| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#11 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الاتصال باللهالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الحادى العاشر ) منزلة الاتصال : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع درسٍ جديد من مدارج السالكين , ومنزلة اليوم : منزلة الاتصال . تمهيد : الحقيقة : حول هذه الكلمة لا أدري من أين أبدأ ؟ إذا قلتُ لكم : إنَّ الدين كله من أجل أن تتصل بالله عزّ وجل , لا أكون قد ابتعدتُ عن الحقيقة . إذا قلتٌ لكَ : إنَّ العباداتِ كلها من أجل أن تتصلَ بالله عزّ وجل , لا أبتعد عن الحقيقة . إذا قلتُ لكَ : إنَّ تسخير السموات والأرض لهذا الإنسان , من أجل أن يعرف الله عزّ وجل , ويتصل به , فيسعدَ بهذا الاتصال , لا أكون قد بالغت . بل إنَّ الاتصال هو غاية الغايات , بل هو حال أهل الجنة , إنَّ كلَّ ما شرعه الله عزّ وجل من عباداتٍ , ومن معاملاتٍ , ومن تنظيماتٍ , من أجل أن تتفرغ لمعرفة الله , وللاتصال به . رمضان من أجل أن تتصل به ، الحج من أجل أن تتصل به ، الزكاة من أجل أن تتصل به ، الصلاة من أجل أن تتصل به . إن قلتُ لكم : إنَّ الاتصالَ بالله عزّ وجل غاية الغايات , فهذه حقيقةٌ لا ريبَ فيها , بل الله سبحانه وتعالى أمرنا أن نكونَ ربانيين . الرباني : هو الإنسان الذي يسعى لُحسنِ علاقةٍ بالله عزّ وجل ، لحُسنِ اتصالٍ به . حقيقة الكون : لأنَّ في الكون حقيقةً واحدة ، هذا الكون بمجراته ، بكزاراته ، بنجومه ، بمذنباته , بكواكبه السيّارة ، بكواكبه ، بأرضه , ببحاره ، بأسماكه ، بأطياره، بنباتاته ، هذا الكون كله مُستمدٌ وجوده من الله عزّ وجل : ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [سورة البقرة الآية: 255] في الكونِ حقيقةَ واحدة وهي الله ، لذلك : أيُّ سلوكٍ ، أيٌّ فِكرٍ , أيُّ اطلاعٍ ، أيُّ تعلمٍ يُقرّبَكَ من هذه الحقيقة فهو مشروع . وأيُّ شيء يُبعدكَ عن هذه الحقيقة فهو مُحرّم . ليسَ في الكونِ إلا الله , الحقيقة الأولى والأخيرة , هو الظاهر والباطن , هو الأول والآخر . معاني الإتصال : فقلتُ لكم في أول الدرس : لا أدري من أينَ أبدأ ؟ المرتبة اليوم مرتبة الاتصال . الاتصال هو الدين . الاتصال هوَ سِرُ وجودكَ في الأرض . الله سبحانه وتعالى خلقنا ليرحمنا , ورحمته بأن نتصلَ به . إنكَ إن اتصلت بمخلوقٍ على شيء من الميزات تسمو . إنكَ إن اتصلت اتصالاً بصرياً بمنظر جميل تسعد . إنكَ إن اتصلت اتصالاً سمعياً بنغم جميل تطرب . إنكَ إن اتصلت بحقيقةٍ علمية تستمتع . فكيفَ إذا اتصلتَ بالحقيقة الأولى والأخيرة ، بِسرِ القوة في الكون ، بِسرِ الحِكمة ، بِسرِ الرحمة ، بِسرِ الغِنى , بِسرِ القدرة ؟ . الدين كله اتصال . الكون خُلقَ من أجل أن تعرفه , وما معرفة الله عزّ وجل إلا وسيلةٌ لغاية ، الغاية أن تسعدَ بهذه المعرفة ، أن تسعدَ بهذا القرب . لذلك : منزلة الاتصال منزلة لها طعمٌ خاص , لأنها سِرُ الدين ، لأنها جوهر الدين ، لأنها هيَ الدين ، لأنها سِرٌ وجودكَ في الأرض . خلقتُ لكَ ما في الكون من أجلك فلا تتعب , وخلقتكَ من أجلي فلا تلعب , فبِحقي عليك لا تتشاغل بِما ضَمِنته لكَ عما افترضه عليك . لو شاهدت عيناك من حُسـننا الذي رأوه لَمـا وليتَ عنّا لغيرنا ولو سمعت أذناكَ حُسنَ خِطابِنا خلعتَ عنكَ ثياب العُـجبِ وجئتنا ولو ذُقـت من طعم المحبة ذرةً عذرتَ الذي أضـحى قتيلاً بِحبنا ولو نسمت مـن قربنـــا لك نسمةٌ لّمُتَ غريباً واشتياقا لِقربنا فما حُبنــا سهلٌ وكلُّ من ادعى سهولته قُلنــا له: قد جَهِلتنـا الآن : ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه الآية: 14] ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [سورة العلق الآية: 19] ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [ سورة العنكبوت الآية: 45] أنا في حيرة بالغة ، هذا موضوع المواضيع ، هذا هو الدين كله , أن تكونَ لكَ صِلةٌ بالله حَسنة ، لذلك كلما ارتقى إيمانك , امتلكتَ ما يُسمى بميزان دقيق , لو أنكَ تكلمتَ كلمةً فيها استعلاء , لشعرتَ بالبعدِ عن الله عزّ وجل ، لأنَّ الله طيبٌ لا يقبلُ إلا طيباً ، الكامل لا يُقربُ إلا الكامل ، أنت على مستوى من الإيمان , لا تستطيع أن تُجالس إنساناً بذيء اللسان , لا يمكن أن تجلس معه , أنتَ على مستوى من إيمان , لا يمكن أن تُجالس إنساناً خائناً , إنساناً فُاحشاً . فالموضوع : الله سبحانه وتعالى هو الحقيقة الوحيدة في الكون , وكلُّ الكون يستمدُّ وجوده من الله عزّ وجل ، يستمدُّ خصائصه ، صفاته من الله , ليسَ في الكون إلا الله , هذا هو التوحيد , وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد . في الكون حقيقتان : 1- الله عزّ وجل هوَ كلُّ شيء . 2- والاتصال به كلُّ شيء . فأول فكرة : الله هو الحقيقة الأولى والأخيرة الوحيدة , والاتصال به هو جوهر الدين . نحنُ صائمون من أجلِ أن نتصلَ به ، نصلي من أجلِ أن نتصلَ به ، نحجُ البيت الحرام , ندفع عشرات الألوف , ندعُ أولادنا وأهلنا وأعمالنا , ونذهب إلى بلادٍ حارة , حيثُ الازدحام , من أجلِ أن نشعرَ أننا فعلنا شيئاً من أجله , حتى نُقبلَ عليه ، حتى نتصلَ به ، حتى نسعدَ بهذا الاتصال ، هذا مقام الاتصال بالله عزّ وجل . فأنا أعتقد : أنَّ المؤمن بعد حين من إيمانه , بعد فترة يملك ميزاناً دقيقاً , أيُّ عملٍ يُقربه من الله يفعله , وأيُّ عملٍ يبعده عنه يدعه , وميزانه نفسه ، القصة التي إذا حدثتَ الناسَ بها شعرتَ بانقباض , وشعرتَ بحجابٍ بينكَ وبين الله , هذه معصية معناها ، كلما شفّت نفسك أصبحت نفسك ميزاناً , وكلما بَعُدَ الإنسان عن الله عزّ وجل , أصبحَ ميزانه غير دقيق , لذلك المؤمن ذنبه كجبلٍ جائمٍ على صدره ، بينما الكافر ذنبه كالذبابة . أنواع الاتصال : قال الاتصال أنواع : اتصال اعتصام , واتصال شهود , واتصال وجود . 1- الاعتصام : أول أنواع الاتصال أن تعتصمَ بالله , أن تُطبقَ أمره بحذافيره ، أن تكونَ ورعاً ، قال تعالى : ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 103] أحياناً: إنسان يتفضل على إنسان بعطاء كبير جداً, فهذا المُعطى يَتَقصّد أن يُرضي المُعطي بكلِّ أسلوب، بأيّة طريقة، بأيّ موقف، فإن كان يعلم أنَّ هذه الرائحة يُحبها عطّره بها ، إن كان يعلم هذا الكتاب يُحبه قدّمه له، همه الأول والأخير أن يتقرّبَ من هذا المُحسن، لذلك المؤمن يصبح في النهاية همه الأول: أن يتقربَّ من خالقه؛ بالاستقامة، بالأعمال الصالحة، بخِدمة الخلق، بالصبر, بالتحمل، بمجاهدة النفس والهوى . فقال أول أنواع الاتصال : اتصال الاعتصام , ومن يعتصم بالله , طبّق أمره عزّ وجل ، بشكل مُجسد : حينما تتحرك الأم في الطريق , ومعها طفلها الصغير, يلحقها ويعتصم بها، يُمسك ثوبها أحياناً، شعور الالتصاق، شعور الحب، شعور الانتماء، إمساك الطفل بيد أمه, أو بثوب أمه, أو حينما يحيطها بذراعيه, هذا دليل الحب، دليل الشوق، دليل الانتماء، دليل القرب ، المؤمن بشكل أو بآخر: اعتصامه بالله عزّ وجل عن طريقِ طاعته لله عزّ وجل . إذا مرت امرأةٌ في الطريق, فإذا ألقى عليها نظرةً, شعرَ بالبعدِ عن الله عزّ وجل, لأنَّ هناكَ نهي, فإذا غضَّ بصره عنها شعرَ بالقرب، إذا رأى مسكيناً فرقَّ له شعرَ بالقرب، إذا رأى سائلاً صادقاً فأعطاه شعرَ بالقرب، إذا رأى إنساناً أساء إليه, وبإمكانه أن يعفوَ عنه, في عفوه عنه يقرّبه منه, يعفو عنه، الإنسان المؤمن في سبيل الله عزّ وجل يضع نفسه تحتَ قدميه لا ضعفاً ولكن تواضعاً، قال: هذا اتصال الاعتصام . 2- الشهود : واتصال الشهود : أن ينتقل من مرتبة الإسلام إلى مرتبة الإيمان . الإيمان معه ذوق ، معه رؤيا ، الإسلام معه تطبيق ، لو أنه طبّقَ أمرَ الله عزّ وجل تطبيقاً دقيقاً فهوَ مسلم ، فهو معتصم بحبل الله ، معتصم بأمر الله ، أما إذا بَعُدَ اعتصامه بأمره أقبلَ عليه , صارَ اتصاله اتصال شهود ، كان اتصال اعتصام صار اعتصام شهود . أما إذا بلغَ مرتبة الإحسان فاتصاله أصبح اتصال وجود ، بينَ إعتصامٍ وشهودٍ ووجود . الآيات , قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [سورة الحج الآية: 78] الإنسان يفتخر بعلاقته بفُلان, يراه مكسباً كبيراً, وأحياناً إنسان يستحيي من علاقته بفُلان، ربنا عزّ وجل يقول: ﴿واعتصموا بالله هو مولاكم فنِعمَ المولى ونِعمَ النصير﴾ آية ثانية: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آَيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [سورة آل عمران الآية: 101] أنتَ في أكملِ حالاتك حينما تعتصم بالله عزّ وجل . آية ثالثة : ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 146] تابوا, وأصلحوا, واعتصموا, تمسكوا بالاستقامة, لذلك الاستقامة عينُ الكرامة: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة هود الآية: 112] أنتَ تطلب من الله الكرامة, وهو يطلبُ منكَ الاستقامة . آية رابعة: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعاً﴾ المعنى الأول : أن تعتصمَ بالله فهذا نوعٌ من أنواع الاتصال به ، أن تعتصمَ به فهذا نوعٌ للاتصال به ، أو أن تستقيم على أمره فهذا يدفعكَ إلى الاتصالِ به، أن تطيعه يرفعُ لكَ الحِجاب, هناك حُجبٌ كثيفة, كلُّ معصيةٍ حِجاب, فإذا أطعته رفعَ لكَ الحِجاب، هذا اتصالُ الاعتصام . الاعتصام نوعان ؛ اعتصام توكل, أنتَ متوكل عليه اتكالاً حقيقياً, مستعين به، مفوضٌ له، ملتجئ إليه، مستعيذٌ به، مُسلمٌ إليه، مستسلمٌ لأمره، هذا نوع . النوع الآخر: الاعتصام بالوحي؛ أي الاعتصام بالقرآن بأمره ونهيه، إما اعتصام علمي، أو اعتصام نفسي، إن اعتصمت بقرآنه وسُنّةِ نبيهِ, فأنتَ متصلٌ بالله اتصالَ اعتصام وحي, أما إذا اتكلتَ عليه، وفوضتَ إليه، وسلّمتَ إليه، وأطعته، وأرحتَ قلبكَ من هم الدنيا، واخترته على من سِواه, هذا اعتصام من نوع آخر . من معاني أن تعتصم بالله بكتابه أو بوحيّه: أن تُحكّمَ القرآن دونَ آراءِ الرِجال، فُلان له رأي، النظرية الفلانية، آراء الناس, ومقاييسهم، ومعقولاتهم، وأذواقهم، وكشوفاتهم، ومواجيدهم، ليست بشيء أمام مواجيد القرآن، وأذواق القرآن، وقِيم القرآن، وما في القرآن, علامة اعتصامك بالله . الاعتصام نوعان؛ اعتصام بكتابه اعتصام علمي، اعتصام استسلام وتفويض وتوكل اعتصام نفسي، فيجب أن تستسلم نفسكَ لله عزّ وجل, وأن يستسلم عقلكَ له، بمعنى أن خالقَ الكون, هذا كلامه, هو الحق، هو الصدق، هو المُحكم، هو الدقيق، هو الواقع، هو المصداقية . أما اتصال الشهود : هو اتصال الحال والمعرفة ، قضية فكرية ، في قضية نفسية ، شَهِدتَ كماله فأحببته، اقتربتَ منه, فشعرتَ بطعم القرب, فَلَزِمتَ القُرب، أصبحَ هذا حال, كُنتَ في العقلِ والطاعةِ، كُنتَ في العِلم والعمل, فأصبحت في الحال والمعرفة، العِلم والعمل مرتبة، والحال والمعرفة مرتبة ثانية . الحديث عن اتصال الوجود، من أينَ جاءَ المؤلفُ بهذه العبارة اتصال الوجود؟ أخذه عن الحديث القدسي: ((ابنَ آدم اطلبني تجدني, فإن وجدتني وجدتَ كلَّ شيء, وإن فِتُكَ فاتكَ كلَّ شيء)) أول مرحلة : رأيتَ أن هذا القرآن كلامُ خالِقُ الكون، يجب أن تُطبّقه, هذا اعتصام وحي، اتصال اعتصام وحي، ثم رأيته أهلاً أن تتكلَ عليه, توكلتَ عليه, هذا اعتصام استسلام، اتصال اعتصام استسلام، لكن الآن بعدَ أن استقمتَ على أمره, وتوكلتَ عليه, رأيتَ من جماله ، رأيتَ من كماله، رأيتَ من لطفه، رأيتَ من رحمته. الآن: دخلنا في مرتبة أخرى من مراتب الاتصال وهي: اتصال الشهود, اتصال الشهود ينعكسُ على قلب المؤمن بحال ومعرفة، المعرفة أرقى من العِلم السابق، والحال أرقى من شعور الانتماء إلى الله عزّ وجل، صار لكَ حالٌ مع الله عزّ وجل, هذه مرتبة ثانية . 3- الوجود : أما المرتبة الثالثة : وصلتَ إلى شيء, وقد ثَبَتَ هذا الشيء بينَ يديك، وجدته، وجدتَ الله عزّ وجل كلَّ شيء، وجدتَ نفسكَ تعرفه وأنتَ مُقبلٌ عليه، إذاً: هذا الكنز الذي حصلتَ عليه, أصبحَ مِلكاً بينَ يديك, كنزُ المعرفة، كنز الطاعة، كنز الحب، هذه المرتبة الثالثة سماها بعضُ العلماء: مرتبة الوجود. من بلغ هذه المرتبة قال: إذا تابَ إليه وجده غفوراً رحيماً، وإن توكلَ عليه وجده حسيباً كافياً، وإن صدق في الرغبة إليه وجده قريباً مُجيباً، وإن صدقَ في محبته وجده حبيباً، وإن صدقَ في الاسغاثة به وجده كاشفاً للكربِ مُخلّصاً منه، وإن صدقَ في الاضطرارِ إليه وجده رحيماً مغيثاً، وإن صدقَ في اللجوء إليه وجده مؤمّناً من الخوف، وإن صدقَ في الرجاء وجده عِندَ حُسنِ ظنه. هذا معنى الحديث القدسي: ((ولئن سألني لأعطينه، إن دعاني لأجيبنّه، إن سألني لأجيبنّه)) وجدَ الله عزّ وجل, فبينَ الاعتصام تمسك بالطاعة، وبين الإقبال على الله الشهود، وبين الوجدان وهو أعلى مرتبة في مراتب المؤمنين . بالوجود كنتَ تريدُ منه، المرتبة الأعلى أصبحتَ تريدُ، من أحبنا أحببناه, ومن طلبَ منّا أعطيناه, ومن اكتفى بنا عمّا لنا, كُنا له وما لنا, طبعاً: هذا الكلام أقول لكم كلاماً نظرياً؛ لكن من سَلَكَ طريق الإيمان, وحرصَ على طاعة الرحمن، وبذلَ الغالي والرخيص، والنفسَ والنفيس, وجَهِدَ أن يكونَ عِندَ الله محبوباً, يعرفُ معنى هذا الكلام, كما قال بعضُ العُلماء: لا يعرف ما نقول إلا من اقتفى أثرُ الرسول، لا يعرفُ الشوقَ إلا من يُكابده, ولا الصبابة إلا من يعانيه. الإنسان يتزوج، يسعد في زواجه، إنسان رقيق المشاعر، جميل الصورة، مؤنس، مُطلّع، ذكي مثلاً، مصدر سعادة وأُنس للآخرين، فالزواج يُسعد, فلو أنَّ إنساناً تعرّفَ إلى الله عزّ وجل, وهو مصدر الجمال، مصدر الكمال، مصدر القوة، مصدر الغِنى, هذا الذي نحرص عليه حُسنُ الصِلةُ بالله عزّ وجل، هو مقام ولكن كونوا ربانيين, والرباني الذي يسعى لُحسنِ صِلةٍ بالله عزّ وجل . الآن: فُلان وجد نفسه، أو وجد ربه، معنى وجد نفسه: يعني أصبحت نفسه طوعَ بنانه، هناك نفسٌ تُعاند صاحِبها, يحملها على الطاعة فلا يستطيع، يحملها على الصدق فلا يستطيع، يحملها على غض البصر لا يستطيع، غارق بالمعاصي, كلما جاهد نفسه أن تستقيمَ على أمر الله لا يستطيع، في مرتبة عالية بالإيمان نفسه طوعُ بنانه، تَغُضُ البصر بيُسر، تصدق بيُسر، تبتعد عن الدنيا بيُسر, دون صراع، دون مجاهدة, معناها مَلَكَ نفسه، إما أن تَملِكه نفسه وإما أن يملكها، وإما أن تقع المُشادةُ بينكَ وبينها, تملِكها مرةً وتَملِككَ مرة أخرى، لكن بمرتبة الوجود, مَلكتَ نفسكَ واسترحت. ربنا عزّ وجل قال:﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ﴾ [سورة الذاريات الآية: 54] يعني بلغتَ أيها النبي مرتبةً, لستَ ملوماً عِندنا, ولا عِندَ الخلق, ولا عِندَ نفسك: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم الآية: 4] الخُلق عِندك ليس صِراعاً، الإنسان يكون في مجلس, يأتي ذِكر فُلان, يبدأ يحكي عنه ويسكت, أحياناً يُستفز من إنسان, يتمنى أن يكيل له الصاع صاعين, يُحجب, وقع بصراع، هذه مرتبة طيبة جداً, لكن هناك أرقى منها, أرقى أن تكونَ متمكناً من الخُلقِ الحسن: ﴿وإنكَ لعلى خُلقٍ عظيم﴾ هذه مرتبة الوجدان, وجدتَ نفسكَ؛ أي أصبحت طوع بنانك، أصبحت منقادةً لك، أصبحت في خِدمتك، وجدتَ ربك، كلما سألته أجابك، كلما دعوته لبّاك، كلما عرضتَ عليه حاجةً أعطاكَ إياها، كلما التفتَ إليه وجدتَ سعادةً, معناها وجدتَ نفسكَ ووجدتَ ربكَ، طبعاً هذه مرتبة ثالثة؛ يأتي قبلها الاعتصام، الاستقامة، اعتصام نفسي، اعتصام علمي، بعدها المشاهدة، الاتصال بالله عزّ وجل، والشعور بالقُرب، يأتي بعدها الوجدان، وجدان النفس ووجدان الله عزّ وجل . تفاصيل : نعود مرةً إلى بعض التفصيلات , نتحدثُ مرة ثانية مع بعض التفصيل عن اتصال الاعتصام . اتصال الاعتصام : الإنسان يكون له قصد دنيوي, فأول مرحلة من مراحل الاعتصام: أن تُصححَ القصد، لماذا أنتَ هنا في هذا المسجد؟ في قصد، لماذا قُلتَ هذا الكلام؟ لماذا وقفتَ هذا الموقف؟ لماذا أعطيتَ هذا العطاء؟ لماذا منعت؟ لماذا غضبت؟ لماذا رضيت؟ لماذا أحببت؟ لماذا كرهت؟ ما الدافع وراء كلِّ هذه المواقف؟ هل الدافعُ رِضوان الله عزّ وجل؟ إن كُنتَ كذلك فأنتَ في مرتبة الاعتصام، في تصحيح القصد، ثم تقوية الإرادة، الاعتصام يحتاج لإرادة. انظر إلى الناس, أكثرهم قناعات جيدة, لكن التطبيق ضعيف، يوجد شيء مفقود, عنصر الإرادة الذي يعينُ على تطبيق القناعات, فالإنسان حينما يُصححُ قصده تقوى إرادته, وبعدها يتحققُ له حالٌ طيبٌ مع الله عزّ وجل, تحقيق الحال، تقوية الإرادة، تصحيح القصد, هذا كله متعلقٌ بالاعتصام, لن تكونَ معتصماً بالله إلا إذا صحَّ قصدك، وقويت إرادتك، وصَلُحَ حالك . تفسير آخر: تصحيح القصد يحتاج إلى إفراد المقصود, لا يوجد إلا الله عزّ وجل، نعيش بمجتمع, لكَ رئيس بالدائرة، لكَ مرؤوس، لكَ زوجة، لكَ أولاد، لك جيران، يَهُمكَ سِمعتُكَ عندهم، يَهُمكَ مكانتك عندهم، فربما اتجه القصد إلى غير الله, إلهي أنتَ مقصودي ورِضاكَ مطلوبي، لا تأخذكَ في الله لومة لائم، لا تخشى إلا الله، لا ترجو إلا الله, أنتَ الآن أفردته بالمقصود وجمعت الهمَّ عليه . تصفية الإرادة، وتقويتها، تخليصها من الشوائب، ومن تعلقات السِوى والأعواض, لن تكونَ الإرادة قوية إلا إذا أردت الله وحده, فإذا أردتَ سِواه تشعبت الإرادة، هذه الحزمة الضوئية تبعثرت, تشتت، وتحقيق الحال لا يكون إلا بالتطبيق, مستحيل أن تتعلم ولا تطبق, وأن تشعر بحالٍ طيب مع الله عزّ وجل, دائماً حالك حال أهل الدنيا, في قلق، في ملل، في حيرة، في سأم، في ضجر، لكنك إذا طبقتَ ما علمت, عَمِلتَ بما علمت, الله سبحانه وتعالى تفضلَّ عليكَ بحالٍ مُسعد . اتصال الشهود : الدرجة الثانية اتصال الشهود , قال : خلاص الشهود من الاعتلال, شهود ضبابي، شهود معه ضعف، شهود نوبي، شهود غير مستمر، وغِناه عن الاستدلال, وسقوط شتات الأسرار, كلامٌ دقيق . يقول لكَ شخص: في البيت يوجد كهرباء, طبعاً بالنهار, تقول له: ما الدليل؟ يبحث لكَ عن دليل، أما لو دخلتَ البيت ليلاً, ورأيت الثُريا متألقة, هل تحتاج إلى دليل؟ الوجود يُغني عن الدليل، فلذلك الاتصال بالله عزّ وجل اتصال الشهود من شوائبه أن يفتقر إلى دليل، ومن شوائبه التشتت، أما اتصال الشهود لا اعتلال فيه، ولا استدلال، ولا شتات أسرار، في توحد, هذه الأحوال وهذه المقامات, من ذاقَ عرف، والطريق إلى الله عزّ وجل سالكة، وكل إنسان يقدر في كل وقت أن يتقرّب من الله عزّ وجل، الله عزّ وجل يُسترضى . الوسيلة : قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [سورة المائدة الآية: 35] هذه الوسيلة ما معناها؟ ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾ العمل الصالح وسيلة، العمل الصالح منوع؛ في أعمال في البيت، أعمال في المهنة، أعمال في الطريق، أعمال مع الجيران، أعمال ماديّة، أعمال معنوية، الابتسامة عمل، المعاونة عمل, إذاً : الآن الوسيلة هي العمل الصالح: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [سورة الكهف الآية: 110] أيضاً: ألا تُحس إذا اطلّعت على حقيقة عن الله عزّ وجل لم تكن تعرفها من قبل, شعرت بالقرب من الله عزّ وجل, إذاً: العلم وسيلة, العِلم وسيلة والعملُ وسيلة, ألا تُحس أحياناً أنكَ إذا جالستَ أهلَ الحق؛ جلست مع مؤمن، سافرت معه، سهرتَ عنده، زرته، ألا تُحس أن حالكَ مع الله أقرب مما لو جلست مع كافر، مع مُعرض، مع بعيد، مع مُنكر، مع مُنافق؟ أن تكونَ مع أهل الحق, هذه وسيلة، المعرفة وسيلة، العمل وسيلة، والبيئة الصالحة وسيلة. سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى, عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ, كَمَثَلِ صَاحِبِ الْمِسْكِ وَكِيرِ الْحَدَّادِ, لا يَعْدَمُكَ مِنْ صَاحِبِ الْمِسْكِ إِمَّا تَشْتَرِيهِ أَوْ تَجِدُ رِيحَهُ, وَكِيرُ الْحَدَّادِ يُحْرِقُ بَدَنَكَ, أَوْ ثَوْبَكَ, أَوْ تَجِدُ مِنْهُ رِيحًا خَبِيثَةً)) الوحدةُ خيرٌ من الجليس السوء, ولكنَّ الجليسَ الصالحَ خيرٌ من الوحدة, وسيلة أخرى؛ العلم والعمل, وأن تختارَ أخواناً مؤمنينَ طيبين تعيش معهم دائماً . العبادات, نوافل العبادات، قراءة القرآن، صلوات النفل، صيام النفل، هذا وسيلة للقرب من الله عزّ وجل، الدعوة إلى الله وسيلة, قال أحد العلماء: الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق. وأنتَ تتوضأ وجدت نملة في المغسلة, وكادت تغرق في ماء الوضوء, فتوقفت عن الوضوء وأنقذتها, إذا وجدت إنساناً ضعيفاً, أعنته, أليس هذا عملاً صالحاً؟ . يا أيها الأخوة الأكارم, العمل الصالح ثمن اللقاء مع الله عزّ وجل: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً﴾ من أجل رفع مستوى المعرفة بالله عزّ وجل, ما السبيل؟ التفكر, كلما تفكرتَ في ملكوت السموات والأرض, ازدادت المعرفة بالله عزّ وجل، وكلما ازددتَ به معرفةً, ازددتَ به قرباً . الذي أتمناه على كلِّ أخٍ كريم, أن يعلمَ عِلمَ اليقين: أنَّ الاتصالَ بالله هو كلُّ شيء في الدين, وأنه لا خيرَ في دينٍ لا صلاة فيه, وأن أيّةَ معصيةٍ إذا شعرتَ أنها أبعدتك عن الله عزّ وجل, أوقعت بينكَ وبينه جفوة, يجبُ أن تبتعدَ عنها، لو جلست مع إنسان, وشعرت أن هذا الإنسان أبعدكَ عن الله عزّ وجل, الأولى أن تبتعدَ عنه، الأولى أن توالي من يوالي الله عزّ وجل ورسوله، لهذا جاءت الحمية اجتماعية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 51] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [سورة الممتحنة الآية: 13] يوجد شيء اسمه: عدوى نفسية، جلست مع إنسان مُحب لله, تشعر بأشواق لله عزّ وجل، تشعر أنَّ مستوى إيمانك ارتفع، تشعر بشوق إلى طاعة الله، إلى العمل الصالح, إن جلستَ مع أهلِ الدنيا تشتاقُ إلى الدنيا, إن جلستَ مع أصحاب الشهوات تُحبُّ الشهوات, فلذلك: الصاحب ساحب. قل لي من تُجالس؟ أقل لكَ من أنت هذا الاتصال ماذا يُقابله؟ ألم يقل لها: يا وِصال كُنتِ سبب الاتصال, فلا تكوني سببَ الانفصال، يقابله الانفصال . قال: فليحذر القريب من الإبعاد، والمتصل من الانفصال، فإنَّ الحقَ جلّ جلاله غيور، لا يرضى ممن عرفه ووجدَ حلاوة معرفته, واتصلَ قلبه بمحبته والأُنسِ به, وتعلقت روحه بإرادة وجهه الأعلى, أن يكون له التفاتٌ إلى غيره البتة, فحينما تلتفت إلى غير الله حصلت الجفوة، وحصل الانقطاع . سيدنا إبراهيم لمّا حصل التفات إلى ابنه, أمره أن يذبحه, فالاتصال خشية الانفصال . الحقيقة الأولى في الكون هي : الله عزّ وجل . وأيُّ شيء يُقربّكَ من الله عزّ وجل يجب أن تفعله ، وأيُّ شيء يُبعدكَ عنه يجب أن تجتنبه ، بدءاً بالأوامر والعبادات والأعمال الصالحة والنوافل ، وترك المحرمات والمكروهات وكلّ شيء يُلهي عن ذِكر الله عزّ وجل , لا تكون في مستوى الإيمان الحق , إلا إذا ذاقَ قلبكَ طعمَ القُرب , والقُربُ مبذولٌ بينَ يديك , في طاعته واجتنابِ معصيته . قال : إذا ضُربَ القلبُ بسوطِ البُعدِ والحِجاب , سُلّطَ عليه من يسومه سوءَ العذاب . ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [سورة المائدة الآية: 18] استنبط الإمام الشافعي من هذه الآية: أنَّ الله عزّ وجل لا يُعذبُ أحبابه، إذا أحبكَ الله عزَ وجل لا يُعذبك، إذا أحببته لا تُعذب، قد ينسى المرء أن من قصّرَ بالعمل ابتلاه الله بالهم، الهم مشكلة كبيرة, مصيبة البُعد عن الله عزّ وجل, وصارَ قلبّه محلاً للجيفِ والأقذار، وبُدِلَ بالأُنسِ وحشةً, وبالعزِّ ذلاً، وبالقناعةِ حِرصاً، وبالقُربِ بُعداّ وطرداً، وبالجمعِ شتاتاً وتفرقةً . اسمعوا هذا الحديث القدسي: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ, جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ, وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ, وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ, وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ, جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ, وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ, وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا قُدِّرَ لَهُ)) [أخرجه الترمذي في سننه] لذلك الإنسان مهما تعلّم عليه أن يعمل: ومن عَمِلَ بما عَلم ورّثه الله عِلمَ ما لم يعلم. لن تذوقَ طعم القرب، ولا طعم الحال الطيب مع الله عزّ وجل، ولا طعم التوفيق، ولا طعم الطمأنينة، إلا إذا أطعتَ الله عزّ وجل . قال بعضهم: احذروا الله فإنه غيور, لا يُحب أن يرى في قلبِ عبده سِواه، القلب منظر الربّ، لا يُحب الله عزّ وجل أن يراك ملتفتاً إلى سواه, عندئذٍ كيفَ يعالجك؟ يجعل الأذى عن طريق هذا الإنسان الذي التفتَ إليه . يؤكدُ هذا قولَ النبي عليه الصلاة والسلام: ((لو كنتُ متخذاً من العِبادِ خليلاً, لكانَ أبو بكرٍ خليلي, ولكن أخٌ وصاحبٌ في الله)) قال: من غيرته جلَّ جلاله: أنَّ صفيّه آدم لمّا ساكنَ بقلبه الجنة, وحرصَ على الخلودِ بها, أخرجه منها، وأنَّ إبراهيم خليله, لمّا أخذَ إسماعيل شُعبةً من قلبه, أمره بذبحه, طبعاً هذا حال الأنبياء, أما أنت إن تعلقت بشيء تعلقاً شديداً ينكسر، الإنسان يتعلق بشيء يزهو به, فيرتكب غلطة كبيرة فتجده يَصغُر. الله غيور, الشِرك عِنده ذنب عظيم، لأنك اتجهت لغير الله عزّ وجل, إذا لم تتجه لغيره, ولكن علاقتك معه فترت, تأتي مشكلة, لأن الله عزّ وجل يُحب أن يسمعَ صوتَ عبده اللهفان، ناجيه مختاراً قبلَ أن تناجيه مضطراً . قال بعضهم: لا إله إلا الله, ما أشدَّ غبنَ من باعَ أطيبَ ما في الحياة في هذه الدار المتصلة بالحياة الطيبة هناك, والنعيم المقيم بالحياة المُنغصّة المُنكّدة المُتصلة بالعذاب الأليم . إذا الإنسان باع الآخرة بهذه الدنيا، الدنيا مؤقتة؛ دار ابتلاء وانقطاع وامتحان، فما أشدَّ غُبنَ هذا الذي باع آخرته بدنياه، بل إنَّ بعض العارفين يقول: مساكين أهلُ الدنيا, جاؤوا إليها وخرجوا منها, ولم يذوقوا أطيبَ ما فيها, إنَّ أطيبَ ما فيها الاتصال بالله عزّ وجل . جرّب مع أنَّ الله لا يُجرّب ولا يُشارط, لكن لو أنكَ بالغتَ في استقامتكَ, لوجدت الله سبحانه وتعالى معكَ في كل أحيائك . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#12 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الغرباء فى الدينالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثانى العاشر ) الغرباء . أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الثاني عشر من دروس مدارج السالكين . الآية الأولى : ![]() يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز : ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [سورة هود الآية: 116] هذه الآية تدل دلالةً قطعيةً على أنَّ الناجينَ قِلة ، وعلى أنَّ المستقيمين قِلة ، وعلى أنَّ الطائعينَ قِلة ، فإذا وجدتَ نفسكَ في عصرٍ ما مع القِلة الطائعة بعيداً عن الكثرة العاصية ، مع القِلة المنيبة بعيداً عن الكثرة المعرضة ، مع القِلة المتبّعة لسنة النبي عليه الصلاة والسلام بعيداً عن الكثرة التائهة والضالة , فهذه علامة طيبة , لأنَّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآية وبدلالةٍ قطعية , يؤكد أنَّ أكثرَ من في الأرضِ مجرمين . الآية الثانية : ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [ سورة الأنعام الآية: 116] هناك شعور ينتاب المؤمن , يا رب كلُّ هؤلاء الناس على خِلاف الحق ، أكثرُ هؤلاء الناس ليسوا على الطريق المستقيم ، أيهما على حق : أنا أم هم ؟. ![]() لِئلا تقعَ في هذا الصِراع ، لِئلا تشعرَ بالوحشة ، لِئلا تشعرَ بأنكَ وحيدٌ في هذا المجتمع التائه ، لِئلا تُحس أن الحقَّ مع هؤلاء الأكثرية , فتقول : لعلي على ضلال أنا وحدي ، لِئلا تقع في هذه المشاعر التي لا ترتاح لها , جاءت الآية الكريمة تؤكدُ : ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلاً مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ ﴾ بقيةٌ قليلةٌ ينهونَ عن الفسادِ في الأرض ، معنى ذلك : أنَّ الفسادَ ظهرَ وعمّ ، وأنَّ هذه القِلةَ القليلة تنهى عن الفساد في الأرض . لو عرضتَ أمرها على الناس لرأوها فِئةً تائهةً . لو أُتيحَ لكَ أن تقبضَ مالاً كثيراً من شُبُهةٍ ورفضته تُتهمُ في عقلك . لو أُتيحَ أن تكونَ في نزهةٍ مع أًصحابك , النزهة مختلطة , ورفضتَ هذه النزهة , لاتهمت في عقلك . لو جاءكَ خاطِبٌ لابنتكَ من مستوىً رفيع في ماله وفي جاهه وفي عمله , ورفضتَ هذا الخاطب لرِقةٍ في دينه تُتهمُ بعقلك , فلِئلا تقعَ في هذه المشاعر ، جاءت الأحاديث الشريفة تؤكد فحوى هذه الآية . أحاديث شريفة تؤكد فحوى الآيات : الحديث الأول : عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَنَّةَ , أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( بَدَأَ الإسْلامُ غَرِيبًا , ثُمَّ يَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ , فَطُوبَى للغُرَبَاءِ )) قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ! وَمَنِ الْغُرَبَاءُ ؟ قَالَ : (( الَّذِينَ يُصْلِحُونَ إِذَا فَسَدَ النَّاسُ , وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لينحازن الإيمَانُ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا يَحُوزُ السَّيْلُ , وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ , لَيَأْرِزَنَّ الإسْلامُ إِلَى مَا بَيْنَ هذين الْمَسْجِدَيْنِ , كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا )) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, وعبد الله بن أحمد في المسند] ![]() الناس خرجوا في الطرقات بلا احتشام , وبلا وقار , وبلا تستر , وبلا انضباط , تَبِعوا الأجانب في أزيائهم ، لو أنَّ ثيابَ المرأةِ الأجنبيّة تبذلّت , لتبذلّت المرأة المسلمة معها اتباعاً لها ، لو دخلوا جُحرَ ضبِّ خَرِبٍ لدخلتموه ، فحينما ترى أنَّ الكثرة الكثيرة خرجوا في الطرقات بلا حجاب , بلا احتشام , بلا وقار ، تتبعوا عادات الأجانب عادةً عادة ، قلّدوهم في كلِّ شيء ، قلّدوهم في احتفالاتهم المُختلطة ، قلّدوهم في إنفاقهم المُترف ، قلّدوهم في أكلهم المالَ الحرام ، قلّدوهم في العلاقات الربوية ، قلّدوهم في تفلت الناس من منهج الله عزّ وجل ، إنَّ رأيتَ مجتمعاً هكذا صِفته , وأنتَ غريبٌ عنه , لا ترضى به , تُنكر ما فيه ، فهذه بِشارةٌ طيبةٌ على أنك من الغرباء ، يعني أيها المؤمن لا تشعر بالوحشة ، وحشتك طبيعية جداً , وحشتك من الناس طبيعية ، بل هيَ شعورٌ صحيّ للمؤمن . يقول عليه الصلاة والسلام: (( بدأ الإسلام غريباً , وسيعود غريباً كما بدأ , فطوبى للغرباء , قيلَ : يا رسول الله ! ومن الغرباء ؟ الذين يصلحون إذا فَسَدَ الناس )) البطولة : أن تُتاح لكَ الدنيا من أوسع أبوابها . أن يُتاح لكَ أن تكونَ في أعلى المراتب . لكنَّ هذه المرتبة التي يطمحُ لها الناس , أساسها إيقاع الأذى بالناس ، أو إضلال الناس ، أو إفساد العلاقات ، فمهما كانت هذه المرتبةُ مغريّةً , لوجود شُبهةٍ فيها تبتعدُ عنها . ![]() إذاً : (( يصلحون إذا فَسَدَ الناس )) حينما يَعمُّ الفسادُ في الأرض . أكثر الناس لا يبالون أكانَ كسبهم حلالاً أم حراماً ؟؟؟ أكثرُ الناس لا يبالون أكانت علاقاتهم مع بعضهم مشروعةً أو غيرَ مشروعة ؟؟؟ أكثرُ الناس لا يبالون إذا كانت أعمالهم أساسها طاعة أو معصية ؟؟؟ جاءته وظيفةٌ دخلها كبير ولكن في ممارسة هذا العمل بعضُ المعاصي فرفضها !! لو عرضتَ قصته على الناس لاتهموه بالجنون ، يشعر بغربة ، حتى أهله , حتى أمه , حتى أبوه . أعرف رجلاً آخر , جاءه عرضٌ لِبضاعةٍ لا تُرضي الله عزّ وجل , عشرة آلاف قطعة صنّعها وخذ ثمنها , ولكن إذا صنّعتَ هذه القِطع , فقد أعنت على الإثم والعدوان , ثيابٌ ترتديها النساء في المسابح لا تُرضي الله عزّ وجل , وهو في أشدِ حالات الضيق فرفضها . الإيمان ليسَ كما يظنُ الناس . الإيمان ليسَ صلاةً وصياماً فقط . ![]() ليسَ عبادات شكلية جوفاء كما هيَ عندَ الناس . الإسلام مواقف ، الإسلام منهج متكامل ، الإسلام يدخل في دقائق عملك اليومية ، يدخل في مهنتك ، في حرفتك، في بيتك ، في نزهتك ، في لهوك ، في جِدّك ، في سفرك ، في حَضرِك ، الإسلام يعني تقريباً مئة ألف بند ، عندما المسلمون اختصروه إلى أربع خمس عبادات شكليّة , وفيما سِوى هذه العبادات , هم على أهوائهم , وفقَ نزواتهم ، وفقَ ما يحلو لهم ، وفقَ مصالحهم ، وفقَ طموحاتهم الدنيوية ، فصلوا الدينَ عن الدنيا , وجعلوا الدنيا في واد والدينَ في واد ، لذلك بلغوا ألف مليون في العالم وليست كلمتهم هي العليا , لا أقول سفلى ؛ لكن ليست هي العليا , مع أنَّ الله يقول : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [سورة النور الآية: 55] والحديث الصحيح : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لأكْثَمَ بْنِ الْجَوْنِ الْخُزَاعِيِّ: ((يَا أَكْثَمُ , اغْزُ مَعَ غَيْرِ قَوْمِكَ , يَحْسُنْ خُلُقُكَ , وَتَكْرُمْ عَلَى رُفَقَائِكَ , يَا أَكْثَمُ , خَيْرُ الرُّفَقَاءِ أَرْبَعَةٌ , وَخَيْرُ السَّرَايَا أَرْبَعُ مِائَةٍ , وَخَيْرُ الْجُيُوشِ أَرْبَعَةُ آلافٍ , وَلَنْ يُغْلَبَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا مِنْ قِلَّةٍ )) [أخرجه ابن ماجه في سننه] لو أنَّ عددَ المؤمنين الصادقينَ في الأرض اثنا عشر ألف رجل ما غُلِبوا , فكيفَ إذا كانوا ألفَ مليون ؟ ماذا يعني ذلك ؟ ![]() القضية عندَ الله ليست بالمظاهر ، المظاهر الإسلامية الصارخة , والمصاحف , والأشرطة , والخُطب ، والجوامع ملأىَ بالمُصلين ، هذه مظاهر ، تُبشر بالخير ، ولكن ليست كذلك عِندَ الله ، عِندَ الله عدد المسلمين هو عدد الطائعين ، عدد المُلتزمين . من وليُّ الله : أهو الذي يطير في الهواء ؟ قال : لا . أهو الذي يمشي على وجه الماء ؟ قال : لا . الوليُّ كلُّ الوليّ الذي تجده عِندَ الحلالِ والحرام . فيا أخي الكريم ؛ إسلامك في معملك ، إسلامك في دكانك ، إسلامك في وظيفتك ، إسلامك في بيعك وشرائك ، إسلامك في تعاملك ، إسلامك في جوارحك ، في مهنتك ، هذا هو الإسلام . أول حديث : ((طوبى للغرباء , قيلَ : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الذين يصلحون إذا فَسَدَ الناس)) الحديث الثاني : حديثٌ آخر يقول عليه الصلاة والسلام : (( طوبى للغرباء , قيلَ : ومن الغرباء يا رسول الله ؟ قال : الذين يزيدون إذا نقصَ الناس )) ما معنى يزيدون إذا نَقَصَ الناس ؟ يعني إذا قلَّ أهلُ الخير زادَ خيرهم , وإذا قلَّ أهل المعروف زادَ معروفهم ، وإذا قلَّ أهلُ الورع زادَ ورعهم ، وإذا قلَّ أهلُ الالتزام زادَ التزامهم ، الذين يزيدون في المعروف , وفي الورع , وفي الطاعة , وفي القربات , وفي البذل , وفي التضحية إذا نَقَصَ الناس . الحديث الثالث : عَنِ الأعْمَشِ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ أَبِي الأحْوَصِ , عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( إِنَّ الإسْلامَ بَدَأَ غَرِيبًا , وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ , فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ , قِيلَ : وَمَنِ الْغُرَبَاءُ ؟ قَالَ : النُّزَّاعُ مِنَ الْقَبَائِلِ )) ![]() قبيلة خرجَ منها واحدٌ أو اثنان , تعرّفا إلى الله عزّ وجل , وطبقّا أمرَ النبي , وجاهدا في سبيله , وبذلا الغالي والرخيص , والنفسَ والنفيس , فهذا نَزَعَ من القبيلة ، الأكثرية مُقيمةٌ على أكلِ الرِبا ، وعلى لَعِب الميسر ، وعلى متابعة الأعمال الفنية الساقطة ، صارَ الناسُ موحدين بنزعاتهم التي لا تُرضي الله عزّ وجل . الإنسان وعاء , أخطر ما في الوعاء , ماذا يُصبُّ فيه ؟ أنت ما الذي يغذيك ثقافيّاً ؟ الغذاء المعروف معروف الطعام والشراب , أما هذه النفس هي وعاء , ماذا يُصبُّ فيها ؟ أخبار الفنانين ، أخبار أهل الدنيا ، أخبار الساقطين والساقطات ، ما الذي تقرؤهُ ؟ ما الذي تستمعُ إليه ؟ ما الذي تُشاهده ؟ هذا الوعاء ماذا يُصبُّ فيه ؟ لن يخرجَ منه إلا مثلَ الذي يصبُّ فيه ، فإذا ملأتَ وعاءك من أخبار الفنانين فلن تتكلّمَ إلا عنهم ، وإن ملأتَ وعاءكَ من أخبار أهل الدنيا , وكيف سافروا ؟ وكيف تزوجوا ؟ وكم بذلوا ؟ والمُتع التي مارسوها ؟ والشهوات التي غَرِقوا فيها ؟ والأفعال الخسيسة التي فعلوها ؟ لن تستطيع أن تتحدثَ إلا عن هؤلاء ، أما إذا ملأتَ وعاءكَ من كتاب الله , ومن سُنّة النبي عليه الصلاة والسلام , ومن بطولات أصحاب رسول الله , راقب نفسك ؛ إذا أردتَ الحديث لن تتحدثَ إلا عن هؤلاء , هذا الذي قاله الأجداد : كلُّ إناءٍ بالذي فيه ينضحُ . أخطر ما في الأمر أن تُراقب من الذي يُغذيك؟ عندك مصادر مسموعة، وعندك مصادر مقروءة، وعندك مصادر مشاهدة, هذه المصادر, فلن تتكلم إلا من هذا الذي تستمعُ إليه، ما يخرج منك من جنس ما تُغذى به، قل لي: ماذا تقرأ, أقل لك: من أنت؟ قل لي: ماذا تُشاهد, أقل لك: من أنت؟ قل لي: ماذا تسمع, أقل لك: من أنت؟ . قال : ((فطوبى للغرباء, قيلَ: ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: النُزّاعُ من القبائل)) تجد أسرة كبيرة في علاقاتها ، اختلاط ، مع احتفالات ، تجد مطاعم كلها إكراماً لشهر رمضان المبارك , تقدّم وجبات نفيسة وطيبة , ونساء ورجال بأبهى زينة , وبلا صلاة ، يقول لك : سهرنا للساعة الثانية ونمنا , أين السَحور بقي ؟ وأين الفجر ؟ هكذا الناس . الحديث الرابع : حَدَّثَنِي كَثِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ زَيْدِ بْنِ مِلْحَةَ عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدِّهِ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ الدِّينَ لَيَأْرِزُ إِلَى الْحِجَازِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا , وَلَيَعْقِلَنَّ الدِّينُ مِنَ الْحِجَازِ مَعْقِلَ الأرْوِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْجَبَلِ , إِنَّ الدِّينَ بَدَأَ غَرِيبًا وَيَرْجِعُ غَرِيبًا , فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ , الَّذِينَ يُصْلِحُونَ مَا أَفْسَدَ النَّاسُ مِنْ بَعْدِي مِنْ سُنَّتِي )) ((الذين يُحيون سٌنّتي ويعلمونها الناس)) ![]() النبي له سُنّة : كلٌّ يدعي أنه يحبُ رسول الله , وقد قالَ الله عزّ وجل : ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [ سورة آل عمران الآية: 31] لا أصدّق أن تدّعي حُبَّ رسول الله أو حُبَّ الله عزّ وجل وأنتَ مُخالفٌ سُنّته، علامة حُبكَ للهِ عزّ وجل : اتباع سُنّة نبيه . يحيون السنة بالتطبيق , وينشرونها بالتعليم ، يحيونها بالتطبيق , وينشرونها بالتعليم . ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [ سورة الأنفال الآية: 33] أجمعَ المفسرون على أنَّ هذه الآية تعني: أنه إذا كانَ النبي عليه الصلاة والسلام بين ظهرانيهم, بينَ أصحابه, لن يُعذبوا، وأنه إذا كانت سُنّته مُطبقةً في من بعده لن يُعذبوا، فأنتَ متى لا تُعذب؟ في حالتين؛ إما أن تكونَ مع النبي الكريم شخصيّاً، وإما أن تكونَ سُنّته معك مُطبقةً في بيتك, نعم لا تُعذب . الحديث الخامس : عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ , أَنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَوَجَدَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ قَاعِدًا عِنْدَ قَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْكِي , فَقَالَ : مَا يُبْكِيكَ ؟ قَالَ : يُبْكِينِي شَيْءٌ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : (( إِنَّ يَسِيرَ الرِّيَاءِ شِرْكٌ , وَإِنَّ مَنْ عَادَى لِلَّهِ وَلِيًّا , فَقَدْ بَارَزَ اللَّهَ بِالْمُحَارَبَةِ , إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الأبْرَارَ الأتْقِيَاءَ الأخْفِيَاءَ , الَّذِينَ إِذَا غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا , وَإِنْ حَضَرُوا لَمْ يُدْعَوْا وَلَمْ يُعْرَفُوا , قُلُوبُهُمْ مَصَابِيحُ الْهُدَى , يَخْرُجُونَ مِنْ كُلِّ غَبْرَاءَ مُظْلِمَةٍ )) [أخرجه ابن ماجه في سننه] تأتي الفِتن كقطع الليل المُظلم , إلا من رَحِمَ ربك ، إلا من نجاه الله عزّ وجل ، بعيدٌ عن هذه الفِتنة , هناكَ فِتنٌ تدعُ الحليمَ حيران ، المؤمن الصادق يُنجيه الله عزّ وجل , من هذه الفِتن . ![]() أخفياء لا يُحبون الشُهرة ، أتقياء لا يحبون المعصية ، أبرياء ليسوا متهمين ، إذا غابوا لم يُفتقدوا ، وإذا حضروا لم يُعرفوا ، قلوبهم مصابيح الهدى ، يخرجون من كل فِتنةٍ عمياء مظلمة كما قال عليه الصلاة والسلام : ((ابتغوا الرِفعةَ عِندَ الله)) هم لا يسعونَ إلى رِفعةٍ بين الناس , إلى رِفعةٍ عِندَ الله عزّ وجل . البطولة : أن تحجز مكانةً عِندَ الله : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [ سورة القمر الآية: 54-55] لك مكان عِندَ الله ، لكَ مكانة عِندَ الله، تشعر أنَّ الله يُحبك ، تشعر أنكَ على المنهج الصحيح ، تشعر أنكَ في الطريق الصحيح ، تشعر أنتَ متجهٌ إلى الهدفِ الصحيح ، هذا الشعور يُغنيكَ عن مدحِ الناس ، وعن الرِفعةِ بينَ الناس ، وعن تسليط الأضواء ، وعن الشُهرة ، وعن الشأن ، وعن الجاه ، هذه كلها تستغني عنها بشعوركَ أنَّ الله يُحبك . من هم الغرباء . ![]() يقول مؤلفُ هذا الكتاب : هؤلاءِ هم الغرباء الممدوحون المغبوطون ، لِقلّتهم في الناس ، لِقلتهم سُـموا غُرباء ، مدينة فيها خمسـة ملايين , أيام تجد فيها حوالي 100 سـائح , 200 سـائح , سُـميَّ هؤلاء السـياح غرباء , لأنهم قِلةٌ ، قال : سُموا غرباء لِقلتهم , فإنَّ أكثرَ الناسِ على غيرِ هذه الصفات . قال : أهلُ الإسلام غرباءٌ في الناس , المسلمون إذا وضعتهم مع عامّةِ الشعوب ، 450 مليون في الهند يعبدون البقر - أعوذ بالله - تمشي البقرة في الطريق , تقطع الطريق ، يبقى الطريق مُعطّلاً ساعات طويلة , تدخل البقرة إلى بائع الفاكهة , فتأكل من هذه الفاكهة ما لذَّ وطاب , وصاحب البقالية مغتبطٌ أشدَ الاغتباط ، في الأعياد يضعون روثَ البقر على أثاثِ بيوتهم , أرقى أنواع العطورات ، 350 مليون يقولون : لا إله , ما في إله في الشمال , عقيدتهم الإلحاد ، تذهب للغرب 30 % من الزِنا زِنا المحارم , الأب مع ابنته ، والأخ مع أخته ، والابن مع أمه ، 30% إحصاء دقيق جداً , هذا كلام علمي , 30% من الزِنا زِنا المحارم ، والأمراض الجنسية بأعداد وبائية ، كذا مليون يُمارسون الشذوذ الجنسي مع بطاقات , مع هويات يفتخرون بها ، معناها المسلمون المقصّرون غرباء أمام هؤلاء ، الزواج في أمريكا عياره سنة أو سنة ونصف فقط , لأتفه سبب تنفصم العلاقة الزوجية ، يعني أن يكون للزوجة عِدة أصدقاء , تغيب أياماً عن البيت , أسبوع , أسبوعين , وضع طبيعي جداً . كان أحد الخبراء عِندنا في بلدنا, فعَمِلَ احتفالاً لطيفاً, بقيَّ عندنا أكثر من عام ونصف, قال: جاءني مولود, أنت أين كنت؟ أنتَ في الشام مقيم, وزوجتكَ هناك, جاءه مولود, فعمل احتفال بمجيئه، والله المسلمون غرباء أمام هذه المجتمعات, طبعاً في أمثلة كثيرة جداً . فقال: أهلُ الإسلام في الناسِ غرباء، والمؤمنونَ في أهلِ الإسلامِ غرباء، المؤمن الصادق مع عامة المسلمين غريب. ![]() قال: أهلُ العِلمِ في المؤمنين غرباء, المُتبحر في العِلم, الذي عرَفَ سِرَّ وجوده, والهدفَ فيه، وعَرَفَ حقيقةَ الدنيا، وعَرَفَ عِظَمَ المسؤولية، ورأىَ أنَّ الكونَ كله مُسخرٌ للإنسان، يرى أنَّ الوقتَ ثمين جداً, وأنه لا يُمضي وقته إلا في عملٍ صالح, فإذا وازنَ نفسه مع المؤمنين, يرى نفسه غريباً عنهم . قال: وأهلُ السُنّة الذين يميزونها من الأهواء والبِدع، يعني أصحاب العقائد الصحيحة, وأصحاب التحقيق العلمي في السُنّة، الحديث موضوع, وهذا الحديث ضعيف, وهذه بِدعة النبي لم يقلها, يوجد عِنده صحوة, هؤلاء أيضاً غرباء عِندَ عامةِ أهلِ العِلم . هذه القضية، قضية كل ما ارتفع مستوى الإنسان تقلّ الدائرة, مثل الهرم تماماً, إذا أنت مع أول قاعدة واسعة جداً, صعدت درجة القاعدة قلّت، كلما صَعِدتَ في هذا الهرم ضاقت القاعدة, لذلك لو جاء النبي, أيُّ نبي, وجلسَ مع مؤمنين, لا أُبالغ: يرى نفسه غريباً عنهم . ((أبيتُ عِندَ ربي يطعمني ويسقيني)) ((لو علمتم ما أعلم, لبكيتم كثيراً ولضحكتم قليلاً)) ![]() الأنبياء لو وزِنوا بالمؤمنين يصبحوا غرباء, قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [ سورة الأنعام الآية: 116] فأنت افتخر وكُن مع الأقليّة، كُن واحداً كألف لا ألفاً كأُف, الله عزّ وجل قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ [ سورة الكهف الآية: 105] حدثني شخص قال لي: كنت في بلد أجنبي, إقلاع الطائرة الساعة الثانية بعد منتصف الليل, طلبت سيارة أجرة, جاءتني إلى الفندق, قال لي: في الطريق أيام شتاء, أيام الثلج والأمطار, وبرد شديد, وجدتُ صفاً من الناس, أقسمَ لي وهو تلميذٌ لي سابقاً, أقسمَ لي أنَّ هذا الصف يزيد طوله عن ثلاثة كيلو مترات, فسأل السائق: ما هذا؟ والساعة الثانية بعد منتصف الليل, قال له: أُذيع الليلة أنه سيوزعُ اللحم الساعة الثامنة صباحاً, قلت: يا الله! قال: في هذا المجتمع, الزِنا ثمنه قِطعة من الحلوى, قطعة واحدة تأخذ أجمل فتاة, قلت هذه الكلمة وصِرت أُكررها: هانَ الله عليهم فهانوا على الله، هانَ الله عليهم فهانوا على الله . ![]() يعني في مجتمعٍ المعصية, بلا تحرش، بلا قلق, بلا وجل، بلا خوف، بلا شعور بالمسؤولية، ما دامَ الله قد هانَ عليهم إلى هذه الدرجة، إذاً: هم هانوا على الله، ما دامَ لحم النساء قد رَخصَ إلى هذا المستوى, إذاً: غلا لحم الضأن إلى هذا المستوى، وكلما قلَّ ماءُ الحياء قلَّ ماء السماء, فالبطولة: أن يكون الإنسان مع القِلة المؤمنة، أن يكونَ مع الغرباء, كي ينجو من عذاب الله عزّ وجل . تعقيب صغير ... قال: هذه الغُربة تكون في مكان دون مكان، يعني إذا كنتَ في بلدة كدمشق, أدامها الله علينا، المساجد ممتلئة، أُناسٌ صالحون كثيرون، قلوبهم فيها رحمة, والله وفي صحوة دينية طيبة جداً، المساجد ممتلئة في كلِّ الأوقات، في التراويح، في الفجر، يعني أُناسٌ طيبون مقبلون على الدين, ربما لا تحس أنكَ هنا غريب، لكن لو ذهبت إلى بلدٍ أجنبي, ورأيتَ الزِنا على قارعة الطريق، لا تحتمل . شخص ذهبت إلى فرنسا، وقفت على نهر السين، شاهدت شاباً كئيباً, ولغتي الفرنسية ضعيفة، قلت: أتمرن فيه، فاقتربت وسألته, فقال له: أنا أريد أن أنتحر، قلت له: لماذا ؟ قال: الحياة لا معنى لها عندي، قلت له: ما الذي يزعجك؟ قال: أحبُ فتاة فأخذها مني أبي, الأب عندنا مُقدّس, الأب كل هدفه ابنه، هدفه أن يزوجه، هدفه أن يأخذ له بيتاً، عندنا العلاقات طيبة, إذا اطمأنَ على مستقبلهم يرتاح الأب، هذا الأب, أما ذلكَ الأب: نافسَ ابنه على فتاة, فيجوز أنت في دمشق لا تكون غريباً تُحس بارتياح، أينما كنت؛ مساجد وآذان وقرآن, هذه نعمةٌ كبرى. قال: قد تكون في مكان دون مكان، وفي وقت دون وقت، وبين قومٍ دون قوم، يجوز بالشام نفسها حي مُحافظ وحي غير مُحافظ، أيام رمضان غير بعد رمضان, على كلٍ؛ هناك تفاوت في هذه النسبة . ![]() قال: أهلُ الله عزّ وجل لا يأوون إلا إلى الله, ولا ينتسبون إلا إلى رسول الله, ولا يدعو له إلا إلى الله, هذه الغُربة اسم على غير مُسمى، صاحب هذه الغُربة لا يُحس بالغُربة، يُحس بالأُنس, لأنه مع الله عزّ وجل، هو عِندَ الناس غريب، عِندَ الناس كأنه شاذ, لكن هوَ عِندَ الله مُقرّب، الله عزّ وجل يؤنسه, يتجلى على قلبه . قال: هذه الغُربةُ لا وحشةَ على صاحبها, بل هو آنسُ ما يكون إذا استوحشَ الناس, إذا الناس خافوا وقلقوا, بوادر زلزال ارتعدت فرائص الناس، المؤمن ماذا يقول؟ يتلو قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ [ سورة آل عمران الآية: 158] إلى أينَ الذهاب؟ إلى الله عزّ وجل: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [ سورة آل عمران الآية: 157] ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ﴾ [ سورة يس الآية: 26] الإنسان يُحب الحياة, هذا كلام واقعي، لكن لو فرضنا: لاحَ شبحُ الموت لمؤمن ومستقيم, وعمله طيب, وحياته في طاعة الله، أتظن أنه يخاف من الموت؟ يتمنى أن يعيش أطول عُمر, حتى أكون معك واقعياً, خيركم من طالَ عُمره وحَسُنَ عمله، لكن لو لاحَ له شبحُ الموت فمرحباً به . قصص غريبة جداً : أحد تجار البلد, أصابه سرطان بالدم, بقدرة قادر, وقضية المستشفى, اتصلت بالمنزل لتُعلمهم بالنتيجة, في هاتف بجانبه, فرفع السماعة، ابنه رد على الهاتف, قال له: أبوك منته, ثلاثة أيام ويموت, سَمِعها بأذنه, زاره أصحابه, فقال لهم: انتهى الفيلم, في صفقة ألغاها, وصفقة أوصى بها, وجمع أولاده, وودعهم, وتغسّل, وأحد العلماء زاره الساعة الواحدة, وقرؤوا له الأوراد والتهاليل, والساعة الثانية كان توفي، لكن الشيء الذي لفت النظر: أنه لم يكن جزعان، كان إذا دخل شخص يطلب منه مساعدة, يفتح الصندوق, ويقول له: خذ قدر ما تحتاج, ولا تقل لي: قدر الكمية . واحد دخل المستشفى, معه سرطان بالأمعاء، كلما دخلَ عليه زائر يقول: يا رب اشهد أنني راضٍ عن الله, يا ربي لكَ الحمد, إلى أن توفاه الله, الإنسان يتمنى أن يعيش أطول عمر, أما لو لاحَ له شبح الموت, لا يوجد عنده هذا الجزع, إلى أين ذاهب؟ كلُّ هذه الحياة لهذه الساعة مهيأة. هذه غُربةٌ لا وحشةَ فيها, بل هو آنسُ ما يكون إذا استوحش الناس, وأشدُّ ما تكونُ وحشته إذا استأنسوا, فوليه الله ورسوله والذين آمنوا, وإن عاداه أكثرَ الناس وجَفوه . عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَمْ مِنْ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ لا يُؤْبَهُ لَهُ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبَرَّهُ, مِنْهُمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَالِكٍ)) [أخرجه الترمذي في سننه] هذا غريب معناها . عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: ((أَلا أُخْبِرُكُمْ بِأَهْلِ النَّارِ وَأَهْلِ الْجَنَّةِ؟ أَمَّا أَهْلُ الْجَنَّةِ: فَكُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ, أَشْعَثَ ذِي طِمْرَيْنِ, لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لأبَرَّهُ, وَأَمَّا أَهْلُ النَّارِ: فَكُلُّ جَعْظَرِيٍّ جَوَّاظٍ, جَمَّاعٍ مَنَّاعٍ, ذِي تَبَعٍ)) ![]() أنت إذا شاهدت مؤمناً مستقيماً, ولو كانت مرتبته الدنيوية وسط, فلا تتطاول عليه, لأنَّ الله كبير، لو كان ضارب آلة كاتبة بدائرة, وأنتَ مدير عام, لا تقل: أنا ربكم الأعلى, لو كان مستخدم, انتبه. ((رُبَّ أشعثَ أغبر ذي طمرين مدفوعٍ بالأبواب, لو أقسمَ على الله لأبرّه)) قَالَ : ((سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اتَّقُوا دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا, فَإِنَّهُ لَيْسَ دُونَهَا حِجَابٌ)) معنى البطولة : أن تكون أنت متواضع, وتعرف أن المراتب عِندَ الله, ليست كما هيَ عِندَ الناس، الناس يحترمون الغني, ويحترمون القوي, ويحترمون صاحب الشهادات العليا, يحترمون الوسيم الجميل, ويحترمون الصحيح, ويحترمون المُتكلَم, ويحترمون الذكي، أما ربنا عزّ وجل يُحب الطائعين. ((أحبُّ الطائعين وحُبي للشابِ الطائعِ أشد ، أحبُّ المتواضعين وحُبي للغني المتواضع أشد ، أحبُّ الكرماء وحُبي للفقير الكريم أشد)) (( ألا أُخبركم عن ملوك أهلِ الجنة؟ قالوا: بلى يا رسول الله, قال: كلُّ ضعيفٍ أغبرَ ذي طمرين لا يُؤبه له, لو أقسم على الله لأبرّه )) صفات الغرباء : قال صفات هؤلاء الغرباء الذين غبطهم النبي صلى الله عليه وسلم : أول صِفةٍ لهم : هيَ التمسك بالسُنّة إذا رَغِبَ الناسُ عنها ، صلاته مهمة جداً ، غضُّ بصره مهمٌ جداً ، لا يكون في اختلاط مهمٌ جداً ، ما يكون في شُبُهة بالدخل مُهمٌ جداً . في حديث فيه بِشارة لكم جميعاً إن شاء الله تعالى ، قال: جُعِلَ للمسلم الصادق في هذا الوقت إذا تمسكَ بدينه, أجرَ خمسينَ من الصحابة . ![]() عَنْ أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ : أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ , فَقُلْتُ لَهُ : كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الآيَةِ ؟ قَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ ؟ قُلْتُ قَوْلُهُ تَعَالَى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قَالَ : أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْهَا خَبِيرًا , سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ : (( بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ , وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ , حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا , وَهَوًى مُتَّبَعًا , وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً , وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ , فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ , وَدَعِ الْعَوَامَّ , فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا , الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ , لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ )) قَالَ : عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ , وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَة ,َ قِيل :َ يَا رَسُولَ اللَّهِ ! أَجْرُ خَمْسِينَ مِنَّا أَوْ مِنْهُمْ , قَالَ : (( بَلْ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ )) في بعض الروايات : قالوا : ![]() ((لِم ؟ قالَ : لأنكم تجدونَ على الخير مِعواناً ولا يجدون)) إذا الإنسان استقام, أهله أقرب الناس إليه يرفضونه, زوجته أحياناً ترفضه، شريكه لا يرضى, يقول لك: نبيع خمراً الزبائن تخف، يصبح درجة رابعة، المطعم أخذناه خمس نجوم ينزل إلى مستوى أربع نجوم . في بعض المدن السورية, بائع من أهل الصلاح, بائع لحم, كتب على باب دكانه: ممنوع شرب الخمر بأمر الرب, والرزق على الله, فأقبل الناس عليه، أما سمعت بمصر, من عادات المحلات التجارية عِند افتتاحها, يأتي قارئ قرآن ويقرأ قرآن, فيوجد محل بجانبه محل غير مُسلم، فأحضرَ القارئ, وقال له: اقرأ, فالقارئ قرأ: والتين والزيتون, وقال له: قل لهم: عِندنا أيضاً حُمُّص .... القصد: أنَّ الغُربة نِعمة وليست نِقمة، إذا كنتَ غريباً, فهذه بِشارةٌ من رسول الله صلى الله عليه وسلم . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#13 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : النفاقالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثالث العاشر ) النِفاق . أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الثالث عشر من دروس مدارج السالكين , موضوع اليوم عنوانه : النِفاق . ولماذا كانَ هذا الموضوع ؟ هناكَ أسباب وجيهةٌ وخطيرةٌ تدعو إلى معرفة هذا المرض الخطير الذي يصيب المؤمنين , ولا أدلَّ على خطورة هذا الموضوع , من أنَّ سيدنا عمر بن الخطاب رضيَ الله عنه قال لحذيفةَ بن اليمان رضي الله عنه : يا حذيفة , ناشدتك بالله , هل سماني لكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم - أي من المنافقين - ؟ قالَ : لا ولا أُزكّي بعدكَ أحداً , ولا أدلَّ على خطورةِ هذا الموضوع , من أنَّ الحسنَ البصري رضي الله عنه قال : ما أمِنَ النِفاقَ إلا مُنافق , وما خافَ النفاقَ إلا مؤمن , فيجب أن نعرفَ هذا المرض الخطير الذي يصيب المؤمنين . أيها الأخوة الأكارم ؛ النِفاقُ داءٌ عُضالٌ باطن , ومعنى باطن : أنه قد يكون مستشريّاً في نفس المؤمن وهو لا يدري، فمن كانَ مطمئناً من هذا المرض ربما كانَ منافقاً، قد يمتلئُ منه الرجل وهو لا يشعر, فإنه أمرٌ خَفي على الناس, وكثيراً ما يخَفى على من تلبسَّ به, فيزعم أنه مصلح, وهو في الحقيقة مُفسد, أحدنا إذا كان يخاف على سلامة إيمانه، إذا كانَ يخاف على مكانته عِندَ ربه، إذا كانَ يخشى الله واليومَ الآخر، إذا كانَ يخشى أن يُحبطَ الله عمله، إذا كانَ يخشى أن يكونَ له صورة وله حقيقةٌ أخرى لا يرضاها الله عزّ وجل، فليُدقق في هذا الدرس . أنواع النفاق : العلماء قالوا النِفاق نوعان : نوعٌ أكبر ونوعٌ أصغر . النوع الأكبر: يوجِبُ الخلودَ في النار في دركها الأسفل , قال تعالى : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾ [سورة النساء الآية: 145] المشكلة : المنافق يصلي مع الناس ، ويصوم مع الناس ، وله زيٌّ إسلامي ، ويحضر جماعاتهم . فالنوع الأكبر : يُوجب الخلودَ في النار في دركها الأسفل . لأنَّ المنافقَ هذا يُظهر للمسلمين ؛ إيمانه بالله , وإيمانه بالملائكة , وبالكتب , وبالرسل , وباليوم الآخر ، وهو في الباطن مُنسلخٌ من ذلك كله ، لا يؤمن بأنَّ الله تكلّمَ بكلامٍ أنزله على بشر ، يهديهم بإذنه ، ويُنذرهم بأسه ، ويُخوّفهم عِقابه ، هذا الإنسان المُنافق هَتكَ الله سِترهُ وكشفَ سِرّه ، وجلّى لعباده أمره ، ليكون الناسُ منه على حذر . وذكر الله سبحانه وتعالى كما تعلمون في القرآن الكريم , وفي مطلع سورة البقرة أربعَ آياتٍ تتعلق بالمؤمنين . أصناف العالمين أصنافٌ ثلاثة ؛ مؤمنٌ وكافرٌ ومنافق . فالمؤمنون خصّهم بأربع آيات : ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة الاية: 1-5] والكفار خصّهم بآيتين : ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [سورة البقرة الآية: 6-7] وأما المنافقون : فتحدثَ عنهم في ثلاث عشرة آية لخطورتهم , ولاستشراء النِفاق في صفوف المؤمنين . لذلك المؤمن القضية سهلة , مؤمن , مستقيم ، عقيدته صحيحة ، مخلص ، مُقبل ، مُنيب ، مُحب ، ورع . والكافر لا يستحي بكفره من كلامه ، من تعبيراته ، من حركاته ، من سكناته . فأنتَ تعرفُ المؤمن وتعرفُ الكافر ، ولكن هذا الشخص الثالث الذي يُظهر لكَ من الإيمان ما فيه الكفاية وهو مُنافق ، قال : هذا النوع الثالث هو النوع الخطر . الله سبحانه وتعالى خصّه بثلاث عشرة آية لكثرتهم، لكثرة المنافقين، ولِعموم الابتلاء بهم، وشِدة فتنتهم على الإسلام وأهله، فإنَّ بليّة الإسلام بهم، والذي يقوله الناس دائماً: أخشى ما نخشاه على الإسلام لا من أعدائه بل من أدعيائه المنافقين، لأنَّ هؤلاء المنافقين يفجرونه من داخله، إذا هاجمه أعداء الدين، أخذَ المؤمنون الحيطة, ولكنَّ المنافقين في صفوف المؤمنين ، بينهم، في مساجدهم، معهم، في أعمالهم . قال: فكم من معقلٍ للإسلام قد هدموه؟ وكم من حِصنٍ له قد قلعوا أساسه وخرّبوه؟ وكم من عَلمٍ قد طمسوه؟ وكم من لواءٍ له مرفوعٍ قد وضعوه؟ وكم ضربوا أساسه بالمعاول فهدّموه؟ لذلك ربنا عزّ وجل قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 11-12] ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [سورة الصف الآية: 8] أربع آياتٍ للمؤمنين ، آيتان للكفار ، ثلاث عشرة آية للمنافقين لكثرتهم , ولخطورتهم ، ولإفسادهم ، ولانحرافهم ، ولأنَّ الناسَ قد يَلبَسُ عليهم أمرهم . من صفات المنافقين : 1-مفارقة الوحي : أول صِفة من صفات المنافقين, قال: اتفقَ المنافقونَ على مفارقة الوحي، كلام الله عزّ وجل عِندَ المؤمنين له شأنٌ عظيم, بينما كلام الله عزّ وجل عِندَ المنافق, يتحرك في الحياة لا وفقَ كلام الله بل وفقَ هواه، ما أمرَ الله به, ما نهى عنه, ما وضحهُ, ما بينّهُ, ما سَنّهُ, تراه ينطلق من مصالحهِ، من ثقافته أحياناً، من طموحاته غير المشروعة، ولا يعبأ بكلام اللهِ، ولا بحدوده، ولا بأوامره, ولا بنواهيه، ربنا عزّ وجل وصفهم فقال: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 53] عِندهم آراء, وعقائد, ومواقف, وتنظيمات لا تمت للدين بصِلة، ﴿كلُّ حِزبٍ بما لديهم فرحون﴾ هؤلاءِ هم المنافقون. 2- يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا : وأيضاً : يوحي بعضهم إلى بعضٍ زُخرفَ القولِ غروراً ، والذي يجمعهم جميعاً : أنهم اتخذوا هذا القرآن مهجوراً ، قوله تعالى : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 221] فإذا طرقَ بابه خُطّابٌ كثيرون, يختار الغني ولا يعبأ بالمؤمن, إذاً: قال الله عزّ وجل: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [سورة البقرة الآية: 276] لا يُبالي بهذه الآية, يأكل الرِبا ويوكِله، هذا هو النِفاق, لعلكَ تراه يصلي، لعلكَ تراه يصوم، لا قيمة لهذه الصلاة ولا لهذا الصيام . اتخذوا هذا القرآن مهجوراً؛ ما هجرَ تِلاوته, ولكن هجرَ تطبيق أحكامه، ما جعله في حياته, جعله وراء ظهره, جعله خارج اهتمامه, فالإنسان الذي لا يعبأ بكلام الله، ولا يتخذه دستوراً، ولا ينطلق في حياته من أحكامه، فهذا منافقٌ منافقٌ منافقٌ . 3-صم بكم عمي فهم لا يرجعون : صِفةٌ أخرى من صفات المنافقين: قالَ الله عزّ وجل: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 18] عيناه لا تريه آيات الله عزّ وجل, تريه مباهج الدنيا، عينه تلتقط المباهج، الزخارف، المٌتع، المال، ما فيها من زينة، أما أن تلتقط عينه آيات الله الدالة على عظمته، ليسَ هذا من صفات المنافق: ﴿صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يرجعون﴾ إن ألقيتَ عليه الموعظة كانَ كالأصم، إن تكلّمَ تكلّمَ بالدنيا، لسانه يتلعثمَ في ذِكر الله، لا يذكر الله إلا قليلاً، يذكر الدنيا, إذا ألقيت عليه حديثاً عن الله عزّ وجل تململ وتثاءب, وقال: دعكَ من هذا الحديث، أما إذا ألقيت عليه حديث الدنيا, أصغت أذناه, وبرقت عيناه, وتألّقَ, ربنا عز وجل. قال: صمٌ بكمٌ عميٌ؛ أصمّ عن سماع الحق، أبكم عن أن يذكروا الله عزّ وجل، عمي عن آيات الله الكونية, فهم لا يرجعون إلى الله عزّ وجل, أتلفت قلوبهم الشبهات والشهوات. يا أخي ما قولك في إيداع المال في مصارف أجنبية؟ هناك من أفتى بهذا، هذا شُغله الشاغل، ما قولك بهذا الكتاب؟ قراءات معاصرة, هذا شغله الشاغل، ما قولك بهذه الفتوى للعالم الفلاني بجواز أكل الرِبا بنسبٍ قليلةٍ؟ أتلفَ قلبه الشبهات والشهوات, وغَلَبت نواياهم السيئة على مقاصدهم الحسنة, فكأنه كما قال الله عزّ وجل: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 10] الأمراض التي في قلوبهم انقلبت إلى أعمال، فكيف يزداد المرضُ مرضاً إذا استحكمَ في النفسِ وانقلبَ إلى سلوك؟ . 4-الرياء : لهم علامات يُعرفون بها , باديةٌ لمن تدبرها ، من أوضحها الرياء , وهو أقبحُ مقامٍ يقفه الإنسان , الازدواجية , لهم ظاهر ولهم باطن ، لهم موقف مٌعلن , ولهم موقف حقيقي , لهم عبادةٌ يعبدون الله بها في بيوتهم ، ولهم عبادة يعبدون الله بها أمام الناس ، أساس مواقفهم الرياء ، وقعدَ بهم الكسلُ عمّا أُمروا من أوامر , فأصبح الإخلاص عليهم ثقيلاً . كيفَ وصفهم الله عزّ وجل ؟ قال تعالى : ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 142] درسنا الآن : بعض الآيات التي تصف المنافقين ، هذا كلام الله عزّ وجل ، فإذا الإنسان بريء من هذه الأوصاف , فأنعم به وأكرم ، وليحمد الله عزّ وجل ، ونرجو الله جميعاً أن نكونَ ممن نجاهم الله من النِفاق ، وإن كانَ متلبّساً ببعض الصفات والقلب ينبض , إذاً : المجال مفتوح , باب التوبة مفتوح ، باب الإخلاص مفتوح ، باب الإصلاح مفتوح . الصِفة الرابعة : أنهم يراؤون الناس ، ولا يذكرون الله إلا قليلاً ، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى . 5-التذبذب والحيرة : من صفات المنافقين : التذبذب والحيرة ، مع هؤلاء أم مع هؤلاء ؟ مع رفاق السوء أم مع المؤمنين ؟ مع دورِ العِبادة أم مع دورِ اللهو ؟ لا يسخو لا بهذا ولا بذاك : ﴿في قلوبهم مرضٌ فزادهم الله مرضاً﴾ قالَ أحدهم : كالشاة العائرة بين الغنمين , تعيرُ إلى هذه مرةً وإلى هذه مرةً , ولا تستقر مع إحدى الفئتين . إذا كان أحد الناس جلس مع المؤمنين طابَ له المجلس ، فإذا جلسَ مع الكفار , أو مع أهل الدنيا ، أو مع أهل البُعدِ ، فسُرَّ معهم واستمرأَ حديثهم ، وطابت له جلستهم ، فهذه علامة النِفاق ، لو كانَ مؤمناً حقاً لا يرتاح للكفار ، ولا لحديثهم ، ولا لمزاحهم ، ولا لأنماط سلوكهم ، ولا لأوضاعهم . لذلك النبي الكريم وصف المنافقَ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَثَلُ الْمُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ الْعَائِرَةِ بَيْنَ الْغَنَمَيْنِ, تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً, وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً, لا تَدْرِي أَهَذِهِ تَتْبَعُ أَمْ هَذِهِ؟)) قال تعالى : ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 143] هو وزوجته ، زوجته نوعاً ما مُحجبّة , يجلس في مكان عام , حيث الغناء والطرب والاختلاط والمشروبات , هذا المكان ليسَ مكانك , أنت مسلم ، أنت مؤمن ، أنت مع المؤمنين ، لا تسخو نفسه بترك هذه الحفلات . والله سمعت بعض النِسوة المحجبّات , يذهبنَّ إلى حفلاتٍ في الفنادق , حفلة مختلطة , فيها شرب الخمر , كيف تسوغُ لنفسكَ أن تأتي مع امرأتك إلى هذا المكان ؟ هكذا وصف المنافقين ؛ كالشاة العائرة بين الغنمين , تيعرُ إلى هذه مرة وإلى هذه مرة , ولا تستقرُ مع إحدى الفئتين . ﴿مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء﴾ ومن يضلل الله فلن تجدَ له سبيلاً . 6- يتربصون الدوائر بأهل الكتاب والسنة : صِفةٌ أخرى من صفات المنافقين : يتربصون الدوائر بأهلِ الكتاب والسُنّة , دائماً على حسد ، دائماً على تربص ، فإن كانَ لهؤلاء المؤمنين فتحٌ من الله , قالوا : ألم نكن معكم ؟ نحن معكم يا أخي ، نحن مؤمنون ، نحن أعنّاكم ، نحن دعمناكم ، قال : فإن كانَ لهم فتحٌ من الله , قالوا : ألم نكن معكم ؟ وأقسموا على ذلك بالله جهدَ أيمانهم ، وإن كانَ لأعداء الكتاب والسُنّة من النُصرة نصيب , قالوا : ألم تعلموا أنَّ عقدَ الإخاءِ بيننا وبينكم مُحكم , نحن معكم ضد المؤمنين ، وأنَّ النسب بيننا قريب ؟ ربنا عزّ وجل قال : ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾ [سورة النساء الآية: 141] هذا الموقف المتذبذب مع الأقوى دائماً, مع الأعز, هذا موقف المنافق . 7- الازدواجية : الحقيقة : المنافق قد يُعجبُ السامعُ بقوله, لحلاوته, ولينه, ويُشهد الله على ما في قلبه، يقول لك: شَهِدَ الله أني أُحبك، يُشهِد الله على ما في قلبه وهو ألدُّ الخصام, قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [سورة البقرة الآية: 204] خصم عنيد، خصم شديد، عدو لدود، ومع ذلك له كلام أحلى من العسل، وله قلبٌ أمرُّ من الصبر، هذه من صفات المنافق، تكاد تكون الازدواجية مِحور أساسي في هذه الصفات, المؤمن الحق ما في قلبه على لسانه، وما قاله بلسانه في قلبه، وعلانيته كسريرته، وسريرته كعلانيته، وباطنه كظاهره، وظاهره كباطنه، المؤمن متوّحد في اتجاه، المنافق مزدوج. فهذه نصيحة لكل أخ مؤمن؛ اجعل الصلاة في البيت كما هي في المسجد، غضُ بصركَ في الطريق وأنتَ وحدك كما لو كنت بين المؤمنين، راقب الله عزّ وجل، لا تأخذكَ في الله لومة لائم، لا تعبأ بكلام الناس، لا تأخذ مواقف أمام الناس، لا تكن لكَ مواقف أخرى في البيت. ((من لم يكن له ورعٌ يصده عن معصية الله إذا خلا, لم يعبأ الله بشيء من عمله)) ((ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مُخلّط)) 8-الفساد في الأرض : ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [سورة البقرة الاية: 205] يُفسد العلاقة بين الزوجين، أخته متزوجة وزارها, ماذا قدّمَ لكِ زوجك في العيد؟ ما قدّمَ لكِ شيئاً؟ هذا السؤال أفسدَ العلاقة بينَ الزوجين، إن جلس مع شريك, ماذا يُعطيك شريكك فقط 30 %؟ والله قليل!! كيف ترضى معه بهذا الشكل؟ أفسدَ العلاقة بين الشريكين، بين الزوجين، بين الأخوين، بين الجارين: ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليُفسدَ فيها ويهلكَ الحرثَ والنسل والله لا يُحب الفساد﴾ 9-الصد عن حكم الله وعن حكم رسول الله : المنافق كلام الله عليه ثقيل، لا تركن نفسه إلى كلام الله، لا ينصاعُ له، إذا حاكمتهم إلى صريح الوحي, وجدتهم عنه نافرين, وإن دعوتهم إلى حُكم كتاب الله وسُنّة رسوله, رأيتهم عنه مُعرضين, ربنا عزّ وجل قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾ [سورة النساء الاية: 61] كتاب الله بيننا، ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام بيننا، المنافق لا يرضى لا بكتاب الله ولا بكلام رسول الله، يرضى برأيه الشخصي، أو بحكم القاضي، أو برأي المحامي . 10-كثرة حلف الأيمان : المنافق من علاماته : كثيرُ حلفِ الأيمان بلا سبب ، كثرةُ حلفه للأيمان دليل خلل داخلي، فأحدهم تسبقُ يمينه كلامه، لم يكذبكَ أحد, ما أحد كلّفكَ أن تحلف اليمين، ما أحد دعاك إلى حلف اليمين, يحلف الأيمان الكاذبة دون أن يُستحلف، لاعتقاده الداخلي أنَّ الناسَ لا يصدقونه، هناك خلل داخلي في شخصيته، فربنا عزّ وجل قال: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [سورة المجادلة الآية: 16] اتخذوا أيمانهم وقايةً، دريئةً يدرؤون بها تشكيكَ الناس في أقوالهم، هذه كلها آيات قرآنية, كثرة حلف الأيمان، الصدُّ عن حُكم الله وحُكمِ رسوله، الفساد في الأرض، إفساد العلائقَ بينَ الناس، له كلامٌ أحلى من العسل, وقلبٌ أمرُّ من الصبر، يتربصون بالمؤمنين الدوائر, مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، يراؤون الناسَ، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كُسالى، لا يذكرون الله إلا قليلاً، هذه صفاتهم المُستنبطة من آيات الله البيّنات . 11-النكثة : المنافق كأنه إنسان سارَ في رحلة في الصحراء، بعد حينٍ: من الوقت أو بعدَ مسافةٍ من المكان شعرَ بالتعب والإعياء فنكثَ راجعاً، لم يتابع المسير. فربنا عزّ وجل قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾ [سورة المنافقون الاية: 3] بعد ما آمن, رأى في الإيمان قيوداً، حدوداً، وتكاليف, ومجالس علم، وغض بصر، وهذه حرام وهذه حلال، بعدَ أن عاهدَ الله عزّ وجل, وسارَ في أولِ طريق الإيمان, رأى الإيمان عِبئاً عليه، رآه ثقيلاً، رأى التكاليف تكاليف باهظة، لذلك انتكثت روحهُ, وعاد القهقرى, وتركَ المؤمنين يتابعون الطريق، قال تعالى: ﴿ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطُبعَ على قلوبهم فهم لا يفقهون﴾ بعد أن آمن كفر، وهذا واضح، بعد ما حضر مجالس العلم سنة، انتكث وعادَ إلى شهواته وأهوائه، وعادَ إلى رفاق السوء، وعادَ إلى انطلاقه إلى المعاصي كيفما يشاء، فهذه النكثة هيَ نكثات المنافقين . 12-قد تعجبك أجسامهم لكن قلوبهم مغايرة لها : قد يكون هذا المنافق حَسَنَ القامة، له جسم رائع، له قامة مديدة، له وجه وسيم، له عضلات مفتولة، له ذكاء، له لسان طليق، له بيان ساحر, قال الله عزّ وجل: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة المنافقون الآية: 4] شخصية، شكل وأناقة وعطر، رفاه وجلسات متقنة وكلام متقن . ﴿وإن يقولوا تسمع لِقولهم كأنهم خُشبٌ مُسندة يحسبونَ كلَّ صيحةٍ عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنّى يؤفكون﴾ عن الغذاء وليس لها ثمر ومُسندّة، يعني أيّ دفع يجعلها في الأرض، من أروع التشابيه، المؤمن ليسَ ساذجاً، يؤخذ بشخص طويل القامة، أنيق المظهر، طليق اللسان، ذكي العقل، لكن خبيث النفس، ضعيف الإيمان، شهواني، له خلفيّة سيئة، المؤمن ذو بصيرة، اتقوا فِراسةَ المؤمن فإنه ينظر بنور الله . قال سيدنا علي: نحن نعرف الرجالَ بالحق ولا نعرف الحقَ بالرجال، المؤمن مقياسه دقيق جداً، يعني أن يفعل المؤمن فعلاً منافياً للشرع, هذا الشخص ساقطٌ بنظر المؤمن، أن يعتقدَ اعتقاداً مخالفاً لكتاب الله, هذا الشخص ساقطٌ في نظر المؤمن، أما الذي يُعجب بالناس، بأجسامهم، بأطوالهم، بحركاتهم، بسكناتهم، بفصاحتهم، بطلاقتهم، ولا ينظر إلى انحرافاتهم, وإلى أخطائهم، وإلى بُعدهم عن أمر الله عزّ وجل وعن سُنّة النبي, فهو إنسان ساذج . 13- يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول : قال: يؤخرون الصلاة عن وقتها الأول، فالصبح عِندهم طلوع الشمس, والعصر عِندهم الغروب، وينقرونها نقرَ الغراب إذ هيَ صلاة الأبدان لا صلاة القلوب، يلتفتون فيها التفات الثعلب, ولا يشهدون الجماعة، بل إن صلى أحدهم, صلى في البيت أو في دكانه، يهجر المسجد, هذه صفة المنافقين . 14- إذا أصابَ المؤمنون عافيةٌ ونصرٌ وظهورٌ ساءهم ذلكَ وغمهمم : من علامة المنافقين : إذا أصابَ المؤمنين عافيةٌ ونصرٌ وظهورٌ ساءه ذلكَ وغمهُ، على المستوى الفردي: لك أخ مؤمن, الله عزّ وجل رفع شأنه, تتألم، أطلق لسانه, تتألم, تتضايق، جعل له شأن في المجتمع تتضايق، تبحث عن عيوبه، تبحث عن سقطاته، تُبرزها للناس, هذه علامة النِفاق . من علامة الإيمان : أنَّ المؤمن إذا رأى أخاه المؤمن, قد أطلق الله لسانه, ورفع شأنه, يفرحُ له, ويكون في خدمته وعونه, الحق واحد, لأنه إذا عزَّ أخوكَ فهُن أنت، المؤمنون شركاء في أعمالهم الصالحة، الإنسان إذا عمل عملاً صالحاً دعم بعمله أخاه المؤمن، مؤمنون كانوا في زيارة شخص أحدهم, انطلقَ في الحديث عن الله عزّ وجل, إذا سكتَ الباقون, لهم مِثلُ أجره، لأنَّ العِبرة أن يصل هذا الحق إلى هذا الإنسان، أما التنافس والتنطع وعرض العضلات ليسَ هذا من صفات المؤمن، أخوك انطلقَ في الدعوة إلى الله كُن معه أنت، كُن معيناً له، كُن دعماً له، لا تحاول أن تُبرز سقطاته الموهومة عِندك، ربنا عزّ وجل قال: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [سورة آل عمران الآية: 120] يتضايق, يُعلن عن حسده، يُعلن عن غيرته، يُعلن عن ضيقه، لا يتمنى لهذه الدعوة أن تنتشر، لا يتمنى لهذا المؤمن أن يظهر، لا يتمنى له أن يعلو عِندَ الناس . ﴿إن تمسسكم حسنةٌ تسؤهم وإن تصبكم سيئةٌ يفرحُوا بها﴾ يعني فإذا أصابَ هذا المؤمن مصيبة, يفرح المنافق, وقد يُعلن عن فرحه، إذا فرح عاقبه الله عزّ وجل، فإذا أعلن عن فرحه ازدادَ العِقاب، الله عزّ وجل كرهَ طاعتهم، لِخُبثِّ قلوبهم, وفسادِ طواياهم, ثبطهم عنها، أقعدهم، أبغضَ قربهم منه، لميلهم لأعدائه, طردهم عنه, وأبعدهم، أعرضوا عن وحيه فأعرضَ عنهم، أشقاهم وما أسعدهم، حكمَ عليهم بُحكمٍ عدلٍ لا مطمعَ لهم في الفلاحِ بعده. ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 46] لأتفه سبب يترك مجالس العلم, لماذا ربنا ثبّطَ عزائمهم؟ قال: لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً، يوهنون القِوى، يوهنون العزائم، يضعِفون المعنويات، يُيئسوا، لهم كلمات فيها استهزاء، لهم كلمات فيها تجريح، هم ميالون للدنيا، قال: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [سورة التوبة الاية: 47] 15-أن النص القرآني ثقيل عليهم : المنافق من دلائل نِفاقه : أنَّ النص القرآني ثقيلٌ عليه ، قال : ثَقُلت عليهم النصوص فكرهوها، أعياهم حملها، ألقوها عن أكتافهم ووضعوها, تفلتت منهم السُنن فلم يحفظوها، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 9] إذا الله عزّ وجل أمرَ بأمر, وأنت شعرت بكراهية لهذا الأمر, فهذه علامة النِفاق، المؤمنون يفرحون بما أُنزل إليهم, أما المُنافق يرى أمرَ الله ثقيلاً عليه . 16-ولتعرفنهم في لحن القول : هم أسرّوا النِفاق, لكن الله عزّ وجل أظهرَ بعضَ علاماته على صفحات وجوههم, وظهرَ نِفاقهم من فلتاتِ لسانهم، أحياناً: فلتات اللسان تُعبّر عن الجنان، قاعدة . شخص لا تحبه أنت, وجاء ذِكره, وشخص حي يُرزق, تقول: الله يرحمه لم يمت, ما مات, معنى هذا: أنكَ تتمنى موته, هذه فلتات اللسان، أحياناً: تحضر قائم حُزن, تتكلّم بكلمة, وكأنك تتمنى لهذا الحُزن أن يستمر, لا تنتبه, هذه فلتات اللسان, لها عِندَ علماء النفس معانٍ كثيرة جداً، فالمنافقون من صفحات وجوههم, ومن فلتات لسانهم, يعبّرونَ عن ما في قلوبهم، ربنا عزّ وجل قال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ * وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 29-30] تجد المؤمن وجهه مُشرق، فيه براءة بوجهه، فيه نور، فيه صفاء، فيه إقبال، وجه المنافق تجده في نوع من الغَبَرَة، وجهه أسود، سواد معنوي، وجهه فيه قتامة، وجهه فيه انحباس، قال: ﴿أم حَسِبَ الذين في قلوبهم مرضٌ أن لن يُخرجَ الله أضغانهم ولو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول﴾ لحن القول هو : فلتات اللسان . ﴿والله يعلم أعمالهم﴾ 17-مآلهم يوم القيامة : من صفات المنافقين أيضاً: لمّا ربنا عزّ وجل قال في سورة الحديد: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [سورة الحديد الآية: 13-14] المنافقون في الدنيا كانوا مع المؤمنين، معهم في مساجدهم، في أفراحهم، في أتراحهم، في الحج، في رمضان، في الصيام، هم معهم, مختلطونَ معهم، يوم القيامة يتوقف بهم المسير على الصراط المستقيم, فيقولون للمؤمنين: ﴿انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً﴾ لم تكن أعمالكم في الدنيا صالحة، لم تكن هِممكم في الدنيا عالية, لم تكن نواياكم مُخلصة ، الدنيا مكان العمل، وفيها يُقتبسُ النور. ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً، قالوا: ألم نكن معكم؟ قالوا: بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم بالدنيا, وتربصتم، وارتبتم، وغرّتكم الأماني حتى جاء أمرُ الله وغَركم بالله الغَرور . انظر كم صِفة؟ ألم نكن معكم؟ قالوا: بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم, يعني أحببتم الدنيا وجعلتموها كلَّ همكم, وجعلتموها مَحطَ رِحالكم, وتربصتم بالمؤمنين, تمنيتم أن يصيبهم السوء ، تربصتم بالمؤمنين تمنيتم الدمارَ لهم، إذا جاءهم الخير ضاقت نفوسكم به، وارتبتم في كلام الله عزّ وجل، ما كنتم على يقينٍ من كلام الله عزّ وجل، ارتبتم في وعده وفي وعيده، ارتبتم في حلاله وفي حرامه، وغرّتكم الأماني، تمنيتم الدنيا وحدها واغتررتم بها, حتى جاءَ أمرُ الله, وغرّكم بالله الغَرور . الغَرور هو الشيطان, وعدكم وأوهمكم أنه من كانَ من أُمةِ مُحمدٍ عليه الصلاة والسلام يشفع له النبي, يكفي أن تكون من أمةِ مُحمدٍ, فالنبي مُحمد صلى الله عليه وسلم يشفعُ لكَ يومَ القيامة دونِ قيدٍ أو شرط هكذا, فانطلقتم إلى المعاصي، وإلى الشُبهات، وإلى المخالفات, وإلى الدنيا، وإلى المغانم والمكاسب . يُروى أنَّ سيدنا حُذيفة بنَ اليمان, سَمِعَ رجلاً يقول: اللهم أهلك المُنافقين, فقال: يا بن أخي, لو هَلَكَ المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قِلة السالكين, يعني بِشارة من سيدنا حذيفة بن اليمان إلى أنَّ الكثرة الكثيرة من الناس يعني من هذا القبيل . سيدنا حذيفة بن اليمان رضي الله عنه, أسرَّ إليه النبي عليه الصلاة والسلام أسماء المنافقين, فسيدنا عمر يعلم ذلك, فقال له: يا حذيفة, ناشدتك بالله! هل سماني لك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم؟ قال: لا, ولا أُزكي بعدكَ أحداً, لا تحرجني, اسمك غير وارد, ولا أُزكي بعدكَ أحداً . ابن مُليكة يقول: أدركتُ ثلاثينَ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كلهم يخاف النِفاقَ على نفسه, ما منهم أحدٌ يقول: إنَّ إيمانه كإيمانِ جبريلَ وميكائيل . إذا شككت بنفسك دائماً, لعل في نِفاق، لعل في تقصير، فهذه علامةٌ طيبة، وإذا في طمأنينة ساذجة، أنا مؤمن الحمد لله، أنا بزمن صعب، أنا عملي كسبعين من أصحاب رسول الله، أنا في زمن القابض على دينه كالقابض على الجمر, إذا كان بهذه النفسية أنت مطمئن، مرتاح تماماً، وما في مشكلة عِندك إطلاقاً، هذه علامة خَطِرة, هذه علامة النِفاق، علامة الإيمان أن تخشى النِفاق، وعلامة النِفاق ألا تخشى منه . الحسن البصري -كما قلتُ لكم- قال: ما أمِنَ النِفاق إلا مُنافق، وما خافه إلا مؤمن، وكانَ بعضُ أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونَ اللهَ, فيقولون: اللهّمَ إني أعوذُ بِكَ من خشوعِ النِفاق، قيلَ: وما خشوع النِفاق؟ قال: أن يُرى البدنُ خاشعاً, والقلبُ ليسَ بخاشع, بالصلاة يظهر الخشوع شيء, وقلبه ليس بخاشع . قال بعضهم: النِفاق يُزرعُ, ينبتُ له ساقان؛ ساقُ الكذب وساقُ الرياء، ويُسقى بعينين؛ عينِ ضعفِ البصيرة وعينِ ضعفِ العزيمة، يعني رؤيته غلط, وإرادته ضعيفة, وفي عنده كذب, وفي عنده رياء، يعني أربع دعائم للنِفاق: الكذب والرياء وضعف البصيرة وضعف العزيمة, رؤيته مضطربة، عزيمته ضعيفة، يعتمدُ الكذب، ويعتمدُ الرياء. عَنْ أَبِي أُمَامَةَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ)) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده] فالكذب ليسَ من صفات المؤمن . قال: إذا تمت هذه الأركان الأربعةُ, استحكمَ نبات النِفاق, ولكنه بمدارج السيول على شفا جُرفٍ هار, فإذا شاهدوا سيلَ الحقائق, يوم تُبلى السرائر, ويبعثرُ ما في القبور, ويُحصّلُ ما في الصدور, تبيّنَ لهم يومئذٍ من كانت بِضاعته النِفاق, فهي كالسراب, يحسبه الظمآن ماءً, حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً, ووجدَ الله عِنده فوفّاه حِسابه والله سريع الحساب . ملخص الدرس : من علامات النِفاق : أنَّ المُنافق إذا عاهدَ خان , وإذا وعدَ أخلف ، وإذا قالَ كذب لم يُنصف ، وإذا دُعي إلى الطاعةِ تلكأ ، وإذا قيلَ لهم : تعالوا إلى ما أنزلَ الله وإلى الرسولِ صدفوا ، وإذا دعتهم أهواؤهم إلى أعراضهم أسرعوا وانصرفوا ، فذرهم وما اختاروا لأنفسهم من الهوان والخزيِ والخُسران . ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ * فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ * فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [سورة التوبة الاية: 75-77] هذا الذي يسميه كُتّاب السيرة: حمامة المسجد ثعلبة, كانَ يصلي خلف النبي، ما فاتته تكبيرة الإحرام خلفَ سيدِ الأنام، كان فقيراً, قال له: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني، يبدو أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام له بصيرة في هذا الإنسان، قال: يا ثعلبة, قليلٌ تؤدي شُكره خيرٌ من كثير لا تؤدي شكره، قالَ: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني، قال: يا ثعلبة, قليلٌ يكفيك خيرٌ من كثير يٌطغيك، قالَ: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني، فقال: ربي ارزق ثعلبة كيفَ شئت؟ ومتى شئت؟ اشترى غنماً, والغنم توالدت, ملأت طرقات المدينة بشكلٍ عجيب، بمدةٍ قصيرة, صارَ من أغنى الأغنياء، ما عادَ يُصلي خلفَ سيد الأنام، ما عادَ يُحصّل تكبيرة الإحرام خلف سيد الأنام، غاب عن مجلس النبي عليه الصلاة والسلام، غاب غيبة طويلة جداً ، النبي سأل عنه، تجد الواحد بعد الزواج لم نعد نشاهده، بعد ما صار تاجراً لم نعد نشاهده, الله عزّ وجل ورسوله أولى باهتمامك, فالنبي بعثَ برسول لثعلبة يطالبه بالزكاة، فيقول لرسول رسول الله: قل لصاحِبكَ: ليسَ في الإسلام زكاة، قال له: أهوَ صاحبي وليسَ صاحِبكَ؟ أجمعتَ إلى ترك الزكاة الكُفرَ برسول الله؟ عِندئذٍ نَزَلَ فيه وفي أمثاله هذه الآية: ﴿ومنهم من عاهدَ الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكوننَ من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم مُعرضون فأعقبهم نِفاقاً في قلوبهم إلى يومِ يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون﴾ والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#14 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الخشوعالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الرابع العاشر ) منزلة الخشوع . أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس الرابع عشر من دروس مدارج السالكين , درسنا اليوم منزلة الخشوع . كلمة الخشوع وردت في القرآن الكريم , قال تعالى : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 1-2] معنى الفلاح . الذي يُلفت النظر أن كلمة قد أفلحَ في القرآن , وردت في آياتٍ عِدة فقط : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [سورة الأعلى الآية: 14] ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [سورة الشمس الآية: 9-10] ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ كلمة قد أفلح من خالق الكون ، يعني كلُّ المقاييس الأرضية تتعطل أمام هذا المقياس ، يعني يا عبادي الذي أفلحَ منكم , ونجح , وتفوق , وفاز , وكان عاقلاً , وسأسعدهُ إلى الأبد , من فعلَ كذا وكذا . المؤمن على قدرِ إيمانه بالله عزّ وجل , وعلى قدرِ تعظيمه لكلامه , يأخذُ هذه الآيات بحجمها الحقيقي . ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ بعض المفسرين قالوا : الخشوع في الصلاة لا من فضائلها بل من فرائضها . وفرقٌ كبير بينَ أن تقول : الخشوع في الصلاة من فضائل الصلاة . وبينَ أن تقول الخشوع في الصلاة من فرائض الصلاة . ما معنى أفلحَ ؟ ما دمنا قد وصلنا إلى كلمة أفلحَ . ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 1-2] ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾ [سورة الأعلى الآية: 14-15] ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾ [سورة الشمس الآية: 9-10] الفلاح منَ الفِلاحة , والفِلاحةُ من فَلِحَ وفَلَحَ : شقَّ الأرضَ , وألقى فيها الحب , ومنه الفلاّح , ومنه عِلمُ الفِلاحة . هذا الفلاّح إذا شقَّ الأرض , وألقى في الأرض , الحب ماذا تعطيه الأرض ؟ تعطيه سبعمائة ضعفٍ بنصِ القرآن الكريم : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة الآية: 261] أنت حينما تعطي واحداً , وتأخذ سبعمائة ضعف , فهذا رِبحٌ وفير , وهذا فلاح , وهذه تجارة , وهذا فوز ، يعني أراد الله عزّ وجل أن يضرب مثلاً لِفلاح المؤمن مع ربه، لِفلاح المؤمن في الآخرة بشيء منتزعٍ من حياتنا اليومية، الفلاح الذي يلقي حبةً, كمعلومات جانبية, مثلاً: بعض بذور الخضراوات, تعطي أربعة ملايين ضعف, البندورة مثلاً البذرة الواحدة تعطي أربع ملايين ضعف وزنها خضاراً, من ثمار هذا النوع، هناك بذور تعطي أضعافاً مضاعفة . يعني ربنا عزّ وجل حينما قال : ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ ﴾ بعض علماء اللغة يقولون : سبعة وسبعون وسبعمائة لا تعني الكم بل تعني التكثير . كأن يقول أحدنا باللغة الدارجة : قلت لك ستين مرة لا أحبُ هذا الشخص ، هو هل قال ستين ؟ كلمة ستين يستخدمها العوام للتكثير فقط . ففي اللغة العربية سبعة ومضاعفات السبعة لا تعني الكم بل تعني التكثير ، فلما ربنا عزّ وجل قال : ﴿ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ ﴾ ليسَ القصد إعطاء رقم أو كم مُحدد بل القصد التكثير ، يعني أنتَ إذا أتيتَ يومَ القيامة وقد أطعمتَ لقمة , تجدها عِندَ الله كجبلِ أُحد . لذلك : الفلاح في الدنيا لا أن تستهلك الوقت أن تستثمره ، لا أن تستهلك المال أن تستثمره ، لا أن تستهلك نعمة الأمن أن تستثمرها في معرفة الله ، لا أن تستهلك نعمة الصحة أن تستثمرها , دائماً بين المؤمن وغير المؤمن استهلاكٌ أو استثمار ، المستهلك يُذهب طيباته في الحياة الدنيا ، كما أمسك سيدنا عمر تفاحة , نظرَ إليها مليّاً , يبدو أنه اشتهاها , فقال : أكلتها ذهبت أطعمتها بقيت ، يعني إن أكلتها فقد استهلكتها , وإن أطعمتها فقد استثمرتها ، ففرقٌ بين المؤمن وغير المؤمن كالفرق بين الاستهلاك والاستثمار . الخشوع والفلاح : منزلة الخشوع دخلت في الفلاح ، والخشوع في الصلاة ليسَ من فضائل الصلاة بل من فرائض الصلاة . الآية الأولى : والقرآن الكريم يقول : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ الآية الثانية : تعالوا بنا إلى بعض آيات القرآن الكريم الأخرى عن الخشوع ، قال تعالى : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [سورة الحديد الآية: 16] الله عزّ وجل يُذكر صباحاً ومساءً , في المساجد ، في الخُطب , في شهر الصيام ، في تلاوة القرآن ، ولا سيما في العالم الإسلامي ، الله عزّ وجل يُذكر لكن ردُّ الفِعل مُنعكسُ الذِكرِ عِندك ، هل هوَ خشوعٌ أم تلبدُ حِسٍ ؟ ربنا عزّ وجل قال : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ ﴾ يبدو أنًّ الإنسان أحياناً يصدأ قلبه , أو تُصبح عباداته شكليّةً ، الإنسان بحاجة إلى تجديد إيمان . أقول لكم هذه الكلمة : الإنسان عرفَ الله ، آمنَ به ، استقامَ على أمره ، صلى خمسَ مرات في اليوم . أمراض تصيب المؤمنين : تصبحَ العبادةُ جوفاء ، تؤدى العبادة كطقسٍ من الطقوس ، أن يصلي وقلبه غير خاشع ، أن يصوم وقلبه غير خاشع ، أن يَحُجَ البيت وهو كالسائح تماماً , ينظر هنا وهنا . لذلك الخشوع هو سِرُّ العبادات ، الخشوع روحُ العِبادة ، فالعِبادة التي ليسَ فيها خشوعٌ عِبادةٌ جوفاء ، عِبادةٌ أقربُ ما تكون إلى الطقوس ، والأديان الوثنية دائماً فيها حركات وإيماءات وسكنات , هذه الحركات والسكنات في الديانات الوثنية , يسميها علماء الاجتماع بالطقوس ، طقوس البوذية ، طقوس السيخية ، طقوس هذه الديانة ، حاش لله أن تكونَ الصلاة والصيام والحج في الإسلام طقوساً ، إنها عبادات . ما الفرق بين العبادات وبين الطقوس ؟ الطقوس لا معنى لها , ولا غاية لها ، ولا معقولية فيها . لا معنى ولا غاية . ولكنَّ العبادة ربنا عزّ وجل جعلَ لها غاياتٍ عظمى , وحِكمٍ فضلى ، قال : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 103] تطهير النفس من أدرانها ، وتزكيتها بالفضائل ، ثمرة من ثمار الزكاة ، الصيام , قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 183] التقوى , الحج . ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [سورة المائدة الآية: 97] يعني إذا علمتَ أنَّ الله يعلم, حُلت كلُّ مشكلاتك، ما معنى: إذا علمتَ أنَّ الله يعلم؟ يعني إذا علمتَ أنَّ الله يعلم لا يمكن أن تعصيه . مرة دخلت إلى محل تجاري, في مدينة عربية، لفت نظري في المحل التجاري شاشة تلفزيون, ورأيتُ فيها رجلاً يكتب على الشاشة في النهار، من هذا الرجل؟ يبيع قطع كهربائية ، فلّما اخترت قطعةً, قال لي: هي في المستودع فوق الطابق الخامس, اذهب إلى هناك, وانتق ما يُعجبك, فذهبت إلى هناك, فإذا المحاسب كان عليه آلة تصوير تلفزيونية, صاحب المحل في مكان البيع يراقب هذا المحاسب، قلت: سبحان الله! هذا المحاسب عليه هذه الآلة التي تنقل صورته إلى صاحب المحل في مكان البيع، يعني هو تحت المراقبة الدائمة، لو حكَّ رأسه لرآه صاحب المحل، لو غادرَ الطاولة لرآه صاحب المحل، قلت: هذه طريقة, يعني لا تجعل هذا الموظف, بإمكانه أن يتحرك, ولا أن يغيب, ولا أن يتشاغل, ولا أن يسترخي, ولا أن يقرأ مجلة أو جريدة، لا يقدر, لأنه في مراقبة دائمة . قلت: لو عَلِمَ الإنسان أنَّ الله يُراقبه هكذا في بيته، في عمله، في سفره، في استلقائه، في فراشه، مع زوجته، مع أولاده، أثناء قضاء حوائجه، أثناء علاقاته بالآخرين، لو عَلِمَ الإنسان أن الله بإمكانه أن يراقبه هكذا, هل بإمكانه أن يعصيه؟ لا والله, أن تعلمَ أنَّ الله يعلم فقد انتهت المشكلة كلها . العبادات كلها معللة: إذاً : الحج مُعلل ، الصلاة , الزكاة معللة ، الصيام مُعلل . الصلاة : قال تعالى : ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 45] الصلاة مُعللة , قال تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [سورة العلق الآية: 19] القُرب , قال تعالى : ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه الآية: 14] ذِكر , قال تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [سورة النساء الآية: 43] صار الذِكر، والوعي، والقرب، الصلاة نور, القلب يستنير بالصلاة، الصلاة طهور، القلب يطهر بالصلاة . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَقُولُ: ((أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ, يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا, مَا تَقُولُ ذَلِكَ: يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟ قَالُوا: لا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا, قَالَ: فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِن الْخَطَايَا)) الصلاة مُعللة في القرآن وفي السُنّة، والصيام مُعلل، والزكاة مُعللة، والحج مُعلل، والعبادات كلها مُعللةٌ بمصالح العِباد، فهل يحّقُ لنا أن نُسميَّ الصلوات أو الصيام أو الحج طقوساً إسلامية؟ أعوذ بالله, كلمة طقوس هذه توصف بها الحركات المُبهمة غير الهادفة التي لا معنى لها, التي نجدها في الديانات الأرضية، أما الإسلام فيه العبادات، لذلك العبادة في الإسلام روحها الخشوع . الحج : إنسان ذهبَ إلى الحج , أقول لكم بصراحة دون مجاملة : واحد سُمِحَ له أن يذهبَ إلى الحج, ودفع مبالغ طائلة, وركب الطائرة, وغادر بلده, وترك محله, وترك أهله, وترك أولاده, ازدحام, وحر, ونفقات, وانتظار بالمطار سبعة أيام, أو سبع ساعات, أو عشر ساعات, يعني لا أُصدق أنَّ الحاج طافَ حولَ الكعبة وما شعرَ بشيء، ذهبَ إلى عرفات, وأقام ساعات طويلة, جلس مثل السائح, والله الخيمة حر أين الطعام؟ أين يوجد مكيف؟ جلس ونام قليلاً وارتاح, حتى غابت الشمس, ثم جاء إلى مِنى . يعني أنا لا أُصدق أنَّ خالقَ الكون أمركَ أن تترك بلدك, وأن تركب الطائرة, أو أن تمشي على قدميك, أو أن تركب الجمل, وأن تقطع المسافات الشاسعة, وأن تُنفق عشرات الألوف, وأن تتحمل مشاق السفر للتواجد في مكان اسمه الكعبة، والله لا أُصدق ذلك إلا أن يكون في هذا الطواف الخشوع والإقبال, والشعور بالقرب, والشعور بتلقي التجلي من الله عزّ وجل, أن تذهبَ إلى عرفات دونَ أن تشعرَ بشيء إلا أنكَ وُجِدتَ في عرفات . لطيفة : يعني أيام عِند الفقهاء بعض الآراء , تدعو إلى التساؤل : إنسان هارب من الناس , ومرَّ بعرفات خطأً لثانية واحدة في أيام الحج صحَّ حجهُ ، إذا كان هارباً , والناس يتبعونه , دخلَ في منطقة عرفات لثانية واحدة , صحَّ حجهُ . الفقهاء ينظرون إلى الأحكام الظاهرة , يعني إذا تواجدتَ في عرفات وقتاً قصيراً مهما كانَ قصيراً صحَّ الحج , خالق الكون لا يُعقل أن يأمركَ , أن تدعَ أهلكَ , وبيتكَ , وتجارتكَ , وأن ترتدي الثياب البيضاء الخشنة غير المخيطة , وأن تتحمل مشاق السفر , ومشاق الحج , ومشاق الازدحام , والانتظار الطويل , ليتواجد جسمكَ في عرفات دون أن تخشع ، دون أن تبكي ، دون أن تذوب كما تذوب الشمعة ، لا والله , ليسَ هذا الحج , الحج قُرب ، الحجُ إقبال ، الحجُ اتصال ، الحجُ ذوبان في محبة الله عزّ وجل . أقول لكم : أريد أن أُفرّق بينَ العبادات كما أرادها الله عزّ وجل، وبين الطقوس التي نلمحها في كلِّ الديانات، يعني في طقوس كثيرة جداً يفعلها الهنود، يفعلها الأفارقة، يفعلها الهنود الحمر في أمريكا؛ حركات، إيماءات، تمتمات لا معنى لها, ولا غاية لها, ولا هدفَ لها ، أما تحجُ البيت بأمرِ خالق الكون, ولا تشعر أنَّ هذا الحج أجملُ رحلةٍ, قُمتَ بها في تاريخ حياتك، هكذا الحج، فربنا قال: ﴿واسجد واقترب﴾ قال: ﴿أقم الصلاة لِذِكري﴾ قال: ﴿حتى تعلموا ما تقولون﴾ ﴿الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ قال له قم فصلِّ فإنك لم تُصلِّ . الآية الثانية في منزلة الخشوع : ﴿ألم يأنِ للذين آمنوا أن تخشعَ قلوبهم لِذِكر الله﴾ هذا القلب خاشع يشعر بالحب ، القلب وجل . ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [سورة الأنفال الآية: 2] العين تدمع، الوجه يُشرق، الجلد يقشعر، الأعصاب تضطرب, هل يبكي الإنسان من ذِكر الله؟ هذه العين ألم تبكي مرةً لِذِكر الله حباً، خوفاً، طمعاً، خشوعاً؟ هكذا الصلاة. هذه ألم يأنِ: إلى متى أنت يا عبدي هكذا؟ إلى متى أنتَ في هذه الجفوة؟ إلى متى أنتَ في هذه القطيعة؟ إلى متى تُنكر قلبكَ ولا تبحثُ عن حلٍ لهذا؟ إلى متى أنتَ في هذا البُعد؟ يا ربي لقد عصيتك ولم تعاقبني, فوقع في قلب هذا المؤمن, أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدري, ألم أحرمكَ لذّةَ مناجاتي؟. هل تُصدّق أنكَ إذا شربتَ الماءَ واقفاً خِلافاً للسُنّة, ثم أقبلتَ على الصلاة, تشعر في حِجاب خفيف، إذا أخّرتَ الصلاة عن وقتها، إذا فعلتَ شيئاً خِلاف السُنّة تشعر بالجفوة، تشعر بالبُعد، بالمقابل إذا كنتَ دائماً من سُنّة رسول الله، إذا كنتَ دائماً مع الأمر والنهي، إذا كنتَ دائماً مع الله عزّ وجل, ألا تشعر بسعادةٍ لا توصف؟ والله الذي لا إله إلا هو جميع شروط الحياة تتعطل، يعني كيفما كان بيتكَ، وكيفما كان دخلكَ، وكيفما كانت صحتكَ، وكيفما كان مستوى معيشتكَ، وكيفما كانت مكانتكَ، كلُّ هذه الشروط الظاهرة عندئذٍ تتساقط أمام عينيك, لأنه لا قيمةَ لها . المعاني اللغوية والشرعية للخشوع . الآن : الخشوع معناه الانخفاض ، خشعَ رأسه أي أخفضَ رأسه ، حنى رأسه ، والدليل ربنا عزّ وجل قال : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ [سورة الغاشية الآية: 1-2] راقب أنت صور المجرمين بالصحف، لصوص أُلقيَّ القبضُ عليهم, بصرهم أينَ هوَ؟ في الأرض، ﴿هل أتاك حديث الغاشية وجوهٌ يومئذٍ خاشعة﴾ فالخشوع هو انخفاض الرأس, إمّا لِذلٍ, أو لشعورٍ بالنقص, أو لشعورٍ بالذنبِ, أو ما شاكلَ ذلك، فالخشوع هو الانخفاض والذلُّ والسكون، من معاني الخشوع السكون, والدليل: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ [سورة طه الآية: 108] انخفاض الرأس مع الذُلِّ مع السكون, الحركة الزائدة في الصلاة, هذه بعيدة عن الخشوع . النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً حركته في الصلاة غير طبيعية, فقال عليه الصلاة والسلام: ((لو خشعَ قلبه لخشعت جوارحه)) الحركة، التحرك، ميلان دائماً، في أشخاص يحب أن يتحرك حركة نواس أثناء الصلاة, ليسَ هذا هو الخشوع، لو خشعَ قلبه لخشعت جوارحه، يعني الخشوع هو انخفاض الرأس مع الشعور بالذلِّ لله عزّ وجل، كلما تذللتَ لله عزّ وجل ازددتَ عِزّاً، وكلما تذللت لمخلوق ازددتَ ذُلاً . اجعل لربكَ كلَّ عِزكّ يستقر ويثبتُ فإذا اعتززتَ بمن يموت فإنَّ عِزكَ ميتُ إذا الإنسان كانَ عزيز النفس مع الناس, وكانَ بينه وبينَ الله ذليلاً أو متذللاً, وضع رأسه على الأرض, وسجد, وبكى, وناجى, وابتهل, ودعا, واستجار, واستنجد, واستغاث, واستعطف, وأعلنَ عن نقصه, وعن ضعفه, وعن فقره, وعن تقصيره, وأثنى على الله لِما هو أهله، هكذا الصلاة خضوع لله، تذلل، سكون, تأكيد الانخفاض, ربنا عزّ وجل قال: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [سورة فُصلّت الآية: 39] ما معنى خاشعةً؟ منخفضة، ﴿فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾ الخشوع الانخفاض، والخشوع الذُل، والخشوع السكون، هذه معاني الخشوع, هذه المعاني اللغوية ما المعاني الشرعية؟. قال: الخشوع قيام القلب بينَ يدي الرب بالخضوع والذلِّ والجمعِ عليه، يعني ملتفت إليه, خاشع خاضع، ذليل، مُنقاد إلى الله عزّ وجل، هذا المعنى الشرعي للخشوع, قال بعضهم: الخشوع: الانقياد للحق . علامات الخشوع : قال : الخشوع من علاماته خمودُ نيران الشهوة , وإشراق نور الله في القلب . الإنسان بين نار الشهوة ونور الله ، بينَ النارِ وبينَ النور ، بينَ نار الشهوة وبين إشراق نور الله في قلبه ، فإذا استعرت الشهوة في جسده فهو بعيدٌ عن الخشوع ، وإذا أشرقَ نور الله في قلبه اقتربَ من الخشوع ، الخشوع اتقاد نور الله ، وعدم الخشوع استعار نارِ الشهوة . النور الإلهي : أنتَ بينَ شهوةٍ ونور ، بينَ نار الشهوة ونور الحق ، لذلك .. شكوتُ إلى وكيعٍ سوءَ حفظي فأرشدني إلى تركِ المعاصي وأنبأني بأنَّ العِلمَ نـــورٌ ونور الله لا يُهدى لعاصـي وكلمة نور لا يعرفها إلا من ذاقها ، يعني صفاء النفس ، استقامة الإنسان ، إقباله على الله ، انقياده لله ، أن يقفَ وقته في سبيل الله ، يشعر بشعور لا يوصف لا يعرفه إلا من ذاقه ، يعني أنتَ بينَ اتقادِ نارِ الشهوة في جوانحك وبينَ إشراق نور الله في قلبك . هل عندنا آيات في القرآن الكريم تؤكد أنَّ للهِ نوراً يُقذف في قلب المؤمن ؟.. الآية الأولى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [سورة الحديد الآية: 28] الآية الثانية : ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [سورة النور الآية: 40] الآية الثالثة : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [سورة الأنفال الآية: 29] تُفرّقونَ به بينَ الحقِ والباطل . الآن : هل تصدقون أن سِر السعادة الرؤيا الصحيحة . وسِر الشقاء الرؤيا غير الصحيحة ؟ . الإنسان : متى يُخطئ ؟ متى ينحرف ؟ متى يعصي ؟ متى يبتعد ؟ متى يتورط ؟ إذا رأى أنَّ في المعصية فلاحاً ، لا يرتكب الإنسان المعصية إلا إذا ظنَّ أنَّ في المعصية نجاحاً وفلاحاً وذكاءً وكسباً ومغنماً ، أعمى البصيرة لو أنه رأى رؤيةً صحيحة لرأى في المعصية دماراً وهلاكاً وبُعداً وشقاءً وتراجعاً , لن يعصي الإنسان ربه إلا إذا عميت بصيرته . سِر التفوق وسِر النجاح أن يتقدَ في قلبكَ نور الله عزّ وجل , أو أن يُلقى نور الله في قلبك , ترى به الخيرَ خيراً والشرَّ شراً ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام من دعائه الشهير: اللهم أرِنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتباعه , وأرِنا الباطلَ باطلاً وارزقنا اجتنابه . ألا تقرؤون أحياناً في الجريدة , عن إنسان تورط, وارتكب جريمة, وبعد ساعات أُلقي القبض عليه, وسيقَ للمحاكمة, وحُكمَ عليه بالإعدام, هذا حينما أقدم, أينَ عقله؟ أعمى القلب, توّهمَ في هذه الجريمة مغنماً, طبعاً هذه حالة حادة، حالات أخف, يعني إذا الإنسان توهم أنه إذا نظر إلى النساء في الطريق, وملأ عينه منهن, فهو يُسر بهذا النظر, هل هذه الرؤيا صحيحة؟ لا, أعمى القلب . إذا توهمَ الإنسان أنه إذا كذبَ باعَ بضاعته، إذا حلفَ اليمين باعَ بضاعته، أنه إذا احتال على الناس فهو ذكي، هذه آثار الرؤيا المشوّهة، فلذلك الإنسان لا يصحُ عمله إلا إذا صحت رؤيته، ولا يشقى إلا إذا ساءَ عمله، ولا يسوء عمله إلا إذا عَمِيت بصيرته, رؤيا, صحة عمل, سعادة، عمى, سوء عمل, شقاء، هذا تقسيم قطعي مهما قسّمتَ الناس، أغنياء وفقراء، أذكياء وأغبياء، متحضرين همجيين، يعني من أي تقسيم شئت, عرق أصفر، عرق أحمر، عرق أبيض . التذلل لله تعالى من الخشوع : الإمام الجُنيد يقول : الخشوع تذلل القلوب لعلاّم الغيوب . أنا أُطمئنكم إذا الإنسان له مع الله مواقف تذلل وخشوع , لن يُذلّه الله أمام الناس، مرة كنتُ أُشيع جنازة طبيب من أطباء البلد, له فضل على هذه البلدة توفي, في بيننا زيارات, فذهبت لتشييع جنازته، وصلتُ إلى المسجد الذي تُقام فيه صلاة الجنازة، لفت نظري, لي أصدقاء بمناصب رفيعة في البلد, في الجامعة, منصب رفيع جداً, على مستوى عميد، فأنا وإياه كُنا في مدرسة واحدة, وفي صف واحد، دخلت إلى المسجد, وصليت صلاة الجنازة, فلما خرجت, وجدته واقفاً خارج المسجد, ولم يدخل، يعني قلت: يا رب استكبرَ أن يُصلي, هو أكبر من أن يدخل بيتَ الله عزّ وجل, ويضع رأسه على الأرض؟ سؤال كبير، يحمل شهادة عُليا، ذكي، هنا توقفت قلت: الذي يدخل المسجد, يضع رأسه على الأرض خشوعاً لله عزّ وجل, لن يُذلّه الله خارج المسجد, في مواقف ذُل نعوذ بالله منها، لمّا ربنا عزّ وجل يهين إنساناً .. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [سورة الحج الآية: 18] قلتُ لكم مرة : طبيب من أطباء البلد الأوائل, وكانَ في اختصاصه فريداً, لكنه كانَ ماديّاً، كان طبيباً نسائياً، ما يقبل أن يتحرك إلى امرأة بحالة خطيرة إلا بليرة ذهبية وعربة, لم يكن في سيارات, قصة قديمة جداً ليرة ذهب وعربة، بعضُ أهلِ المريضة يضطرون إلى بيع الفراش من تحتها, كي تُقدّمَ أجرة الطبيب سلفاً, هذا الطبيب لم يرحم الناس, ولم يُشفق عليهم, وكانَ ماديّاً وأنانيّاً، أمضى سنوات طويلة, تزيد عن عشر سنين, ملقى في قبوٍ من أقبية البلدة, فقد لفظه أهله, لأنه فلج, تنكرت له زوجته، تنكرَ له أولاده، وضعوه في قبو البناء، وعمّر بناء يُعد البناء الأول في بعض أحياء دمشق, حجر مُزخرف, أنشأ البناء، وزيّنه، وكساه، وفرشه، وفق أذواقه الخاصة, فلما استقرت له الدنيا, ورقصت له, جاءه المرض العُضال، تحملّهُ أهله أيام, بل أسابيع, ثم وضعوه في القبو, فكان يطلب زوجته، أين فلانة؟ لا ترد عليه، يطلبها بإلحاح، بعد خمس أيام تأتي، تُكلّمه كلمة قاسية, بعد فترة نُقلَ إلى قبو آخر, لأنَّ رائحته أصبحت كريهة, نُقل إلى قبو بعيد عن البناء, لأنه أساء للبناء . تدخل مسجد, تضع رأسك لله، خشوعاً لله، ويُذلّكَ الله في آخر حياتك، يتخلى عنك، لا والله، هذه دخول المساجد, حضور مجالس العلم، قراءة القرآن، محبة الله عزّ وجل، هذا كله ينعكس في المجتمع عِز وشأن وكرامة ورِفعة لكَ، الله عزيز: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سورة المنافقون الآية: 8] أنتَ غالٍ على الله لا يُسلّمُكَ لأحد، لا يتخلى عنك، تجد الأمور تجري لمصلحتك، تجري لترفعك، تجري لترفع من شأنك، هكذا المؤمن فعلاً غالٍ على الله عزّ وجل، فأنت إذا كنت مؤمناً فعلاً تلقّى ثمرات الإيمان . فأنا أقول لكم: الخشوع الخضوع، تُحب أن تخضع, أما أبلغ من هذا الخضوع خضوعك لأمر الله عزّ وجل، قال لك: غُض بصرك, يعني الأمر ليس يعجبك, أين أذهب بعيوني؟ ما هذا الكلام؟ أمرك بغض البصر، فإذا كنتَ خاشعاً لله, فأنتَ خاضعٌ له، وأنتَ مُتذلل له، وأنتَ ساكن أمامه . العلماء جميعاً أجمعوا على أنَّ الخشوع محله القلب, إذا واحد مشى بين الناس, مطأطئ الرأس كثيراً, وأكتافه مالت, صار خاشعاً, لا والله, ارفع رأسك, واجعل قامتك مديدة, كُن عزيزاً، متى مَوتَ علينا ديننا، الخشوع في القلب ليسَ في الجوارح، ارفع رأسك, وحَسّن لِباسك, ونظّف رِحالك, وكُن شامةً بينَ الناس, واشعر بِعزة الدين. النبي عليه الصلاة والسلام قال: الخشوع محله القلب وثمرته على الجوارح . النبي رأى رجلاً يعبثُ بلحيته في الصلاة, فقالَ عليه الصلاة والسلام: ((لو خشعَ قلبُ هذا لخشعت جوارحه)) لو خشعَ قلبه لخشعت جوارحه، الخشوع مكانه في القلب ومظهره في الجوارح . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ, لا يَخُونُهُ, وَلا يَكْذِبُهُ, وَلا يَخْذُلُهُ, كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ عِرْضُهُ, وَمَالُهُ, وَدَمُهُ, التَّقْوَى هَا هُنَا, بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ, أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما, ومالك في الموطأ] وقال بعض العارفين: حُسنُ أدبِ الظاهر عنوان أدب الباطن, والله في جلسة ما فيها أدب، على مقعد، أيام تجد شخص في مقتبل حياته, يقعد ويضع قدماً فوق قدم ويميل, من أنت؟ اجلس جلسة هكذا دون ميلان, دون قدم فوق قدم, اجلس بأدب, في جلسة ما فيها خشوع, ما فيها أدب أساساً . بعضهم رأى رجلاَ خاشعَ المنكبين والبدن, فقال: يا فلان, الخشوع هاهنا, وأشار إلى صدره, لا هاهنا وأشار إلى منكبيه, الخشوع في القلب . حتى النبي عليه الصلاة والسلام, لمّا رأى رجلاً من أصحابه الكرام, يتبختر في مشيته أمام الأعداء, قال: ((إنَّ الله يكره هذه المشية, إلا في هذا الموطن, بل إنَّ التكبر على المتكبر صدقة)) كان أصحاب النبي أذكياء جداً, وكانوا أعزّة . خُبيب بن عدي, أرادَ كفار مكة أن يقتلوه, والقتل صلبٌ, عليهم أن يُثبتوه في جِذعِ نخلة, ويرمونه بالسِهام حتى يموت، انظروا عِزة المؤمن, اقترب أبو سفيان, قال له: أتُحبُ أن يكونَ مُحمدٌ مكانك وأنتَ مُعافى؟ قال له: والله ما أُحبُّ أن أكون في أهلي وولدي, وعندي عافية الدنيا ونعيمها, ويُصاب رسول الله بشوكة, هذا الجواب, فقال: ما رأيت أحداً يُحبُّ أحداً كَحُبِّ أصحابِ مُحمدٍ مُحمداً . الإنسان ليس له حق أمام كافر, أن يتذلل, ويشكو له همه . ((من جلسَ إلى غنيٍ فتضعضعَ له ذهبَ ثُلثا دينه)) ليس له حق أن يشكو لغير المؤمن، هو إذا اشتكى للمؤمن فكأنما اشتكى إلى الله، سيقول لك: يا أخي أطل بالك، اصبر، الله كريم، الله يمتحنك, الذي عِندَ الله ليسَ عِندَ العبد، هكذا يقول لك المؤمن، أما الكافر فيقول: قلت لك: هذا الطريق ابتعد عنه, لم تقبل مني، قلت لك: أضعتَ حالكَ بهذه الطريقة، قلتُ لك: لا تحضر مجالس العلم، هذه سببها لم يعينوك، منعوك من الوظيفة يقولها شاقياً . فلذلك إياك أن تشكو همّكَ لغير المؤمن, وإذا كنت بطلاً, كما قال سيدنا يعقوب: إنما أشكو بثي وحُزني إلى الله, ويُعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم. إذا كنتَ بطلاً فاجعل الشكوى لله عزّ وجل، لا تشكو إلى إنسان, لأنَّ هذا الإنسان كائناً من كان, لن يستطيع أن يفعلَ معكَ شيئاً، لا يملك لكَ نفعاً ولا ضراً، لكَ مع الله ساعات قُرب، في قيام الليل لا تجد بيتاً، أنت محتاج لزوجة صالحة مؤمنة لا تجد، كله لا يضع الحِجاب، شعرت بضيق, يا ترى لكَ مع ربك ساعة خشوع, ساعة إقبال, هكذا الله عزّ وجل قال: إذا كان ثلث الليل الأخير, نزلّ ربكم إلى السماء الدنيا, فيقول: هل من تائبٍ فأتوبَ عليه؟ هل من مُستغفرٍ فأغفرَ له؟ هل من طالبِ حاجةٍ فأقضيها له؟ حتى ينفجر الفجر. إذا لم يكن لكَ مع الله ساعات قُرب، ساعات تهجد، ساعات مناجاة، ساعات توسل، ساعات استعطاف، ساعات إعلان عن نقص الإنسان، ساعات ثناء على الله عزّ وجل، ليس لكَ مع الله ساعات أبداً, أليست لكَ مع الله مودة؟. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ [سورة مريم الآية: 96] بعض العلماء قالوا: ود مع الله، بعضهم قال: ود مع الخلق، على كُلٍ القرآن حمّال أوجه . بعض الصحابة وهو حذيفة, وكان حذيفة خبيراً بالمنافقين, مر بنا الدرس الماضي, قال: إياكم وخشوع النِفاق، فقيل له: وما خشوع النِفاق؟ قال له: أن ترى الجسدَ خاشعاً والقلب ليسَ بخاشع . يعني وأنت تصلي بين الناس, لا تظهر خشوعاً غير موجود, أنصحك لوجه الله، لا تكن عندك ازدواجية, كن إنسان واحد وليس إنسانيين، فسيدنا حذيفة يقول: إياكم وخشوع النِفاق، قيل: وما خشوع النِفاق؟ قال له: أن ترى الجسدَ خاشعاً والقلب ليسَ بخاشع . ورأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه رجلاً, طأطأَ رقبته في الصلاة, فقال: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك, ليسَ الخشوعُ في الرِقاب, إنما الخشوع في القلوب . أحدهم ملأ الحرمَ المكيَّ صخباً وضجيجاً, وجد لوزة, قال: من صاحب هذه اللوزة؟ فقيل له: كُلها يا صاحب الورع الكاذب, كُلها وخلّصنا . يقول: أنا بين السنّين في سمسمة, يا ترى تُفطّر هذه؟ تعبر امرأة فينظر لها وخائف أن تُفطره السمسمة، ما هذا التناقض؟ خائف أن تفطره السمسمة, يحلف يمين كاذب بالبيع والشراء, يُحضر أشياء نادرة جداً, ويخاف أن تكون مُخالِفة للشرع, هذا خشوع النِفاق, المؤمن واضح، قال له: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك, ليسَ الخشوعُ في الرِقاب, إنما الخشوع في القلوب . ورأت السيدة عائشة رضي الله عنها شباباً, يمشونَ ويتماوتون في مشيتهم, فقالت لأصحابها: من هؤلاء؟ فقالوا: هؤلاء نُسّاك، فقالت: كانَ عمر بن الخطاب, إذا مشى أسرع، وإذا قالَ أسمع، وإذا ضرب أوجع، وإذا أطعمَ أشبع، وكانَ هو الناسِكُ حقاً, هكذا الناسِكُ, ما رأيتُ أزهدَ منه . الفُضيل يقول: كان يُكره أن يُريَّ الرجل الناسَ من الخشوع أكثرَ مما في قلبه, وقال حذيفةُ رضي الله عنه: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، بغير بلاد تجده يعد النقود بالصلاة, يُخرج المحفظة ويعدها، يضبط الساعة، يمر شخص تجده ينظر إليه لم يبق إلا أن يُكلّمه، صلاة ليسَ لها معنى إطلاقاً, ويجوز بلا وضوء . قال: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة, أولاً صلاة بلا خشوع, ثمَّ لا صلاة, ورُبَّ مصلٍ لا خيرَ فيه, ويوشك أن تدخلَ مسجد الجماعة, فلا ترى فيهم خاشعاً, أقسمَ لي واحد بالله كانوا بوليمة, وصلّوا أربع صفوف, حوالي 150 رجلاً, والإمام نسيَّ ركعة, ولا واحد تذكر من الحاضرين, ولا واحد . وقال سهلُ: من خشعَ قلبه لم يَقرب منه الشيطان . الخشوع: افتقار إلى الله عزّ وجل، بعدٌ عن مُراءاة الخلق, وتجريدٌ لرؤية الفضل . الفقرة الأخيرة من الخشوع: أن الخاشع ما زويَّ عنه من الدنيا, أو ما لحقه منها من ضررٍ وأذى فهو مِنةٌ أيضاً, لا تنسى أنَّ للهِ عليكَ نعمتين . بقيَّ في الدرسِ نقطتان : 1-أن تبتعد عن المراءاة : الأولى أنَّ الخشوع أن تبتعد عن المُراءاة ، يعني إذا كنت دائماً مع الناس, وليست لكَ خلوة مع الله عزّ وجل, اللقاء مع الناس المستمر, يُضعف فيكَ الخشوع، يعني أنت أردتَ أن تبكي في الصلاة, وجودك مع أُناس كثيرين, ربما حالَ بينكَ وبينَ البكاء, فلا بدَ من صلاةٍ تؤديها في البيت، أدِّ السُنّةَ في البيت، أدِّ الوترَ في البيت، صل قيام الليل في البيت، أدِّ النوافل في البيت، صل وحدك في الغرفة، أما اللقاء مع الناس المُستمر دون أن تكون لكَ مع الله خَلوةٌ أبداً, هذا ربما أضعفَ فيكَ الخشوع، لأنَّ الإنسان مع الناس يُراقب الناس وهو لا يدري . ثبت في السُنّة إحياء الليالي بشكل جماعي, هذا لم يرد عندَ رسول الله، أن تُحييَ ليلة العيد في بيتك، تقرأ القرآن، تذكر، تتهجد، تدعو، تتوسل، تبكي، تستعطف، هذا كله وارد, فلذلك أولاً البعدُ عن مُراءاة الخلق، مما يزيد الخشوع أن تبتعدَ عن مُراءاة الخلق . 2-لا ينبغي أن تكون حريصاً على أن يظهر خشوعك أمام الناس : في شيء آخر: إذا كنتَ خاشعاً, وتمنيتَ أن يراكَ الناس خاشعاً, فهذا مما يُضعف الخشوعَ فيك، يعني أفضلُ أنواع الخشوع أن تُخفيَ هذا الخشوع، إنسان يتمنى أن يبكي أمام الناس, يا أخي ما شاء الله على القلب الذي له, ما هذه الأحوال؟ ما هذا الحب؟ دخل بالنِفاق وهو لا يدري . شيئان يُضعفان الخشوع : أن تكون مع الناس دائماً, لا بدَ من غارِ حِراء بشكل متقطع, لا بدَ من غارِ حِراء, لا بد من خلوةٍ مع الله, من أجل أن يزدادَ الخشوع، ولا ينبغي أن تكونَ حريصاً على أن يظهر خشوعكَ أمام الناس, فإنَّ هذا الحِرصَ وحده يُضعف الخشوع . قال : رقصت الفضيلةُ تيهاً بفضلها فانكشفت عورتها . الفضيلة حينما ترقص تيهاً بنفسها، هذا التيهُ هو نقيصة وليسَ فضيلة . وسيدنا علي يقول رضي الله عنه: أفضلُّ الزُهدِ إخفاء الزُهدِ . في شخص حريص أن يكون أمام الناس خاشعاً، أنتَ كُن خاشعاً مع الله ولا تُعلّق كبير أهميةٍ على مرأى الناسِ لك. وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله نتابع موضوعات مدارج السالكين. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#15 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : السكينةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الخامس العاشر ) منزلة السكينة : أيها الأخوة المؤمنون ؛ منزلة اليوم منزلة السكينة , قال بعضهم : هذه المنزلة من منازل المواهب لا من منازل المكاسب . يعني المؤمن يعمل , والله سبحانه وتعالى يُكافئ , فالذي يأتي من الله , هذه منازل المواهب ، والذي يأتي من كسب العبد هذه منازل المكاسب . فالسكينةُ من منازل المواهب لا من منازل المكاسب . الاستقامة من المكاسب ، تحرّي الحلال من المكاسب ، مجاهدة النفس والهوى من المكاسب . السكينةُ من المواهب ، فأنتَ تتحرك نحو الله عزّ وجل , والله يتجلى على قلبك ، أنتَ تستقيم والله يُكرّم , التكريم مواهب والاستقامة مكاسب ، أنتَ تغضُ بصركَ عن محارم الله , والله يوهبكَ حلاوةً في قلبكَ إلى يوم تلقاه , هذه الحلاوة من المواهب وهذا الغضُ من المكاسب ، المكاسب شيء والمواهب شيءٌ آخر , بل إنَّ المواهبَ من ثمرات المكاسب . أول فكرةٍ في هذه المنزلة وهي : أنَّ منزلة السكينة من منازل المواهب لا من منازل المكاسب . الحقيقة : هذه الدروس دروس تفسير , ولكن نختار من القرآن الكريم الآيات المتعلقة بموضوع واحد , لأنَّ القرآنَ هو كلُّ شيء , ماذا نعمل ؟ نأخذ آيات السكينة ونفسرها . نأخذ آيات الحب ونفسرها . نأخذ آيات الإخلاص ونفسرها . فكأنَّ هذا الدرس درسٌ من نوعٍ آخر ، تفسيرٌ موضوعي متمحورٌ حول موضوعٍ واحد , والآيات التي تدعم هذا الموضوع تأتي تِباعاً . الآية الأولى : قال تعالى : ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 26 ] ﴿على رسوله وعلى المؤمنين﴾ ويجب أن نعلمَ الشيء الذي يَخصُ النبي عليه الصلاة والسلام , للمؤمن منه نصيبٌ بقدرِ إيمانه ، بقدرِ إخلاصه ، بقدر إقباله ، إذا فهمتَ قوله تعالى : ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [سورة الطور الآية: 48] هذا الخطاب موجهُ إلى النبي عليه الصلاة والسلام , ولكن يجب أن تعلم أنكَ إذا استقمتَ على أمره , وأقبلتَ عليه , وأخلصتَ له , فلكَ من هذه الآية نصيب . كما أنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسلين , كذلك الله عزّ وجل يعطي المؤمنين بعضَ ما يعطي المرسلين ، الرؤيا الصادقة كما قال عليه الصلاة والسلام : جزءٌ من ستٍ وأربعينَ جزءاً من النبوة ، للنبي معجزة وللوليِّ كرامة ؛ المعجزة خرقٌ للعادات , والكرامة خرقٌ للعادات . باب البطولة مفتوحٌ على مصراعيه ، باب التفوق مفتوح , الله هو الله في كلِّ زمانٍ وفي كلِّ مكان , لا يتبدل ولا يتغير ولا يتحول ، بل إنَّ بعضَ الأزمنة : أجرُ المستقيم فيها أعظم بكثير من أجر المستقيم في زمان آخر , كما قال عليه الصلاة والسلام : ((اشتقت لأحبابي , قالوا: أو لسنا أحبابك؟ قال: أنتم أصحابي، أحبابي أُناسٌ يأتون في آخر الزمان, القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر, أجرهم كأجر سبعين, قالوا: مِنا أم منهم؟ قالَ: بل منكم, قالوا: ولِم؟ قال: لأنكم تجدونَ على الخير معواناً ولا يجدون)) ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ هذه أول آية . الآية الثانية : ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 40] الآية الثالثة : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [سورة الفتح الآية: 4] الآية الرابعة : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [سورة الفتح الآية: 18] الآية الخامسة : ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ [سورة الفتح الآية: 26] القاسم المشترك بين هذه الآيات : السكينة . هل بإمكانكم أن تستنبطوا قاسماً مشتركاً في كلِّ هذه الآيات ؟ قاسم مشترك : ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا ﴾ ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ ﴾ في سورة الفتح . ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ﴾ في بيعة الرضوان . أسباب نزول هذه الآيات : أذكر لكم مناسبات هذه الآيات كلها : أخبرَ سبحانه وتعالى عن إنزالها على رسوله وعلى المؤمنين, في مواضع القلق والاضطراب، في مواضع الشِدة، كلُّ هذه الآيات فيها قاسم مشترك واحد, وهو أنَّ المؤمنين في مواضع الشِدة، في مواضع الاضطراب، في مواضع الخوف، في مواضع المِحن، تأتي السكينة، قد تأتي مصيبة يَفرَقُ لها الإنسان، ينهارُ لها، تخورُ قِواه، ينسحق، أما المؤمن تأتي سكينة الله على قلبه, فتجعل وقعَ هذه المصيبة عليه برداً وسلاماً، حتى لو نزلَ بلاءٌ عام، حتى لو اشتدت المِحن، حتى لو ضاقت الأمور، فإنَّ الله سبحانه وتعالى يُنزل سكينته على المؤمنين كمكافأةٍ لهم على استقامتهم . يوم الهِجرة : ﴿ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ ﴾ وهو في الغار . ﴿ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ﴾ ويوم حُنين ، ويوم الحديبية ، كلها مواطن قلق واضطراب وخوف وشِدة ، وأنتَ أيها المؤمن, لا سمحَ الله ولا قَدّر, ولكن إذا جاءَ بأسُ شديد، أو جاءت شِدةٌ، أو جاءَ قلقٌ، أو جاءَ خوفٌ أو اضطراب، فالله سبحانه وتعالى يَخُصّكَ بسكينةٍ, تجعلُ قلبكَ في بردٍ وسلام، وفي أمنٍ وأمان، وفي طمأنينةٍ وراحة، وهذا بعضُ ما يُعامل الله به المؤمنين الذين عرفوه في الرخاء، فإذا جاءت الشِدة عرفهم الله عزّ وجل . أحد العلماء كان يقول : إذا اشتدت عليه الأمور أقرئ آيات السكينة . وقال مؤلف الكتاب : ولقد جربت أنا أيضاً قراءة هذه الآيات عندَ اضطراب القلب بما يردُ عليه , فرأيتُ لها تأثيراً عظيماً ، وهذه نصيحة ، وهذه وصفة ، وهذا توجيه ، إذا اشتدت الأمور، إذا اضطرب القلب، إذا نزلت المِحن, فاقرؤوا آيات السكينة, لأنَ السكينة مما يخص به الله تعالى المؤمنين. تعريف السكينة : أصلُ السكينة : الطمأنينة والوقار . فلان في سكينة قلبه مطمئن ، من الداخل طمأنينة من الخارج وقار ، الحركة السريعة ، الاضطراب ، الفزع ، الصياح ، العويل ، البكاء ، هذا كله انهيار عصبي . فالسكينة في أدقِّ تعاريفها : طمأنينةٌ في القلب , وسكونٌ في الجوارح . من الداخل ومن الخارج ، هناك أشخاص يتقنون التمثيل ، يكون قلبهم في جناحِ طائر , ومع ذلك يضبطون أعصابهم الخارجية ، ولكنَّ السكينة في حقيقتها ؛ سكونٌ داخلي وسكون خارجي ، راحةٌ قلبية وهدوءٌ في الأعضاء والأعصاب . قَالَ : ((سَمِعْتُ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يُحَدِّثُ, قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الأحْزَابِ, وَخَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, رَأَيْتُهُ يَنْقُلُ مِنْ تُرَابِ الْخَنْدَقِ, حَتَّى وَارَى عَنِّي الْغُبَارُ جِلْدَةَ بَطْنِهِ, وَكَانَ كَثِيرَ الشَّعَرِ, فَسَمِعْتُهُ يَرْتَجِزُ بِكَلِمَاتِ ابْنِ رَوَاحَةَ, وَهُوَ يَنْقُلُ مِنَ التُّرَابِ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَوْلا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَلَّيْنَا, فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا, وَثَبِّتِ الأقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا, إِنَّ الألَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا, وَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا, قَالَ: ثُمَّ يَمُدُّ صَوْتَهُ بِآخِرِهَا)) النبي في غزوة الخندق ، في وقت الشِدة ، في وقت المِحن , في وقت الاضطراب ، في وقت الخوف ، في وقت أصبحَ الإسلامُ في خطر ، أصبحَ وجود الإسلام في خطر ، بقي للإسلام بحسبِ نظرِ الناظر ساعات , في هذا الوقت الشديد , كانَ النبي صلى الله عليه وسلم يحفر الخندقَ مع أصحابه , وقد وصلَ الترابُ إلى جلدة بطنه , وهو يرتجز بأبيات عبد الله بن رواحة . من صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب المتقدمة : إني باعِثٌ نبيّاً أُميّاً، ليسَ بفظٍ ولا غليظ، ولا صخّابٍ في الأسواق، ولا متزينٍ بالفُحش، ولا قوالٍ للخنى، أُسدده لكلِّ جميل، وأهَبُ له كُلَّ خُلقٍ كريم، ثمَّ أجعلُ السكينةَ لِباسه، والبِرَّ شعاره، والتقوى ضميره، والحِكمة مقولته، والصِدقَ والوفاءَ طبيعته، والعفوَ والمعروف خُلُقه، والعدلَ سيرته، والحقَّ شريعته، والهُدى إِمامه، والإسلامَ مِلته، وأحمدَ اسمه, هكذا ورد في بعض الكتب المتقدمة عن صفة النبي صلى الله عليه وسلم . يعنينا من هذا القول وذاكَ الوصف : ثمَّ أجعلُ السكينةَ لِباسه . المؤمن في سكينة، المؤمن كالجبل الراسخ، المؤمن لا يفزع، لا ينهار، لا يخرج عن أطواره، لا يُحطّم الأواني إذا غضب، لا يدفع الأبواب، لا ينطلق لسانه بالسُباب، المؤمن في سكينة، في حلم، وكادَ الحليمُ أن يكونَ نبيّاً، والحلم سيد الأخلاق . في شيء مهم جداً: السكينة إذا نزلت على القلب اطمأن بها, وسكنت إليها الجوارح, وخشعت, واكتسبت الوقار, وأنطقت اللسان بالصواب والحِكمة، وحالت بينه وبين قول الفُحشِ والخنى، واللهوِّ والهجر, وكلِّ باطل . قال ابن عباسٍ رضي الله عنهما : كُنّا نتحدّثُ أنَّ السكينة تنطقُ على لِسانِ عمر وقلبه . لا أدري ما السكينة ؟ أعرفُ نتائجها ؛ الطمأنينة ، الشعور بالرِضا ، الشعور بالتفوق ، الشعور بالأمن ، في قلب المؤمن من الأمن ما لو وُزِعَ على أهلِ بلدٍ مذعورين لكفاهم ، لأسكنَ خوفهم ، هذه السكينة ، نتائجها باهرة ، هي تجلّي الله عزّ وجل ، هي نورٌ يقذفه الله في قلب المؤمن ، طمأنينةٌ يزرعها في قلبه . قال : هذه السكينةُ إذا سكنت في القلب أنطقت اللسان ، أنطقت اللسان بالحِكمة ، أنطقت اللسان بالموعظة ، أنطقت اللسان بالحقيقة . سيدنا ابن عباس قال : كُنا نتحدثُ أنَّ السكينة تنطقُ على لسان عمر وقلبه . من كرامات صاحب السكينة : ينطقُ بكلامٍ دون تحضير ، دون إعداد ، دون تخطيط ، دون مطالعة ، دون مراجعة ، دون مدارسة . القلب الذي أنزلَ الله عليه السكينة , ينطِقُ بكلامٍ عن غير فكرةٍ منه ، ولا رواية ، ولا هِبةٍ ، يستغربه هو من نفسه ، يقول : أنا في حيرة ، والله تكلمتُ كلاماً ما أعددته , وليسَ في إمكاني أن أُعيده , كانَ فتحاً من الله عزّ وجل ، هذه من آثار السكينة ، ويستغربهُ هوَ من نفسه كما يستغرب السامِعُ له ، وربما لا يعلم بعد انقضائه بِما صدرَ منه . أكثر الأخوة الأكارم أحياناً في ساعات الإشراق، في ساعات الإقبال، في ساعات السكينة، ينطلقُ لسانه مع الناس بكلامٍ عجيب، مِلؤهُ الحق، مِلؤهُ الحقيقة، مُنظم، قوي، مع الدليل, مع الحُجّة، فيه قوة تأثير، لو كلّفتَ هذا المُتكلّم الذي نَطَقَ أن يُعيدَ كلامه لما استطاع . لذلك: هنا موطن القصيد، لماذا فُلان يتكلّم فلا يؤثر، وفُلان يتكلّم فيفعل في النفوسِ فِعل السِحر؟ هذا هو الفرق، هذا الذي تكلّمَ عن ثقافةٍ, ودراسةٍ, ومطالعةٍ, وتردادٍ, وروايةٍ, وحِفظٍ, وتذكرٍ, وقراءةٍ, وذكاءٍ, هذا الكلام ما أيّده الله بروحٍ منه، أما الذي تكلّمَ عن سكينةٍ أودعها الله في قلبه, وهي ثمرةٌ من ثمار إيمانه, واستقامته, وإخلاصه, وورعه, وتضحيته, و مؤاثرته، هذا الكلام الذي ينطقُ به الثاني يودعُ الله فيه الروح، يودعُ الله فيه قوة التأثير، وهذا يُستنبط من بعض قول الله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة المجادلة الآية: 22] قد تعجب، قد تجد الفصاحة، والبيان, والإتقان، والعبارة المُحكمة، والشاهد المؤيد، ولا تجد التأثير، وقد تجد التأثير مع شخصٍ أقلَّ فصاحةً، وأقلَّ عِلماً، وأقلَّ إطلاّعاً، وأقلَّ ثقافةً، هذا التفسير الوحيد للذين يؤثرون في الآخرين, لأنَّ الله سبحانه وتعالى أنزلَ على قلبهم السكينة . العلماء قالوا: أكثرُ ما تكون هذه السكينة عِندَ الحاجة, وعِندَ صِدق الرغبة من السائل والمُجالس، إن صار في سؤال لله عزّ وجل بصدقٍ وحرارة, الله سبحانه وتعالى يُنزلُ هذه السكينة, فإذا هيَ كلامٌ سديد، فإذا هيَ روحانية، فإذا هيَ تجلّ، فإذا هيّ قوة تأثير . في تعريفاتٍ دقيقةٍ للسكينة : أنَّ السكينةَ نورٌ وقوةٌ وروح، فالنور يكشف الله لكَ بالسكينة, التي هي في بعض أجزائها نور، يكشف لكَ عن دلائل الإيمان وحقائق اليقين، يجعلكَ تُميزُ بينَ الحق والباطل، وبينَ الهدى والضلال، وبينَ الغيِّ والرشاد، وبينَ الشكِ واليقين، يعني صاحبُ السكينة صاحبُ رؤيا، صاحبُ السكينة صاحبُ نور، هكذا قال عليه الصلاة والسلام: عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ, وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأ الْمِيزَانَ, وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلأانِ أَوْ تَمْلأ مَا بَيْنَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ, وَالصَّلاةُ نُورٌ, وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ, وَالصَّبْرُ ضِيَاءٌ, وَالْقُرْآنُ حُجَّةٌ لَكَ أَوْ عَلَيْكَ, كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو فَبَايِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا أَوْ مُوبِقُهَا)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما] السكينة في بعض معانيها : نورٌ يقذفه الله في القلب , ترى به الحقَ حقاً والباطلَ باطلاً . صاحب السكينة لا ينخدع ، صاحبُ السكينة لا يغتر بظواهر الأشياء عن حقائقها ، صاحب السكينة لا يرى رؤيةً مشوشةً ولا ضبابيةً , بل يرى رؤيةً صحيحةً ودقيقةً . قلنا : السكينة نورٌ وقوةٌ وروح . الروح توجب كمالَ اليقظة ، توجب الحضور، توجب البعدَ عن الغفلة ، توجب التأهبَ للقاء الله عزّ وجل ، عنده روحانية ، عنده حياة ، قلبه يقظ ، سريع التأثر ، سريع الاستجابة ، سريع التحسس بالخطأ، في حياة . فمن معاني السكينة : المعنى الأول : النور الذي يٌقذف في قلب المؤمن , فيُريه الخيرَ خيراً والشرَ شراً . من معاني السكينة : الروحانية التي يملكها . يقظة النفس ، لا غفلة ، لا بُعد ، لا انغماس بالشهوات ، في صحوة ، في محاسبة دقيقة ، في شعور بالرِضا ، والقوة توجب له الصِدقَ , وصحة المعرفة , ويقهر بهذه القوة داعي الغيّ . من لوازم السكينة : 1-أنها تعطيك قوة تقهر بها دواعي الشهوات : أحياناً : داعي الشهوة يغلب الإنسان , يقول لك : غُلبت ، وقد نُسمي العاصي الذي يبكي بعد معصيته مغلوباً, هناك من يعصي ويتبجّح، هناك من يعصي ويفتخر، هناك من يعصي ويتباهى بهذه المعصية، هذا هو الفاجر، أما هناكَ من يعصي ويبكي، الذي يعصي ويبكي مغلوب، معنى مغلوب: قوة الشهوةُ فيه غلبت عقلهُ . من لوازم السكينة : أنها تُعطيكَ قوةً، بهذه القوة تقهر دواعي الشهوات، الإنسان دائماً في صراعٍ بين عقله وشهوته، بينَ إلهامات الملائكة ووسوسة الشياطين، بينَ دواعي الجسد الأرضية ودواعي الروح السماوية، فكلما كانت السكينة في قلب المؤمن, اكتسبَ قوةً يقهر بها دواعي الشهوة . السكينة في جانب منها جانب نوراني، وجانب منها جانب روحاني، وجانب منها جانب قوة, تقهر بها الشيطان, تقهر بها نوازع الجسد, تقهر بها وسوسة إبليس، تقهر بها قِوى الأرض، نورُ وحياةٌ وقوة، بالنور ترى، وبالحياة تسعد، وبالقوة تقهر، رؤيةٌ صحيحة، ونفسٌ سعيدة، وسلاحٌ ماضٍ، هذا معنى: أنزلَ سكينته على رسوله وعلى المؤمنين, هذه هيَ السكينة. حتى الإنسان أحياناً: العاصي لو أنه تابَ إلى الله توبةً نصوح, يمنحه الله بهذه السكينة قوةً, يغلب بها شهوتهُ، كانَ مغلوباً فصارَ غالباً، كانَ مقهوراً فصارَ قاهراً، كان ضعيفاً فصارَ قوياً، كانَ تبعاً لأهوائه, فصارَ يقودها وفق الحق . 2-محاسبة النفس : من معاني السكينةِ أيضاً, وهذا شيءٌ مهمٌ جداً: محاسبة النفسِ, ومُلاطفةُ الخلقِ, ومراقبة الحق، من ثمراتها: نور يُريكَ الحقَّ حقاً والباطلَ باطلاً، روحانيةٌ تُبعدُ عنكَ كلَّ الأحزان، قوةٌ تقهرُ بها الشيطان، من معانيها: محاسبة النفسِ, ومُلاطفةُ الخلقِ, ومراقبة الحق. محاسبة النفس: حاسِبوا أنفسكم قبلَ أن تُحاسَبوا, وزِنوا أعمالكم قبلَ أن توزنَ عليكم. والله سبحانه وتعالى أثنى على النفسِ اللوامة, هناكَ نفسٌ مطمئنة, ونفسٌ لوامةٌ, ونفسٌ أمارةٌ بالسوء، فالنفس اللوامة أثنى الله عليها, فقال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [سورة القيامة الآية: 1-2] هذه نفسٌ أثنى الله عليها، إذا كُنتَ تُحاسب نفسك, لماذا قلتَ هذا الكلام؟ لماذا وقفتَ هذا الموقف؟ لماذا عبستَ في وجه فُلان؟ لماذا سَخِرتَ منه؟ لماذا دفعتَه بيدك؟ لماذا حرمتَ فُلاناً؟ لماذا أعطيتَ فُلاناً؟ . لا يَكمل إيمان المؤمن إلا إذا حاسبَ نفسه حساباً عسيراً، لن يكونَ المؤمن صادقاً إلا إذا كانَ حِسابه لنفسه عسيراً، فأنتَ حاسب لِئلا تُحاسب، إن لم تُحاسب حوسبت . ((من حاسبَ نفسه حِساباً عسيراً, كانَ حِسابه يومَ القيامة يسيراً، ومن حاسبَ نفسه حِساباً يسيراً, كانَ حِسابه يومَ القيامة عسيراً)) من اطمأنَّ في الدنيا خافَ في الآخرة، من خافَ في الدنيا اطمأنَ في الآخرة. ((لا يجتمعُ خوفانِ وأمنان؛ إن خِفته في الدنيا طمأنكَ يوم القيامة، وإن لم تخفه في الدنيا أخافكَ يوم القيامة)) قال: إنَّ زكاةَ النفسِ وطهارتها موقوفٌ على مُحاسبتها، لا تطهر ولا تزكو، الطهارة تنظيف والزكاة تعطير، التحليّة والتخليّة، التطهير والاصطباغ، النفسُ لا تطهر ولا تزكو إلا بالمُحاسبة, لا محاسبة في انحراف، في طغيان، في تمادي، في تطاول . الحسن رضي الله عنه قال: إنَّ المؤمن واللهِ لا تراه إلا قائماً على نفسه. يعني يُحاسبها، يسألها، يُسيء الظنَّ بها، ما أردتُ بكلمة كذا, ما أردتُ بهذا، مالي ولهذا؟ واللهِ لا أعود إليه . الإنسان إذا حاسبَ نفسه, رأى عيوبها ونقائصها، من الحُمق الشديد: أن ترى في الآخرين عيوبهم ولا ترى في نفسك العيوب، أن ترى أدقَّ العيوب في الآخرين ولا ترى أكبرَ العيوب في نفسك، وإذا ظننتَ نفسكَ كاملاً فهذا من أكبر العيوب، أكبرُ عيبٍ أنتَ فيه: أن تُحسنَ الظنَّ في نفسك وأن تسيء الظنَّ في الآخرين، والكمال أن تفعلَ العكس, أن تُسيء الظنَّ بنفسك وأن تُحسنَ الظنَّ بالآخرين، الكمال إذا فعلتَ معروفاً مع إنسان أن تنساه، والكمال إذا فعلَ معكَ أحدٌ معروفاً ألا تنساه أبداً, هذا هو الكمال, هذه محاسبة النفس، من لوازم السكينة: محاسبة النفس, صار في حياة في يقظة . 3-ملاطفة الخلق : ومن لوازم السكينة: ملاطفة الخلق، معاملتهم بما يُحبُّ أن يعاملوه به, هذا المقياس من أروع المقاييس, هذا القول للنبي عليه الصلاة والسلام لو طبّقه الناس, لأغلقت المحاكم أبوابها . ((عامل الناس كما تُحبُ أن يُعاملوك)) عامل هذا الموظف كما تحب أن تعامل، عامل زوجة ابنكَ كما تُحب أن يُعاملَ ابنتكَ زوجها، هذا مقياس دقيق في كلِّ حركات الناس وفي كلِّ سكناتهم . يعني هذا الذي فعله النبي: جاء رجل إلى النبي, وقال: يا محمد ائذن لي بالزِنا, في حضرة أصحاب النبي، فغضبَ أصحاب النبي, وهمّوا أن ينهروه، منعهم النبي من أن يفعلوا قال: تعال يا عبد الله, تعال اقترب مني -آنسهُ- قال: أَتُحبه لأمك؟ فكاد يغلي الدم في رأسه قال: لا، قال: ولا الناسُ يحبونه لأُمهاتهم، أتُحبه لأختك؟ أتُحبه لابنتك؟ أتُحبه لزوجتك؟ قال: دخلتُ على النبي صلى الله عليه وسلم, وما شيءٌ أحبَّ إليَّ من الزنا, وخرجتُ من عِنده, وما شيء أبغضَ إليَّ من الزنا, طبّق القاعدة . أنت وراء الطاولة موظف أمامك مُراجع، لو كنتَ مكان هذا المُراجع, أتُحبُ أن يُماطلكَ؟ أتُحبُ أن يؤجلكَ؟ أتُحبُ أن لا ينظرَ إليك؟ أتُحبُ أن يُهملكَ؟ أنت الآن زوج, لو أنكَ مكان هذه الزوجة, أتُحبُ أن تكونَ مظلوماً؟ أتُحبُ أن تكون معذّباً؟ لا, يعني هذا مقياس لا أجمل منه, ولا أدقَّ، ولا أوضح، مقياسٌ دقيق، عامل الناس كما تُحبُ أن يُعامِلوك، عاملهم بالإنصاف. قال: ملاطفة الخلق: أن تعاملهم بما يُحبُّ أن يعاملوه به من اللطفِ، لا ينبغي أن تعاملهم بالعنفِ والشدّةِ والغِلظة, قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159] علّموا ولا تُعنِفوا, فإنَّ المُعلمَ خيرٌ من المُعنّف، فإنَّ ذلك يُنفّرهم, ويغريهم بالبُعدِ عنه, ويُفسدُ حبهُ في قلوبهم . أنتَ يجب أن تربحَ الناس لا أن تخسرهم، بذكاءٍ شديد، وحِكمةٍ بالغة، وبذلٍ كبير، وصبرٍ عظيم، وحِلمٍ وافر, يمكن أن تربحَ الناس، وبتصرفٍ واحدٍ أحمقٍ، تصرف أرعن، كلمة قاسية، كلمة نابية، تخسر الناس، جهودٌ كبيرة تبذلها كي تربحهم، تصرّف واحد أحمق تخسرهم ، فمن لوازم السكينة محاسبة النفس ومُلاطفة الخلق . هذه الآية رائعة جداً: ﴿ولو كنتً فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ يخاطب الله من؟ يخاطب النبي، يخاطب الذي معه القرآن المؤيد من الله عزّ وجل، يخاطب المعصوم، حتى المعصوم, حتى المؤيد بالوحي, لو كانَ فظاً, لَنَفَرَ الناسُ من حوله . أنا أُلاحظ ملاحظة: تجد الأب قاسياً مع أولاده, يظن نفسه مع قسوته, يجب أن يُحبه أولاده, لأنه والدهم، لا, لا يكفي أن تكونَ أباً حتى تُحب, لا بُدَّ من أن تكونَ كاملاً حتى تُحب ، يحترمونك ولكن لا يُحبونك, الحُب ليسَ بيدهم، إذا كنتَ قاسياً، قاسياً في كلماتك مع أولادك ، توبخهم أمام الآخرين، تستعلي عليهم، تُسكتهم، تُخزيهم أمامَ زوجاتهم مثلاً، وإذا كُنتَ أباً لهم, لا يُحبونك . يجوز إذا كان ابنك مؤمناً, يخاف من غضب الله, لذلك يُرضيكَ في ظاهره، أما أنتَ لا تستطيع أن تملكَ قلوبهم إلا بكمالك . خذوا هذه القاعدة: الإنسان له قلبٌ وله قالب, مهما كنتَ قوياً, مهما كنتَ مسيطراً, لا تستطيع أن تمتلكَ إلا القالب، لكن كمالُكَ يجعلُكَ تمتلك القلوب، القلب لا يُمتلك إلا بالكمال, أما الجوارح ...... الآن الطُغاة في العالم, الناسُ يخافونهم، يخضعون لهم، يُنفذون أمرهم بأدقِّ حذافيره, خوفاً من بطشهم، فالطغاة ماذا مَلكوا؟ مَلكوا القوالب، لكنَّ الأنبياء مَلكوا القلوب. الفرق بين العالم داعية مثلاً: مدير مؤسسة, مدير مدرسة, مدير ثانوية, مدير مستشفى, هذا معه سُلطة, بإمكانه أن يوبّخ, وأن يقطع الراتب, وأن يكون كلامه قاسياً, والناس يخافونه، موظف يعني رزقه مُعلّق بالمدير العام حسب الظاهر، فإذا عاقبه وخضع ليست هذه بطولة، البطولة أن تمتلكَ القلوب، البطولة أن تمتلكَ قلوب الناس بكمالك . لو فرضنا إنساناً من أتفه الناس، من أقلّهم عِلماً, أقلّهم شأناً، أقلّهم فهماً، أقلّهم حِكمة، لو معه سِلاح واجه أعظم إنسان, وشَهَرَ عليه السلاح فخضع, هذه قوة لا قيمة لها إطلاقاً، هذه قاعدة: لن تستطيع أن تمتلكَ القلوب إلا بكمالك، لكنَّ بقوتك تمتلك القوالب, بإمكانكَ وأنتَ الأبُ القوي وابنكَ الضعيف أن تُخضعه، أن تعطيه أمراً قاسياً، ولكنكَ لا تكونُ أباً بطلاً إلا إذا جعلتَ ابنكَ يهواك لكمالك . يعني: واحد له ابن عاق وشرس ومنحرف، وكان الأب من حين لآخر, يقول لابنه: يا بني, أنت لا تصبح رجلاً، وهذا الابن في غفلة من الزمن, صار بمركز قوي جداً، فأحضرَ أباه مقيداً, وقال له: تفضل وانظر لي, ألا ترى منصبي؟ فقال له والده: تصبح بهذه المكانة, لكن لا تصبح رجلاً . يعني حينما جاء بأبيه بهذه الطريقة, معناها أنه غير رجل, فالقوة ليسَ لها قيمة, الله جعل الله الأنبياء ضعفاء . سؤال دقيق جداً: أليسَ الله قادراً على أن يجعلَ النبي إنسان قوي جداً؟ حِكمة الله أنَّ النبي قوته بكماله، فقد يكون النبي أضعفَ الناس: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ [سورة هود الآية: 38] كانوا يسخرون منه، النبي يمكن أن تُكذّبهُ، ويمكن أن تسخرَ منه، ويمكن أن تُعارضه، ويمكن أن تصفه بالجنون, قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [سورة الدخان الآية: 14] أليسَ كذلك؟ وُصف بأنه كاهن، وبأنه ساحر، وبأنه مجنون، لأنه ضعيف, عظمةُ النبي أنَّ الذي آمنَ به, ما آمن به خوفاً, ولا آمن به طمعاً، لا دنيا عنده، لا أملكُ لكم نفعاً ولا ضرّاً، لا دنيا يُعطيك إياها, ولا قوة تخاف منه، لماذا آمنتَ به؟ لما ضحيتَ في سبيل أن تؤمن به بالغالي والرخيص, والنفسِ والنفيس, لأنَّ كماله أسركَ . يعني: حِكمة الله عزّ وجل في جعل الأنبياء ضعفاء في بادئ الأمر، لو كانوا أقوياء لآمنَ الناس بهم جميعاً إيماناً شكليّاً ظاهريّاً، إيماناً فارغاً لا قيمة له أبداً، كما لو كلّفنا أُناساً ضِعافاً أن يقولوا هذه الكلمات, يقولونها . قال له: ولوعادوا عُد إلى ما قُلت, ولا شيءَ عليك، هذا إكراه . حِكمةُ أنَّ الله عزّ وجل جعلَ النبي ضعيفاً, كي يؤمنَ به المؤمنون لا عن خوفٍ يُضعفَ قيمة إيمانهم, ولا عن طمعٍ يُضعفُ قيمةَ إيمانهم، آمنوا به بمحضِ اختيارهم, دونِ إغراءٍ أو ضغطٍ . قال: ليسَ للقلبِ أنفع في معاملته للناس من اللطف، يعني الإنسان باللطف يملك القلوب, هذا التوجيه الإلهي: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [سورة فُصّلت الآية: 34] قال: أنتَ باللطفِ تُعامل إما صاحباً أو حبيباً أو عدوّاً، الصاحب تستديم مودته، والغريب تكسب مودته، والعدو تُليّنُ غضبه، شخص لا يعرفك إذا لاطفته كسبته، وشخصٌ يعرفكَ إذا لاطفته دامت مودته لك، وشخصٌ عدوٌّ لكَ إذا لاطفته خفّت عداوته أو تلاشت . أنت مع إنسان غريب أو قريب أو عدو، الغريب حيادي؛ لا يعرفُكَ, لا يُحبُكَ, لا يُبغِضُكَ, إذا لاطفته ملكتَ قلبه، والذي يعرفُكَ إذا لاطفته استمرت مودته، والعدو خفّت عداوته. الحِكمةُ كلُّ الحِكمةِ أن تكونَ ودوداً مع الناس, ورأسُ العقلِ بعدَ الإيمان بالله التوددُ إلى الناس . ((بُعثتُ بمداراة الناس)) أيضاً: يعني لو استعرضنا الأحاديث الشريفة التي تدعو إلى أن تكونَ مع الناسِ رحيماً. عَنْ عبد الله بْنِ الزُّبَيْرِ (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) قَالَ: مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلا فِي أَخْلاقِ النَّاسِ, وَقَالَ عبد الله بْنُ بَرَّادٍ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ, حَدَّثَنَا هِشَامٌ, عَنْ أَبِيهِ, عَنْ عبد الله بْنِ الزُّبَيْرِ, قَالَ: أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلاقِ النَّاسِ, أَوْ كَمَا قَالَ. 4-مراقبة الحق سبحانه وتعالى : الآن: من لوازم السكينة: مراقبة الحق سبحانه وتعالى، في ثلاثة بثلاثة: النور والروح والقوة, بالنور ترى, وبالروح تأنس, وبالقوة تقهر عدوكَ الشيطان, والسكينة: محاسبة النفس وملاطفة الخلق ومراقبة الحق، هي ثلاثة: أنت والناس والله عزّ وجل, مع نفسك بالمحاسبة, ومع الناس بالمدارة, ومع الله بالمراقبة . لذلك: اعبد الله كأنكَ تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك . والإنسان يجب أن يستحي من الله حقَّ الحياء، قيلَ: وما حقَّ الحياء؟ قال: أن تحفظَ الرأسَ وما وعى, والبطنَ وما حوى, وأن تذكر الموتَ والبِلى. هذا الرأس حوى العينين, حوى الأذنين, حوى اللسان, حوى الدماغ, أن تحفظَ الرأسَ وما وعى من المعاصي والآثام، وأن تحفظَ البطنَ وما حوى من أكلِ المال الحرام، وأن تذكرَ الموتَ والبِلى . الحقيقة: السكينة كما قلنا في مطلع هذا الدرس من ثمرات الإيمان، السكينة من المواهب لا من المكاسب، السكينة وردت في مواطن الاضطراب والشِدّة, يعني في الأزمات, في اضطراب القلب, في المِحن, في النوازل, تأتي السكينة, لتكونَ برداً وسلاماً على المؤمن, بلسماً للمصاب . الحقيقة: أحد أسرار أنكَ إذا التقيتَ بمؤمن تأنسُ به وترتاحُ لهذه الجلسة، اسأل الناس إذا التقوا بمؤمن إيمانه كبير يسعدونَ بهذا اللقاء, ما سِرُّ هذه السعادة؟ أنَّ الله سبحانه وتعالى تجلّى على قلبه بالسكينة, فإذا اتصلوا به, أو تعاملوا معه, أو جلسوا إليه, أو صاحبوه, سَرت إليهم هذه السكينة التي في قلبه، لذلك قالوا: الصاحب ساحب, لذلك قالوا: لا تُصاحب إلاّ من ينهضُ بك إلى الله حالك أو يَدُلّكَ على الله مقاله، اجعل صاحبكَ إنساناً ذا عقلٍ راجح, وذا قلبٍ مُفعمٍ بالسكينة, لذلك تسعدُ به، وهذا سِر السعادة بينَ المؤمنين، هذا سِر السرور الذي ينجم عن لِقاء المؤمن بأخيه المؤمن . عَنْ أَبِي إِدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: ((دَخَلْتُ مَسْجِدَ دِمَشْقِ الشَّامِ, فَإِذَا أَنَا بِفَتًى بَرَّاقِ الثَّنَايَا, حَتَّى إِذَا قَضَى صَلاتَهُ, جِئْتُهُ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ, فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ, فَقُلْتُ لَهُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأحِبُّكَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, فَقَالَ: أَاللَّهِ؟ فَقُلْتُ: أَاللَّهِ, فَقَالَ: أَاللَّهِ؟ فَقُلْتُ: أَاللَّهِ, فَأَخَذَ بِحُبْوَةِ رِدَائِي فَجَبَذَنِي إِلَيْهِ, وَقَالَ: أَبْشِرْ, فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ, وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ, وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ, وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ)) نسأل الله سبحانه وتعالى أن يُنزلَ على قلوبنا السكينة فهيَّ من ثمرات الإيمان . اسأل واحد مؤمن, مؤمن حديثاً, تجد في قلبه سعادة عجيبة، يكاد يقول لكَ: ليسَ في الأرض من هو أسعدُ مني، ما السر؟ السِر لمّا تاب توبة نصوح, أنزلَ الله على قلبه السكينة . قد تجد إنساناً فقيراً, مرتبته الاجتماعية في الدرجة السفلى، قد يكون حاجباً, قد يكون إنساناً ضعيفاً فقيراً لا شأنَ له، مغموراً لا أحد يعرفه، بيته صغير، زوجته من الدرجة الخامسة مثلاً، دخله قليل، فإذا تجلّى الله على قلبه بالسكينة, كانَ أسعدَ من ملوك الأرض، هذا الذي قالَ عنه البسطامي أبو يزيد: واللهِ لو يعلمُ الملوك ما نحن عليه, لقاتلونا عليها بالسيوف, هذه السكينة . هذا الذي قاله بعض علماء النفس: إنَّ الله يُعطي الصِحةَ والذكاءَ والمالَ والجمالَ للكثيرينَ من خلقه, ولكنه يُعطي السكينة بِقَدرٍ لأصفيائه المؤمنين " قد يكون الإنسان جميلاً لكنه شقيّ، قد يكون ذكياً لكنه مُنحط، قد يكون قوياً لكنه لئيم، قد يكون صحيح الجسم لكنه مريض النفس، يعطي الصحة والمالَ والذكاءَ والجمال للكثيرينَ من خلقه، ولكنه يُعطي السكينةَ بِقَدرٍ لأصفيائه المؤمنين, تكادُ تكون السكينةُ هي أكبر ثمرات الإيمان هي السعادة . وردني سؤال يقول: هل يجوز إغماض العينين في الصلاة عِلماً إما لخشوعٍ أو لتمعّنٍ في كلمات الله؟. الحقيقة: المُصلي كما في السُنّة, ينظر إلى موضع سجوده، وحِكمةُ أن يكونَ عيناه مفتوحتان, يعني في عهد النبي عليه الصلاة والسلام, في كان البلاد صحراء, وفيها عقارب وأفاع, فالإنسان لِئلا يكونَ مضطرباً أو قلقاً, إذا فتحَ عينه يطمئنُّ أكثر، أما إذا أعانه إغماضُ عينيه على الخشوع فالإغماضُ أولى . لو دخل مسجد كهذا المسجد, وتأمل في هذه الزخارف في أثناء الصلاة, ربما كانت صلاته في هذا المسجد مع إغماض العينين أولى، فإغماض العينين إذا أعانَ على الخشوع مشروع, أما إذا أغمضت عينيك فأصحبتَ مضطرباً, مكان لستَ مطمئناً له، مكان خطر مثلاً في بريّة تصلي, لعل تمر أفعى أو عقرب أو شيء, لا, افتح عينيك لِئلا تقلق، أما إذا أغمضتَ عينيك, وأعانكَ إغماضُ عينيك على الخشوع, فالإغماض مشروع، العِبرةُ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 1-2] والخشوع في الصلاة من فرائض الصلاة لا من فضائلها، فأيُّ شيء أعانكَ على الخشوع ينبغي أن تفعله، لو أنت أمام شيء غريب, تتأمله في أثناء الصلاة, بَعُدتَ عن الصلاة, إذاً: أغمض عينيك . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#16 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الصدقالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السادس العاشر ) منزلة الصدق : أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس السادس عشر من مدارج السالكين ، منزلة اليوم : منزلة الصِدق . وإذا تحدثنا عن الصِدق كمنزلةٍ من مدارج السالكين , فيجب أن يخطرَ في بالكم عن هذه الكلمة كلُّ شيء , إلا ما يفهمهُ عامّةُ الناس , من أنَّ فُلاناً صادق إذا تكلّمَ وفقَ الواقع . كلمة الصدق في القرآن الكريم أكبر بكثير , من أن يأتي كلامكَ مُطابِقاً للواقع , وبعدَ حين إن شاء الله سوف يتضح هذا المعنى جليّاً من خلال بعض الآيات والأحاديث . الآيات التي تتحدث عن الصدق : على كُلٍ ؛ لنستعرض الآيات الكريمة التي وردت فيها كلمة الصِدق . كلمة الصدق لا أُبالغ إذا قُلت : إنَّ كلَّ الدرجات العُلى التي ينالُها المؤمن إنما بسببِ صِدقه . لا أقول : أن يكونَ صادقاً في حديثه , بل لهذه الكلمة معنىً أكبر بكثير . الآية الأولى : كونوا مع الصادقين . أول آية من آيات هذا الدرس , وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 119] أطيعوا الله , اتقوا الله ، وربما أراد الله عزّ وجل أن يُبيّن لنا من أجل أن تطيعوه, كونوا مع الصادقين، كأنَّ أثرَ المجتمع الذي حولك، أثرُ البيئةِ التي حولك والأصدقاء، أثرَ الأقرباء والمعارف والجيران لها تأثير، اتقوا الله, ومن أجل أن تستطيعوا أن تتقوه, كونوا مع الصادقين, لا بدَّ من أن تكونَ مع صادقٍ, هذا المعنى الأول . يبدو أنَّ الصادق يُعطيكَ من خِبرته وعِلمه، يعطيكَ من حالِه وقاله، يعطيكَ من أخلاقه، فلا بدَّ أن ترى الدينَ مُجسّداً في شخص . الدين كأفكار، كأخبار، كمعلومات, لا يفعلُ في الإنسان فِعلَ المثل الأعلى، المعلومات والأخبار والآثار لا تحمل على السلوك القويم, كما لو رأيتَ بأُمِ عينيكَ إنساناً تعيشُ معه, تمثّلَ هذا الدين, موقفٌ واحدٌ أخلاقي يقفه مؤمن, له تأثيرٌ كبيرٌ جداً في نفسِ المُتعلّم, لذلك: لو أنَّ بالإمكان أن يجريَ التعليم على مستوى الدول العالمية دون معلّم, عن طريق الكتاب, لوفرّنا ألوف ألوف الملايين, ولكن لا بدَّ من المُعلّم. الإنسان يقول لكَ: أنا مؤمن, وله بيئةٌ سيئة، له أصدقاءُ سوء، له قُرناءُ سوء، له جيرانُ سوء، يقيمُ معهم, وينسجمُ معهم, ويندمج معهم, ويسهرُ معهم, ويُمضي ساعاتٍ طويلة معهم, وهو مُستمتع معهم, وهو مؤمن, هذا مستحيل, لا بدَّ من حِميّة، لا بدَّ من أن تُجري تبديلاً جذريّاً في علاقاتكَ الاجتماعية . ((لا تُصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامكَ إلا تقي)) لكَ أن تُقيمَ علاقة عمل مع أيّ إنسان في حدود العمل، تُقدم له ما عندك, يعطيك الثمن بكلامٍ طيب، بسلامٍ، بوداعٍ، بترحيبٍ، بطلاقةِ وجهٍ، أمّا أن تُقيمَ علاقةً حميمةً مع إنسانٍ بعيدٍ عن الله عزّ وجل, ليسَ هذا من الإيمان في شيء, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآَخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ [سورة الممتحنة الآية: 13] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [سورة المائدة الآية: 51] الآية الأولى : ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين﴾ كُن معهم لتأخذ عنهم, لتأخذَ من عِلمهم, من آدابهم, لتأخذَ من أحوالهم, من ورعهم, لتأخذَ من أخلاقهم, من مُثلهم, كُن معهم، راقِبهم، اسألهم، استفتهم، حاوِرهم: ﴿وكونوا مع الصادقين﴾ لذلك: ((يدُ الله مع الجماعة, ومن شذَّ شذَّ في النار)) ((عليكم بالجماعة, وإيّاكم والفُرقة, فإنَّ الشيطانَ مع الواحد, وهوَ من الاثنين أبعد, وإنما يأكلُ الذئبُ من الغنم القاصية)) مرتبة الصديقين هي المرتبة الأولى من مرتبة النبوة . وقال تعالى : ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾ [سورة النساء الآية: 69] الصديقين : المرتبة الأولى التي تلي مرتبة النبوة ، قال تعالى : ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآَيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [سورة المائدة الآية: 75] أبو بكر الصديق, المرتبة الأولى التي تلي مرتبة النبوة مرتبة الصديّقيّة، نرجو الله عزّ وجل أن يجعلنا من الصادقين . ﴿وحسنَ أولئكَ رفيقاً﴾ أن تكونَ مع الصادقين, خالق الكون يقول لك: ﴿وحَسُنَ أولئكَ رفيقاً﴾ هذا هوَ الرفيق الذي يجب أن تَعضَّ عليه بالنواجذ، هذا الرفيق الذي ينبغي أن تُلازمه: ﴿وحَسُنَ أولئكَ رفيقاً﴾ إنَّ الأثرَ الذي يحدث من خلال تعامل الأخوة المؤمنين أثرٌ بليغٌ جداً، يعني أخ يتعلّم من أخ الصدق، من أخ آخر الورع، من أخ ثالث الزُهد، من أخ رابع الاستقامة, فإذا مجتمعك مجتمع مؤمن، علاقاتك، نُزهاتك، مجالسك، سهراتك، ندواتك، في أفراحك، دائماً كُن مع المؤمنين . الآية الثانية : فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم . آيةٌ ثانية من آيات الصِدق، الله سبحانه وتعالى خالق الكون يُخبرنا: أننا إذا كُنا صادقين فهوَ خيرٌ لنا، يقول الله عزّ وجل: ﴿طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ﴾ [سورة محمد الآية: 21] الخيرُ كله في الصِدق, والسوءُ كله في الكذب، فلو صَدقوا الله لكانَ خيراً لهم . هل تصدّقون : أنَّ أركانَ الإيمان ، وأركانَ الإسلامِ ، بمجموعها أساسها الصِدقُ ؟ إليكم الدليل قال تعالى : ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 177] ﴿آمنَ بالله واليوم الآخر والملائكةِ والكتاب والنبيينَ﴾ هذه أركانُ الإيمان . ﴿وآتى المالَ على حبه ذوي القربى و اليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلينَ وفي الرِقاب وأقامَ الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساءِ والضرّاءِ وحينَ البأسِ﴾ أركان الإسلام مع الأخلاق هي : أركان الإسلام , وأركان الإيمان , والأخلاقيات ، والتعامليات . ﴿أولئكَ الذينَ صَدقوا﴾ لأنهم صَدقوا آمنوا, لأنهم صدقوا أسلموا, لأنهم صدقوا تَخلّقوا بأخلاق الإسلام. معنى الصدق . كلمة صِدق تأخذُ معنىً آخر غيرَ المعنى الذي يتبادر إلى أذهان الناس . فُلان صادق ؛ يعني يتكلّم الصدق , صادِقٌ في طلبه : إمّا أن يُطابِقَ الواقِعُ الخبر، وإمّا أن يكونَ كلامُكَ مطابقاً للواقع , فأنتَ صادقٌ في لسانك . وإمّا أن يأتيَ عملكَ مُصدّقاً لقولك , هذا صِدقُ السعيِ . الشيء الخطير أنه : إذا لم يكن الإنسان صادقاً , فلا بدَّ من أن يكونَ كاذباً , كيف ؟ قال تعالى : ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 24] من هو َالمُنافق ؟ الإنسان الكذّاب : يقول ما لا يؤمن ، يُعبّرُ عما ليسَ في نفسه ، يتزيّنُ بما ليسَ في قلبه ، يُظهر ما لا يُبطن , يُعلن ما لا يُخفي ، دائماً بحياته في ازدواجية ، له مواقف مُعلنة ومواقف مُبطّنة ، له علانية مقبولة وله سريرة ممقوتة ، له كلامٌ لينٌ لطيف , وله قلبٌ قاسٍ حقود حسود ، والكذبُ والنِفاقُ متطابقان تماماً . أيها الأخوة الأكارم ؛ الإيمانُ أساسه الصِدق , والنِفاقُ أساسه الكذب ، مُنافق يعني كذّاب ، مؤمن يعني صادق , صادق مع نفسه , وصادق مع ربه , وصادق مع الناس . أحياناً الإنسان في انسجام داخلي فيما بينه وبينَ نفسه, هذا الانسجام الداخلي معناه : أنه صادقُ مع نفسه ، وأحياناً فيما بينه وبينَ اللهِ العلاقة عامِرة . نقول : صادقٌ مع ربه ، فإذا عامل الناسَ باستقامةٍ فهو صادقٌ مع الناس , العبدُ لا ينفعه يوم القيامة , ولا يُنجيه من عذاب النار إلا أن يكونَ صادقاً , قال تعالى : ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [سورة المائدة الآية: 119] الحقيقة الأولى : هناك كما يقول بعضُ العُلماء : صِدقٌ في اللسان , وصِدقٌ في العمل , وصِدقٌ في الحال . صادِقُ اللسان يأتي كلامه مُطابِقاً للواقع ، صادق العمل يأتي فِعلهُ مطابقاً للسانه ، صادِقُ الحال يأتي لسانه مطابقاٌ لِما في قلبه , وما في قلبه لِما في لسانه . يعني: لا بد من أن تكون صادق اللسان والحال والقلب والعمل ، صادقَ اللسانِ , وصادقَ الجوارح , وصادقَ القلب . الحقيقة الثانية : الصِدق ينتهي بكَ إلى مرتبة الصدّيقيّة , والدليل : عَنْ عبد الله رَضِي اللَّهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ((إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ, وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ, وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا, وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ, وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ, وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا)) إذا إنسان صادق في فِعل الخيرات, الله عزَّ وجل يتولى هِدايته إلى الخير، إذا الإنسان صادق في هداية الخلق, الله عزَّ وجل يتولى إلهامه بالطريقَ المُناسب, والأسلوب المناسب, والعبارة المناسبة, والفِكرة المناسبة, والموقف المناسب. صادِقٌ في تزويج ابنتك من مؤمن, يهديكَ الله إلى الشاب المؤمن، صادقٌ في إصلاحِ زوجتك, يهديكَ الله إلى الأسلوب المناسب لإصلاحِها, اللهُ الهادي, أنتَ عبدُ الهادي ولستَ هادياً, فإذا صدقتَ مع الله هداكَ الله, صادقٌ في تأسيس عملٍ حلالٍ, يُغنيكَ عن سؤال الناس, الله يهديك، صادقٌ في أن تلتقي برجلٍ من أهل الحق, الله يهديكَ إليه, إذا كنتَ صادقاً في معرفة الحقيقة, لا بدَّ من أن تَصِلَ إليها، إذا كنتَ صادقاً في أن تلتقي بأهل الحق, لا بدَّ من أن تلتقي بهم, لأنَ الله يهديك عندئذٍ، هذا معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 69] أنا حينما أشعر أنَّ الإنسان صادقٌ في طلبِ الحقيقة, واللهِ أشعر أنَّ كلَّ خليةٍ في جسمي تنطق له: أبشر, لا بدَّ من أن تعرف الحقيقة المُطلقة، صادقٌ في أن ترى أهلَ الحق, أبشر, لا بدَّ من أن تلتقي بهم، صادقٌ في أن تهدي الناسَ إلى الله, لا بدَّ من أن يضعكَ الله في هذا المقام، لكنَّ الله عزّ وجل لا يتعاملُ أبداً مع التمنيات, ولا يتعامل أبداً مع الرغبات غير الصادقة, لذلك في عقبات، العقبات لإثبات الصِدق . فإذا إنسان صادق في حفر بئر مثلاً, يحفر متر, مترين, خمسة، خمسة عشر، لم يجد مياه، 20، 30، يقول لك: حفرت 80 متراً, ودفعت 300 ألف, معناها صادق في البحث عن الماء. في شخص ليس مهتم بالأرض, ولا يُعلّقُ عليها كبيرُ أهميّة, نصحوهُ أن يحفرَ بئراً خمسة أمتار, بعيدة المياه: أخلق بذي الصبرِ أن يحظى بحاجته ومُدمن القرعِ للأبواب أن يَلِجَا النملة تُعلمنا الصِدق, تصعد وتقع مرات عديدة, يعني على الأخ أن يعرف الحقيقة ، أنتَ في تعاملكَ مع الله, لا بدَّ من أن يظهرَ صِدقك، قد تشعر بوحشة, بانقباض, بضيق, قد يَقِلُ دخلك, ويتكاثر الناسُ ضِدك, قد تواجه عقبات ومعارضات وتآمرات, قد تواجه خصوماً وحُسّاداً, قد تواجه ضغوطاً من داخل البيت, ومن حولك, من جيرانك, من زملائك, ماذا تفعل؟ لا زِلتَ مُصِرّاً على طلب الحق . لماذا الابتلاء ؟ ربنا عزّ وجل لا بدَّ من أن يمتحنَ المؤمنين , ولو أنَّ فيهم رسول الله ، في غزوة الخندق : ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 11] أين وعود رسول الله؛ تُفتحُ عليكم بلاد قيصر وكسرى؟ . أنتَ يا سراقة تضع تاج كسرى على رأسك؟ . قال له : ((يا عديّ بن حاتم, لعله إنما يمنعكَ من دخولٍ في هذا الدين, ما ترى من حاجتهم, وايمُ الله! ليوشكنَّ المال أن يفيضَ فيهم حتى لا يوجد من يأخذهُ، ولعلكَ يا عديَّ بن حاتم, إنما يمنعكَ من دخول هذا الدين ما ترى من كثرةِ عدوّهم, وايمُ الله! ليوشكّنَّ أن تسمعَ بالمرأة البابلية تَحُجُ هذا البيتَ على بعيرها لا تخاف، ولعله إنما يمنعكَ من دخول في هذا الدين, أنكَ ترى أنَّ المُلكَ والسُلطانَ في غيرهم, وايمُ الله! ليوشكّنَّ أن ترى القصورَ البابليّةَ مُفتحةً للمسلمين)) قبائل متناحرة متباغضة في الجزيرة, شظف العيش, وخشونة العيش والحروب, وهؤلاء الضِعاف المتخلّفون في مقياس العصر, هؤلاء سيفتحون بلاد قيصر وكِسرى, دولة من الدول المتخلّفة جداً, الآن نقول لها: أنتِ ستنتصرين على دول الشرق والغرب, مستحيل . ﴿هُنالكَ ابتليَّ المؤمنون﴾ جاء الأحزاب, ما اجتمعَ في الجزيرة جيشٌ, يعدُ عشرة آلاف مُقاتل, اجتمعوا جميعاً, لا على محاربة المسلمين, لا, يا ليت ذلك, لا على غزوهم في عُقرِ دارهم، على استئصالهم من جذورهم, على إبادتهم, ليست حرب الخندق حرباً تقليدية، حرب إبادة، حرب استئصال، واليهود الذين عاهدوا رسول الله, نقضوا عهدهم كعادتهم, كُشِفَ ظهره: ﴿هنالكَ ابتليَ المؤمنون وزُلزِلوا زلزالاً شديداً﴾ الإسلام بقي ساعات, ساعات انتهى كله, إلى أن قالَ أحدهم: أيعُدنا صاحبكم أن تُفتحَ علينا بلادُ قيصر وكِسرى , وأحدُنا لا يأمن أن يقضي حاجته ؟!! ﴿هنالكَ ابتليَ المؤمنون وزُلزِلوا زلزالاً شديداً﴾ هذا يسمونه حديثاً: الفرز، الفرز العلمي, عندك صف مثلاً: كلهم وجوه مُقبلة ونشيطة, لكن أجريت امتحان, انفرزوا, 30 واحد راسب، 12 ناجحين، 2 متفوقين، واحد أولي, فربنا عزّ وجل دائماً يُجري امتحانات, امتحانات مُفاجئة . أنت مُطمئن, أنت مؤمن مرتاح، مؤمن ولكَ مكان بالجنة, حجزته من الآن, والناس كلهم لا يفهمون فقط, أنتَ تفهم, فيضعك ربنا بظرف صعب, فإذا أنت لست مؤمناً، بل مشرك خائف, تقع بالحرام وأنتَ لا تدري: ﴿هنالكَ ابتليَ المؤمنون وزُلزِلوا زلزالاً شديداً﴾ ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 12] يقول المنافقون : وعدنا بملك قيصر وكِسرى , وما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً , أما : ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 23] هذا المؤمن، عاهدت خالق الكون في السرّاء والضرّاء، في الصحة والمرض، في إقبال الدنيا وفي إدبارها، قبلَ الزواج وبعدَ الزواج, في البحبوحة وفي الضيق، في انقباض النفس وفي طلاقة النفس، القلب له أحوال, تمر ساعات كأنكَ طائر من الفرح مسرور, الله عزّ وجل تجلّى عليك، يمر حين آخر يحجُبُ عنكَ هذا الحال الطيب, تُحس بوحشة؛ انقباض، بسأم، بضجر، بملل، وأنتَ أنت . هم الأحبة إن جاروا وإن عَدلوا فليسَ لي عنهم معدِلٌ وإن هم عدلوا واللهِ وإن فتتوا في حُبـهم كبدي باقٍ على حُبــهم راضٍ بما فعلوا هل هذا حالُكَ مع الله ؟ يا ربي أنا راضٍ , لكن دائماً كُن محتاطاً ، قُل له كما قالَ النبي الكريم : لكنَّ عافيتكَ أوسعُ لي . لا تكن مُعتداً بنفسك, يا ربي امتحن، يا ربي أنا راضٍ بما تفعله، أنا راضٍ بحكمك، أنا راضٍ بقضائك، راضٍ بنصيبي من أيِّ شيء، راضٍ بهذه الزوجة, وبهذا العمل, وراضٍ بهذا البيت, وبهؤلاء الأولاد, أنا راضٍ, لكنَّ عافيتكَ أوسعُ لي يا رب: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ إنسان على الفقر مستقيم، على الغِنى لا نعرف, هو بِمنصب متواضع جداً مَلك، وضعوه مديراً عاماً بعد عنك، قبل الزواج رائع, بعد الزواج امتنع عن حضور مجالس العلم، قالت له زوجته: أليسَ يكفيك ما استمعت؟ نحن لا نريد أن نُمتحن امتحاناً ونسقط, يعني هذه الآية, يجب أن تبقى في أذهانكم: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ قال: ((إنَّ الصِدقَ يهدي إلى البِر, وإنَّ البِرَّ يهدي إلى الجنة, وإنَّ الرجلَ لَيصدُقُ حتى يُكتبَ عِندَ الله صديّقاً، وإنَّ الكذبَ يهدي إلى الفجور, وإنَّ الفجورَ يهدي إلى النار, وإنَّ الرجلَ لَيكذِبُ حتى يُكتبَ عِندَ اللهِ كذّاباً)) الآية الثالثة : وقل رب أدخلني مدخل صدق ........ يوجد عندنا آية دقيقة جداً وخطيرة , يقول الله عزّ وجل : ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 80] ما معنى أدخلني مُدخلَ صِدق ؟ دخلنا على التجارة، دخلنا على الجامعة، سافرنا، دخلنا على الزواج، دخَلَ الشيء أصبحَ في داخلهِ . قالَ العلماء معنى : ﴿أدخلني مُدخلَ صِدق﴾ أن يكونَ هذا الدخولُ إلى هذا الشيء لله, أبتغي به وجه الله, وبالله, أستعينُ بالله, وبأمر الله, أُنفذُ أمره فيه, وأبتغي مرضاة الله, للهِ, وباللهِ, وبأمرِ الله, وابتغاء مرضاة الله. يجب أن يكونَ زواجكَ هكذا؛ أن تختارَ المرأة الصالحة، وأن تُعاملها كما أمرَ الله، وأن تبتغي من هذا الزواج مرضاة الله عزّ وجل, أسست معملاً، أسست دكاناً، أسست تجارة، تعينت بوظيفة، سافرت بعثة, يعني أيُّ عملٍ تعملهُ , يجبُ أن يكونَ لله, وبالله, وبأمر الله, وابتغاءَ مرضاة الله, هذا معنى : ﴿أدخلني مُدخلَ صِدق﴾ ما معنى وأخرجني مُخرجَ صِدقٍ ؟ أما المُشكلة الخطيرة : أن ربُنا قال : ﴿وأخرجني مُخرجَ صِدقٍ﴾ تجد هذا الإنسان أقدمَ على هذا العمل, يبتغي وجه الله, وباللهِ, وبأمرِ اللهِ, وابتغاء مرضاة الله، حينما أصبحَ في داخله, وعلا شأنهُ, أو كَثُرَ ماله, أو اتسعت تجارتهُ, فخرجَ كاذباً، دخلَ صادقاً فخرجَ كاذباً, هُنا المُشكلة, فالبطولة: لا في الدخول, في الخروج, البطولة كلُ البطولة: في أن تخرج لا في أن تدخل, الدخول سهل، مثل الحرب دخولها سهل جداً, أبسطُ شيء أن تدخلَ الحرب, لكنَّ أصعبَ شيء أن تخرُجَ منها، قد تخرجَ منها مُدمّراً . القصة تعرفونها, وأقولها لكم دائماً: سيدنا معاوية رضي الله عنه, كانَ يتحادثُ مع عمرو بن العاص, وكان من دُهاة العرب, قال: يا عمرو, ما بلغ من دهائك؟ قالَ: واللهِ ما دخلتُ مُدخلاً إلا أحسنتُ الخروجَ منه, قال: يا عمرو, لستَ بداهية, أمّا أنا واللهِ ما دخلتُ مُدخلاً أحتاجُ أن أخرُجَ منهُ . أقول لكم: الدخول سهل أما الخروج ليسَ بسهل، تجد إنساناً, كان فاسقاً تاب, والتحق بجماعة دينية, أول شهر شهرين يغلي غلياناً، يتّقدُ اتقاداً، يمشي فوقَ الأرض من شِدة الفرح، بعد فترة تجد انطفأ هذا اللهب, وخبا هذا البريق، واتبعَ هواه وانتكث, نحنُ نريد الثبات، نريد الاستمرار . يقول عليه الصلاة والسلام : (( سَدِّدُوا, وَقَارِبُوا, وَاعْلَمُوا, أَنْ لَنْ يُدْخِلَ أَحَدَكُمْ عَمَلُهُ الْجَنَّةَ, وَأَنَّ أَحَبَّ الأعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ )) احرص على أن تثبت في كلِّ شيء, في الدفع: اجمع واطرح وقسّم واضرب, قل: أنا أتخلى من دخلي عن مائة ليرة في الشهر، هذه المائة ليرة كل شهر على مدى سنتين, ثلاثة, أربعة, خمسة, أفضل مليون مرة من خمسة آلاف مرة واحدة فقط, وبعدها تندم على عدم دفعك, لَزِمتَ مجلسَ عِلم اثبت، تأتي أنتَ ابتغاء مرضاة الله، أنتَ تأتي لتزورَ بيتَ الله, لا بدَ من أن يُكرمكَ الله بعلمٍ, بحكمةٍ, بتوفيقٍ في عملك, بطلاقةٍ في لسانك, باتزانٍ في تصرفاتك, ببركةٍ في مالك, في أهلك, في أولادك, أنتَ في ذِمة الله, الإنسان لا يؤثر الدنيا على الآخرة . من آثرَ دُنياه على أخرته خَسِرَهُما معاً, ومن آثرَ أخرته على دُنياه رَبِحَهُما معاً . فهذه الآية خطيرة جداً: ﴿ربي أدخلني مُدخلَ صِدقٍ وأخرجني مُخرجَ صِدقٍ واجعل لي من لَدُنكَ سُلطاناً نصيراً﴾ الآية الرابعة : واجعل لي لسان صدق ........ يوجد عندنا شيء آخر سيدنا إبراهيم قال : ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ﴾ [سورة الشعراء الآية: 84] يوجد عندنا مُدخل صدق, وعندنّا مُخرج صدق، دخلنا على تجارة استقامة, شركاء حلفوا على كتاب الله؛ لا رِبا، لا فائدة، لا بِضاعة مُحرّمة، لا كذب، لا غش, شيء جميل, اتسعت هذه التجارة, ونمت, وصار لها فروع, سافروا ودخلوا على فنادق فخمة، دخلوا على متنزهات, على ملاهٍ، دخلوا بصدق لكن ما خرجوا بصدق، تعاملوا مع الفوائد واختلف وضعهم كليّاً . فنحن في مُدخل صدق وفي مُخرج صدق؛ في التجارة, وفي السفر, والزواج, وفي العلم، طالب العلم متواضع معك؛ ليسانس، دكتوراه، لا مانع، لكن بعد ما أصبحت بهذا اللقب, أصبحتَ إنساناً آخر, أصبحتَ تزدري أُمتكَ الإسلامية، أصبحتَ ترى أنَّ الدين لا يصلحُ لهذا العصر, هذا دخل . أخي أنا أريد أن أُسافر, وأن أدرس, حتى أُصبح دعماً للإسلام, باركَ الله فيكَ, مُدخل صدق, لكن عُدتَ إنساناً آخر، عُدتَ إنساناً ترى أن الدين لا جدوى منه, وأنَّ هذه الأمة متخلّفة جداً، هؤلاء هم الأشخاص الراقون، يُمضي سنوات, وهو يُثني عليهم, ونسي الإيدز, ونسي تبادل الزوجات, ونسي زِنا المحارم, ونسي هذا السقوط المُريع الأخلاقي والاجتماعي, لكن انبهر بجسر, ببناء شامخ, بحديقة, بمواصلات منتظمة, باتصالات, بسيارات فخمة, فعاد إنساناً آخر, هذا دخل مُدخل صدق, ذهب لأخذ الدكتوراه, حتى يكون دعماً للمسلمين, فعاد ضِدَ المسلمين، هذا دخلَ مُدخلَ صِدقٍ, ولم يخرج مُخرجَ صِدقٍ . يا أخوان, البطولة لا في الدخول, في الخروج, البطولة في الثبات، هذه الفورات لا تفرح بها . يعني: مرة طالب عِلم التقى بعالم, الطالب مندفع, أحوال وبكاء, قال له: يا بني, الله يُثبتّك، فقد رأى مثيلاً له من قبل, فورات كثيرة ثم همود وهدوء, قال له: الله يُثبّتكَ يا بني, وفعلاً البطولة في الثبات, في أن تبدأ بسرعةٍ مستمرة, أو بتسارع، ثمَّ تباطؤ, هذا شيء ليسَ في مصلحة المؤمن . عندنا مُدخل صدق واضح, لله, وبالله, وبأمر الله, وابتغاء مرضاة الله، تجارته, وزواجه, وشهاداته, ومعمله, ونظرته, وحركاته, وسكناته . ولِسان صدق: يا ترى هذا اللسان؛ يتكلّم عن الحقيقة أم عن الكذب؟ عن الحق أم عن الباطل؟ عن الآخرةِ أم عن الدنيا؟ عن القيم أم عن الشهوات؟ عما يُرضي الله أم عما يُرضي الشيطان؟ . أيام تجد الإنسان مُسخّراً لخدمة الشيطان، إذا تحدث عن الدنيا زيّنها للناس, زهّدهم في الآخرة, حببهم في الدنيا, روّجَ لهم المعاصي, يسّرَ عليهم الذنوب, شجعهم على ارتكاب الموبقات, دفعهم إلى الانغماس في الشهوات, هذا لسان كذب، يا ترى: هل لكَ لسان صدقٍ أم لسان كذب؟ . أُرسل ابني إلى بريطانيا ليدرس اللغة؟ نعم أرسله, ضروري جداً, أنت تعرف ماذا هناك؟ سيقيم مع أسرة, وأغلب الظن سيصبح زنا, وسيصبح انحراف, وسيعود إنساناً آخر, أتقن اللغة الإنكليزية, لكن فقدَ دينه كليّاً, أرسله مباشرةً، مثلاً: ابنتي جاءها فُلان لكن لا يُصلي , غير مهم, لسان كذب؛ ينصحكَ بالانحراف, وبالسقوط, وبالانغماس بالدنيا، ربنا عزّ وجل على لسان سيدنا إبراهيم قال: ﴿واجعل لي لسانَ صِدقٍ في الآخرين﴾ . الآية الخامسة : وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق ........ الآن : ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ﴾ [سورة يونس الآية: 2] يوجد عندنا : مُدخل صدق ، مُخرج صدق ، لسان صدق ، وقدم صدق : ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [سورة القمر الآية: 54-55] أصبح عندنا خمسة أشياء : مُدخل صدق ، مُخرج صدق ، لسان صدق ، قدم صدق ، مقعد صدق , مقعد الصدق هو الجنة . ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [سورة القمر الآية: 54-55] أحياناً من باب التقريب: يكون المهندس متفوقاً جداً, قدّم لأمته خدمة كبيرة جداً, اكتشف مثلاً ثروة معدنية، رئيس الجمهورية أحب أن يُكرمهُ, وضعه بجانبه، كلُّ الوزراء شاهدوه أمامهم؛ معززاً ومكرّماً ومبجّلاً, يلتف نحوه, ويبتسم بوجهه, ويحييه باحترام بالغ, فهذا مقعد صدق عِندَ هذا الإنسان الحاكم -ولله المثلُ الأعلى- أنت مؤمن, لكَ في الجنةِ مقعدُ صدق، لكَ مكانتكَ عندَ الله، لكَ منزلتك، لكَ شأنك، الله عزّ وجل وفي، الله عزّ وجل كريم، شكور، هو الشكور . فأنت في الدنيا خائف, منطلق إلى بيت الله، منطلق إلى تعلّم العلم، تغضُ بصركَ عن محارم الله، تٌعاكس أهواءك وميولك، تُنفق من مالك, من وقتك, وبالآخرة: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [سورة القمر الآية: 54-55] ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [سورة الصافات الآية: 61] ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 26] هذا هو التنافس الشريف، التنافس في طلب الجنة، التنافس في رِضوان الله عزّ وجل ، التنافس في طاعة الله، هذا هو التنافس الذي يُحبه الله عز وجل, أما قدمُ الصِدق: فَفُسرَ بالجنة, وفُسّرَ بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم, وفُسّرَ بالأعمال الصالحة . علاقة الحق مع الصدق . الحقيقة : كلمة الحق تلتقي مع الصدق ، ما الحق ؟ نقول : ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [سورة الحجر الآية: 85] الحق: الشيء الثابت الهادف, خُلِقَ ليبقى, وعرفنا هذا المعنى من أضداد الحق, قال عزّ وجل: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ ﴾ [سورة ص الآية: 26] خلقناهما بالحق وما خلقناهما باطلاً؛ الباطل: الشيء الزائل, الحق: الشيء الثابت, خلقنا السموات والأرض بالحق: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 16] معناها: الحق خِلاف الباطل، والحق خِلاف اللعب، اللعب هو: أن تعملَ عملاً لا هدفَ منه، صار معنى الحق الثابت غير الزائل, والهادف غير العابث، الحقُ يلتقي مع الصدق, فالحقُ صدقٌ غير كذب, ودائمٌ غيرُ زائلُ, ونافعٌ غيرُ ضار, نافع ودائم وواقع . الحقيقة : الإنسان إذا كان صادقاً , أول ثمار الصدق : طمأنينة في القلب , قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الترمذي : عَنْ أَبِي الْحَوْرَاءِ السَّعْدِيِّ قَالَ: ((قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: مَا حَفِظْتَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ, فَإِنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ, وَإِنَّ الْكَذِبَ رِيبَةٌ)) [أخرجه الترمذي والنسائي في سننهما] الكذّاب أو المنافق أو الكافر, دائماً في قلق، دائماً في ريب، دائماً في شك . بعضُ الكلمات في الصدق، قال بعضُ العلماء: الصدقُ الوفاءُ للهِ بالعمل، أخطر شيء في حياة المؤمن: أن يكون حجم كلامه أكبر من حجم عمله، إذا كان حجم عملك أكبر أحسن، تعمل بصمت، أكبر دولة إسلامية الآن تعد 150مليون, أسلمت بلا كلام, بالعمل, إندونيسيا، إذا كان حجم عملك أكبر من حجم كلامك أفضل، أما الحد الأدنى أن يكونَ حجمُ عملك كحجم كلامك. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: ((خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأَهْلِهِ, وَأَنَا خَيْرُكُمْ لأَهْلِي)) [أخرجه ابن ماجه في سننه] هذا الحديث ممكن أن تقرأه وتحفظه، وتحفظ ضبطه, ومن رواه، في أي كتاب، تجلس على مجلس تتصدر المجلس, تقول: قال عليه الصلاة والسلام, والناس منصرفون إليك, وتدخل للبيت على شِجار, وعلى كلمات قاسية, كل كلامك ليسَ له قيمة، القيمة فقط فيما تفعله في البيت, لا فيما تقوله عندَ الناس . تعريف الصدق: الوفاء لله بالعمل, الكلامُ كلهُ لا قيمةَ له، الوفاءُ للهِ بالعمل، كانَ في مَهنةِ أهله, هل تفعلُ أنتَ هذا؟ . كان إذا دخلَ إلى بيته بسّاماً ضحّاكاً. قالَ: ((أكرموا النساء, فو الله ما أكرمهنَ إلا كريم, ولا أهانهنَ إلا لئيم, يغلبنَّ كلَّ كريم, ويغلبهنَّ لئيم, وأنا أُحبُ أن أكونَ كريماً مغلوباً, من أن أكونَ لئيماً غالباً)) هل أنتَ كذلك؟ لذلك أتمنى على أخ أن يُدقق فيقول: ما حجم محفوظاتي؟ ما حجم أعمالي؟ إذا في فرق كبير, مشكلة كبيرة جداً، يجب أن يكونَ حجمُ عملك مبدئياً بحجم أقوالك , أنفِقوا: هل تُنفق أنت؟ غضوا أبصاركم: هل تَغُض بصرك؟ كونوا حُلماء: هل أنتَ حليم؟ تسامحوا: تسامح أنت؟ هذه البطولة . أحد تعريفات الصدق: أن يأتي فِعلكَ مُطابقاً لقولك، أول كلمة تحدثتها: أن يأتي فعلكَ مُطابقاً لقولك . وقيلَ: الصِدق: موافقة السِرِّ للنُطقِ, أن يأتي ما في القلب كما في اللسان، واللهِ يا أخي مشتاقون لك, يا أهلاً وسهلاً, أطلت الغياب, عندما يذهب ترتاح, الآن رحبت به, وعبّرت عن محبتك, وشوقكَ له, وعن اهتمامك, هذا كذب هذا, الصدق موافقة السِرِّ للنُطقِ . تعريف ثالث: الصِدقُ استواء السِرِّ والعلانية . في تعاريف أصعب, قال: الصدقُ: القولُ بالحقِّ في مواطن الهالكة, موطن عصيب يمكن أن تُضحي بحريتك أو بحياتك, تقول كلمة الحق ولا تخاف, وعندئذٍ يتولى الله عزّ وجل حِفظكَ وتأييدكَ ونصرك . يروى عن الحجاج, بلغه عن الحسن البصري كلاماً لا يحتمل, فجاء بالنِطع, فالنطع هو قماش يوضع عليه, من تُقطع رقبته حتى الدم, لا يؤثر بالأثاث, وجاء بالسياف, وقال: أحضروه، أحضِروه ليقتله, فلما دخل تمتم الحسن البصري، لمّا دخل على الحجاج, رحّبَ به, وسلَمَ عليه, وأجلسهُ إلى جانبه، هذا السيّاف صُعق, لماذا دعوته يا سيدي؟ لتضرب عُنُقه, ثم طلب منه الدعاء, وودعه إلى الباب . أنا لا أذكر القصة بتفصيلاتها, إلا أنه سأله, ماذا قلت؟ استعان بالله عزّ وجل, فقالوا: الصِدق: القول بالحق في مواطن الهالكة . أيام أنت إذا تكلّمت بالحق, تُنقذ إنساناً من هلاك, في أشخاص يتهيبون, هذا من الصدق، وقيلَ: كلمة الحق عِندَ من تخافهُ وترجوه, إمّا أنه مُعلّق آمالاً كبيرة عليه, فتكلّمَ كلمة غير صحيحة, وبقيت صامت, دعها له, أين الصدق؟ أين النصيحة؟ أينَ الأمر بالمعروف؟ أينَ النهيُ عن المنكر؟ فحينما ترجو إنساناً أو تخافُ منه, صار الكلام دقيقاً جداً معه, لا بدَّ من أن تقول كلاماً يرضى عنه أو ترضيه به, ليسَ هذا هو الصِدق، الصدقُ ألا تخاف في الله لومةَ لائم، ألا تأخذكَ في الله لومة لائم . الجُنيد قال: الصادقُ يتقلّبُ في اليومِ أربعينَ مرة, والمٌرائي يثبُتُ على حالة واحدة أربعينَ سنة . أنا توقعت أن يكون هناك خطأ مطبعي بالعكس, الكاذب يتقلّب في اليوم أربعين مرة, والصادق يثبُتُ على حالة واحدة أربعينَ سنة . المُرائي الشيطان أراحهُ، الشيطان أراح المُرائي, لأنه يُحققُ أهدافَ الشيطان, أما الصادق؛ من صلاة, إلى صدقة, إلى أمر بالمعروف, إلى انقباض, ما السبب؟ إلى زيارة مريض، من حال إلى حال، من منزلة إلى منزلة، من خوف إلى رجاء، من ثقة برضاء الله إلى قلق، من طُمأنينة إلى حُزن، من سعادة إلى شحوب, شِدةُ صِدقه, وشِدةُ حرصه على رِضوان الله عزّ وجل, يجعله في أحوال عديدة جداً, متقلّب تقلّب الصادق . إذا طالب لا يدرس إطلاقاً, كُلما سألوه: الحمد لله جيد, لا يوجد عِنده مُشكلة, لأنه لا يدرس، أما الذي يدرس, هذه النقطة لم يفهمها, يريد أستاذاً، يريد زميلاً، يريد مُلخّصاً، يُريد قرطاساً, يثور وينفعل, هذا الذي نوى على النجاح، أما الذي لا يقرأ لا يوجد عنده مشكلة, العلم كله واضح, معناها لا يقرأ شيئاً أبداً, لو أنه يقرأ, لم يكن كلُ شيء واضحاً، ما دام يقرأ ويحاول أن يفهم, كان كله واضحاً . فالكذّاب المرائي يثبُتُ على حاله أربعينَ عاماً, بينما الصادق يتقلّبُ في اليومِ أربعينَ حالاً, يسأل هذه القطعة, انكسرت معي, فمن يدفع ثمنها؛ أنا أم على الزبون؟ يسألكَ في عمله، بصلاته، بذكره، بورده، بقيام ليله، بغض بصره، بعلاقته مع زوجته, يُتعُبكَ الصادق، خائف على مكانته عِندَ الله، خائف على استقامته، خائف على دينه، يتقلّب, هذه الصلاة أقامها، الذِكر أجاد فيها، قرأ القرآن، حفظ أم لم يحفظ، أما الآخر على حالة واحدة. أحدهم دهس اثنين، مات الأول والثاني لم يمت، الذي مات يصيح, فقال له: مات ولم يتكلّم, لأنه مات, الذي لا مشكل عنده معناها ميت، أمواتٌ غيرُ أحياء، أما الحي له سؤال، له جواب، له قضية، له مشكلة، هكذا قالَ الجُنيد: الصادقُ يتقلّبُ في اليومِ أربعينَ مرة, والمٌرائي يثبُتُ على حالة واحدة أربعينَ سنة . الصِدقُ منزلةٌ هيَ أمُ المنازل، لا أُبالغ إذا قلت: إنَّ المنازلَ كلها أساسها أن تكونَ صادقاً مع الله عزّ وجل، يعني التفت إلى الله, ودع الخلقَ جانباً، عكس الصدق الكذب أو الرياء، والرياء من الشِرك, والحديث الشهير: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: ((خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ نَتَذَاكَرُ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ, فَقَالَ: أَلا أُخْبِرُكُمْ بِمَا هُوَ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ عِنْدِي مِنَ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ؟ قَالَ: قُلْنَا: بَلَى, فَقَالَ: الشِّرْكُ الْخَفِيُّ, أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ يُصَلِّي, فَيُزَيِّنُ صَلاتَهُ لِمَا يَرَى مِنْ نَظَرِ رَجُلٍ)) آخر ما يُقالُ في هذا الدرس : أنَّ الصِدقَ يهدي .. أنت حينما تكون صادقاً مع الله, يتولى الله نقلكَ, من حالٍ إلى حال، ومن مقامٍ إلى مقام، ومن درجة إلى درجة، ومن طريقة إلى طريقة، ومن فهمٍ إلى فهم، هذا التطوير والرُقيّ أساسه الصِدق . اللهم اجعلنا من الصادقين؛ الذينَ إذا أحسنوا استبشروا وإذا أساؤوا استغفروا . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#17 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الحياءالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( السابع العاشر ) منزلة الحياء . أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس السابع عشر من دروس منازل السالكين , في مراتب إيّاكَ نعبد وإيّاكَ نستعين , ومنزلة اليوم منزلة الحياء , هذه المنزلة مُستنبطة من كتاب الله عزّ وجل . الآيات التي تتحدث عن الحياء . الآية الأولى : ألم يعلم بأن الله يرى .... قال تعالى : ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [سورة العلق الآية: 14] أحدنا إذا اكتشفَ أنه حينما فعلَ هذا الفِعل كانَ فُلانٌ يراه، إن كانَ هذا الفِعلُ شنيعاً يذوبُ كما تذوبُ الشمعةُ المُشتعلة، فما بالك إذا كانَ خالِقُ الكون ربُّ العالمين الذي منحكَ الحياة يراكَ في تقلّبك؟ . ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [سورة الشعراء الآية: 213-218] يراكَ في فِراشِكَ، يراكَ في بيتكَ، يراكَ في خلوتك، يراكَ في جلوتك، يراكَ في أثناء بيعك، يراكَ في حديثك . أساسُ الحياء : أنَّ الله يرى , لذلك الآية الأولى في موضوع الحياء : ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ قبل هذه الآية : ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [سورة العلق الآية: 9-14] مواقفك، نصائحك، إرشاداتك, ما تُبطن وما تٌعلن: ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ هذه أول آية . الآية الثانية : إن الله كان عليكم رقيبا .... آية أخرى في الحياء ، هذه الآياتُ وحدها تكفي الإنسان : ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [سورة النساء الآية: 1] أنتَ تحتَ المراقبة, ويا ليتك تشعر حينما تشعر أنكَ تحتَ المراقبة كيف تكون؟ ليتكَ توازن نفسكَ, حينما تشعر أنَّ إنساناً يُراقُبك, وبيده حولٌ وطور, وبإمكانه أن يفعلَ معكَ ما يفعل, إذا شعرتَ أنه يُراقبُك, وأنكَ تحتَ مُراقبته, كيفَ تنضبط؟ كيفَ تستحيي؟ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ يعني إذا قرأت أنَّ هذا الطريق مُراقب بالرادار, هل تُسرع؟ إذا أسرعت, تُلتقطُ صورةٌ لمركبتك, وتُحاسبُ حِساباً عسيراً، إذا دخلتَ إلى مكان للبيع, وقرأتَ أنَّ هذه الصالة مُراقبة تلفزيونياً, كيف تتحرك؟ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ هذه أمثلة للتوضيح ولله المَثلُ الأعلى . يعني: الإنسان إذا كان أمام شخص من أسرته, عالي الشأن, رفيع المقام، أخلاقي، له شأنه في الحياة، إذا دخلَ عليكَ البيت, كيفَ تستقبله: بثياب متبذلة؟ كيفَ تُحدّثه: ترفعُ صوتكَ أمامه؟ تُلقي عليه كلاماً سخيفاً بذيئاً فاحشاً؟ هذا إنسان من لحمٍ ودم من طينتك . الآية الثالثة : يعلم خائنة الأعين .... ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [سورة غافر الآية: 19] لو أنكَ في غُرفتكَ وحدك, وغرفة جيرانك مفتوحة النوافذ, ووقفت امرأة على هذه النافذة, لا يستطيعُ رجلٌ في الأرض أن يُحاسبك, ولا أن يكتشفَ أنكَ تنظرُ إليها، إذا خانت العين ونظرت، من يعلم؟ الله سبحانه وتعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ هذه الآيات ، أما الأحاديث : الأحاديث التي تتحدث عن الحياء . الحديث الأول : الحياء من الإيمان .... أما الأحاديث : في الحديث الصحيح من حديثِ ابنِ عمرَ رضيَ الله عنهما: عَنْ سَالِمِ بْنِ عبد الله, عَنْ أَبِيهِ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ, وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] حديثٌ نعرفهُ جميعاً, ولكن لو وقفنا عنده وقفةً متأنية, لكشفنا العجبَ العُجاب، هُناكَ خُلُقٌ يُعدُ من لوازم الإيمان, فمن لم يكن مؤمناً, لا يمكن أن يكونَ متحليّاً بهذا الخُلُق . هناك خُلق إذا توافرَ لا بدَّ من أن يكونَ الإنسان عديم الإيمان . عَنْ أَبِي أُمَامَةَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ)) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده] فإذا كّذّبَ أو خان ليس مؤمناً، المؤمن لا يكذب، إن كانَ حييّاً فهو قطعاً مؤمنٌ, لأنَّ الحياء لا يكون إلا عن إيمان الخُلُق, الذي يؤكدُ وجوده عِندَ الإيمان هو الحياء، والخُلُق الذي ننفي معه الإيمان الكذب والخيانة, لذلك قال عليه الصلاة والسلام توفيراً للوقت والجهد: دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ " لو كانَ مؤمناً لكانَ حييّاً, ما دام لا يستحيي, إذاً: ليسَ مؤمناً، والحياءُ من الإيمان . الحديث الثاني : الحياء لا يأتي إلا بخير .... عَنْ أَبِي السَّوَّارِ الْعَدَوِيِّ قَالَ : سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (( الْحَيَاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرٍ )) فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ : مَكْتُوبٌ فِي الْحِكْمَةِ : إِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ وَقَارًا , وَإِنَّ مِنَ الْحَيَاءِ سَكِينَةً . كيفما تحركت الحياء يُقدّمُ لكَ كلَّ خير، تستحيي أن تعصي الله لأنه يُراقبك، تستحيي أن تؤذي الناس لأنَّ الله يُراقبك، تستحيي أن تأخذَ ما ليسَ لك لأنَّ الله معك، الحياءُ لا يأتي إلا بخير. الحديث الثالث : الحياء شعبة من الإيمان .... عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً, فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ, وَأَدْنَاهَا: إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيق,ِ وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)) أعطاك النبي أعلى درجات الإيمان : أن توّحدَ الله عزّ وجل ، أن ترى يدَ الله وحدها تعمل في الكون، أن ترى أنهُ لا إله إلا الله هذه أعلاها، التوحيد نهاية العِلم, إذا وحّدت حُلّت كلُّ مشكلاتك, لأنَّ كلَّ علاقاتك أصبحت مع جِهةٍ واحدة وهي الله, فإذا جمعتَ كلَّ العلاقات مع جِهةٍ واحدة استرحتَ وأرحت، لذلك نهاية المطاف أن تُوّحدَ الله عزّ وجل، نهاية النهاية أن تكونَ موّحداً، وأكثر المؤمنين يقعون في الشِرك الخفيّ, بدليل قول الله عزّ وجل: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [سورة يوسف الآية: 106] هنا في هذه الآية, تعني كلمة مشركون: أي الشِركَ الخفيّ وليسَ الجلي, هذا أعلى مرتبة، وأدناها: أن تقوم بعمل صالح بسيط: أن تُميطَ الأذى عن الطريق, أن تُزيحَ حجراً من طريق الناس، والحياءُ شُعبةٌ من الإيمان . الإيمان اعتقاد, والإيمان سلوك, والإيمان خُلُق، أن تُميطَ الأذى سلوك، أن تستحيي من الله خُلُق، أن تعتقدَ أنه لا إله إلا الله عِلم. الإيمان أخذ منحى علمياً، منحى سلوكياً، منحى خُلقياً . في الحياء : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : ((كَانَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ حَيَاءً مِنَ الْعَذْرَاءِ فِي خِدْرِهَا, فَإِذَا رَأَى شَيْئًا يَكْرَهُهُ, عَرَفْنَاهُ فِي وَجْهِهِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] كان يستحيي , وجّهَ امرأة مرةً , وقال : ((أيتها المرأة, خُذي فِرصةً ممسكةً تتبعي بها أثرَ الدم, فقالت: يا رسول الله! كيف أتتبعُ بها أثرَ الدم؟ يروي أصحابهُ أنه علت وجهه حُمرة -حُمرة الحياء- وارتبك النبي عليه الصلاة والسلام, وقالَ: يا سبحان الله! تطهرينَ بها -يعني ليسَ في إمكانه أن يعطي مزيداً من التفصيلات- فأخذتها السيدة عائشة جانباً, وعلّمتها كيفَ تطهرُ بها)) كانَ حيياً . هذا الذي لا يستحيي , له نظراتٌ وقحة، له عِباراتٌ بذيئة، له سلوكٌ جافٍ ، هذا الذي يُحرج الناس يوقعهم في الحرج، يُحمّرٌ وجوههم، يتلذذ برؤية وجوههم وهم يرتبكون, هذا ليسَ مؤمناً، المؤمن يستحيي, ويستحيي أن يوقعَ أحداً في الحرج . النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((لا تُحمّروا الوجوه)) لا تتكلم كلمة تجعل أخاكَ يضطرب، تجعل أخاكَ يرتبك، تجعل أخاكَ يحمّرُ وجهه خجلاً، لقد أسأت إليه . كلكم يعلم : أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما كانَ مدعواً مع أصحابه إلى وليمة, صلّوا جميعاً الظهر, وتناولوا طعام الغداء, وكانَ لحمَ جزور, صدرت رائحةً من أحدهم, وأذّنَ العصر-وهذا الواحد يجب أن يقوم ليتوضأ, وأنا أظن يتمنى أن يغور في باطن الأرض، وأن لا يفُتضحُ أمام الناس، ماذا فعلَ النبي؟-, قال: ((كلُّ من أكلَ لحمَ جذور فليتوضأ, قالوا: يا رسول الله! كُلنا أكلنا هذا اللحم, قالَ: كلكم فليتوضأ)) أرادَ ألا يُحرجَ هذا الإنسان، أرادَ ألا يُخذِله، أرادَ ألا يُربِكهُ، أرادَ ألا يجعله في وضعٍ حرج . كانَ أشدَ حياءً من العذراءِ في خِدرها, فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناهُ في وجهه . وفي الصحيح: حَدَّثَنَا أَبُو مَسْعُودٍ عُقْبَةُ قَالَ: ((قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مِمَّا أَدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلامِ النُّبُوَّةِ, إِذَا لَمْ تَسْتَحْ فَافْعَلْ مَا شِئْتَ)) لهذا الحديث تأويلات: التأويل الأول وهو ضعيف, يعني إذا فعلتَ فِعلاً, أو إذا أقدمتَ على فعلٍ مُباحٍ مشروعٍ, لا يُستحى منه عادةً فاصنعه، إذا أردتَ أن تشتري لأهلكَ طعاماً, وأنتَ عالي الشأن, هذا عمل مشروع وشريف, وهو وسام شرف, ومن حملَ حاجته بيده بَرِئ من الكِبر، فإذا كانَ هذا الأمر مشروعاً فافعله, هذا المعنى ضعيف, ولكن المعنى الشائع الذي أقرّهُ جمهور العلماء: أنكَ إذا فقدتَ الحياء فاصنع ما تشاء, عندئذٍ فقدتَ مقومات الأدب، فقدتَ مقومات الخُلُق، هذا فافعل ما تشاء أو فاصنع ما تشاء, هذا أمرُ تهديد . الحديث الرابع : استحيوا من الله حق الحياء .... عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ, قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ, قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ, وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى, وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى, وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى, وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا, فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)) ربنا عزّ وجل قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 102] هذه غير اتقوا الله، طالَبَكَ النبي بكمال التقوى، وإذا قال الله عز وجل: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ [سورة الحج الآية: 78] لم يطالَبَكَ بالجِهاد بأصل الجِهاد، طالَبَكَ بكمال الجِهاد. يعني: أنتَ مأمور بالتقوى وبِحقِّ التقوى, أيّ بكمال التقوى, ومأمورٌ بالجهاد وبكمال الجهاد, ومأمور بالحياء وبكمال الحياء. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ, قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ, قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ, وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى, وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى, وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى, وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا, فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)) ليسَ هذا الحياء المُتعارف بين الناس، ليس هذا الحد الأدنى من الحياء، يوجد بالرأس عين, هذه العين: هل تستحي؟ هل تَغُضُ بصرها عن محارم الله، أم تتبعُ بِها عورات المُسلمين ؟ هل تنظر بكتاب أخيك بفضول ماذا يكتب؟ هل وجدتَ في الغرفة كتاباً أو دفتراً وفتحته وتأملتهُ بفضول؟ هذا ليسَ من الحياء, الدفتر ليسَ لكَ، المحفظة ليست لكَ, لماذا فتحتها؟ مكتبٌ ليسَ لكَ, لماذا جلستَ وراءهُ وفتحتَ الدروج؟ . ((أن تحفظَ الرأس وما وعى)) العين، الأذن إذا استمعت إلى مزاحٍ رخيص جنسي, هل تطرب له, أم تشمئزُّ منه, أم تقوم عن هذا المجلس, فلا تقعد بعدَ الذكرى؟ الأذن, العين, اللسان, هل جرى لِسانُكَ بكلماتٍ بذيئة، كلماتٍ فاحشة؟ تعلّم من كتاب الله كيفَ يكون الأدب؟: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 5-7] هل تشعر أنَّ في هذا الكلام ما يجرحُ الحياء؟ ما يُحرج؟ افتح أيّ كتاب فقه، ترى أشياء بأسمائها، العورات بأسمائها، والمواقف والاتصالات واللقاءات بتفصيلاتها, الإنسان قد يستحيي . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ [سورة النساء الآية: 43] طفل صغير بمجلس علم يقرأ القرآن: ﴿أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ لم يفهم من هذه الآية أكثر من أن يلمسَ الإنسانُ امرأة لمسة. بالقرآن في أشياء لطيفة جداً، النبي عليه الصلاة والسلام كيفَ تكلّم؟ رأى أحدَ بناته -فيما أذكر- وعليها ثيابٌ رقيقة, فقال: يا بنيتي, إنَّ هذه الثياب تصفُ حجمَ عظامكِ . أية كلمةٍ تنتقيها سوف تُثير الغريزة الجنسية, قال: ((يا بنيتي, إنَّ هذه الثياب تصفُ حجمَ عظامكِ)) أيُّ عظمٍ هذا؟ كلمة عظم مُنَفّرّة. هذا الذي تَغزّلَ, وقال: إن سلمى خُلقت من قصبٍ؛ قصبِ السُكّرِ لا عظم الجمل, وإذا قرّبتَ منها بَصلاً, غَلَبَ المِسكُ على ريح البصل, هذا ليس غزلاً, بصل وجمل, فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ((يا بنيتي, إنَّ هذه الثياب تصفُ حجمَ عظامكِ)) . اللسان: تعلّم كيف يكون مُهذّباً؟ كيف تُعلّم أولادكَ التهذيب في الكلام وفي التعبير؟: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ, قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ, قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ, وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ: أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى, وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى, وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى, وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا, فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدِ اسْتَحْيَا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ)) ما قولكم: إنَّ الله عزّ وجل حيي؟ . إنَّ الله تعالى حييٌ كريم, يستحيي من عبده إذا بسطَ إليه يديه, أن يردهُما خائبتين. يستحي الله عزّ وجل . قال بعضهم: الحياءُ من الحياةِ، علامة حياة القلب: لكَ قلبٌ حي إذاً أنتَ تستحيي، القلبُ ميت إذاً لا تستحيي, الحياءُ من الحياة, قِلةُ الحياة علامةُ موت القلب، كلما كانَ القلبُ أحيا كانَ الحياءُ أتم . قال الجُنيد رحمه الله تعالى: العلماء أنسب كلمة رحمهم الله تعالى, إذا قلت: رضي الله عنهم بمعنى دعاء, أما بمعنى تقرير هذا لأصحاب النبي وحدهم, لأنَّ الله عزّ وجل قالَ في القرآن الكريم: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [سورة الفتح الآية: 18] إذا قلت عن عالمِ رضي الله عنه, فالمقصود: أرجو الله أن يرضى عنه, دُعائية, أما إذ قلت عن الصحابي: رضيّ الله عنه, تقريرية, والأَولى أن تقول: رحمه الله تعالى. الإمام الغزالي رحمه الله تعالى، الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، أَكمَلّ, لأنَّ كلمة رحمه الله تعالى لا توقع في لَبس واضحة, ليسَ صحابيّاً . تعريف الحياء في رأي الجنيد : الإمام الجُنيد رحمه الله تعالى قال : الحياءُ رؤية الآلاء مع رؤية التقصير . من هاتين الرؤيتين يتوّلدُ في النفس حالةٌ اسمُها : الحياء . إذا واحد قدّمَ لكَ شيئاً ثميناً , وأنتَ لم تُقدّم له شيئاً وقابلته , تستحي منه , عَمَلَ لكَ ولائم كثيرة , وزاركَ في البيت , ولا يوجد عندكَ شيء , تجد نفسك مضطرباً محرجاً , تقول له : والله لا تؤاخذنا ، تفسير بسيط من رؤية الفضلِ مع رؤية التقصير, يتولد في الإنسان المؤمن حالةُ اسمها : الحياء . فضلُ الله عزّ وجل عميم , والدليل : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [سورة النساء الآية: 113] والإنسان مهما قدّم لا يستطيع أن يُوفَي. قد يقول أحدكم: هذه الآية: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [سورة النجم الآية: 37] ماذا تعني؟ سيدنا إبراهيم حينما ابتلاه الله بالتكليف, وفّى ما عليه، نَفذَّ الأمر، ولم يستطع أن يُكافئ حضرةَ الله عزّ وجل على إحسانه, مستحيل . إذاً: لا أحد يستطيع أن يَرُدَ الجميلَ إلى الله عزّ وجل, حتى إذا أرادَ ربُكَ إظهارَ فضله عليك, خلقَ الفضلَ ونَسَبهُ إليك, لكنَّ هذا الحياء؛ الفضل عميم والجهد قليل, إذاً: ينشأ حالة اسمُها الحياء، من لوازم هذه الحالة: تركُ القبائح, وتركُ التفريط مع أصحاب الحقوق، ما دام لا تقدر أن تُكافئ خالِقَكَ على إحسانه لك, لا أقلَّ من أن تدعَ ما نهاكَ عنه . رأي الفضيل بن عياض : قلة الحياء من علامات الشقاء . الفُضيل بنُ عياض ؛ هذا القاضي الجليل قال : خمسٌ من علامات الشقاء : القسوة في القلب ، وجمود العين , وقِلة الحياء ، والرغبةُ في الدنيا ، وطولُ الأمل . هذه خمسُ علاماتٍ من علاماتِ شقاء الإنسان : قِلةُ حيائه , وقسوة قلبه , وجمودُ عينه , ورغبته الجامحة في الدنيا , وطولُ أمَلِهِ فيها . وقال السرّيُّ الثقفي : إنَّ الحياءَ والأُنسَ يطرقان القلب , فإن وجدا فيه الزُهدَ والورع أقاما , وإلا ارتحلا . وقالَ يحيى بنُ مُعاذ : من استحيا من اللهِ مُطيعاً , استحيا الله منهُ وهوَ مذنبٌ . معنى جميل جداً , أنتَ تُطيع الله تستحي منه, وأنتَ في طاعته, فإذا زُلّت قدمُك، فإذا سَبَقَكَ لِسانُك، فإذا وقعتَ في مُخالفة، عندئذٍ الله عزّ وجل يستحيي مِنكَ أن يُعاقبك . ((عبدي اعرفني في الرخاء أعرفكَ في الشِدة، عبدي كَبِرت سِنك, وضَعُفَ بصرك, وشابَ شعرك, وانحنى ظهرك, فاستحيي منّي, فأنا أستحي مِنك)) أيام تنفعل, أنت تضرب ابنك الصغير, عمره خمس سنوات، كل ما كبر الابن بعد ما تضربهُ تتألم كثيراً, إذا كبر كثيراً يبقى في قلبه ألم لأشهر منك, كلما كبرَ الإنسان أو كبر سنّهُ أو مقامه أو قدرهُ فالعقاب مؤلم، يتضاعف العِقاب، فإنسان شابَ في الإسلام, اللهُ عزّ وجل حيي, يستحي ربُنا عزّ وجل أن يُعذّبَ ذا الشيبةِ المُسلم . إنَّ الله لَيُباهي الملائكة بالشاب المؤمن , يقول : انظروا عبدي تركَ شهوتهُ من أجلي . مرةً ثانية : حياء الله عزّ وجل وَضّحهُ العلماءُ , فقالوا : إنه حياءُ كرمٍ , وحياءُ بِرٍ , وحياءُ جودٍ , وحياءُ جلال . فإنه تباركَ وتعالى حييٌ كريم , يستحي من عبده , إذا رفعَ إليه يديه , أن يَرُدهُما صُفراً , ويستحيي أن يُعّذبَ ذا شيبةٍ شابت في الإسلام . أقولها مرة ثانية : من كان يستحيي , يستحيي أن يُخالف أنظمة البشر, لِئلا يقع في الخطأ, خالفتَ نظام السير وأوقفكَ, من هو مسؤول عن هذا النِظام؟ وسألكَ: أعطن أوراقك, وأعطن مستندات هذه السيارة, ولماذا خالفت؟ الذي يتمتع بِخُلق الحياء, يستحيي أن يقعَ في المخالفات, حتى في الأنظمة الوضعية, لِئلا يقفَ موقفاً حَرِجاً، لِئلا يصغُر، لِئلا ينكمش . أوجه الحياء جملة وتفصيلاً : بعض العلماء قال الحياء على عشرةِ أوجه : حياءُ جِنايةٍ ، وحياءُ تقصير ، وحياءُ إجلال ، وحياءُ كرم ، وحياءُ حِشمة , وحياءُ استصغار نفس ، وحياءُ محبة ، وحياءُ عبودية ، وحياءُ شرفٍ وعِزّة ، وحياءُ المُستحيي من نفسهِ . إليكم التفصيلات : 1-حياء الجناية : فأما حياءُ الجناية : فمنه حياءُ آدمَ عليه السلام , لمّا فرَّ هارباً من الجنة , قالَ تعالى : أفِراراً مني يا آدم ؟ قالَ : لا يا ربي بل حياءً منك . أيام الإنسان يستحيي أن يواجه إنساناً عظيماً بمخالفة , فهذا ليسَ حياء الهروب , حياء التعظيم ، حياء الجناية . أحياناً الإنسان يكون له ابن, فيخطىء الابن : أين فلان؟ مختفٍ, إذا كان الابن توارى حياءً , الأب يتسامح حتى لا يُصبح في إحراج ، الابن خاف واستحى بذنبه , هذا حياء الجناية . 2-حياء التقصير : أما حياءُ التقصير: كحياء الملائكة , الذين يُسبحّونَ الليل والنهارَ ولا يفترون, فإذا كانَ يومُ القيامة, قالوا: سبحانكَ ما عبدناكَ حقَّ عِبادتك, هذا حياء التقصير, النبي عليه الصلاة والسلام جعل عمله الصالح كله، وعملهُ ليسَ في الأرضِ كُلِها منذُ آدم وإلى يوم القيامة, عملٌ أعظمُ من عملِ النبي, رحمةٌ مُهداة، نِعمةٌ مُزجاة، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [سورة الأنبياء الآية: 107] كلُ عملهِ رآه قليلاً, فقالَ عنه: يا ربي إنهُ جِهدُ مُقِل, هذا التواضع, جُهدُ مُقِل عمل النبي، ألفان ومئتا مليون مُسلم في شتى بِقاع الأرض على رُقعةٍ واسعةٍ جداً, هذه دعوة النبي, ومعَ ذلك قال: يا ربي إنهُ جِهدُ مُقِل, هذا حياء التقصير . 3-حياء الاجلال : حياءُ الإجلال: هو حياءُ المعرفة قدر معرفة العبدِ بربه يكونُ حياؤهُ منه، كلما ارتقت معرفتك ارتقى حياؤك, هذا سماه العلماء الإجلال . سيدنا النبي لمّا قدّم الوسادة لزيد الخير, قالَ: ((واللهِ إني لا أتكئ في حضرتك)) استحيا أن يتكئ في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام . النبي عليه الصلاة والسلام وهو نبي هذه الأمة, ما رؤي ماداً رجليهِ قط في حياته بينَ أصحابه . 4-حياء الكرم : وحياءُ الكرم كحياء النبي من القوم الذينَ دعاهم إلى وليمة زينب, وجلسوا وأطالوا الجلوس, فقامَ واستحيا أن يقول لهم: انصرفوا . أحياناً يكون يغلي غلياناً, لشدة الارتباطات والأعمال, يأتيه شخص مُحب, يجلس يستمتع بالحديث يأنس, من السهل أن تقول له: انصرف, ولكن على صاحب الحياء صعبةٌ جداً , تراه يتمزق, والتمزق أهونُ عندهُ من أن يصرفهُ, هكذا فعلَ النبي, دعا أصحابه إلى وليمة زينب, جلسوا وأطالوا الجلوس, والنبي في حرجٍ شديد, فاستحيا أن يقول لهم: انصرفوا . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 53] 5- حياء الحشمة : قال حياءُ الحِشمة : كحياء علي بن أبي طالب رضي الله عنه, استحيا أن يسألَ النبي عليه الصلاة والسلام عن المذي, سائل شفاف يخرج قبل المنيّ, هذا يا ترى ينقض الوضوء, يحتاج إلى وضوء أم يحتاج إلى غُسل، سيدنا علي زوج ابنة رسول الله, فاستحيا أن يسألَ أباها وابنتهُ عِندهُ . العلماء استنبطوا: لا يصح ولا يليق أن تتحدثَ بأمرٍ نسائي أمام والد زوجتك, وأمام أخوتها, ولو كان في تورية. الإنسان يحكي عن العلاقات الزوجية والأحكام الشرعية بشكل مُهذّب جداً وبشكل راقٍ جداً، لكن إذا كان والد زوجته موجود وأخوات زوجته, الأكمل ألا يتحدث به أبداً, اقتداءً بسيدنا علي بن أبي طالب, الذي استحيا أن يسأل النبي عليه الصلاة والسلام عن المذي, لأنَّ ابنتهُ عِندهُ, لمكان ابنته من رسول الله . كنت مرة بجلسة في العيد, يتحدث الأخ كلاماً لطيفاً متعلّقاً بالزواج وبالعلاقات الزوجية أمام أخي وزوجته، فأخو زوجته ينتقل إلى صورة, قد يأباها الأخ أو الأب مثلاً, أو قد لا يُحب أن يتخيل ما يجري. فلذلك: من الكمال أن لا تتحدث عن أشياء مباحة, وأشياء مُهذّبة فيها كنايات لطيفة أمام أقرباءِ زوجتك, هذا من الحياء . 6-حياء الاستحقار والاستصغار : قال: وحياءُ الاستحقار والاستصغار: كحياء العبدِ من ربه عزّ وجل, حين يسألهُ حوائجه, احتقاراً لشأنِ نفسهِ, واستصغاراً لها . يقولون: أن نور الدين الشهيد رحمه الله, الذي رفعَ اسمَ المسلمين عالياً, والذي قضى على سبعٍة وعشرين جيشاً أوروبيّاً, جاؤوا ليغزوا بلادنا في العصور الوسطى غزو الفِرنجة، يقال: أنه سجد, هكذا قرأت ولا أدري مبلغَ هذا من الصحة, سجد قُبيلَ المعركة الفاصلة, وقال: يا رب, من هو نور الدين حتى تنصرهُ؟ انصر دينك . يعني: من أنا حتى تنصرني؟ يا رب أنا أحقر من ذلك, انصر دينكَ يا رب, فإذا الإنسان رأى عبوديته, ورأى أنه لا شيء, ما فعلَ شيئاً، ما قدمَ شيئاً، فاستحيا من الله, هذا حياء العبودية لله عزّ وجل . فسّرَ بعض العلماء هذا الحياء حياء الاستصغار؛ إمّا لتعظيم المسؤول وهو اللهُ عزَ وجل, أو لوقوع السائل ببعض الذنوب, إما السائل مُذنب على استحياء, أو أنَّ المسؤول عظيم جداً . 7-حياء المحبة : أما حياءُ المحبة : فحياءُ المُحبِّ من محبوبه , حتى إذا خطرَ المحبوب في قلب المُحبِّ في غيبتهِ , هاجَ حُبُهُ , وظهرَ هذا في وجههِ , ولا يُدرى ما سببهُ ؟ 8-حياء العبودية : حياء العبودية : حياءٌ ممتزجٌ من محبةٍ وخوفٍ ومشاهدة . 9-حياء الشرف والعزة : أما حياء الشرف والعِزّة : إذا الإنسان له مقام كبير, المُعلّم, الأب, في الخمسينات, عنده خمس بنات متزوجات, عنده أصهار, له أولاد شباب, وله أحفاد, يمزح مزحاً ساقطاً, يتلصص على النساء, يُضبط أنه يتلصص، مُراهقةُ في سِنٍ متأخر, كما قال الله عزّ وجل: ((وأبغضُ العصاة وبُغضي للشيخ العاصي أشد)) من دخلَ الأربعين دخلَ في أسواق الآخرة . سن الأربعين سن التقوى والصلاح, سن الإنابة والقرآن والحفظ والتهيئةَ, رحلة: ستة أيام يُلهو؛ سبت أحد اثنين ثلاثاء يوم الأربعاء, تجده يُخطط للعودة, كيف نعود بالسيارة العامة أو الخاصة بالقطار؟ إذا كان عمر المرء ستين، إذا كانت الستين ستة أيام، أول عشر سنوات السبت, وثاني عشر سنوات الأحد, والثالثة 30 الاثنين, والرابعة الثلاثاء، والخامسة الأربعاء، خامس مرحلة, من دخلَ الأربعين دخلَ في أسواق الآخرة . فإذا إنسان له مقام , له عمل في الجامعة ، أب راقٍ ، صاحب معمل ، مدير مستشفى , لا يليق به أن يقرأ موضوعاً سخيفاً , أو يتواجد عنده مجلة من نوع معين, أو يمزح مزحاً معيناً, أو يرتكب حماقة معينة, هذا لا يليق بالإنسان العادي, فكيفَ بالمؤمن؟ . 10-حياء المرء من نفسه : حياءُ المرءِ من نفسهِ : هو حياء النفس الشريفة , هذا أرقى أنواع الحياء ، وأنتَ وحدكَ في البيت . أحياناً الإنسان إذا رأى نفسه كريمةً عفيفةً شريفةً صادقةً, رِضاؤهُ عن نفسهِ يُسعدهُ، إذا الإنسان ارتكب حماقة فيما بينه وبينَ نفسهِ, ولا أحدَ على وجه الأرض اطلّعَ عليها, يكفيه ألماً أنه احتقرَ ذاتهُ. فلذلك الإنسان الشريف يسعى إلى أن يرضى عن نفسهِ، إذا رضي عن نفسهِ شعرَ باعتزازِ إنسانيته . قال العلماء: إذا استحيا الإنسان من نفسهِ, فاستحياؤهُ من غيرهِ من باب أَولى. أنواع الحياء : 1-حياء الرقابة : أحدُ أنواع الحياء المُهمة حياءُ الرقابة : وهو حياءٌ يتولّدُ من عِلمِ العبدِ بنظر الحقِّ إليه . مرة دخلت إلى محل تجاري -القصة قديمة-, وجدت شاشة تلفزيونية بالمحل, وعلى الشاشة شاب على طاولة, يكتب في دفاتر محاسبة, فعلمت أنَّ صاحب المحل التجاري في الطابق العلوي, عنده محاسب, فلا أدري لماذا فعلَ هذا؟ لكن وضع فوقَ هذا المحاسب آلة تصوير تلفزيونية, وعندهُ في المكتب هذه الشاشة, تُريه ما يفعلُ هذا المُحاسب, في ثماني ساعات. قلت: هذا المحاسب ما دام مُراقباً ثماني ساعات مستمرة، كل حركاته وسكناته محسوبة، كلما نظرَ صاحب المحل رآه ماذا يعمل؟ تصور نفسك مُراقباً أربعاً وعشرين ساعة. بعض مدراء المدارس غلط غلطة كبيرة, ووضع بكل صف جهاز لاقط، أحبَّ أن يسمع كل أستاذ ماذا يتكلّم؟ فأصبح الموقف حرجاً. كل أستاذ له أحواله مع الطُلاب؛ أحدهم نزع الجهاز، الثاني قطع الشريط . على كُلٍ؛ المراقبة المستمرة صعبة جداً, لكن ربنا لطيف, مع أنه معك دائماً ويُراقبك, لكن لا تشعر بثِقل المُراقبة, هذا أحد أنواع الحياء, حياءٌ يتولد من علم العبدِ بنظر الحقِ إليه, لذلك يستقبح كلُ جناية, وتحلو له كلُّ مجاهدة، يستقبح الجِناية وتحلو له المجاهدة في سبيل الله ، لأنَّ الله عزّ وجل يُراقبك ويسكت عن الشكوى . متى يبتعد العبد عن حال المراقبة؟ : الذي يشتكي كثيراً بعيد عن حال المراقبة, لأنه قال له: ألك حاجة؟ قال له: مِنك؟ قال : لا, من الله، قال له: عِلمهُ بحالي يُغني عن سؤالي . إذا الإنسان شعر أنَّ الله يُراقبه يسكت لسانه, ماذا يتكلّم؟ قال له: عبدي كُن لي كما أُريد ولا تُعلمني بما يُصلُحك . لا تُكلّف نفسكَ أن تتكلم بما تحتاج, أنا أعرفُ كُلَّ حاجاتك، أعرفُ كلَّ رغباتك، أعرفُ كلَّ ما يُزعجك، أعرف كُلَّ ما يؤلِمك، كُن لي كما أُريد ولا تُعلمني بما يُصلُحك . قال: هذا حياءُ المراقبة, يحمل صاحبهُ على المجاهدة, ويُحملهُ على استقباح الجناية, ويجعلهُ يسكت. عِلمهُ بحالي يُغني عن سُؤالي. أرقى أنواع المراقبة: أن يخشى المُحِبُّ إذا فعلَ مخالفةً أن ينقطعَ عن محبوبه، هذا الخوف الذي قال عنه النبي: رأسُ الحِكمة مخافة الله. لا خوفَ عِقابهِ بل خوفَ البُعدِ عنه . 2-الشعور أن الله معك : من أرقى أنواع الحياء : الشعور أنَّ الله معك، كلكم يعلم أنَّ مَعِيّةَ الله نوعان: مَعِيّةٌ عامة وهي مَعِيّةُ العِلم الإلهي: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة الحديد الآية: 4] والمَعِيّةُ الخاصة: مَعِيّةُ الحِفظِ والتأييدِ والنصرِ والإكرام. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [سورة النحل الآية: 128] أما : ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ هذه مَعِيّةٌ عامة ، اللهُ مع كلِّ إنسان , حتى معَ العُصاة ، حتى معَ المُنحرفين , لكن إذا قال : ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ [سورة المائدة الآية: 12] قال: هذه مَعِيّةٌ خاصة, مَعِيّةُ الرعاية والحِفظِ والنصرِ والتأييد. 3-القرب : القُرب أكّدهُ القرآن الكريم, فقالَ الله عزّ وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 186] إني قريب, القُرب أن تُحس أنَّ الله معك, أو أنَّ الله قريبٌ مِنك, هذا شعور من لوازم الإيمان، ولا تأتي معصية إلا إذا أحسست أنَّ الله لا يراك, أو أنَّ الله بعيدٌ عنك . على كُلٍ؛ بعضُ أهلِ القلوب لهم وقفاتُ طويلة عندَ ما يُسمى بِحال المراقبة، حال المُراقبة أن تشعر دائماً أنَّ الله يُراقبك، وأنه مُطلّعٌ على سريرتك وعلى علانيتك، وعلى حركاتك وعلى سكناتك، وعلى أقوالك وعلى كُلِّ ما يَصدرُ عنك, هذا الشعور وحده يكفي أن تستقيمَ على أمره, ويؤكّدُ هذا: أنكَ إذا عَلِمتَ أنَّ الله يعلم ما تفعل: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [سورة الشعراء الآية: 213] ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ﴾ يعني: هذا هو الإيمان؛ أن تعبدَ الله كأنكَ تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك، إما أن تراه أو هو يراك . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#18 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الارادةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( الثامن العاشر ) منزلة الإرادة : ![]() أيها الأخوة المؤمنون ؛ مع الدرس السابع عشر من دروس منازل السالكين , ومنزلة اليوم , منزلةٌ يحتاجها كلُّ مؤمن إنها : منزلة الإرادة . قيمة هذه المنزلة تُكمنُ في أنَّ كلَّ إنسانٍ أو أنَّ كلَّ مؤمن , يتمنى أن يكونَ أفضلَ مما هوَ عليه , ما الذي يمنعهُ من أن يكونَ كما يتمنى ؟ ضعفُ إرادته , لا أُبالغ إذا قُلت : إنَّ من أخطر الموضوعات المطروحة في مدارج السالكين هذا الموضوع . يعني : من مِنّا لا يتمنى أن يكونَ من أعلى المؤمنين ، من أكملهم إيماناً ، من المتقين ، من المُحسنين ، ممن تَخلّقَ بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم , ممن رزقهُ الله عملاً صالحاً ، ممن أتقنَ صلاتهُ ، ممن أنفقَ ماله في سبيل الله ، ممن دامَ ذِكرهُ ، ممن طَهُرَ قلبهُ ، ممن أقبلت نفسه , لماذا ؟ لماذا نحن دائماً دونَ ما نتمنى ؟!! لماذا هناكَ مسافةٌ بينَ ما نحنُ عليه وبينَ ما يجبُ أن نكونَ عليه ؟!! هنا تكمن قيمة هذا الدرس , إنها الإرادة . تمهيد : قبلَ أن أدخلَ في تفصيلات هذا الدرس ، مرةً كنتُ أركبُ مركبةً عامةً , في طريقي إلى دمشق , من المحافظات الشمالية , لمّا وصلت إلى شارع العدوي , الذي قُبيلَ دمشق , أذكر أنَّ الليل في منتصفه , أو في ثُلثهِ الأول , وأذكر أنَّ الوقتَ كانَ شديدَ البرد , رأيتُ رجلاً يرتدي ثياباً رياضيّة ويجري , قلت : في الشام أكثر من خمسة ملايين , كلهم إلى جانب المدافئ , والمقاعد الوثيرة , ويتناولون الطعام الطيب ، أو غير الطيب ، مع أهلهم وأولادهم , وهذا يجري بهذا البرد !! . ![]() ليسَ من السهلِ أن تَملِكَ إرادةً تقوى بها على عاداتك , على مألوف حياتك ، على أن تركنَ إلى الدفء , إلى بيتك , مع أولادك , أن تأكل ما تشتهي , هذا يركض في وقتٍ شديد البرودة , وفي وقتٍ يألفُ الناسُ أن يقبعوا في بيوتهم . قلت : متى نشأت عِندهُ هذه الإرادة الحديدية ؟ متى غَلَبَ نوازِعَ نفسهِ الطبيعية ؟ متى قَويَ على نفسه ؟ هُنا السؤال متى ؟ لماذا تسعٌ وتسعون في المائة من الناس يركنون إلى عاداتهم ، إلى طبيعة أجسامهم ، إلى الراحة ، إلى الدفء ، إلى الكسل العضلي . ولماذا هذا يجري في هذا الوقت ؟ ما الذي دفعهُ ؟ ما الذي قوّىَ إرادتهُ ؟ ما الذي جعلهُ يتميز من بين مئات الألوف ؟ بل من بين عشرات الألوف أو بِضعة الملايين . هذا لو أنه اطلع اطّلاعاً واسعاً على ما في عِلم الطِب من أنَّ : القلب إذا صَلُحَ صَلُحَ الجسدُ كُله ، وإذا فسدَ فسدَ الجسدُ كُله ، وأنَّ هذا القلب يُقويّهِ الجري ويُضعفهُ الكسل ، وأنَّ الإنسانَ إذا أهملَ قلبهُ , عانى في خريفِ عُمُرهِ أشياءَ كثيرة ، يبدو أنَّ هذا الشاب الذي يجري في هذا الوقت , وفي هذه الظروف القاسية ، يبدو أنَّ عِلمهُ واطّلاعهُ كوّنا عِندهُ الإرادةَ القوية . فدرسُنا كُلهُ في فكرتين : إذا كانَ هناكَ فرقٌ كبير بينما أنتَ عليه وبينما يجب أن تكونَ عليه , هذه المسافة الكبيرة سببها ضعفُ الإرادة , وضَعفُ الإرادة سببها نقصُ العِلم ، إذاً : العلمُ هو الطريقةُ الوحيدةُ إلى الله ، إذا ازداد عِلمُك قَويت إرادتُك ، إذا قَويت إرادتُك وصلتَ إلى ما تصبو إليه . فهذا ملخص الملخص , قبل أن نبدأ بالتفصيلات , لماذا تضعف عن أن تكونَ كما تريد ؟ لأنَّ عِلمكَ بما تُريد يحتاجُ إلى مزيد . ![]() ضربت مثلاً واحداً , أما أنتم : لكم أن تضرِبوا عشرات الأمثلة . يعني أعرف رجلاً يُقبل على الطعام الدسم إقبالاً عجيباً , وله مركبة يستعملها لمسافة مائة متر ، كسل ونهم وطعام دسم ، في الثانية والثلاثين توفي ، طبعاً هذا الجسد له قوانين ، طبعاً مع الاحتفاظ بعقيدتنا بأنَّ لكلِّ إنسانٍ أجلاًّ لا يتقدم ولا يتأخر , ولكنَّ الله عزّ وجل جعلَ لكلِ شيء سبباً , لكن هذا الإنسان إقبالهُ على الطعام الدسم , وإقبالهُ على استعمال مركبته بشكلٍ دائم , وعزُوفهُ عن أن يبذلَ جهداً من ضعفِ إرادته , وضعفُ إرادتهِ بسببِ نقصِ علمهِ بقواعد هذا الجسم . نَحُلُ بهذا الدرس مُشكلة كبيرة ، كلما تاقت نفسكَ إلى أن تكونَ في مستوىً أرقى مما أنتَ فيه , اعلم عِلمَ اليقين أنَّ هذا يعود إلى ضعفِ إرادةٍ فيك , وهذه الإرادة ضَعُفت لنقصِ العلمِ الذي تحويه , كلما ازددتَ علماً ازددتَ إرادةً ، وكلما ازددتَ إرادةً بلغتَ المستوى الذي تصبو إليه , عالج نفسك . هذا الدرس , درسُ هذا المسجد له طبيعةٌ خاصة , كيفَ أنَّ الجسد له قوانين , وله أساليب , ولهُ عِلل , ولهُ أدواء , وله أسباب , وله مُسببات ؟ كذلك النفس . الإرادة : الآن : نبدأ بالدرس , قال تعالى : ﴿ وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [ سورة الأنعام الآية : 52] ﴿ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ﴾ إذاً : هناكَ من يريد وجه الله , والذي يُريد وجه الله اسمهُ مُريد ، وأكثر علماء القلوب يسمّونَ تلاميذهم مُريدين ، معنى مُريد : يعني أرادَ وجه الله ، أرادَ الله ورسولهُ . قالَ تعالى : ﴿ وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ [سورة الليل الآية: 19-21] هذه الآية الثانية المتعلّقة بالإرادة . ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً ﴾ [سورة الأحزاب الآية: 29] ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ هُنا المُشكلة , ماذا تُريد ؟ هذا أكبر سؤال .... هناكَ من يريد الدنيا من خلال الدين ... هناكَ من يحضر مجالس العِلم ليزدادَ دخلهُ , ليُكثُرَ زبائنهُ ... هناكَ من يحضر مجالس العِلم ليتعلّمَ أشياء يتصدّرُ بِها المجالس ... وهناكَ من يُريد اللهَ ورسوله . ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ تعريف الإرادة : أُورد لكم طائفةً من تعاريف علماء القلوب بالإرادة أو بالمُريد . الإرادة : مُطلقة . المُريد : من أرادَ الله ورسوله . الإنسان بِلا عِلم ، بِلا توجيه ، بِلا مجلس عِلم ، بِلا مُرشد ، بِلا مشرب ديني ، بِلا تزويد ، إنسان له جسد ، له شهوات ، له مطالب ، غالِباً يستجيبُ لشهواتِ جسمهِ ، غالِباً يَركنُ للراحة ، يعني من الطبيعي جداً أن تُصليَّ الصبح بعدَ الشمس , ما دامَ جِسمُكَ مستريحاً في الفراش ، هذا الجسد يتمنى أن يبقى نائماً ، وهذا الجسد يتمنى أن يقبعَ في البيت لا أن يأتي إلى مجلس علم ، وهذا الجسد يتمنى أن يأكلَ كثيراً ، وهذا الجسد يتمنى أن تكون له زوجة كما يشتهي ، فالإنسانُ دونِ علمٍ , دونِ مجلسِ علمٍ ، دونِ توعيةٍ ، دونِ اطلاّعٍ ، دونِ معرفةٍ ، ينساق مع شهواتهِ . فقال : الناسُ غالِباً يُعرّجونَ على أوطان الغفلة ، ويجيبونَ دواعي الشهوة ، ويخلدونَ إلى أرض الطبيعة ، ومن أرادَ الله ورسولهُ ينسلخُ عن كلِّ ذلك . هذا أول تعريف . الصلاةُ ذِكر , وإذا كانَ الإنسانُ منسجماً في عملهِ , لا يتمنى أن يُصلي ، إذا كان مُنسجماً , يقوم بعمل رائع , له أجرٌ كبير , يتمنى أن يبقى بِلا صلاة ساعاتٍ طويلة ، فالإنسان دون علم ، دون معرفة , ينسجم معَ عملهِ فلا يُصلي ، ويبقى نائماً فلا يُصلي الفجر ، ويأكلُ دونِ حساب ، ويمزح , ويتكلّم , وينهشُ أعراضَ الناس , ويغتاب , كلُّ هذا انسجاماً مع غفلتهِ . تعريفُ آخر للمُريد الصادق . من هو المُريد ؟ الذي يُريد اللهَ ورسولهُ . تعريفه : نهوض القلب في طلب الحق . هذا الحُطيئة هجا أحد زعماء القبائل , اسمهُ : الزبرقان , قال له بيتاً , يُعدُ الآن شِعارَ كلِّ إنسان , ظاهر معناه مديح , قال له : دع المكارمَ لا ترحل لبُغيتها واقعد فإنكَ أنتَ الطاعِمُ الكاسي أما باطنه فهجاء مقذع , ما لكَ وما للمكارم ؟ أنتَ مُطعمٌ , مكسو , اقبع في البيت , كُل , اشرب , وتنزّه , واسهر , واسمر , والتق مع من تُحب , وامزح , وافرح , ما لكَ وللمكارم ؟ دع المكارم , أما الذي يُريد اللهَ ورسولهُ قِلقٌ دائماً , لا يُطمئنهُ إلا أن يرضى الله عنه ، قِلقٌ دائماً , لا يُطمئنهُ إلا أن يشعر أن الله يُحبه ، لذلك : نهوض القلب في طلب الحق , هذا تعريفٌ آخر من تعريفات المُريد . تعريفٌ ثالث : لوعةٌ تُهَوِنُ كلَّ روعة . فليتكَ تحــلو والحيـاةُ مريرةٌ وليتكَ ترضى والأنامُ غِضابُ وليتَ الذي بـيني وبينـكَ عامِرٌ وبيني وبينَ العـالمين خرابُ إذا صحَ مِنكَ الوصلُ فالكلُ هينٌ وكلُّ الذي فوق التُرابِ تُرابُ هذا الذي يُريد الله ورسوله ، يهونُ عليه كلُ صعب ، يسهُل عليه كلُ مُحال ، يبتغي مرضاة الله عزّ وجل بأيّ ثمن . قال بعضهم : المُريد من كانَ في قلبهِ لوعةٌ ، ولذعةٌ في فؤادهِ , وغرامٌ في ضميرهِ ، وانزعاجٌ في باطنهِ ، ونيرانٌ تتأججُ بينَ جوانحهِ , هذا هو المُريد . المُريد يقشعّرُ جِلدهُ إذا ذُكِرَ الله ، يَجِلُ قلبهُ , تنهمرُ دموعهُ , يُحبُّ الله . ليس لك حجة : أقول لكم مِراراً وتكراراً ، هو الذي خلقكم من نفسٍ واحدة ... النفوسُ جميعها مهيأةٌ لأن تعرفَ الله . النفوسُ جميعها مهيأةٌ لأن تُحِبَ الله . النفوسُ جميعها مستعدةٌ لأن تكونَ ممن سَعِدَ بُقربِ الله عزّ وجل . لكن مرةً ثانية وثالثة : نقصُ العِلمِ يؤدي إلى ضعفِ الإرادة ، وضعف الإرادة يؤدي إلى وجود مسافةٍ كبيرةٍ بين ما أنت عليه وما ينبغي أن تكونَ عليه . أنا أظن أنَّ أكثرَ المؤمنين في قلبهِ لوعة , يتمنى أن تكونَ صلاتهُ أفضلَ مما يُصلّي ، يتمنى أن يكونَ صيامهُ أفضلَّ مما هوَ يصوم ، يتمنى أن يكونَ حجهُ أفضلَ مما شعرَ في الحج ، يتمنى أن تكونَ صدقتهُ أكبر , أكثر وأشدَّ إخلاصاً ، يتمنى أن يكونَ وِردهُ في صحوةٍ لا في غفلة ، يتمنى من أن تكونَ استقامتهُ من أعلى مستوى ، ما دام هناك شعور بالتقصير , فليعلم الإنسان عِلم اليقين : أنَّ هذا التقصير مبعثهُ إلى ضعف الإرادة . لي صديقٌ زارَ أحدَ أقربائهِ في المستشفى , وقد أُجريت له عملية جراحية في رئتيه ، بسبب الدُخان , قال له : حينما أخرجُ من المستشفى , لي حِسابٌ عسيرٌ مع هذه الدخينة , يعني هذه السيكارة ، لكنَّ مرضهُ كانَ عُضالاً , ولم يسمح لهُ هذا المرض أن يَخرُجَ من المستشفى , مات . ![]() حينما كانَ يدّخن سنواتٍ طويلة , وهو على مستوى رفيع من الثقافة , لماذا ضَعُفت إرادته عن أن يُقلعَ عن التدخين ؟ لأنهُ لم يُعاين أضرار التدخين ، أما حينما دخلَ إلى المستشفى , واستؤصلت أجزاءٌ كبيرة من رئتيه , بسبب المرض الخبيث , عندئذ امتلكَ إرادةً حديديةً , يعني يتمنى أن يُمزّقها , عبّرَ عن هذه الإرادة : أنهُ إذا خرجَ من هذه المستشفى , فلهُ معها حِسابٌ عسير , ولكنَّ المرضَ العُضال , لم يسمح لهُ أن يخرجَ من المستشفى , إذاً : لاحظ متى قويت إرادتهُ ؟ حينما رأى المرضَ الخبيث منتشراً في رئتيه , عندئذٍ امتلكَ إرادةً قوية . أبداً : لاحظ نفسك , حينما يُعاني الإنسان من آلامٍ في كُليتيه آلامٍ مُبّرحة , وقد يكون من عُشاق الشاي , يشرب في اليوم عشرين كأساً , تراهُ فجأةً يُقلع عنه ، نحنُ كُنا نرجوك أن تُقللَ منه , لم تكن ترض ، أما حينما ذاقَ آلام الكُليتين ونوبات الحصيات , عندئذٍ أقلعَ عنه . بقيَّ الفرق بينَ أن تملكَ الإرادةَ بعدَ فوات الأوان , وبينَ أن تملِكها في الوقت المناسب , لا بدَّ من أن تملِكها بعد أن تدفعَ الثمن ، أما البطل هو الذي يملكُها بالعِلم لا بالتجربة , لا بدَّ من أن تَمِلكَ إرادةً قوية , إما أن تملكها بعدَ أن تدفع الثمنَ باهظاً , وبعدَ فوات الأوان , وعندئذٍ لا تستفيد من هذه الإرادة القوية ، وإما أن تملكَ الإرادة القوية , بسببِ العِلمِ الذي تُحصّلهُ وأنتَ في مُقتبل العمر , هذا هو الفرق . صفة المريد : ![]() قال بعض العلماء : من صفات المُريد أنه يتحبب إلى الله بالنوافل ، بصلاةٍ نافلةٍ ، بصومٍ نفلٍ ، بتلاوةِ قرآنٍ ، بذِكر كثير ، وصدقةٍ كثيرة ، الذي يتحبب إلى الله بالنوافل , هذه صفاتٌ في المُريد . والمُريدُ أيضاً : هو الذي يأنسُ بالخلوة . هناك شخص يقول لك : اجتماعي , لا يستطيع أن يجلسَ وحده أبداً ، يجلسَ وحدهُ , يشعر بالوحشة ، والاستئناس بالناس , كما يقول بعض العلماء : من علامات الإفلاس . أما المُريد الصادق لهُ معَ ربهِ خلوات ، وله مع ربهِ جلوات ، يأنَسُ إذا جلسَ وحدهُ في الغرفةِ , يذكرُ الله ، يأنسُ بتلاوة القرآن . ذكرت البارحة في درس الأحد : أنَّ غارَ حِراء , الشابُّ القوي المتين , مفتول العضلات , لا يستطيع أن يصلَ إليه , إلا بساعاتٍ طويلة مع الجُهدِ الشاق , يمكن أن تَصِلَ إليه بساعتين أو بثلاثة , ولكن أن تستطيع أن تنامَ هُناكَ وحدك في الليل , والأرضُ كُلُها أفاعي وعقارب ، قلت : ما الذي جعلَ النبي عليه الصلاة والسلام يقبعُ في هذا الغار الليالي ذوات العدد ؟ إنَّ أُنسهُ الشديدَ بالله , طغى على وحشة المكان , وإذا كُنتَ مُريداً صادقاً مع الله , ربما شعرتَ بهذا الشيء ، كلما ازدادَ قُربُك ازدادَ أُنسُك ، وإذا ازدادَ أُنسُكَ باللهِ عزّ وجل , غَلَبَ على وحشةِ المكان . من علامة المُريد الصادق ... أنه يأنَسُ بالخلوة ، ويؤثر أمرَ الله تعالى على كلِّ شيء ، ويستحيي من نظرِ اللهِ إليه , يستحيي أن ينظرَ اللهُ إليه في حالةٍ لا تُرضيه ، ويبذل جُهدهُ في ابتغاء مرضاة الله ، ويتعرضُ لكلِّ سببٍ يوصِلُ إليه . يا ترى : بحفظِ القرآن ؟ يا ترى : بخِدمة الصالحين ؟ يا ترى : بالدعوةِ إليه ؟ يا ترى : بالتواضع ؟ يا ترى : بماذا ؟ كُلما بَلَغَهُ أنَّ هذا الطريق يوصِل إلى الله سَلَكَهُ . كُلما سَمِعَ أنَّ هذا العمل يُقرّبُ فعله . كُلما دَرِي أنَّ هذا الشيء إذا ابتعدَ عنهُ يقترب من الله عزّ وجل , يُبادر فيبتعد عنه . والقناعة من صفات المُريد الصادق , يقنعُ بما قَسمهُ اللهُ له ، دائماً المُريد صابر , وقَنوع , وراضٍ , والذي يُريد الدنيا وزينتها , دائماً لجوج , وناقم , وساخط , وقلبُ المُريد لا يَقرّ إلا إذا وصلَ إلى الله عزّ وجل ، يُثلجُ قلبهُ أن يرضى الله عنه . ![]() وقيلَ : المُريد من كانَ نومهُ غَلَبَة . وقيلَ : المُريد من كانَ نومهُ غَلَبَة . يعني النوم عندهُ حينما تنهار أعصابهُ ينام ، حينما يغلِبهُ النوم ينام ، أمّا أن يجعلَ النومَ أحدَ مُتعِ الحياة ، يهيئ نفسهُ للنوم , ينام نوماً عميقاً ، ليسَ هذا من علامات المُريد , والدليل : ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [سورة السجدة الآية: 16] قالَ : المُريد من كانَ نومهُ غَلَبَة , وأكله فاقة , وكلامهُ ضرورة , هذا الذي يُريد الله ورسوله . لأحدِ العلماء كلمةٌ خطيرة , قالَ : من لم تَصحَّ إرادتهُ ابتداء , فإنه لا يزيده مرور الأيامِ إلا إدباراً . يعني إذا الإنسان في بداياتهِ لم يُرد الله ورسولهُ , كُلما مرَت الأيام تزيدهُ بُعداً , وسأماً , وضجراً , ومللاً , وكسلاً , وانصرافاً , إلى أن ينقطعَ عن اللهِ عزّ وجل . يعني إذا بدأتَ طريقَ الإيمان , بدأتهُ غيرَ صادقٍ , ما صحت إرادتك في طلب الحق ، إذا بدأت الإيمان لطلبِ الدنيا , تجد أنَّ الأيام كلما مرت أبعدتك , جعلتك تسأم ، يقول لك : والله مللنا كلاماً , سمعناه كثيراً ، تجده يُصلّي متكاسلاً ، يصوم متأففاً ، يحجُّ تاجراً ، يذكرُ لاهيّاً ، يُسبّحُ غافلاً ، يقوم بالواجبات شكلاً , صورةً ، عباداتهُ جوفاء ، تِلاوتهُ عرجاء . وقالَ بعضهم : المُريد إذا سَمِعَ شيئاً من علوم القوم ، سَمِعَ شيئاً فَعَمِلَ به , صارَ حِكمةً في قلبهِ إلى آخرِ عُمُرِهِ . التطبيق العملي : يعني مثلاً : سَمِعَ أنَّ أمرَ اللهِ عزّ وجل أن تَغُضَ بصركَ عن محارم الله , هذا توجيه إلهي ، فغضَّ بصره عن محارم الله , فشعرَ بحلاوةٍ ملأت قلبهُ ، صارَ هذا حكيماً , لأنه مُجرّب , سَمِعَ التوجيهَ نظريّا , وطبّقهُ عمليّاً , فشعرَ بحلاوةٍ في قلبه إلى آخرِ عمره , يقول : أنا فعلتُ كذا وكذا , وشعرتُ بكذا وكذا . سَمِعَ أنه ما تركَ عبدٌ شيئاً لله , إلا عوّضهُ اللهُ خيراً منهُ في دينهِ ودُنياه ، سَمِعَ بهذه الحِكمة , فعرضت لهُ الدنيا مع شُبُهةٍ , فتركها , وازوّرَ عنها , وابتعدَ عنها , فآتاه الله خيراً مما فقدهُ , صارَ حكيماً ، صار بالتعبير الحديث : صاحب تجربة ، صار صاحب خِبرة ، صار يُعاين كما قالَ العُكبُري : القرآن الكريم تؤخذُ ألفاظهُ من حُفّاظهِ , وتؤخذُ معانيه ممن يُعانيه ، صار في معناه . قال : وإذا تكلّمَ هذا الحكيم , الذي سَمِعَ من كلامِ القوم , فطبّقهُ , فقطفَ ثِمارهُ , فذاقَ طعمهُ , فصارَ حكيماً ، الآن إذا تكلّمَ به , انتفعَ به من سَمِعهُ ، وقديماً قالوا : الكلامُ الذي يخرجُ من القلب , يدخلُ إلى القلب بِلا استئذان ، والذي يخرجُ من الفم لا يُجاوز الأذان . متى يمكن أن ينتفعَ الناسُ بكلامك ؟ إذا استمعتَ أنتَ إلى الحق , وطبّقتهُ , وقطفت ثِمارهُ ، لمستَ فوائده ، فتكلّمتَ عن تجربةٍ . انتهت إلى مكان جميل , وعاين المكان , وسُرَّ به سروراً عظيماً , وعادً إلى بلده , الآن : إذا ذكرَ لكَ مذاق من مُتعةٍ وسرور , ينقل لكَ شعوره , تشتهي أنت أن تذهبَ إلى هذا المكان . إذا وصفَ لكَ الواصف , وكان وصفهُ عن تجربة حقيقية , ينقل لك كلَّ شعوره , فإذا قال لكَ : والله أنصحكَ أن تذهب إلى مكان كذا في قضاء إجازتك ، تسألهُ : هل ذهبت إليه ؟ يقول : لا والله ؛ لكن هكذا وصفوه لي , تبقى أنتَ فاترِ الهِمة , لأنَّ كلامهُ لم ينتقل إليكَ مع الشعور . قال : وإذا تكلّمَ بهِ انتفعَ به من سَمِعهُ , ومن سَمِعَ شيئاً من علوم القوم , ولم يعمل به , كانَ حكايةً يحفظُها أياماً , ثمَ ينساها . مر معنا بعلم التربية ... أنَّ أسوأَ أنواع التعليم هو التعليم اللفظي ، تُقدّم للطالب آلاف المعاني في ألفاظ , لأنَّ الطالب لم يعش هذه التجارب ، لم يعش هذه الحقائق , سمعها بأذنهِ , إذا أدى بها امتحاناً ، حَفِظَ الكتابَ كلمةً كلمة , وأدى به امتحاناً . أنا أقول لكم هذا الكلام المُضحك ... الطلاب الذين ينجحون في الشهادات , لو دُعوا إلى تقديم الامتحان نفسهِ بعدَ عام , لرسبوا جميعاً , لماذا ؟ لأنَّ التعليم لفظي ، هذه المعلومات حَفِظوها , فلّما جاء الامتحان , كتبوها , لأنها لم تُكن عن تجربةٍ , ولا عن إحساسٍ , ولا عن خِبرةٍ , لكن لاحظ نفسك : إذا عانيتَ تجربةً لا تنساها حتى الموت , يمضي عليها ثمانون عاماً وأنتَ تذكرها ، لذلك أرقى أنواع التعليم : التعليم عن طريق الخبرات والتجارب . ![]() سمعت ببعض بلاد الغرب , المهندس يذهب إلى الحقول , في مساعدة كبار المهندسين , طالب هندسة لا يدخل إلى قاعة التدريس , قبل أن يمضيَّ ستة أشهر مع المهندسين ، يرى الطبيعة , يرى الإسمنت , يرى البناء كيف ينشأ ؟ يرى هذه الألفاظ . يعني : فرقٌ كبير بين واحد مثلاً لم ير البحر إطلاقاً ، قرأ مقالة عن البحر , ورأى صورة عن البحر ، وقرأ قصيدة عن البحر ، هل أنا يا بحر منكَ لستُ أدري ؟ قرأ قصيدة عن البحر , ونظر إلى صورة عن البحر ، هذا البحر عِندهُ فكرة , قرأها , ينساها , أما لو أنَّ هذا الإنسان ذهب إلى البحر , وسَبَحَ فيه , وكادَ يغرق , وشَعرَ أنه كادَ يموت , لولا أحداً أنقذه في آخر لحظة ، هذا يعرف ما البحر ؟ وما معنى موج البحر ؟ وما معنى ملوحة البحر ؟ يعرفُها , تجربة لا ينساها أبداً . أما الآن : لو أنَّ إنساناً فرضاً , ما أُتيحَ له أن يذهبَ إلى البحر , وقرأ مقالةً عن البحر ، أسأله بعدَ ثلاثة أيام ماذا تذكر منها ؟ يقول لكَ : لا شيء ، وإذا ذكرَ بالمائة خمسون ، وبعدَ أسبوعين لا يذكر شيئاً ، هذا التعليم اللفظي ، أما لو أخذناه إلى البحر , وسَبحَ فيه , وذاقَ طعمَ ملوحتهِ , ورأى الأسماكَ فيه , وركبَ متنَ البحر , وشعرَ بالموج , وانخلعَ قلبهُ خوفاً , وكادَ يغرق ، هذه التجارب لا ينساها حتى الموت . فإذا كانت معلوماتك بالدين كأن تقرأ مقالة عن البحر , وأنتَ ما عرفتَ البحر , وما رأيتَ البحر , ولا سبحتَ في البحر , ولا ذُقتَ طعم البحر , ولا أوشكتَ على الغرق فيه , فكلُّ معلوماتك سطحية وسرعان ما تنساها . لذلك : تؤخذ ألفاظهُ من حُفاظّهِ , وتؤخذ معانيه ممن يُعانيه ، أما إذا كان لكَ مع الله تجربة , إذا ذُقتَ طعمَ القُربِ فعلاً ، إذا ذُقت طعمَ الاستقامة ، إذا ألقى الله في قلبكَ السكينة ، إذا شعرتَ براحة الإيمان ، إذا شعرتَ بأنَّ الله يُحبك ، إذا أنفقتَ من مالِكَ فآتاكَ الله عشرةَ أمثال ، إذا آثرتَ مرضاة الله عزّ وجل فعوّضكَ الله خيراً مما فقدك ، كلُّ حديثٍ شريف ، وكلُ آيةٍ كريمة تُطبُقها وتقطف ثمارها , أنت الآن داعية أصبحت , لأنكَ إذا تكلّمت , تركتَ أثراً عميقاً في نفوس الناس ، إذا دعوتَ إلى الله , وعبّرتَ عن خِبراتكَ الإيمانيّة , فعلتَ في نفوس الناس فِعلَ السِحر , لأنكَ تتحدثُ عن تجربة ، دعوا في أذهانكم مقالة البحر ، مقالة حفظتها , قصيدة حفظتها ، صور تأملتها , وأنتَ لم تره إطلاقاً . لذلك : أحد الشعراء وصفَ مُدعيّ التصوف , قال : خاضوا بِحار الهوى دعوى وما ابتلّوا يعني : الإنسان كأس ماء ، ماء حقيقي لو وضعها في جيبهِ , لسالَ الماءُ إلى الأرض ، أيُعقلُ أن يخوضَ بحراً دونَ أن يبتل ؟ كأسُ ماء واحد يملؤهُ بللاً , ويخوض بحراً ولا يبتل !؟ هذه الدعاوى : خاضوا بِحار الهوى دعوى وما ابتلّوا . فالذي أتمناه على كلِّ أخٍ منكم , إذا أرادَ أن يدعو إلى الله , إيّاهُ أن ينطلقَ من معلوماتٍ سمعها , أو من أفكارٍ نُقلت إليه , أو من كتاب قرأهُ ، إن فعلَ هذا لا يستطيع أن يؤثّرَ في إنسان ، أما إذا كانت له مع الله تجربة , إذا كانت له مع الله أيام ، إذا كانت له مع الله أحوال ، إذا كانَ قد آثرَ جانبَ الله ، إذا كانَ قد تركَ شيئاً لله ، إذا ذاقَ طعمَ القُرب ، إذا ذاقَ حلاوة الحُب ، إذا كانَ كذلك , نقول له : عندئذٍ ادع إلى الله ، كلامُكَ عندئذٍ يفعلُ في الناس فِعلَ السحر ، وقد وُصِفَ النبي عليه الصلاة والسلام بأنه ساحر وليسَ بساحر , لِشدةِ قوةِ تأثيرهِ من الناس ، من أينَ جاءت قوة التأثير ؟ من المعاناة , من الحبِّ الذي امتلأَ في قلبه . ومن سَمِعَ شيئاً من علوم القوم ولم يعمل به , كانَ حكايةً ؛ يحفظُها أياماً ثمَّ ينساها . أنا حينما كُنتُ في التدريس , كنتُ أطلب من طلابي , في أولِ درسٍ ألتقي بهم , أقول لهم : هُناكَ وظيفة ، اكتبوا لي حدثاً بارزاً في حياتكم وقعَ فعلاً , حينما أتلّقى الوظائف , أجدُ العجبَ العُجاب , لأنَّ الطالب إذا تكلّمَ عن مأساةٍ عاناها , أو عن شيء ملأَ قلبهُ فرحاً , يُصبحُ أديباً ، أسلوب قوي ، معاناة ، عاطفة صادقة ، فكلُّ طالبٍ حينما ينطلقُ في كتابته من تجربةٍ حقيقيةٍ , من مأساةٍ , من حدثٍ مُفرحٍ ، يُصبحُ في مستوىً أدبيٍّ أرقى بكثير من مستواه الأصلي ، لأنَّ جوانحهُ وعواطفهُ وخبراتهِ كُلها تضافرت على إنجاح هذا الموضوع ، لذلك يبقى لكلِّ طالبٍ في ذهني صورة . وقالَ يحيى بن مُعاذ : أشدُّ شيء على المُريد معاشرة الأضداد ، إذا كُنتَ فعلاً مُريداً صادقاً , أصعبُ شيء في حياتك , أن تُضطرَ أن تُرافِقَ إنساناً بعيداً عن الله عزّ وجل ، تشمئزُ من مُزاحِهِ ، ومن حركاتهِ ، ومن سكناتهِ ، ومن نظراتهِ ، ومن تعليقاتهِ ، ومن ملاحظاتهِ ، أنتَ نقيٌ كالثوبِ الأبيض , وهو قذر أسودُ الثوبِ , الذي امتلأ من المياه الآسِنةِ والوحولِ القذرةِ , أما إذا أقمتً علاقاتٍ حميمةً مع أُناسٍ بعيدين عن الله عزّ وجل , وأحببتهم ، آثرتَ صحبتهم ، أمضيتَ معهم وقتاً ممتعاً ، فهذه علامةٌ خطيرةٌ جداً على أنكَ بعيدٌ عن الإيمانِ بُعداً كبيراً . يعني : أيُعقل أن تخرُجَ من الحمام , وقد تألّقَ جسدك, وارتديتَ أجمل الثياب , وأنظفها , وأشدها عِطراً , وأن تمرَّ على أُناسٍ , يسبحونَ في ماءٍ آسنٍ أسود , وروائح هذا الماء , تزخمُ الأنوف ؟ أيُعقلُ أن تتمنى أن تكونَ معهم وأنتَ بهذه النظافة ؟ لا يُمكن ، أنتَ في نظافةٍ , وفي طُهرٍ , وفي عطرٍ , وفي نقاءٍ , وفي صفاءٍ , وهم في قذارةٍ , وفي دنسٍ , وفي رجسٍ , وفي نجاسةٍ . ![]() لذلك : إذا ألِفتَ أهلَ الدنيا , وأحببتهم , وضحكتَ لمُزاحهم , وأنِستَ بقُربهم , وأمضيتَ معهم ساعات طويلة , فاعلم عِلمَ اليقين ، أنكَ واحدٌ منهم , وأنكَ لا تنتمي إلى الدين إطلاقاً , إنما هوَ ادعاءٌ فارغ ، أما إذا شعرتَ أنكَ لا تحتمل أن تُمضي ساعات طويلة مع أهل الدنيا , مع أهل الإعراض , مع أهل الفِسق والفجور . واللهِ الذي لا إلهَ إلا هو مزحةٌ رخيصة , إذا سمعهُ المؤمن , يكادُ يخرجُ من جِلدهِ , من شدةِ التأذي ، بينما تجدُ أُناساً آخرين , ينثنونَ من الضحك ، يهتزونَ نشوةً لهذا المُزاح ، علامةُ إيمانك : أنَّ هذا المُزاح أللأخلاقي , القذر , تأباهُ نفسك , إن رأيت إنساناً مُتلاعِباً كذوباً ذكيّاً ، إن أُعجبتَ به فأنتَ مِثله , أما إذا احتقرت خِداعهُ ونِفاقهُ وانحطاطهُ فأنتَ مؤمن , لذلك : لا بدَ من أن تكونَ متميزاً عن أهلِ الدنيا . أشدُ شيء على المُريد : مُعاشرةُ الأضداد من كانوا ضِدهُ في السلوك , للموضوع تتمة رائعة جداً , يقول : المُريد الصادق أيّةُ حركةٍ يتحركها في الدنيا , يزينُها بمقياسٍ واحد ، هل تُقرّبهُ من الله أم تُبعِدهُ ؟ حتى تجارتهُ , حتى حِرفتهُ , حتى مهنتهُ , حتى حركتهُ وسكناته , حتى نزهاتهُ , حتى إجازاتهُ , حتى كلُّ حركاتهِ ، إن كانت حركتهُ تُبعدهُ عن الله عزّ وجل لا يفعلُها ، إذاً : في كلِّ نشاطهِ يقصدُ وجهَ الله عزّ وجل , لذلك : إلهي أنتَ مقصودي ورضاكَ مطلوبي . قال : لا بدَّ من ثلاثة أشياء حتى تَبلُغَ ما تريد أيها المُريد ؛ لا بدَّ من نفسٍ مستعدةٍ قابلة , والنفسُ لا تستعدُ ولا تقبل إلا إذا تعلّمت , إذاً : العِلمُ هو الطريق الوحيد ، ولا بدَّ من دعوةٍ مستمعة، أنت نفس مستعدة , ودعوة حقيقية صحيحة , أساسُها الحق , أساسُها العدل , أساسُها الواقع , أساسُها الفِطرة , أساُسها المنطق ، ولا بدَّ من أن يكونَ الطريقُ خاليّاً من العوائق ، فإذا أزلتَ العوائق , ووفقتَ إلى دعوةٍ صحيحة, وكُنتَ مستعداً لقَبولِها , بسبب العلمِ الذي تعلمتهُ , صارَ الطريقُ إلى الله سالكاً والوصول محققاً . آخر فِكرةٍ في الدرس : هو أنّ المُريد تنتابهُ حالتانِ أساسيتان ؛ حالة القبض وحالة البسط ، الحقيقة : القبض يأتي من الخوف والبسطُ يأتي من الرجاء ، القبضُ لسببين ؛ إما لتقصيرٍ , أو لمعصيةٍ , أو لتركِ حقوقٍ لا تؤدى , وهذا السبب يقتضي التوبة والتصحيح ، وإما أن لا يدري المُريد لهذا الانقباض سبباً , عندئذٍ عليه أن يصبر , فلعلَّ في هذا حِكمةً تتضحُ لهُ بعدَ حين ، وأما البسط يشعر بنشوة , بإقبال , بمعنويات مرتفعة جداً , هنا منزلق أن يتيهَ على الناسِ بهذا الحال ، أن يُعجبَ بنفسهِ ، أن يرى نفسهُ فوقَ الناس ، عندئذٍ ينزلقُ من هذا الحال المريح إلى حالٍ أخرى لا تُرضي الله عزّ وجل , فإذا جاءَ الانقباض , فابحث عن السبب , فإن عرفتهُ فتُب منهُ , وإن لم تعرفهُ فاصبر على حِكمة الله عزّ وجل حتى ينجليَّ الموقف ، وإن جاءَ الانبساط , فإيّاكَ أن يستخفّكَ الانبساط , فتقعَ في زهوٍ , أو في كبرٍ , أو استعلاء على الناس , وعندئذٍ تكونُ قد امتحنت ورسبتَ في الامتحان . ملخص المُلخص : يجب ألا يُخرجكَ البسطُ عن الاستقامة , ولا أن يُخرجكَ البسطُ أيضاً على أن لا تكونَ أديباً بينَ يدي الله عزّ وجل . الخاتمة : هذه لمحةٌ سريعةٌ عن منزلة الإرادة , أُلخصّها بكلمتين : إذا كانَ بينما أنتَ فيه , وبينَ ما تتمنى أن تكونهُ مسافةٌ كبيرة , فاعلم أنَّ هذا بسببِ ضعفٍ في إرادتك , وضعفُ الإرادةِ في الأصلِ نقصٌ في العلمِ . عُدنا : إلى أنَّ العِلمَ هو الطريق الوحيد إلى الله عزّ وجل , وما من طريقٌ إلى الله إلا طريقُ العِلمِ . فإذا أردتَ الدنيا فعليكَ بالعلم , وإذا أردتَ الآخرة فعليكَ بالعِلم ، وإذا أردتهما معاً فعليكَ بالعِلم ، والعِلمُ لا يُعطيكَ بعضهُ إلا إذا أعطيتهُ كُلكَ , فإذا أعطيت بعضكَ لم يُعطِكَ شيئاً , ويظلُ الإنسانُ عالِماً ما طَلَبَ العِلم , فإذا ظنَّ أنه قد عَلم فقد جَهل . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#19 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : المراقبةالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( التاسع العاشر ) منزلة المراقبة . أيها الأخوة الأكارم ؛ مع الدرس التاسع عشر من دروس مدارج السالكين , ومنزلة اليوم : منزلة المراقبة . هذه المنزلة ذاتُ أهميةٍ كبيرةٍ في طريق الإيمان , لأنَّ الإنسانَ إذا أيقنَ أنَّ الله يُراقِبهُ , استقامَ على أمره , فَسَعِدَ في الدنيا والآخرة . الآيات القرآنية المتعلقةُ بهذه المنزلة . الآية الأولى : يقول الله عزّ وجل : ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [سورة البقرة الآية: 235] ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ يعني يجب أن تعلمَ أنَّ اللهَ يعلم ، فإذا عَلِمتَ أنَّ الله يعلم , أخذتَ الحِذرَ من أن تعصيهُ , وهذا هو سِرُ النجاح مع الله عزّ وجل . الآية الثانية : آية ثانية من آيات المراقبة , وهي قولهُ تعالى : ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيباً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 52] لا شكَ أنَّ أحدنا إذا عَلِمَ أنهُ مُراقب, فإنهُ يُبالغُ في الانضباط، يُبالغُ في مراجعةِ نفسهِ, في كلماتهِ، وفي حركاتهِ، وفي سكناتهِ، هذا إذا راقبهُ إنسان, والإنسان مراقبتهُ محدودة, يستطيع أن يكتب ما قُلت, وأن يُصوّر ما تحركّت, ولكنهُ لا يستطيع أن يكشف ما في نفسك, ولا ما في ذهنك، المراقبة المحدودة من قِبِلِ إنسانِ ضعيفٍ مثلك, تدعوكَ إلى الانضباط التام, فكيف لو علمتَ أنَّ الواحدَ الديّان يُراقِبُك؟ أنَّ الله عزّ وجل الذي يعلم السرَّ وأخفى مُطّلعٌ عليك؟ ناظرٌ إليك؟ يعلمُ سِركَ وجهرك؟ ما أخفيتَ وما أعلنت؟ ما أبطنتَ وما أظهرت؟ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ لا عليك فقط؛ بل على خصومكَ وعلى سائر المخلوقات . الآية الثالثة : من آيات المراقبة قوله : ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [سورة الحديد الآية: 4] وهذه معيّةٌ عامة ، الله سبحانه وتعالى معَ كلِّ مخلوق ؛ مؤمن كانَ أم كافر . الآية الرابعة : يقول الله عزّ وجل : ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ [سورة العلق الآية: 14] مُطلّعٌ عليك . الآية الخامسة : ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [سورة الطور الآية: 48] يعني: الإنسان في عين الله، بمعنى أنه يراه، وفي معنى آخر: أنه يحفظهُ، نقولُ: هذا الابنُ في عينِ أمهِ, يعني أمهُ تحوطهُ بالرعاية والاهتمام, بمعنى أنها تعلمُ أينَ هوَ؟ وماذا يفعل؟ وبمعنى أنها تحوطهُ بالرعاية والاهتمام . الآية السادسة : الآية الأخيرة في هذا الباب : ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [سورة غافر الآية: 19] وما من مخلوقٍ على وجه الأرض, يستطيع أن يكشفَ خيانةَ العين إلا الله، هو وحدهُ يعلم خائنة الأعين، وأنا دائماً أسوق هذه الآية ذلكَ المثل: طبيبٌ مسموحٌ له أن ينظرَ إلى جسدِ المرأة, لكنَّ الشرعَ سمحَ لهُ أن ينظرَ إلى موضع العِلّةِ فقط, فلو سبقتهُ عينهُ إلى مكانٍ آخر, هذا شيءٌ لا يستطيعُ مخلوقٌ أن يطلّعَ عليه إلا الله . ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ﴾ وقد تكونُ في بيتك وحدك, تفتحُ نافذةُ جارك, تقفُ أمامها امرأة، لا يمكن لأحدٍ أن يطلّعَ على هذه المخالفة, لو ملأتَ عينيكَ منها إلا الله، فإذا نظرت يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور . إذاً : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ كلُّ هذه الآيات تتضافر ليكونَ منها منزلة, يجب أن يتحلّى بها المؤمن, وهي منزلة المراقبة, يعني أن يشعر وأن يوقن أنَّ الله يُراقبهُ . أحاديث شريفة تتعلق بهذه المنزلة : إلى السُنّة : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : ((كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَارِزًا يَوْمًا لِلنَّاسِ, فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ, فَقَالَ: مَا الإِيمَانُ؟ قَالَ: الإِيمَانُ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ, وَمَلائِكَتِهِ, وَكُتُبِهِ, وَبِلِقَائِهِ, وَرُسُلِهِ, وَتُؤْمِنَ بِالْبَعْثِ, قَالَ: مَا الإِسْلامُ؟ قَالَ: الإِسْلامُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ, وَلا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا, وَتُقِيمَ الصَّلاةَ, وَتُؤَدِّيَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ, وَتَصُومَ رَمَضَانَ, قَالَ: مَا الإِحْسَانُ؟ قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ, فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)) حتى في بعض الأدعية النبوية يقول عليه الصلاة والسلام : ((اللهم اجعلنا نخشاك كأننا نراك)) المراقبة : دوام علمِ العبدِ وتَيقُنِهِ باطلاّعِ الحقِّ عليه سبحانهُ وتعالى على ظاهره وعلى باطنه ، فاستدامتهُ لهذا العِلمِ واليقين هي : المراقبة . سؤال الآن : لو أنهُ من حينٍ لآخر , شعرتَ أنَّ الله يُراقبك , هل أنتَ في حال المراقبة ؟ الجواب : لا !!! إذا دامَ هذا الشعور , وشعرتَ أنَّ الله يُراقبك في كلِّ أحوالك ، في حركاتك وسكناتك ، في كلِّ نشاطاتك ، في خلوتك , في جلوتك ، في لهوِكَ , في جِدك ، في عملك , في بيتك ، في الطريق ، إذا سافرت إلى أماكن بعيدة , إذا استدامَ حالُ المُراقبة ، إذا استدامَ شعورُكَ أنَّ الله يعلم , وأنَّ الله مُطلّعٌ عليك , وأنَّ الله يُراقِبك . فأنتَ في مرتبةٍ من أرقى المراتب , ومن أهم المراتب , ومن أكثرها فائدةً لك , إنها : حالُ المُراقبة . المراقبة ثمرةٌ من ثمار العِلمِ, لأنَّ الله سبحانه وتعالى رقيبٌ عليك . مثال : لو دخل إنسان إلى متجر , وكان خبيراً بما في هذا المتجر ؛ من أجهزة , وآلات , ورأى آلات تصوير , وٌضعت في زوايا متعددة من المتجر , وقرأ لوحةً كبيرة كُتبَ عليها : الصالة مراقبة تلفزيونياً ، إذا قرأ اللوحة , ورأى الأجهزة , أيُعقل أن يدخلَ إلى زاويةٍ ميتةٍ , فيأخذُ حاجةً ويضعُها في جيبه ؟ مستحيل , هُنا أيقن أنهُ مُراقب . موظفٌ في شركة, ذهبَ إلى بلدٍ أجنبي, ودخلَ صالةً من صالات البيع, ورأى حاجةً غالية الثمن, خفيفة الوزن, وشعرَ أنَّ أحداً لا يُراقبهُ, فأخذها ووضعها في جيبه, وعندَ الباب أُلقيَّ القبض عليه, وسيقَ إلى سِفارته, لينال جزاء عملهِ, وكانت فضيحة, وهو موظفٌ على مستوىً عالٍ، إذاً: لأنهُ ظنَّ أن أحداً لا يعلم, تورّطَ في هذه المخالفة، فلو عَلِمَ أنَّ القاعة مراقبة, وأنَّ هناك آلات تصوير تُصوّر وتُسجّل, أو أنَّ هناك لوحة كُتبَ عليها: القاعة مُراقبة، أنا أضرب لكم أمثلة بسيطة، إذا شعرتَ أنَّ الله مُطّلعٌ عليك, وأنتَ في البيت . من لم يكن له ورعٌ يصدهُ عن معصية اللهِ إذا خلا, لم يعبأ الله بشيء من عمله . إذاً : كلُّ عملهِ نِفاقٌ ورياءٌ, أمّا إذا كانت خلوتهُ كجلوتهِ, سِرّهُ كعلانيتهِ، ظاهِرهُ كباطِنهِ، فهذا الذي ينجحُ ويُفلح . ((ركعتان من ورع خيرٌ من ألفِ ركعةٍ من مُخلّط)) مُخلّط : هو الذي خلطَ عملاً صالحاً وآخر سيئاً . أقوال العلماء في مقام المراقبة . الآن إلى أقوال العلماء في مقام المراقبة , أو في مرتبة المراقبة , أو في منزلة المراقبة , كما وردت في مدارج السالكين ، قيلَ : من راقبَ اللهَ في خواطرهِ , عصمهُ في حركات جوارحهِ . أحياناً الإنسان يسمح لخواطره, أن يَردها أشياء لا تُرضي الله, يتصور معصية، يتخيل أنهُ يعصي الله، يسوحُ خيالهُ في متاهات البُعدِ عن الله, إذا سَمَحَ لخواطرهِ أن تجولَ في المعاصي, أغلبُ الظن : أنَّ هذه الخواطر إذا تُركت على عواهنها, انقلبت إلى معاص . أنا أقول لكم كلاماً واضحاً: الله سبحانه وتعالى لا يحاسب إلا على العمل, ولكن إذا سمحت لخواطركَ بالشطط, ربما زلّت قدمك, فانقلبت الخواطر إلى عمل، وشيءٌ آخر هو: أنَّ مُعظمَ الذين عَصوا ربهم معاصٍ كبيرة, هم في الأساس ما أرادوا أن يعصوا هذه المعصية, ولكن خاطِرٌ، فنظرةٌ، فكلامٌ، فابتسام، فموعدٌ، فلقاءٌ، ففاحشةٌ, أساسُها خاطر. فلذلك من باب الوقاية, ومن باب الورع: لا تسمحُ لخواطِركَ أن تجولَ في المعاصي, مع أنكَ لا تُحاسب على الخواطر, لكن نخافُ أن تدعها تجول, عندئذٍ تضعفُ عن مقاومتها, فإذا أنتَ أمامَ معصيةٍ . مرة ثانية : من راقبَ اللهَ في خواطرهِ , عصمهُ في حركات جوارحهِ . بالمناسبة في قول لطيف : من تركَ ما اشتبهَ عليه من المعاصي , كانَ لِما استبانَ أترك . إذا قضية شُبُهة, تركها ورعاً, هو من بابٍ أولى أنه لن يقترفَ المعاصي البيّنة، ومن وقع فيما اشتبهَ به, كان لِما استبان أوقع, ومن تجرّأَ وارتكبَ معصيةً, يعدُّ شُبهةً عِندَ الناس, في المرحلة التالية سوف يتجرأ, ويقع في المعصية البيّنة الواضحة . قالَ الجُنيد : من تحقق في المُراقبة , خافَ على فواتِ لحظةٍ من ربهِ لا غير . يعني إذا كُنتَ في حال المراقبة , وشعرتَ أنَّ الله معكَ دائماً , وأنهُ مُطّلعٌ عليك , وأنهُ يعلمُ سِرّكَ ونجواك , خِفتَ أن تُضيعَ لحظةً من حياتك . وقال ذو النون : علامة المراقبة : إيثارُ ما أنزلَ الله , وتعظيمُ ما عظّمَ الله , وتصغيرُ ما صغّرَ الله . يعني لاحظ نفسك، قيَمك، مقاييسك، تنطبق على الكتاب والسُنّة، أحياناً تُعظّمُ شيئاً حَقّرهُ الله, معناها قيِمك غير إسلامية، قيِمك غير رحمانية، وأحياناً في أشخاص إذا خرجَ من بيتهِ بثياب النوم, يَعدُ هذا عملاً همجيّاً غيرَ حضاريّ, عملاً بشعاً قبيحاً جداً، أما إذا خرجت امرأته ترتدي أحدثَ الثياب, وتُبرز من مفاتنها ما ينبغي أن يخفى, يُعدُ هذا رٌقيّاً, انظر للإنسان, هذا عظّمَ ما حقّرهُ الله, وحقّرَ من ما عظّمهُ الله, فيجب أن تُلاحظ أن تكون مقاييسك وقيمك وزوايا النظر, متوافقةً تماماً معَ ما في الكتاب والسُنّة، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( طوبى لمن وَسِعتهُ السُنّة ولم تستهوهِ البِدعة )) وقالَ إبراهيم الخواص : المراقبة خلوص السرِّ والعلانية للهِ عزّ وجل من الداخل ومن الخارج . وقيلَ : أفضلُ ما يُلزمُ الإنسان نفسهُ في هذه الطريق ؛ المحاسبة والمراقبة وإيقاعَ عملهِ مع الحُكم الشرعي . أن تُراقب نفسك, بعد المُراقبة في مُحاسبة, راقبنا هذا الطالب, إذا بهِ يَغُش في الامتحان, نكتب تقريراً نعطيه الصفر, إذا راقبَ نفسهُ, ثمَّ حاسبها, وبعدَ أن حاسبها, انتقل إلى مرحلة إيقاعِ عملهِ وفقَ الشريعة, راقب وحاسب, ووفقَ بين حركته وبين العلم الشرعي .. قال : إذا جلستَ للناسِ , فكُن واعظاً لقلبكَ ونفسك , ولا يَغُرّنكَ اجتماعهم عليك , فإنهم يُراقبونَ ظاهرك , والله يُراقب باطنك . لا تغترَّ أن يجتمعَ الناسُ عليك, لأنهم يملكون أن يُراقِبوا ظاهِرك, وأنت طبعاً ذكي, سوف تجعل من ظاهركَ ظاهراً صالحاً، لكنَّ الواحدَ الديان يُراقب قلبك, فاجهد أن تُحاسب نفسك قبلَ أن يُحاسبكَ الله عزّ وجل . قال : العلماء مجمِعون على أنَّ مراقبة الله تعالى في الخواطر سببٌ لِحفظها في حركات الظواهر , فمن راقبَ الله في سِرّهِ , حَفِظهُ في حركاتهِ , في سِرّهِ وعلانيتهِ . أنتَ في حال المُراقبة, تعبد الله باسم الحفيظ, والرقيب, والعليم, والسميع, والبصير, هذه الأسماء الحُسنى الخمس, كُلُها تؤدي معنى المُراقبة, إذا تكلّمت فهو سميع، وإذا تحركت فهو بصير، وإذا أضمرت فهو عليم، وإذا خرجتَ من بيتك فهو الرقيب، وإذا عَمِلتَ عملاً فهو الحفيظ، في نسخة كلّ حركاتك مُسجلّة عِندَ الله عزّ وجل . حفيظٌ ورقيبُ وبصيرٌ وسميعُ وعليمٌ, الحركة بصير، الكلام سميع، الإضمار ما في الداخل عليم، الحفيظ الأعمال مُسجّلة موثّقة، المُراقب يعني لكَ بالمرصاد . ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ * وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ * وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ * هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [سورة الفجر الآية: 1-5] ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [سورة الفجر الآية: 6-14] الآية دقيقة جداً ليس فقط بالمرصاد، يُعاقب على ما اقترفتهُ يداك، معنى بالمرصاد أنه يراكَ وسوفَ يُعاقبُك، الآن: الحاكم يكتفي أن يضبط مخالفات الناس فقط, القضية سهلة جداً, يكفي أن يكتشف أنك تبيع بسعر أعلى, في ضبط, في سجن, وفي حُكم عُرفي، فلما ربنا يقول: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ من لوازم أنه بالمرصاد . ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ من ألطفِ ما وُصِفَت به هذه المنزلة : أنَّ مراقبة الحق تعالى في السير إليه على الدوام, بينَ تعظيمٍ مُذهل, ومُداناةٍ حاملة, وسرورٍ باعث، لاحظ نفسك إذا جاءكَ ضيف, له حجم معين بالمجتمع، صديق يحمل شهادة ثانوية متفوق, فدخلَ عليكَ أستاذ جامعي, لاحظ نفسك, تستقبل الأستاذ الجامعي, وتنظر إليه, وتُحدّثهُ, وتنصرفُ إليه بكليّتك, وتنسى أنَّ في الغرفةِ طالب آخر, ماذا حصل؟ هذا الإنسان الثاني صرفكَ عن الأول, فإذا أنت في بعض ساعاتك, في عملك, في حرفتك, في مكتبك, في متجرك, في معملك, في بيتك, في شيء صرفَكَ عن أنَّ الله يُراقُبك, هذا الحال حالٌ خطيرة . من علامة صِدق المُراقبة : أن شيئاً مهما بدا عظيماً لك, لا يصرفُكَ عن ملاحظةِ عظمةِ اللهِ لك التي تُراقُبك . لذلك : أهل الله، أهلُ القُرب، المؤمنون الصادقون، لا تغيب عظمة الله عن أذهانهم أبداً, بدليل أنَّ هذا الاستعظام للهِ عزّ وجل لا يصرِفهم إلى غير الله . فهذه الحال امتلاء القلب من عظمة الله عزّ وجل, بحيثُ يذهلُ عن تعظيم غيره, دخلت غرفة, على الطاولة جريدة تقرؤها، في قطعة ثمينة لا تمسكها, لا تُقلّبُها، في شخص آخر لا تلتفتُ إليه . أُلاحظ أحياناً: تُقابل إنساناً في نظرك مهم, تجد الجلسة بأدب, والاتجاه نحوهُ بأدب, لا يعبث بمسبَحة أمامهُ, ولا يقرأ جريدة, لأنه شعرَ أنَّ هذا الذي أمامه شخص مهم, بيده مثلاً قضية أساسية, فلماذا نحنُ مع مخلوق, في مقياس المجتمع عظيم, نقفُ متأدبين, ننصرفُ إليه بكليّتنا, لا نعبثُ بسُبحة, ولا نقرأ جريدة, ولا نلتفتُ عنه إلى غيرهِ؟ . لذلك حال المراقبة من لوازمهِ : ألا تنصرفَ عن تعظيم الله عزّ وجل إلى تعظيم من سِواه, من لوازم هذا الحال: سيرٌ إلى الله، متابعةٌ لهذا السير، حضور القلبِ مع ذلك، تعظيم الله عزّ وجل، الذهول بعظمتهِ عمّا سِواه, هذه كلها من لوازم المراقبة, ومن فقرتها الأولى التي هي التعظيم المُذهل. تجد ذنبُ المنافق كأنهُ ذُبابة, يقول لك بعد ارتكابه الذنب: ماذا حصل؟ كل المستهترين بالقيم الدينية إذا سألتهم: لماذا فعلتم هذا؟ يجيبون: هل خربت الكرة الأرضية؟ إذا ملأَ عينيه من حرام, وجد مبرراً، المعصية سهلة عندهُ، وكلما ارتقى مقامك عِندَ الله, يُصبحُ الذنب كأنه جبلٌ جاثمٌ على صدرك، كُلما صَغُرَ الذنبُ في عينيك, كُلما قلَّ مقامُكَ عِندَ الله, وكُلما كانَ الذنبُ كبيراً, كَبُرَ الذنبُ في عينيك, كانَ مقامُكَ عِندَ الله كبيراً, وصَغُرَ هذا الذنب, القضية دقيقة جداً. إنسان يرتكب مخالفة، يقترف معصية، وينام مرتاحاً لا يقلق, إذا الإنسان تكلّم كلمة, وشعر بثقلها, ويوجد إنسان سجلّها عليه، لا ينام ليلتها, يتحول, لا حول ولا قوة إلا بالله, أترى أنَّ الله عزَ وجل عظيم عظمةً, بحيثُ لو ابتعدتَ عنهُ, أو وقعتً في معصيتهِ, تشعر كأنكَ سقطتَ من السماءِ إلى الأرض؟ هكذا حال المؤمن . الآن : في موضوع أتمنى أن لا يبدو لكم خيالياً, قالَ: أن تشعرَ أنَّ الله يُراقُبك, وأنهُ معك, وأنكَ مستقيم على أمره، قال: هذا الشعور يبعثُ في نفسكَ فرحةً عظيمة ولذّةً, لا توجد في أيِّ شيءٍ في الدنيا . يعني: اسأل أهل الدنيا, الذين أكلوا أطيب الأطعمة, في أرقى الأماكن, وفي أجمل المناظر، يقول لك: طعام لا يوصف، والذين غَرِقوا في الملذاتِ إلى قِمةِ رأسهم, والذين حصّلوا المجدَ من كلِّ أطرافه, هؤلاءِ لو عَرفوا الله, وذاقوا طعمَ القُرب, يقسمونَ بالله أنَّ كلَّ اللذائذ التي تمتعوا بِها من قبل, لا تَعدِلُ لحظة إقبالٍ على الله عزّ وجل . لذلك: إذا المؤمن قال, وحَلَفَ يميناً مُعظّماً: واللهِ ليسَ في الأرضِ من هوَ أسعدُ منّي, إلا أن يكونَ أتقى مني, لا يحنثُ بيمينه، أنتَ حينما تتصل مع الأشياء الجميلة؛ من طعامٍ, من شرابٍ, من جوٍ باردٍ في الصيف, من جوٍ دافئٍ في الشتاء, من مناظر خلاّبة, يعني أيّ شيء الله أعطاه مسحة من الجمال, الله هوَ الجميل . أحياناً: ربنا عز وجل يتجلّى على البحر بالجمال, يقول لكَ: سهرنا سهرة على البحر لا أنساها, أمواج لطيفة, نسمات عليلة، تركب بالبحر, تشعر بالسرور, مياه صافية, تكاد ترى قعرَ البحر، صفحة الماء كالزيت، هذا تجلّى الله على هذا البحر باسم الجميل، فإذا تجلّى عليه باسم الجبار, يكادُ القلبُ ينخلع . أيام ربنا له أفعال, هذه باسم الجميل، تنظر في وجه طفلٍ بريء, لا ترى في هذه الأرض كُلها أجمل من هذا الوجه، كُلُهُ صفاء، كُلُهُ براءة، كُلُهُ ذاتيّة، وأحياناً تنظر إلى وجه كُلُهُ نِقمة، في أفعال, البراكين, يقول لك: 80 ألف إنسان تحت الأنقاض، مدينةٌ أصبحت للأشباح، أصبحت أثراً بعدَ عين، تُحس اسم الجبّار . أيام تنظر إلى غابة في الربيع, تسمع أصوات العصافير, تشعر باسم الجميل، فربنا أسماؤه كثيرة جداً, يتجلّى في كلِّ أفعالهِ ببعضِ أسمائهِ، أيام اسم اللطيف يقول لكَ: من هنا مرت الرصاصة, شعري احترق, لكلِّ شيء حقيقة, وما بلغَ عبدٌ حقيقةَ الإيمانِ, حتى يعلم أنما أصابهُ لم يكن ليُخطئهُ . وقف في رأس الوادي السحيق، معلوماتهُ بالقيادة ضعيفة, المِقود مضبوط نحوَ الوادي, وقبل أن يُشعل المُحرّك, أرخى المِكبح, فانطلقت نحو الوادي, شخص أعرفهُ, وزرتهُ في البيت, إلى أسفل الوادي, هو وزوجتهُ وأولادهُ, ولم يُصابوا إلا برضوضٍ, وبعض الكسور الخفيفة, ومن ينظر إلى السيارة يقول: أنه لا بدَّ من أن رُكابها ماتوا جميعاً, اسم اللطيف لطف الله عزّ وجل, أيام تجد اسم اللطيف اسماً واضحاً جداً . أوضح شاهد على اسم اللطيف: حينما يذوب سِن الطفل الصغير شيئاً فشيئاً، أنت مهما كنت طبيباً ناجحاً, مهما كنت رحيماً, لا بد من إبرة بنج، لا بد من غرز الإبرة بالنيرة، وإذا كان البنج غير ناجح, وأثناء قلع الضرس, وأثناء قطع العصب, يخرج المريض من جلده من الألم, أليسَ كذلك؟ أما ربنا لطيف, انظر كيفَ تُقلعُ أسنان الطفل الصغير الأولى, وهو يأكل, يجد كأنه يوجد في بحصة بفمه, فيكون ضرسهُ, كيف انقطع العصب؟ كيف ذاب السِن؟ اسم اللطيف . الهواء يدلُ على اسم اللطيف, بيننا لا يحجُبُنا، يعني لا شيء الهواء، الهواء يحمل طائرة 350 طن، 150طن وزن الطائرة، 150طن وزن الوقود, و50 طن وزن الركاب، وعلى الهواء محمولة، الهواء إذا تحرك يقلع مُدناً بكاملها, عِندي صور مدن كبيرة, أصبحت أثراً بعدَ عين قاعاً صفصفاً . مر إعصار سيليكون, سرعته ثمانمئة ميلي بالساعة، واحد كان ساكن ببيت, في مدينة, جاءها إعصار, ما رأى من بيتهِ إلا مُحرّك سيارته بعد 5 كيلو متر, عَرفهُ من الرقم المُحرّك, تَهُب نسمات أحياناً, تشعر بسرور لا يوصف, اسم اللطيف, نفس الرياح، سرعة شديدة تُدمر كلَّ شيء بأمر ربها . من ثمار المراقبة : اسم المُراقبة , إذا أنت شعرت أنَّ الله يُراقِبُك , من ثِمار المُراقبة : استقمتَ على أمره تماماً , وأحسنتَ إلى خَلقه , وأقبلتَ عليه . يجب أن تشعرَ بسرورٍ ولذةٍ, لا تجدُهما في شيء آخر، فالذين أكلوا أطيب الطعام, والذين سكنوا أفخر البيوت, والذين تزوجوا أجملَ الزوجات, والذين علا شأنُهم, حتى صاروا من عَلية القوم, اسألهم جميعاً, لو أنَّ هؤلاء عَرفوا الله بعدَ ذلك, وأقبلوا عليه, اسألهم وأنتم في أوجِ عظمتكم، وأنتم في أوجِ قوتكم، وأنتم في أوجِ استمتاعِكم بالدُنيا, هل ذُقتم هذه السعادة التي الآن تعيشونها؟ يقولون واللهِ بِملء فمهم: لا والله . حتى إنَّ بعضَ البلاد الإسلامية, زارها رجل سائح, فوجئ أنَّ كُلَّ القبور, عليها تواريخ قليلة جداً، هذا عمرهُ سبع سنوات, ماتَ في السنة السابعة، هذا في السنة الخامسة، هذا في السنة السابعة عشر, شيء عجيب! نعرف 80، 65، 40، وستة, هذه القرية لا تؤرّخ حياة الإنسان إلا بعد أن يعرف الله، هذا عَرَفَ الله في الـ 45, إذاً: الآن بدأت حياتهُ, مات في الـ 55, يعني عمرهُ عشر سنوات، يعني العمر الذي تمضيهِ في الجهل وفي المعصية, حينما تعرفُ الله يتمزق القلب, كيفَ أمضيتَ العمر في المعصية؟ . تجدُ اللذّةَ, وفرحة القلب، وقُرّةَ العين، وليسّ له نظيرٌ يُقاس به، وهو حالُ أهلُ الجنة ، حتى قالَ بعضُ العارفين: إنه لَتَمرُ بي أوقاتٌ أقولُ فيها: إن كانَ أهلُ الجنة في مثل هذا, إنهم لفي عيشٍ طيب . حتى إنَّ بعضهم فَهِمَ كلام النبي عليه الصلاة والسلام: أبو بكرٍ في الجنة, ما فَهِمَ هذا الكلام على أنهُ سوفَ يدخلُ الجنة, فَهِمَ هذا الكلام على أنهُ: الآن في الجنة، في جنة القُرب، هو سيدخلُها؛ لكن الآن في جنة. وأنا أقول لكم: اجهد مع الله في طاعتهِ, وفي التقرّبِ إليه, وفي خدمة عباده, وكل جُهدكَ, وعضلاتكَ, ووقتكَ, وطاقتكَ, وعلمِكَ, وأهلِكَ, أن تَقِفَ كلَّ هذا في سبيل الله، فإذا سمحَ لكَ بالقُرب، إذا تجلّى على قلبك، إذا ألقى في قلبكَ السكينة, عندئذٍ تعرِفُ طرفاً من مقام أهل الجنة . وأنا أقول لكم الآن كلمة دقيقة: أحدكم لو التقى بإنسان من أصدقائهِ القُدامى, وجلس معهُ ساعة من حديثهُ, يشعر أنهُ مقهور، أنهُ ضائع، أنهُ تائه، أنهُ شقي، أنهُ خائف، أنهُ متمزق، أنهُ يخافُ كلَّ شيء، أنهُ يُحسُ بالقهر، اجلس مع مؤمن, تجد معنوياته عالية كثيراً، يشعر أنَّ خالقَ الكون يُحبهُ، يشعر أنه في عين الله, في رعايتهِ، يشعر أنَّ الله لن يتخلى عنه، تبدل الضائع, أخي لازم نعمل فحص دوري, بسبب السرطان, شيء يُخيف هذا, لو ليسَ معه سرطان, ولو عاش ثمانين سنة دون سرطان، هذا ذاق طعم السرطان ثمانين سنة، لأنكَ إذا كُنتَ تخافُ شيئاً فأنتَ فيه، أنتَ من خوف المرض في مرض . أهلُ الدُنيا, حينما ابتعدوا عن الله عزّ وجل قَلِقوا, يخافون أمراضاً خبيثة، يقول لكَ: أخي في إحصاء مُخيف في أمريكا, كلّ ستة أشخاص, يموت واحد بمرض القلب، ثلث الوفيات من أمراض القلب، وكل النساء يخافون من سرطان الثدي، تجد فحصاً دورياً, شيء يُخيف, وفي أيضاً أمراض الدماغ, يقول لكَ: يخاف انفجار بالدماغ, سُبات, انتهى, إذا كل واحد يقرأ عن الأمراض لا ينام الليل، يخاف من أمراض المعدة والأمعاء، أو أمراض القلب والشرايين، أو أمراض الدماغ والأعصاب، أو يخاف إنساناً في مركبته ينام, يدخل به, يدهسهُ, ينقطع عمودهُ الفقري, يصبح مشلولاً، فإذا الإنسان بَعُدَ عن الله عزّ وجل فالحياة موحِشة، شيء مُخيف جداً، انظر للمؤمن, إذا سافر يقول: يارب أنتَ الرفيق في السفر, والخليفةُ في الأهلِ والمالِ والولد، أحياناً يصاب الابن بحرق, يصبح هذا الابن مصدر شقاء للأسرة كلها, مصدر شقاء طوال حياته, فأنت تخاف من التشوه, يأتيك مولود مشوّه, لمّا تخاف من المرض تمرض ، أما إذا كُنتَ مع الله, الله عزّ وجل يُطمئُنك: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ . أنا أقول لكم: زوال الكون أهون على الله من أن يتخلّى عن مؤمن, أو أن يُضيّعَ مؤمناً, أو أن يجهدَ المؤمنَ في طاعة الله, ويجعلهُ في مؤخرة الركب، ليسَ هذا من أخلاق الله عزّ وجل . يا أخوان, كلمة وإن كانت قاسية تحملّوها, قال: من لم يجد هذا السرور ولا شيئاً منه, فليتهم إيمانهُ وأعمالهُ، إذا صلاتهُ شكليّة، تِلاوتهُ شكليّة، ولا مرة بكى ولا مرة، ولا مرة قلبهُ اضطرب حُباً لله عزّ وجل، ولا اقشعر جلدهُ ولا مرة شعوراً بخشية الله عزّ وجل، ما شعر أنهُ هو غالٍ على الله، كل العبادات شكليّة يؤديها، قال: من لم يجد هذا السرور ولا شيئاً منه, فليتهم إيمانهُ وأعمالهُ, فإنَّ للإيمان حلاوةً, من لم يَذُقها فليرجع, وليقتبس نوراً, يجد به حلاوة الإيمان: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [سورة الحديد الآية: 13] أتحبون الدليل؟: عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَقُولُ: ((ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ؛ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا, وَبِالإِسْلامِ دِينًا, وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] ذاق, الإيمان له طعم، إذا أكلت قطعة حلوى, من نوع جديد, من الكيلو 350 ل0س, وأكلت فجلة, هل يستويان مذاقاً؟ . ((ذاقَ طعمَ الإيمان؛ من رضيَّ باللهِ رباً, وبالإسلام ديناً, وبمحمدٍ رسولاً)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] إذا ما في ذوق راجع نفسك، أعد حساباتك، راقب أين الخلل؟ أين المعصية؟ أين يوجد الشِرك؟ أين يوجد تعلّق في الدنيا؟ أين التقصير؟ راقب, إذا ما شعرتَ بهذا القُرب, وما شعرتَ بهذا الحُب, وما شعرتَ بهذا السمو, وما شعرتَ بهذه السعادة, راجع حساباتك . حديثٌ آخر: عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ, وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) إذا واحد من الأخوان المؤمنين, له رفيق لا يُصلّي, وعاصي لله, وهو في أعلى درجات الغِنى والرفاه والبحبوحة، إذا قالَ هذا الصديقُ الأول, المُستقيمُ على أمرِ الله: هنيئاً لفُلان، أقول لكم: إيمانهُ صِفر، لو أنهُ ذاق طعمَ الإيمان, لما تمنىَ أن يكونَ مكانهُ . أقول لكم هذا الكلام: إذا تمنيتَ لساعةٍ واحدة, وأنتَ في أشدِ حالاتِ الحِرمان من المال, من الصِحة, إذا تمنيتَ لساعةٍ واحدة, أن تكون مكانَ إنسانٍ صحيح الجسم لكنهُ عاصٍ، قوي الجسم لكنهُ عاصٍ، رفيع المكانة لكنهُ عاصٍ، كثير المال لكنهُ عاصٍ, إذا تمنيتَ لساعةٍ واحدة أن تكونَ مكانه، بحالاتهِ، بمعاصيه، اعلم عِلم اليقين أنكَ لا تعرفُ الله, وما ذُقتَ من الإيمانِ شيئاً, وكلُّ عملكَ مردودٌ عليك، هكذا قالَ النبي: ((من كانَ اللهُ ورسولهُ أحبَّ إليه مما سِواهُما)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما] قالت له زوجته: أريد كذا وكذا, قال: اعلمي يا فُلانة, أنَّ في الجنةٍ من الحورِ العين, ما لو أطلّت إحداهُنَّ على الأرض, لَغَلَبَ نورُ وجهها ضوءَ الشمسِ والقمر, فلأن أُضحي بِكِ من أجلهن, أهون من أن أُضحي بِهن من أجلكِ . المؤمن حياته غير قابلة للمساومة, لأنَّ اللهَ ورسولهُ أحبُّ إليه مما سِواهُما، مهما أوذي في الله, لا يعصي الله, وتجد إنساناً آخر على كلمة, ترك الصلاة, لا أريد, على كلمة حذّرهُ بها فاسق, تركَ دروسَ العِلم كُلها, يرى ذلك راحة له, قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ [سورة الحج الآية: 11] ومن كان يُحبُ المرءَ لا يُحبهُ إلا لله: لكَ أخ تُحِبهُ لله، لستَ زبون عِندهُ, وليسَ هو زبون عِندك, ولا في قرابة, ولا في صداقة, ولا في مصالح، إطلاقاً لا تُحبهُ إلا لله, لا علاقة دنيوية بينكَ وبينهُ, هذه علامة الإيمان . ومن يكرهُ أن يعود في الكُفرِ بعدَ إذ أنقذهُ الله, كما يكرهُ أن يُلقى في النار . الثواب : يقول أحد العلماء : إذا لم تجد بالعمل حلاوةً في قلبكَ وانشراحاً فاتهمهُ . اتهم قلبك , فإنَ الربَّ تعالى شكور؛ يعني لا بدَّ من أن يُثيب العامل على عملهِ في الدنيا , من حلاوةٍ يجدُها في قلبهِ . يمكن وضعنا يدنا على معنى دقيق جداً من معاني الثواب . أخي لك ثواب اعمل , شغلة فيها ثواب ، كلمة ثواب يُرددها الناسُ عشرات المرات , بل مئات المرات في اليوم الواحد . قبلَ أن ننُهيَّ الدرس , لا بدَّ من توضيح معنى الثواب . مرةً ثانية : كلمة الثواب تتناقلها الألسن , كُلَّ يومٍ عشرات, بل مئات المرات، هذه الشغلة فيها ثواب، اعمل هكذا لكَ ثواب، هذا العمل الله يُثيبك عليه، ما معنى الثواب؟ هُنا في معنى دقيق, الله عزّ وجل من أسمائهِ الشكور، معنى شكور: أنكَ إذا عَملتَ عملاً صالِحاً, ألقى في قلبِكَ سروراً وطمأنينةً وسكينةً وسعادةً, كأجرٍ فوريٍّ يُقدمهُ لك مُعجّل، فإذا عَمِلتَ عملاً صالحاً, ولم تشعر بشيء إطلاقاً, فاعلم عِلمَ اليقين: أنَّ هذا العمل فيه خلل، إمّا في النية, أو في القصد, أو في مُطابقتهِ للسُنّة، إن لم تشعر بسعادةٍ لا توصف من خِلال أعمالكَ الصالحة التي تبتغي بها وجهَ الله عزّ وجل, معنى ذلك: أنَّ أجرَ الله عزّ وجل المُعجّل لم يَصِلك، إذا الأجر لم يصل, معناها العمل لم يُقبل، معناها العمل لم يُرفع إلى الله عزّ وجل. فإذا الإنسان ابتغى بعملهِ إرضاء الناس, أو ينتزعَ إعجاب الناس, أو أن يُثني الناسُ عليه, يفعلُ أعمالاً صالحةَ كالجبال, ومعَ ذلك قلبهُ مُتصحّر, والله أخدم كثيراً ولا أُحس بشيء. المعنى اللغوي: ما معنى ثابَ إلى رُشدِهِ؟ يعني عادَ الثواب, يعني عادَ، يعني أنتَ إذا فعلت عملاً صالحاً, العائد الذي يعودُ عليك, هو شعوركَ بالسعادة, لذلك المؤمنون الصادقون إذا عَمِلوا الصالحات, تمتلئُ قلوبُهم سعادةً، وما السعادة التي تمتلئُ بها قلوبهم, إلا أجرٌ مُعجّلٌ أعادهُ الله عليهم في الدنيا . معنى الثواب: هذه السعادة التي يشعرُ بها المخلِصون المستقيمون المنضبطون, فإذا الإنسان له أعمال صالحة كثيرة وكبيرة, وما شَعَرَ من خِلالِها أنَّ قلبهُ قد اهتز طرباً, وانتشى سعادةً, فليُراجع نفسهُ مرةً ثانية, هذا حال المُراقبة . يعني: إذا شعرتَ أنَّ الله يطلّعُ عليك, واستقمتَ على أمرِهِ, وأخلصتَ لهُ, جاءكَ الإحسان، جاءكَ السرور، جاءتكَ السعادة التي هي مُشجعٌ كبير في الدنيا . إن شاء الله تعالى ننتقل في درسٍ قادمٍ إلى منزلة جديدة من منازل مدارج السالكين, في فَهمِ معنى: إيّاكَ نعبدُ وإيّاكَ نستعين . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#20 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : اليقينالتربية الاسلامية - مدارج السالكين الدرس : ( العشرون ) منزلة اليقين : أيها الأخوة الأكارم ؛ مع درس من دروس مدارج السالكين , ومنزلة اليوم : منزلة اليقين . لأنَّ بعضهم أيقن فتحرك واستقام , وأعطى ومنع وبذل , وبعضهم كانَ شاكاً ومُتردداً فأحجم ، فإذا أردتَ أن تُفسّر الإحجام والإقدام ، الاستقامة وعدمها التضحية والحِرص ، لا يُفسّر هذا إلا باليقين , وإذا ذهبتَ في حياتكَ اليومية , وراقبتَ نفسك ، الأشياء التي توقِنُ بها تنطلقُ إليك ، والأشياء التي أنتَ شاكٌ فيها تُحجمُ عنها . العامل الأساسي الذي يدفعُكَ إلى الحركة هو اليقين . ورد في الأثر: ((تباركَ الذي قسمَ العقلَ بين عبادِهِ أشتاتاً، إنَّ الرجلين ليستوي عملهُما وبِرهُما, وصومُهُما وصلاتُهما, ويختلفانِ في العقلِ, كالذرّةِ جنبَ أُحد, وما قسَمَ الله لِعبادهِ نصيباً أوفرَ من العقلِ واليقين)) الموقن يدفعُ زكاةَ مالهِ ، الموقن يفني شبابهُ في طاعة الله , الموقن يُقضّي عُمُرهُ في معرفة الله . أما غير الموقن : تراهُ مُحجماُ متردداً متريثاً مترقّباً , يعني في حيرةٍ في ضياع . الجلاس وعمه . والقصة التي مرت بِنا من قبل شهيرة : أحد أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله , لما بلغَ مرتبة اليقين , أصابتهُ نكسة , فعِندهُ طفلٌ صغير ربيبهُ , ابن زوجتهِ , وقد أغدقَ عليه من النِعم , ومن الرعاية والرحمة , ما لا سبيلَ إلى وصفه , دعا النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه لتهيئةِ أنفسهم لمعركة مؤتة , رآهُ مُحجِماً قاعداً متريثاً منتظراً لا يتحرك ، بينما أصحاب النبي عليهم رضوان الله تحركوا وبذلوا وجهّزوا واستعدوا , هو جالس ، فكانَ هذا الطفل الصغير لشدة توّقد الإيمان في قلبهِ , يُبلّغُ عمهُ زوجَ أمهِ , أن يا عماه فُلان فعلَ كذا ، فُلان فعلَ كذا ، فلما ضاقَ به ذرعاً , قال له : يا جُلاس , لو كانَ محمدٌ صادقاً لكُنا شراً من الحُمر . هذه كلمة الكُفر ، متردد ، ليسَ واثقاً ، ليسَ متيقناً ، والحقيقة : إذا الإنسان تردد وقع في مشكلة كبيرة . فهذا الطفلُ الصغير قالَ : واللهِ يا عماه , ما على وجهِ الأرضِ بعدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلٌ أحبَّ إليَّ منك , ولكنكَ نطقتَ بكلمة الكُفر , ولأُبلّغنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم . ما أراد أن يُبلّغ النبي من وراء ظهرهِ , واضح , هذه كلمة الكُفر , ويجب أن يعلم النبي عليه الصلاة والسلام ماذا تقول ؟ أنت معدود من أصحابه , كيفَ تقول : لو أنَّ محمداً صادقٌ فيما يقول , لكُنا شراً من الحُمر ؟ . يعني : لو أنه صادق في دعواه , أنه نبي , ولن نستجب له , لكُنا شراً من الحُمر , فذهبَ هذا الطفلُ الصغير إلى النبي عليه الصلاة والسلام , وقالَ : يا رسول الله , تكلّمَ عمي : كيتَ وكيت , استدعاهُ النبي عليه الصلاة والسلام , وسألهُ عن قولتهُ هذه , فأنكرها , قالَ : هذا كذّاب يا رسول الله ، هذا أنا أحسنتُ إليه , وأنعمتُ عليه , وأغدقتُ عليه ، وهو يفعلُ هذا بحقّي ، وأصحابُ النبي عليهم رضوانُ الله , يعني مالوا إلى تصديق عمّهِ وتكذيب الغُلام ، نظرَ إليه النبي عليه الصلاة والسلام , فإذا بوجهه قد اصطبغَ وجهه بالحُمرة خجلاً من هذا الموقف العصيب , ولم يلبثُ أن تنزّلَّ الوحيُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم , وقد أكّدَ الوحيُّ قولة الصغير ، قالَ تعالى : ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [سورة التوبة الآية: 74] عندئذٍ كبّرَ النبي عليه الصلاة والسلام , وأمسكَ الغلامَ من أُذنهِ , وقالَ : يا غلام , صَدّقكَ ربُك , عندئذٍ اعترف عمهُ بما قال ، وقال : يا رسول الله ! اغفر لي هذه الزلّة , وتابَ توبةً نصوحاً , وكانَ من أشدِ الناسِ إكراماً لهذا الغُلام , لأنَّ توبتهُ كانت على يده , ولو أنَّ هذا الغلام سكت لبقيَّ منافقاً , كانت توبة العم على يدِ هذا الغُلام . الذي جعلهُ يُحجم ويتردد وينجل , عدم اليقين ، وإذا أردتَ أن تُفسّرَ التقصير والإحجام , والميل إلى الدنيا , وعدم وجود الهِمة العالية , فينبغي أن تُفسّرَ كلَّ ذلك بضعفِ اليقين . ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾ [سورة التكاثر الآية: 5-6] ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ لو بلغَ اعتقاد الإنسان مرتبة اليقين, لباعَ نفسهُ للهِ عزّ وجل, أيُّ إحجامٍ, أيُّ تقصيرٍ, أيُّ تقليلٍ من شأنِ الإيمان, يعود بالدرجة الأولى إلى ضعف اليقين . ربُنا عزّ وجل ما أرادَ منك أن تؤمنَ متردداً :﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [سورة الحجرات الآية: 15] الله عزّ وجل ما رضيَّ لكَ أن تؤمنَ شاكاً: ﴿كَلا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ لَتَرَوْنَ الْجَحِيمَ﴾ الله عزّ وجل ما أمركَ أن تؤمن, وأعطاكَ الأدلة الضعيفة, قالَ:﴿وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ﴾ [سورة الذاريات الآية: 20] هذا الموضوع دقيق جداً, حتى في حركاتكَ اليومية، لن تتحرك إلا إذا أيقنت، لن تُحجم عن شيءٍ يَضُرك إلا إذا أيقنتَ بضرره، لا تمتنع عن تصرفٍ إلا إذا أيقنت بخطورته، لا تُقدمُ على شراءِ شيء إلا إذا أيقنتَ بالربح, أبداً, اليقين هو المُحرّك، وما لم توقن, تبقى في شكٍ, وترددٍ, ووهمٍ, وإقدامٍ, وإحجامٍ, وتريثٍ, وتفرجٍ, أما حتى تنتقل إلى مرتبة العمل, لا بدَّ من اليقين, وأبوابُ اليقين مُفتحةٌ على مصارعها في الدنيا، وفي الأرضِ آياتٌ للموقنين، يعني في الإيمان أدلّة ليست مُقنعةً فحسب, بل هي قاطِعةٌ . خصوصية أهل اليقين . الله عزّ وجل خصَّ أهلَ اليقين بالهدى والفلاح, قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 4-5] لأنهم أيقنوا : ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ﴾ خصوصية أهل النار . أمّا أهل النار: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنّاً وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ [سورة الجاثية الآية: 32] لسنا متأكدين, أبداً, الأمر واضح جداً، الإحجام، النِفاق، الضعف، البُخل، عدم دفع المال، عدم بذل الوقت في سبيل الله، عدم التعرّف إلى الله، عدم تلاوة القرآن، تغليبُ الدنيا على الآخرة، الوقوع في الشُبُهات، التقصير في الواجبات، كلُّ هذه الأمراض هي أعراضُ لمرض واحد هو: ضعفُ اليقين . من علامات آخر الزمان : أن يفشوَ ضعفُ اليقين في الناس . تجد المساجد ممتلئة . لو دخلتَ إلى بيوت هؤلاء : أجهزة اللهو . لو دخلتَ إلى متاجرهم : التعامل ربوي . لو دخلتَ معهم في لقاءاتهم : اختلاط ، اختلاط في العلاقات الاجتماعية ، وتقصير في الواجبات الدينية ، وتسيّب في الانضباط الشخصي . ما سِرُّ ذلك ؟ هو ضعفُ اليقين . أُعيدُ مرةً ثانية وثالثة ورابعة : إذا أيقنت أنكَ إذا فعلتَ هذا الأمر, لا تنجو من عذابٍ أليم في الدنيا، لا تنجو من عشرين عاماً في السجن تُقضيها، لا أقول أغلب الظن, قطعاً: تُحجم عن اقتراف هذه المُخالفة . الذي أتمناه على كلِّ أخٍ كريم: أن ينقلَ معرفتهُ باللهِ عزّ وجل من مستوى الاعتقاد غير الجازم إلى مستوى الاعتقاد الجازم, الإنسان أحياناً يُقصّر, إذا قصّر, يأتي العِلاج الإلهي مرة, اثنتين وثلاث, ألا ينبغي أن تستنبط: أنَّ لكلِّ سيئةٍ عِقاباً, وأنكَ لا تنجو من عذاب الله, إلا إذا استقمتَ على أمره, وأنَّ هذا الضعف في اليقين, هو سبب هذا التردي, من مشكلة إلى مشكلة .......؟ لذلك العلماء قالوا: اليقين روحُ أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح, روحُ أعمال القلوب التي هي أرواح أعمال الجوارح, وهيَّ حقيقة الصديّقيّة, كلما قال النبي شيئاً, يقول له الصدّيق: صدقت يا رسول الله, صدقت صدقت, بلغتَ حدَّ اليقين . إنسان عادي قد لا يُبالغ في غسل الخُضار, أما إذا في جائحة، وباء، ادخل إلى بيت الطبيب، لأنهُ يُعالج باليوم آلاف الحالات، آلاف الإسهالات، آلاف الإنتانات، آلاف الأمراض، كُلُها بسبب التلوث من الخضار . انظر إلى الطبيب, حيثُ يأمر أهله أن تغسلَ الخضار بالمواد المٌعقّمة يوميّاً, لماذا؟ بلغَ عِلمهُ حدَّ اليقين, أما عامة الناس ربما لا يبلغُ علمهم حدَّ اليقين, تراهم يترددون . لا ترضين أحداً بسخط الله، ولا تحمدن أحداً على فضل الله، ولا تذمن أحداً على ما لم يؤتك الله، فإن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص, ولا يرده عنك كراهة كاره، وإن الله بقسطه وعدله, جعل الروح والراحة في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في السخط والشك. في رواية أخرى: إنه من ضعف اليقين أن تُرضي الناسَ بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، أن تَذمهم على ما لم يُؤتكَ الله، إنهُ من ضعف اليقين . يعني: إذا لم توقن أنَّ هذه النعمة من الله عزّ وجل، إذا جاءتكَ من إنسان, انكببتَ عليه مادِحاً وشاكراً ومُثنيّاً, ولم تتيقن أنها من عِند الله عزّ وجل, لذلكَ وقعتَ في الشِرك وأنتَ لا تدري, إنهُ من ضعف اليقين أن تُرضي الناس بسخط الله . معنى ذلك: أيّ إنسان إذا استجاب لإنسان على حساب طاعتهِ لِربه، إذا جامَلَ زوجتهُ وسايرها في أمرٍ لا يُرضي الله، يجب أن يمتحن نفسهُ، يجب أن يوقن أنه غيرُ موقن، يجب أن يعلم أنهُ لا يعلم، يجب أن يتأكد أنهُ في شكٍ من أمرِ دينه، لأنه حينما تُرضي مخلوقاً وتعصي خالِقاً, أنتَ لستَ متأكداً من غضبِ الخالق، لستَ متأكداً من أنَّ هذا يُسخُطه، لستَ متأكداً من أنَّ هذا لا يُرضيه، لذلك فعلته . وهنا: لا تُرضيّنَّ أحداً بسخطِ الله، ولا تحمدنَّ أحداً على فضل الله، ولا تذمنَّ أحداً على ما لم يؤتِكَ الله، فإنَّ رِزقَ الله عزّ وجل لا يسوقه إليكَ حِرصُ حريص، ولا يردّهُ عنكَ كراهية كاره، وإنَّ الله بعدلهِ وقسطه جعلَ الروحَ والفرح في الرِضا واليقين، وجعلَ الهمَّ والحُزن في الشكِ والسُخط . كنتُ مرة أضرب لكم بعض الأمثلة, أُعيدهُا مرات عديدة, لأنه مناسب جداً في هذا الوقت: شخص فقير جداً, عِندهُ أولادٌ ثمانية, دخلهُ قليل جداً, حياتهُ خشنة جداً، دخلهُ أقل من مصروفه، يعني يُعاني من أزمات لا تُحصى, لهُ عم يملك ثلاثمائة مليون, وليسَ له أولاد, وتوفي في حادث, كلُّ هذه الثروة آلت إليه قطعاً, هو الوريث الوحيد، لكن إلى أن يصلَ هذا المبلغ إلى يديه, هُناك إجراءات وتعقيدات وبراءات ذمة ومتابعة معاملات إلى آخر ذلك ......، لماذا هذا الإنسان خلال هذه الفترة التي لم يقبض دِرهماً واحداً, هو من أسعد الناس, لماذا؟ لأنهُ موقنٌ بأنه سيصير غنيّاً، فيمضي هذه الفترة يقول: هذه الفيلة سأشتريها جيدة، وهذه المركبة سأقتنيها، وهذا الطعام سآكلهُ، وهذا اللِباس سأرتديه, دخل باليقين، أيقنَ بأنه سيكونُ غنيّاً, كلُّ هذه الثروة آلت إليه، من فقرِ مُدقع إلى غِنىً جيد . هذا مثل طبعاً مُركّب تركيباً, لم يقع هذا الشيء, لكن هذا التركيب, من أجل أن نكشف: من أنَّ الإنسان يسعد لو أيقن، يعني أنت إذا أيقنت أنَّ الله عزّ وجل يُحبك وراضٍ عنك, وأنكَ إذا انتقلتَ إلى الدار الآخرة, أغلبُ الظن أنَّ الله سيرحمك, وأنَّ لكَ في الجنةِ مكاناً, هذا اليقين يجعلُكَ تمتصُ كلَّ المصائب, وكلَّ المتاعب, وكلَّ الهموم, وتعيشُ في هذا الوعد الرباني العظيم: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ [سورة القصص الآية: 61] ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [سورة القصص الآية: 60] الآن: إذا إنسان فرح في الدنيا, ما الدليل يقينهُ في الآخرة ضعيف؟ لِضعفِ يقينهِ بالآخرة فَرِحَ بالدنيا، أما لوعَرَفَ الدنيا على حقيقتها ما فَرِحَ بها . إنَّ هذه الدنيا دار التواء لا دارُ استواء, ومنزلُ ترحٍ لا منزلُ فرح, فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء, قد جعلها اللهُ دارَ بلوى وجعلَ الآخرة دارَ عُقبى, فجعلَ بلاءَ الدنيا لعطاء الآخرة سبباً, وجعلَ عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عِوضاً, فيأخذ ليُعطي ويبتلي ليُجزي. لو فرضنا تلّة, عليها قصر فخم جداً، وإنسان يسير على قدميه, والطريق وعرة, ليتملّك هذا القصر، وإنسان يركب أفخر مركبة, وهو سينتهي به المطاف إلى أن يُعدم، في الظاهر هذا يركب مركبة فخمة جداً, لكن مصيرهُ معروف، وهذا الذي يمشي على قدميه, ويبذل جهداً كبيراً, سيكون نزيلاً لهذا البيت الفخم وسيتملّكهُ، لو التقيا في الطريق, أيقول الذي يركبُ المركبة الفخمة لهذا الفقير: ما أسوأ حظك؟ أيقول هذا الفقير لهذا الذي يركب المركبة: هنيئاً لكَ المركبة؟ لا, لِجهلِ كُلٍ منهما بمصيرهِ, يتمنى هذا أن يكونَ مكانَ هذا, وهذا يزدري هذا, بسببِ جهلِ كُلٍ منهما مصيرهِ، أما المؤمن قولاً واحداً: لا يتمنى أن يكون مكانَ أهلِ المعصية, ولو كانوا في أعلى درجات النعيم والرفاه والغِنى والقوة . الحق المبين : آية ثانية , يقول الله عزّ وجل : ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [سورة النمل الآية: 79] ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ الحق هو اليقين : ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [سورة المدثر الآية: 47] ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ الموت يقين والحق يقين . الإنسان لماذا لا يتوكل؟ الآن: الإنسان يمرض مرضاً عضالاً, لماذا ييأس؟ لأنه ليسَ موقناً أنَّ الله قادرٌ على شِفائه, ضعف يقين, لو أيقنَ أنَّ الله يشفيه, مهما يكن مرضهُ عُضالاً, لَمَا أصابه اليأس أبداً، الفقير لماذا ييأس؟ لأنَ يقينهُ بأنَّ الله بقدرته أن يُغنيه, ضعيف هذا اليقين، لو أيقنَ لَمَا يئس، أخطر أمراض النفس: اليأس, والقنوط, والكآبة, والسوداوية . قرأتُ كلمةً أعجبتني: يارب لا كربَ وأنتَ الرب, لا كرب مع وجود الرب, أنتَ عبدهُ, وباب التوبة مفتوح, باب العطاء مفتوح . إذاً: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ قال العلماء: إذا وصلَ اليقين إلى القلب, امتلأَ نوراً وإشراقاً, وانتفى عنهُ كلُّ ريبٍ وسخط وهمٍ وغم, فامتلأَ محبةً للهِ, وخوفاً منهُ, ورِضىً به, وشُكراً له, وتوكّلاً عليه, وإنابةً إليه, فهو مادةُ جميع المقامات والحامل لها ". يقول الجُنيد: اليقينُ هو استقرار العِلم . مثل أدعهُ بينَ أيديكم: الإسمنت يُفحص في المعامل بمتانتهِ, هوَ يتحمل قِوى الضغط بشكل كبير جداً بالسنتيمتر مكعب من الإسمنت, يتحمّل بالمواصفات القياسية الصحيحة خمسمائة كيلو, نصف طن, لو وضعنا نصف طن على سنتيمتر مكعب من الإسمنت, لتحملّها قبل أن ينسحق نصف طن، في المواصفات الوسط 200 كيلو، أما يُفحص الإسمنت بالشد، تُصب مكعبات من الإسمنت، تُلقط بملاقط من الأعلى، وملاقط من الأسفل، الملقط السُفلي ككفة الميزان, يوضع الكيلو, يكسر في نوع, لا ينكسر إلا على 2 كيلو, في نوع على ثلاثة, على أربعة, على خمسة، تُمتحن قوة تماسك الإسمنت على أيِّ وزنٍ يُكسر هذا المُكعب، هذا المثل لو طبقناهُ على المؤمنين, تجد مؤمناً إيمانهُ وسط, أما على إغراء معيّن, أو على ضغط معين, تضعُف هِمتهُ, وانساق مع شهوتهِ, وتخلّى عن طاعتهِ لربهِ . إذاً: هذا المؤمن يقينه ضعيف, كُلما زادَ اليقين زادَ التماسك، فالمؤمن الصادق مهما ألّمت بهِ المِحن, ومهما ضاقت عليه الدُنيا, ومهما تلّقى ضغطاً كبيراً, ومهما تعرّضَ لإغراءٍ شديد. إلهي أنتَ مقصودي ورِضاكَ مطلوبي . كُلما ارتفعَ اليقين, ارتفعَ التماُسك, وارتفعَ الصمود, يعني باللغة التي نستعملها: يصمدُ أمام كلِّ إغراء, وتحتَ أيِّ ضغط، والإنسان أحياناً ينهار لضغطٍ قليل أو لإغراءٍ قليل، فإذا انهارَ إيمانه لضغطٍ أو لإغراء, معنى ذلك: يجب أن يُعيدَ حساباتهِ كُلها, فإيمانهُ ضعيف . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((قَالَ رَبُّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ: لَوْ أَنَّ عِبَادِي أَطَاعُونِي, لأَسْقَيْتُهُمُ الْمَطَرَ بِاللَّيْلِ, وَأَطْلَعْتُ عَلَيْهِمُ الشَّمْسَ بِالنَّهَارِ, وَلَمَا أَسْمَعْتُهُمْ صَوْتَ الرَّعْدِ, وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ حُسْنَ الظَّنِّ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ اللَّهِ, وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ, قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ)) قال: اليقين هو استقرار العِلم الذي لا ينقلب ولا يحول ولا يتغيّر في القلب, وقالَ أبو بكر الورّاق: اليقين مِلاكُ القلب, وبهِ كمالُ الإيمان, وباليقينِ عُرِفَ الله, وبالعقلِ عُقِلَ عن الله، واليقين على ثلاثة أوجه, ثلاثة أنواع؛ يقين خبر، ويقين دليل، ويقين مشاهدة . لو فرضنا في جدار, قال لكَ إنسان: وراء هذا الجدار نار, هذا الإنسان صادق عندك, هذا يقين خبر, بعد قليل رأيتَ الدُخان يتصاعد, لا دُخان بِلا نار, صار في عنّدنا دليل ، كان في معك يقين إخباري, صار معك يقين استدلالي, توجهّتَ نحو الجدار, والتففت وراءَ الجدار, فإذا النار تشتعل، صار معك يقين شهودي، من اليقين الإخباري, إلى اليقين الاستدلالي, إلى اليقين الشهودي. أنواع اليقين : 1-يقين خبر : فاليقين إذاً أنواعٌ ثلاثة: يقين خبر سكون القلب إلى خبر المُخبر وتوثّقهُ به. يعني إذا كان المُتكلّم صادقاً, فأنتَ تثِقُ بكلامهِ وتُصدّقهُ, فهذا يقينُ الخبر, فإذا كان الله هو المُتكلّم, خالق الكون, وإذا كانَ هذا الكلامُ قرآن, وإذا كانَ هذا الكلامُ حديثاً لرسول الله متواتِراً صحيحاً, هذا يقين إخباري, ويكفي المؤمن دليلاً أو دافعاً لتطبيق أمرِ الله أنهُ أمرُ الله ، الإنسان إذا بحث عن حِكمة لا بأس, ليُعلّمَ الناسَ الحِكمة, ولكن إذا أيقنَ أنَّ هذا أمرُ الله, ولو لم يفقه الحِكمة, يكفيهِ دافعاً إلى تطبيق أمر الله عزّ وجل . 2-يقين الدلالة : المستوى الثاني: يقين الدلالة، فإذا جاءت حقيقة مع البُرهانِ عليها, ربنا عزّ وجل قال : ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [سورة طه الآية: 14] قال لكَ: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ لكن في آيات أُخرى قال:﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [سورة يونس الآية: 101] ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [سورة الغاشية الآية: 17-20] إذاً: ربنا عزّ وجل معَ أنهُ خالقٌ, ورب, ومُسيّر, وموجود, وواحد, وكامل, أعطاكَ الأدلة على وجوده، والأدلة على كماله، والأدلة على وحدانيته، فأنتَ في الآيات الكريمة, عِندكَ يقين إخباري ويقين استدلالي . 3-يقين المكاشفة : أما الدرجة الثالثة: يقينُ المُكاشفة، مرة ثانية: إنسانٌ تثقُ بكلامهِ إلى أقصى الحدود, أخبركَ أنَّ وراء الجدارِ ناراً، رأيتَ الدخان يتصاعد, قلتَ: لا دُخانَ بلا نار يقين استدلالي، توجهّتَ نحو الجدار, ورأيتَ النارَ تشتعل, هذا يقين شهودي, والمؤمن يرتقي من يقينٍ إخباري إلى يقين استلالي, إلى يقين شهودي . لكن بالمناسبة: ما كلُّ مفردات الإيمان يمكن أن تكونَ شهوداً، وما كلُّ مفردات الإيمان يمكن أن تكونَ استدلالاً، بل إنَّ من مفردات الإيمان ما هو إخباري محض, فالحديثُ عن الجنةِ والنار، والجِنِّ والملائكة، والصراط والميزان، والبرزخ والقبر وعذاب القبر، والحديثُ عن الأزل, عن جمعِ النفوس في الأزل، هذا كلهُ يقين إخباري, ولن يكونَ شهوديّاً ولا استدلالياً. تبقى في الإيمان مفردات, يبقى اليقينُ بها يقيناً إخباريّاً, لذلك: الذي لا يستطيعُ عقلُكَ أن يصلَ إليه, يجبُ أن تُصدّقَ بهِ، الذي لا يستطيعُ عقلُكَ أن يصلَ إليه استدلالاً, إذا آمنتَ باللهِ عزّ وجل يقيناً استدلالياً, عندئذٍ تؤمن بما أخبركَ اللهُ به تصديقاً . في الإيمان: إيمان تصديقي وإيمان تحقيقي، بعضُ مفردات الإيمان لا يُمكن أن تؤمنَ بها إلا تصديقاً؛ كالإيمان بالجِنِ مثلاً, أو الإيمان بالملائكة, قال الله عزّ وجل في آيات كثيرة عن الملائكة, إذاً: أنتَ مؤمن بالملائكة إيمان تصديقي . الآن: إذا ارتفع المؤمن إلى مستوى الإيمان الشهودي, أو يقين المُكاشفة, أو اليقين الشهودي, بحيثُ يصير المُخبرُ به لقلوبهم كالمرئي لعيونهم, إنني أراك . قال: يا زيد عرفتَ فالزم, إني لكَ ناصحٌ أمين, كيفَ أصبحت؟ أصبحتُ بعرش ربي بارزاً, وكأني بأهلِ الجنة يتنعمون, وبأهل النارِ يتصايحون. يعني بلغَ إيمانهُ مرتبة الشهود . قال بعضهم: رأيتُ الجنة والنارَ حقيقةً, قيلَ: وكيف؟ قال: رأيتُهما بعيني رسول الله . بالمناسبة: كلُّ المؤمنين من دون استثناء إيمانهم بالجنة والنار إيمان إخباري، يقين إخباري، إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: فإيمانهُ بالجنة والنار إيمانٌ شهودي, لأنه في الإسراء والمعراج, أكرمهُ الله عزّ وجل بأن أطلعهُ على ما سيكون، رأى بأُمَ عينه أهلَ الجنةِ وأهلَ النار, وأحوالَ أهل الجنة وأحوال أهل النار، النبي وحدهُ إذا تكلّمَ عن الجنة وعن النار يتكلّمُ عن مُشاهدة . لذلك: إذا ذهبَ إنسان إلى مكان, ورآهُ رأيَّ العين, وأخبركَ عنهُ, تشعر أنهُ يؤثّرُ فيه, أما إذا قرأ عن هذا المكان, وأخبركَ عنهُ, يعني ينقل شيئاً من كتاب, ويلقيه في أُذُنك, أما لو أنهُ عاشه وتأثّرَ به, لكان تأثيرهُ فيكَ أبلغ . لذلك: أراد الله عزّ وجل أن يكون النبي وحدهُ, تكريماً لهُ, إذا حدّثَ أُمتهُ عن الجنة والنار, يُحدّثُهم كحديث المشاهد . أركان علم اليقين : أركان عِلم اليقين, قال: قَبولُ ما ظهرَ من الحق, وقَبولُ ما غاب, والوقوف على ما قامَ بالحق، كيف؟ قَبولُ ما ظهرَ من الحق تعالى؛ أوامرهُ ونواهيه وشرعهُ ودينهُ, هذا كُلهُ ظهرَ على لسان نبيهِ صلى الله عليه وسلم, فأنتَ كمؤمن تتلقاهُ باليقين, كما قُلنا قبلَ قليل . في عندك أوامر ونواهٍ، في عندك سُنن، في عندك مكروهات، في عندك مستحسنات ، هذه كُلها جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لكن في أشياء غابت عنك, أخبركَ بها النبي, هذه أيضاً يجب أن تتلقاها كما لو أنها يقينٌ . فالإيمانُ بالغيب الذي أخبرَ اللهُ به, والإيمان بالجنة والنار, والصِراط والميزان, والحسابِ وما قبلها, من تشقق السماءِ وانفطارها, وانتثار الكواكب, ونسف الجبال, وطي العالم وما قبل ذلك؛ من البرزخ ونعيمهِ وعذابهِ, هذه كُلُها تقبلها, لأنَّ الله أخبرنا بها يقين إخبار. قبول هذا كُلِهِ, يُعدُّ إيماناً وتصديقاً ويقيناً, هذا هو اليقين, بحيثُ لا يُخالجُ القلبَ شُبُهةٌ ولا شكٌ ولا نسيانٌ ولا غفلةٌ, فإن لم يهلك يقينُ الإنسان, بقي إيمانهُ قوياً, وبقي عملهُ صالحاً . الآن بعضُ ثِمار اليقين, قالَ: الأُنسُ القرآن الكريم, يقينُكَ أنَّ هذا الكلامَ كلامه, وأنَّ الجنة والنارَ مصيرُ البشر, وأنَّ هذا الكونَ خلقهُ لتعرِفهُ, هذا اليقين, يحملكَ إذا قرأت القرآن على أن تأنسَ بهِ . مثلاً: إذا قُرئ القرآن, تجد إنساناً يبكي, وإنساناً لا يُبالي, وإنساناً يُعرض, أخي غيّر المحطة, لماذا؟ هو اليقين . الخلاصة : ملخص الدرس كلامٌ دقيقٌ جداً: إنهُ من ضعف اليقين أن تُرضي الناسَ بسخطِ الله، مقياس دقيق جداً: حينما تؤثر رِضى إنسانٍ ماء, ولو كانَ أقربَ الناسِ إليك على طاعتكَ لله, فاعلم عِلمَ اليقين أنكَ ضعيفُ اليقين، فاعلم أنكَ لا تعلم، فاعلم أنَّ إيمانكَ ضعيف، وإنهُ من ضعفِ اليقين أن تَحمِدَ الناسَ على فضل الله, إذا الله عزَّ وجل تفضلَّ عليك بشيء وعزوتهُ إلى الناس، تفضّلَ عليك بشفاء ولدك عزوتهُ إلى الطبيب وحدهُ، أما الإيمان؛ أنَّ الله أكرمني بالشفاء على يدِ هذا الطبيب, فللهِ المِنةُ والفضل, ولهذا الطبيب مني الشكرُ والعِرفان, هذا الإيمان . إنهُ من ضعف اليقين: أن تّذُمَّ الناسَ على ما لم يؤتِكَ الله مع عدم الموافقة, تُزمجر وتضطرب, وتكون لهُ الكلمات القاسية, الله عزّ وجل منعهُ أن يوافقَ لك، إذا كُنتَ موقِناً بأنهُ لا إلهَ إلا الله, فاللهُ عزّ وجل هو الذي ألقى في قلبهِ ألا توافق، إنهُ من ضعف اليقين: أن تُرضي الناس بسخط الله, وأن تحمِلهم على فضل الله, وأن تَذُمّهم على ما لم يؤتِكَ الله، إذا عزوتَ الحرمانَ إلى البشر, فهذا من ضعف اليقين, وإنَّ الله كما قالَ عليه الصلاة والسلام: لا ترضين أحداً بسخط الله، ولا تحمدن أحداً على فضل الله، ولا تذمن أحداً على ما لم يؤتك الله، فإن رزق الله لا يسوقه إليك حرص حريص, ولا يرده عنك كراهية كاره، وإن الله بقسطه وعدله, جعل الروح والراحة في الرضا واليقين، وجعل الهم والحزن في السخط والشك. كل أنواع الهموم والأحزان, مردها الشكُ بوعد الله, والسخط على قضاء الله, الحزن والهم، الآلام النفسية كلها أسبابُها: الشك في ما وعدكَ الله به, والسخطُ على قضاء الله, والسعادة النفسية كلها أساسها اليقين والرِضا, أيقنتَ بوعد الله ورضيتَ بقضائه . نحنُ أمام امتحان صعب، أيام الإنسان يقول لكَ: يا أخي اخترعوا شيئاً رائعاً جداً, من طبيب تأخذ ورقة, فتكشف لكَ إن كان معكَ السُكر, أو ليسَ معك, ورقة من الصيدلية, كثير في الآن وسائل للفحص الذاتي في البيت، هذا الحديث جميل جداً, يكشف لكَ إيمانك, إذا أردتَ مُشعّر لمستوى إيمانك, تريد تعييراً دقيقاً لمستوى إيمانك. هذا الحديث: أن تُرضيَّ الناس بسخط الله, فأنتَ لا تعرف الله, والدليل: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [سورة التوبة الآية: 24] بقي أحد: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا﴾ أنواع الأموال؛ بيت, أرض, مزرعة, دكان منقولة أو غير منقولة: ﴿وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ﴾ فتربصوا حتى يأتي الله بأمره . يعني: إذا آثرتَ هذا البيت على طاعة الله, إذا آثرتَ هذه التجارة المُحرّمة التي فيها الشُبُهات على طاعة الله عزّ وجل, معنى ذلك: أنَّ هذه التجارة أحبَّ إليك من الله ورسولهِ, الطريق إلى الله غير سالك: ﴿فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| مجارى, الاسلامية, التربية, السالكين |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 4 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 4 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 12 | 09-22-2018 08:42 PM |
| التربية الإسلامية - الموت | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 5 | 09-06-2018 08:30 PM |
| التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 74 | 08-08-2018 07:11 AM |
| التربية الإسلامية -علم القلوب | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 54 | 07-18-2018 11:42 AM |
| التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 55 | 07-10-2018 03:58 PM |