها زوجها ، لأن كل امرأةٍ مطلقةٍ طلاقاً رجعياً هي في حكم الزوجة ، وترث ، كل حقوق الزوجة تنالها المُطلقة طلاقاً رجعياً وهي في العدة .
عدة المُستحاضة أي التي ترى الدم باستمرار ، إن كانت لها عادة فعليها أن تُراعي عادتها في الحيض والطُهر ، فإذا مضت ثلاث حِيَضٍ انتهت العدَّة ، وإن كانت آيسة انتهت عدتها لثلاثة أشهر .
لو وقع زواجٌ غير صحيح فيه اشتباهٌ بالنسب ، فعلى المرأة التي تزوَّجت بهذا الزواج عدَّة ، لكن العلماء قالوا : " من زنى بامرأةٍ لم تجب عليها العدَّة ، لأن العدة في الأصل لحفظ النسب ، والزاني لا يلحقه نسب ". وهو رأي الأحناف والشافعيَّة .
عندنا موضوعات دقيقة لكنها تقع ، مثلاً : تحول العدة من الحيض إلى العدة بالأشهر . إذا طلَّق الرجل زوجته وهي من ذوات الحيض ثم مات وهي في العدة ، فإن كان الطلاق رجعياً فإن عليها أن تعتدَّ عدَّة الوفاة ، وهي أربعة أشهرٍ وعشرَ ، لأنها لا تزال زوجةً له ولأن الطلاق الرجعي لا يزيل الزوجة ، ولذا يثبت التوارث بينهما إذا توفي أحدهما وهي في العدة أيْ تأخذ كامل ميراثها إن كانت مطلَّقةً وهي في العدَّة .
فموضوع العدة صار دقيقاً ، في أي لحظةٍ تُعّد العدَّة قد انتهت ؟ إذا الطبيب رأى المريض في حالة نِزاع ، والزوجة كانت مطلَّقة ، وطلاقها رجعي . أي بشكل عام ولو أن الزوج حيٌ يرزق ، متى تملك المرأة نفسها ومتى لا تملك ؟ إذا مضت القروء الثلاثة ولم يراجعها ملكت نفسها ، وهذه بينونة صغرى ، أيُ هو يستطيع أن يراجعها قبل مضي العدَّة ، فإذا مضت ملكت نفسها ، يستطيع أن يتزوجها بمهرٍ جديد ، وبعقدٍ جديد ، وبرضائها ، لكن قبل أن تمضي العدة يستطيع أن يُرْجِعَها من دون رضائها ، يكفي أن يقول لها : راجعتكِ . الموضوع صار فيه مهر، وصار فيه موافقة ، قبل أن تمضي العدة موافقتها لا قيمة لها ، لكن بعد أن تمضي العدَّة موافقتها لها وزن ، فإن قالت : لا ، لن يستطيع إرجاعها ، وإن قالت نعم ، عليه أن يدفع مهراً جديداً .
فقال الفقهاء : " إذا كانت تغتسل من الحيضة الثالثة ، فإذا بقي عضوٌ من أعضائها لم تغسله ، وقال زوجها من وراء الباب : قد راجعتكِ . رجعت إليه ، أما إذا انتهت من الاغتسال فقد ملكت نفسها " . هذا حد ، أحياناً الإنسان يبقى لآخر لحظة ، ولابد من حدّ فاصل، الحد الفاصل الاغتسال من الحيض ، إذا اغتسلت من الحيضة الثالثة ولم يراجعها ملكت نفسها ، لا تعود إلا بمهر ، ولا تعود إلا برضاها ، وهذه هي البينونة الصغرى . طلاق الفار :
طلاق الفار ؛ قد لا ينتبه الإنسان لمعنى طلاق الفار ، الفار من ماذا ؟ الفار من الزحف ؟ الفار من الجهاد ؟ قال : هناك طلاق الفار من الإرث ، أي أن هناك أزواجاً يبلغ بهم اللؤمُ أن هذه التي قضت معه عمراً طويلاً - ثلاثون سنة - وهو في مرض الموت يطلقها ليحرمها من الإرث يفِرُّ من الإرث . العلماء لهم آراء متعددة في هذا الطلاق .
فلو إنسان على فراش الموت طلَّق امرأته ، وليس هناك سبب ، ليس هناك خلاف ، ليس هناك مشاحنة ، طلَقها لا لشيء إلا ليحرمها الميراث . مثلاً : كان مهرها خمسمئة ليرة سوري ـ تزوجها من أربعين سنةـ هذا كان مبلغ ضخم ، والآن صار عنده أراض ، وأموال منقولة، وغير منقولة ، وبساتين ، وضياع ، وما شاكل ذلك . فقال : أطلقها وأدفع مهرها المؤجَّل وأفرُّ من حصتها الكبرى من الميراث .
أما العلماء رضي الله عنهم لهم آراء دقيقة في هذا الموضوع .
طلاق الفار هو أن يطلق المريض مرض الموت امرأته طلاقاً بائناً بغير رضاها ، ثم يموت وهي في العدة ، فإنه يعتبر في هذه الحال فاراً من الميراث . ولهذا قال مالك : " ترث ولو مات بعد انقضاء عدَّتها ، وبعد نكاح زوجٍ آخر معاملةً له بنقيض قصده ".
سمعت إنساناً - الغباء موجود - سمع أن الإنسان إذا فقد أسنانه أُعفي من الخدمة الإلزاميَّة . شابٌ في مقتبل العمر ذهب إلى طبيب وقال له : اقلع لي كل أسناني . هذا الطبيب صاحب وجدان ، رفض . طبيب آخر أغري بمالٍ كثير فقلع له أسنانه كُلَّها ؛ العلويَّة والسفليَّة وهو في مقتبل العمر ، وصل للجنة الفاحصة خبر أن هذا قلع أسنانه تهرُّباً من الخدمة الإلزاميَّة فكان العقاب مضاعفةُ الخدمة الإلزاميَّة . لماذا كان هذا العقاب ؟ لأن هذا الذي فعل هذا تهرُّباً يجب أن يعامل معاملةً بعكس قَصْدِهِ ، وإذا أردتم الحقيقة والله الذي لا إله إلا هو هذا هو القانون الذي يعامل الله به عباده، كيف ؟ .. من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا .
قد يرجو الإنسان نجاحاً بعلامات عالية ويترك الصلاة ، أنا ما عندي وقت لأصلي، هذا يجب أن يصاب بمرض قبل الامتحان فيرسب ، هو لمَ ترك الصلاة ؟ لمَ ترك حضور مجالس العلم ؟ من أجل التفوُّق . الله سبحانه وتعالى يعامله معاملهً بعكس قصده ، ماذا يقصد ؟ التفوُّق . حُرِمَ الامتحان كلَّه . لماذا قَبِلَ هذا التاجر هذه الصفقة مع أن فيها ربا ؟ ابتغاء الربح . يخسر رضاء الله عزَّ وجل ويخسر الصَفْقَة ، أبداً هذا قانون ، إذا آثرت الدُنيا خسرت الدنيا والآخرة ، وإذا آثرت الآخرة ربحت الدنيا والآخرة ، من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً .
فهذا الشخص الذي قلع أسنانه ، كنت مع صديق لي قال لي : الآن سأريك شخصاً انتبه لأسنانه . فعلاً أنا دققت فوجدته واضع بدلتين ؛ بدلة علويَّة وبدلة سفليَّة وهو في مقتبل العمر وقَضَّى الخدمة خمس سنوات غير الاحتياط .." من ابتغى أمراً بمعصيةٍ كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى " .
هذا الحديث يجب أن يكون أمام أعين كل الناس ، أي طريق تؤثر به الدنيا على الآخرة تخسر الدنيا والآخرة ، أي طريق تؤثر به مرضاة الله عزَّ وجل تربح به الدنيا والآخرة .
ويرى أبو حنيفة أن الحكم في هذه الحال يتغيَّر ، فتكون عدتها أطول الأجلين ، عدة الطلاق وعدة الوفاة . أيُّ الأجلين أطول الطلاق أم الوفاة ؟ أطول الأجلين عدة المرأة التي طلَّقها زوجها فراراً من الميراث . هذا رأي الإمام أبو حنيفة .
امرأةٌ لا تحيض ؛ عدتها ثلاث حيضات ، طُلِّقت طلاقاً تعَسُّفياً ـ فراراً من الإرث ـ تنقلب عدتها أربعة أشهر وعشرة أيام ، فلعلَّه يموت قبل هذه المدة فتأخذ الميراث بكامله ، في مثل هذه الحالة تنقلب عدَّتها إلى أطول العدَّتين ، أي أن أربعة أشهر وعشرة أيام عدتها قبل أن يموت من أجل أن تكسب الوقت . هذا رأي الإمام أبي حنيفة .
لكن الإمام الشافعي يقول : " إنها لا ترث كالمطلقة طلاقاً بائناً في الصحَّة " . وحجته أن : " الزوجيَّة قد انتهت بالطلاق قبل الموت ، فقد زال السبب في الميراث ، ولا عبرة بمظنة الفرار ، لأن الأحكام الشرعية تُناط بالأسباب الظاهرة لا بالنيَّات الخفيَّة " . هذا رأي الإمام الشافعي ، ورأي أبي حنيفة ، ورأي الإمام مالك .
واتفقوا على أنه إن أبانها في مرضه فماتت المرأة فلا ميراث له . أنا أعرف شخصاً فعل المستحيل كي يفرَّ ـ هو رجل من الأغنياء ، وهو غني كبير فعل المستحيل كي يحرم زوجته من الإرث ، فمات قبلها ، فورثته . هو كان يتوقَّع أن تموت قبله ، فعمل تحويلات بالأملاك حتى لا يصيبها شيء ، فلما مات قبلها ورثته ، أيْ أن الله عزَّ وجل بالمرصاد .
العدة قد تكون بالأشهر تنتقل إلى الحَيْضات ، إذا شرعت المرأة في العدة بالشهور لصغرها ، أو لبلوغها سن اليأس ، ثم حاضت ، لزمها الانتقال إلى الحَيض ، لأن الشهور بدل عن الحيض فلا يجوز الاعتداد بها مع وجود الأصل .
وإذا انقضت عدتها بالشهور ثم حاضت ، لم يلزمها الاستئناف للعدة بالإقراء لأن هذا حدث بعد انقضاء العدَّة .
الموضوع الأخير في العدة نأخذه في الدرس القادم إن شاء الله ، ماذا ينبغي على المرأة وهي في العدة أن تفعل ؟ منها : لزوم البيت ، عدم التبرُّج . أشياء كثيرة ، وهناك موضوعات خلافيَّة بين الفقهاء .
* * *
تعجيل عقوبة البغي و العقوق في الدنيا :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة للنبي عليه الصلاة والسلام :
(( بابان معجَّلان عقوبتهما فى الدنيا البغي والعقوق ))
[الحاكم عن أنس]
البغي أي الظلم ، وقد قال عليه الصلاة والسلام : ((اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً ... ))
[ الجامع الصغير عن أنس ]
((ليعمل العاقُّ ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة " . وفي رواية : فلن يغفر له))
[كنز العمال عن معاذ]
اليوم زرت شخصاً له أعمال في الديكور الشَرقي ، هذا شيء غال جداً ، فسألت الصانع : لمن هذا ؟ أبواب تأخذ بالألباب ، تيجان ، زخارف ، لوحات . قال لي : هذا لبيت معلمي - أي صاحب المنشرة - لكنه شيء نفيس ، كبار الأمراء ، كبار الأغنياء ، فعلى مستوى أغنى الناس يصنعون غرف شرقيَّة ، فلما قال : هذا لبيت معلمي . توقعت أن معلِّمه على مستوى رفيع جداً من الناس ، أنا لي عنده مشكلة ، مشكلة إصلاح بين زوجين ، فجاء هذا المعلِّم حدَّثني عن قصَّة ، أن عنده والده ، وله أخوات بنات ، وله أخوات ذكور ، وهذه الوالدة قَعَدَت ، أي أصيبت بشلل ، الزوجة بعد فترة تبرَّمت من خدمتها . كل حماس الأسرة من الذكور والإناث حينما رأوا أن المرأة أصبحت مقعدة تنصَّلوا جميعاً ، وانسحبوا إلى بيوتهم ، وبدؤوا يقومون بزيارات مجاملة من حين لآخر ، فبقي عبء هذه الوالدة على هذا الابن .
قال لي : والله ما تأنَّفت من خدمتها ؛ وخدمتها شاقَّة ، فالبنت لا تتحمَّل ، هناك إقياء مع الخدمة ، شيء لا يحتمله إنسان ، والإنسان إذا أقعد تصبح حركته ثقيلة ، ورائحته كريهة جداً ، فقال لي : خدمتها خدمة ، أنام بجانبها ، كل دقيقتين توقظني ، أريد أن أقضي حاجة ، فيستيقظ ، الدواء ، الطعام ، الشراب ، بذل جهد مضنٍ وهو راضٍ ، وكان يرى أن هذا هو الكسب .
بعد ذلك حدَّثني عن حالته الراهنة ، أراني في محل آخر التزيينات الرائعة ـ قال لي هذا للأمير الفلاني ، هذا للأمير الفلاني . قلت له : هذه اللوحة ما قيمتها تقريباً ؟ وهي متران بمترين . قال لي : هذه ثمنها ثلاثون ألفاً ، لوحة فسيفساء ، فالبيت كله من الديكورات ، جدرانه كلها ، وهناك أيضاً أقواس ، تصورت البيت يأخذ ثلاثة أرباع المليون ليرة إذا كان كله بهذا الشكل ، وعليه إقبال منقطع النظير ، وكأنه في منجاة من هموم الناس الآن . قال لي : كل هذا بسبب الرضا الذي اكتسبته من والدتي . قال لي : والله لا أدري كيف يأتي المال ، من دون جهد دائماً عندي طلبيات لشهر وشهرين خارج القطر ، سبحان الله ! أنا تأثرت ، طبعاً عمل بيتاً له على هذا الترتيب لأنه أولى ، ليس قصدي الحديث عن الزينة ، ولكن قصدي أن الإنسان إذا عمل عملاً صالحاً خالصاً لوجه الله عزَّ وجل ، الله عزَّ وجل قد يكرمه في الدنيا والآخرة . (( بابان معجَّلان عقوبتهما فى الدنيا البغي والعقوق ))
[الحاكم عن أنس]
و : ((ليعمل العاقُّ ما شاء أن يعمل فلن يدخل الجنة ))
[كنز العمال عن معاذ]
سبعة أشياء تنتظر الذي لا يريد الله ورسوله :
حديث آخر كنت قد أسمعتكم إيَّاه كثيراً ، لكنني أعيده لشدَّة تأثري به ، فهو مؤلم لكن واقعي ، قال عليه الصلاة والسلام :
(( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً هَلْ تَنْتَظِرُونَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
فهل يستيقظ الإنسان كل يوم صباحاً مثل البارحة ؟ لا . يستيقظ يوماً يقول لك: تعبان ، شاعر بضيق ، يمكن أن يستيقظ أحد الأيام ويحس بعدم الحركة ، لي قريبة دعت أقرباءها إلى الطعام ، استلقت على السرير فأرادت أن تقوم وإذا ليس بها حركة ، شيء صعب ، شلل نصفي .. (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً هَلْ تَنْتَظِرُونَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
نريد الدنيا ، فما الذي في الدنيا ؟ ماذا تلد الدنيا ؟ قال المتنبي : أبنت الدهر عندي كل بنتٍ فكيف وصلتِ أنتِ من الزحامِ ؟
* * *
بنت الدهر أي المصيبة ، الدهر ماذا يلد ؟ المصائب . هذا الكلام ليس للمؤمنين ، هذا الكلام موجَّه لمن أصرَّ على الدنيا ، لا يريد إلا الدنيا ، قال عليه الصلاة والسلام : (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً هَلْ تَنْتَظِرُونَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
فهو الآن بالأربعين ، فماذا يتوقَّع أن يكون وهو في الخمسين ؟ بصحة أطيب ؟ لا. التقيت مع شخص وهو صاحب نكتة ، عمره بالثمانين قال لي : سبحان الله ! وأنا قبل أربعين سنة أنشط من الآن !! قلت له : هذا شيء طبيعي ، مع تقدم العمر ماذا يحصل ؟ هناك كولسترول ، وأسيد أوريك ، ووجع مفاصل ، وانحناء ظهر ، وشَيْب ، وضعف بصر، وضعف سمع ، وآلام بالمعدة ، وآلام بالأمعاء ، وديسك بالظهر ، فالأمراض لا تعد ولا تحصى ، قال : (( بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعاً هَلْ تَنْتَظِرُونَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
1 ـ الفقر المنسي :
أجاب النبي الكريم سبعة أشياء ، قال :
((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا...))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
أنا أشعر أن كثيراً من الأشخاص كانوا في بحبوحة ، والله العمل توقف ، كان يلعب بالمال لعباً ، الآن يقول لك : لم يبقَ شيء ، المصلحة صارت لا تطعم خبزاً ، كان له دخل كبير تقلص تقلص ، هذه أغلقت ، وهذه أغلقت ، المحل سلَّمه ، بقي بدون دخل ، فالفقر على الله ليس صعباً ، إذا إنسان وصل لمال كثير ، مثلما أعطاه الله يأخذ ، إذا أعطى أدهش ، وإذا حاسب فتَّش . فالله عزَّ وجل قدير على أن يذهب المال كلَّه دفعةً واحدة ، فهناك فقر ، الفقر الشديد ينسي الإنسان ، النبي الكريم وصف الفقر أنه ينسي ، قد ينسي طاعة الله عزَّ وجل ـ كاد الفقر أن يكون كفراً .. 2 ـ أو الغنى المطغي :
(( .......أَوْ غِنًى مُطْغِيًا...))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
كذلك الغنى مصيبة ، إذا كان ليس معه فقه ، ما معه علم ، هناك غنى مغر ، أحياناً يفكر بعمل رحلة إلى أوروبا ، يفكر يذهب إلى الأمكنة الموبوءة بأوروبا ، يريد أن يرى الحي اللاتيني في باريس ، ما الذي في الحي اللاتيني ؟ الحي الفلاني ، المكان الفلاني ، صار عنده رغبة ليتَطَّلع إلى المعصية ، يتشوَّف للمعصية هذا بالغنى ، عندما كان معاشه لا يكفيه كان لا يوجد الحي اللاتيني بحياته ، متى جاء الحي اللاتيني ؟ عندما صار معه نقود ، هذا الغنى المطغي ، أو يستحي بزوجته ، هذه لا تليق بمقامه ، يريد زوجة ثانية سبور ، فهناك غنى مطغ أحياناً .. 3 ـ أو المرض المفسد :
((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ... ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
يقول لك : منعوني من اللحم ، والخضر المطبوخة ، لا توجد إلا الخضر المسلوقة بدون ملح . يقول لك : مللت منها . هذا مرض مفسد للصحة ، أحياناً يشتهي قرص فلافل ، يقول لك : ممنوع لأن هذا مقلي بالزيت ، يشتهي صحناً من الحمص . يقول لك : معي أسيد أوريك لا أستطيع . يشتهي قرص كبة ، يقول لك : يمكن هذه تعمل لي مشكلة . فما الذي يأكله إذاً ؟ كله ممنوع عنه .. ((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا ... ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
أفسد له حياته . 4 ـ أو الهرم المفند :
((أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا .. ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
ما صار له شيء ، لا افتقر ولا اغتنى ، لا افتقر افتقاراً يُنْسِيه ، ولا اغتنى اغتناء مطغياً ، ولا صار معه مرض مفسد ، لكن صار عمره سبعة وثمانين ، فلم يعد يتذكر جيداً ، هل أطعمتموني ؟ الآن أطعمناك . أنا أكلت ؟ لكن ما الذي عملته الآن ؟ يأتيه ضيف فيقول له: إنهم لا يطعموني . هذا هرم مُفَنِّد ، أي عيوب الإنسان تظهر ، لذلك هناك أشخاص يدعون وأنا والله معهم في هذا الدعاء : أن الله عزَّ وجل يتوفَّانا ونحن في صحتنا ، وفي ذاكرتنا . وإلا صار الوضع غير جيد .
والله أحد الأشخاص وصف لي حالة شخص ، شهد الله أن الموت من نعم الله ، فقد وعيه ومفلوج ، يمسك من تحته ويأكل ، ربطوا له يديه ، ربطوا له رجليه ، يداه مقيَّدتان ورجلاه مقيَّدتان ، وهو أب ، إنسان يرى والده مقيده بحبال ؟! إذا أطلقوا له يديه سيأكل من تحته. هذا هرم فلا أحد يعتز بشبابه ، العبرة للآخرة .
لذلك : التقوى أقوى . لذلك : حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر . لذلك من تعلَّم القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت ، لذلك قارئ القرآن لا يحزن ، البطولة في خريف العمر ، كل الشباب تجدهم أقوياء ، تجده يأكل أشكالاً ألواناً ، معدته مثل المطحنة ، لكن بعد ذلك خمسين علَّة ، تجده إذا ذهب نزهة معه كمية من الأدوية ، فهذه يتناولها بعد ساعة ، وهذه بعد ربع ساعة ، لا يستطيع . ((هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا... ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
والله شيء واضح ! كلام واضح كالشمس ، أول واحدة : فقر منسي، وغنىً مطغي، ومرض مفسد ، وهرم مفنِّد .. 5 ـ أو الموت المجهز :
((أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا... ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
أيْ موت ينهي الحياة ، انتهاء الحياة ؛ كبر مفنِّد ، مرض مفسد ، غنىً مطغي، فقر .. 6 ـ أو الدجال :
((... أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ .....))
7 ـ أو الساعة :
((....أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ... ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
فأشراط الساعة كلكم تعرفونها ، فسبعة أشياء تنتظر الذي لا يريد الله ورسوله ؛ تنتظر الذي يريد الدنيا ويصرُّ عليها . هنيئاً لمن عرف الله فوقاه الله من هذا المصير .
إذا بلغ العبد الأربعين أو أكثر لا أذكر نص الحديث ـ عبدي كبرت سنك ، وانحنى ظهرك ، وشاب شعرك ، فاستحِ مني فأنا أستحي منك . فيا خجلي منه إذا هـو قال لــي يـا عبـدنا أمـا قرأت كتابنــــا؟
أما تختـشــي منا ويكفيـك ما جـرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنا؟
أما آن أنْ تُـقلع عن الذنـب راجـعاً وتنظــر ما به جــاء وعدنا؟
* * *
فإذا إنسان بلغ الأربعين أو الخمسين ولا يصلي ، قاعد في القهوة يلعب طاولة سبحان الله ! ماذا جعل لآخرته هذا ؟ إلى أين يمشي ؟ على حواف الموت ، على مشارف الموت ولا يعرف الله إطلاقاً !!.
إذاً.. ((بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعًا هَلْ تَنْتَظِرُونَ إِلا فَقْرًا مُنْسِيًا أَوْ غِنًى مُطْغِيًا أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا أَوْ هَرَمًا مُفَنِّدًا أَوْ مَوْتًا مُجْهِزًا أَوِ الدَّجَّالَ فَشَرُّ غَائِبٍ يُنْتَظَرُ أَوِ السَّاعَةَ فَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
هذا من الأحاديث الصحيحة عن أبي هريرة . فضل الغدو باكراً :
حديثٌ أخير :
((باكروا في طلب الرزق والحوائج فإن الغدو بركة ونجاح))
[ الجامع الصغير عن السيدة عائشة ]
هذا الحديث عن عائشة رضي الله عنها ، هناك أشخاص معتادون أن ينطلقوا إلى أعمالهم باكراً ، تجد للساعة الحادية عشرة حلَّ مليون مشكلة ، وهناك أشخاص يعتادون العكس ـ أنا قضيت عمراً بالتدريس تسعاً وعشرين سنة ـ الساعة السابعة أبدأ الدرس ، مرة انتهوا الساعات، فرجعت إلى البيت الساعة الحادية عشرة ، لي جار تاجر قال لي : أين ذاهب الآن ؟ مازال الوقت باكراً؟!! قلت له : أنا راجع من عملي ، انتهيت . قلت له : أنا راجع . والثاني يظن أني متأخر عن العمل . النبي الكريم كان يحب الغدو باكراً ، تحل أعمالاً كثيرة . * * *
عامر بن شُرَحْبيل الشعْبِي :
والآن إلى قصة تابعيٍ جليل . هذا التابعي هو الإمام : عامر بن شُرَحْبيل الشَعْبِي.
كان واسع العلم ، عظيم الحلم ، وإنه من الإسلام بمكان . لِسِتِّ سنواتٍ خلت من خلافة الفاروق رضوان الله عليه ، وُلِد للمسلمين مولودٌ نحيل الجسم ، ضئيل الجِرم ، فالحجم ليس له قيمة ، الرجال تقاس بأعمالها وأخلاقها وعلمها وإيمانها فقط ـ ذلك لأن أخاه زاحمه على رحم أمه فلم يدع له مجالاً لنموِّه ، ولكنه لم يستطع أن يزاحمه لا هو ولا غيره في مجالات العلم، والحلم ، والحفظ ، والفهم ، والعبقريَّة . أيْ ..
فلا تقل : أصلي وفصلي أبداً إنما أصل الفتى ما قد حصل
* * *
أحياناً الإنسان بدلاً من أن يفتخر بآبائه يفتخر به آباؤه ، أحياناً بدل أن يفتخر بأبيه، أبوه يفتخر به ، لأن باب التحصيل مفتوح ..أنا جد كل تقي ولو كان عبداً حبشياً . (( لا منكم، ولا منكم، سلمان منَّا أهل البيت ))
[ الحاكم والطبراني عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده ]
(( نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه))
[ كنز العمال عن عمر]
ذلكم هو عامر بن شرحبيل المعروف بالشّعبي ، نابغة المسلمين في عصره ، ولد في الكوفة وفيها نشأ ، لكن المدينة المنوَّرة كانت مهوى فؤاده ومطمح نفسه ، كان يؤمّها من حين لآخر ليلقى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وليأخذ عنهم ، كما كان الصحابة الكرام يؤمون الكوفة ليتخذوها منطلقاً للجهاد في سبيل الله أو داراً لإقامتهم .
أتيح لهذا التابعي الجليل أن يلقى نحواً من خمسمئةٍ من الصحابة الكرام ، وأن يروي عن عددٍ كبيرٍ من جِلَّتهم من أمثال علي بن أبي طالب، وسعد بن أبي وقَّاص ، وزيد بن ثابت، وعبادة بن الصامت ، وأبي موسى الأشعري ، وأبي سعيد الخُدري ، والنُعمان بن البشير ، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس ، وعدّي بن حاتم ، وأبي هريرة ، وعائشة أم المؤمنين ، طبعاً من وراء حجاب ـ وغيرِهم وغيرهم .
وقد كان الشعبيُّ فتىً متوقِّد الذكاء ، يقظ الفؤاد ، مرهف الذهن ، دقيق الفهم ، آيةً في قوة الحافظة والذاكرة . من منا يستطيع أن تُتلى عليه سورة البقرة فيحفظها تواً ؟ هكذا كان النبي صلى الله عليه وسلَّم ، أحدث بحوث للذاكرة أن الذاكرة لها علاقةٌ بالاهتمام ، أيْ إذا بلغ اهتمامك بالقرآن اهتمام النبي العدنان تحفظ البقرة إذا سمعتها مرةً واحدة ، فقوة الذاكرة شيء أساسي .
كان يقول عن نفسه : " ما كتبت سوداء في بيضاء قط- أيْ ما كتب حرفاً أسود على ورق أبيض في حياته ، أي أنه عنده ذاكرة أقوى من الكتابة - ولا حدثني رجلٌ بحديثٍ إلا حفظته ، ولا سمعت من امرئ كلاماً ثم أحببت أن يعيده عليَّ " . نحن إذا شخص نطق بحكمة جميلة ، بالله عليك دقيقة ، بالله عليك أعدها علينا إذا أمكن . يعيدها لك ، أما هو كان عندما يسمعها فيحفظها على الفور ، لا يضطر ليقول له : أعدها لي ، من أي مصدر آخذها ؟ أين الكتاب ؟ ..
وقد كان الفتى مولعاً بالعلم ، مشغوفاً بالمعرفة ، يبذل في سبيلهما النفس والنَفيس ويستهلُّ من أجلهما المصاعب ، إذ كان يقول : " لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام إلى أقصى اليمن ـ اسمعوا هذا القول ، ليس على الطائرة جامبو ، لا ، - مشياً على الأقدام - تصور الآن أن تذهب إلى الزبداني مشياً ، تصور ما الذي يصير معك ؟ تحتاج إلى يومين ، وتبقى مطروحاً في الفراش عشرة أيام ، لم يكن هناك إلا مشي أو ركب دواب - لو أن رجلاً سافر من أقصى الشام - أي من حلب - إلى أقصى اليمن فحفظ كلمةً واحدةً تنفعه فيما يستقبل من عمره لرأيت أن سفره لم يضع ". إذا جئت من آخر أحياء دمشق ؛ ركبت أول باص والثاني ، تصور ساعة وربعاً راكباً في الباصات ، وسمعت حديثاً شريفاً واحداً ، وانهمرت دمعة من عيونك على هذا الحديث ، وتأثَّرت فيه وطبَّقته ، هذا الذهاب والإياب ما ضاع عند الله سُدىً أبداً . هو يقول : من أقصى الشام إلى أقصى اليمن .
وقد بلغ من علمه أنه كان يقول : " أقلُّ شيءٍ تعلَّمته الشعر " . أي أن كلام الله عزَّ وجل : ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ ﴾
[سورة يس: 69 ]
هذه معروفة ، لكن .. ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾
[سورة يس: 69 ]
أي لا يليق بهذا النبي الكريم أن يكون شاعراً ، معنى هذا أن الشعر مرتبة دون: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾
[سورة يس: 69 ]
قال : " أقل شيءٍ تعلَّمته الشعر ولو شئت لأنشدتكم منه شهراً دون أن أعيد شيئاً مما أنشدته " . هذا أقل شيء حافظه من الشعر . وكانت تعقد له حلقةٌ في جامع الكوفة فيلتف الناس حوله زمراً زمراً ، وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أحياءُ ، يروحون ويغدون بين أظهر الناس . من الصعب جداً أن تلفت نجمة نظرك في النهار ، الشمس مغطية على الكل ، إنها لمضنيةٌ مؤلمةٌ تلك الجهود التي تبذلها النجوم كي تضيء في حضرة الشموس . شيء صعب ، فإذا واحد استطاع أن يحكي مع وجود الصحابة معنى هذا له مكان كبير عند الله عزَّ وجل ، أحياناً الإنسان مع من علَّمه يخجل . يقول له : سكت إجلالاً لعلمك . فتجد الطبيب متحدثاً بارعاً إلا أمام أساتذته تجده يخجل . أي إنسان تعلَّم العلم أمام أستاذه فلا تجد عنده إمكانية يتفاصح أمامه ، يخجل لأنه هو علمه ، حتى أحياناً من آداب المريد مع أستاذه أن يسكت إجلالاً لعلمه .
بل إن عبد الله بن عمر رضي الله عنه سمعه ذات مرة يقصُّ على الناس أخبار المَغازي ، بخفاياها ودقائقها ، فأرهف سمعه إليه وقال : " لقد شهدت بعض ما يَقُصُّه بعيني، وسمعته بأذني ، ومع ذلك فهو أروى له مني " . سيدنا عبد الله بن عمر شاهدت بعيني وسمعت بأذني وهو مع ذلك - عن الشعبي- أروى له مني . شواهد سعة علم الشّعبي :
شواهد سعة علم الشَعبي ، وحضور ذهنه غزيرةٌ وفيرة ، من ذلك ما رواه عن نفسه قال : " أتاني رجلان يتفاخران ، أحدهما من بني عامر والآخر من بني أسد ، وقد غَلَبَ العامري صاحبه ، وعلا عليه ، وأخذه من ثوبه ، وجعله يجرُّه نحوي جراً ، والأسدي مخذولٌ أمامه يقول له : دعني دعني . وهو يقول له : والله لا أدعك حتى يحكم الشّعبي لي عليك . فالتفَتُّ إلى العامري وقلت له : دع صاحبك حتى أحكم بينكما . ثم نظرت إلى الأسدي وقلت : ما لي أراك تتخاذل له ؟ ولقد كانت لكم مفاخر سِتُّ لم تكن لأحدٍ من العرب ؛ أولها أنها كانت منكم امرأةٌ خطبها سيد الخلق محمد بن عبد الله ، فزوجه الله إيَّاها من فوق سبع سموات ـ زينب وحدها زوجها الله ، فزوجنكها ، هذه مفخرة لهذا الأسدي ـ وكان السفير بينهما جبريل عليه السلام ، إنها أم المؤمنين زينب بنت جحش ، فكانت هذه المأثرة لقومك ولم تكن لأحدٍ من العرب غيركم .
والثانية أنه كان منكم رجلٌ من أهل الجنة يمشي على الأرض ، هو عكاشة بن مُحصن .
اللهمَّ صلِّ عليه كان قمة الذوق ، مرَّ عُكَّاشة فبشَّره بالجنَّة ، دخل آخر فقال له : وأنا ؟ ماذا سيقول له اللهمَّ صلِّ عليه ؟ هو ليس من أهل الجنة ، إذا قال له : أنت لست من هؤلاء يكون حطَّمه ، و إذا قال له : أنت من أهل الجنة يكون غشَّه ، ضع نفسك في هذا الموقف ، عكَّاشة بشِّر بالجنة ، أما هذا الذي دخل على النبي بعده فقال : وأنا يا رسول الله ؟ قال له : " سبقك بها عكَّاشة " . أنت تأخرت فسبقك هو وأخذها . فهذا منتهى الذكاء ، منتهى الذوق ، منتهى اللطف إن قال له : لا . فقد حطَّمه ، وإن قال له : نعم . فقد غشَّه ، قال له : " سبقك بها عكَّاشة " .
( من تاريخ الإحياء )
وكانت هذه لكم يا بني أسد ولم تكن لسواكم من الناس .
والثالثة أن أول لواءٍ عُقِدَ في الإسلام كان لرجلٍ منكم هو عبد الله .
والرابعة أن أول مَغْنَمٍ قُسم في الإسلام كان مَغْنَمَهُ .
والخامسة أن أول من بايع بيعة الرضوان كان مِنكم ، فقد جاء صاحبكم أبو سِنان بن وهبٍ إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال : " يا رسول الله ابسط يدك أبايعك . قال: على ماذا تبايعني ؟ قال : على ما في نفسك - معك على طول الخط ، على أي شيء تريده، ما هذه المحبة ؟- قال له : على ماذا تبايعني ؟ قال له : على ما في نفسك يا رسول الله .؟ قال : وما في نفسي ؟ قال له : فتحٌ أو شهادة . قال : نعم . فبايعه ، فجعل الناس يبايعون على بيعة أبي سنان " .
والسادسة أن قومك بني أسد كانوا سُبُعَ المهاجرين يوم بدر- السبع منهم - فبهت العامري وسكت .
ولا ريب أن الشعبي أراد أن ينصر الضعيف المغلوب على القوي الغالب ، ولو كان العامري هو المخذول لذكر له من مآثر قومه ما لم يُحِطْ به خبرا .
حكمة الشعبي و دهاء ملك الروم :
ولَّما آلت الخلافة إلى عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج عامله على العراق : " أن ابعث إليَّ رجلاً يصلح للدين والدنيا ، أتخذه سميراً وجليساً " . فبعث إليه بالشعبي فجعله من خاصَّته ، وأخذ يفزع إلى علمه في المُعْضلات ، ويعوِّل على رأيه في المُلِمَّات ، ويبعثه سفيراً بينه وبين الملوك .
انظروا إلى هذا الموقف .
أرسله مرةً في مهمةٍ إلى جستنيان- ملك الروم - فلما وفد عليه واستمع إليه ، سأله الملك الرومي : " أمن أهل بيت المُلك أنت ؟ قال : " لا إنما أنا رجل من جملة المسلمين ، أنا واحد من الدَهْمَاء " هذا من باب رفع شأن المسلمين . فلما أذن له بالرحيل قال له : " إذا رجعت إلى صاحبك - ويعني المَلك عبد الملك - وأبلغته جميع ما يريد معرفته ، فادفع إليه هذه الرقعة ـ أعطاه رسالة ـ "
فلما عاد الشعبي إلى دمشق بادر إلى لقاء عبد الملك ، وأفضى إليه بكل ما رآه وسمعه ، وأجابه عن جميع ما سأله ، ولمَّا نهض لينصرف قال: " يا أمير المؤمنين إن ملك الروم حمَّلني إليك هذه الرقعة " . ودفعها إليه وانصرف .
فلما قرأها عبد الملك قال لغلمانه : " ردوه عليَّ " . فردوه .
ـ فقال له : " أعلمت ما في هذه الرقعة ؟ " .
ـ قال : لا أيها الأمير .
ـ قال عبد الملك : لقد كتب إليَّ ملك الروم يقول : عجبت للعرب كيف ملَّكت عليها رجلاً غير هذا الفتى ؟!! هذه الرسالة فيها لغم .
ـ فبادره الشعبي قائلاً : إنه قال هذا لأنه لم يرك ، ولو رآك يا أمير المؤمنين لما قال ذلك .
ـ فقال عبد الملك : أفتدري لمَ كتب إليَّ ملك الروم بهذا ؟
ـ قال : لا يا أمير المؤمنين .
ـ قال عبد الملك : إنما كتب إليَّ بذلك لأنه حسدني عليك ، فأراد أن يغريني بقتلك والتخلُّص منك .
ـ فبلغ ذلك ملك الروم فقال : لله أبوه !! والله ما أردت غير ذلك .
افتكر أن عبد الملك أحمق ، يقول له : هذا الملك وليس أنت . فيقتله ويرتاح منه، أما كان جوابه في منتهى الروعة !!
الشمائل التي يتصف بها الشّعبي :
بلغ الشعبي في العلم منزلةً جعلته رابعَ ثلاثةٍ في عصره ، فقد كان الزهري يقول: العلماء أربعة ؛ سعيد بن المسيِّب في المدينة ، وعامر الشَعبي في الكوفة ، والحسن البَصري في البصرة ، ومكحولٌ في الشام . لكن الشعبي كان لتواضعه يخجل إذا خلع عليه أحدٌ لقب العالِم .
فقد خاطبه أحدهم قائلاً : أجبني أيها الفقيه العالِم ؟ فقال : ويحك لا تطرنا بما ليس فينا ، الفقيه من تورَّع عن محارم الله ، والعالِم من خشي الله ، وأين نحن من ذلك ؟ .
سأله آخر في مسألة ، قال : قال فيها عمر بن الخطاب كذا ، وقال فيها علي بن أبي طالب كذا . فقال له السائل : وأنت ماذا تقول ؟ فابتسم في استحياء وقال له : وماذا تصنع بقولي بعد أن سمعت مقالة عمر وعلي ؟ . ماذا تريد من كلامي ؟ ..
كان الشعبي يتحلَّى بكريم الشمائل ، من ذلك أنه كان يكره المِراء ، ويتصاون عن الخوض فيما لا يعنيه . كلَّمه أحد أصحابه ذات يوم فقال له :
ـ يا أبا عمرو .
ـ قال له : لبيك .
ـ قال : ما تقول فيما يتكلَّم فيه الناس من أمر هذين الرجلين ؛ عثمان وعلي ؟ .
ـ فقال : " إني والله لفي غنىً عن أن أجيء يوم القيامة خصيماً لعثمان بن عفان أو لعليّ بن أبي طالب " ..
((إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا))
[ الجامع الصغير عن عمر ]
كان حليماً . يروى أن رجلاً شتمه أقبح الشتم ، وأسمعه أقذع الكلام ، فلم يزد عن أن قال له : " إن كنت صادقاً فيما ترميني به غفر الله لي ، وإن كنت كاذباً غفر الله لك ".
هل هناك حالة ثالثة ؟ إن كنت صادقاً أرجو الله أن يغفر لي ، وإن كنت كاذباً غفر الله لك . فهل عندك أعصاب تواجه إنساناً اتهمك بأقذع تهمة ؟ أنت تكيل له الصاع صاعين . أما هو فقال له : " إن كنت صادقاً غفر الله لي ، وإن كنت كاذباً غفر الله لك ؟ "
ولم يكن الشعبي على جلالة قدره ، وجذالة فهمه يأنف أن يأخذ المعرفة ، أو يتلقَّى الحكمة عن أهون الناس شأناً ؛ لقد دأب أعرابيٌ على حضور مجالسه ، غير أنه كان يلوذ بالصمت دائماً ، لا يتكلَّم ولا كلمة ، فقال له مرة : ـ " تكلَّم يا رجل " ؟. تكلَّم كلمة نفهم من أنت؟ ما هو تفكيرك ؟ نعجبك أم لم نعجبك ؟ ما هو وضعك ؟ تقبل هذا الكلام أم لا تقبل ؟ احكِ كلمة، أحياناً الأخ يتكلَّم كلمة فتفهم ما هو وضعه ، أنه مسرور أم غير مسرور ؟ شخص ساكت لا تعرف ما هو وضعه ، فقال له هذا الأعرابي: أسكت فأسلم ، وأسمع فأعلم ، وإن حظ المرء من أذنه يعود عليه ، أما حظه من لسانه فيعود على غيره .
فظلَّ الشعبي يردِّد هذه الكلمة ما امتدَّت به الحياة : أسكت فأسلم ، وأسمع فأعلم ، وإن حظ المرء من أذنه يعود عليه ، وحظه من لسانه يعود على غيره .
كان عنده فصاحة وجرأة ؛ مرة كلَّم أمير العراق عمر بن أبي هبيرة الفزاري في جماعةٍ حبسهم ، فقال : " أيها الأمير إن كنت حبستهم بالباطل فالحق يخرجهم ، وإن كنت حبستهم بالحق فالعفو يَسَعَهُم " . فأعجب بقوله وأطلقهم كرامةً لهم .
كان صاحب مرح ، النبي الكريم كان صاحب مرح ، قال : ((روحوا القلوب ساعةً بعد ساعة فإن القلوب إذا كلَّت عميت))
[ من شرح الجامع الصغير عن علي ]
لقد دخل عليه رجل وهو جالسٌ عند امرأته فقال : أيكما الشعبي ؟ فقال : هذه .
وسأله آخر : ماذا كانت تسمَّى زوجة إبليس ؟ فقال له : " والله هذا عُرْسٌ لم نشهده" أنا ما حضرت الحفلة فلا أعرف ما هو اسمها ، وليس هناك بطاقة كريمة فلانة أو فلان ، لا توجد .
ولعلَّ خير ما يصوّر كلام الشعبي ما حكاه عن نفسه : " ما حللت حبوتي إلى شيءٍ مما ينظر إليه الناس- أي أنه كان يجلس في مجلس العلم لا يلتفت لشيءٍ - ولا ضربت غلاماً لي - جالس في مجلس علم ، كل حاجات الناس التي يتطلعون لها لم تكن تخطر في باله ، دخل في هذا المجلس فاستغرق فيه - وما مات ذو قرابةٍ لي وعليه دينٌ إلا قضيته عنه ". عليَّ دينه ، انتهى أمره .
عُمِّر الشعبي نيِّفاً وثمانين عاماً ، فلما لبَّى نداء ربه ونُعي إلى الحسن البصري قال: " يرحمه الله فقد كان واسع العلم ، عظيم الحلم ، وإنه من الإسلام بمكان " .


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-08-2018, 01:25 PM   #9


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى 2



بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( التاسع )

الموضوع : طلب العلم فريضة على كل مسلم






الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
طلب العلم :
في موضوع طلب العلم ، الذي لاحظته أن أكثر الإخوة الأكارم يحضرون هذه المجالس ويستمتعون بها أولاً ، وينتفعون بها ثانياً ، لكنهم إذا أرادوا أن ينفعوا غيرهم بهذه المجالس ، فإن قدرتهم على نفع الآخرين تبدو محدودة ، لسبب أن هذا الذي استمعوا إليه وتأثروا به في الجلسة هذه مثلاً ، أو يوم الجمعة لا يستطيعون أن ينقلوا هذا التأثير إلى من حولهم إذا ما أرادوا ذلك ، لأن كل ما ليس في القرطاس ضاع .
مثلاً : نحن يوم الأحد منذ أكثر من خمس سنين نعطي بعض الأحاديث من كتاب الجامع الصغير ، هذا الكتاب متوافر في الأسواق ، فلو أن إنساناً اقتنى هذا الكتاب ، وحينما حضر إلى هذا المجلس ، وعاد إلى البيت ، فتح الكتاب ووضع خطاً أحمر تحت الأحاديث التي تمَّ شرحها ، هو إذا ألقى على هذا الكتاب نظرة أو على هذا الحديث يذكر كل ما قيل حوله ، قد نقول حوله ساعة ، أو نصف ساعة ، أو عشر دقائق . إذا قرأ الحديث الشريف تذكر كل شيءٍ قيل حول هذا الحديث .
فلو جلست مع زوجتك ، لو جعلت لأولادك وزوجتك درساً أسبوعياً رسمياً ، لو أن لك أخواتٍ متزوجات ، وجمعتهن في الأسبوع مرة وألقيت عليهن هذه الأحاديث وما بقي في ذاكرتك من شرحها ، هذا الذي تعلَّمته ينتفع به الآخرون ، أما إذا حضرت ، واستمعت ، واستفدت ، وتأثَّرت ، وأعجبت ، كل هذا الخير انصب عليك ، وأنت لم تستطع أن تنقل هذا الخير إلى الآخرين .
إذاً الكتاب الذي ندرسه ، طبعاً هذا الكلام ليس لكل من يحضر ؛ لكن من كان طالباً للعلم ، ومن أراد أن يستفيد من طلب العلم ، ومن أراد أن يؤثِّر في الآخرين لا بد له من وسائل ، أن يقول : والله هناك دروس رائعة جداً . قد لا يرضى فلان أن يأتي معك إلى الدرس، ألا تستطيع أن تنقل له شيئاً مما تعلمته ؟! هذا الشيء لا بد منه .
فالإنسان عندما يقتني كتاب الجامع الصغير ، يستطيع أن يتذكر عشرات أو مئات الأحاديث التي تمّ شرحها في هذا المسجد ، طبعاً هذا الحديث الشريف بالمناسبة هناك حديث واضح جميل جداً ، وحديث قد لا تعرف تفسيره ، و هناك أشخاص إذا وجد حديثاً يأخذه على ظاهره ، ويسأل كيف يقول عليه الصلاة والسلام هذا الحديث وهذا الحديث يتناقض مع هذا الحديث؟! إن كنت تريد أن تدخل في هذه المتاهة لا تشتري هذا الكتاب ، لكن إذا أردت أن تقرأ الأحاديث التي اخترتها أنا لك ، في الصفحة قد أختار حديثاً أو حديثين أو ثلاثة ، كل ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام حق لكن هناك حديث معناه ظاهر ، وأثره ظاهر ، وله علاقة بحياتنا اليومية ، وأحاديث قد لا نستطيع فهمها ، وإذا فُهمت لا تتصل بحياتنا اليومية ، ونحن حينما لا نعرف أن نوجه هذا الأحاديث - هذا الكلام أقوله لكم - دعه أوقفه ، إما أن تسأل عنه وإما أن توقفه .
الأحاديث كثيرة منها واضح المعنى و منها ما يحتاج إلى تفسير :
مرة أنا مرة قرأت حديثاً : " اطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها البله " .
والله هذا الحديث لم أستوعبه ، كيف يكون أهل الجنة بلهاً ؟ المؤمن كيسٌ فطنٌ حذر ، المؤمن كيِّس ، فطن ، حذر ، المؤمن صاحب فطنة ، ذكي ، يقظ ، صاحب ملاحظة " ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلمه "
مئات الأحاديث تؤكِّد أن المؤمن ذكي ، فكيف نفسر هذا الحديث ؟ موقوف الحديث حتى يفتح الله لنا معناه .
مرة سألني إنسان عن هذا الحديث ، استطعت أن أفهم منه شيئاً ، إذا الآن إنسان جاءته فرصة صفقة فيها ربح مليون ليرة مثلاً هو طبيب شرعي ، وجاءته حالة تسمم ، أخذ عينة من المعدة ، وجد فيها سماً ، جاءه سين من الناس . قال له : يا دكتور اكتب لنا أن الوفاة كانت طبيعية ، وخذ هذه الملايين الخمسة لأن هذا الإنسان الميت خلّف وراءه مئة مليون اكتب الوفاة طبيعية ، وخذ هذه الملايين الخمسة .
فهذا رفض إحقاقاً للحق ، قال : الموت تسمم ، وفي الأمر جريمة . ألا يقول له معظم أصدقائه : أنت مجنون ، يا أخي مات وانتهى ماذا تريد منه ؟ خذ خمسة ملايين ، خذ بيت بالمالكي بمليوني ليرة وبيت بحاليا بمليون ، ثلاثة ملايين ، خذ سيارة بمئتين وخمسين ألفاً - مازدا - خذ شاليه على البحر ، ماذا تريد من وجع الرأس ، واكتب الوفاة طبيعية ؟!! ألا يتهم هذا الإنسان المستقيم النزيه أنه أبله ؟
فهذا البله إن صح التعبير من نوع آخر ، قد تعرض له صفقة رابحة، فيها شبهة ، تقول : إني أخاف الله رب العالمين . سيدنا يوسف حينما دعته امرأة العزيز ، ألا يقيّمه أراذل الناس بأنه أبله ؟ هذه فرصةٌ لا تعوَّض :
﴿ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ﴾
[ سورة يوسف: 23]
هناك حديث لا يكون معناه ظاهراً أمامك ، لكن لو تعمَّقت فيه تجد له معنى عميقاً جداً مثلاً : لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر .... ((لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ))
[مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]
لو مر معك حديث هكذا توقف عنه وقل : لا أعرف ، ليس من المعقول أن يكون معناه الظاهري هكذا ؟! ((لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ، وَلجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ تَعالى فَيَغفِرُ لَهُم ))
[مسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه ]
اسأل عنه ، إذا سألت عنه وأبلغوك ، هذا الذنب هو الشعور بالذنب ، إذا الإنسان ما شعر بذنبه فهو هالك وميت القلب ، إذا اغتاب إنساناً وذهب لينام ، وصدر منه صوت الشخير وقال لك : ماذا فعلنا ؟ لم نفعل شيئاً ، لم نقتل ولم نضرب . هذا ميِّت ، هذا هالك ، هذا لم يذنب بمعنى أنه ما شعر بالذنب ، هنا معنى تذنبوا بمعنى تشعروا بذنوبكم ، فهناك أحاديث واضحة و أحاديث تحتاج إلى تفسير . أهمية الكتب التي نقتنيها :
على كلٍّ إذا اقتنيت كتاب الجامع الصغير واكتفيت بالأحاديث التي أنتقيها لك ، وإذا سألتني عن بعض الأحاديث أعطيك معناها إن شاء الله تعالى ، صار عندك بالبيت نواة مكتبة عندك الجامع الصغير ، كتاب في الحديث ، وهناك طبعاً أحاديث ضعيفة في الجامع الصغير مكتوب " ض" قد يكون الحديث ضعيفاً في مَتْنِهِ ، وقد يكون ضعيفاً في سنده ، مثلاً، بعض الأحاديث الضعيفة .
﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾
[ سورة الرحمن: 60]
هذه آية قرآنية ، ورسول الله قالها ، هناك أحد الرواة لم يكن عدلاً ، فالحديث ضعيف ، وهذا الحديث رغم أنه ضعيف من قواه ؟ القرآن ، فهذه آية قرآنية ، لو أنه ضعيفٌ يجب أن نقرأه ، لأن القرآن هو الذي قوَّاه وصحَّحه .
إذاً نريد من أجل أن يصبح هذا العلم واسع الانتشار ، كل واحد حوله خمسين شخصاً أو خمسة وعشرين ، ما بين زوجته ، وأولاده ، وجيرانه ، وعدلاته ، وأصهاره ، وإخوته، وأصدقاء إخوته ، وزملائه في العمل يصبحون خمسين ، فإذا حضر درس الأحد ، وعنده بالبيت الجامع الصغير ، الحديث تأثر فيه تماماً ولكن لم يحفظ نصه ، فتح الكتاب هذا نصه ، كتبه على ورقة ، وضعه بجيبته ، التقى بأخ مؤمن ، بصديق ، بصاحب ، أحسن من حديث لا طائل منه ؛ من حديث الأكل والشرب ، حديث النساء ، من أحاديث تبعث في النفس الضيق والاشمئزاز وضِّح له معنى هذا الحديث .
نحن مثلاً أمضينا سنة أو أكثر في كتاب بالفقه الحنفي مختصر مفيد "مراقي الفلاح" كتاب بالأسواق موجود ، إذا الإنسان اشتراه كذلك كون مكتبة فقه ، كتاب بالفقه أساسي، أراد أن يعرف شروط الصلاة ، مكروهات الصلاة ، سنن الصلاة ، الأركان ، يا ترى تكبيرة الإحرام رُكن أم شرط ؟ إذا الإنسان مثلاً نزل دم من يده هل يتوضأ أم لا يتوضأ ؟ إذا الدم سال يتوضأ إذا لم يسل لا يتوضأ ، كتاب قرأناه كُلَّه خلال سنة أو أكثر " مراقي الفلاح " أيضاً كتاب نقتنيه أحياناً إنسان يسأل نفسه سؤالاً ، يكون معه الجواب في الكتاب .
فأنا أريد أن هذا الشيء الذي نتعلمه أن يبقى له أثر ، والله درِّسنا فيه عشر سنوات تقريباً ، آلمني شخص قال لي : إنسان جاء لعندي لكي أفحصه ، هو خطيب مسجد سألته عدداً من الأسئلة فلم يعرف الجواب . قلت له : هذا الذي سألته عنه درسته خلال سنة ، موضوع النكاح ، سنة بكاملها . قال له : ما هو الطلاق البِدعي والطلاق السني ؟ قال لي : لم يعرف الجواب . مع أننا وقفنا في هذا الموضوع سنة بأكملها ، فالإنسان إذا لم يراجع الموضوع لا يقدر أن يحفظ ، إذاً كتاب مراقي الفلاح ببيوتنا ، كتاب الجامع الصغير ، فمن باب إذا سمعت شيئاً لطيفاً تتذكره ، أما القرآن فسهل ، تفتح سورة : ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى * وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ﴾
[ سورة الأعلى : 1-4 ]
يمكن تتذكر شيئاً كثيراً عن : ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
التسوية ، وشيئاً كثيراً جداً عن : ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
وعن : ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
يمكن سورة الأعلى تكون هذه الجمعة كلها مدار حديثك مع إخوانك ، مع أصحابك، مع أصدقائك ، مع جيرانك ، مع زوجتك ، مع أولادك ، والشيء اللطيف في العلم أنه يزكو على الإنفاق ، المال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق - أي يزداد - . اصطفاء الكتب المفيدة تفادياً لإضاعة العمر :
لكن هناك موضوع دقيق أحب أن أطرحه أمامكم : إذا إنسان عنده مكتبة لوالده ، وهذه المكتبة فيها ألف كتاب ، وعنده امتحان و هو في السنة الثالثة في الجامعة بعد أسبوع ، بكتاب مقرر هو مثلاً : الأحوال الشخصية في القانون المدني . أي كتابٍ إذا قرأه يستفد ؟ الكتاب المُقرر . لكن المكتبة فيها كتب كثيرة ؛ فيها قصص ، فيها مسرحيات ، فيها كتب علمية، ، فيها كتب بالتاريخ ، فيها كتب بالفلسفة ، كله نافع ومفيد، لكن الذي ينفعك أكثر من غيره أن تقرأ الكتاب المقرر لتؤدي به امتحاناً وتنجح .
فالآن الأخ المؤمن إذا الله وفقه يعرف أيْ كتاب في الحياة مقرر من قبل الله عز وجل ، فالكتاب المقرر : القرآن الكريم . فإذا أمضى حياته كلها في فهم كتاب الله وسنة رسول الله فقد نجح إلى الدار الآخرة ، ودخل جنةً عرضها السموات والأرض .
فلا تظن أن كل إنسان يقرأ يستفيد ، هناك كتب لا تقدِّم فائدة ، ممتعة، تُمتع ولا تنفع ، و هناك كتب تنفع ولا تُمتع ، وهناك كتب تُمْتِع وتنفع ، كمعرفة كتاب الله عز وجل .
شيء آخر ... الآن أريد أن أضرب أمثلة لأن الموضوع دقيق جداً، مثلاً يجوز أن يعطي تلامذته أكبر كتاب بالفقه " حاشية ابن عابدين " هذا الكتاب يعد أضخم كتاب في فروع الفقه لا في أصوله ، في فروعه ، حالات نادرة لا تقع ، تسعون بالمئة من حالات هذا الكتاب لا تقع ولم تقع ، فإذا أمضى الإنسان عمره كلَّه في معرفة هذا الكتاب وفهم دقائقه ، هل يكون قد ربح أم خسر ؟ خسر ، نافع لكنه ضيَّع معرفة الله ، ضيَّع معرفة نفسه ، ضيَّع العمل الصالح ، ضيع تطهير قلبه .
فالإنسان إذا كان يملك مئة ألف ، يريد أن يتزوج ، فاشترى مخرطة ووضعها ببيته هذه مفيدة ، لا تلزمك بكل عمرك ولا مرة ، تستعملها ربع ساعة ، حجزت غرفة بالبيت ، وثمنها مئة ألف ، استهلكت ثمنها ولم تستفد منها ، أما إذا كنت حكيماً فتأخذ غرفة ضيوف ، وغرفة نوم ، وتأخذ برَّاد ، وغسالة ، ومكواة ، و أداوت أساسية ، وأدوات مطبخ ، وتعيش حياة معقولة بهذه المئة ألف ، أما أن تأخذ بهذا المبلغ مخرطة وتضعها بغرفة الضيوف وتقف ، آلة عظيمة ، صح عظيمة ، مفيدة ؟ مفيدة ، أما هل هي مفيدة لك ؟ لا ليست مفيدة لك .
هذا المثل ضربته ، كذلك إذا إنسان أراد أن يغادر هذا البيت خلال ربع ساعة ، ومعه سيارة صغيرة ، عبِّئها ما شئت ، هل تضع فيها كنباية ؟ لا ؛ بل تضع فيها أجهزة ثمينة ، عندي آلة تسجيل ، فرن ، عندي جهاز ، حقيبة سمسونايت ، صيغة ، لا ، املأها كنباية واحدة وأمشي ؟ يجب أن تختار الشيء المفيد والنافع ، لأنه لا يوجد أوسع من الكتب المؤلفة !! فما يطبع في اليوم من كتب لا تكفي السنوات الطويلة لقراءته ، سنوات ، رقم لم أحفظه قد يحتاج إلى ثمانين سنة ، ما يطبع في العالم من كتب يومياً حتى يقرأه إنسان واحد يحتاج لثمانين سنة ، شيء مستحيل تحتاج اصطفاء .
فلذلك يجوز أن يكون هناك فصلاً بإحياء علوم الدين أنا أتجاوزه بكامله ، لا يتصل بحياتنا اليومية اتصالاً شديداً ، فهناك اصطفاء من قِبَل الذي يدرِّس ، هذا الاصطفاء مبني على معرفة أن هذا الموضوع له علاقة ماسة بحياة الإخوة الحاضرين اليومية .
حكم الصلاة داخل الكعبة . اذهب للحج ، لا يسمح لك أن تدخل داخل الكعبة ، فهذا الشيء مستحيل ، أحياناً هناك موضوعات بالمياه غير مجدية كثيراً ، في بيوتنا مياه نقية وطاهرة ، فالإنسان يجب أن يصطفي ، إذا ما اصطفى يضيع عمره سُدى ، لأن الموضوع دقيق جداً .

* * *
أنواع العلوم :
الإمام الغزالي يقسم العلوم - وأنا هذا الشيء قلته سابقاً - إلى ثلاثة أنواع : علومٌ بأمر الله ، وعلومٌ بمخلوقات الله ، وعلومٌ بالله .
العلم بمخلوقات الله برعت به أوروبا . أخي هذا مختص مثلاً بالأنف ، جاره مريض قال له : أنا أنفي هنا فيه ألم . قال له : أنا مختص بالشق الأيمن بالأنف ، هذه لا أعرف عنها شيئاً . المبالغة بالاختصاص لدرجة أن الإنسان يقضي حياته كلها في فرع دقيق دقيق دقيق من فروع المعرفة يكسب منه قوته ، عند الناس هذا عالم ، أما عند الله فليس بعالم ، لم يعرف آخرته، ولو معه بورد باختصاص معيَّن ، أما الإنسان عندما يعرف ربه ، يعرف لماذا خلقه ؟ يعرف ما الشيء المجدي في الحياة ؟ لا بد من عمل صالح ، لا بد من استقامة ، لا بد من فهمٍ لكتاب الله ، لا بد من تطبيق كتاب الله في الزواج ، في البيع ، في الشراء ، إذا عرف هذه المعرفة استفاد من علمه .
الحديث الشريف هو أرقى أنواع الفهم لكتاب الله :
إذاً الشيء الذي أود أن أقوله لكم ثانياً : كتابنا المقرر هو القرآن الكريم .
(( منْ أُوتِيَ الْقُرْآنَ فَظَنَّ أَنَّ أَحَداً مِنَ النَّاسِ أُوتِيَ أَفْضَلَ مِمَّا أُوتِيَ فَقَدْ عَظَّمَ مَا حَقَّرَ اللَّهُ))
[ ابن المنذر عن سفيان بن عيينة ]
(( لا يحزن قارئ القرآن ))
[ الجامع الصغير عن أنس بسند فيه مقال ]
(( ومن جمع القرآن متعه الله بعقله حتى يموت ))
[ الجامع الصغير عن أنس]
الحديث الشريف هو أرقى أنواع الفهم لكتاب الله ، قد يُسأل إنسان هذا السؤال : رسول الله ألم يترك تفسيراً لكتاب الله ؟ لو ترك تفسيراً لارتحنا من خلافات المفسرين ؟ نعم رسول الله ترك تفسيراً يقدر بألف أو ألفي صفحة ، تفسير النبي عليه الصلاة والسلام هو الحديث الشريف .. ﴿ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ﴾
[ سورة النحل: 44 ]
هذا هو الحديث ، إذاً الكتاب الأول الموجز المُعْجِز هو القرآن ، كتاب التفسير الأول الذي فَسَّره النبي عليه الصلاة والسلام الحديث الشريف ، هناك فقهاء كبار كالإمام أبي حنيفة ، والإمام الشافعي ، وأحمد بن حنبل ، والإمام المالكي ، فهموا فهماً دقيقاً من أحاديث رسول الله ، واستنبطوا منها أحكاماً في المعاملات ، في العبادات ، في الزواج ، في الطلاق ، في الإرث ، هذا هو الفقه .
إذاً لا بد من فهمٍ لكتاب الله ، وفهمٍ لحديث رسول الله ، وفهمٍ لبعض أحكام الفقه التي نحن بحاجةٍ ماسةٍ إليها ، ولا بدَّ من قراءة بعض سير الصحابة الكرام لماذا ؟ لأنك إذا قرأت سِيَرَهم تأكَّدت هذه القيم الأخلاقية السامية عن طريق الواقع ، أي أن هذه المُثُل العليا أصبحت وقائع عُليا . فالناس إذا قلت له : افعل كذا ، لا تفعل كذا . يقول لك : كفانا مثاليات ، الواقع هكذا ، فإذا قرأت عن الصحابة قصةً ترى أن واقعهم كان مثالياً ، لذلك يمكن أن نسمي " المثالية الواقعية " فالإنسان بالقصة يرى أن هذه المُثُل قد تجسَّدت ، والإنسان يتمنى أن يكون له قدوة بالحياة .. ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾
[ سورة الممتحنة: 6 ]
مضمون دروس الأحد و الجمعة من أصول العلوم الشرعية الكبرى :
من هذه المُنطلقات جعلت درسي الجمعة والأحد بين التفسير والتفكير، وبين الحديث والفقه والسيرة ، هذه أصول العلوم الشرعية الكبرى ، لكن لا أعرف مدى استيعاب هذه الحقائق عند الإخوة الحاضرين ، يا ترى هناك فهم دقيق ؟ هناك استيعاب ؟ هناك تمثُّل ؟! أما موضوع تباركنا بحضور الدرس وانتهى الأمر؟ فهذه الكلمات التي لا معنى لها ، لا أحبها كثيراً ، كلمة :
﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ ﴾
[ سورة الملك : 1 ]
كلمة قرآنية ؛ لكن هذه الكلمة القرآنية العظيمة المقدَّسة استخدمها الناس استخداماً مفرغاً من مضمونه ، فإذا أحب أن يجاملك يقول لك : تباركنا ، كيف تباركت ؟ البركة حصلت، الله يبارك فيك ، تباركنا سيدنا. هذا كلام ليس له معنى ، ما معنى تباركت ؟ هل هناك آية فهمتها وتأثرت بها وذكرتها وطبقتها ووجدت نتائجها ؟ كلامك صحيح ، الآن أنت تباركت ، إذا كنت قاعداً مثلاً وسمعت آية غض البصر ، في اليوم الثاني غضضت من بصرك ، دخلت لبيتك وجدت نفسك سعيداً ، هذه الشحناء والبغضاء والخصام ، وأنك ترى الزوجة بشكلٍ لا يرضيك ، وهي تتحدَّاك دائماً وتستعلي عليك ، حينما غضضت بصرك عن محارم الله ، دخلت إلى البيت فرأيت زوجتك امرأةٌ أخرى وديعة ، راقت لك في نظرك ، بقي الجو بينكما أليفاً ، لطيفاً مقدساً ، فيه احترام ، ومودة . والله جميل ، هذا كتاب الله ، هذه قاعدة من قواعد الحق ، الآن تباركت يا أخي ، تعلمت آية وطبقتها ، وقطفت ثمارها ، الآن تباركت ، أما قبل أن تطبق فليس هناك بركة ، هذه بركة موهومة ليس فيها شيء . الانتقال بالناس من الاستماع إلى التطبيق :
لذلك خطر في بالي أن نعمل لقاء إما هنا أو في جامع آخر ، أنا عندي ثلاث رخص في ثلاثة جوامع ، بالنابلسي ، والحاجبية ، والعفيف ، فهذا اللقاء لا يوجد كلام من طرفي أبداً ، إجابات من طرفكم ، مثلاً نعمل مذاكرة بدرس الجمعة لنرى كلمة مثلاً:
﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
ما معنى التسوية ؟ إذا إنسان استوعب التسوية ، فالكون كله فيه تسوية ، الشمس فيها تسوية ، القمر فيه تسوية ، النجوم فيها تسوية ، الماء فيه تسوية ، الهواء فيه تسوية ، الجبال فيها تسوية ، السهول فيها تسوية ، الصحارى فيها تسوية ، فوضحت معنى : ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
خلال ثلث الساعة تقريباً ، و إذا عملنا لقاء ثانياً فلا يوجد من قبلي شيء أبداً ، من قبلي أسئلة فقط ، ما معنى : ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
يجوز أن نسأل : ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
ما معنى ؟ ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
ما معنى ؟ ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة الأعلى : 1]
لما لم يقل : سبح ربك الأعلى . لماذا : سبِّح اسمَ ؟! هذه أيضاً وضحتها ، وما معنى ربك ؟ ولماذا الأعلى ؟ ماذا تعني سبِّح ؟ أيْ نَزِّه ، كيف أنزِّه ؟ هذا أمر ضمنه أمر، خذ شهادة ، أيْ ادرس ، هل عرفت الله كي تسبِّحه ؟ معنى التسبيح التوجيه ، معناه الإيجابي التعظيم ، فإذا حصلت مذاكرة في درس الجمعة ، ومذاكرة في درس الأحد ، وسؤال عن تفكير الإنسان اليومي في آيات الله الكونية ، فإن الإنسان ينتقل من مستمع.
نحن كنا في الجامعة بالستينات كان يوجد نظام ألغي الآن ، نظام مستمع ، وطالب نظامي ، المستمع ليس له شيء ، له حق أن يدخل ليحضر محاضرة ، لكن له شهادة خاصة لا تؤهِّله أن يعيَّن بموجبها ، أما الطالب النظامي فهذا الطالب يعطى شهادة تؤهِّله أن يعين بموجبها، يخطر ببالي أحياناً أنه بموسم الشتاء الإخوة الحاضرون يزدادون ، أنا أسميت هذا القسم : زبائن شتوية طلاب العلم شتويون . في الصيف يكونون سارحين خارج البلد ، في الشتاء يقول لك : والله لا يوجد شيء ، الدنيا برد ، أحسن شيء أن نذهب إلى الجامع . العمَّال الموسميون ليس لهم تقاعدية ، وليس لهم تأمينات اجتماعية ، لأنه عامل موسمي ، أما العامل الدائم فله تقاعدية ، وله تأمينات اجتماعية ، فإذا الإنسان كان مريداً موسمياً شتوياً مثلاً ، هذه مشكلة ، نحن نريد مريداً دائماً ، نريد طالباً نظامياً ليس طالباً مستمعاً .
فإذا أكرمنا الله بلقاء ، وحاولنا فيه أن نتذاكر درس الجمعة ودرس الأحد والتفكير اليومي والحديث منكم فقط ، ليس مني ، لعل هذه الحقائق تثبت ، لعل الإنسان قبل أن يأتي إلى الدرس يقول : ماذا أخذنا في درس الجمعة ؟ يفتح المصحف ، يتذكر ، لعله يجلس مع أخيه يقول له : انظر إلى تلك الآية : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
تكلمت عنها عشر دقائق ، أيْ هناك موضوعات خلافية بين الناس ، المرأة نصف المجتمع ، فهل تشتغل أم لا تشتغل ؟ بهذه الموضوعات ، ربنا قال : ﴿ وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ ﴾
[ سورة الأحزاب: 33 ]
﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
يا ترى إذا كان هناك ربا بنسبة قليلة ، هل هناك مانع ؟ أم لا يوجد مانع ؟ هل ندع المال مجمداً ؟ نستفيد ، يعطونا شيئاً من الفائدة !! ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
[ سورة البقرة: 276 ]
حقائق . ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾
[ سورة فاطر: 14 ]
إذا الإنسان طبَّق كلام الخبير يستقيم ، هذا خبير ، كلام ربنا كلام خبير .. ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾
[ سورة فصلت: 42]
على كل مسلم أن يكون له أثر إيجابي في حياته :
هناك طموح بنفسي أن يكون كل واحد منكم عالماً ، فلست فرحاً أن أتكلم والكل يستمعون ، ويتأثرون ، وليس هناك أثراً إيجابياً بحياتهم اليومية ، يجب أن يكون كل واحد منكم أمة ، كل واحد خمسون ، رقمه خمسين عند الله عز وجل ، فالواحد بين زوجته ، وأولاده، وأصهاره ، وبين إخوانه ، وأصدقائه ، وأحبابه ، وجيرانه ، وزملائه ، وعدلاته ، ومن تعرَّف عليهم ، ومن لم يتعرَّف عليهم ، هؤلاء نسبة كبيرة ، إذا درس حديثاً شريفاً وبلَّغ الناس فله أجر كبير .
مثلاً :
(( الذنب شؤم على غير صاحبه ))
[ كنز العمال عن أنس ]
والله شيء جميل ، الذنب كله شؤم ، ليس على صاحبه فحسب بل على غير صاحبه . إن عيره ابتلي به ، وإن اغتابه أثم ، وإن رضي به شاركه.
صار هناك مشكلة ثانية الآن ، فلان أذنب ، أنت إياك من ذنبه ، إياك أن تتكلم عنه وقعت في غيبته ، إياك أن تشمت فيه ، تقع بنفس الذنب ، إياك أن ترضى بذنبه ، شاركته في الإثم . هذا حديث يُحكى ؛ يحكى للأهل ، للأولاد ، للأصدقاء .
فهذه المقدمة أردت منها أن الإنسان يتطور ، من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، المغبون من تساوى يوماه أي من كان يومه كأمسه .
وهناك ملاحظة ثالثة : إذا كان يعمل في مصلحة واحدة أخوان أو ثلاثة ، جيران ، أقارب، التقوا بين بعضهم أثناء الجمعة لقاء ، وتذاكروا درس الجمعة والأحد ، ما الذي يحصل ؟ مثلاً أحدهم لا سمح الله والدته مريضة قعد في درس الجمعة ، وصلت عند قوله تعالى : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
يا ترى آخذ لها هدية ؟ آخذ لها وردة أم فواكه ؟ هو يفكر ، فمرَّت الآية : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
فشرد . إذا كان له جلسة مذاكرة مع صديقه ، أو مع أخيه ، أو مع جاره بهذا الموضوع ، هو غاب عن هذه الآية ، يقول له أخوه : ماذا قال الأستاذ عن آية : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
يقول له .. معنى هذا أنه استجمع كل الموضوع ، ففي المذاكرة فائدة كبيرة جداُ ، فإذا كنا نريد الانتقال للاستماع من طلاب غير نظاميين ، من مريدين شتويين فقط ، من عمال موسميِّن ، إلى طلاَّب نظاميين ، إلى طلاب علم حقيقتين ، إلى إنسان يتعلَّم ويعلم : (( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))
[البخاري عن عثمان]
خيركم . إذا أردت أن تكون - وهذه صنعة الأنبياء - أن تدعو إلى الله عز وجل هذه صنعة الأنبياء ، إذا أردت ذلك فتحتاج إلى أن تذاكر ، وأن تقرأ ، وتحتاج إلى أن تراجع ما سمعته في درس الجمعة ، لا بد أن تجلس مع نفسك وتفتح المصحف ، تكلم عن : ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة الأعلى : 1]
والله أشياء جميلة جداً ، إذا تكلمنا عن الامتصاص الشعري ، تكلمنا عن أن الشجرة إذا منع عنها الماء كأن فيها عقلاً ، تتخلى عن أوراقها أولاً - تأخذ ماء الأوراق - تتخلى عن الأغصان الصغير تأخذ ماءها فتيبس ، تتخلى عن الأغصان الكبيرة تأخذ ماءها تيبس الأغصان ، تتخلى عن جذعها ، ييبس الجذع ، حفاظاً على جذرها الذي هو أصل حياتها ، لو لم يكن هناك خالقاً كان أول شيء يموت الجذر مكان انقطاع الماء ، لكن ربنا عز وجل قال : ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
من الذي هدى الشجرة أن تسلك في الحفاظ على جذرها هذا السلوك ؟ من هدى النحلة ؟ من هدى النملة أن تأكل رشيم القمحة ؟ إذا كانت تخزن القمح مع الرشيم ينمو ، وكرها من تراب وفيه رطوبة ، ينمو القمح يخرب لها عشها ، من الذي قدَّر ذلك ؟ نحن إذا كنا نبذل جهداً كبيراً في توضيح آيات القرآن الكريم ، والإنسان لم يراجعها في بيته ، ينساها، أما إذا فتح المصحف فتحة ، ورأى ما قيل ، وأحب أن يسجل كلمتين في البيت ، وجلس مع أخيه ، مع صديقه ، لكي يتذاكروا هذا الكلام، حتى إذا أتى إلى الجلسة الثالثة وسألناه عن: ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
عن معنى : ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة الأعلى : 1]
عن معنى : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ ﴾
[ سورة الطارق : 13]
كيف أن الله يكيد ؟ .. ﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾
[ سورة الطارق : 15-16]
الله يكيد ؟ هل يسمَّى الله الكائد ؟ لا ، لا يسمى الله الكائد ، كيف يكيد ؟ هذه لها تفصيل لطيف جداً ، وهكذا . مطلوب منك التطور من مستمع إلى منتج ومن متعلم إلى عالم:

إن شاء الله أنا أسعى جهدي أن أختار لكم أجمل ما في الكتب ، وأجمل ما قاله المفسِّرون ، وأجمل ما فسَّره المفسرون عن حديث رسول الله ، بقي عليكم إذا كان الكتاب قيِّماً أن تقتنوه ، فأنا أرى أن الكتاب مهما كان ثمنه مرتفعاً هو أرخص شيءٍ في الحياة ، السبب : هناك كتاب نحو ، مؤلفه أمضى في تدريس النحو في جامعة القاهرة أربعين عاماً ، خُلاصة خبرته ، وعلمه ، وتعمُّقه ، وفهمه في النحو والصرف ألفه في كتاب ، أربعة أجزاء ضخمة ، أنا أخذته بستين ليرة قديماً . الآن ثمنه : مئة وأربعون . هذا إذا كانت اللغة عربية اختصاصك فرضاً ، ألا تشتري عقل من بذل جهد مضنٍ مدة أربعين سنة ، وصبَّه بكتاب بمئة وعشرين ورقة؟!! الكتاب رخيص وليس غالياً ، كتاب أحاديث رسول الله مثلاً عشرة آلاف حديث بخمسة وثلاثين ليرة ، ثمنه ثمن غداء واحد ، أوقية ونصف لحمة بخمسة وأربعين ، بعد ساعتين أين الغداء ؟ راح . أما هذا الكتاب فباقٍ .
إذاً هذه مقدمة وهي طموح من قبلي إلى تطوير الإخوة الحاضرين من مستمعين إلى منتجين ، من متعلِّمين إلى علماء ، من مهديين إلى هاديين ، اللهم اهدنا واهد بنا ـ هكذا الدعاءـ وأنت عندما ترى شخصاً أثّر فيك ، واستقام بعد توجيهك ، وصلى صلاة صحيحة ، وصارت له وجهة إلى الله عز وجل ، وأخلاقه سمت ، هو وزوجته وأولاده ، يمكن أن تأتيك سعادة لا يعلمها إلا الله !!
ألا تقولون أنتم في الأوراد : اللهم صلِّ على أسعدنا محمد ؟ ما معنى أسعدنا ؟ أي أسعد خلق الله قاطبةً ، وإذا دعوت إلى الله فأنت تعمل عمله ، صنعتك من صنعته ، لذلك شعور الذي يدعو إلى الله بأن الناس استفادوا منه ، واستقاموا على أمر الله ، وتمثَّلوا كتاب الله، وفهموا سنة رسول الله ، هذا شعور لا يوصف .
أقول لك أنا مرة قرأت أربع كلمات في مجلة مترجمة ، تركت في نفسي أثراً كبيراً " إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين " .
تجلس مع شخص ممل ، متشائم ، منقبض ، يقرف ويقرِّف ، تكون حالته المادية جيدة ، ومعه شهادات عُليا ، لكن كونه أنانياً يستقطب ذاته في كل شيء ، يحب نفسه فقط ، هذا إنسان لا قيمة له . تجلس مع إنسان آخر يحب الآخرين ، يحب أن يهديهم ، يقول لك : والله جلسنا ساعة لم نشبع منه ، انبسطنا كثيراً ، لماذا انبسطت كثيراً ؟ لأنه غيري ليس ذاتياً ، ليس يبحث عن ذاته ، يبحث عن سعادة الآخرين . فمن هذا المنطلق أريد إن شاء الله تعالى أن نرتقي . من لم يكن في زيادة فهو في نقصان ، المغبون من تساوى يوماه ، كل إنسان يحاسب نفسه . (( حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ قَبْلَ أَنْ تُحَاسَبُوا... ))
[ الترمذي عن شداد بن أوس ]
فإذا طالب ذهب إلى المدرسة ، ولبس هذا اللباس النظامي المدرسي ، أو لبس لباساً جامعياً ، هناك لباس موحد ، أين ذاهب ؟ إلى الجامعة . من أين أتيت ؟ من الجامعة . أول سنة بالجامعة ، الثانية بالجامعة ، الثالثة بالجامعة ، الرابعة بالجامعة . معنى ذلك أنك ستتخرج مدرساً أو طبيباً ، بعد عشر سنوات أخي لم تأخذ شهادة ؟ لا والله لم آخذ شهادة . محسوب على الناس أنك طالب جامعي ، أين الشهادة ؟
أما إذا كنت طالباً جامعياً فعلياً ، بالأخير ستكون طبيباً ، تفتح عيادة ، تختص بالقلب ، يأتي عندك مريض ، تشغل الجهاز دقيقتين ، يظهر شريط طويل عليه حركات . ماذا تريد ؟! والله أريد مئة وخمسة وسبعين ، مئة تخطيط والباقي معاينة ، عشرون زبوناً تأخذ باليوم ألفي ليرة ، إذا كان طالباً جامعياً و تخرج سيحصل على خمسمئات في المساء ، أما رحنا على الجامعة ، وأتينا من الجامعة ، ولم نأخذ شهادة ماذا استفدنا ؟
فإذا إنسان جاء إلى الجامع ، وراح من الجامع ، والله عندي درس بالجامع . بارك الله ، نفعنا الله ببركتك . من أين أتيت ؟ كنت بالجامع . أهلاً وسهلاً . إلى أين ذاهب ؟ إلى الجامع . بعد عشر سنوات ماذا حصل معك ؟ أنت أنت ، لم نستفد ، لكن بعد عشر سنوات هديت عشرة ، أنت سعيد ، أسعدت الآخرين ، عرفت ربَّك ، عرَّفت الناس بالله عز وجل ، كنت كوكباً دُرِّياً ، صرت مصدر سعادة الآخرين ، والله شيء جميل ، معنى هذا أن الجامع أثمر ، على كل حال الجامع مُذَكَّر والجامعة مؤنَّث ، وتعليم الجامع خيرٌ من تعليم الجامعة .
* * *
طلب العلم فريضة :
لا زلنا مع إحياء علوم الدين ومع فصولٍ مختارة من هذا الكتاب .
روي عن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وآله أنه قال :
((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ ...))
[ابن ماجه عن أنس بن مالك]
دائماً افهم المعنى اللغوي للكلمات . أنا أقول لك : تنفُّس الهواء فريضة . هل فهمت معنى الفريضة ؟ تنفّس الهواء فريضة ، شُرب الماء فريضة ، أكل الكرز ليس فريضة . فما معنى أكل الكرز ليس بفريضة ؟ تعيش من غيره ولا يحدث شيء ، ولا نشتريه إذا كان غالي الثمن ، أما تنفس الهواء ففريضة ، تناول الطعام فريضة ، شُرب الماء فريضة ، قال عليه الصلاة والسلام : ((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ ...))
أي من دون هواء يموت الإنسان ، من دون ماء يموت ، من دون طعام يموت ، من دون علم تموت نفسه ، قال تعالى : ﴿ أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ﴾
[ سورة النحل 21 ]
ميِّت لا يفهم شيئاً ، واقع بالحرام ، ماله حرام ، مُنحرف ، بيته مسيَّب ، زوجته تقوده إلى جهنم ، تجارته تقوده إلى جهنم ، يدخل جهنم من أبوابها كلها ، فجهنم لها سبعة أبواب، يقول لك : ماذا ينقصني ؟ أنا مؤمن أكثر منك ؟! لأنه لم يحضر مجلس علم .
أحدهم ذكر لي بالغرفة بعد الخطبة قصة من ثماني سنوات وصار يبكي ، قال لي موضوعي كبيرة جداً . ما قصتك قل لي خير إن شاء الله ؟ إذا كان الرجل يبكي فليس هذا الشيء سهلاً ، أنت تقبل بكاء طفل ، قد يكون زعبرة ، تقبل بكاء امرأة ؛ المرأة تبكي وتبقى مكانتها هي هي ، أما إذا كان الرجل بكى !! طبعاً بكاء العاشقين هذا لوحده ، هذا يرقى لأعلى عليين ، دعونا من بكاء العاشقين فهذا نادر الآن ، أما رجل يبكي لأمور الدنيا ، فما القصة ؟
قال لي : عندي زوجة ، وأنا لا أعرف ، عندنا جار صار يدخل لعندنا أكثر من سنتين ، وأنا أحضر من عملي ، وآكل الأكل المعد لي ، وأغط في النوم ، مرة الكأس لم أشربه، ودخل جارنا لعندنا ، وعندي منها خمسة أولاد ، وهي تخونه من سنتين ، كل يوم ، كل يوم وهي تسقيه مادة مخدرة .
ـ قلت له : من أين تعرفت على جارك هذا ؟
ـ قال : والله أنا أدخلته إلى البيت ، قلت له مرة : تفضل لعندنا ، أم فلان هذا مثل أخيك تعالِي .
مثل أخيها ، هو أمرها لكي تسهر معهم ، هذا لو كان حاضراً مجلس علم هل يفعلها ؟ لا ، لا يفعلها ، هذه بالعلاقات الاجتماعية .
بالتجارة ، كل غلطة يرتكبها التاجر يفلِّس من ورائها ، يكون عمله غير شرعي، أحدهم أخذ له كذا مليون ، ضرب أخماس بأسداس ، يأخذ قرضاً بفائدة ، يشتري بضاعة ، يأخذ رعبونها ، ويبيعها ، يربح مليونين أو ثلاثة . لكن الله قال : ﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا ﴾
[ سورة البقرة: 276 ]
قال : ﴿ فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
[ سورة البقرة: 279 ]
باع سيارته ، وباع أول بيت بالمَيْسات ، وباع البيت الثاني ، وبقي عليه خمسة ملايين وهو مفلِّس ، وباع معمله كذلك ، اقترض خمسة عشر مليوناً كي يربحوا خمسة ملايين ، فبيعوه المعمل والبيتين والسيارة ومازال عليه خمسة ملايين . هذا لو كان حاضر مجلس علم كان حصل معه ذلك ؟ لا لم يحصل هكذا .
أحدهم أتى من الكويت معه نقود يريد شراء بيت ثمنه مئة ألف ، أعطاهم لشخص قال له : دعهم معك . أعطاهم لعمه والد زوجته ، هذا عمه لا يوجد عنده دين ، أخذهم ووضعهم بالبنك باسمه . أين النقود ؟ ليس لك عندي شيء ، هذه ضمانة للمرأة . أنتم أخذتم متأخر ومهر وكل شيء . لا. فهل كتب لك إيصال بذلك ؟ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ﴾
[ سورة البقرة: 282 ]
و هناك شخص آخر اتفق هو و شريكه على صفقة بعشرة آلاف ، أخذوها شراكة بينهم ، صار ثمنها ستمئة ألف ، قال له : ليس لك عندي شيء خذ هذه عشرة آلاف . لم يكتبوها ، هذا العقد لم يكتبوه لو كان حاضر مجلس علم هل صار معه ذلك ؟
أنا أسمع فجائع ، أسمع مصائب كبرى بسبب الجهل ، فطلب العلم سُنّةٌ أم فريضة؟ فريضة . ليس لك خيار ، إيَّاك أن تظن أنك صاحب مصلحة لماذا أكون عالماً ؟ هذا العلم فرض عين على الناس ، طبيب ، مهندس ، صاحب مصلحة ، نجَّار ، لحَّام ، هذا فرض عين على كل إنسان . العلوم بعضها فرض عين و بعضها فرض كفاية :
(( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ))
[ابن ماجه عن أنس بن مالك]
اختلف الناس في هذا العلم ، بعضهم قال : علم الفقه ، إذ به يعرف الحلال والحرام، هذا الكلام فيه شيء من الصحة ، وليس فيه الصحة كلها .
وبعضهم قال : علم الكتاب والسنة إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها . وبعضهم قال والصوفية قالت : علم الإخلاص وآفات النفوس .
والفلاسفة قالت : علم الفلسفة .
الفلاسفة قالوا : الفلسفة . الصوفيون : علم الإخلاص . المفسرون : علم الكتاب . الفقهاء : الفقه . المحدثون : علم الحديث . صار هناك اختلافاً ، كل هذه الأقوال صحيحة جزئياً ، والصحة المطلقة أن تأخذ بها جميعاً لأنها علوم يُكّمِّلُ بعضها بعضاً .
فإذا الإنسان أمضى كل حياته بفهم أوسع كتاب بالفقه ، وما عمل عملاً صالحاً ، وما تعرف إلى الله عز وجل ، وما استقام على أمره ، هل أفلح ؟ لا لم يفلح . هذا الكلام فيه جزء من الصحة وليس الصحة كلها .
لكن الإمام الغزالي يقول : والصحيح أنه علم معاملة العبد لربه . العلم المُجدي زائد مجموعة أعمال تقوم بها كل يوم ، زائد مجموعة أعمال تنتهي عنها كل يوم . فإذا فعلت ذلك فقد نجحت وأفلحت .
هذه العلوم فرض عين كما أقول لكم ، لا أحد يقول : أنا معفى منها ، فرض عين. أما فرض الكفاية فهو كل علم لا يستغنى عنه في قوام علوم الدنيا ، كالطب ، الطب فرض كفاية ، فإذا لم يتعلم المسلمون الطب أثموا جميعاً ، فإذا تعلم الطب بعضهم رفع عنهم الإثم هذا معنى فرض كفاية .
والحساب ، فهذه العلوم لو خلا بلدٌ ممن يقوم بها لأثم أهل البلد كلهم ، وإذا قام بها واحدٌ كفى وسقط الفرض عن الباقين ، أما التعميق في دقائق الحساب ودقائق الطب وغير ذلك فهذا يعد فضلاً لأنه يستغنى عنه .
طبعاً هناك تعليق على هذا الكلام ، الآن لا بد من التعمُّق ، كان فيما مضى يستغنى عن التعمُّق ، الآن الأمور معقدة جداً لا بد من أن تتعمق ، صار التعمق بهذا العلوم يجب أن يكون فرض كفاية .
العلم قد يكون مباحاً كالعلم بالأسعار التي لا تخفى فيها ، وتواريخ الأخبار ، علم التاريخ مباح ، علم الجغرافية مباح ، الأدب العربي غير السخيف غير الساقط مباح تعلُّمه ، وقد يكون بعضها مذموماً كعلم السحر والطلسمات والتلبيسات ، أما العلوم الشرعية فمحمودةٌ كلُّها وتنقسم إلى أصولٍ وفروعٍ ومقدِّماتٍ ومتممات ، فالأصول كتاب الله تعالى ، كتاب الحياة ، هذا كتابك المقرر طوال الحياة ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، والله الذي لا إله إلا هو ، آية تقرأها ألف مرة لا تحس إلا أنها جديدة ، وكل مرة الله عز وجل يكشف لك طرفاً من معناها. كل آية يقرأها الإنسان ثانية يحس أنها آية جديدة :
إذا قرأت كتاب الله اقرأ معه هذه الآية :
﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي ﴾
[ سورة الكهف : 109 ]
كل واحد منا يعرف القلم والدواية ، إذا عنده دواية ، وكان طالباً جامعياً تكفيه سنتين، يعبئ فيها مسودات كثيرة كما يقولون ، يقول لك : انظر هذه كلها دفاتر السنة الثالثة ، كلها بالحبر الأزرق ، وهذه السنة الرابعة ، كلها من دواية حبر ، الذي عنده لتر من الحبر ، إلى متى تكفيه هذه ؟!! منذ أن بدأ بالكتابة إلى آخر صف بالجامعة ، لتر حبر يكفي الطالب منذ أن بدأ بالكتابة وحتى آخر صف في الجامعة ، هذا اللتر يكفي لخمسة شباب ، إذا عنده مستودع متر بمتر من الحبر ، اشترى مستودعاً مساحته متر بمتر وعبَّأه بالحبر ، هذا إلى متى يكفيه ؟ هذا يكفي الأسرة كلها ولعشرة أجيال ، إذا عنده مستودع تحت الأرض خمسة أمتار مكعبة ، مئة متر مكعب من الحبر ، إذا عندنا نهر بردى حبر ، كله حبر ، إذا عندنا بحيرة قطينة كلها حبر، فهذه ماذا تكفي ؟ تكفي أبناء القطر ليوم القيامة . ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي ﴾
[ سورة الكهف : 109 ]
لو كان البحر كله حبراً لتفسير كلمات الله .. ﴿ لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ﴾
[ سورة الكهف : 109 ]
فهذا الكتاب كتاب العُمر ، اقرأ سورة لكن بإخلاص ، هذه المرة الواو ، هذه المرة الفاء ، هذه المرة التقديم ، التأخير ، التنكير ، التعريف ، الإيجاد ، التفصيل ، كلما قرأت كتاب الله ، يمكن كلمة : ﴿ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ﴾
[ سورة الأعلى : 3 ]
أعتقد أنه يكتب عندنا ألف صفحة ، كلمة : ﴿ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ﴾
[ سورة الأعلى : 2 ]
يحكى عنها ألف صفحة . العلوم الشرعية كلها محمودة وتنقسم إلى أصولٍ وفروعٍ :
لذلك العلوم الشرعية كلها محمودة ، وتنقسم إلى : أصولٍ وفروعٍ ، ومقدماتٍ ومتممات . فالأصول كتاب الله تعالى ، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم . والفروع ما فهم من هذه الأصول من معانٍ تنبَّهت لها العقول حتى فهم من اللفظ الملفوظ وغيره ، كما فهم من قوله :
(( لا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ ))
[ابن ماجه عن بكرة عن أبيه]
هذا قول لسيدنا رسول الله : " لا يَقْضِي الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ " بعض العلماء استنبط من القول : لا يقضي القاضِ وهو جائع كذلك ، لأن أثر الغضب مشابه لأثر الجوع ، إذا إنسان جائع ولم يأكل صباحاً ، ويريد أن يفصل القضية الساعة الثانية ، لم يعد يدقق بالدعوى نرفز من أحد المدعيين ، إذاً استنباط .
والمقدمات هي التي تجرى مجرى الآلات ، كعلم النحو ، والصرف ، واللغة ، فإنها آلات تعد كالمُقدمات لفهم كتاب الله ، ومتممات كعلم القراءات ، وتجويد قراءة القرآن ، ومخارج الحروف ، والعلم بأسماء رجال الحديث وعدالتهم وأحوالهم فهذه علوم متممات .
عندنا أصول ؛ كتاب الله وسنة رسوله . عندنا فروع ؛ ما فهم من كتاب الله . عندنا مقدمات ؛ كعلم اللغة والنحو والصرف . عندنا متممات ؛ كعلم القراءات والتجويد ومخارج الحروف وما شاكل ذلك ، هذه علوم شرعية كلها .
وسوف نفصل الحديث عن بعض العلوم الأخرى في الدرس القادم إن شاء الله تعالى فسبحان الله هذه المرة الرابعة أحاول أن أقرأ لكم قصة صحابي جليل والوقت لا يتسع لذلك ، إن شاء الله نعود إلى سيرتنا الأولى في قراءة قصةٍ في كل درس .
الذي طرحته في أول الدرس أتمنَّى أن يكون في قلوبكم موضوع اقتناء الكتب التي أدرِّسها ، ومراجعة هذه الأحاديث تغني عن الكتابة ، بدلاً من الكتابة كتاب عندك بالبيت تفتحه، ماذا أخذنا اليوم ؟ ومحاولة نشر هذا العلم . (( خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ ))
[البخاري عن عثمان]
وإن شاء الله أبلغكم في وقت آخر عن درس مذاكرة ، والذي يحب أن يكون طالباً نظامياً يأخذ شهادة ، يستفيد من علمه ، فقد صار هناك سؤال وجواب ، صار يريد أن يراجع درس الجمعة ، ويراجع درس الأحد ، ويفكر تفكيراً صباحياً يومياً ، يعمل مذاكرة مع إخوانه ، أربعة أو خمسة حسب القرابة أو المكان ، حتى يكون أهلاً ليجاوب بالدرس الذي هو كله لكم وليس لي .


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 09-08-2018, 01:27 PM   #10


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: الفقة الاسلامى 2



بسم الله الرحمن الرحيم


الفقة الاسلامى - 2

الدرس : ( العاشر )

الموضوع : الحضانة -1






مقدمة الدرس:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حضانة الطفل في الإسلام:
أيها الأخوة الكرام، قبل أن نتحدث عن الحضانة، هناك موضوع يتصل بها، وهو: الرحمة المودعة في قلوب الآباء والأمهات تجاه أولادهم:
الله سبحانه وتعالى سخر الآباء والأمهات لتربية الأولاد، لولا أن الله سبحانه وتعالى جعل الطفل محبباً إلى والديه في حركاته وسكناته، وفي كلامه، وانفعالاته،وفي كل تصرفاته، لما ربّت أم ابناً.
يعني مما يقال ـ لا على سبيل قصة واقعية ولكن على سبيل قصة رمزية ـ أن أماً كانت تقبل ابنها وهي تخبز الخبز في التنور، فعجب أحد الصالحين لهذه الرحمة، تضع الرغيف في التنور وتقبل ابنها، فوقع في قلب هذا الإنسان الصالح أن: " يا عبدي، هذه رحمتي لو نزعتها منها، لألقته في التنور "، فإذا رأيت أماً ترعى ابنها، أو رأيت أباً يكدح ويشقى من أجل أولاده، فهذه رحمة الله بهذا المولود، آية في القرآن عن سيدنا موسى ولكنها تصلح لكل أطفال العالم، وهي قوله تعالى: ﴿ أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾
( سورة طه، آية39 )
يعني: لولا هذه المحبة التي ألقيتها عليك لما رباك أحد
فلو تصورنا أن الله سبحانه وتعالى نزع الرحمة من قلب الأب والأم، لهلك الناس وانقرض النوع البشري، ولكن هذه رحمة أودعها الله في نفس كل إنسان، كافراً كان أو مؤمناً، فالمرأة الكافرة، ألا تربي ابنها، إنها تربي ابنها وتعطف عليه، وكذلك البهائم، هذه التربية التي بموجبها يرقى النوع البشري ويسعد الأبناء برعاية الآباء هي مظهر من مظاهر رحمة الله عز وجل.
مما يتصل بهذا الموضوع قوله تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
( سورة النساء، آية1 )
أرأيتم كيف يسأل الابن أباه بإلحاح ؟، هل يستطيع الطفل الصغير أن يمسك رجلاً في الطريق ويقول له أعطني ثمن معطف في الشتاء ؟ لا يستطيع، لكنه يأتي إلى أبيه ويطلب منه هذا الطلب ويلحّ عليه، ويغضب ويزمجر، وأخيراً يستجيب الأب له، ويحرم نفسه الحاجات الأساسية ليوفرها لأبنائه..
ما الذي جعل هذا الأب يستجيب لهذا الابن ؟ الله تعالى.
من الذي جعل هذا الابن يلح في الطلب على الأب ؟ الله تعالى.
إذاً، إذا رأيت أباً يعطف على ابنه، إذا رأيت أماً تحدب على أولادها، إذا رأيت ابناً يعرف مكانته عند أبيه وأمه ويحمّـلهما ما لا يطيقان، فهذا من رحمة الله عز وجل، لكن الشرع الشريف ضمن مصالح الصغير في حالة فقد أبيه، أو في حالة فقد أمه، أو في حالة الوفاة، أو في حالة الطلاق، هذا هو موضوع درسنا اليوم، أما الوضع الطبيعي فمعجزة.
مرةً خطر في بالي أنه، مهما بُذِلتِ العناية من جهات أخرى غير الأم، لا تغني عن الأم، مهما كان البناء فخماً.. حدائق، مطاعم فخمة، قاعات مطالعة، رعاية توجيه، مدرسون متفرغون، إذا فقد الابن أمه لا شيء يعوضه عن أمه، يعني لو أن الإمكانات كلها وضعت من أجل أن نعوض هذا الابن عن أمه لا نستطيع.
أنشئت قرى للأطفال، فيها مربيات يتقاضين رواتب شهرية ضخمة، يطبخن لهم، يعني كأن المربية أم، ولكن الأم الحقيقية لا شيء يعدلها، وكذلك الأب، لذلك هذا الموضوع أحد موضوعات التفكر، يعني إذا رجل أحب أن يتـفكر في رحمة الله عز وجل، فلينظر إلى هذه الرحمة الابتدائية التي وضعت في قلب الأم والأب من دون جهد.
المؤمن رحيم.. على من رحيم ؟ رحمة المؤمن على أولاده شيء بديهي، ولكن الشرع الحنيف حينما تحدث عن رحمة المؤمن قال: ولكنها رحمة عامة.
أن تكون الرحمة خاصة، هذا شيء بديهي مفروغ منه، ولا يستطيع الأب أن يدلَّ به على الله، لأن الله أودعه فيه، مثال ذلك، عندما الطالب يستخدم آلة حاسبة في الامتحان، يضع رقماً كبيراً ويضغط على الجذر التربيعي، فخلال ثانية يأخذ الجواب، هل يعد هذا ذكاءً من الطالب ؟ لا، هذا ذكاء ممن وضع هذه الآلة، أما لو أردنا أن نستخرج الجذر التربيعي فنحتاج إلى عشر دقائق !.
فالإنسان عندما يرى نفسه يعطف على ابنه، فهذا شيء وضعه الله في قلبه، لأنه أب، ولأنها أم فقط، فالوضع الطبيعي أيضاً يحتاج إلى تفكر، لذلك يقال: حسبكم الكون معجزة.
يعني الحياة من دون طلاق، من دون فراق، من دون شقاق، من دون موت وهذه الأسرة في وضعها الطبيعي: الأب يعمل ليلاً نهاراً، والأم همها كله أن ترعى أولادها، وأن يكون لأولادها مستقبل إن كن بنات أو شباب، هذا الموضوع يدل على رحمة الله عز وجل، ولكن الشرع كما قلت قبل قليل ضمن للطفل الصغير مصالحه في حالات استثنائية كالموت والطلاق. تعريف الحضانة، وحكم الأولاد الكبار:
عرّفها الفقهاء بأنها: ( القيام بحفظ الصغير، أو الصغيرة، أو المعتوه الذي لا يميز ولا يستقل بأمره، وتعهده بما يصلحه، ووقايته مما يؤذيه ويضره، وتربيته جسمياً ونفسياً وعقلياً، كي يقوى على النهوض بتبعات الحياة والاضطلاع بمسؤولياتها )
التعريف دقيق، لكن شيء في التعريف يلفت النظر وهو ( الصغير أو الصغيرة )، فما حكم الكبير أو الكبيرة ؟
الكبير، له الحرية أن يستقل ويعيش وحده، أو أن يعيش مع أمه،أو مع أبيه.
لكن الكبيرة، لا تستطيع أن تستقل عن أبيها أو أمها، درءاً لفساد سمعتها، يعني لا يجوز لفتاة ولو بلغت العشرين أن تسكن وحدها، لما قد يحدث من فساد أخلاقها، أو لما قد يُتوهَّم من فساد أخلاقها، قد لا يحدث الفساد، ولكن الناس قد يتوهمون الفساد، فدرءاً للفساد أو لتوهّمِ الفساد، لا ينبغي للكبيرة أن تسكن وحدها، هذا تعليق جانبي.
البالغ الراشد لا حضانة عليه، ومن بلغ سن الرشد لا يقال له يتيم، ولا يتم بعد حلم، فإن كان ذكراً، فله الانفراد بنفسه لاستغنائه عن أبويه، ويستحب أن لا يبتعد عنهما، ولا يقطع بره عنهما، إذاً، إن كان ذكراً يستطيع أن ينفرد بنفسه، لكنه لا يستحب أن يستغني عن أحد أبويه، وإن كانت فتاةً، لم يكن لها الانفراد، ولأبيها منعها منه، لأنه لا يؤمَن أن يدخل عليها من يفسدها ويلحق العار بها وبأهلها، فإن لم يكن لها أب، فلوليها وأهلها منعها من ذلك، إذاً: هذا تعليق جانبي على حكم الكبير والكبيرة. حق الصغار في الحضانة، وتقديم الأم للقيام بهذا الواجب:
أما الصغير والصغيرة فالتعريف يقول:
( قيام بحفظ الصغير أو الصغيرة، أو المعتوه الذي لا يميز ولا يستقل بأمره، ووقايته مما يؤذيه ويضره وتربيته جسمياً ونفسياً وعقلياً، كي يقوى على النهوض بتبعات الحياة والاضطلاع بمسؤولياتها ).
فالحضانة بالنسبة للصغير أو الصغيرة واجبة، لأن الإهمال فيها يعرض الطفل للهلاك، والحضانة حق طبيعي للصغير، لاحتياجه لمن يرعاه ويحفظه، ويقوم على شؤونه ويقوم على تربيته، ولأمه الحق في احتضانه:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
(( أن امرأة قالت: يا رسول الله، ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وأن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه عني، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت أحق به ما لم تنكحي " ))
حديث صحيح الإسناد، أخرجه الحاكم في المستدرك
وإذا كانت الحضانة حقاً للصغير، فإن الأم تجبر عليها إذا تعينت، بأن يحتاج الطفل إليها ولا يوجد غيرها، فتجبر على الحضانة، وهو في سن محتاج فيه إلى أمه، عندئذ يجبر القاضي الأم على حضانة ابنها، كي لا يضيع حقه في التربية والتأديب، فإن لم تتعين الحضانة، بأن كان للطفل جدة ورضيت بإمساكه وامتنعت الأم فإن حقها بالحضانة يسقط، يوجد ناحية مهمة، لم نقل واجب الأم بالحضانة يسقط، بل حقها في الحضانة يسقط، إذا وجد البديل وإذا امتنعت هي لا يسقط عنها الواجب، وإنما يسقط حقها، لأن حقها في تربية وليدها شيء طبيعي وهو الأساس.
يقال: إن أسمى لون من ألوان التربية، هو تربية الطفل في أحضان والديه طبعاً، هذه الحقيقة أصبحت بديهية في العالم، هناك تجارب أجريت على أطفال ووضعوا في ظروف دقيقة جداً، يعني العناية إلى أقصى الحدود، العناية بالجسم، والنفس، والطعام، والألعاب، والتدريس، لكن هذا الطفل الذي نشأ بعيداً عن أمه يصاب بأمراض نفسية، أو معرض للإصابة بأمراض نفسية، أضعاف ما يتعرض الذي نشأ في حضن أمه، لأن الذي ثبت أن القيم والمشاعر النبيلة التي يستقيها الطفل من أمه لن تستطيع امرأة أخرى أن تقدمها للابن، لذلك عندما ترى نصف شعب من الشعوب لقطاء ويحيا في مصحّات، وفي دور رعاية، فاعلم تماماً أن هذا الشعب سيكون شريراً، يعني يتلذذ بإيقاع الأذى للشعوب الأخرى، في بعض الإحصاءات يوجد شعوب أوربية نصفها لقطاء، يعني الإنسان الذي نشأ في رعاية أمه قلما يحتمل أن يوقع الأذى بالآخرين، لأنه استقى من أمه العطف والحنان، أما الذي نشأ بعيداً عن العطف والحنان مستعد أن يفعل كل شيء، لأنه ليس عنده قيم شربها مع حليب أمه.
إن لكل من الحاضنة والمحضون حقاً بالحضانة، إلا أن حق المحضون أقوى، وإن إسقاط الحاضنة حقها لا يسقط حق الصغير في الحضانة، فأسمى لون من ألوان التربية هو تربية الطفل في أحضان والديه، إذ ينال من رعايتهما وحسن قيامهما عليه ما يبني جسمه، ويلبي عقله، ويزكي نفسه، ويعده للحياة، فإذا حدث أن افترق الوالدان وبينهما طفل فالأم أحق به من الأب، ما لم يكن بالأم مانع يمنع تقديمها، أو بالولد وصف يقتضي تخييره، وسبب تقديم الأم أن لها ولاية الحضانة والرضاع، لأنها أعرف بالتربية وأقدر عليها، ولها من الصبر في هذه الناحية ما ليس للرجل، وعندها من الوقت ما ليس عنده، لذا قدمت الأم رعايةً لمصلحة الطفل.
عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما:
(( أن امرأة قالت: يا رسول الله، ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وأن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه عني، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أنت أحق به ما لم تنكحي " ))
سبق تخريجه
يعني إذا تزوجتِ، فهو أحق به، وأنتِ أحق به ما لم تنكحي.
في بعض الروايات أن سيدنا أبا بكر رضي الله عنه قال: " الأم أعطف، وألطف، وأرحم، وأحنى، وأخير، وأرأف، وهي أحق بولدها ما لم تتزوج ". ترتيب أصحاب حق الحضانة:
إذا كانت الحضانة للأم ابتداءً، فقد لاحظ الفقهاء أن قرابة الأم تقدم على قرابة الأب، وأن الترتيب في أصحاب الحق في الحضانة يكون على هذا النحو:
( الأم ) فإذا وجد مانع يمنع تقديمها، انتقلت الحضانة إلى: ( أم الأم ) وإن علت، فإن وجد مانع انتقلت الحضانة إلى: ( أم الأب )، ثم إلى: ( الأخت الشقيقة )، ثم إلى: ( الأخت لأم )، ثم إلى: ( الأخت لأب ) ثم إلى: ( بنت الأخت الشقيقة )، ثم إلى: ( بنت الأخت لأم )، ثم إلى: ( الخالة الشقيقة )، ثم إلى: ( الخالة لأم )، ثم إلى: ( الخالة لأب )، ثم إلى: ( بنت الأخت لأب )، ثم إلى: ( بنت الأخ الشقيق )، ثم إلى: ( بنت الأخ لأم )، ثم إلى: ( بنت الأخ لأب )، ثم إلى: ( العمة الشقيقة )، ثم إلى: ( العمة لأم )، ثم إلى: ( العمة لأب )، ثم إلى: ( خالة الأم )، ثم إلى: ( خالة الأب )، ثم إلى: ( عمة الأم )، ثم إلى: ( عمة الأب )، بتقديم الشقيقة في كل منهن. يعني طفل من دون رعاية لا يجوز، لا يعدم طفل أن يكون له أحد هؤلاء، لابد من امرأة ترعى حق هذا الطفل، فإن لم توجد للصغير قريبات من هذه المحارم، أو وجدت وليست أهلاً للحضانة انتقلت الحضانة إلى العصبات من المحارم، من الرجال على حسب الترتيب في الإرث.
فينتقل حق الحضانة إلى ( الأب ) ثم ( أب الأب )، وإن علا ثم إلى ( الأخ الشقيق ) ثم إلى ( الأخ لأب )، ثم إلى ( ابن الأخ الشقيق )، ثم ( ابن الأخ لأب )، ثم ( العم الشقيق )، ثم ( العم لأب )، ثم ( عم أبيه الشقيق )، ثم ( عم أبيه لأب )، فإن لم يوجد من عصبته من الرجال المحارم أحد، أو وجد وليس أهلاً للحضانة، انتقل حق الحضانة إلى محارمه من الرجال غير العصبة، فيكون ( للجد لأم ) ثم ( للأخ لأم ) ثم (لابن الأخ لأم )، ثم ( للعم لأم ) ثم ( للخال الشقيق )، ثم ( الخال لأب )، ثم ( الخال لأم )، فإن لم يكن للصغير قريب وهذه حالات شبه نادرة، فلو فرضنا أنه يوجد حالة ليس له أحد، فللقاضي أن يعين حاضنةً تقوم بتربيته، وإنما كان ترتيب الحضانة على هذا النحو لأن حضانة الطفل أمر لابد منه وأولى الناس به قرابته، وبعض القرابة أولى من بعض، فيقدم الأولياء، لكون ولاية النظر في المصالح إليهم ابتداءً، فإذا لم يكونوا موجودين، أو كانوا ووجد ما يمنعهم من الحضانة، انتقلت إلى الأقرب فالأقرب، فإن لم يكن ثمة قريب فإن الحاكم مسؤول عن تأمين من يصلح للحضانة.
إن شاء الله في درس قادم نتحدث عن شروط الحضانة، وقد كان موضوع اليوم ترتيب أصحاب الحقوق في الحضانة، والأم أحق بالولد من أبيه، والحضانة حق مشترك، حق للابن وحق للأم، وقد يسقط حق الأم في بعض الحالات، وتعريف الحضانة.
أحاديث في البر والإثم:
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة، ثلاثة أحاديث، أراها مهمةً في أكثر ما أسأل عنه من موضوعات، كلها تبدأ بكلمة ( البر )، وبالمناسبة، كلمة ( البر) مثلثة، البِر( بكسر الباء ) هو العمل الصالح، والبَر ( بفتح الباء ) اليابسة، والبُر ( بضم الباء ) هو القمح. 1- البر ما سكنت إليه النفس:
عن أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه، قال:
(( قلت: يا رسول الله أخبرني بما يحل لي وما يحرم علي قال: فصعد النبي صلى الله عليه وسلم وصوب في البصر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس، ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون " ))
حديث رجاله ثقات، أخرجه الحاكم والإمام أحمد
فالمشكلة ليست في إيجاد فتوى، أي شيء تريده هناك من يفتيك بفعله، الفتوى أصبحت مصلحة، أحياناً، يفعل الإنسان معصية ويقول: الشيخ بالأزهر يفتي هذه الفتوى، يعني هل شيخ الأزهر يحميك من عذاب الله ؟، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: [ وإن أفتاك المفتون ]
الورع: أن يدع الإنسان ما لا بأس به حذراً مما به بأس، هذه صفات الشخص الورع لا يتجاوز الحدود، فمن تجاوز الحدود فهو من الحضرة مطرود، ركعتان من عبد ورع خير من ألف ركعة من مخلّط، أنا ألاحظ عندما تسأل عن شيء فأنت قلق منه، لأنك سألت عنه.. لمجرد السؤال، تبين أنك قلق.
مثلاً، لو إنسان دخل إلى بيته ظهراً، وتناول طعامه، ثم صلى الظهر واستلقى في الفراش، هل يحتاج هذا الإنسان أن يسأل أحد العلماء عما فعل ؟ لم يفعل شيئاً مريباً، هو مطمئن، إذا كانت الأمور واضحة لك بهذه الدرجة، فأغلب الظن أنك لن تسأل أحداً عنها، لكن لمجرد أنك شككت أو شعرت بالقلق، أو شعرت أنك لست على ما يرام، أو كأن هذا الأمر لا يرضي الله عز وجل، فإنك تسأل العلماء، فأرقى فتوى، أن تدع ما لا بأس به حذراً مما به بأس.
إذا سمعت جواباً مع دليل من كتاب الله، فكن مطمئناً، مثلاً، هل يجوز أن آخذ الدية من رجل قتل ابني خطأً ؟ كثيراً ما سئلتُ هذا السؤال، طبعاً يجوز، قال تعالى:
﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾
( سورة النساء، آية 92 )
سبحان الله، أحياناً، أرى أشخاصاً في الموقف المباح يتصنعون الورع، وفي الأشياء التي لاشك في حرمتها يفعلونها وهم ساكتون، إذا سألت هذا السؤال ويوجد مستند في كتاب الله أو في حديث رسول الله، افعله ولا تثريب عليك، لكن عندما يكون المستند ضعيفاً، يعني يوجد علاقة مركبة بين حالتك والنص، في مثل هذه الحالات هناك من يفتي، مثلاً،هل يجوز أن أرى امرأة أخي ؟ الجواب: لا، لكن هناك من يفتي، كيف ؟ فتوى مقرونة بحيلة، تحتاج إلى أن تأخذ بنت صغيرة من الحي، وتدفعها إلى زوجة أخيك لترضعها، ثم تعقد كتابك عليها، فتصبح امرأة أخيك حماتك، وتطلق البنت الصغيرة، وتصبح زوجة أخيك حماتك على التأبيد، هذه ليست فتوى، بل هذا هو الضلال بعينه، لماذا منع هذا ؟ لكي لا يقع فساد، عن طريق حيلة شرعية تصل إلى ما تريد، ليس هذا من الدين في شيء، هذا الشيء فعله اليهود وذمهم الله به أيما ذم.
(( البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب ))
هل ترتاح إذا أضفت إلى الحليب ماءً، في الغرفة الخلفية ؟ هل تشعر براحة ؟ هل تشعر بعزة ؟ ألا تخجل من هذا العمل ؟ طبعاً، العمل المنحرف معه اضطراب، لو فرضنا إنسان فاجأك وأنت تفعل هذا، فإنك تضطرب.
(( والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون ))
ما أكثر ما يقال في بعض المخالفات ( سمها سماح )، مثال: رجل باع شيئاً بالتقسيط، وسعره ثابت، فالذي اشترى منه هذا الشيء قال له: " هذا الثمن كاملاً واحسم لي الآن ستة بالمائة "، هذا الحسم ربا، يقول: " أخي احسبها سماح "، هل هي على كتابتها في الدفتر أم على الواقع ؟ الواقع أن الحسم بسبب الدفع النقدي، إذاً: سمها سماح، سمها ما شئت، هي ربا.
إذا إنسان يملك ( طنبر) وضع له نمرة سيارة، هل يصبح سيارة ؟ يبقى كما هو، إذا سميت شيئاً قبيحاً باسم حسن هل تتبدل طبيعته ؟ الربا، إذا سميته سماح، يبقى ربا، لذلك [ وإن أفتاك المفتون ]، أنت قل سعر واحد فقط، إذا رأيت الزبون يظهر لك من شكله، إما دين أو نقدي، فأعطه سعر واحد، في الحالين، مثال: بيع السيارات بالتقسيط، ثمنها مائة ألف، يبيعها بمائة وثلاثين مقابل تقسيطها إلى مدة سنة، هذا الثمن ازداد بازدياد الأجل ؟ واضحة كالشمس.
شعور الإنسان بذنبه أقوى من قناعاته كلها، لو أقنعته سيبقى شعوره أقوى، وعندما يتخيل الإنسان أن خيراً ما في المعصية، يكون أحمقاً، المعصية كلها شر، الذي تجمعه في سنتين تدفعه بيوم أو بساعة، الذي جمع بالحرام يذهب، أهون من إهلاك المال على الله لا يوجد قد يهلك بمصادرة أحياناً، بحريق، بخسارة، النبي الكريم كان إذا دخل السوق يقول:
(( اللهم إني أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرة، أو صفقة خاسرة ))
من حديث ضعيف، أخرجه الحاكم في مستدركه عن بريدة بن الحصيب يمكن للإنسان أن يحصِّـل من أمور غير مشروعة أموالاً طائلةً، ولكن يدفعها بثانية واحدة، قد يدفع كل ما يملك من أجل كلية، إذا توقفت كليته يدفع ست مائة ألف، واحتمال نجاح العملية بالمائة ثلاثين فقط، وتصفية الكلية تكون أقل من الطبيعية، وتحتاج إلى كورتزون وأغلب الظن أنها تبقى سنة ونصف لا أكثر، قد يدفع كل ما يملكه مقابل خلل في القلب، فعندما يغامر الإنسان بمال حرام، الله عز وجل يقف له بالمرصاد، فلذلك:
(( " البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون " ))
سبق تخريجه
موضوع الربا، قلت لكم عنه، يأتي زبون يقول للبائع: أريد صندوق الشاي هذا، ثمنه ألف ليرة، يقول له: اشتريته، يسجله عليه، من فلان صندوق شاي ألف ليرة، الصندوق هو هو، مازال في مكانه، يقول له البائع: أتبيعه، يقول له: نعم، بكم ؟ يقول: بثمانمائة، هذا ثمنه نقدي ثمانمائة، أنا بعت واشتريت، هذا ربا، قال تعالى:
﴿ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
( سورة البقرة، آية 275 )
هذه عملية قرض بالفائدة واضحة كالشمس، مهما غلفتها بغلاف شرعي..
في العصور العباسية، كانت دور البغاء يقف على بابها شخص له زيّ ديني، يعقد عقداً، وعندما يخرج الشخص من الدار يطلّق !.. المعاصي كلها يمكن أن تعمل لها غلاف شرعي، هذه معصية.
2- البر حسن الخلق:
عن النواس بن سمعان رضي الله عنه: قال:
(( أقَمتُ مَع رسولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالمدينةِ سَنة، مَا يَمْنَعُني مِنَ الْهِجرَةِ إِلا المَسألَةُ، كان أَحدُنَا إذا هَاجَر لَمْ يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عَن شَيءٍ، قال: فَسَألتُهُ عن البِرِّ وَالإثْمِ ؟ فقال رسولُ اللِّهِ صلى الله عليه وسلم: " البِرُّ: حُسْنُ الْخُلُق، والإثمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ " ))
حديث صحيح، أخرجه مسلم والترمذي
كل شيء تخجل منه إذا اطلع عليه الناس فهذا من الإثم. 3- البر لا يبلى:
الحديث الثالث والأخير، كما ورد في الأثر:
(( البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان ))
البر لا يبلى: يعني أن العمل الطيب لا يمكن إلا أن يقدره الناس، في كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل عصر، وفي كل مصر.
لي قريب أحب أن يسافر إلى حلب، قال لي: " أقف في موقف السيارات ويوجد ازدحام شديد "، فإذا برجل يشير له بيده، أن تفضل، " فاتجهت نحوه، فرأيت إنساناً في غاية الأناقة والتهذيب، فقال له: أنا ذاهب إلى حلب بسيارتي، وأريد راكباً يرافقني، قال: فركبت سيارة فخمة جداً، وفي الطريق تحدث له وقال: " أنه إنسان مهندس كان مسافراً من محافظة إلى محافظة أخرى، فشاهد حادث سير في الطريق، ورأى في الطريق إنساناً ملقىً وغارقاً في بحر من الدماء، فهذا المهندس، بدافع إنساني، حمل هذا الإنسان الجريح بسيارته، ولم يأخذ بعين الاعتبار أنه قد يوضع في السجن، لأنهم سيظنون أنه هو المتسبب بالحادث، حمله وأسعفه، وانتهى الأمر، وبعد عدة سنوات، هذا المهندس يقرأ عن مناقصة في بعض المحافظات، فسافر حتى يأخذ دفتر الشروط، فيبدو أنه سأل عن المدير العام، فدخل عليه، فإذا بهذا المدير يترك طاولته ويركض إليه يعتنقه ويقبله، وهو لا يعرفه، فقال له المدير: ما عرفتني، قال: لا والله، قال له: أنت الذي أنقذتني في الطريق، يومها لم ينتبه إلى وجهه أنقذه وانتهى الأمر،فكان هذا الرجل هو المدير العام، فقدم له مساعدات، ورست عليه المناقصة وكان سبب غناه.
سبحان الله، البر لا يفنى، إذا فعلت خيراً، فلا يمكن أن يضيع الخير، أحياناً تخدم أخاً لوجه الله تعالى، تمضي ثلاثون سنة، وتكون في موقف في منتهى الصعوبة، تجده أمامك يقدم لك مساعدة،[ البر لا يبلى ]، لا أحد يزهد بالمعروف.
يوجد ناحية مهمة: إذا أنت قلت: يجب أن أفعل خيراً، لعل هؤلاء أحتاج إليهم في المستقبل، فهذا خير مشبوه، ومعه إشراك بالله عز وجل، أنت افعل خيراً من دون أن تنتظر رده من أحد، لكن تأكد أنك إذا فعلت خيراً لابد أن تجد الخير في أصعب ظرف تعيشه فالله عز وجل يسوقه لك ويقدم لك خدمات لا يمكن أن تحلم بها.
قال له: كل هذا الغنى من هذا المشروع، وهذا المشروع سببه هذا الموظف، وهذا الموظف سببه أنني أنقذته من حادث، لكن أرقى أنواع الخير ما لا يكون مشوباً بنية أرضية، قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
( سورة الإنسان، آية 9 )
(( البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان ))
معنى الديان لا يموت: أي عندما تفعل خيراً، كأنك أقرضت الله عز وجل، وصاحب الدين لا يموت، وصاحب الدين يعطيك دينك أضعافاً مضاعفة، أول شيء: الديان من تدين له العباد كلها، لذلك عندما تفعل خيراً مع الله عز وجل لا تعلق أهمية على رد الفعل، الناس عرفوا أو ما عرفوا، ثلاث أحاديث تبدأ بكلمة البر.
(( " البر ما سكنت إليه النفس، واطمأن إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النفس ولم يطمئن إليه القلب، وإن أفتاك المفتون " ))
(( " البِرُّ: حُسْنُ الْخُلُق، والإثمُ: مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ وَكَرِهتَ أَن يَطَّلِعَ عليه النَّاسُ " ))
(( البر لا يبلى، والذنب لا ينسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان ))
سيدنا سلمان الفارسي، الباحث عن الحق:
والآن إلى قصة صحابي جليل هو سيدنا سلمان الفارسي، يقول سيدنا سلمان رضي الله عنه: كنت فتىً فارسياً من أهل أصبهان، من قريةٍ يقال لها جيان، وكان أبي دهقان القرية، يعني رجل دين في القرية، وأغنى أهلها غنىً وأعلاهم منزلةً، وكنت أحب خلق الله إليه منذ ولدت، ثم مازال حبه لي يزداد ويشتد على الأيام، حتى حبسني في البيت خشيةً عليّ، كما تحبس الفتيات، وقد اجتهدت بالمجوسية، حتى غدوت قيم النار التي كنا نعبدها من دون الله، وأنيط إليّ أمر إضرامها حتى لا تخبو ساعة في ليل أو نهار، وكان لأبي ضيعةً عظيمةً تدرّ علينا غلة كبيرة.
وكان أبي يقوم عليها ويجني غلتها، وفي ذات مرةٍ، شغله عن الذهاب إلى القرية شاغل، فقال: يا بني إني قد شغلت عن الضيعة بما ترى، فاذهب إليها وتولى اليوم عني شأنها، فخرجت أقصد ضيعتنا.
وفيما أنا في بعض الطريق، مررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، فلفت ذلك انتباهي، لم أكن أعرف شيئاً من أمر النصارى، أو أمر غيرهم من أصحاب الأديان، لطول ما حجبني أبي عن الناس في بيتنا، فلما سمعت أصواتهم دخلت عليهم لأنظر ماذا يصنعون، فلما تأملتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في دينهم، وقلت: والله هذا خير من الذي نحن عليه، فو الله ما تركتهم حتى غربت الشمس، ولم أذهب إلى الضيعة، ثم إني سألتهم أين هو أصلُ هذا الدين ؟ قالوا: في بلاد الشام، ولما أقبل الليل عدت إلى بيتي فتلقاني أبي يسألني عما صنعت، فقلت يا أبتِ، إني مررت بأناس يصلون في كنيسةٍ لهم فأعجبني ما رأيت من دينهم، وبقيت عندهم حتى غربت الشمس، فذعر أبي مما صنعت وقال: أي بني ليس في ذلك الدين خير، دينك ودين آبائك خير منه، لو كان استجاب هذا الابن لم يكن الآن هو سيدنا سلمان، إذاً ليس دائماً الأب على حق.
قلت: كلا والله إن دينهم لخير من ديننا، فخاف أبي مما أقول وخشي أن أرتد عن ديني، فحبسني في البيت، ووضع قيداً في رجلي، ولما أتيحت لي الفرصة بعثت إلى النصارى أقول لهم: إذا قدم عليكم ركب يريد الذهاب إلى بلاد الشام فأعلموني، فما هو إلا قليل حتى قدم عليهم ركب متجه إلى الشام فأخبروني به، فاحتلت على قيدي حتى حللته وخرجت معهم متخفياً حتى بلغنا بلاد الشام.
فلما نزلنا فيها قلت: من هو أفضل رجل من أهل هذا الدين ؟ قالوا: الأسقف راعي الكنيسة في الكنيسة الفلانية، فجئته وقلت: إني قد رغبت بالنصرانية، وأحببت أن ألزمك، وأن أخدمك وأتعلم منك وأصلي معك، فقال: ادخل، ودخلت عنده وجعلت أخدمه، ثم مالبثت أن علمت أن الرجل رجل سوء، فقد كان يأمر أتباعه بالصدقة ويرغبهم بثوابها، فإذا أعطوه منها شيئاً لينفقه في سبيل الله اكتنزه لنفسه، ولم يعطِ الفقراء والمساكين منها شيئاً، حتى جمع سبع قلل من الذهب، فأبغضته بغضاً شديداً لما رأيته منه، ثم ما لبث أن مات، فاجتمع النصارى لدفنه، فقلت لهم: إن صاحبكم كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعطِ المساكين منها شيئاً، قالوا: من أين عرفت ذلك، قلت: أنا أدلكم على كنزه، قالوا: نعم دلّنا عليه، فأريتهم موضعه، فاستخرجوا منه سبع قلل مملوءة ذهباً وفضةً، فلما رأوها قالوا: والله لن ندفنه، ثم صلبوه ورجموه بالحجارة.
ثم إنه لم يمضِ وقت قليل حتى نصَّبوا رجلاً آخر مكانه، فلزمته، فما رأيت رجلاً أزهد منه في الدنيا، ولا أرغب منه بالآخرة، ولا أدأب منه على العبادة ليلاً نهاراً، فأحببته حباً جماً، وأقمت معه زماناً، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان إلى من توصي بي، ومع من تنصحني أن أكون من بعدك، فقال: أي بني، لا أعلم أحداً على ما كنت عليه إلا رجلاً بالموصل هو فلان، لم يحرف، ولم يبدل فالحق به، فلما مات صاحبي لحقت بالرجل بالموصل، فلما قدمت عليه، قصصت عليه خبري، وقلت له: إن فلاناً أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك مستمسك بما كان عله من الحق، فقال: أقم عندي، فأقمت عنده فوجدته على خير حال، ثم إنه لم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة قلت له: يا فلان لقد جاءك من أمر الله ما ترى وأنت تعلم من أمري ما تعلم، فإلى من توصي بي ؟ ومن تأمرني باللحاق به، فقال: أي بني والله ما أعلم أن رجلاً على مثل ما كنا عليه، إلا رجلاً بنصيبين فالحق به.
فلما غيب الرجل في لحده، لحقت بصاحب نصيبين، وأخبرته خبري، وما أمرني بي صاحبي، فقال لي: أقم عندنا، فأقمت عنده فوجدته على ما كان عليه صاحباه من الخير، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضرته الوفاة، قلت له: لقد عرفت من أمري ما عرفت فإلى من توصي بي، فقال: أي بني، والله إني ما أعلم أحداً بقي على أمرنا، إلا رجلاً بعمورية، هو فلان فالحق به، فلحقت به وأخبرته خبري فقال: أقم عندي، فأقمت عند رجل كان والله على هدي أصحابه، وقد اكتسبت وأنا عنده بقرات وغنيمة، غنيمة: أي غنمة صغيرة، ثم ما لبث أن نزل به ما نزل بأصحابه، فلما حضرته الوفاة، قلت له: إنك تعلم من أمري ما تعلم، فلمن توصي بي، وما تأمرني أن أفعل ؟ فقال: يا بني، والله لا أعلم أحداً من الناس بقي على ظهر الأرض مستمسكاً بما كنا عليه، ولكن قد أظل زمان يخرج فيه بأرض العرب، نبي يبعث بدين إبراهيم، ثم يهاجر من أرضه إلى أرض ذات نخل بين حرتين، وله علامات لا تخفى، فهو يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل، ثم وافاه الأجل، فلبثت بعده بعمورية زمناً، إلى أن مرَّ بنا نفر من تجار العرب، فقلت لهم: إن حملتموني معكم إلى أرض العرب أعطيتكم بقراتي هذه وغنيمتي، فقالوا: نعم نحملك، فأعطيتهم إياها، وحملوني معهم حتى إذا بلغنا وادي القرى، على طريق المدينة غدروا بي، وباعوني لرجل من اليهود، فالتحقت بخدمته ـ طبعاً هذا في الجاهلية ـ ثم ما لبث أن زاره ابن عم له من بني قريظة، فاشتراني منه ونقلني معه إلى يثرب، فرأيت المدينة بالوصف الذي نعتها، فرأيت النخل الذي ذكره لي صاحبي، وعرفت المدينة بالوصوف التي نعتها به، فأقمت بها معه، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ يدعو قومه في مكة، لكني لا أسمع له بذكر، لانشغالي بما يوجبه علي الرق، ثم ما لبث أن هاجر النبي صلوات الله عليه إلى يثرب، فوالله إني لفي رأس نخلةٍ لسيدي أعمل بها بعض العمل، وسيدي جالس تحتها، إذ أقبل عليه ابن عم له وقال له: قاتل الله بني قيلة، يعني الأوس والخزرج، والله إنهما الآن لمجتمعون بقباء على رجل قدم عليهم اليوم من مكة يزعم أنه نبي، فما إن سمعت مقالته حتى مسني ما يشبه الحمى، واضطربت اضطراباً شديداً، حتى خشيت أن أسقط على سيدي، وبادرت بالنزول عن النخلة، وجعلت أقول للرجل: ماذا تقول ؟ أعد علي الخبر، فغضب سيدي ولكمني لكمةً شديدة، وقال لي: ما لك ولهذا، عد إلى ماكنت عليه من عملك، ولما كان المساء، أخذت شيئاً من تمر كنت جمعته وتوجهت به إلى حيث ينزل النبي عليه الصلاة والسلام فدخلت عليه وقلت له: إنه قد بلغني أنك رجل صالح، ومعك أصحاب لك غرباء، ذوو حاجة وهذا شيء كان عندي للصدقة، فرأيتكم أحق به من غيركم، فقربته إليه، فقال عليه الصلاة والسلام: " كلوا " وأمسك يده فلم يأكل، فقلت في نفسي: فهذه واحدة، ثم انصرفت وأخذت أجمع بعض التمر، فلما تحول النبي صلى الله عليه وسلم من قباء إلى المدينة جئته، فقلت له: إني رأيتك لا تأكل الصدقة، وهذه هدية أكرمتك بها، فأكل منها وأمر أصحابه أن يأكلوا، فقلت في نفسي: هذه الثانية، فلما رآني النبي أنظر إليه وعرفته، انكببت عليه أقبله وأبكي، فقال عليه الصلاة والسلام: " ما خبرك "، فقصصت عليه قصتي فأعجب بها، وسره أن يسمعها أصحابه مني، فأسمعتهم إياها، فعجبوا منها أشد العجب، وسروا بها أعظم السرور.
فسلام على سلمان الفارسي يوم قام يبحث عن الحق في كل مكان، هذا هو الحق، تحملَ المشاق، وصار عبداً من أجل المشاق، باع نفسه وكل شيء يملكه، البقرات والغنيمة، وقدمها إلى من ينقله إلى أرض العرب، الحق ثمين، ألا سلعة الله غالية. وما حبنا سهل وكل من ادعى سهولته قلنا له: قد جهلتنا
فأيسر ما في الحب للصب قتله وأصعب ما قتل الفتى يوم هجرنا
لذلك بهذا الثمن الباهظ الذي دفعه، صار سيدنا سلمان الفارسي، بالإسلام لا يوجد تمييز عنصري، قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾
( سورة الحجرات، آية 13 )
سلام على سلمان الفارسي يوم عرف الحق فآمن به أوثق الإيمان، وسلام عليه يوم مات ويوم يبعث حياً.






 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ

التعديل الأخير تم بواسطة السعيد ; 09-09-2018 الساعة 08:49 AM

رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
الاسلامي, الفقة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 5 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 5 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اصول الفقة - علم القياس السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 3 09-09-2018 10:25 AM
الفقة الاسلامى 1 السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 28 08-16-2018 01:12 PM
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 22 05-07-2018 04:24 PM
هذا هو المجتمع الاسلامي ... ناصح أمين رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 8 09-24-2017 08:44 AM


الساعة الآن 05:32 PM