التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول - الصفحة 5 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات
منال نور الهدى : الإستغفار : سعادة لقلبك ، وغذاء لروحك ، وصفاء لعقلك ، و بركة في مالك ، و صلاح في نفسك و ذريتك ، ورضا من ربك ، فلا تغفل عنه ! منال نور الهدى : لآ نَملُك إختِيَار ﺍﻷقَدار ..! لَكننَا قَريبُونْ مَن صَاحبّ ﺍﻷقَدار رَبي ﺃحسَن أقَدارنَا وَزدَها رضاً برحمتك منال نور الهدى : إن كنت حُرمت من بعض النِعم فقد صُرف عنك أضعافها من النِقم فاحمد الله على كل حال ..

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 07-13-2018, 05:03 PM   #41


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( التاسع و الثلاثون )

الموضوع : العمل الصالح يؤدي إلى التوبة والتوبة تؤدي إلى الصلح مع الله









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
التوبة :

أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، هذا الموضوع هو "التوبة"، بل إن الحقيقة أن عنوان الموضوع ينبغي أن يكون استئناف التوبة، أو استمرار التوبة، فالمؤمن مذنبٌ تواب:

(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
فكرحمة من الله عز وجل امتن بها علينا أنه دعانا إلى التوبة، وهناك نصوص كثيرة جداً قرآنية، ونبوية، تؤكد: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 222 ]
﴿ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾
[ سورة النساء الآية: 27 ]
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾
[ سورة الزمر الآية: 53 ]
من طبق سنة النبي الكريم في حياته فلن يعذبه الله أبداً :
لذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى:
(( يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا الذي أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم ))
[ مسلم عن أبي ذر ]
وحينما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 33 ]

أي ما دامت سنة النبي قائمة في حياتنا، فنحن في مأمنٍ من عذاب الله، أما الشيء اللطيف:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
[ سورة الأنفال ]
فأنت أيها الأخ الكريم في بحبوحتين، بحبوحة أن تكون مطبقاً لمنهج الله، وبحبوحة أنك إن لم تكن مطبقاً لمنهج الله أن تستغفر، وفي الأثر القدسي: (( وعزتي وجلالي، إن أتاني عبدي ليلاً قبلته، وإن أتاني نهاراً قبلته، وإن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن مشى إليًّ هرولت إليه، إن استغفرني غفرت له، إن استقالني أقلته، إن تاب إلي تبت عليه، من أقبل عليًّ تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد، ومن أراد مرادي أردت ما يريد، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب، لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))
[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]
أخطر شيءٍ يواجهه الإنسان أن يكتشف الحقيقة بعد فوات الأوان :
أيها الأخوة، أكبر مشكلة تواجه الإنسان أن يكون بعيداً عن الله، غافلاً عن سرّ وجوده، عن غاية وجوده، غافلاً عن المهمة التي أُنيطت به، عن الرسالة التي ينبغي أن يحملها، أن يكون غافلاً عن الدار الآخرة، أن يكون غافلاً عن أنه خُلق لجنةٍ عرضها السماوات والأرض، وأن هذه الدنيا جيء به إليها كي يدفع ثمن الجنة، فغفل عن الجنة وانغمس في ملذاتها، وعندما جاءه ملك الموت قال:
﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾
[ سورة المؤمنون]
قال: ﴿ كَلَّا ﴾
[ سورة المؤمنون الآية: 100 ]

أيها الأخوة، أخطر شيءٍ يواجهه الإنسان أن يكتشف الحقيقة بعد فوات الأوان:
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي* فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ* وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾
[ سورة الفجر ]
﴿ لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾
[ سورة الفرقان ]
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾
[ سورة الكهف ]
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾
[ سورة الزمر ]
الغافل عن الله يتمتع كما تتمتع الأنعام و النار عاقبته :
أيها الأخوة، الذي غفل عن الله يتمتع كما تتمتع الأنعام:
﴿ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]

الغافل عن الله:
﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾
[ سورة الفرقان ]
الغافل عن الله: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾
[ سورة المنافقون الآية: 4 ]
الغافل عن الله عز وجل: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾
[ سورة الجمعة الآية: 5 ]
السلامة والسعادة مطلبٌ ثابت لكل إنسان على وجه الأرض :

أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الذاريات ]
أدق شيء في موضوع التوبة أنك ينبغي أن تعرف سرّ وجودك في الدنيا، إن عرفت سرّ وجودك صحّ عملك، وإن صحّ عملك سلمت وسعدت، والسلامة والسعادة مطلبٌ ثابت لكل إنسان على وجه الأرض، والذي يشقي الإنسان هو الجهل والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، الآية الدقيقة جداً التي تبين علة وجودك: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
العبادة غاية المحبة لله و الطاعة له :

والعبادة كما تعلمون طاعةٌ طوعية، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية، أساسها معرفةٌ يقينية، تفضي إلى سعادةٍ أبدية.

(( يا عبادي! إني ما خلقتكم لأستأنس بكم من وحشة، ولا لأستكثر بكم من قلة، ولا لأستعين بكم على أمرٍ عجزت عنه، إنما خلقتكم لتعبدوني طويلاً، وتذكروني كثيراً، وتسبحوني بكرةً وأصيلاً ))
[ ورد في الأثر]
خلقك له، الجماد للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، وأنت لمن؟ أنت للواحد الديان.
أيها الأخوة، حينما تختار الدنيا تلغي إنسانيتك، حينما تختار الدنيا تلغي المهمة التي أنيطت بك، فلذلك أن تعرف سرّ وجودك، وغاية وجودك، وعلة وجودك، وأن تعرف أنك مخلوقٌ للجنة، عندئذٍ تسعى إليها. (( ابن آدم خلقت لك ما في السماوات والأرض من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك ))
[ ورد في الأثر]
(( إذا رجع العبد العاصي إلى الله، نادى مناد من السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))
[ ورد في الأثر]
السعادة التي يدركها التائب من ذنبه :

أيها الأخوة الكرام، ما من سعادةٍ تغمر قلب الإنسان حينما يدركها كالسعادة التي تغمر قلبه حينما يتوب، والله كأن جبالاً أزيحت عن صدره.

(( التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ))
[ أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ]
(( لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي))
[ الترمذي عن أنس بن مالك]
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء الآية :27 ]
من تاب إلى الله نجا من عذابه و لكنه لا يقطف ثمار التوبة الجماعية :
أيها الأخوة الكرام، هناك نقطة دقيقة تتضح من خلال هذه الآية، قال تعالى:
﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
[ سورة النور الآية: 31 ]

ماذا تعني كلمة جميعاً؟ للتوضيح: لك خمسون صديقاً، ومعك هاتف جوال، و هم لا يملكون هذا الهاتف، ما قيمة هاتفك؟ أما حينما يكون مع أصدقائك هواتف جوالة كما هو معك تشعر بقيمة هذا الهاتف، أنت بإمكانك أن تتصل مع كل واحدٍ منهم في أي لحظة.
نحن ماذا يحصل؟ إذا الإنسان تاب وحده ينجو، لكن لا تقطف ثمار هذا الدين، اجلس في مكان جميع النساء محجبات، تعرف ما معنى الحجاب، ما معنى أن الإنسان ينصرف إلى عمله؟ والطالب إلى دراسته؟ والتاجر إلى تجارته؟ والموظف إلى عمله؟ حينما ينصرف الناس إلى بناء أمتهم ترقى الأمة، أما إذا أشغلناهم بالجنس صباحاً ومساءً، وظهراً، وعصراً، وليلاً، وفي أثناء العمل هناك جنس، ما الذي يحصل؟ تفسد الحياة فلذلك: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة النور ]
أحياناً هناك من يكون في بيئة فيها تفلت شديد، ويستقيم، وله أجر كبير، وينجو عند الله، ولكن لا يقطف المجتمع ثمار التوبة الجماعية، التوبة الجماعية أن الناس صادقون، أن الناس أمناء، أن الناس طيبون، أن الناس منصفون، لا يغدرون، العيش في هذا المجتمع شيء جميل جداً، لذلك قيل: (( إذا كانَت أُمراؤُكم خيارَكم، وأغنياؤُكم سُمحاءَكم، وأمورُكم شورَى بينكم فَظَهْرُ الأَرضِ خَير لكم من بطنها، وإذا كانت أمراؤُكم شِرارَكم، وأغنياؤُكم بُخَلاءَكم، وأُمورُك إلى نسائكم، فبطنُ الأَرض خير لكم من ظهرها ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
الله عز وجل ما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا :
أيها الأخوة،
﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً ﴾

أمر، وكل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، والمؤمن كثير التوبة، أي كمنهج للنبي الكريم يأمرنا أن نأخذ به:
(( إني لأتوب إلى الله في اليوم مئة مرة ))
[ البزار عن أنس ]
عن كل خاطر، عن كل شيء، فالله عز وجل تواب رحيم، بل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
بل ينتظرنا أن نتوب إليه، بل إن بعضهم قال: ما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليجيبنا، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾
أحاديث دقيقة جداً متعلقة بالتوبة :
والحقيقة من الأحاديث الدقيقة جداً المتعلقة بالتوبة:
(( لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتوبةِ عَبدهِ المؤمن مَنْ رجلٍ نزلَ في أرض دَوِّيَّةٍ مُهلِكَةٍ، معه راحلتُهُ فَطلبها، حتى إذا اشتدَّ عليه الحرُّ والعطشُ أو ما شاءَ اللّه، قال: أرْجِعُ إلى مكاني الذي كُنْتُ فيهِ فأنامُ حتى أموتَ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]

مرة حدثنا أستاذ في الجامعة، في كلية الآداب، قال: إنكم لن تتذوقوا الشعر الجاهلي إلا إذا عشتم في الصحراء عشرة أيام، أي إذا فقد إنسان ناقته في الصحراء، موته محقق مئة بالمئة، فهذا حينما فقد ناقته أيقن بالموت:
(( قال : أرْجِعُ إلى مكاني الذي كُنْتُ فيهِ فأنامُ حتى أموتَ، فوضعَ رأسهُ على ساعدِهِ ليمُوتَ فاستيقظَ، فإذا راحلتُهُ عندهُ، عليها زادُهُ وشَرابُهُ، ثم قال من شِدَّة الفرح: اللهم أنت عَبْدي وأنا ربكَ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: فاللّهُ أَشدُّ فَرحا بتوبةِ العبد المؤمنِ من هذا بِراحلتهِ وزادِهِ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
أرأيتم إلى وصفٍ دقيق يعبر عن محبة الله لك حينما تتوب؟. (( فاللّهُ أَشدُّ فَرحا بتوبةِ العبد المؤمنِ من هذا بِراحلتهِ وزادِهِ ))
لذلك هناك حديث دقيق جداً، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إن الله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والظمآن الوارد، والعقيم الوالد ))
[ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]
الذي لم ينجب لمدة عشرين عاماً، ثم حملت زوجته، وأنجب، كم فرحه؟ (( إن الله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والظمآن الوارد، والعقيم الوالد ))
التوبة علمٌ وحالٌ وعمل :
أيها الأخوة، الموضوع دقيق، التوبة علمٌ، وحالٌ، وعمل، علم: الذي لم يحضر مجالس العلم، لا يعرف الحلال والحرام، ممَ يتوب؟ يقول لك: لا نعمل شيئاً، لأنه يقترف الكبائر ولا يدري، ما الذي يخبرك أنه ينبغي أن تتوب؟ العلم، أنت حينما تجلس في مجلس علم، وتعرف الحق والباطل، والخير والشر، والحرام والحلال، يمكن أن تتوب، أي أنت حينما تدرس قواعد اللغة العربية، يمكن إذا استمعت إلى من يقرأ نصاً من كتاب، يمكن أن تكشف أنه أخطأ، أو أصاب، أما إذا كنت لم تدرس هذه اللغة، وارتكب مئة خطيئة لا تدري، فأنت لن تكشف خطأك إلا إذا طلبت العلم.

مثلاً إنسان معه ارتفاع ضغط، متى يعالج هذا الارتفاع؟ جواب بسيط جداً: إذا علم أن ضغطه مرتفع، إن لم يعلم كيف يعالج هذا الضغط المرتفع؟
وهذا الإنسان إن لم يعلم الحلال والحرام كيف يتوب؟ فالتوبة أساسها علم، اطلب العلم كي تتوب، كي تتوب من هذه العلاقة المالية المشبوهة، اطلب العلم كي تتوب من هذه العلاقة الاجتماعية الخاطئة، هناك علاقات اجتماعية خاطئة، هناك صفقة محرمة، هناك بضاعة محرمة، هناك طريقة في البيع والشراء محرمة، متى تكشف الحقيقة؟ إذا طلبت العلم.
لذلك من دخل السوق من دون فقهٍ أكل الربا شاء أم أبى، أنا أستغرب أحياناً الإنسان يجعل طلب العلم من نوافل العمل، إذا وجد وقت فراغ، الأصل أن تطلب العلم، إنك إن طلبت العلم عرفت الحق والباطل، والخير والشر، والحلال والحرام، عرفت سرّ وجودك، وغاية وجودك، الجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، هذا العلم، اطلب العلم من أجل أن تتوب، من أجل أن تعرف أين الخلل؟ أين الخطأ؟ أحياناً الخطأ في كسب المال، عقاب المال الحرام إتلاف المال، فأنت في حيرة، يقول لك إنسان: أينما ذهبت الطريق مسدود، طبعاً، عندك علة كبيرة جداً ما عرفتها، هذا العلم.
أما الحال، لابد من توضيح: إنسان يمشي في بستان، وجد ثعباناً، علاقته مع الثعبان وفق قانون، إدراك، انفعال، سلوك، أما إذا قال إنسان لآخر: على كتفك عقربٌ شائلة، بقي هادئاً، مرتاحاً، مبتسماً، وقال له: شكراً لك على هذه الملاحظة، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يُمكنني أن أثيبك عليها، هل سمع ماذا قلت له؟ ما سمع، لو سمع، أو فهم، لقفز، ورفع صوته، وخلع معطفه، لكن لم يفهم، فإن لم يكن هناك انفعال شديد، لم يكن هناك إدراك صحيح، فليس هناك سلوك، السلوك أساسه الانفعال، والانفعال أساسه الإدراك، إدراك، انفعال، سلوك، هذا نظام وقانون، ذكره أحد كبار علماء الاجتماع، تدرك، فتنفعل، فتتحرك، أدرك أن هذا ثعبان، الإدراك جعله يضطرب ويخاف، واضطرابه وخوفه حمله على أن يهرب، أو أن يقتله، حينما لا ترى سلوكاً المعنى أنه لا يوجد انفعال، وحينما لا ترى انفعالاً حقيقياً لا يوجد إدراك، وهذه مشكلة، فاجعل هذا القانون ديدنك، لذلك التوبة علمٌ، وحالٌ، وعملٌ، العمل متعلق بالماضي، والحاضر، والمستقبل، بالماضي ندم وعزم على أن يصحح الخطأ الماضي، والحاضر إقلاعٌ عن هذا الذنب، والمستقبل عزيمةٌ ألا يعود إليه، فالتوبة علم، وحالٌ، وعمل، وقد لخصها النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة واحدة، فقال:
(( الندم توبة ))
[ أخرجه البزار وابن حبان والحاكم عن أنس بن مالك ]
أي أدرك فندم، فلما ندم تحرك، أدرك، فندم، فتحرك، علمٌ، وحالٌ، وعمل. الإسلام في حقيقته امتناع عن الخطأ و خدمة للناس :
أيها الأخوة، أنت حينما تؤمن أن:
(( ترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد الإسلام ))
[ ورد في الأثر]

الإسلام في حقيقته امتناع عن الخطأ، والإسلام في حقيقته خدمة للناس، لذلك سيدنا ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ كان معتكفاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى رجلاً كئيباً، قال له: ما لي أراك كئيباً؟ قال له: ديون لزمتني، لا أطيق سدادها، قال له: لمن؟ قال له: لزيدٍ أو عبيد، قال له: أتحب أن أكلمه لك؟ قال له: إذا شئت، فقام من معتكفه، فقال له أحدهم: يا بن عباس أنسيت أنك معتكف؟ قال: لا والله، ولكنني سمعت صاحب هذا القبر ـ والعهد به قريب، وبكى ـ والله لأن أمشي مع أخٍ في حاجته، خيرُ لي من صيام شهرٍ، واعتكافه في مسجدي هذا، أي الدين امتناع.
(( ترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد الإسلام ))
والدين عمل صالح، لأن أمشي مع أخٍ في حاجته، خيرٌ لي من صيام شهرٍ واعتكافه في مسجدي هذا: (( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))
[ أخرجه أبو يعلى والبزار عن أنس بن مالك ]
أيها الأخوة، سيدنا عمر كان مع عبد الرحمن بن عوف في المدينة، فرأى قافلةً، فقال سيدنا عمر لعبد الرحمن: تعال نحرس هذه القافلة، طفل بكى، عندما بكى، قال لأمه: أرضعيه، بكى ثانيةً، قال لها: أرضعيه، بكى ثالثةً، فغضب سيدنا عمر، قال: أرضعيه، هي غضبت، قالت له: وما شأنك بنا، إني أفطمه، فسألها لِمَ تفطميه؟ قال: لأن عمر لا يعطي العطاء إلا بعد الفطام، ليس مع الولادة، تروي الروايات أنه بكى، وضرب جبهته، وقال: ويحك يا بن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين؟ وحينما صلى الفجر، لم يستطع أصحابه أن يسمعوا قراءته من شدة البكاء، وهو يقول: "ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي، أم رددتها فأعزيها؟".
فالإنسان حينما يدرك أن هناك حساباً دقيقاً، و سؤالاً، و دقة بالغة في الحساب، والله ما من قطرة دمٍ تراق في الأرض، من آدم إلى يوم القيامة، إلا ويتحملها إنسان يوم القيامة: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾
[ سورة القيامة ]
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
التوبة رحمة الله بالإنسان :

الإنسان يا أخوان، ما دام القلب ينبض، ما دام هناك بقية في الحياة، لنبادر إلى التوبة، والتوبة رحمة الله:

(( لو جئتني بملء الأرض خطايا عفرتها لك ولا أبالي ))
[حديث قدسي رواه الترمذي والضياء والدرامي وأحمد وله شواهد أوردها الألباني في السلسلة الصحيحة]
والله ينتظرنا، و ﴿ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾






والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-13-2018, 05:05 PM   #42


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الاربعون )

الموضوع : استئناف التوبة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
استئناف التوبة :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع التوبة، كموضوعٍ كبير من: "سبل الوصول علامات القبول"، ولكن هذه المرة الموضوع معكوس، بمعنى أنه كما أن الإسلام أول، ثم الإيمان، ثم الإحسان، وحينما قال الله عز وجل:
﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 131 ]

سيدنا إبراهيم:
﴿ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
هناك إسلام يعد بداية الطريق، وإسلام يعد نهاية الطريق، كذلك الإنسان في أول مدارج السالكين يتوب إلى الله، التوبة أولاً، وفي نهاية منازل السائرين يتوب إلى الله، فالتوبة تأتي أولاً، وتأتي آخراً، والإسلام يأتي أولاً، ويأتي آخراً، ونحن مع موضوعٍ متعلقٍ بالموضوع الأول، وهو التوبة، ولكن بتفصيلٍ آخر، استئناف التوبة، الآية الكريمة: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة التوبة ]
أي التوبة هنا قبول عملهم، نجاتهم في الدنيا والآخرة، فكما أن التوبة تأتي في بداية الطريق، التوبة هي نهاية المطاف. التوبة تتوج العمل الصالح الذي يعمله الإنسان :
أيها الأخوة، الإنسان يتوب ليصلي، لكن في النهاية يصلي ليتوب، يتوب بمعنى قَبِل الله صلاته:
﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾
[ سورة التوبة الآية: 118 ]

إذا جاءت توبة الله قبل توبة الإنسان، أي ساق لهم من الشدائد ما يحملهم بها على التوبة، فإذا جاءت توبة الله بعد توبة الإنسان، أي قَبِل توبتهم،
﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾
ساق لهم من الشدائد ما حملهم بها على التوبة، الآن تابوا فتاب عليهم، أي قَبِل توبتهم.
إذاً المؤمن يتوب إلى الله دائماً، يستغفره دائماً، التوبة ليست حدثاً واحداً، التوبة مستمرة، بل إن التوبة تتوج العمل الصالح الذي يعمله الإنسان، مثلاً: الله عز وجل وصف سيدنا إبراهيم فقال: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾
[ سورة النجم ]
هل وفيت ما عليك؟ قال تعالى: ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
أما إبراهيم، ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾
وفى ما عليه، لا يوجد وصف أروع من هذا الوصف، أي وجدك الله وفياً، وجدك تائباً، وجدك مخلصاً: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾
[ سورة النساء الآية: 27 ]
أن يقبل عملكم، اجعلوه مخلصاً. من شروط قبول العمل الإخلاص و الصواب :
العمل لا يقبل إلا بشرطين، إلا إذا كان خالصاً، وصواباً، خالصاً: ما ابتغي به وجه الله، وصواباً: ما وافق السنة، العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً، وصواباً، خالصاً: ما ابتغي به وجه الله، وصواباً: ما وافق السنة.
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
فرقٌ كبير. خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :
أيها الأخوة، إذا قال الله عز وجل يخاطب سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، يقول له: ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
[ سورة طه ]

أنت لي، أنت لمن أيها المؤمن؟ التراب للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، والإنسان لمن؟ لله للواحد الديان، حينما تكون لغير الله تحتقر نفسك:
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 130 ]
أنت بحياتك أحياناً ترفض آلاف الأشياء احتقاراً لها، ترفض هذا البيت الصغير، هذا البيت التي تحت الأرض، هذا البيت البعيد، ترفض هذه الفتاة الغير المثقفة، الغير دينة، ترفضها كزوجة، أنت ترفض ملايين الأشياء احتقاراً لها، إلا أنك إذا رفضت الدين تحتقر نفسك، ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾
وأنت مع ملايين الموضوعات معك خيار قبول، أو رفض، لكنك مع الإيمان معك خيار وقت فقط، كيف؟ أكفر كفار الأرض الذي قال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة النازعات ]
والذي قال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
[ سورة القصص الآية: 38 ]
عند الموت قال: ﴿ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾
[ سورة يونس الآية: 90 ]
معنى ذلك خيارك مع الإيمان خيار وقت فقط، فإما أن تؤمن قبل فوات الأوان، وأن تنتفع بإيمانك، أو لابدّ من أن تؤمن بعد فوات الأوان، أنت عبد، إما أن تكون عبداً لله، فعبد الله حر، وعبد الله عزيز النفس، وإما أن تكون عبداً لعبدٍ لئيم.
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *

إما أن تكون عبداً لله، وإما أن تكون عبداً لعبدٍ لئيم، هؤلاء الذين استنكفوا أن يعبدوا الله أمام الأقوياء صغار ينبطحون. (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
التوبة بداية مدارج السالكين ونهاية منازل السائرين :

أيها الأخوة، إذاً التوبة بداية مدارج السالكين، والتوبة نهاية منازل السائرين، الآية الكريمة:

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾
[ سورة النصر ]
هذه السورة من أدق ما تؤكد هذه الحقيقة، في نهاية المطاف، ﴿ جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾
ودخل الناس ﴿ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾
التولي و التخلي :
أيها الأخوة، الحقيقة أن هناك مرضاً كالإخطبوط، ينتظر الناجحين في الحياة، قلت لكم مرةً: طريق القمة صعبةً جداً، أكمات، وصخرات، وحفر، و وهاد، وتلال، وغبار، وحر، وقر، تبذل جهداً يكاد يكون فلكياً كي تصل إلى القمة، أما النزول من هذه القمة فيتم بثاني، إذا أصابك الغرور، فالبطولة لا أن تصل إلى القمة، أن تبقى فيها، فلذلك الناجح بحياته، الناجح بدعوته، الناجح بتجارته، الناجح بصناعته، ينتظره مرضٌ خطير، هو الغرور، حينما تقول: أنا، يتخلى الله عنك، تقول: الله، يتولاك، الصحابة الكرام قمم البشر، بل نخبة البشر، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( إن الله اختارني واختار لي أصحاباً ))
[ أخرجه الطبراني عن عويم بن ساعدة ]
هؤلاء في بدر قالوا: الله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 123 ]

أي مفتقرون إلى الله، فانتصروا نصراً استحقاقياً، هم هم، وفيهم سيد الخلق وحبيب الحق، في حنين قالوا:
(( لن نغلب اليوم من قلة ))
[ أخرجه البزار عن أنس بن مالك ]
فتخلى الله عنهم: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾
[ سورة التوبة الآية: 25 ]
هذا الدرس أيها الأخوة، نحتاجه جميعاً كل ساعة، تقول: الله، يتولاك، تقول: أنا بمعلوماتي القيمة، بخبراتي المتراكمة، باختصاصي النادر، بأسرتي العريقة، بمنصبي الرفيع، بمالي الوفير، إذا قلت: أنا، تخلى الله عنك، هذا هو درس التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد. بطولة الإنسان أن يقرأ ما بين السطور :
في نهاية المطاف:
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾

<سيدنا عمر بن الخطاب، كان يكرم ابن عباس كثيراً، يبدو أن بعض الصحابة أخذوا عليه مأخذاً، طفل صغير، فأراد أن يعطيهم درساً، سأله أمامهم عن هذه السورة، ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾
فقال: هي نعوة النبي، والنبي حينما نزلت عليه هذه السورة، عرف أنه قد دنا أجله، ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾

بالمناسبة في الأدب ما يسمى بالتراجيديا والكوميديا، أي مأساة وملهاة، العظماء حينما يؤدون رسالتهم، تنتهي حياتهم، لذلك التراجيديا تنتهي بالموت، موت البطل، أما الكوميديا فتنتهي بالزواج، والصغار متعتهم هي هدفهم، فإذا تزوج هذه التي أحبها حلت كل مشكلاته، فالملهاة تنتهي بالزواج، أما المأساة فتنتهي بالموت.
فحينما أدى النبي رسالته، انتهت حياته، ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾
مثلاً: يمكن أن تسأل إنساناً يحمل دكتوراه في الآداب، هل تقرأ؟ مستحيل، يمكن أن تسأله هل تقرأ ما بين السطور؟ هناك فرق، القراءة الأولى قراءة محو أمية، أما قراءة إنسان يحمل دكتوراه فقراءة ما بين السطور، والآن الناس يتفاوتون لا بقراءة النص، يقول لك: ما بين السطور، لا بسماع الخبر، ماذا يعني هذا الخبر؟ من هنا كان التحليل السياسي، هناك تحليل للأحداث، يقول لك: هذا العرض العسكري رسالة إلى الدولة الفلانية، هذه المناورات على الحدود رسالة إلى الدولة الفلانية، هناك من يقرأ الخبر بعمق. الإنسان كل عمله يعد سبب دخول الجنة ولا يعد ثمن دخولها :
أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام: (( لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُم عَمَلُهُ الجَنَّةَ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عائشة أم المؤمنين ]
فاعل مؤخر: (( قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يَتَغَمَّدَني اللهُ بِمَغْفِرَةٍ ورَحْمَةٍ))
[ أخرجه البخاري عن عائشة أم المؤمنين ]

الحقيقة تتمة الحديث:
(( فسددوا، وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت، إما محسناً، فلعله أن يزداد خيراً وإما مسيئاً، فلعله أن يستعتب ))
[ أخرجه البخاري عن عائشة أم المؤمنين ]
أريد أن أوضح مثلاً دقيقاً هذه قضية تحتاج إلى شرح، أنه كيف النبي الكريم وهو سيد الخلق لا يدخل الجنة بعمله مع أن الله عز وجل يقول: ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة النحل ]
فيأتي الحديث ليقول: لا، القضية ليست بالعمل، أريد أن أوضح لكم: بيت ثمنه مئة وثمانون مليوناً، ثمن مفتاحه عشرون ليرة، فأحياناً إنسان يصنع مفتاحاً لهذا البيت ويدخل به، هذا المفتاح لا يساوي ثمن البيت، هذا لا يساوي شيئاً أمام البيت، فأنت حينما تستقيم، وحينما تصلي، وحينما تصوم، وحينما تحج البيت، وحينما تغض بصرك، وتؤدي زكاة مالك، وتحرر دخلك، وتربي أولادك، مجمل عملك بمثابة مفتاح لهذه الجنة، لذلك في بعض النصوص: (( ادخلوا الجنة برحمتي وتقاسموها بأعمالكم ))
[ ورد في الأثر]
مثل آخر: أب قال لابنه: يا بني إذا نلت الدرجة الأولى في الصف الثامن، لك مني أغلى دراجة، فهذا الابن نال الدرجة الأول، فتوجه مباشرةً إلى بائع الدراجات، قال له: أعطيني هذه الدراجة، لن يعطيه، لابد من دفع ثمنها من قبل الأب، أنت أتيت بسبب شراء هذه الدراجة، السبب عند والدك، وليس عند بائع الدراجات.
فالإنسان كل عمله يعد سبب دخول الجنة، سبب، ولا يعد ثمن دخول الجنة، فأي إنسان يتوهم أن عمله كاف لدخول الجنة يحتاج إلى توبة، هذا ذنب كبير، أن تتوهم أن عملك كاف، أنا محسن كبير، أنا إنسان فعلت عملاً عظيماً، هذا هو الشرك الخفي، لذلك التوبة تأتي في نهاية المطاف.
لذلك قالوا: رب معصيةٍ أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً. تناقض الكِبر مع العبودية :
أحياناً الإنسان ضعيف التوحيد، يرى له عملاً كبيراً، هذا العمل ربما كان حجاباً بينه وبين الله. (( لو لم تُذْنِبوا لَخَشيِتُ عليكم ما هُوَ أَشدّ منه ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

ما الذي هو أكبر من الذنب؟ العُجب، مثلاً إنسان جاءه ضيوف كثر، لا يوجد عنده شيء، عنده كمية لبن قليلة، يضيف لها خمسة أمثالها ماء، يعملها شراباً مع الثلج، شيء نفيس جداً، هذه الكمية من اللبن لو وضع فوقها قطرة نفط، قطرة واحدة، فسد، فالكبر يتناقض مع العبودية، لذلك المستكبر لا يدخل الجنة.
((لا يدْخُلُ الجنةَ مَنّ كان في قلبه مثقالُ حبَّة من كِبْر ))
[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
أنت عبد لله عز وجل، فكلما زادك الله علماً، أو فضلاَ، أو عملاَ، ينبغي أن تزداد تواضعاً له عز وجل، فلذلك من علامات المتفوقين عند الله التواضع، يقول الإمام الشافعي: "كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي": ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 255 ]
من أقامه الله بعمل صالح عليه أن يذوب محبة له :
أيها الأخوة، مرة إنسان محسن، قدم بيتاً لجمعية خيرية، الجمعية تستقبل الفتيات الفقيرات، يتعلمن في هذه الجمعية فن الخياطة الرفيع، تُقدم لها آلة خياطة، وتعمل من أجل ألا تبقى متسولة، أي تحول الفقيرات إلى عاملات، جمعية طيبة جداً، الذي قدم هذا البيت أُقيم له حفل تكريمي، أحد الخطباء ماذا قال؟ قال له: أيها المحسن الكبير، كان من الممكن أن تكون أحد المنتفعين بجمعيتنا، فتقف في صفٍ طويل، ومعك هويتك، لتأخذ قبل أيام عيد الفطر مبلغ ثلاثمئة ليرة مع التوقيع والبصم، أي إذا إنسان من الأخوة الكرام سمح الله له أن يعطي لا أن يأخذ هذا من فضل الله عليه، من الممكن أن تأخذ ولو كنت ذكياً.

(( ولا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ ))
[ أخرجه مسلم والنسائي عن عبد الله بن عباس ]
مع الله لا يوجد ذكي يوجد مستقيم، فإذا إنسان أقامه الله عز وجل بعمل صالح، أو أقامه بعمل ناجح، أو أقامه بتجارة، أو أقامه بدخل معقول، يجب أن يذوب محبةً لله، كان من الممكن أن يمد يده للناس.
إنسان جالس مع زوجته، يأكل الدجاج، طرق الباب، كان متسولاً، فالزوجة همت أن تعطيه قطعةً من الدجاج ليأكلها، فنهرها، وقال: اطرديه، والقصة طويلة ساءت العلاقة بينهما حتى طلقها، وأكرمها الله بزوجٍ آخر، جالسة مع الثاني، تأكل الدجاج، طُرق الباب قال: انظري من الطارق، رجعت مضطربة، قال لها: ما الذي حصل؟ قالت له: سائل، قال لها: من هو، قالت له: إنه زوجي الأول، قال لها: أتدرين من أنا؟ أنا السائل الأول؟ الإنسان إذا استكبر، الله عز وجل: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾
[ سورة البروج ]
إياك أن تتكبر. من شهد عمله فقد أشرك :
أيها الأخوة، بعض علماء القلوب قالوا: من شهد عمله فقد أشرك، قال لك: أنا، مثلما قال قارون، حصّلت هذا المال بجهدي، بتعبي، وعرق جبيني، أي:
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
[ سورة القصص الآية: 78 ]

المؤمن الصادق الذي استنار قلبه يقول لك: الله أكرمني بهذه الشهادة، أكرمني بهذه التجارة، أكرمني بهذه الزوجة، أكرمني بالأولاد، أكرمني بهذا البيت، لا يقولها تأدباً يقولها واقعاً، حقيقةً، فالمؤمن يرى فضل الله عليه، وغير المؤمن يرى جهده، وعمله، فيكون حجاباً بينه وبين الله، لذلك من يحتاج إلى التوبة؟ الناجحون:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
النبي عليه الصلاة والسلام دخل مكة فاتحاً، دخلها مطأطئاًً رأسه حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره، تواضعاً لله.
سيدنا عمر، عبقري هذه الأمة، وهو على المنبر يخطب، قطع الخطبة فجأةً وقال: يا عمر، كنت راعياً ترعى إبلاً لبني مخزوم، على قراريط بمكة، لا علاقة لهذا الكلام بالخطبة، يخطب في المسلمين، أمير المؤمنين، يا عمر: كنت راعياً ترعى الإبل، بقراريط لبني مخزوم، وتابع الخطبة، فلما نزل، سأله سيدنا أبو ذر الغفاري، يا أمير المؤمنين، هذا الذي قلته ماذا يعني؟ قال له: جاءتني نفسي، فقالت لي: ليس بينك وبين الله أحد، أنت قمة المجتمع الإسلامي، فأردت أن أعرفها قدرها.
إنسان منا أكرمه الله بشيء، عليه أن يتذكر قبل ثلاثين سنة ماذا كان يعمل؟ عمل في محل تجاري، الله أكرمك، جعل معك شهادة عليا، معك تجارة ناجحة، فكلما تذكر الإنسان أصله يتواضع، وكلما نسي أصله يتكبر.
سيدنا عمر بن عبد العزيز طلب من أحد الكبار اسمه عمر بن مزاحم، قال له: يا عمر كن معي دائماً، فإذا رأيتني ضللت فأمسكني من تلابيبي، وهزني هزاً شديداً وقل لي: اتقِ الله يا عمر، فإنك ستموت. بطولة الإنسان أن يدخل مدخل صدق و يخرج مخرج صدق :
أنا أركز على التوبة بعد النجاح، هناك خطورة كبيرة جداً بعد النجاح، خطورة الغرور، الكِبر، لذلك كلما دخل سيدنا عمر بن عبد العزيز مجلس الخلافة يتلو هذه الآية، آية دقيقة جداً:
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ* مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾
[ سورة الشعراء]

لذلك قال تعالى:
﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 80 ]
القرآن موجز، هناك إيجاز بلاغي، لو أن الله قال: رب اجعلني صادقاً، أحياناً تبدأ بمشروع وأنت صادق، في منتصفه تأتيك أموال طائلة، أحياناً إنسان ينشئ مستشفى خيرياً بعد حين تأتيه الجلطة من الفاتورة، أي صار الرقم غير معقول، شعر أنه يمكن أن يربح أرباحاً فلكية، نسي أن هذا مشروع خيري بالأساس، فأحياناً إنسان يدخل ﴿ مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾
ولكن أحياناً لا يخرج ﴿ مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾
فالآية دقيقة جداً، بأي مشروع، بأي عمل، قد تبدأ المشروع وأنت مخلص، وتنوي فعل لخير، البطولة أن ينتهي كذلك: ﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ﴾
[ سورة الإسراء ]
أيها الأخوة الكرام، كما أن بداية مدارج السالكين أن تتوب إلى الله، نهاية منازل السائرين أن تتوب إلى الله، فالتوبة في البداية، وفي النهاية، بل التوبة مستمرة، والإنسان حينما يألف أن يتوب دائماً، هو مع الله دائماً.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-14-2018, 07:51 AM   #43


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الواحد و الاربعون )

الموضوع : اجتناب الكبائر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الكبائر :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ولكن طبيعة هذا الموضوع طبيعة سلبية، بمعنى أن هناك موضوعات تعد أصلاً في الوصول، وهناك موضوعات أخرى تعد في أصلاً في عدم الوصول، فما دام الحديث في اللقاءات السابقة عن التوبة، فهناك موضوع الكبائر، الكبائر من أخطر الموضوعات التي تتناقض مع الوصول إلى الله عز وجل.

نحن في النظام المدني عندنا مخالفات، مخالفة سير، وجريمة قتل، فرقٌ كبير بين مخالفة السير، وبين جريمة القتل، نسمي بالمصطلح الشرعي جريمة القتل كبيرة، ونسمي مخالفة السير صغيرة، فالموضوع اليوم هو "الكبائر"، لذلك من أدق الآيات في هذا المعنى قوله تعالى:
﴿ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾
[ سورة القصص ]
للتقريب: إنسان حُكم عليه بالإعدام، وعليه مخالفة سير، يعفى من مخالفة السير، لأنه سيعدم. ﴿ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾
في الإسلام مخالفات بسيطة، صغائر، مخالفات أكبر أكبر أكبر إلى أن نصل إلى الكبائر. أساليب الشيطان لإبعاد الإنسان عن الرحمن :
لكن بالمناسبة: الشيطان يوسوس للإنسان، يوسوس له بالكفر، فإن وجده على إيمان يوسوس له بالشرك، فإن وجده على توحيد يوسوس له بالكبائر، فإذا وجده على طاعة يوسوس له بالصغائر، فإذا وجده على ورع، بقي معه ورقتان رابحتان، يوسوس له بالتحريش بين المؤمنين
فالخلافات، وتراشق التهم، والتكفير، والتبديع، والتشريك، هذا من عمل الشيطان، وعندنا قاعدة مهمة جداً، حدث خطير وقع، لصالح من؟ إذا عرفنا لصالح من نتهم هذه الجهة التي كان هذا العمل لصالحها، إذاً التفرقة بين المؤمنين لصالح من؟ لصالح الشيطان، وأعداء الدين، فأي إنسان يشق صفوف المسلمين، يفرق بينهم، يجعلهم شيعاً وأحزاباً، يضعف قوتهم، فهو يعمل لصالح الشيطان.
إذاً هناك موضوعات تتناقض مع الوصول إلى الله، فإذا لم يستطع الشيطان أن يوسوس، وأن يقنع، وأن يحمل الإنسان على الكفر، وعلى الشرك، وعلى الكبائر، وعلى الصغائر، بقي معه ورقتان رابحتان، الأولى: التحريش بين المؤمنين، والثانية: المباحات، يغرق في المباحات، إلى أن يوافيه الأجل، وهو غارقٌ في المباحات، هذه من أساليب الشيطان لإبعاد الإنسان عن الرحمن.
تفاوت المعاصي من صغيرةٍ إلى كبيرة :
إذاً تتفاوت المعاصي من صغيرةٍ إلى كبيرة، الآن بالضبط كيف نفهم الكبائر والصغائر؟ أقول: طريقٌ عرضه ستون متراً، عن يمينه وادٍ سحيق، وعن يساره وادٍ سحيق، والإنسان يركب مركبة على هذا الطريق، ما الصغيرة؟ أن تحرف المقود سنتمتر، هذا الانحراف لو استمر لكان المصير إلى الوادي، هذه الصغيرة، لذلك ورد في بعض الأحاديث:
(( لا صغيرة مع الإصرار ))
[ أخرجه الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]

لو أن حرف المقود سنتيمتراً واحداً وثبته، فالمركبة تنتقل من وسط الطريق إلى اليمين إلى اليمين إلى اليمين، إلى الوادي. (( لا صغيرة مع الإصرار ))
أما الكبيرة أن تحرف المقود تسعين درجة، إلى الوادي فوراً، لكن لأن الطريق عريض، بإمكانك أن تتلافى السقوط في الوادي بإرجاعه. (( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ))
[ أخرجه الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]
الكبائر إذا تبت منها أصبحت صغائر، والصغائر إذا أصررت عليها أصبحت كبائر، (( لا صغيرة مع الإصرار ))
السنتيمتر الواحد لو ثبت إلى الوادي، والكبيرة إذا أدركت أنها كبيرة، فأرجعت المقود كما كان بقيت على الطريق. الصغائر و الكبائر تحجب الإنسان عن الله عز وجل :
أيها الأخوة، الحقيقة الدقيقة والثابتة أن أية مخالفةٍ تحجبك عن الله، لكن دقق في هذا المثل: بيت فيه عشرات الأجهزة الكهربائية، ثلاجة، مكيف، مسجلة، مروحة، ميكروويف، كل هذه الأجهزة إذا قُطع التيار لا معنى لها إطلاقاً، لو قُطع التيار ميلي متراً واحداً جميع الأجهزة معطلة، ولو قُطع متراً جميع الأجهزة معطلة، فالقطع قطع، بصغيرةٍ أو بكبيرة، والوصل وصل.

فالبطولة أن تكون موصولاً بالله عز وجل، لا أن تحجب عن الله بالصغائر، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يخشى على أمته من الصغائر، من:
(( محقرات الذنوب ))
[ أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن سهل بن سعد ]
بصراحة معظم المسلمين لا يقتلون، ولا يزنون، ولا يشربون الخمر، لكن ما الذي يحجبهم عن الله؟ (( محقرات الذنوب ))
الصغائر إذا أصروا عليها، فإذا أصروا عليها انقلبت إلى كبائر. الكبائر هي :
1 ـ الإشراك بالله :
أيها الأخوة، كم هي الكبائر؟ هذا موضوع خلافي، بعضهم عدها سبعاً إلى سبعين إلى سبعمئة، هناك كتاب مشهور للإمام الذهبي، وهو من كبار علماء الحديث، عنوانه: "الكبائر"، طبعاً هو استنبطها من الكتاب، وما صحّ من السنة، الآية الأصل في هذا الموضوع قوله تعالى:
﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾
[ سورة النساء ]

هذا هو الأصل، فإلى الأحاديث الشريفة الصحيحة التي تتحدث عن الكبائر، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الكبائر: الإشراك بالله ))
[ أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
للتقريب: إنسان له مبلغ كبير في حلب، نحن في دمشق، وحلب من أكبر مدن الشمال، له مبلغ كبير، وسوف يأخذه يوم السبت، الساعة الواحدة ركب قطار حلب، قطع في الدرجة الأولى، وارتكب خطأ، فركب في الدرجة الثالثة، هذا خطأ، لكن القطار في طريقه إلى حلب، وسيأخذ المبلغ، الخطأ الثاني أنه جلس مع شباب منحرفين، أزعجوه كثيراً في الطريق، هذا خطأ ثان، لكن القطار منطلقٌ إلى حلب، وسيأخذ المبلغ، ارتكب خطأ ثالثاً، أنه جلس بعكس اتجاه القطار، فأصابه دوار، ارتكب خطأ ثالثاً، لكن القطار في طريقه إلى حلب، وسيأخذ المبلغ، ارتكب خطأ رابعاً، أنه كان يتلوى من الجوع، ولم يعلم أن في القطار عربةً فيها مطعم، هذا خطأ رابع، لكن القطار في طريقه إلى حلب، وسيأخذ هذا المبلغ، أما هناك خطأ لا يغفر، أن يركب قطار الجنوب المتجه إلى درعا، هذا القطار لا يصل إلى حلب، يصل إلى مدينة ليس فيها مبلغ.
لذلك هناك ذنبٌ لا يغفر، هو الشرك، تتجه إلى غير الله، ليس معه شيء، صفر، وذنبٌ لا يترك، ما كان بينك وبين العباد، حقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة، وحقوق الله مبنيةٌ على المسامحة، ذنبٌ لا يغفر، الشرك بالله، وذنبٌ لا يترك، ما كان بينك وبين العباد، وذنبٌ يغفر، ما كان بينك وبين الله، لذلك الشرك من أكبر الكبائر. 2 ـ عقوق الوالدين :
((الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين ))
[ أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]

الله عز وجل رفع بر الوالدين إلى مستوى عبادة الله، قال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 23 ]
هذه الواو حرف عطف، ومن لوازم العطف التجانس، أي لا يوجد إنسان يقول: أنا اشتريت أرضاً وملعقة، بل يقول: اشتريت أرضاً وبيتاً، أو بيتاً وسيارة، فالعطف من لوازمه التماثل، فإذا قال الله عز وجل: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
رفع الله عز وجل مستوى بر الوالدين إلى مستوى عبادته، لأن الله سبحانه وتعالى منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، والأبوان كانا سبباً في وجودك في الدنيا، لذلك أنا أنصح أي أخ كريم ألا يشارك عاقاً، لأنه إذا لم يكن فيه خير لوالديه لم يكن فيه خيرٌ لك. 3 ـ قتل النفس :



((الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس ))
[ أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً، لأنه ما من قطرة دمٍ تراق من آدم إلى يوم القيامة إلا وسيتحملها إنسان يوم القيامة، لابدّ من أن يتحملها إنسان، إلا دم المقتول بحد يتحمله الله جلّ جلاله.




4 ـ اليمين الغموس :

(( ....واليمينُ الغموسُ، قلت وما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقْتطِعُ مال امرئ مسلم بيمين هو فيها كاذب))
[ أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
وهي اليمين الكاذبة التي تغمس صاحبها في النار، هي اليمين الكاذبة، الفاجرة التي: (( تذر الديار بلاقع ))
[ابن حبان عن واثلة بن الأسقع]
يمين مدمرة، تسمى في القضاء اليمين الحاسمة، فإذا حلف الإنسان كاذباً ليتوقع أنه دمر نفسه. الرد الإلهي قد يأتي سريعاً أو بطيئاً جداً :
أيها الأخوة، قال تعالى:
﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 137 ]
دقق الآن: ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا ﴾
[ سورة آل عمران الآية:137 ]

الفاء تفيد الترتيب على التعقيب: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كيفَ كانَ عاقبةُ المكذبينَ﴾
[ سورة آل عمران ]
هناك برنامج شهير جداً في الإذاعة ـ حكم العدالة ـ مرة التقيت بمعد هذا البرنامج، حدثنا عن قصة، قال: عمارة يزيد ثمنها عن خمسين مليوناً، بدعوى كاذبة سوف تنتقل إلى صاحبٍ آخر يدّعي ملكيتها، لكن يحتاج إلى شاهد، جاؤوا بشاهد زور، وقد دفعوا له مبلغاً فلكياً، أقسم لي بالله أنه رأى الحادث أمامه، فجاء القاضي وقال لهذا الشاهد الزور الذي سينقل بناء، ثمنه خمسون مليوناً ـ والقصة قديمة جداً، الآن خمسمئة مليون ـ من مالك حقيقي متوفى، إلى مالك مزور، هذه الدعوى الباطلة تحتاج إلى شاهد زور، جاؤوا بهذا الشاهد، وضع يده على المصحف وأقسم، وأبقى يده مرفوعةً، فانزعج القاضي، قال له: أنزل يدك، كان ميتاً، قال لي: كان يمسك طرف الطاولة بيده، إلى أن وقع، حوالي نصف دقيقة، قال له: أنزل يدك، كان ميتاً، انظر الآية قل: ﴿ َفسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا ﴾
هذه الفاء للترتيب على التعقيب، ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا ﴾
هناك آية ثانية: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 11 ]
ثم تفيد الترتيب على التراخي، هو نفسه أقسم لي بالله، قال لي: هناك إنسان متهم بجريمة قتل، فأبلغه المحامي أن حكماً بالإعدام صدر عليه، قال لي هذا المحامي: بحياتي يوجد حوادث كثيرة، إبلاغ حكم الإعدام، أما هذا الإنسان فلم ينزعج، أي تلقى الحكم بأعصاب باردة، فأنا استغربت، صار عندي رغبة أن أشهد إعدامه، بعد أسابيع أعتقد بالقلعة قال لي: ذهبت لأشهد إعدامه، وقف على طاولة الإعدام، وضع حبل المشنقة وقال: الآن سأموت، هذا الذي قُتل، واتُهمت به، أنا لم أقتله، لكنني قتلت إنساناً قبل ثلاثين عاماً، كان رئيس مخفر بعهد فرنسا، وضابط فرنسي أعطاه إنساناً ليُقتل، وضعه في الإسطبل، وأقفل الباب، فهرب بالليل لا يعرف كيف، لئلا يكون مسؤولاً أمام هذا الضابط، جاء بإنسان معه جمل، باع الجمل، وضع الثمن في جيبه، وأدخله مكانه، وثاني يوم أُعدم، قال: أنا من ثلاثين سنة تسببت بقتل إنسان بريء، وهأنذا أُقتل مكانه، هذه الآية الثانية: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
فإما أن يأتي الرد الإلهي سريعاً، وإما لحكمةٍ بالغةٍ بالغة يأتي بطيئاً، أي قد يحلف إنسان يميناً كاذبة غموساً، ويعاقب بعد عشر سنوات، إذاً: (( الكبائرُ: الإشراكُ بالله، وعُقوقُ الوالدين، وقتْلُ النفس، واليمينُ الغموسُ ))
[ أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
الغش و قول الزور سبب هلاك الإنسان في دنياه :
حديث آخر: قال النبي صلى الله عليه و سلم: (( ألا أُنبِّئكم بأكبر الكبائر، ثلاثاً قلنا : بلى يا رسولَ الله، قال: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، ألا وشهادةُ الزور، وقولُ الزور، وكان متَّكئاً فجلس، فما زال يكرّرُها حتى قلنا: ليته سكتَ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي بكرة ]
طبعاً هناك إضافة بهذا الحديث، شهادة الزور، أنت تشتري قماشاً من دولة شرقية، من آسيا، من تايوان، هناك شريط ذهبي عن طريق المكواة مكتوب صنع في فرنسا أو انكلترا، تستطيع أن توهم المشتري أن هذا القماش مصنوع بدولة أوروبية، تأخذ الثمن مضاعفاً، هذه شهادة زور، كل أنواع الغش شهادة زور، لذلك: (( من غش فليس منا ))
[ أخرجه مسدد بن مسرهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ]

نفى عنه انتماءه للإسلام، فالغش من الكبائر، تغيير الصفات، أن توهم الشاري أن هذه البضاعة من الطراز الأول، وهي من الطراز الخامس، أن تغير في صفاتها، في منشئها، في موادها الأساسية، أنواع الغش لا تعد ولا تحصى، وكل أنواع الغش تنطوي تحت كلمة شهادة الزور.
فلذلك أيها الأخوة، الذي أهلك المسلمين في بيعهم وشرائهم الغش، يحلف يميناً كاذبة، واليمين الكاذبة منفقةٌ للسلعة، ممحقةٌ للبركة، لذلك المؤمن مستقيم، وقد ورد أن عدل ساعةٍ خيرٌ من عبادة سبعين عاماً. (( وترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد حجة الإسلام ))
[ ورد في الأثر]
الدين في الأسواق، في البيع والشراء، الدين في العيادة، الدين في الصيدلية، الدين في المستشفى، الدين في الحقل، إياك أن تضع مادة مسرطنة، إياك أن تضيف مادة مبيضة للمادة الغذائية، المادة المبيضة مسرطنة، إياك أن تستخدم شيئاً تؤذي المسلمين، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس ]
مرة إنسان يطوف حول الكعبة، يقول: ربي اغفر لي ذنبي، ولا أظنك تفعل، كان وراءه إنسان صالح، قال له: يا هذا ما أشد يأسك من رحمة الله! قال له: ذنبي كبير، قال له: ما ذنبك؟ قال له: كنت جندياً في قمع فتنة، فلما قُمعت أبيحت لنا المدينة، دخلت أحد البيوت، رأيت فيه رجلاً وامرأة وولدين، فقتلت الرجل، وقلت لزوجته: أعطني كل ما عندك، أعطته كل ما عندها، فقتل ولدها الأول، فلما رأته جاداً في قتل الثاني أعطته درعاً مذهبة ـ من الذهب ـ تأملها فأعجبته، فإذا عليها بيتان من الشعر، قرأهما فوقع مغشياً عليه: إذا جار الأمير وحــاجباه وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فـــويل ثم ويل ثم ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء
* * *
من الكبائر أيضاً :
1 ـ أن يجعل الإنسان لله نداً :
أيها الأخوة، عن عبد الله قال: سألت النبي صلى الله عليه و سلم:
(( أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ]
أي تقول: مصيري بيد فلان، فلان يرفعني، فلان يدمرني، هذا شرك كبير: (( أن تجعل لله ندا وهو خلقك ))
وإذا قلت: الدولة الفلانية، إن أقمنا معها علاقات طيبة نجونا، وإلا هلكنا، لا، هذا شرك أيضاً، الضار والنافع هو الله، المعطي والمانع هو الله، المعز والمذل هو الله، فحينما (( تجعل لله نداً وهو خلقك ))
فهذا أيضاً من الكبائر، وهو يندرج مع الشرك بالله. 2 ـ قتل الولد :
(( أن تقْتُلَ ولدَكَ مخافة أن يطْعمَ مَعَك ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ]

أحياناً إنسان يقذف بابنه إلى أتون الفتن من أجل مستقبله، يرجع زانياً، يرجع كافراً بدينه، لكن يا أخي أخذ شهادة عليا، لا، الإيمان أولاً، أنا مع العلم، مع التفوق، مع الاختصاص، لكن لابد من أن تنتبه.
قال لي مرة شاب جاء بأعلى شهادة من أمريكا: والدي زوجني وأرسلني مع زوجتي، قال لي: زوجتي كانت حصناً.
أنا مع العلم، مع تلقي العلم من أكبر الدول، مع تقوية المسلمين، لكن إذا كان هذا العلم على حساب دينك، ومستقبلك، فعندنا مشكلة كبيرة: (( أن تقْتُلَ ولدَكَ ))
﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 191 ]
صدق أيها الأخ الكريم، هذه الموءودة التي قال الله عنها: ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾
[ سورة التكوير ]
طفلة كالشمعة، توضع في الرمل، ويهال عليها الرمل، وتموت، جريمة كبيرة، والذي يطلق لابنته العنان، تثير الفتن، كاسيةٌ عارية في الطريق، هذه يوم القيامة تقف أمام ربها وتقول: يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي، لأن: ﴿ َالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾
هذه التي وئدت إلى الجنة، صح، أما هذه التي كبرت، وانحرفت، وأثارت الشبهات، والفتن، وأفسدت الشباب، في صحيفة والدها الذي أطلق لها العنان. 3 ـ أن يزني الإنسان بحليلة جاره :

(( وأنْ تُزَاني حَلِيلَةَ جارِك ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ]
بلغ النبي الكريم أن هناك إنساناً ذهب إلى الجهاد، وأوصى جاره بزوجته، فزنى بها، فجاء الكلب وقتله، فقال: خان صاحبه، والكلب قتله، والكلب خيرٌ منه. (( وأنْ تُزَاني حَلِيلَةَ جارِك ))
أيها الأخوة، للموضوع تتمة إن شاء الله، الكبائر قضية خطيرة جداً، الأصل في هذا الموضوع: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾
[ سورة النساء ]








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-14-2018, 07:54 AM   #44


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثانى و الاربعون )

الموضوع : انواع الكبائر







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
تناقض الكبائر مع الوصول إلى الله عز وجل :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ولكنه يتصل اتصالاً سلبياً، فالشيطان يوسوس للإنسان بالكفر، فإن رآه على إيمان وسوس له بالشرك، فإن رآه على توحيد وسوس له بالكبائر، فإن رآه على طاعة وسوس له بالصغائر، فإن رآه على ورع وسوس له بالتحريش بين المؤمنين، فإن لم تنجح هذه الورقة وسوس له بالمباحات، فلذلك الكبائر تتناقض مع الوصول إلى الله، والكبائر كما قال الله عز وجل:
﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
والحديث في اللقاء السابق كان عن أنواع الكبائر، ولا زلنا في ذكر هذه الأنواع. أي عمل يسقط صاحبه من عين الله وأعين الناس يندرج تحت الفواحش :
الآية الكريمة:
﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 151 ]

وقد بينت لكم أن الشرك ذنبٌ لا يغفر، لأنك اتجهت إلى غير الله، وغير الله ليس عنده شيء، ذنبٌ لا يغفر، وهناك ذنبٌ لا يترك ما كان بينك وبين العباد، وهناك ذنبٌ يغفر ما كان بينك وبين الله.
﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 151 ]
الفاحشة معصية ممقوتة، تفوح رائحتها النتنة، تسقط صاحبها في الوحل، يصبح مذموماً، يفقد مكانته، يفقد عدالته، ولا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: (( من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كَمُلَت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته ))
[أخرجه العسكري في الأمثال والديلمي في مسنده عن علي]
العكس: من حدثهم وكذبهم، سقطت عدالته، ووعدهم فأخلفهم، سقطت عدالته، وعاملهم فظلمهم، سقطت عدالته، فهذه من الكبائر، ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ ﴾
الزنا من الفاحشة، وأي عمل يسقط صاحبه من أعين الناس يندرج تحت الفواحش، وأي عملٍ أيضاً يسقط صاحبه من عين الله يندرج مع الفواحش.
أيها الأخوة: ﴿ ولَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 151 ]
(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضاً فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))
[ أخرجه ابن ماجه عن ثوبان بن بجدد ]
الفواحش الباطنة و الظاهرة :
﴿ ولَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾

بل إن لبعض العلماء رأياً دقيقاً في الفواحش الباطنة، إنها الكِبر، الفواحش الظاهرة في الأعمّ الأغلب الإنسان يتوب منها، لكن الفواحش الباطنة هي الكِبر، وهناك فواحش تصيب النفس، الاستعلاء، الكِبر، أن ترى نفسك فوق الآخرين، بل إن العالم كله يعاني من مرضٍ خطير، إنه العنصرية، ما معنى العنصرية؟ يكفي أن تتوهم أن لك ما ليس لغيرك، فأنت عنصري، يكفي أن تتوهم أن على الآخرين ما ليس عليك، فأنت عنصري، وقد يكون الزوج عنصرياً، فإذا صعدنا إلى الأعلى وقد يكون حق الفيتو في مجلس الأمن حقاً عنصرياً، أنت حينما تتوهم أن لك ما ليس لغيرك أو أن عليك أو أن على غيرك ما ليس عليك فأنت عنصري.
هذه الفواحش الباطنة، في الأعم الأغلب الإنسان لا يتوب منها، لأنها ليست ظاهرة، الكِبر أن يرى نفسه فوق الآخرين، أن يرى أن له فضلاً عليهم، أن يرى أن أحداً لا يحق له أن ينتقده، مع أنه ما من أحدٍ أصغر من أن ينقد، وما من أحدٍ أكبر من أن يُنقد، فالمجتمع الذي فيه نظام إنساني وليس عنصرياً هذا المجتمع معافى، أما إذا كان هناك عنصرية قهذا المجتمع يعاني ما يعاني، وقد ينتقل إلى العنف، والعنف لا يلد إلا العنف. تحريم الزنا :

أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ﴾
[ سورة الفرقان الآية: 68 ]
الزنا جريمة، لأنه عدوان، لأن الله سبحانه وتعالى فطر النفس الإنسانية فطرةً سليمة، وأن المرأة فطرها فطرةً سليمة، فإذا تزوجت تألقت، إذا تزوجت كان الزواج وفق فطرتها، أما إذا أُفسدت بالزنا، كان الزنا وبالاً عليها.
على كلٍّ أيها الأخوة الآية الكريمة: ﴿ وَلَا يَزْنُونَ ﴾
المؤمن لا يزني، أما وإن زنا وإن سرق في الماضي، قبل أن يتوب، لكن بعد أن تاب إلى الله عز وجل، فهذا بعيدٌ عن أخلاق المؤمن بعد الأرض عن السماء. العلاقة مع الجن علاقة محرمة :

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال:

(( اجتنبوا السبعَ الموبقات، قيل: يا رسولَ الله، وما هُنَّ؟ قال: الشركُ بالله والسِّحْرُ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة: (( ومن سحرَ فقد أَشرَك ))
[ أخرجه النسائي عن أبي هريرة ]
أي علاقةٍ مع الجن علاقةٌ محرمة. (( ومن سحرَ فقد أَشرَك ))
أي تعاون مع الجن لإضلال البشر، لا يوجد عندنا قناة نظيفة مع الجن إطلاقاً. (( ومن سحرَ فقد أَشرَك ))
الاستعاذة بالله تحرق الشيطان لأن الجن ليس لهم على الإنس سلطان :
ولكن هناك آياتٌ دقيقة جداً:
﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ﴾
[ سورة إبراهيم الآية: 22 ]

الجن ليس لهم على الإنس سلطان:
﴿ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾
[ سورة إبراهيم الآية: 22 ]
آيةٌ ثانية: ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 102 ]
أي الجن، آيةٌ ثالثة: ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 200 ]
فالاستعاذة بالله تحرق الشيطان: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
﴿ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ ﴾
[ سورة سبأ الآية: 14 ]
سيدنا سليمان: ﴿ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾
[ سورة سبأ ]
هذه الآيات القرآنية الحاسمة، الجن لا يعلمون الغيب، والجن لا يملكون للبشر نفعاً ولا ضراً، هذا المعنى الدقيق المتعلق بالجن، أما هناك خرافات، وهناك ترهات، وهناك تأويلات ما أنزل الله بها من سلطان، الموقف العلمي، القرآني، التوحيدي من الجن هذا، فلذلك: (( اجتنبوا السبعَ الموبقات، قيل: يا رسولَ الله، وما هُنَّ؟ قال: الشركُ بالله، والسِّحْرُ، وقتْلُ النفس التي حرَّم الله إلا بالحق ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
من يسفك دم الآخرين يتحمل وزرهم يوم القيامة :
وقد ذكرت لكم أن المسلم يظل بخير ما لم يسفك دماً، لأن هذا الدم الذي سُفك لابد من أن يتحمله إنسانٌ يوم القيامة، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى* أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ﴾
[ سورة القيامة ]
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾
[ سورة المؤمنون الآية: 115 ]
بل إن علماء التوحيد يؤكدون أن الإيمان باليوم الآخر يندرج تحت السمعيات، أو تحت الإخباريات، لأن الله أخبرنا أن هناك يوماً آخر، إلا أن بعض العلماء ابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن الإيمان باليوم الأخر يندرج تحت المعقولات، لأنه لا يعقل أن يخلق الله قوياً وضعيفاً، وغنياً وفقيراً، وصحيحاً ومريضاً، وتنتهي الحياة، القوي أكل الضعيف، والغني أكل الفقير، والمتمكن سحق الضعيف، لا يعقل أن تنتهي الحياة دون أن تسوى الحسابات، هذا الكمال الذي يشف عنه الكون لا يقبل أن تنتهي الحياة مع الموت، ولا شيء بعد الموت، لابدّ من أن تسوى الحسابات. من الكبائر أيضاً :
1 ـ أكل الربا :
فلذلك أيها الأخوة: (( السِّحْرُ، وقتْلُ النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الرِّبا ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
الربا من الكبائر لماذا؟ لأن الربا يسهم بتجميع الأموال الكثيرة، في أيدٍ قليلة، وهذا وحده يعد اختلالاً بالتوازن، لأن الله حينما أودع في الإنسان حب المال، أراد أن يكون هذا المال متداولاً بين كل البشر، قال تعالى: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾
[ سورة الحشر الآية: 7 ]

فالعالم حينما يتاجر بالسلعة والخدمة، توزع الثروات على أوسع طبقةٍ في المجتمع، أما حينما يتاجر بالقيمة ـ كما هو حال النظام العالمي اليوم ـ وحينما يتاجر بالدين، تتجمع الأموال بأيدٍ قليلة، وتحرم منها الكثرة الكثيرة، لذلك عُشر سكان الأرض بسبب النظام الربوي، يملكون تسعة أعشار ثروات الأرض، والتسعون بالمئة من أهل الأرض لا يملكون إلا عشرة بالمئة من ثروات الأرض، حرمة الربا أتت من أنه يخل بالتوازن المالي بين طبقات البشر.
فلذلك حينما يقل المال بين أيدي الناس، تظهر الدعارة، يظهر الاحتيال، أكثر الأمراض الخطيرة الاجتماعية سببها الفقر، وحينما قال الإمام عليٌّ رضي الله عنه: "كاد الفقر أن يكون كفراً"، هذا كلام صحيح، وكاد الفقر أن يكون إرهاباً، وكاد الفقر أن يكون جريمةً وكاد الفقر أن يكون احتيالاً، أكثر الأمراض الاجتماعية سببها الفقر، فلذلك الذي يسهم في إبعاد الهوة بين الأغنياء والفقراء يسهم في إفساد المجتمع، لذلك قال النبي الكريم:
(( اجتنبوا السبعَ الموبقات، قيل: يا رسولَ الله، وما هُنَّ؟ قال: الشركُ بالله، والسِّحْرُ، وقتْلُ النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
2 ـ أكل مال اليتيم :
أكل مال اليتيم من الكبائر، والله عز وجل يقول:
﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾
[ سورة النساء الآية: 6 ]

لو أن إنساناً تاجراً كبيراً، معه مال يتيم، إذا كان غنياً بماله، ينبغي أن يستعفف عن أن يأخذ ربحاً من استثمار مال اليتيم، أما إذا كان فقيراً، قال:
﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 6 ]
العلماء فسروا المعروف أن يأخذ حاجته، أو أجر المثل، أيهما أقل، مثلاً يتيم وضع معك مليون ليرة، الربح بينكما، ربحت بهذا المليون مئتي ألف، أجر المثل لك مئة ألف وله مئة ألف، هذه المئة ألف أقل من حاجتك، هذا هو الحق، لكن أودع معك عشرة ملايين، وربحت مليوناً، لك خمسمئة، وله خمسمئة، الخمسمئة فوق حاجتك، ينبغي أن تأخذ حاجتك، كلام دقيق: ﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 6 ]
﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
؛ أن يأخذ حاجته، أو أجر المثل، أيهما أقل، فإذا الحاجة كانت أقل يأخذ حاجته، وإذا كان أجر المثل أقل، يأخذ أجر المثل. 3 ـ التولي يوم الزحف :

(( وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
الإنسان حينما يجبن عن لقاء العدو، فهذا الجبن، وهذا الفرار، أو هذا التولي من الزحف، يعد من الكبائر.






4 ـ قذف المحصنات :
(( وقذف المحصنات ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، عن أبي هريرة ]

وورد في الأثر:
(( أن قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة ))
الناس يخوضون في أعراض الآخرين، أحياناً تُذكر امرأة، أحد الحاضرين يقول: الله أعلم، قذفها بهذه الطريقة، أساساً حينما قالت السيدة عائشة عن أختها صفية إنها قصيرة قال النبي عليه الصلاة و السلام: (( يا عائِشَة لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْه ))
[ رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها ]
(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
(( والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
هذا الحديث في البخاري ومسلم. 5 ـ قتل مخلوق بلا سبب :

أيها الأخوة، أن تقتل مخلوقاً بلا سبب، هذا من الكبائر، تصوروا لو أن واحداً اصطاد عصفوراً، لغير مأكلةٍ، للتسلية، هذا العصفور يأتي يوم القيامة وله دويٌ كدوي النحل، يقول:

(( يا رب سله لِمَ قتلني؟))
آلاف الصيادين يذهبون هوايةً، يقتلون آلاف الطيور ثم يرمونها في الأرض، ماذا فعلت؟ مخلوق يسبح الله، أما إذا كنت مسافراً، وأنت مكرمٌ عند الله، وكنت جائعاً و مضطراً إلى أن تأكل، لك أن تصطاد، وأن تأكل، الصيد لتلبية حاجةٍ أساسية، أما للتسلية. ((من قتل عصفورا عبثاً جاء يوم القيامة وله صراخ عند العرش تقول يا رب سل هذا فيم قتلني؟))
[ مسند الشهاب عن أنس بن مالك]
6 ـ شتم الرجل والديه :
أيها الأخوة:
(( إن من الكبائر: شتْمَ الرَّجُل والديه، قال: وهل يشتِم الرجل والديه؟ قال: نعم يَسُبُّ الرجلُ أبا الرَّجُل وأمه، فيسبُ أباه وأمه ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
بشكل دقيق أنت حينما تؤذي الناس تستسب لأبيك، النهي ولا تستسب له، أي لا تعامل الناس معاملةً يكون رد فعلها أن يسبوا أباك، فالمؤمن لا يستسب لأبيه، يحفظ ود أبيه، يحفظ سمعة أبيه، يحفظ كرامة أبيه، إلا أن المؤمن له نشاط أوسع، لا يستسب للمسلمين وهذا المعنى مأخوذ من حديث رسول الله: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ))
[ أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله ]

قد تتوهمون أن المعنى أنه لا يؤذي المسلمين، ولا يسبهم، لا، حينما يعامل غير المسلمين فيظلمهم، أو يأخذ ما ليس له، يسبب سباً للمسلمين، أنت حينما تسيء إلى مسلم يتهمك أنت باسمك، أم إذا أسأت لغير المسلم، ينسى اسمك، ويتهم الإسلام، المعنى دقيق جداً:
(( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ))
أي من سلمت سمعة المسلمين حينما يعامل غير المسلمين من لسانه ويده، ودائماً وأبداً حينما تسيء لغير المسلم، يقول: هكذا الإسلام؟ ينسى اسمك، لا يعلق على اسمك أبداً، فلذلك المسلم إذا أساء لغير المسلم، يكون قد انتهك حرمة المسلمين، وأنت أيها المسلم على ثغرةٍ من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك، لذلك الحديث: (( من غش فليس منا ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
لو غششت مجوسياً فلست منا: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾
[ سورة المائدة الآية: 8 ]
من هو العدو التقليدي للمؤمن؟ الكافر، ولا يحملنكم بغض هذا الكافر ﴿ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾
﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾
[ سورة المائدة الآية: 8 ]
إن عدلت معه، قربته إلى الله، وقربته إليك، أنا أرى أن الإساءة لغير المسلمين أعظم إثماً ومسؤوليةً من أن تسيء للمسلمين. 7 ـ استطالة المرء في عرض رجلٍ مسلم بغير حق :
إن من أكبر الكبائر كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجلٍ مسلم بغير حق ))
[ أبو داود عن أبي هريرة]

ما معنى كلمة عرض؟ نحن جميعاً نتوهم أن كلمة عرض متعلقة بالمرأة، لا، كل إنسان له عرض، عرضه سمعته، أو بالتعبير الدقيق العرض: موضع المدح والذم في الإنسان، فإذا أسأت إلى سمعة إنسان، أي اتهمت أمانته من دون تأكد، من دون دليل، لا يوجد أحد جيد، هذا المشكك، ذُكر اسم شخص، ليس معك دليل، ليس معك بينة، ليس معك مستمسك، اتهمت أمانته، ماذا فعلت؟ استطلت في عرضه، لذلك:
(( إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجلٍ مسلم بغير حق ))
[ أبو داود عن أبي هريرة]
هذه امرأة نشكك بعفتها، وهذا إنسان نشكك في أمانته من دون دليل، إن كان هناك دليل فلا يوجد مشكلة.
لذلك مرة سيدنا عمر، جاءته رسالة من أحد الولاة، قال: يا أمير المؤمنين إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استخراجه منهم، إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، فكان الجواب الرائع، قال: يا سبحان الله! أتستأذنني في تعذيب بشر! وهل أنا لك حصنٌ من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة، فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم، فادعهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعهم لحلف اليمين، فإن حلفوا، فأطلق سراحهم، وايم الله، لأن يلقوا الله بخيانتهم، أهون من أن ألقى الله بدمائهم، هذا المنهج، هذه القنوات الصحيحة.
أيها الأخوة الكرام، الحديث عن الكبائر حديثٌ خطير، إذا استطلت في عرض امرئ مسلم من دون دليل، رجل له دعوة، له مصالح، معك دليل؟ شككت بأمانته، الناس كانوا ينتفعون منه، قطعت الخير عن هؤلاء الناس بكلمة، مرة أخيرة: (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
8 ـ اتباع غير سبيل المؤمنين :

أيها الأخوة:

(( مَنْ خَرَجَ مِن الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الجماعةَ فماتَ ماتَ مِيتة جَاهلية ))
[ أخرجه مسلم والنسائي عن أبي هريرة ]
اتبع غير سبيل المؤمنين، فكل إنسان يقدم خدمات لأعداء المسلمين، فكأنه خرج عن مفهوم الأخوة الإيمانية. ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة النساء الآية: 115 ]
صار في خدمة أعداء المسلمين، هذه من أكبر الكبائر، هي الخيانة العظمى.
الحقيقة أرجو الله سبحانه وتعالى أن يبعدنا جميعاً عن هذه الكبائر، لأنك تظل بخير ما لم تقترف هذه الكبائر.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-14-2018, 07:57 AM   #45


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثالث و الاربعون )

الموضوع : الحب من خلال القران الكريم







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الحب من خلال القرآن الكريم :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو موضوع: "الحب".

الحب هذه الكلمة الساحرة، ذات الظلال الرقيقة والمحببة في النفس البشرية، يعكس الإسلام لها فهماً خاصاً، لأنه يعترف بعاطفة الحب على أنها واحدةٌ من أهم الدوافع الإنسانية، والمحركات الفعالة في السلوك الفردي والجماعي، لكن البطولة أن تعرف من تحب وكيف تحب.
شيء آخر الحب ثلث الإنسان، لأن الإنسان عقلٌ يدرك، وقلبٌ يحب، وجسمٌ يتحرك، وغذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، فإذا لبيت حاجات العقل والقلب والجسم معاً تفوقت، أما إذا لبيت واحدة تطرفت، وفرقٌ كبير بين التطرف والتفوق.
أيها الأخوة، مرة أحد كبار الأساتذة في كلية التربية درست فيها ثلاثين عاماً، تقاعد أحد الأساتذة، أُقيم له حفل وداع كبير جداً، هو أستاذ علم النفس، فقال كلمة تأثرت لها كثيراً، قال: أي إنسانٍ لا يشعر بحاجةٍ إلى أن يُحِب، كما أنه لا يشعر بحاجةٍ إلى أن يُحَب ليس من بني البشر ، إذا كنت من بني البشر ينبغي أن تشعر بحاجة إلى أن تُحِب أو إلى أن تُحَب.
بنية الإنسان النفسية مبرمجة من قِبل الله على محبة ما أمر به وكره ما نهى عنه :

أيها الأخوة، النقطة الدقيقة جداً أن لك فطرة، جِبلّة، خصائص، هذه الفطرة مبرمجة على منهج الله، أي شيءٍ أمر الله به جُبلت على محبته، وأي شيءٍ نهاك الله عنه جُبلت على كراهيته، شيء رائع جداً أن بنيتك النفسية، خصائصك النفسية، فطرتك، جِبلتك، مبرمجة من قِبل الخالق العظيم على محبة ما أمرك به، وعلى كره ما نهاك عنه، والدليل:

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾
[ سورة الحجرات الآية : 7 ]
فأنت لمجرد أن تطيع الله اصطلحت مع نفسك، وشعرت براحة لا توصف، وكأن جبالاً أزيحت عن كاهله لمجرد أنك اصطلحت مع الله. أنواع الحب :
أيها الأخوة، ولكن هناك حبٌ حسي وهناك حبٌ عقلي، فكلما ارتقى الإنسان أحبّ بعقله، وكلما هبط مستوى الإنسان أحبّ بحواسه، كلما ارتقيت تحب بعقلك، وكلما هبط مستوى الإنسان يحب بحواسه، الدليل القطعي أن الله عز وجل قال في القرآن الكريم يحدثنا عن سيدنا يوسف:

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾
[ سورة يوسف الآية : 33 ]
دُعيَّ إلى أن يلتقي مع امرأة العزيز لقاءً زوجياً، لو عرض هذا الشيء على مليار شاب الآن يراه غنيمة كبيرة، بينما سيدنا يوسف رأى في هذا الشيء بُعداً عن الله، فكرهه بعقله مع أن طبيعته الجسمية ترغب في ذلك، ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾
وما في إنسان الآن عظيم إلا أحب بعقله، الحد الأدنى الذي أخذ شهادة عليا أحب الدراسة بعقله، ترك اللقاءات، والسهرات الممتعة، واللقاء مع الأصدقاء، والنوم المديد، والطعام الطيب، والنزهات تركه كله، لأنه أحب أن يكون إنسان مرموق في المجتمع فدرس فالإنسان لن يكون عظيماً في الدنيا إلا إذا أحب بعقله، وأبغض بعقله، أما إذا أحب بحواسه دمر نفسه، وأبسط شيء الطعام والشراب، الذي أحب الطعام والشراب ولم يحكم عقله في الأمر يعني أصيب بأمراض وبيلة، يجب أن تحب بعقلك، وأن تكره بعقلك، وهذا علامة الرقي. عدم ارتقاء الإنسان إلا إذا كره بعقله وأحبّ بعقله :
الآن ربما أحببت بحواسك فهلكت، وربما كرهت بحواسك فنجوت، قال تعالى: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]

أوضح مثل هذا اللقاء الطيب، تستيقظ قبل الفجر وتتوضأ، وتنتقل من بيتك إلى المسجد، والجلسة على الأرض، ولا يوجد ضيافة إطلاقاً، وتعود، ولكن تشعر بسعادة لا توصف، لأنك ذكرت الله في وقت القرب.
(( ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح لأتوهما ولو حَبْواً ))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك عن أبي هريرة ]
فكلما ارتقيت تحب بعقلك وتكره بعقلك، وكلما هبط مستوى الإنسان أحبّ بحواسه، بقي نائماً، أكل ما شاء، نظر إلى من يشاء، من دون ضابط، من دون قيد، من دون قيمة، فأنت يمكن أن تمتحن نفسك، هل تحب بعقلك؟.
مرة كنا في جلسة قُدمت ضيافة طيبة جداً لكنها لا تريح الجسم، هناك طبيب قلب دُعي إلى أن يأكل فرفض، اعتذر طبعاً، فلما أصر صاحب البيت عليه أن يأكل، قال له: والله أحب هذا الطعام أكثر منكم جميعاً، لكنني لكثرة ما أرى الشرايين مسدودة ـ هو عمله طبيب جراح ـ أكره هذا الطعام.
أحياناً الإنسان يكره بعقله ويحب بعقله، لا يرتقي إلا إذا كره بعقله وأحبّ بعقله، موضوع الطعام والشراب، موضوع الدراسة، موضوع السير إلى الله عز وجل، مجاهدة النفس والهوى، كل هذا السلوك أساسه حب عقلي، لكن الحب الحسي يتناقض معه، النوم أريح من حضور الدرس، إذاً ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
من أحبّ غير الله عز وجل ظلم نفسه :
أيها الأخوة: الآية الأساسية في هذا اللقاء الطيب.

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 165 ]
أحب المال، أحب النساء، أحب الكِبر ـ أن يكون كبيراً عند الناس ـ أحب السيطرة، أحب أشياء كثيرة، ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾
أي يحبونهم حباً كما ينبغي أن يحب الله عز وجل، يبيع حياته من أجل هذه الشهوة، يموت من أجلها، التعليق الرائع: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 165 ]
الله عز وجل هو أصل الكمال و الجمال و النوال :
لكن النقطة الدقيقة:
﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾
[ سورة البقرة الآية : 165 ]

الذي أحبّ غير الله أحبّ الدنيا، أحبّ أموالها، أحبّ نساءها، أحبّ بيوتها، أحبّ قصورها، أحبّ مركباتها، أحبّ مناصبها .
﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾
يوم القيامة: ﴿ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾
[ سورة البقرة الآية : 165 ]
هنا القوة بمعنى قوة الجمال، هو لماذا أحب المرأة ؟ لأنه أُخذ بجمالها، لو يعلم علم اليقين أن أصل الجمال هو الله، وأن أصل الكمال هو الله، وأن أصل النوال هو الله، لذلك يتألم أشد الألم حينما تبع فرعاً ضئيلاً ونسي الأصل . ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾
أي ظلموا أنفسهم حينما أحبوا غير الله . ﴿ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾
يوم القيامة طبعاً حينما أحبوا غير الله، اعتدوا على الآخرين، الحب قادهم إلى العدوان ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾
أن أصل الجمال، وأصل الكمال، وأصل النوال، هو الله . ﴿ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 165 ]
علة خيريتنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله :
الإنسان أيها الأخوة مجبولٌ على حب الكمال، والجمال، والنوال، يحب العطاء، ويحب الكمال، ويحب الجمال، الآن هذا الحب قد يكون ادعاءً، قال تعالى:
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 18 ]

ادعاءً ، ردّ الله عليهم:
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 18 ]
والمسلمون إذا قالوا: نحن الأمة المختارة، نحن: ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية :110]
نحن أمة الوحيين، نحن أمة سيد الخلق وحبيب الحق، الرد جاهز: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
ليس لكم ولا ميزة ما دمتم لا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر، قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 110 ]
علة خيريتنا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله، فإن لم نأمر بالمعروف ولم ننهَ عن المنكر، أو أمرنا بالمنكر ونهينا عن المعروف، أو أصبح عندنا المعروف منكراً والمنكر معروفاً، لسنا ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
بل نحن أمة كأية أمةٍ خلقها الله عز وجل، ليس لها أي ميزة. من هان أمر الله عليه هان على الله :
لذلك ملخص الملخص هان أمر الله علينا فهنا على الله، لأن الله عز وجل قال :
﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 31 ]
علامة حبكم اتباعي، فإن لم تتبعوا رسول الله فهذا دليلٌ قطعي على أنكم لا تحبون الله عز وجل.
مرة قلت: من منكم يصدق ـ وهذا هو الحق ـ أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، فرض عين لقول النبي: (( بلِّغُوا عني ولو آية ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
أي سمعت درساً تأثرت فيه، انقل الذكرى إلى من حولك، إلى زميلك، إلى صديقك، إلى جارك، إلى ابنك، إلى أخيك، إلى أصهارك، إلى بناتك، إلى زوجتك. (( بلِّغُوا عني ولو آية ))
والدليل: ﴿ وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ * ﴾
[ سورة العصر ]
التواصي بالحق ربع النجاة، فما لم تتواصَ بالحق فلست ناجياً، والدعوة إلى الله كفرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف فقط، أما كفرض كفاية فتحتاج إلى تفرغ، وإلى تبحر، وإلى تعمق، وهذا الذي بهذا المستوى يستطيع أن يرد على كل الشبهات، وأن يجيب عن كل الأسئلة، هذا التفرغ, والتعمق، والتخصص، والتبحر، هذا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، لذلك، ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾
علامة المتبع لرسول الله أنه يدعو إلى الله على بصيرة :
الآن الاتباع:
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾
[ سورة يوسف الآية : 108 ]

فعلامة المتبع لرسول الله أنه يدعو إلى الله على بصيرة، أي ما خطر ببالك مرة أن تقنع إنساناً بالدين؟ قريب، جار، صديق، شريك، تقنعه بشيء من عظمة هذا الدين، تدعوه إلى درس علم، تقدم له شريطاً، تدعوه إلى قراءة كتاب، ما خطر في البال إطلاقاً؟ لذلك ورد:
(( أوحى الله إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها قال: إن فيها عبدك فلان لم يعصك طرفة عين؟ قال : اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط ))
[ أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
والآن هناك حالات هو مستقيم، وبيته إسلامي، ودخله إسلامي، لكن لم يخطر في باله لثانية أن ينقل الحق لإنسان: (( قال: اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط))
أيها الأخوة، إذاً : ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 31 ]
دقق في الآيات: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾
[ سورة الإنسان الآية : 8 ]
من آثر رضاه على رضا الله فالطريق إلى الله غير سالكة :

لكن الآية التي تقصم الظهر:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ﴾
[ سورة التوبة الآية: 24 ]
الطريق إلى الله غير سالكة، أي إذا أحببت تجارة فيها معصية، أو فيها شبهة، أو فيها بضاعة محرمة، أو علاقة محرمة آثرتها على طاعة الله فالطريق إلى الله ليس سالكاً، إذا أحببت زوجتك وهي متفلتة من الدين، ولم تعبأ بنصحك، فالطريق إلى الله ليس سالكاً، إذا أحببت شيئاً ما سوى الله، وكان هذا الشيء لا يرضي الله، وثبت على محبته، ولم تعبأ بمحبة الله، فالطريق إلى الله ليس سالكاً لذلك: ﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
الله عز وجل يحب :
1 ـ المحسن :
أيها الأخوة، من هم الذين يحبهم الله؟ طبعاً نحن جميعاً نحب الله، لكن محبة الله لنا أهم بكثير من محبتنا له، محبتنا له شيء طبيعي منحنا نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، لكن البطولة أن يحبك الله، من هؤلاء الذين يحبهم الله عز وجل؟ قال:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
هل أنت محسن؟ ﴿ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
والمطلق على إطلاقه، هل أنت محسن في بيتك؟ في عملك؟ في تجارتك؟ في حرفتك؟ في طبك؟ في هندستك؟ أنت محام، هل أحسنت كتابة المذكرات؟ هل كنت مخلصاً للموكل أم أهملت قضيته وابتززت ماله؟ هل أنت محسن؟ أنت معلم هل أنت محسن؟ طبيب أتقنت اختصاصك؟ اعتنيت بالمريض؟ كلمة إحسان مطلقة، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
طريق محبة الله بيدك، أحسن يحبك الله. 2 ـ المقسط :
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 42 ]

تأتي ابنتك إلى البيت تشكو زوجها، تقول لها: اجلسي لن ترجعي إليه، لن أرسلك له، هل سألته ماذا فعلت معه؟ أنت الآن قاض استمعت لابنتك فقط ولم تكلف نفسك أن تسأله باتصال هاتفي لعلها أساءت إليه، لست منصفاً، أحياناً يعطي كل ثروته للذكور، ويحرم البنات، لماذا؟ يخاف المال أن ينتقل إلى الأصهار، لأن الله عز وجل حينما وزع الإرث بذاته العلية نزل التوزيع بالقرآن، فأنت تجتهد ألا نعطي البنات؟! اعملوا وكالة عامة لأخيكم بالقهر .
(( إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت فَيضِران في الوصية، فتجب لهما النار ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
أنت محسن مع أولادك ؟ هل عدلت بينهم ؟ كلمة واسعة جداً محسن ومقسط . ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
عادل ، عندك زوجتان، لماذا كره النساء التعدد؟ يكرهونه كراهة تحريمية لأن النساء لم يروا تعدداً عادلاً ، رأوا تعدداً ظالماً فكفروا بالتعدد، إذا كان عندك زوجة ثانية هل تعامل الاثنتين في المسكن، وفي الطعام والشراب، وفي الوقت، والإقامة، و الإنفاق، والود معاملة واحدة؟ لماذا مع الجديدة أنت منطلق الأسارير ومرح وتأخذها نزهات كثيرة ومع القديمة أنت عبوس قمطرير لماذا؟ لست منصفاً، لذلك ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
3 ـ التواب :

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 222 ]
الذي يتوب من كل ذنب ويتوب من قريب . ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]



4 ـ المتطهر :

إن الله:

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]
طهر نفسه من السِوء، من الأدران، من الشهوات، من الحقد، من الكبر، من الاستعلاء، من التحدي، طاهر، مستقيم.





5 ـ الصابر :

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 146 ]
﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً ﴾
[ سورة ص الآية : 44 ]
﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾
[ سورة ص الآية : 30 ]
هل أنت صابر على قضاء الله وقدره؟ هل أنت صابر عن معصية الله ؟ هل أنت صابر على طاعته؟ ينبغي أن تصبر على طاعته، وعن معصيته، وعلى قضائه وقدره ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾

6 ـ المتوكل :
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 159 ]
خالق السماوات والأرض، بيده كل شيء، توكل عليه. ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾
[ سورة النمل ]
﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾
كلمة واسعة تبدأ من طهارة الجسم، إلى طهارة الثياب، إلى طهارة المكان، إلى طهارة المنزل، إلى طهارة النفس، لا يوجد حقد، ولا غل، ولا حسد، ولا خبث، ولا مؤامرة، ماذا قال سيدنا عمر ؟ "لست بالخَب ولا الخب يخدعني" .
أي لست من الخبث بحيث أَخدع، ولا من السذاجة بحيث أُخدع ، لست بالخب ولا الخب يخدعني. 7 ـ المتقي :

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
الذي يتقي أن يعصي الله.
الآيات واضحة جداً، طريق محبة الله لك بين يديك وسالك إلى الله، يحب المحسنين، والمقسطين، والتوابين، والمتطهرين، والصابرين، والمتوكلين، والمتقين.




الشارد عن الله عز وجل يحب الدنيا و ما فيها :
لكن الذين شردوا عن الله ماذا يحبون؟ قال:
﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾
[ سورة العاديات ]
يحب المال . ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾
[ سورة الإنسان ]
أحب الدنيا وكفر، أما هناك موت، هناك قبر، هناك حساب، هناك عذاب، هناك نار، لم يدخل الموت في حسابه أصلاً، ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾
علامة إيمان الإنسان أن يفرح لأخيه لا أن يعطي نفسه حجماً أكبر منها :
﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 188 ]
الآن معظم الناس يحب أن يعطي لنفسه حجماً كبيراً هو دونه بكثير، أي الأشياء الطبيعية يعزوها إليه، أما هؤلاء. ﴿ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
[ سورة النور الآية : 19 ]
هؤلاء: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 19 ]
أي الإنسان عندما يتمنى أن يسقط المؤمن أو يُدمر، بل إذا دمر يفرح، أكبر علامة نفاق أن تتألم إذا أكرم الله أخاك، أكرمه بمنصب، أكرمه بزوجة صالحة، أكرمه بشهادة عليا، أكرمه بتجارة ناجحة، علامة إيمانك أن تفرح له، وكأن هذا الإنجاز لك، وعلامة النفاق أن تتألم. الله عز وجل جعل الحب اختياراً لا قهراً :

فلذلك:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 19 ]
أساساً الله عز وجل جعل الحب اختياراً، قال: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾
[ سورة فصلت الآية : 17 ]
والآن بشر كثيرون بعقلهم يختارون الدنيا ويرفضون الآخرة، يختارون المعصية ويرفضون الطاعة، يؤثرون علاقة مع امرأة لا تحل لهم على علاقته مع زوجاتهم، يؤثرون الدخل الحرام على الدخل الحلال: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾
ونسأل الله جلّ جلاله أن نكون عند ما ينبغي أن نكون، وفي لقاءٍ آخر إن شاء الله أتحدث عن الحب من خلال السنة النبوية، اليوم الحب من خلال القرآن الكريم.







والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-14-2018, 08:00 AM   #46


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الرابع و الاربعون )

الموضوع : الحب من خلال السنة النبوية





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الحبّ من خلال السنة النبوية :

أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوع الحب، والحب ثلث الإنسان، لأن الإنسان عقلٌ يدرك، وقلبٌ يحب، وجسمٌ يتحرك، وغذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، لكن المؤمن يعرف من ينبغي أن يحب، وكيف يحب.
وفي اللقاء السابق تحدثنا عن الحب من خلال القرآن الكريم، واليوم الحديث عن الحب من خلال السنة النبوية الصحيحة المطهرة، من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:
(( إن فيك لخلقين يحبهما الله ورسوله قال: ما هما يا رسول الله؟ قال: الأناة والحلم ))
[أخرجه أبو يعلى عن الأشج العصري ]
كاد الحليم أن يكون نبياً، الحلم سيد الأخلاق، والأناة التؤدة والتأني، في التأني السلامة وفي العجلة الندامة، فالحلم والأناة صفتان يحبهما الله عز وجل ورسوله. (( إن فيك لخلقين يحبهما الله ورسوله قال: ما هما يا رسول الله؟ قال: الأناة والحلم ))
المؤمن هو من كان الله في قرآنه والنبي في سنته أحبّ إليه من أي شيءٍ آخر :
حديثٌ آخر: يقول عليه الصلاة والسلام :
(( لا يُؤمن أحدُكم حتَّى أكونَ أحبَّ إليه مِنْ والده وولدِهِ والنَّاس أجمعين ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أنس بن مالك ]

الحقيقة أن هذه الأحاديث أولاً مقياس وثانياً هدف، مقياس إيمانك أن يكون الله ورسوله أحبّ إليك من ولدك، ووالدك، والناس أجمعين، هذه علامة الإيمان.
سيدنا عمر كان واضحاً جداً مع رسول الله قال له: يا رسول الله أنت أحبّ إليّ من أهلي، وولدي، والناس أجمعين، إلا نفسي التي بين جنبي، فقال له: عندما يكمل إيمانك يا عمر، بعد حين قال: يا رسول الله أنت أحبّ إليّ من أهلي، وولدي، والناس أجمعين، ونفسي التي بين جنبي، فقال: الآن يا عمر.
هذا مقياس ، ما معنى أن يكون الله ورسوله أحبّ إليك ممن سواهما؟ ككلمة سهلة جداً، لو سألت مليار وخمسمئة مليون مسلم، ألا تحب الله ورسوله أكثر من أي شيء؟ لقال الجميع: نعم، حينما تتعارض مصلحتك القريبة المتوهمة مع النص الشرعي، مع القرآن ومع السنة، مع أمر الله في القرآن وأمر النبي في السنة، وتلزم النص الشرعي، ولا تعبأ بمصلحتك المتوهمة، فأنت تحب الله ورسوله أكثر من أي شيءٍ آخر، أي قضية أن تحب الله ورسوله أكثر من أهلك، وولدك، والناس أجمعين، ككلمة سهلة، أما كتطبيق، أحياناً له زوجة ويحبها لكنها متفلتة، وسوف ينعكس هذا على الأولاد، فلابدّ من تقويمها، لابدّ من أخذ موقف منها، أما معظم الناس ما دام مصالحه محققة من خلال هذه الزوجة لا يعبأ بدينها، ولا بتربيتها لأولادها.
فما دام هناك رغبة أن يكون الله في قرآنه، والنبي في سنته، أحب إليك من أي شيءٍ آخر فأنت مؤمنٌ ورب الكعبة. على الإنسان أن يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه :
الآن يقول عليه الصلاة والسلام :
(( لا يُؤمن أحدُكم ))

دائماً وأبداً حينما يربط الأمر بالإيمان فهو شيءٌ خطيرٌ جداً.
(( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
قال شراح الحديث: المطلق في القرآن والسنة على إطلاقه، أوسع معنى للأخوة الأخوة الإنسانية، فمن علامة الإيمان أن تحب للآخرين ما تحب لنفسك، وفي بعض الروايات: وأن تكره لهم ما تكره لنفسك، أما الذي يأخذ ما يوافقه ويدع للناس ما لا يوافقه، فهو لا يحب لهم ما يحب لنفسه.
والحقيقة أيها الأخوة: هناك مقياس دقيق جداً، ضع نفسك مكان الآخر، أنت موظف أمامك مواطن، له حاجة تنتهي بدقائق، لكنك تدير حديثاً ممتعاً مع صديقك، قلت له: تعال غداً، وقد يكون بلده في مكان بعيد، وسوف يضطر أن ينام في الفندق، لو كنت مكانه هل تقبل؟.
لذلك القاعدة الرائعة التي تؤكدها نصوص كثيرة: عامل الناس كما تحب منهم أن يعاملوك، هل ترضى أن تُعامل ابنتك في بيت أهل زوجها كما تعامل أنت زوجة ابنك في البيت؟ هل ترضى أن تسخر الزوجة من أمك كما تسخر من أمها؟ أنا أقول: إما أن تكون إنسانياً، أو أن تكون عنصرياً، فالزوج الذي يسخر من أم زوجته فإذا تكلمت زوجته بكلمة عن أمه أقام الدنيا عليها، هذا إنسان غير منطقي، عامل الناس كما تحب أن يعاملوك. التوحيد أن يتحرك الإنسان وفق ما يرضي الله عز وجل :
أيها الأخوة: (( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))
صدقوا ولا أبالغ لو طُبق هذا المبدأ، أو هذا الحديث، لكنا في حال غير هذا الحال، ينبغي ألا تقبل للناس إلا ما تقبله أنت.
حدثني مرة أخ قال لي: أنا عندي معمل مياه غازية لا أذوقه إطلاقاً، لأنه سيئ جداً، إذاً لماذا تبيع الناس شيئاً أنت تترفع عن شربه؟ هذا خطأ استراتيجي، في كل المصالح، بالحرف الشيء الذي تقدمه للناس ينبغي أن يكون مقبولاً عندك، أما تطعم الناس طعاماً لا تأكله أنت، ليس هذا من الدين إطلاقاً.
ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من أحبَّ للَّه، وأبْغَضَ لله، وأعطَى لله، ومنع للهِ، فقد استكمل الإيمانَ ))
[ أخرجه أبو داود عن أبي أمامة الباهلي ]
هناك روايات كثيرة: (( من أحبَّ للَّه، وأبْغَضَ لله، وأعطَى لله ومنع للهِ، ووصل لله، وقطع لله ورضي لله، فقد استكمل الإيمانَ ))
أي المؤمن نحى رغبته الشخصية جانباً، وتحرك وفق ما يرضي الله، فإن غضب لله، وإن رضي لله، وإن وصل لله، وإن قطع لله، وإن أعطى لله، وإن منع لله، هذا هو التوحيد، أن تتحرك وفق ما يرضي الله . صفات التاجر الذي يرضي الله عز وجل :
أيها الأخوة، ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( إنَّ اللهَ يُحِبُّ سَمْحَ البيع ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

هناك تساهل بالبيع، هناك تشدد، أحياناً امرأة فقيرة ليس معها ثمن الدواء الكامل ينقص نصف ليرة، يسحب الدواء من يدها ائتني بالمبلغ الكامل، نصف ليرة أحياناً، لا يوجد سماحة، هناك تشدد أحياناً بالبيع والشراء لا يحتمل .
(( رحم الله عبداً سمح البيع، سمح الابتياع، سمح القضاء ، سمح التقاضي ))
[ أخرجه إسحاق بن راهوية عن عثمان بن عفان ]
(( إن الله يحب سمح البيع، سمح الشراء، سمح القضاء ))
[ أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة ]
مر معي: ((أطيب الكسب كسب التجار))
[الأصبهاني عن معاذ بن جبل]
الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا باعوا لم يطروا ـ لم يمدحوا ـ وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، سبع صفات للتاجر الذي يرضي الله عز وجل. رُب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً :

وهناك أيضاً حديث قد يلفت النظر لكنه في البخاري: رجل من القوم يشرب الخمر، لعنه الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( لا تَلعنوه، فواللَّه ما علمتُ إلا أنهُ يُحِبُّ اللَّه ورسوله ))
[ أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب ]
لئلا نقع في فهم خاطئ، أحياناً الإنسان يعصي ربه كِبراً، وتأبياً، كما عصى إبليس، وأحياناً يعصي الإنسان ربه غلبةً، غلبته شهوته، ضعف أمام نفسه، هذا يعصي ويبكي، فهذا الذي يعصي غلبةً لا تعامله كما تعامل إنساناً يعصي الله كِبراً واستعلاءً، هذا نوع وذاك نوع آخر، وقد قال بعض العلماء: رُب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً . حاجة المسلمين اليوم إلى أن يحبوا بعضهم بعضاً حاجة أساسية :
أيضاً أيها الأخوة يقول عليه الصلاة والسلام:
(( وَالذي نَفسي بِيدِهِ، لا تَدخلونَ الجنةَ حتى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنوا حتى تَحابُّوا ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]

ما الذي ينقصنا الآن؟ مساجد رائعة، أبنية فخمة، مؤتمرات جيدة، ندوات رائعة، هناك كل شيء، إلا أن هذا الحب الذي كان بين الصحابة نفتقده، هذا الحديث:
(( لا تَدخلونَ الجنةَ حتى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنوا حتى تَحابُّوا ))
نحتاج إلى الحب، إلى أن يحب بعضنا بعضاً، أما التحريش بين المؤمنين، وتراشق التهم . ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
هذه تضعضع مكانة المؤمنين عند الله عز وجل، المؤمنون إذا تعاونوا ارتقوا جميعاً عند الله، وعند من حولهم، أما إذا تنافسوا، وتراشقوا التهم، سقطوا جميعاً من عين الله، ومن عين من حولهم. (( لا تَدخلونَ الجنةَ حتى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنوا حتى تَحابُّوا ))
المحبة أساس الإيمان :

الحب من أين يأتي ؟
(( ما تواد اثنان فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما ))
[ أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ]
افتراض، لو أنك مستقيم تماماً، وأنا مستقيم تماماً، يجب أن يُحب بعضنا بعضاً، الحب حتمي، الحب نتيجة طبيعية، والدليل حينما ننسى ما ذُكرنا به تكون العداوة والبغضاء، وكأن هذه الآية تشير إلى قانون العداوة والبغضاء: ﴿ َفنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِه ﴾
[ سورة المائدة الآية : 14 ]
إذاً . (( لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حتَّى تُؤمِنوا، ولا تُؤمِنُون حتى تَحابُّوا، أَلا أدُّلكم على مَا تَتَحَابُّونَ بِهِ؟ افْشُوا السلامَ ))
[ أخرجه الترمذي عن الزبير بن العوام ]
أحبّ الناس إلى رسول الله و أبغضهم إليه :
ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم:

(( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكم إِليَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِني مَجْلِسا يَوْمَ القِيَامَةِ: أَحَاسِنُكُم أخلاقاً ))
[ أخرجه الترمذي عن جابر بن عبد الله ]
لذلك الإيمان هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان. (( وَإِنَّ أَبغَضَكُمْ إِليَّ، وَأبْعَدَكُمْ مِني مَجْلسا يَومَ القِيامةِ: الثَّرْثَارونَ والمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ ))
(( الثَّرْثَارونَ ))
الذين يكثرون القول الباطل . (( والمُتَشَدِّقُونَ ))
المتوسعون في الكلام . (( وَالمُتَفَيْهِقُونَ ))
المتكبرون بالعلم، هؤلاء من أبغض الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. الإمام العادل أحبّ الناس إلى الله يوم القيامة :

ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم :

(( أَحَبُّ النَّاسِ إِلى الله يوم القيامة وأدْنَاهُمْ منه مَجْلِساً إمَامٌ عَادِلٌ، وأَبغَضُ النَّاسِ إلى الله تعالى وأَبعدهم منه مجلساً إمَامٌ جَائِرٌ ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
الإمام ممكنٌ في الأرض، والإنسان إذا مكن في الأرض، وعمل صالحاً، أجره مضاعف، أجر استقامته ومن قلده في الاستقامة، والممكن في الأرض إذا أخطأ عليه وزران، وزر خطئه، ووزر من قلده بخطئه، أي منصب قيادي، معلم صف، مدير دائرة، مدير مستشفى، مدير جامعة، أي منصب قيادي إن أحسن هذا الذي يتسلم هذا المنصب له أجرٌ مضاعف، وإذا أساء عليه وزرٌ مضاعف.
ما دامت الشعائر تؤدى فيجب على الإنسان ألا يفعل شيئاً يشق الصفوف :
أيها الأخوة، حديثٌ دقيقٌ جداً يحتاجه المسلمين اليوم، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الذين تُحبُّونَهُمْ ويُحبونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عليهم، ويُصَلُّونَ عليكم وَشِرارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ، وَيُبْغِضُونَكمْ، وتَلْعَنُونَهُم، وَيلْعَنُونَكم ))
[ أخرجه مسلم عن عوف بن مالك ]
(( إذا كانَت أُمراؤُكم خيارَكم، وأغنياؤُكم سُمحاءَكم، وأمورُكم شورَى بينكم فَظَهْرُ الأَرضِ خَير لكم من بطنها، وإذا كانت أمراؤُكم شِرارَكم، وأغنياؤُكم بُخَلاءَكم وأُمورُكم إلى نسائكم، فبطنُ الأَرض خير لكم من ظهرها ))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

لكن هذا الحديث له تتمة خطيرة جداً ، قلنا: يا رسول الله:
(( أفَلا نُنابِذُهم ))
أي نجاهرهم بالعداء: (( قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاةَ ))
[ أخرجه مسلم عن عوف بن مالك ]
ما دامت الشعائر يمكن أن تؤدى وأنت مرتاح، لا يجوز أن تنابذهم العداوة: (( ما أقاموا فيكم الصلاةَ ألا مَنْ وَلِيَ عليهِ وَالٍ، فرآهُ يَأْتي شَيئاً مِنْ مَعصيةِ اللهِ فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا يَنْزِعَنَّ يَدا من طَاعَةٍ ))
[ أخرجه مسلم، عن عوف بن مالك ]
لئلا تقع حربٌ أهلية، ما دام الشعائر تؤدى في أخطاء، يجب أن تبقى من دون أن تفعل شيئاً يشق الصفوف، ويؤدي إلى منكرات كنا في غنى عنها. الدعاء مخ العبادة :
أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام : (( سَلُوا اللَّهَ من فَضْلِهِ، فإن الله يُحِبُّ أَن يُسأَلَ، وَأَفْضَلُ العِبَادَةِ انْتِظَارُ الفَرجِ ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي مسعود الأنصاري ]

أي الدعاء مخ العبادة، بل الدعاء هو العبادة، إن الله يحب الملحين في الدعاء.
(( ليسأل أحدكم ربه حاجته أو حوائجه كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع وحتى يسأله الملح ))
[ أخرجه البزار في مسنده ، عن أنس بن مالك ]
من لا يدعني أغضب عليه، معاذ بن جبل رضي الله عنه يروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَخَذَ بِيَدِهِ، وقال: يا مُعَاذُ، واللهِ إِني لأُحِبُّكَ ))
[أخرجه أبو داود والنسائي عن معاذ بن جبل ]
شيء لا يقدر بثمن أن يحبك رسول الله: (( فقال: أُوصيكَ يا مُعَاذُ، لا تَدَعَنَّ في كُلِّ صلاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهمَّ أَعِنِّي على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسنِ عِبَادَتِكَ ))
[أخرجه أبو داود والنسائي عن معاذ بن جبل ]
بعد الصلاة: (( أَعِنِّي على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسنِ عِبَادَتِكَ ))
كل إنسان ممتحن في شيئين :
أيها الأخوة، ومن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم:
(( اللَّهمَّ إِني أسألك حُبَّك، وحبَّ من يحبُّك، والعَمَل الذي يُبَلِّغُني حبَّكَ، اللَّهمَّ اجعل حُبَّك أَحَبَّ إِليَّ من نفسي، ومالي، وأَهْلي، ومن الماءِ البارِد ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي الدرداء ]
والماء البارد في البلاد الحارة شيء ثمين جداً، و إن لم يكن هناك ثلاجات فهذا شيء ثمين جداً، لكن هذا الدعاء الآخر يلفت النظر، أي الواحد منا أحد أمرين، إما أنه أراد شيئاً فأصابه، أو أراد شيئاً فلم يتح له، وأنت ممتحن في شيئين؛ فيما أعطاك، وفيما زوى عنك، أعطاك صحةً نعمة كبيرة، تتمنى زوجة غير هذه الزوجة تقول: لم أوفق في اختيارها مثلاً فأنت أمام امتحانين كل يوم، شيء تتمناه وقد أكرمك الله به، وشيء تتمناه وقد زوي عنك، من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم : (( اللَّهمَّ ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]
الذي أحببته المال فرضاً، يا رب اجعل هذا المال في سبيلك، اجعل هذا المال أنفقه في مرضاتك: (( ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ ))
الزوجة الصالحة، الأولاد الأبرار: (( فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ ))
دقق الآن: (( وما زَوَيْتَ عني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ فَرَاغا لي فيما تُحِبُّ ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]
مرة أحد الأخوة الأكارم أثناء الدرس سأل سؤالاً قال: ما الحكمة أن الزوجة أحياناً لا تكون كما يتمنى الإنسان؟ قلت له: حتى نراك في المسجد، هي حكمة كذلك، أحياناً الإنسان ينطلق إلى عمل، إلى عبادة، إلى طاعة، أحياناً يؤثر أن يقبع في البيت، فإذا كان مرتاحاً لدرجة غير معقولة ينسى العمل الصالح، طبعاً هذه طرفة. من نصر الضعيف نصره الله على من هو أقوى منه :
ومن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم:
(( اللَّهمَّ إِني أَسألك فعلَ الخيراتِ، وترك المنكراتِ، وحُبَّ المساكين، وإذا أردت بقومٍ فِتنَة فَاقبِضْني إليك غير مفتون ))
[ أخرجه مالك عن بلاغ مالك ]

أي هؤلاء المساكين الضعاف، يقول النبي الكريم:
(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))
[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء ]
هذا الضعيف إذا أطعمته إن كان جائعاً، كسوته إن كان عارياً، عالجته إن كان مريضاً، آويته إن كان مشرداً، علمته إن كان جاهلاً، أنصفته إن كان مظلوماً، سوف تُكافأ في نصرته لأن الله سبحانه وتعالى ينصرك على من هو أقوى منك. (( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))
في الحقيقة حينما نعتني بالضعيف تتماسك الأمة، لا تخرق، أما إذا كان هناك فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء، والأغنياء لم يهتموا بالفقراء، والأقوياء لم يهتموا بالضعفاء، ينشأ شرخ بالأمة، هذا الشرخ يسبب أن تخترق. (( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))
أنت أمام عدو قوي جداً، كيف تنتصر عليه؟ إذا نصرت من هو أضعف منك، تكافأ مكافأةً من جنس عملك، أنت نصرت من هو أضعف منك، فالله سبحانه وتعالى يكافئك بأن ينصرك على من هو أقوى منك. من أذكار النبي صلى الله عليه وسلم :
أيها الأخوة:
(( كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حَبيبَتَان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحانَ اللهِ العظيم ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
من أذكار النبي صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ اللهَ رَفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، ويُعطي على الرِّفْقِ ما لا يُعْطي على العنفِ، وما لا يُعطي على مَا سِواهُ ))
[أخرجه مسلم وأبو داود عن عائشة أم المؤمنين ]
ومن أقوال النبي الكريم: (( علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف ))
[أخرجه الحارث عن أبي هريرة ]
على الإنسان أن يعمل عملاً صالحاً يلقى الله به يوم القيامة مضيفاً إلى محبته لرسوله :
أيها الأخوة، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( يا رسول الله، والله إني لأُحِبُّكَ، فقال: انْظُرْ ما تقول، قال: والله إِني لأُحِبُّكَ ثلاث مرات قال: إِن كنت تُحِبُّني فأعِدَّ للفقر تِجفافا ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مغفل ]
كأن المعنى الدقيق أن حبك لي وحده من دون عمل لا تنتفع به يوم القيامة، الحب وحده من دون عمل، الآن المسلمون يمدحون النبي ليلاً نهاراً، شيء رائع جداً، من دون اتباعه لا ينتفعون بهذه المحبة، محبتك لي من دون عمل تلقى الله به يوم القيامة وهذا الحب لا ينفعك. (( انْظُرْ ما تقول، قال: والله إِني لأُحِبُّكَ - ثلاث مرات ))
إن كنت صادقاً فيما تقول، هناك رواية أخرى: (( للفقر إليك من شركٍ عليك ))
لكن هذه الرواية: (( فأعِدَّ للفقر تِجفافا ))
أي اعمل عملاً صالحاً تلقى الله به يوم القيامة مضيفاً إلى محبتك لي، أما حب وحده فلا يقدم ولا يؤخر.
مثلاً: جاء ابن غير متعلم وله أب عالم كبير، مهما أثنى الابن على أبيه هذا الثناء لا يقدم ولا يؤخر، الذي يقدم ويؤخر أن يسلك مسلك أبيه في طلب العلم، المحبة والمديح لا تكفي. مكارم الأخلاق التي يحبها الله أن تكون سخياً تداوم على عملك :
أيها الأخوة :
(( السَّخِيُّ قريب من الله، قريب من الناس، قريبُ من الجَنَّةِ، بَعِيد من النار، والبَخِيلُ بَعِيد من الله، بَعِيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار، ولجَاهِل سَخيُّ أحبُّ إلى الله تعالى من عابد بخيل ))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]

معنى هذا أن مكارم الأخلاق التي يحبها الله عز وجل أن تكون سخياً، وكان عليه الصلاة والسلام يقول:
(( إنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُها وإنْ قلَّ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عائشة أم المؤمنين ]
أي أَلِفت درس علم حافظ عليه، أَلِفت صلاة نافلة حافظ عليها، أَلِفت صدقة شهرية حافظ عليه. (( أحبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُها وإنْ قلَّ ))
الحب كما قلت لكم ثلث الإنسان، هو عقلٌ يدرك، وقلبٌ يحب، وجسمٌ يتحرك، والحب في القرآن وفي السنة له ضوابط، وله مضامين، وله اتجاهات، فينبغي أن نتأكد من أننا نحسن الحب في الله، ونجتنب الحب مع الله، فرقٌ كبير بين أن تحب في الله، والحب في الله عين التوحيد، وبين أن تحب مع الله، والحب مع الله عين الشرك.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-14-2018, 08:02 AM   #47


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الخامس و الاربعون )

الموضوع : كيف تذكر الله ؟




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. ذكر الله :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو:"ذكر الله".
يكفي أن نذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( ألا أخْبِرُكم بخيرِ أعمالِكم ))
[أخرجه الترمذي ومالك عن أبي الدرداء ]

خير اسم تفضيل، أي بأفضل أعمالكم. (( ألا أخْبِرُكم بخيرِ أعمالِكم، وأرفَعِها في درجاتكم، وأزكاها عند مليكِكم وخير لكم من الوَرِق والذهب، وخير لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقَكم؟ قالوا: بلى، قال: ذِكْرُ الله ))
[أخرجه الترمذي ومالك عن أبي الدرداء ]
لأن ذكر الله يدور معك أينما تحركت، إذا دعوت الله فهذا ذكر، إن استغفرته فهذا ذكر، إن صليت فالصلاة ذكر، إن تلوت القرآن فالتلاوة ذكر، إن سبحته فالتسبيح ذكر، إن وحدته فالتوحيد ذكر، إن كبّرته فالتكبير ذكر، إن قرأت كتاب علمٍ من أجل أن تعرفه فقراءة الكتاب ذكر، إن دعوت إلى الله فالدعوة إلى الله ذكر، إن نصحت أخاً في الله فالنصيحة ذكر، أينما تحركت في كل أحوالك، في حركاتك، في سكناتك، وأنت مع أهلك، وأنت وحدك، وأنت في صحة، وأنت في مرض ـ لا سمح الله ولا قدر ـ وأنت في ضيق، ذكر الله يدور معك حيثما تحركت. الأمر بالذكر ينصب لا على الذكر مطلقاً بل على كثرة الذكر :
لذلك: (( ألا أخْبِرُكم بخيرِ أعمالِكم، وأرفَعِها في درجاتكم، وأزكاها عند مليكِكم، وخير لكم من الوَرِق والذهب، وخير لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقَكم؟ قالوا: بلى، قال: ذِكْرُ الله ))
[أخرجه الترمذي ومالك عن أبي الدرداء ]
مع القرآن الكريم: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
[ سورة طه الآية : 14 ]
فالصلاة ذكر، ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

وذكر الله أكبر ما فيها، لكن الذكر ينبغي أن يكون كثيراً، لأن المنافق يذكر الله، قال تعالى : ﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
[ سورة النساء الآية : 142 ]
لذلك الآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
[ سورة الأحزاب الآية : 41 ]
بل هناك بعض المقاييس التي وردت: (( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))
[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]
(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))
[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعا وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته، والشرك بدل الكبر]
إذاً: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
التركيز على الكثرة ، بل إن الأمر بالذكر ينصب لا على الذكر مطلقاً بل على كثرة الذكر. ربط الذكر في القرآن الكريم بالفلاح :

بل إن الذكر قد ربطه القرآن بالفلاح، والفلاح هو النجاح، والفلاح هو الفوز، والفلاح هو التفوق.
﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة الجمعة ]
والذكر متعلق بكل الأوقات. ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[سنن ابن ماجة عَنْ سَمُرَةَ ابْنِ جُنْدَبٍ ]
ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ﴿ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ .
(( لا تعجز يا ابن آدم عن أربع ركعات أول النهار أكفك آخره ))
[ مسند ابن أبي شيبة عن نعيم بن همّار]
أي أمرٍ وجِّه للذين آمنوا موجهٌ حكماً إلى المؤمنات :

المرأة تذكر، والرجل يذكر، طبعاً من بديهيات اللغة أن أي أمرٍ وجِّه للذين آمنوا موجهٌ حكماً إلى المؤمنات، هذا تحت باب التغليب، ومع ذلك فقد أكّد الله أن المرأة يمكن أن تكون ذاكرةً في أعلى مستوى، قال تعالى : ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾
[ سورة الأحزاب الآية : 35 ]
ولكن ورد في بعض الأحاديث: (( خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي ))
[أخرجه أبو يعلى والإمام أحمد، عن سعد بن مالك ]
﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 205 ]
بإمكانك أن تذكره دون أن تحرك شفتيك. دوران الذكر مع الإنسان في كل أحواله :
﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
أكبر مرض يصيب المؤمن الغفلة، ﴿ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾

والإنسان ساعةٌ وساعة . ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً ﴾
[ سورة الكهف ]
مثلاً صار هناك خطأ، عند الخطأ اذكر الله، اذكره تائباً، اذكره نادماً، اذكره معتذراً، وكما قلت: الذكر يدور مع الإنسان في كل أحواله، وهل أحوال الإنسان تزيد عن أن يكون واقفاً أو قاعداً أو مستلقياً؟ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهم ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 191 ]
أما الذكر الذي ابتدع مع الحركات والقفز هذا لا تعنيه الآية، لو أنه الآية فرضاً قياماً قعوداً شيء ثان: ﴿ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
أيام الله :

أيها الأخوة، لا يوجد إنسان من الأخوة الحاضرين وأنا معكم إلا مرّ بأزمة، ودعا الله عز وجل، ففرج الله عنه، يسر له سبيل وظيفةٍ مرموقة، يسر له سبيل زواجٍ ناجح، يسر له أولاداً أبراراً، يسر له شفاء من مرضٍ ربما كان عضالاً، هذه الإنجازات التي تحققت بفضل الله عز وجل سميت في القرآن الكريم بأيام الله، قال تعالى :
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾
[ سورة إبراهيم الآية : 5 ]
لا يوجد إنسان من الأخوة المؤمنين الأكارم إلا وهناك أيام في حياته، دعا الله عز وجل فاستجاب له، وفقه إما بصحته، أو بزواجه، أو بعمله، أو بأولاده، أو بإنجاز كبير، قال: ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾
كن عن همومك معرضا وكِل الأمور إلى القضـا
وأبشر بخيرٍ عاجلٍ تنسى به مـــــا قد مضى
فـلرب أمرٍ مسخطٍ لك في عواقبه رضــــا
* * *
ولربما ضـاق المضيق ولربما اتسع الفضــا
الله يفعل مـــا يشاء فلا تكن معترضــــا
الله عودك الـــجميل فقس على ما قد مضـى
* * *
قد تأتي أزمة، الله أكرمك لأربعين سنة ماضية من كل أنواع الإكرام، اقبلها من الله واصبر عليها. ذكر الآخرة من أعظم أنواع الذكر :
أخواننا الكرام، من أعظم أنواع الذكر أن تذكر الآخرة .
﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾
[ سورة ص ]

مرة سألني أخ يعمل في وظيفة بإمكانه بحسب وظيفته أن يوقع بالناس أذىً كبيراً، قال لي: انصحني، قلت له: إن كنت بطلاً هيئ لربك جواباً يوم القيامة عن كل فعلٍ تفعله، هيئ جواباً لله عز وجل لا لعبد الله، لا لمن يأتي فوقك في العمل، هيئ جواباً لله عز وجل.
فالمؤمن قبل أن يعطي، قبل أن يمنع ، قبل أن يرضى، قبل أن يغضب، قبل أن يصل، قبل أن يقطع، ليسأل لو أن الله سألني لماذا طلقتها؟ عندك جواب؟ قبل أن تمنع البنات من الإرث، وتأمرهن بتوقيع وكالةٍ عامةٍ لأخيهم، هل هيأت لله جواباً يوم القيامة؟ ما ذنب هذه الفتاة حرمتها من مالك متوهماً أن هذا المال ينبغي ألا يصل إلى زوجها؟ أنت مشرع! الإله شرع، أنت تلغي شرع الإله؟! ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾
لكن كمثل واضح مرة سافرت إلى بيروت، وأنا خارج من الحدود وجدت تفتيشاً يفوق حدّ الخيال، هناك سبب لا أدري ما هو، أي الحاجات تفتش حاجةً حاجة، وأنا في بيروت قبل أن أشتري أي غرض تصورت الوضع، يا ترى هذا الشيء يسمح به أم لا يسمح به؟ تعلمت درساً لا ينسى.
سألوا مرة طالباً نال الدرجة الأولى في الشهادة الثانوية ما سبب هذا التفوق؟ قال: لأن لحظة الامتحان لم تغادرني ولا ثانية. البطولة والذكاء أن يدخل الإنسان الله عز وجل في حساباته :
أنت قبل أن تغضب، قبل أن تشتم، قبل أن تطلق، قبل أن تتهم فلاناً وهو بريء وتعلم أنه بريء، هل هيأت لله جواباً؟ لِمَ قلت كذا ؟ ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾
أي بتعبير الآخر ما لم تدخل اليوم الآخر في حساباتك فأنت تمشي في طريق الهلاك، أنا أستخدم هذه العبارة أقول: فلان ما أدخل الله في حساباته، يمكن أربع سنوات أو خمس هذا الذي هدم سبعين ألف بيت بغزة لا يزال حياً، وأمدّ الله بعمره، وله صورة أخيرة اطلعت عليها، صورة مخيفة، أربع سنوات في سبات، لأنه ما أدخل الله في حساباته، أدخل أن القوى الغربية معه، اقتل، اهدم، البطولة والذكاء أن تدخل الله في حساباتك . ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾
[ سورة آل عمران ]
﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ﴾
[ سورة الصافات ]
أخواننا الكرام الإنسان أحياناً يترنم بكلمة مسؤول كبير، والله لو دقق في معنى مسؤول كبير لارتعدت فرائصه.
يقول سيدنا عمر: والله لو تعثرت بغلة في العراق ـ هو في المدينة ـ لحاسبني الله عنها، لِمَ لم تصلح لها الطريق يا عمر؟.
فهذا الذي يترنم فيقول: أنا مسؤول كبير، لو وقف عند معنى مسؤول كبير، سوف تحاسب عن كل شيء. ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
أنواع الذكر :
1 ـ ذكر نعم الله عز وجل :

الآن من أنواع الذكر أن تذكر نِعم الله عز وجل.
﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾
[ سورة آل عمران الآية 103 ]
أيها الأخوة، من لوازم الذكر أن تذكر مجمل النِعم إجمالاً وتفصيلاً . ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 86 ]


2 ـ ذكر اسم الله على كل شيء :

ومن أنواع الذكر أن تذكر اسم الله على كل شيء، أي عملٍ لا يُبدأ باسم الله فهو أبتر، معنى بسم الله حينما تشرب الماء تقول: بسم الله، من هذا الذي حوّل لك الملح الأجاج إلى عذبٍ فرات؟ قبل أيام كنا في نبع الفيجة من الداخل، شيء يدعو للبكاء، من خصّ هذه البلدة الطيبة بهذا النبع الذي يصل إلى مشارف حمص؟ نصف لبنان فوق حوضه، ومن الشرق سيف البادية من حوض النبع، وفتحته في عين الفيجة، وكل ثانية يضخ ثمانية عشر متراً، وفي الأحوال الجيدة كل ثانية يضخ ستاً وثلاثين متراً، وفي الأحوال الصعبة يضخ بكل ثانية مترين، مدينة فيها خمسة ملايين لولا هذا النبع، طبعاً مكتوب آية كريمة:
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴾
[ سورة الملك ]
البيت الذي ثمنه مئة مليون لا قيمة له من دون ماء. 3 ـ ذكر حكمة الأمر :
أيها الأخوة، من أنواع الذكر أن تذكر حكمة الأمر .
﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]

أنا لا أنسى هذه الحكاية الصغيرة، أعرابي جاء النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً بعدك قال: قل آمَنْتُ بالله، ثم استقم ))
[أخرجه مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي ]
وفي رواية ثانية: (( قال له: فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره، هذا الأعرابي قال: كُفيت ))
القرآن ستمئة صفحة، أربعمئة ألف حديث، قال له: كُفيت، آية واحدة اكتفى بها، والله أيها الأخوة أحياناً تكفي آية واحدة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
[ سورة النساء ]
﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾
[ سورة الفجر ]
يكفي حديث واحد: (( عش ما شئت فإنك ميت ))
[ الطبراني عن سهل بن سعد]
الله عز وجل قال : ﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 63]
دقق في كلام الله، دقق في حديث رسول الله، يقول سيدنا سعد: "ثلاثةً أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى". ارتباط الذكاء و العقل الراجح بالإيمان :

الآن هناك ملمح رائع جداً: أن سيدنا خالد حينما أسلم، قال النبي الكريم له: عجبت لك يا خالد أرى لك فكراً، كأن النبي الكريم ربط الذكاء والعقل الراجح بالإيمان، وفي بعض الآثار:
(( أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ))
[ورد في الأثر]
ماذا يقول الله عز وجل ؟ ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾
[ سورة البقرة ]
أصحاب العقول يذكرون، فكلما نما عقلك نما ذكرك، والله عز وجل الكون كله آياتٌ كونية تدل عليه، نصب الآيات الكونية، وأجرى الآيات التكوينية، أحياناً تقوم حرب أهلية، الآية الكريمة: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النحل ]
هذه آيات تكوينية، غرق الباخرة تيتانيك آية تكوينية لأن في نشرتها: أن القدر لا يستطيع إغراقها، فغرقت في أول رحلة، الله عز وجل له آيات كونية خلقه، وله آيات تكوينية أفعاله، وله آيات قرآنية كلامه، الله عز وجل قال: ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
لِمَ لا تذكر هذه الآيات؟ على الإنسان أن يذكر الله في الملمات :
كما قلت قبل قليل: هناك آياتٌ خاصة
﴿ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ﴾
﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
[ سورة الأنفال ]
قال لي إنسان من بلد إسلامي: أنا كنت عتالاً، والآن من أكبر تجار الخضراوات في بلده، عنده أسطول من البرادات يجوب أقطار الشرق الأوسط، قال لي: والله ما فاتني فرض صلاةٍ في حياتي، قال لي: كنت عتالاً، إذاً أن تذكر ماضيك، وكيف كنت فقيراً، وكيف كنت مستضعفاً، وكيف كنت بلا زوجة، ولا ولد، ولا عمل، ولا شيء، الله أكرمك بشهادة عليا، بعمل مربح، بزوجة صالحة، بأولاد أبرار، هذه النعم أذكرها، وينبغي أن تذكر الله في الملمات. ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 135 ]
لا سمح الله ولا قدر: ﴿ أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية 135 ]
مرة سألت أخاً، قلت له: لك وقتٌ طويل لم نرك في المسجد، قال لي: لأنني وقعت في مشكلة مع الله فاستحييت، قلت له: بالعكس، أنت حينما تقع في مشكلة مع الله ينبغي أن تبادر إلى المسجد، حتى أوضحها له، قلت له: إنسان مريض، قال: لأني مريض أنا أخجل من الطبيب، لكن الطبيب مهمته الآن، الآية الكريمة: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 135 ]
ذكر الله عز وجل وقته المناسب حينما تُخطئ، أعلن توبتك، استغفر، تضرع، اعتذر، اندم، ناجِ ربك . ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
عدم تناقض الدنيا مع الآخرة فالدنيا في خدمة الآخرة :
أخواننا الكرام، لا يمكن أن تتناقض الآخرة مع الدنيا، بل الدنيا في خدمة الآخرة ورد:
(( ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعا فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة))
[الديلمي وابن عساكر عن أنس]
لذلك قال تعالى: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
[ سورة النور الآية : 37 ]

يتاجر، يؤسس شركة، ينال الدكتوراه، يعمل عملاً عظيماً، وأنت في قمة انهماكك بالعمل أنت مع الله، لا تتوهم الدين تقعد لوحدك، تقبع بالبيت، لا تعمل شيئاً، تقول: ليس في الناس خير، لا ليس هذا هو الدين، أن تكون في المعمعة، أن تقدم شيئاً للأمة، كما أن الأمة في حاجة إلى من يموت في سبيلها، هي في أمس الحاجة إلى من يعيش في سبيلها، قدمت شيئاً للأمة؟ ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
كن أول تاجر، وأمّن بيوتاً لطلاب العلم، كن أول تاجر وأنشئ جمعية للأيتام، جمعية خيرية، أنشئ مستوصفاً، اعمل عملاً ينتفع به الناس، في بعض الأماكن هناك مستوصفات خيرية، التحاليل كلها، والأعمال الطبية الغالية جداً بعشر قيمتها، هذا عمل انتفع به جميع الناس، لا تكن متقوقعاً، منسحباً، انعزالياً، سلبياً، عظيماً، وإذا كان عظيماً أنت ماذا قدمت له؟ لم تقدم شيئاً، إعجاب سلبي، أكبر مشكلة يعاني منها المسلمون إعجابهم السلبي بالدين، لا يساوي شيئاً، يوزع التهم على الناس ومرتاح، وأنا أساساً هناك إنسان أموت حباً به فهو لا يخطئ هو رسول الله، وهناك إنسان آخر لا يخطئ أحتقره لأنه لا يعمل، من لا يعمل لا يخطئ، مادمت لم تقدم شيئاً فلن تغلط ، قاعد، مرتاح، وصي على الأمة ، توزع الألقاب، والاتهامات، ولا تقدر شيئاً. لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه لأحد :
لذلك:
﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
يتاجر، يده عليا وليست سفلى. (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
اعمل. (( ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير))
[ابن عساكر عن عبد الله بن بسر]
لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه هذا من قوله تعالى: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة النور ]
إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل.






والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-14-2018, 08:05 AM   #48


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السادس و الاربعون )

الموضوع : فوائد الذكر







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الذكر :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو "الذكر"، والذكر من أفضل القربات إلى الله عز وجل، من فوائد هذا الذكر: أنه يطرد الشيطان ويقمعه، وقد وصف الله الشيطان بأنه وسواسٌ لكنه خناس، لمجرد أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الشيطان يخنس، لذلك معك سلاحٌ فعال لا يخيب.

﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 200 ]
الاستعاذة التي ذكرها الله عز وجل أن تكون حاضر القلب مع الله.
لذلك ما من مصيبةٍ في الأرض، ما من بلاءٍ كبير، إلا بسبب وسوسة الشيطان، سيدنا موسى ماذا قال؟ قال: ﴿ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ﴾
[ سورة القصص الآية: 15]
ما يجري في الأرض من حروب، من اجتياحات، من قتل، من تدمير، هذا من عمل الشيطان. الإنسان معه ملكٌ يلهمه وشيطانٌ يوسوس له فإما أن يستجيب لهذا أو لهذا :

لذلك بشكل أو بآخر معظم المؤمنين موضوع الشيطان ليس داخلاً في قناعاتهم، أو في حياتهم بشكلٍ كما ينبغي في القرآن الكريم .

﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ﴾
[ سورة فاطر الآية : 6 ]
﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 268 ]
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾
[ سورة المائدة الآية 91 ]
﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 175 ]
آياتٌ كثيرة تقترب من مئة آية تتحدث عن فعل الشيطان، فالإنسان معه ملكٌ يلهمه وشيطانٌ يوسوس له، فإما أن يستجيب لإلهام الملك، فيسلم ويسعد في الدنيا والآخرة، وإما أن يستجيب لوسوسة الشيطان فيهلك ويشقى في الدنيا والآخرة، ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ﴾
وما أدخل الله آدم عليه السلام وحواء الجنة التي في الأرض إلا ليلقن هذا الإنسان الأول وذريته من بعده هذا الدرس البليغ. من استعاذ بالله من الشيطان الرجيم صرفه الله عنه :
لكن الآية المطمئنة: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾
[ سورة الحجر الآية : 42 ]
﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾
[ سورة إبراهيم الآية : 22 ]
مثلٌ أضربه كثيراً: إنسان يرتدي أجمل ثياب وأغلى ثياب، نزل في حفرةٍ فيها مياهٌ سوداء ـ مياه مجاري ـ فلما خرج منها ذهب إلى مركز الشرطة ليشتكي على إنسان، فسأله المحقق هل دفعك إلى هذه الحفرة؟ قال له: لا والله ما دفعني، هل أشهر عليك مسدساً وأمرك أن تنزل بها؟ قال له: لا والله ما فعل هذا، قال له: هل أمسكك ووضعك فيها؟ قال له: لا والله ، قال : لِمَ تشتكي عليه؟ قال: لأنه قال لي: انزل فنزلت، هذا يستحق مستشفى المجانين.
هذا الوضع نفسه، ﴿ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾
أنت بين إلهام الملك، وبين وسوسة الشيطان، لابدّ من أن تأخذ موقفاً، ولمجرد أن تستعيذ بالله عز وجل صُرف عنك الشيطان. ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 200-201 ]
أي ذكروا الله. فوائد الذكر :
1 ـ ابتعاد الشيطان عن الذاكر :

أول فائدة من فوائد الذكر أن الذاكر يبتعد عنه الشيطان، يا عمر:

(( ما لقيك الشيطان قطُّ سالكا فجّاً إِلا سلك فَجّاً غير فَجِّكَ ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
الذاكر بعيدٌ عن وسوسة الشيطان، وكل الأعمال الخطيرة والمصائب الوبيلة تبدأ بوسوسة، ثم برغبة، ثم بإرادة، ثم بعمل، ثم بشقاء في الدنيا والآخرة.


2 ـ الذاكر يرضي الرحمن :
من فوائد الذكر أنك ترضي الرحمن، ورد في الأثر:
(( يا موسى: أتحب أن أكون جليسك؟ قال: كيف ذلك يا رب؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني ))
أنا جليس الذاكرين، أي هل هناك أعظم من أن يكون الله معك؟ معك إذا ذكرته، لكن اجعل هذه الكلمة نصب عينيك، أنا جليس الذاكرين، إن ذكرته كان معك، وإذا كان معك فمن عليك؟ لذلك قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 102 ]

بعض العلماء فسر حق التقوى: أن تذكره فلا تنساه، أن تطيعه فلا تعصيه، أن تشكره فلا تكفره، معنى
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
أن تذكره فلا تنساه، أن تطيعه فلا تعصيه، أن تشكره فلا تكفره.
أي إذا رضي الله عنك كان معك، وإذا كان معك فمن عليك؟ من يستطيع في الأرض أن يصل إليك؟
مثلاً إنسان يكون شرطياً عند ملك يخافه جميع الناس، لأن وراءه الملك، فإذا كنت مع الله من يستطيع أن يصل إليك؟ من يستطيع أن ينال منك؟ فمعية الله شيء لا يقدر بثمن ، وقد قال الله عز وجل : ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
[ سورة الحديد الآية : 4 ]
هذه معيةٌ عامة مع كل الخلق، مع الملحد، مع الكافر، مع الفاسق، مع الماجن، معهم بعلمه، أما إذا قال الله عز وجل: إن الله مع المؤمنين، مع المتقين، مع الصادقين، هذه معيةٌ خاصة أي معهم بالحفظ، والتأييد، والتوفيق، والرعاية، والنصر . 3 ـ يزيل الهم و الحزن :

أيها الأخوة، من فوائد الذكر أنه يزيل الهم والحَزن، إنسان ذاكر يشعر بالهم؟ مستحيل وألفُ ألفِ مستحيل، من غفل عن الله عز وجل ابتلاه الله بالهم، والدليل:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[ سورة طه ]



الإعراض عن ذكر الله يفضي بالإنسان إلى معيشةٍ ضنك :
قد يقول قائل: هؤلاء الذين يملكون المليارات أية معيشةٍ ضنك؟ الجواب: ضيق القلب، الأقوياء والأغنياء إذا أعرضوا عن ذكر الله ابتلوا بضيق القلب.
لذلك أحد كبار العارفين الذي كان ملكاً قال: والله لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف، إذا كنت مع الله كنت في سعادة، كنت في طمأنينة، لذلك ملخص وملخص الملخص:
﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
[ سورة الرعد ]
لم يقل الله عز وجل تطمئن القلوب بذكر الله، إن كانت الآية كذلك أي أنها تطمئن بذكر الله وبغير ذكر الله، أما حينما جعل الله العبارة عبارة قصر وحصر، ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
أي أن القلوب لا تطمئن، ولا تستقر، ولا ترتاح، إلا بذكر الله، بشكل أو بآخر هناك حاجة عند الإنسان لا تملؤها أموال الأرض، ولا أعلى منصب، يملؤها ذكر الله، تجد الأغنياء الأقوياء يبحثون عن سعادةٍ مفقودة، لو عرفوا الله وذكروا الله لاستقرت نفوسهم.
بعض العلماء الكبار قال: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ لذلك قالوا: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن ]
هذه جنة القرب ذكرها الله عز وجل قال: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
في الدنيا أذاقهم طعمها، والله أنا لا أبالغ إن لم تقل: أنا أسعد الناس قاطبةً، إلا أن يكون أحد الناس أتقى مني، ففي الإيمان خلل، هل هناك شقاء مع معرفة الله؟ هل هناك شقاء والله وليك؟ هل هناك شقاء والله بيده كل شيء؟ هل هناك شقاء وكل من في الكون بيد الله؟ وأنت مع الله؟ وملخص الملخص: إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟. 4 ـ للذكر فائدتان؛ فائدةٌ تطهيرية وفائدةٌ تعطيرية :

الفائدة الأخرى للذكر: الذكر له فائدتان، فائدةٌ تطهيرية وفائدةٌ تعطيرية، أحياناً أنت تغسل الإناء وتملؤه بماء الزهر ، تغسله أولاً وتملؤه بالعطر، فالغسل هدف تطهيري، وإملاءه بالعطر هدف تعطيري، فالمؤمن بالذكر يطهر ويزكو، تقول: لا يكذب ـ طهارة ـ لا يشك، لا يغتاب، لا ينحرف، لا يغش المسلمين، تقول ألف كلمة قبلها لا هذا تطهير، لكن لطيف ـ تعطير ـ حليم، رحيم، ودود، متواضع، هناك تطهير وهناك تعطير، الذكر يطرد الشيطان، ويرضي الرحمن، ويزيل الهم والحَزن، ويجلب للقلب الفرح والسرور، الذكر يطهر ويعطر.



5 ـ يقوي البدن :
من فوائد الذكر: أنه يقوي البدن، هذه تحتاج إلى شرح، ما علاقة الذكر بالصحة؟ الآن ثبت أن الشدة النفسية وراء معظم الأمراض، القلق، الحقد، الخوف، أمراض المعدة قد تبدأ بالشدة النفسية، أمراض القلب تبدأ بالشدة النفسية، أنا أعتقد أنه كلما تقدم الطب كشف العلاقة المتينة والقوية بين خطأ في العضوية وبين الشدة النفسية، بل إن في القرآن الكريم إشارة إلى هذه الشدة:
﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 119 ]

الغيظ قاتل، الشدة النفسية تفك القامع عن الخلايا السرطانية، الشدة النفسية أي وحشة، بعد عن الله، خوف، قلق، إحباط، يأس، هذه الشدة النفسية، والشدة النفسية الآن مرض العصر الأول لبعد أهل الأرض عن الله عز وجل
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾
يمكن أن تضع محلها الشدة النفسية، الآن أكثر الأطباء المتعمقين في الطب يربط بين المرض وبين أزمة نفسية طاحنة.
لذلك الذكر يجعلك صحيحاً، ماذا أقول لكم؟ أخطر جهاز بالإنسان جهاز المناعة المكتسب، هذا الجهاز يقويه الفرح، يقويه الأمن، يضعفه القلق، والخوف، والحزن، الذكر يملأ القلب نوراً، فترى بقلبك المستنير الحق حقاً والباطل باطلاً، والذكر يملأ الوجه نوراً، لا بالمقياس الجمالي المادي، قد يكون الإنسان ليس فاتح البشرة، لكن يوجد بوجهه نور يتلألأ، وقد يكون أسود البشرة، هناك بالذاكر شيء يجذبك، ترتاح، تسعد بالنظر إلى وجهه، فالذكر يملأ القلب نوراً فترى به الحق حقاً والباطل باطلاً، ويملأ الوجه نوراً فيتألق الوجه. 6 ـ يجلب الرزق :
الذكر يجلب الرزق، عجيب! لأنه ورد أن الإنسان قد يحرم الرزق بذنب يصيبه، الله عز وجل قال:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
[ سورة النساء الآية : 147 ]

وقال تعالى:
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾
[ سورة طه الآية : 132 ]
معنى ذلك أنك إذا ذكرت الله فالله يتولى أن تكون في حياةٍ مريحة، الذاكر يكسوه الله مهابة، ومن هاب الله وذكره هابه كل شيء.
عندما أمر الحجاج بقتل الحسن البصري، جاؤوا به والسياف واقف، وقد مدّ النطع، دخل الحسن البصري على الحجاج، فإذا بالحجاج يقف له، ويدعوه إلى مجلسه، ويسأله، ويعطره، ويضيفه، ويشيعه إلى باب القصر، فصعق السياف، ولما غادر الحجاج تبعه الحاجب، وقال له: يا أبا سعيد! لقد جيء بك لغير ما فُعل بك، فماذا قلت لربك؟ هو عندما دخل حرك شفتيه، قال له: قلت لربي: "يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم".
فالذاكر له هيبة، احفظوا هذه القاعدة: من ذكر الله هابه كل شيء، ومن لم يذكر الله أخافه الله من كل شيء. 7 ـ يورث المحبة :

الآن الذكر يورث المحبة، هي روح الإسلام، الآن هناك مساجد، وكتب إسلامية، ومكتبات إسلامية، ومؤتمرات إسلامية، ولقاءات إسلامية، كل شيء إسلامي، لكن لا يوجد حب، الذكر يورث المحبة، إن لم تحب المؤمنين، إن لم تنتمِ إلى مجموع المؤمنين، فلست مؤمناً، هذه الفقاعات، جماعات، خصامٌ بينها، تراشق تهم بينها، تكفير، تبديع، هؤلاء ليسوا كما يرضى الله عز وجل، لو أنهم ذكروا الله الذكر الحقيقي لأحب بعضهم بعضاً، الحب أصل في الدين.

(( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
إن أردت أن يحبك الله عز وجل فأكثر من ذكر الله، ورد في الأثر: (( إذا أردتم رحمتي فاذكروني ))
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
[ سورة الأحزاب ]
8 ـ يفضي بالإنسان إلى مراقبة الله عز وجل :
الذكر أيها الأخوة، يفضي بك إلى المراقبة، تراقب الله عز وجل، والمراقبة تفضي بك إلى الإحسان، والإحسان أعلى مراتب الإيمان.
(( أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لم تره فإنَّه يراك ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة]
9 ـ يورث القرب من الله عز وجل :
الذكر يورث القرب من الله عز وجل، فعلى قدر ذكرك لله يكون قربك منه، وكلما كنت أقرب إلى الله كنت أسعد الخلق، وعلى قدر الغفلة يكون البعد، وكلما كان العبد بعيداً عن ربه كان شقياً، قضية كالرياضيات واضحة جداً، وأكبر عقاب يناله الإنسان.
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾
[ سورة المطففين ]

مثلاً: يقول لك إنسان: أنا معي مال كثير، وعملت فحوصاً كاملة، فتقول له: خير إن شاء الله، معك مال ومعك صحة طيبة، لكنك مقطوع عن الله، بعضهم قال: الذكر يفتح أبواباً كثيرة من أبواب المعرفة، أي إن صحّ أن هناك معرفة اشراقية هي من ثمار الذكر، هذه المعرفة الاشراقية منضبطة بالكتاب والسنة، فلعل الله عز وجل يزيد المؤمن بذكر الله عز وجل فهماً لكتابه.
﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾
[ سورة الأنبياء الآية : 79 ]
وفهماً لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإدراكاً للحكم من وراء النصوص، هذه معرفة اشراقية أحد أسبابها الذكر، والشيء الذي أذكره كثيراً: أن ذكر الله يورثك أن يذكرك الله. ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 152 ]
أما إذا ذكرك الله عز وجل منحك الأمن، منحك الحكمة، منحك الرضا، منحك السكينة، منحك التأييد، منحك النصر، شيء لا يقدر بثمن أن يذكرك الله عز وجل، قال لك: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾
إذا ذكرك كنت الإنسان الأول، والحقيقة الذكر حياةٌ للقلب، الذكر للقلب كالماء للسمك بالضبط، كيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟ صدق ولا أبالغ ويكون حال المؤمن إذا غفل عن ذكر الله كالسمك الذي أُخرج من الماء، قالوا: الذكر قوت القلوب. 10 ـ يبعد القلوب عن السأم و الملل و الضجر :
الآن الذاكر من إكرام الله له أن قلبه الصدئ يذهب عنه الصدأ، الدليل: إن هذه القلوب تصدأ، أي يصيبها حالة ملل، سأم، ضجر، لا يوجد رغبة بالطاعة ولا بالصلاة، يقرأ القرآن لا يحس ب شيء، رأساً ينصرف عنه، إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، قيل: فما جلاؤها؟ قال: ذكر الله ،أنت بالذكر ينتعش قلبك، وبالذكر تزول الوحشة بينك وبين الله:
فــليتك تحلو والحياة مريرةٌ وليتك ترضى والأنام غضاب
ولـيت الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين الـعالمين خراب
إذا صحّ منك الوصل فالكل هين ٌ وكل الذي فوق التراب تراب
* * *

11 ـ ينجي من عذاب الله تعالى :
والذكر ينجي من عذاب الله تعالى، ورد أنه:
(( ما عَمِل ابنُ آدمَ من عَمَل أنْجَى له من عذابِ الله من ذِكْرِ الله ))
[أخرجه الترمذي ومالك في الموطأ عن معاذ بن جبل ]

ارتباط الذكر بتنزل السكينة، السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، أحد أسباب السكينة ذكر الله عز وجل، ما دمت تذكر الله معنى ذلك أنك ابتعدت عن الغيبة والنميمة، لابد من أن تتكلم، إذا كان كلامك ذكر الله عز وجل.
(( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع: خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة، وآمرُ بالعُرْف ))
[ أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
إذا تكلمت فتكلم بذكر الله، كي تبتعد عن كل معاصي اللسان. 12 ـ الذكر سبب لعطاء الله :

لذلك آخر شيء: الذكر سبب لعطاء الله، والله أيها الأخوة، ما من نصٍ أثّر في حياة المؤمنين كهذا النص:

(( يقول الرب تباركَ وتعالى: مَن شَغَلَهُ قراءةُ القرآن عن مسألتي أعطيتُهُ أفضلَ مَا أُعْطِي السائلين ))
[أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
أي بشكل أو بآخر بعضهم عدّ للذكر مئة فائدة ذكرت بعضها، لكن هذه كلها تلخص في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ﴾








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-14-2018, 08:11 AM   #49


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السابع و الاربعون )

الموضوع : الرضا عن الله







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الرضا عن الله :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد يتصل أشد الاتصال بـ:" سبل الوصول وعلامات القبول"، إنه موضوع: "الرضا عن الله".
أيها الأخوة، من الثابت أن الإنسان بين حالين، بين حالة الرضا وبين حالة السخط، الرضا من لوازم الإيمان، والسخط من لوازم الكفران، الرضا من لوازم القرب من الله، والسخط من لوازم البعد عن الله، القرب يؤكد أنك راضٍ عن الله.

الآن تفسير الرضا، تعليله: طفل صغير على كرسي طبيب الأسنان، حينما يتألم يضجر، ويبكي، ويضطرب، وقد يمسك يد الطبيب لأنه لا يعلم أن هذا الألم لابد منه ولصالحه، إنسان راشد يجلس، يقول له الطبيب: قلبك لا يحتمل المخدر، يجب أن تتحمل فيتألم أشد الألم وهو يتحمل.
كلما زاد علمك زاد رضاك عن الله، وكلما قلّ علمك قلَّ رضاك، فالعلم متعلق بالرضا، إذاً الرضا من لوازم الإيمان، السخط من لوازم الكفران، الرضا من لوازم القرب، السخط من لوازم البعد، الرضا من لوازم الاتصال بالله، السخط من لوازم البعد عن الله، العلماء قالوا: الرضا مستحبٌ مؤكد، فقد ورد في الأثر القدسي:
(( من لم يرض بقضائي ويصبر على بلائي فليلتمس رباً سوائي ))
[أخرجه الطبراني عن أبي هند الداري ]
حينما تنطلق من مقولةٍ رائعةٍ جداً، كل شيءٍ وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق، هذا كلامٌ دقيق لو استوعبه الإنسان لرضي عن الله، كل شيء وقع أراده الله، الإله العظيم صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى سمح به، ولو لم يكن هناك حكمةٌ بالغةٌ بالغةٌ بالغة عرفها من عرفها وجهلها من جهلها لم يسمح الله به، إذاً لكل واقعٍ حكمة، وقد يكون الموقِع مجرماً، معنى سمح به لا يعني أنه رضيه ولا أمر به، أراد ولم يأمر، أراد ولم يرضَ، لكن هكذا تقتضي الحكمة، فكل شيء وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق، هذه المقولة على إيجازها تملأ قلب المؤمن رضا عن الله. الحال و المقام :
أيها الأخوة، من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة المانعة:
(( اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك ))
[أخرجه أبو يعلى والطبراني والبزار والإمام أحمد وابن حبان عن عبد الله بن مسعود ]
أي يجب أن ترضى بالله وهذا قدرك، وينبغي أن ترضى بالله وهذا إيمانك، هناك فرق بين أن ترضى قدراً وبين أن ترضى إيماناً، أن ترضى قدراً يقول لك: ليس بيدنا شيء، أما أن ترضى إيماناً تشكره على قضائه وقدره.
لذلك قال سيدنا علي رضي الله عنه: "الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين".

هناك موضوع دقيق يحتاج إلى شرح، هناك عند بعض العلماء حالٌ ومقام، الحال وهبي، والمقام كسبي، أنت بجلسة فيها إنسان موصول بالله تشعر براحة كبيرة، هذه الراحة جاءتك من هذا المجلس، أما أنت في بيتك، وفي عملك، وفي شؤونك الخاصة، لست بهذا الحال، هذا الحال جاءك من هذا المجلس.
(( لو تكونون على كل حال على الحال الذي أنتم عليه عندي لصافحتكم الملائكة بأكفكم ولو أنكم في بيوتكم ))
[أخرجه الترمذي والدرامي والطبراني عن أبي هريرة ]
هذا شيء واضح جداً، الإنسان عندما يجلس مجلس علم، يقول لك: والله شعرنا براحة كبيرة، و هناك تعبيرات كثيرة تقابل هذه الراحة، التعبير القرآني أشعرنا بسكينة أي: (( مَا اجتمعَ قَوم في بيت من بُيُوتِ الله تباركَ وتعالى يَتْلُونَ كتابَ الله عزَّ وجلَّ ويَتَدَارَسُونَهُ بينهم، إِلا نزلت عليهم السكينةُ، وَغَشِيَتْهم الرحمةُ ، وحَفَّتْهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ))
[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]
هذا الذي يصيب من يحضر مجلس علم هذا حال وهبي، أما حينما تجتهد أنت، وتجاهد نفسك، وهواك، وتزداد يقيناً، وتزداد قرباً، وتزداد اتصالاً، الحال الذي شعرت به في هذا المجلس يبقى مستمراً معك، هذا الحال الذي يبقى معك ملكك، هذا هو أنت، هذا هو المقام، المقام كسبي، الحال وهبي، الحال طارئ.
تصور راكب دراجة تعلق بسيارة، الآن حركته في الطريق الصاعدة ليست ذاتية من تعلقه بالسيارة، أما حينما يركب سيارة ملكه فيها محرك شخصي، الحركة ذاتية.
الفرق كبير بين الحال وبين المقام، المقام كسبي، الحال الذي تشعر به بسبب مقامك الذي حصّلته بجهدك، هذا شيء ثابت، أما كل إنسان بجلسة فيها درس علم يقول لك: والله سررنا، هذا السرور ليس منك من جو المجلس، لكن لا مانع من أن تكثر من هذه المجالس حتى تشتاق إلى أن تملك هذا الحال، فالفرق دقيقٌ جداً بين المقام وبين الحال. بطولة الإنسان أن يملك مقام القرب لا أن يأتيه ومضة :

لذلك أيها الأخوة، الرضا كما تبين من هذه الملاحظة وهبي لكن هناك جانباً كسبياً، المقام الذي حصلته بجهدك، وجهادك، وبَذلك، وعطائك، وانضباطك، وإقبالك، وعملك الصالح، له منعكس حال، هذا الحال كذلك كسبي، الحال الذي يأتيك من دون جهد وهبي، أما الحال الذي يأتيك بعد جهد جهيد فهذا كسبي، فالبطولة أن تملك مقام القرب لا أن يأتيك ومضة، أو تأتيك مس من القرب من الله عز و جل، فالبطولة أنه إذا ذقت طعم القرب ستعمل على أن تتابع وتجاهد وتسعى كي تملك هذا الحال، أي المؤمن سعيد بأي حال.

(( عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))
[أخرجه مسلم، عن صهيب الرومي ]
أي كما قال بعضهم: إنك إذا بذلت ما كُلفت به من معرفةٍ بالله، من فهمٍ لكتابه، من استقامةٍ على أمره، جاءك الرضا، هذا الرضا منعكس هذا المقام. الإنسان البعيد عن الله في خوفٍ من الفقر أما المؤمن فالله يلقي في قلبه الأمن و السكينة:
أيها الأخوة: من الثابت لو أن الإنسان في أعلى مستويات الحياة، له دخل فلكي، دخل غير محدود، بيت متميز، مركبة فارهة، أي كل شيء في أعلى مستوى، ولم يكن هذا الإنسان راضياً عن الله فهو أشقى الناس.

لذلك قالوا: أنت من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها، فالإنسان البعيد عن الله في خوفٍ من الفقر، دائماً فقير حقيقي لأنه يخاف الفقر، مريض حقيقي لأنه يخاف المرض، الآن بعض الأزمات القلبية سببها الخوف من أزمة قلبية، الناس يعيشون في قلق، أما المؤمن فالله عز وجل يلقي في قلبه الأمن.
أيها الأخوة، ولو أن إنساناً في أدنى مستويات الحياة، والله أذكر مرة دخلت إلى بيت يمكن أعلى بيت في جبل قاسيون، بيت متواضع بشكل لا يُتَصور، شعرت أن هذا البيت قطعة من الجنة، قد تسكن ببيت، ثمنه مئة وثمانون مليوناً، وقد تسكن ببيت أربعين متراً، فالله عز وجل عندما يلقي في قلبك السكينة أي مكان يصبح جنة.
قال: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة فماذا يفعل أعدائي بي؟ يقول هذا العالم الجليل: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن ]
من تعرف إلى أسماء الله الحسنى ازداد قرباً منه واطمئناناً وثقةً وتوكلاً :
أخواننا الكرام، الآية الدقيقة جداً التي تؤكد هذا المعنى:
﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]

ذاقوا طعمها في الدنيا، أنا أقول بعبارة أخرى: إن لم تقل أنا أسعد الناس ففي الإيمان خلل، تتعامل مع من؟ مع خالق السموات والأرض، مع القوي، مع الغني، مع الكريم، مع الرحيم، وكلما تعرفت إلى أسماء الله الحسنى ازددت قرباً منه، واطمئناناً، وثقةً، وتوكلاً.
إنسان يطوف حول الكعبة يقول: يا ربي هل أنت راضٍ عني؟ قيل: إن وراءه الإمام الشافعي، فقال له: يا هذا هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك؟ قال له: يا سبحان الله! أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه ما هذا الكلام؟! فقال له الإمام الشافعي: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله، البطولة لا في الرخاء، أن تأتي الشدة وتقول: يا ربي لك الحمد. ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾
[ سورة الزمر ]
هناك آية يقشعر منها البدن: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾
[ سورة ص الآية : 44 ]
إذا أحبّ الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه. الرضا طريق من طرق الوصول إلى الله عز وجل :
أخواننا الكرام، الحظوظ؛ المال حظ، الوسامة حظ، الذكاء حظ، يكون عندك زوجة جيدة جداً حظ، عندك أولاد أبرار حظ، لك سمعة طيبة حظ، هذا أنا أسميه حظوظ، الحظوظ ثابتة الذي معه مئة مليون مئة مليون، الذي معه ألف ألف، المشكلة في منعكسات الحظوظ، أحياناً إنسان بالمنفردة وهو راضٍ عن الله، والله لا أبالغ في جنة، أنا لا أتكلم من فراغ، حدثني أناسٌ كثيرون في جنة، وبقصر منيف في وحشة، البطولة منعكس ما عندك، قد يكون ما عندك شيء بسيط، لكن منعكسه رضا عن الله.
لذلك أنا ذكرت هذا الموضوع لأنه من أشد الموضوعات اتصالاً بسبل الوصول وعلامات القبول، المؤمن راضٍ عن الله، راضٍ عن قضائه وقدره، راضٍ عما فيه، وراضٍ عما ليس فيه، انظر الدعاء ما أدقه:
(( اللَّهمَّ ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ، وما زَوَيْتَ عني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ فَرَاغا لي فيما تُحِبُّ ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]

>أنت أمام أحد أمرين؛ شيءٌ تحبه نلته، وشيء تحبه لم تنله، إن نلته قل: يا رب اجعله في سبيلك، اجعله قوة لي في طاعتك، اجعله عملاً صالحاً ألقاه يوم ألقاك، وإن زويت عني المال ينشأ فراغ ناتج عن قلة المال، الذي عنده أموال طائلة تحتاج إلى وقت لإدارتها، و الذي لا يوجد عنده شيء عنده وقت فراغ كبير، يا رب إن رزقتني مالاً وفيراً اجعله في طاعتك، اجعله عملاً صالحاً أتقرب به إليك، وإن زويت عني المال اجعل الفراغ الناشئ عن قلة المال في سبيلك.
أخواننا الكرام، مرة أخ كريم دعاني إلى أن أزور أخاً في حمص، دخلت إلى بيته رأيته مستلقياً على فراش، قال لي: أنا بهذا الوضع من سبعةٍ وعشرين عاماً، صدقوا ولا أبالغ هذا الأخ الذي ابتلاه الله بهذا البلاء عنده ثقة بالله، وعنده معنويات عالية، وعنده رضا عن الله يفوق الأصحاء، أناسٌ كثيرون زاروه، راض عن الله، مرة زاره عالم قال له: إن شاء الله أنت من أهل الجنة، قال له: أنا في الجنة الآن، الآن في الجنة! حينما ترضى عن الله فأنت في جنة، والساخط يكون معه مئة مليون يقول لك: لا يوجد ربح، ما معنى خسرنا؟ أي نزل ربحه إلى ثلاثين مليوناً وهو ساخط عن الله، هناك ناس بقمة النعم وهم ساخطون، و شخص لا يوجد عنده شيء وهو راض عن الله، الرضا طريق من طرق الوصول إلى الله عز وجل. على المسلم أن يعتز بدينه الذي ارتضاه الله له :
وعن العباس بن عبد المطلب: (( إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ذََاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمَّدٍ رَسُولاً ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن العباس بن عبد المطلب ]

أي الخمر حرام، دعي إلى طعام قدم له خمر، قال: أنا معي قرحة، لا، قل: أنا مسلم، اعتز بدينك، أنا لا أشرب الخمر، معه قرحة، استحى بدينه، يريد أن يصافح امرأة خجل، فلف يده، قل: أنا لا أصافح.
مرة ببلد عربي وزير نفط دعا وزيرة النفط البريطاني، طبعاً أخذ كبار موظفيه لاستقبالها في المطار، أحد كبار موظفيه امتنع عن مصافحتها، فانزعج الوزير انزعاجاً بالغاً، وقال له: لمّ لم تصافحها؟ قال له: أنا هكذا، هناك دعوة على الغداء قال له: لا تأتي، طرده، قال له: وليكن، في الظهيرة على طعام الغداء قالت له: هناك إنسان لم يصافحني، أين هو؟ فشعر بالإحراج وقال لها: اعتذر، قالت: أرغب بالالتقاء به، قال لهم: أخبروه ليأتي، جاء قالت له: لما لم تصافحني؟ قال لها: والله أنا مسلم وديني يمنعني من أن أصافح امرأةً أجنبية، وأنت امرأةٌ أجنبية، فكرت فكرت، فقالت للوزير: لو أن المسلمين أمثال هذا لكنا تحت حكمكم، اعتز بدينك لا تستحِ. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[ سورة فصلت]
اعتز بدين لا يوجد فيه ربا، والله عز وجل عاقب أهل الأرض بانهيار النظام المالي، اعتز بدين حرم الخنزير، والله عاقب أهل الأرض من مئتي حالة إلى إحدى عشرة ألف حالة خلال أربعة أسابيع، والمرض يزداد انتشاراً، أخواننا الكرام: (( ذََاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمَّدٍ رَسُولاً ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن العباس بن عبد المطلب ]
اعتز بهذا الدين، الربا محرم، الاختلاط محرم، الملهيات التي لا ترضي الله محرمة، اعتز بهذا الدين وارضَ به، لا تستحِ به، أهل الدنيا كل أفكارهم سوداوية يقول لك: هناك فقر قادم أي الغذاء لا يكفي الأرض، هناك مجاعات، دائماً يعطيك الأفكار السوداوية السيئة.
مرة زارنا أخ عضو في حوض دمشق، والله حدثني حديثاً عن هبوط مستوى المياه في هذا الحوض، واحتمال الجفاف الكلي ـ القصة قديمة طبعاً ـ لم أستطع أن أقف، أي الشام انتهت، لكن العام الذي بعده أكرمنا الله بثلاثمئة وسبعين ملي، وهناك ينابيع من ثلاثين سنة غارت، تفجرت، فدائماً البعيد عن الله سوداوي، دائماً يؤوس، قنوط ، كل الأخبار سيئة، لا تقبل هذه الأخبار. الله موجود وفي أي لحظة يقلب موازين القِوى :
أنا أقول لكم هذه الكلمة: تكلم ما شئت، اسمع ما شئت، لا تنسى أن الله موجود، وفي أي لحظة يقلب موازين القِوى، هذه الدولة العملاقة المتعجرفة، من يظن أن انهيار النظام المالي أضعفها كثيراً؟ من يظن؟ هناك أشياء كثيرة لم تكن في الحسبان، هذه العصا الغليظة، إسرائيل في المنطقة التي صُممت وجهزت لتكون العصا الرادعة لأي دولة شرق أوسطية، وحروبها السابقة معروفة، كل كم سنة هناك حرب، حرب طاحنة، جيوش وقفت أمامها فئة قليلة في عام ألفين وستة تحدتها، وفئة قليلة في عام ألفين وثمانية تحدتها، فهذه العصا الغليظة كُسرت، وصار الآن همهم البقاء وليس الأمن، اختلف الوضع، أحياناً تجد هناك تطورات ليست من صنعك، من صنع الله عز وجل، الله موجود، قل: الحمد لله على وجود الله .

أيها الأخوة قال تعالى: ﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يرجع هذا التدافع، عندما كان هناك تدافع الدول الضعيفة مرتاحة جداً، وعندما التغى التدافع صار هناك قطب واحد، الدول الضعيفة تعبت كثيراً لكن على كلٍّ: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 34 ]
لا يوجد شيء يستمر، حتى الأمم لها آجال، ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾
لذلك مرة اطلعت على تقرير للسي أي إي يؤكد أن عمر إسرائيل بقي له عشرين عاماً، التعليل هو الهجرة المعاكسة بسبب انعدام الأمن. الرضا حال يلازم الإيمان والسخط يلازم الكفران :
أيها الأخوة، عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( مَنْ قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وحدَهُ لا شريك له وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، رَضِيتُ بالله ربّاً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام دِيناً غُفِرَ له ذَنْبُه ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن سعد بن أبي وقاص ]
أي حال الرضا حال يلازم الإيمان، والسخط يلازم الكفران، الرضا يلازم العلم، والسخط يلازم الجهل، الرضا يلازم القرب من الله، والسخط يلازم البعد، والدنيا مؤقتة، فلينظر ناظرٌ بعقله أن الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا؟ فإن قال: أهانه فقد كذب، وإن قال: أكرمه فلقد أهان غيره بحيث أعطاه الدنيا.
هذه البيوت الرائعة جداً، والمركبات الفارهة، والطيران، ما رآها النبي وهو سيد الخلق وحبيب الحق، فمعنى ذلك هناك في الجنة: (( ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
المؤمن راض عن الله حتى في أشد الحالات صعوبة :
أخواننا الكرام، من رضي عن ربه فقد عرفه، ومن عرفه رضي عن ربه، أي هناك علاقة ترابطية، حينما ترضى عنه يرضى عنك، الدليل:
﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾
[ سورة البينة الآية : 8 ]

علامة رضاه عنك أنك ترضى عنه.
والله أخ طبيب بالمستشفى جاءه مريض معه ورم خبيث منتشر بأمعائه، جلس في غرفة، كلما زاره رجل يقول له: اشهد أنني راضٍ عن الله، يا رب لك الحمد، عجيب! هذه الغرفة استقطبت الناس، يدخل الطبيب يرتاح، الممرض يرتاح، هناك أنوار في هذه الغرفة، وآلام لا تحتمل، صابر، وكلما جاءه شخص يقول له: يا رب إنني راضٍ عنك فارضَ عني، اشهد يا أخي أنني راضٍ عن الله، أربعة أيام أو خمسة توفاه الله، و هذه الغرفة منورة، وفيها تجليات رائعة، لحكمةٍ بالغةٍ بالغة جاء مريض بالمرض نفسه وبالغرفة نفسها، ما من نبي إلا وسبه، يسب، ويصرخ، فأهملوه، الله عز وجل أطلع أهل المستشفى من هو المؤمن، من هو غير المؤمن، بالمرض نفسه، وبعد عدة يوم مات.
أي المؤمن راض عن الله حتى في أشد الحالات صعوبة، حتى في المرض الشديد، راض لا يتكلم كلمة.
أخ من أخواننا توفاه الله بمرض خبيث، تقول زوجته: سنتان لم يتكلم كلمة غلطاً، سنتان و هو يعاني من آلام لا تحتمل، هذا حال الرضا، حال كبير جداً، أرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون من هؤلاء، العلماء قالوا: الرضا باب الله الأعظم.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-14-2018, 08:14 AM   #50


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثامن و الاربعون )

الموضوع : الرضا عن الله فى السراء والضراء







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الرضا :

أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو "الرضا"، أي أن ترضى عن الله، انطلاقاً من قوله تعالى:

﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾
[ سورة البينة الآية : 8 ]
الإمام الجنيد ـ رحمه الله تعالى ـ يقول: الرضا هو العلم، أنت حينما تعلم حكمة الله، ورحمته، وعدله، لابد أن ترضى عنه، وحينما تنطلق من حقيقةٍ في الإيمان دقيقة وهي أن كل شيءٍ وقع أراده الله، وأن كل شيءٍ أراده الله وقع ، لأنه لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد، ومعنى يريد أنه سمح بذلك، قد يسمح ولم يأمر، وقد يسمح ولم يرضَ. كل أنواع الشرور في الأرض هي شرور موظفة للخير المطلق :
أيها الأخوة الكرام، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، فالشر المطلق لا وجود له في الكون، لأنه يتناقض مع وجود الله، هناك شر نسبي.

الإنسان أحياناً حينما يُفتح بطنه، ويخدر، وتستأصل الزائدة الدودية، هذا شرٌ نسبي من أجل سلامته، ومن أجل استمرار حياته، فدائماً كل أنواع الشرور في الأرض هي شرور موظفة للخير المطلق، لذلك ننطلق في هذا المعنى الدقيق من قوله تعالى:

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾
[ سورة الفجر ]
أي الإنسان إذا أكرمه الله بنعمٍ لا تعد ولا تحصى في الدنيا يتوهم أن هذا إكرامٌ له، وحينما يزوي الله عنه نعمةً لحكمةٍ بالغةٍ بالغة يتوهم أن الله أهانه، فجاء الجواب الإلهي: ﴿ كَلَّا ﴾
[ سورة الفجر الآية : 17 ]
كلا ليست أداة نفي، أداة ردعٍ ونفيٍ، لو أن إنساناً سُئل هل أنت جائع ؟ يقول: لا، أما إذا قيل له: هل أنت سارق؟ ـ وهو إنسان ذو أخلاق عالية جداً ـ لا يقول: لا، يقول: كلا، أي ما كان لي أن أسرق، ولا أن أقبل بالسرقة، ولا أن أدعو إليها، ولا أن أرضى بها، ولا، ولا، علماء اللغة عددوا أكثر من عشر حالات نفي بهذه الصيغة "وما كان"، فالله عز وجل قال: ﴿ كَلَّا ﴾
أي: (( يا عبادي ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء ))
[ ورد في الأثر]
حظوظ الإنسان موقوفةٌ على طريقة الحركة من خلالها :
المال هل هو نعمة؟ الجواب: نعم ولا، نعم إذا اكتسب من طريقٍ حلال، وأنفق في وجهٍ حلال، فهو نعمة، أما إذا اكتسب من طريقٍ حرام، وأنفق في وجهٍ حرام، فهو نقمة.
الصحة نقمة أم نعمة؟ إن تقوى الإنسان بالصحة على معصية الله فهي نقمة، وإن تقوى بالصحة على طاعة الله فهي نعمة.

الزوجة نعمةٌ أم نقمة؟ إذا أعانتك على أمر آخرتك فهي نعمة، أما إذا ضغطت عليك حتى حَملتك على معصية الله فهي نقمة، كل حظوظ الإنسان ابتلاء، أو موقوفةٌ على طريقة الحركة من خلالها، فالآية الآن معناها الدقيق .

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ ﴾
أي امتحنه بالمال، ﴿ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ﴾
هو ﴿ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾
﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ ﴾
امتحنه بقلة المال، ﴿ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾
يأتي الرد الإلهي، ﴿ كَلَّا ﴾
لذلك جميع الحظوظ التي أنت فيها، وجميع الحظوظ التي زويت عنك، امتحاناتٌ دقيقة، أنت ممتحن شئت أم أبيت، ممتحن فيما أعطاك، ممتحن فيما زوي عنك، ممتحن فيما أنت فيه، ممتحن فيما لست فيه، ممتحن بالمال، ممتحن بفقده، ممتحن بالصحة، ممتحن بفقدها، ممتحن بالوسامة، ممتحن بضدها، ممتحن بالصحة، ممتحن بالمرض، أي شيءٍ إيجابي هو مادة امتحانك مع الله، وأي شيءٍ سلبي هو مادة امتحانك مع الله، اعلم علم اليقين أنك في دار امتحان، أنت في دار امتحان. (( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ))
[ من كنز العمال عن ابن عمر ]
الرضا أن يرضى الإنسان عن الله إن أعطاه أو منعه :
إذاً الرضا أن ترضى عن الله إن أعطاك أو منعك، إن قواك أو أضعفك، إن أغناك أو أفقرك، إن عُمرت طويلاً وإن كان العمر قصيراً، في بعض الأحاديث الشريفة يقول عليه الصلاة والسلام:
((إن الله عز و جل يحمي عبده المؤمن كما يحمي الراعي الشقيق غنمه من مراتع الهلكة ))
[ شعب الإيمان عن حذيفة ]
فحينما نفهم أن الله سبحانه وتعالى حينما يزوي عنا نعمةً من نعمه فلحكمةٍ بالغةٍ بالغة، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، والحقيقة لن تكون راضياً عن الله إلا إذا استوى عندك أن تأتيك الدنيا أو أن تزوى عنك، لا تعد راضياً عن الله، لا تبلغ مقام الرضا، إلا إذا استوى عندك أن تؤتى الدنيا أو أن تزوى عنك، لذلك من أجمل أدعية النبي صلى الله عليه وسلم: (( اللَّهمَّ ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ، وما زَوَيْتَ عني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ فَرَاغا لي فيما تُحِبُّ ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]
هذا المؤمن أعطاه الله المال يقول: يا رب اجعله قوةً لي في التقرب إليك، زوى عنه المال: يا رب اجعل الوقت الذي نتج عن إبعاد المال عني قربةً إليك. من خصائص المؤمن أنه شاكرٌ في السراء صابرٌ في الضراء :
أيها الأخوة، بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدٌ مع أصحابه إذ ضحك، فقال عليه الصلاة والسلام: ألا تسألوني ممَ أضحك؟ قالوا: يا رسول الله وممَ تضحك ؟ قال:
(( عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))
[أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]

هذه من خصائص المؤمن، شاكرٌ في السراء، صابرٌ في الضراء، إذا جاءت الأمور كما يتمنى يقول: الحمد لله، فإذا جاءت بخير ما يتمنى يقول: الحمد لله ، وهناك حمد مشهور عند عامة الناس: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروهٍ سواه، والذي يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ))
[أخرجه ابن ماجه عن عائشة أم المؤمنين ]
فالمؤمن شاكر وحامد، قيل لأحد العلماء الكبار: متى يبلغ العبد مقام الرضا؟ تحدثنا في لقاءٍ سابق عن فرقٍ دقيق بين المقام والحال، المقام كسبي وثابت، والحال وهبي وطارئ، وأحيانا إنسان يكون في حال رضا بجو معين، بمكان معين، مع أشخاص معينين، أما مقام الرضا مقام دائم وثابت، وهو كسبي، فسُئل هذا العالم الجليل: متى يبلغ العبد مقام الرضا؟ فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصول، يقول هذا العبد المؤمن الراضي: يا رب إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت. الأمر حينما يتضح جلياً فطاعة الله فيه تضعف قيمتها التعبدية :
أخواننا الكرام، فكرة دقيقة جداً: أنت حينما تطيع الله في أمر اتضحت لك حكمته، وحينما تتلكأ في طاعة الله في أمرٍ لم تتضح لك حكمته، أنت إذاً لا تعبد الله، ولكنك تعبد ذاتك، الشيء الذي اقتنعت به أنه سيعود عليك بالخير أطعت الله به، والشيء الذي لم تتضح لك حكمته تلكأت في طاعة الله به، هذا الإنسان لا يعبد الله، يعبد ذاته.
بالمناسبة: كلما اتضحت حكمة الأمر ضعف الجانب التعبدي فيه، وكلما غابت عنك حكمة الأمر ازدادت قيمة التعبد فيه، أي أعلى عبادة في تاريخ البشرية عبادة سيدنا إبراهيم :
﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾
[ سورة الصافات الآية : 102 ]
أي هناك شيء مقبول، وشيء غير مقبول، أمره الله أن يذبح ابنه، الشاب النبي الذي بلغ معه السعي: ﴿ قال يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾
[ سورة الصافات الآية : 102 ]
طبعاً الحكمة ليست واضحةً إطلاقاً من ذبح ابنه: ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾
[ سورة الصافات ]
﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة الصافات ]
إذاً الأمر حينما يتضح جلياً فطاعة الله فيه تضعف قيمتها التعبدية، وحينما تغيب عنك الحكمة تزداد قيمة التعبد في هذا الأمر، للتقريب: أب أمر ابنه بتنظيف أسنانه، الأمر واضح لمصلحة الابن، لمصلحة سلامة أسنانه، وكلما أعطى الأب أمراً لابنه، الحكمة واضحة جداً عند الابن، فالابن يبادر إلى تطبيقها، هو في الحقيقة بادر إلى تحقيق مصالحه، لكن لو أن الابن بحالة من الجوع شديدة، والطعام نفيس، والطعام احضره الأب، وهذا الولد ابنه، قال له: يا بني لا تأكل، الأمر غير واضح، أنا يا أبتِ ابنك، وأنا جائع، وهذا طعامك من لي غيرك؟ لا تأكل، فقال له: سمعاً وطاعةً يا أبي، لأن الحكمة من هذا المنع ليست واضحة، فلما وقف الابن موقف المتأدب مع أبيه كان في أعلى درجات القرب من أبيه.
حينما يأتيك أمر إلهي وليست الحكمة واضحة عندك منه، وتبادر إلى طاعته، فأنت عبدٌ لله، أما لا تطبق إلا الأمر الذي تقتنع به فأنت عندئذٍ تعبد ذاتك، ولا تعبد الله، قال بعض العلماء: علة الأمر أنه أمرٌ من الله. علة أي أمرٍ أنه أمر :
أنا لا أنسى لقاء تمّ بين عالم من علماء الشام، وعالم في أمريكا من أصل أمريكي هداه الله إلى الإسلام، جاء موضوع لحم الخنزير، هذا العالم الدمشقي وله أجر عند الله أفاض وأسهب في الحديث عن مضار لحم الخنزير لساعةٍ أو أكثر، فلما انتهى من شرحه الطويل، وأدلته العميقة، وتحليله الدقيق، ابتسم هذا العالم الأمريكي وقال له: كان يكفيك أن تقول لي: إن الله حرمه.

لأنك أنت مع طبيب من بني جلدتك، يحمل شهادة عليا من بلد متقدم جداً، قال لك: دع الملح، قد لا يخطر في بالك أن تسأله لماذا؟ هكذا قال الطبيب، قد يقول لك الطبيب: بع بيتك في الطابق المرتفع، وتكون أنت قد اعتنيت به وبكسوته عناية فائقة، وتكلفت مبالغ طائلة، وأمضيت وقتاً طويلاً في كسوته، في اليوم التالي تبيعه، الطبيب قال: هذا البيت لا يناسبني.
فأنت مع إنسان عادي تثق بعلمه لا تفكر في مناقشة أوامره، فكيف مع الواحد الديان؟ لذلك قالوا: علة أي أمرٍ أنه أمر وكفى، هذا المؤمن، فأنت حينما تطبق تقطف كل ثمار الدين، أما حينما تحلل، وتفلسف، وتبحث عن الحكمة، يمكن أن تقنع الناس بذلك، تنقلب إلى داعية، أما العابد لله يقطف كل ثمار الدين من تطبيق الأمر.
وأوضح فكرة في هذا الموضوع أن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، إنسان لا يقرأ ولا يكتب، اشترى مكيفاً، ضغط على مفتاح التشغيل فجاءه الهواء البارد، وإنسان آخر يحمل دكتوراه بالتكييف، اشترى مكيفاً، وضغط على مفتاح التشغيل جاءه الهواء البارد، فالانتفاع بالهواء البارد وبخصائص هذا المكيف ليست متعلقة بفهم آلية العمل، هذا الدين كالهواء للناس، يطبقه المؤمن الأمي والمثقف، من فهم الحكمة ومن لم يفهمها، هذا هواء للناس، فالذي يطبق أوامر الدين يقطف كل ثماره ولو لم يقف على حكمة هذه الأوامر لكنه عابد، أما الذي وصل إلى حكمة الأوامر فيمكن أن يكون داعيةً يقنع الناس بهذا الدين.
الله عز وجل عزيز يمتحن صدق الإنسان وصبره فإن رآه صادقاً أعطاه :
أيها الأخوة، الله عز وجل عزيز، ومعنى عزيز أي الشيء الذي تطلبه منه لا تأخذه فوراً، يمتحن صدقك، لذلك قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ ﴾
[ سورة العنكبوت الآية : 5 ]
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾
[ سورة العنكبوت الآية : 69]
لا تتصور أن القضية ببساطة بالغة، طلب الجنة من دون عملٍ ذنبٌ من الذنوب، فالله عز وجل عزيز يمتحن صدقك، وصبرك، وإلحاحك، وسعيك، فإذا رآك صادقاً أعطاك. من غابت عنه حكمة ما أصابه فهو بحاجة إلى الصبر :

أيها الأخوة قال تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾
[ سورة الطور الآية : 48 ]
الحقيقة الإنسان متى يصبر؟ حينما لا تتضح الحكمة، إنسان راشد بالغ عاقل، قال له طبيب الأسنان: قلبك لا يحتمل المخدر، وسوف أقلع لك هذا السن من دون مخدر فعليك تحمل الألم، الإنسان واع، وهذا كلام دقيق.
لذلك حينما يأتي الألم الذي لا يحتمل يتجلد ولا يتكلم، ما الذي أعانه على الصبر؟ توضيح الطبيب له، فهو بالغ، وعاقل، وراشد، لكن حينما تغيب عنك الحكمة أنت الآن في حاجةٍ إلى الصبر.
إنسان يأكل المال الحرام، يتلف الله هذا المال، لكن أحياناً إنسان وهو مستقيم على أمر الله تأتيه مصيبة، هنا تحتاج إلى الصبر، قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾
الآيات المتعلقة برسول الله صلى الله عليه وسلم لكل مؤمنٍ منها نصيب :
لكن الآية التي تذيب الإنسان.
﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
[ سورة الطور الآية : 48 ]

ولي رأي في هذا الموضوع، أن كل آيةٍ موجهةٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل مؤمنٍ منها نصيب، بقدر إيمانه وإخلاصه، فإذا الله عز وجل قال للنبي الكريم:
﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
فيا أيها المؤمن الصادق المخلص المتفاني في طاعة الله، إذا جاءتك الأمور على خلاف ما تريد فاعلم ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
هكذا تقتضي الحكمة . ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
فالآيات المتعلقة برسول الله صلى الله عليه وسلم لكل مؤمنٍ منها نصيب. ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ﴾
[ سورة الطور ]
أيها الأخوة، مما جاء في بعض الأحاديث القدسية: (( يا ابن آدمَ لا تَعْجِز من أربع ركعات في أول نهارك، أكْفِكَ آخرَهُ ))
[أخرجه أبو داود عن نعيم بن همار ]
صدقوا ولا أبالغ أن كل واحدٍ من الأخوة وقد جاء لصلاة الفجر، وترك فراشه الوثير، وسار في الطريق إلى بيت الله عز وجل كأنه في ذمة الله حتى المساء. (( لا تَعْجِز من أربع ركعات في أول نهارك ، أكْفِكَ آخرَهُ ))
فإنك في هذا اليوم بأعيننا، فإنك في هذا اليوم بحفظنا، فإنك بهذا اليوم في توفيقنا، فإنك بهذا اليوم في رعايتنا، شيء جميل جداً، (( من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله ))
[أخرجه الطبراني عن أبي بكرة ]
(( مَنْ صَلَّى العِشاء في جماعة فكأنَّما قام نِصْفَ الليل، ومن صلَّى الصبحَ في جماعة فكأنَّما صلَّى الليلَ كُلَّهُ ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن عثمان بن عفان ]
عدم التناقض بين الألم من المصيبة و الرضا عن الله عز وجل :

أيها الأخوة، هناك ملاحظة مهمة جداً، الألم عند المصيبة لا يلغي الرضا، النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم دمعت عيناه حينما مات ابنه إبراهيم، فالصحابة دهشوا قالوا: يا رسول الله: أتبكي؟ قال:

(( تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ، لَوْلَا أَنَّهُ وَعْدٌ صَادِقٌ، وَمَوْعُودٌ جَامِعٌ، وَأَنَّ الْآخِرَ تَابِعٌ لِلْأَوَّلِ، لَوَجَدْنَا عَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ أَفْضَلَ مِمَّا وَجَدْنَا، وَإِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ ))
[أخرجه ابن ماجه عن أسماء بنت يزيد ]
هذا الموقف سليم، المصيبة تؤلم، وحينما يتألم الإنسان من مصيبة لا يعني أنه ليس راضياً عن الله، لا يوجد تناقض أبداً بين الألم من المصيبة وبين الرضا عن الله عز وجل. بطولة الإنسان أن يقف من المصيبة الموقف الكامل لأن الدنيا دار ابتلاء :
بالمناسبة أيها الأخوة، ليست البطولة أن تنجو من مصيبة أبداً، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
[سورة المؤمنون ]
ولكن البطولة أن تقف منها الموقف الكامل، ليست البطولة أن تنجو من مصيبة لا أحد ينجو منها لأن هذه الدنيا دار ابتلاء، ﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
والإمام الشافعي سُئل: " ندعو الإله بالابتلاء أم بالتمكين؟ قال: لن تمكن قبل أن تبتلى" فالابتلاء قدرنا، والبطولة لا أن تنجو من ابتلاء بل أن تقف الموقف الكامل من هذا الابتلاء.
قيل للحسين بن عليٍ ـ رضي الله عنهما ـ:" إن أبا ذر ـ رضي الله عنه ـ يقول: الفقر أحب إليّ من الغنى، والسقم ـ أي المرض ـ أحب إلي من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمنَ غير ما اختار الله له". الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين :

الله عليم حكيم، جعلك غنياً، أرادك أن تتقرب إليه بإنفاق المال، الحمد لله على نعمة الغنى، الآن جعلك فقيراً، أرادك أن تتقرب إليه بصبرك على هذا الامتحان، إذاً اختار الله لك الغنى، أنت راض، اختار الله لك قلة المال، أنت راض، اختار الله لك أن تكون قوياً، أنت راض، أراد أن يمتحنك باستخدام قوتك في طاعته، أراد أن تكون ضعيفاً، أنت راض، جعلك وسيماً، أنت راض، غير وسيم، أنت راض، صحيح، راض، مريض، راض، هذا هو المؤمن، قالوا: إن الرضا قبل القضاء عزمٌ على الرضا، لكنه بعد القضاء هو الرضا الحقيقي، أي الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.
لذلك من اتكل على ماله ضلّ، ومن اتكل على قوته ذلّ، ومن اتكل على الله لا ضلّ ولا ذلّ.
سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ يقول: "الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر".
أي هناك صبر وهناك رضا، الرضا أرقى من الصبر، إذا أحبّ الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر ـ أي رضي ـ اقتناه.
قال بعض العلماء: الرضا أقسامٌ ثلاث: رضا العوام بما قسمه الله لهم، رضا الخواص بما قدره الله عليهم، رضا خواص الخواص يرضون به بدلاً عما سواه.









والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
الاسلامية-, التربية, الوصول, القبول, سبل, وعلامات


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 2 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 12 09-22-2018 08:42 PM
التربية الإسلامية - الموت السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 5 09-06-2018 08:30 PM
التربية الاسلامية - مدارج السالكين السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 101 07-21-2018 03:54 PM
التربية الإسلامية -علم القلوب السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 54 07-18-2018 11:42 AM
اشياء تمنع الرجل من الوصول الى النجاح منال نور الهدى رِيَاض الأسرَة وَالطِفَل وَ أنَاقَة حَواء وآدَم 4 07-14-2014 11:00 AM


الساعة الآن 04:04 AM