| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس ( الاول ) الطلاق الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علَّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الطلاق : أيها الأخوة الأكارم... تعودتم أن يطرح في هذا الدرس موضوعات نحن جميعاً في أمسِّ الحاجة إليها، والحقيقة كيف أعرف أنا الموضوعات التي أنتم في أمس الحاجة إليها؟ هناك طريقةٌ تعرف بها هذه الموضوعات، عددُ الأخوة الأكارم الذين يسألونني في موضوعٍ واحد، فكل عشرة أخوة كرام يطرحون عليّ أسئلةً فقهيةً، نصفهم أو أكثر في موضوع الطلاق، لأن كل إنسانٍ لا بد له من زوجة، ولا بد في العلاقة الزوجية من مشادات أحياناً، فحينما يتصرَّف الزوج في هذه المشاحنة، تصرفاً ينقله إلى دائرة الطلاق، عندئذٍ تقع المشكلة الكبيرة التي لا حل لها. والشيء المؤسف أن إخوةً كرام من طلاب العلم الشرعي، من روَّاد المساجد، في حالة في غضبهم يطلِّقون، فإذا طلقوا صاروا تحت رحمة المفتين، وتحت رحمة من يسألونهم، فتارةً يسألونهم، وتارةً يصدقونهم، وتارةً يشككون في فتاويهم، على كلٍّ هذا الذي يطلِّق من دون أسبابٍ جوهريةٍ، دخل في منطقة الشك، وحالة الشك حالةٌ صعبةٌ جداً، هذا الكلام لمن؟ أولاً للمتزوجين، لمن وقع في مثل هذه الحالات علاجاً، ولمن لم يقع وقايةً، ولمن لم يتزوج تعليماً، الأخ الشاب الذي لم يتزوج هذا تعليم له، والذي تزوج وقاية، والذي وقع هذا علاج. الطلاق من أدق الموضوعات التي نحن في أمس الحاجة إلى معرفتها : الشيء الثابت أن عدد الذين يطرحون عليّ أسئلةً في موضوع الطلاق كثيرون جداً من دون شك، وعدد الذين يطرحون عليّ سؤال الطلاق من بين رواد العلم، وطلاَّب العلم أيضاً كثيرون، معنى ذلك هذا مقياسٌ أعرف به أن موضوع الطلاق من أدق الموضوعات التي نحن في أمس الحاجة إلى معرفتها. فضلاً عن أن الإنسان أحياناً حينما يتطلع إلى دقائق الشرع، لو لم يكن محتاجاً لهذا الحكم، إن دقائق الشرع وحدها وفي حدّ ذاتها يمكن أن تكون طريقاً له لمعرفة الله عزَّ وجل فأحكام الشرع لها وظيفتان؛ وظيفةٌ تطبيقية، ووظيفةٌ تعريفية، فأحكام الشرع تعرفنا بربنا، وأحكام الشرع تفيدنا في حياتنا. من بديهيات الأمور أنه عندما يصل الإنسان إلى شيءٍ ثمين، هناك مهمةٌ لا تقل خطورةً عن مهمة الوصول إليه، أنا حينما أصل إلى منصب، إلى أن وصلت بذلت جهداً كثيراً لكن بعد أن أصل هناك جهدٌ من نوعٍ آخر، ما هو هذا الجهد؟ الحفاظ عليه، أنا حينما أنتصر في الحرب، بذلت جهداً كثيراً، ولكن حينما أنتصر هناك جهدٌ آخر، أن أحافظ على هذا النصر، قياساً على هذا، أنا حينما أسعى، وأكد، وأتعب كي أصل إلى زوجة، والزوجة من نعم الله على الإنسان في الدنيا. (( إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ )) [ النسائي عن عمرو بن العاص ] فالزوجة نعمة، فمن الكفر بالنعمة عدم المحافظة عليها، ومن عدم المحافظة عليها أن يوقع الإنسان يمين الطلاق لسببٍ وجيه أو لغير وجيه، هذا الذي يطلق لأتفه الأسباب، هذا يكفر بنعمة الله عليه، كانت حلالاً له فأصبحت حراماً عليه، كانت حلالاً له وهو مطمئن فأصبحت حلالاً وهو متشكك، هذا رأي فلان، لكن فلان قال لي: طلقت. فأنا لا أرى أشد عذاباً من إنسان تورَّط في يمين طلاق، وصار موزعاً مشتتاً بين المفتين، المتشددون طلقت فوراً مع السلامة، لا تغلِّب نفسك، والمتساهلون، يا أخي من أين جاؤوا بهذا المذهب؟ إذا تساهل العلماء معه يشك في فتواهم، وإذا تشددوا يضيق منهم، والله شيء يحير، أليس من الأولى أن تبتعد عن هذه المنطقة كلها؟! أليس من الأولى أن تعيش ناعم البال؟! أليس من الأولى أن تعالج قضايا الزوجية في أية طريقةٍ إلا موضوع الطلاق !. إذاً نحن في أمس الحاجة لهذا الموضوع، أنا كلما رأيت أخاً راجح العقل، رأيته يبتعد عن موضوع الطلاق، يبتعد عن أن يعالج امرأته بأسلوب الطلاق، هناك آلاف المعالجات؛ لك أن تعظ، لك أن تبيِّن، لك أن تهجر، لك أن تُعَنِّف، لك أن تتغافل، لك أن تُكْرم، لك أن تعرض، استخدم أي طريق إلا طريق الطلاق، لأن هذا الطريق نتائجه ليست في صالحك وليست مريحةٌ. الزواج عقدٌ مقدس من لوازم قدسيته المحافظة عليه : الطلاق أيها الأخوة... مأخوذٌ من الإطلاق، أطلق صراحه، الطلاق مأخوذٌ من الإطلاق، وهو الإرسال والترك، معناها المرأة مقيدةٌ بك، محبوسةٌ من أجلك، مرتبطةٌ بك، فإذا طلَّقتها فقد أرسلتها، وتركتها، تقول: أطلقت الأسير، إذا حللت قيده وأرسلته، وفي الشرع حلُّ رابطة الزواج، وإنهاء العلاقة الزوجية، أنا لا أبالغ حينما أقول إن أقدس عقدٍ في الحياة الإنسانية هو عقد الزواج، وليس هذا من عندي، ولكن هذا من القرآن الكريم، فالله جلَّ جلاله يقول في سورة النساء في الآية الواحدة والعشرين: ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ [ سورة النساء : 21] هذا الميثاق الغليظ هو عقد الزواج، ميثاق غليظ، فقد أفضى بعضكم إلى بعض ،يرى الزوج من زوجته ما لا يستطيع أحدٌ على وجه الأرض أن يراه منها، وترى منه ما لا تستطيع امرأةٌ على وجه الأرض أن تراه منه. ![]() ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ [ سورة النساء : 21] هذا عقدٌ مقدس، ومن لوازم قدسيته المحافظة عليه، ومن لوازم قدسيته أنه يجب أن يكون على التأبيد، لا يصحُّ عقد الزواج إلا إذا كان على التأبيد، هذا رأي الإمام الأوزاعي: " إن لم يكن عقد الزواج على التأبيد فهو باطل" زواج، وإنجاب أولاد، شريكة حياة، تربية أولاد، مستقبل أولاد، أنت الآن ستكون سبباً لإنجاب مخلوق من بني البشر، إنسان أكرم مخلوقٍ على الله، فإذا لم تحسن اختيار الزوجة، وأنجبت مولوداً ثم طلَّقت أمه، فضاع بين أمه وأبيه، ضاع بين أمه المطلَّقة وأبيه المبغض، فشوهت شخصيته، وحطمت مكانته، وشعر بالضياع، فأنت السبب. فقد سألني البارحة أخ وكان مضمون السؤال: أن عنده زوجة وهي جيدة جداً، لكنها لا تعامل ابنته التي من غيرها كما تعامل الأم ابنتها، قلت له: هذا هو الشيء الطبيعي، هذا الذي تفعلّه زوجتك مع ابنتك التي من غيرها شيء طبيعي، ليست ابنتها، قلت له فيما أذكر: هذه هي أحد سلبيات الطلاق، حينما تطلِّق فهذه الفتاة الوديعة سوف تعيش مع امرأةٍ ليست أمها، كلُّ العواطف كلُّ المحبة ليست موجودة عند هذه المرأة. كلّ عقد زواجٍ لا يُلمح فيه التأبيد هو عقدٌ باطل : لذلك إن لم يكن عقد الزواج على التأبيد، فهو عند الإمام الأوزاعي عقدٌ باطل على التأبيد، لك أن تطلق ولكن بعد أن بدا لك شيءٌ جديد، أما حينما تعقد عقد الزواج، إن أردت أن تعقد هذا العقد وفي نيتك أن تطلق، فلن تنجو من عذاب الله، لكن تنجو من البشر، العلامات كلّها صحيحة، ماذا يفعل القاضي معك؟ جئت القاضي وقلت: تزوجت فلانة، وقبلت وهي قبلت بك زوجاً، فتوافر الإيجاب والقبول ووليٌ وشاهدا عدلٍ، هذه هي أركان عقد الزواج أما من الذي يتطلع على قلب الإنسان؟ الله جلَّ جلاله، لذلك الفقهاء يحكمون على ذلك العقد بأنه صحيح، ولو أنك تنوي التوقيت، هذا لا يعلمه الفقهاء، ولا يعلمه القاضي الشرعي، ولكن الله يعلمه، الله وحده يعلم ما إذا كنت ناوياً التأبيد أم ناوياً التوقيت. على كلٍّ أنا أميل إلى رأي الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى، في أن كلَّ عقد زواجٍ لا يُلمح فيه التأبيد فهو عقدٌ باطل، لماذا؟ لأنه أقدس عقدٍ في الحياة الإنسانية، عقد اقتران رجل بإمرأة لإنجاب أولاد، من يربيهم؟ من يعنى بهم؟ من يهتم بشؤونهم؟ هذه الزوجة تمر بأطوار، في الطور الأول مقبولة جداً ومرغوبة جداً، أما هناك طور آخر كما قالت هذه المرأة التي اشتكت إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت قد اشتكت إلى الله، وقد سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، اشتكت وقالت: " إن زوجي تزوجني وأنا شابة ذات أهلٍ ومال، فلما كبرت سني، ونثر بطني، وتفرَّق أهلي، وذهب مالي، قال: أنت عليَّ كظهر أمي، ولي منه أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليَّ جاعوا" فبكى النبي عليه الصلاة والسلام، هذه وهي شابة مرغوب فيها، بعد أن استمتعت بشبابها تطلّقها وقد زوى جمالها، الآن أصبحت أم أولاد، أصبح لها مكانة أخرى في الأسرة؛ مكانة الموجهة، مكانة المرأة الحكيمة، المرأة الحصيفة، توجِّه بناتها، تهديهم، ترعاهم، فلذلك أنا وقفت هذه الوقفة لأبين لكم أن عقد الزواج يجب أن يكون على التأبيد. أيّ سلوكٍ يباعد بين الزوجين سلوك محرم : الآن أي سلوكٍ من شأنه أن يفصم هذه العلاقة، أو أن يباعد بين الزوجين، أو أن يفرِّق بينهما، أو أن يلقي بينهما العداوة والبغضاء، أي سلوك، هذا سلوك محرم في الإسلام، ما الدليل ؟ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ )) [رواه أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ] معنى خبب أي أفسد، وهذا الحديث وحده أيها الأخوة يمكن أن تنعقد عليه مجلدات، آلاف الكلمات، آلاف التعليقات، آلاف المواقف، يمكن أن تفسد العلاقة بين الزوج وزوجته، وأنتم لا يخفى عليكم ذلك. أي إذا قالت لها إنسانة خبيثة شيطانة: والله يليق فيك إنسان أحسن من هذا، ماذا قلنا؟ هذه الزوجة كانت غافلة، والله أنا مرغوبة، وهذا الذي أنا تزوجته غير راكز، أصبح في إعراض، أو يقول أحد للزوج ولتكن أمه أحياناً اتركها وسنخطب لك أجمل منها. أي سلوكٍ يفعله رجلٌ أو امرأة من شأنه أن يفسد زوجةً على زوجها أو زوجاً على زوجته، هذا سلوك يبغضه الله عزَّ وجل، فانتبه إلى كثير من الكلمات والتعليقات، البيت صغير يليق بك إنسان أحسن منه، يليق بك إنسانة أحسن منها، أي تعليقٍ شيطاني هذا الذي يقول هذا الكلام شيطانٌ ناطق، إبليس لعين، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( ليس منا من فرَّق)) [الجامع الصغير] المؤمن دائماً يوفِّق، المؤمن على مستوى أخواته المتزوجات دائماً يمتِّن علاقتهن بأزواجهم، عن طريق ترغيب أخته بزوجها، يمتن علاقة زوج بزوجته عن طريق ترغيبه بزوجته، النبي عليه الصلاة والسلام كان يحسِّن الحسن ويقبح القبيح، فالإنسان إذا زار ابنته، أو زار أخته، أو زار امرأة من محارمه، قبل أن يتكلّم ويعلِّق يعد للمليون، لأن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً، كان هناك مودة بينهما، كان هناك وئام، كان هناك سرور، كان هناك احترام متبادل، كان هناك رضا باليسير، كان هناك عش إسلامي كله سعادة، فلما جاءت هذه المرأة الخبيثة الشيطانة فألقت في أُذن هذه المرأة كلاماً حزنتها على حالتها، فلما جاء زوجها نفرت منه، فلما نفرت منه نفر منها، تلاسنا تصايحا، تشاتما، حلف يمين طلاق، هذا درس اليوم، ساعة غضب شيطاني حلف بالطلاق لأن عقد الزواج أقدس عقدٍ في الحياة الإسلامية، لأن عقد الزواج هو العقد الغليظ المُقدس، لذلك أية محاولةٍ لفصم هذه العلاقة، أية محاولةٍ لإضعاف هذه العلاقة، أية محاولةٍ لتحريك هذه العلاقة تحريكاً سلبياً، هذا التصرُّف مُحرمٌ في الشرع الإسلامي. الطلاق صمام أمان للعلاقة الزوجية : لذلك ليس في الطلاق إلا هذا الحديث: (( أَبْغَضُ الْحَلالِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الطَّلاقُ )) [ أبو داود عن ابن عمر] أي طنجرة بُخار فيها صمَّام أمان لئلا تنفجر، نستخدم هذا الصمام لحالات نادرة لئلا تنفجر، لئلا تنفجر فتحرق من في البيت نستخدم هذا الصمام الذي هو الطلاق، أي حينما تغدو علاقة الرجل بامرأته علاقةً مستحيلة، علاقةً سيئة، حينما تغدو الحياة بينهما حياةً شقية، حينما لا يستطيع كلٌ منهما أن يعيش مع الآخر، حينما نخاف على الزوجين أن يفسدا، حينما نخشى عليهما الزنا، حينما نخشى عليهم التحوُّل عن طريق الإيمان، عندئذٍ يأتي الطلاق كصمام أمان لهذه العلاقة الزوجية، لذلك حينما طلب النبي عليه الصلاة والسلام من امرأةٍ أن تراجع زوجها، قالت له: "يا رسول الله إني أكره الكفر بعد الإيمان، فلما قالت له ذلك قال: إذاً طلّقها تطليقة وردي له الحديقة". هذه هي المخالعة، مادمت لا تستطيعين أن تعيشي معه، والحياة لا تطاق، حياة مستحيلة، حياة متفجِّرة، كل يوم مشكلة، تنافر في الطباع شديد والوفاق مستحيل، عندئذٍ يأتي الطلاق كصمَّام أمان، يأتي الطلاق كحلٍ لا بدَّ منه، لكن هذا الحل أبغض الحلول إلى الله. الصلح بين الزوجين : لهذا حينما ذكر الله عزَّ وجل موضوع الصلح بين الزوجين قال: ﴿ وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [ سورة النساء: 128] وحينما ذكر الله عزَّ وجل أن ابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها قال: ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ﴾ [سورة النساء: 35 ] أي أن التوجه في موضوع التحكيم في الزواج توجه نحو المصالحة، لذلك من أفضل الأعمال أن يمكنك الله عزَّ وجل من أن توفِّق بين زوجين، من أن تصلح بين زوجين، أنا أقول الكلام لمن؟ للشباب أو الرجال الذين لهم أخوات متزواجات. مرة شكا لي أخ فقال لي: كنت أشكو همي لأخ زوجتي، أتكلم له عن طباعها وعن تقصيرها، فقال لي: طلقها، فهذا سكت دهراً ونطق كفراً.. سكت، وسكتْ وسكت وقال له: طلقها وارتح منها، فهل هذا هو الحل؟ فكل واحد له أخوات بنات، ومن الأعمال الجليلة - أنا أقول كلاماً دقيقاً جداً - من الأعمال الجليلة أن يتفقد أخواته البنات، فإذا كان هناك مشكلة بينها وبين زوجها يصلح بينهما، هو المؤهَّل، فهذه أخته وهذا صهره، هو المؤهل أن يصلح بينهما، فهذا الموقف: ما هذا العي؟ لا أريد وجعاً لرأسي، هذا موقف المنافقين، هذا موقف أهل الدنيا، أما المؤمن فيسعى للإصلاح بين الزوجين، ولا سيما إن كانت الزوجة أخته، من باب أولى، فكل إنسان عنده أخوات متزوجات، لماذا الزيارة؟ زرها من حين إلى آخر، تفقد أحوالها اسألها عن زوجها، عن علاقتهم، إن شاء الله تكوني مسرورة وهناك وفاق و مودة؟ ذكر لي أخ قصة لا أنساها له، قال لي: مرة دخلت على أختي فوجدت خصومة بينها وبين زوجها، والخصومة على مبلغ ثلاثمئة ليرة في الشهر والقصة قديمة، فقام هذا الأخ بالتبرع بالمبلغ، فهي تريد مبلغاً من راتبه للكسوة، وهو ليس معه، ودخله لا يكفي للطعام، هي تريد مبلغاً وهو رفض، ويظهر أنهم تصايحا وتلاسنا في وقت دخول هذا الأخ، فأراد حسماً لهذه المشكلة، قال لها: يا أختي هذا المبلغ خذيه مني، فانتهت المشكلة، قال لي: والله في كل شهر أطرق الباب وأعطها ثلاثمئة ليرة، يقول لي: في الشهر السادس، طلبت منه أخته أن يلقي عليهم درساً، عليها وعلى أخواتها وعلى بناتها، فصار مجلس علم، فحضَّر لهم آية قرآنية يفسرها، وحديثاً شريفاً، وحكماً فقهياً، وقراءة قرآن، وحفظ قرآن، فالأخوات تحجبن، بناتهن كذلك تحجبن، وقال لي: الله أكرمني وزوَّجت عدة بنات من بنات أخواتي لأصهار مؤمنين، فكان هذا المبلغ الذي حلَّ به مشكلة في البيت سبباً للهدى، وأصبح توجه أسرتين أو ثلاث توجهاً دينياً، والله أكرمهم بأزواج مؤمنين، فأنا هذا الكلام أقوله لأنه لا يوجد إنسان ليس عنده أخوات متزوجات، أما كلمة ليس لي دخل، هذا كلام شيطان، فمن لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، هناك قول: "من مشى بتزويج رجلٍ بامرأةٍ، كان له بكل كلمةٍ قالها وبكل خطوةٍ خطاها عبادة سنةٍ قام ليلها وصام نهارها " وهناك قول آخر: "امش بجنازة ولا تمشي بزواجة" أيهما أصح؟ أن يقول الإنسان قولاً يقطر حكمةً، ويقطر إحساناً، ويقطر رحمةً، أم أن يقول قولاً كلّه كلام شيطاني إذاً: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا)) [ أبو داود عن أبي هريرة] انتبه، في زياراتك لأقربائك، أحياناً يكون لك خالة زوجها فقير تشكي لك فقره، أنت كن ذكياً، بيِّن قيمة الصحة، بيِّن أخلاقه العالية، بيِّن أنه ورع، فهي تطمئن وتقول لك: الله يجزيك الخير طمأنتني، والله ارتحت الآن، فأنت بهذا العمل أرحتها، لك خالة وعمة، وبنت أخ وبنت أخت، أخوات بنات، ليس منا من فرق.. (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا)) [ أبو داود عن أبي هريرة] أية امرأة سألت زوجها الطلاق من غير بأس حرمت الجنة : الآن سنأخذ الطرف الآخر، امرأةٌ سألت زوجها الطلاق من غير بأسٍ، قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه ثوبان عن رسول الله أنه قال: (( أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ)) [ الترمذي عن ثوبان] الآن أقل كلمة تقولها المرأة :تضرب هذه العيشة. لو صار معها مشكلة بكليتيها تصيح و تصرخ، ولو صار معها مشكلة بجسمها تصيح وتستريح، فهذه الكلمة فيها كفر، كفر بنعمة الله عزَّ وجل. (( أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ)) [ الترمذي عن ثوبان] ![]() كأن تقول له: طلقني، أنا أنتظر أن تطلقني، لا يوجد داع لذلك، فأنت ساكنة في بيت، والأمور ميسرة كلُّها، وهذا التنافر في الطباع بسيط، ولأسباب تافهة تقول رأساً: طلقني، فهذا حمق، حمق من جهة، وكفر بالنعمة من جهة أخرى. أتمنى وأرجو الله عزَّ وجل ألا تقول امرأةٌ مؤمنةٌ في كل حياتها لزوجها: طلقني، أرجو الله عزَّ وجل أن يلهم الأخوات المؤمنات الحكمة، كلمة طلقني كلمة فيها كفر بنعمة الزواج، أحياناً امرأة ترى امرأةً أخرى لها زوج ولها أولاد قد تتألم، قد تتمنى أن يكون لها زوج، فهذه امرأةٌ حُرمت نعمة الزواج لحكمةٍ أرادها الله، ولعلها أرقى عند الله من هذه المتزوجة، فالدنيا فانية ومؤقتة، لكن الشيء محبب، فالمرأة التي حرمت نعمة الزواج لا ينبغي لامرأةٍ أكرمها الله بنعمة الزواج أن تكفر بهذه النعمة، أن تقول لسببٍ أو لغير سبب: طلقني، انتبهوا، علموا بناتكم، علموا زوجاتكم، كلمة ( الطاء واللام والألف والقاف ) هذه كلمةٌ ملغيةٌ في قاموس المؤمن ( الطاء واللام والألف والقاف ) لا يوجد بيت لا يوجد فيه مشكلة حتى نكون واقعيين، لا يوجد زوجان لا يتشاحنان، شيء طبيعي يتشاحنان، يتحاربان، يتصالحان، يزْوِرها، تزْوره وهكذا، يتكلم ولكن خلال يومين ينتهي الأمر، أما الطلاق فاذهب لعند المشايخ، تدق عليه بابه فيقولوا لك: ليس هنا، فتسألهم عن موعد مجيئه؟ سيحضر في اليوم الثاني، ترجوهم وتسألهم وتأخذ فتواهم، هذا قال لك: طلقت، لا حول الله، وهذا يقول لك: لم تطلق أنت كنت غاضباً، وذهبت عند الأول قلت له: أنا غضبان، قال لك: ماذا تعني كلمة غضبان هل أنت مجنون؟ الغضب الذي نص عليه الفقهاء هو: ألا تعرف السماء من الأرض، والطول من العرض، أي غضب هذا، فهذا الشيخ قال لك: غضبان، لا لمْ تطلق، والآخر قال لك: لا لم تكن غضبان، اقعد وحدد مقدار الغضب الذي ينطبق عليك حكم الغضب. أنا أتمنى على الأخ ألا يتصرف هذا التصرف فيصبح نُهبة وعُرضة لفتاوي العلماء لذلك: (( أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا طَلاقًا مِنْ غَيْرِ بَأْسٍ فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ)) [ الترمذي عن ثوبان] بالمقابل زوج، تعبت، وجهدت، وصمدت، حتى اشتريت هذا البيت وفرشت هذا البيت وحتى خطبت هذه الإنسانة وحتى استقريت معها، لأنه أصبح في مشكلة في البيت ولم تلبِّ لك طلباتك فوراً تقول لها: طالق بالثلاثة، بالثلاثة فوراً، إن حللك شيخ يحرمك عشرة، هذه يقولونها كثيراً، ما هذا الكلام الفارغ؟ أنا لا أنطلق من هراء، أنا أنطلق من حالات أستمع إليها دائماً، مشكلات أُعانيها، هذا واقع مجتمعنا المسلم يوجد تقصير وهناك جهل أيضاً. نهي النبي عن أن تكيد امرأة لأُختها حتى تُطلق لتحل محلها : الآن: ((لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ صحفتها ولتنكح، فإنما لها ما قدر لها)) [ البخاري عن أبي هريرة] النبيّ الكريم نهى، وهذه مؤامرات، تجد إنسانة متزوجة، امرأة أُخرى تكيد لهذه المتزوجة حتى تسبب طلاقها من زوجها، بعد أن يُطلقها تعرض نفسها عليه، هذا شيء واقع، واقع بكميات كبيرة جداً، بحالات كثيرة، أن امرأة تكيد لأُختها حتى تُطلق من زوجها لتحل محلها، فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى أيضاً عن هذا السُلوك الشائن، والسلوك الذي لا يرضي الله عزّ وجل. حتى الآن الموضوع حول أن أقدس عقدٍ في الحياة الإنسانية هو عقد الزواج: ﴿ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً ﴾ [ سورة النساء : 21] الزوج ليس له الحق أن يُطلق لسببٍ تافه، وفي هذا التطليق كفرٌ بنعمة الزواج، والزوجة ليس لها الحق أن تسأل زوجها الطلاق لسببٍ تافهٍ، ولا يحق أيضاً لمرأةٍ أن تخبب امرأةٍ على زوجها، أو أن تخبب زوجاً على امرأته، كما أنه لا يحق لرجلٍ أن يخبب امرأةٍ على زوجها ليتزوجها، كذلك لا يحق لامرأةٍ أن تخبب زوجاً على زوجته لتحل محلها، هذا حرام وذاك حرام. الحاجة الماسة التي تُبيح الطلاق : ![]() العلماء والفقهاء اختلفوا في حكم الطلاق، وأصح من هذه الآراء، رأي الذين ذهبوا إلى حظره إلا لحاجة، أصح الآراء في هذا الموضوع أن طائفةً من العلماء حظروا هذا الحكم إلا لحاجةٍ ماسة، أي أن الطلاق لا بد له من سببٍ وجيه، لا بد له من عُذرٍ بالغ، لا بد له من حالةٍ مستعصية، في الحالات المستعصية، في الأسباب الخطيرة، في العذر البالغ، يمكن أن نوافق على الطلاق، من أين استنبط هؤلاء العلماء هذا الحكم أنه محظورٌ؟ الطلاق محظور إلا لحاجةٍ ماسة، هذا عند الأحناف والحنابلة، استدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( لعن الله كل ذواقٍ مٍطلاق)) [فقه السنة] كلمة لعن تفيد أن هذا الشيء من الكبائر، لعن، أبعد، مطلاق على وزن مفعال أي كثير الطلاق، يتزوج ويُطلق، الأحناف والحنابلة رأوا أن الطلاق حكمه محظورٌ إلا لحاجةٍ ماسة، استنباطاً من قول النبي عليه الصلاة والسلام: (( لعن الله كل ذواقٍ مٍطلاق)) ما هذه الحاجة الماسة التي تُبيح الطلاق ؟ العلماء قالوا: أن يرتاب الزوج بسلوك زوجته، أي ليس مطمئناً لعفة زوجته، ليس مطمئناً لطهارتها، يخاف إذا غاب عن البيت أن يدخل عليها رجل، يخاف أن تنجب طفلاً من غيره، هذه الأسباب الوجيهة في الطلاق هكذا نص العلماء، من هذه الضرورة التي تبيح الطلاق أن يرتاب الرجل من سلوك زوجته، ليس مطمئناً، تزيغ، هذا سبب وجيه. يوجد سبب آخر وهذا السبب أخشى أن أقوله ببساطة، لئلا يفهم فهماً ما أردته، أي إذا خاف على نفسه أن يقع في الزنا في بقائه مع هذه الزوجة حلّ له طلاقها، أي زوجة لا يمكن أن تُحصنه، وفهمكم كفاية، إذا استحال أن يحصن بهذه الزوجة أي مادامت عنده، يخشى على نفسه أن يزني، هذه حالة أُخرى العلماء جعلوها سبباً موجباً أو مبرراً أو مقبولاً في الطلاق، إما أنه يشك في أخلاقها، في سلوكها، يشك في عفتها، لا تردُّ يدَ لامسٍ كما سئل عليه الصلاة والسلام، قال له: " إن امرأتي لا ترد يدَ لامس " شك في طهارتها، في عفتها، في استقامتها، يخشى أن يأتيه ولدٌ من غيره، هذا سبب وجيه من أسباب الطلاق، وقد ورد في الحديث الشريف: (( لا تطلق النساء إلا من ريبة )) [ الطبراني عن أبي موسى] أو أنه لا يستطيع أن يكون محصناً مع هذه المرأة، الطلاق مقبولٌ أيضاً إذا أقر الحكمان أن بين الزوجان شقاقاً ليس له حل، وحله الطلاق، أحياناً الحكمين، حكمٌ من أهله وحكمٌ من أهلها، هذان الحكمان يُقرران أن الطلاق هو الحل. أنواع الطلاق : الطلاق الواجب، إذا أقرّ الحكمان أن الشقاق بين الزوجين لا يزول، وأنه يتفاقم، وأن هذا الشقاق ربما أدى إلى مفسدة كبيرة، ربما أدى إلى انحراف خطير، فعندئذٍ الطلاق واجب، أما الطلاق المحرم فقال: هو الطلاق من غير حاجةٍ إليه، وإنما كان حراماً لأنه إيقاع الضرر بنفس الزوج ونفس الزوجة، هذا الطلاق لا يوجد أسباب موجبة، فهي مقبولة عنده ومقبول عندها، وينفق عليها، ويسكنها في بيت وحدها، انتهى الأمر، مقبولةٌ ومقبول، وينفق عليها، وهي في بيتٍ مستقلةٍ به، لأسباب مشادة ومشاحنة تنفصم هذه العلاقة، يُحرم منها، وتُحرم منه، ويشرد الأولاد هذا طلاقٌ محرم. الواجب هو حينما يرى الحكمان أن الطلاق خيرٌ من البقاء، حكمان عدلان منصفان متبصران، فهما جلية الأمر، فهما أبعاد المشكلة، رأيا أن هذا الزواج لا يمكن أن يستمر، هذا الطلاق الواجب، الطلاق المحرم طلاقٌ من غير حاجة، لأنه إتلاف للمال، إضرار للنفس؛ بنفس الزوج ونفس الزوجة، وتضييعٌ للأولاد، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ )) [ابن ماجة عن ابن عباس] وفيما رواه أبو داود عَنْ مُحَارِبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( مَا أَحَلَّ اللَّهُ شَيْئًا أَبْغَضَ إِلَيْهِ مِنَ الطَّلاقِ )) [ أبو داود عن محارب] الواجب عرفناه، والمحرم عرفناه، أما الطلاق المباح الذي يكون عند الحاجة كما قلت قبل قليل، فحينما يشك في سلوكها، حينما يشك في عفتها، حينما يخشى أن تنجب من غيره، أو حينما لا تحصنه إطلاقاً، بل ربما دفعته إلى الانحراف، أما المباح إذاً لسببٍ مقبولٍ في نظر الشرع. وهناك طلاق مندوب قال: الطلاق الذي يكون عند تفريط المرأة في حقوق الله الواجبة عليها، سافرة، لا تُصلي، لا تحب الدين إطلاقاً، تُهاجم الدين، تُربي أولادها تربيةً فاسدة، تُبعدهم عن بيوت الله، هذا الطلاق المندوب، أصبح عندنا طلاق واجب، وطلاق مباح، وطلاق محرم، وطلاق مندوب. أنا أرى أن موضوع الطلاق موضوع يجب أن يقف على دقته وأبعاده كل الشباب، وأكمل شيء في الطلاق أن تتزوج امرأةً لا تحتاج أن تُطلقها، كيف؟ عليك أن تتزوج امرأةً لا تحتاج إلى تطليقها، أي ادرس الأمر جلياً، اسأل عن أخلاقها، عن أسرتها، عن والدتها، عن والدها، عن مستواها، مستواهم الديني، الدين عندهم مقبول، غير مقبول، يوجد تربية طيبة، يوجد فهم، أي عُدّ كثيراً، عُدّ للآلاف قبل أن توافق، أي أن تتزوج امرأةً لا تحتاج معها أن تُطلقها، هذا هو أكمل شيءٍ في موضوع الطلاق. الطلاق من حق الرجل وحده : ![]() قال: الطلاق من حق الرجل وحده، قد يجد الإنسان هناك من يُهاجم الدين فالبعيدون عن الله عزّ وجل، المتمسكون بالشرائع الوضعية لا يُعجبهم ذلك، الزوج تكلف، مادام هو المنفق، هو المتضرر بإنفاق المال الكثير لتحقيق هذا النفع في الزواج، فمن حقه وحده أن يطلق، فالشرع الحنيف جعل حق الطلاق بيد الرجل وحده، لماذا؟ أيهما أحرص على بقاء الزواج؟ الزوج أم الزوجة من الوجهة المادية؟ الزوج لأنه أنفق، المنفق هو الأحرص على بقاء الشيء، مادام الزوج أنفق، وتجشم المتاعب حتى حصل على هذا الزواج، وهو المتضرر مادياً، إذاً من حقه هو أن يُطلقها، أما هي مزاجية فلسببٍ أو لآخر لو كان الطلاق بيدها لا يبقى زواج ولا في المئة واحد، فلحكمةٍ أرادها الله عزّ وجل وهو الخالق الخبير جعل الطلاق من حق الرجل وحده، فإذا أراد تطليق امرأته عليه أن يعطيها مؤخر المهر، ومتعة الطلاق، وأن ينفق عليها مدة العِدة " دائماً الزوج لأنه أنفق فهو أصبر على ما ينغِّص الزواج، والزوجة لأنها لم تنفق أقرب إلى أن تفصم عُرى هذا الزواج، فلذلك الشرع الحكيم جعل حق التطليق بيدِ الرجلِ وحده، أما الزوجة فيوجد لها صمام أمان، أي حينما الزوجة تجد أن الحياة معه مستحيلة، بإمكانها أن تفتدي نفسها منه، أي أن تسامحه بكل مالها عنده، عندئذٍ تكون المخالعة، قال له:" طلقها تطليقة وردِي له الحديقة " فنحن عندنا قاعدة، إذا أمر القاضي بالتفريق بين الزوجين فهذا التفريق طلاقٌ أوقعه القاضي، وإذا أراد الزوج إنهاء هذه العلاقة فهو الطلاق، وإذا أرادت الزوجة إنهاء هذه العلاقة، فهي المخالعة، يوجد عندنا مخالعة، وطلاق، وتفريق، التفريق من طرفٍ ثالث وهو القاضي، والطلاق من طرف الزوج، والمخالعة من طرف الزوجة. تفاصيل في الطلاق : الآن دخلنا في تفاصيل الطلاق، يقع الطلاق من الزوج العاقل، فالمجنون لا يقع طلاقه عند معظم العلماء، البالغ الصغير لا يقع طلاقه، يجب أن يقع الطلاق من العاقل والبالغ والمختار، أما المُكره فلا يقع طلاقه، إذا أُكره إنسان تحت قوة السلاح أن يطلق، طلاقه لا يقع، طلاق المجنون والصبي والمكره طلاقٌ يعد لغواً لا أثر له في فصم هذه العلاقة، فقد ورد في سنن لأبي داود عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلام عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (( رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثَةٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ )) [ أبو داود عن علي] وفيما رواه الترمذي والبخاري: ((كُلُّ طَلاقٍ جَائِزٌ إِلا طَلاقَ الْمَعْتُوهِ الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ )) [ الترمذي و البخاري عن أبي هريرة] وفي درسٍ آخر إن شاء الله أتحدث عن طلاق المُكره، وعن طلاق السكران، وعن طلاق الغضبان، وعن طلاق الهازل، وعن طلاق المخطئ، وعن طلاق الغافل والساهي، وعن طلاق المدهوش، ثم ننتقل إلى المرأة التي يقع عليها الطلاق، ونتابع هذا الموضوع إن شاء الله، على أن ننهيه في درسين أو ثلاثة، لأن هذا الموضوع يجب أن يكون عند الأخوة الكرام موضوعاً أساسياً، المتزوج وقايةً، والمتزوج الذي تورَّط في طلاق علاجاً، والشاب تعلماً. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#2 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس ( الثانى ) طلاق المكره الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علَّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الطلاق : أيها الأخوة الأكارم... قلت لكم من درسين سابقين، إن الموضوعات التي نحن في أمسِّ الحاجة إليها هي التي أختارها لكم بفضل الله عزّ وجل، ولماذا اخترت موضوع الطلاق؟ لأن كل خمسة سائلين، أربعةٌ منهم أو ثلاثةٌ منهم سؤالهم متعلقٌ بالطلاق، ولأنني أُفاجأ أحياناً أن أخاً كريماً مؤمناً من طلاب العلم الشرعي يتورَّط ويحلف يمين طلاق، ولشدة ما أرى من معاناة المطلقين، وضياعهم بين المفتين، وقلقهم، وحيرتهم، وطمأنينتهم تارةً إلى بعض الفتاوى، وقلقهم من بعض الفتاوى، اخترت هذا الموضوع. ![]() شيءٌ آخر، هو أن الإنسان ينجح في حياته العامة، كل واحد له مهنة، له حرفة، له وظيفة، له صنعة، له اختصاص، قد تنجح نجاحاً باهراً في حياتك العملية، وقد تُخفِق إخفاقاً ذريعاً في زواجك، وكما تعلمون الزواج والعمل شيئان لاصقان بحياة الإنسان، فإذا نجحتم في أعمالكم، أو في تجارتكم، أو في صنعاتكم، أو في اختصاصكم، أو في دراساتكم، أو في وظائفكم، لا بد من أن تكملوا هذا النجاح بنجاحكم في بيوتكم، بل إني لا أُبالغ إذا قلت: إذا نجح الإنسان في بيته انعكس نجاحه في بيته على عمله طمأنينة، وراحة بال، والله سبحانه وتعالى رفع صلاح البال إلى مستوى الهدى حينما عطف صلاح البال على الهدى، والمتعاطفان من لوازهما التجانس، سيهديهم ويصلح بالهم، وهل من صلاح بالٍ أعظم من سعادة الإنسان في بيته؟ هذا الكلام لا يعني أن الإنسان لا يعاني من بعض المشكلات ، فمن الطبيعي جداً أن يتباين طباع الزوج والزوجة تبايناً مقبولاً بحدود معينة، في حدود عشرة بالمئة مقبول، أما إذا اختار المؤمن امرأة لدينها فالتباين يقل، الخلاف يقل، على كل لم أطرح هذا الموضوع على أسماعكم إلا لاعتقادي ويقيني أننا في أمس الحاجة إليه. البحث عن أمر الله أهمّ ما يميز المؤمن : قد يقول شاب: أنا لم أتزوج بعد، وقاية، لكنك إذا أقدمت على الزواج توجد عندك ذخيرة، ومعلومات دقيقة جداً فقهية متعلقة بشأن الزواج والطلاق، وقد يقول الناجح في حياته الزوجية: أنا لست بحاجةٍ إلى هذه الموضوعات، نقول له: الشرع الإسلامي إن لم تكن بحاجةٍ إليه يمكن أن تهتدي إلى الله من خلاله، فالشرع له وظيفتان، وظيفةٌ نفعيةٌ تطبيقية، ووظيفةٌ إرشاديةٌ دلالية، وإذا إنسان واقع في مشكلة فالحل موجود، على كل يؤلمني أشد الألم أن أرى المسلم طالب العلم الشرعي الذي يرتاد المساجد، يعاني من مشكلاتٍ مشابهةٍ مما يعاني عامة الناس، فأين إيمانك ؟ وأين فضل إيمانك ؟ فهل الإسلام يا ترى صلاة وصوم فقط عبادات، وفيما سوى العبادات نحن سواء، يا ترى الفاجر في بيته كالمسلم في بيته ؟ علاقة تارك الصلاة بأهله كعلاقة المُصلي ؟ بيت المسلم كبيت غير المسلم ؟ شيء غير معقول إطلاقاً أن تجد تشابه بين مسلم وغير مسلم، إذا كان هناك تشابه فالإسلام ليس له فائدة، الإسلام أصبح عبئاً على الإنسان، أصبح المسلم عليه أن يُصلي، وعليه أن يصوم، وعليه أن يُزكي، حياته الخاصة الداخلية، وعمله، وتجارته، وبيعه وشراؤه، وسُكناه، مشابهة لغير المسلم، يعاني ما يعاني أي إنسان ![]() فإن لم يكن هناك فرقٌ جوهري بين حياة المسلم وحياة غير المسلم، بين حياة المؤمن وحياة غير المؤمن، بين حياة الملتزم وحياة غير الملتزم، فهذا الدين عندئذٍ لا جدوى منه، والإنسان وقته ثمين جداً، لكن نحن حين نرتاد المساجد ونطلب العلم الشرعي، من أجل ماذا ؟ من أجل أن نعيش حياةً كما أرادها الله، من أجل أن نربي أولادنا كما أراد الله، من أجل أن نحقق ذواتنا، من أجل أن نكون على الصراط المستقيم الذي أراده الله عزّ وجل. فأنا قناعتي أن المؤمن أهم ما يميزه عن غير المؤمن أنه يبحث عن أمر الله، يبحث عن الأمر والنهي، يبحث عن الحكم، فالله عزّ وجل في هذا الموضوع ماذا يريد ؟ في كل بيت يوجد ملايين المشكلات، يا ترى إذا دخلت إلى البيت وجدت مشكلة، كيف تتصرف ؟ وفق ما يمليه الهوى ؟ وفق ما يمليه المزاج العصبي ؟ وفق عاداتٍ باليةٍ أخذتها عن أُمك وأبيك ؟ وفق نزوات الجاهلية ؟ وفق آراء أصدقائك ؟ يجب أن تتصرف وفق ما يمليه الشرع عليك ، هذا الذي أتمنى عليك. أنا والله أسعد أيها الأخوة جداً حينما يبلغني أن أحدكم سعيدٌ في بيته، ونحن أُسرة واحدة، لا أظن أن أحدكم قد يكون شقياً في بيته ومزعوجاً في بيته وأنا أكون مرتاحاً، لأنه سوف يقول لي: هكذا صار معي ومزعوج، هكذا تفعل معي، ماذا أفعل أُطلقها ؟ أبقيها ؟ فعندما يكون الأخ ناجحاً في زواجه، سعيداً في بيته، أنا أعدُّ هذا دليلاً على صحة إيمانه، دليلاً أنه متمثِّل لأوامر الشرع. فالنبي عليه الصلاة والسلام، جاء ليعلمنا كيف نعيش ؟ كيف نتزوج؟ كيف نحافظ على زوجاتنا ؟ لذلك الموضوعات التي وردت في الدرس الماضي، والتي سوف ترد في هذا الدرس، هي موضوعاتٌ في أمس الحاجة إليها. الطلاق لا يكون إلا بحالاتٍ قاهرة : في الدرس الماضي بيَّنت لكم أن الطلاق منه ما هو واجب، ومنه ما هو مباح، ومنه ما هو مندوب، ومنه ما هو حرام، والطلاق لا ينبغي أن يكون إلا لحالاتٍ قاهرة، كأن تشك في سلوكها، كأن تشك أن أولادك ليس منك، هذه حالة الارتياب بسلوك الزوجة، كما ورد في الحديث الشريف: (( لا تطلق النساء إلا من ريبة )) [كشف الأستار عَنْ أَبِي مُوسَى] أو لا تستطيع الزوجة أن تكون مُحصنة لك، هذه حالة ثانية، وما سوى ذلك فالطلاق مكروه كراهة تحريم، لأن فيه إتلاف للمال، وفيه إيذاء للمرأة، وفيه ضياع للأولاد، وأتمنى على كل أخ كريم قبل أن يفكر في الطلاق أن يتصور أولاده عند امرأة غريبة لا تحبهم ولا ترعى شأنهم، وتفعل كل شيءٍ بحيث تؤذيهم، أو تبعدهم عن أبيهم. أنواع الطلاق : 1 ـ طلاق المكره : أكثر شيء ورد في الموضوع طلاق المكره، وطلاق السكران، وطلاق الغضبان وطلاق الهازل والمخطئ، وطلاق المدهوش. طلاق المكره لا يقع، لماذا ؟ قال: لأن المُكره ليس له إرادة، ليس له حرية، والإرادة أساس التكليف، ما لم تكن حراً فلست مكلفاً، فإذا انتفت عنك حرية الإرادة إذاً كل شيءٍ يترتب على إكراهك باطل، أنت مسلوب الإرادة، فقد ورد في سنن ابن ماجة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أن النبيّ عليه الصلاة والسلام قال: (( إِنَّ اللَّهَ وَضَعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ )) [ابن ماجة عن عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] ![]() لو أن أحداً أجبرك على كلمة الكفر، لا تكفر، لقوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [ سورة النحل: 106 ] إذاً انتبه الآن إلى حكم دقيق، هو أن كل عملٍ يقع منك اختياراً، بمحض اختيارك، بإرادتك، برضاك، دون ضغط، أو دون إكراه، هذا العمل مسؤول عنه مسؤوليةٌ تامة، أما إذا نُفيت الإرادة، فصار هناك إكراه، وأصبح هناك ضغط، عندئذٍ سُلبت إرادتك، وبالتالي لا يقع منك نتائج هذا التصرُّف، لكن الإمام أبا حنيفة وحده قال: طلاق المكره واقع ، ويبدو أن الأئمة الثلاث حجتهم أقوى، عند الأحناف طلاق المُكره واقع. أي لا يستغرب أحدكم لو سأل أول شيخ، وثاني شيخ، وثالث شيخ، ورابع شيخ دون أن يعلم خلفيات هؤلاء المشايخ، ومذاهبهم الفقهية، وطريقتهم في معالجة هذه الأسئلة، إذا لم يعلم الخلفيات يُصعق من اختلافهم في الفتوى، أي لو سألت مُفتياً حنفياً متشدداً في حنفيته، أو متعصباً لها، لأعطاك فتوى في الطلاق تختلف عن مفتٍ آخر ليس متعصباً لحنفيته، أو أفتى لك على مذهبٍ آخر، فالأحناف وحدهم يرون أن طلاق المُكره يقع، ويقول بعض العلماء: ولا حجة لهم فيما ذهبوا إليه، فضلاً عن أنهم خالفوا جمهور الصحابة . المُكره لو كفر، لا يكفر لو نطق بالكفر لا يكفر، الكفر أهم من الطلاق أليس كذلك؟ وفي آية كريمة: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [ سورة النحل: 106 ] النبيّ الكريم قال له : (( وإن عادوا فعد ولا شيء عليك )) أنساب الأشراف للبلاذري عَنْ عَبْدِ الْحَكِيمِ بْنِ صُهَيْبٍ] إذا كان المكره لا يؤاخذ بكلمة الكفر، فلأن يؤاخذ بيمين الطلاق من باب أولى، هذا موضوع طلاق المكره، ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه. 2 ـ طلاق السكران : أما طلاق السكران، الآن اختلف الأمر، ذهب جمهور الفقهاء إلى أن طلاق السكران يقع فلماذا ؟ نريد الدليل؟ العقل مغذ يغذي الإنسان. مرة أخ قال لي كلمة، روى لي حديثاً شريفاً، والحديث معروف وصحيح أنه: ((إِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ وَصُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ)) [مسلم عن أبي هريرة] أي لو قال الإنسان: لو أن الله عزَّ وجل تكرم علينا و تركهم موثقين طوال السنة ألا يريحنا بذلك؟ كنا سندخل جميعاً إلى الجنة، ونرتاح من الوساوس، ومن المعاصي والذنوب والآثام، فلماذا فك قيدهم في شوال ؟ هؤلاء الشياطين قد أهلكونا !! في شوال أفلتهم علينا، إحدى عشر شهراً و هم غير مقيدين وربطهم في شهر واحد والحديث صحيح؟ هناك فرق كبير بين أن تفسر حديثاً تفسيراً غير معقول، وبين أن تفسر حديثاً تفسيراً معقولاً، ما معنى : إذا جاء رمضان صفدت الشياطين أي قيدت ؟ وقد ضربت مثالاً لذلك: إذ كان هناك محل لبيع الخمور، ضمن حي فيه مئة شاب وهؤلاء المئة شاب تابوا كلهم، هذا المحل ألا يغلق؟ فأنت حينما تتوب إلى الله، وحينما تغض البصر، وحينما تؤدي زكاة مالك، وحينما تقرأ القرآن، وحينما ترضي الله الشيطان ألغيت له عمله، وكأنك قيدته، فيمكن أن يفسر الحديث تفسيراً غير معقول، معنى الحديث أن الإنسان إذا تاب إلي الله عزَّ وجل قيَّد الشيطان حكماً. الآن أنت يمكن أن تذهب إلى بائع تقول له: أغلق دكانك، أو كأن تمسك الغلق وتنزله، ويمكنك أن تمنع أحداً أن يقف أمامه، أول مرة أغلقته قهراً، الثاني أغلقته حكماً أليس كذلك؟ إذا منعت أي إنسان أن يدخل إلى هذا المحل، وعملت حرساً على منافذ المحل التجاري، فكأنك أغلقته حكماً . إذاً السكران لماذا يقع طلاقه ؟ لأنه سكر باختياره، المكره ليس باختياره، المكره واجه شخصاً معه سلاح قال له: احلف على زوجتك بالطلاق، فحلف ونجا بحياته، نقول: طلاقه لا يقع على رأي جمهور الصحابة وعلى رأي الأئمة الثلاث، لكن طلاق السكران لماذا يقع؟ لأن السكران اختار السُكر باختياره، هو الذي اختاره، لكن انظر لدقة العلماء. بالمناسبة أي موضوع تسأل عنه مفتياً، أو عالماً، أو طالب علم، أحياناً أنا أبدأ بكلمة واحدة، يسألني أحد سؤالاً، فأقول له: هذا الموضوع خلافي، ما معنى خلافي ؟ أي يوجد علماء أجازوا، و علماء منعوا، لهؤلاء أدلة، ولهؤلاء أدلة، فهذا الموضوع خِلافي، وكل موضوع خِلافي فيه بحبوحة، أي إذا أخذت بالذين أجازوا معك الدليل، وإذا أخذت بالذين منعوا معك الدليل، وأية عبادةٍ، أو أي سلوكٍ يغطيه أحد المذهب الأُصولية فهو صحيح عن علمٍ أو عن غير علم، إذاً حينما تسأل طالب علمٍ ويقول لك: هذا الموضوع خِلافي، فانتبه، إذا قال لك: خِلافي، معنى هذا فيه بحبوحة، لهذا قيل: الأئمة الأربع رحمهم الله تعالى اجتماعهم حُجةٌ قاطعة. أحياناً في كتب الفقه يقول لك: ما اتفق عليه الأئمة الأربع ، وهذا شيء خطير جداً، أربع علماء اتفقوا على شيء، وأحياناً يقول لك: في الموضوع خلافٌ على تفصيل المذهب، إذاً صار هذا موضوع خِلافي، طلاق السكران الجمهور، ليس جمهور الناس بل جمهور الفقهاء، لأن الله عزّ وجل قال: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [ سورة الأنعام: 116 ] هذا يقول لك :أنا مع الناس، معنى هذا أنه على ضلال، مرة عالم كان بحضرة خليفة، والخليفة مختلف مع عالم آخر على قضية، فجاء بهذا العالم الثاني وجعله حكماً، وقال له: ما قولك ؟ هنا خليفة، وهنا عالم، قال له: الأكثرون مع رأيك يا سيدي، لم ينتبه وفرح الخليفة أنه على حق، فلما خرج قال له: أي على باطل، قال له: كيف ؟ قال له: ألم يقل الله عزّ وجل: ﴿ وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ [ سورة الأنعام: 116 ] الأكثرية معك يا سيدي، معناه ليس على حق، على كل طلاق السكران الجمهور قالوا: إن طلاق السكران يقع، لأنه تسبب بإدخال الفساد على عقله بإرادته، فأحياناً الإنسان يفعل الشيء بإرادته، الآن كل شيء نتج عن هذه الإرادة يتحملها، لو فرضنا قال لك: ابق هذا الجهاز مشتعلاً طوال الليل، أصبح في البيت حريق وهو المسؤول، نتج حريقاً لإبقاء الجهاز مشتعلاً، الحريق من نتائج اختياره، يا أخي: أنا اخترت إبقاءه فقط مشتعلاً، لا، وعليك أن تتحمل نتائج اختيارك، فطلاق السكران جمهور الفقهاء على أنه يقع، قال: وقال قومٌ لا يقع، لأنه لهوٌ لا عبرة به، لأن السكران والمجنون سواء، إذ أن كل منهما فاقد العقل الذي هو مناط التكليف، ولأنه سبحانه يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [ سورة النساء: 43 ] معناها السكران لا يعلم ما يقول ، الآن سؤال وهو محرج: السكران لا يعلم ما يقول، إذاً الذي يصلي ولا يعلم ما يقول ؟ في حكم السكران، السكران الذي لا يعلم ما يقول والذي لا يعلم ما يقول ولا يشرب الخمر فهو في حكم السكران، لذلك: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ [ سورة الماعون: 5] قال أحد العلماء: إن الله تفضل علينا بهذه الآية، لو قال: والذين هم في صلاتهم ساهون، لهلكنا جميعاً . انظر بين كلمة في و كلمة عن، عن صلاتهم ساهون، يوجد لوم كبير، أما لو قال: في صلاتهم ساهون، معناها أن الصلاة لا تقبل إلا إن كنت حاضر القلب مع الله، وبعض الأئمة المتشددين قالول: "الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها بل من فرائضها" لقوله تعالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ*الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ [ سورة المؤمنون: 1-2 ] يوجد رأي أنا رأيته وجيهاً، يوجد عندنا مبدأ في القوانين، أن الإنسان لا يُعاقب مرتين لذنبٍ واحد، بينما السكران إذا ضبط متلبساً بالسُكر يُعاقب بأن يُجلد ثمانين جلدة، أليس كذلك ؟ نعاقبه مرتين، مرةً بجلده ثمانين جلدة، ومرةً بأن يقع طلاق امرأته منه، يكون قد عاقبناه مرتين، لأنه وهو ينطق يمين الطلاق سكران، لا يعلم ما يقول، نحن سوف نعاقبه على سُكره بثمانين جلدة، وفوق ذلك نعاقبه مرةً ثانية بتطليق امرأته منه ؟! هذا رأي آخر. لاحظتم كيف أن طلاق السكران موضوع خِلافي، ما معنى خِلافي؟ أي يوجد علماء قالوا بشيء ومعهم أدلتهم، وعلماء قالوا بشيء ومعهم أدلتهم، إذاً هو موضوع خِلافي ومعنى موضوع خِلافي نحن في بحبوحة، لنا أن نقلد هذا العالم فنوقع طلاق السكران، ولنا ألا نقلد، نقلد هذا العالم مع أدلته فلا يقع طلاقه، أحياناً نستأنس بالقوانين النافذة في الأحوال الشخصية، قانون الأحوال الشخصية مستنبط من الفقه، أساساً القانون المدني أساسه من الفقه. وأزيد عليكم أن القانون الفرنسي مأخوذٌ من الفقه الحنفي، عندما كان نابليون في مصر وجد موسوعات فقهية كبيرة جداً كلها ترجمت، هناك قوانين يُعمل بها في بلاد الغرب أساسها إسلامي، وهم لا يدرون عن ذلك شيئاً، لأن هذا تشريع إلهي فيه دقة بالغة، بقانون الأحوال الشخصية لا يقع طلاق السكران والمُكره. وأنا أنصح كل أخواننا الكرام إذا سُئِلوا، افتِ لنفسك بأشد الفتاوى، وافتِ للآخرين بأيسرها، العكس لا يليق بالمؤمن، يوجد أشخاص يعطون لأنفسهم كل الرُّخص، ويلزمون الناس بكل العزائم، الأكمل أن تلزم نفسك بكل العزائم، وأن تعطي الناس الرخص تيسيراً لهم. الآن لو سألت مئة شخص، يقولون له: لماذا يا أخي لا تديرها حنبلية؟ لماذا؟ فهل كان المذهب الحنبلي صعباً ؟ يقول لك : الآن أصبح حنبلياً، لا تديرها حنبلية، يا ترى هذا الكلام ما أصله؟ هل تصدقون أن أهون مذهب هو الحنبلي ؟ إذاً من أين جاء هذا الكلام ؟ قال: لأن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى كان يأخذ نفسه بالعزائم، أي كان شديداً على نفسه فقط، أما في الفتاوى فكان ييسر ولا يُعسر، يسدد ويقارب، يبشِّر ولا يُنفر، أحياناً الإنسان يكون المفتي بحاجة إلى حكمة بالغة، أحياناً يجيء لك سؤال، السائل لا يقصد الزواج، يقصد شيئاً آخر، فهناك مفت وهناك مرشد، وهناك حكيم، وهناك مربّ. 3 ـ طلاق الغضبان : طبعاً طلاق السكران قلما يأتيني هذا الموضوع، والمُكره هذه حالة نادرة الآن، أن يجيئوا بشخص، ويكتفوه ويأمروه: طلق زوجتك، والله لم أسمعها، هذه قليلة، لكن أكثر سؤال كان يجيء لي، أكثر سؤال يكاد يكون بالمئة مئة، طلاق الغضبان، والغضبان مثل المطاطة، لم أسمع أحداً طلق امرأته إلا وقال: كنت غضبان، أرجوك أي غضب هذا ؟ طلاق الغضبان موضوع دقيق جداً، وله تفصيلات كثيرة جداً قد لا يتسع هذا الدرس لها وحدها. ![]() أولاً الغضبان الذي لا يقع طلاقه هو إنسان لا يدري ما يقول، ولا يدري ما يصدر عنه، مثل هذا الغضبان لا يقع طلاقه لأنه مسلوب الإرادة، وقد روى أحمد وأبو داود وابن ماجة والحاكم عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: ((لا طَلاقَ وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ )) [أبو داود عن عائشة ] كأن الغضب يُغلق على الإنسان فكره، لم أعرف ماذا تكلمت ؟ لم أر بعيوني ، هذه كلمات العوام، العلماء زخرفوها، قالوا : الغضبان الذي لا يقع طلاقه هو لا يعرف السماء من الأرض، ولا الطول من العرض ، تقول له: أين السماء ؟ يقول لك: هذه السماء، لكن يوجد إنسان حزين وواع يقول: هذه السماء. حتى يقع طلاقه، أما هو فعلاً يعرف أين السماء، الذي لا يعرف السماء من الأرض ولا الطول من العرض هذا هو الغضبان الذي لا يقع طلاقه، بل إن كل عملٍ يفعله الغضبان إذا كان القانون يحاسبه عليه فطلاقه يقع. قال : وحقيقة الإغلاق أن يُغلق على الرجل قلبه، فلا يقصد الكلام ولا يعلم به، كأنه انغلق عليه قصده وإرادته ، هذا الإنسان بهذه الظروف، نقول له: أنت غضبان، وغضبك لا يقع، وقد انطبق عليك قول النبي عليه الصلاة والسلام: ((لا طَلاقَ وَلا عَتَاقَ فِي إِغْلاقٍ )) [أبو داود عن عائشة ] الآن إذا كان الغضب سبباً في أن يزول العقل كليةً فلا يشعر صاحبه بما قال، هذا لا يقع طلاقه بإجماع العلماء، ليس فيه خلاف، أما إذا كان في أوائل الغضب، قال: هذا يعرف في أوائل الغضب ماذا يقول، ويعرف مؤدَّى كلامه، قال: هذا يقع طلاقه بلا نزاع أيضاً ، أين الخِلاف إذاً ؟ أين العلماء اختلفوا ؟ قال: هو الذي يغضب، ويستحكم به الغضب ويشتد به الغضب، لكن لا يزول عقله كليةً، لكن يحول بينه وبين نيته، بحيث يندم على ما فرَّط، إذا زاد فهذا محل نظر ، في البدايات وأنت واع، العلماء اتفقوا على أن الطلاق يقع وفي النهايات العلماء اتفقوا على أن الطلاق لا يقع، لكن إذا اشتد بك الغضب، وندمت على ما فعلت، وفي أثناء الغضب ما نويت على الذي وقع منك، فهذه الحالة الوسطى هذه محل نزاعٍ وخلافٍ بين العلماء. الأفضل من هذا كله ألا تغضب، وألا تُطلِّق، والله من أعماقي أقول لإخواننا كلهم المؤمنين الطيبين موضوع الطلاق يجب ألا يرِد إطلاقاً ما دام هناك ثقة في الزوجة، وما دام الزوجة جملةً مقبولة، فكل شيء مقبول جملةً لا تفصيلاً، فلا يوجد امرأة كاملة، ولا يوجد زوج كامل، والنبيّ الكريم قال: (( لا يَفْرَكْ مؤمن مؤمنة، إِن كَرِه منها خُلُقاً رضي منها آخَرَ )) [مسلم عن أبي هريرة ] لكن حينما تكون المرأة مقبولةً جملةً لا تفصيلاً، انتهى الأمر، يجب أن تنزع من نفسك موضوع الطلاق كلياً. 4 ـ طلاق الهازل : الآن طلاق الهازل والمُخطئ، قال: يرى جمهور الفقهاء أن طلاق الهازل يقع كما أن نِكاحه يصح ، فقد روى الإمام أحمد وابن ماجة والترمذي والحاكم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلَّم يقول: (( ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ )) [أحمد عن أبي هريرة ] ![]() فالبعض أحياناً يمزح ويقول: والله أنا ناوي أن أتزوج فلانة، جالس إنسان فحكى إلى أُخته، الأخت حكت إلى أُمها، الأُم حكت للجارة، الجارة حكت لبيت عمتها، عمتها حكت لها بعد أسبوع، فقالت لها: فلان يريد أن يأخذك، وهي أجابت قائلة " والله على سلامته هذا الشاب والله معقول أن يأخذني؟ أنا أقبل فيه والله، لم يجيئها نوم أول ليلة من فرحها، حكت إلى أُمها فقالت لها الأم: والله جيد يا ابنتي، والله نحن نتمنى، والأم حكت إلى أبيها، فقال الأب: عنده بيت ؟ والرجل كان يمزح، النبي الكريم نهى عن أن يكون المِزاح في موضوع الزواج، لأن فيه كسر خاطر، فيه إساءة، فيه إحباط شديد جداً، والذي نبَّه عليه النبي عليه الصلاة والسلام " أن أخفوا الخِطبة "، لعل هذه الخِطبة لم تتم، " اخفوا الخِطبة، وأعلنوا النكاح " النكاح معلن، لكن الشيء الواقع الآن تجد كلمة نحكت، لم يبق إنسان إلا وعرف أن فلاناً خاطب فلانة، الآن إذا كان الخِطبة لم تتم لماذا ؟ ماذا سمع عنها يا ترى؟ لماذا لم تعجبه ؟ يا ترى أخلاقها ليست جيدة؟ والناس يريدون أن يتسلوا، ناقصهم معلومات، الآن يعتبوا لماذا لم تبلغونا أنكم خطبتم فلانة ؟ أنتم عرفتم دون أن نبلغكم، كيف إذا بلغناكم ؟ فالسنة أن تُخفى الخِطبة، وأن يُعلن النِكاح: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم ولولا الحبة السوداء لم نأت نناديكم *** هكذا النبي علمهم ماذا يقولون، معنى هذا أن العراضة و التزمير من السنة . أنا مرة قلت لكم أن لي صديقاً قال لي: طُرق باب بيتي الساعة الرابعة والنصف فجراً فاستغربت، ففتحت لم أر أحداً، فحانت مني نظرة نحو الأسفل فوجدت سكاً، أعوذ بالله فتحه، مولودٌ ولِدَ حديثاً، عرفوا أنه صاحب دين، هذا الطفل أغلب الظن أنه ابن زنا وضعوه بهذه الحقيبة، ووضعوه أمام بيته، قفز إلى ذهني فجأةً لو أن إنساناً تزوج زواجاً شرعياً ، و حملت زوجته، تجد أن الكل يهنئها، وتجدهم قد هيؤوا الغرفة، وهيؤوا الأدوات، وأحضروا ملابس المولود، والأُسرة كلها انشغلت والزوج فرح، وبعد ذلك عندما ولدت صار الفرح، والمباركة، وجهزوا الكراوية، وقدمت الهدايا، وعملت مباركة للنساء، ومباركة لهؤلاء، شيء جميل جداً، لأن هذا طريق مشروع. أحياناً الإنسان يذهب مع زوجته ومعه ابنه الصغير، لا يستحي أمام الناس، فهذه زوجته وهذا ابنه، يفتخر، بالعكس يوجد أماكن إذا كنت مع زوجتك أكمل، يعدونك إنساناً محترماً، أنت مع زوجتك، أما إذا امرأة ليست زوجته، تجد قلبه مقطوعاً وهبط من الداخل لو أن أحداً مشى وراءه. فطلاق الهازل، وطلاق المُخطئ، قال: هذا طلاقٌ يقع، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ )) [أحمد عن أبي هريرة ] الرجعة، إذا راجعها زوجها المُطلق، وتوجد رواية: والعِتاق أي عتق العبد. أنا أنصح أخواننا الكرام، إذا كان هناك شيء يترتب عليه نتائج خطيرة، لا يمزح فيه أبداً، مثلاً عنده صانع يقول له: أريد أن أُشاركك في المستقبل، يظن أنه بذلك يطيب له خاطره فهذا الصانع ذكر ذلك إلى والده، فالأب قال له: والله معقول يا بني، هذا الرجل آدمي، إذا سمح لك أن تكون شريكه فهذا ممتاز، الأب مشى في هذا الاتجاه، وتكلم إلى زوجته وفرحوا، ابننا الحمد لله فلان سوف يشاركه، لكن يا ترى بالجهد فقط أم بالمال؟ يا ترى هل يريد مالاً؟ نسأله أي شيء يحب ؟ المعلم فكر أن يمزح مع هذا الصانع بأن قال له: أريد أن أعملك شريكاً بالمستقبل، فكل أمر خطير ممنوع أن تمزح فيه إطلاقاً، إذا لم يكن عندك استعداد أن تنفذ، أصبح وعداً عليك له، ووعد الحر دين، وإن لم تنفذ عملت له إحباطاً، عملت له صدمة، الآن كثير من الأمراض النفسية أساسها صدمة شديدة، لم يتحمل، يصبح الإنسان معه انفصام في الشخصية، الآن أكثر مرض شائع هو انفصام الشخصية، قال إنسان لطبيب نفسي: أريد أن تعمل لي انفصام شخصية، قال له: لماذا ؟ قال له: والله ضائق خلقي لوحدي، انفصام الشخصية أساسه صدمة، أي منِّيته بشيء ولم يتحقق، جعلته يطمع بشركة ولم تتحقق، أو بشراء بيت ولم تؤمنه له. الآن بعضهم قال: وذهب بعض أهل العلم إلى عدم وقوع طلاق الهازل ، وهؤلاء بالطبع قلة، لقوله: ﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 227] فعزم الطلاق أي فكر، وجمع، وطرح، وقسَّم، وقال: يجب أن أطلقها لم أعد أتحملها، وما هو متأخرها؟ أدِّبر نفسي، أي كله دخل في نفسه، فكر بمتأخِرها، وفكر بالنتائج، والمضاعفات، وأخذ قراراً بالطلاق قال: ﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 227] يوجد أحاديث لطيفة جداً، روى ابن عباس فيما رواه البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((... الطَّلاقُ عَنْ وَطَرٍ... )) [البخاري عن ابن عباس ] إذاً طلاق الهازل يقع، لأنه ينطبق عليه قول النبيّ: (( ثَلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ النِّكَاحُ وَالطَّلاقُ وَالرَّجْعَةُ )) [أحمد عن أبي هريرة ] 5 ـ طلاق المخطئ : طلاق المخطئ، الإنسان أحياناً يقول: زيد ويقصد عُبيد، أحياناً الأم يكون ابنها اسمه أحمد، تقول له: سعيد تعال إلى هنا، وتكون عينها على عينه، ما حكم هذا ؟ خطأ هذا هي أرادت أحمد وأخطأت باسمه، فبعضهم قال: طلاق المخطئ يقع ، وبعضهم قال: إنه يقع قضاءً ولا يقع ديانةً ، كيف هذه، فهي دقيقة ؟ لو أردنا أحداً من الناس لك معه مئة ألف، جاء إليك ودفعها لك، وكاتب لك سنداً، قال لك: أين السند ؟ والله ليس تحت يدي الآن، يا أخي نحن قبضناهم منك، فهل سنأكلهم عليك؟ فاستحى وذهب، توفي هذا الشخص، حتى لا نسيء الظن فيه، فتحوا أولاده خزانته فوجدوا سنداً بمئة ألف، ذهبوا فأقاموا دعوى على هذا المدين، يا أخي أنا دفعتهم لأبيكم، نحن ليس لدينا علم بدفعهم، نحن وجدنا سنداً بمئة ألف، فقال: هذا عند الله بريء، لكن القضاء يدينه أحياناً، القضاء يجعله يدفعهم، فنقول: هذا السند وقع قضاءً ولم يقع ديانةً، فهو عند الله بريء. قال: طلاق المخطئ وقع قضاءً، وعند الله هذه زوجته وهي حلالٌ له، أما لو عرضت الأمر على قاض، أو على مفت، وقع الطلاق لوجود اللفظ، وهناك شيء يشبهه، إنسان ذهب إلى أوربا قال: والله سأتزوج امرأة لسنتين أو ثلاث بدلاً من أكون وحيداً، وهذا الأمر هنا سهل، فكلهم يعرضون أنفسهم، وأنا سأتزوجها زواجاً شرعياً، أنا لا أريد أن أرتكب الحرام، أقوم بعمل زواج لمدة ثلاث سنوات أثناء دراستي، ذهب إلى المركز الإسلامي وجد فيه فقيهاً وعالماً وخطيباً، هذا العمل حرام في الإسلام ولكنه لم يقل: سأتزوج زواجاً مؤقَّتاً، بل قال: أنا أريد أن أتزوج زواجاً إسلامياً، وجرت مراسم الزواج، إيجاب، وقبول، ومهر، وشاهدا عدل، ماذا يقول له الخطيب أو الإمام أو الشيخ؟ ليس عنده غير الظاهر، ليس عنده إمكانية أن يعرف بواطن هذا الشاب، بالظاهر أنه اختارها زوجةٌ لها، وهي وافقت، أجاب وقبلت، وأجابت وقبل، ولها ولي وأتي معها أبوها، والمهر مسمى، معجل ومؤجل، وهناك شاهدان وأخذ توقيعهم وهوياتهم، هذا الزواج وقع قضاءً ولا شيء عليه، لكن ديانةً ؟ يا لطيف هذا ديانةً باطل لأنه نوى التوقيت، والزواج على التأبيد، في رأي جمهور العلماء، فأحياناً تفرق بين ما وقع قضاءً وما وقع ديانةً، أنت قد تكون بريئاً أمام الله، ولكنك لست بريئاً أمام الناس، لذلك العاقل والموفق يبحث عن براءته عند الله وعند الناس معاً، هل عندكم شاهد من السيرة ؟ النبي كان يمشي مع زوجته، فقال لأحد الصحابة: هذه زوجتي فلانة، فقال له: أفيك نشك ؟ قال: لئلا يدخل الشيطان بينكم، هذه زوجتي ، هنا النبي جمع بين براءته أمام الله، وبراءته أمام الناس. ![]() إذاً لا يكفي أن تكون عند الله بريئاً، الآن لاحظ أن أكثر إخواننا يكون هو صافي النية مع الله، مستقيم، لكن أهمل مظاهر، هذه المظاهر جعلته مداناً عند الناس، لهذا يقول الإمام علي كرم الله وجهه: " من دخل مداخل التهم فلا يلومنَّ إلا نفسه" جلست عند رفيقك، عنده محل قال لك: سوف أصلي العصر وأرجع، اجلس في المحل حتى أعود، قلت له: حاضر، وفتحت الدرج فوجدت أوراقاً نقدية ذات الخمسمئة والمئة وأنت تتسلى، والله أنا معي خمسمئة سأصرف هذه الخمسمئة، فسحبت عدداً من الأوراق ذات الخمسمئة، وعددتهم، ووضعتهم في جيبتك، أو بالعكس أكمل، أخرجت الخمسمئة وضعتها في الدرج، وسحبت خمسمئة خمس قطع، ودخل صديقك، أنت عند الله بريء، لكن عنده أصبحت غير بريء، لذلك اجهد أن تكون عند الله وعند الناس بريئاً، فكلمة النبي: هذه زوجتي والله أيها الأخوة هذا الموقف لرسول الله يحمل عليه مئة مئة ألف حالة. عليك دين؟ فتقول: أخي انتهينا، لست بريئاً عنده، عند الله بريء، لكنه شك، فقال في نفسه: لي معه ثلاثة آلاف، كل هذا العمل كلف ألف ليرة فكيف تقول انتهينا؟ الرجل أسعاره من عشر سنوات ولا يعرف، أحياناً شخص يكون بانياً له بيتاً من عشرين سنة، بعيد عن جو السوق، هذه يكفي فقط دفع خمس ليرات فيها ويكون سعرها خمسمئة ليرة، تعتقد أن هذه سعرها خمسة آلاف، ويكون ثمنها أصبح ثمانية آلاف، فإذا شخص بعيد عن جو الأسعار، أخي: أنا لي عنده مبلغ، فقال لي: أنت عند الله بريء، لكن عنده لست بريئاً قال: رحم الله عبداً جب المغيبة عن نفسه ، فأنت لو كنت بريئاً هذا لا يكفي، فالنبي قال : رحم الله عبداً جب المغيبة عن نفسه . مرة قال لي أخ و هو مدرس: هناك بائع للأحذية في سوق مغلق، وفي آخر السوق يوجد سينما، و هذا البائع متقن جداً، فلا يوجد حذاء مثل صنعته، فقال له كلمة أنا والله أعجبتني: مهما كان متقناً، مهما كان رخيصاً، دخولي لهذا المكان أمام طلابي فيه مظنة أن يقولوا: أستاذنا دخل إلى السينما، إنما هو دخل إلى محل لكي يشتري حذاء، لكن هذا المدخل فيه شبهة لهذا لا تضع نفسك موضوع التهمة ثم تلوم الناس إذا اتهموك، هذه قاعدة في الحياة مأخوذة من: هذه زوجتي. كنايات الطلاق : عندنا طلاق باللفظ، فالعلماء اجتمعوا على ثلاثة ألفاظ للطلاق: الطلاق، والفراق، والسراح، إذا قال: فارقتك، أو طلقتك، أو سرَّحتك سراحاً جميلاً، هذا الطلاق وقع، ولا يلتفت إلى نية المطلِّق، أما أي لفظ آخر فيحتاج إلى نية. مثلاً، من كنايات الطلاق، لو قال لها: أمرك بيدك، قالت له: ماذا نطبخ اليوم ؟ قال لها: أمرك بيدك، معنى ذلك أنها لم تطلق زوجتك، أنت قاصد أنها هي حرة في اختيار نوع الطبخة، يوجد في الثلاجة كل شيء وعندك لحمة، أمرك بيدك، أما لو قال لها هذه الكلمة وفي نيته أن يُطلقها أصبحت طالقاً، إذاً الكناية تحتاج إلى نية، أما كلمة طلقتك، وكلمة سرحتك، وكلمة فارقتك، فهذه الكلمات الثلاث تقع بلا نية، هذه أمرك بيدك، لو قال لها: أنت عليّ حرام، تحتمل أنه طلاق، أو أنه حرامٌ إيذائها، أي إن شاء الله حرام أُؤذيك، أنت عليّ حرام تعني أنه طلاق بالكناية يحتاج إلى نية، قالت له: والله إن أبي مريض، قال لها: الحقي بأهلك. هذا ليس طلاقاً، أما لو أراد من هذا طلاق فهو طلاق، الحقي بأهلك، أمرك بيدك، أنت عليّ حرام، هذه كلها كناياتٌ لا يقع بها طلاقٌ إلا إذا توافرت لها نية التطليق، أما طلاق، وفِراق، وتسريح، هذه كلماتٌ صريحةٌ فلو تلفظ بها الإنسان وقع الطلاق، لا تعلق مع المفتين ابعد عن الطلاق، وعن كلمة فراق، وعن كلمة سراح، وعن كلمة طلاق، أفضل. من باب الطرفة كنت أقول لإنسان يسألني عن الطلاق: أنت تريدها؟ يقول لي: نعم والله. إذاً فلان يفتيها لك، وإذا كنت لا تريدها اذهب لفلان يقول لك: طلقت. فهناك الكثير من الاتجاهات المتعددة، فأنت من الأفضل لك أن تبتعد عن هذا كله. سؤال: النبيّ طلق؟ طلَّق امرأة واحدة، لأنها ضعيفة التفكير إلى درجة غير معقولة أخوتها نصحوها أنها حينما تلتقي بالنبي تقول: أعوذ بالله منك، فلما قالت للنبي هذا الكلام، قال: عُذتِ بعظيم الحقي بأهلك. ستصبح مبلغة للدين، وليس موضوعاً مزاجياً، هو موضوع خطير جداً، هذه أُم المؤمنين، يقول لك مثلاً: روى فلان عن أُم المؤمنين – اسمها ابنة الجون - مادام تفكيرها ضعيفاً إلى درجة أنها لم تفكر فيما قيل لها، والنبيّ سيد العالمين، أعوذ بالله منك، قال لها: الحقي بأهلك لقد عُذتِ بعظيم، معك حق لكن الحقي بأهلك، ليس لك عندي نصيب إطلاقاً، هذا طلاق بالكناية لكن النبيّ ماذا قصد به؟ قصد الفِراق. سيدنا كعب بن مالك عندما أمره النبيّ الكريم أن يعتزل امرأته فقال: أُطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها فلا تقربنها، فقال لامرأته: الحقي بأهلك، فهل طلقها يا ترى؟ لم يطلقها سيدنا كعب لأنه قال لها: اذهبي إلى بيت أهلك. أحياناً أخواننا أسمع منهم قصة غريبة، كأن تكون أعصابه متوترة جداً، فيقول لزوجته: غيبي يومين عند أهلك ولا شيء عليك، لا ترضى، تظل مصممة حتى يُطلقها، هذه القصة أسمعها كثيراً، إذا توتر الإنسان أو غضب فليجلس، إذا غضب فليتوضأ، إذا غضب فليسكت، إذا غضب فليخرج من البيت، فأحياناً يكون الجو متوتراً متفجراً، فإذا الإنسان ركب رأسه، وأصرّ على ما هو عليه، قد يؤدي الأمر إلى وضع لا تُحمد عُقباه. والأحناف يرون أن كنايات الطلاق يقع بها الطلاق بالنية، وأنه يقع بها أيضاً بدلالة الحال، فأشد المذاهب بالطلاق الأحناف، فإذا وقع أحد في مشكلة، وذهب إلى بعض المُفتين المتشددين والمتعصبين لحنفيتهم، الجواب معروف قبل إن يذهب إليهم، فإذا كان بينهم شِجار وقال لها: الحقي بأهلك، هذا طلاق عند الأحناف، مادام على أثر شِجار قال لها: الحقي بأهلك، نحن نقول له ماذا نويت؟ لعله نوى أن تكف مغيباً لمدة يومين، لا يريد أن يطلقها، أما عند الأحناف فمادام هناك شِجار وقال لها: الحقي بأهلك، أصبحت طالقة منه ونحن أحناف طبعاً، لكن يوجد الأحناف المتعصبين لحنفيتهم الذين يرفضون أي اجتهاد آخر. الطلاق بالكتابة : والله يوجد موضوعات مهمة جداً، إن شاء الله نتابع الحديث في درسٍ آخر، وآخر موضوع صغير الطلاق بالكتابة، الطلاق يقع بالكتابة، لكن لا يقع إلا في حالتين، إذا نسب الطلاق إلى زوجة المطلق، ووجهت رسالة إليها، إلى زوجتي فلانة: طلقتك بالثلاث، هذا الطلاق يقع لأنه كتابةً، أي مكتوب والزوجة مضافة للزوج، والرسالة موجهة إلى الزوجة والآن هذا يفعله بعضهم، قال: الأخرس أحياناً يقع طلاقه بالإشارة، أحياناً الخُرسان لهم لغة خاصة، قال: إلا أن الأخرس إذا كان يُحسن الكتابة وهو قادرٌ عليها طلاقه بالإشارة لا يقع لقدرته على أن يكتب كتابة، والإشارة لغة غير واضحة، أما الكتابة فأوضح، وأحياناً يقع الطلاق عن طريق الرسول، أي يبعث الإنسان أي شخص إلى زوجته، بلغ فلانة أنها طالق، هذا الطلاق يقع أيضاً، فإذا كنت تمزح وقع الطلاق، الطلاق وقع عن طريق رسول، ويقع وكالةً، إذا إنسان عمل وكالة عامة فرضاً، فوجد المحامي أن الزوجة معها خمسة ملايين، يطلقها منه إذا أراد، الوكالة العامة تطلق بها الزوجة، فالوكالة العامة خطيرة أيضاً، عن طريق الرسول تطلق المرأة، وعن طريق الإشارة تطلق، وعن طريق الكتابة تطلق، وعن طريق الوكالة أيضاً تطلق.
توجد موضوعات نحن في حاجة إليها وسنتابعها في الدرس القادم، وكما قلت في أول الدرس: الشباب يأخذون احتياطاً، والذين لم يتزوجوا الأمر دقيق جداً، والمتزوجون سعداء مع زوجاتهم هذه وقاية، والغير سعداء علاج، وإذا إنسان ليس له علاقة بالموضوع إطلاقاً يتعرف إلى الله من خلال تشريعه. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#3 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس (الثالث ) التنجيز ، والتعليق ، والطلاق السني، والطلاق البدعي. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الإنسان في كل طورٍ من أطوار حياته يهتم بموضوع معين : أيها الأخوة الأكارم... لا زلنا في موضوع الطلاق، وقد بينت لكم في دروسٍ سابقة أن حاجة المسلمين إلى الموضوعات الفقهية متفاوتة، فهناك موضوعاتٌ تشتد الحاجة إليها، وكيف أشعر أنا أن هذه الموضوعات تشتد الحاجة إليها ؟ ![]() من عدد الأسئلة التي تطرح علي في الأسبوع، فإذا طُرحت عليَّ عشرة أسئلةٍ، فنصفها متعلقٌ بالطلاق، وكنت أظن أن هذا يقع به الجهلة من الناس، ولكن الشيء المؤسف هو أن رواد المساجد، وطلاب العلم أحياناً، في ساعة غضبٍ يحلفون بالطلاق وعندئذٍ يقعون في حرجٍ شديد، فانطلاقي من اختيار هذا الموضوع هو أن الواقع يفرض علينا معالجته. وهناك شيء آخر سوف أوضحه إن شاء الله تعالى هو كيف أن الإنسان في كلِّ طورٍ من أطوار حياته هناك موضوعات يهتم بها، فالشاب يهتم بتأمين مستقبله، فكلُّ خواطره، وكلُّ أفكاره، واهتماماته منصبة على اختيار الفرع في الجامعة، أو اختيار حرفته، فإذا اختار حرفةً واستقر فيها، يقفز إلى ساحة شعوره موضوع الزواج، فإذا هو لسنواتٍ طويلة يبحث عن شروط الزوجة الصالحة، ويبحث عن زوجةٍ صالحة، وبعد الزواج يهتم بالأولاد، يهتم بتعليم أولاده وبتزويج بناته، ثم بعد ذلك يهتم بصحته كثيراً، فهذه الآلة قد تعبت، عندئذٍ إلى العناية بصحته وما إلى ذلك، لهذا في كل طورٍ من أطوار حياته يهتم بموضوع. في الدين طوران طور معرفة الله وطور معرفة شرعه : أما في موضوع الدين فهناك طوران ليسا متمايزين لكنهما متداخلين، طور معرفة الله وطور معرفة شرعه، كيف ؟ إنسان في الصحراء تائه، صحراء موحشة، قاحلة جرداء، لا ماء ولا نبات ولا طعام، بل وحوش مفترسة، أخطار، بردٌ مميت، حرٌ مميت، عطشٌ مميت، وبهذه الصحراء واحة فيها كلُّ شيء، فيها الماء العذب النمير، فيها الطعام الوفير، فيها البيت المريح، فالداعية إن رأى شخصاً تائهاً في الصحراء ليس من الحكمة أن يتحدث له عن تفاصيل القصر، من الحكمة أن يدعوه إلى القصر، اذهب إلى هذه الواحة ؟ فإذا دخل هذه الواحة وذاك القصر، الآن ممكن أن تحدثه عن التفاصيل في هذا البناء، وعن أماكن الراحة، وأماكن الطعام، وأماكن الاستجمام، وأماكن اللعب، وأماكن المطالعة، ففي كل مرحلة هناك موضوعٌ يجب أن تهتم به. فالإنسان قبل أن يعرف الله عزَّ وجل، لا يعنى بدقائق التشريع، لا يعنى بدقائق الفقه، هو في واد والفقه في وادٍ آخر، هو شارد، ضائع، متحيِّر، مذبذب لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، إذاً موضوع الدعوة إلى الله في طورٍ من أطوار حياة الإنسان يجب أن يتجه إلى تعريفه بالله، وهذا ما فعله النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن المؤمن إذا عرف الله، الآن ينشأ عنده حاجة ملحة في معرفة أمره، استقرت نفسه، آمن بالله، وإن كان الإيمان ليس له حدٌ، له بداية وليس له نهاية، ولكن هذا المؤمن بلغ من الإيمان درجةً استقرت نفسه بها، استقرت نفسه، ارتاحت نفسه، عرف أنه لا إله إلا الله، عرف وحدانية الله عزَّ وجل، عرف كماله، عرف وجوده، فنحن في طور أن نبحث عن أمره ونهيه، لذلك في البدايات النفس تتوق إلى معرفة الله بعد أن تعرف جانباً من عظمته تتوق النفس إلى أن تعرف أمره ونهيه، فأرجو الله سبحانه تعالى أن يكون أكثركم قد تجاوز مرحلة معرفة الله عزَّ وجل، لا بمعنى أنه قد أحاط، لا يعرف الله إلا الله، ولكن استقرت نفسه، أي اطمأن بالإيمان، إيمانه أصبح ثابتاً، حمله إيمانه على طاعة الله عزَّ وجل، الآن هو في مجال معرفة الأمر والنهي. أنواع الطلاق : 1 ـ الطلاق المنجز : نحن في الطلاق، تحدثنا في الدرس الماضي عن الطلاق بالكتابة، والطلاق عن طريق الرسول، وطلاق الأخرس، وعن موضوعاتٍ أخرى، وعن ألفاظ الطلاق الصريحة، وعن ألفاظ الكناية في الطلاق، وتحدثنا عن حكم الطلاق العام والخاص، واليوم نتحدث عن موضوعاتٍ مهمة في الطلاق، التنجيز، والتعليق، والطلاق السني، والطلاق البدعي، وهذان الموضوعان من أهم موضوعات الطلاق. فالطلاق أيها الأخوة... قد يقول قائل: أنا وزوجتي متفاهمان تماماً، ما شأني وهذا الموضوع ؟ أقول لكم أيها الأخوة الأكارم: يمكن أن تعرف الله من خلال خلقه، ويمكن أن تعرفه من خلال تشريعه، ويمكن أن تعرفه من خلال أفعاله، أفعاله تدل عليه، وتشريعه يدل عليه، وخلقه يدل عليه، فإن لم تستخدم هذا الموضوع، إن لم تكن بحاجةٍ إلى أن تطلق، فأنت بحاجةٍ إلى أن تعرف. فهناك طلاقٌ منجز، الصيغة المنجزة أن يقول الرجل لامرأته: أنت طالق، هذا الطلاق ليس متعلقاً لا بزمن ولا بشرط، هذا الطلاق المنجز، ليس معلقاً على شرط، وليس مضافاً إلى زمن، بل قصد الذي لفظه أن يقع الطلاق في الحال، كأن يقول الزوج لزوجته: أنت طالق، وبهذا القول تكون قد طلقت، وهذا أخطر أنواع الطلاق. 2 ـ الطلاق المعلق : لكن الطلاق الآخر هو الطلاق المعلَّق، أي أن الزوج جعل وقوع الطلاق معلقاً على شرط، فإن ذهبت إلى مكان كذا فأنت طالق، إن ذهبتِ إلى بيت أختك فلانة فأنت طالق، إن خرجتِ من البيت قبل مضي شهرٍ فأنت طالق، إن فعلتِ كذا فأنت طالق، هذا طلاقٌ معلق، الطلاق المنجز يقول: أنت طالق، لم يُعلِّق الطلاق على شرط، ولم يضفه إلى زمن، أما الطلاق المعلق فهو أن يجعل وقوع الطلاق مرتبطاً بشرطٍ، أو مضافاً إلى زمنٍ. شروط الطلاق المعلق : قال: الطلاق المعلق له ثلاثة شروط، أول شرط: أن يكون الشرط الذي علَّقه به معدوماً، إن قال لزوجته: إن طلعت الشمس فأنت طالق، والشمس طالعة، هذا الطلاق ليس له معنى، يجب أن يكون الشرط معدوماً حين التلفظ بالطلاق. لو فرضنا شخصاً قال لامرأته: إذا جاء رمضان فأنت طالق ونحن في رمضان فقال بعض العلماء: هذا الطلاق لا يقع، لأن الشرط لم يكن وقت التلفُّظ به معدوماً، وبعضهم قال: يقع، هو طلاقٌ منجز في صيغة طلاقٍ معلق. ويوجد عندنا شيء آخر، الشرط إذا كان مستحيلاً فهذا الطلاق يعد لغواً، إنسان قال: إن دخل هذا الجمل في سم الخياط فأنت طالق، مع أن القرآن الكريم ذكر هذا الشرط: ﴿ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ ﴾ [ سورة الأعراف : 40] ![]() وقد حيرت هذه الآية العلماء، والحقيقة القضية سهلة جداً، هذه صورة رمزية، أي أن هذا الإنسان المتكبر الذي هو كالجمل، لا تُفَتَّح له أبواب السماء، ولا يسمح الله له بالإقبال عليه، ولا يتجلى على قلبه، حتى يخرج من كبره، ومن بعبعته، ومن تطاوله، ومن شعوره بالتفوق، فإذا صغر وصغر وصغر وانكمش وصغر وصغر حتى أمكنه أن يدخل في سم الخياط عندئذٍ تفتح له أبواب السماء، عندئذٍ يتجلى الله على قلبه، عندئذٍ يكشف الله عن بصيرته، فنحن في الآية الكريمة هكذا فسرها المفسرون، ليس شرطاً تعجيزياً ولكنه شرطٌ متعلقٌ بنفسية الإنسان، فكلما كبرت نفسه، ونظرت إلى نسبها أو حسبها أو غناها أو شكلها، كانت هذه النظرة المستعلية حجاباً بينه وبين الله عزَّ وجل. الشرط الأول: أن يكون الشرط الذي علقت عليه الطلاق معدوماً حين إيقاع الطلاق فإن كان موجوداً أو كان مستحيلاً الطلاق لا يقع. الشرط الثاني: أن تكون المرأة حين صدور العقد محلاً للطلاق بأن تكون في عصمته، لو فرضناه قال: إن جاء رمضان فأنت طالق، طلقها في شيء آخر، جعلها تفترق عنه قبل رمضان، إذاً يجب أن تكون محلاً للطلاق حين إيقاع الطلاق، ويجب أن تكون محلاً للطلاق حين وقوع الشرط الزمني، فأكثر الأسئلة التي تأتيني في الطلاق من الطلاق المُعلق، لكن المنجز بحالات الغضب الشديد، بحالات أن يرغب الزوج بمنع زوجته من فعلٍ ما، أو حملها على فعلٍ ما يستخدم الطلاق المعلق، وفي حالات الغضب الشديد يستخدم الطلاق المنجز. الآن التعليق قسمان، القسم الأول يقصد به الحمل على الفعل أو الترك، أي وكأنه يمين. أنواع الطلاق المعلق : الآن أصبح الموضوع دقيقاً، أحياناً تجد الإنسان يحب زوجته ويكره فراقها، وهي تعجبه وهو يعجبها، وهو سعيدٌ بها وسعيدةٌ به، لكنه يكره أن تزور أختها، لأن أختها كلما زارتها رجعت بوضعٍ لا يرضي، رجعت متأففةً، رجعت منتقدةً، رجعت تحمل عليه، رجعت تطالبه بما لا يطيق، فقد تكون الأخت بحالة مادية جيدة جداً، وسيدنا عمر قال: " من دخل على الأغنياء - طبعاً غير المؤمنين - خرج من عندهم وهو على الله ساخط "، فهذا الزوج والله معه حق، كلما بعثها عند أختها ترجع متغيرة، لم تكوني كذلك، ذهبت مبسوطة مسرورة، ترجع تجدها منزعجة، متبرمة من هذه العيشة، لم تكوني تتكلمين بهذا الكلام، فالزوج انزعج، فإذا به يحلف عليها يمين طلاق: أنك إذا ذهبت إلى بيت أختكِ فأنت طالق، هذا الذي يحصل أكثر الأسئلة بهذا الموضوع، يكره الزوج بيتاً من البيوت، قد يكون أحد البيوت به غنى فاحش مع ضعف في الإيمان، وفيه كبر واستعلاء، فهذه المرأة الساذجة إذا ذهبت إلى هذا البيت تشعر أنها محرومة من كل شيء، خرج من عندهم وهو على الله ساخط فقد ورد في سنن الترمذي: ((إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ، وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ، وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ)) [الترمذي عَنْ عَائِشَةَ ] أحياناً تجد بيتاً متفلتاً من الدين، النساء سافرات كاسيات عاريات مائلات مميلات، أجهزة لهو، اختلاط، لا يوجد فيه انضباط، فهذه الزوجة تذهب إلى هذا البيت تعود متأثرة، إيمانها ضعيف، فهو كلما رآها ذهبت إلى هذا البيت انزعج، لذلك وهذا من باب الإحصاء أكثر الأزواج يحلفون على زوجاتهم يمين طلاقٍ معلقٍ، بألا يزرن زيداً أو عبيداً، أو فلانة أو علانة، أو بيت أختها، أو بيت أمها، إلى آخره، لكنه يحبها وتحبه، ويسعد بها وتسعد به، ويكره فراقها كفراق دينه، هذا طلاقٌ معلقٌ سماه العلماء طلاقاً قسمياً أي حينما حلف بالطلاق كأنه أقسم عليها، ما أراد الطلاق إطلاقاً، لكنه كأنه استخدم يميناً مغلظةً، أي إن فعلت كذا فأنت طالق ويوجد عندنا طلاق معلق من نوع آخر، هذا الطلاق يقصد من تلفَّظ بالطلاق أن يقع الطلاق لو حصل هذا الشرط، أي هو يضيِّق عليها حتى تبرؤه من متأخرها، إن سامحتني في متأخرك فأنت طالق، هذا طلاق ليس قسمياً، إن ضبطك مع فلان، نبهها مرة واثنتين أنت طالق إن دخل ابن عمك من دون إذنٍ مني، هذا من نوع آخر. الطلاق المعلق ؛ طلاق قسمي، وطلاق انجازي، بمعنى إن وقع هذا الشرط فهو يريد أن يقع الطلاق. رأي العلماء في هذين الموضوعين من الطلاق، عند جمهور العلماء هذان الطلاقان المعلقان الأول المقصود منه القسم، والثاني المقصود منه الوقوع، يقعان عند جمهور العلماء وعند ابن حزمٍ يرى أنه لا يقع، وعند بعض العلماء هناك تفصيلات فقال: إن الطلاق المعلق الذي فيه معنى اليمين غير واقع، وتجب فيه كفارة اليمين، وهي إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام . أما الطلاق الشرطي، أي إن فعلتِ كذا فأنت طالق، والزوج يريد أن يقع الطلاق إن فعلت كذا، هذا رأي العلماء في موضوع الطلاق المعلق. المحاكم في العالم الإسلامي أخذت بالرأي المعتدل، وهو أن الطلاق المعلق الذي فيه معنى اليمين لا يقع، وكفارته كفارة يمين، وأما الطلاق الذي فيه معنى الشرط فيقع ولو كان معلقاً، فأصبح عندنا طلاق منجز وطلاق معلق، الطلاق المنجز يقع فوراً، والطلاق المعلق إن كان فيه معنى اليمين، إن أراد بهذا الطلاق أن يحملها على فعلٍ ما، وأن يمنعها من فعلٍ ما، وكان يكره فراقها كفراق دينه، فإن هذا الطلاق لا يقع، لأنه ما أراد الطلاق، ولقول الله عزَّ وجل: ﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة البقرة: 227] لكن عندنا شيء آخر، لو قال إنسان لزوجته: إذا جاء عيد الأضحى فأنت طالق، بعض العلماء قال: هذا ما فعله النبي أبداً، فلا يوجد في السنة إطلاقاً طلاق مضاف للمستقبل، لذلك بعضهم قال: هذا لا يقع، والإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى، وهو من المتشددين جداً في موضوع الطلاق قال: يقع في الحال، لو أضفت الطلاق إلى وقتٍ قادم، عند أبي حنيفة يقع في الحال، وبعض العلماء قال: هذا الطلاق الذي أضيف إلى المستقبل، يقع في وقت إضافته في المستقبل الذي يأتي، هذا الطلاق المنجز، والطلاق المعلق، والمعلق نوعين، نوع فيه معنى اليمين، ونوع فيه معنى الشرط. 3 ـ الطلاق السني و الطلاق البدعي : الآن إلى الطلاق السني، والطلاق البدعي، الطلاق السني هو الطلاق الذي شرعه الله عزَّ وجل، وبينه النبي عليه الصلاة والسلام، فملخص الملخص أن الإنسان أحياناً يأتيه طور استثنائي، يغضب، يتألم، يحزن، في ساعة من ساعات الغضب لا يحب هذه الزوجة يتمنى فراقها، فربنا عزَّ وجل هو خالق الإنسان، ويعرف طبيعته المتقلبة، وطبيعته التي تنطلق في فورانٍ شديد ثم تهمد شيئاً فشيئاً، فلئلا يذهب الأطفال ضحية هذا الأمر الذي ملكه الزوج جعل الله سبحانه وتعالى الطلاق مرتان، قال تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [ سورة البقرة: 229 ] فكل إنسان طلق زوجته ثلاث مرات بمرة واحدة، هذا طلاق بدعي أراد الله عزَّ وجل وهو خالقنا في موضوع فصم هذه العلاقة الزوجية أن نتريَّث، فأجمل آية في هذا الموضوع هي الآية التي يقول الله عزَّ وجل فيها: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾ [ سورة الطلاق : 2] فهذه الآية لو نزعتها من سياقها، لكتب عليها مجلدات: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾ [ سورة الطلاق : 2] أي من يتق الله في تجارته يجعل الله له مخرجاً من الأزمات الطاحنة التي تسحق التجَّار، فقد يشتغل بعشرة أضعاف رأس ماله، ويشتري بضاعة بالدين، وهناك علاقات ربوية، و مشكلات فيفلس، لو أنه اتقى الله في تجارته لما وقع في هذه الإشكال، فالآية عجيبة، عجيبة جداً. إنسان اتقى الله في اختيار زوجته، اختارها من ذوات الدين، فلا يوجد عنده مشكلة معها، يجعل الله له مخرجاً من المآسي التي تصيب الأزواج الذين اختاروا زوجاتهم على أساسٍ آخر غير دينٍ. إنسان اتقى أن يشرك بالله، جعل الله له مخرجاً من خوف الشرك، فأصبح لا يخاف، فالآية عظيمة جداً يمكن أن يكتب عنها مجلدات، لكن سبحان الله هذه الآية لو أعدتها إلى سياقها وهي حول الطلاق، لو نزعتها من سياقها، معانيها واسعةٌ جداً، تنطبق على موضوع الشرك والتوحيد، والطاعة والمعصية، واختيار العمل، والزوجة، والتوكل، فهي واسعة جداً، أي إيجاز غني كما يسمونه، أما لو قرأتها في سياق آيات الطلاق، لرأيتها متعلقةً بالطلاق، أي ومن يتق الله في تطليق زوجته يجعل الله له مخرجاً إلى عودتها إليه، طلقها طلاقاً سنياً في ساعة من ساعات الغضب، أو أخذ قراراً بتطليقها، طلقها طلاقاً سنياً طلقة واحدة، هي في بيته، تبقى عنده ثلاثة قروء، اليوم غضبه في أوجه، فاض به الكيل، فغضبه اليوم مئة درجة، غضبه في اليوم الثاني تسع و تسعون، في اليوم الثالث ثمان و تسعون، ثم تجده يقول: والله أنا تسرعت، والله لابأس بها، طبخها جيد، نظيفة، أهلها جيدون، فكل يوم يجد لها ميزة، أول يوم لا أريدك، لا يريد أن يراها، في اليوم الثاني يجد لها خمس ميزات أو ست، تجد هذا العداد نزل ثم نزل، أصبح ثمانين، ستين، خمسين، أربعين، ثلاثين، بعد أسبوعين والله لماذا أنا فعلت هكذا بنفسي؟ فهو طلق طلاقاً سنياً، إذاً إن قال لها: راجعتك، انتهى الأمر، لفظةٌ واحدة، يا فلانة لقد راجعتك، وفي بعض المذاهب إن وضع يده على يدها فقد راجعها، فهو عندما طلق طلاقاً سنياً، سهل جداً أن يسترجعها، لا مهر ولا عقد، سهل جداً أن يسترجعها، هذا معنى الآية: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾ [ سورة الطلاق : 2] لكن لو قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أو طالقٌ بالثلاثة، وكل ما يحللك شيخ يحرمك عشرة، حاول أن تحلها، لأنه خالف السنة، فأصبح الطريق إلى إرجاعها صعباً جداً. فلذلك الطلاق السني أنت لا تندم، الآن قررت أن تطلقها، لكن بعد أن قررت خف الغضب، العداد نزل ونزل، بردت، فلما ذهب عن موسى الغضب، والله تطليقها فيه خطأ كبير عندك أولاد مثل الورد في البيت، وهي ليس لها هذه الإساءة البالغة، أنت طلقت طلاقاً سنياً فهذا جيد، راجعها حتى لو انقضت عدتها، أول شهر، وثاني شهر، وثالث شهر، أو أول قرء والثاني والثالث، فإذا أرادت أن تغتسل من الحيضة الثالثة، أول نقطة من الماء تضعها على جسمها، ملكت نفسها، انتهت العدة، فأسرع قبل أن تسكب على نفسها الماء، فقد ملكت نفسها. وأيضاً يمكن أن ترجع، سهلة، بعقدٍ جديد، ومهرٍ جديد، هذا التسلسل السني، صارت بينكما مشكلة، حلفت عليها يمين طلاق، وقع الطلاق، ولكن وقع طلقة واحدة، تمضي عدتها في بيتك، ولها أن تتزين، ولها أن تلبس ما تشاء، ولها أن تتزين لك، فإن لم تراجعها في هذه القروء الثلاث، أو في هذه الأشهر الثلاث، واغتسلت من الدورة الثالثة، ملكت نفسها ومع ذلك بإمكانك أن تسترجعها بعقدٍ وبمهرٍ، قد يكون المهر درهماً من الفضة ممكن، لكن الآن ملكت نفسها. الفرق بين من يراجع امرأته في أيام العدة و من يراجعها خارج أيام العدة : أيها الأخوة... الفرق بين أن تراجعها في أيام عدتها، وبين أن تعقد عليها عقداً جديداً بعد عدتها، فرق كبير جداً، من يعرفه؟ الفرق إذا انقضت عدتها، العقد الذي ينعقد عليها بعد انقضاء عدتها من شروطه أن ترضى هي، فإن لم ترض طارت من عندك وذهبت، أما إذا راجعتها قبل انقضاء عدتها فليس لها خيار، إن طلقتها وراجعتها في أثناء العدة، هل لها خيار في أن تقبل أو لا تقبل؟ لا ليس لها خيار، وليس هناك مهر، ولا عقد، أما إذا انقضت عدتها ملكت نفسها، كلمة ملكت نفسها أي أن الأمر لها عائد، إما أن توافق على أن تعود لك زوجة وإما ألا توافق، فإن وافقت تأخذ مهراً، إن وافقت لا بدَّ من عقدٍ ومهر، أما إن لم توافق ملكت نفسها وانتهى الأمر، فهذا الكلام دقيق جداً، فإن طلقت وهي في العدة لك أن تراجعها، إذاً الله عزّ وجل قال: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [ سورة البقرة: 229 ] فالطلاق السني أي الذي تتبع فيه سنة رسول الله الطلاق مرتان، وكيف إذاً الثالثة؟ ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [ سورة البقرة: 229 ] أما الطلاق البدعي فثلاث طلقات في طلقة واحدة، في مجلس واحد، ولموضوعٍ واحد، ولمشكلةٍ واحدة، دقق في هذه الآيات: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [ سورة البقرة: 229 ] المرة الأولى طلقت، ودخلت في العدة، تبقى في بيتك، وتتزين لك، فإن ندمت على هذا التطليق، لك أن تُراجعها، فإن انقضت العدة ولم تراجعها لك أن تعيد العقد والمهر، فإن قبلت استرجعتها، ولك أن تُطلق مرةً ثانية، تدخل في العدة، ولك أن تراجعها وهي في العدة، فإن انقضت عدتها تعقد عليها عقداً ثانياً ومهراً ثانياً وتسترجعها، ولك أن تطلقها مرةً ثالثة، لكن الثالثة ملكت نفسها ولا يحل لها أن تسترجعها حتى تنكح زوجاً آخر، هذه هي المشكلة. الحكمة من الزوج الآخر : لكن سبحان الله في موضوع الزوج الآخر هناك حكمة رائعة جداً، أحياناً المرأة تكون سيئة جداً وتظن أن زوجها سيئ، فهذه لو طلقها زوجها الأول وتزوجها آخر، والآخر كرهها إلى أن طلقها ثانيةً، عندئذٍ توقن أنها هي السبب، وأنها هي السيئة، فزوجها الآخر محك للأول، وزوجها الثاني إن كرهها كالأول فالعلة فيها، وإن أحبها فالعلة في زوجها الأول، هذا مؤشر دقيق، طلقها الأول، وتزوجها الثاني، إن كرهها الثاني فالعلة فيها، وإن رضي بها فالعلة في زوجها الأول، فأصبح زواجها الثاني مشعراً يشعرك أن سبب الطلاق إن كان من الزوجة فالثاني سيطلقها، وإن كان من الزوج فالثاني سيرضى بها . مثل آخر: عندك في المحل موظف سيئ جداً، لكنه أوهم الناس أن معلمه ظالم، يا أخي ليس عنده رحمة، معاش قليل، عمله كثير، لا أحد يتحمل هذا المعلم، استقال، فالموظف الذي أوهم الناس جميعاً أن الخطأ من المعلم هو السيئ، الراتب قليل فلما التحق بوظيفة أُخرى وشاهدوا أخطاءه، وانحرافاته، وتقصيراته، وكسله، صرفوه كذلك، فإذا صرفته الشركة الثانية فالعلة في الموظف، أما إذا قبلته واستفادت منه جداً فالعلة في الأول. موضوع دقيق جداً، حكمة أنه لا يجوز أن تعود إلى زوجها الأول إلا بعد أن تنكح زوجاً آخر، الزوج الآخر إن لم يطلقها فالعلة من زوجها الأول، وينبغي ألا تعود إليه، وإن طلقها الثاني فالعلة منها عندئذٍ لعلها تراجع نفسها، وتصلح من نفسها، الآية الثانية: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [ سورة الطلاق : 1 ] يوجد عدة، يجب أن تدخل في العدة، أما لو قال لها: طالق بالثلاث، فلم يعد هناك عدة، لأنه في الثالثة لا يوجد عدة، بالأولى يوجد عدة، وبالثانية يوجد عدة، أما بالثالثة فلا يوجد عدة، بالثالثة: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [ سورة البقرة: 229 ] الثالثة بينونة كبرى، أما لو أنك طلقتها أول تطليقة، ودخلت في العدة، وانقضت العدة، ملكت نفسها، فهذه بينونة صُغرى، سميت صغرى لأنك تستعيدها من دون أن تحتاج أن تنكح زوجاً آخر، لا بد من عقدٍ ومهرٍ جديدين، هذه نقطة، هذا هو نظام الطلاق السُني، سوف نعيده بشكل مختصر. طلقت، ودخلت في العدة، يوجد اختياران، إما أن يراجعها وهي في العدة، لا يدفع شيئاً، ولا يعقد عقداً، وليس لها أن ترفض، ولا تحتاج إلى عقد، ولا إلى مهر، وإن طلقتها وانقضت العدة ملكت نفسها، وأصبحت هي في الخيار، فإن وافقت تعود إليك بعقدٍ ومهرٍ جديد، الآن طلقتها تطليقةً ثانية، ودخلت في العدة الثانية، إن راجعتها في أثناء العدة عادت إليك بلا مهر وبلا عقد وبلا اختيار، فإن انقضت العدة ملكت نفسها، فإن قبلت أن تعود إليك فبعقدٍ جديد وبمهرٍ جديد، أما إن طلقتها التطليقة الثالثة، فقد ملكت نفسها ولن تستطيع أن تسترجعها إلا أن تنكح زوجاً آخر، والزوج الآخر هو الحل، إن كانت هي السبب يطلقها الثاني، وإن كنت أنت السبب فالثاني لا يطلقها، هذا الطلاق السُني مأخوذ من قوله تعالى: ﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [ سورة البقرة: 229 ] والأريح من كل هذا إن كانت تعجبك جملةً مقبولة، بنت حلال، أُم أولادك، ألفتها وألفتك، الأفضل أن تبتعد كلياً عن موضوع الطلاق، الآية الثانية: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ [ سورة الطلاق : 1 ] أنواع الطلاق البدعي : الآن مشكلتنا مشكلة المسلمين في الطلاق البدعي، ما أنواع الطلاق البدعي؟ معنى الطلاق البدعي أي طلاقٌ ابتدعه المسلمون خلافاً للشرع، من هذا الطلاق كأن يطلقها ثلاثاً في مجلسٍ واحد، إما ثلاث طلقات متفرقات في مجلس واحد، أو أن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أي رشاً، هذا طلاقٌ بدعي. الحالة الثانية أن يطلقها في حيض أو في نفاس، هذا طلاق بدعي آخر، لأن الطلاق السُني يجب أن تطلقها في طُهرٍ لم تمسها فيه بالضبط، فإن طلقتها في حيضٍ فهذا طلاقٌ بدعي، وإن طلقتها في طُهرٍ مسستها فيه فهذا طلاقٌ بدعيٌ أيضاً. أجمع العلماء على أن الطلاق البدعي حرام، أنت حينما تطلق ترتكب شيئاً محرماً، و تكون آثماً، ومعنى حرام أي يُعاقب فاعله، كل إنسان يطلق زوجته ثلاث تطليقات في آنٍ واحد فقد ارتكب حراماً، وهو آثم وسوف يعاقب عند الله عزّ وجل. لكن السؤال الآن: الطلاق البدعي يقع ؟ هنا المشكلة، حرام حرام، لا يوجد شك أنه حرام، ولا يوجد شك أن فاعله آثم، لكن السؤال هل يقع هذا الطلاق ؟ هذه قضيةٌ خلافية، هناك من ذهب إلى أن طلاق البدعة لا يقع، ثلاث تطليقات في واحدة بدعي، طلقها في حيضٍ أو نفاسٍ بدعي، طلقها في طهرٍ مسها فيه بدعي، بعضهم ذهب إلى أن طلاق البدعة لا يقع، من هؤلاء عبد الله بن معمر، سعيد بن المسيب، طاوس من أصحاب ابن عباس، ابن عقيل من أئمة الحنابلة، أئمة آل البيت، الظاهرية، أحد الوجهين في مذهب الإمام أحمد، ابن تيمية هؤلاء جميعاً يرون أن الطلاق البدعي لا يقع، وبعضهم قال: يقع ولو أنه حرام، أي الطلاق البدعي موضوع خلافي بين العلماء، بعضهم يوقعه ومعهم أدلته، وبعضهم لا يوقعه ومعهم أدلته، أي أنك دخلت في منطقة شك، ومنطقة قلق، ومنطقة حيرة، إن أردت أن تُطلق فطلق طلاقاً سُنياً، والطلاق السني ميزته لك مخرجٌ أن تعيدها إليك: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾ [ سورة الطلاق : 2] جمهور العلماء رأوا أن من يطلق ثلاث مرات في مجلس واحد هذا الطلاق يقع ويرى بعضهم عدم وقوعه، والذين رأوا وقوعه اختلفوا، فقال بعضهم : يقع مرةً واحدة، فكم اتجاه يوجد؟ ثلاث طلقات في مرة واحدة، بعضهم قال: لا يقع إطلاقاً، بعضهم قال: يقع، والذين قالوا يقع انقسموا قسمين، بعضهم قال: يقع ثلاث طلقات، وبعضهم قال: يقع طلقةً واحدة. يوجد عندنا شيء آخر أن هذه المرأة إن طلقها الإنسان ولم يراجعها، لم يستعيدها، فإذا طلقها تطليقةً ثانيةً قبل أن يراجعها التطليقة الثانية لا تقع لأنه لم يتملكها، ليست محلاً للطلاق، القضية دقيقة، طلَّق أول مرة ودخلت في العدة ولم يراجعها، الآن هي ليست زوجته، هي زوجته في البيت، لكن مطلقة، مطلقة وهي في العدة، فإن طلقها تطليقةً ثانية وهي في العدة قبل أن ينهي الأولى إرجاعاً أو إمضاءً فالطلقة الثانية لا تقع لأن الزوجة ليست محلاً للطلاق. حاجة الطلاق إلى شهود ليقع : ![]() هناك رأي وهذا الرأي دقيق، أسمعكم الآية التي اعتمد عليها أصحابها، هذا الرأي أن الطلاق يحتاج إلى شهود، الآية الكريمة، قال تعالى: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [ سورة الطلاق : 2] فالأشهاد في عقد القِران وفي إنهاء العلاقة، إذاً نضيف إلى شرط الطلاق السُني أن يشهد عليه شاهدان، أصبح الطلاق في المحكمة، أي إذا طلق إنسان زوجته من رأسه إلى رأسها في ساعة غضب تطلق ويضيع الأولاد؟ يوجد رأي وهذا الرأي يراه الإمام عليُّ كرم الله وجهه، والإمام جعفر الصادق، قال : من طلق بغير شهود فليس بشيء . هذا الرأي جيد ومنطقي، أنه كيف تم هذا الزواج ؟ لم ينعقد العقد إلا بشاهدين وهذا العقد لا ينفصم إلا بشاهدين، والدليل: ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [ سورة الطلاق : 2] إذاً لابد من أن يشهد ذوا عدلٍ على هذا الطلاق، فالطلاق إذاً الذي لا يكون مع شاهدين طلاقٌ لا يقع، في رأي الإمام سيدنا علي، والإمام جعفر الباقر، والإمام جعفر الصادق، كل هؤلاء يرون أن هذا الطلاق لا يقع. تلخيص لما سبق : الطلاق البدعي كملخص، من يعيد أنواع الطلاق البدعي ؟ ثلاث طلقات في مجلس واحد، أو طلقها في حيضٍ أو نفاس، أو في طُهرٍ مسها فيه، أو طلقها ولم يراجعها، فليست محلاً للطلاق، أو طلقها من غير شهود، أو اختلف مع شريكه، قال له: هذا الصوف ثلاثون بالمئة بوليستر، قال له: غلطان ثمانون بالمئة بوليستر، تشاجروا، تعاركوا، عليه بالطلاق أن بالمئة ثلاثين بوليستر، فما ذنب زوجته القاعدة في البيت ؟ التي عندها خمسة أولاد، ما ذنبها هذه ؟ قال: هذا الطلاق أيضاً بدعي، هذا يدخل في باب تأكيد الأيمان، اختلفوا على موضوع فحلف بالطلاق، فممكن أن نجمعهم، ثلاث تطليقات في طلقة في مجلس واحد، طلقها في حيضٍ أو نفاس، طلقها في طهرٍ مسها فيه، طلقها قبل أن يراجعها، طلقها بلا شهود، طلقها وهي ليست طرفاً في الموضوع، ليس لها علاقة أبداً، قاعدة في بيتها، فهو قد اختلف مع شريكه، هذه أنواع الطلاق البدعي، هذه كلها محرمة، وفاعلها آثم، أما وقوعها ففيه خلاف، بعض العلماء أوقع هذا الطلاق البدعي، وبعضه لم يوقع هذا الطلاق البدعي، لذلك الإنسان يحتار إذا ذهب إلى بعض المفتين يصعق، هنا قال: طلقت نهائياً، وهنا قال: أرجعها يا بني، عليك كفارة يمين، المسافة بينهما كبيرة جداً، إن اتبعت الأول طلقت والأولاد شُرِدوا، وإن اتبعت الثاني فعليك كفارة يمين فقط، فهذه المسافة الكبيرة في آراء العلماء في موضوع الطلاق أسبابها أن الطلاق البدعي بعضهم أوقعه، وفي مقدمتهم الأحناف، وهم من أشد المذاهب في موضوع الطلاق، والإمام ابن تيمية وابن قيم الجوزية هم الذين جعلوا الطلاق المعلق والطلاق البدعي لا يقع. أصبح موضوع درسنا اليوم الطلاق المعلق والمنجز والبدعي والسني، والأصح من هذا وذاك لا تطلق لا معلق ولا منجز ولا بدعي ولا سني، أليس من الأفضل لك هكذا؟ يا أخي لا تتكلم معها عدة أيام، اصرخ لا شيء عليك، أو أغلق الباب بشدة ، لكن لا تطلق، فالواحد أحياناً يعبر عن غضبه بأشياء كثيرة جداً، اترك الطلاق يا أخي، هذا الموضوع اتركه قليلاً، أنت لا تمر عند أهلها لكن لا تطلقها، لا تتكلم معها شهراً لكن لا تطلقها، شيء سهل، لأنك إذا دخلت في الطلاق دخلت في الشك، لأني أنا أُعاني هذا الشيء، أعاني من إخواننا الكرام، يذهب من عالم إلى عالم، يقع في تناقض عجيب، يقول لك: كم دين يوجد؟ هنا قال: رأساً طلقها، هنا قال: ادفع كفارة، لا يوجد معك صم ثلاثة أيام وانتهت المشكلة، فيه مرونة، حتى لا تدخل في هذه المتاهة يا أخي، لا تدخل في هذا القلق، أنا أرى موضوع الطلاق، لا بدعي ولا معلق ولا سنة ولا منجز، ولا طاء ولا لام ولا ألف ولا قاف، ولا حرف إذا كلمة فيها كلمة طاء ابتعد عنها أريح لك وإلى هذه الدرجة، وهذا أكمل، إذا كانت الزوجة مقبولة جملةً، أم أولادك وعشت معها ثلاث عشرة سنة أعرف إنساناً طلق بعد سبع وثلاثين سنة، والله قد تأخر في ذلك. إعادة لأنواع الطلاق : يوجد عندنا الطلاق الرجعي والبائن، المنجز والمعلق، والبدعي والسني، فالرجعي والبائن أول طلقة هذه طلقة رجعية، أي يمكن أن تراجعها بلا مهر وبلا عقد، إن انقضت العدة ملكت نفسها، إن أرادت أن ترجع إليك، هي إن أرادت فبعقدٍ ومهرٍ جديدين، هذا الطلاق الرجعي، وتعريفه الفقهي: هو الطلاق الذي يوقعه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقةً إيقاعاً مجرداً عن أن يكون في مقابلة مال. المخالعة : إيقاع الطلاق مقابل مال هذا ماذا يسمونه؟ هذه مخالعة، كرهته، فقال لها النبي: طلقها تطليقة وردي له الحديقة . الآن إذا إنسان مثلاً تزوج امرأة تعب جداً حتى وصل إليها، واشترى البيت و الأثاث، وجلب لها الهدايا، والذهب والألماس، والملابس، ويوم العرس قالت له: أنا أهلي جبروني عليك أنا لا أُريدك، كرهته إلى درجة غير معقولة، بإمكانها أن تفتدي نفسها منه، فتسامحه بكل شيء، قال لها: طلقها تطليقة وردي له الحديقة . ![]() فإذا إنسانة كرهت زوجها، له الحق أن يسترد منها كل هديةٍ قدمها لها، حتى لو كانت كنزة، هذا هو الحق، ليس له ذنب، إذا كرهته فهذه هي المخالعة، قلنا لكم سابقاً: إذا كان الطلاق بسبب الزوجة فهذه مخالعة، ومن طرف الزوج هذا طلاق، من طرف القاضي هذا تفريق، توجد دعوى تفريق، ودعوى طلاق، ودعوى مخالعة، الطلاق الرجعي: هو الطلاق الذي يوقعه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقةً إيقاعاً مجرداً عن أن يكون في مقابلة مال. لأن الخلع ليس له مراجعة، قال له: طلقها تطليقة وردي له الحديقة . المخالعة لها أحكام خاصة، طلقة واحدة وبينونة مع الطلقة، ولم يكن مسبوقاً بطلقةٍ أصلاً، لو مسبوق بطلقةٍ أو كان مسبوقاً بطلقةٍ واحدة، إذا كان لا يوجد أي طلقة فهو رجعي، إذا كان هناك طلقة واحدة فهو رجعي، طلقتان لم يعد رجعياً، أصبح بينونة، إذاً الطلاق الرجعي ليس مقابل مال، ولم يسبقه أي طلقة، أو سبقه طلقة واحدة، أما إذا كان مقابل مال أصبح مخالعة، إن سبقه طلقتين أصبح بينونة. الآن البينونة أيضاً نوعين، كبرى وصغرى، الكبرى: إذا ملكت نفسها بعد تطليقتين وانقضاء عدتين دون أن يراجعها فيهما، الصغرى: إذا انقضت عدتها من طلقةٍ رجعيةٍ ولم يراجعها فيه، هذا بينونة صغرى. كأن الله عزّ وجل يريد منا إذا نشب خلافٌ بيننا وبين زوجاتنا، نظراً لقدسية هذا العقد، ولحرمة الأولاد الصغار الذين أناط الله بالوالدين تربيتهم، كأن الله عزّ وجل أراد أن يعطيك فرصاً إن كنت نادماً. من يتق الله يجعل له مخرجاً : ومجمل الموضوع ملخصٌ في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾ [ سورة الطلاق : 2] ومن يتق الله في تطليق زوجته يجعل الله مخرجاً في العودة إليها. والذي أنا أراه أن أكثر المطلقين بعد مضي زمن طويل يندمون على عملهم، فلا يوجد حكم شرعي يهتز له عرش الرحمن كالطلاق، طفل مثل الوردة، هذه أمه وهذا أبوه، أمه في جهة وأبوه في جهة إن ذهب عند أمه مشكلة، و إن ذهب لعند أبيه مشكلة، لأن النبي الكريم بكى مرة عندما جاءته امرأة وقد سمع الله شكواها من فوق سبع سموات، قالت له: " يا رسول الله إن زوجي تزوجني وأنا شابة فلما كبرت سني، ونثر بطني، وتفرق عني أهلي، وذهب مالي، قال: أنت علي كظهر أُمي ولي منه أولاد، إن تركتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا" . تجد مع الأب لا يوجد تربية ولكن يوجد نقود، مع الأم توجد التربية ولكن لا يوجد نقود، فلذلك الإنسان قبل أن يلفظ يمين الطلاق يعد للمليون، لا يوجد شيء يؤلم الزوج والزوجة كأن يرى أولاده مشردين في الطرقات، ولو أذكر لكم بعض ما تعامل به المرأة أولاد زوجها من القسوة والحقد أحياناً والإيقاع فيوجد أولاد يهيمون على وجوههم كرهاً بزوجات آبائهم، فالأم لها ترتيب خاص، الأم أودع الله فيها رحمةً وعطفاً وشفقةً لحدٍ غير معقول، أما الخالة زوجة الأب فليست كذلك، يوجد فرق كبير، قد سمعت قصة عن رجل توفيت والدته وهو يحبها حباً جماً، يقول هذا الرجل: إه رآها في المنام مرَّات عديدة لكن بأحوال مزعجة، رآها مسودة الوجه، رآها تلتهب بالنار ويبدو أنه رجل صالح، ومناماته واضحة تماماً، كأنها إعلام، أن أُمك في هذه الحالة، فرآها بعد ثماني سنوات بحالةٍ حسنة، هكذا وجهها منير وتلبس البياض، قال لها: ما فعل الله بك يا أمي؟ قالت له: كأس الحليب فقط، كان لها أولاد زوج، فكانت تطعم أولادها حليباً كامل الدسم، وأولاد زوجها حليباً نصفه ماء ونصفه حليب، لأن هذا ابن زوجها تعطيه النصف، أي خمسون بالمئة، أما هذا ابنها فتعطيه حليباً كامل الدسم، لم تفعل غير هذا الذنب، وهذه الرواية ظنية وغير قطعية لكن القصة لها دلالة قوية، أنه عندما الأم ترتكب مثل هذا التفريق بين أولاد زوجها وأولادها فالله بالمرصاد، على كل نحن إذا ابتعدنا عن الطلاق ليس لنا دخل في كل هذه المتاهات وهذه المشكلات. فالطلاق كما قلت قبل درسين أو ثلاثة الطلاق له أسباب جوهرية نص عليها العلماء في حالتين فقط، شككت في سلوكها، أي إذا شككت أن أولادك ليسوا منك مثلاً، هذه حالات نعوذ بالله منها وهي نادرة جداً، هذه حالة توجب الطلاق، أو لا يمكن أن تكفك عن الحرام، هاتان الحالتان نادرتان، أما الباقي فالحالات كلها مقبولة، الحقيقة أوحى ربك إلى الدنيا أن تشددي وتمرري وتكدري وتضيقي على أوليائي حتى يحبوا لقائي . الكمال المطلق ليس في الدنيا، الكمال المطلق في الآخرة، لو أنه في الدنيا لأعرضت عن الآخرة، فهذه الزوجة المثالية قال: إنسان أراد أن يخطب، أعطى أمه ثمانية عشر شرطاً ؛ الشكل والطول واللون والنسب والحسب والذكاء والثقافة والمال والغنى إلخ، ذهبت ودارت سنة لم تجد، مستحيل لأن هذه الشروط كلها شروط تعجيزية، بحثت سنة ولم تجد شيئاً مناسباً، فتخلى عن شرط، السنة الثانية تخلى عن شرط ثان، الثالثة عن شرط، بعدها بقي على شرط واحد هو أن تقبل فيه واحدة من النساء. فهذا الكمال المطلق غير موجود يا أخواننا، وأنت لست كاملاً، إذاً هي ليست كاملة، كن واقعياً تعيش حياة سعيدة، عندما تكون غير واقعي هذا شيء مستحيل، فهذه الدنيا ليست دار مقر، بل دار ممر، فقد أمرنا الله تعالى بأن نعاشرهن بالمعروف فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾ [ سورة النساء: 19] وقال:
﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾ [ سورة النساء: 19] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#4 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس (الرابع ) التفريق والخلع الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علَّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الطلاق : أيها الأخوة الأكارم... لا زلنا في موضوعات الفقه، والموضوعات كما بينت لكم من قبل موضوعاتٌ أشعر أننا في أمس الحاجة إليها، من خلال توقعٍ أو واقع، أكثر الأسئلة التي تردُ من إخوةٍ كرام أربعة أخماسها أو أقل بقليل تتعلق بالطلاق. فالإنسان علاقته مع زوجته هذه علاقة واقعة وقائمة، وهذه العلاقة قد تتعثرها بعض المشكلات، أي حينما يلجأ الزوج إلى حل مشكلته عن طريق يمين الطلاق، فهذا طريقٌ فيه خطأٌ كبير، وقد بينت في الدرس الماضي كيف أن هناك الطلاق السُني، والطلاق البدعي، طلاقٌ ثلاث مرات في مجلس واحد، ولموضوع واحد، هذا طلاق بدعي، طلاق الزوجة وهي في حيضٍ طلاقٌ بدعي، طلاق الزوجة في طُهرٍ مسها فيه طلاقٌ بدعي، طلاق الزوجة لموضوعٍ لا علاقة لها به هذا طلاقٌ بدعي، طلاق الزوجة قبل أن تراجعها تطليقةً ثانية هذا طلاقٌ بدعي، طلاقٌ بلا شهود طلاق بدعي. هذا الموضوع تمّ عرضه في الدرس الماضي، وبينت أن الطلاق البدعي عند جمهور العلماء يقع، ولو أنه بدعي، وعند بعض العلماء لا يقع، إذاً يوجد مخاطرة كبيرة، لو أنك خالفت السنة في تطليق زوجتك فإن الطلاق يقع عند جمهور العلماء. والطلاق كما أراده الله عزّ وجل صمام أمان، والطلاق فيه مراحل يمكن للرجل إذا ندم على فعلته أن يتلافى الندم، حينما جعل الطلاق تطليقة أولى وعِدة، تطليقة ثانية و عدة، ثم البينونة الكبرى، كل هذا تم في درسٍ ماض. التفريق : واليوم ننتقل إلى موضوعٍ آخر ألا وهو التفريق، يوجد عندنا تطليق، وتفريق، وخلع، التطليق من حق الزوج، والتفريق من حق القاضي، والخلع من حق الزوجة، الزوجة في بعض الحالات تتطلب أن تخلع من زوجها مقابل أن تسامحه بكل شيء ![]() والقاضي أحياناً حينما ترفع له قضية امرأة سافر عنها زوجها ولم يعد، وظل مسافراً سنتين أو ثلاث، لا تعلم عن أخباره شيئاً، القاضي يصدر قراراً بالتفريق، وحكمه نافذ، وبإمكانها أن تتزوج بعد قرار التفريق، فالدرس اليوم عن التفريق والخلع، ولكن قبل أن نخوض في تفاصيل أحكام التفريق والخلع لابد من مقدمة. الإيمان بالله و العمل الصالح : أيها الأخوة الأكارم... الإنسان يوجد عنده شيئان أساسيان، الإيمان بالله والعمل الصالح، لأن الله عزّ وجل يقول: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [ سورة العصر: 1-2] ![]() أي الزمن يستهلكه، كلما مضى يومٌ انقضى بضعٌ منه، يستطيع أن يتلافى الخسارة في حالةٍ واحدة، أن يستهلك وقته في الإيمان والعمل الصالح، الإيمان بالكون، الإيمان بالكتاب - القرآن الكريم والسُنة - الإيمان بالأحداث أي أفعال الله عزّ وجل، فأنت من خلال الأحداث تؤمن، ومن خلال القرآن الكريم والسُنة تؤمن، ومن خلال الكون تؤمن، ولكن إذا آمنت، إذا آمنت من خلال هذه المصادر الثلاث، وصدقت بما جاء النبيّ عليه الصلاة والسلام، الآن شرط الإيمان أن تنعقد صلةٌ لك بالله عزّ وجل، هذه الصلة أساس إشراق الحقيقة في النفس، يقول لك: فلان مستنير، فلان يمشي على هدى، وربنا عزّ وجل قال: ﴿ أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبّاً عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ [سورة الملك: 22] يا أخوان إن حال المؤمن حال عجيب، المؤمن مستنير، قبل قليل أخ حدثني كلمة تأثرت بها، قال: إنه تنبأ لفلان بشيء فوقع، المؤمن هل يعلم الغيب؟ لا والله لا يعلم الغيب لكن المؤمن يعلم قوانين الله عزّ وجل، يعلم هذه السُنن التي سنها الله عزّ وجل، فغير المؤمن يظن نفسه شاطراً عندما يأكل مالاً حراماً، ويقتنص اللذائذ المُحرمة، ويعتدي على حقوق الآخرين، فهو يعد نفسه ذكياً بهذا الشيء، فيأتي العقاب الإلهي فيسحقه سحقاً، أما المؤمن فمستنير، يعرف أن العباد لهم رب، وحقوق العباد محفوظة عند الله عزّ وجل، إذاً عندما الإنسان يؤمن بوجود الله وكماله وأسمائه الحُسنى ووحدانيته، من خلال الكون أو القرآن أو الحوادث، وتنعقد مع الله صلة، تشرق الحقيقة في نفسه. ثمار الإيمان بالله : 1 ـ إشراق الحقيقة في نفس المؤمن : الآن ثمار الإيمان ثلاث؛ ثمار كبرى، أول ثمرة: إشراق الحقيقة في نفسه، المؤمن مستنير، وكل ما يجري حوله له تفسير عنده، تفسير واضح تماماً، فلان كان ورعاً فأكرمه الله، فلان أكل مالاً حراماً فأتلف الله ماله، فلان ظلم الآخرين فظلموه، فلان أحسن فأُحسن إليه، تجده كلما سمع قصةً، أو عاين واقعةً، شعر أن هذه الواقعة تندرج في منظومة الإيمان. لذلك أنا قلت لإخواننا البارحة: إذا سمعت قصة تقوي الإيمان فاروِها، إنسان كان ورعاً فأكرمه الله، إنسان تعفف عن الحرام فأكرمه الله، إنسان أكل مالاً حراماً فأتلف الله ماله، هذه قصص تُقوي، كما قلت في درس الجمعة: الله عزّ وجل قال: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى﴾ [ سورة يوسف: 111 ] إذاً بالقصة يوجد عبرة، وهناك شيء ثان في القصة: ﴿ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [ سورة هود: 120] أحياناً القصة الصادقة الواقعية تعطيك دعماً، تعطيك بالتعبير الحديث زخماً، قوة معنوية عالية، أن الله عزّ وجل موجود، والله كبير، والله كريم، والله لا يتخلى عن المؤمنين وسينصرهم، فلذلك أول ثمرة بالإيمان هي إشراق الحقيقة في النفس، فلان مستنير، فلان يمشي على هدى، معه مفاتيح النجاح، معه قوانين النجاح، يعرف أسباب الهلاك، يعرف أسباب الدمار، يعرف أسباب الشقاء الزوجي، أسباب السعادة الزوجية، يعرف أسباب النجاح بالعمل التجاري، يعرف أسباب الإخفاق بالعمل التجاري، يعرف أسباب السعادة النفسية الداخلية، كل هذا يعرفه، كلها من خلال كتاب الله عزّ وجل، من خلال دروس العلم، من خلال السُنة النبوية، إذاً أول ثمرة من ثمار الإيمان: إشراق الحقيقة في النفس، المؤمن صاحب بصيرة. 2 ـ اصطباغ النفس بالكمالات الإنسانية : الثمرة الثانية بعد إشراق الحقيقة وهي: اصطباغ النفس بالكمالات الإنسانية، لا تصدق أن هناك مؤمناً كذاباً، لا تصدق، هذا ليس مؤمناً، المؤمن صادق، المؤمن أمين، المؤمن كريم، المؤمن عنده نفسية متواضعة، المؤمن عفو، المؤمن متسامح، المؤمن مُنصف، المؤمن يحاسب نفسه حساباً شديداً، المؤمن تحت قدمه كل العنعنات الجاهلية، مرة قال لي أخ: سكنت في بناء أغلب سكانه من أُسرة واحدة، واحد منهم قال له: من أنت ؟ قال لي: قد جرحني، وهذه عنعنة جاهلية، عندما تعرفون أن أحد الصحابة في ساعة غضب غضِب من سيدنا بلال فقال له: يا بن السوداء، فالنبي عليه الصلاة والسلام غضب غضباً شديداً، فقال له: ((يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ...)) [ متفق عليه عن الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْدٍ] ![]() عندما تقول أنا ابن فلان، أنا أتكلم بكذا ألف، أو أنا حجمي المالي كذا، عندما تقول من هو فلان؟ أو ما معه فلان؟ حينما تنطلق انطلاقاً عنصرياً فهناك جاهلية، أما المؤمن فمتواضع أولاً، ويحترم جميع الخلق من دون استثناء، إذاً أول ثمرة من ثمار الإيمان: إشراق الحقائق في النفس، المؤمن مستنير، أحياناً تجلس مع إنسان ابن صنعة، يقول لك: هذه إذا فعلت ذلك يصير معك هكذا، إذا لم تغسل القماش ينكمش على التفصيل، إذا لم يكن القماش مكوياً على الطريقة الفلانية يعمل لك مشاكل، من هو صاحب الخبرة؟ يوجد عنده آلاف الحقائق، كلها متراكمة عنده، فكل غلطة لها نتيجة، كل غلطة لها ثمن، كل جهد زائد في الصنعة له ثمن أيضاً، فكيف أن أصحاب الصنعات يعرف ويتنبأ بما سيكون لا من باب علم الغيب، ولكن من باب معرفة القوانين، كذلك المؤمن تشرق الحقائق في نفسه، يعرف مثلاً من عَقَّ والديه سيأتيه أولادٌ يعقونه، يعرف أن من كسب مالاً حلالاً يبارك الله له فيه، يكون دخله قليلاً لكن فيه البركة، وأنا أُؤمن بالبركة، تجده يأكل، ويشرب، ويلبس، وحجم دخله لا يكفيه ثلاثة أيام حسب مقاييس الناس، كيف كفاه؟ الله عزّ وجل بارك له فيه لأنه مالٌ حلال، والمال الحرام كثير جداً لكنه يذهب بطريقةٍ أو بأُخرى تؤلم صاحبها، لأن الله أتلفه، والنتيجة أن الإنسان إذا آمن بوجود الله وبكماله وبوحدانيته من خلال الكون أو الأفعال أو القرآن، وعقد مع ربه صلةً محكمةً، أشرقت الحقيقة في نفسه أولاً، وثانياً اصطبغ بالكمال الإنساني، المؤمن محبوب، وإن لم يكن محبوباً فهو ليس مؤمناً، لماذا لا يُحب وهو الصادق الذي لا يكذب؟ قلت لكم مرة: إنسان كان له عمل لا يُرضي الله إطلاقاً، فاصطلح مع الله وتاب واعتزل العمل الذي لا يرضي الله، فسُئل: ما الذي جعلك تؤمن؟ قال له: أنا أعيش في جو كذب، وجو نِفاق، وجو خِداع ومؤامرات، وفي النهاية كلنا أشقياء، فلما خالطت أهل الإيمان قبل أن يصطلح مع الله قال: رأيت الصدق والوفاء، رأيت التعاون، رأيت السعادة. فأنت اجلس مع المؤمنين، هذا شيء مريح جداً، الإنسان أولاً: طيب القلب صاف إذاً من ثمار الإيمان إشراق الحقائق في النفس، واصطباغ النفس بالكمالات الإنسانية. 3 ـ الانغماس في السعادة الروحية : الشيء الثالث: الانغماس في السعادة الروحية، اليوم في الفجر قلت لإخواننا كلمة، أجد نفسي حريصاً على إعادتها، وحتى لا نضيع الوقت يوجد نقطة وهي: يجب أن تصل إلى الله، وإن لم تصل إليه، يوجد في الدين نشاطات كثيرة جداً ؛ ممكن تستمع إلى دروس علم، ممكن تساهم في عمل خيري، ممكن تحفظ كتاب الله وهذا شيء عظيم، ممكن تؤلف كتباً، ممكن تنشر علماً، لكن من أجل أن تصل إلى الله لا بد من إحكام استقامتك، لابد من طاعته طاعةً تامة، لابد من بذل شيءٍ ثمينٍ في سبيله، إذا أطعته إطاعة تامة، وبذلت شيئاً ثميناً تصل إليه، فإذا وصلت إليه أنزل على قلبك السكينة، ذكرت هذا في صلاة الفجر اليوم، لأن الله عزّ وجل يقول: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ﴾ [ سورة الفتح: 4 ] أي المؤمن متمسِّك بدينه، متمسك بمجلس العلم، لأن نفسه انتشت بالقرب من الله عزّ وجل، عندما أقبل على الله واتصل به شعر بالطمأنينة، شعر بالسعادة، لذلك السكينة التي يلقيها الله على قلوب المؤمنين هي التي تشدهم إلى الدين، بالإضافة إلى إيمانهم بوحدانية الله وبعظمته وبأسمائه وبكمالاته. ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [ سورة الفتح: 4 ] الاستقامة سلبية والعمل الصالح إيجابي : فيا أخواننا الكرام إذا نحن تمكنا، ضبطنا أُمورنا، ضبطنا استقامتنا، بذلنا مما أكرمنا الله به من علم، من مال، أهل الغنى عليهم أن يُنفقوا مما أفاء الله عليهم، أهل العلم عليهم أن يُنفقوا من علمهم، أهل الجاه عليهم أن يُنفقوا من جاههم، الاستقامة سلبية، والعمل الصالح إيجابي، أنت عندما تنضبط تلزم سبيل الاستقامة تماماً، لا تحيد عنها، في بيتك، في عملك، في نشاطاتك، في لهوك، في كسب مالك، في إنفاق مالك، في علاقاتك بأهلك وأولادك وبوالديك، أي حينما تلتزم أمر الله عزّ وجل، وحينما تبذل مما أفاء الله عليك، عندئذٍ تنعقد مع الله الصلة، عندئذٍ تصل إلى الله، ومن ذاق عرف، ومن وصل عرف، والقصة التي تعرِفونها جميعاً: أن إنساناً خطب ابنة أحد الشيوخ، فهذا الشيخ يظهر أن الله فاتح له بصيرته، قال له: يا بني هذه مهرها غال جداً، قال له: ما هو مهرها ؟ قال: أن تحضر عندي، قال: نرضيه ونعمل له عدداً من الدروس ما هذا المهر العظيم؟! يوجد أخ من أخواننا أحضر لي خطيباً إلى البيت وقال لي: هذا خاطب ابنتي، قلت له: أهلاً وسهلاً، لكن نحن أخواننا لهم التزامهم بالدرس، فقال لي: أحضر ولا شيء في ذلك، قلت له: أهلاً وسهلاً، فأصبحت أُلاحظه أثناء الدرس جالساً و متضايقاً، أصبح الدرس ضريبة بالنسبة له، وأشعر أنه ليس معنا إطلاقاً، صدقوني بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة انقلبت أحواله كلها واندمج، فقال: سبحان الله مثلما قال الإمام الغزالي: " أردنا العلم لغير الله فأبى العلم إلا أن يكون لله ". أنت أحياناً يستحي منك شخص فيأتي معك إلى الدرس، فأول الأمر جاء ليرضيك، وبعدها أقبل فأشرق الإيمان في قلبه، فلا تزهد، فأنا أردت من هذه المقدمة أن الإيمان أولاً فيه إشراق حقيقة، ثانياً بالإيمان يوجد شيء ثمين وهو الاصطباغ بالكمالات الإنسانية، المؤمن وفي. فقد حدثني اليوم أخ يعطي دروساً خاصة، قال لي: والله إذا لم أفد الطالب أحس أني أكلت مالاً حراماً، قلت له: بارك الله بك، وقلت له: والله التدريس الخاص ممكن ألف مدرس يأخذ منك على الدرس خمسمئة ليرة ولا يعلم ابنك، يجلس معه ساعة، يعطيه عدداً من التمرين و يقول له: حلهم، وإذا لم يعرف حلهم يحلهم له هو، لكن لم يعلمه كيف يحل التمرين، ولكنه جلس ساعة وأخذ خمسمئة ليرة، لكن المؤمن لا يأخذ خمسمئة ليرة حتى يعلمه فعلاً، حتى يعلمه كيف يحل مسألة، كيف يعرب، كيف يكتب موضوع تعبير، إذا لم يقدم له شيئاً ثميناً لا يأخذ مبلغ، إذاً الإيمان فيه إشراق، وفيه كمالات، وفيه انغماس بسعادة روحية. يا أخوان إن لم تشعر بهذه السعادة فهناك مشكلة، أي إذا لم تشعر أنك قريب من الله وسعيد، راجع نفسك، ولا تقل: أنا أذهب إلى الدروس، أنا أُصلي، أنا حججت خمس حجج، أنا عملت ثلاث عمرات، أنا أدفع زكاة مالي، إذا لم تصل إلى الله عزّ وجل وأخذت من الله السكينة هذه راجع حساباتك، كن واعياً، واعرف قيمة الحياة، إن الحياة ثمينة جداً، هذه النقطة الثانية، إذاً الذين آمنوا، آمنا بالله خالقاً ومربياً ومسيراً، آمنا بوجوده ووحدانيته وكماله، آمنا من خلال الكون والقرآن والأحداث، عندما آمنا انعقدت مع الله صلة وعلى أساس هذه الصلة الحقيقة بالنفس أشرقت، اصطبغت بالكمال، أصبحت إنساناً أخلاقياً يشار لك بالبنان، هذا لا يكذب، هذا لا يغش، المؤمن يحاسب نفسه حساباً عسيراً، حتى في كل الحِرف، تجد نفسك ترتاح لصاحب الحِرف المؤمن، أي معقول صاحب حِرفة مؤمن يغشك؟ يقول لك: والله وضعنا قطعة من الوكالة وهي قديمة؟ يقول لك: هذه غيرناها وهو لم يغيرها معقول ؟ لا هذه مستحيلة، مستحيل، لأنه يعرف أن الله موجود ويراقب، الشيء الثالث انغماس بالسعادة الروحية، إشراق الحقيقة بالنفس، الاصطباغ بالكمالات البشرية. تحرك الإنسان نحو العمل الصالح في اللحظة التي تستقر حقيقة الإيمان في نفسه : الآن توجد فكرة دقيقة تكلمت عنها في خطبة الجمعة، في اللحظة التي تستقر حقيقة الإيمان في النفس يتحرك الإنسان نحو العمل الصالح، إيمان سكوني لا يوجد يا أخوان، لا تغشوا أنفسكم، إنسان نواياه طيبة مؤمن، فهذا إيمان مُزيف ![]() الإيمان حركي، مثلاً: أب ويوجد مدفأة مشتعلة، وابنه صغير جداً وماشي باتجاه المدفأة، فهل يظل الأب ساكتاً ؟ هذا مستحيل، لا يتكلم بل يقفز ويمسكه من يده، أي مادام يوجد في قلب الأب رحمة، والطفل صغير جاهل بأخطار النار يندفع الأب للحركة، فتقول لي: مؤمن، فالمؤمن يتحرك نحو العمل الصالح، هذا معنى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [ سورة العصر: 3] تنمية الحق و صيانته : لكن: ﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ [ سورة العصر: 3] الحق يوجد عنده طريقة ذاتية للنمو، الحق إذا لم ينمُ، الباطل يحاصره، الحق إن لم ينمُ فهو يتراجع، فأنت كفرد عليك أن تؤمن وتعمل صالحاً، أما كفرد في مجتمع فعليك أن تتواصى بالحق، لذلك: مؤمن ساكت لا يوجد، المؤمن علامة إيمانه أنه يسعى، كل واحد منكم له أقرباء، له جيران، له زملاء عمل، له أصدقاء، له رفقاء ما قبل الإيمان، هؤلاء كلهم في ذمته، دققوا في: "إن الله يسأل العبد عن صحبة ساعة" لك رفيق بالابتدائي، لك رفيق بالعسكرية، لك رفيق بالبيت القديم، بالحارة القديمة، لك رفيق عندما كنت تعمل في القماش، لك صديق مثلاً رافقته مرة في رحلة طويلة، صاحبته ساعة، مادام لك مع أخ صحبة ساعة، إن الله يسأل العبد عن صحبة ساعة ، إنسان تزوج، دخل إلى بيت أهل زوجته، فرأى حماته طبعاً أصبحت من محارمه وله أصهر هم أخوة الزوجة، عندما صار بينه وبينهم معرفة هؤلاء أصبحوا في مسؤوليته، فإذا وجد انحرافاً عليه أن يهديهم، أن يدلهم على الله، أن يدعوهم إلى مجلس العلم، فالحق كيف ينمو؟ ينمو بالتواصي بالحق، هذا التواصي ينمي الحق، هذا النمو إن لم يكن كان الانكماش، الباطل ينمو، فالحق إذا لم ينمُ الباطل حاصره، وحتى الحق لا يتحاصر ويُحاصره الباطل فلابد من التواصي، كلمة تنمية كلمة يقولها العالم كله اليوم، كل شيء ينمو، الشركات تنمو، الاقتصاد ينمو، الإنتاج القومي ينمو، والحق يجب أن ينمو، فإن لم ينم الحق يتراجع، لذلك حاسب نفسك هذا الحساب، عندما تجد نفسك لا يهمك أحد، فقط يهمك دخلك، وبيتك، ومصالحك الشخصية، ونجاح مصلحتك، ولا يوجد شيء تشتهيه إلا وأكلته، وعلى الدنيا السلام، هذه الحياة كلها، لا تغضب من نفسك، كن صريحاً معها، قل: أنا لا يوجد بي إيمان، كلمة إيمان تعني التحرك نحو خدمة الخلق: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [ سورة العصر: 3] عندما كنا صغاراً كان يوجد خط قطار إلى بيروت، وكان يستغرق اثنتي عشرة ساعة، كان يلفت نظري بهذا الخط عند بعض الجبال يوجد ضمن السكة خط ثالث مسنن، سألت عنه فقيل لي: هذا مسنن لأن القطار عندما يصعد لسبب أو لآخر ويتوقف عن الحركة حتى لا يتراجع، لأن الحديد على الحديد يولد انزلاقاً، يوجد أسنان، والأسنان مربوطة بالقاطرة الأساسية، فهذا المثل ترك في نفسي أثراً أن الإنسان يصعد ولكن يجب ألا يرجع، التواصي بالحق أي ينهض بالحق، أما التواصي بالصبر فأي مسننات تمنع التراجع، فالصبر لئلا تتراجع، لئلا تنتكس، لئلا تضعف، لئلا تهون على الناس، اصبر وما صبرك إلا بالله، فهذه الآية في سورة العصر كانت محور الخطبة السابقة، أنك كفرد عليك أن تؤمن وتعمل صالحاً، وكفرد في مجموع عليك أن تدعو إلى الله، وأن تتحمل كل المتاعب، الدعوة إلى الله تنمية للحق، وتحمُّل المتاعب صيانة للحق من أي تراجع. المرأة تطلق في حالتين نادرتين : الآن ما علاقة هذه المقدمة بهذا الدرس؟ يوجد علاقة وشيجة، المؤمن يعيش لرسالة، يعيش لهدف كبير، فيكون مسيئاً لزوجته التي هي أقرب الناس إليه ؟!! هذا مستحيل. وتكلمنا في الدرس الماضي أن المرأة تطلق في حالتين نادرتين، حينما يشك في سلوكها، أي حينما يشك أنها زانية يطلقها، وحينما تفقد قيمتها أي حينما لا تحصنه، فأصل الزواج أن تحصنه عن الحرام، فإن لم تكن محصنةً له هذه حالة ثانية، لكن ما سِوى الحالات فأنا أحياناً أسمع عشرات الشكاوى، وأن كل هذا الكلام لا يوجب الطلاق، مهما تكلمت، لو ذكرت لي مئة علة لها، كل هذه العلل بمجموعها لا ترقى إلى مستوى أن تطلق، ومع التطليق تشريد الأولاد، والأصح إن سألتموني هذا السؤال: المؤمن لماذا لا يطلق والطلاق مباح؟ أنا لي جواب خاص: لا يطلق لأنه حينما تزوج، تزوج وفق الشرع، اختارها مؤمنة، مادام اختارها مؤمنة إذاً لا يحتاج إلى تطليقها، هذه نقطة. حالات التفريق بين المرأة و زوجها : 1 ـ إذا امتنع الزوج عن الإنفاق على زوجته : درس اليوم أنه إذا فرضنا إنساناً ترك زوجته وسافر، يوجد عندنا موضوع اسمه التفريق، أول حالة قال: " الزوجة لها الحق أن تطلب من القاضي التطليق من زوجها إذا امتنع عن الإنفاق عليها "، نحن يوجد عندنا قاعدة أساسية في الزواج: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [ النساء: 34 ] ![]() فالزوج حينما ينفق على زوجته له حق القوامة، فإذا امتنع ، فهو حبسها له، حبسها لصالحه، أعطاه الله حقوقاً كثيرةً عليها، أي له عليها، مقابل هذه الحقوق عليه أن يُنفق عليها، فإذا امتنع عن الإنفاق عليها فالزوجة لها الحق أن تطلب التفريق من قِبل القاضي، هذا الموضوع خلافي، دائماً وأبداً إذا قلت: هذا الموضوع خلافي أي أن هناك فقهاء أجابوا بوجوب التطليق، وهناك فقهاء منعوا التطليق، لهؤلاء حجج، ولهؤلاء حجج، الذين رأوا أن الزوج إذا امتنع عن الإنفاق على زوجته لها الحق أن تطالبه بالتطليق، قال: إن هؤلاء حجتهم أن الزوج مكلفٌ أن يمسك زوجته بالمعروف، أو يسرحها بإحسان لقوله تعالى: ﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [ سورة البقرة: 229 ] الإمساك بالمعروف من أُولى شرائطه أن تنفق عليها، فإن لم تنفق عليها أنت أمسكتها بغير معروف، هذه أول حجة، الحجة الثانية، قال تعالى: ﴿ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾ [ سورة البقرة: 231] فهي تكون مربوطة لك، وموقوفة لخدمتك، وهي محصورة فيك وهي جائعة!! ليس لها مسكن، ليس لها طعام تأكله، يدخل مع الامتناع عن الإنفاق البخل، لا يوجد صفة تمتِّن علاقة الزوج بزوجته كالإكرام، فالبخل عامل مهدِّم للسعادة الزوجية، ليس منا من وسَّع الله عليه ثم قتر على عياله . (( لا ضرر ولا ضرار )) [ مسلم عن أبي سعيد الخدري] فالإنسان إذا امتنع عن الإنفاق عن زوجته فقد أضر بها، وبعض العلماء قال: لا، الله عزَّ وجل قال: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾ [ سورة الطلاق : 7] معناها إذا كان هناك تقطير، والزوج معسر فعلاً هناك حكم، وإذا الزوج ميسور الحال ويمتنع عن الإنفاق إضراراً بالزوجة أصبح هناك حكم آخر، فقد اختلف الوضع، فهناك معسر وهناك ممتنع، الممتنع له حل، والمعسر له الصبر، لكن سبحان الله يوجد نظام، الزوج مكلف أن يطعم زوجته مما يأكل، لا يكلِّفه الله فوق ذلك، لماذا؟ حتى لا يكون هناك ضغط من الزوجات على أزواجهن من أجل أن يكسبوا مالاً حراماً لينفقوا عليهن، كانت الصحابية الجليلة تقول لزوجها: " اتق الله بنا نحن بك، نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام " أي نحن إقبالنا على الله أساسه أنت، نصبر على الجوع ولا نصبر على الحرام، هكذا كانوا الزوجات الصالحات، فهذه الآية تبين إذا كان الزوج معسراً فيجب أن نصبر، وما دام الزوج يطعمنا مما نأكل لم يعد هناك ظلم، لكن متى الظلم ؟ إذا كان هو يأكل ما لذَّ وطاب ويحرم أهله. سئل إمام كبير عن رجل عاجز عن الإنفاق على زوجته: أيفرق بينهما؟ قال: " نستأني به ولا يفرق بينهما، وتلا الآية الكريمة، الآية: ﴿ لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾ [ سورة الطلاق : 7] يوجد عندنا استنباط آخر أن الصحابة الكرام فيهم الغني وفيهم المعسر، وما ورد أن النبي عليه الصلاة والسلام طلق امرأةً من صحابيٍ لأنه معسر، هذا الحكم لم يكن على عهد النبي موجود.اً ولما نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم سألنه شيئاً لا يملّكه، عوقبوا من قبل الله عزَّ وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً ﴾ [ سورة الأحزاب : 28] والآية معروفة، فالحكم الوسط إذا الزوج يمتنع إضراراً، وكيداً، وإيقاعاً للأذى بزوجته، فلها الحق عندئذٍ أن تطالب القاضي أن يفرق بينهما، أما إذا الزوج معسور، الزوجة المؤمنة تصبر حتى يكرمه الله عزَّ وجل. 2 ـ إذا كان الزوج غائباً غيبةً قريبة : الآن عندنا حالة ثانية، القاضي يفرق بين الزوجين قال: " إذا كان الزوج غائباً غيبةً قريبة، غاب ولم يترك شيئاً قال: " إن كان له مالٌ ظاهر أي له دكان وفيها موظفون، له مثلاً أموال مستثمرها عند أشخاص، إن كان له مال ظاهر القاضي يحكم بأن يؤخذ من المال شيئاً للإنفاق على زوجته، وإذا لم يكن هناك مال ظاهر فالقاضي يوجه له إنذاراً بالطرق المعروفة، الآن بالصحف يوجه له إنذار، ويضرب له أجلاً، فإن لم يرسل نفقة زوجته على نفسها، أو لم يحضر للإنفاق عليها، طلق القاضي هذه الزوجة بعد مضي الأجل. 3 ـ الإيذاء الذي يجيز للزوجة المطالبة بالفراق مما لا يحتمل ولا يطاق : أنا اليوم سمعت قصة آلمتني جداً قال لي: إنسان تزوج فتاة وأنجب منها ولدين وتركها وسافر، وأصبح غائباً ثلاث سنوات، أبوها أنفق عليها حتى عجز، وأبو الزوج أنفق حتى عجز، فرفعت أمرها إلى القاضي فطلّقها منه، إذاً إذا إنسان غاب ولم ينفق على زوجته ، القاضي يحق له أن يحكم بالتفريق بينهما. أحياناً الزوجة تطلب من القاضي التفريق إذا ادعت أن زوجها يوقع بها ضرراً بالغاً لا يستطاع تحمُّله، أخبرني أحد الأخوة وهو من إخواننا الكرام ومن رواد هذا المسجد عن قصة سوف أقولها لكم لأنها تفيدنا وهي مؤثرة: شاب في ريعان الشباب، وعنده معمل وغني، وله مقصف جميل في سهل الزبداني، وفيلا فخمة، فهو من أهل اليسار أي الغنى، خطب فتاة من أسرةٍ محافظة، وأيضاً هذا تعبير شائع، يبدو أن الأب علمها تعليماً جيداً، والفتاة صالحة، ودينة، وتحفظ كتاب الله عزَّ وجل، لكن هذا الشاب عقيدته عقيدة تفلت، فبعدما تزوجها زاره رفاقه فقال لها: أحضري لنا القهوة، قالت له: أنا لا أدخل على رفاقك، وكلما طلب منها طلباً طبعاً الطلب من خلاف الشرع ترفضه، وإذا طلب منها أن يسهرا معاً في الفندق في عيد رأس السنة، تقول له: أنا لا أذهب معك، هو متفلِّت جداً من الدين، يريد أن يعيش حياة عصرية؛ اختلاط ونزهات وحفلات ونواد، وهي لا تتجاوب معه، فوقع في مشكلة، فهو يريد فتاة تتجاوب معه، وهذه الفتاة تربيتها إسلامية، وترفض كل طلب خلاف الشرع، فالأب اقترح أن يطلقها، قال له: مادامت خلاف رغبتك طلقها، الأم قالت: لا لماذا تطلقها نحن لنا ترتيب آخر فلا تطلقها، هي تطلب الفراق، تطلب الطلاق أو الفراق من دون أن تأخذ شيئاً، فالقصة أن كان متأخرها كبيراً جداً ويهز الأسرة، فالأم رسمت خطة أن يؤذيها، يغيب للساعة الثانية كلُّ يوم، كلامه يكون معها قاسياً جداً، يستخدم السباب الجارح، يهينها أمام أهله، يحرمها من كل طلباتها، فبعد شهر أو شهرين طلبت المخالعة وتسامحه بكل شيء، الخطة نجحت، والدته رسمت خطة ونجحت، فبدلاً من أن تضع لها مئتين أو ثلاثمئة ألف متأخر، فهذه الطريقة أفضل، كلام قاس، ضرب أحياناً، إهانة، سباب، إذلال، طبعاً بعد أسبوعين أو ثلاثة أو شهر لم تتحمل يقولون: إنها خرجت من عنده بثيابها فقط، حتى ثيابها الأخرى لم تأخذها، وسامحته بكل شيء وخلعها عن عصمته، وانتهى الأمر، ثم خطب فتاة تروق له، تستقبل رفاقه بغيابه، ممكن أن تدخل معه إلى الفنادق، ممكن أن تسهر معه، فهذا الشاب كلما وقع بورطة ونفد منها، يقول: والله خلصنا من الورطة مثلما خلصنا من متأخر فلانة أصبحت فلانة التي تزوجها وضارها إلى أن سامحته بكل شيء، أصبحت هذه القصة عند هذا الشاب قصة للتسلية، فمرة كان له فيلا بمضايا بأعلى السهل ولها إطلالة جميلة جداً، نازل على الشام بسيارته، فانظر إلى ترتيب ربنا، فركبت زوجته الجديدة بجانبه طبعاً، وركبت والدته خلفه، وركب والده خلف زوجته بالمقعد الخلفي، والده على اليمين، ووالدته على اليسار، وهو السائق، وزوجته على اليمين، يبدو أنه طائش في سوقه السيارة، كلما دخل بين سيارتين يقول له والده: يا بني على مهلك، يقول له: نفدنا مثلما نفدنا من متأخر فلانة، وصل إلى منطقة واجه سيارةً فقصت سيارته نصفين، مات هو وأمه لتوه، قطعوا قطعاً قطعاً، والزوجة والأب عاشا، قال: لأن الأب دائماً يلوم هذا الوضع، يقول لهم: لا يجوز يا جماعة، هذه بنت آدمية، أخذتموها أنتم من عائلة محافظة راقية، فهذا سلوك فيه ظلم، فالأب كان دائماَ ينكر تصرف زوجته حماة الفتاة، وهذه الحماية هي التي تخطط، فربنا عزَّ وجل قطعهم إرباً إرباً، فالمؤمن لماذا يستقيم على أمر الله؟ لأنه يؤمن برب كبير، أحياناً العوام يقولون: الله كبير ، هذه الكلمة مهما قلتها فلا شيء عليك لأن الله بالفعل كبير، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ: (( اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً فإنَّهَا لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَينَ اللهِ حِجَابٌ )) [ متفق عليه عن عبد الله بن عباس ] وأكثر إنسان ينتقم الله له الضعيف، ليس له أحد وظلمته، إنسان ضعيف، أحياناً الإنسان يشهِّر بمؤمن، يكون المؤمن ليس له سند، هناك أشخاص إذا شهرت بهم فلن تنام في البيت مساءً، أما هناك مؤمن ضعيف ليس له سند، مستضعف، وهو يشهِّر فيه، فالله عزَّ وجل ينتقم أشد الانتقام، فعندما يحاول الإنسان أن يوقع الضرر بزوجته من أجل أن تسامحه بما لها عنده، فالله عزَّ وجل ينتقم منه أشد الانتقام، لكن هذه الدعوى لا تسمح إلا في حالتين، إذا كان مع الزوجة بينة، أو اعترف الزوج بذلك، أما إذا لم يكن معها بينة والزوج لم يعترف، تشطب دعواها بالقضاء، طبعاً الإيذاء الذي يجيز للزوجة أن تطالب بالفراق مما لا يحتمل ولا يطاق. 4 ـ إذا حمل الزوج زوجته على علاقة محرمة في الشرع : بالمناسبة وإن كان الكلام سابقاً لأوانه، إذا أراد الزوج من زوجته عملاً لا يرضي الله أي في علاقته معها، إذا حملها على علاقةٍ محرمةٍ في الشرع لها الحق أن تطالب بالتفريق بينها وبينه، لكن دائماً القضاء يلجأ إلى تحكيم رجلين من أهله وأهلها، أي من أهل المروءة والشرف والواجهة والرجاحة والحكمة فلعلهما يصلحان ما فسد بينهما. 5 ـ غيبة الزوج : الآن التطليق لغيبة الزوج ![]() طبعاً عندنا غياب قصير، وغياب طويل، وغياب معروف، وغياب غير معروف، لو فرضنا إنساناً غاب لطلب العلم هذا العذر مقبول، أو غاب لممارسة تجارة في بلدٍ آخر عذر مقبول، غاب لكونه موظفاً خارج بلدته عذر مقبول، أو غاب لكونه مجنداً ملتحقاً بقطعة خارج بلده عذر مقبول، هذه أعذار مقبولة للزوج، فالزوجة ليس لها الحق أن تطلب التفريق في هذه الغيابات، أما غاب إلى مكان لا تعرفه ولا يوجد سبب ظاهر ولا أعلمها أين هو، فهذا الغياب الذي يجيز للزوجة أن تطالب بالتفريق، العلماء اختلفوا في الفترة التي تكفي، والله هناك زوجات زوجهم غائب عنهم عشر سنوات، ولم يفكروا في التفريق، وهناك زوجات لسنة واحدة تطلب التفريق، العلماء قالوا: لها الحق بعد ستة أشهر، أو بعد عام، أو بعد ثلاثة أعوام، لكن الإحسان شيء، والعدل شيء: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [ سورة النحل: 90 ] العدل قسري، أما الإحسان فطوعي، الأسير طبعاً، الأسير أو المحبوس نفس الشيء. الخلع : الآن الخلع، وملخص الخلع بسيط، هو أن هذه الزوجة لم تحب هذا الزوج، الزوج يسَّر لها مسكناً شرعياً، وأنفق عليها، وكل شيء تام، إلا أن الزوجة لم تحبه، فلها الحق أن تطالب القاضي أن يخلعها منه، لكن مقابل أن تسامحه بكل شيءٍ كتبه لها أو أعطاها إياه، هذا الذي أخذ من قول النبي: ((اقبل الحديقة وطلقها تطليقة )) [ النسائي عن ابن عباس ] هذا هو الخلع، الخلع من طرف الزوجة، والتفريق من طرف القاضي، والطلاق من طرف الزوج، طلاقٌ وتفريقٌ وخلعٌ، لكن بالمناسبة يوجد عندنا بالخلع مشكلة أن أكثر الأزواج يحاول أن يوقع الضرر بزوجته إلى أن تطالبه بالخلع، هذا عدوان، وهذا ظلم يهتز له عرش الرحمن، أما أنت لم تؤذها، لها ابن عم طمعانة فيه فرضاً وقد وعدها أن يتزوجها، وأهلها زوجوها من هذا الشاب بالضغط، فجلست معه وهي متألمة، فمادامت غير راغبة به، قالت له: " يا رسول الله إني أكره الكفر بعد الإيمان "، أي أنا إذا عشت عند هذا الزوج أكفر، ولن أتحمله، قال لها: لو تراجعيه؟ قالت له: أتأمرني ؟ قال: لا، قال: إنما أنا شفيع. فمرّ بالسيرة النبوية مواقف مماثلة، على كل الخلع أحكامه بسيطة، أن الزوجة لسببٍ أو لآخر لم ترض بهذا الزوج، والزوج ليس له ذنب، وهو زوج مقبول، والعقد شرعي، والمسكن شرعي، وأنفق عليها، لكنها كرهته، فإذا كرهته قلنا له: طلقها وأعطها المتأخر نكون قد ظلمناه، أصبح هناك ظلم للزوج، لكن حينما يطالب الزوج الذي طُولب أن تختلع منه زوجته، أن تعطيه أكثر مما أعطاها قال: هذا منهي عنه في الشرع، صار هذا ابتزاز، كقوله لزوجته: أطلقك لكن أريد مئتي ألف، وكل متأخرها مئة ألف ، أصبح الموضوع فروغاً، إذا طالب الزوج بأكثر مما دفع للزوجة هذا أصبح ظلماً كبيراً، طبعاً بعض علماء قالوا: يجوز على أساس أن الآية الكريمة: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [ سورة البقرة: 229 ] إذا كانت ميسورة جداً، لكن العلماء بعضهم يرى أنه لا يجوز للزوج أن يأخذ منها أكثر مما أخذت منه، فالأكمل أن يكون هناك سقف، وسقف المطالبة بما أعطاها لا بأكثر مما أعطاها. مرة قال لي أخ: جاء شاب ليخطب ابنته، فقالوا: اقرؤوا الفاتحة، ضع يدك بيد عمك، قال له: زوجتك، قالوا: أحضرنا رجلاً آخر أيضاً، التمثيلية مهيئة ومرتبة، قال لي: رأيت نفسي زوجت ابنتي من أول جلسة، ولم أعرف ما هي القصة، ثم قال لي: لم يعجبني هذا كله، قلت له: ماذا تقول لم تعجبك؟ أصبحت زوجته، أصبح هناك إيجاب وقبول، انتبهوا أيها الأخوان. الإيجاب و القبول : سوف أقول لكم قصة وقعت في الشام، هذه القصة يجب أن يكون الإنسان منتبهاً ويقظاً، عدة أشخاص يجلسون في محطة وقود بالشام بالأزبكية، بعد العصر يشربون النرجيلة ، وهم يتسلون ويتكلمون ويتنادمون، فقال أحدهم لصاحب الكازية: تبيع هذه الكازية؟ قال له: أبيعها، قال له: بكم؟ قال له: بستمئة ألف، قال له: اشتريت، وانتهت الجلسة ولم يطلع منها شيء، ولا أحد جاد بكلامه، ولا البائع بائع، ولا الشاري شاري، وضحكوا وانبسطوا وذهبوا، حدثني بهذه القصة محامي وقد مضى عليها اثنتا عشرة سنة، سمعها محامي فقال له: هذه الكازية لك، فقال: كيف لي؟ قال له: ألم يقل لك بعت، قال له: بلى، قال له: إذاً الكازية لك، أقاموا دعوة، وهناك شهود، ألم يقل لك: تشتري؟ قال له: نعم، ألم تقل له: بعت؟ قال له: نعم، لكن لم يدفع لي ثمن الكازية، فقال له القاضي ثمن الكازية في ذمته وأنت لم تطالبه به. إنسان صعد إلى قطار جلس، فوجد محله مشغولاً بمحفظة كبيرة وأمامه شخص قال له: هلا أخذت هذه المحفظة؟ قال له: لن آخذها، فسأله: لماذا؟ تلاسنوا وتشاددوا اشتكوا، صفر شرطي القطار، وقف القطار لماذا لا تريد أن تأخذها؟ قال له: لأنها ليست لي، قال له لمن؟ قال: لهذا، قال له: لماذا لم تأخذها؟ قال: لم يقل لي أن آخذها، هذه القصة يا أخوان واقعية، كازية أصبح ثمنها اثني عشر مليون ضاعت عليه بستمئة ألف، لأنه قال له: بعت، فانتبه بعت أي بعت، الشرع لا يحتاج إلى ورق، فقط يحتاج الشرع إلى إيجاب وقبول في حالات البيع والزواج، قال لي: دخلوا عليه وقالوا: زوج زوج، ضع يدك بيد عمك زوجتك، قال: أنا قبلت وعلى مهر، اقرؤوا الفاتحة، أصبحت زوجته فأين تسير؟!! الآن تطلب المخالعة، مثلما زوج تطلب الآن الخلع. فيا أخوان دققوا في موضوع الإيجاب والقبول، ممكن إذا أنت قلت: أنا بعت تخسر البيت بربع ثمنه، أخي أنا لم أقبض، لا تقبض، دفع الثمن شيء آخر غير البيع، البيع إيجاب وقبول، ودفع الثمن له شيء آخر، فكازية بيعت بستمئة ألف أصبح ثمنها اثني عشر مليوناً، طبعاً المحامي تمكن أن يستدعي الشخص ويحلف يميناً، أتى بشهود، ومادام هناك إيجاب وقبول وهناك شهود انتهى وأصبحت الكازية ملكه، لكنه لم يدفع ثمنها، أنت لم تطالبه، لو طالبني أعطيه لكن هو لم يطالبني فجزاه الله الخير، وموضوع الحياء هذا موضوع ثان، ما أخذ بالحياء فهو حرام، لكن إذا إنسان قال: بعت أي باع، زوجت أي زوَّج، هذا هو الشرع، يجب أن تحتاط قبل أن تقول: نعم أو بعت أو وافقت أو زوجت أو تزوجت، هناك مسؤولية، فالخلع هكذا. على كل أرجو الله جلَّ جلاله ألا نحتاج جميعاً لا إلى خلع، ولا إلى تفريق، ولا إلى طلاق، المؤمن حينما اختار زوجته مؤمنةً صالحةً أغلب الظن أنها تعيش معه، أغلب الظن أنها ترعى حقه، أغلب الظن أنها وفيةٌ له، هو حينما كان مؤمناً إذاً بقلبه رحمة، وبقلبه إنصاف، و بقلبه عطف، القلب القاسي بعيد عن الله عزَّ وجل. بهذا الدرس الثالث والأخير تنتهي أبحاث الطلاق، أنا الحقيقة ما أردت التفاصيل الفقهية، التفاصيل الفقهية مملة. الطلاق إيقاع للأذى و إتلاف للمال : هناك شيء آخر نادر الحدوث، وهناك حالات نادرة جداً لا تقع بالمئة ألف، حالة واحدة هذه حينما تقع نسأل عنها، لكن أردت من هذه الدروس الثلاث التوجيهات الدينية العامة، أن الإنسان عليه أن يحفظ هذه النعمة التي أكرمه الله بها، يا أخوان الزوجة نعمة، ويا أيتها الأخوات المؤمنات الزوج أيضاً نعمة، فالتي تسارع وتقول له: طلقني، هذه امرأةٌ لا تروح رائحة الجنة لأنها كفرت هذه النعمة، والزوج الذي يطلق امرأته لأتفه الأسباب هذا كفر بنعمة الزوجة، لأنها نعمة. أولاً: الطلاق من قبل الزوج أو المخالعة من قبل الزوجة عملية إيقاع الأذى بالطرف الآخر، أليس كذلك؟ وإيقاع الأذى حرام، ثانياً: إتلاف للمال، الإنسان بعدما تزوج ودفع مهراً ودفع هدايا خلال سنتين أو ثلاث وتكلف، كل هذه المبالغ التي دفعت أصبحت مهدورة بالطلاق، فالطلاق إيقاع أذى وإهدار للمال، والأهم من هذا وذاك كفرٌ بنعمة الزوجة، والمخالعة أيضاً إيقاع الأذى بالزوج، قبل أن تقولي: وافقت، ادرسي الأمر، أما بعدما وافقت والرجل هيأ نفسه وجهز البيت واشترى وتكلف وينتظر هذه الساعة بفارغ الصبر، تقول: لا أريدك ولا أحبك، طلقني وأنت مسامح بكل شيء، فالسرعة بتطليق الزوجة كفرٌ بنعمة الزوجة، والسرعة بمخالعة الزوج أيضاً كفرٌ بنعمة الزوج، فإذا إنسان أكرمه الله بزوجة تحصنه، وترعى حقوقه، وتعرف قيمته، هذه ليحافظ عليها. ليس الذكر كالأنثى : النقطة الدقيقة أنه لا يوجد إنسانة كاملة، ولا يوجد زوج كامل: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْهم قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلاهُ فَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ )) [ البخاري عن أبي هريرة] ![]() لكن بعض الأذكياء فسروا هذا الحديث تفسيراً رائعاً، قال: الضلع هذا لو كان مستقيماً كان يخرج من البطن من الأمام، يصبح مثل الشوكة، أما جماله فيمكن بأنه معوج، ماشي مع البطن، الآن عظام الصدر كلها معوجة، ولولا أنها معوجة لما احتملتها أساساً، سر نجاح الأضلاع أنها كلها معوجة، فالاعوجاج كمالٌ فيها، الاعوجاج كمالٌ في الضلع، لو كان غير معوج لا يرضيك، إذا إنسان أريد امرأة لها عقلٌ راجح لكنها مقصرة في حقه، فهل يهمك أن تسمع منها محاضرة بالفلسفة ولا يوجد طبخ مثلاً؟ ماذا تريد من هذه المحاضرة؟ الله عزَّ وجل أعطاها إمكانيات خدمة البيت، والعناية بالأولاد، لو هي لها عقل راجح مثل عقل الرجل، لا تقبل أن تصبح زوجة لك من الأصل، لكن هي عندها عاطفة راجحة، هي ترجح عليه في عاطفتها وفي أحاسيسها، ويرجح عليها في إدراكه. يذكر أنه كان هناك ملك شديد الذكاء، قام بجولة ليتفقد رعيته، فدخل إلى بستان فرأى حصاناً معصوب العينين، فلم يفهم لماذا، وكان بعنقه جلجل أي جرس، وكان الحصان يدور ليخرج الماء من البئر، وهذه معروفة، فهذا الملك فكر فقال لصاحب الحصان: لماذا عصبت عينيه ؟ قال له: لئلا يصاب بالدوار، إذاً لماذا وضعت هذا الجلجل في رأسه؟ قال له: حتى إذا وقف أعرف ذلك، الملك وقف وقال له: فإذا وقف وهز رأسه ؟ فأجابه الفلاح إجابة ذكية جداً: وهل له عقلٌ كعقلك ؟ أحياناً تنشأ المشكلة بالبيت تريد أن يكون عقل زوجتك كعقلك، لا هي ليس عقلها كعقلك، فهذه لها عالم آخر، وطالما تريد أن يكون تفكيرها كتفكيرك فلن تنجح معها، فالله قد جهزها تجهيزاً آخر، جهزها الله تجهيزاً انفعالياً، تجهيزاً عاطفياً، تجهيزاً رقيقاً، وأنت أعطاك رجاحة عقل، وأعطاك قلباً متماسكاً، وأعطاك نظرة بعيدة، فانظر لما ربنا قال: ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ﴾ [ سورة الليل : 1-3] فما علاقة الذكر والأنثى بالليل إذا تجلى؟ قال: كيف أن الليل للسكن، لا ترتاح إلا بالليل، لماذا جعله الله سكناً وجعلنا النوم لباساً؟ وكيف النهار لكسب المال؟ فالنهار والليل متناقضان لكنهما متكاملان؟ وقد تجد الرجل له خصائص تختلف عن المرأة، والدليل قال تعالى: ﴿ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ [ سورة آل عمران: 36 ] فقد درسنا في الجامعة كتاباً لأشهر عالم نفس طفولة اسمه " بياجيه" هذا الكتاب يدرَّس في معظم جامعات العالم، والكتاب ثمانمئة صفحة ملخصه في هذه الآية: وليس الذكر كالأنثى. القدرات الخاصة عند الأناث، والقدرات الخاصة عند الذكور، الذاكرة، والمحاكمة، والقدرة الرياضية، والقدرة اللغوية، والقدرة التنظيمية، والقدرة الإدارية، كلّها عبارة عن إحصاءات دقيقة جداً تنتهي بملخص أن الذكر ليس كالأنثى، إذاً يجب أن نعلم أن الزوجة لها خصائص، كما أن الليل للسكن، والنهار لكسب المال، كذلك الزوجة والزوج لو اختلفا في الصفات لكنهما متكاملان كالليل والنهار. والحمد لله رب العالمين
|
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#5 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس (الخامس) ستر العورة الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ماعلمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. العورة والترغيب في سترها والترهيب من كشفها : أيها الأخوة الأكارم... من فقه الرجل أن يعلَّم المنطقة الخطرة التي يمكن أن يؤخذ منها، والشيء الثابت أن من أخطر المناطق في حياة الإنسان التي يمكن أن يؤخذَّ منها المال والنساء، وما استطاع أحدٌ أن ينال من أحدٍ إلا عن طريق هاتين النقطتين؛ المال والنساء، لذلك لأنَّ الله جلَّ جلاله هو الخالق، هو الصانع، هو المصمم، هو الذي جبل الإنسان على كذا وكذا، هو الذي أودع في الإنسان هذه الشهوات، هو الخبير، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [ سورة فاطر: 19 ] لذلك ترى - الآيات طبعاً مفعول به منصوب بالكسرة نيابةً عن الفتحة، لأنه جمع مؤنثٍ سالم- في الآيات القرآنية الصفة تتبع المحلّ وليس اللفظ، الآيات تحذر الإنسان من موضوع كسب المال الحرام، أو اقتراف الإثم الحرام، من هذا المنطلق نرى في كتب الفقه أبواباً كثيرةً تتعلّق بموضوع العورة، وسوف نرى بعد قليل كيف أن من شأن المؤمن أن يستر عورته، وكيف أنَّ من شأن الكافر المتفلت أن يكشف عورته. شخص قال لي: ابني في البيت، يقوم بالثياب الداخلية أمام إخوته البنات، وأمام أمه، وأمام أبيه، وأمام أولاده، فهذا شيءٌ مخالفٌ مخالفةً صريحةً لتوجيهات النّبي عليه الصلاة والسلام. فكما عوَّدتكم، وأرجو الله عزَّ وجل أن يوفقني دائماً، إلى أن أضع يدي على الجرح، على الموضوعات الحساسة التي نحن في أمسِّ الحاجة إليها، هذا اليوم يوم الأحد مخصصٌ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلم، إما أحاديثه، وإما الأحكام الفقهية المستنبطة من أحاديث و توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام. فموضوع العورة، والترغيب في سترها، والترهيب من كشفها، وفضائل غضّ البصر، ومغبة إطلاق البصر، وعورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، وعورة الرجل بالنسبة إلى المرأة، وعورة المرأة بالنسبة إلى المرأة، وعورة المرأة بالنسبة إلى الرجل، أربع موضوعات، لا أعتقد أن واحداً منا وأنا معكم لا نحتاج إليها، كلُّنا محتاجون لهذا الموضوع الدقيق الحساس، يبدو أن الإنسان حينما يتساهل في هذا الموضوع يحجب عن الله عزَّ وجل، وكشف العورة أو النظر إلى عورة الإنسان الآخر مذلة قدمٍ خطيرة قد تنتهي إلى الزنا. في شخصية المؤمن نقطتا ضعفٍ الكسب الحرام والنظر الحرام : قلت لكم سابقاً: هناك معاص، فيها قوة جذب، بمعنى أن الإنسان حينما يخطو الخطوة الأولى، في الأعم الأغلب الخطوة الأولى تقوده إلى الخطوة الأخيرة؛ نظرةٌ، فسلامٌ، فابتسامٌ، فموعدٌ، فلقاء ، يمكن أن أشبه هذا بصخرةٍ على رأس جبل، تبقى على رأس الجبل إلى أبد الآبدين، فإذا أزحتها عن مكانها، إلى أول المنحدر، خرج الأمر من يدك، هي في قمة الجبل بيدك، أما إذا أزحتها عن قمة الجبل إلى أول المنحدر، لا بدَّ من أن تصل إلى أعمق ما في الوادي، لهذا في موضوع النساء، في موضوع كسب المال، لا يوجد حل وسط. ![]() كيف الإنسان أحياناً ينفخ بالون؟ لو قال: والله حجمه كبير عن اللزوم سأحضر دبوساً وأثقبه، إذا ثقبه الهواء كلّه يخرج منه. فأنا أقول لكم: عندما نفهم الدين فهماً علمياً، فهماً دقيقاً، لا يوجد حل وسط، الإنسان حينما يختار الحل الوسط يجد نفسه، ينتقل من الوسط إلى الطرف السالب، من الوسط إلى نهاية الوادي، إلى أعمق أعماق الوادي، فأتمنى على الأخوة الكرام أن يعلموا علم اليقين أن في شخصية المؤمن نقطتي ضعفٍ خطيرتين، موضوع الكسب الحرام وموضوع النظر الحرام، ما من شابٍ يسلك طريق الإيمان ثم ينتكس إما لعلّة النساء، أو لعلّة الكسب الحرام، إما لأن في دخله شبهةً حجبته عن الله، فانقطعت عنه الموارد وانقطعت عنه التجليات، فرأى الدين عبئاً عليه، وسئم الصلاة والصيام، وسئم مجالس العلم، لأنه محجوب، أي إذا أردت كلَّ شيء من الدين فاستقم على أمر الله تقطف كلَّ الثمار، وتجني كلَّ الثمرات، وتسعدُ كلَّ السعادة، وإذا زلَّت القدم في موضوع النساء أو موضوع كسب المال الحرام، كان الحجاب، والحجاب من لوازم البعد، أن تؤدَّى العبادات بشكلٍ أجوف، بشكلٍ لا معنى له، الإنسان يسأم أداء العبادات، ثم يملّ، ثم ينقطع، ثم ينجرف، ثم بين عشيةٍ أو ضحاها يأتيه ملك الموت، ليجد أنه خسر خسارةً كبرى. العورة لغة و شرعاً : العورة في اللّغة الخلل، والعورة في اللّغة هي السَّوْأَةُ، والعورة في اللّغة هي كلُّ ما يستحيا منه، الخلل، والسوأة، وكلَّ ما يستحيا منه. وشرعاً العورة هي كلَّ ما حرم الله تعالى كشفه أمام من لا يحلُّ له النظر إليه. يوجد عندنا تعريف لغوي، تعريف شرعي، شخص طرق الباب، قال لك: الوالد موجود؟ أنت دارس لغة، قلت له: والله يا عم الآن راح، قال لك: سلِّم عليه، أنت صادق، والدك داخل البيت، الآن أتى، قلت: والله يا عم الآن راح، إذا قلت له: الآن راح باللّغة معناها الآن جاء، لأن غدا بمعنى ذهب إلى عملِّه قبل الشمس، وراح عاد إلى بيته، الغدو والرواح، أنت صادقٌ لغةً، ولكن الذي يقول هذا الكلام، ووالده داخل البيت، كاذبٌ شرعاً، اللغة شيء والشرع شيء. لو قال إنسان: والله لا آكل اللحم لشهرٍ، فإذا أكلَ السمك لا يحنث، لأن اللحم بالعرف هو لحم الضأن، الإنسان يقول: والله اليوم أكلنا سمك، لا تقل: أكلنا لحماً، أكلنا سمكاً، لكن باللّغة السمك لحم، فأحياناً تفترق اللغة عن الشرع، فنحن دائماً بحاجة إلى التعريف اللغوي، والتعريف الشرع. ![]() كنا من مدة بمولد، قال أحدهم: أنا شعرت بوحشة، لا يوجد معي أحد، فقال له الآخر: الله معك، ما معنى الله معك؟ أي انصرف، هذا معناها الاصطلاحي، لكن معناها اللغوي الله معك ناصر ومؤيد، أحياناً الحقي بأهلك، لغةً اذهبي لعند أهلك، تفضلي زوريهم، هم مشتاقون لكِ، أمك طلبت مني أن تزوريها، اذهبي إليها، هذا معنى اللغة، لكن إذا نوى الطلاق، الحقي بأهلك، أي طلقتك، فرقٌ كبير، فأحياناً تفترق اللّغة عن الشرع، لذلك تجد في أكثر الكتب، كتب الفقه، المعنى اللغوي، والمعنى الشرعي، فالمعنى اللغوي للعورة الخلل، والسوأة، وكلَّ ما يستحيا منه، والمعنى الشرعي هو كلُّ ما حرَّم الله تعالى كشفه أمام من لا يحلُّ النظر إليه، أما الزوجة فلك أن تنظر إليها، بل إن النّبي عليه الصلاة والسلام حينما وصف المرأة المؤمنة قال : الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا : (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ قَالَ الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ إِلَيْهَا وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ وَلا تُخَالِفُهُ فِيمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهَا وَلا فِي مَالِهِ )) [ أحمد عن أبي هريرة] وفي رواية للحديث رائعة جداً الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ : ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ قَالَ الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ وَتُطِيعُهُ إِذَا أَمَرَ وَلَا تُخَالِفُهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهَا بِمَا يَكْرَهُ )) [النسائي عن أبي هريرة] لا يوجد إليها.. أي إن نظرت إلى غرف البيت ورأيتها مرتبة، تشعر بالراحة إن نظرت إلى أولادك، ورأيتهم بهندامٍ حسن، ونظافةٍ باهرة، فإما أن تسرَّ بالنظر إليها بالذات، تعتني بشكلِّها، وهندامها، وأناقتها أمام زوجها، بل إن السلَّف الصالح، بل إن النساء الصالحات، كنَّ لا يرتدين الثوب أولَّ مرة إلا لأزواجهنّ، أما الآن فالزوج آخر من يرى الثوب، آخر من يراه. فالعورة في اللغة: الخلل، والسوأة، وكلُّ ما يستحيا منه، وشرعاً: هي كلُّ ما حرم الله تعالى كشفه أمام من لا يحل له النظر إليه. إظهار العورة أمام الغير إخلال بالصفة الإنسانيّة : الآن نقول: هنا في الحدود عورة، أي مكان فيه خلل، مكان ضعيف، الله جلَّ جلاله سمى ما حرم علينا إبداؤه عورة، لأنَّ إظهاره أمام الغير إخلالٌ بالصفة الإنسانية، ألم نقل قبل قليل: العورة هي الخلل، فإذا أظهرت ما ينبغي أن يُستر فقد أختلت عندك الصفة الإنسانية، أي هناك فطرة، الله عزَّ وجل جبلنا جبلة، فطرنا فطرة، فإذا أبديت ما حقَّه الإخفاء، فقد اختلت فطرتك، أصبح هناك خلل، وعدم توازن . أحياناً الإنسان إذا رأى النساء متبرجات، متبذلات، يكشفنَّ ما ينبغي أن يستر، ورأيت امرأةً بينهن، ترتدي ثياباً ساترةً لخطوط جسمها، ساترةً لمفاتن جسمها، تشعرُّ بتقديسٍ لهذه المرأة، هذه الفطرة، قال لي أحدهم مرةً ولا أظنه ديناً: والله يا أستاذ حينما أرى امرأةً محجبةً لا يبدو منها شيء أشعر بقشعريرة في جسمي احتراماً لها. وأنا أقول لكم: لا يمكن لامرأة سترت ما أمرها الله به أن يستر، أن يتحرَّش بها أحد، أو يطمع بها طامع، أو يضايقها مضايق، أو ينال منها رجل، أبداً، أقول لكم مرةً ثانية: المرأة حينما تكشف عما ينبغي أن يستر، لسان حالها يقول: تعالوا تحرشوا بي، إنني أرتدي هذه الثياب كي تتحرشوا بي، هذا لسان الحال، يوجد عندنا لسان المقال، ولسان الحال، لسان حال المرأة التي تتبذل في ثيابها كأنها تدعو الشباب إلى التحرُّش بها، فلذلك حينما أمر الله المؤمنات بالحجاب، قال: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ [ سورة الأحزاب: 59 ] أنهن مؤمنات، حينما تحتجب المرأة، هذا إعلانٌ، وتصريحٌ، وإشارةٌ بليغةٌ لكل من حولها أنها مؤمنة ومسلمة: ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ [ سورة الأحزاب: 59 ] لا يوجد بهذه الآية بأنهن مسلماتٌ طاهرات، بأنهن محصنات، بأنهن عفيفات. إذاً سُميت العورة عورةً لأنك إذا كشفتها اختلت إنسانيتك، اختلت فطرتك. أنا أذكر قصة، مرة قرأت بمجلّة كلمة، سألوا امرأة تمتهن التمثيل، ولها سمعة كبيرة، ما شعورك وأنت على خشبة المسرح؟ هي ليست مسلمة، وليست من أهل الكتاب، لا دينية إطلاقاً، لكن لها فطرة، قالت: شعور الخزي والعار، وهذا شعور كل أنثى، تعرض مفاتنها على الناس، إن الحب يجب أن يبقى بين الزوجين، وفي غرفٍ مغلقة، هذه إجابة الفطرة، ليست مسلمةً، وليست من أهل الكتاب، لكنّها تحدثت عن فطرتها، والفطرة صادقة. تسمية العورة بالعورة لأن كشفها يصيب الأخلاق الاجتماعية بالخلل : هناك شيء آخر.. سُميت العورة عورة لأن كشفها يصيب الأخلاق الاجتماعية بالخلل، صار هناك اضطراب، طبعاً من فضل الله علينا أحدنا إذا الله أكرمه بالحج، في مكة والمدينة ليس هناك امرأةٌ سافرةٌ أبداً، نحن في الشام نغضُّ البصر، والفضل لله عزَّ وجل، ولكن لو جلسنا في مجتمعٍ، الحجاب من نظامه الاجتماعي، والنساء يحتجبن إما طواعيةً، أو قسراً، أي إذا عشت في مدينةٍ ليس فيها امرأةٌ سافرة، حتى ولا وجهها تشعر براحةٍ لا حدود لها، تشعر بالصفاء، قلّما يأتي خاطر نسائي، لذلك المجتمعات التي فيها فجور، فيها فتن، مجتمعات طبعاً فيها أجر كبير، أحبابي يأتون في آخر الزمان القابض منهم على دينه كالقابض على الجمر، أي المجتمع كلُّه مصاب بالخلل إذا كشفت العورات، هذه فطرة الإنسان، هذه الفطرة، والعقل يقول بذلك، والنقل يقول بذلك، والواقع يقول بذلك. في أمريكا، إحصاء قرأته مرة في صحيفة، اعتقد عام خمسة وستين، كلُّ ثلاثين ثانيةً ترتكب جريمة قتلٍ، أو سرقةٍ، أو اغتصاب، مرة حدثت أخواننا بهذا الرقم قال: هذا رقم قديم جداً أستاذ، الآن كل ثلاث ثوان، كل ثلاث ثوان، ترتكب جريمة قتلٍ، أو سرقةٍ، أو اغتصاب، هذا من كشف العورات، ولو كنت ضابطاً في الأمن الجنائي واطلعت على الجرائم التي تجري في كل بلد لوجدت العجب العجاب، لوجدت أن وراء كلَّ جريمةٍ كشفٌ للعوارت، دائماً كشف العورة دعوة إلى الزنا. فمن صفات المؤمن ستر العورات، ذكوراً وإناثاً، فالعورة: هي الخلل و السوأة. وسميت العورة سوأة لأن إبداءها أمرٌ سيِّئ يسوء الناس، يسوء المجتمع، يسوء الفرد، يسوء كلَّ ذي فطرةٍ سليمة، الله عزَّ وجل قال: ﴿ فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴾ [ سورة المائدة : 31] اتفقنا الآن على أن العورة تطلق على كلِّ شيءٍ يحرَّم اظهاره، يلحق كاشفها والناظر إليها العار، والمذمة، والخلل. الأصفهاني يقول: العورة سوأة الإنسان، وهي كناية، وأصلّها من العار، سميت عورة، لأنه من العار أن تظهر . أنا حدثني صديق درس في بلد من البلدان الشرقية، التي كانت ترفع شعار: لا إله، قال لي: دخلنا إلى جامعة ضخمة من أضخم الجامعات، دورات المياه، صالات كبيرة جداً، لا يوجد فيها جدران، أي كل صالة تتسع لخمسين أو مئة طالب، بهو كبير كلّه مراحيض، فكلُّ هؤلاء الطلاب يقضون حاجاتهم أمام زملائهم، الإنسان حينما تنعدم منه القيم الخلقية يصبح كالبهيمة، وهكذا العلماء قالوا: الإنسان من دون علم، من دون إيمان كالبهيمة ، الآن المعنى الأول: ﴿ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ [ سورة الأحزاب: 13 ] أي فيها خلل، أي نقطة ضعف يمكن أن يصل العدو منها: ﴿ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَاراً ﴾ [ سورة الأحزاب: 13 ] ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ [ سورة النور: 58 ] أي شيء قبيح أن يطلع الابن على ما يكون بين أمه وأبيه، شيء قبيح جداً، فلذلك هذه آداب الإسلام، يجب أن يربَّى الطفل تربيةً متكررةً حازمةً، مؤدِّبةً أحياناً، في هذه الأوقات الثلاث، لا ينبغي أن يدخل إلا بعد أن يستأذن. إنسان قال: يا نبي الله، إنها أمي، هذه أمي، فقال عليه الصلاة والسلام: أتحب أن تراها عريانة؟ انتهى الأمر، أتحب أن تراها عريانة؟ لذلك البيت المسلم، خلع الثياب له نظام، ثياب الأخت أمام أخيها محتشمة، كلمة أخي ماذا تعني؟ تعني يجب أن تظهر الأخت أمام أخيها بثياب محتشمة. ستر العورة لأن إظهارها فتنة : نحن عندنا بهذا الموضوع ثلاثة مستويات، ليس بين الزوجة وزوجها مانع، الزوجة لوحدها بند، أما المحارم فمحارم جمع امرأة محرم أي الأم، والأخت، والابنة، وبنت الابن، وبنت البنت، والعمة، والخالة، المحارم يجب أن يظهرن أمام أقاربهن، من حقهم أن ينظروا إليهن بثياب الخدمة، ثياب الخدمة أي الصدر مستور، والعضد مستور، تحت الركبة، هذه هي ثياب الخدمة، أما ثياب شفافة أخت أمام أخيها فهذا شيء مخالف للسنة. أنا حينما اخترت هذا الموضوع اليوم لعلمي بأن بيوتاً إسلاميةً كثيرة هذه الحقائق لا يعرفونها، هناك تبذُّل، إذاً: ﴿ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ [ سورة النور : 58] ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [ سورة الأعراف : 26] إذاً اللباس، النبات القطن، القطن مصمم خصيصاً ليكون ثياباً لك، الصوف مصمم خصيصاً ليكون ثياباً لك، الكتان، الذي خلق الإنسان خلق الكتان، الذي خلق الإنسان خلق الصوف، الذي خلق الإنسان خلق القطن. ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [ سورة الأعراف : 26] ﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ [ سورة طه: 121] العورة بهذه الآية ما يجب ستره، لأن في إبدائه فتنةً. زينة الإنسان ستر عورته : هناك استنباط لطيف جداً، زينة الإنسان ستر عورته، هل في القرآن الكريم آية تؤكد ذلك؟ ![]() زينة الإنسان ستر عورته؟ بارك الله بك، الإنسان مكلف في المسجد، التعطُّر واجب، أن يتزين بلباس فخم؟ لا.. إذا ارتدى ثياباً نظيفةً ساترةً لعورته فهذه هي الزينة، حينما قال الله عزَّ وجل: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [ سورة الأعراف : 31] فالزينة هي ستر العورة. ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [ سورة الأعراف : 27] انظر إلى الشيطان، ينزع عنهما لباسهما، أبداً البيت الغير المسلم دائماً هناك تكشُّف، تكْشيف للعوارت: ﴿ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [ سورة الأعراف : 27] الزينة ستر العورة، والفحشاء كشفُها. عدم اتباع خطوات الشيطان : الأمر الثابت للشيطان: ﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [ سورة البقرة: 268 ] قال بعض المفسرون: يأمركم بكشف ما ينبغي أن يستر . طبعاً له حجج، ساعة مثل أخيك، ساعة لا يوجد أحد غريب، ساعة ربينا معاً، ساعة هكذا نشأنا، ساعة هل ستأكله؟ هذه الكلمات مفادها كشف للعورات، والذي أمر بالتستر، وأمر بغض البصر، هو الخبير. ![]() إذا كان عندك كمبيوتر، وصار فيه خلل، تكلف جارك الذي يشتغل بالخضرة أم تكلف مهندس الكمبيوتر بهذا؟ تحتاج للخبير، هذا على عيننا ورأسنا، ولكن ليس خبيراً في الكمبيوتر، فأنت أعقد آلة في الكون، يجب أن تسأل الخبير الصانع. مرة أحد أدباء مصر، عاصر حركة قادها مفكِّر في مصر، يدعو إلى السفور، فعمل مقالة أدبية، طلبه للدار الآخرة، وقال له: تعال انظر ماذا حدث، أنت أمرت بكشف الوجه فقط، تعال انظر ماذا حدث، فلما أطلعه على ما يجري في المجتمعات الماجنة، على شواطئ البحار، في دور اللّهو، في الطرقات، قال له: والله أنا ما أردت ذلك، أبلغهم أنني بريء من هذه الدعوة، هو حوار فني أدبي، أي هو طلب كشف الوجه فقط، كشف الوجه انتقل لكشف الشعر، وكشف الشعر انتقل لكشف النحر، وكشف النحر انتقل لكشف الساق. فالشيطان دائماً، خطوة، خطوة، خطوة، خطوة، الشيطان ذكي، بالمناسبة لم يأمر امرأةً أن تخلع ثيابها، يقول لها: أنت كبيرة، لا ينظر إليك أحد، تكون هي ليست كبيرة، لكن الآن لكي تكشف عن وجهها تصدق الشيطان بأنها كبيرة، دائماً الشيطان يأمر الإنسان خطوةً خطوة، يقول السيد المسيح اطلّعت على كلمة، هناك كتاب: أن ليس الشريف الذي يهرب من الخطيئة، لكن الشريف هو الذي يهرب من أسبابها ، نحن عندنا قاعدة، أن هذه الشهوة الجنسية مثل تيار، ثمانية آلاف فولت، من اليمين ستة أمتار، هذه منطقة خطرة، تجذب، وستة أمتار من اليسار، فوزير الكهرباء العالم، الرحيم، إذا مرّ تيار ثمانية آلاف فولت، يضع لوحات، ممنوع الاقتراب وليس ممنوع اللمس، إذا كتب ممنوع اللّمس، و اقترب أحدهم يسحبه التيار فيموت، فهذه الشهوات معها قوة جذب، فلذلك لا بدَّ من هامش أمانٍ بينك وبينها، لذلك قال الله عزَّ وجل: ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [ سورة البقرة: 187 ] اسمع الآيات: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [ سورة النور: 21 ] خطوة.. خطوة، أول خطوة خلوة، والله يوجد أخوان حدثوني، وأنا أثنيت عليهم والله، يعد المصعد خلوة، لا يصعد مع امرأة بمصعد، يصعد ستة طوابق، أو ينزل على الدرج، إذا دخل إلى غرفة حتى إذا أغلق الباب صار خلوة، النبي الكريم قال: (( لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ )) [الترمذي عن ابن عمر] لم يقل: كافر، لم يقل: فاسق، رجل، أي رجل بامرأةٍ إلا كان الشيطان ثالثهما: (( عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهم عَنْهم خَطَبَ النَّاسَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَامِي فِيكُمْ فَقَالَ اسْتَوْصُوا بِأَصْحَابِي خَيْرًا ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَبْتَدِئُ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ بَحْبَحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَدُ لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ)) [أحمد عن ابن عمر] أنت في البيت بمفردك طرق الباب، صديقة زوجتك، أخت زوجتك، ماذا تفضلي؟ ما هذه المجاملات الشيطانية ؟ والله ليست هنا، دينك أغلى، ليس هذا مجاملة إطلاقاً ، فقال: ﴿ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [ سورة النور : 21] إذاً هنا الأمر لا تتبعوا خطوات الشيطان. ستر العورة واجب على كل إنسان : الأمر الثاني: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [ سورة الأنعام:151 ] إذاً العورة يجب سترها، فدروسنا القادمة مهمة جداً، ما هي العورة؟ حدودها بالنسبة للرجل إلى الرجل، للرجل إلى المرأة، من المرأة إلى المرأة، من المرأة إلى الرجل. (( حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ قَالَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا يَرَاهَا أَحَدٌ فَافْعَلْ قُلْتُ وَالرَّجُلُ يَكُونُ خَالِيًا قَالَ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ )) [الترمذي عن بهز بن حكيم ] عوراتنا للنساء، رجل مع رجل، لا يوجد أحد، الله أحق أن يستحيا منه. عدم قبول عمل الإنسان إلا إذا كان خالصاً و صواباً : هناك حديثٍ آخر، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إنا نهينا أن ترى عوراتنا )) [العلل لابن أبي حاتم عن عَنْ جبار بن صخر ] في الحديث نقطة دقيقة، بالصياغة، إنا نهينا أن ترى عوراتنا، فعل ترى ما إعرابه؟ فعل مضارع مستمر، وهناك شيء ثان بالمضارع، يأتي مبني للمجهول، أي أنت غير قاصد، لو إنسان كشف عورته طبعاً آثم، لكن وأنت آثمٌ أيضاً، إذا بدت وأنت لا تدري، إذاً يجب من الاحتياط. (( إنا نهينا أن ترى عوراتنا )) [العلل لابن أبي حاتم عن عَنْ جبار بن صخر ] هذا يذكرني بحديث: ((مَن كذب عليَّ مُتعمِّدا فليتبوأ مقعدَهُ من النار )) [أبو داود والترمذي عن علي بن أبي طالب ] (( تَسَمَّوْا بِاسْمِي وَلا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي وَمَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي وَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار)) [البخاري عن أبي هريرة ] يقول لك: والله أنا لست قاصداً، هذا الحديث قرأته وأتكلم به، نقول له: هناك حديث آخر: (( مَنْ حَدَّثَ عَنِّي حَدِيثًا وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ )) [الترمذي عن المغيرة بن شعبة ] لو لم تكن قاصداً، لذلك أهم شيء أن عملك لا يقبل عند الله إلا إذا كان خالصاً وصواباً، خالصاً ما ابتغي به وجه الله، وصواباً ما وافق السنة. (( لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ وَلا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ )) [مسلم عن أبي سعيد الخدري] وقوله: لا يفضي، أي لا يلصق جسده بجسده، أي أن تلامس البشرة البشرةَ بين رجلين، أو امرأتين، هذا منهي عنه في قول النبي عليه الصلاة والسلام. ستر العورة من ثمرات الإيمان الصحيح بالله واليوم الآخر : كان صلى الله عليه وسلم يرى أن ستر العورة من ثمرات الإيمان الصحيح بالله واليوم الآخر، ولذلك شَرَط ستر العورة لمن أراد الإيمان، قال عليه الصلاة والسلام، انظر أحياناً هذا الربط خطير جداً: (( عَنْ جَابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ إِلا بِمِئْزَرٍ )) [النسائي عن جابر] ستر العورة، من صفات المؤمن، هذا يفهم منه، المعنى المخالف من تبذَّل في كشف عورته فكأنما نُزِعَ منه الإيمان. أخرج عبد الرزاق بن جريج، قال: بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فإذا بأجيرٍ له يغتسل عارياً- إذا الإنسان اغتسل بالأكمل، يغتسل بالثياب الداخلية، بعد ذلك يعصرها وينشرها، بعد ذلك يغسلها – فقال له: لا أراك تستحي من ربك، خذ إجارتك، لا حاجة لنا بك ، فهمكم كفاية. ((عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اضْمَنُوا لِي سِتًّا مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَضْمَنْ لَكُمُ الْجَنَّةَ اصْدُقُوا إِذَا حَدَّثْتُمْ، وَأَوْفُوا إِذَا وَعَدْتُمْ، وَأَدُّوا إِذَا اؤْتُمِنْتُمْ، وَاحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ، وَغُضُّوا أَبْصَارَكُمْ، وَكُفُّوا أَيْدِيَكُمْ )) [أحمد عن عبادة بن الصامت] إطلاق البصر في الحرام إفساد لكل شيء : بالمناسبة الحديث المشهور: (( كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ )) [مسلم عن أبي هريرة] ولكن له تتمة، وتتمته: ((.... فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ )) [مسلم عن أبي هريرة] (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ فَالْعَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلامُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا وَالْقَلْبُ يَهْوَى وَيَتَمَنَّى وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الْفَرْجُ وَيُكَذِّبُهُ )) [متفق عليه عن أبي هريرة] ![]() وفي روايةً لمسلم وأبي داود: (( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لِكُلِّ ابْنِ آدَمَ حَظُّهُ مِنَ الزِّنَا بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ: وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ فَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلَانِ تَزْنِيَانِ فَزِنَاهُمَا الْمَشْيُ وَالْفَمُ يَزْنِي فَزِنَاهُ الْقُبَلُ )) [أبو داود عن عن أبي هريرة] و: (( عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَالرِّجْلانِ تَزْنِيَانِ وَالْفَرْجُ يَزْنِي )) [أحمد عن ابن مسعود] والإثم حوَّاز القلوب، وما من نظرةٍ إلا وللشيطان فيها مطمع، أي إن إبليس طلاعٌ رصَّاد، وما هو من فخوخه بأوثق لصيده في الأتقياء من النساء، فاتقوا الله واتقوا النساء. هناك حديث معروف عندكم جميعاً فذكر إن الذكر ينفع المؤمنين : (( النظرة سهمٌ مسموم.... )) [الحاكم وصحح إسناده من حديث حذيفة ] لماذا قال النبي: سهمٌ مسموم؟ لأن السهم إذا أصاب الجسم أصاب موضعاً معيناً، لكن السهم المسموم يجري السم في كل أنحاء الجسم، وهذا كلام والله دقيق جداً، الإنسان إذا أطلق بصره في الحرام يفسد بيته، يفسد عمله، تفسد دراسته، تفسد تجارته، يسري السم في كلِّ نواحي حياته، لهذا: (( النظرة سهمٌ مسموم من سهام إبليس، من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه )) [الحاكم وصحح إسناده من حديث حذيفة ] غض البصر عبادة الإخلاص : سؤال: الله عزَّ وجل أمرنا بخمس صلوات لماذا؟ كي نبقى مع الله دائماً، وكأن الصلوات الخمس - كما وصف النبي ذلك: ((عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَنَّ نَهَرًا بِبَابِ أَحَدِكُمْ يَغْتَسِلُ فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسًا مَا تَقُولُ ذَلِكَ يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ؟ قَالُوا: لَا يُبْقِي مِنْ دَرَنِهِ شَيْئًا، قَالَ: فَذَلِكَ مِثْلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ يَمْحُو اللَّهُ بِهِ الْخَطَايَا )) [البخاري عن أبي هريرة ] شيء جميل، هل يوجد عندنا صلوات بين الصلوات، هنا السؤال؟ أردت إن أنت صليت الصبح، والظهر، وانطلقت لعملك، كل امرأة تراها وتغض بصرك عنها، سببٌ لإقبالك على الله، فكأنما المرأة التي في الطريق ثمرة غض بصرك عنها أنك تتصل بالله، فصارت الصلوات الخمس مناسبة للاتصال بالله، وكل غض بصرٍ عن امرأة أجنبيةٍ لا تحل لك مناسبةٌ أو حافزٌ أو مدعاةٌ لإقبالك على الله عزَّ وجل. بالمناسبة ليس هناك قانون يأمر بغض البصر في الأرض كلها، لا في شرقها، ولا في غربها، والآن هناك دول الشمال ودول الجنوب، دول الشمال غنية جداً، دول الجنوب فقيرة جداً، فإذا قلنا: هذه من دول الشمال أي دولة غنية، لا في شرق الأرض، ولا في غربها، ولا في شمالها، ولا في جنوبها، دولة في قوانينها أمرٌ بغض البصر، وهذه حكمةٌ أرادها الله عزَّ وجل، إنك إن غضضت بصرك عن محارم الله لا ترجو ثواباً ولا عقاباً، لكن ترجو أن يرضى الله عنك، فكأن غض البصر عبادة الإخلاص، أي الإنسان يستطيع أن ينظر ولا أحد يحس به، يوجد مناسبات، جالس ببيتك والنافذة مفتوحة، البيت الذي أمامك انفتحت النافذة وطلت امرأة، لا يوجد إنسان بالأرض يكشفك إلا الله، لذلك يعلم خائنة الأعين، هو وحده يعلم خائنة الأعين، فإذا غضضت البصر هذا يعبر على أن الله يراك، إيمانك أن الله يراك، وطموحك أن يرضى الله عنك. لكن بالمناسبة لا تظنوا الدين غض بصر فقط، هذا فهم، الدين مئة ألف بند، أحد هذه البنود غض البصر، لكن إذا الإنسان ظن الدين فقط غض البصر فهذا فهم خاطئ، غض بصره وأكل مالاً حراماً، غض بصره واغتاب الناس، غض بصره وكان ذو وجهين ولسانين، الدين مئة ألف بند، من باب التقريب أحد هذه البنود غضُّ البصر. الآن النبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ من أحاديث الزواجر، يقول: (( لعن الله الناظر والمنظور إليه )) [البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن] الناظر ملعون، والمنظور إليه ملعون، لولا أنها كشفت عورتها لما نظر الرجال إليها. التساهل و التسيب يغري الآخرين بالحرام : الآن أنا أقول لكم نقطة دقيقة تكلمت عنها الدرس الماضي، أن إنساناً سرق، كم إثمه عند الله؟ كبير جداً، والله الذي لا إله إلا هو الذي يهمل ماله ويغري الناس بأكله، الذي لا يضبط أموره، الذي لا يسجِّل، الذي لا يكتب العقد، الذي لا يفعل أشياء موثَّقة، بتساهله وتسييب أموره أغرى الناس بماله فأكلوه، والله الذي لا إله إلا هو ليس الذي أكل المال غصباً بأكثر إثماً من الذي أغراه به، العوام: يقولون المال الداشر يعلم الحرامي السرقة ، فكل إنسان يسيِّب أموره، ومن صفات الفاسق أن أمره سائباً، وكان أمره فرطاً، أموره سائبة، قال لي مرة رجل عنده معمل مفروشات: ما كنت أربح أبيع كثيراً ولكن لا يوجد ربح، بعد ذلك اكتشف الأمر، يطلب مثلاً خمسة آلاف متر وجه كنبات، يحضرونهم بشاحنة، يقول لهم: ضعوهم بالمستودع، انتبه السائق أنه لم يعد هناك تسجيل، أول مرة وضعهم، ثاني مرة، أخذ توبين، المرة الثالثة أخذ خمسة أتواب، مرة سلب نصف الكمية، فإذا الإنسان لم يستلم البضاعة، وسجلها، قد يكون الموظف أميناً لكن عندما رآك لم تستلم منه بضاعة، و لم تعدها و لم تسأل عن الفاتورة، وأين المتراج، والله ممكن أن يأخذ توباً أو توبين، فهذا الذي قال له: ضعهم في المستودع ولم يستلمهم منه، هو الذي أغرى هذا الشاب المستقيم بالانحراف، إذاً في صحيفة كل إنسان يسيب ماله. الآن قيسوا عليها المرأة المتبذلة، النساء الكاشفات المتبذلات، الكافرات، يتفلسفن بأنهن شريفات، لا يقدر إنسان أن يتكلم معهم كلمة، حينما خرجت هذه الفتاة بشكلٍ متبذِّل ليست شريفة، لأن لسان حالها يدعو الناس إلى النظر إليها. (( لعن الله الناظر والمنظور إليه )) [البيهقي في شعب الإيمان عن الحسن] سمعت قصة من يومين تركت في نفسي أثراً، امرأة على جانب من الجمال، زوجها ليس منضبطاً، وليس ملتزماً، أطلق لها العِنان، العَنان أم العِنان ؟ العِنان، والعَنان هو السحاب، إذاً العِنان بالكسر، العِنان الزمام، بلغت الأصوات عَنان السماء، أطلق زوجها لها العِنان، فانطلقت متبذلة، في ثيابها الفاضحة، وعاشت كما يقول الجهلة والفسَّاق، عاشت وقتها، عاشت شبابها، عاشت تألُّقها، الحبل مرخى، نحن عندنا اصطلاح بيننا الحبل مرخى، يشد الحبل، أصيبت بمرضٍ خطيرٍ في العضو التي كانت تُكثر من كشفه للأجانب، لن نسميه باسمه ترفعاً، هذا العضو صار يحتاج إلى عملية جراحية في دولة أجنبية، العملية كلفت مليوني ليرة وعادت من هذا البلد الأجنبي بوضع غير مريح، هي في البيت تمشي فجأةً وقعت، لم تستخدم العكازة فوقعت، فهذا العظم الذي صنِّع من الستانلس والمرمر أدخل في عظم الحرقف تماماً، في بلد أجنبي أجرت عملية كلفت العملية مليوني ليرة، خرج من مكانه، وبرز من الَلّحم، فبقيت أربع ساعات تصيح صياحاً، لم يبق في البناء كله إنسان إلا ونزل ليرى ماذا حدث، اتصلوا بالطبيب الأجنبي عن طريق التلكس، قال الطبيب: أنا لست مكلفاً بإجراء عملية ثانية، القصة طويلة جداً، ليس هذا هو المغزى، المغزى أنها بعد هذه العملية الجراحية، وهذه الآلام المبرِّحة، تابت إلى الله، وتحجبت، وتسترت، وبدأت تحفظ كتاب الله. قالت هذه المرأة لصديقتها: والله الذي فعله الله بي قليل، العضو التي كانت تكثر من كشفه أمام الأجانب هو الذي تلف، وهو الذي أذاقها الله به آلاماً مبرِّحة، لذلك أنا أتمنى على كل إخوتنا أن هذا الحبل، انظر للحبل، لا تنظر إليه مرخياً، الحبل يشد بلحظة واحدة، فإذا أنت في قبضة الله عزَّ وجل. ![]() أنا بصراحة أقول لكم، لا أقبل من أخ مؤمن يقول: والله يا أخي هكذا تريد زوجتي، ماذا أفعل لها؟ هذه والله صعبة أن أقبلها منه، أين جهدك؟ جعلك الله قيِّماً على أهل بيتك أين إقناعك؟ أين إحسانك؟ أين حزمك؟ فأنا أتساهل بكل شيء إلا بهذا الموضوع، الرجل المومن أمور الدنيا يتساهل فيها، ليس شديداً، إلا في حدود الله إذا انتهكت فهو شديد جداً، في أمور أخرى ليس شديداً، أما إذا انتهكت حدود الله عزَّ وجل، فتقول: والله ماذا نفعل؟ والله لا يعجبونني. خير إن شاء الله، فقط لم يعجبوك، وأنت مؤمن!! يقول عليه الصلاة والسلام: ((كل عينٍ باكيةٌ يوم القيامة )) كل عينٍ : (( كل عينٍ باكيةٌ يوم القيامة إلا عيناً غضت عن محارم الله، وعيناً سهرت في سبيل الله، وعيناً خرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله )) [حديث أبي بكر الأنباري عن أبي هريرة] اسأل نفسك هذا السؤال ولو كان محرجاً: مرة بكيت خشوعاً لله عزَّ وجل؟ هل هناك مرة واحدة انهمرت الدموع إما شوقاً أو خوفاً أو رجاءً أو ندماً أو حباً؟ قال: ((كل عينٍ باكيةٌ يوم القيامة إلا عيناً غضت عن محارم الله وعيناً سهرت في سبيل الله، وعيناً خرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله )) [حديث أبي بكر الأنباري عن أبي هريرة] الإصرار على الصغائر يقلبها إلى كبائر : هناك حديث آخر: (( ثلاثة لا ترى أعينهم النار، عينٌ حرست في سبيل الله، وعينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ كفَّت عن محارم الله )) [الطبراني في معجمه الكبير, عن معاوية بن حيدة ] الآن الناس، ماذا يظنون ؟ أن أخي الخمر- أعوذ بالله- أنا لا أشرب والله، أنا لا آكل مالاً حراماً، يحسب أنه عظيم من ترك الكبائر، من قال لك: إن الصغائر لا تنقلب إلى كبائر إذا أصررت عليها؟ من قال لك ذلك ؟ الصغائر إذا أصررت عليها تنقلب إلى كبائر، أبداً، اسمعوا الحديث روى الإمام أحمد: (( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلا كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلاةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا فَأَجَّجُوا نَارًا وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا)) [ أحمد عن عبد الله بن مسعود ] مرة ضربت مثلاً تعرفونه أنتم: طريق أوتستراد مستقيم، عريض، ستون متراً يقول لك: شارع الستين بمكة، ما معنى شارع الستين؟ عرضه ستون متراً، طريق مستقيم طويل عرضه ستون متراً، على يمينه واد سحيق، أنت راكب سيارة، هذا المقود انحرف تسعين درجة فجأةً، هذه كبيرة، رأسا صرنا في الوادي ، أما إن انحرفت سنتمتراً على اليمين ولم تتراجع وثبتت السنتمتر، بعد مئتي متر بالوادي، أين النتيجة؟ بالوادي، إن كان الانحراف تسعين درجة، أو سنتمتراً واحداً أو درجة واحدة، لكن الدرجة لو استمرت بالوادي، لهذا قال عليه الصلاة والسلام: (( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع استغفار )) [ أخرجه الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ] و ((.. إيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ...)) [ أحمد عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه] مصافحة، وإطلاق بصر، وسماع غناء، واختلاط، صفرة واحدة، فقط هذه المشكلة، ويظن نفسه لم يفعل شيئاً. إن شاء الله الدرس القادم نتحدَّث في صلب الموضوع، عن عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، وبعدها عورة الرجل بالنسبة للمرأة، وبعدها عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة، وأخيراً عورة المرأة بالنسبة إلى الرجل. والحمد لله رب العالمين
|
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#6 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
موضوع قيم وطرح مفيد
جوزيت كل خير وبورك فيك تحية |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#7 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
ما أجمل وأروع اسلامنا لكل شيء فيه حل
اللهم أدم علينا نعمة الإسلام دروس فقهية مفيدة وهامة وقيمة أخي السعيد بارك الله بك وأسعدك ووفقك الله في أمان الله وحفظه |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#8 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس (السادس) ستر العورة (2) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ماعلمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. التستر من صفات المؤمن الأساسية : أيها الأخوة المؤمنون... بدأنا في الدرس الماضي في موضوعٍ، أظن أننا في حاجةٍ ماسةٍ إليه، ولا أنطلق في اختيار الموضوعات إلا من الواقع، حينما أرى عدم انضباط في موضوعٍ جاء به حكمٌ شرعيٌ واحد أجد نفسي مضطراً أن أبين الحكم الشرع في هذا الموضوع. ![]() بادئ ذي بدء يمكن أن نقول: إن من لوازم المؤمن، المؤمن له صفات كثيرة لكن هناك صفات أساسية، قلت لكم في درس سابق: إن من صفات المؤمن الأساسية أن حياته مبنية على العطاء بينما حياة غير المؤمن مبنية على الأخذ، وهناك مشعرٌ دقيق ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ ؟ إن كان الذي يسعدك أن تعطي فأنت من أهل الآخرة، وإن كان يسعدك أن تأخذ فأنت من أهل الدنيا، لذلك أهل الإيمان، أهل الله، الذين ينتظرهم عطاءٌ كبير في الآخرة يسعدهم العطاء، بنوا حياتهم على العطاء، لا على الأخذ، لذلك كان الأنبياء في هذا الموضوع قمماً، كانوا قمماً، أعطوا ولم يأخذوا، أعطوا كل شيء، حياتهم كلها عطاء بعطاء. من لوازم المؤمن، من سماته الأساسية، التستُر، بينما غير المؤمن التعري سمة أساسية، في بيته، في عمله، في لهوه، في مناسباته ، في نزهاته، حياة المؤمن حتى في بيته، حتى في شرفاته، غير المؤمن متبذِّل، لا يبالي ما ظهر من أعضائه، لذلك كان موضوع العورة موضوعاً دقيقاً جداً، إذاً يجب أن يبقى في ذهنكم أن من صفات المؤمن الأساسية التستُر. لكن قد يسأل سائل: ما حكمة ذلك؟ قبل أن أخوض في الحكمة لي تعليقٌ دقيقٌ جداً، أنت كلما أردت أن تقدم على تنفيذ أمر لله عزَّ وجل، إن سألت عن الحكمة ما الذي يحصل؟ أن المؤمن يستوي مع غير المؤمن؟! المؤمن الصادق إذا ثبت له أن هذا أمر الله عزَّ وجل، وأن هذا أمر نبيه، بادر إلى التطبيق، من دون أن يسأل عن الحكمة لكن الله جلَّ جلاله يكرمه بعد التطبيق، وبعد الانصياع للأمر بكشف الحكمة. تعليق التطبيق على الحكمة ليس من حق المؤمن إن جاءه أمرٌ من خالقه : نحن في حياتنا دائماً يوجد شخص أعلم منا، وشخص في مستوانا، وشخص أدنى منا، لا يسأل عن الحكمة إلا المساوي، فإذا أمرت من هو أدنى منك بأمر، أنت لست مطالباً أن تبيِّن له الحكمة، وإذا أمرت بأمر، أنت لا تستطيع أن تسأله عن الحكمة، لكن إذا قال لك زميلك، الذي من سنك، وفي مستواك، وفي مرتبتك، أو شريكك في العمل: افعل. تقول له: لماذا؟ كلمة لماذا من يقولها؟ المساوي، أما الأدنى فليس من حقه أن يسأل هذا السؤال، عليك أن تنفِّذ فقط، ومع ذلك فالله جلَّ جلاله في آيات كثيرة تحبباً إلينا وتكريماً لنا، ورفعاً لشأننا أعطانا الأمر مع حكمته، أعطى الأمر مع حكمته، إذاً أنا كمؤمن مهمتي أن أتحقق من أمر الله عزَّ وجل، فإن ثبت لي أن هذا أمر الله بنص الكتاب، وبنص السنة، ما عليّ إلا أن أبادر إلى التطبيق، أما إن سألت عن الحكمة فهذا من قبيل أنني إذا عرفت الحكمة ربما نقلت هذا الأمر للناس، فاستطعت أن أقنعهم بتطبيق هذا الشرع، لا من باب أنني لا أطبِّق حتى أعرف الحكمة، هذا ليس وارداً إطلاقاً. لكن أحياناً وهذا من باب التمثيل، أحياناً الأب في ذهنه أشياء كثيرة، عندما ينتظر ابنه في المستقبل، يقول له: يا بني ادرس، ابنه صغير في الصف الابتدائي، في الصف الخامس، كيف سيقنعه أن الحياة سوف تكون معقدة جداً؟ ولا مكان إلا للمتعلم، والمتعلم يملك رأس مال ثابت، هناك تعليلات كثيرة، قد لا يملك فهمها هذا الطفل، لذلك قد يعطيه حكمةً في مستوى سنه، يقول له يا بني ادرس، فإن درست فلك مني جائزة، الأب في ذهنه أهداف كبيرة جداً وبعيدة جداً، يريد من ابنه أن يكون إنساناً متميزاً، متفوقاً، متكيفاً مع الحياة في مستقبلها. فنحن قبل أن نبحث عن الحكمة، الحكمة إن سألتها تأدباً من أجل أن تعلم الآخرين لا مانع، لكن ليس من حقك كمؤمن جاءك أمرٌ من خالقك أن تعلِّق التطبيق على الحكمة، هذا ليس من صفات المؤمن، وأن فعلت هذا استوى المؤمن وغير المؤمن. أوامر الشرع ليست حداً لحرية الإنسان ولكنها ضمان لسلامته : الشيء الثاني، هذا الشيء قادني إلى مثل، ضربته من فترة طويلة، إذا أنت عندك محطة وقود، ويوجد فيها مكان للإعلان، كم إعلان ممكن أن تعلق بهذا المكان؟ ويوجد عندك فراغ أبيض في مدخل المحطة، يصلح لإعلان، أو لتنبيه، أو لتحذير، ممكن أن تقول: يرجى أن تقف بالدور، ممكن، ممكن أن تقول: حافظ على نظافة المحطة، لكن يجب أن تنتقي أخطر شيء في هذه المحطة، أطفئ المحرِّك، إذا كان هناك بخار بنزين، أو ممنوع التدخين مثلاً، تختار إعلاناً مصيرياً، ممكن أن تكتب مئة إعلان، لا يقدِّم ولا يؤخر، فأنت يجب أن تؤمن أن الشيء إذا ذكره الله في القرآن فهو خطيرٌ جداً، القرآن سكت عن مليون قضية، القرآن سكت عن مئة مليون قضية، الموضوعات التي عالجها، التي بيَّن فيها حُكماً، التي أمر فيها أو نهى فيها، يجب أن تؤمن أن هذه موضوعات خطيرة بل هي موضوعاتٌ مصيرية، بل ممكن أن يهلك الإنسان إذا خالفها، كما أنه من الممكن أن أكتب في هذا المكان ألف إعلان وإعلان، وألف تنبيه وتنبيه، وألف تحذير وتحذير، لكن أخطر تحذير أن هذه المحطة لو جاءتها شرارة لالتهبت كلها، إذاً ممنوع التدخين أطفئ المحرك، هذا إعلان مصيري. ![]() إذاً أنت أمام شرع، فيه أمر، و نهي، و سنة، و شيء سكت عنه الشرع، الذي أمر به تتوقف عليه سعادتك، والذي نهى عنه أساسه الهلاك، هذا الإيمان الذي أمر به تتوقف عليه سعادتك، والذي نهى عنه طريق الهلاك في الدنيا والآخرة، والذي جاء به النبي من سنةٍ عليه الصلاة والسلام هذا من قبيل تكميل الفرض، والذي نهى عنه النبي بمستوى الكراهية هذا من قبيل الابتعاد عن المحرَّم، أما الذي سكت عنه الشرع، ففي الذي سكت عنه الشرع حكمة بالغة بالغة لا تقل عن حكمة الذي أمر به أو نهى عنه. النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث صحيحة نهانا عن كشف العورة، والقرآن الكريم فيه آيات كثيرة جداً. إذاً ربما كان كشف العورة طريقاً إلى الزنا، وربما كان الزنا طريقا للبعد عن الله عزَّ وجل، وربما كان البعد عن الله عزَّ وجل هلاكاً محققاً للإنسان. إذاً عندما يشير القرآن الكريم بآيات كثيرة ذكرتها في الدرس الماضي إلى وجوب ستر العورة، فهذا شيء مهلك، كشف العورة مهلك، وإذا أردت على هذا برهاناً الذي يجري في مجتمعات أهل الدنيا، في المسابح، في سواحل البحر، في المتنزهات، في الفنادق، في الحفلات، في المناسبات التي يخرج بها الإنسان عن حدود الانضباط، ماذا يجري هناك ؟ أنا أعرف أخاً كريماً ذكر لي أسرتين ذهبتا إلى الساحل، نزهة في الصيف، يبدو من تكشُّف النساء أمام الرجال، عادت الأسرتان إلى الشام، أحد الأزواج طلَّق زوجته، وتزوج التي كانت معه في النزهة، وعندها سبعة أولاد، هذا كشف العورة، فليست قضية سهلة، الدين كله عورات، ووضوء، وحيض، ونفاس يا أخي، هذا الدين، الدين يعالج أخطر قضية، يجب أن تؤمن أيها الأخ الكريم أن أوامر الشرع ليست حداً لحريتك، ولكنها ضماناتٌ لسلامتك، تماماً كما لو كنت في حقل، ورأيت لوحةً بلونٍ صارخ: ممنوع الاقتراب، حقل ألغام، هل تشعر بحقد على من وضع هذه اللوحة ؟ لا والله، أشعر بامتنان هل هذه اللوحة تحد من حريتي؟ لا والله، تضمن لي سلامتي ، إن فهمت النواهي في الدين كهذه اللوحة فأنت مؤمن، أنت صرت فقيهاً، أما إن رأيت أوامر الدين ونواهيه عبئاً، يا أخي الدين ثقيل، الإنسان من دون تدين يقول لك: أريح، يتحرَّك حركة طبيعية، هذه حرام، وهذه حرام، وهنا غض بصرك، وهنا ممنوع أن تمشي، طبعاً هذا ضيق الأفق. أما حينما نرى أن كلام الله عزَّ وجل، وسنة النبي عليه الصلاة والسلام، تشير إلى موضوع، يجب أن تؤمن بادئ ذي بدء أن هذا الموضوع خطير، أن هذا الموضوع يمكن أن ينتهي إلى هلاك. حالات الانحراف والزنا أساسها كشف العورات : لا أريد أن أذكر لكم قصصاً تناهت إلى سمعي بحكم عملي في الدعوة إلى الله لا تصدق، مثل بسيط أذكره لكم، إنسان ساكن في الشام، بحكم عمله له أخوان من خارج دمشق، فسكنا معه ليدرسا في دمشق، طبعاً في البيت زوجة أخيهما يقول أحد هذين الأخين الزائرين لأستاذٍ له هو زميلٌ لي، قال له: يا أستاذ لأخي ثلاثة أولاد، منه ولد، ومني ولد، ومن أخي الثاني ولد، إذا إنسان يريد أن يقول: لا تعقدوها، لا تدققوا، هذا الشرع، أنا عندي مثل هذه القصة مئات، كل شيء حرمه الله، كل شيء نهى الله عنه، معنى هذا هناك أخطار كبيرة جداً ولا أريد أن أدخل في تفاصيل، لا يليق بهذا المجلس أن تذكر، لكن الشيء الذي حرَّمه الله يجب أن تعلم أن الذي حرم هو الخالق، أن الذي حرم هو الصانع، أن الذي حرم هو الخبير، قال تعالى: ![]() ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [ سورة فاطر: 19 ] فيجب أن تؤمن أن أكثر حالات الانحراف، والزنا، وما شاكل الزنا من انحرافاتٍ خلقية أساسها كشف العورات، أساسها التبذل، أساسها عدم التقيُّد بالشرع. عظمة هذا الذين أنه إحاطة من أول الطريق، الصخرة وضعها في مكانٍ أمين لكن بعد أن تنطلق في المنحدر، ليبقى هذا المثل في ذهنك، بعد أن تنطلق في المنحدر، لا بد من أن تصل إلى قاع الوادي، إذا تساهلنا في البدايات، نصل إلى النهايات. إذاً أول فكرة: المؤمن من سماته الأساسية التستر في بيته، في شرفات بيته، في ثيابه في البيت، في ثيابه في النزهات، حتى إذا أراد أن يسبح له ثياب خاصة، هذا مؤمن، من نوع ثياب السباحة هذا مؤمن، هذا مؤمن يسبح يستر عورته، فالتكشف من صفات غير المؤمن، الحقيقة أن التكشف عودة للجاهلية، عودة إلى مستوى البهائم، وإن من البهائم أشدّ حياءً من الإنسان، معروف إلا الخنزير طبعاً، يقول لك: فلان مخنزر، أي يشبه في أخلاقه أخلاق الخنزير. عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل : الآن درسنا اليوم.. عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، أولاً: تأكد أنك إذا طبقت السنّة في البدايات ما وصلّت إلى مناطق خطرة أبداً، كل منطقة خطرة لها بداية، الإسلام أغلق عليك الطريق منذ البداية، الإنسان غير الدين، البدايات مفتوحة يجد الباب مفتوحاً يدخل فيه، بعد هذا يجد الطريق زلقاً، لا يتمكن أن يقف، إلى أن يصل إلى آخر الطريق، إذاً الإسلام أغلق الأخطار من بداياتها التي تبدو كأنها طبيعية، من هنا أغلقها. عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، قال: إما أن يكون الرجل قريباً كالأب، والابن، والأخ، وابن الأخ، وابن الأخت، والعم، والخال، وغيرهم، هذه قرابات، وإما أن يكون أجنبياً، ليس بقريب، على كل موضوع العورة في هذا يستوي فيه القريب وغير القريب، ينظر الرجل من الرجل سواء أكان قريباً أو أجنبياً، ومن غلامٍ بلغ حدَّ الشهوة بأن صار مراهقاً، سوى ما بين سرته إلى ما تحت الركبة، إن تيقَّن عدم الشهوة وإلا فلا، هذا الحكم الأول، أي رجل لرجل، أب لابن، ابن لأب، أخ لأخ، أخ لأبن أخ، أخ لابن أخت، ابن أخت لعم، لخال، هذه هي القرابة، أو شخص غريب، غريب أو قريب لا يحلُّ لك أن تنظر إلى رجلٍ مثلك في ما دون السرة وما فوق الركبة. إذاً السباحة مع أناس يرتدون القصير، لو أنك ترتدي الطويل، هناك مخالفة شرعية، أنت ناظر، لو نظر إليك أحدٌ لا يرى منك شيئاً، أنت لابس سروالاً طويلاً، لكن الذي يرتدي القصير ما تفعل به ؟ النبي عليه الصلاة والسلام فيما روي عن أبي أيوب الأنصاري أنه قال: سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (( ما فوق الركبتين من العورة، وما أسفل من السرتين من العورة )) [ ورد في الأثر] ادخل فرك لي ظهري، لو كان ابن لأبيه أو أب لابنه، أو أخ لأخيه، لا يجوز أن يرى الرجل من الرجل، ولو كان غلاماً بلغ حدّ الشهوة، معنى بلغ بالمناسبة يوجد عندنا حالتان، إما سناً، أو علامةً، السن خمس عشرة، لو أنه بلغ أي خرج منه ماء الرجال في الثانية عشرة، أيهما أقل؟ إما على أساس السن، أو على أساس العلامة، إذاً من السرة إلى ما تحت الركبة، من العورة، فالإنسان ينتبه. حديث آخر، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إن ما تحت السرة إلى الركبة من العورة )) [ ورد في الأثر] حديث ثالث: (( ما بين السرة والركبة عورة )) [أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده] الفخذ من العورة، لذلك قال عليه الصلاة السلام: (( عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لا تُبْرِزْ فَخِذَكَ وَلا تَنْظُرَنَّ إِلَى فَخِذِ حَيٍّ وَلا مَيِّتٍ )) [أبو داود عن علي ] هذا توجيه. (( عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَحْشٍ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مَعَهُ عَلَى مَعْمَرٍ وَفَخِذَاهُ مَكْشُوفَتَانِ، فَقَالَ: يَا مَعْمَرُ غَطِّ فَخِذَيْكَ فَإِنَّ الْفَخِذَيْنِ عَوْرَةٌ )) [أحمد عن محمد بن جحش] مرّ عليه الصلاة والسلام برجل وفخذه مكشوفة، قال: (( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ وَفَخِذُهُ خَارِجَةٌ فَقَالَ غَطِّ فَخِذَكَ فَإِنَّ فَخِذَ الرَّجُلِ مِنْ عَوْرَتِهِ )) [أحمد عن ابن عباس] ثلاثة أحاديث ما بين السرة إلى الركبة عورة. حديثٌ رابع: (( أَخْبَرَنِي ابْنُ جَرْهَدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِهِ وَهُوَ كَاشِفٌ عَنْ فَخِذِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَطِّ فَخِذَكَ فَإِنَّهَا مِنَ الْعَوْرَةِ )) [الترمذي عن ابن جرهد] حديث خامس: ((الركبة من العورة )) [ ورد في الأثر] كاشف الركبة ينكر عليه برفق وكاشف الفخذ يعنَّف وكاشف السوأة يؤدَّب : اليوم درسنا الرجل للرجل فقط، هذا الموضوع يمس الحمام، مسبح، خلع الثياب، أثناء ارتداء الثياب، الاغتسال في البيت، خارج البيت، في الرياضة، في الركض، في السباحة، لا تنظر ولا تدع أحداً ينظر إليك، ولا تُطع أحداً في معصية ربك، هذا الطريق من أوله. لكن الطبيب وحده له أن ينظر إلى مكانٍ محرمٍ إظهاره، والطبيب المسلم ينظر بالقدر الذي يُسْمَح. ![]() طبعاً الركبة حرمة إظهارها أخف من حرمة إظهار الفخذ، وحرمة الفخذ أقل من إظهار السوأتين، أيضاً يوجد تدرُّج، لكن العورة من السرة وحتى الركبة. العلماء قالوا: كاشف الركبة ينكر عليه برفق، وكاشف الفخذ يعنَّف، وكاشف السوأة يؤدَّب، أحدهم يلفت نظره برفق، والثاني يُعَنَّف، والثالث يؤدَّب، أي قد يضرب. وما يباح النظر إليه يباح مسه، إذا إنسان رجل أمسكته من يده، المكان الذي يباح النظر إليه يباح مسه، والمكان الذي لا يباح النظر إليه لا يباح مسه، لا فوق الثياب ولا تحت الثياب، يكره تحريماً للرجل أن يُمَكِّن رجلاً من تنظيفه بالكيس والليفة ما بين سرته وركبته، يكره تحريماً، هذه أحكام الشرع في هذا الموضوع. هناك قول للإمام مالك يغني أحياناً، يحدث تعلُّقاً بحكم دون أن يفقه الناس حقيقة الحكم، يعتقد بعضهم أن الإمام مالك أجاز النظر إلى الفخذ، حقيقة الأمر أن الإمام مالك من بين العلماء قسَّم العورة إلى عورة مغلَّظة، وعورة مخففة، ويرى الإمام مالك أن من كشف عورته المغلَّظة عليه أن يعيد الصلاة والتي قبلها، أي أية صلاةٍ صلاَّها وعورته المغلَّظة مكشوفة عليه أن يعيدها، أما إذا كشف عورته المخففة وهي الركبة وجزء من الفخذ، فهذا يعيد الصلاة الوقتية فقط. إذاً الإمام مالك ما خرج عن إجماع العلماء، العلماء بأكملهم وجميعهم قالوا: إن الفخذ عورة، لكن الإمام مالك فصَّل بين عورةٍ مغلظةٍ وعورةٍ مخففة، العورة المغلظة لو كشفت عليه أن يعيد كل صلاةٍ صلاَّها وقد كشف عورته المغلظة، بالمناسبة كاشف العورة المغلظة يستوي في كشفها إن كان عامداً، أو جاهلاً، أو ناسياً، عليه أن يعيد الصلاة كلَّها، إن كان جاهلاً، أو ناسياً، أو عامداً، في أحكام الفقه سواء. فالإنسان عندما تكون حياته بهذه الانضباط، يعيش في برّ الأمان، يعيش في راحة نفسية، أما إذا فتح على نفسه هذه الأبواب فربما ساقته إلى ما لا تحمد عقباه. حكم النظر : حكم النظر، يوجد عندنا نقطة دقيقة إنه إذا كان هناك فتنة، أيُّ شيءٍ يجب ستره، أي نأخذ مئة شخص، التسعون شخصاً من المئة أسوياء، طبيعيون، أما إذا كان بالمئة عشرة شاذين، فلا ينبغي أن يرى من الرجل لا ما بين السرة إلى الركبة، ولا فوق ولا تحت، إذا كان هناك إنسان مريض، شاذ، منحرف الأخلاق، تخشى معه الفتنة، كلُّ شيءٍ يصبح عورةً، هناك حالات، أشخاص غير طبيعين مثلُّ هؤلاء هذه الأحكام ليست لهم، هذه الأحكام للأسوياء. ![]() إذاً موضوعنا للأسوياء، لعامة المؤمنين، أما أحياناً تكون بعصر من العصور هذه النواحي آخذة حيِّزاً كبيراً بحياة الناس، طبيعة الحياة الحديثة، طبيعة الإعلانات، طبيعة الطرقات، تعمل مشاعر استثنائية، أي أهل الدنيا، أهل الكفر، والفجور، استخدموا المرأة في كلِّ شيء حتى في الإعلان عن أتفه البضاعات، علبة بويا عليها صورة امرأة هكذا، الإعلان عن كل شيء أساسه المرأة وكأنها سلعة، لذلك في هذا العصر عصر تيقُّظ الشهوات، عصر الفتن، هذا العصر من لوازمه أن هذه النواحي تبرز في حياة الإنسان، لذلك الفتنة الآن قائمة، كل شيء سمح به العلماء في الأيام الطبيعية مع الأشخاص الأسوياء، الآن هناك حرج، فلذلك موضوع الفتنة موضوعٌ يلغي كلَّ هذه الأحكام ويجعلك تنظر نظرةٌ أخرى للأمور. ما هي الفتنة بعد الضبط؟ لو أن إنساناً عنده ابن صبيح الوجه، كيف الأب ينظر لابنه؟ نظرة كلُّها براءة، كلُّها اطمئنان، أي إذا نظرت إلى وجهٍ صبيحٍ كنظرة الأب لابنه هذا حال طبيعي، إلى وجه صبيٍ مثلاً، أو غلامٍ، أما إذا تمنَّى الإنسان أن يلمسه، معنى ذلك هناك قضية شهوة، ففي هذه الحالة ينبغي أن يأخذ الأمر أحكاماً أُخرى، إذاً لو تحرَّك القلب، وتحرَّكت الشهوة، وصار هناك رغبة، عندئذٍ هذه هي الفتنة، عندئذٍ لا يجوز لا أن تنظر، ولا أن تستمع، ولا أن تمسك، ولا أن تلمس إطلاقاً. أحياناً تنظر إلى وردة، أحياناً تنظر إلى لوحة فنية، منظر طبيعي، تستمتع بجماله هذا الحد الطبيعي، لكن جمال الإنسان له مشكلة أخرى، ليس كجمال وردة، ولا كجمال شجرة، ولا كجمال غزال مثلاً، الأشياء التي خلقها الله هو الجميل، وخلق الجمال، لكن الشهوة التي أودعها الله في الإنسان، لا يكتفي الإنسان بالنظر إلى الجمال، بل يتحرك التحرك هو الفتنة، هو الفساد، هذا الذي قاله العلماء: عند أمن الفتنة. لو فرضنا.. الآن نتكلم عن الرجل للرجل فقط، وجه صبيح إذا نظرت إليه وكأنه ابنك وضع طبيعي، أما إذا كان هناك مشكلة، هذا الذي نهى عنه الفقهاء فالحكم معروف. وعدم الشهوة، كما جاء في التعريف الفقهي ألا يتحرك قلبه إلى شيء من ذلك بمنزلة، من نظر إلى ابنه الصبيح الوجه بالضبط، هذا هو المقياس. أمْنُ ميل النفس إلى القرب منه، أو المس له، إذا هناك أمن، عدم الرغبة بالقرب، أو المس، الوضع طبيعي، كما لو أنه ابنك، هذا حكم النظر إلى وجه الرجل إذا كان شاباً. يقول عليه الصلاة والسلام: (( الإثم حوَّاز القلوب، وما من نظرةٍ إلا وللشيطان فيها مطمع )) [ شعب الإيمان عن محمد بن عبد الرحمن بن يزيد عن أبيه ] عورة الصغير : أنا أسأل أحياناً كثيرة عن عورة الصغير، العلماء قالوا: دون أربع سنوات عورته هي السوأة فقط، لكن بعد الأربع سنوات تزداد العورة فيما حول السوأتين، بعد العشر سنوات تصبح له عورة، يجب غض البصر عنها، أما إذا بلغ، دخل في حكم الرجال، كما بينا قبل قليل. هناك موضوع أن الغلام ينبغي أن يمنع من الدخول على النساء، متى؟ الآية تقول: ﴿ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [ سورة النور: 31 ] أي الطفل إذا دخل على النساء، ولا يفرِّق أبداً بين الحسناء والدميمة، لا يعرف ما عندهن من فتنة، إذا كان في هذا المستوى فهو دون سن البلوغ، أما إذا بدأ يفرِّق فلا ينبغي أن يسمح له بالدخول على النساء. المشكلة أن مع تقدم الحضارة المادية التي جاءتنا من الغرب، ومع هذه الأجهزة التي لا ترضي الله عزَّ وجل، والتي تعرض فيها النساء كاسيات عاريات، هذه تنمِّي عند الصغار الميل الجنسي، تنميه في وقت مبكر، لذلك ما يصح قبل مئة عام لا يصح الآن، هذا الطفل الصغير الصغير تظنه بريئاً، وهو ليس ببريء، وهو يفهم كالكبار، إذاً الحكم الآن: يجب أن يأخذ منحىً آخر، أن الأحكام تدور مع الأزمان، ومع تغير البيئات والحالات، والعياذ بالله الآن الوضع، البرامج الفنية، وأجهزة اللهو في البيوت، هذا يسبب فتناً كبيرة جداً، حتى أن الصغير أصبح في إدراكه لهذه الموضوعات كالكبير، فلذلك الإنسان كلما ابتعد عن هذه الملهيات، وكلما أزالها من بيته، كان في بحبوحةٍ، وفي طمأنينةٍ كبيرة، لأنه شيء فيه فساد ثابت. حكم الدخول على النساء : النّبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ صحيح يقول: ((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ )) [البخاري عن عقبة بن عامر ] ![]() أخطر شيء القريبات، بحكم الاعتياد، والعلاقات الاجتماعية، هذه امرأة أخي، وهذه كنة عمي، هذه الكلمات هي ينظر إليها، ويتحادث معها، ويتملىَّ من محاسنها، وقد يمازحها، وقد يقع الشيء الخطير بحكم القرابة، والدخول، والخروج، والزيارات، والطُمأنينة الساذجة من الأهل، هذا كلُّه ينبغي أن يكون في حساب المؤمنين. أقول لكم كلاماً: إذا اكتشف الرجل في بيته مشكلة خطيرة، بين ابنته وبين شاب، أو بين ابنه وبين شابة، أي شيء لا يحتمل، لا تحتمل أعصابه هذا الخبر، والمفرط أولى بالخسارة، وإذا كان لا يعلم فالمصيبة أكبر بكثير، مصيبة كبيرة جداً، فلذلك أخذ الاحتياط هو الأحزم، الحزم سوء الظن، سوء الظن عصمة، احترس من الناس بسوء الظن، الشرع أقوى، والتقوى أقوى، أي قضية مخالفة للسنة ابتعد عنها، ولو بدوت أمام الناس الجهلاء متعصباً، ومتزمتاً، لماذا قال عليه الصلاة والسلام: ((مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلاةِ لِسَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرِ سِنِينَ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ وَإِذَا أَنْكَحَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَوْ أَجِيرَهُ فَلا يَنْظُرَنَّ إِلَى شَيْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ فَإِنَّ مَا أَسْفَلَ مِنْ سُرَّتِهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ عَوْرَتِهِ )) [أحمد عن عمرو بن شعيب] لكي لا يقع الفساد، فرقوا بينهم في المضاجع، وماذا قال الله عزَّ وجل؟ ﴿ لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [ سورة النور: 58 ] لماذا الإذن؟ قال: (( إنها أمي يا رسول الله !! قال: أتحب أن تراها عُريانة )) [ ورد في الأثر] الموضوع فيه حرج قليلاً، والتفاصيل فيه محرجة، إلا أن الحق هكذا، أيهما أشد عاراً أن نخوض في هذه الموضوعات أو أن نجهلها؟ أن نخوض فيها، هذا دين شرع، منهج، أما أن نجهلها فهذا أشد عاراً بالإنسان، أن يجهل حقيقيةً مصيريةً خطيرةً في حياته، فلذلك الكلمة الشهيرة: التقوى أقوى، أقوى لعلاقاتك، أقوى لمستقبلك، أقوى لطهارتك، أقوى لنزاهاتك، أقوى لعفتك، الله عزَّ وجل قال: ﴿ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [ سورة الأحزاب: 53] غض البصر أطهر، غض البصر، الخلوة، مثلاً، التبذل، الآن أكثر الناس عندهم وهم أن هذه أختي، هذه أمي، هذه بنت أخي، هذه بنت أختي، هذه عمتي، هذه خالتي، هذه من المحارم، لا يجوز، أن تراهُنَّ إلا بملابس الخدمة، وثياب الخدمة كما نصَّ عليها الفقهاء ثيابٌ تستر الصدر، والعضُد، وتحت الركبة، هذه هي ثياب الخدمة، أما إذا كان هناك ثياب فيها تبذل، ولو كان أختك، لو كان ابنتك، ولو كان عمتك، ولو كان خالتك، ولو كان والدتك، ثياب التبذل هذه لا يجوز أن يراها المحارم، لكن نحن عندنا كله يجوز، هذا لا يجوز، الزوجة لها حكم، والمحارم لهن حكم، أما زوجة الابن فلا يجوز الخلوة بها، وزوجة الأب لا يجوز الخلوة بها، هذا في الفقه الحنفي، وفي حاشية ابن عابدين، لا يجوز الخلوة بالصهرة الشابة. وسمعت قصصاً كثيرة عن حالاتٍ يُندى لها الجبين، بين الابن وزوجة الأب، وبين الأب وزوجة الابن. الابتعاد عن الخلوة بالنساء : الصنف الثالث، لا يجوز الخلوة بهن، أول صنف: حكم خاص، الزوجة، و المحارم، لا يجوز أن تنظر إليهن إلا بثياب الخدمة، الثياب المتبذلة لا تجوز، الصنف الثالث: لا يجوز أن تخلو بهن، هذا حكم الفقهاء، والسفر قالوا: خلوة، السفر خلوة، وأي شيءٍ نهى الله عنه، هناك حالاتٌ كثيرةٌ جداً، والله سمعتها، وصلتني، وما زادتني إلا إيماناً بعظمة هذا الشرع، إن كل مشكلة أساسها مخالفة، وأجمل شيء بالحياة أن الإنسان يعيش عمراً مديداً، لا يوجد عنده ببيته مشكلة أبداً، لا يوجد انحراف، لا يوجد قصة يستحي أن يسمعها، لا يوجد قصة يُصْعق لو سمعها، شيء صعب جداً أن الإنسان يكتشف بوقت متأخر أن هناك خللاً ببيته، فيما بين أولاده، فيما بين أقاربه، هذا الشيء أساسه التقصير في تطبيق الشرع، كلُّ هذه المشكلات الخطيرة التي تهُدُّ الإنسان هداً أساسها تقصيرٌ في تطبيق الشرع، لأن النظرة، النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، طبعاً عندك الناظر والمنظور، أحياناً الخطأ من الناظر، وأحياناً الخطأ من المنظور، لو أن المنظور كان متستراً، لو أنه كان ملتزماً، لو أنه طبَّق السنة، لما حدث شيء، مخالفة المنظور وضعف الناظر سببت هذه الفتنة الكبيرة. إذاً الموضوع بشكل مجمل، عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، ومن الرجال من كان شاباً بلغ الحلم، ما بين السرة إلى الركبة، والركبة من العورة، أما إذا كان هناك فتنة فلا يجوز، ما أبيح من قِبَل الفقهاء، كلّ أحكام الفقهاء عند أمن الفتنة، فإن لم تؤمن فلا ينبغي أن نسمح. أحياناً، يقول لك: أخ وأخته، لكن لو شعر الأب أن هذا الابن له نظرات غير طبيعية، ودخل على أخته في غرفتها مرَّات عديدة، إذا شعر الأب أو الأم شعرت فهذا صار حكماً آخر، هناك حكم آخر، هذه الأحكام عند أمن الفتنة، عند الأشخاص الأسوياء، عند الأشخاص العاديين. طبعاً الله عزَّ وجل منح الأشخاص جمالاً، أما إذا رأيت شاباً وجهه صبوح وكأنه ابنك، وهذا شيء تعرفه أنت، عادي، وضع طبيعي، معنى ذلك أنت مع الأسوياء، مع الطبيعين، مع من تنطبق عليهم أحكام الشرع، أما إذا كان مع النظرة تحريك للقلب، أو رغبة بالمس، فهذه فتنة خطيرة جداً، عندئذٍ حتى لو كان شاباً، هو عورةٌ من فرقه إلى قدمه، كما قال العلماء، الشاب الوسيم إن لم تؤمن الفتنة عورةٌ من فرقه إلى قدمه، أصبح عورة كالمرأة تماماً، أما إذا كان الإنسان سوياً والوضع طبيعياً وما شعر بشيء، فهذا وضع أيضاً طبيعي. والإنسان كلَّما طبق هذه الأحكام شعر بما يسمى بالطُهر، شعر بالعفة، وضمن أن حدثاً خطيراً لم يقع في بيته، وضمن أن هذا البيت نظيف بكلِّ ما في الكلمة من معنى فأرجو الله جلَّ جلاله أن ننتفع بهذه الأحكام. غض البصر عن النساء : وردتني أوراق: يقول أحد الأخوة الأكارم: أعمل في محل لبيع المرطبات، والمحل يعجُّ بالنساء ولكنني أبيعهن، ولا أنظر إليهن، ومعلمي ينبهني، ويطلب إلي أن أنظر إليهن، فهل في وضعي هذا خطأ؟ هذا هو عين الصواب: ﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ [ سورة العلق :19] هكذا قال الله عزَّ وجل، طبعاً غض البصر عن النساء أثناء العمل هذا عمل عظيم، وهذا فيه جهد كبير، وهذا الذي قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام: (( القابض على دينه كالقابض على الجمر أجره كأجر سبعين )) [الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه] لكن ما من غض بصرٍ عن امرأةٍ أجنبيةٍ إلا عوَّضك الله سعادةً ولذةً تجد حلاوتها في قلبك إلى يوم تلقاه.. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ *فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ ﴾ [ سورة المعارج: 29-31 ] أي شيءٍ خلاف الذي ذكر دخل في وراء ذلك: ﴿ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾ [ سورة المعارج: 31 ] فالذي سألني هذا السؤال، جاءه الجواب: ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾ [ سورة المعارج: 31 ] تطبيق عملي: الرياضة، لا بدَّ لها من ثياب طويلة، وطبعاً مسموح، إنسان عنده ابن، لا يأخذ له بنطالاً قصيراً، يأخذ له بدلة رياضة، بالمدرسة هذه هي السنة، السباحة، تحتاج إلى بنطال طويل، بالحمام لا ينبغي أن نجمع الأولاد بالحمام دفعةً واحدة، هذا خلاف السنة، أنتم خذوا تطبيقات لأنفسكم رأساً، أثناء خلع الثياب، كل إنسان بمفرده يخلع ثيابه، يخلع الابن أمام أبيه، والأب أمام ابنه لا يجوز، علِّم الأولاد أن هذا الشيء ممنوع، خلع الثياب، الحمام، السباحة، الرياضة، هذه كلُّها يجب أن تطبق، أنت ومن حولك، ومن يلوذ بك، ومن تليه، ومن تتولى أمره. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#9 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس (السابع) ستر العورة (3) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ماعلمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. شهوتا البطن و الفرج : أيها الأخوة المؤمنون... بدأنا في الدرس الماضي، بموضوع العورة في الإسلام، وقد قدمت للموضوع بمقدمةٍ مهمةٍ جداً، لأنها تُلقي ضوءاً على ذلك الموضوع، أُحب في هذا الدرس أن أُشير إليها، وأن أُقدم مقدمةً ثانية، تُلقي ضوءاً إن شاء الله كاشفاً على ذلك الموضوع الحساس. أولاً: الله جلَّ جلاله، أودع في الإنسان شهوتين، أو شهواتٍ كثيرة، لكن أبرز هذه الشهوات شهوة البطن، وشهوة الفرج. ![]() شهوة البطن من أجل الحفاظ على وجود الإنسان، وشهوة الفرج من أجل الحفاظ على نوعه، وهناك حاجاتٌ أُخرى لا مجال إلى ذكرها في هذا الدرس. خالقُنا وربنا نظَّم لنا نظاماً، شرَّع لنا شرعاً، وضع لنا منهجاً، شهوة البطن تختلفُ عن شهوة الفرج، شهوة البطن هناك منبهات نوبية، مهما كنت مشغولاً، مهما كنت غارقاً في عملك، تُحسّ بالجوع ، تحس أن المعدة قد فرغت من الطعام، وأنه لا بدّ من أن تأكل، ولولا الإحساس بالجوع لهلك الناس، أي السيارة يوجد بها عدادات، لو أن الإنسان غافل عن العدادات، وارتفعت الحرارة إلى أعلى درجة، يحترق المُحرك، ويُكلفك العمل مبلغاً كبيراً جداً، الآن يوجد عدادات سمعية، لو أن هناك ضجيجاً كبيراً ولم تنتبه لهذا التنبيه السمعي هناك التنبيه الصوتي، لكن الإحساس بالجوع ما طبيعته؟ يا ترى عداد مرئي أم سمعي؟ تُحس أن كل كيانك يحتاج إلى الطعام، فالحاجة إلى الطعام أكَّدها الله عز وجل بالإحساس بالجوع. لكن شهوة الجنس لها طبيعةٌ أُخرى، ليس هناك منبهات دورية، منبهات كلها خارجية، الجوع المنبِّه داخلي، والأطباء يعرفون آلية الجوع، هناك مركز في الدماغ يُنبه والمركز في الدماغ يُعطي أمراً للعصارات في المعدة فتفرز، وهناك أبحاث دقيقة وعميقة في موضوع الجوع، ولكن شهوة الجنس ليس لها مُنبه دوري، منبهها خارجي، فإذا طبق المجتمع الشرع الإلهي، وطبق المنهج الرباني، وطبق القرآن الكريم، فالإنسان لا يُحسُّ بهذه الحاجة، إلا إذا نُبه، دعونا قليلاً من شهوة الجنس ولنعد إلى شهوة البطن. الحكمة من أمر النساء بالتستر و الرجال بغض البصر : ![]() الإنسان يحتاج باليوم إلى ثلاث وجبات، أو وجبتين، لو فوضنا في مدخل البناء هناك طعام نفيس، بالمصعد يوجد طعام، بغرفة الضيوف يوجد طعام، بالمكتب يوجد طعام، بالسيارة يوجد طعام، والطعام نفيس، والشهوة موجودة، الإنسان يقتل نفسه، أصبح هناك مُثيرات مستمرة، لو أن هذا المُثير الآخر، حينما تخرج المرأة متكشِّفةً، حينما تُبرز مفاتنها للناس، هذه كلها إثارات مستمرة، فهذه الإثارات المستمرة تسبب للإنسان يقظة كما قيل: الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها. وكذلك هذه الشهوة نائمةٌ، لعن الله من أيقظها، من هنا جاءت الأوامر الإلهية، والتشريعات النبوية، بأمر النساء بالتستر، وأمر الرجال بغض البصر، أنتم لو عشتم في مجتمع حُجبت فيه النساء كما أراد الله عزّ وجل، وغضّ فيه الرجال أبصارهم تماماً عما حرم الله لعاش الإنسان بسلامٍ مع نفسه أيما سلام. إذاً حينما تجد في القرآن الكريم آياتٍ تأمُرنا بغض البصر، وحينا تجد في القرآن الكريم آياتٍ تأمر النساء بالتستر، هذه الآيات ما كان الله عز وجل ليُشرع في موضوعٍ إلا إذا كان ذا خطورةٍ بالغة، لو أن محطة وقود، أرادت أن تضع إعلاناً واحداً، تختار من بين ألف إعلان أخطر الإعلانات، تأمر بعدم التدخين، لئلا يشتعل الوقود، وكذلك إذا ذكر الله عز وجل في القرآن الكريم أمراً أو نهياً فهذا شيءٌ مصيري. ![]() بالمناسبة الله عزّ وجل أمر بأشياء، ونهى عن أشياء، وسكت عن أشياء، ولو دققت النظر في الذي أمر، أو في الذي نهى، أو في الذي سكت، لوجدت أن هناك حكمةً ما بعدها حكمة، وموعظةً ما بعدها موعظة، حينما أمر بأشياء وسكت عن أشياء لأنه كما تعلمون أساس سعادة الرجل بيته وعمله، فإذا كان في بيته سعيداً، كان إنتاجه في المجتمع وفيراً، مكان الاستقرار، مكان السُكنى، مكان الراحة، فلو كان هناك تشويش أو تطلُّع إلى غير الزوجة، إطلاق البصر يُسبب هذه الاتجاهات، فلذلك هناك أوامر كثيرة في القرآن وفي السنة تأمر النساء بالتستر، و تأمر الرجال بغض الأبصار، وقد علل الله جلَّ جلاله، ذلك فقال: ﴿ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ [ سورة الأحزاب: 53] من غضّ بصره عاش في سلام مع نفسه : وكما قُلت لكم: الشهوة الثانية التي نحن بصددها منبهاتها كلها خارجية، فلو عشنا في مجتمعٍ مسلمٍ حقيقةً، مطبق لشرع الله عزّ وجل، لعشنا حياةً أُخرى، أكثر هدوءاً، وأكثر استقراراً، وأكثر طمأنينةً، ولكن إذا كان الطرف الآخر وهم النساء، لسن متقيداتٍ بأمر الله عزّ وجل، فعلينا نحن الطرف الثاني أن نغض الأبصار وهذا هو الذي يحمينا من فتنة النساء، وكما تعلمون: (( اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن إبليس طَلاَّع رَصَّاد حَصَّاد وما هو بشيء من فُخُوخه بأوثق لصيده في الأتقياء من فخوخه في النساء )) [الديلمي عن معاذ] و: ((اتقوا الدنيا واتقوا النساء فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت من النساء)) [ مسلم عن أبي سعيد] وفي حديثٍ آخر: يقول النبيّ عليه الصلاة والسلام : ((النساء حبائل الشيطان)) [ أحمد عن أبي الدرداء] أي مصيدة بيد الشيطان، لكن فعَّالة، والإنسان يؤتى أحياناً من حبه للمال أو حبه للنساء، يُهلكه حب المال، ويُهلكه حبه للنساء، وحينما يُغادر الإنسان الدنيا، ويجد أنه من أجل امرأةٍ ضيَّع سعادته الأبدية، عندئذٍ هي خسارةٌ ما بعدها خسارة. و هناك شيءٌ آخر أُحب أن أؤكده لكم، أنه ليس في الإسلام حرمان، وأنا أعني ما أقول أي ما كان الله عز وجل ليودع في الإنسان شهوةً ثم يمنعه من ممارستها، لكن أودع فيه شهوةً، ونظمها له، فتح له قنواتٍ نظيفة، أي بين الزواج، بين النِكاح، وبين السِفاح مسافات شاسعة جداً، هنا الطمأنينة، وهنا الاستقرار، وهنا الولد، وهنا الشعور بالطهارة، وهنا الشعور بالنظافة، كل المشاعر المُقدسة تأتي من الزواج؛ وجميع المشاعر المنحطة، والاختلال، والشعور بالذنب، والشعور بالنقص، والحجاب عن الله عز وجل يأتي من مخالفة منهج الله عز وجل. ![]() إذاً حينما نجد في القرآن الكريم، وفي السنة النبوية المُطهرة، أمراً، أو نهياً فهذه موضوعاتٌ مصيرية خطيرةٌ جداً، فالنظرة قد تتبعها نظرة، والنظرة قد تتبعها حركة، والحركة تنتهي بالفاحشة، والفرق قد يقول أحدهم: إن الله جميلٌ يحب الجمال، هذا كلام صحيح، الله عز وجل يتجلَّى على بعض الأشياء باسم الجميل، فيمنحه جمالاً ما بعده جمال، لكن جمال الأشياء شيء، وجمال المرأة شيءٌ آخر، جمال الأشياء، أي الإنسان يكتفي بالنظر، وردة جميلة، جبل أخضر، ساحل جميل، حديقة مُنسقة، هذه الإنسان إذا نظر إليها يكتفي بالنظر، لكن الطرف الآخر، الذي هو موضوع درسنا، الإنسان أودع فيه شهوة تُحرّكه، لا تبقيه على مستوى النظر، فكل الكوارث الكبيرة مبدأها من النظر، ومعظم النار من مستصغر الشررِ، هذه موضوعات دقيقة. أي ما دام الله عز وجل حرم، فالأمر خطير، هذه أول فكرة، الفكرة الثانية شهوة الجنس تختلف عن شهوة البطن، بأن مُثيرها خارجي، وليس داخلياً، فإذا الإنسان امتنع، غض بصره، والمرأة تسترت، عاش الإنسان في سلام مع نفسه، والدليل: عندما يكون الإنسان مشغولاً في موضوع خطير، ينسى هذا الموضوع كُلياً، أما الجوع فلا ينساه، هناك حافز نوبي، حفاظاً على وجودك وعلى قِوام حياتك. العلم أمانة فلابد من تبليغ الأمانة إلى أهلها : بدأنا في الدرس الماضي بعورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، وكنت قد شعرت بحرجٍ شديد في معالجة هذه الموضوعات، بعد الدرس سألت بعض الأخوة الكرام عن انطباعهم حول هذا الموضوع، فأُناسٌ كثيرون شجعوني على متابعته، وأنا أنطلق من فكرة هو أن من العار أن يخوض الإنسان في موضوعات أي الأولى ألا يخوض بها، لكن من العار الأشد أن يجهل هذه الموضوعات، خوضها يُحرج المُتكلم والسامع، لكن أن نبقى في جهلٍ شديد، وأن نخالف شرع الله عز وجل، دون أن ندري، فالعلم أمانة، فلابد من إبلاغ الأمانة إلى أهلها. فطبيعة حياتنا، في المسابح، على شواطئ البحار، في الحمامات أحياناً، في الطرقات، في أثناء التدريبات الرياضية، قد تتكشف العورات، وكما قلت قبل قليل: النظر إلى عورة الرجل، أو إلى عورة المرأة، قد يكون حافزاً إلى ميل النفس إلى شيء لا يرضي الله عز وجل، فكأن الشرع تماماً كما قلت في الدرس الماضي، كيف أنك إذا سرت في حقل ألغام، لا سمح الله ولا قدَّر، ورأيت لوحةً كُتب عليها: حقل ألغام، ممنوع التجاوز، كيف أنك تشعر وأنت في أعلى درجات الوعي أن هذه اللوحة وضعت ضماناً لسلامتك، ولم توضع قيداً لحريتك. فأحياناً الجاهل يتوهم، يا أخي الدين صعب، الدين كله قيود، هذه حرام، وهذا لا يجوز، وهذه تغضب الله عز وجل، أنا من غير دين أريح لي، حر طليق، أفعل ما أشاء، أتطلع إلى من أشاء، أذهب إلى حيث أشاء. الهدى و الاستقامة يرفعان صاحبهما إلى العلياء : الإنسان حينما يتفلَّت من المنهج، لا تنسوا أن الله عز وجل في آياتٍ كثيرة قال: ﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ [ سورة البقرة: 5] أجمل ما في الآية، كلمة على، على تفيد الاستعلاء، أي أن المهتدي فوق الهُدى، أو أن الهدى رفع المهتدي، لا يزال الهدى، والمنهج، والاستقامة، وتطبيق الأمر وترك النهي، يرفع صاحبه إلى أن يبلغ به العلياء: ﴿ أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ ﴾ [ سورة البقرة: 5] لكن الفاسق، أو الضلال: ﴿ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾ [ سورة الأحقاف: 32] ![]() لماذا قال الله في؟ الضلال من شأنه أن يُقيدك، والهدى من شأنه أن يرفعك وعلى خلاف ما تتوهم، مع أن الهدى كله قيود لكنه يرفعك، مع أن الضلال كله تفلُّت لكنه يقيُّدك. فرضاً لو إنسان أحب أن يعمل معمل غسالات أحدث نوع، واجه صعوبة في شراء الكمبيوتر، الذي يحركها تحريكاً مبرمجاً، هذا صعب وغال، فلغاه، لغى الكمبيوتر، جهاز التسخين لغاه، صعوبة لغاها، جهاز الدوران لغاه، كلما واجه صعوبة ألغاها، أصبحت تنكة غسيل، ليس لها قيمة، كان ثمنها اثنين وثلاثين ألفاً، أصبح ثمنها خمس ليرات، أي الإنسان إذا لم يواجه الصعوبة أصبح ليس له قيمة، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ...)) [ أحمد عن ابن عبَّاس ] (( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَقُولُ بِيَدِهِ هَكَذَا فَأَوْمَأَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْضِ مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ لَهُ وَقَاهُ اللَّهُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلاثًا أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ وَالسَّعِيدُ مَنْ وُقِيَ الْفِتَنَ وَمَا مِنْ جَرْعَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُهَا عَبْدٌ مَا كَظَمَهَا عَبْدٌ لِلَّهِ إِلا مَلأَ اللَّهُ جَوْفَهُ إِيمَانًا )) [أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ] أي يوجد جهد، بيت جميل جداً، لكن في رأس تلة، والطريق إليه صاعد، وقد يكون متعرِّجاً، وقد يكون فيه تراب، وقد يكون فيه أكمات، وقد يكون فيه عقبات، لكن فوق يوجد قصر مُنيف، فيه ما لذَّ وطاب، وإن عمل النار، يشبه طريقاً منحدراً، معبداً، تحف به الأشجار، والأزهار، لكن ينتهي بحفرة ما لها من قرار، دائماً العاقل ينظر إلى النتيجة. ![]() الآن الناس، إنسان راكب دراجة، لا يوجد فيها محرك، بقوة عضلاته، واجه طريقين، طريق نازل، وطريق صاعد، بحسب طبيعته، بحسب طبيعة الدراجة، وفيها جهد، أريح شيء النزول، والطريق النازل معبد، وحوله أشجار، ويوجد أزهار، وفيه مناظر جميلة، لكن لو أن هذا الطريق ينتهي بحفرةٍ سحيقةٍ ما لها من قرار، فيها وحوشٌ جائعة، تنتظرك؛ الطريق الثاني، ترابي، وفيه صعوبات، وفيه أكمات، وفيه صخور، وتعرفون أن أصعب شيء عند راكب الدراجة الصعود، فأين العقل؟ العقل أن تدع الطريقَ النازلة، المريحة، وأن تسلك الطريق الصاعدة المتعبة، لأن الطريقَ الصاعدةَ المتعبة تنتهي بقصرٍ مُنيف، والطريق النازل المريح ينتهي بحفرةٍ ما لها من قرار، هكذا قال عليه الصلاة والسلام، قال: (( عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ )) [مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ] (( أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ، ...إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ )) [ أحمد عن ابن عبَّاس ] أين طريق جهنم؟ طريق جهنم موجود، تفلُّت من أي قيد، انظر إلى ما تشاء كلما رأيت امرأةً انظر إليها، كلما رأيت طعاماً كلْه، حلال أو حرام، كلما دُعيت إلى مكان جميل، اذهب إليه، اختلاط بلا اختلاط، فحركة طليقة، ونظر طليق، وسماع طليق، سماع، ونظر، وأكل، وطعام، وشراب، واختلاط، وهو قد تكون روحه مرحة، كلما رأى امرأةً مازحها، وأدار معها حديثاً، هذا عمل جهنم. ((...إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ )) [ أحمد عن ابن عبَّاس ] التّكليف و الطّبع : ![]() لماذا سمي التكليف تكليفاً؟ لأنه ذو كلفةٍ، يكلف جهداً، الإنسان جسمه يتمنى أن يرتاح في الفراش، أمرك الله بصلاة الفجر، طبيعة الجسم، طبيعة الشهوة التي أودعها الله في الإنسان تدفعه إلى أن ينظر، إلى محاسنِ امرأة تمشي في الطريق، لكن التكليف يأمره بغض البصر. شهوة المال التي أودعها الله في الإنسان تدفعه إلى أن يأخذ، لكن التكليف أمره أن يعطي، التكليف عطاء، الطبع أخذ، التكليف نظر، التكليف غض بصر، الطبع إطلاق بصر، الطبع نوم، التكليف استيقاظ، إذاً التكليف ذو كلفة، أي أحدنا يجب أن يوطِّن نفسه على أن بلوغ الجنة، وبلوغ المستويات الرفيعة، يحتاج إلى جهد. الآن لا تبتعد، حتى الإنسان يجلس في عيادة فخمة جداً، ويحضر لعنده مريض، يبالغ في تعظيمه، يا دكتور، تجد المريض يبالغ في احترام الطبيب، وحتى يتحرك الطبيب حركتين، يفحص له ضغطه، يسمع دقات قلبه، يعمل له تخطيطاً، يأخذ ألفي ليرة، إنسان آخر يشتغل من الصباح إلى المساء بحمل الحاجات، يأخذ مئة وخمسين ليرة، إذاً هذا الطبيب حتى قعد في العيادة، والناس أقبلوا عليه، ويدخل عليه كل دقيقتين مريضاً، أو كل ثلاث دقائق، أو كل خمس دقائق، يأخذ ألف ليرة، بين إيكوا، بين تخطيط، يجمعهم يصبحون ألف ليرة، معنى ذلك الإنسان عندما يريد أن يصل إلى مستوى مريح، الراحة تتطلب الجهد، وكل إنسان يتصور أنه سيصل إلى مستوى مريح من دون جهد يكون أحمقاً، أما ربنا عز وجل فعادل. طلب الجنة من دون عملٍ ذنبٌ من الذنوب : هذه الجنة، أي من السذاجة، من الغباء، من ضيق الأُفق، تظنها شيئاً سهلاً، هذه التلبسة التي يقولها الناس، انتهى كل شيء، بيته كله غير إسلامي، يعمل مولداً، يدعو عدداً من العلماء ليلقوا كلمات، يحس نفسه أصبح من أهل الجنة، لكن أنت الدخل له مشكلة، الدخل فيه شبهة، والعلاقات فيها شبهة، والسلوك فيه شبهة، و البنات لهم شبهة، فإذا دعوت إنساناً له مكانته الدينية، وقال لك: بارك الله فيك يا فلان، انتهت المشكلة ؟ لو أخذت كلاماً من فم رسول الله، ما انتهت المشكلة، هناك عدل. لذلك طلب الجنة من دون عملٍ ذنبٌ من الذنوب، الآن الإنسان هل يستطيع أن يدخل على أضخم بائع سجاد، وموضوع على الأرض أكثر من خمسين سجادة، يقول له: أرني هذه، أطلعني على الثانية، الثالثة، الرابعة، الخامسة، كم ثمنها؟ قال له: ثمانون ألفاً، قال له: يوجد معي ألف ليرة، هل يجعله البائع يخرج بسلام من عنده؟ لأنك أنت احتقرته، تطلب الجنة بركعتين وانتهى الأمر، الناس الآن بهذا الشكل، الله عز وجل: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ [ سورة العنكبوت : 2] يجب أن توطِّن نفسك على الامتحان. المراحل التي يمر بها المؤمن : ذكرت من درسين أو ثلاثة أن المؤمن يمر بثلاث مراحل، مرحلة التأديب، ومرحلة الامتحان، ومرحلة الإكرام، ولن يصل إلى مرحلة الإكرام حتى يمر بمرحلة التأديب، ومرحلة الامتحان، لكن كلما استجاب بسرعة يقصر المسافة، إذا استجاب بسرعة، فهم على الله بسرعة، حلت مشاكله، أصبح في فهم مباشر، أن الله أعطاني هذه مقابل هذه، هذه عاقبني بها مقابل هذه، حينما ترى أن أفعال الله عز وجل حكمةٌ ما بعدها حكمة، عدالةٌ ما بعدها عدالة، تصل إلى ما تريد. أنا من يومين كنت ذاهباً إلى عملي، أخ كريم دعاني أن أركب سيارته وأصر عليّ، ركبت معه، سألته متى اشتريت هذه السيارة؟ قال لي: لهذه السيارة قصة يا أستاذ، هذه ثمنها كان في الدرج، موضوع في الدرج، مدة خمس سنوات، ودخل إلى بيتنا حرامي- قال لي أولاً: كلما أهم لأضع المبلغ في المصرف أخاف أقول: هذا حرام، أمتنع، وضعته في درج طاولة- في غيابنا، لم يترك درجاً إلا وخلعه، لم يترك ديواناً إلا ورفع فراشه، إلا هذا الدرج لم يقترب منه، أنا بعدما نزلت قلت: سبحان الله، ورعه وخوفه من الله، الله أراه آية من آياته، كل شيء يحدث فيه حكمة ما بعدها حكمة. نتائج الاختلاط : ![]() الآن بحسب موضوعنا، لو إنسان غض بصره عن محارم الله، ألا يشعر بسعادة زوجية؟ أنا أقول لكم: والله يا إخوان كل من أطلق بصره في الحرام دفع الثمن باهظاً في بيته قبل كل شيء، أي هذه المودة، وهذا التراحم، وهذه السكينة، وهذا النجاح الزوجي، هذا يتلاشى، لذلك أكاد أقول: إن بين الطاعة وبين نتائجها علاقةً علمية، أي علاقة سببٍ بنتيجة، هناك أفكار كثيرة خطرت في بالي وأنا في الطريق إليكم في زحمة السير، لكن بعضها ذهب من ذهني، لكن الموضوع لماذا أمر الله بغض البصر؟ لأنه إله خالق الكون، هو الخبير، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [ سورة فاطر: 19 ] ولماذا أمر المرأة أن تتستر؟ من عند الخبير، توجيه الخبير، فالإنسان لا يستهين، ماذا حدث؟ لم نأكلها مثلاً، تجد أهل الدنيا يخففون من وقع المعصية، ما عملنا شيئاً، لا سرقنا، ولا قتلنا، ولا شربنا خمراً، جلسنا مع بعضنا، ما الذي حدث؟ أنا قلت لكم سابقاً: سمعت قصتين، ثلاث، أربع، خمس، الاختلاط انتهى بالطلاق، أُسرتان ذهبتا إلى الساحل، في الصيف، وجلسوا في شاليهات على البحر ثم عادا إلى الشام، أول أُسرة طلَّق الزوج امرأته، وله منها سبعة أولاد، وتزوج امرأة صديقه، ولها أولاد، تصور سبعة أولاد أُمهم مطلقة، هذه آثار الاختلاط. دائماً كلما وجدت مشكلةً اجتماعيةً، مأساةً اجتماعية، افعل كما يفعل ضباط الأمن الجنائي، يقول لك: ابحث عن المرأة، بكل جريمة يقول لك: ابحث عن المرأة، أنا سوف أعمل تعديلاً طفيفاً، ابحث عن المعصية، أينما تجد مشكلة، ابحث عن المعصية، منهج الله عز وجل دقيق، إذا طبقته لا يوجد مشكلة، أي الله عز وجل خبير. الإنسان أحياناً في البلاد التي فيها معامل سيارات، فيها مراكز صيانة رفيعة المستوى، فيها صيانة دورية، تجد السيارات تظل جديدة، أحياناً يفحصون الدولاب، ممنوع تدخل البلد نهائياً إذا جفت الدواليب، هنا عندنا تقول: نحن عندنا دولاب جديد، هذا قد ينفجر في الطريق، إذا طبقت كل المقاييس العالمية، في أمور السيارة، تظل السيارة جديدة، أما إذا كان هناك تقصير، هذا دولاب قديم، والزيت لم نضعه في مكانه، والبطارية نسينا أن نضع لها الماء، تفاجئك وتقطعك في الطريق، تعمل لك مشاكل جديدة، السيارة لها نظام، لها تعليمات دورية وتعليمات صيانية، وتعليمات لو طبقتها تقطف ثمارها يانعة، تعيش معك عمراً طويلاً وتخدمك، فكيف الإنسان لو طبق منهج الله عز وجل؟ عورة الرجل بالنسبة إلى المرأة : الآن القسم الثاني، نحن القسم الأول، عورة الرجل بالنسبة إلى الرجل، الدرس الثاني: عورة الرجل بالنسبة إلى المرأة. الآن لا يُحلُّ للمرأة أن تنظر إلى الرجل، من هي المرأة؟ عندنا أربعة أنواع من النساء، عندنا زوجة، وعندنا قريبة محرمة، وقريبة غير محرمة، وعندنا أجنبية، زوجة، قريبة محرمة، معنى محرمة: أم، بنت، أخت، عمة، خالة، بنت ابن، بنت أخ، بنت أخت، محرمات، غير محرمة: بنت خالته، بنت عمه، امرأة عمه، هذه غير محرمة، قريبة غير محرمة، وأجنبية، لا تمتُّ له بصلة، أية امرأةٍ هذه امرأة أجنبية ؛أجنبية، قريبة غير محرمة، قريبة محرمة، زوجة. يوجد عندنا عدة قواعد عامة، أي الشيء المسموح أن تنظر إليه مسموح أن تمسه، الشيء المسموح أن تمسه مسموح أن تنظر إليه، ليس بين الرجل وبين زوجته أي حرج، لقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ [ سورة المؤمنون : 4-6] انظر إلى معنى ملومين، لو إنسان نظر إلى امرأةٍ لا تحلُّ له، أو أدار معها حديثاً، لا يرضي الله عز وجل، أو أنه فعل الفاحشة، لماذا يحدث انهياراً نفسياً؟ هذه الفطرة، قلت لكم سابقاً: إن في علم النفس، علم النفس عبارة عن علوم، الظاهرة النفسية علم حقيقي، فهناك شعور، فالعقل له دليل، لكن الله عز وجل من فضله وكرمه، أعطاك مقياساً آخر، مقياس الفطرة، الفطرة تشعر أنك أخطأت، تسمونه شعوراً بالذنب، صحيح، تسمونه عقدة الذنب، صحيح، تسمونه اختلال توازن، صحيح، تسمونه وخز الضمير، صحيح، الله عز وجل عبر عنه: ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ [ سورة المؤمنون : 6] الموازنة بين طريق النّكاح و طريق السّفاح : أنا مرة قلت لكم: لي صديق ساكن بأحد أحياء دمشق، في المهاجرين، فقال لي مرة: طرق بابنا الساعة الرابعة والنصف، فتح لم يجد أحداً، عجيب استدار فوجد سكاً، فتحه فوجد فيه طفلاً صغيراً مولوداً حديثاً، أي أن هذا الإنسان مظنة صلاح، هذا لقيط، ابن زنا، فظنوا هذا البيت فيه صلاح وفيه دين، فألقوه أمامه ودقوا الباب وهربوا. هنا القصة على أنها بسيطة لفتت نظري، أنه عندما يتزوج الإنسان، وتحمل زوجته، يفرحون، تنتقل الأخبار السارة أنه الحمد لله حملت، ابنتي حملت الحمد لله، أي ترتاح الأم، الطفل يثبت، يثبت العقد، الآن هناك مُثبّت عقد بالنبات، أيضاً الطفل مثبت عقد، الأخبار تتناقل بين الأُسرة، صار الوضع، تجد احتفالاً ومباركة وهدايا، للرجال حفلة، وللنساء حفلة، بالتلفونات، الحمد لله جاء لها صبي، أو بكرت البنت، كما قال النبي: (( من بركة المرأة تبكيرها بالأُنثى )) [لديلمي عن واثلة بن الأسقع] هكذا النبي علمنا، وعندما جاءته السيدة فاطمة، ضمها، وشمها، وقال: " ريحانةٌ أشمها وعلى الله رزقها" ![]() انظر، وازن بين طريق النكاح وطريق السفاح، طبعاً الطفل قبل أن يولد بشهرين أو ثلاثة، هيؤوا له سريراً، هيؤوا له حاجات أساسية، يحتاج إلى بانيو صغير، تجد الأسرة كلها في حركة ونشاط، هذا طريق الحق، أي لا يوجد خجل، الواحد لا يستحي بزواجه، يملؤون الدنيا صخباً، لأن الشرع هكذا، والدين هكذا، والمنهج هكذا؛ أما إذا الإنسان تكلم مع إنسانة في طريق مهجور، ففاجأه شخص، تجدهم يستحون ويخافون، هي تدير وجهها وهو يدير وجهه، هنا تهمة، إذا كان الوضع غير مشروع يصبح تهمة، أما المشروع ففيه فخر، انظر الآية: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [ سورة المؤمنون : 5-6] لا يوجد لوم، ممكن إنسان يكون له زوجة، ويصلي الصبح حاضر، ويعمل ورده، ويعمل ذكره، قام بواجبه الزوجي، فلا يوجد حرج، لا يوجد لوم، أما لو نظر المؤمن إلى امرأةٍ لا يحل النظر إليها، يشعر بهبوط، شعر بحجاب، أي يوجد فطرة، هنا طريق مسموح، هنا طريق ممنوع، إذا كان الإنسان يمشي في طريق ممنوع يكون خائفاً، يفاجئه شرطي، تفاجئه دورية، ويقول عليه الصلاة والسلام وقد روى الحديث الخمسة: ((.... احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ...)) [الترمذي عن بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ] (( حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ قَالَ احْفَظْ عَوْرَتَكَ إِلا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَكُونُ مَعَ الرَّجُلِ قَالَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لا يَرَاهَا أَحَدٌ فَافْعَلْ قُلْتُ وَالرَّجُلُ يَكُونُ خَالِيًا قَالَ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ )) [الترمذي عن بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ] أي بين الرجل والمرأة لا يوجد مشكلة، هذه أول صنف الزوجة، الزوجة قريبة محرمة، قريبة غير محرمة، أجنبية. عورة الرجل بالنسبة إلى قريباته : وأما عورة الرجل بالنسبة إلى قريبة محرمة كانت أو غير محرمة أو أجنبية طبعاً الرجل عورته من سرته إلى ركبته، فهذه المنطقة لا يجوز أن يراها أحد، لا الأم، ولا الأخت، أحياناً الرجال يسبحون الرجال على مرأى من زوجاتهم، طبعاً ومن أخواتهم، ومن بناتهم أحياناً، بلباس قصير، هذا مخالف للإسلام، هذا مخالف للشرع، أن الإنسان يسبح ولو كان المسبح خاصاً، ما دامت بناته موجودات، ما دامت أخواته موجودات، قريباته المحرمات، لا يجوز أن ترى القريبة المحرمة من الرجل إلا ما فوق السرة وما تحت الركبة، المحرمة طبعاً، أما غير المحرمة لا يوجد لقاء إطلاقاً أي كما تعلمون أنتم. إذا كان مسموح للأم أن ترى ابنها، أن ترى يده، صدره مثلاً، ظهره، يجوز لها أن تمس يده، أن تصافحه، الواحد يقبِّل يد والدته، والدته تُصافحه أحياناً، المكان المسموح الذي تراه المحرمة مسموح مسه طبعاً ، لكن العلماء الورعين يقولون دائماً: إذا أُمنت الفتنة. طبيعة هذا العصر توقظ الشهوات و تثيرها : قلت لكم: يوجد عندنا إنسان، طبيعي، أي سوي، فالإنسان الطبيعي السوي الشرع كلّه له، أما إذا كان هناك حالات خاصة، كان هناك انحراف، فلا يجوز أن ينظر إلى أخته، ونمنعه بأن يختلي بأخته، إذا كان هناك انحراف، لا يجوز إطلاقاً، كلُّ هذه الأحكام كما قلت في الدرس السابق: إذا أمنت الفتنة، لكن طبيعة هذا العصر، كما قلت أيضاً في الدرس السابق، نحن نألف أن نأكل ثلاث وجبات، أو وجبتين، أما إذا كان هناك مثيرات، أينما ذهبت، أينما ذهبت في الطريق، في الدوائر الحكومية، في المدارس، أحياناً في المطاعم، أينما ذهبت، رأيت امرأةً متكشفةً تبدي مفاتنها، أصبح الإنسان أينما تحرك، هناك أكل، هنا وضعوا له كبة مقلية، هنا سندويش، هنا وضعوا له موالح، غير معقول! معقول أن يأكل الإنسان أربعاً وعشرين ساعة باستمرار !. فلا ترم بالمعاصي كسر شهوتها إن الطعام يقوي شهوة النّهم *** فطبيعية العصر، هذا العصر، عصر الشهوات، عصر النساء الكاسيات العاريات، المائلات، المُميلات، النبي قال: (( سَمِعْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي رِجَالٌ يَرْكَبُونَ عَلَى السُّرُوجِ كَأَشْبَاهِ الرِّجَالِ يَنْزِلُونَ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ نِسَاؤُهُمْ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ عَلَى رُءُوسِهِمْ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْعِجَافِ الْعَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ لَوْ كَانَتْ وَرَاءَكُمْ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لَخَدَمْنَ نِسَاؤُكُمْ نِسَاءَهُمْ كَمَا يَخْدِمْنَكُمْ نِسَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ)) [ أحمد عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو ] النبي قال: (( ...الْعَنُوهُنَّ فَإِنَّهُنَّ مَلْعُونَاتٌ ...)) [ أحمد عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرو ] فهذا العصر، الفتن كلُّها يقظى، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام: ((اشتقت لأحبابي، قالوا: أو لسنا أحبابك؟ قال: لا أنتم أصحابي أحبابي أناس يأتون في آخر الزمان الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ، أجره كأجر سبعين، قالوا : منا أم منهم؟ قال : بل منكم، قالوا: و لمَ؟ قال : لأنكم تجدون على الخير معواناً و لا يجدون )) [ الترمذي عن أنس] فالإنسان إذا دخل لكي يدفع فاتورة، دخل ليلاحق معاملة، يجد امرأة متكشفة ليست منضبطة، تُبدي مفاتنها، متعطرة، متزينة، بالطريق، في درج البناء، في المصعد، في البقالية، أينما ذهب، اشترى حاجة، اشترى علبة بويا عليها امرأة، والله هذه مشكلة، أية بضاعةٍ يشتريها، عليها امرأة، ولا سيما البضاعة الأجنبية، لذلك طبيعة هذا العصر توقظ الشهوات، وتعمل وعياً جنسياً مبكراً، لذلك الفتنة الآن لا تؤمن. أنا قدَّمت هذا التقديم، الفتنة الآن لا تؤمن، الفتنة لا تؤمن في هذه الأيام، فكل شيء يدعوك أن تنظر، كلّ ما حول المؤمن فتن وإثارات، يقول لك: كبت، كلمة كبت لها عندي معنى كبير جداً، ما هو الكبت؟ حينما يستثار الإنسان، وليس في إمكانه أن يفعل شيئاً، هذا هو الكبت، إذا ضغطت شيئاً، ولم تنفسه، تشعر بقوة دفع يسمونها رد الفعل، لو كان هناك ضغط و تنفيس لا يوجد مشكلة، فطبيعة هذا العصر لشيوع التفلت، لشيوع التبرج، لشيوع التكشف، لأن أجمل ما في المرأة مبذول في الطرقات، أجمل ما فيها في الطرقات مبذول. نزع النخوة من رؤوس الرجال آخر الزمان : لذلك بالمناسبة أحياناً الإنسان يشتكي ارتفاع أسعار اللحم، والله اللحم غال، بعضهم قال: كلما رخصت لحوم النساء ارتفع لحم الضأن، عندما يكون لحم النساء رخيصاً متبذلاً، متكشفاً في الطرقات، في كل حركات المرأة وسكناتها تبدو مفاتنها، لذلك تجد أن الله يضيق على الناس، وكلما قلّ ماء الوجه قلّ ماء السماء، لا يوجد حياء، النبي عليه الصلاة والسلام وصف آخر الزمان بأنه تنزع النخوة من رؤوس الرجال، لا يوجد به نخوة يمشي مع زوجته بأبهى زينة، يفتخر بها، وكلما رأى صديقاً يعرفه عليها، هذه زوجتي تصافحه، يبتسمون، أو يجلس معها على الشرفة، وقد تكون بثياب متبذلة، لا يحس بشيء، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ((ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً الديوث من الرجال .......فقالوا : يا رسول الله فما الديوث من الرجال ؟ قال : الذي لا يبالي من دخل على أهله)) [ شعب الإيمان عن عمار بن ياسر] لو أخذت ألف رجال، الذي يرضى الفاحشة في أهله قلائل جداً، لكن الذين لا يغارون على أعراضهم كُثُر، فالنبي عليه الصلاة والسلام هكذا وجه. شيوع المرأة ينمّي الإحساس الجنسي : إذاً أردت من هذه التفاصيل التي كنت أتمنى ألا أذكرها، أردت من هذه التفاصيل أن أبين لكم أن شيوع المرأة أينما ذهبت تجدها متكشفة، هذا ينمّي الإحساس الجنسي، ينميه نمواً شديداً، إذاً لا تؤمن الفتنة، وكثيراً ما سمعت قصصاً يندى لها الجبين أساسها، فيما بين المحارم أيضاً، لذلك كلُّ هذه الأحكام تتوجه لمن؟ للأسوياء، للطبيعيين، للشخص صاحب الفطرة السليمة، أما المرضى فلهم أحكامٌ خاصة. طبعاً القريبة غير المحرمة، لا نظر، ولا مس، وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبراني عن معقل بن يسار قال: (( لأن يطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد خيرٌ له من أن يمسَّ امرأةً لا تحلُّ له )) [الطبراني عن معقل بن يسار] الآن إذا إنسان مثلاً أقبل على دروس العلم كثيراً، ويريد أن يحفظ القرآن، وداوم الدروس كلّها، هو شاب، بعد ذلك اختفى فجأةً، سألت عنه لم أعد أراه، أغلب الظن، زلَّت قدمه في النظر، حينما ينظر الإنسان، والنظر يعقبه أحياناً لقاءات، واللقاءات يعقبها خيالات، بعد ذلك رسائل، دخل في عالم ثان، دخل في عالم آخر، يتناقض مع عالم المساجد، وعالم الطهر والعفاف. من حفظ نفسه كافأه الله بزوجة صالحة : ![]() بالمناسبة، هذا الكلام أقوله للشباب، والله أيها الأخوة الشباب، أي واحدٌ منكم يحفظ نفسه قبل الزواج المكافأة من الله عز وجل، زوجة صالحة، وكما قال عليه الصلاة والسلام: (( عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ)) [النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ] (( الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ متاعها المرأة الصالحة)) [مُسْلِمٌ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ] التي إذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عتها حفظتك في مالك ونفسها، وإذا أقسمت عليها أبرتك، وإذا نظرت إليها سرتك، أمرتها أطاعتك، أقسمت عليها أبرتك، غبت عنك حفظتك، في مالك ونفسها، في كل شيء، فكلما الإنسان غض بصره عن النساء، كأنه خبأ خمسمئة ليرة و عندما يأتي الزواج يفتح فيجد معه مئات الألوف، فالإنسان عندما يغض بصره كأنه خبأ عند الله عز وجل، أودع عند الله سعادة زوجية، فكل شيء محفوظ. (( وما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه )) [ الجامع الصغير عن ابن عمر ] أنا سمعت قصة من مدة فتأثرت، في أحد أحياء دمشق الغنية، شاب عفيف له مجالس العلم، يحضر مجالس العلم، ومستقيم، وحييْ، ويغض بصره، عنده مكتبة عنده صغيرة، أمام أبنية شاهقة من أهل الغنى واليسار، يرى الفتيات داخلات و خارجات، وأكثرهن محجبات، تاقت نفسه أن يقترن بإحدى هذه الفتيات، فطلب من والدته أن تخطب له، فوالدته واقعية، قالت له: أنت إنسان لا يوجد معك شيء، فلن تستطيع أن تتزوج، ألح عليها، رفضت، ألح عليها، رفضت، و عندما ألح عليها كثيراً ذهبت إليهم مجاملة، قالت له: والله لم يوافقوا، هي لم تطلب، من غير المعقول أن تطلب، ليس من المعقول أن تطلب، هذه القصة سبحان الله، هو يقول لأمه: أنا شاب طاهر وأنا عفيف، والله لا أعرف الحرام، وأغض بصري، فلماذا لا يعطوني؟ تقول له: أنت لا تفهم شيئاً الآن، أحد سكان هذه الأبنية الشاهقة، من أهل اليسار، مرّ لعنده، قال له: يا بني هل أنت متزوج؟ قال له: لا والله يا سيدي، قال له: والله أنا عندي ابنة تناسبك، ابعث أهلك، الله ألقى في قلب الرجل، يبدو أن هذا الرجل يراقبه، رآه شاباً، عفيفاً، أديباً، صادقاً، حيياً، والرجل غني، وإذا الله عز وجل أكرم الإنسان بالمال، واختار زوجاً مؤمناً وهو اشترى له بيتاً، لا يوجد مانع، هناك أناس يقولون: لا أريد أن أعوده، ماذا تعوده؟ الآن لا يوجد بيوت، إذا كان عندك إمكانية، وجاء لك شاب مؤمن حيي يحفظ لك ابنتك، لا مانع من أن تشتري له بيتاً، هذه ابنتك، قال له: يا بني ابعث أمك، قال هذا الشاب: لابد من أن يكون لهذه البنت علة، غير معقول، و لكن ظهر أنها بنت ممتازة جداً، والأمر تمّ، وهناك قرابة، والقصة أنا أحكيها عن معرفة، ولم أسمعها سماعاً، عاينتها معاينة، هو طالب من الله، وصادق، فالله عزّ وجل أكرمه. فلا يوجد إنسان يغض بصره، يعف، إلا والله عز وجل يخبئ له سعادة زوجية، وعندما يريد الإنسان أن ينظر، قال: لعن الله الذواقين والذواقات . هذه يعبرون عنها بالتعبير الحديث، أن عنده خبرة قبل الزواج، لعن الله هذه الخبرة، هذه ليست خبرة، هذه معصية، يسمونها خبرة، أي يعرف كل شيء، لا، في هذه الموضوعات يجب ألا تعرف، الأكمل ألا تعرف شيئاً حتى الله يعرفك أحسن شيء. الناظر و المنظور كلاهما محاسب : الأحكام الفقهية، طبعاً أحكام الفقه كلها حنفية، وهي قضية متفق عليها وحاصل هذا الموضوع، يقول: لا يجوز للرجل- دققوا الآن بالكلام، هذه فقرات منتزعة من حاشية ابن عابدين، وهي أعلى مرجع في الفقه الحنفي- أن يبدي شيئاً مما بين سرته وركبته، أمام أمه، أو أخته، أو عمته، أو خالته، أو بنت أخته، أو بنت أخيه إطلاقاً، وهن القريبات المحرمات، قال: لا وقت خلع الثياب، ولا لغسلٍ، ولا لنومٍ، ولا في ركضٍ، أي في رياضة تقريباً، فكل ما ذكر، ركض رياضة، اغتسال، نوم، خلع ثياب، لا يعدّ عذراً في جواز النظر إلى العورة، لا من الأم، ولا من غيرها. الآن عندنا مشكلة، لا ليست مشكلة، لكنها موضوع لاحق، دائماً هناك طرفان، عندك ناظر، ومنظور، طبعاً إذا المنظور تكشَّف، والناظر نظر، لعن الله الناظر والمنظور، كلاهما داخل في اللعنة، بهذا الموضوع طرفان، لو الطرف الثاني غير متقيد، ماذا عن الطرف الأول؟ أن يغض بصره، أي لو أنّ امرأةً أخوها، والله أنا قال لي أخ- أصلحه الله- ليس هو طالب علم إطلاقاً ببيته، عنده أخت، وعنده أم، يقوم أمامهم باللباس الداخلي بالصيف، فهذا منتهى قلة الأدب، منتهى التفلُّت، هذه أشياء أنطلق بها من واقع، أنا أعرفه، هويته مسلم، وينتمي إلى هذا الدين، ومع ذلك لا يستحي أمام أخته، وأمام أمه، وأمام بناته، أن يقوم بالثياب الداخلية القصيرة، فلذلك لا في الرياضة، لا في الركض، لا في النوم، لا في التغسيل، لا في خلع الثياب، كلُّ هذا ليس عذراً، لو فرضنا الطرف الثاني ليس متقيداً لابأس، أنا أتقيد بغض البصر، فأنت إذا كان الاثنان متقيدين شيء جميل جداً، هذا مجتمع راق، إذا كان هناك طرف متفلت، أنت تغض بصرك، يتضاعف أجرك. تلخيص لما سبق : إذاً نحن القريبة المحرمة، الغير محرمة، والأجنبية سواء، الزوجة لها حكم والقريبة المحرمة لها حكم، والقريبة غير المحرمة والأجنبية لها حكم، وإذا لم تؤمن الفتنة، فالرجل كلُّه عورةٌ من فرقه إلى قدمه، وإذا كان هناك فتنة فهناك شعور جنسي مبكر، لا يجوز أن ترى الأخت من أخيها شيئاً، طبعاً إذا كان هناك خوف، يجب أن تبعد، يجب أن تنتبه، يجب أن تراقب، وإلا يقع المحذور. وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله، نأخذ موضوع عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة، وعورة المرأة بالنسبة إلى الرجل. أنا سألت عدداً من الإخوان بعد الدرس الماضي، أنه هل من المعقول أن نستمر في هذا الموضوع؟ قالوا: نعم، فتتابعت الموضوعات. الطبابة : هناك سؤال عن الطبابة، هذا بحث آخر، موضوع الطبابة، هذا بحث آخر يجوز للطبيب أن يرى أية امرأةً أجنبية، لكن امرأة مثلاً نحيفة قليلاً، وتحب أن تسمن، إذا كان جسمها متعباً قليلاً، هذه أشياء عادية جداً، هل يجوز أن تكشف جسمها أمام الطبيب؟ لا يجوز. يوجد عندنا حكم آخر.. إذا وجدت طبيبة مختصة، ومتفوقة باختصاصها، لا يجوز أبداً أن تكشف المرأة جسمها أمام طبيب، لكن إذا كان الطبيبة غير متفوقة، والمرض مشكلة، المرض دقيق، أو مرض حار به الأطباء، وهناك إنسان متخصص، رجل، لا يوجد مانع. يجوز للقاضي أن يرى وجه المرأة، يجوز للطبيب أن يرى من جسمها بالقدر الذي يحتاج أن يفحصه، وهذه عندنا قاعدة أوصولية: الضرورة تقدَّر بقدرها. مرة زرت طبيباً - جزاه الله خيراً- أعجبني، إذا كان يريد أن يفحص مريضة، طبعاً لا يسأل، يجب أن تكشف عن بطنها، فهذا الطبيب، عنده شرشف أبيض، مفتوح فتحة صغيرة، يسترها تستيراً كاملاً، المؤمن له ترتيب، الطبيب المؤمن أولاً، يغض بصره و لا ينظر إلا بالقدر الذي يحتاجه ضرورةً. فالطبابة في درس أخير إن شاء الله، موضوع الاستثناءات لها درس مستقل، لا نستعجل به. ما ملكت أيمانكم : أما موضوع ما ملكت أيمانكم، لا أحد يفكر فيها الآن إطلاقاً، لا أحد يسن أسنانه، لا يوجد شيء إطلاقاً من هذا القبيل، هذه بالعصور الأولى عندما فتحت البلاد الأجنبية، وهذه المرأة بدلاً من أن تقتل تؤخذ أسيرةً، وتربى في بيوت المسلمين، لتنشأ على الإسلام، هذا بحث آخر، فالآية الآن معطلة، أي هذا القسم من الآية غير موجود إطلاقاً، لأنهم أحياناً أصبحوا يفسرونها تفسيرات ثانية. حكم محرمات النسب و محرمات المصاهرة : أم الزوجة لك أن تنظر، هذه طبعاً المحرمات، موضوع نأخذه بوقت قادم إن شاء الله، يوجد عندنا زوجة، هذه حكم، عندنا محرمات نسب، عندنا محرمات مصاهرة، محرمات المصاهرة أم الزوجة، زوجة الابن، زوجة الأب، هؤلاء لهم حكم آخر، مثلاً لا يجوز في حاشية ابن عابدين للرجل أن يخلو بكنته الشابة، أي إنسان يدخل إلى بيت ابنه بغيابه، وامرأة ابنه صبية، عروس جديد، وابنه غير موجود، يقعد معها ساعات طويلة، هذه ليس واردة إطلاقاً، هذه فيها تحريم، لا يجوز للرجل أن يخلو بكنته الشابة، كما لا يجوز للابن أن يخلو بامرأة أبيه الشابة، إذا إنسان بالستينات أخذ فتاة بالثلاثين، وابنه عمره ثلاثون سنة، لا يجوز أن يختلي مع امرأة أبيه، هي مثل أمي، لا هذه ليست مثل أمك، فأم الزوجة على التأبيد. هناك سؤال جاءني مرتين، العادة السرية، الله عز وجلَّ قال: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ *وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ *إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾ [ سورة المؤمنون : 4-7] تدخل هنا ؟ تدخل هنا: ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾ [ سورة المؤمنون : 7] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#10 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
الفقه الاسلامي - العلاقات الاسرية الدرس (الثامن) ستر العورة (4) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ماعلمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الشهوة و الميل : أيها الأخوة المؤمنون... لا زلنا في موضوعٍ وجدتم أنتم أننا جميعاً في أمس الحاجة إليه ألا وهو موضوع العورات، وقد بينت لكم في درسين سابقين قبل الحديث عن أحكام العورة وأقسامها، بينت لكم أن الشيء الذي أمر الله به، أو نهى عنه، هذا الشيء يعد مصيرياً في حياة الإنسان، فإما أن يقوده إلى سعادةٍ، وإما أن يقوده إلى شقاءٍ أبدي. وفي الشرع كما تعلمون شيءٌ أمر الله به، وشيءٌ نهى الله عنه، وشيءٌ سكت عنه، فالذي سكت عنه هناك حكمةٌ بالغةٌ جداً، لا تقلُّ عن حكمة الذي أمر به، وعن حكمة الذي نهى عنه، أما الذي أمر به فتقوم عليه سلامتنا وسعادتنا في الدنيا والآخرة ؛ والذي نهى عنه سببٌ أساسيٌ لهلاكنا في الدنيا والآخرة، والذي سكت عنه لا يتعلّق لا إيجاباً ولا سلباً بحياتنا الدنيا، بسعادتنا في الدنيا والآخرة، إنما هو نوعٌ من ألوان الحياة الخشنة أو المترفة، كل عصرٍ، وكل قطرٍ، وكل بيئةٍ، وكل مستوىً يحدد ملامح الحياة التي لا علاقة لها لا إيجاباً ولا سلباً بأُمور الدين. الشهوة والميل: هناك سؤال كثيراً ما يطرق بال الناس، لماذا أودع الله فينا الشهوات؟ ما ذنبي أنا؟ ركَّب الله في كياني الميل للمرأة، وركب في كيان المرأة الميل للرجل، فإذا عبَّر الإنسان عن ميلٍ فطريٍ فيه أيكون عاصياً؟ أي كيف يحاسبنا ربنا وقد أودع فينا هذه الشهوات؟ هذا سؤال يطرحه كثيرٌ من الشباب، وقد يجيبون عنه في غيبة الشرع، هذه حاجة فطرية إن لم نفعل هكذا نتعقَّد. والشيء المؤسف أن معظم الأطباء النفسيين قد يوجِّهون الشباب إلى شيءٍ لا يرضي الله عزَّ وجل، ولا يحلُّ لهم في الشرع، لأنهم تعلموا في بلاد الغرب أن هذه حاجة أساسية في الإنسان، فإذا رواها بطريقةٍ أو بأخرى فقد توازن، وإن لم يروها فقد اختل توازنه، هذا كلام أهل الكفر. بطولة الإنسان أن يبتعد عن أسباب المعصية : نوَّهت في درسٍ سابق إلى أن الإنسان إذا أثير ولم يلبِّ هذه الإثارة يقع الكبت، لكن عظمة الدين أنه أبعدنا عن كل المثيرات، حينما قال: ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا﴾ [ سورة الإسراء: 32] ![]() أبعدنا عن هذه الحالة غير الطبيعية، أن تعيش في جو من الإثارة، وأن تكبت هذه العواطف، هذه حالة مرضية، ليس فيها توازن، فلذلك غض البصر، وعدم صحبة الأراذل، وعدم ارتياد الأماكن المشبوهة، كل ما من شأنه أن يقرِّبك من المعصية فهو معصية، وهذه قاعدة: ما لا يكون الواجب إلا به فهو واجب، وما كان طريقاً إلى المعصية فهو معصية . فالبطولة أن يبتعد الإنسان عن أسباب المعصية لا عن المعصية، ابتعاده عن المعصية بعد أن دخل في أسبابها شيءٌ فيه مغامرةٌ، ومقامرة، إذا نجا واحد فالأكثرون يهلكون، إذا دخلت في أبواب المعصية ثم واجهت لبَّ المعصية وجوهر المعصية قد ينجو، إنسان واحد ويهلك الآخرون، لكنك إذا امتنعت من الولوج في أبواب المعصية في الأصل فإن هذا الامتناع يضعك في حصنٍ حصين. الجواب الأول: أن الإنسان خلق ليسعده الله إلى الأبد، هناك فرقٌ بين أن يعطي الله المخلوق شيئاً، وبين أن يستحقَّ المخلوق شيئاً، أنت إذا أردت أن تعطي نبتةً صغيرةً ماءً وفيراً قد تميتها، يا ترى الماء الذي تعطيه لهذه النبتة الصغيرة يجب أن يتناسب مع كرمك أم مع طاقة احتمالها، يجب أن يتناسب لا مع كرمك ولكن مع طاقة احتمالها. الإنسان هو المخلوق الأول والمكرَّم، الذي أعدَّه الله لسعادةٍ لا نهاية لها مادام الإنسان قد أعدَّ لسعادةٍ لا نهاية لها. الحيوان سعادته محصورة، محدودة، غير مكلَّف، الحيوان يكفي أن يأكل هذا الحشيش الأخضر، هذه كل سعادته، وانتهى الأمر، تنتهي سعادته بتلبية شهواته، لا يحاسب عن شيء، لكن لا يرقى إلى مستوى الإنسان. الملك يسبح، عقلٌ كله، ولكن لا ترتقي سعادته إلى مستوى الإنسان، لأنه ليس هناك شهوات يصارعها، وليس هناك صراعات، وليس هناك خيارات، خُلق ليسبِّح الله عزَّ وجل، ركِّب من عقلٍ فقط، يسعد بتسبيحه، والحيوان يسعد بشهواته، وكلاهما غير مسؤولين وغير مكلَّفين ولا يرقيان أبداً لمستوى الإنسان. سعادة الإنسان بالله عز وجل : موضوع الشهوات وموضوع العورات موضوع متداخل، وخير معالجةٍ للموضوعات ما ربطنا الجزئيات بالكليِّات، ما ربطنا النتائج بالمقدمات. سؤال: أنا ما ذنبي؟ أودع الله فيّ هذه الشهوة، فلماذا أمرني بغض البصر؟ لماذا قال لي: هذا حرام، وهذا حرام، وهذا حرام؟ يا رب كنت في الأصل انزع منا هذه الشهوات وانتهى الأمر، هذا منطق ساذج. الله جلَّ جلاله خلقنا، الإنسان مخلوق وحيد، مكرَّم، مخلوق أول، قال الله عزَّ وجل: ﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ﴾ [ سورة الأحقاف: 33] ![]() ولكن خلق الإنسان من أجل أن يسعد بالله عزَّ وجل، كل مخلوقٍ يسعدُ بشيءٍ مما سِوى الله إلا أن الإنسان يسعَدُ بالله عزَّ وجل، فلكي يحتمل التجليات الإلهية في الآخرة، لكي يحتمل هذه السعادة التي لا حُدُودَ لها، أرسله إلى الدُنيا، ليستعد لهذه السعادة، ليُحصِّل موجِبات رحمة الله، أرسله إلى الدُنيا ليُقوِّي طاقة احتماله، أرسله إلى الدُنيا ليؤهِّل نفسه لهذه السعادة التي ينفرد بها الإنس والجن من بين سائر المخلوقات، إذاً الشهوة في ظاهرها توريط، لكن في حقيقتها دفعٌ إلى الله عزَّ وجل،. التقرب إلى الله عزَّ وجل يعني هذا المخلوق، كيف يستطيع هذا المخلوق أن يتقرَّب إلى الله؟ لو أنه لا يُحِبُ شيئاً، ولا يكره شيئاً، لا يُحبُ النساء، ولا يحب المال، ولا يحب العُلو في الأرض، ولا يكره الجوع، ولا يكره الخوف، ولا يكره الذل، ما دام بالإنسان شهوات، إذاً هناك شيء يسعده، وشيء يُزعجه، هذه البنية، بنية مخلوق، يسعد بأشياء، ويتألَّم بأشياء، الآن جاء التكليف، أودع فيه حُب النساء، وأمره أن يغُض الطرف، الإنسان بهذه الطريقة يرقى إلى الله، أودع فيه حُب المال، وجعل الله طُرُقاً عديدة لِكسب المال، لكن طُرُق كسب المال المشروع طرقٌ قد تكون صعبةً أحياناً، أما الطرق السهلة، الحرام، قد تكون سهلاً ليرقى بترك الحرام، وأكل الحلال، أي بشكلٍ مُلخَّص، أقول هذا الكلام كثيراً: أودع الله فينا الشهوات لنرقى بها مرتين، مرةً صابرين، ومرةً شاكرين، إلى الله عزَّ وجل، يمكن أن أقول: إن الشهوة قوةٌ مُحرِّكة، قوةٌ دافعةٌ نافعة يوم القيامة حتى يستحقُّ المؤمنون الجنة، يقولون: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [ سورة الزمر : 74] لولا أن الله عزَّ وجل خلقنا في الأرض، وأودع فينا الشهوات، وكلَّفنا وأمرنا أن نفعل، وألا نفعل، لولا أن هناك شهوات، حينما خالفناها ارتقينا إلى الله، ولولا أن هناك شهوات حينما رويناها وفق منهج الله ارتقينا إلى الله، لما كُنا في الجنة. لا تستغرِبوا أن يأتي عليكم جميعاً إن شاء الله وأنتم ترفُلون في حُلل الجنة إن شاء الله، الجنة رجاؤنا، هناك عشرة أشخاص استحقوها يقيناً، هم العشرة المُبشرون بالجنة، وما سِوى هؤلاء نرجو الله عزَّ وجل، أن نكون من هؤلاء، لكن لا تستغربوا أن تُدرِكوا في لحظةٍ من لحظات الجنة أنه لولا الشهوات التي أودعها الله فينا لما كُنا في الجنة، قد يقول المؤمن وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ [ سورة الزمر : 74] كيف تتقربُ إلى الله؟ لا يوجد طريق إلا أن تُحب شيئاً، أن تتمنى أن تقترب منه، والأمرُ يمنعك عنه، فتقول: إني أخاف الله رب العالمين. الزواج و غضّ البصر : ![]() من باب بيان فضل الله علينا، أنت تُصلي في اليوم خمس مرات، بل هل تعلم أنك كلما رأيت في الطريق امرأة وغضضت عنها بصرك تُصلي؟ أراد الله عزَّ وجل أن تكون المناسبات للاتصال به كثيرةً، فأمرك بغض البصر، ولئلا تكون محروماً سمح لك بالزواج، فالزواج يمنع عنك الحرمان، وغض البصر، يرقى بك إلى الواحد الدّيان. فلسفة الأُمور مُريحةٌ جداً، الإنسان إذا أخذ أوامر الشرع هكذا في نهاياتها، في حيثياتها، دون أن يربطها بكلِّيات العقيدة، بفلسفة الوجود، بحقيقة الكون، بحقيقة الحياة، بجوهر الإنسان، يقع في متاهات، تنشأ معه آلاف الأسئلة، ولا يدري لها جواباً، حينما تمشي في الطريق يجب أن تعلم أن الله هو الذي أودع فيك حب النساء، هو هو، وهو الذي أمرك بغض البصر، من أجل أن يكون غضُّ البصرِ طريقاً إلى الإقبال عليه دائماً وهذا ما أكدّته لكم كثيراً، قد تتفق الشرائع مع القوانين. اتفاق الشرائع مع القوانين وافتراقهما : السرقة محرمة في الشرع، ومحرمة في القانون، فمن ترك السرقة، ممكن لأنه يخاف من السجن والمسؤولية، ولك أن تقول: يخاف من الله، ما الحقيقة؟ الله أعلم، لكن الذي يغضُّ بصره عن محارم الله يقيناً يخاف من الله، لأنه ليس في الأرض كلها تشريعٌ أو قانونٌ يأمرُ بغض البصر، إذاً هنا افترقت الشريعة عن القانون. الصيام: بإمكانك أن تدخل البيت في أيام الصيف الحارة، وأن تدخل الحمام بعيداً عن نظر أولادك وزوجتك، وأن تشرب الماء النمير البارد، من العداد رأساً، ولا يدري بك أحد، إذاً الصيام عبادة الإخلاص، ما دمت تمتنع عن أن تشرب قطرة ماء إذاً أنت تُراقب الله عزَّ وجل.، فحكم العِبادات أحياناً من أجل أن تعلم أنك تحب الله، من أجل أن تعلم أنك تعلم أن الله يُراقبك، من أجل أن ترتفع معنوياتك، من أجل أن تُحس أنك في رضى الله عزَّ وجل، إذاً لا تستغرب، أنه يا أخي ما هذه الحياة؟ كلها صراع نفسي، وفي الطريق نساءٌ كاسياتٌ عاريات، والله يأمرني أن أغض بصري، وضع غير طبيعي، لا، هذا هو الطبيعي، لأنه خلقك للجنة، وثمن الجنة ضبط الشهوات، لأنه خلقكَ لحياةٍ أبدية لا تنتهي، وأن ثمن هذا كله الجنة: ﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى ﴾ [ سورة النازعات : 40] فأنا أتمنى دائماً أن أوضح لإخواننا الشباب كما أنه ليس في الإسلام حرمان ليس فيه تفلُّت، الله قال: ﴿ وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [ سورة الحديد: 27] هم كتبوها على أنفسهم، هم اجتهدوا فأخطؤوا، والدليل أنهم أخطؤوا: ﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [ سورة الحديد: 27] لم يتمكنوا، لأنها خلاف الفطرة، الترهُّب، الرهبنة، خلاف فطرة الإنسان، لذلك القصص التي تروى عن الرهبان في انحرافاتهم الجنسية لا تعدُّ ولا تحصى، لأنهم ألزموا أنفسهم ما لا ينبغي أن يكون، ما كتبناها عليهم، والدليل أنهم: ﴿ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [ سورة الحديد: 27] فالإسلام دين الفطرة، فكما أن الإسلام ما كلفك ما لا تطيق، كذلك ما أطلقك إلى حيث تريد، هناك منهج، مثلاً طريق، الطريق عريض، لك حرية الحركة في حدود هذا الطريق، لكن بعد الطريق هناك ممنوعات. فأجمل حياة يعيشها حياة القيم، حياة المنهج، حياة الدستور، انظر إلى السيارة أروع ما تكون وهي على الطريق المعبَّد، لأن هذا الطريق صنع لها، وهي صنعت له، فإذا سارت على الطريق المعبدَّ تجدها كلها مرتاحة، لا يوجد أصوات أبداً، أما إذا نزلت إلى الطريق الوعر فتحس أن هذا الطريق ليس لهذه السيارة، وهذه المركبة ليست لهذا الطريق. ربط الجزئيات بالكليات : أردت من هذه المقدمة أن نربط الجزئيات بالكليات، لا أن نبقى في هذه حرام، لماذا حرام؟ أنت تعيش في مجتمع، هناك أناس ليس لديهم وازع ديني إطلاقاً، أما آتاهم الله منطقاً، عندهم عقل، فإذا ملكت الحجَّة، بالمناسبة: ما اتخذ الله ولياً جاهلاً، لو اتخذه لعلمه : ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [ سورة الأنعام: 83 ] أي يوجد قوة للمؤمن، قد تكون غير مادَّية، قد يكون مؤمناً أي من أقل المراتب في المجتمع، قد يكون موظفاً صغيراً جداً، ضارب آلة كاتبة، حاجباً، لكن قوته نابعةٌ من حجته، لما ربنا قال: ﴿ وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [ سورة الأنعام: 83 ] لكل مؤمنٍ من هذه الآية نصيب، قوةٌ، يجوز حاجب في دائرة يناقش المدير العام المتفلت، الذي عقيدته فاسدة، هذا الحاجب أقوى منه في المناقشة، المؤمن يعلّم لماذا يغضُّ بصره، يعلَّم لماذا يصوم، يعلّم لماذا يصدق، يعلّم لماذا يتكلَّم بالحق، فنحن نريد مؤمناً متمكِّناً، لا أريد مؤمناً يطبِّق الإسلام إلى حين، لو أنَّك عرفت الأمر الشرعي من دون حيثيات، من دون أن تربطه بالكلّيات، من دون عقيدة صحيحة، يمكن أن تطبق الأمر لكن مقاومتك هشة، أي أدنى ضغط، أو أدنى إغراء، تجد مقاومتك قد انهارت، لذلك كلّ إنسان يربي، كل إنسان يبني إخوانه بناء، إذا بنى النفوس بناء صحيحاً، بناء علمياً، بناء منطقياً، على أساس من العقيدة الصحيحة، تجد هذا الأخ قوياً، أي قوي في دينه، أينما ذهب مستقيم، أي أنت عندما تعرف أن هذا الأمر مربوط بهذه العقيدة الصحيحة، مربوط بهذه الكلِّية، أي أنت مؤمن بخالق الكون، أنت مخلوق للجنّة، والجنّة ثمنها ضبط الشهوات، الشهوات أودعت فيك لترقى بها إلى الله، أودعت فيك، هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً للكل. قوة الشهوة والوقوف أمامها : قوة الشهوة والوقوف أمامها: كل إنسان بيتبرم بالشهوات، يقول: يا أخي ليس بيدي، لكن الله أودعها فيك، وقوية هذه الشهوات ![]() أي مثلاً تصوَّر طناً من الحديد ألقيناه من عشرة آلاف متر، هذا يتسارع، ماذا يقف في وجهه؟ طبق ورق؟ أعوذ بالله، قماش؟ مستحيل، سقف يحطمه كذلك الشهوات، قوة اندفاع شديدة، لا يقف أمام الشهوات إلا يقين، إلا إيمان قوي، إلا عقيدة صحيحة، إلا اتصال بالله، حينما تستقيم، وتتصل، تصبح كالجبل قويّاً، تحس أنه يوجد عندك مقاومة كبيرةً جداً، لذلك المؤمن الصادق لا يضعف لا أمام أقوى المغريات، ولا أمام أقوى الضغوط، لا الضغط يؤثر فيه، ولا الإغراء يؤثر فيه، التِبْر عنده كالتراب، والحياة والموت سواء، قال له: ﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ [ سورة طه : 72] الحقيقة نحن لا نقدر أن نستعيد مجد أمتنا، ولا نرجع كما كنا قادة للأمم، النّبي الكريم جاء إلى قومٍ هم رعاةٌ للغنم، فجعلَّهم قادةً للأمم، من رعاة غنّم لقادة أمم، بعقيدة صحيحة، وبالتزام صحيح، أصعب شيءٍ في مجتمعاتنا الإسلامية أن يظنَّ المسلمون أنَّ الدين صوم وصلاة، الدين منهج، منهج طويل عريض، فيه كل شيء، فيه تفصيلات لكلّ شيء، فهذا المنهج. مرة قرأت كتاب: الإسلام إما أن تأخذه كلُّه أو فدعه كلُّه، أنا لا أوافق على هذا العنوان، أوافق على الشق الأول، خذه كلَّه، ولن تقطف ثماره إلا إذا أخذته كلّه، هذا أصح، خذه كلُه، بأدق تفاصيله. إيداع الشهوات في الإنسان ليرقى إلى ربه صابراً و شاكراً : إذاً ملخص المقدمة أن الله أودع فينا الشهوات لنرقى بها صابرين بغض البصر، وشاكرين بنعمة الزواج، إلى رب الأرض والسموات، أودع فينا الشهوات، المال، لنرقى بحب المال صابرين بإنفاقه، شاكرين بكسبه، أودع فينا حب العلو في الأرض لنرقى به صابرين، بترك معاونة الظلام، ولنرقى شاكرين بخدمة الضعيف، وهكذا، كلُّ الشهوات يمكن أن توظَّف في الحق. أخ كريم.. استوقفني في الدرس الماضي، وقال لي- أنا والله أعجبني ورعه، وأعجبني غيرته على دينه-: أنا محامي، قلت له: أنعم وأكرم، قال لي: لماذا بعض العلماء يذمّون هذه المهنة؟ قلت له: والله أنا ما فعلتها في حياتي لأنني أعتقد أنَّ أية مهنةٍ لا تستعصي على الالتزام بالدين، والمحامي المؤمن الذي يضع كلَّ علمه، وكلَّ ذكائه، وكلَّ طلاقة لسانه، وكلَّ ثقافته القانونية الواسعة في خدمة الضعيف، ويأخذ أجره حلالاً جُعالةً، هذا يرقى إلى الله، قد يرقى المحامي، قد يستحق دخول الجنّة لأنه محامي، أعتقد يجب أن توظِّف كلَّ شيء في الحق، الآن حتى الذين آتاهم الله أصواتاً عذبة، أليس من الممكن أن يقرؤوا القرآن وأن تصبح أصواتهم خالدةً إلى آلاف السنوات؟ مرة أنا سمعت أذاناً لمؤذن، أعتقد أنه مات قبل خمسين سنة بمصر، قلت: هذا الصوت بقي مستمراً، الصوت الحسن يمكن أن يوظَّف في الحق، في تلاوة القرآن، في الأذان، في مدح النبي عليه الصلاة والسلام، كلُّ ما أودعه الله في الإنسان يمكن أن يوظف في الحق وفي الباطل، في الخير، وفي الشر. ![]() إذاً من أجل أن تربط غضَّ البصر وحفظ العورة، عدم إبداء العورة وعدم إطلاق البصر إلى العورة، من أجل أن تربط هذا الحكم الجزئي الصغير بكليةٍ كبرى في الدين، اعتقد دائماً أن الله جلَّ جلاله خلقك للجنّة، وهذه الدنيا دار دفع الثمن، كيف العام الدراسي، الآن الطالب الجامعي، مقاعد الجامعة مريحة؟ لا والله، مقعد خشبي عرضه خمسة وعشرون سنتيمتراً، وقائم لا يوجد به إسفنج ولا جلد والتدفئة أقل من الوسط، وبعض البلور مكسَّر دائماً، في أيام البرد لا يوجد تدفئة جيدة، ولا مقعد مريح، ولا يوجد أثناء الدرس بعض من الموالح، أو قليل من العصير مثلاً،لا يوجد إلا محاضر أمامك، لا يوجد غير كلام الصراحة. لكن سنة سنتين، ثلاث، أربع بهذه الجامعة، أصبح طبيباً مثلاً ، أو مهندساً، عندما كان لهذه المهن الراقية دخل كبير، فبعدما أخذ الشهادة، وأصبح له مكانة اجتماعية، وركَّز وضعه بالتعبير التجاري، واشترى بيتاً، وجاءه دخل كبير، لولا هذه السنوات التي قضاها في الجامعة، اثنتا عشرة ساعة باليوم بلا غداء، أكثر الأيام بلا غداء، اثنتا عشرة ساعة، وكل محاضر له طبع خاص، وظائف، حلقات بحث، ومفاجآت بالامتحانات، ومعركة بين الأستاذ والطلاب، هم يتوقعون قسماً فيفاجئهم بقسم، وسلم صعب، ولا يمكن أن تراجع ورقتك، لولا هذه المتاعب خلال ست أو سبع سنوات، لا يقال لك: الدكتور فلان تفضل، يقول لك: إيكو بخمسمئة ليرة، هذا غير تخطيط، تحتاج لإيكو، وتخطيط، وكذا، لولا هذه المتاعب ما كنت في هذا المستوى، طبعاً أنا أضرب أمثلة من واقع الحياة. ولولا أنك جئت إلى الدنيا، ووضعت فيك الشهوات، حب المال، حب النساء، حب العلو في الأرض، وجاء الشرع، غضْ بصرك، ولا تصافح، ولا تخلُ بأجنبية، وهذه حرام، وهذه حلال، وهنا غض بصرك، والفخذ عورة، وهذه، منهج طويل عريض تفصيلي، وهذا الكسب حرام، وهذه شبهة الربا، وسألت، وجلست بمسجد، وعلى ركبك جلست ، و كان الدرس ساعة ونصف، ما كنت ترقى إلى هذا المستوى. لذلك هذا الدرس جزئيته صغيرة أما كليته فكبيرة، أنت حينما تطبِّق منهج الله عزَّ وجل من أجل أن تكون في عداد السعداء في الآخرة. عورة المرأة بالنسبة للمرأة : عورة المرأة بالنسبة للمرأة الآن، درسنا هذا اليوم عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة، أي أكثر الناس يظنون أنه لا يوجد عورة بين النسوة، امرأةٌ على امرأة، أي نحن وهذا ما أعتقده اعتقاداً جازماً أنَّ مجتمعنا والحمد لله مجتمع مسلم، مجتمع نظيف، المجتمع المؤمن مجتمع أرقى، مجتمع روَّاد المساجد الملتزمين، هذا مجتمع أرقى وأرقى، لذلك الانحرافات الأخلاقية إذا ذكرناها لا أعتقد أن من بين الحاضرين من هو واقع بها، لأنه شيء بعيد جداً. شخص يدرس جامعة تسأله: هل تقرأ وتكتب؟ أنا معي بكالوريا ماذا أقرأ وأكتب؟ كلام لا معنى له، ما وصل إلى الجامعة حتى أخذ البكالوريا، فنقول لأحد: أخي توجد انحرافات؟ هذا أغلب الظن بعيد جداً عن رواد المساجد، عن مجتمع المؤمنين الصادقين، ولكن هناك انحرافاً بين النساء سببه التكشُّف، وهناك انحراف بين الجنس الواحد اللواط و هو معروف، والسِحاق معروف، فالانحرافات الجنسية في الجنس الواحد سببها عدم التقيُّد بأوامر الله عزَّ وجل. فالدرس اليوم عن عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة، إما أنها قريبة، وإما أنها أجنبية، ما معنى أجنبية؟ هل معنى هذا أن معها جواز سفر؟ لا ولكنها ليست قريبة، أو فاجرة، أو كافرة، أربع نساء؛ قريبة، أجنبية، فاجرة، كافرة. الفاجرة قد تكون هويتها مسلمة في الأصل، ولكن هذا الانتماء التاريخي لا قيمة له إطلاقاً، أما هي ففاجرة، ليست منضبطة، هذه لها حكم. والكافرة الكتابية، هذه لها حكم، والقريبة، والأجنبية، الأجنبية ليست قريبة جارتنا، أما القريبة فأخت، أم، عمة، خالة، بنت أخ، بنت أخت. فالقريبة، والأجنبية، لمَّا جمعنا بين القريبة والأجنبية معناها القرب النسبي لا قيمة له في هذا الموضوع، القريبة، أو الأجنبية، كلاهما واحد، لا يوجد فرق بين جارتي وبين عمتي، فيما بين المرأة والمرأة فقط، درسنا اليوم عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة. قال: فلهما لكلا المرأتين، النظر من المرأة إلى المرأة إلى سرتها فما فوق، وإلى ما تحت ركبتيها، لأن عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة ما دون سرتها إلى مادون ركبتها، فالسرة ليست من العورة، والركبة من العورة، أي أن عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة كعورة الرجل بالنسبة إلى الرجل. الأحاديث التي حددت عورة الرجل مع الرجل هي نفسها حددت عورة المرأة مع المرأة : وقد اتفق العلماء على أن الأحاديث التي حددت عورة الرجل مع الرجل هي نفسها بيانٌ لعورة المرأة مع المرأة، قال صلى الله علية وسلَّم: (( لا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ وَلا الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ..... )) [ مسلم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ] طبعاً هذه القريبة، والأجنبية، الحاصل أنه لا يجوز للأُم أن ترى من ابنتها، ولا للبنت أن ترى من أُمها، ولا للأُختِ أن ترى من أُختها، ولا للمرأة أن ترى من عمتها، أو خالتها، أو بنت أُختها، أو بنت أخيها، أو إحدى النساء، قريباتٍ كنّ أو أجنبيات، شيئاً مما بين السرة والركبة، لا في الحمام ولا في غير الحمام، ولا وقت خلع الثياب، ولا في الاستقبالات، والاحتفالات، ولا في عمل المنزل، ولا في تنظيفه.. هذا الحكم الشرعي. فإذا كشفت إحداهن، شيئاً من عورتها وأثمت بهذا الكشف، لا يحلُّ للباقيات النظر إليها أبداً، بل يجب عليهن الإنكار عليها، ويجب عليهن منعها من إبداء شيءٍ من عورتها، وإن أصرت إحداهن على كشفها، لا يجوز الجلوس وهي كاشفةٌ عورتها، وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناظر والمنظور إليه. نحن نتمنى أن يلتزم الفريقان، الناظر والمنظور، فإذا أخلَّ المنظور على الناظر أن يغُض البصر، عليه أن ينصح، عليه أن يغُضَّ البصر. مرة ثانية، وثالثة، ورابعة، هذه الأحكام للأسوياء، للإنسان الطبيعي، أما لو أنه خُشيت الفتنة من نظر امرأةٍ مريضةٍ، أو منحرفةٍ، أو فاسقةٍ، أو فاجرةٍ، إلى امرأةٍ سوى ما بين السرة والركبة فلا يجوز، الوضع الطبيعي، المألوف، المرأة السوية التي تمثِّل الخط العريض في المجتمع، هذا هو الحكم، أما في عدد قليل، نسب قليلة، منحرفة المزاج، الاتجاه غير سليم، فهذه المرأة لا يجوز لها أن تبدي حتى لامرأةٍ أُخرى قريبةٍ أو غير قريبةٍ ما فوق السرة، وما تحت الركبة. ما حلَّ للمرأة النظر إليه حلَّ مسُّه : والحكم الذي قلته لكم سابقاً ما حلَّ للمرأة النظر إليه حلَّ مسُّه؟ أي ممكن بنت تنظف ابنتها فيما سوى العورة في الحمام، ممكن الشيء المسموح النظر إليه مسموح مسَّه بلا شهوة، فإذا خُشيت الشهوة حُرِم مسه، وحُرِم النظر إليه، مع وجود الشهوة، مع خوف الفتنة، هناك أحكام أُخرى، يقول عليه الصلاة والسلام: ((....وَلا يُفْضِي الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَلا تُفْضِي الْمَرْأَةُ إِلَى الْمَرْأَةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ...)) [ مسلم عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ] كما أنه لا يجوز أن يتلامس الجسدانِ للذكور، لا يجوز أن يتلامس الجسدان للإناث، الحكم نفسه، لأن فيما بين الذكور انحرافاً معروفاً، وفيما بين الإناث انحرافاً معروفاً.. تحريم وصف المرأة امرأة أخرى أمام زوجها : يوجد عندنا حكم مهم جداً هو أن المرأة إذا رأت امرأةً، الآن انظر، أكثر الأُسر الإسلامية أين كنتم؟ في بيت فلان، ماذا صار؟ الزوج عنده فضول، ماذا رأيتم؟ والله عندهم بنت جميلة جداً، صفيها لنا؟ قالت: كذا و كذا، قال: لا يجوز لمرأةٍ أن تصف امرأةً لزوجها إطلاقاً، طبعاً يوجد معها دليل، يقول عليه الصلاة والسلام، فيما ورد في الصحيحين: (( لا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا )) [متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم] أنا أقول لكم: لو أن امرأةً وصفت امرأةً لزوجها ذهب خيال الزوج إلى صفاتٍ أعلى بكثير مما وصفت. الإنسان ينزع نحو الكمال دائماً، لذلك النبيّ عليه الصلاة والسلام حينما رأى زيد الخيل، وهذا رجل كان من أصحاب المُروءة في الجاهلية، النبيّ أُعجب به، قال له: من أنت؟ قال له: أنا زيد الخيل، قال له: بل أنت زيد الخير، لله درُّك يا زيد، ما وصف لي شيءٌ فرأيته إلا رأيته دون ما وصف، إلا أنت يا زيد. ![]() هذه قاعدة، يقول لك: جلسنا في مكان جميل جداً، وإذا رأيته فتقول له: والله ليس لهذه الدرجة، لم يطر عقلنا، الوصف دائماً أكبر بكثير من الواقع، لأن هذا من عجز اللغة، اللغة لماذا هي عاجزة؟ تقول: كبير، ما معنى كبير بالنسبة للمتكلم؟ أي إذا إنسان دخله محدود، يقول لك: فلان غني، يجوز هذا الغني مع الغني الحقيقي فقير، لكن كلمة غني من إنسان فقير تختلف عن كلمة غني من إنسان غني، فمن عجز اللغة أنها لا تُعطي الحجوم حقيقتها. لذلك حينما تصفُ امرأة، الأصل محرم، لكن لو أنها وصفت لا يقف الزوج في تصوِّره عند حدود الواقع، بل قد يشتط خياله إلى أبعد من الواقع، هذا الذي حرَّمه الشرع، إذاً لا يجوز، قال: إذا جاز للمرأة أن تنظر إلى امرأةٍ أُخرى، قريبةٍ أو أجنبية، في تلك الحدود الضيِّقة، التي سمح بها الشرع، إذا جاز لها ذلك، فلا يجوز لها أن تصف ما رأت لزوجها أو قريبها أو لأجنبيّ إطلاقاً. لذلك أكثر الأُسر يحضرون أعراساً، يتكلمون بعد العرس، فلانة كذا و كذا، لو أنهنّ تكلمنّ على مسمعٍ الزوج فهذا حرام، حرامٌ حرمةً قطعيةً أن تصف امرأةٌ امرأةً لزوجها فكأنه ينظر إليها. يوجد عندنا استثناء واحد، من يعرف هذا الاستثناء؟ الخاطب، أن الخاطب له حق أن يراها مباشرةً، فإذا وصفت له أقل من الرؤية، الخاطب من حقه أن يراها، لذلك إذا ذهبت امرأة لتخطب لابنها، ووصفت له مخطوبته، الأمر مشروع لا شيء عليه، لكن لا يجوز أن تصف له هذه الفتاة أمام أخيه المتزوج، ليس له علاقة، هذه دقة الشرع، تصف الأُم لابنها مخطوبته، دون أن ينتقل هذا الوصف إلى آخرين. لا يحلّ للمرأة أن تبدي زينتها أمام المرأة الفاجرة أو الكافرة : قال: أما الفاجرة، الفاجرة قد تكون بالهوية مسلمة، لكنها فاجرة، فاسقة، قد تكون زانية، قد تكون متفلِّتة من كل الشرائع تقريباً، قال: هذه الفاجرة لا يحل للمرأة أن تبدي أمامها زينتها، لا يحل للمرأة المسلمة أن تبدي زينتها للمرأة الفاجرة، لأن الفاجرة ليس عندها قاعدة، المسلمة إذا رأت مسلمة، المسلمة لها زوج، و زوجها معلمها، وأبوها معلمها، وأمها علمتها، أي المسلم يغلب عليه الورع، يغلب عليه الانصياع لله عزَّ وجل، فحينما تبدو امرأة أمام امرأة، أغلب الظن أنها لن تصفها للآخرين، لكن هذه المرأة الفاجرة إذا نظرت إلى زينة امرأة مسلمة، رُبما وصفتها للأجانب، تصور امرأة ماشية بالطريق وهي محجَّبة، وقد وصفت عضواً عضواً للأجانب، ما قيمة هذا الحجاب؟ يعرفونها من الداخل هم حسب الوصف، إذاً ما قيمة حجاب المرأة إذا رأتها فاجرةٌ ووصفتها للأجانب؟ الفاجرة، لا يحل للمرأة المسلمة أن تبدي أمامها زينتها، لأنها تصفها عند الرجال، فلا تضع جلبابها ولا خِمارها عندها، لذلك أنا والله أستمع إلى أخوات مؤمنات يحضرنّ أعراساً، ويرتدين ثيابهنّ الخارجية تماماً، هذا موقف سليم، لماذا؟ قد يكون في هذا العرس امرأة فاجرة، القصد حضرن ولبين الدعوة، فالمرأة المسلمة تبقى في ثيابها المُحتشمة في الأعراس، أما هذا التقليد أن تخلع ثيابها الخارجية، وأن تبدو في أبهى زينة ولا تعلم من هنّ المدعوَّات، فإن كان من بين المدعوات فاجرة، الهوية مسلمة لكن فاجرة، هذه الفاجرة من طبيعتها أن تتكلم لأن الشيطان يؤزها أزاً الشيطان، لأنها مع الشيطان، والشيطان يُغري بكل معصية، أنا الذي أتمناه أنه حتى في الاحتفالات أن يكون المدعوون قد انتقاهم الداعي انتقاء جيداً، فإذا كان الانتقاء عشوائياً فيجب أن تبقى المرأة المسلمة في الحدود التي لا تبدو زينتها أمام الفاجرات، الآن الدليل، قال تعالى: ﴿ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [ سورة النور : 31] أين بيت القصيد، أين الشاهد؟ أو نسائهن. تحريم خلع المؤمنة ثيابها بين يدي مشركةٍ أو كتابية : ورد في رد المحتار في تفسير قوله تعالى "أو نسائهن" أي الحرائر المسلمات، لأنه ليس للمؤمنة أن تتجرد، أي أن تخلع ثيابها بين يدي مشركةٍ أو كتابية، هذه معنى أو نسائهن ، والشيخ النابلسي له كتاب اسمه" هدية ابن العماد" يقول: " لا يحل للمسلمة أن تتكشف بين يدي يهوديةٍ، أو نصرانيةٍ، أو مشركةٍ أبداً، هذا تفسير قوله تعالى أو نسائهن" . وقال ابن كثير: " أو نسائهن، أي ألا تظهر بزينتها أيضاً للنساء المسلمات دون نساء أهل الذمة، أي الكتابيات، لئلا تصفهن لرجالهن، وذلك وإن كان محذوراً في جميع النساء إلا أنه في نساء أهل الذمة أشد". فيغلب الظن أن المرأة المسلمة لا تصف المرأة المسلمة لزوجها، أما الكافرة، والفاجرة، فتصِفُها لزوجها، إذاً يجوز للمرأةِ المُسلِمة المؤمنة أن تُظهر زينتها لمن؟ لامرأةٍ مسلمةٍ مثلها، أما لغير المُسلمة فلا يجوز، الكافرة لا يجوز، الفاجرة لا يجوز والحديث الشريف: (( لا تُبَاشِرُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَتَنْعَتَهَا لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا )) [متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِي اللَّهم عَنْهم] سيدنا عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عُبيدة بن الجراح، وقد بلغه أن في الشام حمامات عامة قديماً، هذه القصة قديمة جداً، من عهد سيدنا عُمر، قال له: " أما بعد، فإنه بلغني أن نساءً من نساء المُسلمين، يدخُلن الحمامات مع نساء أهل الشرك، فإنه من قبلك لا يحل لامرأةٌ تؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظر إلى عورتها إلا أهل ملَّتها ". هذا كلام سيدنا عمر لأبي عبيدة بن الجراح. وقال الإمام مُجاهد في تفسير قوله تعالى: " أو نسائهن " نسائهن المسلمات، ليس المشركات من نسائِهن، وليس للمرأة المسلمة أن تتكشف بين يدي مشركة، ولا يحل لامرأةٍ غير مُسلمةٍ أن ترى من المرأة المُسلمة زينتها أو مكان الزينة . وروي عن مجاهدٍ أيضاً قال: "لا تضع المُسلمة خِمارها عند مشركة، لأن الله تعالى يقول: أو نسائهن فليست المُشركة من نسائهن". كم دليل أصبحوا؟ سبعة أدلة تقريباً، وفي تفسير الخازن: "أو نسائهن، أي المؤمنات من أهل دينهن" أراد أنه يجوز للمرأة أن تنظر إلى بدن المرأة إلا ما بين السرة والركبة، ولا يجوز للمرأة المؤمنة أن تتجرد من ثيابها عند الذمية، أو الكافرة ، لأن الله تعالى قال: أو نسائهن، والذمية أو الكافرة ليست من نسائنا، ولأنها أجنبية في الدين فكانت أبعد من الرجل الأجنبي . هذا الموضوع الذي هو في الترتيب الثالث عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة وكُنا قد أخذنا في الدرس الماضي عورة الرجل بالنسبةإلى الرجل. والدرس الأول عورة الرجل بالنسبة إلى المرأة، بقي الموضوع الأخير وهو عورة المرأة بالنسبة إلى الرجُل، هذا في الدرس القادم إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| الاسلامي, الاسرية, العلاقات, الفقه |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 7 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 7 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| الفقة الاسلامى 2 | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 93 | 09-12-2018 08:57 AM |
| الفقة الاسلامى 1 | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 28 | 08-16-2018 01:12 PM |
| هذا هو المجتمع الاسلامي ... | ناصح أمين | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 8 | 09-24-2017 08:44 AM |
| لطائف الإسناد - العلاقات بين الرواة | منال نور الهدى | ريآض الآحاديث النبوية | 3 | 02-25-2013 06:49 PM |