| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#1 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : ( الاول ) الموضوع : اهمية التربية الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أخطر عمل في حياة المسلمين هو تربية أولادهم: أيها الأخوة الكرام.. بعد عيد الفطر السعيد، كنت أفكِّر في موضوعٍ يطرح في درس الأحد، فقد كان درس الأحد كما تعلمون، خاصاً بالسُّنة النبويَّة المطهَّرة، إما للأحاديث الشريفة شرحاً وتبياناً، أو للأحكام الفقهيَّة التي تدور حول الأحاديث الشريفة، منذ يومين وأنا أتأمَّل أنه ما من عملٍ أخطر في حياة المسلمين من تربية أولادهم، لأن هذا العمل بإمكانهم، هذا من اختصاصهم، ومن دائرة سيطرتهم، المسلم أحياناً ينظر يمنةً ويسرةً فقد يجد نفسه ضعيفاً، أو يجد نفسه مستضعفاً، لا يملك أن يمنع هذه القوى المخيفة التي تتحرك لتقضي على الإسلام، لكنه يملك أن يربي أولاده والإنسان إذا أراد ألا يموت، فعليه بتربية أولاده تربيةً إسلاميةً قد يقول أحدكم: هناك عقبات كثيرة جداً، وهذا صحيح، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول: (( يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ الصَّابِرُ فِيهِمْ عَلَى دِينِهِ كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ )) ( سنن الترمذي عن أنس بن مالك ) لا يشعر الإنسان بسعادة إلا إذا كان ابنه كما يتمنى: لا شكَّ أن المهمة صعبة، لكن ما من عملٍ أعظم ولا أجدى ولا أدوم في حياة المؤمن من أن يربِّي أولاده، هم بضعةٌ منه، هم ثمرة قلبه، هم استمرار وجوده، وأنا أرى وأسمع وأعاين أن هناك آباءً على مستوىً عالٍ من الفهم، وعلى مستوىً عالٍ من الكمال، وعلى مستوىً عالٍ من الإيمان، لكنَّهم يَشْقَون بشقاء أولادهم، فالابن يحتاج إلى انتباه شديد وهو في سنٍ صغير، ويحتاج إلى وقتٍ مديد، إلى معاينةٍ، إلى مراقبةٍ، إلى توجيهٍ، إلى وعظٍ، إلى اصطحابٍ، يحتاج إلى جهد كبير.. لكن والله الذي لا إله إلا هو، حينما ترى ابنك كما تتمنى ديناً وصلاحاً واستقامةً وتفوّقاً تشعر بسعادةٍ. والله لو أعطي الدنيا بأكملها من الذهب والفضة وكان من أهل الدنيا لا يشعر بسعادةٍ كتلك التي يشعرها حينما يرى ابنه كما يتمنى، لذلك قد يقول أحدكم: ماذا أفعل ؟ بإمكانك أن تفعل كلَّ شيء، لكن إذا أردت بإخلاصٍ وصدقٍ أن يكون أولادك استمراراً لوجودك المؤمن، وأن تخلِّف ولداً صالحاً يدعو لك، فعليك أن تشمِّر. الطفل أثمن شيء يناله الإنسان من الله عز وجل: الله عزَّ وجلَّ أعطاك هذا الابن هدية، أو أعطاك إيَّاه هبة، والدليل قوله تعالى: َوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا وَنُوحًا هَدَيْنَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (84) (سورة الأنعام) هبة، تعني أثمن شيء تناله من الله عزّ وجل، طفل بين يديك هو ابنك وأنت أبوه، خاضعٌ لك، يأتمرُ بأمرِك، مصروفه عليك، نفقته عليك، توجيهه أنت مسؤولٌ عنه، فأنا أشعر أنَّ الأب الذي ينهمك بعمله ليحقِّق نجاحاً خارج البيت، ويهمل أولاده، يشعر بعد فوات الأوان أنه خسر خسارةً كبيرةً، وأنَّه ضيَّع أثمن ما في وجوده أولاده. ارتباط الطفل بالمسجد عامل هام من عوامل طاعته لله عز وجل: فيا إخواننا الكرام: والله ما سعيت بكلِّ جهدي لأفتتح معهد تحفيظ القرآن التابع لهذا المسجد، إلا ليكون أبناؤكم مشمولين بالرعاية، معهد تحفيظ قرآن وسنحاول في الصيف إن شاء الله أن نبدأ تعليم القرآن الكريم تحفيظاً وتسميعاً وتجويداً، و شيئاً من الفقه ولاسيَّما أحكام الصلاة، و شيئاً من سيرة السلف الصالح الصحابة الكرام، أي هذا الابن سيكون له مناشط إسلامية أعدَّت له من أجل أن ينشدَّ، أو يرتبط الطفل بالمسجد كي ينشأ على طاعة الله. النصوص القرآنيّة التي تأمر المؤمن أن يربي أولاده: على كلٍ الموضوع خطير جداً وطويل جداً، ولكن أكتفي في هذا الدرس باستعراض النصوص القرآنيّة التي تأمر المؤمن أن يربي أولاده، من آيات القرآن الكريم قال تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) (سورة طه) المؤمن مكلف بأمر أهله بالصلاة و الاصطبار عليها: كم من المؤمنين يصلِّي لكن لا يعنيه شأن أهله.. صلَّوا أم لم يصلّوا، لا يعنيه شأن أولاده.. صلَّوا أم لم يصلّوا، إذا كان بالإمكان أن تصلّي بهم إماماً في البيت فافعل، إذا كان بالإمكان أن تصطحبهم إلى المسجد فافعل، دائما الابن قد يكون عبئاً على أبيه، لكن إذا كان عبئاً عليه ثم قطف الثمرة اليانعة، ينسى كلَّ الأتعاب التي تعبها من أجله، إذاً أوَّل آية: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ( سورة طه: من آية " 132 " ) فكلَّما دخل وقت الصلاة تذكَّر هذه الآية، أنت لست مكلفاً أن تصلِّي وحدك.. أنت كمؤمن مكلفٌ أن تأمر أهلك بالصلاة وأن تصطبر عليها. الآية الثانية: على الإنسان المؤمن أن يقي نفسه و أهله نار جهنم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (6) (سورة التحريم) أمْرُ الله عزَّ وجلَّ لك لا أن تقي ذاتك وحدك، أمْرُ الله عزَّ وجلّ أن تقي نفسك وأهلك، فالآية واضحة: قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا (سورة التحريم: من آية " 6 " ) الآية الثالثة: على الإنسان المؤمن أن يأخذ بيد أولاده إلى الله عز وجل: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (سورة النساء: من الآية " 11 " ) خالق الكون يوصيك بأولادك، والقرآن أحياناً له مناسبة خاصة وله معنى عام،.. الله سبحانه وتعالى يوصيك بأولادك، يوصيك أن تربِّيهم، يوصيك أن تهذِّبهم، أن تؤدِّبهم، أن تعلِّمهم، أن تنشِّئهم نشأةً طاهرة، أن ترعاهم، أن تراقبهم، أن تأخذ بيدهم إلى الله عز وجل، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ( سورة النساء: من آية " 11 " ) كل إنسان مسؤول عن رعيته أمام ربه يوم القيامة: (( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ )) (رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر) أنت مسؤول أمام الله.. ورد في الأثر أن الابن الذي يهمله أبوه ويستحقُّ دخول النار، يقف بين يدي الله عزَّ وجلَّ ويقول: يا رب لا أدخل النار حتى أُدْخِل أبي قبلي، لأنَّه كان لي في دخولها سبباً. هذا الكلام سهل.. إلقاؤه سهل، واستماعه سهل، لكن إخواننا الَّذين لديهم أولاد صغار، الآن أنت مشغول عنه.. لكن حينما يشبُّ في غفلةٍ عنك، ولم يتلقَّ التوجيه الكافي، يتفلَّت من بين يديك، لا تستطيع أن تفعل معه شيئاً، لا يستمع، ولا يرعوي، ولا يصغي، ولا ينتبه، يصبح هذا الابن عبئاً على أهله، فلذلك نصيحة من القلب.. كل أخٍ عنده أولاد يجب أن يمضي جزءاً من وقته في تعريفهم بالله، في إكرامهم، في ملاطفتهم، في التحبُّب إليهم، قال عليه الصلاة والسلام: (( من كان له صبيٌ فليتصابَ له )) على الإنسان أن يمضي جزءاً من وقته مع أولاده: لا بدَّ من جزءٍ من وقتك تمضيه مع أولادك، لا تقل لي: والله أنا مشغول.. فأنا أخرج من البيت وهم نائمون وأرجع وهم نائمون، هذا خطأ كبير جداً، الملاحظ أن الأب إذا كثر غيابه عن البيت.. تفلَّت أولاده، لا بد من وقتٍ تمضيه مع أولادك، هذا الوقت يؤخذ من زبدة وقتك. (( لأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ)) (رواه الترمذي عن جابر بن سمرة) صدقة يوميَّة.. لأن يؤدِّب الرجل ولده خيرٌ من أن يتصدَّق بصاع، وقد روى الترمذي أيضاً عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: (( مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ)) (رواه الترمذي عن أيوب بن موسى) الإنسان الذي يأمر أهله بالصلاة يتكفل الله برزقه هو و أولاده: نحن نحاول أن نتعرَّف إلى سنَّة النبيّ، نحن نحاول أن نتعرَّف إلى توجيهات النبيّ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (7) (سورة الحشر) هذه توجيهات النبيّ..افعل ما يأمرك به النبيّ، ولا تلتفت إلى الرزق، ما الدليل ؟ الدليل هو قوله تعالى: وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132) (سورة طه) العلماء استنبطوا: " أن الذي يأمر أهله بالصلاة، يتكفَّل الله سبحانه وتعالى له ولهم بالرزق، هكذا تقول الآية ﴿ لا نسألك رزقاً ﴾ لا تقل لي: إنني مشغول، عندنا موسم، أريد تأمين الطعام لي ولهم، أنت واحد منهما، أنت معال ولست معيلاً.. أنت وهم عالةٌ على الله عزَّ وجلَّ، لا تحتَّج بإهمال أولادك بعلَّة كسب الرزق.. لا نسألك رزقاً.. هذا كلام خالق الكون ﴿ نحن نرزقك ﴾ الوفاق الفكري و القيمي أساس الحياة الزوجية: وفي حديث آخر للنبي عليه الصلاة والسلام: (( علموا أولادكم وأهليكم الخير وأدبوهم )) أذكر لكم أنه هناك زوجة، وهناك زوجة رفيقة (بالمعنى الإسلامي طبعاً ).. معنى رفيقة أن هذه الزوجة إذا كانت على شاكلة زوجها، إذا كانت مؤمنةً، مصليةً، صائمةً، محبَّةً لربِّها، قائمةً بأمره، راعيةً لبيت زوجها، ترعى أولادها، هذه الزوجة تسمو عن أن تكون زوجةً فقط تصبح شريكة حياة، والحقيقة عندما يعيش الزوج مع زوجته حياة أساسها الوفاق الفكري، والوفاق القِيَمي، أي إن المبادئ واحدة، القيم واحدة، الأهداف واحدة، حينها يمكن أن يعالج معها موضوعاً طويلاً في أمور الدين، أي إذا ارتقت الزوجة إلى مستوى زوجها فكان إيمانها كإيمانه، وإدراكها كإدراكه، وأهدافها كأهدافه، وخوفها من الله عزّ وجل كخوفه، ورغبتها في طاعة الله عزّ وجل كرغبته، وحرصها على تربية أولادها تربيةً إسلاميةً كحرصه، هذه أرقى من زوجة.. أصبحت شريكة حياة، لذلك النبيّ الكريم يقول (( علموا أولادكم وأهليكم )) أي إنّ الزوجة يجب أن لا تكون (طبخ ونفخ بالتعبير العامي)، وغسيل ورعاية، وهي ذات إيمان ضعيف، متفلتة من الدين لأن هذه الزوجة تُمَلُّ، هي تَملُّ من زوجها وأولادها، وزوجها يَملُّ منها ومن أولادها. الإنسان لا يسعد بزوجته سعادة متنامية إلا إذا عرّفها بالله: الحاجات الماديَّة تُمَلُّ سريعاً، كل شيء له بريق تجد بعد حين أن هذا البريق يخبو، وهذا أمرٌ معروف فلا يمكن لشيء من الحياة الدنيا أن يعطيك سعادة مستمرة. هذا مستحيل. تشتري سيارة، في أول جمعة لا تنام الليل، بعد سنتين تجدها لا تحتلُّ من نفسك ولا ذرة.. شيء طبيعي، تسكن في بيت فخم، في أول شهرين مسرورٌ وفرحٌ به وكلما جاءك ضيف تريه البيت كله.. انظر مساحته - 213- لكن والله العليم - 225 م2 -.. يجب أن تقول له كم مساحته وثمنه، وتريه الأثاث، بعد مدة من الزمن تجده أمراً طبيعياً جداً.. حظوظ الدنيا (حظٌ حظ )، هكذا أوَّله له بريق، أما الشيء الذي يمدك بسعادة مستمرة هو أن تتعرف إلى الله، فالإنسان لو اختار زوجته وفق مقاييس معينة وكانت ملء سمعه وبصره سعد بها، اِسأل أي زوج بعد سنتين.. الأمر بسيط جداً كيفما كانت زوجته، بريق وانتهى، لذلك الزوجة تسعد بها سعادة متنامية إذا عَّرْفتها بالله، تسعد بها سعادة متنامية إذا كانت شريكتك في الحياة و تسعد بها سعادة متنامية إذا كانت على شاكلتك، إذا كانت ورعةً، إذا كانت مؤمنةً طاهرةً، تسعى إلى رضوان الله عزَّ وجلَّ، تعينك على الشيطان، ولا تعين الشيطان عليك. المجتمعات الماديَّة مجتمعات مصالح و مجتمعات الإيمان مجتمعات يربط بينها الله: مرة استنصحني أخ كريم على مشارف الزواج قلت له والله لي نصيحة سأقولها لك: دائماً الزوجة في مقتبل الزواج تحلم بفتى أحلامها، وهو يحلم بفتاة تروق له، هي تنتظر أن يبالغ في إكرامها، وهو ينتظر أن تبالغ في إكرامه، والاثنان ينتظران شيئاً واحداً ! لذلك يصطدمان، يكتشف بعد حين أنَّها تريد من يدللها، وهي طامعة أن يقدِّم لها كلَّ الخدمات، وهو طامع أن تقدِّم له كلَّ الخدمات، لذلك يتصادمان، ولا يسعد الإنسان بزوجته إلا إذا سعد بربِّه أولاً، وعرَّفها بربِّها فسعدت بربِّها ثانياً، عندئذٍ تُسعِدُه لأنَّها تعرف حقَّه عليها، وعندئذٍ تتقرَّب إلى الله بخدمته، ويتقرَّب إلى الله بخدمتها. العلاقات في المجتمعات الإسلاميَّة، علاقات يربط بيْنها اللهُ عزّ وجل، أما العلاقات في المجتمعات الماديَّة علاقات مباشرة، ما دام له مصلحة معها يحبُّها، أما لو أصابها مرضٌ عُضال، أو لو انقطعت مصلحته منها تجده يطلقها ؟ سمعت عن إنسان، زوجته أصيبت بمرض، طلَّقها فوراً !! انتهت المصلحة، وكم من زوجة مادام زوجها ملء السمع والبصر، قوياً وغنياً، تحبُّه حباً جماً، فإذا افتقر فجأة أو أصابه مرض، تعامله أقسى معاملة. خير عمل الرجل تأديب ولده: لذلك المجتمعات الماديَّة مجتمعات مصالح، منافع متبادلة، لكنَّ مجتمعات الإيمان مجتمعات بين كل شخصين الله. أتمنَّى أن أعبِّر عن هذا المعنى تعبيراً دقيقاً، أي إنّ الزوج يتقرَّب إلى الله بصبره على زوجته، وخدمته لها، والزوجة تتقرَّب إلى ربها بصبرها على زوجها وخدمتها له.. وحسبك هذه القاعدة فهي تُسعد الزوجين أيَّما سعادة.. ذكرت لكم كلّ هذا الكلام لأنَّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول: (( علِّموا أولادكم وأهليكم (أيّ وزوجتك ) الخير وأدِّبوهم )) وفي حديث آخر رواه الطبراني.. يقول عليه الصلاة والسلام: (( أدِّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبِّ نبيِّكم، وحبِّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن )) (رواه الطبراني) أمَّا إذا وُجِدَت أجهزة المُلهيات بالبيت.. يؤدَّب الابن على حبِّ الفنانين والفنَّانات الأحياء منهم والأموات، هكذا.. لا تنس هذا المثل الشهير (خزان ماء)، الذي تضعه من فتحته العليا تأخذه من صنبوره الأسفل، ما نوع التغذية التي يُغذى بها أولادك ؟ نوع التغذية.. ما يقرؤون من مجلات ؟ ما يقرؤون من صحف ؟ مع من يجلسون ؟ مع من يسهرون ؟ ما الحديث الذي يدور فيما بينهم ؟ هذه تغذية. ماذا يشاهدون ؟ ماذا يقرؤون ؟ ماذا يستمعون ؟ أين يذهبون ؟ مَنْ أصدقاؤهم ؟ هذه تغذية.. فإذا كان لابنك أصدقاء يغذونه تغذية سيئة، تغذية أساسها المتعة المحرمة، أساسها رفقاء السوء، أساسها الاحتيال على الناس، أنّى له أن يكون قرَّة عينٍ لك ؟ أكبر معاناة يعانيها الأب تربية أولاده: أقول هذا الكلام لأنني أعاني كل يوم من ذلك، لأن إخواننا يحكون لي.. أكبر معاناة يعانيها الأب الآن، أن أولاده ليسوا على ما يريد، ماذا يفعل ؟.. أرى أحياناً أنَّ الإنسان يعتصر الألم قلبه، ماذا يفعل ؟.. فقبل فوات الأوان يا إخوان، قبل فوات الأوان، إخواننا الشباب المتزوجون حديثاً هذا الكلام مفيد جداً لهم، مهما كان ابنك صغيراً يجب أن تربيه، النبي الكريم أمرنا أن نؤذِّن في أذن الصبي حين ولادته، ليكون أول صوت وصله كلمةُ التوحيد: (( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال، حبِّ نبيِّكم، وحبِّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن )) فإنني أعجب كثيراً من أنك لو جلستَ مع شباب في مقتبل حياتهم، ترى حديثهم كله عن لاعب كرة القدم، وهو يهودي، ومصاب بالإيدز، كل حديثهم عن لاعب كرة قدم مشهور كثيراً، هذا طموحهم.. إذا كان لاعبو كرة القدم قدوة شبابنا، فهذه مشكلة كبيرة جداً، لذلك أفضل شيء يقرؤه الشاب سير صحابة رسول الله، القصَّة محببة.. أنت أمام نموذج حيّ، أمام شاب نشأ في طاعة الله، أحبَّ النبيّ صلى الله عليه وسلم.. أي إنَّ الشاب في مقتبل حياته يحتاج إلى قصص تنمّي فيه روح الفروسيَّة، تنمِّي فيه القيَم، قيم الشجاعة، قيم التفوق، قيم المروءة، فلا يوجد موضوع يناسب الشباب كَسِيَرِ صحابة رسول الله، أي إنَّ إخواننا الكرام لو اقتنوا كتاباً في السيرة عن صحابة رسول الله، وجلسوا مع أهلهم وأغلقوا هذا الجهاز (الملعون) وتخلَّصوا منه، اقرأ لهم شيئاً عن صحابة رسول الله، اقرأ شيئاً عن سيدنا سعد، شيئاً عن سيدنا عمير بن وهب، هناك صحابة قصصهم رائعةٌ جداً، واسأل هل يوجد كتاب مناسب لأبنائي ؟ إذا كان الأب قرأ.. الأم قرأت.. أو كلَّف أولاده أن يقرؤوا، فهذا شيء ممتع جداً. الإنسان المؤمن من يجعل بيته قطعة من الجنة: أقول لكم بصراحة: مهما تكن حياتك شاقةً.. إذا كان بيتك جنة تنسى كل التعب، يجب أن تجعل من بيتك قطعة من الجنة، لو كان مئة مترٍ.. لو كان غرفتين لو كان ما يزال على الهيكل، قضية الجنَّة ليست بالأثاث، بل بالود، بالمحبَّة، بالتفاهم، بالتعاون، فأنا أدعو أن تكون بيوتات المسلمين كالجنَّات، صدقوني.. أخشن طعام مع الحب والمودَّة، يصبح أفخر طعام، أثاث متواضع، طعام قليل، لكن يوجد مودَّة بين الزوجين والأولاد، هذا الشيء ينسي كلّ متاعب الحياة، وتوجد بيوت ثمن البيت منها خمسون مليوناً ولكنها قطعة من جحيم لأنه أُسِس على معصية الله ؛ وهناك بيت يتلى فيه القرآن، بيت تصلَّى فيه الصلوات الخمس جماعةً، بيت ليس فيه غناء ولا مُلهيات ولا مناظرُ تُثيرُ مشاعر الصغار البريئين، هذا البيت مبارَك يحبُّه الله ورسوله، البعض يعلقون لوحة كتب عليها ـ اللهمَّ بارك هذا البيت ـ فلا تُحل المشكلة مع وجود وسائل الفساد في هذا البيت، ضع خمسين لوحة ـ اللهمَّ بارك هذا البيت ـ البيت المبارك الذي تقام فيه الصلوات ويتلى فيه القرآن وفيه دعوة إلى الله عزَّ وجلَّ غرفة الضيوف فيه مقدسة، قد شَهِدَتْ عشراتِ بل مئاتِ السهرات فيها ذكرٌ لله عزَّ وجلَّ، بالمقابل توجد سهرات مختلطة والحديث فيها عن النساء وعن الأسعار والتجارة هذا حديث ليس له معنى. مملكة المؤمن بيته فعليه أن يقيم الإسلام فيه: فلذلك: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) (سورة المؤمنون) بيتك يجب أن يكون مقدساً... غرفة الضيوف هذه تشهد لك فكم من إنسان دخلها وكان الحديث عن الله عزَّ وجلَّ ؟ غرفة الطعام تشهد لك كم إنساناً دعوته لوجه لله ؟ كم دعوت من أخ مؤمن مسافر للطعام عندك لوجه الله ؟ فالمؤمن إن دعا الناس للطعام له هدف كبير، إذا دعا إلى ندوة أو سهرة أو لقاء له من ذلك هدف كبير. فالذي دعاني لهذا الدرس هو أننا لا نملك إلا البيوت صراحة وإن كانت الكلمة مؤلمة فلا نملك سوى بيوتنا، فهل تملُك أن تغيِّر شيئاً في العالم ؟ لا تملك، فلا يوجد بأيدينا سوى هذا البيت الذي هو مملكة المؤمن فعليك أن تقيم فيه الإسلام ـ هذا الدرس عن بيتك، يوجد كذلك درسٌ عن عملك ـ إذا فعلت ما أمرك الله في بيتك وعملك فقد برئَت ذمَّتك كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم: (( كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ )) ( سنن أبي داود عن عائشة ) من أراد ألا يموت فليجعل ابنه على شاكلته: هل تستطيع أن تمنع الهجمة الشرسة على المسلمين في العالم ؟ لا تستطيع أن تفعل شيئاً، إلا أنك تملك بيتك وتملك عملك وتملك أولادك، نتمنى في الصيف أن نرى كلَّ أبنائكم عندنا في هذا المعهد، فنحن قد هيأنا مناشط إسلامية تشدُّ الطفل للمسجد وللقرآن ولصحابة رسول الله، فلا أعتقد بوجود أبٍ يرى ابنه يصلي طواعيةً دون ضغط، يراه مستقيماً على أمر الله، ومتمسكاً بالأخلاق الفاضلة إلا وقد شعر أنه قد ملك الدنيا بحذافيرها، فأحياناً أقول لأحد إخواننا إذا رأيتُ ابنه صالحاً: والله هذا الابن أفضل من ألف مليون لأنه استمرار وخلود لك، فأنت لم تمت. أنا لا أنسى أن أحد علمائنا الأفاضل وقد توفي ـ رحمه الله ـ وأقيم له مجلسٌ للعزاء في أحد الجوامع الكبيرة وكنت أحضر هذا المجلس، وقد فوجئنا أن ابنه طالب علمٍ شرعيّ على شاكلة أبيه وعُيِّن خطيباً مكانه، فقلت معنى ذلك أن الأب لم يمت لاستمرار الابن في عمل والده، فكان منطلقي في هذا الدرس: إذا أردتَ أن لا تموت فليكن ابنك على شاكلتك.. إذا أردت أن تستمر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقةٍ جاريةٍ، وعلمٍ ينتفع به، وولدٍ صالحٍ يدعو له )) [ صحيح عند ابن خزيمة] على الإنسان أن يلجأ إلى المرغبات و المشجعات مع ابنه ليحب المسجد: فأولادَكم.. أولادَكم، إذا جاؤوا إلى الجامع نرحِّب بهم.. فنحن بالعيد قد رتَّبنا أنه إذا حضر الأب مع ابنه فللابن هديَّه، فالابن لابدَّ له من مرغِّبات ومشجِّعات وإكرام، فما يؤلمني أشدَّ الألم هو أن يُرجَع طفلٌ يقف في الصف الأول إلى الصف الثاني لماذا ؟ اجعلوه في الصف الأوَّل يصلِّي حتى يشعر بكيانه بالمسجد ولو كان صغيراً. فقد مر سيدنا عمر في الطريق (وقد كان ذا هيبة) فوجد أطفالاً فلما رأوه تفرَّقوا هاربين إلا واحداً. قال: " يا غلام لِمَ لَمْ تهرب مع من هرب ؟ "، قال: " يا أيها الأمير لستَ ظالماً فأخشى ظلمَك، ولستُ مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك ". هذا طفل. ففي تاريخنا الإسلامي مواقف للأطفال مذهلة، مرة دخل وفدٌ على عبد الملك بن مروان فوجد طفلاً صغيراً معهم، فغضب وعدّها إهانةً له، فأرسل إلى الحاجب وقال له: " ما شاء أحدٌ أن يدخل عليّ إلا دخل حتى الأطفال ! "، فوقف الطفل قائلاً: " أيها الأمير.. إن دخولي عليك لم ينقص من قدرك ولكنَّه شرَّفني، أصابتنا سَنةٌ أذابت الشحم، وسَنةٌ أكلت اللحم، وسَنةٌ دقَّت العظم، ومعكم فضول أموال.. فإن كانت لنا فعلام تحبسونها عنَّا ؟ وإن كانت لله فأعطوها لعباده ؟ وإن كانت لكم فتصدَّقوا بها علينا ؟ "، قال: " والله ما ترك هذا الغلام لنا في واحدةٍ عذراً ". الطفل الأديب و الجريء طفل لا يقدر بثمن: دخل على سيِّدنا عمر بن عبد العزيز وفود المهنِّئين.. تقدَّمهم وفدُّ الحجازيّين ورئيس الوفد غلام لا تزيد سِنُّه عن عشرة أعوام. فقال له: " اجلس وليقم من هو أكبر منك سناً ".، قال: " أصلح الله الأمير، المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحقَّ الكلام، ولو أن الأمر كما تقول لكان في الأمَّة من هو أحقُّ منك بهذا المجلس". إذا تعلَّم الطفل وتربّى وكان جريئاً وأديباً، فلا يقدَّر بثمن، ففي رمضان كنت بميتم من المياتم فأعجبني أخوان كريمان جعلا ما تبرعا به من المبالغ عن طريق ابنيهما الصغيرين وباسميهما.. طفل صغير يقدِّم مبلغاً أمام جمع غفير.. فلان الفلاني تبرَّع بمئة ألف.. أراد الأب أن يعوِّد ابنه على التبرُّع، على العطاء.. فألاحظ الإخوان يكلفون أبناءهم أن يدفعوا لبعض الأعمال الطيِّبة ليتعوَّدوا على العطاء، فنحن نملك الآن أولادنا وبيوتنا وهذا أخطر عمل نفعله، فأنت ترسِّخ قيم الإيمان في هذا الجيل الصاعد، وهؤلاء كلهم رجال المستقبل. (( حَدَّثَنَا مَالِكٌ أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَفِيقًا فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا)) (رواه الإمام البخاري في الأدب المفرد عن مالك) فالنبي صلى الله عليه وسلم واقعيٌ مع أصحابه. الشقي من ينتقل من شقاء العمل إلى شقاء البيت: أحياناً يسافر الأخ خمسة أيام فيقول: اشتقت لابنتي الصغيرة، لا تذهب من بالي، وتلاحظه أحياناً يضع صورتها أمامه على مكتبه أو في حافظته، هكذا فطرنا الله عزَّ وجلَّ على حبِّ أولادنا. أقول لكم هذه الكلمة: ألاحظ أحياناً وجود أخ ليس متفرغاً لأهله.. فلو أخذتَ أهلك لنزهة نصف نهار، فقد سررتهم وَسررتَ أطفالك وتمتَّنتْ علاقتك بهم، وسَرَّيتَ عنهم وتنفَّسوا الصعداء قليلاً ( ولو كانت نزهة متواضعة ) فالآن المواصلات متيسِّرة والحمد لله خذ أهلك إلى مكان يكون بعيداً عن الناس فينطلق الطفل من أربعة جدران إلى بستان، فهذا العمل ضمن الأعمال الصالحة ليس من الدنيا، هذا من الآخرة، عندما يرفِّه الإنسان أحياناً عن أهله فيأخذهم لنزهة يُسعدهم.. فكان الحسن والحسين يرتحلان النبيَّ عليه الصلاة والسلام، فيمشي النبي وهما راكبان على ظهره ويقول: ( نعم الجمل جملكما ونعم الحملان أنتما )، الإنسان عظمته بتواضعه، كان عليه الصلاة والسلام واحداً من أهل البيت.. فقد كان يكنس بيته ويخصف نعله ويحلب شاته وكان في مهنة أهله. الآن ندعو أن يكون كل بيت بيتاً إسلامياً، أن يكون قطعة من الجنَّة فيه مودة ومحبة، فيه اعتذار وتسامح فيه عطف ومؤاثرة، إذا دخل الإنسان بيته وكان سعيداً فيه ينسى كلّ متاعب العمل ؛ لكن من هو الشقي ؟ هو الذي ينتقل من شقاء العمل إلى شقاء البيت، يوجد بالبيت شقاء وخارج البيت يوجد شقاء. (( قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ أَتَيْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ عِشْرِينَ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحِيمًا رَفِيقًا فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّا قَدِ اشْتَهَيْنَا أَهْلَنَا أَوْ قَدِ اشْتَقْنَا سَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا بَعْدَنَا فَأَخْبَرْنَاهُ قَالَ ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَأَقِيمُوا فِيهِمْ وَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ وَذَكَرَ أَشْيَاءَ أَحْفَظُهَا أَوْ لا أَحْفَظُهَا وَصَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي فَإِذَا حَضَرَتِ الصّلاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ )) (رواه الإمام البخاري في الأدب المفرد عن مالك) الأسس التي يستنبطها الإنسان من أقوال العلماء التربوية: الآن طائفة من الأقوال التربوية 1 ـ لا يمكن أن تصلح الأمَّة إلا عن طريق التربية: روى الجاحظ أنَّ عقبة بن أبي سفيان لمَّا دفع ولده إلى المؤدِّب قال له: " ليكن أوَّل ما تبدأ به من إصلاح بنيَّ إصلاح نفسك، فإنَّ أعينهم معقودةٌ بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنتَ، والقبيح عندهم ما استقبحتَ". فإذا كان المعلِّم يدخِّن وهو قدوة، أو إذا سبَّ المعلِّم الدين مرَّةً مثلاً والله هذه مشكلةٌ كبيرةٌ جداً فهو معلم وقدوة، وإذا كان يكذب مثلاً.. انتهى الجيل بذلك، الأب معلم فإذا كذب وقال لابنه قل له: أبي ليس هنا، فهذا موضوع كبير جداً.. معنى ذلك أنك تكذب، أو تكذب الأم أحياناً على زوجها: لم أذهب إلى مكان.. فيقول: اتصلتُ هاتفياً ولم تجيبي ! فتقول أمام ابنتها: الهاتف أحياناً يتعطل.. تكذب على زوجها أمام ابنتها فتنتهي الابنة وكذلك الابن. قال له: فإن الحسن عندهم ما استحسنتَ والقبيح عندهم ما استقبحتَ. 2 ـ إعداد المعلم المثقف الأخلاقي: المعلم مثلٌ أعلى، لذلك بعض العلماء قالوا: لا يمكن أن تصلح الأمَّة إلا عن طريق التربية، لا يمكن أن تنهض أمة إلا بدءاً من تربية الصغار.. وتربية الصغار تحتاج إلى معلِّم.. إذاً لابدَّ من إعداد المعلِّم. أنا أرى أنه إذا كانت الأمة متخلِّفة وأرادت أن تصبح أمة متقدِّمة فأوَّل خطوة هي: إعداد المعلِّم المثقَّف الأخلاقي، صاحب المبدأ، ليبدأ بتربية الصغار وهي الخطوة الأولى نحو التقدُّم. 3 ـ التعاون بين الآباء و المعلمين: " الحسن عندهم ما استحسنتَ والقبيح عندهم ما استقبحتَ.. علِّمهم سِيَرَ الحكماء وأخلاق الأدباء، وتهددْهم بي ".. أي أن يكون هناك تعاون بين الآباء والمعلِّمين.. وأدِّبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء، ولا تَّتكِلَنَّ على عذرٍ منّي، فإني قد اتكلت على كفايةٍ منك. هذا وصية وليّ طالب لمؤدِّب ابنه.. أعيدها عليكم مرة ثانية.. قال له: " ليكن أوَّل ما تبدأ به من إصلاح بنيَّ إصلاح نفسك، فإنَّ أعينهم معقودةٌ بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنتَ، والقبيح عندهم ما استقبحتَ، علِّمهم سيِرَ الحكماء وأخلاق الأدباء وتهدَدْهم بي وأدِّبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء، ولا تتَّكِلَنَّ على عذرٍ منّي فإنِّي قد اتكّلتُ على كفايةٍ منك ". 4 ـ الأبناء ثمرة قلوب الآباء فعلى المعلم أن يقدم لهم أفضل ما عنده: ابن خلدون في مقدمته يروي أن هارون الرشيد لما دفع ولده الأمين إلى المؤدِّب قال له: " إنَّ أمير المؤمنين قد دفع إليك مهجة نفسه وثمرة قلبه ـ أقول للمعلمين: الطبيب عمله مع المرضى، والمحامي مع أصحاب المشاكل، والنجار مع الخشب، والحدَّاد مع الحديد، والمعلم مع أفضل فئة في المجتمع مع الصغار.. طُهرٌ على براءة على صفاء على عفويّة على ذاتيِّة.. وهؤلاء الذين أمامك أيُّها المعلِّم ثمرة قلوب آبائهم، فعندما يقدِّم الإنسان ابنه لمعلم فقد قدَّم له أثمن ما يملك ـ فصيَّرَ يدَك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة، فكن له بحيث وضعك أمير المؤمنين، أقرئْه القرآن وعرِّفه الأخبار ورَوِّهِ الأشعار وعلّمه السُنن وبصِّره بمواقع الكلام وامنعه من الضحك إلا في أوقاته، ولا تمرَّنَّ بك ساعة إلا وأنت مغتنم فائدةٍ تفيده إيَّاها من غير أن تحزنه فتميت ذهنه، ولا تُمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقوِّمه ما استطعت بالقرب والملاينة فإن أباهما فعليك بالشدَّة ". نصائح تربوية: 1 ـ على الإنسان أن يربي ابنه تربية إسلامية: نصائح تربويَّة.. في إحدى المرَّات كنت أعاين بيتاً ليشتريه أحد إخواننا، ونحن نتجوَّل في غرفه فوجدنا بأحدها طفلاً مضطجعاً على ظهره ورافعاً أرجله فوق بعضها ويتابع برنامجاً في التلفزيون.. دخلنا وخرجنا ولم يتحرَّك ولم يغيَّر من وضعه إطلاقاً وأبوه معنا.. فما هذه التربية؟! من علامات آخر الزمان يصبح الولد غيظاً.. يفيض اللئام فيضاً، ويغيض الكرام غيضاً ويكون الولد غيظاً والمطر قيظاً. 2 ـ على الإنسان أن يعلم ابنه الصدق كما يعلمه القرآن: أحد الخلفاء نصح مؤدِّب ابنه قال له: " علِّمهم الصدق كما تعلِّمهم القرآن ـ أحيانا تسأل ابنك من أين هذا القلم ؟.. فيقول: رفيقي أعارني إياه. فتُصدِّقه.. أو تشعر بأن الكلام ليس صحيحاً، وتتغافل عنه ستتكلف نصف يوم في تحقيق ذلك، فتذهب إلى المدرسة وتستدعي رفيقه.. فإن فعلتها مرة واحدة عرف الابن أن الكلام عليه محاسبة، فقد يكون قد أخذه خفيةً، فإن وجدت مع ابنك شيئاً ليس له فلا تصمت.. تتبَّع، اسأل، حقِّق.. اذهب إلى المدرسة بنفسك في اليوم الثاني وإلا تفاقم الأمر ـ واحملهم على الأخلاق الجميلة وروِّهم الشعر، وجالس بهم أشراف الرجال وأهل العلم منهم ". 3 ـ على الأب أن يصطحب ابنه معه دائماً ليتعرف على أقربائه: أحياناً يكون عند الأب سهرات وزيارات في العيد، فخذ معك ابنك ليرى هؤلاء الرجال ويرى مجتمعك وأقرباءك وأصدقاءك، والكلام المهذب والأحاديث العلمية اللطيفة ويرى مجلساً راقياً.. أمَّا إن تركته مع رفاقه فمزح وكلام فارغ.. اجعله معك دائماً يسمع منك ومن توجيهاتك ويشاهد أخلاقك ومبادئك، " وجنِّبهم السفلة فإنَّهم أسوأ الناس أدباً، وَقِّرْهم في العلانية. 4 ـ لا يُهن أحد ابنه أمام أحد: لا يُهن أحد ابنه أمام أحد كأقربائه أو إخوته أو أصدقائه ـ وأنِّبهم في السر ـ فالخطأ الكبير أن تعنِّف ابنك أمام أحد. 5 ـ على الإنسان أن يضرب ابنه إذا كذب لأن الكذب يدعو إلى النار: واضربهم على الكذب، أخطر شيء الكذب: إنَّ الكذب يدعو إلى الفجور وإنَّ الفجور يدعو إلى النار. 6 ـ على الإنسان ألا يخرج ابنه من علم إلى علم حتى يحكمه: وقال أحد الحكماء لمعلِّم ولده: " لا تخرجهم من علمٍ إلى علمٍ حتَّى يحكموه، فإن اصطكاك العلم بالسمع وازدحامه في الوهم يُضلُّ المتعلِّم ويعيق فهمه ". 7 ـ أن يكون مع الصبي في مكتبه صبية حسنة: وابن سينا ينصح في تربية الأولاد أن يكون مع الصبيِّ في مكتبه صِبْيَةٌ حسنةٌ آدابهم مرضيَّةٌ عاداتهم، لأن: " الصبيّ عن الصبيِّ ألقن وهو عنه آخذ وبه آنس "، لقد قرأت بحثاٌ في علم النفس يؤكِّد بعد كثير من التجارب أنَّ ستين في المئة مما يأخذه الطفلَّ يأخذه عن أصدقائه وأقلِّ من هذه النسبة بكثير عن أبيه وأمه. تربية الأولاد تبدأ بعد الموت لأن الابن استمرار لأبيه: أيها الأخوة: أخطر عمل كُلِّفنا به هو: تربية أولادنا، وهو أجلُّ عمل وأطوله أمداً.. فأي عملٍ تفعله ينتهي عند الموت، أما تربية أولادك تبدأ بعد الموت، ويكون الابن استمراراً لأبيه، ويكون صدقةً جارية، وقد يقول أحدكم: إن ابني كثير الصعوبة، فأجيبه على ذلك وأقول له: استعن بالله ولا تعجز.. فعندما يعلم ربنا عزَّ وجلَّ منك صدقاً في تربيته، واهتماماً ورغبةً وإلحاحاً، فسيهديك الله عزَّ وجلَّ إلى سواء السبيل وإلى الأساليب الناجحة والمؤثِّرة. فإنِّي أعرف إحدى الأسر ابنهم رسب ست سنوات في الشهادة الإعدادية، وأصرَّت والدته أن يصبح طبيباً، دروس خاصةٌ ومتابعةٌ، وأصبح الآن طبيباً للأسنان، بعض الآباء يقول عن ابنه: إنه لا يصلح للدراسة فيتركه من أول بادرة تقصير دون متابعة وهذا خطأ جسيم، فيجب أن لا تضعف همَّتك فكبار العلماء (مثلاً توفيق الحكيم) وهو أحد كبار الأدباء في الأدب العربي ( أما في الدين فلا ) كان ضعيفاً في اللغة العربية وهو في التعليم الثانوي. اينشتاين، أكبر عالم في الفيزياء والكيمياء طُرد من المدرسة لضعفه في مادة الفيزياء. على الإنسان أن يدرس ظروف ابنه و يستثير ما به من طاقات: قد يكون الطفل المقصِّر طاقاته لم تُدرَس، لا توجد ظروف استثارت ما فيه من طاقاتٍ كامنةٍ، فلا تيأس سريعاً من ابنك، فعسى أن يكون العلم مفيداً له أكثر من العمل، فسيعمل بعد ذلك، أما إذا بدأ جاهلاً فمشكلته كبيرة، فالمفروض أن يستنفد الإنسان كل طاقاته، وإن لم يكن قد تعلَّم العلم العادي، فليعلِّمه العلم الديني، فلا مانع من أن يطلب العلم في مسجد فهذا علم كذلك، بل أرقى علم، فمن كان له مجلس علم فاسمه عالم، فإني أعجب من شخص له في المسجد ثلاثة عشر عاماً ويقول: أنا غير متعلم !.. فكيف ذلك ؟ ثلاث عشرة سنة وكل أسبوع ثلاثة دروس (تفسير وحديث وسيرة وفقه وخطبة ) ولستَ متعلماً ؟! بل متعلِّماً وأكثر، فهذا الكلام يجب ألا نتكلمه، فطالب العلم بالمسجد متعلِّم، والأبلغ من ذلك: كفى بالمرء علماً أن يخشى الله، فكل من استقام على أمر الله (والله لا أبالغ) فهو عالم.. عالم.. عالم ولو كان أميّاً ولو كان لم يحصل على الشهادة الإعدادية، من غض بصره وكان دخله حلالاً ولم يكذب أو يغش ولم يعمل عملاً سيئاً، ويقول: لستُ متعلماً.. فهذا كلام الشيطان.. فأنت متعلمٌ أكثر، فمن عرف الله في مسجد فهو طالب علم، فكلُّنا طلاب علم.. فإني لا أسمح لأحد له مجلس علم ويقول: لستُ متعلماً، أهلي لم يعلموني.. أنت تتعلم عندنا، فهذا علم. في اللحظة التي يتوهم الإنسان فيها أنه عالم فهو جاهل: يقولون: أحدهم عنده درجة ـ الليسانس ـ فما هي هذه الدرجة ؟ أي إن عنده ثماني مواد في ستة أشهر قد درسهم، وعنده دوام في الجامعة يومياً خمس أو ست ساعات، فقرأ عدداً من الكتب وتقدم للفحص ونجح فحصل على درجة ـ الليسانس ـ فمن تعريفات الجامعة.. أنها مدرسة يدخلها الطالب جاهلاً متواضعاً، ويخرج منها جاهلاً متكبراً.. فإنني ألحُّ على أنه إذا كان للإنسان مجلسٌ للعلم فليس اسمه جاهلاً بل عالماً، أو طالباً للعلم فهذا أكمل، فلا تقل عالم بل قل: طالب علم.. لأنه يظلُّ المرء عالماً ما طلب العلم، فإذا ظنَّ أنه قد علم فقد جهل، في اللحظة التي تتوهَّم أنَّك تعلَّمت فأنت جاهل. الاستقامة سر توفيق الإنسان في حياته: في الحقيقة كنت أقول لإخواننا دائماً: هناك علمٌ ممتع.. فأنت تقرأ قصيدةً شعرية رائعة أو قصة مثيرة جداً فهذا أدبٌ ممتعٌ، وهناك علمٌ ممتع نافع.. فإن كنت مختصاً اختصاصاً نادراً ويقف على بابك أكثر من خمسين شخصاً وكل منهم يدفع لك ألف ليرة فأنت متعلم ولكن مع العلم تقبض المال فهذا علم ممتع نافع، لكن العلم الديني.. علمٌ ممتعٌ نافعٌ مسعدٌ في الدنيا والآخرة، أي إن أرقى علم هو: العلم الديني.. ممتع ونافع ومسعد، أما أنَّه ممتع.. فلا أعظم من كلام الله قراءةً وحفظاً وتفهُّماً وتدَّبراً وتطبيقاً، ولا أعظم من كلام رسول الله أو سير صحابة رسول الله، أمَّا أنَّه نافع.. فعندما يستقيم الإنسان يستحق من الله الإكرام، فسرُّ توفيقك في الحياة استقامتك. فكم من إنسان انزلق، فقد حدثني أحد الإخوان بقصة حدَثْت في الشام: أن سائق سيارة أجرة استوقفته امرأة وطلبت منه الذهاب إلى أي مكان يريده، فسقط معها.. وقد ناولته ظرفاً به خمسة آلاف دولار ورسالة كتب فيها ( مرحباً بك في نادي الإيدز )، وعندما ذهب لصرف المبلغ وجده مزوراً فدخل السجن وأصيب بالمرض العُضال ومات، هذا هو الجهل، فلو كان يحضر مجلس علم لامتنع عنها وطردها. " العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تُنقِصُهُ النفقة والعلم يزكو على الإنفاق ". العلم الديني ممتع ونافع ومسعد في الدنيا والآخرة: فلذلك يا إخواننا الكرام العلم الديني في الحقيقة هو أمتع شيء في الحياة، وهو نافع وهو سر نجاحك في الحياة، وسر مكانتك العالية وثقة الناس بك، فالأمين موثوق، والمستقيم مكرَّم وعظيم كثيراً، فأصبح العلم الديني ممتعاً ونافعاً ومسعداً في الدنيا والآخرة، لذلك فالإنسان يجب أن يختار العلم الديني. (( النبي دخل المسجد فرأى رجلاً قال: من هذا ؟ قالوا هذا نسَّابة. قال: وما نسَّابة !.. فقالوا: يعرف أنساب العرب. فقال عليه الصلاة والسلام: ذلك علمٌ لا ينفع من تعلَّمه، ولا يضرُّ من جهل به )) (( اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ قَلْبٍ لا يَخْشَعُ وَمِنْ دُعَاءٍ لا يُسْمَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لا تَشْبَعُ وَمِنْ عِلْمٍ لا يَنْفَعُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَؤُلاءِ الأرْبَعِ )) [ سنن الترمذي عن عبد الله بن عمرو] إذاً فالعلم الدينيّ هو العلم الحقيقيّ، والإمام الغزالي يقول: "حيثما وردت كلمة العلم في القرآن الكريم فإنَّما تعني العلم بالله ". هذا أرقى علم وأشرف علم، فمن كان له مجلس علم يقول: أنا متعلم ونصف، وإن لم يكن معه كفاءة، لوجود ثلاثة دروس كل أسبوع، ولفترة ثلاثَ عشرة سنة، فأصبحت عالماً وزيادة، فالانتساب لمجلس علم دليلٌ على أنَّك طالب علم، كن عالماً أو متعلماً أو مستمعاً أو محباً ولا تكن الخامسة فتهلك. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#2 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : ( الثانى ) الموضوع :التربية الايمانية الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين. المشكلة الأولى التي يعاني منها الآباء في هذا الزمان تربية الأولاد: وبعد.. فنحن في الدرس الثاني من سلسلة دروس تربية الأولاد في الإسلام، بدأت في الدرس الماضي بقيمة تربية الأولاد، ولا تنسوا أيها الأخوة أن الله سبحانه وتعالى قال في القرآن الكريم: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا (سورة المائدة: من آية " 3 ") كلكم يعلم أن التمام عددي والكمال نوعي، إذاً حينما يؤكد الله سبحانه وتعالى أن هذا الدين كاملٌ تام معنى ذلك أنه منهجٌ كامل، وجزء من حياة الإنسان أولاده.. فلا بدّ من أن نجد في منهج الله إما في الكتاب الذي هو الأصل الأول أو في السنة التي هي الأصل الثاني أو هي تبيان للأصل الأول، لابدّ من أن نجد في منهج الله تفاصيل وإرشادات وتوجيهات في تربية الأولاد، ولا أبالغ إذا قلت: إن المشكلة الأولى.. الأولى.. التي يعاني منها الآباء ولا سيّما في فساد الزمان تربية الأولاد. لو طبق المسلمون منهج الله عز وجل لكانوا في حال غير هذا الحال: إذا سألت الأَب عن ابنه سيتكلم كلاماً تنقطع له نياط قلبه يقول لك: آه.. ابني ليس على ما أريد، لوجود حواجز كثيرة، لوجود مطبات كثيرة، توجد مغريات كثيرة، فساد عريض وفتن يقظة، توجد شهوات مستعرة، يوجد رفقاء سوء كثيرون، توجد أعمال فنية منحطة ساقطة، كل شيء يدعو إلى الدنيا، كل شيء في آخر الزمان يدعو إلى المعصية، يدعو إلى زينة الدنيا، وإلى البعد عن الله عزّ وجلَّ، لذلك لا أُبالغ إن قلت: إنّ أكبر مشكلةٍ يعاني منها الآباء اليوم تربية أولادهم، وقد يغيب عن الأذهان أن في الكتاب والسنّة توجيهات، لو طبقها الآباء لكان أولادهم قرَّةَ عينٍ لهم.. طبعاً أقول هذا الكلام ولا أُعمّم، لأن هناك حالات خاصة. مثلاً سيدنا نوح، ابنه لم يكن على ما يريد، فهذه حالة خاصة، وهذه الحالات لا تأخذ الأحكام العامة، الأصل أن هناك منهجاً في دين الله عزّ وجلَّ وفي كتاب الله وفي سنةِ رسولهِ لو طُبِّق لكان المسلمون بحالٍ غير هذه الحال. أعظم عمل على الإطلاق تنشئة الأولاد التنشئة الإيمانية: لكنَّ المشكلة أن الأب المؤمن قد يصطلح مع الله في الأربعين، معنى ذلك أنه فرط في تربية أولاده، معاناته الآن ؟ لا لأن هذا المنهج غير كامل، بل لأنه عرفه متأخراً، وقد يعرف منهج الله في سنٍ مبكرة لكنه مشغولٌ بأعماله ونشاطاته خارج البيت، فإذا أهمل أولادهُ كانوا عبئاً عليه. إخواننا الكرام.. كما قلت في الدرس الماضي، والله لا أبالغ وليس من شأني المبالغة.. لكن والله لا أرى عملاً أعظم ولا أشرف ولا أنفع ولا أسعد من أن يعكف الأَبُ على تنشئة أولاده التنشئة الإيمانية ؛ لأنهم إذا كبروا كانوا قرَّة عينٍ له، فلا شيء يسعدني كأن أرى أباً متقدماً في السِّن، وحوله أولاده يحفونه ويبادرون إلى تنفيذ أمره، يجلُّونه، يحترمونه، يكرّمونه، يقدِّمون كلَّ ما يسعده، هذه من سعادة المرء في الدنيا، أن تكبر سنُّه وحوله أولادٌ ربَّاهم تربيةً إيمانية، فكلُّ التعب الذي تبذله وأنت تربي الأولاد ؛ والله تقبضه ملايين الأضعاف في شيخوختك. وهناك أبناء والله بلاء من الله، أعرف أباً أقسم بالله: إن مات ابنه فسيقيم مولداً في بيته احتفالاً بموته، هؤلاء الأولاد أصبحوا كثيرين تجد الولد غيظاً لوالديه، يتفنن في إغاظة أبيه وأمه (يتفنن) فتارةً يغيظهما في استهلاك الطاقات بلا طائل، أو بالتهام الطعام بلا مبرر، بجلب رفاقه إلى البيت، وتارةً يغيظهما بنظره الذي يشدُّه إليهما، أو بتطاوله عليهما، أو بوقوعه في بعض العادات السيّئة، ولا يبالي، والويل للأب إذا تكلّم كلمة، ينبحت عليه ابنه وينفجر وكأنّ الأب ابنٌ والابن أب. المسجد هو مكان لتربية الأولاد ولتنشئة الدعاة ولأداء الصلوات: فيا أيها الأخوة الكرام.. هذا الجامع بيت الله، وأقل ما في هذا المسجد الصلاة.. أكثر ما فيه العلم، فأنت تصلي في أي مكان، في الطريق تصلي أو في حديقة أو في البيت، لكنّ بيت الله منارة علم بالأساس أو لِنَقُل هو جامعة، فالمسجد له رسالة أغفلناها الآن، فنحن نشأنا على أن الجامع للصلاة، لكن المسجد له رسالة.. اقرؤوا كتب التربية الإسلامية، اقرؤوا عن دور المسجد في الإسلام.. فهو مكان لتربية الأولاد، ولتنشئة الدعاة، ولأداء الصلوات، مكان لفهم كتاب الله، ولحل قضايا المسلمين، مكان للقضاء، للشورى.. هذا بيت الله.. فيجب أن يستوعب كلَّ مشكلات الإخوان، فابنك مشكلة يجب علينا أن نستوعبها، والله ما معهد تحفيظ القرآن وما الأرض التي ألحقت به إلا من أجل أن يُشدَّ الطفل إلى بيت الله، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن تنقلب هذه الدروس إلى ممارسات تعيشونها في بيوتكم. الولد الصالح لا يعدله شيءٌ في الدنيا.. فهو استمرار لوجودك. الأبوة مسؤولية كبيرة فمن فاته شيء عليه أن يستدركه بأولاده: على كلٍ الدروس كثيرة حول هذا الموضوع، لكن أبرز الموضوعات.. تربية ابنك تربيةً إيمانية.. التربية الإيمانية، هناك التربية الخلقية، وهناك التربية العقلية، والاجتماعية، والجسمية، والعلمية.. الأُبوة مسؤولية، فقط هكذا تزوجنا ورُزِقْنا أولاداً ؟!.. الأُبوة مسؤولية كبيرةٌ جداً، وإن كان قد فات الإنسان شيء فعليه أن يستدركه في أولاده، فكل إنسان يتمنى أن يطبق خبرته المتراكمة في أوَّل حياته.. لكن هيهات، هذه الخبرات التي تنامت وتراكمت في أربعين أو خمسين سنة يتمنى كل أب أن يعرفه وهو في مقتبل حياته.. فإن فاته ذلك فليعطها ابنه، والابن استمرار لوجود الأب. أعرفُ صديقاً مقيماً في مصر ويعمل في شركة كبرى، وصاحب هذه الشركة مسلم وله أولاد، فذات مرَّة حضر ابن صاحب الشركة إلى مصر وسأل صديقي: أين قبر محمد ؟.. مهندس كبير درس في أوروبا ويحمل أعلى الشهادات وهو في القاهرة ومسلم ابن مسلم ابن مسلمة ويسأل أحد موظفيه: أين قبر محمد ؟.. فقال له صديقي: مَن محمد ؟ فقال له: النبي !.. قبر النبي في المدينة وليس في القاهرة (إنسان يسأل سؤالاً جاداً) أحياناً الآباء يعلمون أولادهم كل شيء إلا معرفة الله، يعلّمه أصول الطعام لو دُعِيَ إلى مائدة، ينظر إلى ثياب ابنه ويقول له: ليس فيها تناسب، ويعنفه.. أما إذا ترك الصلاة فليست مشكلة، أما إذا ارتكب مخالفة في ثانويات الحياة المدنيَّة المعاصرة يقيم عليه النكير. تعريف التربية الإيمانية: فيا أيها الأخوة الأكارم... نعني بالتربية الإيمانية: أن تربط ابنك بأصول الدين وبفروعه وأن تلقنه حقائق الإيمان.. الإيمان بالله خالقاً ومربياً ومسيراً، الإيمان بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، الإيمان بأسمائه الحسنى كلِّها، الإيمان بأنبيائه ورسله، الإيمان بكتبه المنزَّلة على رسله، الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشرِّه من الله تعالى، هكذا فلابدّ من جهدٍ ولابدّ من وقتٍ ولابدّ من ملاحظةٍ ولابدّ من محاضرةٍ ولابدّ من وعظٍ ولابدّ من إرشادٍ. وعلى الأب أن يعتني بتربية ابنه تربيةً إسلامية، فلابدّ من تعليمه ومراقبته، ومطالبته ومتابعته للصلاة والصوم والحج والزكاة، هذا إذا كان مستطيعاً، وفي السن التي كلِّف بها، فكلكم يعلم أن هذا الدين عقيدة وعبادة وأخلاق ومعاملات.. عقائد وعبادات ومعاملات وأخلاق، فلابد من أن يرعى الأب ابنه في هذه الكليَّات الأربع التي يتألَّف منها الإسلام. أخطر سنٍ لتلقِّي العادات والمبادئ والقيم هو التعليم الابتدائي: قد يقول أحدكم: هذا كلام فأين الدليل ؟.. أي إنسان مهما علا شأنه فما قيمة كلامه إن لم يأتِ بالدليل القرآني أو النبوي؟ روى الحاكم عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: (( افتحوا على صبيانكم أوّل كلمةٍ بلا إله إلا الله )) لمجرد أن يولد المولود افتح عليه بكلمة لا إله إلا الله، وكلَّما تقدّم العلم اكتشف أن السِّن التي يلقن فيها الابن مبادئ الدين تناقصت.. كلما تطور العلم السِّن نزلت، حتى إنني عثرت على كتاب في علم النفس ألَّفه صديقٌ لي وأنا لا أتهمه بضعف الضبط في نقل أفكاره، فقد قرأت في كتابه شيئاً لا يصدَّق: أن الأمَّ التي تقرأ القرآن، يخرج ابنها من بطنها متعلقاً بالقرآن، وهو في بطن أمِّه، والله الموضوع معقّد وطويل وقرأته وأعجبت به، وذكرت بعض ما فيه في إحدى الخطب، والآن لا تحضرني التفاصيل، لكن لو أن الأمَّ حملت بابنها راضيةً، لكانت حركاته في بطنها من أعذب الحركات، ولو أنَّها حملته كرهاً، وكانت ترفض أن تحمله، وتتمنى أن تسقطه.. هذا الموقف الرافض ينعكس على الابن مشاكسةً وحركاتٍ مؤلمةً في بطنها، تلاوتها لكتاب الله تنعكس عليه، فقد كنت لا أصدِّق أن تربيةَ الابن تبدأ وهو في البطن.. شيء كان غائباً عني والأخ الكريم مؤلف الكتاب يؤكدُّ هذا ببحوث أجنبية، والذين اكتشفوا هذه البحوث ليسوا مسلمين ولا يعرفون كلام الله إطلاقاً، على كلٍّ: الذي أعرفه سابقاً من دراستي في التربية: أن أخطر سنٍ في تلقِّي العادات والتقاليد والمبادئ والقيم هو التعليم الابتدائي بل والحضانة. من طبق تعاليم النبي و أقام الصلاة و تلا القرآن جعل بيته جنة في الدنيا: حدثنا أحد إخواننا الدعاة أن له ابناً في إحدى دور الحضانة التي لها توجيه إسلامي جيِّد، ففي إحدى المرات استيقظوا من نومهم متأخرين وليس هناك متسع من الوقت لتناول الطعام، فصنع له شطيرة وقال له: يا بني كُلْها في الطريق. فنظر إليه ابنه وقال: يا أبت قال عليه الصلاة والسلام: (( الأكل في الطريق دناءة )) [ أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ] عمره أربع سنوات لقَّن أباه درساً لا ينسى، لاحظْ: الصغار إن علّمتهم تجدهم متمسكين بما تعلموا، مثلاً هناك تعليمات حول النظافة، تنظيف الأسنان، خلْع الثياب وطيِّها وتعليقها، فلو أن الأب والأم اعتنوا عناية بالغة في تلقين أولادهم هذه الأُصول لاستراحوا وأراحوا، فعندما يتكاسلون في تعليم أبنائهم الأشياء البديهيَّة في الحياة فالبيت ينشأ في فوضى لا نهاية لها، وعندئذٍ خذ منهم المشاكل طوال حياتهم، شيء غير معقول، فوضى. أما لو أن الأم والأب اعتنوا بتربية الأولاد وبتلقينهم العادات الصحيحة وبأصول وفن الحياة، فهذا شيء مريح جداً.. فالإسلام هو الحياة حقيقةً، البعض يظن أن الإسلام هو حياة ما بعد الموت.. الجنة تبدأ في الدنيا، كنت أقول لكم دائماً: في الدنيا جنَّةٌ من لم يدخلها لن يدخل جنة الآخرة، فالمؤمن بيته جنَّة، البيت جنَّة ولو كان صغيراً، أخشن الطعام، مع أخشن الأثاث مع أضيق المساحات، بالإيمان وبتطبيق تعاليم النبي العدنان وبإقامة الصلوات وبتلاوة القرآن.. هذا مما يجعل البيت جنَّة في الدنيا. على الأهل أن يلقنوا ابنهم مبادئ الدين منذ حداثة عمره: إذاً النبيّ عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نفتح على صبياننا أول كلمةٍ بلا إله إلا الله، أحياناً بعض إخواننا يضعون أولادهم في حضانة لها توجيه إسلامي، يأتي الطفل ويقرأ لك سورة مثلاً عمَّ يتساءلون مع الحركات الإيمائية، تجده يبادر إلى القراءة وإلى الصلاة فيمتلئ قلب الأب والأم بالسرور، فلو تابعنا هذه التربية بحيث ينشأ الطفل في رحاب القرآن وفي رحاب سنَّة النبي وعلى حبِّ النبي، فهذا شيءٌ لا يصدق، فأنا لا أعتقد أن هناك شيئاً يسعد الآباء كأن يكون الأبناء على ما يرضي الله عزَّ وجلَّ. كذلك لا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يؤذِّن في أذن المولود اليمنى، ويقيم الصلاة في أذنه اليسرى، أي كأنك تلقِّن هذا الطفل المولود حديثاً مبادئ الدين، الطفل عنده التقليد أغلب من العقل، المغرب العربي بأكمله عندهم أساس من أسس التربية.. أنّ الطفل لابدَّ من أن يحفظ القرآن، يحفظه في سِنيِّ حياته الأولى، فإذا ما كبرت سنُّه بدأ يعقل معانيه، لكن حفظ القرآن قوّم لسانه، أعطاه الآداب، ففي تدريس اللغة العربية يجب الإكثار من النصوص، ممارسة النصوص وقراءتها وتحليلها وشرحها، لا تقوى اللغة إلا بالنصوص، فهل بعد كتاب الله نص ؟!.. هكذا عُلِّمنا في الجامعة أن أعلى كلامٍ في اللغة العربيَّة كلام الله وبعده حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.. فعندما يحفظ الطفل ستمئة صفحة من كتاب الله غيباً، هذا الطفل إذا تكلَّم يتكلَّم بلغة قرآنية وهو لا يدري. العاقل من قام بتعليم ابنه و تأديبه دون تعنيف: إذا قرأ الإنسان قرآناً كثيراً، في حديثه اليومي مع أصدقائه في سهرة يقول لك في مناسبة ما: حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا (سورة محمد) هذه عبارة قرآنية، أو يقول لك في معرض آخر: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) (سورة آل عمران) هذه كذلك عبارة قرآنية، إذا دققنا في إنسان يقرأ القرآن بشكل مستمر، واستمعنا لحديثه العادي في بيته مع زوجته وأولاده، ومع أصدقائه، وفي سهراته، تجد أنّ أربعة أخماس عباراته قرآنية، فهل يوجد أفصح من كلام الله عزَّ وجل ؟ الشيء الثاني يا إخواننا الكرام يجب أن تعرِّفه بالحلال والحرام، تقول له: هذه حرام وهذه حلال، هذه قد نهى النبي عنها، هذا كذب، أو غش مثلاً، الطفل يجرِّب كلَّ شيء فإذا وجدت منه مخالفة فأدّبه وبدون تعنيف، فالنبي قال: ((علِّموا ولا تعنفوا فإنَّ المعلم خيرٌ من المعنف )) ( الجامع الصغير: عن أبي هريرة ) موضوع الحلال والحرام بالكلام والتصرفات مهم جداً عند تربية الولد: لكنّ الأب والأم في مراقبة دائمة، فإذا تكلم الابن بكلمة غير لائقة يجب التوجيه بنعومة، عاد مرة أخرى توجيه ثانٍ، ثمّ عاد مرةً ثالثة ؛ يجب أن يكون هناك شيء من العقاب. المرة الأولى توجيه، المرة الثانية توجيه مع تأنيب، مرتان ثم عقاب. فعندما ينتبه الأب لهذه الأمور تجد أن الطفل ليس عنده كلمةٌ غير لائقة أبداً، كنت في إحدى المرات في مدرسة ثانوية ولم يكن عندي دوام في هذا الوقت، وكان بعض الشباب الذين يعملون في حرفة الدهان يقومون بدهان المدرسة، فسمعت منهم كلاماً بذيئاً، شيئاً لا يعقل، فإذا كان الشاب غير مربى وتركْته يتكلم فيا لطيف.. الحجر يخجل من سماع ما قاله هؤلاء الشباب بينما إذا كان الابن مربَّى تجد منه الحياء والأدب والإحساس حتى لو تركته مع رفاقه. إذاً موضوع الحلال والحرام بالكلام وبالتصرفات مهم جداً، أحياناً تجد جلسةً غير أديبة، ويوجد جلسة فيها أدب، أحياناً ارتداء الثياب فيها أدب، أحياناً البعض يرتدي المعطف بدون أن يرتدي أكمامه هذا التصرف فيه كِبر، هناك جلسات أو حركات أو تصرفات كلها غير لائقة، فإن وجدت شيئاً من ذلك فعليك المراقبة والمتابعة وسؤال وجواب وتعليم.. هكذا قال النبي، وهكذا علمنا، وهذه من السنة وهذه خلاف السنة. من أولى واجبات الأب تجاه أولاده: 1 ـ أن يفتح عليهم بكلمة لا إله إلا الله: أيها الأخوة الكرام من أولى واجبات الأب تجاه أولاده، أن يفتح عليهم بكلمة لا إله إلا الله. 2 ـ أن يؤذن في أذنهم اليمنى و يقيم الصلاة في أذنهم اليسرى: والأذان في أذنهم اليمنى والإقامة في الأذن اليسرى. 3 ـ أن يعرف ولده بالحلال و الحرام: ثمّ تعريف الولد بالحلال والحرام. 4 ـ الأوامر التعبدية يؤمر بها الطفل تأديباً لا تكليفاً ويتابعه أبوه: طبعاً الصلاة والصوم والحجِّ والزكاة هذه أركان الإسلام.. لكنَّ الحج سابق لأوانه وهو على المستطيع بالطبع، وكذلك الصيام فقد يكون في سنٍ صغيرةٍ، لكن الصلاة هي الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال، فهل يا ترى الطفل في سن السابعة مكلفٌ بالصلاة ؟ نقول: نعم.. يوجد تكليف ويوجد تأديب، يؤمر بالصلاة تأديباً.. فمن المستحيل أن الطفل يلتزم بالصلاة فجأةً، مثلاً.. في الواحد والثلاثين من كانون الأول أصبح عمره ثلاث عشرة سنة تماماً.. إذاً في الأول من كانون الثاني يجب عليه أن يصلي فليس هذا معقولاً. يجب أن تأمره بالصلاة في السابعة، هذا الأمر أمر تأديبي وكذلك الصيام، وقد رأيت بالحجِّ أطفالاً صغاراً يرتدون ملابس الإحرام، وهذا شيء جميلٌ، فقد أخذهم أبوهم إلى الحجِّ وألبسهم ثياب الإحرام أثناء الطواف، فتعويد الطفل على الصلاة والصيام والحجِّ شيء مهم جداً.. بعض الإخوة يجعل ابنه يدفع صدقة ليدرِّبه على العطاء.. أعطِ فلاناً، يكلفه بدفع زكاة ماله على كلٍ الأوامر التعبدية كالصلاة والصيام والحجِّ يؤمر بها الطفل تأديباً لا تكليفاً ويتابعه أبوه. (( مُرُوا أَوْلادَكُمْ بِالصَّلاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ )) ( سنن أبي داود عن عمرو بن شعيب ) هذا توجيه النبيّ اللهم صلِّ عليه. تأديب الطفل على حبّ رسول الله بأن تعلِّمه شمائل النبيّ وأخلاقه السَّمحة ورحمته بالصغار: الآن كما قال عليه الصلاة والسلام: يجب أن يؤدَّبَ الطفلُ على حبِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى حبِّ آلِ بيته، وعلى تلاوة القرآن الكريم.. كيف يؤدَّب الطفل على حبِّ رسول الله ؟ كنت بالمسجد الحرام في بعض الحجج وكان بين المغرب والعشاء مجلس علم فجلست لأستمع، فقال المدرِّس هداه الله: إن إنساناً قتل ابنه من شدَّة حبِّه لرسول الله، لأنه رفض أن يأكل اليقطين وقد كان النبيُّ يحبُّ اليقطين، ليس بهذه الطريقة يحبُّ ابنك رسول الله، يحبه بأن تذكر له شمائله، ومحبته للصغار وكيف كان يسلِّم على الصبيان، كان إذا مشى في الطريق يقول: السلام عليكم يا صبيان. كيف كان عليه الصلاة والسلام يتحبَّبُ إلى الصغار، كيف أجاز أحد الصغار ليكون مع المجاهدين وردَّ الآخر، وحينما تألَّم الآخر دعاهم إلى أن يصطرعا أمامه، هذا اهتمام بالغ.. والحقيقة لا تنمو شخصيَّة الطفل إلا إذا احترمتَه وقدَّرتَ مشاعره واستمعت إلى شكواه. هناك معلمون إذا اشتكى له طالبٌ على زميله فيضرب الاثنين معاً.. الشاكي والمشكو أَرْيَح له !. فهذا خطأ كبير جداً، طفل قد علَّق الآمال عليك والتجأ لك وجعلك حَكَماً وقاضياً فتضربه بالإضافة إلى أنَّه مظلومٌ ؟ هذا الصغير صغيرٌ في نظر الناس ؛ ولكنه كبيرٌ عند الله، فهو من عباده الصغار، فالإصغاء للطفل، وأنا أتمنى ممن يأتي بابنه للمسجد أن يعتني به كثيراً أتمنى أن يكرَّم الطفل في المسجد إلى أعلى درجة، فإن وقف في الصَّف الأول فاتركه في أول صف، واجعله في مكانه، ولا يؤخِّرْ أحد طفلاً عن الصف الأوَّل، اجعله يشعر أن هذا البيت بيت الله وهو فيه مكرَّم.. فالتأديب على حب رسول الله أن تعلِّمه شمائل النبيّ وأخلاقه السَّمحة ورحمته بالصغار ونزوله إلى مستواهم.. وقوله عليه الصلاة والسلام: (( من كان له صبيٌّ فليتصابَ له )) المؤمن الحقيقي هو الذي يؤدب ابنه على حبِّ النبيّ وحبِّ آل بيته وتلاوة القرآن: الحديث الشريف: (( أدِّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبِّ نبيِّكم وحبِّ آلِ بيته وتلاوة القرآن فإنَّ حملة القرآن في ظلِّ عرش الله يوم لا ظلَّ إلا ظلَّه مع أنبيائه وأصفيائه )) (رواه الطبراني) آلِ بيته: إمَّا أنهم الذين من نسل النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وهم قلَّة بالطبع، أو كلُّ تقيٍ من آلِ البيت كما قال عليه الصلاة والسلام(شرحاً للحديث الشريف)، أيّ علِّمه الأدب مع العلماء، فإن رأى إنساناً كبيراً في السّن له مكانةٌ دينيةً علِّم ابنك أن يحترمه، أن يحبه، أن يتقرَّب منه، وأن هؤلاء العلماء منارات الهدى ومصابيحها. فأدِّبه على حبِّ النبيّ وحبِّ آل بيته وتلاوة القرآن، هذا النصِّ النبويّ.. فإنَّ حَمَلَةَ القرآن في ظلِّ عرش الله يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه مع أنبيائه وأصفيائه. الأساليب التربوية أساسها التشجيع والتكريم والدفع والاحترام: كنت أدرِّس في صف فعرض نص قرآني، فعندما درسنا النصّ الأول فالطلاب أشاروا إلى طالب وقالوا: يا أستاذ هذا يجوِّد القرآن. فقلت له: اقرأ. فوجدت أن القراءة رائعة جداً، ومنذ ذلك الوقت كان لهذا الطالب مكانةٌ عندي خاصَّة إكراماً لإتقانه قراءة القرآن، فشعر أن له مكانةً كبيرةً جداً لا لشيء إلا لأنَّه يتقن قراءة القرآن. إذا قرأ طالب القرآن فلا تضربْه، يجب أن يكون في حِرْز، فالقرآن كرَّمه، كرَّمه من أن يُضرب.. وقل له: لولا أنك تحفظ كتاب الله لضربتك، عرِّفه أنّ حفظ كلام الله حفظه من الضرب، فإن أخطأ وكان حافظاً جزءاً أو ثلاثة فتريَّثْ في معاقبته نظير حفظه لكتاب الله، فيشعر بأنَّه قام بعملٍ عظيم، فأكثر الأساليب التربوية أساسها التشجيع والتكريم والدفع والاحترام. على كل مؤمن أن يعلم أولاده سيرة النبي الكريم و سير أصحابه: طبعاً يتفرع عن تأديب الأولاد على ثلاث خصال كما قال عليه الصلاة والسلام: حبِّ نبيِّكم. يتفرَّع عن هذا أن تعلِّمه سيرة النبيّ، لذلك الصغير لو ألزمته بكتاب فقه يتململ، ألزمه بكتاب سيرة يُسَرُّ، فلا أرى موضوعاً أقرب إليهم من سيَر أصحاب رسول الله، لأنهم شباب كيف أحبوه ؟ وكيف آمنوا به ؟ وكيف قدموا له الغالي والرخيص ؟ وكيف استقاموا على أمر الله؟ و كيف أحبهم النّبي وكيف كرَّمهم ؟ فإن الموضوع الأوَّل للصغار هو السيرة.. سيرة النَّبي وسيرة أصحابه، أتمنى أن لا يخلو بيت من كتاب سيرة أو من كتاب سيَر الصحابة الكرام، فأحياناً الأب يجلس مع أولاده ويأخذ الكتاب ويقرأ لهم قصَّة.. ثماني صفحات في ساعة من الزمن، قرأ جملتين وعلَّق عليهما ووجَّههم حتى شعر أن هذا الموضوع قد استوعبوه، ألم يقل النّبي: أدِّبوا أولادكم على حبِّ نبيِّكم، كيف يحبُّ ابنك نبيَّه ؟ أن تعلِّمه سيرة النَّبي، وسيرة أصحابه، بالمناسبة سيرة أصحاب النَّبي فيها أيضاً سيرة النَّبي، فلا يوجد صحابي لم يتعامل مع النَّبي، فأغلب الظّن أن سيَر أصحاب رسول الله متضمِّنة لسيرة رسول الله بشكلٍ موسَّع أو مُقْتَضب. يقول سيِّدنا سعد بن أبي وقَّاص: " كنَّا نعلِّم أولادنا مغازي رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم كما نعلمهم السورة من القرآن الكريم ". القصَّة هي أحد الأساليب التربويَّة الناجحة: دقِّقوا في ذلك فكل أب الآن مكلَّف في أن يضع بين يدي أولاده كتاب سيرة وكتاباً لسيَر صحابة رسول الله، وإذا تمكَّن أن يلقي عليهم درساً أو يقرأ لهم قصة كل أسبوع، فالقصَّة ممتعةٌ جداً لا جهد فيها وحفظها سهل ولا ينسونها أبداً، فليلاحظ من يعطون الدروس للطلاب أن ثلاثة وتسعين بالمئة من جزئيَّات الدرس ينساها الطالب بعد حين، قالوا: بعد سبعة أيام.. ولا يبقى سوى سبعةٍ بالمئة مما قرؤوه، والآن ألقِ عليهم قصَّة ودَعْهم ستَّة أشهر ثم اسألهم عنها، فسيعيدونها كلمةً كلمةً ودقيقةً دقيقة.. والله عزَّ وجلّ قال: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) (سورة يوسف) الله جعل القصَّة أحد الأساليب التربويَّة الناجحة، لذلك فالأب مهما كانت ثقافته متدنِّية يمكنه أن يقرأ قصَّة لأولاده، أو إذا كان ابنه متفوقاً في القراءة يقول له: اقرأ لنا يا بنيّ عن سيدنا سعد. فقرأ الابن، وعلَّق الأب تعليقين أو ثلاثة، فإذا لم يجلس الأب مع أولاده في الجمعة ساعة من الزمن فهذه مشكلة ! فأجمل موضوع وأقرب موضوع وأسهل موضوع وأمتع موضوع هو سيَر صحابة رسول الله، هكذا وجَّهنا النَّبي قال: (( أدِّبوا أولادكم على ثلاث خصال حبِّ نبيِّكم وحبِّ آلِ بيته وتلاوة القرآن )) الموضوعات الأساسية للطفل هي الصلاة و السيرة و التلاوة: إن صعب عليك أن تدرِّس السيرة، فيوجد لدينا أكثر من سبعين شريطاً مسجَّلة عليهم سيرة رسول الله وصحابته، فأسمِعْهم شريطاً في كل سهرة أو في كل أسبوع، قل لهم: تعالوا نستمع عن سيدنا أسامة بن زيد، فإمّا أن تتلو عليهم أنت سيرة صحابيِّ جليل أو أسمعْهم سيرة صحابيّ، أي اجلس معهم في الأسبوع ساعة من الزمن واسمع منهم، اسمع تعليقاتهم، اسمع قراءتهم، هل القراءة صحيحة ؟ أنت اقرأ لهم، اسمعوا شريطاً، فلابدَّ من جلسة لله مع أولادك وإلا أصبح البيت قطعة من الجحيم. إذاً التوجيه الثاني: أدِّبوا أولادكم على حبِّ نبيكم وحبِّ آلِ بيته. أي الرسول وآل بيته وصحابته والعلماء والدعاة والشيوخ إلى يوم القيامة، أي الذين يمثلون هذا الدين، وتلاوة القرآن: إذا أردت أن تدرِّس الصغار فلتدرسهم تلاوة القرآن وتحفيظه وتسميعه والسيَر والصلاة هذه الموضوعات الأساسية للطفل، صلاة وسيرة وتلاوة. سيدنا سعد يقول: " كنا نعلم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلِّمهم السورة من القرآن ". تعليم القرآن هو أساس التعليم لأنه يؤدّي إلى تثبيت العقيدة ورسوخ الإيمان: الإمام الغزالي يوصي في إحيائه بتعليم القرآن للأطفال وتحفيظه، وأوضّحُ أنّ تعليم القرآن هو أساس التعليم في جميع المناهج الدراسيَّة في مختلف البلاد الإسلامية، لأنَّه شعارٌ من شعائر الدين يؤدّي إلى تثبيت العقيدة ورسوخ الإيمان. لاحظ أنَّ السور التي قرأتَها وحفظتَها في سنٍ مبكِّرة لا تزال حتّى الآن تحفظها، لأن العلم في الصغر كالنقش في الحجر، والعلم في الكبر كالكتابة على الماء، إن سَمع خطبة يقول: ما شاء الله. وإن سألته: ماذا قال الخطيب ؟ يقول: والله لا أتذكَّر شيئاً منها. والعلم في الكبر كالكتابة على الماء، لا يتذكر كلمة واحدة أو حرفاً منها، لكن الخطبة كانت ناجحةً جداً هكذا يقول. ابن سينا نصح في كتابه السياسة، بالبدء بتعليم الطفل القرآن الكريم بمجرَّد استعداده جسمياً وعقلياً لهذا التعليم. كانت تجري مسابقات لحفَّاظ القرآن الكريم، فمرّة كان أصغر طفل حافظاً خمسة أجزاء، وطوله يبلغ ستين سنتيمتراً، أوقفوه على الكرسي ليتسلَّم الجائزة من وزير الأوقاف، وبالطبع لا يقرأ ولا يكتب وقدموا له حلوى هدية، وطفل عمره تسع سنوات حافظاً للقرآن بكامله، شيء رائع جداً.. طفل يحفظ القرآن بكامله هل هي قضيَّة سهلة ؟ هذا طفل يجب أن يكرَّم. لابد لكل طفل من مثل أعلى و المثل الأعلى له هو النبي الكريم: يروى أنَّ الفضل بن زيد رأى مرَّة ابن امرأة من الأعراب أُعجب بمنظره، فسألها عنه ؟ فقالت: " إذا أتمَّ خمسَ سنوات أسلَمته إلى المؤدِّب فحفِظَ القرآن فتلاه، وعلَّمه الشعر فرواه، ورُغِّب في مفاخر قومه، ولُقِّن مآثر آبائه وأجداده، فلمَّا بلغ الحُلم حملته على أعناق الخيل فتمرَّس وتفرَّس ولبس السلاح، ومشى بين بيوت الحيّ وأصغى إلى صوت الصَّارخ " (من باب المروءة) هذه أعرابية هكذا تعلِّم ابنها، هذه تربية أعرابية من البادية، الآن يتعلَّم ويعرف أسماء الفنَّانات والفنَّانين ولاعبي الكرة، وكل الأخبار غير الحسنة يحفظها عن ظهر قلب. حديث دقيق جداً يا إخواننا الكرام: أدِّبوا أولادكم على حبِّ نبيِّكم، معنى ذلك أن الطفل لابدَّ له من مَثَلٍ أعلى، يحتاج إلى مُثُل، فالنبيّ هو المثل الأعلى وصحابته والعلماء و التّابعون، والأبطال والأشخاص الأفذاذ هؤلاء اقرأ له في سيرتهم، والقرآن الكريم، يَنْمُ وتَقوَ لغته ويستقِم لسانه. كل مولود يولد على الفطرة: إخواننا الكرام: الطفل على الفطرة: (( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ كَمَثَلِ الْبَهِيمَةِ تُنْتَجُ الْبَهِيمَةَ هَلْ تَرَى فِيهَا جَدْعَاءَ )) [ أخرجه البخاري عن أبي هريرة] أي أن بُنْيته النفسيَّة متوافقة مع الشرع مئة بالمئة، فهناك آباء يحافظون على هذه الفطرة ويرقَون بها إلى الصبغة، وهناك آباء يشوِّهون هذه الفطرة، وهم في حقِّ أولادهم -والله- مجرمون، كلُّ مولودٍ يولد على الفطرة، فأبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه، ولكن لم يقل يُسْلمانه لماذا ؟! لأنه في الأصل مسلم هو على الفطرة، لأنَّ الفطرة دين الله: فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) (سورة الروم) الأب مسؤول عن كلِّ حركات ابنه وسكناته قبلَ سنِّ البلوغ: يقول الإمام الغزالي: " الصبيُّ أمانةٌ عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرةٌ نفيسة، فإن عُوِّد الخير وعُلِّمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وإن عُوِّد الشرَّ وأُهمل إهمال البهائم شقيَ وهلك وصيانته بأن يؤدِّبه وأن يهذِّبه وأن يعلِّمه محاسن الأخلاق ". ألا تستمعون لأطفال في الطرقات يتكلمون بكلمات من الوقاحة والبذاءة بحيث إن الإنسان يكاد يخرج من جلده منه، أين أبوه هذا ؟ أبوه قد شوَّهه، ألقاه في الطريق وسمح له أن يجالس رفقاء السوء فشوَّهه. إذاً فمهمتنا كيف تَسَلَّمنا هذا الطفل ؟ تسلَّمناه على الفطرة، فمهمَّة الأبِ بادئ ذي بدء أن يحافظ على فطرته، إذا كان عالماً يرقى بها إلى الصِّبغة، قال تعالى: صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) (سورة البقرة ) الفطرة صفحةٌ بيضاء لكنَّ الصبغة كمالٌ في كمال، لذلك فالأب الذي يرسل ابنه إلى مدارس أجنبية، أو إلى مدارس ليست على ما يرضي الله عزَّ وجلَّ، أو يسمح لابنه مثلاً بأن يذهب إلى بلاد بعيدة وهذه البلاد لا تعرف الله أبداً، فسينشأُ نشأةً سيِّئة وسيتربى تربية سيِّئة، فلذلك الأب مسؤول عن كلِّ حركات ابنه وسكناته قبلَ سنِّ البلوغ، سيتحاسب حساباً شديداً، الأُبوَّة مسؤوليَّة والأُبوَّة أمانة، هذا الطفل أمانةٌ عند والديه. من أنشأ ابنه على العمل بوقت مبكر سيبارك الله له و من أهمل ابنه فسيدفع الثمن باهظاً: في إحدى المرَّات شخص له عندي قضية فقلت له: متى نلتقي ؟ فقال لي أنا موجود باكراً. قلت له الساعة التاسعة مثلاً. قال: لا، الساعة السادسة أكون بمكتبي. فسألته عن السبب. فقال لي: إنَّ والدي عندما كان عمري خمس أو ست سنوات كان يوقظني يومياً لأُصلِّي الفجر معه في المسجد، فذهبت معي عادةً إلى الآن.. يستيقظ قبل الفجر ويصلّي ويجلس ليعمل، (بورك لأُمَّتي في بكورها)، عمره الآن ستون سنة. يحضر إلى مكتبه الساعة السادسة صباحاً، والناس كلها تأتي لأعمالها ما بين الساعة تسعة إلى الساعة الثانية عشرة، هذه من آثار تربية والده، فإذا نشَّأْتَ ابنك على العمل بوقت مبكر، فهكذا ينشأ.. على الصلاة في المسجد، على صلاة الفجر، وإذا وجد إهمالاً يدفع الإنسان الثمن باهظاً. الإنسان مادام قلبه ينبض فهو قادر على تصحيح كل تقصير في حياته: لا تنسوا أنَّ أخطر موضوع في حياة الإنسان هو: تربية الأولاد، وأنَّ المنهج الدينيّ وأنّ القرآن والسُّنة فيه من التوجيهات الدقيقة ما يعجب لها الإنسان، هل في ديننا هذه الدرجة من التوجيهات ؟! نعم، وإن شاء الله سأستعرضها كلَّها في هذه الدروس، قد نبقى مع هذا الموضوع عدَّة دروس، أو قد يكون عدَّة أشهر مع هذا الموضوع، وهو يهمُّ كلّ أب وكلّ شاب على أبواب الزواج حتى يربي أولاده، وإذا حضر معنا طفلٌ صغير فيرى نعمة ربَّه، يرى هل يا ترى يتربى تربية صحيحة، حتى يربِّي أولاده في الكبر تربية صحيحة ؟ على كلٍ أرجو أن تكون هذه الدروس منطلقاً لنا جميعاً لتربية أولادنا، وإن وجد إنسان مقصِّر سابقاً فمن الآن نحن نبدأ، وإن وُجِد تقصيرٌ من الآن يصحَّح ما دام القلب ينبض، فما دمنا أحياء فنحن في فسحةٍ. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#3 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : ( الثالث ) الموضوع :التربية الخلقية ( 1 ) ظاهرة الكذب الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الإيمان حسن الخلق: أيها الأخوة الكرام مع الدرس الثالث من دروس تربية الأولاد في الإسلام، في الدرس الماضي تحدَّثنا عن التربية الإيمانيَّة، وكيف أنَّ الأبَ المسلم عليه أن ينشئ أولاده تنشئة إيمانيَّة وذكرت لكم قصصاً ونصوصاً من الكتاب والسنَّة، تؤكِّد هذا التكليف للآباء، وبيَّنتُ أيضاً أن الأُبوَّة مسؤوليَّةٌ كبيرة، وهاأنذا اليوم أنتقل إلى موضوع التربيَّة الخلُقيَّة. أيُّها الأخوة الكرام.. الإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام: (( الإيمان حسنُ الخلُق )) لمجرَّد أن تلغيَ الأخلاق من الدين لم يبقَ من الدين شيء، فالإيمان حسن الخلق، وهناك أحاديث كثيرة جداً وصحيحة وقد أجمع عليها علماء الأحاديث، بل إنَّ أكثرها مما اتَّفق عليه الشيخان، هذه الأحاديث تؤكِّد أنَّ حسن الخلق هو أعظم ما في الإيمان، وأعظم ما في الإسلام، وأنَّه إذا ذهب ذهب كلُّ شيء. كل أب مسلم عليه أن يغرس في نفس ابنه مجموعة قيم أخلاقية: الحقيقة فضلاً عن أنَّ الأَب المسلم يربّي ابنه كما قلت في الدرس الماضي على الإيمان بالله والإيمان برسوله وكتبه وباليوم الآخر، وعلى إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، ويربِّي ابنه على حبِّ نبيِّه وعلى تلاوة القرآن، فضلاً عن كلِّ ذلك، هناك مجموعة قِيَم خلقيَّة لا بدَّ من أن ينتبه الأبُ إلى غرسها في نفس ابنه، لذلك أروي لكم هذه القصَّة ولعلَّها مفيدةٌ جداً: قال سهل بن عبد الله التُستُريّ: كنت ابن ثلاث سنين أقوم بالليل، فأنظُر إلى صلاة خالي محمد بن سِوار، فقال لي يوماً: ألا تذكر الله الذي خلقك، قلت: كيف أذكره ؟ قال قل بقلبك عند تقلُّبك في فراشك ثلاث مرَّاتٍ من غير أن تحرِّك به لسانك: الله معي، الله ناظرٌ إلي، الله شاهدي. فقلت ذلك ليالَي ثمَّ أعلْمته، فقال: قل في كلِّ ليلة سبعَ مرَّات. فقلت ذلك ثمَّ أعلْمته، فقال: قل ذلك في كلّ ليلة إحدى عشرة مرَّة، فقلته.. ففي الليلة الثالثة قال: وقع في قلبي حلاوة الذكر، وقع في قلبي حلاوته فلمَّا كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علَّمتك ودُم عليه إلى أن تدخل القبر فإنَّه ينفعك في الدنيا والآخرة. قال: فلم أزل على ذلك سنين فوجدّت لذلك حلاوة في سرِّي، ثمَّ قال لي خالي يوماً: يا سهل، من كان الله معه، ومن كان الله ناظراً إليه، ومن كان الله شاهده أيعصيه ؟! إيَّاك والمعصية. وبهذا التوجيه السديد والترويض المستمر، والتربية الإيمانيَّة الحقَّة، أصبح سهل رحمه الله من كبار العارفين، ومن رجال الله الصالحين، بفضل خاله الَّذي أدَّبه وعلَّمه وربَّاه. الحياة لا تصلح إلا بالإيمان: كثيراً ما نشاهد أشخاصاً متدينين صالحين جدَّاً يقول لك أحدهم: الفضل لعمِّي، الفضل لخالي، الفضل لوالدي، الفضل لعمَّتي، الفضل لوالدتي، شيء لا يقدَّر بثمن أن يلهمك الله تربية طفل صغير، ابناً كان أو غير ابن.. فهذا أصبح من كبار العارفين بهذا التوجيه اللطيف: الله معي، الله ناظر إلي، الله شاهدي. اكتفى منه أولَ الأمر أن يقولها وهو في الفراش، ثمَّ رفع العدد إلى أن أصبحت هذه الكلمة كلمة ثابتة في حياة هذا الغلام، فلمَّا نشأ عليها قال: من كان الله معه، ومن كان الله ناظراً إليه، ومن كان الله شاهده أيعصيه ؟! قال: لا.. قال: إيَّاك أن تعصيه. على كلٍ هناك نقطة مهمة جداً.. أنّ الحياة لا تصلح إلا بالإيمان، أحياناً الإنسان يشعر أنَّ هناك قيوداً تقيِّده، أي إذا كان الإيمان قيداً، والاستقامة قيداً، أنت قيِّدت بهذا القيد لكنَّ الله عزَّ وجلَّ من أجلك قيَّد لك مليار إنسان، ما هو السِّر أنَّك إذا تعاملت مع مؤمن فأنت مرتاح لا تخاف ؟ لا تخاف أن يغشَّك، أو أن يكذب عليك، أو أن يخونك، أو أن يأخذ ما ليس له منك، هذه الطمأنينة دخلت عليك لأنك مقيَّد، ولأن الله عزَّ وجلَّ قيَّد مليار إنسان من أجلك، وحياتنا لا تستقيم إلا بهذه الطريقة، تتعامل مع الناس جميعاً، هؤلاء الذين تتعامل معهم إن كانوا مؤمنين فهم مقيَّدون مثلك، يخافون الله، لا يأخذون ما ليس لهم، يخافون أن يكذبوا، أو أن يغشّوا، أو أن يحيفوا على أحد، فكما أنت مقيَّد هم مقيَّدون من أجلك. سعادة الإنسان في الحياة الدنيا مرتبطة بعلاقته بمن حوله: لذلك يقول أحد الأُدباء الغربيِّين: لمَ تشكِكون في الله، ولولاه لخانتني زوجتي، ولولاه لسرقني خادمي، أحد أسباب سعادتك في الحياة الدنيا أنَّ هؤلاء الذين تعيش معهم وترتاح إليهم وتطمئن إلى علاقتك بهم الإيمان قيَّدهم، و خوْفهم من الله جعلهم يستقيمون في تعاملهم معك، فأنت قيَّدت نفسك لكنَّ الله عزَّ وجلَّ قيَّد لك كلّ المسلمين، فهم مقيَّدون من أجلك. لا وجود للأخلاق دون اعتقادات ثلاثة: 1 ـ وجود الله: يقول بعض الفلاسفة أيضاً: إنَّه لا وجود للأخلاق دون اعتقادات ثلاثة ـ كلمة دقيقة جداً كنت أقولها كثيراً من قبل ـ لا وجود للأخلاق دون اعتقادات ثلاثة: وجود الله. 2 ـ خلود الروح بعد الموت: وخلود الروح بعد الموت (أي النفوس). 3 ـ الحساب بعد الموت: والحساب بعد الموت. أي إن الله موجود، وهناك حياة أبديَّة وفيها سيحاسب الإنسان عن كلِّ ما اقترفت يداه. إذا أيقنت أن الله موجود، ويعلم، وسيحاسب، وهناك حياةٌ بعد الحياة، لا بدَّ من أن تستقيم على أمره، ولا بدَّ من أن تكون أخلاقياً. لا وجود للأخلاق دون إيمانٍ بوجود الخالق و بأبديَّة الحياة و علم الله: الأخلاق في بعض تعاريفها: هي عملية خوف أولاً (انضباط) بعد حين تنقلب إلى عمليَّة متعة، عندما يألف الإنسان الأخلاق لا يستطيع أن يحيد عنها. وهذا من عظمة الله عزَّ وجلَّ، الشيء في أوله صعب، لكن بعد حين يصبح جزءاً من كيانك، فدائماً الصعوبة تكون في أول الأوامر فقط، في التمرُّس بها، لكن بعد حين تغدو متعة لك، المؤمن بعد حين قضيَّة الجهاد انتهت بالنسبة له، أن يجاهد نفسه وهواها، أن يبذل جهوداً كبيرة ليغضَّ من بصره ولضبط لسانه فلا، أصبحت استقامة لسانه وجوارحه جزءاً من كيانه وهذا معنى قول الله عزَّ وجلَّ. وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) (سورة البقرة) أنت بالصبر تكفُّ شهوتك عمَّا حرَّم الله، لكنَّك بالصلاة ترقى إلى مستوى الشرع، عندئذٍ لو سمح لك أن تفعل ما كان منهياً عنه لا تفعل، الإنسان أحياناً يمتنع عن المعاصي خوفاً، ولكن بعد حين يمتنع عنها اشمئزازاً، وهذه علامة طيِّبة في الإنسان. فهذا الفيلسوف يقول: لا وجود للأخلاق دون إيمانٍ بوجود الخالق، وإيمان بأبديَّة الحياة، وإيمان بعلم الله (أنه يعلم )، وبالجزاء الأبديّ. رأى علماء النفس أن هناك أربعة نماذج للأشخاص هي: 1 ـ النموذج العصبي: أيُّها الأخوة... أحياناً يتلفَّظ الإنسان بكلمات لها معنى دقيق، يقول لك: فلان لو لم يكن مؤمناً مع هذا الذكاء وتلك الحيوية لكان مجرماً، لكنَّ الإيمان سما به فِعلاً، بعض الأشخاص عندهم مزاج عصبي، والبعض مزاجهم شهواني، وأشخاص عندهم مزاج شيطاني، والبعض عندهم تلبُّد، هذا بعض آراء علماء النفس بوجود أربعة نماذج: نموذج عصبي، وآخر شهواني، ونموذج شيطاني، والنموذج الرابع خامل مسالم، فالإنسان دون إيمان يمكن أن يكون من النموذج العصبي وهذا يميل للسيطرة والاستعلاء والقهر، الإيمان يقيده، ويسمو به، مع وجود هذا النموذج أو هذا الميل الجارف للسيطرة والتنكيل بالآخرين والاعتداد بالقوَّة، ونشوة الظفر.. هذا نموذج وهو دون الإيمان مخيف، وكلُّكم يرى بأمِّ عينه ماذا يجري في العالم، فمن علامات قيام الساعة أنَّه موتٌ كعقاص الغنم، لا يدري القاتل لمَ يُقتل، ولا يدري المقتول فيمَ قُتل. لم يرتكب جريمة، يقولون لك: مئات القتلى ومئات الجرحى، الجثث في الطرقات بعضها فوق بعض، فلماذا القتل ؟! هذا نموذج فيه عصاب وبالطبع دون إيمان. 2 ـ النموذج الشهواني: وهناك نموذج شهواني ينغمس في الشهوات المحرَّمة إلى قمَّة رأسه، أي يصبح زيراً للنساء، وأشد انحرافاً من الزنى (خمور على نساء على مخدرات على) والعياذ بالله. 3 ـ النموذج الشيطاني: وهناك نموذج آخر شيطاني، أي إذا أوقع الأذى بالناس يشعر بالنشوة، إيقاع الأذى، التفريق بين الأحبَّة، إثارة المشكلات، إفساد العلاقات،لا يوجد مكاسب من ورائها، هذا نموذج شيطاني. 4 ـ النموذج البليد: وهناك نموذج بليد وجوده كغيبته لا يقدم ولا يؤخِّر، لا يحرِّك ساكناً، لا أحد يعرفه إذا وجد ولا إذا غاب، هذا نموذج. المؤمن الحقيقي هو كل إنسان يؤْثِرُك على نفسه و يهتم بك: هذه النماذج الأربعة دون إيمان مخيفة الأول ميِّت كحيّ، والثاني مجرم، والثالث ينغمس في وحول الشهوات إلى قمَّة رأسه، والرابع مؤذٍ، أمَّا الإيمان ـ فيا الله ـ يصبح الإنسان كتلة من الخير، كتلة عطاء، المؤمن إن صاحبته تنتفع به، إن ماشيته تنتفع به، وإن أصغيت إليه أو عاملته تنتفع به، إن جاورته تنتفع به، سيدنا أبو حنيفة له جار مغنٍ، وقد أوقع به أشدَّ الأذى وكان يغني طوال الليل ولا ينام ويقول: أضاعوني وأيَّ فتىً أضاعوا ليوم كريهةٍ وطعان خلس وسَداد ثَغرٍ. وقع هذا المغني في قبضة الشرطة، فذهب سيدنا أبو حنيفة النعمان بذاته إلى المحتسِب ليشفع له، لأنَّه جار وله حقّ عليه فلمَّا عاد معه إلى البيت (وقد أكبر المُحتسب وهو مدير للشرطة مجيء أبي حنيفة ودخوله عليه فأطلق سراح كلّ من اعتقل إكراماً له ) وفي الطريق قال له: يا فتى هل أضعناك ؟! تقول طوال الليالي أضاعوني وأيّ فتىً أضاعوا.. هل أضعناك يا فتى؟ هذا هو المؤمن، بعيداً عن التعريفات الدقيقة للمؤمن، المؤمن إنسان محبوب كيفما تعاملتَ معه، تعامل تجاري، تعامل سكني، جوار، تعامل في السفر، أصغيت له، حدَّثته.. إن حدَّثته يصغ ِلك، يهتمّ بك، إن أصغيت له تنتفع بعلمه، إن ماشيته تربح لأنه يؤْثِرُك على نفسه دائماً هذا هو الإيمان. الإنسان من دون إيمان يميل إلى السيطرة و الاستعلاء و القهر: لذلك دون إيمان هناك نماذج موجودة في المجتمع وهذا شيء معروف، وكل عصر وكل مكان وكل زمان وكل حيّ يوجد شخص غارق في الزنى إلى قمَّة رأسه، وبالخمور وبالمخدرات، وبالانحراف الجنسي، وهناك شخص هدفه الأوَّل السيطرة والاستعلاء والقهر وإخضاع الناس له هذه شهوته، وشخص آخر هدفه الإيقاع بين الناس أي إيقاع الشقاق والعداوة بين الناس، ينقل كلاماً من جهة لجهة، دائماً يتشفَّى بإفساد ذات البين، وشخص بليد لا يقدِّم ولا يؤخِّر. الدين خلق و عطاء و تسامح و ذوق: أمَّا عندما تدخل إلى عالم الإيمان فهذه النماذج غير موجودة، هناك نموذج موحَّد، إنسان عقله نامٍ وإدراكه عميق وشعوره دقيق ونفسه عامرة بالإيمان، وسلوكه منضبط بالإسلام، أساس حياته العطاء، والدعوةُ إلى الله عزَّ وجلَّ، بنى حياته على العمل الصالح.. هذا الإيمان. إخواننا الكرام... لمجرَّد أن تُلغي الأخلاق من الدين ألغيتَ الدين كلُّه، الدين كلُّه خلق، الدين كلُّه فهم وذوق وعطاء وتسامح، هذا الذي تسمعونه من خلافات دينيَّة في العالم وقتل.. هذا ليس من الدين في شيء. أعظم عطاء يعطيه الإنسان لابنه هو الأدب الحسن: الآن إلى بعض النصوص التي تؤكِّد التربية الخلُقيَّة، الدرس الماضي كنَّا بالتربية الإيمانيَّة الآن بالتربيَّة الخلقيَّة: (( مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ)) (رواه الترمذي عن أيوب بن موسى) العوام يقولون: المُرَبَّى غالي.. الطفل المربى عنده حياء، كلماته كلُّها مضبوطة، الإنسان لو مشى في أحد الأزقَّة وسمع كلام الأطفال غير المهذبين.. والله يتكلمون بكلامٍ الحائطُ يخجَل منه، الحجر يخجل وليس الأشخاص، إذا مرت بالطريق امرأة مثلاً أو معها بناتها، أو شاب مهذَّب يسمعون كلاماً الإنسان يستحي أن يتذكَّره، لذلك أعظم عطاء تعطيه لابنك الأدب الحسن، الطفل الأديب لا يقدَّر بثمن، ولكنَّه محصِّلة جهود جبَّارة بذلها أبوه في تربيَّته، محصلة ملاحظة ومتابعة ومحاسبة مستمرَّة، محصِّلة اهتمام وعناية. (( مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ)) نحل بمعنى أعطى، إذاً أعظم عطاء تعطيه إلى ابنك أن تؤدبه الأدب الحسن، لماذا ارتقى النبيُّ إلى سدرة المنتهى ؟ ولماذا كان قمَّة البشر ؟، قالت له: ما هذا الأدب !! قال: أدَّبني ربِّي فأحسن تأديبي. موقف سيدنا يوسف من إخوته موقف يَنِمُ عن خلق حسن: كلكم تعرفون ذلك عن سيدنا يوسف عندما دخل السجن وأُلقي في الجبَّ أيهما أخطر ؟ الجب طبعاً، فالسجن فيه طعام، أمَّا الجُبُّ فيه موت، فلمَّا خرج من السجن وأصبح عزيز مصر واستقبل إخوته الذين تآمروا عليه وألقوه في غيابة الجب وذكر فضلَ الله عليه ماذا قال ؟ قال: وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) ( سورة يوسف ) لماذا لم يذكر الجب، قيل: لئلا يذكِّر إخوته بجريمتهم، وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن، لم يذكر الجبُّ أبداً، والأغربُ من ذلك لم يعزُ الخطيئة إليهم. قال ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾ أي إننا لم نفعل شيئاً ولكنَّ الشيطان دخل بيننا، والأمر ليس كذلك.. فهم ائتمروا عليه ﴿ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾ ما هذا الأدب !! النبيِّ الكريم مرة قال له (وأعتقد أبو سفيان القائل) يا ابن أخي ما أعقلك، ما أكرمك، ما أحكمك، ما أوصلك. التربية لابدَّ لها من طول نَفَس لأن المعلم أفضل من المعنف: ما هذا الكرم وما هذا الأدب وما هذا الوفاء وما هذا البر !!.. قال له: ما أعقلك وما أرحمك وما أحكمك وما أوصلك. مازلنا مع كلام رسول الله والنبيُّ عليه الصلاة والسلام لا ينطقُ عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى. ولا تنسَوا قول سيدنا سعد بن أبي وقَّاص: " ثلاثةٌ أنا فيهنَّ رجل وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس، واحدة منها: ما سمعتُ حديثاً من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إلا علمت أنَّه حقٌ من الله تعالى. (( أَكْرِمُوا أَوْلاَدَكُمْ، وَأَحْسِنُوا أَدَبَهُمْ )) ( مسند ابن ماجة: عن الحارث بن النعمان ) كل كلمة حاسبْه عليها ووجهْه إليها.. هكذا خطأ، هذه حرام، وهذه يتكلَّم الناس عليك. التربية لابدَّ لها من طول نَفَس، فالرجل الذي نفسه قصير مشكلته كبيرة لأنه يربِّي بالضرب، قال عليه الصلاة والسلام: (( علِّموا ولا تُعنِّفوا فإنَّ المعلِّمُ خيرٌ من المعنِفَ )) ( الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " ) النتائج الإيجابيَّة الطيِّبة التي يجنيها المعلِّم أروَع بكثير من التي يجنيها المعنِّف، هذا الذي يستخدم الضرب في كلِّ أمر من أمور التربية، هذا ليسَ معلِّماً بل معنِّفاً، والمعنِّف لا يحبُّه النبيّ عليه الصلاة والسلام، لأنه لا يكون الرفق في شيءٍ إلا زانه، ولا ينزع من شيءٍ إلا شانه. من حق الولد على والده أن يحسن أدبه و يحسن اختيار اسمه: حديث ثالث.. وأخرج عبدُّ الرزَّاق وسعيد بن منصور وغيرهما من حديث عليٍّ رضيَ الله عنه: " علِّموا أولادَكم وأهليكم الخيّرَ وأدِّبوهم "، الخيّرَ هو: الإيمان والطاعة لله، ففي هذا الحديث إشارة إلى التربية الإيمانيَّة والتربية الخلُقيَّة في آنٍ واحد. (( من حقِّ الولَدِ على الوالدِ أن يُحسِنَ أدبه وأن يُحسِنَ اسمَه )) (أخرجه البيهقيّ عن ابن عبّاسٍ) ما أسماك أبوك ؟ قال له: زعيتر. ما هذا الاسم ؟! توجد أسماء لطيفةٌ جداً، أسماء دينيَّة وأسماء أخلاقيَّة، مثل: كامل، سعيد، حسام اسم فيه شجاعة، فعلى الأب أن يعتني بأسماء أولاده لأنَّ هذا الاسم سيكون متداولاً.. أعرف صديقاً لي اسمه: عدوان، وآخر اسمه: حرب. (( كُلُّ غُلامٍ مُرْتَهَنٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُمَاطُ عَنْهُ الأذَى وَيُسَمَّى )) ( مسند أحمد عَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ ) (( الغلامُ يُعَقُّ (أي تذبح له العقيقة) في اليوم السابع، ويُسمَّى، ويُماط عنه الأذى، فإذا بلغ ستَّ سنين أُدِّب، وإذا بلغ تسعَ سنين عُزل عن فِراشه، فإذا بلغ ثلاثَ عشَرَة سنة ضُرِبَ على الصلاة والصوم، فإذا بلَغَ ستَّ عشرة زوَّجه أبوه، ثمَّ أَخذَ بيده وقال: قد أَدَّبتُكَ وعلَّمتُك وأنكحتُك أعوذ بالله من فتنتِكَ في الدنيا وعذابك في الآخرة )) (رواه ابن حِبَّان عن أنسٍ) هذا توجيه النبيِّ في السنة السادسة يؤدَّب أي إن الطفل إذا دخلَ التعليم الابتدائي يحاسب على كل كلمة، وعلى كل هفوة، وعلى كل نظرة، يحاسب على شيء ليس مِلكه في حوزته، يحاسب عن كلِّ انحراف. أعظم الأعمال الصالحة تسهيل الزواج و تيسير البيوت و الحاجات الأساسية: الزوج الآن يتكلَّف مليونين من الليرات على الأقل، وأتمنى من إخواننا الذين أعطاهم الله عزَّ وجلَّ شيئاً من الدنيا أن يزوِّجوا أبناءهم وبناتهم، وقد أِلف إخواننا أن الابن يزوجوه، أمّا الابنة لا تتزوَّج حتى يأتي لها خاطب يخطبها، وأنت إن كنت ميسور الحال إن أمَّنتَ لها بيتاً يأتِ لها ألف خاطب، فانتقِ منهم المتديِّن، فلماذا العناية فقط بالأولاد الذكور ؟! هيِّئ لابنتك أيضاً بيتاً فلَكَ أجرٌ كبير، الآن الوضع صعب للغاية، فإن هيَّأت بيتاً متواضعاً ولا أقول لك بيتاً فخماً، ولو قلت: أريد شاباً مؤمناً سيأتي لك مئة.. فالبيت مشكلة وحجر عثرة أمام الزواج، والله تعالى قال: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (32) (سورة النور) ﴿ أنكحوا الأيامى منكم﴾ هذا أمر، ولا أتصور الآن عملاً في زمن الفساد والفتن والانحراف، في زمن كل شيء فيه يدعو إلى الشهوة، الطرقات وكل شيء وفهمكم كفاية.. يدعو ويثير الفتنة، فلا أعظم من تزويج الشباب المؤمنين من الفتيات المؤمنات في هذا الزمان، لذلك تسهيل الزواج، تيسير البيوت والحاجات الأساسيَّة، فكل هذا من الأعمال الصالحة فقد قال الله عزَّ وجلّ: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) (سورة المائدة) أفضل شفاعة أن تشفع بين اثنين في نكاح: أفضل شفاعة أن تشفع بين اثنين في نكاح، هذه أفضل شفاعة، فإن كان الأب قد يسّرَ الله تعالى له أموره، فليهيِّئ بيتاً ولو صغيراً لابنته، ولو كان البيت في ظاهر دمشق أو ريفها، فستجد شاباً دخْلُه أربعة آلاف أو خمسة آلاف، ومع هذا البيت تسير الأمور، فإن سكن في بيت وكان له مأوى وتأمَّن طعامه فالله يتولَّى الباقي، وهذه تسمَّى إقلاعاً.. لعلَّ الله يغنيه ولو بعد حين ويغيِّر البيت ويأتي إلى دمشق.. ولعله بعد حين يحقِق للابنة ما تتمنى من المباحات، ولكن عليك أنت أولاً أن تجعله يقنع، بغرفةٍ أو غرفتين خارج دمشق، مع أثاث متواضع، وشاب مؤمن مستقيم.. إن لم نفعل تكن فتنةٌ وفسادٌ في الأرض. vاسأل المعنيين بشأن الأخلاق الآن، حالات السفاح أصبحت لا تحصى، إن لم يكن نكاحٌ فالبديلُ هو السفاح.. إذا لم توجد بيوت فيها أزواج تصبح البيوت فيها دعارة، هذه مسؤوليَّة المجتمع المسلم.. قد حضرت عقد قران فتأثرت لموقفٍ مفاده أنَّ الَّذي دعانا رجل مليء ولم يقدِّم هديَّةً أبداً، فليس هذا معقولاً، وقد فوجئنا في العقد أنَّ ثمن الهدايا التي يجب أن يقدِّمها تبلغ سبعمئة ألف، وقد وضعها في تصرُّف جهةٍ موثوقةٍ كي تزوِّج الشباب، كفانا هدايا قد مللنا منها وزوِّج بثمنها شاباً أو شابّين، هذا شيء جميل، يجب أن نفعله. أفضلَ عمل الآن هو أن تسهم في تزويج شابٍ لشابةٍ: أخ آخر كذلك أعجبني موقفه، أقام عقد قِران فذكر لي أخ من إخواننا وقال لي: والله في اليوم الثاني كامل النفقات دُفِعَ مثلها لتزويج الشباب، ولدينا مثال عامي ( كبَّرها بتكبر، صغَّرها بتصغر )، فإن كبَّرها يدفع ثلاثة ملايين، وإن صغَّرها لا يحتاج إلا لمئتي ألف فقط، يمكنك أن تدَبِّر بيتاً بمئة وخمسين ألفاً خارج العاصمة، والأثاث متواضع، والنبيّ عليه الصلاة والسلام سيِّد الخلق وحبيب الحقُّ كيف كان بيته ؟ لو وصفته لكم لا تصدّقون، وهو سيِّدُ الخلق وحبيب الحقُّ.. غرفةٌ صغيرةٌ، فوصف بيت النبيُّ لا يصدَّقُ فهو القائل: ما لي والدنيا. الأصل أن تكون مؤمناً. أُلخِّص كلامي بأنَّ أفضلَ عمل الآن هو أن تسهم في تزويج شابٍ لشابةٍ، شابٍ مؤمنٍ لشابَّةٍ مؤمنةٍ، هذا عمل عظيم، لأنَّه لا يوجد أب عنده بنات في بيته إلا ويكون قلقاً، ولا تقرُّ عينهُ إلا بتزويجهنَّ، ولا أب عنده شابٌ في رَيعان الشباب وهو يغلي ولا يملك بيتاً ولا عملاً إلا ويكون قلقاً. أعظم عمل على الإطلاق تيسير الأعمال للناس لأن البطالة مرتبطة بالجريمة: لذلك أعظم عمل أن تيسِّرَ للناسِ الأعمال، فمن كان عنده عمل متواضع يديره ويعمل تحت يديه عشرة شباب، فهذا يشغِّل الناس، فلماذا حرَّم الله تعالى الرِّبا حرمةً شديدة ؟ لأنَّك لو فتحت محلاً صغيراً تجد ألف شخص يخدمك، لو استعرضنا حاجة محل تجاري صغير تجد حاجته لأشياء كثيرة مثلاً: الفواتير تحتاج لمطبعة، وهي تحتاج لعمَّال، وحبر، وآلات، ونقل هذه الحاجات للمحلات تحتاج لشاحنة، وعلى الشاحنة يعمل سائق، وتحتاج إلى أكياس، فيوجد إنسان أمَّن لك أكياساً، وتحتاج كذلك إلى بطاقات، وإلى محاسب، وإلى صانع وإلى موظَّف، وتحتاج كذلك إلى مستودع. محل صغير يشغِّل ألف شخص وهو لا يشعر، وأخطر شيء في المجتمع البطالة، البطالة هذه التي يئنَّ منها المجتمع الغربيّ يقولون لك: سبعة ملايين عامل بلا عمل، ثمانية ملايين، والإنسان إذا فرغ من العمل التفت إلى الانحطاط أو الجريمة، فدائماً مؤشِّرات الجريمة في المجتمع تترافق مع البطالة، الجريمة العدوانيَّة والشهوانيَّة، هذه الجرائم تتأثَّر بالبطالة، أحياناً تجد شاباً أمَّن عملاً ثمَّ تزوَّج فانتهت أموره ومشاكله وأصبح عنصُراً نافعاً، وإنساناً في خدمة الآخرين، لم يعد عبئاً على الآخرين، أصبح يحمِلُ همومَ الآخرين. أخطر نقاط في تربيّة الأولاد الخلُقيَّة أربع صفات: إخواننا الكرام... أخطر نقاط في تربيّة الأولاد الخلُقيَّة أربع صفات: ظاهرة الكذب، وظاهرة السرِقة، وظاهرة السباب والشتائم، وظاهرة الميوعة والانحلال. فهذه هي الأمراض الأربعة الفتَّاكة بالشباب وبالصِغار. 1 ـ ظاهرة الكذب: نبدأ أولاً بظاهرة الكذب وبحديث رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: (( أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا إِذَا أؤتمن خَانَ وَإِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ)) (رواه البخاري ومسلم عَنْ عبد الله بْنِ عَمْرٍو) يعنينا من هذا الحديث: إذا حدَّثَ كذَب.. لي قريب ربَّى ابنه على الصدق بجهود جبَّارة، ويسكن في بلد غير بلد والدته، فلما جاء ليزور والدته ومعه أولاده، فالجَدة قالت للصغير: اسكت مساء سنخرج معاً، فسكت.. وفي المساء انتظر وقد لبس ثيابه فلم يجد أي تحرُّك من الجدَّة فقال لها: أنتِ كاذبة. الكذَّاب لا ينظُر الله إليه ولا يكلِّمه وله عذابٌ أليم: والله أنا أرى أنَّ من أخطر المضاعفات الناشئة في نفس الطفل إذا وعدْته وأخلفت، إذا وعدْته فلابدَّ من أن تنجز وعدك، لأنَّك إذا أخلفت وعدك علَّمته الكذب عمليّاً.. درس عمليّ في الكذب لا يُنسى قد لقّنته له، بالطبع لن يقول لك كذَّاب بل سيسكت، عرفك أنّك كاذب، فلا يهم الكلام ولكنّ المهم الحقيقة. (( ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ شَيْخٌ زَانٍ وَمَلِكٌ كَذَّابٌ وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ )) ( صحيح مسلم عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ) الكذَّاب لا ينظُر الله إليه ولا يكلِّمه وله عذابٌ أليم. (( عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا.)) (رواه الشيخان عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) أي إنّ هذا الإنسان إن رأينا حالة صحيفته نجد مكتوباً فيها: كذّاب، له صحيفة ( إضبارة) عند الله عزَّ وجلَّ مكتوب فيها كذّاب. الصدقُ أمانة والكذب خيانة: أيُّها الأخوة الكرام... الكذب خيانة، يقولُ عليه الصلاة والسلام: (( كَبُرت خيانةً أن تُحدِّث أخاك بحديث هو لك به مصدِّق وأنت له به كاذب )) ( الجامع الصغير: عن سفيان بن أسيد ) الكاذب يشعر أَنَّهُ يخون، قال لك: انصحني. وعندك قطعة قماش فاسدة لونها سيئ فقلت له: هذه أحسن شيء. والمشتري صدَّقك، هو لك مصدَّق لأنه طلب منك أن تنصحه وأنت له به كاذب، فقد خُنتَه.. فالنبيّ سمَّى الكذب خيانة وقال: الصدقُ أمانة والكذب خيانة. الآن عليه الصلاة والسلام من وسائله في تربيَّة الأطفال على الصدق: (( قَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا فَقَالَتْ هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ قَالَتْ أُعْطِيهِ تَمْرًا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ )) ( سنن أبي داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ ) لذلك رضيَ الله عن علماء الحديث هذا الذي جاءَ من المدينة المنوَّرة إلى البصّرة ليتلقَّى حديثاً عن أحد الرواة، هذا الرّاوي كذَب على فرسه لا على طفلٍ صغير، فقد رفع ثوبه موهماً فرسه أنَّ به شعيراً كي تُقبِلَ عليه، فتقدَّم فإذا بالثوب لا شعير فيه، فرجع من توِّهِ.. ليس ما بين ساحة المرجة وحيّ المهاجرين، جاء من المدينة المنورة إلى البصرة ليتلقى حديثاً عن أحد الرواة، لم يكن الطيران موجوداً، فلمَّا رآه يكذب على فرسه اتهمه بالكذب ولم يسأله شيئاً، فالنبيّ عليه الصلاة والسلام لمّا رأى هذه المرأة تقول لغلامها الصغير: تعال أُعطكَ. قال: ماذا أردّتِ أن تعطيه ؟ قالت: أُعطيه تمراً. فقال عليه الصلاة والسلام: أما إنَّك لو لم تعطه شيئاً كُتبت عليكِ كذبة. الإنسان الصادق لا يقدر بثمن: قصةٌ بعضكم يعرفها.. أنَّ العالم الربَّاني الشيخ عبد القادر الجيلاني رحمه الله يروي قصَّةً طريفةً عن الصِّدق قال: بنيتُ أمري من حينُ ما نشأتُّ على الصدق، وذلك أَنّي خرجت من مكَّةَ إلى بغداد أطلُبُ العلمُ، أعطتني أُمّي أَربعين ديناراً أستعينُ بها على النفقة، وعاهدتني على الصدق، فلمّا وصلنا إلى أرضِ همدان خرجَ علينا جماعةٌ من اللصوص (قطّاع الطريق)، فأَخذوا القافِلة فمرَّ واحدٌ منهم وقال لي: ما معك ؟ قلتُ: أربعون ديناراً. فظنَّ أني أَهزأُ بهِ فترَكني، فرآني رجُلٌ آخر قال: ما معك ؟ فقُلت له أَربعونَ ديناراً. فأَخذني إلى كبيرهم (كبير اللصوص) فصاحَ.. فسألني فأَخبرته. قالَ: يا غلام ما حملَكَ على الصدق ؟ قُلتُ عاهدْتُ أُمّي على الصدق فأَخافُ أن أخون عهدها، فأخذت الخشيَةَ رئيس اللصوص، فصاح ومزَّق ثيابه وقال: أنت تخافُ أن تخونَ عهدَ أُمِّك وأنا لا أَخافَ أن أَخونَ عهد الله، ثمَّ أمَر بردِّ ما أخذوه من القافلةِ كلِّها وقال: أنا تائبٌ لله على يدِكَ يا غُلام. هذا الغلام أصبح الشيخَ العارفَ بالله الجليل عبد القادر الجيلاني، فقالَ من مع كبير اللصوص: أنتَ كبيرُنا في قطعِ الطريق وأنتَ اليوم كبيرُنا في التَوْبَة، فتابوا جميعاً على يدي رئيسهم قاطع الطريق. الصدق مع الناس ينقُلُك إلى الصدق مع نفسك ثم مع الله: أحياناً بموقف أخلاقي لا يعلم إلا الله ما نتائجه، عصابة من اللصوص وقطّاع طريق تسلُب أموال المسافرين، تعجَبُ من طفل صادق الحديث، أمّا الآن فقد اختلف الوضع، فتابوا جميعاً ببركة الصدق، مما ينفع في هذه المناسبة أنَّه إذا لاحظ الأب أنَّ ابنه يكذب يجب أن يتابع الأمر ولا يتساهل، أحياناً الأب يحسن الظَّن ويتساهل، فقد حضر للبيت وهو متعب وسمع ابنه يروي قصَّةً كاذبة ويتركه، لكن حينما يحمل الأب ابنه على الصدق ويتعب بالتحقيق والتدقيق والنصيحة والمتابعة لعلَّه بعد حين يقطِفُ ثماراً يانعة. الإنسان الصادق لا يقدَّر بثمن، فشيء عظيم أن تكون صادقاً، فالصدق مع الناس ينقُلُك إلى الصدق مع نفسك، ثمَّ تنتقِلُ إلى الصدقُ مع الله، يوجد صدق مع الله، وأحياناً يكون الإنسان صادقاً مع نفسه فلا يحاول أن يوهم نفسه أوهاماً غير صحيحة، يبدأُ صدقُه مع الناس، ثمَّ مع نفسه، ثمَّ مع الله. الإنسان يشقى بشقاء أولاده ويسعدُ بانضباطهم: إن شاء الله في درس قادم نتابع ظاهرة السرقة، وظاهرة الميوعة والسباب والشتائم، هذه مما يعانيه المجتمع المسلم، فيكفي أن تمشي في طريق وتسمع السباب المنحطَّ، والشتائم، والميوعة، والخلاعة، والتشبُّه بالفتيات، وإن وجد طريق فيه من الجنسين اسمع ماذا يقول طرفٌ لطرفٍ آخر.. هؤلاء أولاد مسلمون كلُّهم، فبلادنا إسلاميَّة والحمد لله، هذه تربية ؟ لذلك المؤمن يتميَّز بتربية أولاده، انتبه، حاسب، دقِّق، اجلس معهم وإلا كما قلت لكم دائماً: الإنسان يشقى بشقاء أولاده ويسعدُ بانضباطهم، فالمتزوِّج الذي رُزق بأولاد يبدأُ من الآن، ومن لم يتزوَّج فليصممُ على أنه إذا أنجبَ أولاداً فسوف يربيهم هكذا، والله سبحانه وتعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#4 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : ( الرابع ) الموضوع :التربية الخلقية ( 2 ) ظاهرة السرقة الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. القسوة البالغة من الآباء تحمل الأبناء على الكذب: أيُّها الأخوة الكرام: مع الدرس الرابع من دروس تربية الأولاد في الإسلام، وقد كنَّا في الدرس الماضي في موضوع التربية الخُلقيَّة، وقد ذكرت لكم أنَّ من المفاسد الخطيرة التي تصيب أولاد المسلمين.. ظاهرة الكذب وقد تحدَّثنا عنها، والآن نتحدَّث عن ظاهرة السرقة، لكن أودُّ أن أذكر عنها شيئاً دقيقاً هو أنَّ الأب القاسي على أولاده يدفعُهم إلى الكذب، فحينما يكون العقابُ أليماً يلجأُ الطفلُ إلى الكذب لينجوَ من العقاب بحكمِ الدفاعِ عن نفسه، أمّا إذا كان الأب متفهماً لابنه فإنه يُشعِرَهُ أنَّ الصدقَ منجاة، وأنَّه إذا أخطأ ينبغي أن يذكر خطأه، وأنَّ الأبَ لا يملك إلا أن ينصحهُ ويبيِّن له. إن القسوة البالغة من الآباء كثيراً ما تحمل الأبناء على الكذب، لينجوَ الطفلُ من عقاب الأب، هو لا ينوي أن يكذب ولكن يريد أن ينجوَ من العقاب الأليم، ولذلك فإن أحد أسباب الكذب قسوة الآباء في معاملة أولادهم المذنبين، وأُذكِّركم دائماً بالحديث الشريف: ((علِّموا ولا تعنِّفوا )) ( الجامع الصغير: عن " أبي هريرة " ) ظاهرة الكذب أحياناً تعود إلى المربي: رُبَّما كان التعنيف أسهل ولكنَّ التعليم يحتاج إلى نفسٍ طويل.. ويحتاج إلى بيان، وإلى حنان، و إلى صبر وتروِّ، و إلى تأنٍِّ، والثمارُ اليانعة التي يقطفها المعلِّم لا تُقدَّر بثمن، أمَّا الثمار التي يقطفها المعنِّف رُبَّما أَدَّت إلى الكذب، وإلى تركِ المنزل، وإلى الخوفِ من الأب، وإلى أن يصبح وجود الأب في البيت مكروهاً، وإذا خرج الأب من بيته تنفَّس أولاده الصُعداء فإذا عاد صار جوُّ البيت عبوساً قمطريراً، فأنت لا تنجح كأبٍ إلا إذا كان دخولك إلى البيت عيداً لهم، وعُرساً، وإلا إذا كان غيابك مأساة، وهذا هو الأب الناجح. والإنسان حينما يرعى أولاده وأهلهُ، أقول لكم دائماً هذا الكلام: الغيرُ أنت له وغيرُك له، لكنَّ أولادك من لهم ومن يرعاهم، ومن يعلِّمهم، ومن يحرِصُ على مستقبلهم غيرُك ؟ أنت أبوهم.. بحكم أبوَّتك وحكم المسؤوليَّة التي أُنيطت بك، فلذلك ظاهرة الكذب أحياناً تعود إلى المربي توجد عندنا قاعدة في التربية ربَّما نفعتنا هنا: يجب أن يوقن المعلِّم أنَّ أكثر المشكلات التي يعاني منها في تربية تلاميذه تعودُ إليه، فلو كان ليِّناً صار الصف فوضى وإذا صار فوضى اشتدَّ اضطراب المدرِّس وكان عنيفاً جداً معهم، لينهُ سبَّب الفوضى، والفوضى سبَّبت له هذه الشدَّة النفسيَّة، وهذه سببت له القسوة البالغة في معاملته، فلذلك ترى المعلِّم الناجح لا يعزوها إليهم، بل يعزو أخطاء تلاميذه إليه. بطولة الإنسان أن يجمع بين الرغبة و الرهبة معاً أثناء التربية: الأب الناجح كُلَّما رأى من ابنه انحِرافاً أو تقصيراً أو خُروجاً لا ينبغي له أن يقول: يا أخي جيل صعب.. لا تقل ذلك، بل اتَّهم نفسك واتَّهم أسلوبك في التربية، واتَّهم تقصيرك مع أبنائك قبل أن تتهم الأبناء هذا هو الأصل، أي إنَّ أخطاءَ الأولاد تُعزى إلى إهمال الآباء، أو إلى لينِهم الشديد، أو إلى قسوتهم البالِغة،( لا تكُن ليِّناً فتعصر ولا قاسياً فتُكسر)، فليس من الصعوبة أن تكون قاسياً، ولا أن تكون ليِّناً فكلاهما سهل، ولكنَّ الصعوبة البالغة أن يحارَ ابنُك فيك، لين يشفُّ عن رحمة وقسوة تشِفُّ عن حزم، وهكذا علَّمنا الله عزَّ وجلَّ.. والأنبياء الكرام يعبدون الله رغباً ورهباً، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، وربنا عزَّ وجلَّ يعاملك معاملةً ترى أنَّه رحيم رحيم، فإذا توسَّعت في الرَّحمة وتجاوزتَ الحدود رأيت قسوةً لا حدود لها، ربُّنا عزَّ وجلَّ يؤدِّبك، لا يريدك أن تكون منبسطاً إلى درجة التجاوز، ولا منقبضاً إلى درجة اليأس، بل يُريدُك أن تكون راغِباً وراهِباً، راجياً وخائِفاً. وهذا هو الأكمل (لا تكن ليِّناً فتعصر ولا قاسياً فتكسر ) هذا الكلام موجَّه للأبِّ، وللمعلِّم، ولمدير الدائرة، ولمدير الثانويَّة، ولأيِّ منصب قيادي، من السهل أن تكون عنيفاً، ومن السهل أن تكون ليِّنا، ولكنَّ البطولة أن تجمع بينهما، وأن يحارَ فيكَ مرؤوسوك، أي ليِّن وقاسٍ.. حازم ورحيم. ظاهرة السرقة و صحبة قرناء السوء شيء خطير جداً في المجتمع: والآن ننتقل إلى ظاهرة السرقة.. من قبل سنتين أو ثلاث لزم المسجِد شاب قد أقبل على الدين إقبالاً عجيباً، والله حين أُحدِّثه كنت أرى الدموع تنهمر على خدِّه، وحينما كان يجلس في الدرس أشعر أنَّه يتلقَّف العلم بشغفٍ عجيب، ثمَّ فجأةً غاب عن الأبصار، سألتُ عنه.. فقيل لي: إنه في السجن. قلتُّ: لم ؟! قيل: قبل أن يتوب إلى الله كان له رفقاء منحرفون، أو بالأصح كانوا عصابة سرقة، فمرَّة كان معهم فكلَّفوه أن يقف في هذا المكان ليرقُبَ شيئاً ما، وصعدوا إلى البيت إلى الطابق الثالث، وسرقوا بيتاً، وأُحيلوا إلى محكمةٍ ميدانيَّة فأقرّوا عن زميلهم الذي وقف على الطريق يراقب لهم شيئاً ما، فكان نصيبه ثماني سنوات سجن، والآن هو في السِّجن. وصحبة قرناء السوء شيء خطير جداً، لا شيء يشغل الآباء كأن ترى من هو صديق ابنك ؟ ولا يوجد عمل أعظم من هذا العمل، فلا شيء تسعد به في الدنيا سوى أن تربِّي ابنك، فمثلاً إن وجدَّت مع ابنك ممحاة جديدة فاسأله من أين ؟ هذا اليوم لم يأخذ منك مصروفاً، فمن أين أحضرتها يا بنيّ ؟ أغلب الظَّن أن رفيقه أعطاه إياها، وأنت قبلت هذا الكلام.. لا هذا كلام غير صحيح، ولو كلَّفك أن تذهب إلى المدرسة وتطلب إحضار رفيقه وتسأله مرَّة واحدة فيتعلَّم الابن أنَّه قبل أن يكذب يعدَّ للألف، ودائماً الآباء يجدون مع أبنائهم إمَّا مالاً أو حاجات أو أقلاماً أو دفاتر، فيوجد آباء لا يسألون أبداً ولا يهتمُّون، فيطرح الأب سؤالاً فيتلقى جواباً تقليدياً.. وجدها في الطريق، أو رفيقه أعطاه إياها، فأين أنت سائر، هذا قبول ساذج، فيجب أن تحقّق. الأمانة و الصدق و العفاف أشياء لا تُجزأ: يقولون عن إنسان بدأ حياته سارقاً، ثمَّ تلبَّس بجريمة قتل، وأذكر قصَّة تقليديَّة صيغت في خمسين بيتاً من الشعر، فيوم أن حكم على هذا السارق القاتل بالقتل وجيء به إلى المشنقة، والمألوف فيمن سيشنق أن يسأل: هل لك من طلب ؟ فقال: نعم أُريدُ أن أرى أُمِّي. وهو طلب معقول، فتوقَّف تنفيذ حكم الإعدام وجيء بأُمِّه، وهكذا تُروى القصَّة وهكذا صيغت شعراً يقول لها: يا أمِّي مُدّي لسانك كي أُقبِّله، فلمَّا مدَّت لسانها قطعه، وقال: لو لم يكن هذا اللسانُ مشجعاً لي في الجرائم ما فقدّتُ حياتي. هذا الرجل سرق بيضة في صغره من بيت الجيران، فالأمُّ حينما رأته أتى ببيضة أكبرت عمله وفرحت لأنه أصبح رجلاً فقد أحضر معه بيضة، وهذه البيضة جرَّت إلى دجاجة، ثمَّ إلى حاجات، ثمَّ أصبح محترفاً للسرقة، ثمَّ تلبَّس بجريمة قتل، فحكم عليه بالإعدام، فقال لأُمِّه: لو لم يكن هذا اللسان مشجِّعاً لي في الجرائم ما فقدتُ حياتي * * * والآن أقول لكم: الأب الذي يغضُّ النظر عن غرضٍ أو حاجةٍ عند ابنه.. يجب أن يسأله: من أين جئت بها ؟ فيجيب: اشتريتها. فتسأله: من أعطاك المال ؟.. لأنَّ معظم النار من مستصغر الشرر. ويقولون: أمَّهات الفضائل.. الصدق والأمانة. تذكَّروا قول سيِّدنا جعفر عندما سأله النجاشي ملك الحبشة عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قال:أيُّها الملك كنَّا قوماً أهل جاهليَّة، نعبدُ الأصنام، ونأتي الفواحش، ونسيءُ الجوار، ويأكل القويُّ منَّا الضعيف، ونقطعُ الرَّحم. تكلَّم عن الجاهليَّة، قال: حتَّى بعث الله فينا رجُلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه.. وهذه أُمَّهات الفضائل، وبصراحة أقول لكم: من عنده أمانةٌ وصدق، ولم يكن عنده عفاف..بالتعبير الشائع (نفسه خضراء).. لأن غضُّ البصر أمانة، أيضاً هناك قاعدةٌ في الأخلاق: إن الأخلاق لا تُجزَّأ.. فالأمين على أموال الناس أمينٌ على أعراضهم في الوقت نفسِه، فالذي يخونُ الناس في أعراضهم ليس بعيداً أن يخونهم في أموالهم، فالأمانة لا تجزَّأَ. على الأب أن يبين لابنه الخطأ قبل إنزال العقاب به: إذاً الشيء الّذي أتمناه أن تراقب.. أحياناً الابن يسرق دون أن يكون سارقاً، أي توجد عنده رغبةُ تملُّك دون أن يعي، فقد يزور أقاربه فيجد لعبة تعجبه فيأخُذها، أو يجد حاجةً فيضعها في جيبه ويذهب، فلا تعدُّه سارقاً..لا، ولكن نبِّهه وقل له: هذه ليست لك. علّمه قبل أن تعاقبه، وبالمناسبة فكثيرٌ من الآباء يُنزِلون أشدَّ العقاب بأولادهم قبل أن يبيِّنوا لهم أن هذا ممنوع. وعندنا قاعدةً في الدين: لا معصية دون تكليف وهو لم يكلَّف.. ليست هناك معصية فالأب الذي ينهال ضرباً على ابنه لأنَّه رأى معهُ حاجةً ليست له، فقبل أن يضربه يجب أن يبلِّغه ويقول له: يا بني هذه ليست لك، وهذه مخالفة للشرع، والله عزَّ وجلَّ هكذا علَّمنا: أدُّوا الأمانات إلى أهلها، لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل، ذكِّره بالآيات وبالأحاديث، وبيِّن له.. ثمَّ حاسبه، ولا تحاسب قبل أن تبيِّن، ولا تنزل العقاب قبل أن تشرح، وقبل أن تبيِّن أمر الله عزَّ وجلَّ. أسباب انتشار ظاهرة السرقة بين الأولاد: الآباء يستثقلون التحقيق في حاجات يجدونها مع أبنائهم: إذاً أحد أسباب انتشار ظاهرة السرقة بين الأولاد، أن الآباء يستثقلون التحقيق في حاجات يجدونها مع أبنائهم، وقد يسألون فيأتي جوابٌ ساذج، أو جواب تقليدي، إنّه التقطها من الطريق أو أعاره إياها صديقه في المدرسة، فيقتنع الأب بهذا الجواب، ولا يتابع التحقيق، أمَّا الأب الذي يخاف على مستقبل أولاده، فيتابع التحقيق إلى أن يضع يده على حقيقة ما جرى، ثمَّ يوجِّه ثمَّ يحاسب. وسيدنا عمر رضي الله عنه أصدر قانوناً يمنع غشَّ اللبن بالماء، القصَّة المشهورة: وهي أنَّ الأمَّ التي أرادت أن تخلط اللبن بالماء ليزداد ثمنه، ورفضت ابنتها ذلك، قالت أمَّها: إنَّ عمرَ لا يرانا يا بنيَّتي. فقالت ابنتها: إن كان أميرُ المؤمنين لا يرانا، فربُّ أميرُ المؤمنين يرانا. الإنسان يتحرَّك إمَّا بوازع باطني أو برادع خارجيّ: فأنت عندما تنمِّي الوازع الباطني عند ابنك، هذا أرقى من أن تنمِّي الوازع الخارجي، وسأقول لكم نقطةٌ دقيقة: الإنسان يتحرَّك إمَّا بوازع باطني أو برادع خارجيّ. فلو فرضنا من باب المثل المضحك: أن أحدَ الأشخاص يسبح في المسبح، وأراد أن يتبوَّل لم يحدث شيء، ولم يشعر به أحد، الآن يقال إنَّ بعض المسابح أضيفت لمائه مادةٌ تتفاعل مع البول، فإذا فعلها أحد السابحين، طفت حوله دائرةٌ بنفسجيَّة اللون، ويوجد حارس معه مكبِّر شديد للضوء، فيأخذونه ويدخلونه غرفةً خاصَّة على مدخل هذا المسبح، ومعلق على جدرانها عباراتٌ قاسية جدَّاً بحقِّه.. وضع المادَّة التي تتلون مع البول في المسبح هذا رادع خارجي، وأُوربَّا كلُّها والغرب كلُّه النظام الدقيق المطبَّق عليهم أساسه الرادع الخارجي. فلمّا قطعت الكهرباء عنهم ليلةً، تمَّت في هذه الليلة مئتا ألف سرقة، السرعة الآن في الطرقات.. يوجد رادار مخفي يكشف السرعة الفائقة، فاخترعوا جهازاً يشوِّش على الرادار، فاخترعت الدولة جهازاً يكشف عن أجهزة التشويش، فالحياة الغربيَّة كلَّها، والحياة المادِّية كلُّها، وحياة أهل الإعراض عن الله، أساسها الرادع الخارجيّ، ولكنَّ الدين الإسلاميّ إضافةً لوجود الرادع الخارجيّ هناك أساس الالتزام الوازع الباطنيّ، فالمربِّي الناجح يربي أبناءه على الوازع الباطنيّ قبل أن يربِّيهم على الوازع الخارجيّ.. فالوازع الباطنيّ، علِّمه الخوف من الله عزَّ وجلَّ، علِّمه أنَّ الله يراقبه، وعلِّمه الخشيةَ من الله دون رقيب. المؤمن الحقيقي هو المؤمن الذي يخشى الله في سره قبل علانيته: المثل الشهير الذي تعرِفونه والذي رويته كثيراً، عندما رأى سيدنا عبد الله بن عمر راعياً ومعه شياه فقال له: بعني هذه الشاة وخذ ثمنها، يريد أن يمتحنه. قال له: ليست لي. قال له: قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب. قال: ليست لي. قال له: خذ ثمنها. قال له: والله إنّي لفي أشدُّ الحاجة إلى ثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني فإنِّي عنده صادقٌ أمين، ولكن أين الله ؟! يا إخواننا الكرام هذا الراعي وضع يده على جوهر الدِّين، عندمَّا تقول لي: أين الله ؟ أَعدُّك فقيهاً وأَعدُّك عالماً، ومتديناً حقيقياً، وإن كانت معلوماتك قليلةً جداً، وطالما أنك قلت: أين الله ؟ فقد وضعت يدك على جوهر الدين، هذا هو الدين. (ركعتان من ورِع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلِّط )إلى أن تراقب الله، وإلى أن تخشاه في سرِّك قبل علانيتك. من لم يكن له ورعٌ يصدُّه عن معصية الله إذا خلا، لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله. عوِّد نفسك أن تقول: أين الله ؟ المؤمن يؤَدِّي ما عليه دون قضاء، ويؤدِّي ما عليه دون إزعاج، لأنَّه يعرفُ أين الله، الله مراقب. من الظواهر السيئة أيضاً الكلام البذيء والسباب والشتائم: توجد عندنا ظاهرةٌ أُخرى سيِّئة جداً.. الكلام البذيء والسباب والشتائم، فالحقيقة ولو كان الكلام فيه قسوة.. أن أحد أكبر أسباب بذاءة لسان الصغار، هو أنَّ الأب أحياناً يتكلَّم كلاماً بذيئاً إمَّا في ساعة غضبه الشديد، أو في ساعة انبساطه، فالكلمات البذيئة التي يقولها الأب في البيت مازحاً أو جاداً، غاضباً أو راضياً، هذه تُحفَر في نفس الأبناء، فهل من الممكن أن طفلاً يسبُّ الدين ؟ نعم.. إذا سمعها من أبيه، وهل من الممكن أن طفلاً يتكلَّمَ بأسماء العورات صراحةً ؟ نعم.. إذا سمعها من أبيه. فأوَّل سببٍ رئيس لبذاءة اللسان ولظاهرة السباب والشتائم.. هو الأب نفسه. (الحمَّى: الحرارة )، ما رضيَ النبيّ من ابنته أن تلعن الحمَّى فإذا كان الأب يلعن كلَّ شيء والأمَّ تلعن كلَّ شيء مع كلام مجاوزٍ للحدود، وهذا الطفل موجود ويسمع، والطفل يتكلّم بما يسمع. أوَّل أسلوب في تربية الأقوال تهذيب اللسان: إذاً أوَّل أسلوب في تربية الأقوال تهذيب اللسان أن يكون الأبُ والأمُّ على أعلى مستوى من تهذيب اللسان، هناك كلمات ليست معصية.. مثلاً أين هو وماذا يفعل ؟ أُجيب: والله في الحمام، هذه كلمة لطيفة، توجد أسماء أخرى مثلاً: يتوضَّأ أيضاً كلمة لطيفة. ومثلاً ألبسته الداخليَّة تلوثت هذه أحلى من كلمات أُخرى، وبالمقابل يمكن أن تعوِّد ابنك أن يتكلَّم الكلمات التي يقولُها معظم الناس بأسمائها الصريحة.. فهبط بذلك مستواه. ولم يتكلَّم كلمة تثير الشهوة، والقرآن كلُّه آداب وحياء، الكلمة التي لا أُطيقها أن يقول الإنسان: لا حياء في الدين ويتكلّم أشكالاً وألواناً، الدين كلُّه حياء، وهذه الكلمة: لا حياء في الدين بمعنى أنَّك ينبغي أن تسألَ عن حكمٍ فقهيّ. فلو رأى مثلاً ماءً شفافاً على ثيابه الداخليَّة ترى هل يحتاج إلى غسل ؟ نقولُ له: لا هذا ليس منيّاً هذا مذيّ، فإذا استحى الإنسان أن يسأل إمّا أن يقع بالشك في صلاته، أو يرهق نفسه بما لم يكلِّفه به الشرع، فكلَّما رأى هذا السائل يغتسل، لا ليست له حاجةٌ في الاغتسال بل يجزئه الوضوء، هذا معنى لا حياء في الدين، واسأل على انفراد، بعض الناس يشترون كتاباً فقهيّاً ويضعه في البيّت، فمهما طرأ عليه من أسئلة يجد الجواب فيه، وبذلك حُلّت القضيَّة. من أسباب الكلام البذيء و السباب و الشتائم: 1 ـ المربي نفسه: أوَّل نقطةٍ إذاً: الكلام البذيء، السباب، الشتائم، هبوط مستوى الكلام.. يعودُ في بعض أسبابه إلى المربّي، إلى الأمِّ والأب. 2 ـ الخلطة الفاسدة بأولاد الأزِقَّة: وفي أسباب أُخرى يعودُ إلى الخلطة الفاسدة بأولاد الأزِقَّة والله يسمع الإنسان من أولاد الأزقَّة كلاماً شَهِدَ الله أن الحجر يستحي منه، تجد رجُلاً في الستين من عمره يخجل منه، طفلٌ صغيرٌ يتكلَّم كلاماً بذيئاً، فأين أبوه وأين أهله ؟ فالعوام يقولون: المربَّى غالٍ، أما هذا فلا شأنَ له لا عند الله ولا عندَ الناس. شهادةُ المرأة أولادها: أحياناً يخطر في بالي أن الأب قيمته الحقيقيَّة: أولاده، والأم قيمتها الحقيقيَّة: أولادها، فلو كانت معها أعلى شهادة علميَّة، وأولادها مهملون فهي جاهلة، ويوجد بالجيل السابق أمَّهات وكلكم تعرفون ذلك، عندهن حرصٌ على أولادهن، وعلى تربيتهن وعلى تهذيبهن وعلى تأديبهن مع أنَّهن أُميَّات - عندهن حرصٌ بالغ لا حدود له، فأقول لكم: شهادةُ المرأة أولادها. توجيهات النبيُّ في هذا الموضوع: 1 ـ احترام الطرف الآخر: سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر، فالَّذي يحضرني الآن أنَّ معظم الناس إذا حاورَ إنساناً يستخدمَ أساليب التجريح مثل: أنت لا تفهم، ماذا تفهم عن هذا الموضوع ؟ هذا سباب.. لكنَّ الإنسان الرَّاقي يدير المناقشة عشر ساعات ولا يتكلَّم كلمةً واحدةً فيها جرحٌ للطرف الآخر، من أين هذا الأدب نقتبسه ؟ من القرآن: ﴾قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (25) ﴿ (سورة سبأ) أعوذ بالله.. النبيُّ يجرم ؟! قال:هذا من تأديب القرآن للنبيّ، دائماً احترم الطرف الآخر لا تسألون عمَّا أجرمنا ولا نسأل عما تعملون وقال تعالى: ﴾وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (24) ﴿ (سورة سبأ) 2 ـ عدم سباب الطرف الآخر لأن سباب المسلم فسوق: اسمعوا من سيِّدنا يوسف: ﴾وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) ﴿ (سورة يوسف) إخوته أجرموا بحقِّه، ولكنِّه جعل الشيطان هو المسؤول لئلا يحرجهم، فإذا ناقش الإنسان وحاور، يمكن أن يجعل المناقشة عشر ساعات ولا يحتاج لكلمةٍ فيها تجريح، وطعن وسباب، أو سخرية أو انتقاص، أو احتقار، إذاً سباب المسلم فسوق. 3 ـ على الإنسان ألا يعمل عملاً سيِّئاً لِئلا يجلب لوالديه السباب والشتائم: ويقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاريّ: (( إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ )) (رواه الإمام البخاري عَنْ عبد الله بْنِ عَمْرٍو) وقد نفهم هذا الحديث بشكلٍ موسَّع، أي إذا أساء الإنسان ربَّما جلب سباباً لأُمِّه وأبيه، وعند العوام فوراً يصل في سبابه إلى الأب والجد وسائر أفراد الأُسرة، فكلَّما كان الإنسان محسناً جلب لوالديه السمعة الطيِّبة، فإذا أساء لعن الناس والديه، وقد كان أحد الأشخاص سائراً في الطريق فسبَّ الناس والديه، فسأل أُمَّه: ماذا فعل أبي ؟ فقالت له: ماذا تريد من هذا السؤال ؟ فقد مات أبوك رحمه الله. فأَلحَّ عليها فقالت له: كان أبوك كلَّما مات ميِّت قام بحفر قبره، وأخذ كفنه ثمَّ باعه. فأصبح الابن كلَّما مات أحد حفر قبره، وأخذ كفنه، ووضع الميت على ظهر القبر، ثمّ سار في الطريق فبدأ الناس يترحَّمون على أبيه. هذا العمل عمل سلبيّ.. فعندما يسيء الإنسان يتذكَّر الناس عمل السابق، وهذه طرفة لا علاقة لها بالدَّرس.. أمَّا الإنسان فعليه ألا يعمل عملاً سيِّئاً لِئلا يجلب لوالديه السباب والشتائم. (( إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِي بِهَا سَبْعِينَ خَرِيفًا فِي النَّار )) (سنن الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) الرَّجُل قيمته بعلمه وأخلاقه لا بشكله و مظهره: كنت أقول لإخواننا في بعض المدن الساحلية الكبرى، المياه المالحة تسير في البحر حوالي ستين كيلو متراً، فإذا ركبتَ الطائرة، وحلَّقت على شاطئ أمريكا الشرقي، تجد خطاً أسود متَّصلاً في نيويورك، هذا الخط طوله ستِّون كيلو متراً، هذه هي المياه المالحة التي تخرج من هذه المدينة، التي يزيدُ سكَّانها على سبعة عشرَ مليوناً، ومع ذلك فالبحرُ لا ينجُس، ماؤه طاهر.. ولننظر الآن إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبُكَ مِنْ صَفِيَّةَ كَذَا وَكَذَا قَالَ غَيْرُ مُسَدَّدٍ تَعْنِي قَصِيرَةً فَقَالَ لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ الْبَحْرِ لَمَزَجَتْهُ )) (سنن أبي داود عَنْ عَائِشَةَ) تجد ابنةً تدرس في المدرسة، أعطاها الله شيئاً وحرمها من شيء آخر، تجد البنات من حولها و دون تربية يسخرن منها، بسبب ما تفقده، فتجد في المجتمعات المسلمة مجتمعاً مقصِّراً، فيه تراشق بالتهم، وفيه تعيير وغمز ولمز، أي حينما قالت عنها إنَّها قصيرة، " قال: يا عائشة لقد قلت كلمةً لو مزجت بمياه البحر لأفسدته ". فمثلاً أن تذكر شيئاً عن شخص ما بأن تقول: طوله كذا. فهذا الكلام يجب ألا نتكلم به إطلاقاً لأنَّ هذا خلق الله، فالإنسان يملك صفاته ولا يملك شكله، فمن منَّا له خيار بشكله ؟ لا أحد له خيار في ذلك، وعلى كلٍ فالنبيّ الكريم عندما كان ينظر إلى المرآة يقول: اللهمَّ كما حسَّنت خَلقي فحسِّن خُلُقي. هذا شيءٌ لطيف جدَّاً.. أما إذا كان شكل الإنسان.. طويلاً أو قصيراً أو أبيض أو أسمر اللون فهذا من خلق الله. يروى أن الأحنف بن قيس كان: قصير القامة، أسمَرَ اللون، مائل الذقن، غائر العينين، ناتئ الوجنتيّن، أحنفَ الرجل، ليس شيءٌ من قبح المنظر إلا وهو آخذٌ منه بنصيب، وكان مع ذلك سيِّدَ قومه، إذا غضِبَ غضِبَ لغضّبته مئة ألف سيفٍ، لا يسألونه فيم غضب، وكان إذا علِمَ أنَّ الماء يفسِدَ مروءته ما شربه. لا يجوز للإنسان عقد مفاضلة في الشكل بل يجب أن تكون المفاضلة في الخلق و التديُّن: الرَّجُل قيمته بعلمه وأخلاقه، وهذا ينبغي له، أن يُرسَّخ حتَّى في عالم النساء، فالأم التي تتحدَّث دوماً في مجلسها عن عيوب الأخريات وصفاتهنَّ، فقد عقَّدت ابنتها، فيا أيها النسوة تحدثن عن دينهنَّ وعن أخلاقهنَّ وعن ورعهنَّ، وما يحفظن من قرآن وعن إخلاصهن لبيتهن وزوجهن وأنَّهن من الطراز الأوَّل، اجعلنَ مجال التسابق في الأخلاق، لا في الجمال.. فعندما تتكلَّم الأم عن جمال بناتها وقريباتها وصديقاتها، وهذه رغبوا فيها لأنَّ صفاتها كذا، وابنتها الصغيرة تسمع ذلك فماذا سيحدث لها ؟.. يجب أن لا نطرح هذه الموضوعات والموضوع الجمالي دائماً، بل يطرح الموضوع الكمالي. فالأم الجاهلة حديثها دوماً عن جمال من حولها، فإذا كانت ابنتها تفقد شيئاً مما ذكرته أمُّها من صفات الجمال فقد تصاب بعقدةٍ نفسِيَّة وتتحطم، فلا يجوز عقد مفاضلة في الشكل بل يجب أن تكون المفاضلة في الخلق و التديُّن. جعل الله نظام الحياة نظام أسرة ليمنح الآباء فرصة للعمل الصالح: أيها الأخوة الكرام: الأبوَّة مسؤوليَّة.. فالأب مسؤول إن كان قد ربَّى أولاده تربيةً صالحةً دخل الجنَّة بسببِهم، وسعد إلى أبدَ الآبدين، وما شاء الله أن يكون نظام الحياة نظام أُسرةٍ، إلا ليمنح الآباء فرصةً للعمل الصالح.. هذا ابنك، فقد كان الرسول اللهمَّ صلِّ عليه إن لم يعجبه اسم قام بتغييره فوراً.. قال له: من أنت ؟ قال: أنا زيدُ الخيل. قال له: لا بل زيد الخير. غيَّر اسمه على الفور، أعرف معلمين حكماء إن وجدوا اسماً من أسماء الطلاب يثير الضَّحك فيغير له اسمه فوراً وطوال العام. يهمنا أن تكون كرامة الإنسان موفورة، إذ توجد أسماء فيها خطأ، فقد كان صلَّى الله عليه وسلَّم يغير الاسم.. (( عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ قَالَ لَقَدْ سَأَلْتَ عَظِيمًا وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصُومُ رَمَضَانَ قُلْتُ بَلَى فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقَالَ تَكُفُّ عَلَيْكَ هَذَا قُلْتُ يَا نَبِيَّ اللَّهِ وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ قَالَ ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ فِي النَّارِ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ )) (سنن الترمذي عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) كلام المؤمن أطهرُ من ماء السماء: الكلام أكبر عمل سيئ، إذ ليس المؤمن بالطَعَّان، ولا اللعَّان، ولا الفاحشِ، ولا البذيء. والمؤمن لا يكون بذيئاً، بصراحة هل في مزحه يوجد جنس أو غمز ولمز وكلام مغشوش؟ هذا والله بعيد عن الإيمان، فكلام المؤمن أطهرُ من ماء السماء، وأنقى من الثلج، ولا يلفظ كلمة مغشوشة أو معيبة إطلاقاً، وهناك كلام يغشه الناس، كيفما تكلَّمَ يغشَّه ويحوِّره ويقول: هكذا تقصد ؟ فتجيبه: والله لم أقصد هذا الكلام. وهؤلاء هم أهل الدنيا بسبب بعدهم عن الله عزَّ وجلَّ، يضحكون لهذا المُزاح الرخيص، الَّذي يحوِّل الكلام إلى معانٍ كلُّها مما يكون بين المرءِ وزوجه.. وبالمناسبة إذا تحدَّث الإنسان لمن حوله عمَّا يجري بينه وبين امرأته فهذا فاقد الشرف وهناك أحاديث كثيرةً جداً تنهى عن ذلك. قصة درواس مع هشام بن عبد الملك: قد رويت لكم قصَّةً بشكلٍ مختصر وسأرويها الآن تفصيلاً.. قال: قحطت البادية في أيَّام هشام بن عبد الملك، فقدمت القبائل إلى هشام ودخلوا عليه، وفيهم درواس بن حبيب وكان عمره أربع عشرة سنة، فلمَّا دخلوا على هشام ارتبكوا، فأحجمَ القوم وهابوا هشاماً، ووقعت عين هشامٍ على درواس فاستصغرهُ، فقال لحاجبه: ما يشاءُ أحدٌ أن يصل إليَّ إلا وصل، حتَّى الصبيان !! فعلِمَ درواس أنَّه يُريده فقال: يا أمير المؤمنين: إنَّ دخولي لم يُزرِ بك ولكنَّه شرَّفني وإنَّ هؤلاءِ القوم قدموا لأمرٍ أحجموا دونهُ، وإنَّ الكلام نشرٌ، والسكوتَ طيٌ، ولا يعرفُ الكلام إلا بنشره. فقال هشام: فانشُر لا أبا لك. قال: يا أميرَ المؤمنين أصابتنا ثلاثُ سنين، فسنةٌ أذابت الشحم، وسنةٌ أكلت اللحم، وسنةٌ دقَّت العظم، وفي أيديكم فضولُ مال فإن كانت للهِ ففرِّقوها على عباد الله المستحقّين لها، وإن كانت لعبادِ الله فعلامَ تحبسونها عنهم، وإن كانت لكم فتصدَّقوا بها علينا فإنَّ اللهَ يجزي المتصدِّقين، ولا يضيع أجرَ المحسنين، واعلم يا أمير المؤمنين أنَّ الوالي من الرعيَّة، كالرُّوحِ من الجسد، ولا حياةَ للجسد إلا به. فقال هشام: ما ترك الغُلامُ في واحدةٍ من الثلاثِ عذراً.. وأمرَ أن يعطى إلى باديَته مئة ألف درهم، وأمرَ لِدرواسَ وحدهُ بمئة ألفٍ أُخرى. فقال: يا أميرَ المؤمنين ارددها إلى أعطيةِ أهلِ البادية فإني أكره أن يعجزَ ما أمرت لهم بهِ عن كفايتهم. قال له: ما لك من حاجةٍ تذكُرُها لنفسكَ ؟ قال: لا.. ما لي من حاجةٍ دون عامَّة المسلمين. السلف الصالح كان لا يطلب لنفسه شيئاً بل لعامَّة المسلمين: السلف الصالح إذا التقى بمسؤول، كانوا يطلبون طلباً عاماً للمسلمين، لا يطلب طلباً خاصاً له، أو حاجات شخصيّة، والعلماء العاملون المخلصون لا يطلبون لأنفسهم شيئاً، بل لعامَّة المسلمين.. فأنا الآن أُمثِّل الذين كلَّفوني أن أصل إلى هذا المسؤول، فهل ينبغي لي أن أطلب حاجةً شخصيَّة ؟. قال له: فما لك من حاجةٍ تذكرها لنفسك ؟ قال: ما لي من حاجةٍ دون عامَّة المسلمين. ظاهرة الميوعة والانحلال أساسها تقليدُ الأجانب: في الحقيقة عندنا ظاهرةٌ أُخرى وهي: ظاهرة الميوعة والانحلال، و أساسها تقليدُ الأجانب.. روى البخاريُّ ومسلم. (( خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ أَحْفُوا الشَّوَارِبَ وَأَوْفُوا اللِّحَى )) (رواه البخاري ومسلم عَنِ ابْنِ عُمَرَ) أي خالفوهم، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من تشبَّه بقومٍ حُشرَ معهم.. ومن هوي الكفرةَ حُشر معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً، تجد شاباً بأيَّام بطولاته كل همّه زينته الظاهرة، يجلس ساعات وراء المرآة كأنَّه فتاة، هذا من الميوعة والانحلال، وفي حديثٍ آخر: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا لا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلا بِالنَّصَارَى فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الإشَارَةُ بِالأصَابِعِ وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإشَارَةُ بِالأَكُفِّ)) (سنن الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ) وروى الترمذي عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّمَ أنَّه قال: (( لَا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلا تَظْلِمُوا)) (رواه الترمذي عَنْ حُذَيْفَةَ) يمكن للإنسان أن يقلد الأجانب لكن في العلم لا في الأخلاق والسلوك: لا يكن الإنسان مقلِّداً، بل يجب أن ينطلق الإنسان في تصرّفاته من دينه، لا بالتقليد الأعمى، وفي الحقيقة توجد نقطةٌ دقيقةٌ.. نحن يمكننا أن نقلِّدَ الأجانب ولكن في العلم لا في الأخلاق والسلوك، وتحضرُني كلمة وهي لأحد الأُدباء قال: ثقافة أيَّة أمَّة بمثابة عسلٍ، استُخلِصَ من زهرات مختلف الشعوب على مرِّ الأجيال، وهل يعقل إذا لدغتنا جماعة من النحل أن نقاطع عسلها. الثقافات تؤخذ، والعلوم تؤخذ، لكن العادات والتقاليد لا تؤخذ فماذا نأخذ وماذا ندعُ من الغربيين ؟ قال: نأخُذ ما في عقولهم، وندعُ ما في نفوسهم. وبمناسبة أنَّ ثقافة كلَّ أُمَّةٍ ملكُ الأمم جميعاً، يقول النبيُّ عليه الصلاة والسلام: (( طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَوَاضِعُ الْعِلْمِ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ كَمُقَلِّدِ الْخَنَازِيرِ الْجَوْهَرَ وَاللُّؤْلُؤَ وَالذَّهَبَ )) (سنن ابن ماجة عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) وكذلك قال: (( اطلبوا العلم ولو في الصِّين )) وقال: ((الحكمةُ ضالَّةُ المؤمن، فحيث وجدها فهو أحقَّ بها )) (سنن الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) من أساليب مكافحة الميوعة والانحلال: 1 ـ عدم التقليد الأعمى لأهل الغرب: لو أنَّ لنا أعداء وعندهم إنجاز حضاريٌّ، أو علمي، فيمكننا أن ننقله إلينا، ولا يمنعنا من أخذه أنَّهم أعداء، خذ ما في عقولهم ودع ما في نفوسهم، فالعلم ليس له وطن، ومن التعصُّب أن تنسب علماً ما إلى وطن.. لأن العلم عبارة عن كشف لقوانين قد قننها الله عزَّ وجلَّ، فمن يكشف القانون نأخُذه منه مهما كان، فنحن نحارب التقليد الأعمى بالعادات والتقاليد، أمَّا في شؤون العلم والتقدُّم الحضاري فهذا نقتبِسُه، فالإسلام مرن سمح لنا أن نأخُذَ ما لا يتعارض مع ديننا ولا سيَّما أنَّ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴾وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ﴿ (سورة الأنفال) فإذا لم يكن عندنا قوَّة تكافئ قوَّتهم فكيف ننتصر عليهم ؟.. إذاً من أساليب مكافحة الميوعة والانحلال، عدم التقليد الأعمى لأهل الغرب. 2 ـ النهي عن الاستغراق في التنعُّم: الشيء الثاني: النهي عن الاستغراق في التنعُّم.. دقِّقوا في هذه الأحاديث أيُّها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام في الصحيحين: عن عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه أنَّه كتبَ إلى المسلمين المقيمين في بلاد فارس فقال: إيَّاكم والتنعُّم وزِيَّ أهل الشرك. ((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ )) (رواه الإمام أحمد عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) ليس أبعد عن النفس من شاب غارق في النعيم، فهو يزعج كل إنسان وينزعج من كل شيء، فالذي يحبُّه الإنسان عادةً أن يكون شاباً مخشوشناً، يتحمل شظف العيش، والنبيّ صلى الله عليه وسلم قال: (( اخشوشنوا فإنَّ النِعم لا تدوم)) أمّا الاستغراق في النعيم فمشكلةٍ كبيرة. الابن ذخيرةٌ الأب وهو وسيلته إلى الجنَّة: وفي درسٍ آخر إن شاءَ الله تعالى نتابعُ الحديثَ عنِ التربية الخُلُقيَّةِ، الَّتي ينبغي أن يربِّيها الأبُ المسلم لأولاده، ونيتنا أن يستوعب الإنسان هذه الدروس و يستمع إليها مرة ثانية، أو ثالثه ويكتُب بعض الملاحظات، حين تتراكم عنده التصوُّرات والقناعات، فيجد نفسه من غير شعور يقوم بتوجيه أولاده التوجيه الصحيح، وهذا التوجيه الصحيح أساسيّ، وحينما يرى الإنسان ابنه على دينٍ قويم، وعلى أدَبٍ رفيع وعلى أخلاق رضِيَّة. وعلى همَّة عالية وإنتاج حسن فهذا الابن هو ذخيرةٌ للأب وهو وسيلته إلى الجنَّة. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#5 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : ( الخامس ) الموضوع :التربية الخلقية ( 3 ) الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مع الدَّرس الخامس من دروس تربيَّةِ الأولادِ في الإسلام. الابن استمرارٌ لأبيه قضية مهمة جداً في التربية: هناك نقطةٌ دقيقةٌ جداً في موضوع التربية وهي: أنَّ الإنسان حينما ينشأ وحينما يكبر تتنامى خبراته، تصوَّبُ قناعاته، تعمُقُ خبرته، يكثُرُ وعيُهُ، فإذا بلغَ الأربعين أو الخمسين، وأَكاد أقول هذا الكلام في الأعمِ الأَغلب، ما من إنسان إلا ويتمنى أن يعودَ شاباً بقناعات الشيخوخة، ليشكِّلَ حياته تشكيلاً آخر، يقول: يا ليتني أَعرفُ هذه الحقيقة لكنت من أسعدِ الناس بها، يا ليتني عرفتُ ربّي قبل هذه السن. هناك قضيَّةٌ في التربية ثمينةً جداً وهي: أنَّ الابن استمرارٌ لأبيه، فإذا فاتك شيءٌ أيها الأخُ المؤمن في شبابك، فلك أن تتدارك هذا في أبنائك، كُلُّ الأخطاء التي وقعت بها حينما كانت خبرتك ضعيفةً، وحينما كنت غيرَ مستكملٍ لقواعِد إيمانك، فبإمكانك أن تتلافى هذا التقصير وهذا الجهل، وهذه الأخطاءِ الفاحشة في ابنِك، فلذلك يحقق الإنسان أحياناً قناعاته المتنامية المتراكمة، وتصوُّراته الصحيحة، وقيمه الرفيعة، ومبادئه الثمينة في ابنه، فما أعظم أن تستخدم كلَّ خبراتك، وكلَّ قناعاتك، وكلَّ إيمانك في تربيةِ أولادك، هؤلاء الأولاد بضعةٌ منك، فإذا عرفوا ربَّهم وعرفوا منهجَ الله عزَّ وجلَّ، فكأنك تعيش أبداً. لأنَّ هذا الابن استمرارٌ لك، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام يؤكِّد هذا المعنى: (( إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ )) (سنن الترمذي عن أبي هريرة) سعادة الإنسان الحقيقية تتجلى برؤية ابنه في أعلى درجات الخوف من الله: هذه الأفكار التي أُلقيها في هذا الدرس أُريد منها شيئاً واحداً.. أن أُثيرَ فيكم أعلى درجات الاهتمام بتربيةِ أولادكم، لأنَّ الأبَ الذي يوفِّقُه الله عزَّ وجلَّ لتوجيه ابنه التوجيه الصحيح، وتنشئته التنشئةَ المثلى، وتعليمِه التعليم السليم، وتخليقِه بأخلاق الإسلام، يدخُلُ على قلبه من السعادة، واللهِ الَّذي لا إله إلا هو لا تستطيعُ أُلوفُ الملايين أن تمنحك هذه السعادة، ولا تستطيعُ كلُّ المناصِبَ الرفيعة أن تمنحك هذه السعادة، ولا تستطيعُ كلُّ هذه الدنيا بمباهجها أن تعطيك هذه الهناءة، وهي أن ترى ابنَكَ الذي هو بضعةٌ منك، واستمرارٌ لوجودك وعملك، و هو تجسيدٌ لقناعاتك وإيمانك، وأخلاقِك ومبادئك، أن ترى ابنك في أعلى درجات القرب، والخوف من الله، ونفعِ العِباد. ولذلك فمفتوحة أمامك أبوابٌ من الخير لا يعلمها إلا الله، فواحدٌ تربِّى تربيةً صالحةً، كألف فهل تعلم هذا الابن ماذا سيكون ؟ وقد يكون أكبرَ داعيةً في العالم الإسلامي، قد يكون أكبرَ مصلحٍ اجتماعيّ، أو علماً من أعلام الأُمَّة، وكلُّ عمله في صحيفتك، أنت أبوه أنت الذي ربيِّته، و نشَّأته هذه التنشئة. الابن هو أعظم سعادة لأبيه: قبل أن يدخل الإنسان في موضوعات عامة مثل: موضوعات المسلمين خارج الوطن الإسلاميّ، وقبل أن يحشر نفسه في قضايا، يوجد بين يديه عمل، لا أحد في الأرض يستطيع أن يمنعه من فعله.. هو بيتك وأولادك، إذا دخلت بيتك فهو مملكتك.. و هؤلاء أولادك بالإقناع، وبالإحسان، والتربية الهادئة، بالتعليم وبالإكرام، بالإعراض أحياناً وبالمعاتبة والمتابعة، يستطيع هذا الابن أن يتشكَّل تشكيلاً إيمانياً رائعاً. وربنا عزَّ وجلَّ عندما قال عن سيدنا إبراهيم: فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) (سورة الصافات) قوله تعالى فلما بلغ معه السعي، هل وقفتم عند هذه الآية ؟. فعندما يرى الإنسان ابنه وقد أصبح رجلاً وهو يده اليمنى، ويتمثَّل أخلاق أبيه ومبادئه وقيمه، وهو متدينٌ وصالحٌ، وهذا الابن هو أعظم سعادة لأبيه، والأب مشرَّف تشريفاً لا يعلمه إلا الله، مشرَّف لأنَّ الله أسند إليه دور التربية واللهُ هو ربُّ العالمين. لكرامة الإنسان على الله عز وجل سمح له أن يكون مربياً: أقرب اسم إلَهي للإنسان الرَّب.. الحمد لله ربِّ العالمين، ربنا يربِّي العباد.. يربِّي لك جسمك، لكنَّ الأبلغ من ذلك أنه يربِّي لك نفسك، فيخوِّفك أحياناً، أو يكرمك، أو يعطيك، أو يحرمك، أو يجعلك ترى مناماً مخيفاً، أو يجمعك مع أهل الحقِّّ، أو يسمعك الحقُّ صرفاً بيِّناً، فالله يعالجك من حال إلى حال، ومن طور إلى طور، وهو المربِّي، فلكرامتك عليه سمح لك أن تكون مربِّياً، كما يربِّي عباده قال لك: ربِّ أولادك وأنت تعلَّم من الله كيف يربِّي عباده، وقد دخلنا الآن في موضوع جانبي ولكن له علاقةً بموضوعنا الأساسي. الإنسان مكرَّم ومعنى ذلك أن الله قد سمح له أن يكون مربِّياً، وسمح له أن يكون مشرِّعاً، وجعل نصوصاً ظنِّيَّة الدلالة تحتاج إلى إعمال نظر، واجتهاد، فلكرامتك عليه جعل الإنسان يقوم بدور المشرِّع المستنبط، ورضيَ اللهُ أن نعبُدهُ باجتهاد المجتهدين، وأعطى المجتهد ميزةً لا يعلمها إلا الله، قال صلى الله عليه وسلم: من اجتهد فأصاب فله أجران، ومن اجتهد فأخطأ فله أجر. فأنت بصرف النظر عن نتائج اجتهادك، بين الأجر والأجرين، إذاً لكرامتك عليه، سمح لك أن تكون مربِّياً، وسمح لك أن تكون مشرِّعاً، وسمح لك بخصائص أودعها في الكون، كأن تكون مبدعاً. كل إنسان فرد لا مثيل له في الحياة بقدرة الله عز وجل: حدَّثني طبيب قال لي: أحدث البحوث في العالم هي الهندسة الوراثيَّة.. أي الحوين والبويضة، وعلى كلٍ منهما هندسة وراثيَّة تزيد على خمسة آلاف مليون معلومة، وقد عرف العلماء منها ثمانمئة معلومة فقط، فوجدوا أنَّ بعض الأمراض كالكلسترول، حيث يتراكم في الشرايين، وحيث يضعف القلب، فيصاب الإنسان من خلال هذا التصلُّب، وهذا الضَّعف بأزمات قلبيَّة حادَّة، وجدوا أنَّ بعض المورِّثات مسؤولة عن هذا، فالآن كلَّ التجارب على التدخُّل في المورِّثات، سمح لك أن تكون مبدعاً. في عالم النبات.. عالم بذور الهجين وهو عالمٌ قائمٌ بذاته، يقولون إنَّ هذه البذرة مهجَّنةً فما معنى ذلك ؟ أي إنَّهم قد زاوجوها مع أصناف عديدة مثلاً: صنف مقاوم للبرودة، وذلك بإجراء تزاوج بين هذه البذرة وصنفٌ آخر يقاوم درجة البرودة.. أو مع صنف له إنتاج مديد، أو مع صنف إنتاجه مبكِّر، أو مع صنف إنتاجه غزير، أو مع صنف يتميَّز بالحموضة المحبَّبة، أو بالشكل المحبَّب، واللون المحبَّب.. فبعض البذور فيها مزاوجات تزيد على ثماني مرَّات، أليس هذا إبداعاً ؟ فالله سبحانه وتعالى قد سمح للإنسان أن يكون مبدعاً، وسمح له أن يكون مربياً، وأن يكون مشرِّعاً، وجعله فرداً لا مثيل له، وهذا من صفات الله عزَّ وجلَّ الواحد الأحد الفرد الصمد لا يوجد إنسان يماثلك، بالشكل أو اللون أو كيمياء الدَّم فكل إنسان له كيمياء دم خاصَّةٌ به، بلازما خاصَّة به، وكل إنسان يتمتَّع بقزحيَّة خاصَّة، ولا يوجد على الأرض إنسان واحد يماثلك في شكل القُزحيَّة.. لذلك فقد صمموا أنواعاً من الأقفال في أمريكا، لا تفتح إلا بوضع العينين على فتحتين في القفل، لا يستطيع أيُّ إنسان آخر فتح القفل، فأنت تنفرد بالقزحيَّة، وبلازما الدم تنفرد بها كذلك، ونبرة الصوت، ورائحة الجلد، والبصمة، والشكل. تكريم الله الإنسان بمنحه حرّية الإرادة والفرديَّة والتشريع والتربية: وقد اكتشف العلماء الآن موضوعاً جديداً فكما توجد زمر دمويَّة كذلك توجد زُمر نسيجيَّة، وإنَّ عددها المكتشف حتى الآن هو اثنان ونصف مليار زُمرةٍ نسيجيَّة، فكم عدد العالم ؟ خمسة مليارات.. حتى الآن تجد شخصاً واحداً في الأرض فقط يتشابه معك في الزمرة النسيجيَّة، ولكنَّي أعتقد أنَّه بعد حين سيكتشفون أنَّ عدد الزُمر النسيجيَّة بعدد سكَّان الأرض، أيّ لا أحد في الأرض يشبهك من حيث الزمر النسيجيَّة. كلُّ هذه المكتشفات في الإنسان، من زمر نسيجيَّة، وبلازما الدَّم، ورائحة الجلد، ونبرة الصَّوت، وقزحيَّة العين، مع بصمة اليد، تؤكِّد أَنَّك لا مثيل لك.. هذه من صفة الله عزَّ وجلَّ الواحد الأحد الفرد الصَّمد، الله عزَّ وجلَّ مريد.. أعطاك حرِّية الإرادة. وهناك حديث بين العلماء وهو: إنَّ الله خلق آدَمَ على صورتِهِ. و تكريماً لك أعطاك حرّية الإرادة، والفرديَّة، والتشريع، والتربية، وكذلك الإبداع. فالإنسان يمكنه أن يتلافى كلَّ ماضيه، وكل قصوره، وأخطائه، ورعوناته السابقة، وقسوته السابقة يستطيع أن يتلافى كل ذلك في أولاده، فإنني معجبٌ بأب يعطي كلَّ اهتمامه لتربية أولاده، لأنَّ ابنَكَ هو أولاً أمانةٌ بين يديك، فالله عزَّ وجلَّ جعله لك هديَّةً، وهو في البيت مسعد، يملأَ البيتَ سروراً، لكن عندما يشذُّ وينحرف فهو بلاءٌ من الله عزَّ وجلَّ، لا يرقى إليه بلاء، لذلك من الممكن أن تشقى أُسرةٌ بأكملها من ابنٍ منحرف، فالأخطاء السابقة تتراكم فتصنع إنساناً منحرفاً. على الإنسان أن يتجه إلى بيته و عمله و يقيم الإسلام فيهما: فيا أيُّها الأخوة قد أردَّت من هذه الدروس أن يتَّعظَ بعضُنا من بعض، وأن تقدَّم لكم خبرات هي الآن ناضجةٌ جداً، مأخوذةٌ من حقائق القرآن، ومن حقائق السُّنة النبويَّة الشريفة، وأقول لكم هذه الحقيقة دائماً وأبداً: دعك من الأمور العامَّة وادخل إلى مملكتك.. إلى بيتك وإلى عملك وأقم الإسلام فيهما، وانظر كيف أنَّ الله سبحانه وتعالى يصلحُ المسلمين، لا يغيِّرُ اللهُ ما بقومٍ.. حتَّى يُغيِّرَ المسلمون ما بأنفسهم.. فإذا غيَّروا ما بأنفسهم غيَّر اللهُ ما بهم، أي أن القوى الخارجَة التي لا يستطيعون أن يواجهوها، عندهم طريقةٌ واحدةٌ للتغلب عليها.. أن يصلحوا ما بأنفسهم. فنحنُ مطالبون وهذا الكلام موجَّه إلى أشخاص عديدين، موجَّه إلى شابٍّ في مقتبل عمره سيتزوَّج، وفي الأعمِّ الأغلب يهتمُّ الشاب بزوجته، فقد دخل إلى عالمٍ جديد، وموضوعُ الأولاد لا يأخذ منه سوى حيِّز صغير جدَّاً، فمتى يصحو ويستيقظ ؟ بعد أن يرى أنَّ أولاده قد انحرفوا.. فيصيح ويستغيث ويستنجد، ولكن بعد فوات الأوان، فأنا أُريد أن تُقدَّم الخبرات لإخواننا المؤمنين، المستنبطة من كتاب الله وسنَّة رسوله، للشباب المتزوِّجين حديثاً لئلا يقعوا في أزمة الاهتمام بزوجاتهم على حساب أولادهم، الابن إذا أهملته شبَّ ونما نموَّاً منحرفاً، لذلك فأنا أُرحِّب بكل أب يأتي ومعه أولاده، ولا شيء يسعدني مثل هذا، نتحمَّل كلَّ المتاعب لأنَّه ابنك، فإذا ألفَ المسجد وسماع الحقّ فهذا شيء عظيم جداً. الطفل الصغير كالعجينة يشكلها الإنسان كيفما يريد: في العيد السابق خصّصنا هديَّةً لكل ابن يأتي مع والده، وهذا من تطبيق السنَّة، فحدَّثني أحد إخواننا أن ابنه قد تحدَّث مع أُمُّه وقال لها: قد أحببت هذا الشيخ لأنَّه أعطاني هديَّة. ومرةً حضر طفل مع والده الدرس وأعطيته قطعة من الحلوى، وقلت لوالده: أنت تأثرت من هذا الدرس الذي سمعته، أمّا ابنك فلم يتذوَّقه حتماً، أمَّا الآن فأصبح له طعم حلو، فالطفل قطعة من الحلوى أو نزهة ترضيه. نحن نريدكم مع أولادكم، فابنك قطعةٌ منك، وهو أغلى شيء عليك، من باب مزح التعليم أقول: النجَّار يتعامل مع الخشب، والحدَّاد مع الحديد، والطبيب أشرف مهنة مع المرضى، والمحامي مع المشكلات، والمعلِّم يتعامل مع أطهر فئة في المجتمع، فالطفل وردةٌ فليس عنده كذب، ولا نفاق ولا احتيال، بريء وطاهر، وهو كالعجينة تشكِّلها كيفما تريد، فلذلك أيُّها الأخوة نحن نريد الإسلام والحياة، لا نريد إسلاماً في بطون الكتب، نريد إسلاماً يتعايش معنا، ويدخل إلى بيوتنا وأعمالنا، نريد إسلاماً يسعدنا ويجعلنا أشخاصاً متميِّزين. فلنتصوَّر الصحابة الكرام، لو كانوا كبعض المسلمين المعاصرين فهل تصدِّقون أنَّ الإسلام يخرج من مكَّة ؟ والله لا يتجاوزها متراً واحداً، فكيف وصل الإسلام إلى العالم ؟ المسلم إنسان بنى حياته على العطاء لا على الأخذ: المسلم شخصيَّة فذَّة ونادرةٌ جداً، وإنسان ممتلئ بالقيم وبالمبادئ وبالتضحية، قد بنى حياته على العطاء لا على الأخذ، و نحن نتمنى للأخ المؤمن أن يكون عطاؤه للمجتمع وهذه الدروس.. دروس الأحد من أجل أن تعطي أولادك فقط، ونريد أن يكون هذا العطاء ضمن البيت، تجعله يحفظ القرآن..و تعلِّمه، فهذا المعهد الذي افتُتح في هذا المسجد الهدف منه: هذا الطفل الصغير و ما الذي يحفِّزه على المجيء إلى هذا المسجد ؟ أنزهة، أم مسبح، أم ملعب، ففي الصيف الماضي كان عندنا ثلاث عشرة شعبة، كلُّ الذي جذبهم إلى المسجد وجود مناشط إسلاميَّة منضبطة، فعندما يحب ابنك المسجد ويحب قراءة القرآن فهذا شيء يسعدك كثيراً، ففي الحديث الشريف: (( سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: الإمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ )) (صحيح البخاري عن أبي هريرة) إنني أتصوَّر أنَّ بيت المسلم قطعةٌ من الجنَّة، ليس فيه الملهيات، بل فيه قرآن، فيه رحمن، وعبادات، وتوجيه سليم، و مودَّةٌ ومحبَّةٌ وتسامح. السكينة و الحب في البيت تنسيان الإنسان كل متاعب الحياة: أيها الأخوة الكرام: إنَّ الإنسان يتحمَّل أشقَّ الأعمال، إن كان سعيداً في بيته، إذ توجد أعمال شاقَّة وأُخرى لا تُحتمل، فالحياة كلَّها مشكلات ومؤامرات، ولكن يوجد شيءٌ واحدٌ ينسيك كلَّ هذه المتاعب: أن تدخُلَ إلى بيتك فترى فيه السكينة والحبَّ والودَّ، وترى فيه التقدير، فعندما ترعى بيتك فأنت بذلك تسعد نفسك، فقد قال الله عزَّ وجلَّ: وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) (سورة الروم) نحن في الدَّرس الماضي، وصلنا إلى أنَّ الطفل لا بد من أن تقاوم فيه ظاهرة الميوعة والانحلال. ونحن نرى في الشباب والأطفال عندهم من الميوعة والانحلال والبذاءة الشيء الذي لا يحتمل، هذا الطفل عبء على أهله، وأوَّل شيء نقاومه من هذه الميوعة هو: أن نحذِّره من التقليد الأعمى. على الأب أن يملأ حياة ابنه بالمثل الأعلى و الأبطال الحقيقيين: قد ذكرت لكم في الدرس الماضي أنَّ النبيّ عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاريُّ ومسلم يقول: (( لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا لا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ وَلا بِالنَّصَارَى فَإِنَّ تَسْلِيمَ الْيَهُودِ الإشَارَةُ بِالأصَابِعِ وَتَسْلِيمَ النَّصَارَى الإشَارَةُ بِالأَكُفِّ )) (سنن الترمذي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ) ويقول: (( مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ )) (سنن أبي داود عَنِ ابْنِ عُمَرَ) ويقول: (( من هوي الكفرةَ حُشِرَ معهم ولا ينفعه عمله شيئاً )) أي إنَّ الأب الراقي يجب أن ينزع من ابنه رغبةَ التقليد للأجانب، إذ توجد أعياد غربيَّة مثل عيد رأس السنة، سهرة في فندق، أو متابعة شيء معيَّن، أو سهرات، أو طرق معيَّنة في التعامل، فيجب أن تنتزع من ابنك هذا التقليد الأعمى المقيت، وأن تُؤدِّبه على حبِّ النبيِّ، و آلِ بيته، و تلاوة القرآن، أي أن تملأ نفسه بأصحاب رسولِ الله، بدلاً من المغنين والمغنيَّات، ولاعبي الكرة، وكل إنسان بحسب التغذية، فإن حدَّثته عن سيِّدنا سعد أو سيِّدنا معاذ، أو عن مصعبٍ بن عمير، أشخاص ملء السمع والبصر لهم بطولات ومواقف، ولهم محبَّتهم لله ورسوله، وانضباطهم، وتضحيتهم وفداؤهم، فدائماً الشاب يحبُّ البطولة، فهو يريد نوعاً من أنواع البطولة، فإذا كان بالمصادفة وجد بطولات أساسها إغواء الفتيات مثلاً، أو باللعب على الناس، أو بالاحتيال، فهذه بطولة كذلك، فإن جعل هؤلاء قدوته، فهذه مشكلة كبيرة، وعند الابن فراغ، يجب أن يملأَ فراغه و بالمثل العليا وبالأبطال الحقيقيين، الذين شهد لهم النبيِّ عليه الصلاة والسلام، وشهد لهم القرآن الكريم. الأخلاق الفاضلة هي التي تبعد عن الابن الانحلال و الميوعة: وأهم حديث في هذا الموضوع.. (( لا تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلَا تَظْلِمُوا )) (سنن الترمذي عَنْ حُذَيْفَةَ) وقد ذكرته في الدرس الماضي ولكن أذكره الآن ليكون الموضوع متكاملاً، وذكرت أيضاً أنَّه لا مانع من اقتباس الثقافة عن الأجانب.. كلمةً أحفظها لأحد الأُدباء رائعة يقول: ثقافة أيَّة أُمَّة ما هي إلا عسل استخلص من زهرات مختلف الشعوب على مرِّ الأجيال، فليس هناك مُلكيَّةٌ للثقافة، أمَّا العادات والتقاليد والأساليب والأخلاق فهذه مرفوضة كلُّها. هذا هي الشيءَ الذي يدفع عن أبنائك الميوعة والانحلال.. فأنا لم أرَ أباً يبالغ في ترفيه أولاده، إلا نشؤوا نشأةً لا تُحتمل، فلا تظنَّ إن أطعمته كثيراً، وسمحت له أن يسهر إلى أيَّة ساعةٍ يريد، وأن يطلب أي طلب فينفَّذ فوراً، فهذا الابن بهذه التربية لا تجد أحداً يحتمله، وسوف يواجه حياةً صعبةً جداً، فلا يتحمَّلَ الابنَ إلا الأب والأُم. تُروى قصَّةً ذات عمق كبير، أنَّ اثنين تراهنا على حلم الخليفة الأُموي معاوية ابن أبي سفيان.. فدفعا طفلاً غمزهُ وهو يصعدُ المنبَر، وقد كان معاوية وافر الذكاء فقال للغلام: خذ الرهن يا غلام.. ولم يفعل شيئاً، هذا الغلام فعل الأمر نفسه مع خليفةٍ آخر فأمر بقطع رأسه، فقالوا: حلمُ معاويةَ قتلَ الغلام. فالذي قتله ليس الثاني بل الأوَّل. النهي عن الاستغراق في التنعُّم: أحياناً الأب بدافع من محبَّته لأولاده، يقوم بترفيههم أكثر من اللازم، ولا يحاسبهم إطلاقاً، وكذلك الأم.. بنومه وأكله وشربه و كلّ طلباته منفَّذة، حتَّى تصبح عنده قناعات أن كل شيء يمكن أن يحصل عليه، فإذا خرج من بيت أبيه للحياة العمليَّة فلا أحد يحتمله، وهذا الابن غالباً ما يخفق في حياته ويصبح منبوذاً، أمَّا إذا ربَّاه الأب تربية صارمة، حسب خطة النبي: (( اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم )) ( الجامع الصغير قريبا من هذا اللفظ عن ابن أبي حدرد ) وإن عوَّدت أولادك على تلبية جميع طلباتهم، فإن جاء لابنتك خاطب ممتاز، ومحدود الرَّاتب، فلن تستمر ابنتك في العيش معه أبداً، " اخشوشنوا وتمعددوا فإنَّ النعم لا تدوم " هكذا قال النبيِّ، وطِّن نفسك أن تأكُلَ كلَّ شيء مما لديك، من طعام ولو كان بسيطاً، فحسبُ ابن آدم لقيمات يُقمن صلبه، وليس القصد حرمانه، ولكن أن تناقشه في طلباته، هذه هي التربية، أمَّا الميوعة أن تعوِّده على تلبية جميع رغباته، فلذلك النهي عن الاستغراق في التنعُّم وهذا هو الإجراء الثاني. ((أَبِو عُثْمَانَ قَالَ: جَاءَنَا كِتَابُ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ وَنَحْنُ بِأَذْرَبِيجَانَ يَا عُتْبَةَ ابْنَ فَرْقَدٍ وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ وَزِيَّ أَهْلِ الشِّرْكِ وَلَبُوسَ الْحَرِيرِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانَا عَنْ لَبُوسِ الْحَرِيرِ )) (مسند الإمام أحمد عَنْ أَبِي عُثْمَانَ) وفي رواية الإمام أحمد: ذروا التنعُّمَ و زِيَّ أهل العجم. ((عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ )) (مسند الإمام أحمد عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ) على الإنسان أن ينهى ابنه عن الاستماع للموسيقا والغناء لأنهما يؤديان إلى النفاق: أيقظه للصلاة ولا تتركه ينام، وإن أكل أكلاً زائداً عن الحد فقم بتنبيهه وقل له: ستصبح سميناً.. ويكون لك تصرُّفات غير محتملة، فعندما يقوم الأبوان بتربية أولادهما على الاعتدال، والانضباط والخشونة أحياناً، فقد تجد من نشأَ في الفقر أحياناً، كثير اللطف، متواضعاً، ويعرِفُ قيمةَ المال، الحاجات، الطعام. والنهي عن الاستماع للموسيقا والغناء.. ولي درس كامل منذ سنوات، جعلتهُ عن الغناء مع التفاصيل والأحكام، فلا يجتمع في إنسان غناءٌ وقرآن.. فهما متناقضان، إمَّا القرآن أو الغناء، والغناء ينبتُ النفاق، ولا سيَّما إذا كان بصوت امرأةٍ فصوتُها في الغناءِ عورة، ولا سيَّما إذا كان بمعانٍ مبتذلة، تثيرُ الغرائز، لكن الصوت الحسن مطلوب ومقبول، فقد قال صلَّى الله عليه وسلَّم: ليُؤذِّن بلالٌ فإنَّه أندى منك صوتاً. فالصوتُ الحسن مقبول، في القرآن، أو الأذان، أو في مديحِ رسولِ الله، فنحن لسنا ضدَّ الشيء البريء الصحيح، لكن عندما نوظِّف النغم في معانٍ ساقطة أو في أصوات هي عورة تثير الغرائز، نكون قد صرفنا الإنسان إلى طريقٍ لا يرضي الله عزَّ وجلَّ. لذلك روى الإمام أحمد بن حنبل. (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بَعَثَنِي رَحْمَةً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ وَأَمَرَنِي أَنْ أَمْحَقَ الْمَزَامِيرَ وَالْكَبَارَاتِ يَعْنِي الْبَرَابِطَ وَالْمَعَازِفَ وَالأوْثَانَ الَّتِي كَانَتْ تُعْبَدُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَقْسَمَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ بِعِزَّتِهِ لا يَشْرَبُ عَبْدٌ مِنْ عَبِيدِي جَرْعَةً مِنْ خَمْرٍ إِلا سَقَيْتُهُ مَكَانَهَا مِنْ حَمِيمِ جَهَنَّمَ )) (رواه الإمام أحمد عَنْ أَبِي أُمَامَةَ) علينا أن نوظف النغم إن وجد في مدح النبي الكريم و تلاوة القرآن الكريم: أنا أقول لكم كلمة والله أعلم.. والله الَّذي لا إله إلا هو لو جمعتَ ذوَّاقي الغناء في العالم، ما طربوا بأُغنياتهم المحبَّبة كما يطرَب المؤمن بكلام الله حينما يتلى عليه، فلا تظن أن المؤمن محروم، فهو والله أَشدُّ ذوقاً، وأكثر طرباً، واستمتاعاً بالقرآن الكريم، وهو يتلى عليه أو وهو يتلوه، وبمديح رسول الله صلَّى الله عليه وسلم حينما يستمعُ إليه، فيمكن أن نوظِّف النغم الذي هو شيء مطرب في الحقِّ، في القرآن، وفي مديح النبيِّ العدنان. (( يَقُولُ لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ)) (رواه البخاريُّ وأحمد وابن ماجة عن أَبي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ) (( مَنْ صَوَّرَ صُورَةً عَذَّبَهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَنْفُخَ فِيهَا وَلَيْسَ بِنَافِخٍ وَمَنْ تَحَلَّمَ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ شَعِيرَةً وَمَنِ اسْتَمَعَ إِلَى حَدِيثِ قَوْمٍ يَفِرُّونَ بِهِ مِنْهُ صُبَّ فِي أُذُنِهِ الْآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) (سنن أبي داود عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ( والآنُكُ هو: الرصاصُ المذاب ) هذا شيء.. ولكن الإنسان في أوَّل طريق الإيمان يبلغه أنَّ الغناء حرام فلا يستمع إليه، لكن لو أنَّه كان يحبُّ أُغنيةً معيَّنةً، وسمعها عَرَضاً و طربَ لسماعها، وبعد حين اشمأزُّ منها، فما الذي حدث ؟ الذي حدث أنَّ إيمانه ارتقى، وهناك من يترك المعصية خوفاً من الله وهو يحبُّها، وهناك من يترُكها اشمئزازاً، فمعنى ذلك أنَّ النفس ارتقت إلى مستوى الشرع. (( من استمع إلى صوتِ غناءٍ لم يؤذنْ له أن يستمع إلى صوت الروحانيين في الجنَّة )) ( سنن الترمذي عن أبي موسى ) أي شيء يقرب الإنسان من المعاصي هو شيء حرام: وأقول لكم إن شاء الله: إن الإنسان يصل إلى مستوى لأن يمزَّقَ، أهونُ عليه من أن يصغي إلى صوت غناء، فلا يتحمَّل، ولكن هذه علامة رُقِيُّه، في البدايات يتمنى أن يسمع ما كان محبّباً له، لكن يخشى الله عزَّ وجلَّ، فكلَّما اقترب من أن يشمئزَّ من أُغنيةٍ كان يُحبُّها، فهذه علامة طيبة جداً، أنَّه بدأ في الاقتراب من أجواء القرآن الكريم.. ومن أراد أن يرجع إلى موضوع الغناء بالتفصيل، فيرجع إلى درسنا المسجَّل منذ فترة، والحقيقة لهذا الدرس قصَّة: فقد طلب أحد إخواننا الكرام هذا الدرس بإلحاح كثير فقرَّرت هذا الدرس، وهذا الأخ له قريب مغنٍ لامع، فأعطاه الشريط ولكنَّه صادق، فكانت توبته بسبب سماع هذا الشريط، وأقلع عن الغناء، وكانت كل حفلة يغنِّي فيها يدفع له عشرة آلاف دولار، وقد يسَّر الله له أعمالاً طيِّبةً ودخل في عالم الإيمان، فلذلك هذا الشريط له عندي طعم خاصَّ، لأنَّه كان سبباً في هداية مغنٍِّ. فأيّ شيء يقرِّبك من المعاصي، ويثير الغرائز و أيّ جهاز مرئي أو مسموع ويحوِّلك عن الله إلى الدنيا والمعصية فهو حرام.. فمثلاً إذا التقط أحد صورةً في عقد قِران، وعقد رجال يا غيرة الله.. التصوير حرام، وهذه الصور المتحرِّكة الملوَّنة التي تراها كلَّ يوم، وفيها عورات تتكشف، وفيها غرائز تُثار، أليست حراماً ؟!! يجب أن تكون منطقيَّاً، فهذه أيضاً صور متحرِّكة وملوَّنة وفيها كلّ الفتن.. فكل جهاز مرئي أو مسموع يقدِّم لك الفتن الَّتي تثير الغرائز، وأردّت بيتاً مسلماً وأولاداً منضبطين، وأن تصلِّي صلاةً تقبل بها على الله، فيجب أن يحظر استعماله في بيتك نهي الله عز وجل الإنسان عن التخنُّث والتشبُّه بالنساء: عندنا نقطة رابعة مهمة جداً وهي: النهيُ عن التخنُّث والتشبُّه بالنساء، لا تجد أجمل من شابٍ أنيقٍ، ولا تجد أبشع من شاب بالغ في الأناقة حتى اقترب من النساء، فلا يخرج من البيت إلا بكوي شعره، يسرِّحه ويخرج بعد أن يقف ساعات أمام المرآة ! ولذلك فقد جاء في الصحيحين: (( قَدِمَ مُعَاوِيَةُ الْمَدِينَةَ فَخَطَبَنَا وَأَخْرَجَ كُبَّةً مِنْ شَعَرٍ فَقَالَ مَا كُنْتُ أُرَى أَنَّ أَحَدًا يَفْعَلُهُ إِلا الْيَهُودَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلَغَهُ فَسَمَّاهُ الزُّورَ )) (صحيح مسلم عن سعيد بن المسيب) وفي لفظٍ آخر لمسلم أنَّ معاوية رضي الله عنه قال: ذات يومٍ: إنَّكم قد أحدثتم زِيَّ سوءٍ وإنَّ النبيَّ صلَّى الله نهى عن الزُّور: (( لَعَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالْمُتَرَجِّلاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَقَالَ أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ قَالَ فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فُلانًا وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلانًا )) (رواه البخاري وأبو داود والترمذي وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) أي إنَّ هذه التي ترتدي ثياب الرجال في الطُرقات، وهذه الثياب تصف حجم عوراتها كلِّها أليست ملعونةً عند الله عزَّ وجلَّ ؟.. لعن الله المخنَّثين من الرجال والمترجِّلات من النساء. وفي لفظٍ آخر: لعن الله المتشبِّهات من النساء بالرجال، والمتشبِّهين من الرجال بالنساء: (( حُرِّمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي وَأُحِلَّ لإنَاثِهِمْ...)) (رواه أبو داود عَنْ أَبِي مُوسَى الأشْعَرِيِّ) الحرير والذهب، تجد البعض يلبس خاتماً من الذهب بيده، وزِرَّان من أزرار قميصه مفتوحان، ويعلك بفمه علكةً، وظهره إن ركع يكشف، فأي شاب هذا؟! أجمل ما في الفتاة حياؤها و أجمل ما في الفتى رجولته و فتوته: بالطَّبع إذا قلنا تربية الأولاد، فنقصد بذلك الأولاد ذكوراً وإناثاً، الذكور لهم تربيةٌ خاصَّةٌ.. تقوم على الرجولة والإقدام والفتوَّة، والإناث لهن تربية خاصَّة تنهض على الحياء والخجل والتستُّر والأدب، فأجمل ما في المرأة حياؤها.. فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ (سورة القصص: الآية 25) فما الَّذي يلفت نظر الرجل في المرأة ؟ حياؤها، ويعبِّرون عنها تعبيراً جديداً: أُنوثتها.. أحياناً تتمتع الفتاة بأجمل مظهر، وإذا فقدت أُنوثتها فإذا هي غير مرغوبةٍ عند الرجال، فأجمل ما في المرأة أُنُوثتها وحياؤها وأدبُها.. فالله سبحانه وتعالى يقول: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) (سورة الأحزاب) هذه الآية قد فسَّرتها تفسيراً لطيفاً، أنه إذا رأيت في الطريق شاباً يرتدي لباس الدراسة، فهذه الثياب هي أقل دليل على أنَّه طالب علم، وقد يكون راسباً، أو حاصلاً على علامة صفر في جميع المواد، ولكن كونه يرتدي هذه البذلة فمعنى ذلك أنَّه طالب. حجاب المرأة المسلمة دليل إيمانها بالله عز وجل: المرأة المسلمة حينما ترتدي الحجاب فهذا أقلَّ ما يشير إلى أنَّها مؤمنة، وبقي عليها أن تكون زوجةً صالحة وتفقه أمر دينها، و حقَّ زوجها، وأولادها وتربِّيهم التربية العالية، أي أنَّ عليها أن تجتاز طريقاً طويلاً، ولكن أقلَّ شيء تعرف به أنَّها مؤمنة: حجابها.. كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) (سورة الأحزاب) فالطبيب أقلَّ شيء تعرفه به أنَّه طبيب هذه السمَّاعة، وكتابته الوصفة الطبيَّة، وقد تكون شهادته متواضعة أو معلوماته قليلة.. وأحياناً يضع المحامي ميزاناً وهو أقلَّ مظهر يعرف به أنَّه محامٍ.. وأحياناً تجد في جيب المدرِّس أُصبعاً أو قطعةً من الحوَّار فمعنى ذلك أنَّه مدرِّس، إذاً فحجاب المرأة أقل ما يشير إلى أنها مؤمنة، وليس أكثر ما يشير. على الإنسان أن يؤدب ابنه على غض بصره و حفظ فرجه: ثمَّ يقول الله عزَّ وجلَّ: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) (سورة النور) ويجب أن تؤدِّب أولادك على هّذا، ذكوراً وإناثاً، وفي الأحاديث الشريفة فيما رويَ: (( كَانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمَاتٌ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابَهَا مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ )) (رواه البخاري عن عائشة) و: (( كنَّا نخمِّر وجوهنا، أي نغطِّيها، ونحن محرمات مع أسماء بنت أبي بكر الصدِّيق رضي الله عنهما )) (الموطأ للإمام مالك عن فاطمة بنت المنذر ) (( تسدلُ المرأة جلبابها من فوقِ رأسها على وجهها )) ( أخرجه البخاري عن عائشة في فتح الباري ) ((مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا )) (رواه الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) جمال المرأة في حشمتها و ورعها: يقولون فلانة شريفة.. ولكنها تلبس ثياباً تحرِّك الجماد، فأيُّ شرفٍ هذا، تثيرُ الغرائز وهي لا تدري، كم من زوج كره زوجته من امرأةٍ متبرِّجةٍ في الطريق، وكم من شابٍ التفت إلى أشياء أُخرى وقد كان ينبغي له أن يبني مستقبله عن طريق امرأةٍ متبرِّجة ومتهتِّكة ومتفلِّتة. (( نساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مائلاتٌ مميلاتٌ، رؤوسُهُنَّ كأسنمة البخت المائلة، لا يدخُلنَ الجَّنةَ، ولا يجدنَ ريحها، وإنَّ ريحها ليوجد من مسيرة خَمس ماِئَةِ عام )) (موطأ مالك عن أبي هريرة). إن تبرز المرأةُ مفاتنها في الطرقات، فهي تقوم بهدم مجتمع دون أن تدري: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآَتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33) وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا (34) (سورة الأحزاب) وعند أهلِ الذّوق.. لا تبدو المرأة بحالةٍ أجملَ من أن تكون في وضعٍ محشوم.. فالحشمة لها جمالها، فحينما تبدو محشومةً منضبطة تبدو وكأنَّها ملكة. البعد عن الاختلاط لأنه ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما: وفي توجيهات النَّبي عليه الصلاة والسلام: ((عُمَر بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ خَطَبَ النَّاسَ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَامِي فِيكُمْ فَقَالَ اسْتَوْصُوا بِأَصْحَابِي خَيْرًا ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَبْتَدِئُ بِالشَّهَادَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ بَحْبَحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَد لا يَخْلُوَنَّ أَحَدُكُمْ بِامْرَأَةٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ ثَالِثُهُمَا وَمَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ )) (سنن الترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ) (( إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ قَالَ الْحَمْوُ الْمَوْتُ )) (صحيح البخاري عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ) لأنَّ المنزلق هنا أشدَّ.. أُخت زوجته، أو أخو زوجها، حتَّى لو جلس الإنسان، أو تنزَّه في الطرقات، فذلك مما يجرح عدالته، لوجود الكاسيات العاريات فيها. (( إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ فَقَالُوا مَا لَنَا بُدٌّ إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا قَالَ فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا قَالُوا وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ قَالَ غَضُّ الْبَصَرِ وَكَفُّ الأَذَى وَرَدُّ السّلامِ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنِ المنكر)) (رواه البخاري ومسلم عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ) يذكر في موضوع الخلوة بامرأة، أنه يوجد كتابٌ شهيرٌ جدّاً اسمه " الإنسان ذلك المجهول " لألكسي كاريلي، وهذا الرجل متخصِّصٌ في علم النفس، وهو يُعَدُّ من أقوى الكتب الَّتي تؤكد القيم، يقول في هذا الكتاب: "عندما تتحرَّك الغريزة الجنسيَّة لدى الإنسان، تُفرزُ نوعاً من المادَّة التي تتسرَّبُ بالدم، إلى دماغه، فتُخَدِّره، فلا يعود قادراً على التفكير الصائب." وقائل ذلك طبيب، وقد ثبت علمياً أنَّه عندما يثار الإنسان تفرز مادَّةٌ في دمه، وتصل إلى دماغه، فتشُلُّ حركته، ومن هنا جاء قول النبيُّ عليه الصلاة والسلام: (( ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما )) (رواه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي) فقد يتعطَّل الدماغ، ويقوم الإنسان بارتكاب حماقةٍ يتمزَّق بعدها.. ويؤنِّب نفسه ويقول: كيف فعلت ذلك ؟ السَّبب أنَّه قد خلا، فتحرَّكت الغريزة الجنسيَّة لديه. وأحد رؤساء الجمهوريَّات في أمريكا قام بتأليف كتاب وذكر فيه: أنَّ مستقبل أمريكا في خطر، لأنَّ شبابها مائعٌ، منحل، غارقٌ في الشهوات، لا يقدِّر المسؤوليَّة الملقاة على عاتقه، وأنَّ من بين كلّ سبعة شبابٍ، يتقدَّمون للتجنيد، يوجد ستةٌ غير صالحين، لأنَّ الشهوات الَّتي أُغرقوا فيها أفسدت لياقتهم الطبِّية. المجتمع أساسه الأُسرة فإذا صلحت صلح المجتمع: درسنا اليوم كان عن: الميوعة والانحلال والتقليد الأعمى، و النهيُ عن التنعُّم غير المعقول، وسماع الغناء، والاختلاط، وعدم غضِّ البصر.. هذه كلُّها تورث الميوعة في الأطفال، ذُكوراً كانوا أو إناثاً. وأرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علَّمنا، وأن تُؤول هذه الحقائق إلى سلوك في بيوتنا، وأقول لكم: إنَّ المجتمع أساسه الأُسرة، فإذا صلحت صلح المجتمع، والأُسرة ضمن مملكتنا، وبإمكان كلٍ منَّا أن يعمل جاهداً كيْ يحمل أفراد أُسرته: زوجته وأولاده ذكوراً وإناثاً على طاعة الله، والجهود الجبَّارة الَّتي يبذلها الأب في تربية أبنائه هذه لا تضيع سدى: وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (21) (سورة الطور) أي إنَّ ذريَّتك هي ذخرك يوم القيامة، تسعد بها إلى أبد الآبدين والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#6 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : ( السادس ) الموضوع :التربية الصحية ( 1 ) الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيِّدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السادس من دروس تربية الأولاد في الإسلام. مسؤوليَّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الجسميَّة: في دروسٍ سابقة، تحدَّثنا عن مسؤوليَّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الإيمانيَّة، ثمَّ تحدَّثنا عن مسؤوليَّة الآباء في تربية أبنائهم التربية الخلقيَّة، واليوم ننتقل إلى موضوع ثالث وهو: مسؤوليَّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الجسميَّة. أيُّها الأخوة الكرام، كلُّكم يعلم أنَّ أكبر نعمةٍ بعد نعمة الهدى هي نعمة العافية ونعمة الصِّحة، وفي الدعاء النبويّ الشريف: ((اللهمّ اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت)) [النسائي، أبو داود، أحمد، الدارمي، عن الحسن بن علي ] وقال عليه الصلاة والسلام: (( اللهمَّ إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة )) [ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه ] أي إنَّ أثمن نعمة على الإطلاق بعد نعمة الإيمان هي نعمة العافية، وقد يقال إنَّ هذه النعمة بالنسبة إلى بقيّة النعم الماديّة كواحد، وأية نعمةٍ بعد هذه النعمة تساوي الصفر أمام الواحد، فأصبح المجموع مساوياً العشرة، فمثال ذلك: صحَّة ومال أصبح المجموع مساوياً العشرة، صِّحة ومال وأولاد فالمجموع مئة، صحّة ومال وأولاد وزوجة صالحة فالمجموع ألف، صحة ومال وأولاد وزوجة صالحة ومكانة اجتماعيَّة فذلك مساوٍ عشرة آلاف، فإذا حذف الواحد تصبح بقيَّة النعم أصفاراً لا معنى لها. لذلك فصحَّة الإنسان رأسماله في حياته، لا أقول إنَّ الآباء بإمكانهم أن يعطوا أولادهم صحَّةً كما يريدون، ولكنَّ مسؤوليَّة الآباء تترتب عليهم في أن يكونوا محافظين على صحَّة أولادهم، فالأب يجب عليه أن يكون عالماً بما ينفع ابنه وما يضرُّه. و كم من غلطةٍ ارتكبها الأب فسببت عاهةً دائمةً في الأولاد، وكم من خطأٍ بسيط سبب مرضاً خطيراً وبيلاً عانى منه الابن طوال الحياة، فهناك أمراض مزمنة، و أمراض وبيلة، وأمراض عضال ليس لها حل، فالأب حينما يكون أباً حقيقياً فهذه الأُبوَّة تعطيه مسؤوليَّة تجاه أولاده. أول مسؤوليات الأب تجاه أولاده وجوب الإنفاق عليهم: أوَّل مسؤوليَّات الأب تجاه الابن من حيث التربية الجسميَّة وجوب الإنفاق عليه، فلابدَّ لهذا الجسم من النمو، فيحتاج إلى غذاء، هناك آباء كثيرون يبخلون بالمواد الأساسيَّة التي تقوّي عظام أبنائهم، فلابدَّ من أجل نموّ العظام والعضلات من غذاء خاص حينما يكون الأب مقتدراً، ولابد من أن ينفق على أولاده لإطعامهم وكسوتهم وتوفير كسوتهم ومسكنهم بشكلٍ يضمن لهم صحَّتهم. كثير من الأخوة لا يقدِّرون بعض أنواع الأطعمة، فيدفع ثمناً للدواء عشرة أضعاف ثمن الطعام أحياناً، لأنَّ الدواء قسري، فالقارورة ثمنها ثلاثمئة ليرة مثلاً بسبب نقص في الفيتامين ويمكن أن نستدرك ذلك بتناول بعض أنواع الفاكهة، فالأبوَّة علم فلابدّ أن تعلم ما ينبغي لابنك أن يأكل، فإن كان هناك تقصير أو إهمال فتصبح هناك مضاعفات في جسمه تحتاج إلى أدويةٍ غاليةٍ جدّاً، قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ(233) ﴾ (سورة البقرة) وقال عليه الصلاة والسلام وهذا حديث دقيق جداً: (( دِينَارٌ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَدِينَارٌ فِي الْمَسَاكِينِ وَدِينَارٌ فِي رَقَبَةٍ وَدِينَارٌ فِي أَهْلِكَ أَعْظَمُهَا أَجْرًا الدِّينَارُ الَّذِي تُنْفِقُهُ عَلَى أَهْلِكَ )) [رواه مسلم عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ] أمَّا التعليل فهو أنَّ أهلك ليس لهم إلا أنت، لكنَّ الآخرين فأنت وغيرك لهم، فإن لم ترعَهُم الرعاية الجسميَّة الكافية فهذا إهمال كبير، فأحياناً لديهم أسنان متراكبة، والأب لا يصغي لهذا الطلب، والخطأ يمكن علاجه، أو يوجد خطأٌ في الجهاز العظمي، فيمكن تقويمه بعمليَّة، فهذه الفتاة كانت معاقةً فأصبحت سليمة، وربما هذه العاهة أعاقت زواجها، فالأب مسؤول، وأغلب الظَّن أنَّ جميع الآباء، لا يتحمَّلون أن يروا في أولادهم ولا في بناتهم شيئاً غير صحيح، لكن هناك من يبادر في الوقت المناسب، ويسأل الأطباء ويتابع الأمر وهذا واجب عليه، وهناك من يقصر في ذلك. توفير الحاجات الأساسيَّة ووسائل السلامة في البيت مسؤولية لابدَّ منه: فلنستمع لهذه القاعدة: لست بطلاً إذا لم تصبك الملمّات، ولكنَّ البطولة أنَّها إذا أصابتك أن تقف منها الموقف الكامل. وهناك إنسان له ابن معه مرض، وموقفه كأب مؤمن عليه أن يتابع من طبيب لآخر ويطبِّق المعالجة وعلى الله الشفاء، أدّ الذي عليك واطلب من الله الذي لك، ولكنني أقول كلاماً ليس من الهواء ولكن من الواقع، فإنني أعرف حالات خطيرة جداً رَسَخَت في الأبناء بسبب إهمال الآباء، أحياناً يوجد إهمال في ترتيب البيت وأثاثه، فبعض الطاولات لها حرف مدبَّب وهذا ربَّما سبب كسراً للجمجمة أحياناً، فتوجد طريقة لبناء البيت، وقد تجد دعامات حادَّة الزوايا، ولو أنَّ طفلاً كان مندفعاً وارتطم بها فيصاب بكسر في الجمجمة، أو ارتجاج في الدماغ، أو عاهةً دائمة. وأحياناً تكون أسلاك الكهرباء ظاهرة، ومن الممكن أن يلمسها طفل، وهي ذات تيار يبلغ مئتين وعشرين فولت مثلاً، فيصبح معه ارتجاج، فيجب أن تعتني بكهرباء البيت وبكل شيء يسبب خطراً على الأولاد، فأنت مسؤول، التمديدات الكهربائية يجب ألا يكون فيها تماس، وكذلك الأعمدة يجب ألا تكون زواياها حادّة، وكذلك سقف بيت الدرج بالملاحق قد يكون منخفضاً جداً فكثيراً ما يصطدم رأس الخارج من البيت به. فالقضيَّة فيها مسؤوليَّة، وعندما يشعر الإنسان بأنَّه كان مسؤولاً عمَّا حدث، وأنَّ هذا الابن أصيب بما يشبه العاهة الدائمة، فهذا الشيء لا يحتمل، فلذلك توفير الحاجات الأساسيَّة ووسائل السلامة في البيت لابدَّ منه. أيُّها الأخوة الكرام، يقول عليه الصلاة والسلام: (( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ )) [رواه أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو] الغذاء والمسكن والكساء هي الحاجات الأساسية التي يجب على الأب توفيرها لأبنائه: عدم الإنفاق هذا أكبر أنواع الإثم بالنسبة للأب، ومن التقصير أن يكون المعال بحاجة ماسَّة لنوع معيَّن من الغذاء متعلِّق بالنمو، والأب لا يبالي، وقد يكون ميسور الحال، ولكنَّه غير مقتنع، تأتيني حالات كثيرة مثلاً: بنتٌ في ريعان شبابها وأسنانها متراكبة، وهذه الأسنان المتراكبة تتفاقم، والأب غني، ويملك من الأموال الكثير، ولكنَّه غير مقتنع ويقول: تستقيم لذاتها وهذا كلام غير صائب، فإذا كبرت البنت وصارت أسنانها غير مقبولة فربَّما سببت لها عقدة نفسيَّة، فالمفروض أن يعتني الإنسان بأولاده من حيث توفير الحاجات الأساسيَّة كالغذاء والملبس والمسكن، وأن يكون المسكن مريحاً فقط وفيه حد أدنى من السلامة. وقد تجد طفلاً وقع من الطابق العاشر فنزل ميِّتاً لعدم وجود حواجز على النوافذ، وتجد بعض الناس قبل أن يسكنوا مثل هذا البيت يضعون الحواجز على النوافذ، وتوجد شرفات ذات حاجز منخفض، قد تسبب سقوط طفل من طابق عالٍ. واليوم درسنا عن التربية البدنيَّة، عن مسؤوليَّة الآباء عن صحَّة أبنائهم وعن سلامتهم، فأحياناً يكون هناك تلقيح فننسى أن نلقِّحهم، وتوجد مثلاً جائحة التهاب سحايا أو غيرها، فيجب بقدر الإمكان أن يراعي الأب هذه الناحية، والعلماء قالوا: " على الأب أن ينفق على أهله وأولاده ما يصلح حياتهم وشأنهم ولاسيَّما الغذاء الصالح، والمسكن الصالح، والكساء الصالح ". على الوالدين توجيه أولادهم توجيهاً إسلامياً عن كيفية الطعام والشراب: الآن الأب والأم يراقبان أولادهما، كيف يأكل هذا الابن، وعند وجود توجيه إسلامي عن كيفية الطعام، قال النبيّ عليه الصلاة والسلام: (( مَا ملأ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثُ طَعَامٍ وَثُلُثُ شَرَابٍ وَثُلُثٌ لِنَفْسِهِ )) [رواه الإمام أحمد والترمذي عن الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيَّ] وبالمناسبة أطفال كثيرون تنمو أجسامهم نموَّاً غير معقول، بسبب قناعة الآباء المغلوطة أنَّ الصِّحة في كثرة الشحوم والدهون، فينشأَ هذا الطفل على عادات غذائيَّة سيِّئة، فيصبح ضحيَّةً لإهمال أبيه وأمِّه، فلابدَّ من العناية بهذا التوجيه، ومن هدي النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الشراب كما علَّمنا: (( لَا تَشْرَبُوا وَاحِدًا كَشُرْبِ الْبَعِيرِ وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلاثَ )) [رواه الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] فالسنَّة أن نشرب الماء أو كأس الماء على مرَّتين أو ثلاث وفي حديثٍ يقول عليه الصلاة والسلام: (( مصّوا الماء مصَّاً ولا تعبّوه عبَّاً فإنَّ الكباد من العبّ )). [أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس بالشطر الأول ولأبي داود في المراسيل من رواية عطاء بن أبي رباح إذا شربتم فاشربوا مصاً ] وفي توجيهٍ آخر للنبيّ عليه الصلاة والسلام أنَّه نهى عن التنفس في الإناء، وفي توجيهٍ ثالثٍ له عليه الصلاة والسلام أنَّه نهى عن الشرب قائماً. آداب الطعام والشراب: فإذا لاحظ الأب أولاده، وكذلك لاحظت الأم أولادها، وقاما بتنبيههم ؛ اشرب وأنت جالس، اشرب كأس الماء ثلاث مرَّات، مصَّ الماء مصّاً ولا تعبَّه عبّاً، إيّاك أن تتنفَّس في الإناء فبعض الأمراض تنتقل عن طريق الزفير إلى الماء، وقبل أن تشرب اذكر اسمِّ الله، وإذا انتهيت من الشرب احمد الله، هذا توجيه النبيّ، وإن كان التوجيه مستمراً فتجد أنَّ هذا الابن ينشأ على شرب الماء وفق السنَّة، فإن وجد توجيهاً بأن يأكل ويسمّي، وأن يأكل ويتكلَّم، اجعل وجبة الطعام وجبة للحديث والمؤانسة، فهناك أُسر لا تلتقي إلا على الطعام، وهناك من يجعل من هذا الطعام مناسبة للحديث، فازدراد الطعام بسرعة يسيء إلى هضمه، أمَّا الأكل بهدوء وببطء مع الحديث الممتع على الطعام فهذا مما يعين على هضمه وتمثُّله، ويعين على أن تكتفي بقدرٍ مناسبٍ منه، أمّا من يضع رأسه في الإناء، ويزدرد الطعام ازدراداً فهذا يسيء إلى هضمه. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لَا تَشْرَبُوا وَاحِدًا كَشُرْبِ الْبَعِيرِ وَلَكِنِ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلاثَ وَسَمُّوا إِذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ وَاحْمَدُوا إِذَا أَنْتُمْ رَفَعْتُمْ )) [رواه الترمذي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] تسمّي وتشرب على ثلاث، وتشرب قاعداً، وتمصُّ الماء مصّاً ولا تعبُّه عبّاً، وبعد الانتهاء تحمد الله على أنك شربت ماءً عذباً، فأن يكون الإنسان شربه إسلامي وطعامه إسلامي، وعند دخوله إلى البيت ألقى السلام، وجلس للطعام وسمّى، وإنّكم تعرفون أنّ الشيطان إذا رأى رجلاً دخل بيته ولم يسلِّم قال: أدركتم المبيت، فطوال الليل مشاجرات بين أهل البيت، وإذا جلس ولم يسمّ قال: أدركتم العشاء، لعدم وجود البركة، فالأكل لا يكفي، فإذا دخل ولم يسلّم، وجلس إلى الطعام ولم يسمّ، يقول الشيطان لإخوانه: أدركتم المبيت والعشاء. الحكمة من تقديم الفاكهة على الطعام: وتوجد توجيهات كثيرة في الطعام، فمن كان متعوداً على تناول قطعة من الفواكه بعد الطعام، لو أكلها قبل الطعام لرأى فوائد لا تحصى، لأنّ هذا الغذاء السكريّ سريع الهضم، وسريع الوصول إلى مركز الشبع للإنسان ويمكث أقلّ مدة ممكنة في المعدة، حوالي عشرين دقيقة، فلو دخل الإنسان إلى بيته، وأكل من الفاكهة قبل الطعام، ولو نصف برتقالة، أو نصف تفّاحة، ما كان سيأكله بعد الطعام، فبذلك تخف عنده حدّة الجوع، فالتفاح سكري، والسكّر ينتقل من الفم إلى الدم في ثلث الساعة، أو يأكل شيئاً موجوداً من السكريّات ولو تمرة فهذا مما يخفف من حدّة الجوع، ويخفف من النهم في الطعام، والدليل قوله تعالى: ﴿ وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (20) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) ﴾ ( سورة الواقعة) تقديم الفاكهة على اللحم له حكمة، استنبط العلماء أنّ التقديم أولى، وقد حدّثني صديق لي أنه في أكثر من دولة غربيّة يقدِّمون الفاكهة على الطعام وهو عُرف. أقترح عليكم اقتناء كتاب عن الغذاء، فأحياناً يحتاج الجسم لبعض الأدوية لما فيها من مواد فعّالة، وهذه المواد تكون متوفِّرة في غذاء معيَّن، فمثال على ذلك: الملوخيَّة يوجد فيها مادّة غرويّة تعدّ مرممةً للغشاء المخاطي في الجهاز الهضمي، فتناولها لابدَّ منه، فإذا عرفنا الحكمة من كل طعام وُقي الجسم من المرض، فالثوم يخفِّض الضغط ويعقِّم الأمعاء، لو وضعنا في لتر من الماء بعض النقاط من الليمون أصبح الماء معقَّماً، فالليمون له فائدة، وكذلك البصل والثوم. فلو قرأنا عن كل غذاء، ما هي فوائده التي تعود على الجسم بالنفع، أقبلنا عليه وكأنَّنا نقبل على الدواء، لذلك قيل: خير الدواء ما كان غذاء، وخير غذاء ما كان دواء. فوائد حبة البركة وبعض الخضراوات: النبيّ قال عن حبَّة البركة: (( عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلا السَّامَ )) [صحيح البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] وهو صلّى الله عليه وسلَّم لا ينطق عن الهوى قال تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) ﴾ (سورة النجم) فقد عقد مؤتمر في مصر عن حبَّة البركة، فاكتشف أنَّ حبَّة البركة تقوِّي جهاز المناعة في الإنسان، وإذا قوي جهاز المناعة قويت مقاومة الجسم للأمراض، فإنَّ فيها الشفاء هكذا قال النبيّ، فهي ذات فائدة عظيمةٍ جداً. وهناك فواكه رخيصة، فمن منكم يصدِّق أنّ البصل فيه من الفوائد أكثر من التفَّاح بعشرة أمثال، فهذه المادَّة الشعبيَّة يجب أن تأكل منها وتتناولها يومياً فهو معقِّم ومطهِّر ويعطي قوَّة على التفكير، وهو مغذٍ للدماغ أحياناً. وقد قرأت مقالة عن اللفت فيها ما لا يصدق، وهذا الملفوف ( اليخنة ) فيه أعلى نسبة من فيتامين (c)، فالقصد من كلامي هذا أنّ الخضراوات التي تجدها أمامك في الطرقات مبتذلة ورخيصة، فكل واحدة منها دواء بل صيدليّة، فإن كان الإنسان عنده ثقافة غذائيَّة فسيقبل على هذه الخضراوات إقبالاً علمياً لا إقبالاً ذوقياً، فيعرف الضروري من كل واحدة من الخضراوات، ونحن قد اخترنا أرخص الأنواع وذكرناها حتّى لا يعتب علينا أحد، البصل والملفوف أشياء رخيصة، ولم نتكلَّم عن الأسماك ولا مرّة. وفي الصحيحين قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلا يَتَنَفَّسْ فِي الإنَاءِ )) [صحيح البخاري عَنْ عَبْد ِاللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أَبِيهِ] وفي روايةٍ للترمذيّ: نهى أن يُتَنَفَّس في الإناء أو ينفخ فيه فهذا من آداب النبيّ صلَّى الله عليه وسلَّم، أن تشرب وأن تبعد القدح عن فيك فيما بين الشربتين، تجد كثيراً من الأطفال يشرب وينفخ في الكأس، و والده لا يتكلَّم معه ولا ينبّهه، فالابن قد خالف السّنة بذلك. قال عليه الصلاة والسلام: (( لا يَشْرَبَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَسْتَقِئْ )) [رواه مسلم عن أبي هريرة] اشرب وأنت جالس. آداب النوم وأشكاله: ومن هدي ِالنبيّ صلّى الله عليه وسلَّم في النوم ؛ النوم على الجانب الأيمن، قيل النوم أربعة: نوم الملوك، ونوم الشياطين، ونوم المؤمنين، ونوم الأغنياء، الأغنياء ينامون على شِقّهم الأيسر، فهم مثقلون بالطعام كثيراً، والكبد بالجانب الأيسر فيشعر بالراحة، والملوك على ظهورهم، والشياطين على بطونهم، والمؤمنون على شقِّهم الأيمن، فالمؤمن يضطجع على شقِّه الأيمن، ويضع كفَّه تحت خدِّه كما يفعل النبيّ عليه الصلاة والسلام ويدعو دعاء النوم ويستلقي. وكان عليه الصلاة والسلام يقول: (( إِذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضَّأْ وَضُوءَكَ للصَّلَاةِ ثُمَّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقِّكَ الأَيْمَنِ وَقُلِ اللَّهُمَّ أَسْلَمْتُ نَفْسِي إِلَيْكَ وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ رَهْبَةً وَرَغْبَةً إِلَيْكَ لا مَلْجَأَ وَلا مَنْجَى مِنْكَ إِلا إِلَيْكَ آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أَنْزَلْتَ وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ فَإِنْ مُتَّ مُتَّ عَلَى الْفِطْرَةِ فَاجْعَلْهُنَّ آخِرَ مَا تَقُولُ )) [رواه البخاري ومسلم عن الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ] هذا الدعاء احتياط. على الإنسان أن يعرف كل شيء عن الخبز والفاكهة والخضراوات: تحدَّثنا عن الطعام والشراب والنوم، وفي نفسي أنَّ الطعام يحتاج إلى دروس كثيرة، فمثلاً يوجد إقبال شديد على الخبز الأبيض الناصع الغالي مع أنَّه من السموم الثلاثة، فقد قيل: إنَّه في حياتنا ثلاثة سموم ؛ الملح والسكَّر والخبز الأبيض. وأوَّل بدعةٍ ابتدعها المسلمون بعد وفاة رسول الله هي نخل الطحين، كلُّ الغذاء بالقشر ففيه ستة من الفيتامينات، واثنا عشر معدناً، فكل ما في القمح من فائدة في القشر، فنحن نعطي القشر للدواب، ونأكل النشاء أي الغراء الذي يعقِّد جهازنا الهضمي، فأحضر قطعة من لب الخبز واضغطها، وضعها في كأس من الماء فلا تتغيَّر، أمّا لو أحضرت شيئاً محمّصاً ووضعته في الماء فإنك تجده يتفتت، فلذلك المفروض أن نعرف شيئاً عن الخبز، وعن الفاكهة، وعن الخضراوات وعن كل شيء ماذا يفيد ؟ فيقبل الإنسان على هذه الأشياء وفق خطَّة. بعد الإنفاق على الأولاد واتباع القواعد الصحية علينا التحرز من الأمراض المعدية: إذاً الشيء الأول: الإنفاق على الأهل والأولاد والنبيُّ عليه الصلاة والسلام قال: (( كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ )) [ أبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو] الشيء الثاني: اتباع القواعد الصحيّة في المأكل والمشرب والنوم. الشيء الثالث: التحرُّز من الأمراض المعدية، قَالَ: (( كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْجِعْ فَقَدْ بَايَعْنَاكَ )) [صحيح مسلم عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ الشَّرِيدِ يُقَالُ لَهُ عَمْرٌو عَنْ أَبِيهِ] وأحياناً يزور الإنسان مريضاً مرضاً معدياً، ويصرُّ أهل المريض على أن يضيِّفوه، النبي الكريم نهى عن أن تأكل شيئاً، أو أن تشرب شيئاً وأنت تعود المريض، لعل المريض مرضه معدٍ فيحدث لك الضرر، فمن يزُر المريض فلا يشرب شيئاً، ولا يأكل شيئاً هكذا السُّنة فقد يكون معه التهاب كبدي معدٍ، أو مرض معدٍ فيحرج الضيف حرجاً شديداً، قد لا يوجد اهتمام بموضوع الأواني وتنظيفها، فالنبي قال للمجزوم: ((ارْجِعْ فَقَدْ بَايَعْنَاكَ )) [صحيح مسلم عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ الشَّرِيدِ يُقَالُ لَهُ عَمْرٌو عَنْ أَبِيهِ] وروى البخاريُّ في صحيحه أنَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم قال فيما معناه: فَرّ من المجذوم فِرارك من وحشٍ كاسر. فمن كان معه مرض معد ٍ ينبغي لك أن تبتعد عنه من دون أن تشعره، وفي الصحيحين قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (( لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ )) [ مسلم عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ِ] فمن عنده مرض معدٍ، فليس له حق أن يزور أشخاصاً أصحاء، وسيدنا عمر قال لامرأةٍ معها جذام: الزمي بيتك يا أمة الله لا تؤذي عباد الله. فلزمت بيتها إلى أن تَوَفَّى الله عمر، فقيل لها: الآن لا عليك اخرجي. قالت: كلا والله ما كنت لأُطيعه حياً وأعصيه ميِّتاً، ولم تقبل أن تخرج. معالجة الأمراض بالتداوي فلكل داء دواء: أحياناً يكون المرض في الابن معدياً، فيرسله أبوه إلى المدرسة، وهناك أولاد الناس الآخرون، فيؤذيهم، المسلم منضبط، فمادام هناك مرض معدٍ يبقي ابنه في البيت إلى أن يشفيه الله، فلا تؤذ أطفال المسلمين. معالجة الأمراض بالتداوي، فقد روى مسلمٌ وأحمد وغيرهما: (( لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِابَ دَوَاءُ الدَّاءِ برأ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) [رواه مسلم وأحمد عَنْ جَابِرٍ] هذا الحديث يعطينا نفساً طويلاً في المعالجة، لكلِّ داءٍ دواء، والآن يكتشف أن لكل داء دواء، وتجري الآن عمليَّات في جسم الإنسان شبه مستحيلة، يدخلون منظاراً إلى المعدة، أو قسطرة يدخلونها من الوريد الفخذي إلى القلب، ليمتحنوا شرايين القلب، فيوجد تقدم طبّي مذهل، وهذا من كرامة الإنسان على الله، عمليّات تتم داخل القلب، فتحة بين الأُذينين، وعمليّات تتم في أعقد الأمكنة، وفي الجمجمة، والله هو الموفِّق، وتوجد الآن جراحة مجهريَّة المكان لا يزيد عن ميكرون، ويبدو للجرّاح سنتيمتراً، فيتحرَّك بمشرطه بحرّية تحت المجهر، وهذه الجراحة الآن اختصاص، وهذا التقدّم الطبّي أساسه أنَّ الإنسان كريم على الله عزَّ وجلَّ، لذلك: (( لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِابَ دَوَاءُ الدَّاءِ برأ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) [رواه مسلم وأحمد عَنْ جَابِرٍ] ولهذا الحديث تفسير لطيف، لكلِّ داءٍ دواء، فمهمةُ الطبيب أن يشخِّص الدّاء أولاً وأن يوفَّق لاكتشاف الدواء ثانياً، وهنا انتهت مهمَّة الطبيب، وبدأت عناية الله، إذا سمح لهذا الدواء أن يفعل فعله، شفي بإذن الله. لذلك أي دواء لا يفعل فعله إلا إذا سمح الله له أن يفعل: (( لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِابَ دَوَاءُ الدَّاءِ برأ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ )) [رواه مسلم وأحمد عَنْ جَابِرٍ] إذاً مهمة الطبيب أن يكتشف الدَّاء، وأن يكتشف الدّواء، وتنتهي مهمّته وعلى الله عزَّ وجلَّ أن يخلق الشفاء لوجود الدواء فيشفى بإذن الله وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) ﴾ (سورة الشعراء) وقال عليه الصلاة والسلام: (( تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً إِلا الْمَوْتَ وَالْهَرَمَ )) [مسند الإمام أحمد عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ] الدواء من قدر الله والمرض من قدر الله: ولذلك يقول بعض العلماء: " المعالجة بأخبار طبيبٍ مسلمٍ حاذقٍ ورعٍ، ترقى إلى مستوى الفرض ". فلو وجد مرض وأهمله الإنسان، يكون قد أهمل فرضاً، لأنّ صحّته ليست ملكه بل هي ملك أهله أولاً وملك المسلمين ثانياً، وهي وعاء عمله، وهي رأسماله، فإذا أهمل صحَّته وأصبح عاجزاً فقد أساء لنفسه ولإخوانه ولكلِّ المسلمين. لذلك: (( تَدَاوَوْا عِبَادَ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يُنَزِّلْ دَاءً إِلا أَنْزَلَ مَعَهُ شِفَاءً إِلا الْمَوْتَ وَالْهَرَمَ )) [مسند الإمام أحمد عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ] فهذا الشيء لابدَّ منه، وهو يزهِّد في الدنيا. (( أبو خزامة رحمه الله: عن أبيه قال: ' قلتُ: يا رسول الله أرأيتَ رُقَاة نَستَرقي بها، ودَوَاء نتَداوَى به، وتُقَاة نَتَّقيها: هل ترُدُّ من قَدَرِ الله شيئاً ؟ قال: هو من قَدَرِ الله)) [رواه الترمذي عَنْ أَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ] الدواء من قدر الله، أي أنه إذا أراد الله عزَّ وجلَّ الشفاء، يلهم الطبيب الدواء المناسب، ويأذن بالشفاء لوجود الدواء، فصار الدواء من قدر الله، والمرض من قدر الله، جواب دقيق جداً. الوصايا الصحّية التي ينبغي أن يوجِّهها الآباء إلى الأبناء: وتوجد عندنا قاعدة أُصوليَّة ـ من أهمّ قواعد الفقه ـ مأخوذة من قول النبيّ صلّى الله عليه وسلَّم : (( لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ )) [رواه مالك وابن ماجة والدار عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] فكل شيء فيه ضرر، أنت المسلم منهيُّ عنه أن تفعله، فهذا الحديث الشريف عدّه الفقهاء قاعدةً شرعيّةً من أهمِّ القواعد، مثلاً أكل الفواكه فجَّةً، ففي أيام ظهور الفول، وهو أخضر يأكله الطفل فيتسمم دمه، ويسعف إلى المشفى، إذا قرأ الإنسان القرآن لا يأكل الفاكهة الفجّة فهي مؤذية قال تعالى: ﴿ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ (141) ﴾ (سورة الأنعام) ومن أكل الخضار والفواكه قبل أن يغسلها، فقد أعان على قتل نفسه لقول النبيّ: (( من أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه )) [ رواه الطبراني عن سلمان ] وتوجيه ثانٍ: إدخال الطعام على الطعام، يسبب أمراضاً في المعدة، وفي جهاز التنفُّس، وجهاز الهضم. تناول الطعام باليدين قبل غسلهما، يؤدّي إلى انتشار المرض، وقد سمعت بنشرة صادرة من اليونسكو، أن ثلاثمئة مليون إنسان في العالم يصابون كل عام بأمراض القذارة، أي عدم غسل اليدين فتأتي العدوى والإنتانات والمشكلات، أمّا في الإسلام فتوجد دقةٌ بالغة. ((عن سلمان الفارسي رضي الله عنه: قال: قرأتُ في التوراة: أن بَرَكَةَ الطَّعام الوضوءُ بعدَه، فذكرتُ ذلك للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، وأخبرتُه بما قرأتُ في التوراة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ' بركة الطعام الوُضُوء قبلَه، والوضوء بعدَه )) [سنن الترمذي عَنْ سَلْمَانَ] وقالوا: وضوء الطعام غير وضوء الصلاة، فوضوء الطعام غسل اليدين والفم. شيء آخر من الوصايا الصحّية التي ينبغي أن يوجِّهها الآباء إلى الأبناء أخذاً من قوله تعالى: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ (60) ﴾ ( سورة الأنفال) مداعبة الأولاد وتعليمهم الرمي والسباحة ليس من اللهو بل من الأعمال الصالحة: وهنا حديثٍ رواه الإمام مسلم: (( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ )) [رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] فالتدريبات الرياضيّة، والمشي، والجري للشباب، هذه كلُّها تقوّي القلب، وتعطي لياقة بدنيّة عالية، ومن فاته العمر، ولم يتدرَّب عليها، فليعتن بأولاده، فاللياقة البدنيّة مهمّةٌ جداً، وقد جئت من سفر في أيّام الشتاء القارس، والبرد الشديد والأمطار، فوجدت إنساناً يجري في الطريق فقلت: كم هو مقتنع بجدوى الجري، والناس كلُّهم في البيوت، وحول المدافئ، ومستريحون على الأرائك، إلا هذا فهو تحت المطر يجري، فعندما يقتنع بشيء يفعل المستحيل، فأخذت عبرة من هذا الإنسان، برد شديد ومطر غزير والناس كلّهم في البيوت وهو يجري، إذاً فقناعته دفعته إلى هذا العمل غير المعقول وغير المألوف، فلو قنعت بالخير لأقبلت عليه، فالقضيّة قضيّة قناعة: (( إِنَّ اللَّهَ لَيُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ الثلاثة الْجَنَّةَ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ وَالرَّامِيَ بِهِ وَالْمُمِدَّ بِهِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْمُوا وَارْكَبُوا وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا وَكُلُّ مَا يَلْهُو بِهِ الْمَرْءُ الْمُسْلِمُ بَاطِلٌ إلا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ وَتَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ وَمُلاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ فَإِنَّهُنَّ مِنَ الْحَقِّ )) [رواه الطبراني عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ] وقال: (( كل شيء ليس من ذكر الله عز وجل فهو لهو أو سهو، إلا أربع خصال: مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه وملاعبته أهله، وتعليم السباحة )) [رواه الطبراني في الأوسط عن عطاء بن أبي رباح] عنده أولاد فجلس معهم وداعبهم وتقرّب إليهم وآنسهم ولو كان مرحاً معهم، فأدخل على قلبهم السرور، فهذا ليس من اللهو بل من الأعمال الصالحة، وتعليمه السباحة. أهمية تعلم الرمي في الحديث والسنة: ((وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ) أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ )) [رواه مسلم عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ] وهذا الحديث أيُّها الأخوة، من دلائل نبوّة النبيّ عليه الصلاة والسلام، فإذا كان الصاروخ ثمنه مئتان وخمسون ألف دولار ولم يصب الطائرة فهذه خسارة كبيرة، والآن الأسلحة الفتّاكة أساسها دقّة الإصابة، يقولون: نزلت القنبلة في مدخنة المعمل، فهي تنطلق مسترشدة بشعاع من الليزر ( الضوء المركَّز )، فتصيب الهدف بدقّةٍ بالغة، ولا تتجاوز سنتيمترات محدودة: ((أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ أَلا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ )) [رواه مسلم عَنْ ثُمَامَةَ بْنِ شُفَيٍّ] على اختلاف الأسلحة، واختلاف مستوياتها ومداها، وأقوى شيء في السلاح دقّة إصابته. (( عليكم بالرمي فإنَّه من خير لهوكم )) [رواه البزّار والطبراني عن سعد بن أبي وقاص] النبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يمرُّ على أصحابه في حلقات الرّمي فيشجّعهم ويقول لهم: (( ارموا وأنا معكم كُلِّكم )) [رواه البخاري عن سلمة بن الأكوع] وجاء في الصحيحين أنَّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أَذن لأبناء الحبشة أن يلعبوا بحرابهم في مسجده الشريف، وكان يقول لهم: (( دونكم يا بني أرفده ـ أي أبناء الحبشة ـ وبينما هم يلعبون عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بحرابهم دخل عمر فأهوى إلى الحصباء فحصبهم بها، فقال عليه الصلاة والسلام: دعهم يا عمر )) و تعلُّم الرّمي قيّم جداً، فقد سمح النبيّ أن يكون هذا في المسجد. من وصايا النبي تعويد الأولاد على التقشف وعدم الإغراق في التنعم: من وصايا النبيّ عليه الصلاة والسلام في تربية الأولاد، تعويد الولد على التقشُّف، وعدم الإغراق في التنعُّم. والطفل المدلّل لا يُحتمل، فإذا أردّت أن يكره النّاس ابنك فدلّله، وأعطه كلَّ شيء، اطلب تعط، فينشأَ الطفل بحالة لا تحتمل أبداً، والنبيّ علمنا أن نعوّد أبناءنا على التقشُّف، فالنبي عليه الصلاة و السلام لما بعث معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى الْيَمَنِ قَالَ: (( إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ )) [رواه الإمام أحمد عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ] وقال: (( تمعددوا واخشوشنوا وانتضلوا )) [ الطبراني وابن شاهين وأبو نعيم عن القعقاع ] تمعددوا أي عوّدوا المعدة الطعام الخشن، فبعض الأشخاص لا يمكن أن يأكل الخبز اليابس، وهناك أشخاص غيرهم يقومون بترطيبه بقليل من الماء وتسخينه قليلاً ثمَّ يأكلونه، فمن السُّنة التعوّد على الشيء الخشن. اخشوشنوا: أي على الطعام الخشن، وعلى الثياب الخشنة، وانتضلوا. وللحديث رواية أُخرى: فإنَّ النعم لا تدوم. فإذا تعوَّد الإنسان على الرفاهية ولم يتمكّن من تغيير هذه العادة، ربما يضطّر إلى أن يخرج عن دينه من أجل الحفاظ على دخله إن كان بعمل ودخله كبير وأجبر على معصية، وهو معوّد على الرفاهية، أمّا إن كان معوّداً على الخشونة فمبدؤه فوق كلّ شيء. أهم النقاط الأساسية التي وردت في هذا الدرس: أيُّها الأخوة الكرام، كتلخيصٍ لهذا الدرس الذي نحن في أمسِّ الحاجة إليه: أوّلاً: مسؤوليّة الآباء في تربية أولادهم التربية الجسميَّة الصحيحة تتلخّص في أنّ من واجبهم الإنفاق على الأهل والأولاد، الإنفاق الذي يوفِّر لهم الحاجات الأساسيّة التي تحقق نموّهم الطبيعي. ثانياً: تأمين الطعام والشراب والمسكن والكساء. ثالثاً: اتّباع القواعد الصّحية في الأكل والشرب والنوم، والتحرُّز من الأمراض السارية المعدية. رابعاً: معالجة الأمراض بالتداوي، وتطبيق مبدأ لا ضرر ولا ضرار. خامساً: تعويد الولد على ممارسة الرياضة، ليقوى جسمه. سادساً: تعويد الولد على التقشُّف، وعدم الإغراق في التنعُّم. سابعاً : تعويد الولد على حياة الجِّد والرجولة، والابتعاد عن التراخي والميوعة والانحلال وقد ورد هذا المعنى في درسٍ سابق. (( صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلاتٌ مَائِلاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا )) [صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] ظاهرة التدخين من الظواهر الخطيرة المتعلقة بالصحة: أيُّها الأخوة، توجد عندنا عدّة ظواهر خطيرة متعلِّقة بالصّحة، ومنها: ظاهرة التدخين، وعن هذه الظاهرة المرضيّة التي تتفشى بين شبابنا سأفرد لها درساً خاصاً إن شاء الله تعالى، وسأوضّح لكم بالدليل العلميّ الأخطار الناجمة عن هذه الظاهرة، ولن أعطيكم الحكم الفقهيّ فيه، فكلّكم يمكن أن يستنبط الحكم الفقهي، أعطيكم أدقَّ الحقائق العلميَّة عن هذه الظاهرة فهذه متعلّقة بالصّحة. توجد ظاهرات أخرى ـ من فضل الله المؤمنون بعيدون عنها ـ أمّا التدخين فهو ظاهرة متفشّية. ما زلنا في مسؤوليّة الآباء عن تربية أبنائهم التربية الجسميّة، وقد تحدّثنا عن التربية الإيمانيّة، وعن التربية الخُلقيَّة، وها نحن أولاء نتحدَّث عن التربية الجسميّة. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#7 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : ( السابع ) الموضوع :التربية الصحية ( 2 )الدخان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيِّدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيّها الأخوة الكرام لازلنا مع الدرس السابع من دروس تربية الأولاد في الإسلام. قيمة الصحة في حياة المؤمن: لقد وصلنا في التربية الصحية أو مسؤولية الآباء عن تربية أبنائهم الجسميّة والبدنية إلى موضوع الظواهر الخطيرة المتفشِّية بين الشباب، ومن هذه الظواهر ظاهرة التدخين، وقبل أن نمضي في الحديث عن هذه الظاهرة التي ينبغي أن نكافحها جميعاً، لا بدَّ من وقفةٍ قصيرةٍ عند قيمة سلامة الجسم وقيمة الصحة في حياة المؤمن. أيّها الأخوة يجب أن نعلم أنَّ أثمن نعمةٍ على الإطلاق بعد نعمة الهدى هي نعمة الصحة، ولأنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام في أكثر أدعيته كان يقرنها مع الهدى: (( اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ )) [ الترمذي عن الحسن بن علي ] وقال: (( اللَّهمَّ إني أسألُكَ العَافِيَةَ في الدنيا والآخِرةِ، اللَّهمَّ إني أَسألُكَ العَفو والعَافِيَةَ في دِيني ودُنيايَ )) [أبو داود عن عبد الله بن عمر] يجب أن نعلم أنّ هناك ثلاثة مرتكزات في حياتنا: نعمة الهدى، ونعمة الصحة، ونعمة الكفاية، فإذا حصّلتها فقد حصّلت كلّ شيء، ولا تلتفت إلى ما فاتك من الدنيا، لكنّ الصحة أيّها الأخوة ليست مقصودةً لذاتها بل مقصودةٌ لغيرها لأنّ الجسم أداة العمل الصالح، فإذا كان صحيحاً حقق الهدف من وجوده. اتقاء الأمراض التي تسببها أخطاؤنا: الآن هناك أمراض تأتي من نوع القضاء والقدر، هذه الأمراض لله حكمةٌ بالغة في سوقها للإنسان، لكن نحن حديثنا عن الصحة ليس من هذا النوع، ليس من نوع الأمراض التي تأتي قضاءً وقدراً ولحكمةٍ بالغة يريدها الله عزَّ وجلَّ، حديثنا عن الصحة كيف نتّقي الأمراض التي تسببها أخطاؤنا ؟ لأنّ الله سبحانه وتعالى حينما قال: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) ﴾ ( سورة الشعراء ) لم يقل الله تعالى والذي أمرضني فهو يشفين، أو والذي يمرضني ويشفين، فلو قالها فليس لنا علاقة بالصحة ولكنّه قال عزَّ وجلَّ: ﴿ الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) ﴾ ( سورة الشعراء ) عُزي المرض إلى الإنسان، إذاً أصل المرض خروجٌ عن منهج الله، والآية الكريمة: ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) ﴾ ( سورة البقرة ) والآية الثانية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) ﴾ ( سورة النساء ) والحديث الشريف: (( من أكل الطين فكأنما أعان على قتل نفسه )) [ رواه الطبراني عن سلمان ] من يفعل أشياء قد تودي به إلى التهلكة فقد عصى: والنبيّ علّمنا أشياء كثيرة، علّمنا من خلال بعض أوامره لأصحابه أنَّ الذي له جملٌ حرون ينبغي ألا يصحبنا في الجهاد، الجمل الحرون خطر، فبعض أصحابه ركب جملاً حروناً فقتله، والنبيّ أبى أن يصلّي عليه لأنّه عاصٍٍ، يقاس عليه أن تركب مركبة مكابحها غير منتظمة، غير جيّدة، أن تركب مركبة لا تراجعها قبل السفر، قد يكون خطأ في الميزان فلو اضطرب الميزان أثناء السرعة العالية ربما يقتل صاحبه ! وقد نهى النبيّ أن ننام على سطحٍ لا سور له. الآن من يفعل أشياء ربما أودت به إلى التهلكة فقد عصى، فإذا وجد عندك تيارٌ كهربائيٌ مئتان وعشرون فولطاً وفيه أسلاك مكشوفة، وعندك أولاد، فلو حدث فيها ماسٌ وصدمةٌ كهربائيّة ومات أحدهم فأنت محاسب، محاسب حساباً شديداً وعليك دِيَّة !! أردت من هذه المقدّمة أن أؤكد لكم أنّه ما من نعمةٍ على الإطلاق بعد نعمةِ الهدى من نعمة الصحة، تليها نعمة الكفاية لا الغنى، هدى، صحة، كفاية، فإذا حصّلتها فعلى الدنيا السلام. ومرةً ثانيةً أقول لكم: أنا لا أتحدّث عن الأمراض التي يسوقها الله عزَّ وجلَّ محض رحمةٍ، والله محض ودٍ، ومحض فضلٍ، الإله يكون منعه أحياناً هو عين العطاء. حدّثني أخ أعرفه قبل سنواتٍ عدّة، أعرف هذا الإنسان أبعد شيءٍ عن الإيمان، يكاد يكون غير مؤمن إطلاقاً، قريباً من الإلحاد، جاءته الدنيا كما يشتهي، عاش في بحبوحة وفي مرح، من مكان إلى آخر، من ندوة إلى أخرى، من نادٍ إلى آخر، من ملهى إلى آخر، إلى أن أصيبت ابنته الوحيدة التي يحبُّها حباً جمّاً بمرضٍ خبيث في الدّم، ولشدّة حبّه لها أنفق كلَّ شيءٍ يملكه حتّى إنّه باع بيته، قال لي مرّةً وقد وجدْته في مكان: أنا أصلّي عندك منذ أشهرٍ كثيرة، وقد فوجئت بهذا الخبر، وله سمتٌ حسن، فسألته عن سرِّ مجيئه للمسجد ؟ فحدّثني بهذه القصّة: أنّه له فتاة يحبُّها حبّاً جمّاً أصيبت بمرضٍ عضالٍ في دمها، أنفق كلّ ما يملكه حتّى اضطرّ إلى بيع بيته، قال لي: ثمَّ جاءني خاطرٌ يا ترى لو أنني رجعت إلى الله أنا وأمّها هل يشفيها ربنا عزَّ وجلَّ ؟ خاطر، فكأنّه شعر بوجود القبول أي تفضّل وتب إليّ، فبدأ يصلّي هو وزوجته، وحجّب زوجته، والتزم خطب الجمعة، وبدأ يسعى إلى الله كما وعده، ثمّ قال لي: شيئاً فشيئاً تراجع هذا المرض، وبعد سنواتٍ عدّة دعاني إلى عقد قرانٍ ابنته، وأنا في عقد القران ـ وقد ألقيت كلمة ـ سألته: هي هي ؟ فقال لي: هي هي، هي التي أصيبت بمرض عضال وشفاها الله. ما من مرض يسوقه الله لعباده إلا من أجل أن يقربهم إليه: أخواننا الكرام، يوم القيامة هذا الإنسان حينما يرى هذا المرض الخبيث الذي ألمَّ بابنته، كان سبب هدايته إلى الله، ألا يرى هذا محض فضلٍ ؟ والله الذي لا إله إلا هو فإنني أجزم أنّه ما من مرض يسوقه الله لهذا الإنسان إلا هو محض فضلٍ ولو كشف الغطاء لذابت نفسه شكراً لله عزَّ وجلَّ، لأنّ ربنا عزَّ وجلَّ رب يربّي فهو يعلم كيف يجلب العبد، وكيف يحمله على التوبة، ويعلم كيف يجعله يقف على بابه متأدّباَ عابداً، فهو سبحانه وحده قد يكون منعه عين العطاء، فأنا الآن لا أتحدّث عن هذه الأمراض التي يسوقها الله عزَّ وجلَّ لعباده من أجل أن يقرِّبهم منه. أحد كبار العلماء في قطر عربي له سمعة كبيرة في العالم الإسلامي، اضطرّ أن يجري عمليّة في المرارة وضعت تحت تصرّفه أربع طائرات في المطار مع الطاقم الطّبي الكامل، وأخذ إلى بريطانيا وأجريت له العمليّة بنجاح، سأله صحفي: ما هذه المكانة العلية التي تتمتع بها في العالم الإسلامي ؟ فقال بمنتهى الأدب: لأنني محسوبٌ على الله، أنا لست محسوباً على جهةٍ أرضيّة. وكلمة محسوب فيها أدب أيضاً، قد أكون لست أهلاً لكنني محسوب على الله عزَّ وجلَّ. قبل أيام قرأت لقاءً صحفياً معه أنه ما الحكمة من هذا المرض الذي ألمّ بك ؟ فقال: لأزداد قرباً من الله عزَّ وجلَّ. للمصائب عدة أنواع منها مخالفة النظام الدقيق الذي نظّمه الله لنا: فأنا أحب أن أُطَمئِن كل أخواننا لأنّ الحديث القدسي دقيق جداً: (( يا ابنَ آدمَ مَرِضْتُ فلم تَعُدْني، قال: يا رب كَيْفَ أعُودُكَ وأنتَ ربُّ العالمين ؟ قال: أمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْهُ ؟ أما علمتَ أنَّكَ لو عُدْتَهُ لوجَدتني عنده ؟ )) [مسلم عن أبي هريرة] أي أنّ ربنا عزَّ وجلَّ عندما يسلب الصحّة من الإنسان يعوّضه من تجلّيه ومن سكينته ومن النور يقذفه في قلبه أضعافاً كثيرة، فإذا زار الإنسان مريضاً يشعر بالصفاء لماذا ؟ لأنّ المريض زاده مرضُه قرباً من الله عزَّ وجلَّ. مرّة ثالثة أنا لا أتحدّث عن هذه الأمراض، فهذه الأمراض محض فضل، محض رحمة، محض تربية، أنا أتحدَّث عن مرض سببه خطأ منا، وهذا درسنا اليوم، فأنا لا أقبل أبداً من مسلم يرتكب أخطاء بجسمه وعندما يدفع الثمن باهظاً يقول لك: هذا ترتيب سيدك، هذه حماقة، صدقاً لا أقبل أحداً يقصّر في التعامل مع جسمه ويرتكب أخطاء كثيرة في غذائه في حركته في أنواع طعامه ثمّ يقول: هكذا قدّر الله لي !! لا، هذا ليس قضاءً وقدراً، هذا جزاء مخالفة النظام الإلهي، ذكرت مرة في خطبة جمعة: أنّ المصائب أنواع منوّعة منها مصائب مخالفة النظام الدقيق الذي نظّمه الله لنا فمثلاً إذا قلنا لشخص خفف من تناول الملح وهو يحبُّه جداً، فهو لا يُسرُّ إذا لم يوجد الملح وكل لقمة يغمسها فيه وإذا لم توجد المملحة على طاولة الطعام، قلنا له: إنّ الملح يحبس السوائل في الجسم ويرفع الضغط، وبارتفاع الضغط يجهد القلب، فارتفع ضغطه، وأصيب بخثرة دمويّة وانتقلت للدماغ وأصبح معه شبه شلل فيقول لك: هكذا الله يريد، لا الله لا يريد ذلك فهذا جزاء الخطأ. فمثلاً قال لك الطبيب: إيّاك أن تدع حبَّ الضغط إلا بعد استشارتي وبالتدريج، كثير من الأشخاص يتناولون حبوب الضغط ويجد أن ضغطه قد نزل فيرتاح ويقول: لا أريد وأبعدوه عنّي. هل هذا حسب ما تريد ؟ طبيب قلبيّة مثّل لي الحادثة فقال: هذا الضغط مثل النابض وحبّة الضغط أنزلته، وإذا تركته فجأةً يرجع لمكان أعلى مما كان سابقاً، وإن زاد قياسه عن ثمانية عشر فهناك احتمال أن ينفجر شريانٌ بالدماغ فوراً، واحتمال خثرة وفالج. فدرسنا اليوم ليس له علاقة بالأمراض التي يسوقها الله من أجل أن يقرِّب هذا العبد، درسنا اليوم متعلّق بأمراض أسبابها أخطاء منّا، قال عليه الصلاة والسلام: (( الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ )) [ رواه مسلم عن أبي هريرة] ربنا عز وجل جهز الإنسان بجهاز عالي المستوى لدرء الأخطار: الآن إلى ظاهرة التدخين، أخواننا الكرام كلُّكم يعلم أنَّ هذا الجسم مزوّد بآليّة عجيبة جداً، أي أنّ جسمك وحده كونٌ ينطق بعظمة الله، والحديث عن الجسم لا ينتهي، لا تكفيه سنوات ولا مجلّدات، ولكنني سأتناول من الجسم ما له علاقة بالتدخين. ربنا عزَّ وجلَّ جهّز الإنسان بجهاز لدرء الأخطار ولكنّه عالي المستوى، فمثلاً: لو شاهد الإنسان أفعى في بستان، أو شاهد عقرباً، أو إنساناً يشهر عليه السلاح، أو وهو يقود سيارته شعر بأنّ هناك حادثاً مميتاً، تجاوز سيّارة فوجد أمامه سيّارة وبسرعة عالية، ماذا يحدث في جسمه خلال ثوانٍ ؟ أولاً: هذه العين تنطبع على شبكيّتها صورة خطيرة، هذه الصورة تنتقل إلى الدماغ إدراكاً (إدراك الخطر) والدماغ يوجد عنده مفاهيم، فلو رأى أفعى وهو قد درس عنها في سنين دراسته وكيف أنّ لدغتها قاتلة، ودرس عن بعض أنواع الأفاعي الشرسة التي تقفز قفزاً، وشاهد أفعى مصبّرة في مدرسته، وسمع عدداً من القصص في بعض المعسكرات عن أفعى لدغت مثلاً مجنّداً، فتوجد لديه مجموعة مفاهيم عن الأفعى، فعندما شاهدها فهذه الصورة انتقلت إلى الدماغ عن طريق العين، فبالعين إحساس وبالدماغ إدراك، والدماغ هو ملك الجهاز العصبي، وتوجد بداخله ملكةٌ صغيرة اسمها الغدّة النخاميّة وهي ملكة الجهاز الهرموني، الجهاز العصبي أوامره كهربائيّة، والجهاز الهرموني أوامره كيميائيّة. فالدماغ يعطي أمراً للملكة عن طريق جسم تحت السرير البصري هذا ضابط اتصال بين الملك والملكة، الملكة أي الغدّة النخاميّة تعطي أمراً هرمونياً إلى الكظر وهما غدّتان فوق الكليتين (وهما من أخطر الغدد) تعطي أمراً إلى الكظر بمواجهة الخطر، فماذا يفعل الكظر ؟ ما الذي يحدث عند مواجهة الإنسان للخطر ؟ عند مواجهة الإنسان للخطر يحتاج إلى جهد عضلي، أوّل أمر يذهب إلى القلب لرفع ضرباته، كانت ضرباته ثمانين، فترتفع للتسعين ثمّ المئة، ثمّ المئة والعشرين، ويمكن أن تصل ضربات القلب للمئة والثمانين ضربة بالدقيقة. الهرمون الثاني يذهب إلى الرئتين من أجل أن تسرعا في وجيبيهما بحيث تتوافق مع ضربات القلب السريعة، فالخائف دقّات قلبه مئة وثمانون ويلهث. أمراً ثالثاً يذهب للأوعية الدمويّة، فالإنسان أزهر اللون ومورَّد الخدّين وهذه لا يحتاجها الخائف، فهو يريد الخلاص من الأفعى ولا يريد الوجنات الموردة المحمرّة، فيذهب أمر إلى الأوعية المحيطيّة لتضيق لمعتها، فالخائف يصبح أصفر اللون، فما الذي حدث ؟ كلُّ هذه الأوعية تضيق لمعتها. أمرٌ رابعٌ يذهب إلى الكبد، طبعاً الإنسان يحتاج إلى طاقة، فالكبد يقوم بطرح كميّة إضافية من السكر بالدم. وأمر خامس يذهب للكبد فيطرح مزيداً من هرمون التجلّط، فالخائف دمه لزج، و أغلب الظّن عند وجود مشادة أو قتال أو مشكلة قد يصاب بجرح فينزف كل دمه فيميل الدم للزوجة، هذا الأمر يحدث في ثوانٍ، وهذه أشياء مسلّم بها طبيّاً وليست غريبة. الأخطار التي يسببها النيكوتين لجسم الإنسان: ماذا يفعل النيكوتين في الجسم ؟ النيكوتين هو المادة السامّة في الدخان، هذه المادّة السامة لو أخذت محصّلة دخينة واحدة من النيكوتين وحقنته في الوريد لمات الإنسان فوراً، ماذا يوجد في الدخينة الواحدة ؟ النيكوتين، لو حقنته في جسم الإنسان لمات فوراً ! ماذا تفعل هذه المادّة السامة في الجسم ؟ تقوم بحثِّ الكظر على إعطاء كلِّ هذه الأوامر طوال التدخين، الإنسان أحياناً يضطرب في الشهر أو في السنة مرة أو في الخمس سنوات اضطراباً شديداً ويخاف، وتوجد لديه آليّة عالية المستوى يواجه بها الخطر، أمّا المدخن هذه الجاهزيّة العالية من ضربات سريعة إلى وجيب سريع إلى هرمون التجلّط إلى السكر الزائد إلى سكّر إلى ضيق الأوعية المحيطيّة، عندما يضيق الوعاء المحيطي يتعب القلب، فالقلب مضخّة فإذا ضاق المجرى يحتاج إلى جهد أكبر. فأوّل شيء بالدخان أنّ المادة السامة في الدخينة تفعل فعل الشدّة النفسيّة في الإنسان، والحقيقة أن هذه المادة تؤثّر على الكظر وتجعله يفعل ما يفعله حينما يخاف الإنسان هذه واحدة. الشيء الثاني عندما تضيق شرايين الإنسان، ويصبح دمّه لزجاً فلا يستطيع الدّم الدخول إلى الأوعية الدقيقة جدّاً، لذلك احتمال أن يصاب المدخن بالغرغرين يصبح قائماً ـ وهو هذا المرض الموات ـ عندما تمتنع التروية ببعض الأطراف تسود، وإذا اسودّت يجب قطعها فوراً، وبالمناسبة أخواننا لا أحد يستعمل حذاءً ضيّقاً فهو خطر جداً، ولا يهمّك أنّ الضيّق موضة، هذا كلام فارغ، استعمل الأحذية الواسعة المريحة، لأنّ الحذاء الضيّق له مفعول خطير يشد على الأوعية الدمويّة وربما أصيبت قدمه بالموات. الأضرار المادية والمعنوية التي يسببها التدخين: درسنا اليوم درسٌ صحيحٌ لأنّه عن التربية الصحيّة، فقم بتربية أولادك، هذه واحدة. الثانية أنّ هذه الرئة كما تعلمون، خمسة وثلاثون مليون حويصل رئوي، لو نشرنا هذه الحويصلات تصبح مساحتها سبعين متراً مربّعاً، القصبة الهوائية تتفرع لثلاثة وعشرين فرعاً، وكل فرع إلى فروع، إلى أن تصل هذه الفروع إلى خمسة وثلاثين مليون حويصل رئوي، في كل المجاري التنفسيّة أهداب تتحرّك نحو الأعلى باستمرار، فكل المواد الغريبة تنطلق نحو الأعلى، وأحياناً يشعر الإنسان أن بحنجرته قشع، اسمها النخامة، ويقوم بلفظها، المادة السامة في الدخان تشلُّ حركة الأهداب شلاً كاملاً، كل إنسان يستخدم الدخان يشكل تلاقي هذه الأهداب مثلثاً، إذاً احتمال أن يحدث إنتان بالرئتين، وهذه الحالة الثانية، وأنا لا أقول عن أخطار الدخان سوى واحد بالألف. قبل أن آتي إليكم اطلعت على كتاب صدر حديثاً عن إحدى دور النشر ـ وهي لأحد أخواننا ـ اطلعت على الكتاب فوجدت أنّ مستوى الكتاب أعلى من درسٍ يلقى في المسجد، فالأمور تحتاج إلى شرح صور، سليدات، وصعب أن تُشرَح شرحاً نظرياً، فبقيت على المعلومات البسيطة التي أعرفها، ووجدت أنه من غير المناسب طرح الموضوع المعقّد العلمي في المسجد، وأنا والله لا أتكلّم عن أضرار الدخان سوى واحدٍ بالألف. ذلك فضلاً عن موضوع الرائحة التي لا يقبلها الإنسان، وعن الإنفاق الزائد، دعني من أنه حرامٌ أم حلالٌ، فأنت إنسان رأسمالك صحّتك، وإن كنت شاباً في ريعان الشباب، فالمفروض أن يكون لديك إرادة قويّة وقوّة إدراكيّة عالية لتختار ما هو صالح لنفسك، أمامي بعض المعلومات عن أضرار الدخان. قيل إن نسبة الوفيّات بين المدخنين الذكور تزيد ثمانية وستين بالمئة عنها من بين غير المدخنين، أي لو أخذنا مئة شخص لا يدخنون ومئة يدخنون، فإن مات واحد من المئة الذين لا يدخنون يموت ثمانية وستون من المدخنين. بعض الإحصائيات عن نسبة الوفيات في صفوف المدخنين بالمقارنة مع غير المدخنين: توجد لدينا إحصائيات أجرتها مجلّة ألمانيّة متخصّصة في هذا الموضوع، وتقول هذه الإحصائيّات أن نسبة الوفيّات في صفوف المدخنين من الأمراض التالية بالمقارنة مع غير المدخنين: سرطان الرئة: ( 10.8) أي عشرة أضعاف، أي الذين يصابون بسرطان الرئة من بين المدخنين عشرة أمثال غير المدخنين. التهابات الأغشية المخاطيّة والمجاري التنفّسيّة وتورُّمها وانتفاخها: ستة أضعاف وواحد بالعشرة. سرطان الحنجرة: خمسة أضعاف وأربعة بالعشرة. سرطان تجويف الفم: أربعة أضعاف وواحد بالعشرة. سرطان المري: ثلاثة أضعاف وأربعة بالعشرة. أمراض المعدة: ضعفان وأربعة بالعشرة. أمراض دوريّة أخرى: ضعفان وستة بالعشرة. أمراض الدّسامات القلبية: ضعف وسبعة بالعشرة. هذه إحصائيّة والذين أجروها لا علاقة لهم بحرمة الدخان ولا بحلِّه، وكذلك جمعيّة مكافحة السل أصدرت نشرة تقول فيها إنّ سنوات عديدة من البحث العلمي أثبتت الوقائع التالية: عندما يدخن شخصٌ ما دخينةً (أنا أقول دخينةً عوضاً عن سيجارة لأنها كلمةٌ عربية) فإنّه يبتلع الدخان ويحتفظ الجسم بثمانين إلى تسعين في المئة منه، كما يحتفظ ببقايا احتراق التبغ الذي هو القطران الذي يتجمّع في الطرق التنفُّسيّة، والقطران نوعٌ من عدّة مركبات كيماويّة يستطيع بعضها إحداث السرطان بينما بقيّة العناصر الأخرى تحدث التخريش أيضاً. التدخين يهيئ لعدة أمراض خطيرة: المدخنون أشدُّ تعرُّضاً للإصابة بالسل والسرطان من الذين لا يدخنون، والتدخين هذه العادة تؤدّي إلى الآفات الرئويّة المزمنة كالتهاب القصبات وانتفاخ الرئة والربو والسل. التدخين يهيئ لأمراض القلب، يعني أوضح قضيّة بالقلب، عندما يكون الدم لزجاً فاحتمال تجلُّطه أكبر، لذلك أول سؤال يسأله طبيب القلب للمريض: هل تدخّن ؟ وأحيانا يوجد طبيبٌ لا يسأل بل يضع يده على صدر المريض ويتحسس هل يحمل في جيبه علبة من الدخان، لوجود علاقة علميّة بينهما. وأنا أقسم لكم لم أتحدّث وليس في إمكاني أن أتحدّث أكثر من ذلك، لأنّ الأمور أعقد بكثير، كتب بأكملها بعضها صدرت في أربعمئة صفحة عن أضرار التدخين، وقد اكتشفت اليوم شيئاً لم أكن أعرفه من قبل، يوجد مرض خطير اسمه فقر الدم اللامُصنّع، فقد وضع الله عزَّ وجلَّ بنقي العظام الموجودة داخل عظم الساق أو الفخذ ـ يحبّها الأطفال كثيراً وهي لب العظم (النخاع ) وهي طيبة الطعم ـ وهي معمل لإنتاج كريات الدم الحمراء، وهي تسمّى نقي العظام، هذا المعمل لو توقّف لصار الموت محققاّ، وحتى الآن لا يدري أحدٌ لِمَ يتوقف هذا المعمل، المرض اسمه فقر دم لا مصنِّع، واليوم اكتشفت في هذا الكتاب الجديد أن الدخان يسهم في تقليل إنتاج كريات الدّم الحمراء، فالمواد السميّة بالدخان تفعل فعلها في معامل نقي الدم، النبيّ أمرنا بالحجامة، فماذا تفعل الحجامة ؟ قال عليه الصلاة والسلام: ((احتجموا لسبع عشرة وتسع عشرة وإحدى وعشرين لا يتبيغ بكم الدم فيقتلكم)) [الترمذي عن عبد الله بن عباس] وتوجد أحاديث كثيرةٌ جداً وصحيحة عن الحجامة ولا سيّما في هذه الأيام ـ أيام الربيع ـ فالحجامة تقلل كميّة الدم بالجسم، حينما تقلُّ هذه الكميّة في الجسم تنشط معامل كريات الدم الحمراء، فكأنّ الحجامة صيانة مستمرّة لمعامل كريات الدم الحمراء في الجسم. الإرشادات الطبيّة النبويّة تعدّ من تعليمات الصانع لا من كلام النبيّ: أخواننا الكرام، الذي قاله النبي عن الصحّة وحيٌ من الله، لأنّ المعطيات العلميّة في عصر النبيّ لا تسمح له أبداً أن يعرفها، أشياء في منتهى التعقيد لكنّ النبيّ نطق بها، لأنّه: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (3) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (4) ﴾ (سورة النجم) الإرشادات الطبيّة النبويّة يجب أن تعدّ من تعليمات الصانع، لا من كلام النبيّ، ألم يقل سيّدنا سعد بن أبي وقّاص: وما سمعت حديثاً من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا علمت أنّه حقٌ من الله تعالى. طبعاً أخطر شيء السرطانات بدءاً من الفم للحلق للبلعوم للمريء للرئتين، أمراض الموات كالغرغرين والجلطات الدمويّة، أي الأمراض القلبية والوعائية، هذه من نتائج الدخان الطبيعيّة. بعض الدلائل من الكتاب والسنة عن العناية بالصحة وعدم إهمالها: الآن أضع بين أيديكم هذه الآيات قال تعالى: ﴿ وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (195) ﴾ ( سورة البقرة ) قد يكون في الإنسان أعلى درجات العناية بصحته، ويبعث الله له مرضاً هذا يسمّى قضاءً وقدراً، وهذا موضوع آخر، لكن باختيارك وسعيك وبخطأ منك، قال تعالى: ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (195) ﴾ ( سورة البقرة ) وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: (( لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ )) [رواه مالك وابن ماجة والدار عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] هذا الحديث يعدُّ أحد القواعد الكبرى في الشرع، لا ضرر ولا ضرار، قال تعالى: ﴿ وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (2) ﴾ ( سورة النساء ) الخبيث يبقى خبيثاً ولو كثر: عندما يشرب الإنسان كأساً من الشاي، أو كأساً من العصير، أو يأكل تفّاحة ماذا يقول ؟ يقول: بسم الله الرحمن الرحيم، وعندما ينتهي يقول: الحمد لله، يا ترى هل من الممكن أن يقولها قبل أن يدخّن ؟! إذا أراد أن يدخّن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم !! وعندما ينتهي منها: الحمد لله، الله يديمها علينا، مستحيل أن يفعل ذلك لأنّها ضارّة قال الرسول الكريم: (( لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ )) [رواه مالك وابن ماجة والدار عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] قال تعالى: ﴿ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ(2) ﴾ (سورة النساء) وقال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) ﴾ ( سورة الأعراف ) ويقول أيضاً: ﴿ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (100) ﴾ ( سورة المائدة ) لو كان الأكثر مبيعاً في العالم: ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ(100) ﴾ ( سورة المائدة ) لو كثر ولو تسعين بالمئة يبقى الخبيث خبيثاً، هذه كلها آيات قرآنيّة. الدخان أيضاً يخدّر العقل ويفتّر الجسم وهذا أمر يشعر به المقدم على تناوله والمبتدئ بشربه، وقد نهى النبيّ عليه الصلاة والسلام عن كلّ مفتّر، كما نهى عن كلّ مسكر ومخدّر وذلك في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه بسندٍ صحيح عن أمّ سلمة رضي الله عنها قالت: (( نهى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومُفْتِر )) [أبو داود عن أم سلمة] التدخين يسبب الإدمان فتضعف سيطرة الإنسان على جسمه وتقوده إلى الهلاك باختياره: ربما قال لي أحدكم: إنّ بعض العلماء أفتوا به. هذا الكلام غير مقبول إطلاقاً، لأنّ العلماء الذين أفتوا بالدخان أفتوا به يوم لم تكن بين أيديهم هذه المعطيات، واعتمدوا على مقولةٍ وقاعدةٍ شرعيّةٍ أساسيّةٍ هي: أنّ الأصل في الأشياء الإباحة. فلا أحد يحتجّ بقول عالم عاش قبل خمسمئة سنة، لم تكن هذه المعطيات العلميّة موجودة بين يديه، والأصل في الأشياء الإباحة، فإذا ذهبت إلى السعوديّة بالحج ووجدت فاكهةً لا تعرفها، ولكنّها فاكهة فهل هي حرامٌ ؟ لا ليست حراماً، فما هو الدليل ؟ أقول لك إنّ الأصل في الأشياء الإباحة، ولكن بعدما ثبتت هذه الأخطار الوبيلة، وهذه المضاعفات الخطيرة، فأصبح الأمر له وضع آخر. طبعاً ناهيك عن الضرر المالي، فالمدخّن يحتاج إلى مبلغ، فإذا كان دخله محدوداً يقترب من ربع دخله، طبعاً فلو أطعم أولاده فاكهةً لو أطعم أولاده طعاماً مغذّياً بهذا الثمن لكان خيراً له أي: " أن أرجحكم عقلاً أشدّكم لله حباً." مشكلة التدخين أنّه يسبب الإدمان والإنسان مع الإدمان تضعف سيطرته على جسمه، تجده يقود نفسه إلى هلاكه باختياره. بعض الأمثلة المتعلقة بالتربية الصحية والتربية الجسمية: توجد موضوعات كثيرة جداً في التربية الصحيّة لكن سأشير إليها إشارة سريعة فهمكم كفاية: إذا وجد في البيت مجلات أو أشياء فيها صور فهي لا تجوز ولا تليق ببيت المسلم، وهي أشياء تنقل الشاب إلى عادات لا ترضي الله عزَّ وجلَّ، وتفريغ طاقاته، وقد يفرغ طاقته بعادات تحطّم جسمه وأعصابه وتجعله في دوّامة لا نهايةَ لها، والأسباب هي المثيرات، فكل شيء ممكن أن يحرّك المشاعر الغريزيّة في الإنسان فيه ضرر كبير، يجوز أن يكون الأب والأم القضيّة محلولة معهم أمّا الأبناء فلا حلّ لهم، أي أن الطريق للزواج طويل، بعد ثلاثين سنة وهذه المثيرات الموجودة في البيت كالمجلات والكتب وأجهزة اللهو مثلاً الشاب والشابّة ماذا يفعلون ؟ فهذه نقطةٌ دقيقة جداً ولا أحد يتكلّم بها ولكنّها واقعة وأسبابها التساهل في هذه الأشياء قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) ﴾ ( سورة المؤمنون ) معتدٍ، أي أنّ أيّ أسلوب أو أيّ طريق لتفريغ هذه الطاقة غير الطريق المشروع الذي أمر الله به وسمح به هذا عدوان، وهذا محرّمٌ بنصّ هذه الآية. هناك أشياء أخرى متعلّقة بالتربية الجسميّة، فمثلاً تجد بعض الأدوية بين يدي الأطفال ويكون بعضها ساماً، الطفل دون سن الخمس سنوات لا يعرف، وأي شيء يضعه في فمه، فيجب أن تكون جميع الأدوية في معزل عن أيدي الأطفال، توضع في خزانة عالية لأنّه لو حدث خطأ ما فالأب مسؤول عند الله عزَّ وجلَّ، فهذا الإهمال تنجم عنه تسممات أحياناً، وفي بعض الأحيان يسبب عللاً دائمةً، فأول شيء موضوع الأدوية يجب أن تكون في البيوت في حرزٍ حريزٍ وفي مكانٍ بعيدٍ عن تناول أيدي الأطفال. من أهمل في عمله وتسبب بمقتل شخص ما يحاسب كقاتل: أحياناً نأتي بدواء للقوارض وهو سامٌ ويقوم بوضعه في مكان غير آمن، فيظنونه دواء آخر، ويضعه في بخاخ مثلاً تستعمل للكوي، وهو سام فيقومون برشه على الثياب عند كيّها، أو ترش في أماكن في البيت فيسبب مضاعفات خطيرة، في أحد المرّات بالأردن قاموا بحل دواءٍ زراعيٍ بوعاء كبير في حلّة، وقاموا برشّه، وقاموا بغسيلها وجليها سبع مرّات ثمّ قاموا بالطبخ فيها، فمات سبعة أشخاص منها، توجد أدوية زراعيّة ذات سميّة شديدة جداً. فأخواننا الذين يملكون مزارع أو من عنده محلات تجاريّة متعلّقة بهذه الأدوية فيجب أن يراعوا ذلك، فالأمور دقيقةٌ جداً، الإنسان أيّاماً يحاسب كقاتل عند الله عزَّ وجلَّ، فلا تقل لي: قضاءً وقدراً، إذا كان هناك إهمال يحاسب كقاتل. حدثني أحد الأخوة بأنّه جاء من بلاد الحجاز بسيارةٍ أيام الحر الشديد، وأراد صاحبها أن يغير زيت علبة السرعة، ويظهر أنّ الصانع لم يشد البرغي لعلبة الزيت، وعلى الطريق تسرّب الزيت منها وحدث بعلبة السرعة خللٌ فتوقّفت السيّارة، فنزل منها صاحبها وفتح غطاءها وبحث في المحرّك فأصيب بضربة شمس فمات. هل يا ترى هذا الذي قام بشد هذا البرغي يحاسب عند الله هو أو معلّمه ؟ أدّى إلى قتل نفس والدليل: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ (12) ﴾ ( سورة يس ) أحياناً يكون خطأ مثلاً بالبيت يسبب عاهة دائمة لطفلة صغيرة، ثلاثين أربعين خمسين ستين سنة، وكلّما وقعت عين الأم على ابنتها يحترق قلبها، قضيّة خطيرة، مثلاً مصادر الاحتراق كالمواقد والمدافئ لها ترتيب خاص، مثلاً الأسلاك الكهربائيّة المكشوفة هذه خطيرة جداً، كثير من الناس ماتوا بالحمام بسبب أنّ الغسّالة تعمل وهو حافي القدمين، وحدث ماس كهربائي، فالتيار البالغ 220 فولطاً مع الماء مميت، حوادث وفاة كثيرة ويقولون: قضاء وقدر، هي صحيح قضاء وقدر ولكن فيها مسؤوليّة، أحياناً إبريق من الشاي يوضع على طرف المائدة وينسكب على وجه الفتاة أو الفتى فأصبح بعاهة دائمة طوال حياته. الأب مسؤول أمام الله عن تربية ابنه الجسميّة فالأبوّة مسؤوليّة: المقصّات والسكاكين يجب وضعها في أماكن بعيدة عن الأطفال، أحياناً تنام الأم وتضع طفلها بجانبها لينام فيموت بالاختناق من أمّه وتحدث كثيراً هذه الحوادث، يجب أن ينام الطفل في سريره، الشرفات أطفال كثيرون يسقطون منها، وقد سمعنا بالهامة أنّ شاباً وقف فوق الجسر فوقع من فوقه ميّتاً، فلو وجدت طوابق عالية وفيها شرفات والطفل لا يقدّر وهي خطيرة جداً، فاستدن واعمل لها حاجزاً، لا تقل لا يحدث شيء، بل ممكن أن يحدث ويظل القلب محترقاً إلى يوم القيامة. كثيرٌ من الأطفال أدخلوا أيديهم في مفرمة اللحوم فقطعت أو فرمت أصابعهم وهذه نقطة مهمة جداً، فعلى الأم أن تكون ذات وعي أكثر في تنبيهاتها وتوجيهها لأولادها فهم أمانةٌ عند والديهم، فإذا لم توجد التعليمات المشدّدة والتحذيرات فتقع العاهات الدائمة ويصبح الابن مصدر شقاء لوالديه، على كلٍ الموضوع طويلٌ وننتهي عند هذا الحد. فالأب مسؤول أمام الله عن تربية ابنه الجسميّة، عن غذائه، عن سلامته، عن صحّته، عن قوّة بنيته، فالأبوّة مسؤوليّة، وعندما يجد الإنسان أولاده أمامه بصحّة جيّدةٍ ونشاطٍ وأخلاقٍ وعلمٍ وجسمٍ جيِّدٍ هذا مما يسعده، وننتهي في هذا الوقت بهذا القدر عن مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الجسميّة، وننتقل في درسٍ قادم إن شاء الله تعالى إلى مسؤولية التربية العقليّة. الأب يقوم بتربية ابنه تربيةً إيمانيّة وتربية أخلاقيّة وتربية جسميّة، غداً والأسبوع القادم التربية العقليّة، كيف ينمّي مدارك ابنه ؟ فابنك زادك إلى الله، زادك إلى الجّنة، وإذا كنت قد اعتنيت به فهذا استمرار لك، هذا صدقة جارية، هذا به تستمر ولا ينقطع ذكرك عند الموت. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#8 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : ( الثامن ) الموضوع :التربية العقلية ( 1 ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيّها الأخوة الكرام، مع الدرس الثامن من دروس تربية الأولاد في الإسلام. مسؤوليّة الآباء في تربية أولادهم التربية العقليّة: لقد مرّ بنا من قبل مسؤوليّة الآباء في تربية أولادهم التربية الإيمانيّة، والتربية الخلقيّة، والتربية الجسميّة، هذا كلّه تحدّثنا عنه في دروس سابقة، واليوم ننتقل إلى مسؤوليّة الآباء في تربية أولادهم التربية العقليّة، ربيته تربيةً إيمانيّة، وربيته تربيةً خلقيّة، وربيته تربيةً جسميّة، وننتقل اليوم إلى التربية العقليّة. أيّها الأخوة الكرام، لحكمةٍ بالغةٍ أرادها الله عزَّ وجلَّ أنّ أوّل آيةٍ في القرآن الكريم هي قوله تعالى: ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) ﴾ ( سورة العلق ) الشيء الأساسي ـ وهذا قلته لكم سابقاً ـ الجماد شيء، التعليل الفيزيائي له حيّز أي له طول وعرض وارتفاع ووزن، هذا الجماد. لكنّ النبات أيضاً شيء مادي وهو يشغل حيّزاً في عالم المادة، له طول وعرض وارتفاع ووزن إلا أنّه ينمو، بماذا اختلف النبات عن الجماد ؟ بالنمو، الحيوان شيءٌ طبعاً مادة له طول وعرض وارتفاع ووزن وينمو كالنبات لكنّه يتحرّك، النبات ينمو. الجماد له حيّز يشغل حيّزاً له طول وعرض وارتفاع ووزن، والنبات ينفرد عن الجماد بالنمو، الحيوان يشغل حيّزاً وينمو وينفرد عن الجماد والنبات بالحركة، أمّا الإنسان جسم ماديّ له طول وعرض وارتفاع يشغل حيّزاً وينمو ويتحرّك ويفكّر. أعظم شيء يتمتع به الإنسان هو العلم: التربية العقليّة إذا لم يستخدم الإنسان هذا الفكر أو تلك القوّة الإدراكيّة التي أودعها الله فيه فقد عطّل إنسانيّته، أي أنّ أعظم شيء يتمتّع به الإنسان هو العلم، بالعلم فضّلت على كثيرٍ ممن خلق الله تفضيلاً، قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) ﴾ ( سورة الإسراء ) توجد كلمةٌ أيها الأخوة لا أشبع ولا أملّ من تردادها ؛ رتبة العلم أعلى الرتب، من في الأرض الآن هو الأقوى ؟ الإنسان الذي بيده الأسلحة المدمّرة، وهو محاط بعدد كبير من العلماء يقدّمون له المشورة والخيارات، إذاً من هو الذي يحكم العالم كلّه ؟ العلماء. أريد خبرةً في هذا الموضوع، من يأتي بالخبرة ؟ العالِم، لذلك هذه الكلمة: رتبة العلم أعلى الرتب أي أنّك لن ترقى إلى أعلى الدرجات إلا بالعلم، لذلك الحظوظ التي يتمايز بها الناس في الدنيا (وهي كلمة دقيقة الحظوظ) المال حظ، يقولون: فلان حجمه المالي كذا، فلان يحكي بكذا، إلى ما هنالك من عبارات يستخدمها أرباب الأموال، فالمال حظ، القوّة حظ ؛ فلان مسيطر على قارة بأكملها، هذه الدولة تتحكم بمصير العالم مثلاً، القوة حظ، والصحة حظ، الوسامة حظ، لكن ما الحظُّ الذي اعتمده القرآن كقيمةٍ مرجحةٍ بين العباد ؟ العلم فقط قال تعالى: ﴿ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) ﴾ ( سورة الزمر ) رفض الله عزَّ وجلَّ في القرآن أن يكون المال مرجّحاً بين العباد كذلك قال النبيُّ الكريم: (( سَبق دِرْهَم مائةَ ألف دِرْهم )) [النسائي عن أبي هريرة] وقال: (( رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ )) [ أخرجه مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] القرآن اعتمد قيمة واحدة فقط مرجّحة بين العباد هي العلم: قال تعالى: ﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (196) ﴾ ( سورة آل عمران ) القوّة لا شأن لها في القرآن، متاعٌ قليل، ولكنّ الله عزَّ وجلّ لم يعترف بقوَّة المال، ولا بقوّة السلطة، ولا بقوّة الصحّة، ولا بقوّة الوسامة، ولا بقوّة النسب، القرآن اعتمد قيمة واحدة فقط مرجّحة بين العباد هي العلم، لذلك كلمة الإمام الشافعي: " إذا أردّت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردّت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردّتهما معاً فعليك بالعلم." أي أنّك حينما تأتي إلى بيتٍ من بيوت الله كي تطلب العلم ؛ العلم الشرعي، بالمناسبة دققوا في هذه الكلمات، أيُّ علمٍ، فإذا دخل الطالب الجامعة مثلاً ودرس الحقوق، أو الآداب، أو لغات أجنبيّة، فيزياء، كيمياء، رياضيّات، طبيعيّات، درس الطب، درس الهندسة، فالعلوم ممتعة بحد ذاتها، أي علم لكن بشرط التعمّق، فإذا درست العلوم سطحيّاً فالعلم عبء مزعج جداً، أيُّ علمٍ ممتع. عند الموت ينتهي العلم الدنيوي لكنّ العلم بالله يستمرُّ مع الإنسان إلى أبد الآبدين: هناك علمٌ ممتعٌ ونافع مثلاً يدرس الإلياذة لهيموروس ؛ وهو شاعر إغريقي قد عاش قبل الميلاد، لكن لو درست هذه القصيدة لن تقبض على دراستها شيئاً، أمّا قد يكون الإنسان له اختصاص نادر والمجتمع بحاجة ماسّة له، فهو تعلّم هذا العلم واستمتع به لكنّه انتفع ماديّاً به إذاً كلُّ علمٍ ممتع، لكن هناك علمٌ ممتعٌ ونافعٌ. العلم الديني ممتع نافع ومسعد، يجوز أن تقرأ نعوة فلان الفلاني يكون له لقب علمي كبير، فإذا مات انتهى هذا اللقب وانتهت تلك المكانة وكل شيء قد انتهى، إلا أنّ العالم بالدين إذا مات، الآن قد بدأت سعادته، العلم الديني يستمر إلى الأبد، أمّا العلوم الدنيويّة تنتهي عند الموت. لو فرضنا أعلم إنسان في علوم الفضاء عند الموت ينتهي اختصاصه، و أعلم إنسان في علوم الطّب، أكبر جرّاح في العالم، أكبر أستاذ في الفيزياء مثلاً، أكبر عالم طبيعيات في العالم، عند الموت ينتهي علمه لكنّ العلم بالله يستمرُّ مع الإنسان إلى أبد الآبدين قال تعالى: ﴿ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (9) ﴾ ( سورة الزمر ) وقال أيضاً: ﴿ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) ﴾ ( سورة طه ) الفرق كبير جداً بين المتعلم والجاهل: وقل ربي زدني مالاً قوةً جاهاً، وقل ربِّ زدني علماً هذا الشعار لجامعة دمشق، آية ثالثة قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) ﴾ ( سورة المجادلة) العالم شيخٌ ولو كان حدثاً، والجاهل حدثٌ ولو كان شيخاً، بالمناسبة أقول لكم هذا الكلام لأنّ الأب مسؤول أكبر مسؤوليّة عن تربية أولاده التربية العقليّة، يقولون لك: العلم لا يطعم الخبز، هذا كلام صحيح، و فعلاً لا يطعمك خبزاً الآن، ولكن العلم قيمةٌ في ذاته، فأتمنى من كل أب أن يحرص على تعليم أولاده، لأنه يوجد فارقٌ كبير جدّاً بين المتعلّم وبين الجاهل. مرّة شاهدت إنساناً أخرجه أهله من المدرسة منذ فترة، يقف أمام أسطوانة من الورق رول، فقلت له: ما طوله ؟ قال لي: من هنا لأمريكا. من هنا لأمريكا المسافة أكثر من ثمانية عشر ألف كيلومتر تقريباً، أما طول الرول، أكثر طول له خمسمئة متر، فلا يوجد عنده ميزان دقيق إطلاقاً. الجاهل يفعل في نفسه مالا يستطيع أن يفعله عدوّه به: إذا اجتمعت بجاهل تجد منه كل خطأ أكبر من الثاني في تقديراته، أحكامه مضحكة، تعليقاته مضحكة، تحليلاته مضحكة، تعليلاته مضحكة، فتوجد فوارق كبيرة جداً بينه وبين المتعلّم، وأعظم ما في الإنسان العلم، وأبشع ما فيه الجهل، والجاهل عدوّ نفسه، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع أن يفعله عدوّه به. ابنك يجب أن تدفعه إلى العلم، العلم على إطلاقه، لأنّ أي علم يرفع الإنسان، أحياناً تشاهد إنساناً يعمل بعضلاته اثنتي عشرة ساعة، وآخر يعمل بعقله خمس دقائق فيجوز أن يربح أضعاف من يعمل بعضلاته لساعاتٍ طويلة، فكل شيء له ثمن، روى الإمام مسلم في الحديث الصحيح عن أبي هريرة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: (( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة )) [ رواه الترمذي عن أبي هريرة ] هذا الحديث أذكره كثيراً، أي وأنت في طريقك إلى المسجد ـ والله لا أُبالغ ـ هذا الطريق يفضي إلى الجنّة، طلبت العلم، عرفت الأمر والنهي، عرفت الحقّ والباطل، عرفت ماذا يرضي الله وماذا لا يرضيه، سلكت الطريق الصحيح، دخلت الجنّة، فهذا العلم نهايته الجنّة. انظر إلى طلاب الجامعة مثلاً، يدخل أحدهم إلى كلّية الطب، الدوام فيها اثنتا عشرة ساعة، وكتب صعبة، وفحوص عويصة، وشدّة أحياناً، ودروس عمليّة ونظريّة، ولكن الدخول للجامعة والجلوس على مقاعد الدراسة هذا ينتهي بالطالب إلى أن يكون طبيباً، ربما ما تزال للطب مميزات جيّدة في المجتمعات كلها، لكن هذا الطالب وما يمر به من سنوات دراسيّة عديدة وما فيها من تعب ومشقّة، ثمّ سنوات الاختصاص حتى يحصل على درجة رفيعة ـ بورد ـ مثلاً، هو ينظر إلى المستقبل إلى هذا العمل المريح الذي له قيمة في المجتمع، لا ينظر إلى المتاعب. فائدة طلب العلم في السنة الشريفة: وأنت كطالب علم شرعي لا تنظر لطول وقت الدرس وطول الطريق الذي تقطعه للحضور للمسجد، لا تنظر لمواسم البيع والشراء وتقول: السوق ( حامية )، لا بل السوق ( باردة ) الآن، انظر إلى أنّ هذا الطريق ينتهي بك إلى الجنّة. (( من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة )) [ رواه الترمذي عن أبي هريرة ] روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( الدنيا ملعونة، ملعونٌ ما فيها، إلا ذكر الله تعالى وما والاه. )) [ رواه الترمذي عن أبي هريرة ] أحياناً يكون مع الإنسان مئات الملايين، ويصاب بمرض ليس له حلٌّ بالمال، وكان ناسياً لربّه ولم يعرفه سابقاً فيشعر بإحباط شديد: (( الدنيا ملعونة، ملعونٌ ما فيها، إلا ذكر الله تعالى وما والاه. )) [ رواه الترمذي عن أبي هريرة ] أي وما يتبع هذا الذكر من طاعة، من أعمال صالحة، وروى الترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه أنّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول: (( من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتّى يرجع. )) [ رواه الترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه ] المؤمن وهو في طلب العلم في مهمّةٍ عند الله عزَّ وجلَّ: أنت الآن بمهمّة، أخواننا الموظفون يعرفون معنى المهمّة، فإذا حدث شيء لا سمح الله فيتقاضى الراتب كاملاً إلى أن تنتهي حياته، لأنّ هذا الحادث حدث أثناء مهمّة رسميّة، والمؤمن وهو في طلب العلم في مهمّةٍ عند الله عزَّ وجلَّ: (( من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتّى يرجع. )) [ رواه الترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه ] توجد نقطة هامة جداً في هذا الموضوع: أنّه بعالم الدنيا وبعالم الناس إن لم تصل إلى النهاية لا تقطف الثمار، فلو بدأ شخص بتأثيث مشروعٍ تجاريٍ، فإذا لم ينجح المشروع لا يقطف ثماره، إلا عند الله إذا أنت وضعت قدمك في طريق العلم وجاءك الموت فجأةً تنال نهايات هذا الطريق، فعندما يبدأ الإنسان بالطريق المستقيم فإنّ الله سبحانه وتعالى يضمن له النتائج. (( من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتّى يرجع. )) [ رواه الترمذي عن أنسٍ رضي الله عنه ] وروى الترمذي عن أبي أُمامة رضي الله عنه أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: (( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. )) [ رواه الترمذي عن أبي أُمامة رضي الله عنه ] كلّكم تعرفون أنّ النبي الكريم عندما رأى شخصاً في المسجد فيما بين وقتي الصلاة قال له: ماذا تصنع ؟ قال له: أصلّي، قال النبيُّ الكريم: ومن يطعمك ؟ قال: أخي. فقال عليه الصلاة والسلام: أخوك أعبد منك. أمّا الذي شكا شريكه لرسول الله أنّه لا يبذل الجهد الكافي، وكان شريكه طالباً للعلم، النبي لم يقل له إنّك أعبد منه ولكنّه قال له: لعلّك ترزق به. لأنّ طالب العلم يتعلّم لغيره، لكن العابد يتعبد لنفسه، فطالب العلم غيري، نفعه يعمّ، وأنا دائماً أتمنى على أخواننا الكرام، فأنت حضرت الخطبة ودرس الفجر، ودروس جامع الطاووسيّة ظهراً، ألا توجد آيةٌ لفتت نظرك أو حديث شريف، سجلها على ورقةٍ، ثمّ إذا جلست في جلسة أو دعيت إلى غداء أو في سهرة أو تكون في زيارة لأختك أو أحد أقاربك مثلاً أو لقاءً أسبوعياً مع أصدقائك، فمن منا من ليس له لقاءٌ دائمٌ مع أصدقائه وجيرانه ومعارفه وأقاربه ؟ حتّى في عملك، أو سافرت لمكان وجلس بجوارك شخص، يجب أن يكون لديك ذخيرة كبيرة من الآيات والأحاديث والقصص والحقائق الدقيقة الدالة على الله عزَّ وجلَّ، حتى يبقى هذا اللسان رطباً بذكر الله، فأينما حلّ المؤمن فهو يذكر ويدعو الله وأنت مؤمن، وكيفما تحرّك ينفع الناس. كل ما يقربك من الله حقّ وكل ما يبعدك عن الله باطل: الله عزَّ وجلَّ قال في معرض الحديث عن الكفّار: ﴿ فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ (29) ﴾ (سورة الدخان ) فهل هذا المعنى له معنى مخالف ؟ معاكس ؟ معنى ذلك أنّ المؤمن إذا ما توفّاه الله عزَّ وجلَّ بكت عليه السماوات والأرض، معنى ذلك أنّ المؤمن الأرض تتبارك بمشيه عليها، أينما حلّ يدعو إلى الله، أينما حلّ ينشر الحقّ، أينما حلّ يلقي العلم، الحقيقة لا يليق بالإنسان أن يتحدّث عن غير الله عزَّ وجلَّ، حتّى إنّ بعض المفسرين قال في تفسيره للآية الكريمة: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) ﴾ ( سورة المؤمنون ) فما هو اللغو ؛ قال: كلُّ ما سوى الله لغو ألم يقل الشاعر لبيد الذي استشهد النبيّ بقوله صلى الله عليه وسلم لم يقل الشعر أبداً ولكنّه قال مرّة: أصدق كلمةً قالها لبيد: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطلُ، ولم يكمل النبيّ الشعر لأن فيه تتمة البيت: وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ، وهي كلمةٌ غير صحيحة لأنّ نعيم أهل الجنّة لا يزول، النبيّ قد عوّدنا ألا ينطق لسانه إلا بالحق، وكلُّنا نقرأ هذه الأبيات أحياناً نستشهد بها ونقول: ألا كلُّ شيءٍ ما خلا الله باطل وكلُّ نعيمٍ ما خلا الله لا محالةَ زائل * * * هذا الكلام خطأ، والنبي لم يكمل البيت وقال: ألا كل ما خلا الله باطل، فقط، ومعنى ذلك أنّ كلَّ شيءٍ يقرّبك إلى الله فهو الحق، وأنّ كلَّ شيءٍ يبعدك عن الله فهو الباطل. إنّ الله وملائكته و أهلَ السماوات والأرض يصلّون على معلمي الناس الخير: إذاً: (( فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. )) [ رواه الترمذي عن أبي أُمامة رضي الله عنه ] إنّ الله وملائكته و أهلَ السماوات والأرض حتّى النملة في جحرها (بيتها) وحتى الحوت ليصلّون على معلمي الناس الخير. إنّ الله وملائكته وأهل السماوات والأرض معقول أن يصلّوا، لكن حتّى النملة في جحرها فما علاقة النملة بهذا المؤمن، قال: وحتى الحوت أي ـ السمك ـ ليصلّون على معلمي الناس الخير، فإذا أحد من الناس اشترى سمكاً قد صيد حديثاً، فإذا كان الشاري مؤمناً تجده لا يسمح للبائع أن ينظّف جوفها قبل أن تموت تماماً، تجد كثيراً من المحلات تبيع الأسماك وهو يتحرّك حركةً مخيفة، وتجد البائع يفتح بطنها وينزع الأحشاء، فقد عذّبها مرتين، المؤمن لا يسمح لمثل هذا البائع أن يفعل هذا، لعدم جواز ذلك، إلى أن تسكن فقد قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36)﴾ ( سورة الحج) فالسمكة إذا ما اشتراها المؤمن فلا يعذّبها، وإذا ذبح حيواناً فلا يعذّبه، فالنبي الكريم عندما رأى من يذبح شاةً أمام أختها غضب وقال: هلاّ حجبتها عن أختها، أتريد أن تميتها مرّتين ؟ فمن السنّة أن تضع حاجزاً بين الغنم أو الحيوان عند الذبح، فلماذا النملة في جحرها والحوت في بحره يصلّي على معلّم الناس الخير، لأنّ المؤمن يعود خيره حتى على النمل، سألني أحد الأخوة أمس هل قتل النمل حرامٌ ؟ فأجبته بالآية الكريمة: ﴿ حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (18) ﴾ ( سورة النمل ) فاستنبط أنّ سليمان عليه السلام لا يمكن أن يحطم نملةً وهو يشعر أمّا إذا كان لا يشعر فليست هناك مشكلة. الولد الصالح استمرار لأبيه لأنه ينفع الناس من بعده: (( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ ينتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له. )) [ رواه مسلم عن أبي هريرة ] من عنده أولاد، فمن منّا لا يحبُّ الخلود ؟ هذه فطرة الإنسان، أخواننا الكرام إذا كان عندك ابن وربيته تربية إيمانيّة وخلقيّة وجسميّة وعقليّة معنى ذلك أنّك لا تموت أبداً، لا تموت لأنّ هذا الطفل إذا تعلّم وأصبح ولداً صالحاً ينفع الناس من بعدك، فهو استمرارٌ لوجودك. مرة ذكرت لكم أننا قد حضرنا تعزية أحد العلماء في الشام وكانت بالمسجد الأموي، فوجئنا بعد انتهاء العزاء أنّ ابن هذا العالم خطيبٌ من كبار الخطباء، فألقى كلمةً رائعةً شكر بها المعزّين، فما كان من وزير الأوقاف إلا أن عيّن هذا الابن مكان أبيه في الجلسة نفسها، فقلت إنّ هذا العالِم لم يمت، أي أن ابنه خلفه من بعده واستمرّ فلم يمت الأب. فأنا أتمنى لكل إنسان أن يكون ابنه استمراراً لوجوده، طبعاً هذا يقتضي جهداً كبيراً، والأرجح يقول لك: هذا الجيل ليس فيه خير، هذا كلام يلقى على عواهنه، أمّا هذا الطفل هو فطرةَ الله التي فطر الناس عليها، يحتاج إلى جهد كبير، إلى متابعة، إلى جلسات طويلة، إلى مراقبة دقيقة، يحتاج إلى تعليم، يحتاج إلى أساتذة، أياماً يقول لي أخ: أين أضع ابني ؟ أريد أن أدخله في الثانويّة الشرعيّة، فو الله يكبر في نظري، أي أنّه قلق على ابنه أشدّ القلق، أريد له علماً نافعاً، علماً شرعياً صحيحاً يعلمه له. بعض الأقوال لعلماء أجانب ذكروا فضل المسلمين على العالم: أتقن المسلمون هذه العلوم وطلبوا العلم وتفوّقوا، كانوا في قمّة المجتمعات البشريّة، سأذكر لكم بعض الأقوال لعلماء أجانب ذكروا فضل المسلمين على العالم، يقول بعض العلماء: "ظلّت أوروبا نحو ألف سنة تنظر إلى الفن الإسلامي كأنّه أعجوبةٌ من الأعاجيب." يقول عالم آخر هولندي: " إن في الأندلس كلها لم يكن يوجد رجل أمّي، بينما لم يكن يعرف القراءة والكتابة في أوروبا معرفةً أوّليةً إلا الطبقة العليا من القسس." أي رجال الدين المسيحيون. يقول عالم آخر: " كانت أوروبا الأميّة تزخر بالجهل والحرمان، بينما كانت الأندلس تحمل إمامة العلم وراية الثقافة." يقول عالم آخر: " إنّ زوال الحضارة العربية كان شؤماً على أسبانيا وأوروبا، فالأندلس لم تعرف السعادة إلا في ظلّ العرب، وحالما ذهب العرب حلّ الدمار محلّ الثراء والجمال والخصب." أحياناً يقومون بعمل تحقيقات صحفيّة في المجلات، مجلّة عربية قامت بتحقيق عن إسبانيا، ففن العمارة هناك شيء لا يصدّق، كان العرب المسلمون في أوجهم، فلمّا التفتوا إلى اللهو وإلى ما لا يرضي الله عزَّ وجلَّ، انتُزِع هذا الملك من أيديهم. قال عالم آخر: " كان أشراف أوروبا لا يستطيعون توقيع أسمائهم، بينما كان أطفال المسلمين في قرطبة يذهبون إلى المدارس، وكان رهبان أوروبا يلحنون في تلاوة سفر الكنيسة، بينما كان معلمو قرطبة قد أسسوا مكتبةً تضارع في ضخامتها مكتبة الإسكندريّة العظيمة." والآن كما تعلمون أكبر مكتبة للمخطوطات الإسلاميّة على الإطلاق في العالم في أسبانيا في اسكوريال، حينما كان المسلمون هناك. الإسلام حركة وبناء: توجد منطلقات نظريّة وتطبيقات عمليّة، وقد تحدّثت قبل قليل عن الآيات والأحاديث التي حثّت المسلم على طلب العلم، ونتيجة هذه النصوص ما الذي حدث ؟ الذي حدث أنّ المسلمين في أوج تفوّقهم كانوا أعلاماً، قد لا تصدّقون هذه المفارقة الحادّة، الآن أتصور دولة متخلّفةً جداً من العالم الثالث، لا مواصلات، ولا تقدّم علمي، ولا جماليات، وفقر مدقع، تصور بمقياس العصر المادّي ولا أقول بالمقياس الروحي والأخلاقي، ودولة متقدمةٌ جداً فيها من الجامعات والثقافة، فكم هي المسافة كبيرةٌ جداً بين البلدين ؟؟ المسافة نفسها كانت بين المسلمين في مشرقهم ومغربهم وبين أوروبا التي تعيش الظلام والجهل والقهر في العصور الوسطى، المسافة نفسها. يوجد كتاب ذو شهرةٍ كبيرة اسمه " شمس العرب تسطع على أوروبا " لمؤلّفة ألمانيّة، هذا الكتاب يؤكّد فضل المسلمين على العالم الغربي، وما كان منطلق الحضارة الغربية الحديثة إلا من تأثير الحضارة الإسلاميّة في العالم الغربي. الآن يوجد عندنا سرّ، ما هو السر الكامن الذي دفع المسلمين إلى هذه النقلة النوعيّة في طلب العلم وفي التفوّق ؟ طبعا العلماء يحللون، يقال: إنّ أوّل أسرارِ هذا التفوّق العلمي أنّ الإسلام كما يقولون مادّةٌ وروح، دينٌ ودنيا، دنيا وآخرة. الإسلام ليس قوقعةً ولا انزواءً ولا انسحاباً ولا انعزالاً عن المجتمع ولا كسلاً ولا قعوداً، الإسلام حركة بناء، الإسلام رسالة تحقق السعادة وهذه الرسالة تحتاج إلى علم، أنتم لا تصدّقون أن دولة الأمويين بحركةٍ سريعةٍ جداً شكّلوا أساطيل في البحار وقاموا بغزو جزر، وهم شعب لا يعرف ما البحر، فصنعوا السفن الحربيّة وغزوا الجزر وتفوّقوا في البحر المتوسّط، معنى ذلك أنّ الإسلام حركة، الإسلام بناء قال تعالى: ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10) ﴾ ( سورة الجمعة ) قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ﴾ ( سورة الحجرات ) يعني أكرمكم أتقاكم، ومعنى أتقاكم أي أطوعكم لله عزَّ وجلَّ. الشريعة الإسلامية هي التي تعطي العالم أرسخ الشرائع ثباتاً: قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ﴾ ( سورة الحجرات ) نحن في أوّل استقلالنا، اقتبسنا من القانون الفرنسي الأحكام المدنيّة، فهذا القانون المدني الفرنسي ذاته اقتبس على عهد نابليون من الفقه الإسلامي، لا توجد موسوعة فقهيّة في العالم أغنى من موسوعة الفقه الإسلامي، هذه حقيقة، أنّ معظم الأحكام التي اقتبسها نابليون في مصر أخذها من الفقه الإسلامي، ونحن أصبحنا نأخذ عن هذه القوانين المدنيّة في العالم الغربي !! يقول بعض العلماء: إنّ الشريعة الإسلامية تفوق في كثيرٍ من بحوثها الشرائع الأوربّية، بل هي التي تعطي العالم أرسخ الشرائع ثباتاً، يوجد كتاب ألّفه أحد رؤساء أمريكا السابقين في مذكّراته، تكلّم أشياء دقيقةً جدّاً بالطبع هو لا يتكلّم دفاعاً عنّا إطلاقاً، لكنّه يضع حقائق أمام العلماء يقول: نحن لا نخشى من المسلمين لا نخشاهم كقوّة، هم ضعاف ومتفرّقون، لكنّهم كحضارة لا تضاهيها حضارة. المجتمع المسلم عنده حضارة، حضارة دينيّة، فالمسلم متماسك، فهذه الأمراض التي تفتك في العالم الغربي من فضل الله عزَّ وجلَّ نسبها عندنا تكاد تكون معدومة أو قليلة جداً، بفضل هذه الحضارة وبفضل هذه القيم، بالمناسبة الآن يوجد مرض جديد اسمه آكل لحوم البشر، مرض أساسه انحراف جنسي، لكن الإنسان يموت خلال أربعٍ وعشرين ساعة، يتساقط لحمه !! وقد ظهر الآن في إنكلترا وينتشر، ومعدّل الوفاة أربعٌ وعشرون ساعة، يفقد الإنسان جزءاً من لحمه، وذلك بتضافر جرثومتين أو فيروسين على تحليل النسيج اللحمي في الإنسان، وقرأت عنه في جريدة دمشقيّة. الإسلام دين واقعي: العلم الحمد لله في بلاد المسلمين، والحمد لله توجد نظافة واستقامة، ونظام الزواج لا يزال هو الأساس. يقول عالمٌ آخر: " إنّ البشريّة لتفتخر بانتساب رجلٍ كمحمّدٍ صلّى الله عليه وسلّم إليها، إذ أنّه رغم أميّته استطاع قبل بضعة عشر قرناً أن يأتي بتشريعٍ سنكون نحن الأوروبيين أسعد ما نكون لو وصلنا إلى قمّته بعد ألفي عام." أي إذا وصلوا إلى مستوى الشريعة الإسلاميّة سيكونون من أرقى الأمم، والذي يقول هذا الكلام عميد كلّية الحقوق في جامعة فيينّا. هذا العامل الأول أنّ الإسلام دين واقعي، الإسلام دين ودنيا، والإسلام دنيا وآخرة، الإسلام قيم وحاجات، الإسلام حركة، الإسلام بناء ـ هذا هو العامل الأول ـ سأذكر لكم نقطة هامة جداً: في اللحظة التي يستقر فيها الإيمان بالقلب يعبّر الإيمان عن ذاته بذاته بشكل عملٍ صالح. لا يوجد مؤمن كسول، ولا مؤمن منزوٍ في زاوية ميّتة، أو يعيش لذاته، يقول النقّاد الأدبيون: أهجى بيتٍ قالته العرب على الإطلاق هذا البيت والذي قاله دخل السجن في عهد عمر، ماذا قال ؟ دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي * * * أليس هذا شعار كلّ إنسان الآن ؟ يقول لك: ماذا تريد من الناس فعندك دخلٌ كبيرٌ فاقعد وانبسط وكل واشرب أنت وأهلك وأولادك، هذا الذي دخل الشاعر السجن من أجله.دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاس * * * العامل الأول هو أنّ طبيعة هذا الدين طبيعة حركيّة طبيعة قيميّة:إذا لم يبحث الإنسان عن الله عزَّ وجلَّ، ولم يسع إليه، ولم يرتق إليه لم يدع إلى الله، قرأت في مجلّة من قبل خمسة وثلاثين عاماً حكمةً من ثلاث كلمات ولكنّها قد سرت في قناعاتي بشكل عجيب: " إذا أردت أن تسعد فأسعد الآخرين." اخرج من ذاتك ما دام كل تفكيرك ذاتياً، كل همومك ذاتيّة، كل المزاريب للداخل فهذا إنسان يعيش لذاته، لكن إذا خرج من ذاته لخدمة الخلق فالله يقدّسه، لما الإنسان يعنيه أخوه المسلم ويعنيه شأنه يدعو إلى الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، عندما يهمّه صلاح المجتمع، ورقي الناس وأن يسعدوا في بيوتهم، ويهمّه أن يكون الناس علماء حكماء، النبي اللهمّ صلِّ عليه قبل أن يتوفّاه الله أطلّ على أصحابه، ونظر إليهم وهم يصلّون، ماذا قال ؟ قال: علماء حكماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء، وابتسم ابتسامةً لم يبتسم مثلها من قبل إطلاقاً، حتّى بدت نواجذه أي أنيابه. عندما تجد في المجتمع المسلم أُناساً صالحين خيرين يضحّون بالغالي والرخيص وبالنفس والنفيس، عندما تجد أخاً الكل يعاونوه ؛ فهذا والله شيءٌ جميل، فلا شيء أسعد من أن ترى مجتمعاً متماسكاً متعاوناً متحاباً، العامل الأول هو أنّ طبيعة هذا الدين طبيعة حركيّة طبيعة قيميّة. العامل الثاني التعليم في الإسلام إلزامي ومجّاني: العامل الثاني: التعليم في الإسلام إلزامي ومجّاني، وهذه هي الأدلّة: 1 ـ التعليم إلزامي والأدلة على ذلك: أمّا إنّه إلزامي فقد روى ابن ماجة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( طلب العلم فريضةٌ على كلِّ مسلم.)) [ رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك رضي الله عنه] الصلاة فريضة، والصوم فريضة، والحج فريضة، والزكاة فريضة، وطلب العلم فريضة هذا كلام النبي، وهو حديث صحيح. وروى الطبراني في الكبير عن علقمة عن أبيه عن جدّه قال خطب النبيّ صلى الله علي وسلّم ذات يومٍ فأثنى على طوائف من المسلمين خيراً ثمّ قال: (( ما بال أقوامٍ لا يفقّهون جيرانهم، ولا يعلِّمونهم، ولا يعظونهم، ولا يأمرونهم، ولا ينهونهم !! وما بال أقوامٍ لا يتعلّمون من جيرانهم، ولا يتفقّهون، ولا يتّعظون !! والله ليعلّمنّ قومٌ جيرانهم، ويفقّهونهم، ويعظونهم، ويأمرونهم، وينهونهم.. وليتعلّمنّ قومٌ من جيرانهم، ويتفقّهون، ويتّعظون أو لأُعاجلنّهم بالعقوبة !! )) [ رواه الطبراني في الكبير عن علقمة عن أبيه عن جدّه ] هذا الذي أدعو إليه، تعلّمت حديثاً علّمه لغيرك، تعلّمت آية علّمها الآخرين، تعلّمت حكماً فقهيّاً علّمه، لا تكن متلقّياً فقط، متى تتلقّى ؟!! لا بدّ من أن تلقي، لا يوجد أحد ليس حوله مجتمع، هل يوجد أحد ليس حوله أسرة، جيران، أقرباء، أصدقاء ؟!! فالتعليم إلزامي ليس فيه خيار. ومن إلزاميّة التعليم في الإسلام، أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: (( مَنْ كَتَمَ عِلْماً مِمَّا يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ فِي أَمْرِ النَّاسِ أَمْرِ الدِّينِ أَلْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ النَّارِ. )) [ابن ماجه عن أبي سعيد الخدري] معنى ذلك: الساكت عن الحق شيطان أخرس، هذا إلزامي. 2 ـ التعليم مجاني والأدلة على ذلك: الصفة الثانية مجّاني قال تعالى: ﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (57) ﴾ ( سورة الفرقان ) وقال: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) ﴾ ( سورة يونس ) وقال أيضاً: ﴿ وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) ﴾ ( سورة يوسف) أعظم شيء بالعلم أنّه يلقى مجّاناً، ليس في المسجد تذاكر للدخول فباب المسجد مفتوح، لا تستطيع الدخول لعند الطبيب إلا ومعك الأجر، المحامي لا يستمع لأي كلمة منك تسمّى استشارة قانونيّة إمّا بخمسمئة أو بألف ليرة، ولا بدّ أن تضع قيمة استشارته، إلا أنّ الله سبحانه وتعالى وعد الذين يدعون إلى الله بالخير الجزيل، لذلك هؤلاء لا يبتغون من الناس أجراً يبتغون عند الله الأجر. سيدنا النبي اللهمّ صلِّ عليه أرسل مصعب بن عمير إلى المدينة وأرسل معاذ بن جبل إلى اليمن، وأرسل جعفر بن أبي طالب إلى الحبشة، ليعلّموا الناس وما تقاضوا على هذا أجراً. قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه كما روى أبو داود عن أبي شيبة.. قال: " علّمت ناساً من أهل الصُّفة الكتابة والقرآن، فأهدى لي رجلٌ منهم قوساً، فقلت: ليس بمالٍ، وأرمي عليها في سبيل الله، لآتينّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلأسألنّه، فأتيته وقلت له: يا رسول الله رجلٌ أهدى لي قوساً ممن كنت أعلّمه الكتابة والقرآن وليست بمال، وأرمي عليها في سبيل الله. فقال عليه الصلاة والسلام: إذا كنت تحبُّ أن تكون طوقاً من النار فاقبلها ". من دعا إلى الله ابتغى الأجر عنده: طبعاً البحث يحتاج إلى توضيح، أحياناً الدولة تقوم بتعيين أحد المدرسين ليعلّم الطلاب التربية الإسلاميّة، فليس له عملٌ آخر، وهو متفرّغ تفرُّغاً تاماً في تعليم الدين، هذا الوضع قد أجاز جميع العلماء أن يأخذ الأجر، فكيف يأكل أو يشرب وقد أخذنا وقته كلّه، ستّاً وثلاثين ساعة تدريس في تعليم الطلاب في المرحلة الإعداديّة والثانويّة ليعلم الطلاب القرآن والسنّة، هذا موضوع آخر، فإن كان للإنسان رزقاً وعملاً لكنّه يتقن القرآن الكريم وجلس مع إنسان علّمه التجويد علّمه القرآن ليس له أن يأخذ أجراً على ذلك، بل لوجه الله ويحتسبه في سبيل الله. يقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى: " على المعلّم أن يقتدي بصاحب الشرع صلوات الله وسلامه عليه، فلا يطلب على إفادة العلم أجراً ولا يقصد به جزاءً ولا شكوراً، بل يعلّمه لوجه الله تعالى، وطلباً للتقرُّب إليه." قال سبحانه وتعالى على لسان أحد أنبيائه: ﴿ وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) ﴾ ( سورة هود ) يحضرني مثل قلته لكم سابقاً: إذا قال لك شخص غني: علّم لي ابني والحساب عندي، وعلى كلّ درس خمسة آلاف ليرة. فقلت للابن: أعطني أجرتي ؟ فأعطاك على كل درس ليرتين، وعندما أخذت الليرتين خسرت الآلاف المتفق عليها، أليس هذا الحمق عينه ؟ فعندما يعدك ربنا عزَّ وجلَّ على عملك الصالح أجراً فمعنى ذلك: إيّاك أن تطلب الأجر من الخلق. الإنسان دون علم يهبط إلى مستوى غير إنساني: الحقيقة حتّى لا أظلم أحداً الحكم الشرعي معروف: إذا كان المعلّم متفرّغاً للتعليم وليس عنده موردٌ آخر يتكسّب منه يجوز له أن يأخذ أجراً على تعليمه، أصبح التعليم حرفة له، ألا يوجد مدرّسون متخصّصون ؟ ليس عنده عملٌ آخر فهو يعلّم الطلاب اللغة العربية، الدين الإسلامي، العلوم الأخرى الضروريّة، فهذا الوضع ليس له علاقة بدرسنا، فالمعلّم المتفرّغ للتدريس هذا يتقاضى أجراً حلالاً لا شبهة فيه إطلاقاً. أمّا الحديث ينصرف على إنسان له دخل أو أعمالٌ كثيرة، وأتقن شيئاً من كتاب الله فإذا أراد أن يعلّم ينبغي ألا يأخذ عليه أجراً. هناك قصّة لها معنى لطيف، قيل من طريف ما يروى (كما جاء في كتاب علوم الأخبار لابن قتيبة) أنّ رجلاً من ثقيف دخل على الوليد بن عبد الملك، فسأله الوليد: أقرأت القرآن ؟ قال الأعرابي: لا يا أمير المؤمنين شغلتني عنه أمورٌ وهنات (مشغول)، فقال الوليد: أتعرف الفقه ؟ قال: لا. قال الوليد: أرويت من الشعر شيئاً ؟ قال: لا. فما كان من الوليد إلا أن تركه ولم يحدّثه والتفت لشخص آخر، وكأنّه غير موجود، كان يتكلّم معه وسأله عدة أسئلة ثمّ تركه نهائياً، وكان أحد الجالسين واسمه عبد الله بن معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، الرجل (أي أكمل الحديث معه) فقال له الوليد: اسكت ما معنا أحد، من هذا ؟ اعتبره غير موجودٍ نهائيّاً، مادام لا قرآن ولا فقه ولا شعر ولا علم، اعتبره خيالاً بالغرفة. قصّة بليغة فإذا لم يتعلّم الإنسان ولم يكن على شيء من العلم، فهو ككائن له فم ومعدة ولحم ودم ومثله كمثل أي كائن آخر من غير جنس البشر، أي أنّ إنساناً من دون علم هبط إلى مستوى غير إنساني. عتبة بن أبي سفيان أوصى مؤدّب ولده بأن يعلّمه كتاب الله، ويروّيه من الشعر أعفّه، ومن الحديث أشرفه. وقد أوصى سيّدنا عمر الولاة فقال: أمّا بعد، علّموا أولادكم السباحة والفروسيّة وروّوهم ما صار من المثل وحسن من الشعر. أحكم قرار يتخذه الأب في حقِّ أولاده تعليمهم القرآن في الصغر: ذات مرّةٍ رأى المفضّل بن زيد ابن أعرابيّةٍ مسلمة فأُعجب بمنظره وسألها عنه فقالت: لما أتمّ خمس سنوات أسلمته إلى المؤدّب فحفّظه القرآن فتلاه، وعلّمه الشعر فرواه، ورغّب في مفاخر قومه، وطلب مآثر آبائه وأجداده، فلمّا بلغ الحلم حملته على أعناق الخيل فتمرّس وتفرّس، ولبس السلاح، ومشى بين بيوت الحيّ وأصغى إلى صوت الصارخ. نحن بفضل الله عزَّ وجلَّ لدينا معهد لتحفيظ القرآن، فيه دورات صباحيّة ومسائيّة للذكور والإناث في أيام الأسبوع، ونقوم بتعليمهم التجويد والقرآن الكريم وفقه الصلاة وسير الصحابة، والمناهج مناسبة لهم، ومن لديه ابن يريد إلحاقه بالمعهد فنحن نرحب بذلك، أصبح الدرس تطبيقاً عملياً. يقول الإمام الشافعي: " من تعلّم القرآن الكريم عظمت قيمته، ومن نظر في الفقه نبُل قدره، ومن كتب الحديث قويت حجّته، ومن نظر في اللغة رقّ طبعه، ومن نظر في الحساب جزُل رأيه." فإذا تعلّم ابنك القرآن في الصغر، هذا الحفظ ذهب معه إلى نهاية حياته، يعني التعليم بالكبر صعب، فكلما كانت السن أصغر كانت قوة الحفظ أكبر، فلذلك المغرب العربي كلُّه يتّبع نظريّة ابن خلدون في التربية، يعلّمون القرآن الكريم كلّه للطفل الصغير قبل أن يُعطى شيئاً آخر، بعدئذٍ يفهم معانيه، لكن التأسيس قوي جداً، ففي بعض مسابقات القرآن طفل عمره عشر سنوات يحفظ كتاب الله كلّه، لو أعطيته الآية لأعطاك رقمها هكذا كانت بدايته، فموضوع حفظ القرآن أكبر نشاط يمتصّ وقت الأولاد، يتنافسون، وشيء رائع جداً أن تشغل ابنك بالقرآن الكريم حفظاً، وعندما يكبر في العمر يفهم معانيه، ولكن عنده الركيزة الأساسيّة قد تعلّمها. فلذلك في المغرب العربي تحفيظ كتاب الله للصغار هذا شيء بديهي وطبيعي ونحن والحمد لله هنا في الشام أصبح لدينا معاهد تحفيظ كثيرة جداً وتزيد عن تسعين معهداً في دمشق وحدها، ومن كان عنده أولاد فيجب أن يدخل في خطته اليوميّة أن يحفّظهم كتاب الله عزَّ وجلَّ وهذا أحكم قرار يتخذه في حقِّ أولاده. الإنسان قيمته في علمه ولغته: يقول بعض الشعراء كلاماً طيّباً قال: أراني أنسى ما تعلّمت في الكبر ولست بناسٍ ما تعلّمت في الصغر وما العلم إلا بالتعلّم في الصبـا ومـا الحلم إلا بالتحلّم فـي الكبـر ولو فُلق القلب المعلّم في الصبا لأصبح فيه العلم كالنقش في الحجر وما العلم بعد الشيب إلا تعسـّفٌ إذا كلَّ قلب المرء والسمع والبصر وما المرءُ إلا اثنان عقلٌ ومنطقٌ فمن فاتـه هذا وهذا فقــد دمر * * * قد دمر: أي دمّرت حياته.آخر قصّة أرويها لكم، عندما دخل على عمر بن عبد العزيز وفد الحجازيين وفيهم طفلٌ صغير وأراد أن يتكلّم، فانزعج الخليفة وقال له: اجلس أيُّها الغلام، اجلس وليقم من هو أكبر منك سنّاً. قام هذا الغلام بهدوء وثقة بالنفس وقال: أصلح الله الأمير، المرء بأصغريه قلبه ولسانه، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحقّ الكلام، ولو أنّ الأمر كما تقول لكان في الأمّة من هو أحق منك بهذا المجلس. الإنسان قيمته في علمه وفي منطقه العلم واللغة، وقديماً قالوا: جمال الرجل فصاحته. أخواننا الكرام إذا فاتك طلب العلم ممكن أن تحقق هذا الهدف في أولادك ـ وهذا ملاحظ دائماً ـ الذي افتقده الأب في حياته يحرص عليه عند أولاده، فمن فاته شيء في شبابه أو في كهولته يتلافى هذا الشيء في أولاده. لا زلنا في مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية العقليّة، وقد تحدّثنا عن التربية الإيمانيّة، وعن التربية الأخلاقيّة، وعن التربية الجسميّة، وها نحن ندخل في بابٍ جديد وهو مسؤولية الآباء في تربية أولادهم التربية العقليّة، وللبحث تتمة إن شاء الله تعالى. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#9 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : ( التاسع ) الموضوع :التربية العقلية ( 2 ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيّها الأخوة الكرام، مع الدرس التاسع من دروس تربية الأولاد في الإسلام. الأبوة مسؤولية: لقد بدأنا في الدرس الماضي بموضوعٍ حول مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية العقليّة، وقد كانت الموضوعات قبل هذا الموضوع مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الإيمانيّة، والتربية الخلقيّة، والتربية الجسميّة، والتربية العقليّة. أيّها الأخوة الأبوّة مسؤوليّة، يتوهم بعض السذّج أنّ الإنسان إذا عقد قرانه على فتاةٍ، وقضى حاجته، وأنجب أولاداً انتهى كلُّ شيء، والحقيقة لم ينتهِ شيء، بل بدأ كلُّ شيء، بدأت المسؤوليّة، أي أنّ الإنسان لا بدّ من أن يموت، لكن إذا أنجب ذريّةً صالحة هذه الذريّة الصالحة استمرارٌ له. لا يدري أحدنا أنّ من ذريّته من سيكون إنساناً عظيماً، مؤمناً كبيراً، قائداً فذّاً، مصلحاً اجتماعيّاً، فأنت إذا أردّت ألا تموت فاحرص على أن تكون ذريّتك صالحة، وهذا الصلاح يحتاج إلى جهدٍ كبير، لذلك يجب أن تقتطع شئت أم أبيت من وقتك الثمين وقتاً لتعتني بأولادك. أيُّها الأخوة، قد تعجبون من إصراري على هذا الموضوع، لأنّه عند فساد الزمان لا بدّ من أن نقوّي العلاقات الأُسريّة، إذا كانت الأُسرة متماسكةً فربما استطعنا أن نتغلّب على الفساد العام، الشارع فاسد، المجتمع العام فاسد، الأماكن العامّة فاسدة، ما الذي يحصّننا من الفساد العام ؟ الطفل أو الشاب إن وجد في البيت مشكلات وخصومات وإهمالاً، لا بدّ من أن يلتجئ إلى أصدقائه، إلى أماكن أُخرى غير البيت، لكن إذا توافر للشّاب بيتٌ ولا أقول أو أريد بيتاً فخماً، ولا بيتاً أنيقاً، ولا أقول بيتاً فيه كلّ الأجهزة، لا بل أقول وأحب بيتاً فيه حب، فيه وئام، فيه مودّة، فيه مرح، فيه تعاطف، فيه مؤاثرة، هذا البيت يشدُّ الأولاد، هناك من لا يأكل إلا مع أولاده على مائدة واحدة، هناك من يدير حديثاً ممتعاً مع أولاده، هناك من يخلق جواً فيه ألفة ومودّة مع أهله. العلم الشرعيّ فرض عين على كلّ إنسان كائناً من كان: فيا أيّها الأخوة، هذا كلام مدفوع ثمنه، خبرات، حينما تجعل من البيت جنّةً صغيرةً تشدُّ أبناءك إلى البيت، يألفون البيت يقبعون فيه، يطالعون، ويدرسون، تزداد ثقافتهم. فلذلك حينما اخترت هذا الموضوع موضوع تربية الأولاد لأنّ الفساد العام والانحراف الخلقيّ وانحلال الإنسان وإقباله على شهواته المنحطّة هذا يدمّر الإنسان، يدمّر الأسر، لذلك قبل أن نمضي في متابعة هذا الموضوع، أضع بين أيديكم الحقيقة التالية: يوجد مصطلحٌ في كتب الدين: ما ينبغي أن يعلم بالضرورة. وكذلك يوجد بحثٌ في كتاب الإحياء عن العلم، أي أنّه توجد نقطةً دقيقة جداً: هي أنّ الناس يهتمون في أنت ماذا تعمل ؟ طبيب، خيراً إن شاء الله، وأنت ؟ قال له: أنا محامٍ، وأنت ؟ رجل دين. من قال لكم: إنّ الدين اختصاص ؟!! كلُّ إنسانٍ ينبغي أن يكون ديّناً، لأنّ العلم الدينيّ فرض عينٍ، تقول لي: أنا طبيب، تقول لي: أنا ضابط، أو معي دكتوراه مثلاً بالحاسوب، أو حقوقي، قاضٍ، هذا لا يعفيك من طلب العلم الشرعيّ لأنّ العلم الشرعيّ فرض عين، فرض عين على كلّ إنسان كائناً من كان، وفي أيّ حقلٍ كان. ولا تستغربوا أن أقول لكم: إنّ الإنسان قد يحمل أعلى شهادةٍ في العالم وهو أُمّيٌ في الدين لا يفهم، ركب الطائرة من جدّة إلى عاصمة عربية رجل يحتلّ في بلده منصباً رفيعاً جدّاً، تساءل مع صديقه الذي إلى جانبه أنّه لمَ لا يكون الحجُّ على مدار العام دفعاً للازدحام ؟! لو نقترح على أُولي الأمر في المملكة أن يجعلوا الحجّ على مدار العام، والسائل يحتل منصباً رفيعاً في بلده ! هذا أُمّي في الدين، أحياناً الإنسان من كلمة يتكلّمها تكشف جهله، بأنه جهل فاضح. هناك في الدين حقائق يجب أن تعلم بالضرورة لأن علم الدنيا لا يغني عن علم الآخرة: فيا أيُّها الأخوة، لا تقل أنا لست مختصّاً في الدين، طلب العلم الشرعيّ فرض عينٍ، وكنت أضرب مثلاً من قبل تعرفونه: كل إنسان جلس خلف مقعد القيادة في السيّارة، فهل يا ترى هو سائق أم حاجب، متعلم أو غير متعلّم، أحياناً يكون قائد السيّارة ملكاً، فبعض الملوك يقودون السيّارة بأنفسهم، أي بدءاً من حاجب وانتهاءً بملك، إذا جلس وراء مقعد القيادة فهناك معلومات أساسيّة لا بدّ من أن يعرفها، فإن لم يعرفها أودى بنفسه إلى الهاوية، المعلومات الأساسيّة التي تعينك على تحريك السيّارة وإيقافها، وعطفها نحو اليمين، وعطفها نحو اليسار، وسلامتها، هذه المعلومات الأساسيّة هي فرض عينٍ على كل سائق من حاجب إلى ملك فرض عين. لكن يا ترى كيف تصنع المكابح ومن أيّة مادّة تصنع ؟ ليس شرطاً أن تعرفها. أمّا إذا أردت أن تؤسس مصنعاً للسيّارات فلا بدّ من المعرفة للمادّة الأساسيّة أو طريقة صنع المكابح، كيف هذا الجسم يضغط بشكلٍ منحنٍ ؟ هذا اختصاص معامل السيّارات، أنت كسائق سيّارة هذه المعلومات لا تعنيك، لكن يعنيك أن تحرّكها، أن توقفها، يعنيك بالانعطافات أن تكون خبيراً، يعنيك في الطرق المزدحمة أن لا تقع في مشكلة. ففي قيادة السيّارة هناك معلومات يجب أن تعلم بالضرورة، هناك في الدين حقائق يجب أن تعلم بالضرورة، بدءاً من إنسان أُميّ لا يقرأ ولا يكتب وانتهاءً بأعلى مثقّف في العالم، علم الدنيا لا يغني عن علم الآخرة، والدليل أنك تجد أُناساً ذوي ثقافةٍ عاليةٍ جداً ومع ذلك يرتكبون من الحماقات والمخالفات والكبائر وهم لا يشعرون، وهذه الكبائر تجرُّ عليهم الويلات والمصائب والحرب والدمار وهم لا يشعرون، إذاً هم أميّون في الدين. ما ينبغي أن يعلم بالضرورة أركان الإسلام وأركان الإيمان: لذلك الإنسان لا يجب أن يقول اليوم ليس لديّ شيء، حضرنا درس علم، لا القضيّة أعمق من ذلك، طلب العلم فريضة على كلّ مسلم، فريضةٌ كما أنّ الهواء فرضٌ لاستمرار حياتك، تنفُّس الهواء فرض، وتناول الطعام فرض، ومعرفة الأمر والنهيّ والحكم التكليفيّ، ومعرفة ربّك، ومعرفة كتابه، ومعرفة رسوله، ومعرفة منهجه، ومعرفة حقيقة الحياة الدنيا، ومعرفة حقيقة الكون، ومعرفة حقيقة الإنسان، ومعرفة ما بعد الموت، هذه معلوماتٌ يجب أن تعلم بالضرورة، فإذا كان يجب أن تعلمها أنت بالضرورة، فما القول في ابنك الصغير الذي لا يعلم شيئاً ؟ يجب أن تعلّمه إياها بالضرورة. أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفّقني أن أُوضّح لكم حقيقة العلم الضروري، أن تعرف لماذا خلقت، أن تعرف من خلقك، أحياناً إنسان ـ لا سمح الله ولا قدر ـ يسبّ الدين فقد كنت اليوم بمحل تجاري، اختلف صاحب المحل مع صانع فسبّ الدين فوراً، لا يعرف عن الله شيئاً إطلاقاً، فأحياناً يدمّر ويسوق الله عزَّ وجلَّ عليه من الشدائد، جهله سبب له هذه الشدائد. إذاً ما ينبغي أن يعلم بالضرورة: أركان الإسلام ؛ الصوم والصلاة والحجُّ والزكاة، وما ينبغي أن يعلم بالضرورة: أركان الإيمان ؛ الإيمان بالله الموجود الواحد، الكامل، الخالق، المربّي، المسيّر، صاحب الأسماء الحسنى والصفات العظمى، هذا أكبر موضوع في الدين، فكلّما زدت معرفةً بالله زدت قرباً منه. الجهل أعدى أعداء الإنسان: يجب أن تؤمن بكتبه، لماذا الكتاب ؟ لماذا النبيّ ؟ لماذا الإيمان بالملائكة لماذا ؟ تقول: السلام عليكم ورحمة الله، لماذا ؟ لماذا الإيمان باليوم الآخر ؟ لماذا الإيمان بالقضاء والقدر خيره وشرّه من الله تعالى ؟ هذا ينبغي أن يعلم بالضرورة ؛ أركان الإسلام، وأركان الإيمان، والأحكام الشرعيّة، وأحكام البيع، وأحكام الزواج، أحكام عقد النكاح، أحكام الطلاق، تجده على أتفه وأبسط سبب يرمي عليها يمين الطلاق بالثلاثة، وإن حلها لك شيخ يحرّمها عليك عشرة، وهو ابن البارحة، و متزوّج حديثاً ولم ينجب من الولد بعد، يدمّر نفسه لسبب بسيط وهو الجهل. أخواننا الكرام الجاهل يفعل في نفسه مالا يستطيع أن يفعله عدوّه به، أنت تقول: أعداء الإنسان، يقول لك: من هم ؟ المرض لا، الفقر لا، القهر لا، العدو الخارجي لا، أعدى أعداء الإنسان هو الجهل. لا توجد صفة في الإنسان أبشع ولا أحقر من أن يكون جاهلاً، لكن الإنسان لم يولد عالماً، أقول دائماً كلمة: ليس العار أن تكون جاهلاً، ولكنّ العار أن تبقى جاهلاً، ليس العار أن تخطئ ولكنّ العار أن تبقى مخطئاً. فلذلك أوّل نقطة في الدرس يجب أن تنزع من ذهنك أنه لي اختصاص بالحياة، أنا أستاذ فيزياء فما أريد من الدين ؟ بدءاً من حاجب وانتهاءً بملك إذا جلس خلف المقود لا بدّ من مجموعة معلومات يتقنها وإلا وقع في الهاوية، كذلك في الدين ما ينبغي أن يعلم بالضرورة: أركان الإيمان، وأركان الإسلام، والأحكام الشرعيّة التكليفيّة. الأمل دائماً يعوَّل على الصغار إذا ربيتهم تربيةً عالية: إذا كان الأب مكلّفاً أن يعلم هذه الحقائق بالضرورة، فالابن من باب أولى أن يعلّمه إيّاها. أنا ما أرى في الحياة شيئاً أعظم ولا أثمن من أن ينجب أخٌ مؤمنٌ ولداً يعلِّمه الأحكام الشرعيّة ويعرّفه بربّه، فإذا هذا الولد استمرارٌ له وذخرٌ له. والله أحياناً أيها الأخوة تصدر منّي كلمات إن وجدتُ شاباً مؤمناً، منضبطاً، حييّاً، أخلاقياً، أقول لأبيه: والله هذا الابن أثمن من أن تملك ثروة الدنيا، لأن الثروة الكبرى إذا توقّف القلب فليست لها قيمة وانتهت، وليست لك كلّها، البعض شاهد ابناً قد تُوُفّي والده من أسبوع وسُئل: إلى أين ؟ فتفوّه بكلمةٍ قبيحةً جداً، أنّه سيسهر سهرةً ماجنة، حمراء، على روح والده، بالطبع لأنّ أباه لم يربّه، ترك له مالاً عريضاً ولكنّه لم يربّه، أمّا عندما يقوم الأب بتربية ابنه لو لم يخلِّف له شيئاً، فقد أعطاه كلَّ شيء، لو أعطاه العلم، بالعلم يرقى الإنسان، بالعلم يغتني أحياناً. فلذلك المال ليس له قيمةٌ أبداً، فأنا والله أعلم علم اليقين أنّ هناك أُناساً تركوا لأولادهم ثروات طائلة، هذه لم تنفعهم إطلاقاً، أمّا إذا ترك الإنسان ولداً صالحاً فهذا الذي ينفعه، وهذا الكلام موجّه لكل أب. مرة ثانية أقول لكم: إنني أحب كثيراً من الأخ أن يعتني بابنه، فإن جاء به إلى المسجد فهو ضيف المسجد، فنحن ليس لدينا تفرقة أبداً، فغلاوة الابن من غلاوة أبيه، و إن شاء الله قد أحدثنا هذا المعهد لتحفيظ القرآن والهدف البعيد منه أن ينجذب الطفل وينشدّ للمسجد ليتعلّم كتاب الله والفقه وأحكام الصلاة وسير الصحابة، مع وجود أنشطة إسلاميّة تشدُّ الطلاب إلى هذا المعهد يقولون: الكبار خشّبوا فلنعوّل على الصغار، كثير من المجتمعات إذا بلغ الشخص لما بعد الخمسين سنة أو الستين فقد انتهى، لأنّ من شبّ على شيءٍ شاب عليه، فالأمل على من يعقد ؟ على الصغار إذا ربيتهم تربيةً عالية. الفروض نوعان فرض عين وفرض كفاية: إذاً تعلُّم الدين فرض عين، لكن سؤال: الطب فرض كفاية، فإذا قام به البعض سقط عن الكل، أي اختصاص علمي يعود بالنفع على الأمّة في شأن الدنيا فرض كفاية. فالفروض نوعان: فرض عين وفرض كفاية، فرض العين لا يعفى منه إنسان كائناً من كان، أمّا فرض الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، لكن لو فرضنا قرية، أو بلدة، أو مجتمعاً، أو أمّة، أو دولة تفتقر إلى اختصاص أساسي في الحياة، كلُّ أهل البلدة يأثمون، أمّا إذا تعلمه واحد زال الإثم عن الجميع. فكلُّ اختصاصٍ علمي، أدبي، تكنولوجي، زراعي، صناعي، تجاري، أيّ اختصاصٍ حكمه في الشرع فرض كفايةٍ، إذا قام به البعض سقط عن الكل. أخواننا، الحديث الشريف الذي رواه الطبراني عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (( أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبٍّ نبيّكم، وحبٍّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن فإنّ حملة القرآن في ظلّ عرش الله يوم لا ظلّ إلا ظلّه.)) [رواه الطبراني عن علي] الإنسان يقرأ الحديث قراءة عابرة لا ينتبه إلى أعماقه، النبيُّ عليه الصلاة والسلام كما يقول بعضهم: سيّد المربّين وإمام المعلمين، وإذا أردّتم أن تتعمّقوا أكثر لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحيٌ يوحى. هدفنا الأساسي أن يكون النبي الكريم قدوة أولادنا: هذا الطفل الصغير ماذا ينفعه ؟ ينفعه القدوة الحسنة، لذلك في كلّ أنحاء العالم الأطفال يتعلّقون بالبطولات، لكن مع الأسف الشديد أحياناً نُري الأطفال بطولات مزيّفة، عمليّات الضرب وعمليات الاقتحام وعمليات الاحتيال، هذه ليست بطولات، الطفل الذي تُزمع أن تربّيه يجب أن تعلّمه أن تنشّئه على ثلاث خصال: حبِّ النبي اللهم صلِّ عليه، هل تظنون إذا قال أحدهم لابنه: أحب رسول الله أهكذا كلّفنا النبيّ ؟ ليس هكذا، من السذاجة أن تظنّ أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام يأمرك أن تلقّن أولادك حبّه تلقيناً، لا، الحب لا يلقّن، لكن أنت مكلّف أن تعرض على أولادك طرفاً من سيرة النبيّ رحمته، تواضعه، عدالته، شجاعته، محبّته لأصحابه، إنصافه، عدله، الحقيقة فالأمر بالنتيجة يتضمّن مقدّمات، والمقدّمات أن تنشئ أولادك على حبِّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، أي أن يعرف الابن سيرة رسول الله، هذا أمرٌ نبويٌّ، لذلك البيت المسلم أكثر ما يدور فيه من أحاديث حول النبيّ عليه الصلاة والسلام وسيرته. فما يمنع الأب أن يجلس مع أولاده في الأسبوع مرة يقرأ معهم كتاباً في السيرة ؟ كتاباً يكون ممتعاً ومنتقى انتقاء جيّداً، يجلس معهم ولو ساعة ويحدّثهم عن رسول الله حديثاً ممتعاً شائقاً، أحياناً ليس في الإمكان أن يتكلّم فتوجد أشرطة عن رسول الله وعن الصحابة، فيجب أن تجلس مع أولادك جلسة أسبوعية تعلّمهم أخلاق النبيّ من أجل أن يحبّوا النبيّ، إذاً قال النبيّ: (( أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبٍّ نبيّكم، وحبٍّ آلِ بيته.)) [رواه الطبراني عن علي] آل بيته هم الصحابة الكرام، توجد كتبٌ كثيرةٌ عن سير الصحابة رائعةٌ جداً يجب أن تكون في كلّ بيت. ابنك بمن يقتدي ؟ هل بلاعب الكرة اليهودي والمصاب بالشذوذ ومع مرض نقص المناعة المكتسبة الإيدز هذا الذي يحدث، فمن قدوة الشباب ؟ بطل عالمي بالكرة أو بالمصارعة أو أي شيء، قد يكون يهودياً، قد يكون مصاباً بمرض الإيدز أو شاذاً، هذا هو القدوة تملأ صوره كل مكان، نحن نريد أن يكون القدوة رسول الله اللهمّ صلِّ عليه. التغذية السيّئة تفعل فعل السمّ في الأبناء: يجب عليك الانتباه، أولادك مَن قدوتهم ؟ أحياناً يكون قدوتهم الفنانون والمغنون أو لاعبو الكرة وليس الصحابة الكرام، فيجب أن تعرف فأنت المسؤول، فإن كان بالبيت تغذية سيّئة، توجد تغذية ثقافيّة غير صحيحة، أو تغذية ثقافيّة عن طريق أجهزة اللهو وهي غير صحيحة فهذه التغذية تربّي عندهم مثلاً هابطاً، مثلاً أدنى، والإنسان دائماً يقلّد المثل الأعلى. فدائما عند كلّ إنسان شخصيّة عظيمة بنظره وهي قد تكون تافهةً جداً، لا يوجد إنسان ليس عنده شخصيّة يتمنى أن يكونها، وشخصيّة يكره أن يكونها، فإذا كانت التغذية فاسدة، التغذية الفاسدة الثقافيّة تصوّر الإنسان المؤمن إنساناً تافهاً والإنسان الفاسق الفاجر إنساناً عظيماً، فهذه تغذية سيّئة جداً على مستوى الشباب والفتيات، فيكفي أن تتغذّى الفتاة تغذية عن طريق أنّ المرأة المؤمنة المحجّبة إنسانة مهملة لأولادها وسخيفة وثرثارة، والمرأة المتفلّتة من الدين وغير المنضبطة أمٌّ مثاليّة، هذه هي التغذية السيّئة، يكفي في تصوير القصّة أن البطل الإيجابي في بيته مكان لشرب الخمر بار، وأن المعروف في الحارة بالصلاح والتقوى إنسانٌ فقيرٌ ومحرومٌ وسخيف وذو أفق ضيّق، هذه هي التغذية السيّئة وهي تفعل فعل السمّ في الأبناء. طفل يشاهد رجل الدين إنساناً محدوداً متعالياً على الآخرين وكلامه غير منطقي، ويشاهد البطل الذي يلقي عليه الكاتب كل صفات البطولة يشرب الخمر، قد يأتي صديق الزوج إلى البيت يطرق الباب فتفتح له الزوجة وتخبره بأنّ زوجها ليس بالبيت وتأذن له بالدخول، فيتعلّم الطفل بأن هذا العمل ليس حراماً، أن يدخل صديق الأسرة إلى بيت صديقه في غيابه، ليس فيها مباشرة، فنحن نريد التغذية، إذا كانت التغذية السيّئة الثقافيّة موجودة فما بنيته أنت بشهر يهدم بساعة، أنا أقول كلاماً دقيقاً جداً. نوع التغذية يحدد نوع السلوك والتفكير والتطوّرات والعقيدة: ابنك وعاء، الوعاء له فتحةٌ من الأعلى وصنبورٌ من الأسفل، فما يوضع في الأعلى تأخذه من الأسفل، نوع التغذية يحدد نوع السلوك والتفكير والتطوّرات والعقيدة، فمن يريد أن ينشأ أولاده نشأةً إسلاميّةً دينيّةً عليه أن يمنع عنهم التغذية الفاسدة الثقافيّة وإلا فلن يستفيد شيئاً. تجد الأب بواد والأولاد بواد، والأولاد على طرف النقيض مع آبائهم، يكرهون كلّ ما يحبّه الآباء، يتعلّقون بكلّ النماذج الساقطة المعاصرة، ويكرهون كلّ النماذج الخيّرة، والإنسان في النهاية يشكّل كيفما تريد. هذا الحديث أيّها الأخوة منهجٌ في تربية الأولاد، النبيّ عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى، كلام النبيّ من عند الله، حتّى أنّ علماء التوحيد سمّوا كلام النبيّ وحياً غير متلو ؛ أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبِّ نبيّكم، أي يجب أن تعتني أكبر عنايةٍ بسيرة النبيّ، يجب أن تجلس مع أولادك كلّ أسبوع تحدّثهم عن رسول الله. اقرأ كتب السيرة وتحليلاتها لكي تعرف كيف تتكلّم، فمن كان مؤمناً إيماناً عالياً كلّما تحرّك النبي بذهنه، وكيف فعل، فإذا دخل إلى بيته ألقى السلام، وإن لم يجد طعاماً يقل: إنّي صائم. نحن إذا تأخر الطعام ولو ربع ساعة يقيم القيامة على أهله، ليس لعدم وجود طعام إطلاقاً ولكن على التأخير فقط. اللهمّ صلِّ عليه كان إذا دخل بيته لفَّ ثوبه، فتعلّم ماذا فعل النبي مع زوجته، مع أولاده، مع إخوانه، ومع أصحابه عندما كانوا في نزهة، أحياناً الشباب يذهبون إلى رحلة فتجد أحدهم لا يعمل شيئاً بل يأكل فقط، أين توجد المتاعب ينسحب من أمامها، وإن وضع الطعام يأتِ، هذه أخلاق تدعو للقرف، فعلّم ابنك كيف فعل النبي إن كانوا بمهمّة أو رحلة أو بسفر، اللهمّ صلِّ عليه كان مع أصحابه وأرادوا أن يأكلوا، فقال أحد أصحابه: (( عليّ ذبحها (أي الشاة) وقال الثاني: عليّ سلخها، وقال الثالث: عليّ طبخها. فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب. فقالوا: نكفيك ذلك. قال: أعلم أنّكم تكفونني، ولكنّ الله يكره أن يرى عبده متميّزاً على أقرانه.)) [ ورد في الأثر ] وهو أعلى إنسان ولكن لا، فأدّب ابنك هكذا، هذه القصّة تروى مئة مرّة وتُعلّق عليها، حتّى الطفل يتخلّق بها. تلاوة القرآن تملأ فراغ ولدك لأن الفراغ هو أكبر مفسدة له: النبيّ عليه الصلاة والسلام يقول: (( بركة الطعام الوُضُوء قبلَه، والوضوء بعدَه.)) [الترمذي وأبو داود عن سلمان الفارسي] وضوء الطعام: غسل اليدين والفم فقط، فأحياناً واحد يصافح إنساناً أو يمسك بحذائه أحياناً، أو يمسك آلة قذرة، ويأتي للغداء ويديه غير مغسولة، ويأكل ويضع الطعام في فمه، فتؤدّبه، وإذا جلس للأكل يسمّي وإذا انتهى يقول: الحمد لله. أيّها الأخوة اقرؤوا السيرة فيجب أن تقرأ كلمةً كلمةً، واقرؤوا أدعية النبيّ وأذكاره، فالبيت الذي ليس به شيء من السيرة مخالف للنص، أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبِّ نبيّكم، فقد ذكر النتيجة، أمّا الأسباب، أن تعلّم أولادك أخلاق النبيّ، رحمة النبي، وعطف النبيّ، فقد كان النبيّ يملأ الإناء للهرّة إذا كانت عطشى، كان يرفو ثوبه، ويخصف نعله، ويعجن خبزه، ويحلب شاته، وكان في مهنة أهله، فاقرأ السيرة وانظر لأخلاقه وصفاته. وحبّ آل بيته، فأنا لا أعتقد عصراً من عصور التاريخ اجتمعت فيه بطولات كما اجتمع في عصر النبيّ، فقد كان كلّ صحابيٍ بطلاً، ولدينا قصص عن مئات من الصحابة، قصص دقيقةٌ جداً ورائعة وبأسلوبٍ أدبيٍ، فكتاب سير الصحابة يجب أن يكون في كلّ بيت، هكذا التوجيه النبوي: (( أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبٍّ نبيّكم، وحبٍّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن)) [رواه الطبراني عن علي] لا شيء يمتصّ نشاط الطفل الصغير، يملأ فراغه، كتلاوة القرآن، كسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وسيرة أصحابه الكرام، أخطر شيء بالحياة فراغ الشباب، والفراغ أكبر مفسدة، والقاعدة معروفة عندكم: نفسك إن لم تشغلها بالخير، شغلتك بالشر. وابنك من باب أولى، فالأب العاقل يكافح الفراغ، ويحاول بقدر الإمكان أن يملأ وقت أولاده، حتّى لو أحضر لهم جهازاً يتعلّمون شيئاً به، أو مكتبة صغيرة، أو عدداً من المجلات الرصينة، مقالات علميّة مثلاً، مقالات اجتماعيّة، مجلة أو اثنتين من النوع الرّاقي، مكتبة صغيرة تحوي كتباً من السيرة، الحديث، الفقه، فلماذا أنت مسلمٌ، أي أنّك عالمٌ فما اتّخذ الله ولياً جاهلاً، لو اتخذه لعلّمه. لذلك كما قلت قبل قليل، وتلاوة القرآن، فلا يوجد نشاط يمتصّ وقت الأبناء والتنافس البريء بينهم والاعتزاز بحفظ كتاب الله، كتلاوة القرآن، أتمنّى على كلّ أب أن يحرص حرصاً لا حدود له على تحفيظ أولاده القرآن، وإن حفظوا جزءاً أعطاهم جائزة شجّعهم، أي اصطحبهم معه في بعض نزهاته، يعني الإنسان عبد الإحسان، كثيرٌ من الآباء من السلف الصالح عندما يحفظ الابن القرآن يصبح لديهم عيدٌ بكامله، فمن يُرِد عندما يكبر ابنه أن تقرّ عينه به عليه أن يعتني به وهو صغير. حظُّ المرأة من العلم كحظِّ الذكر تمامً: الآن ننتقل إلى موضوعٍ متعلّقٍ بالموضوع الأوّل، وهو أنّ المرأة كما قلت في درس الجمعة حظُّها من هذه العلوم كحظِّ الذكور تماماً. أي أنّ طلب العلم فرضٌ على كلِّ مسلم، وكلمة مسلم تعني: على كلِّ إنسانٍ مسلم أي ذكراً كان أم أنثى، فأنا أعتقد أنّ الإنسان المؤمن لا يفرِّق أبداً بين الذكر والأنثى من حيث العلم، تتعلّم و تسبق أخاها أحياناً، تتعلّم وترقى بعلمها، أعظِمْ من امرأة مسلمة تعرف ربّها وتعرف دينها. هل تجد امرأةً تتمنى أن يكون لها ضرّةٌ على وجه الأرض ؟ فقد سمعت عن شابٍ أحبّ فتاةً ليست مسلمة ثمّ انصرف عنها، فلمّا انصرف عن هذه الفتاة غير المسلمة قالت له: والله إن تزوّجتني سأُعلن إسلامي وأتحجّب وأحفظ القرآن، ثمّ انصرف عنها، طبعاً أهله لم يرضوا وتزوَّج فتاةً كما يريد أهله، وهذه الفتاة مؤمنة، بعد حين من زواجه منها، أعلمها بقصّة الّتي وعدته أن تتحجّب وأن تحفظ القرآن وأن تسلم إن هو تزوّجها، فما كان من امرأته المؤمنة إلا أن قالت له: يجب أن تقترن بها إلى هذا البيت، وأنا أُعطيها هذه الغرفة!! هذا خلاف الطبيعة الإنسانيّة، هذا هو الإيمان !! أنّ إنسانة تعدك أنّك إذا تزوّجتها تسلم وتتحجّب وتحفظ القرآن وتنصرف عنها ؟ أنا أقبل أن تكون لي ضرّةً !! وتزوّجها وجاء بها إلى البيت، لا يوجد أعظم من فتاة مؤمنة. المرأة كالرجل تماماً في التكاليف الشرعيّة: المرأة كالرجل تماماً في التكاليف الشرعيّة، في أنّها مكلّفة في أركان الإيمان وأركان الإسلام وأنّها مسؤولة عن زوجها وعن أولادها. سأُسمعكم نصّاً عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رواه عبد البِر في الاستيعاب ورواه مسلمٌ في صحيحه أنّ أسماء بنت يزيد الأنصارية رضي الله عنها أتت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم (هذه القصّة أيُّها الأخوة أُعوّل عليها أهمّيةً كبرى، يسمونها أحياناً قصّة مفصليّة) فقالت: إنّي رسول من ورائي جماعة من نساء المسلمين (مندوبة عن النساء) كُلُّهنّ يقلن بقولي وعلى مثل رأييْ، إنّ الله بعثك يا رسول الله إلى الرجال والنساء فآمنّا بك واتّبعناك ونحن معشر النساء مقصوراتٌ مخدّرات في البيوت قاعدين قواعد بيوت، وإنّ الرجال فضّلوا بالجمعة والجماعات وعيادة المرضى وشهود الجنائز والجهاد، وإذا خرجوا إلى الجهاد حفظنا لهم أموالهم وربّينا أولادهم أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله ؟ الجُمعة لهم شهود الجنائز لهم كذلك الجهاد، ونحن في البيوت قاعدات، وأنت الله بعثك لنا ولهم، فما وضعنا نحن ؟ فالتفت النبيّ عليه الصلاة والسلام بوجهه إلى أصحابه قال: (( هل سمعتم مقالة امرأةٍ أحسن سؤالاً عن دينها من هذه ؟. فقالوا: بلى يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: انصرفي يا أسماء وأعلمي من وراءك من النساء أنّ حسن تبعُّل إحداكُنّ لزوجها وطلبها لمرضاته واتباعها لموافقته يعدل كلّ ما ذكرت.)) [ ورد في الأثر ] فانصرفت أسماءُ وهي تهلل وتكبّر استبشاراً بما قاله لها عليه الصلاة والسلام. أي أنّ المرأة إذا أحسنت رعاية زوجها وأولادها وكانت زوجةً مثاليّةً، حفظت نفسها وحفظت مال زوجها، وقامت على شؤون بيتها وشؤون أولادها وربّت أولادها، النبيُّ عليه الصلاة والسلام لا ينطق عن الهوى يقول: إنّ أجرها مثل أجر المجاهد في سبيل الله تماماً بتمام، فعند الله عدالة مطلقة، امرأةٌ في البيت لكنّها كالمجاهدة في سبيل الله. لذلك أيُّما امرأةٌ قعدت على بيت أولادها فهي مع النبي في الجنّة. دائماً أروي حديثاً عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: (( أول من يمسك بحلق الجنة أنا، فإذا بامرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت: من هذه يا جبريل ؟ قال: هي امرأة مات زوجها، وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلها )) [ ورد في الأثر] كثير من النساء وهنّ في ريعان الشباب، ثلاثٌ وعشرون سنة، ويتوفّى زوجها بحادث وعندها ثلاثة أولاد منه، تؤثر تربية أولادها على حظّها من الرجال، قال: هذه المرأة تريد أن تدخل الجنّة قبل رسول الله. آيات من القرآن الكريم تؤكد على مساواة المرأة بالرجل: يبدو من خلال هذه الأحاديث أنّ تربية الأولاد أعظم عملٍ في الحياة الدنيا، فأنت تخرِّج أجيالاً، فإذا عرف ابنك الله عزَّ وجلَّ وكان ذا أخلاق عالية، الآن أقول لك: فلان، إذا كان الإنسان أخلاقياً ولا يؤذي أحداً يقولون عنه تربته المنزليّة عالية، أحياناً ليس عنده دين ولكن مربّى تربية عالية، تربيته المنزليّة عالية جداً. وطبعاً كلّكم تعرفون الآيات الّتي تؤكّد مساواة المرأة بالرجل، قال تعالى: ﴿ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195) ﴾ ( سورة آل عمران ) آيةٌ أُخرى، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (124) ﴾ ( سورة النساء ) وقال أيضاً: ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (35) ﴾ ( سورة الأحزاب ) بالطبع باللغة العربيّة أيُّ أمرٍ موجّهٍ للذكور موجّهٌ حكماً للنساء هذه الآيات تؤكّد ذلك، فمثلاً قال تعالى: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (56) ﴾ ( سورة النور ) تعليم الفتيات القرآن والسنة والفقه من أجلِّ الأعمال في الإسلام: هذا خطاب موجّه للمؤمنين، وأيُّ خطاب موجّهٍ للذكور موجّهٌ حكماً للنساء، فيمكن للمرأة أن تقول: هذا الأمر ليس لي، لكن الأوامر القرآنيّة الموجّهةَ للرجال موجّهةٌ للنساء حكماً. أمّا ربنا عزَّ وجلَّ في الآية الكريمة من سورة الأحزاب آية " 35 " ذكر النساء والرجال تكريماً للنساء، ولبيان أنّهُنّ كالرجال تماماً: (( من كان له ثلاث بناتٍ أو ثلاث أخواتٍ أو بنتان أو أُختان فأدّبهنَّ وأحسن إليهنّ وزوّجهُن فله الجنّة.)) [رواه الترمذي وأبو داود عن أبي سعيد الخدري] فأنا أعرف شابّاً لم يتزوّج حتّى زوّج كلّ أخواته، واختار لهم أزواجاً مؤمنين وأمّنهم ثمّ تزوّج، أي أنّه يوجد كثير من الأعمال الصالحة ضمن نطاق الأُسرة تكفي لدخول الجنّة، وفي روايةٍ: (( مَن كَانَتْ له جارية فَعَالَها وأحسنَ إِليهَا، ثُمَّ أعْتَقَها وتزوجها: كان له أجران. )) [الترمذي عن أبي موسى الأشعري] وجاء في مقدّمة كتاب المعلّمين لابن سحنون أنّ القاضي الورع عيسى بن مسكين كان يقرئ بناته وحفيداته، قال عياض: فإذا كان بعد العصر دعا ابنتيه وبنات أخيه ليُعلّمهنّ القرآن والعلم، وكذلك كان يفعل قبله فاتح صِقلية أسد بن الفرات لابنته أسماء الّتي نالت من العلم درجةً كبيرة. تعليم الفتيات القرآن الكريم والحديث الشريف وأحكام الفقه هذا من أجلِّ الأعمال في الإسلام. آيات تؤكد تحريم التعليم المختلط وعدم إبداء الزينة: طبعاً الاختلاط محرّمٌ شرعاً، أي التّعليم المختلط وهذه هي الأدلّة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا (53) ﴾ ( سورة الأحزاب) قال: ﴿ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (53) ﴾ ( سورة الأحزاب) وقال تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آَبَائِهِنَّ أَوْ آَبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31) ﴾ ( سورة النور ) عدم إبداء الزينة، ولا يبدين زينتهنّ إلا ما ظهر منها أي طولها ولون ثوبها، وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب وقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (59) ﴾ ( سورة الأحزاب ) تحريم الاختلاط في السنة النبوية: في الأحاديث: (( ما خلا رجل بامرأة إلا دخل الشيطان بينهما )) [ رواه الطبراني عن أبي أمامة] و: (( إِيِّاكُم والدخولَ على النساء، فقال رجل من الأنصارِ: أَفرأيتَ الحَمْوَ ؟ قال: الحَمْوُ الموتُ. )) [متفق عليه عن عقبة بن عامر] هذه النصوص من آيات ومن أحاديث تؤكّد أنّ الاختلاط محرّم والمفاسد كلّها تتأتى عن طريق الاختلاط، فتعليم الفتاة لا يعني الاختلاط مع الرجال. فإذا تحدّثنا عن مفاسد الاختلاط في المجتمعات الغربيّة فهو شيء لا يصدّق أبداً، الإحصائيّات في العام الماضي والكتاب مؤلّف من عشر سنوات، أي في عام ألف و تسعمئة و ثلاثة و ثمانين، قال: مئة وعشرون ألف طفل أنجبتهم فتيات قاصرات بصورة غير شرعيّة لا تزيد أعمارهنّ عن العشرين وإنّ كثيراتٍ منهن لازلنا طالبات، هذا الاختلاط. أي توجد مخازٍ لا سبيل إلى ذكرها كلُّها من آثار الاختلاط، فنحن إذا دعونا إلى تعليم الفتاة فندعو أن يكون من دون اختلاط، من دون مفاسد، وأكبر تعليمٍ لها هو العلم الشرعيّ، فإذا تمكّن أبوها أن يعلّمها فهذا أفضل شيء، أو عن طريق أحد محارمها في البيت، فأخطر شيء على الفتاة الاختلاط ومع الاختلاط ينشأ الفساد. على كلٍّ لا نريد أن نتوسّع في هذا الموضوع إلا بالقدر الذي يعنينا نحن جميعاً، الذي يهمُّنا أنّ تعليم الأولاد التعليم الشرعيّ وتربيتهم التربية العقليّة المناسبة هي مسؤوليّة الآباء. نحن كآباء وأبناء علينا أن ننتقل من طور القدوة إلى طور التعليم: توجد الآن حالات نادرة أو ليست نادرة، مثلاً: أب لم يتمكّن أن يتعلّم، فظروفه التي عاش بها لم تُعِنْه على طلب العلم، فماذا يفعل هذا الأب ؟ هذا الأب إذا علّم أولاده، النقص الذي كان يشعر به تلافاه في أولاده، ومن ينجب ولداً بدرجة عالية من العلم الشرعيّ هذا مما ينسيه تقصيره في هذا الحقل، وإذا كان الإنسان على مستوى عالٍ من العلم الشرعيّ يمكنه أن يجعل ابنه أو ابنته على شاكلته، أمّا إذا كان الأب مقصّراً سابقاً فالحل أن يحقق في ابنه ما فاته في شبابه. لا زلنا في موضوع التربية العقليّة ومسؤوليّة الآباء عن هذه التربية، بقي علينا كما قلنا في مطلع الدرس: أنّ هذا البيت إذا تمكّن كلّ أب من أن يجلس جلسةً مع أولاده وبناته وتكون محورها تلاوة القرآن وسيرة النبيّ وأصحابه وتوجيه النبيّ، فهذا واجب قام به الآباء. محور الدرس اليوم هو الحديث الشريف: (( أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبٍّ نبيّكم، وحبٍّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن..)) [رواه الطبراني عن علي] هذا الحديث منهج في التربية، فالموضوعات الثلاثة الأساسية: سيرة النبيّ، فهي قصّة والطفل يحبّ القصّة، وسير النبي و أصحابه، والقرآن قراءةً وتحفيظاً وتجويداً، فإذا تمكّنت أن تلقي على أولادك هذه الدروس فأنت قد رفعت عنك المسؤوليّة التي كان من الممكن أن تُسأل عنها إذا قصّرت في هذا الأداء. الحقيقة يجوز أن يمرّ معنا في المستقبل أنّه من أبلغ وسائل التربية القدوة، أن تكون أنت عارفاً بالسيرة، عارفاً بسير الصحابة، متقناً لقراءة القرآن، فالأب القدوة أكمل بكثير، فنحن كآباء وأبناء علينا أن ننتقل من طور القدوة إلى طور التعليم، والله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملاً. على المؤمن أن يربي أولاده على الصلاة والذكر وحفظ القرآن: فأنا ذكرت لكم مرّةً هذه القصّة ولن أنساها ؛ إنسان كنت بحاجة إلى التعامل معه فقلت له: متى تكون في المكتب ؟ قال لي: باكراً، فانصرف ذهني للساعة التاسعة، قال: لا، الساعة السادسة صباحاً !! بعضهم لا يفتح إلا ظهراً، الساعة التاسعة أو العاشرة، فعندما استغربت قال لي: عندما كنت طفلاً صغيراً كنت أذهب مع والدي كلّ فجرٍ إلى المسجد، نشأت على صلاة الفجر في المسجد، وكنت قبل صلاة الفجر أُصلّي معه قيام الليل، وأنا حينما يؤذِّن الفجر أستيقظ، وهو الآن في الخامسة والخمسين، لا يستطيع بعد الفجر أن ينام فيبدأ عمله باكراً. قلت هذا الأب الذي ربّى ابنه على صلاة الفجر في المسجد أصبحت عنده عادة واستمرّ بها فالطفل الصغير كيفما تنشّئه ينشأ، كيفما تعلّمه يتعلّم، والعلم في الصغر كالنقش في الحجر، فربِّه على الصلاة والذكر وحفظ القرآن، وربِّه على أن يقرأ عن رسول الله وأصحابه، وربِّه على أن يتكلّم كلاماً مهذّباً ويتحرّك حركةً مهذّبة. ذات مرّة النبيّ اللهمّ صلِّ عليه رأى شاباً يمشي أمام شيخ، فقال له: من هذا ؟ قال: هو أبي. قال له: أبوك لا تمشِ أمامه، ولا تجلس قبله، ولا تناده باسمه، ولا تستسبّ له. أربع آداب علمها لنا الرسول الكريم، تستسبّ له: أي تسبب له السباب. ذات مرّة دخلت لأرى بيتاً لأحد أخواننا، لنرى غرفه، فدخلنا أحدها فوجدنا شاباً عمره تقريباً اثنتا عشرة سنة وهو مضطجع على ظهره وواضعٌ رجلاً فوق أخرى ويتابع فيلماً، دخل أبوه وأربعة أو خمسة أشخاص مع أبيه ولم يتحرّك ولا وقف قائماً، فما هذه التربية ؟! لا توجد نسبةٌ ما بين الولد المربّى وغير المربّى، لذلك الله عزَّ وجلَّ يلهمنا أن نطبّق هذه الأحاديث، فيكفي أن نحفظ حديثاً واحداً في هذا الدرس: (( أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبٍّ نبيّكم، وحبٍّ آلِ بيته، وتلاوة القرآن..)) [رواه الطبراني عن علي] هذا منهج يكفينا كي نربّي أولادنا. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#10 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : ( العاشر ) الموضوع :التربية النفسية ( 1 ) ظاهرة الخجل عكسها الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيِّدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علَّمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيُّها الأخوة الكرام مع الدرس العاشر من سلسلة دروس تربية الأولاد في الإسلام. تربية الأولاد النفسية: لقد تحدّثنا في دروسٍ سابقة عن مسؤوليَّة الآباء في تربية أولادهم الإيمانيّة، وفي تربية أولادهم الخلُقيَّة، والجسميَّة، والعقليّة، وها نحن ننتقل إلى أخطر موضوعٍ في التربية وهو تربية الأولاد التربية النفسيّة. فالأب الواعي العاقل الموفّق يستطيع أن يجعل من أبنائه شخصيّاتٍ فذّةً في المجتمع، والأب غير الواعي والذي يرتكب أخطاء فادحة في حقّ أبنائه ـ بالتعبير المألوف يحطِّمهم ـ يجعلهم يشعرون بالنقص، يجعلهم يجبنون عن مواجهة الحياة، يجعلهم في صفةٍ ينبذها المجتمع، فلذلك أقول دائماً: الأُبوَّة مسؤوليَّة. الإنسان بنيان الله، وملعونٌ من هدم بنيان الله، أحياناً الأب بكلمة غير واعية غير مدروسة متعجِّلة فيها ارتجال يحطِّم ابنه، وكلمة مشجِّعة أحياناً تبعثُّ الثقة في النفس، تجعل ابنه عظيماً، فالقضيَّة قضيَّة حكمة، الله عزَّ وجلَّ قال: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ ( سورة البقرة الآية " 269 " ) يعني مثلاً إذا أخطأ ابنك فبينك وبينه وبأسلوبٍ لطيفٍ ومقنع تقول له: يا بنيّ هذا العمل خطأ، هذا العمل له نتائج خطيرة، وهذا العمل يجعلك في المجتمع منبوذاً، وتأتي له بدليل وشاهد وقصَّة، وبآية وبحديث، فالابن يقتنع، أمّا لو قمت بتعنيفه أمام أصدقائه فقد حطَّمته، ولو عنَّفته أمام إخوته حطّمته، أو لو صببت على أُذنه سباباً مقذعاً فقد حطَّمته، لذلك الأب مسؤول عن تربية أولاده التربية النفسيّة، وتوجد قاعدة في علم التربية لا أريد أن أقولها كي لا يجترئ الأبناء على آبائهم، لكن معظم أخطاء الأبناء مردُّها إلى المربّي، فمثلاً عندما تكذب الأم على زوجها أمام بناتها، فهذا الكذب العملي على الزوج أمام البنات أسقط ألف محاضرة في الصدق، القدوة هي أساس التربية. هناك أخطاء يرتكبها الآباء وهم يظنون أنها رحمة ولكنها في الحقيقة نقمة: لذلك أيُّها الأخوة، نقصد بالتربية النفسيّة أن يربَّى الابن على الفضائل، على الصدق، على الأمانة، على الاستقامة، على الجرأة، على الكرامة، على العزَّة، على الانفتاح على الناس، على القدرة على تحمُّل مشكلات الحياة، هناك أخطاء كبيرةٌ جداً يرتكبها الآباء وهم يظنُّون أنَّ هذه رحمة، وإنَّ هذه الرحمة التي توهّموها هي في الحقيقة نقمة على الأبناء. طبعاً الموضوع واسع جداً لكن نختار من هذا الموضوع ظاهرة الخجل، وظاهرة الخوف، وظاهرة الشعور بالنقص، وظاهرة الحسد، وظاهرة الغضب، هذه الأمراض النفسيَّة المتفشِّية في الصغار. الخجل: لا يستطيع الطفل أن ينبس ببنت شفة من شدَّة الخجل، الخجل ظاهرة مرضيَّة، طبعاً الحياء غير الخجل، فالحياء فضيلة، الحياء من الإيمان، الخجل ظاهرة مرضيَّة، الخجل نتيجة من نتائج التربية السيِّئة. الخوف نتيجة من نتائج التربية السيِّئة، الشعور بالنقص، احتقار الذّات نتيجة من نتائج التربية السيِّئة، الحسد، الغضب، هذه بعض الظواهر المرضيَّة المتفشِّية في الأبناء. الظاهرة الأولى التي يخطئ بها الآباء هي ظاهرة الخجل: نبدأ بالظاهرة الأولى وهي الخجل، الطفل إذا ذهب مع أبيه إلى بيت لا يستطيع أن يتكلَّم بكلمة، ولا أن يجيب، ولا أن يتصرَّف، ولا أن يصافح، ولا أن يسلِّم، هذا الخجل يتنامى معه فيجعله إذا أصبح شاباً يخجل أن يطالب بحقّه ولو كان محقّاً، يخجل أن يقول: لا ولو كان مصيباً، تضعف شخصيّته، يصبح إمَّعة، كلُّ إنسان يسيطر عليه، من لوازم قوّة الشخصيّة كلمة (لا) في الوقت المناسب، فضعف شخصيَّة الإنسان حينما يصبح راشداً أساسها ظاهرة الخجل حينما كان صغيراً. هناك فرق كبير بين الخجل كظاهرة مرضية وبين الحياء كفضيلة إنسانية: مرةً ثانية أيُّها الأخوة نفرِّق دائماً بين الخجل كظاهرة مرضيَّة وبين الحياء كفضيلة إنسانيّة، الحياء من الإيمان، الذي يستحي أن يعصي الله عزَّ وجلَّ، الذي يستحي أن يتطاول على كبير، الذي يستحي أن يأخذ ما ليس له، الذي يستحي أن يفعل قبيحاً، أو أن يفعل فاحشةً، فهذه فضيلة ولعلّها من أرقى الفضائل لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام: (( الحياء والإيمان قرنا جميعاً فإذا رفع أحدهما رفع الآخر)) [متفق عليه عن عبد الله بن عمر] والحديث المعروف عندكم: (( إذا لم تَسْتحِ فَافْعلْ مَا شِئْتَ )) [أخرجه البخاري عن أبو مسعود] لهذا الحديث معنيان متناقضان: 1.المعنى الأول إذا لم تستحِ لا حساب ولا عقاب: المعنى الأوّل أنَّك إذا لم تستحِ لا حساب ولا عقاب، لأنّ أصل المسؤوليّة يسقط إذا اختلَّ الحياء عند الإنسان، المجنون لا يحاسب، وهذا الذي لا يستحي الناس يزهدون في معاتبته، يقولون: إنَّه إنسان وقح، إنسان فاجر، إنسان قذر، يبتعدون عنه. 2ـ المعنى الثاني إذا فعلت عملاً لا تستحي به من الله فلا تخشَ أحداً: والمعنى الآخر للحديث أنّك لو فعلت عملاً لا تستحي به من الله فلا تخشَ أحداً، افعله ولا تلوِ على أحد، إذا لم تستحِ فاصنع ما تشاء، الأصل أن تكون على اتصالٍ بالله عزَّ وجلَّ، وأن يكون الله راضياً عنك. أحياناً أخواننا الكرام يستنصحونني فأقول هذه الكلمة دائماً، فمرّة استنصحني موظّفٌ يعمل في التموين فقلت له: إذا كنت بطلاً فهيّئ لربّك جواباً عن كلّ ضبط تكتبه، جواباً لله عزَّ وجلّ. قال: كيف ؟ قلت له: هذا الذي يضع الموادّ الضارة في المواد الغذائيّة ـ فقد حدّثني أخ من يومين وجزاه الله خيراً أن بعض المواد الغذائيّة كالطحينة مثلاً يضعون بها مادّةً مبيِّضة (إسبيداج ) فقال لي: لا بل يضعون أكسيداً لمادّة سامّة وهم لا يعنيهم ذلك سوى أن يبيعوا هذه المادة الغذائيّة بربحٍ كبير، أحياناً يبيعون الصفيحة يضعون بها لحماً لدابّة ميّتة، وبعض أنواع اللحوم فيها لحم قطط، فإذا لم يأخذ الإنسان بيدٍ من حديد على أيدي هؤلاء المنحرفين فالمجتمع يتأخّر ـ فكنت أقول لهذا الموظّف دائماً: هيّئ لربِّك جواباً عن كلِّ ضبطٍ تكتبه، فإذا كان هذا الإنسان مسيئاً، يسيء لأولادنا ولمجتمعه فيجب أن يحاسب، فقد قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (40) ﴾ ( سورة الشورى ) من حقك أن تنتصر إذا بُغي عليك ولكن بالقدر نفسه الذي بُغي عليك فيه: فقد شرحت مرَّة هذه الآية ـ فهذه الآية تحيّر ـ فهل يا ترى أنّ الله عزَّ وجلَّ يثني على هؤلاء: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) ﴾ ( سورة الشورى ) أم يثني على الذين: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) ﴾ ( سورة الشورى ) فأوّلها: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ (39) ﴾ ( سورة الشورى ) وآخرها: ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (40) ﴾ ( سورة الشورى ) الله عزَّ وجلَّ على من يثني ؟!! الجواب: أولاً من حقّك أن تنتصر إذا بُغي عليك، لكن إذا أردّت أن تنتصر ينبغي أن تنتصر بالقدر الذي بُغي عليك فيه: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا(40) ﴾ ( سورة الشورى ) إذا غلب على ظنّك أنّك إذا عفوت على خصمك الظالم تقرِّبه إلى الله، وتقرِّبه من الدين، فينبغي أن تعفو عنه وعندئذٍ أجرك على الله، أمّا إذا غلب على ظنّك أنّ خصمك إذا عفوت عنه تزيده جرأةً على الباطل وعدواناً على الآخرين ينبغي أن لا تعفو عنه وهذه هي الحكمة. الإنسان أحياناً عندما ينشأ بمرض الخجل إذا أصبح راشداً يخجل أن يطالب بحقُّه وأن يقول: لا، يخجل أن يقول للمخطئ أنت مخطئ وهذه حالة مرضيّة لدى الإنسان، فيصبح كالإمّعة تنعدم شخصيته وتذوب وينتهي. بعض النماذج عن ظاهرة الجرأة من السنة النبوية الشريفة: سأُريكم بعض النماذج التي وردت في السنَّة المطهَّرة عن ظاهرة الجرأة. عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وكان دون الحُلُم ـ صغيراً ـ أنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم قال: (( إنّ من الشجر شجرةً لا يسقط ورقها وإنّها مثل المسلم فحدِّثوني ما هي ؟ فوقع النّاس في شجر البوادي، قال عبد الله: ووقع في نفسي أَنّها النخلة فاستحييتُ ثمّ قالوا: حدِّثنا ما هي يا رسول الله ؟ فقال: هي النّخلة.)) [ البخاري عن عبد الله بن عمر] وفي روايةٍ: (( فأردّت أن أقول هي النَّخلة فإذا أنا أصغر القوم فاستحييت. )) وفي روايةٍ: (( ورأيت أبا بكرٍ وعمر لا يتكلَّمان فكرهت أن أتكلّم، فلمّا قمنا حدّثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتها أحبُّ إليّ من أن يكون ليَ حمر النَّعم. )) فقد أحبّ سيّدنا عمر أنّ ابنه يجيب الإجابة الصحيحة أمام النبيّ عليه الصلاة والسلام فيكون جريئاً. نجد أحياناً طفلاً جريئاً يتكلَّم بأدب، ويتكلم بثقة، ولا يستحي حياءً مرضيّاً، لا يخجل إذا عرف الحقيقة أن يقولها، هذه من آثار التربية الجيّدة. (( رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أُتي بشرابٍ فشرب منه وعن يمينه غلام وعن يساره أشياخ ـ مسنّون ـ فقال للغلام: أتأذن لي أن أُعطي هؤلاء؟ )) [متفق عليه عن سهل بن سعد] فما هذه التربية ؟! النبيّ سنّ سنّة أنّك إذا أردْت أن تقدِّم ضيافةً فقدِّمها إلى كبير القوم أوّلاً، ثمّ الذي عن يمينه، هكذا السُّنة، فأحياناً هذا التوجيه النبوي أو هذا الأدب النبوي لا يعرفه معظم الناس، يقول لك على اليمين فإذا وجد إنساناً فاضلاً وله قيمته الكبيرة فينبغي أن تبدأَ الضيافة به ثمَّ من على يمينه أي يمين أكبر القوم وليس اليمين المطلق. (( رسول الله صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بشراب فشرب منه، وعن يمينه غلام - وفي رواية أصغَرُ القوم - وعن يساره الأشياخُ، فقال للغلام: أتأذَنُ لي أَن أُعطيَ هؤلاء ؟ فقال الغلامُ: ' والله يا رسول الله، لا أُوثِرُ بنصيبي منك أحداً)) [متفق عليه عن سهل بن سعد] جرأة ولكن أدب بالطبع هذا نموذج من نماذج الجرأة. الجرأة هي وسط بين الخجل والوقاحة: بالمناسبة قد توجد مسافة قليلة بين الجرأة والوقاحة، فالجرأة بين الخجل وبين الوقاحة، ودائماً وأبداً الفضيلة وسطٌ بين طرفين. وروى البخاريّ أنّ ابن عباسٍ رضي الله عنهما وكان دون الحُلم درس من البلوغ أنّه قال: كان عمر رضي الله عنه يُدخُلني (أي في أيام خلافته) مع أشياخ بدر في المشورة، فكأنّ بعضهم وجد في نفسه (أي غضب) فقال: لِمَ يدخل هذا معنا ولنا أبناءٌ مثله ؟؟ فقال عمر: من حيث قد علمتم. قال: فدعاني ذات مرّة فأدخلني معهم، فما رأيّتُ أنّه دعاني يومئذٍ إلا ليُريهم، فقال عمر لأشياخ بدر: ما تقولون في قوله تعالى:﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) ﴾ ( سورة النصر) قال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله وأن نستغفره إذا نصرنا وفتح علينا. وسكت بعضهم الآخر ولم يقل شيئاً، فقال لي: أهو كذلك يا ابن عبَّاس ؟ فقلت: لا، قال: فما تقول ؟ قلت: هو أجل النبيّ عليه الصلاة والسلام. العظماء إذا حقّقوا رسالاتهم تنتهي آجالهم: سيِّدنا عمر كان يستشير كبار الصحابة ـ هنا في الحديث سمّاهم أشياخ بدر ـ الذين شهدوا بدراً كان يستشير معهم سيِّدنا ابن عبّاس وقد كان دون الحُلُم، ولّما كانوا يرون ابن عبّاس وهو في سنِّ أبنائهم غضبوا وقالوا: هذا الذي معنا لنا أبناء في سنِّه، فقال لهم عمر: من حيث قد علمتم.. فما معنى ذلك ؟ أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام دعا له وقال: (( اللهم علمه التأويل وفقهه في الدين )) [حديث صحيح عن علي بن عبد الله بن عباس] ودعاء النبيُّ لا يردّ، فهذا ابن عبّاس ولو أنّه دون الحُلُم دعا له النبيّ بالفقه في الدين وبمعرفة التأويل، وقوله: هو أجل النبيّ عليه الصلاة والسلام. أي أنّ العظماء حياتهم عظيمة جداً، همومهم كبيرةً جداً، فإذا حقَّقوا رسالتهم انتهى أجلهم، فالأنبياء والعظماء لا يمكن أن يعيشوا ليأكلوا كعامّة الناس، وتقريباً لذلك إذا زار رئيس دولةٍ ما دولة أُخرى فالمباحثات ثلاث ساعات وعند انتهائها يرجع لبلده ولا يقول: يومان آخران لنتنشّط، فهذا غير وارد إطلاقاً، فالمسؤوليّات كبيرةً جداً على عاتقه، وصل إلى الدولة الأخرى، أجرى المباحثات، أصبح هناك إنجاز، فيرجع إلى بلده، أمّا عامة الناس يمكث للسياحة، يتنشّطون، هذا مثل تقريبي، العظماء إذا حقّقوا رسالاتهم تنتهي آجالهم، فقال له ربُّنا عزَّ وجلَّ: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) ﴾ ( سورة النصر) الله عز وجل نعى نبيه محمد بسورة النصر: فقال سيدنا ابن عبّاس: هو أجل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أعلَمهُ به بقوله تعالى: ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) ﴾ ( سورة النصر) وذلك علامة أجلك: ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) ﴾ ( سورة النصر) فقال عمر رضي الله عنه: ما أعلم منها إلا ما تقول، هذه سورة أجل النبيّ. رالله عزَّ وجلَّ نعى النبيّ بهذه السورة، أي يا محمّد:﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) ﴾ ( سورة النصر) على المؤمن استغلال شبابه في طاعة الله: أحياناً الله يتفضّل على إنسان فينشأَ في طاعة الله من أيام طفولته، طوال حياته يحضر مجالس العلم، يدعو إلى الله، يضبط جوارحه، ينفق ماله، هذا كلما تقدّمت به السّن اشتاق للقاء الله عزَّ وجلَّ، فتجد المؤمن متعلِّقاً بالآخرة ومنصرفاً عن الدنيا، أعتقد أنّه توجد ساعة هي أسعد ساعة للمؤمن حينما يطلُّ على ماضيه فإذا هو طاعةٌ لله، يطلُّ على ماضيه فإذا هو عملٌ صالح، يطلُّ على ماضيه فإذا هو دعوةٌ إلى الله، يطلُّ على ماضيه فإذا هو الإحسان للخلق، هذه النظرة إلى الماضي تملأ قلبه سعادةً. فالإنسان لا يغترّ، الشباب يمضي سريعاً، فالشاب في مقتبل العمر لا يفكّر في أمراض القلب، ولا دسّام القلب، ولا مرض الضغط، ولا أمراض الكليَة، ويقولون لك: مثل الحصان يحرث حرثاً، ولكن هذا يمضي سريعاً ويأتي وقت تضعف أجهزة جسمه، فقد قرأت كلمة في مجلّة أنّ السعادة الماديّة للإنسان البعيد عن الله عزَّ وجلَّ الذي أراد الدنيا ولذاتها وشهواتها ومباهجها، أراد أموالها، أراد نساءها، مقاصفها، طعامها، شرابها فما الذي يحدث ؟ شيء مضحك لأن السعادة الماديّة في الدنيا تحتاج إلى ثلاثة شروط ؛ الأوّل: الصّحة، الثاني: الوقت، الثالث: المال. العمر ثلاث مراحل: 1 ـ المرحلة الأولى تجد فيها الصحة والوقت ولا تجد المال: الآن لاحظوا أنّ أوّل مرحلة بهذه الحياة صحّة ممتازة مثل الحصان ووقته فارغ لا يشغله شيء، ولكن مال لا يوجد ـ منتوف ـ لا يملك شيئاً، إذاً لا يسعد، أين يريد أن يذهب ؟ ليس معه شيء، صحّة طيِّبة ووقت متوافر. 2 ـ المرحلة الثانية تجد فيها الصحة والمال ولا تجد الوقت: المرحلة الثانية: قام بتأسيس مشروع ففتح محلاً تجاريّاً، وانشغل بالتأسيس، بالمبيعات، بالمشتريات، بالحسابات، الآن لا يوجد وقت، توجد الصِّحة والمال، ولكن الوقت غير موجود، يقول لك: والله نحن مشغولون، وتجد بيتاً قد كلّف الملايين ولا يذهبون إليه إلا في العطلة الصيفيّة فقط ولمدّة أسبوع واحد لعدم الفراغ فالبيت مغلق، أصحابه عندهم مشاريع ومعامل وتجارة ولا يوجد عنده متسع من الوقت ليتنعّم، ويتساءل: هل تناولنا طعام الغداء اليوم ؟ والله قد نسينا ذلك من كثرة العمل بالأسواق والبيع ـ السوق حامي ـ فنسي الغداء وهذه هي المرحلة الثانية: يوجد المال والصّحة ولكن لا يوجد الوقت. 3 ـ المرحلة الثالثة تجد المال والوقت ولا تجد الصحة: المرحلة الثالثة: قد كبر في العمر وسلّم المعمل لأولاده وأصبح عنده الوقت الكافي وأصبح عنده المال ولكن لا توجد الصِّحة بل أصبح يحمل في جسده خمسين علّة مرضيّة، هذه هي الدنيا: تغُرُّ.. وتضرُّ.. وتَمُر. أمّا إذا عرف الإنسان الله عزَّ وجلَّ وجعل هدفه ابتغاء مرضاته، فيصبح سعيداً وهو شابٌ، في الشباب من جامع إلى جامع، من درس إلى درس، من عمل صالح إلى عمل صالح، سعيد وهو كهل، سعيد وهو شيخٌ، فقد اختلف الأمر كلّياً منذ أن عرفت الله دخلت في السعادة وإلى الأبد، وما الموت إلا نقطةً على هذا الخط الصاعد. بعض الأمثلة عن شباب شبّوا على طاعة الله: أقول لكم قصّة تعرفونها وأقولها دائماً: عندما مرَّ سيّدنا عمر في المدينة وكان بعض الأولاد يلعبون، فلمّا رأوه تفرّقوا جميعاً من شدّة هيبته إلا واحداً منهم وهو سيدنا عبد الله بن الزبير، فعندما مرّ سيدنا عمر أمامه فقال له: يا غلام لمَ لمْ تهرب ؟! فقال له: أيُّها الأمير لستَ ظالماً فأخشى ظلمك، ولستُ مذنباً فأخشى عقابك، والطريق يسعني ويسعك. الطريق واسع فلماذا أهرب ؟ أخاف من ذنب وأنا لست مرتكباً للذنب وأنت لست ظالماً، كلام بليغ، أي إذا كان واحد خائفاً وهو بريء فتلك والله مصيبة كبيرة جداً أن يخاف البريء، أمّا المصيبة الأكبر أن يطمئنّ المذنب، فإذا كنّا في مجتمع البريء فيه خائف والمذنب فيه مطمئن فهذه والله مشكلة كبيرة. رأى سيّدنا عمر بن عبد العزيز ولداً له في يوم عيد وعليه ثوبٌ خرق ـ ابن سيّدنا عمر ـ فدمعت عيناه، فرآه ولده فقال: ما يبكيك يا أمير المؤمنين ؟ قال: يا بنيّ أخشى أن ينكسر قلبك إذا رآك الصبيان بهذا الثوب الخرق، فقال: يا أمير المؤمنين إنّما ينكسر قلب من أعدمه الله رضاه أو عقَّ أُمّه وأباه وإنّي لأرجو أن يكون الله تعالى راضياً عنّي برضاك. أي إذا أنت راضٍ عني فأنا أرجو رضاء الله برضاك. والله أيُّها الأخوة تجد إنساناً لا يملك من الدنيا شيئاً لما عنده من غنىً في نفسه والله لو وزِّع على أهل بلدٍ لكفاهم، وتجد إنساناً آخر يملك الملايين ويشعر بالفقر وكأنّه أفقر الناس، يقول لك: خسرنا. ماذا خسرت ؟ كانت أرباحه اثني عشر مليوناً فأصبحت عشرة ملايين فقط فخسر مليونين، لا يوجد نموٌ بل تراجعٌ، وتجده متضايقاً، يائساً، هذا فقير، قيل: أنت من خوف الفقر في فقر، وأنت من خوف المرض في مرض، وتوقُّع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها. إذا أردْت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك بما في يديك، وإذا أردْت أن تكون أكرم النّاس فاتّقِ الله، وإذا أردْت أن تكون أقوى النّاس فتوكّل على الله. أمثلة أخرى عن الجرأة من كتب الأدب: مما روت كتب الأدب: أنّ صبيّاً تكلّم بين يدي الخليفة المأمون فأحسن الجواب، قال له المأمون: ابن من أنت يا غلام ؟! قال: أنا ابن الأدب يا أمير المؤمنين، ألم يقل الشاعر: كن ابن من شئت واكتسب يغنيك محموده عن النسب * * * قال له: أنا ابن الأدب، فقال المأمون: نعم النسب ثم قال المأمون:كـن ابن من شئت واكتسب يغنيـك محموده عـن النسب إنّ الفتى من يقول ها أنا ذا ليس الفتى من يقول كان أبي * * * ومرّة فيما أذكر أنّ غلاماً ناشئاً قام بعمل عظيم فأراد أحد الأشخاص أن يصغِّره وأن يحجِّمه، فقال له: كم عمرك يا غلام ؟؟ فقال له: أنا عمري كعمر أُسامة بن زيد حينما ولاّه النبيُّ قيادة جيش فيه أبو بكر وعمر. أي هذا عمري فأسكته.قال: دخل المأمون مرّة بيت الديوان فرأى غلاماً صغيراً على أُذنه قلم، قال: من أنت ؟ قال: أنا الناشئ في دولتك، المتقلِّب في نعمتك، المُؤمّل في خدمتك، أنا الحسن بن رجاء. فعجب المأمون من حسن إجابته وقال: بالإحسان والبديهة تفاضلت العقول ارفعوا هذا الغلام فوق مرتبته. بالإحسان والبديهة تفاضلت العقول. وعندما دخل على سيّدنا عمر بن عبد العزيز وفد المُهنئين تقدّم غلام عمره اثنتا عشرة سنة، قال له: اجلس أنت وليقم من هو أكبر منك سنّاً. فقال له الغلام: أصلح الله الأمير المرء بأصغريه.. قلبه ولسانه، فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحقَّ الكلام، ولو أنّ الأمر كما تقول لكان في رعيتك من هو أحق منك بالخلافة. جاءت وفود إلى هشام بن عبد الملك وكان بين هذه الوفود غلام صغير اسمه ورداس بن حبيب فغضب هشام وقال للحاجب: ما شاء أحد أن يدخل عليّ إلا دخل حتّى الصبيان !!! فقال الصبيّ: يا أمير المؤمنين، إنّ دخولي عليك لم ينقص من قدرك لكنَّه شرَّفني، أصابتنا ثلاث سنين ؛ سنةٌ أذابت الشّحم، وسنةٌ أكلت اللحم، وسنةٌ دقّت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، فإن كانت لله ففرقوها على عباده، وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم، وإن كانت لكم فتصدّقوا بها علينا فإنَّ الله يجزي المتصدِّقين ؟ فقال هشام: ما ترك لنا هذا الغلام في واحدةٍ عذراً، فأمر للبوادي بمئة دينار وله بمئة دينار. فقال الصبي: اُرددها يا أمير المؤمنين إلى جائزة البوادي، فإنّي أخاف أن تعجز عن بلوغ كفايتهم ـ أي أعطِ حصَّتي إلى قومي ـ ورفض أن يأخذها. فقال هشام: أما لك حاجة ؟ فقال الصبيّ: ما لي حاجَة فيَّ خاصّة دون عامّة المسلمين. أحياناً الإنسان يدخل على شخصٍ مهمٍّ فيطلب استثناء، وآخر يطلب خدمةً عامّةً للمسلمين مثل: رفع الحيف أحياناً أو تيسير أمور الناس أو تأمين حاجاتهم، فالإنسان متى يُقيَّم ؟!! إذا طلب حاجةً شخصيّة، استثناء شخصيّاً يكون إنساناً منتمياً إلى ذاته، أما إذا دخل إنسانٌ على شخصٍ مهمٍ وطلب منه حاجة عامّة فهذا شرف له. على كلٍ هذه الظاهرة ظاهرة الجرأة إذا تطرَّفت وتفاقمت أصبحت وقاحةً، وإذا تطامنت أصبحت مرضاً نفسيّاً وهو الخجل. لذلك يجب على الآباء إذا تكلَّم الابن أن يستمعوا له، والأب يشجعه، وإذا أخطأ لا تعنِّفه، ولكن إن انتهى قلْ له: هذه الكلمة خطأ أو غلط وصوابها هكذا. الفرق بين كلمة خطأ وكلمة غلط: كلمة (خطأ) غلط باللغة، فالخطأ متعلّق بالخطيئة، أمّا الغلط متعلِّق بالعلم، وقد أُلّف كتاب اسمه أخطاؤنا الشائعة وقد انتقد العنوان أحد الأشخاص قائلاً: العنوان خطأ شائع، والصواب: خطيئاتُنا الشائعة.. لأنّ الخطأ جمعها خطيئات، قال تعالى: ﴿ مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا (25) ﴾ ( سورة نوح ) فجاء شخص ثالث فقال لهم أنتما الاثنان غلطتما، فكلمة خطيئة متعلِّقة بالخطأ الأخلاقي، أمّا الصواب: أغلاطُنا الشائعة. أصبح عندنا في اللغة: خطأ وهو الشيء المتعلِّق بالأخلاق، والغلط هو الشيء المتعلِّق بالعلم. الحياء في الدين: لكن الحياء كما تعرفون من الفضائل يقول عليه الصلاة والسلام: ((اسْتحْيُوا مَنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ، قُلنا: إنَّا لَنسْتَحيي من اللَّه يا رسولَ اللَّه، والحمدُ للَّه، قال: لَيس ذَلِكَ، ولكنَّ الاسْتِحياءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ: أنْ تَحْفَظ الرَّأْسَ ومَا وَعى، والْبَطْنَ ومَا حَوى، وتذْكْرَ المَوتَ والبلى، وَمنْ أرادَ الآخِرَةَ تَرَك زِينَةَ الدُّنيا، وآثَرَ الآخِرَةَ عَلى الأُولى، فَمنْ فَعلَ ذِلكَ فَقَدِ اسْتَحْي من اللَّه حقَّ الحياءِ.)) [الترمذي عن عبد الله بن مسعود] وقد روي عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنّه كان يدعو ويقول: اللهم لا يدركني زمانٌ لا يُتّبع فيه العليم، ولا يُستحيا فيه من الحليم. وقد مرَّ معي حديث يقول: (( إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلائكم، وأمركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها )) [ الترمذي عن أبي هريرة ] وقد روى الإمام أنس بن مالك عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: ((إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقاً وَخُلُقُ الْإِسْلَامِ الْحَيَاءُ.)) [حسن عن أنس بن مالك] أي أنَّ المؤمن يستحي، فشيء واضح جداً مثلاً إذا جلست مع إنسان يتكلَّم كلاماً بذيئاً، ويتكلَّم بالعورات، وكان مزاحه فاحشاً، فاعتقد جازماً أنّه ليس مؤمناً، لأنَّ الحياء من الإيمان، فلو كان مؤمناً لاستحيا أن يلفظ العورات بلسانه، وأن يمزح مزاحاً فاحشاً، وأن يغمز، وأن يلمز، وأن يغُشَّ الكلام، هذا الذي يغُشَّ الكلام دائماً ويتكلَّم بالعورات ومُزاحه فاحشٌ هذا إنسان لا حياء فيه، ومن لا حياء فيه لا إيمان فيه: (( الحياء والإيمان قرنا جميعاً فإذا رفع أحدهما رفع الآخر)) [متفق عليه عن عبد الله بن عمر] وفي المقابل يوجد آباء يشجعون أبناءهم كثيراً إلى درجة أنَّ هذا الطفل الصغير يتكلَّم كلاماً قاسياً، كلاماً فيه تطاول، وكلُّهم يضحك من هذه الكلمات غير المألوفة من هذه السّن، هذا أيضاً يشجِع الابن على الوقاحة وعلى التطاول، فالأب يجب أن يكون موقفه حكيماً إن رأى فيه خجلاً شجّع، وإن رأى فيه تجاوزاً كبح، أنت بين التشجيع لمن يخجل وكبح جماح من يتواقح. سيّدنا يوسف عندما قال: ﴿ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100) ﴾ ( سورة يوسف ) السجن ليس فيه خطرٌ على الحياة، لكن الجُبَّ كان فيه خطرٌ على الحياة، فمن أدبه العالي لم يذكِّر إخوته بالجُب لئلا يستحيوا بفعلتهم فقد قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي(100) ﴾ ( سورة يوسف ) الظاهرة الثانية التي يخطئ بها الآباء هي ظاهرة الخوف: توجد لدينا ظاهرة ثانية من الظواهر المرضيَّة التي تصيب الأبناء وهي: الخوف فتجده خائفاً خوفاً غير طبيعي. أولاً الأمّ التي تخوّف ولدها بالأشباح أو بالظلام، أو كما يقولون: بالغول، أو البعبع مثلاً، هذه أمّ جاهلة، فإذا نشأ عند الابن عقدة الخوف فذلك من تربية أمّه له، لأنّ الأم عندما يبكي ابنها تحبّ أن تسكته فتخيفه بأشياء وهميّة، هذه الأشياء غرست فيه غرساً. وقالوا: الدلال المفرط هذا يسبب الخوف، الحرص الشديد غير معقول، والدلال المفرط، وأي شيء يطلبه يلبّى له وتعطي الأم له، فهذا الطفل تخرّب شخصيّته ولا يستطيع أن يواجه أي شيء، ويخاف من كلّ شيء، لأنّ الأب قد أعطاه كلّ شيء، ومنعه من كلّ جهد، ومنعه من كل تحمُّل للمشقّة، فضعف. دعونا من الأمور النفسيّة، جسميّاً إذا الإنسان ارتاح كثيراً فيصاب بضعف القلب لا يوجد جهد، لعدم بذل الجهد، فلو مشى خمسة أمتار يلهث نَفَسه، وكذلك لو صعد درجات قليلة لسلم فيلهث أيضاً، أما الرّياضيّون يدرّبون قلوبهم، فلو جلس مستريحاً تصبح دقّات قلبه خمساً وخمسين دقّة في الدقيقة لأنّه جُهزَ على بذل الجهد، وهذه قاعدة ماديّة ومعنويّة، فكل إنسان يبذل الجهد فقد مرّن قلبه على تحمُّل الجهد، وإذا لم يبذل الجهد يضعف قلبه. وكذلك النفس الإنسانيّة، إذا توافر لها كلّ شيء وأُمّن لها، فإذا وفر الأب أو الأم للأبناء كلّ شيء و أصبح الطفل غير مكلف بشيء، دلال زائد أصبح كثير الخوف، فلا يستطيع شراء أي من الحاجات، يخاف أن ينتقل لبيت آخر. قال وأسباب الخوف أيضاً: تربية الولد على العزلة الانطوائيّة والاحتماء بالمنزل فالعزلة تسبب الخوف. أخواننا الكرام، كل إنسان يعيش بعزلة يبني أوهاماً وتكون كلّها بلا أصل، يبني عداوات، تصوّرات، تفسيرات مضحكة للأمور، قام العلماء بإجراء التجارب بعزل إنسان عن المجتمع، فلتهيئة روّاد الفضاء لرحلة فضائيّة تبقى في الفضاء لعدّة سنوات، ولتهيئتهم على هذه العزلة أقاموا بيتاً في الصحراء، وجعلوا هؤلاء الروّاد في هذا البيت وفرضوا عليهم عزلةً تامّةً عن العالم، فانهار نفسياً اثنان منهم، وأساساً في بعض السجون، في السجن الانفرادي قد يسبب مرضاً نفسيّاً، لأنَّ الإنسان اجتماعي، فكل إنسان يعزل نفسه عن المجتمع يصاب بأمراض نفسيّة، فالعلاج أن تكون مع الناس. فقد قال النبيّ صلوات الله عليه وسلّم من خالط النّاس وصبر على أذاهم، خيرٌ له من مَن لم يخالطهم ولم يصبر على أذاهم. من أسباب الخوف الدلال المفرط والعزلة والقصص الخيالية والأوهام: أحياناً قصص خياليّة أساسها الجن والعفاريت تروى للصغار قبل أن يناموا، بالطبع لا بدّ من أن يخافوا، قصص خياليّة وأوهام تخويف دلال مفرط، عزلة انطوائيّة، هذه كلّها تسبب مرض الخوف، والخوف مدمِّر. الحقيقة غرس العقيدة الصحيحة في نفس الطفل تحميه من الخوف، الله موجودٌ والأمر بيده والله هو الحافظ، وكلّ شيء وقع أراده الله، هذه المعاني تبعثُّ في نفس الغلام الأمان فيبتعد عن الخوف، انظر فما أجمل هذه الآية: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) ﴾ (سورة المعارج ) الأصل أنّ الإنسان يخاف، أمّا المتصل بالله لا يخاف، فقد جاءه مدد من الله، فأخواننا الذين قد ذهبوا إلى الحج بعضهم نظر إلى موقع غار حِراء في رأس الجبل، والطريق إليه يحتمل عدّة ساعات مع الجهد الكبير جدّاً، أي أنّ الشباب وحدهم بإمكانهم أن يصلوا، كان النبيُّ الكريم يبقى هناك الليالي ذوات العدد، الآن الجبل فيه كثير من الأُنس، من الطرقات والسيّارات، فتصوّر جبل قاسيون قبل أن يكون آهلاً بالسكّان، لا أحد فيه، وتصعد إليه وحيداً وتنام ليلتين أو ثلاث بمغارة فهذا شيء فوق طاقة الإنسان فما تفسير ذلك ؟ النبيُّ عليه الصلاة والسلام لشدّة أُنسه بالله غلب أُنسه بالله على وحشة المكان، فكلّما اتصل الإنسان بالله عزَّ وجلَّ يأنس به ولا تفسير آخر لذلك، فالمكان موحش، لكن لشدّة أُنس النبيّ بربّه، أُنسه بالله عزَّ وجلَّ غلب على وحشة المكان. العقيدة الصحيحة تخففُ من حدّةُ الخوف: إذاً العقيدة الصحيحة تخففُ من حدّةُ الخوف، الآن يجب أن يعطى الطفل حريّة التصرُّف وتحمُّل المسؤوليّة، وأن يمارس بعض الأعمال التي يقدرُ عليها، أحيانا تجد الأب خائفاً من أن يغلط ابنه فلا يسلِّمه شيئاً أبداً، فيكبر وهو لا يحسن شيئاً، اجعله يستلم عملاً ويغلط وصحح له، فقد ذكرت لكم قبل قليل أنّ الذي لا يغلط هو الذي لا يعمل، فكل من يعمل يخطئ، والخطأ طريق الصواب، وليس العار أن تخطئ، لكنّ العار أن تبقى مخطِئاً، ليس العار أن تجهل، لكنّ العار أن تبقى جاهلاً. أيضاً عندما يعلّم الإنسان مغازي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم هذه المغازي فيها من مواقف الصحابة وشجاعتهم وبأسهم وشدّتهم هذا مما يبثُّ في نفس الطفل الجرأة من باب التقليد، فقد قال سيّدنا سعد بن أبي وقّاص: كُنّا نعلّم أولادنا مغازي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كما نعلِّمهم السورة من القرآن. (( علّموا أولادكم الرماية والسباحة ومروهم فليثبوا على الخيل وثباً.)) [الإصابة عن عمر، وانظر فتح الباري ] أمثلة ونماذج في شجاعة أبناء الصحابة: أيضاً توجد عندنا قصص رائعةٌ جداً، نماذج عُليا في شجاعة أبناء الصحابة، لما خرج النبيّ عليه الصلاة والسلام إلى أُحدٍ مع أصحابه استعرض الجيش فرأى فيه صغاراً لم يبلغوا الحُلُم فأشفق عليهم وردَّ من رآه منهم صغيراً، كان في من ردّه عليه الصلاة والسلام رافع بن خُديج وسمرة بن جُندُب ثمّ أجاز رافعاً لما قيل له: إنّه رامٍ يحسن الرماية، فبكى سُمرة وقال لزوج أُمّه: أجازَ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رافعاً وردّني مع أني أصرعه، فبلغ ذلك النبيّ فأمرهما بالمصارعة، فكان الغالب سُمرة، فأجازه عليه الصلاة والسلام. غلامان صغيران، ولعل حجم أحدهم أصغر من الآخر فأجاز النبي الكبير وردّ الآخر فبكى وقال: هذا الذي أجازه النبي أصرعه وبلغ ذلك النبي فجعلهما يتصارعان أمامه، فإذا بسمرة يصرع رافعاً. ولمّا هاجر النبيّ عليه الصلاة والسلام وصاحبه أبو بكر إلى المدينة وأقاما في غار ثور ثلاثة أيام عملت عائشة وأسماء بنتا أبي بكر في تهيئة الزّاد لهما وقطعت أسماء قطعةً من نطاقها فربطت به على فم وعاء الطعام فسمّيت بذلك: ذاتَ النطاقين، وعمل عبد الله بن أبي بكر على نقل الأخبار ـ عمل عظيم ـ النبي والصديق في غار ثور، وعائشة وأسماء تأخذان الطعام وعبد الله يتعقّب الأخبار. علينا أن نحسن تربية أبنائنا لأنهم استمرار لنا ربّما كان الابن امتداداً لأبيه، ولا تنسوا أنّ الابن الصالح صدقةٌ جارية: (( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم يُنْتَفَعُ به، أو ولد صالح يدعو له.)) [مسلم عن أبي هريرة] فليكن همّ كُلّ أب أن يربّي أولاده تربيةً صالحة بحيث أنّ الأب لو ولّت عينه فابنه استمرارٌ له، و أنجح الآباء في تربية أولادهم هم أسعد الآباء، فلا تتصوّر شعور الأب إذا رأى أولادَه من حوله ديّنين، صائمين، مصلّين، في مراتب عالية، بنجاح وبسمعة طيّبة فهذا شيء لا يقدّر بثمن، وهذا الذي قاله الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (74) ﴾ ( سورة الفرقان ) بالطبع التربية لا بدّ لها من الجهد، و من دون اهتمام فالابن يفلت لكن فليكن معك دائماً، راقبه، لاحظه، كن له قدوة، اسأله وجاوب على أسئلته، واجلس معه، وناقشه، وبيّن له ووضّح له وفي النهاية لعلّ الله سبحانه وتعالى يرحمُنا بتربية أولادنا. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| التربية, الإسلام, الإسلامية, تربيةالأولاد, في |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 11 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 11 ) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| التربية الإسلامية تسهم في تنمية القيم الروحية | منال نور الهدى | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 2 | 11-03-2018 09:55 AM |
| التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 12 | 09-22-2018 08:42 PM |
| التربية الإسلامية - الموت | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 5 | 09-06-2018 08:30 PM |
| التربية الاسلامية - مدارج السالكين | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 101 | 07-21-2018 03:54 PM |
| التربية الإسلامية -علم القلوب | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 54 | 07-18-2018 11:42 AM |