![]() |
رد: الحقوق الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع :الانصاف من نفسكالحقوق الاسلامية الدرس : ( السابع العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ماذا فهم النبي من هذه الآية؟ : أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق، ولا زلنا في موضوع حقوق المسلم على المسلم، ومن هذه الحقوق التي بدأنا بها منذ درسين حق السلام، والشيء الذي يلفت النظر: هو أن بعض الناس يظنون أن إلقاء السلام شيءٌ تافه، أو شيءٌ لا يقدِّم ولا يؤخِّر. النبي -عليه الصلاة والسلام- جعل من السلام أداةً لشيوع المحبَّة بين المؤمنين. لذلك كما مهَّدت في الدرس الماضي: أن الإنسان له حياةٌ جسديَّة، وله حياةٌ عقليَّة، وله نفسيَّة، وله حياةٌ اجتماعيَّة، والله سبحانه وتعالى في منهجه الحكيم، وفي قرآنه الكريم قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [سورة الحجرات الآية: 10] وقد فهم النبي -عليه الصلاة والسلام- من هذه الآية: حقوق الأخوَّة في الله، لذلك تجدون بعد قليل: كيف أن هناك توجيهاتٍ نبويةً عديدةً, هدفها الأوحد تمتين هذه الأخوة في الله، بين أن يكون المجتمع مفكَّكاً، بين أن يكون المجتمع متباغضاً متحاسداً متباعداً متنافراً, وبين أن يكون المجتمع متماسكاً, كأنه جسدٌ واحد, إذا اشتكى منه عضوٌ, تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمَّى. هذا الإيمان : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/01.jpg فعن أنسٍ -رضي الله عنه-, عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم- قال: ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ. -معنى ذلك: أن الإيمان ذوق، ومن هذا الذوق أن للإيمان حلاوة, فمؤمن مع انقباض، مع ضيق، مع يأس, ليس هذا مؤمناً، الذي آمن إيماناً صحيحاً, يجب أن يذوق حلاوة الإيمان. ومن توجيه النبي -عليه الصلاة والسلام-: أنه من آمن إيماناً صحيحاً, وجد حلاوة الإيمان. يقول عليه الصلاة والسلام-: ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ. -الإيمان بحث، والإيمان تصديق، والإيمان اتصال بالله عزَّ وجل, والكفر جهل، والكفر تكذيب، والكفر إعراضٌ عن الله عزَّ وجل, هناك بالإيمان جانب فكري، وهناك جانب تصديقي، وكذلك جانب شعوري. فالنبي -عليه الصلاة والسلام- في هذا الحديث بيَّن الجانب الشعوري, فقال-: ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلاوَةَ الإِيمَانِ . ما هي الشروط التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان لكي يذوق حلاوة الايمان؟ : 1-أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما : -بالمناسبة: فهذا الحديث مقياسٌ لنا، إنه وصفٌ للمؤمن كذلك ومقياسٌ لنا، فكل واحدٍ منا يسأل نفسه هذا السؤال: هل تنطبق عليَّ هذه الشروط؟ إذا انطبقت فليفرح, وهنيئاً له، فإذا لم تنطبق, فلا بدَّ من السعي الحثيث حتى يصل إلى هذا المستوى المطلوب، ما هي هذه الثلاث؟ قال عليه الصلاة والسلام- :أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/02.jpg -هذا كلام معناه واضح، وقد يقول كل واحدٍ منا: نعم الله ورسوله أحب إليَّ مما سواهما, فإذا كان الأمر كلاماً فالقضيَّة سهلة جداً، لكن ربنا عزَّ وجل يضع المؤمن في امتحانات صعبة، مصلحته الماديَّة أن يفعل كذا وكذا، إن رضوان الله عزَّ وجل في أن يدع هذه الصفقة، فإذا أخذ صفقةً فيها شبهة وآثرها على رضوان الله عزَّ وجل، يجب أن يعلم علم اليقين أن الله ورسوله ليس أحب إليه مما سواهما, الذي يطيع زوجته ويعصي ربه, ليعلم علم اليقين أن الله ورسوله ليس أحب إليه مما سواهما؛ الذي يؤثر شهوة، الذي يؤثر مخالفة، يؤثر معصية، يؤثر انحرافاً، يؤثر تقصيراً على طاعة الله ورسوله، فهو لا يحب الله ورسوله كحبِّه لهذا الشيء الذي آثره، إذاً نحن الآن أمام مشكلة، لأن الادعاء سهل جداً: وكلٌ يدَّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقرُّ لهم بذاك لك أن تدعي ما شئت، ولكن الله سبحانه وتعالى كفيلٌ بأن يضع المؤمن في ظرفٍ دقيقٍ دقيق، يكشف له وللناس أنه لا يحب الله ورسوله كما يدعي، لذلك فالإنسان يجب أن يتلو هذه الآية ويتدبَّرها: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [سورة العنكبوت الآية: 2] قد تواجهه موقفاً صعباً، قد تُغلق دونك كل الأبواب -أبواب الحلال كلها مغَّلقة- ويفتح الله لك باباً فيه كسبٌ حرام، المؤمن لو قطَّعته إرباً إرباً لا يقترف الحرام، أما ضعيف الإيمان يقول لك: أنا مضطر عندي أولاد, معنى ذلك: أن الله ورسوله ليس أحب إليه مما سواهما-. 2-وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/03.jpg وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ. -محبة الناس لها أسباب, هناك محبَّة أساسها المصلحة، ظاهرها محبة حقيقتها المصلحة، وهناك محبة أساسها القرابة، ومحبة أساسها الشهوة، ومحبة أساسها المتعة، ومحبة أساسها الطمأنينة، يا ترى: هل تحب إنساناً ليس لك معه مصلحة, ولا حاجة، ولا تعتز به، ولا تتقوَّى به، ولا ترجو خيره، ولا تخشى شرَّه، ولا يقدِّم لك شيئاً، ولا يؤخِّر لك شيئاً, لا تحبه إلا لله؟ هذه من علامة الإيمان، أتحب مؤمناً لله؟-. وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) فهذا الذي على حافة، على حرف، فكلمةٌ تأخذه إلى أهل الإيمان، وكلمةٌ تدفعه إلى أهل النفاق هذا ليس مؤمناً . ما علاقة هذا الحديث بموضوع السلام؟ : يا أخوان, حديثٌ دقيقٌ دقيق : ((ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاوَةَ الإِيمَانِ؛ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لا يُحِبُّهُ إِلا لِلَّهِ, وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ)) فيجب علينا أن نقف عند هذا الحديث، وأن نتأمل هذا الحديث، وأن نمتحن أنفسنا في ضوء هذه المقاييس الثلاثة التي جاءت في هذا الحديث . ما علاقة هذا الحديث بموضوع السلام؟ أي أنت إذا أردت أن تحب الآخرين عن طريق إفشاء السلام, فينبغي أن تكون مؤمناً، وهذه صفات الإيمان. ((المؤمنون بعضهم لبعض نصحاء متوادون وإن افترقت منازلهم, والفجرة بعضهم لبعض غششة خونة وإن اجتمعت أبدانهم)) من أجل أن يفشو السلام بيننا، وأن تزداد المحبة، وأن تصبح العلاقات متينة, يجب أن نكون مؤمنين، وهذه صفات أهل الإيمان. من هؤلاء السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة؟ : 1-الإمام العادل : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/04.jpg حديثٌ آخر: عن أبي هريرة -رضي الله عنه-, عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم- يقول: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ؛ الإِمَامُ الْعَادِلُ . -لقد مرَّ معنا في درس الجمعة: كيف أن سيدنا سليمان -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وهو في أعلى درجة من درجات المُلك والقوة- كان أقرب الناس إلى الله عزَّ وجل. فالإمامة قد تكون طريقاً إلى الله عزَّ وجل ولكن بشرط أن يكون الإمام عادلاً، لذلك قيل: العدل حسن لكن في الأمراء أحسن، والورع حسن لكن في العلماء أحسن، والسخاء حسن لكن في الأغنياء أحسن، والصبر حسن لكن في الفقراء أحسن، والتوبة حسن لكن في الشباب أحسن، والحياء حسن لكن في النساء أحسن. فهذا الإمام العادل من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله-. 2-شاب نشأ في طاعة الله : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/05.jpg وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ . -من شبَّ على شيءٍ شاب عليه. من لم تكن له بدايةٌ محرقة لم تكن له نهايةٌ مشرقة. هذا الشاب الذي نشأ في طاعة الله, أصبحت حياته كلها في طاعة الله، له خريف عمرٍ مُشرق، له مستقبل مشرق، له مكانة عند الله كبيرة، هذا الذي نشأ في طاعة الله، والذي آمن في أي سنٍ هو مقبول، وله عند الله شأنٌ كبير، ولكن الشاب إذا نشأ في طاعة الله, يُبنى زواجه على طاعة الله، يُبنى عمله على طاعة الله، تبنى علاقاته الاجتماعيَّة على طاعة الله، الذي يؤمن بوقت متأخر جداً هو أمام زوجة لها مشكلة لا تستجيب له أحياناً، تجعل بيته جحيماً ، له عمل لا يرضي الله، هذا العمل الذي ألفه, فكلَّما فكرت بمعرفة الله, كلَّما جعلت حياتك تسير على وفق مرضاة الله عزَّ وجل-.3-رجل قلبه معلق في المساجد : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/06.jpg وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ . -المؤمن في المسجد كالسمك في الماء، لأنه بيت الله عزَّ وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ * رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [سورة النور الآية: 36-37] ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [سورة النور الآية: 35] فإذا أردت أن تكون طبيباً, فلا بدَّ من أن تتجه إلى الجامعة، المكان الطبيعي لتعلُّم الطب، وإذا أردت أن تكون مؤمناً فلا بدَّ من أن تتجه إلى المسجد، هو المكان الطبيعي لمعرفة الله عزَّ وجل, من خلال ما يلقى فيه من علم، ومن خلال العبادة, وتلاوة القرآن-. 4-رجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/07.jpg وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ, وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ, وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ . -فلا يعرف طعم هذا الكلام إلا من كان له أخٌ في الله, ولا أبالغ إذا قلت: إن أثمن شيءٍ في الحياة أخٌ في الله, يخلص لك الود، يمحضك النصيحة، يقدِّم لك النصيحة، يعينك في الأزمات، يواسيك في النكبات، يفرح لك في المسرَّات، هو يدك اليمنى، قلبك، عينك، سمعك، بصرك, لذلك مما يخفِّف أعباء الحياة، مما يخفِّف على الناس مشاق الحياة, هذه الأخوة في الله، وأصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- كانوا قدوةً لنا في المحبة والتعاون والتآخي، وسوف نرى بعد قليل, في قصة الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف, كيف كان أصحاب النبي -رضوان الله عليهم- قدوةٌ لنا في هذا المجال؟-.5-رجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله : وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ, فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّه . -كنت أقول لكم دائماً: إن هناك تطابقاً أحياناً بين القوانين وبين الشرائع, فالسرقة يحرِّمها الشرع، ويحرِّمها القانون، فالذي لا يسرق ربَّما كان بدافع الخوف من عقوبة الإمام أو الحاكم ، أو ربما كان بدافع الخوف من الله، الأمر ملتبسٌ علينا، ولكن هذا الذي يغض بصره عن محارم الله. هذا الذي تدعوه امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال ولا أحد يعلم بهذه الدعوة، فيقول: إني أخاف الله رب العالمين، هذه الأعمال لا يمكن أن تفسَّر إلا بالإخلاص لله عزَّ وجل-.6-رجل تصدق فأخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه : وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ فأَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ. -وأيضاً إخفاء الصدقة مما يؤكِّد الإخلاص فيه-.7-رجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/08.jpg ((وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)) هذا البكاء بكاء أهل الحب؛ أي أن الإسلام روحه الحب وجسده -إن صحَّ التعبير-؛ هذه العبادات، وهذه الأفعال، وهذه الأوامر، وهذه النواهي، وتلك الشعائر, ولكن روح الإسلام هو الحب، والحب يحتاج إلى جهدٍ كبير، أما إذا امتلأ قلبك حباً لله, تشعر بشعورٍ لا يوصف، لذلك لا ينبغي للإنسان أن يكتفي من الإسلام بمظاهره، بشعائره، بأوامره، بنواهيه، لا بدَّ من أن ينتقل من مستوىً إلى مستوى، إن الاستقامة على أمر الله، وبذل ما آتاك الله في سبيل الله، والتقرُّب إلى الله، وإتقان العبادات, هذا يولِّد في قلبك حباً لله، فإذا شعرت بهذا الحب عرفت ماذا يعني الحب؟ لأن الشاعر يقول: لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها إذاً :((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ؛ الإِمَامُ الْعَادِلُ, وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ, وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ, وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ, وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ, فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ, وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ فأَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ, وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)) هذا الحب في الله ما الذي يفسده؟ : لا زلنا في الحب، لأن إفشاء السلام من أجل الحب، والحب من أجل أن يمكن المجتمع وتشَدُّ أواصره . وعن معاذٍ -رضي الله عنه- قال: ((سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- يقول :قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ)) هذا الحب في الله . الآن: هذا الحب ما الذي يفسده؟ الذي يدعمه أن تكون مؤمناً، والذي يدعمه أن تفشي السلام بين أخوانك، ما الذي يقوِّضه؟ ما الذي يفسده؟. قال عليه الصلاة والسلام: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَخُونُه. -إذا خنت أخاك المسلم فقد قوَّضت هذه المحبَّة- وَلا يَكْذِبُهُ, ولا يَخْذُلُهُ, كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ)) [أخرجه الترمذي في سننه] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/09.jpg العرض هو السمعة، عرض الإنسان موطن المدح والذم فيه، بمجرَّد أن تنال منه، بمجرَّد أن تغتابه فقد نلت من عرضه، وإذا نلت من عرضه تفتَّت المجتمع، ما الذي يجعل هذه المحبة قويةً؟ أن يخلو مجتمع المؤمنين من الخيانة، والكذب، والخِذْلان، والعدوان على الأعراض والأموال والدماء. هذا حديثٌ رواه الترمذي، وقال: حديثٌ حسن، وأصلٌ في التعامل: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَخُونُه ((كَبُرَتْ خِيَانَةً أَنْ تُحَدِّثَ أَخَاكَ حَدِيثًا هُوَ لَكَ بِهِ مُصَدِّقٌ وَأَنْتَ لَهُ بِهِ كَاذِبٌ)) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده] كفى بها خيانة أن تنصحه بشيءٍ لا ينفعه، يحقِّق مصلحتك أنت, ولكن هذا الشيء لا ينفعه ، كفى بها خيانة أن تغشَّه في بضاعاته، كفى بها خيانة أن تغبنه في السعر، فإذا خنت أخاك المؤمن فقد تقوَّضت هذه المحبَّة-. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لا يَخُونُه وَلا يَكْذِبُهُ ولا يَخْذُلُهُ, كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ)) [أخرجه الترمذي في سننه] ماذا فهم العلماء من كلمة بينكم في هذه الآية؟ : وربنا عزَّ وجل قال :﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [سورة البقرة الآية: 188] أروع ما في هذه الآية: أن الله عزَّ وجل جعل مال أخيك مالك، فلم يقل: لا تأكل مال أخيك، بل لا تأكل مالك، لأن هذا المال مالك، فيجب عليك أن ترعاه، وأن تحفظه، وأن تصونه، فلأن تمتنع عن أن تأكله حراماً فهذا من باب أولى، إذا كان مال أخيك هو مالك، ويجب أن تحرص عليه، وأن تصونه، وأن تحفظه, فلأن تمتنع من أكله ظلماً وعدواناً من باب أولى:﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [سورة البقرة الآية: 188] وكلمة بينكم: فهم منها العلماء أن هذا المال يجب أن يكون بين الناس، متداولاً بين كل الناس، فإذا أصبح المال متداولاً بين أيدٍ قليلة فثم مصيبة المصائب، والله سبحانه وتعالى ما حرَّم الربا، وما حرَّم الاحتكار، وما حرم الغش، وما حرم التدليس، وما حرم الكذب، وما حرم إخفاء العيب، وما حرم كل المُحرَّمات في كسب المال إلا: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [سورة الحشر الآية: 7] إذا كانت هذه الكتلة النقديَّة بين كل الناس كان الناس كلهم بخير، أما إذا تداولتها أيدٍ قليلة وقعنا في الطامَّة الكبرى، إذاً :((كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ)) [أخرجه الترمذي في سننه] الخيانة، والكذب، والخذلان، والعداون على الأعراض والأموال والدماء, يفتِّت المحبة بين المجتمع، يصبح المجتمع كالذئاب كلٌ ينقض على أخيه، الأقوى يأكل الأضعف. قال جعفر للنجاشي: كنا قوماً أهل جاهليَّة, نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً, نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحِّده، وندع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان. عن ماذا ينهى النبي في هذا الحديث؟ : حديثٌ آخر: رواه الإمام مسلم ينهى فيه النبي -عليه الصلاة والسلام- عن أعمالٍ كثيرة, من شأنها أن تفسد العلاقة بين المؤمنين. قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام مسلم: ((لا تحاسدوا, ولا تناجشوا . -ما هو التناجُش؟ تكون أنت في السوق، ولك زميلٌ، أو صديقٌ، أو جارٌ, وهو يبيع شيئاً لإنسان، تقول له: خذ مني ثمنه ألف ليرة, أنت لست صادقاً في هذا الشراء، وهذا السعر ليس سعره، ولكن دفعت هذا السعر من أجل أن تغري هذا المشتري بدفع هذا الثمن، هذا بيع النجش، وبيع النجش حرام, لأنه تمثيليَّة لعملية بيع وخداع وغبن، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول-: لا تَحَاسَدُوا, وَلا تَنَاجَشُوا, وَلا تَبَاغَضُوا, وَلا تَدَابَرُوا, وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ -كان السلف الصالح إذا جاءه المشتري الأول يبيعه، فإذا جاء المشتري الثاني, يقول له: اذهب عند جاري, أنا قد بعت البيعة الأولى, ويريد لجاره أن يستفتح كما استفتح هو-. وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ, وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ أخْوَانًا, الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ: لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ وَلا يَحْقِرُهُ, التَّقْوَى هَا هُنَا, وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ, بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما, ومالك في الموطأ] قف هنا : والحديث الأخير المتفق عليه: ((الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لا يَظْلِمُهُ وَلا يُسْلِمُهُ, - من أعان ظالماً سلَّطه الله عليه- . وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ, -لأن أمشي في حاجة أخٍ مؤمن خيرٌ لي من صيام شهرٍ واعتكافي في مسجدي هذا-. وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً, فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بها كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ, وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) [أخرجه أبو داود في سننه] هذه توجيهات النبي التي جاءت من أجل أن تفشوَ المحبة بين المؤمنين، التعمق بالإيمان يزيدك حباً بأخوانك المؤمنين، وإفشاء السلام يزيد هذه المحبَّة, والذي يقوُّضها أن تخونه، أن تكذب عليه، أن تظلمه، أن تسْلمه، أن تعتدي على ماله أو على عرضه أو على دمه، أن لا تقدِّم له المعونة المناسبة، هذا كله في هذه الأحاديث الشريفة. هذه مهمة الشيطان : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/10.jpg عن جابرٍ -رضي الله عنه- قال: ((قال رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ وَلَكِنْ رضي فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُم)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه] فالشيطان دوره خطير جداً في التحريش بين المؤمنين، إشاعة البغضاء، من خلال الغيبة والنميمة, هذا كله يسبِّب العداوات بين المؤمنين، الشيطان يئس أن يعبده الناس بعد الرسالة، ولكن طمع في التحريش بينهم. وفي نهاية المطاف: يقول عليه الصلاة والسلام: ((أَفْشُوا السَّلامَ, وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ, وَصَلُّوا وَالنَّاسُ نِيَامٌ, تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلامٍ)) هل سألت نفسك هذا السؤال؟ : والآن: ننتقل إلى قصة الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف . وقفت وسألت نفسي: أيمكن أن يكون الغني أقرب إلى الله من الفقير؟ قلت: نعم, أيمكن أن يكون الفقير أقرب إلى الله من الغني؟ قلت: نعم, أيمكن أن يكون القوي أقرب إلى الله من الضعيف؟ نعم, أيمكن أن يكون الضعيف أقرب إلى الله من القوي؟ نعم. إذا كان الغني أقرب إلى الله تارةً، والفقير أقرب إلى الله تارةً أخرى، إذاً الغنى والفقر لا علاقة لهما بالإيمان، لكن الغنى يوظَّف في الطريق إلى الله عزَّ وجل، والفقر يوظَّف كذلك. الذي نعرفه جميعاً: أن المؤمن تشتهي منه الغنى، وتشتهي منه الفقر، وتشتهي منه القوة، وتشتهي منه الضعف. ماذا نستنتج من هذه المراحل التي مر بها النبي أثناء دعوته؟ : النبي كان ضعيفاً في الطائف، وقف الموقف الأديب, فقال: ((اللهمَّ إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلَّة حيلتي، وهواني على الناس، يا رب المستضعفين إلى من تكلني؟ إلى عدوٍ ملَّكته أمري؟ إن لم يكن بك غضبٌ علي فلا أبالي, ولك العتبى حتى ترضى, لكن عافيتك أوسع لي)) هذا ضعف، وهو في أعلى درجة من درجات الحب وهو ضعيف. وحينما فتح مكَّة قال :((ما تظنون أني فاعل بكم? قالوا: خيراً؛ أخ كريم وابن أخ كريم)) وهذه قوة. حينما كان غنياً سأله أحدهم: ((لمن هذا الوادي من الغنم؟ قال: هو لك, قال: أتهزأ بي؟ قال: لا والله هو لك)) وحينما كان فقيراً دخل إلى بيته فلم يجد شيئاً يأكله، فقال: ((إني صائم)) فالغنى يوظَّف ولكن لا علاقة له بالإيمان، الإيمان شيءٌ أعظم من ذلك، أعظم من الغنى، وأعظم من الفقر، وأعظم من القوة. ما الذي ينبغي أن نفهمه من هذه المقارنة؟ : سيدنا سليمان كان ملكاً، آتاه الله الملك، فوهب الله له ملكاً, لا ينبغي لأحدٍ من بعده, ومع ذلك كان نبياً مرسلاً, وفرعون آتاه الله الملك، سيدنا عبد الرحمن بن عوف آتاه الله المال، وقارون آتاه الله المال، إذاً: ما الذي ينبغي أن نفهمه من هذه المقارنة؟. يجب أن نفهم أن الإنسان يُمتحن بالغنى ويمتحن بالفقر، يمتحن بالقوة يمتحن بالضعف، يمتحن بالصحَّة ويمتحن بالمرض، ويمتحن بالأمن يمتحن بالخوف, قد يطمئن، أيستغل هذه الطمأنينة في الانسياق وراء شهواته؟ أن يستغل هذه الطمأنينة بمزيد القرب من الله عزَّ وجل, فكل شيءٍ يصيب الإنسان مادة امتحانه مع الله عزَّ وجل. بم تمثل هذه الواقعة؟ : الآن: نشاهد نموذجاً رائعاً من الغنى المؤمن، كيف أن الغنى إذا وصف به المؤمن كيف يكون؟. قالوا: ذات يومٍ والمدينة المنوَّرة ساكنةٌ هادئةً، إذا نَقْعٌ -النقع غبار- يلوح في آفاقها, بعدئذٍ انكشف هذا الغبار والنقع عن جلبةٍ وصوتٍ شديد، ثم لاحت قافلةٌ لم يرَ أهل المدينة مثلها ، قافلةٌ تعد سبعمائة بعير محمَّلةٌ بكل حاجات أهل المدينة؛ الطعام، والشراب، والثياب، وما شاكل ذلك -لا يوجد في الشام، ولا في مصر من بضائع، من حاجات- . هذه السبعمائة راحلة التي وصلت المدينة، رجَّت المدينة رجَّاً، حتى إن السيدة عائشة -رضي الله عنها- سألت: ما الأمر؟ -ما الخبر؟ ما القصَّة؟-, فقالوا: إنها قافلةٌ لعبد الرحمن بن عوف, -قافلة لواحد، تصوَّر سبعمائة شاحنة، حسبتها: يُقدّر طولها بسبعة كيلو مترات، من هنا إلى دوما تقريباً، أو إلى حرستا, هذه السبعمائة راحلة الموثوقة بكل أنواع البضائع، إنها كلها لعبد الرحمن بن عوف-. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/11.jpg فقالت أم المؤمنين: قافلةٌ تحدث كل هذه الرجَّة؟! فقيل لها: أجل يا أم المؤمنين إنها سبعمائة راحلة, وهزَّت أم المؤمنين رأسها, وأرسلت نظراتها الثاقبة، كأنها تبحث عن ذكرى رأتها أو حديثٍ سمعته، ثم قالت -دقِّقوا-: أما إني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- يقول: رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً -أي زحفاً. هناك دخول للجنة وثباً، وهناك دخول هرولةً، ودخول خبباً, ودخول ركضاً، ودخول زحفاً، عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبواً, لماذا لا يدخلها وثباً، وهرولةً، وخبباً، وقفزاً؟-. بعض أصحابه نقلوا له مقالة السيدة عائشة، فتذكَّر عبد الرحمن أنه سمع من النبي -صلى الله عليه وسلَّم- هذا الحديث أكثر من مرَّة، وبأكثر من صيغة، وقبل أن تفضَّ مغاليق الأحمال، وقبل أن توضع هذه الأحمال على الأرض, توجَّه إلى السيدة عائشة وقال لها: -طبعاً من وراء حجاب-: لقد ذكَّرتني بحديثٍ لم أنسه، ثم قال: أما إني أشهد الله أن هذه القافلة بأحمالها وأقتابها وأحلاسها هي في سبيل الله عزَّ وجل. -لماذا لا يدخلها خبباً، قفزاً، هرولةً، ركضاً؟-. وُزِّعت حمولة هذه القافلة على أهل المدينة وما حولها في مهرجان برٍ عظيم، هذه الواقعة تمثِّل نموذجاً من سخاء سيدنا عبد الرحمن بن عوف، هذه واحدة . متى دخل عبد الرحمن بن عوف في الإسلام؟ : من عبد الرحمن بن عوف؟ دخل في الإسلام في وقتٍ مبكرٍ جداً، حينما أسلم لم يكن في الإسلام إلا ثمانية أشخاص، أبو بكرٍ -رضي الله عنه-، وعثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقَّاص، كان من أوائل المسلمين، وقد التقى النبي -عليه الصلاة والسلام- قبل أن يجتمعا بدار الأرقم، ومنذ أن لقي النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى أن توفَّاه الله وهو في الخامسة والسبعين، وهو نموذجٌ باهرٌ للمؤمنين، مما جعل النبي -عليه الصلاة والسلام- يضعه مع العشرة المبشَّرين في الجنَّة، أحد عشر مبشرين بالجنة، وإذا أردت اليقين: ليس هناك إنسانٌ حسب يقيننا بأنه من أهل الجنة إلا هؤلاء العشرة، أما بالظن نرجو الله أن نكون من أهل الجنة، أما باليقين ليس إلا هؤلاء العشرة وهو منهم. بم حظ هذا الصحابي؟ : سيدنا عمر حينما أراد أن يستخلف, جعل عبد الرحمن بن عوف في عداد الستَّة الذين استخلفهم، وقال عنه: لقد توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- وهو عنه راضٍ. يقال: إن هذا الصحابي الجليل كان محظوظاً في التجارة، كان يقول: لقد رأيتني لو رفعت حجراً, لوجدت تحته فضَّةً وذهباً. لكن هذا الصحابي الجليل لم يكن حرصه على المال شغفاً بالثراء، ولكن قرباً من الله عزَّ وجل. إليكم الموقف المشرف لهذا الصحابي الجليل حينما هاجر إلى المدينة : الآن: إليكم هذا الموقف المشرِّف لهذا الصحابي الجليل حينما هاجر إلى المدينة: النبي -عليه الصلاة والسلام- جرى على أن يؤاخي بين كل اثنين من أصحابه، أحدهما مهاجر من مكَّة والآخر أنصاريٌ من المدينة، وكانت هذه المؤاخاة تتم على نسقٍ يُبهر الألباب، فالأنصاري من أهل المدينة, كان يقاسم أخاه المهاجر كل ما يملك، حتى فراشه، ويومئذٍ آخى النبي -عليه الصلاة والسلام- بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع -له قصَّة شهيرة: هذا الذي تفقَّده النبي في أحد، ثم أرسل من يبحث عنه، فرآه صاحبه في عداد الموتى، وهو على وشك الموت فقال: يا سعد لقد كلَّفني النبي أن أبحث عنك، فهل أنت في عداد الأحياء أم في عداد الأموات؟ فقال سعد بن الربيع: بل في عداد الأموات، ولكن بلِّغ عني رسول الله, وقل له: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن أمَّته، وقل لأصحابه: لا عذر لكم عند الله إذا خُلص إلى نبيُّكم وفيكم عينٌ تطرف. هذا سعد بن الربيع هو الذي آخى النبي بينه وبين عبد الرحمن بن عوف. قال سعد بن الربيع لعبد الرحمن بن عوف فيما رواه أنس بن مالك: أخي أنا أكثر أهل المدينة مالاً فانظر شطر مالي فخذه -هذا موقف الكرم، والتضحية، والمؤاثرة، والبذل. الموقف الثاني-: قال له عبد الرحمن بن عوف: بارك الله لك في مالك, ولكن دلَّني على السوق. فذهب إلى السوق فاشترى وباع وربح. بم بشر ابن عوف؟ : النبي -عليه الصلاة والسلام- قال له: يا بن عوف, إنك من الأغنياء، وإنك ستدخل الجنة حبواً, فأقرض الله يطلق لك قدميك. يا بن عوف إنك من الأغنياء وإنك ستدخل الجنة حبواً إلا إذا أقرضت الله، عندئذٍ يطلق لك قدميك فتدخلها خبباً، أو هرولةً، أو قفزاً، أو ركضاً. قال: منذ أن سمع هذا النصح من رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-، وهو يقرض الله قرضاً حسناً, فيضاعفه الله له أضعافاً كثيرة. من مآثر هذا الصحابي الجليل : قالوا: مرَّةً باع أرضاً بأربعين ألف دينار، ثم فرَّقها جميعاً في أهله من بني زُهرة، وعلى أمهات المؤمنين، وفقراء المسلمين . قدَّم يوماً لجيوش الإسلام خمسمائة فرس، ويوماً آخر ألفاً وخمسمائة راحلة, وعند موته أوصى بخمسين ألف دينار في سبيل الله، وأوصى لكل من بقي ممن شهدوا بدراً بأربعمائة دينار, حتى إن عثمان بن عفَّان -رضي الله عنه- أخذ نصيبه من هذه الوصية رغم ثرائه، وقال: إن مال عبد الرحمن حلالٌ صفوٌ, وإن الطُعمة منه عافيةٌ وبركة. ابن عوف لم يكن سيداً لأحد بل كان سيد ماله ولم يكن عبد ماله : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4612/12.jpg شيءٌ مهمٌ جداً -أيها الأخوة-: سيدنا ابن عوف لم يكن سيِّداً لأحد, بل كان سيد ماله ولم يكن عبد ماله. والخلاصة: إما أن تكون سيد مالك، وإما أن تكون عبداً لهذا المال. سيدنا ابن عوف كان سيِّد ماله ولم يكن عبداً لماله؛ أي لم يشقَ بجمعه واكتنازه، بل سعد بكسبه وإنفاقه، لم يكن شقياً بجمعه واكتنازه بل كان سعيداً بكسبه وإنفاقه، يجمعه هوناً -بالهدوء- ومن حلال، ثم لا ينعم به وحده, بل ينعم بهذا المال أهله، ورحمه، وأخوانه، ومجتمعه كله, حتى بلغ من سعة عطائه, أنه قد قيل: أهل المدينة جميعاً شركاء لابن عوف -كل أهل المدينة شركاءٌ له في ماله-, ثلثٌ يقرضهم، وثلثٌ يقضي عنهم ديونهم، وثلثٌ يصلهم ويعطيهم, فالمؤمن الغني تتسع رقعة إحسانه إلى مسافات كبيرة جداً. انظر إلى زهد ابن عوف : قالوا: جئ له يوماً بطعام الإفطار وكان صائماً، فلما وقعت عليه عيناه فقد شهيته وبكى، وقال: استشهد مصعب بن عمير وهو خيرٌ مني، فكُفِّن في بردةٍ إن غطَّت رأسه بدت رجلاه، وإن غطَّت رجلاه بدا رأسه، واستشهد حمزة وهو خيرٌ مني, فلم يجدوا له ما يُكفَّن فيه إلا بردة ، ثم بسط لنا من الدنيا ما بُسط، وأعطينا منها ما أعطينا، وإني لأخشى أن نكون قد عُجِّلت لنا حسناتنا, ثم أمر برفع الطعام. ومرَّة ثانية: اجتمع مع أصحابه على طعام، فلما رآه بكى، وقيل له: يا أبا محمد ما يبكيك ؟ قال: لقد مات رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- وما شبع هو وأهل بيته من خبز الشعير، وما أرانا أُخرنا لما هو خيرٌ منه. هذه عادة الأغنياء : ((أحب ثلاثاً وحبي لثلاثٍ أشد: أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد، أحب الكرماء وحبي للفقير الكريم أشد، أحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد, وأبغض ثلاثاً وبغضي لثلاثٍ أشد؛ أبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد، أبغض المتكبرين وبغضي للفقير المتكبر أشد، وأبغض البخلاء وبغضي للغني البخيل أشد)) هناك عادةٌ عند كل الأغنياء: هي أنهم يحبون أن يتقرَّبوا, من أهل القوة، من الأمراء, ليزدادوا شأناً على شأن، وقوةً على قوة. من الذي اختار عثمان بن عفان للخلافة بعد موت عمر؟ : هذا الصحابي الجليل الذي يعدُّ من أغنى أصحاب رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، جعله سيدنا عمر من بين الستة الذين اختارهم للخلافة من بعده, فاتحه بعض أصحابه, فقالوا له: إنك أحق الستة بالخلافة -فماذا قال؟- قال: والله لأن تؤخذ مُديةٌ -سكين- فتوضع في حلقي, ثم ينفذ بها إلى الجانب الآخر, أحب إليَّ من ذلك. فلما اجتمع مع الستَّة أعلن انسحابه من هذا الترشيح, وقال: أنتم أيها الخمسة اختاروا أحدكم, فلما انسحب هو من هذا الترشيح, كلَّفوه هو أن يختار أحدهم، فاختار هذا الصحابي الجليل سيدنا عثمان بن عفان، الخليفة الثالث الراشد. ما هي المزية التي خص بها هذا الصحابي الجليل: قال له الإمام عليٌ -كرَّم الله وجهه-: لقد سمعت النبي -عليه الصلاة والسلام- يصفك, ويقول: بأنك أمينٌ في أهل السماء، أمينٌ في أهل الأرض. السيدة عائشة أم المؤمنين أرادت أن تخصَّ هذا الصحابي بشرفٍ لم تخصَّ به أحداً سواه، فتعرض عليه وهو على فراش الموت, أن يُدفن في حجرتها إلى جوار النبي -عليه الصلاة والسلام-، وإلى جوار أبي بكرٍ وعمر، ولكن عبد الرحمن بن عوف أحسن الإسلام تأديبه، فيستحيي أن يرفع نفسه إلى هذا الجوار، وهو على موعدٍ سابقٍ وثيقٍ مع عثمان بن مظعون، إذ تواثقت بينهما المودَّة, وقال أحدهم للآخر: أيهما مات بعد الآخر يدفن إلى جوار صاحبه. وبينما كانت روحه تتهيَّأ لرحلتها الجديدة, كانت عيناه تفيضان من الدمع، ولسانه يتمتم ويقول: إني أخاف أن أحبس عن أصحابي لكثرة ما كان لي من مال, ثم عادت ذاكرته إلى قول النبي عليه الصلاة والسلام, وهو الذي لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحيٌ يوحى، سمع قول النبي الذي قاله مرَّةً: عبد الرحمن بن عوفٍ في الجنَّة. وقد انطبقت عليهم الآية الكريمة : ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 262] التعقيب على هذه القصة : التعقيب على هذه القصَّة: يمكن أن توظِّف الغنى للتقرُّب من الله عزَّ وجل، فإذا كنت غنياً فكن متواضعاً، وكن سَموحاً، وكن سخياً، وإذا كنت فقيراً فكن صابراً، متجمِّلاً، عفيفاً، وإذا كنت قوياً فتواضع لله، واجعل هذه القوة في سبيل الله، وإذا كنت ضعيفاً, فادعُ الله سبحانه وتعالى أن ينصرك، وإذا كنت صحيحاً فوظِّف هذه الصحَّة لخدمة الخلق، وإذا كنت مريضاً فاجعل هذا المرض قربةً إلى الحق، وهكذا .... الإنسان حالته الحاليَّة، ما هو فيه امتحانٌ له. |
رد: الحقوق الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : رد السلامالحقوق الاسلامية الدرس : ( الثامن العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.ما هي الصيغة التي ألقاها النبي لإلقاء السلام ورده؟ : أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق، وقد وصلنا في موضوع الحقوق إلى حق المسلم على المسلم، ومن حق المسلم على المسلم السلام، وتحدثنا في درسين سابقين عن فضل إلقاء السلام، وعن وجوب رد السلام، وبقي علينا اليوم أن نتحدث عن الأحكام الفقهية المُتعلقة بالسلام . بادئ ذي بدء: يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه عمران بن حصين : قال عمران بن حصين: جاء رجلٌ إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: السلام عليكم, فرد صلى الله عليه وسلم السلام ثم جلس، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- عشرٌ, ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله, فرد عليه الصلاة والسلام السلام, وجلس, وقال النبي الكريم: عشرون, وجاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, فرد وجلس وقال عليه الصلاة والسلام: ثلاثون. فهم من ذلك: أن السلام التام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هذا السلام ينال ثلاثة أمثال السلام الأول، هذه صيغةٌ من صيغ السلام. وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((قال رسول الله -صلى الله عليها وسلم- لها: هذا جبريل يقرأ عليكِ السلام, قالت عائشة: وعليك وعليه السلام ورحمة الله وبركاته)) إذاً: كلمة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، ورد السلام: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته, هذه هي الصيغة التي اختارها النبي -صلى الله عليه وسلم- لإلقاء السلام ورد السلام. مما يكره استعماله : الصيغ الأخرى التي تعرفونها: أنعِم صباحاً، أنعِم مساءً، عِم صباحاً، عِم مساءً، أسعد الله أوقاتكم، أسعد الله صباحك، أسعد الله مساءك، هذه الصيغ التي يستعملها الناس, الأولى منها أن نستعمل تحية الإسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته, لأن السلام اسمٌ من أسماء الله عزَّ وجل . وهناك تحيات يستخدمها المتفرنجون، كلكم يعرفها، هذه التحيَّات مكروهٌ استعمالها, لأن فيها تقليداً للكفار، واعتزازاً بهم، واشتياقاً إلى أن يكون المُسَلِّمُ مثلهم، التحيَّات التي يستخدمها الأجانب، والتي أصبحت إلى حدٍ ما معرَّبة، هذه التحيات يظنها بعض الناس دليل رقيٍ وحضارةٍ, هذه في نظر الإسلام إلغاء ورد لتحية الإسلام، واستبدال الذي أدنى بالذي هو خير ، وإن طرح السلام بصيغة سلام الأجانب, نوعٌ من أنواع التشبُّه بهم والاعتزاز بهم, فلنحذر منذ اليوم ألا نطرح سلامهم ولا نرد التحية بمثل ردّهم. ما حكم إلقاء السلام وما حكم رده في الشرع الإسلامي؟ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/01.jpg الله سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [سورة النساء الآية: 86] بعضهم يقول: طرح السلام سُنَّة، لكن رد السلام واجب؛ أي إذا قال لك أحدهم: السلام عليكم, فهذا قد طبق السنة، أما أنت إذا ألقي عليك السلام فردّك على هذا السلام واجبٌ, والواجب -كما تعلمون- قريبٌ من الفرض، بل هو عند بعض الأئمة هو الفرض نفسه. والله سبحانه وتعالى حينما قال : ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا﴾ [سورة النساء الآية: 86] ليس هناك فرقٌ بين أن يكون هذا الذي سلَّمت عليه مسلماً أو غير مسلم، لأن الآية عامَّة ، ولا شيء يخصصها إلا بعض الأحاديث التي ترد بعد قليل. علام استدل جمهور العلماء في هذا الحديث؟: النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما رواه الإمام البَيهقي يقول: ((إن الله تعالى جعل السلام تحيةً لأمتنا وأماناً لأهل ذمتنا)) أي أنك إذا سلمت على غير المسلم, فهذه طريقةٌ من طرق بث الطمأنينة فيه، وإذا سلَّمت على مسلم, فهذا نوعٌ من أنواع التحية التي أمرنا الله سبحانه وتعالى بها. استدل جمهور العلماء على أن رد السلام على كل مُسَلِّم مسلماً كان أو كافراً لا يختلفان إطلاقاً، فأنت إذا ألقي عليك سلام, يجب أن ترد على هذا السلام ولا يعنيك من هو المُسَلِّم. على ماذا تحض هذه الأحاديث؟ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/02.jpg الآن ندخل في موضوع آخر من السلام: السلام على أهل بيتك، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- فيما رواه الإمام أنس بن مالك، قال عليه الصلاة والسلام: ((يا أنس, أسبغ الوضوء يزد في عمرك، وسلِّم على من لقيك من أمتي تكثر حسناتك، وإذا دخلت بيتك فسلِّم على أهلك، يكثر خير بيتك، وصلاة الضحى فإنها صلاة الأوَّابين، يا أنس, ارحم الصغير ووقر الكبير تكن من رفقائي يوم القيامة)) يعنينا من هذا الحديث إلقاء السلام على أهل البيت: وسلم على أهل بيتك، يكثر خير بيتك . وفي حديثٍ آخر: يقول عليه الصلاة والسلام: ((إذا ولج أحدكم بيته فليقل: اللهم إني أسألك خير الولوج وخير الخروج, وبسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا, وعلى الله توكلنا, ثم يسلم على أهله)) وعن زيد بن أسلم, أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((إذا دخلتم بيتاً فسلموا على أهله، واذكروا اسم الله, فإن أحدكم إذا سلَّم حين يدخل بيته, وذكر اسم الله تعالى على طعامه, يقول الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم هنا ولا عشاء)) إذا دخل إلى البيت فسلم على أهل بيته، يقول الشيطان لأصحابه: لا مبيت لكم هنا، فإذا وضع الطعام وسمى الله قبل أن يأكل، يقول الشيطان لأصحابه: ولا عشاء لكم اليوم, فإذا دخل بيته وسلم على أهله وسمى على طعامه, يقول الشيطان: لا مبيت لكم ولا طعام في هذا البيت . أما إذا لم يسلم على أهل بيته، ولم يذكر الله على طعامه, يقول الشيطان لأخوانه: أدركتم المبيت والعشاء . ما هي المنعكسات التي يطرحها البيت الذي يسود فيه المحبة: وعن أنسٍ -رضي الله عنه-, قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((يا بني, إذا دخلت على أهلك فسلم تكن بركةً عليك)) فالبيت جنة المؤمن، جنته داره، فإذا كانت علاقته طيبةً بأهله وأولاده يسعد في داره، وإذا سعد الإنسان في داره, خرج إلى الناس وهو سليم الصدر, وكان إنتاجه طيِّباً، فالإنسان يقاس إنتاجه بمدى نجاحه في بيته، فهذا البيت، هذا العُش، هذه اللبنة الأولى, هي أصل صلاح المجتمع، إذا صلحت الأسرة صلح المجتمع، فلذلك: على كل زوجٍ, أو على كل أبٍ: أن يحرص حرصاً بالغاً على سلامة العلاقة بينه وبين أهله، وبينه وبين أولاده، فكلما كانت العلاقة طيِّبةً، والعلاقة علاقة محبةٍ واحترام وودٍ, انعكس هذا في عمله، وانعكس هذا في علاقاته الخارجية. ما حكم السلام على أهل البيت؟ : فلذلك: إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم, تكن بركةً عليك وعلى أهل بيتك. وفي حديثٍ آخر: ((إذا دخلت على أهلك فسلم عليهم, تحيةً من عند الله مباركةً طيبة)) وبعد: فقد قال العلماء: أواجبٌ إذا خرجت من بيتك ثم دخلت أن تسلم عليهم؟ . قال بعضهم: لا، لكن هو أحب إلي, فمن منكم يصَّدق أن أصحاب النبي -عليهم رضوان الله- كان الصاحبان إذا مشيا معاً, وفرقت بينهما شجرة, يقول أحدهما للآخر: السلام عليكم؟ . وإذا كان عندك أخٌ كريم, وخرجت من غرفة الضيوف, وعدت إليها, فقل: السلام عليكم, هذا اسم الله عزَّ وجل، وكلما ألقيت السلام نمت المودة بين المؤمنين، وهذه طريقةٌ سحريةٌ في تمتين العلاقة بين الأخوة المؤمنين . إذا دخلت مسجد النبي -عليه الصلاة والسلام-, فقل: السلام على رسول الله, هذا أيضاً مما قاله بعض التابعين، وإذا دخلت على أهلك فسلم عليهم، وإذا دخلت بيتاً ليس فيه أحد, فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. ما حكم السلام على الصبيان؟ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/03.jpg ما حكم السلام على الصبيان؟ . ورد عن أنسٍ -رضي الله عنه-: ((أن النبي -عليه الصلاة والسلام- مر على صبيان فسلم عليهم)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما] وكان عليه الصلاة والسلام يفعل هذا دائماً, فهذا الصبي الصغير يجب أن تهتم به. كلكم يعلم: أن سيدنا عمر -رضي الله عنه- حينما كان يمشي في المدينة، رأى مجموعةً من الغِلمان، لما رأوه تفرقوا، إلا واحداً منهم, قال: يا غلام لمَ لمْ تهرب مع من هرب؟! قال: أيها الأمير, لست ظالماً فأخشى ظلمك, ولست مذنباً فأخشى عقابك, والطريق يسعني ويسعك . ومثل هذا الغلام, فقد دخل مرة على سيدنا عمر بن عبد العزيز وفد من الحجاز, ويتقدم الوفد غلام، فامتعض سيدنا عمر منه لما أراد أن يتحدث باسم الوفد, وقال: اجلس أيها الغلام وليقم من هو أكبر منك سناً, فقال: أصلح الله الأمير, المرء بأصغريه قلبه ولسانه, -فإذا وهب الله العبد لساناً لافظاً وقلباً حافظاً فقد استحق الكلام-, ولو أن الأمر كما تقول, لكان في الأمة من هو أحق منك بهذا المجلس. أي أن هذا الصغير إذا عرف أن المسلمين يقدِّرونه، ويقدرون وجوده في المسجد، ويحبون وجوده في المسجد، ويكرمون وجوده في المسجد، فإنه ينشأ على حب بيوت الله، وهذا الشاب الذي تعلَّق قلبه في المساجد من السبعة الذين يظلهم الله تحت ظله يوم لا ظل إلا ظله. إذاً: من السنة أن تسلم على الصبيان، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((من كان له صبيٌ فليتصابى له)) وكلكم يعلم: كيف كان يركب الحسن والحسين على ظهره الشريف ويقول: ((نعم الجمل جملكما! ونعم العدلان أنتما)) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير] وكيف كانت الجارية -أي البنت الصغيرة- تأخذه من يده -صلى الله عليه وسلم-, وتقوده حيث شاءت. والنبي -عليه الصلاة والسلام- في بعض الأحاديث يقول : ((لاعب ولدك سبعاً، وأدبه سبعاً، وراقبه سبعاً، ثم اترك حبله على غاربه)) على كلٍ؛ طرح السلام من الإسلام، صغيراً كان أو كبيراً، قريباً أو بعيداً، مسلماً أو غير مسلم، لكني أضرب مثلاً: فلو أن واحداً مشى في سوق الحميدية اليوم، أو في أيام الازدحام، أو في أيام الأعياد, فهل عليه أن يطرح السلام على كل أولئك؟ لا، ليس هذا وارداً إطلاقاً. ما حكم السلام في السوق, وما الحكم الذي يمكن أن نستخلصه من السلام؟ : قيل: إذا مشى المسلم في السوق أو في الشوارع المطروقة ونحو ذلك مما يكثر فيه المتلاقون، فإن السلام يكون في هذه الحالة لبعض الناس دون بعض، لمن تعرف, دخلت إلى محل تجاري: السلام عليكم, دخلت إلى المسجد، دخل معك شخص، حازاك في الدخول, قل: السلام عليكم, أما في الأسواق المزدحمة: ليس من المعقول أن تطرح السلام على كل الناس . على كلٍ؛ من حِكَمِ السلام أنه به تستكسب الود وتستدفع المكروه، قد يلقاك شخص شرير، فإذا سلمت عليه انطفأت شرته، فالسلام أحياناً تستجلب به المودة أو تستدفع به المكروه ، فإذا كان شخص يخشى شره وسلَّمت عليه وكنت معه لطيفاً، ربما صرف النظر عن إيذائك, هذا من حكمة السلام. إذا جاء في الخطاب لفظ السلام فهل على القارىء رد السلام؟ : والآن: عندنا أحكام أخرى لحالات أخرى: أنه إذا جاء في الخطاب لفظ السلام، تقرأ رسالة، تقرأ في مقدمة الرسالة: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال العلماء: يجب أن تقول: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته, أن ترد على السلام المكتوب، هذا حكمٌ فقهي. وعن عائشة أنها قالت: ((قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- :يا عائشة, هذا جبريل يقرأ عليك السلام, قالت: قلت: وعليك وعليه السلام ورحمة الله وبركاته)) أي إذا ألقي عليك السلام مباشرةً وجهاً لوجه, لا بد من أن ترد السلام، وإذا جاءك السلام مكتوباً، أو جاءك على لسان إنسانٍ آخر، يجب أن تقول: عليك وعليه السلام, كما علمنا النبي عليه الصلاة والسلام. فعن غالب القطان, عن رجلٍ قال: ((حدثني أبي عن جدي, قال: بعثني أبي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: ائته فأقرئه السلام, فأتيته فقلت: يا رسول الله, إن أبي يقرئك السلام, فقال عليه الصلاة والسلام: عليك السلام وعلى أبيك السلام)) إذاً: طرح السلام مباشرةً لا بدَّ له من رد، إذا جاء السلام كتابةً لا بدَّ له من رد، إذا جاء محمولاً عن طريق شخصٍ ثالث, لا بدَّ له من أن تقول: عليك وعليه السلام . إذا كان المؤمنون جماعة فما حكم طرح السلام؟ : الآن: إذا كان المؤمنون جماعةً فطرح السلام سنة كفاية، إذا قام به أحدهم سقط عن الباقي, وإذا كان المطروح عليهم السلام جماعة فردُّ السلام واجب كفاية، إذا كان الذي طرحت عليه السلام واحداً رد السلام واجب عين، وإذا كان الذي طرحت عليه السلام جماعةً رد السلام واجب كفاية، طرح السلام من جماعة سنة كفاية، طرحه من واحد سنة عَيْن، هذا حكم السلام. طبعاً: الحكم المعروف طرح السلام سنة، ورده فرضٌ أو واجب والواجب أولى . إليكم هذه الأحوال التي يكره فيها طرح السلام: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/04.jpg الآن: هناك أحوالٌ يكره فيها طرح السلام: فالإنسان إذا كان يبول في سفر مضطراً، لا يجوز أن تطرح عليه السلام، أو إذا كان يصلي، أو إذا كان يؤذِّن، أو إذا كان يقيم الصلاة، أو إذا كان في الحمام -أي يغتسل-, فطرح السلام على هذا الإنسان لا يجوز، أو إذا كان في فمه لقمة، أو وهو يأكل, وهو يبتلع الطعام، فإذا طرحت عليه السلام فأجابك، فإنه يتضايق ويشعر بحرج بين الرد وبلع الطعام. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/05.jpg أما السلام في حال خطبة الجمعة فمكروه، أي في أثناء خطبة الجمعة, وفي مجالس العلم السلام مكروه, لأنه كلما دخل إنسان, قال: السلام عليكم, فأجابوه: وعليكم السلام, تبلبل الدرس، وشردت أذهان الحاضرين, ففي خطبة, وفي مجلس العلم، لا يجوز أن تطرح السلام ، دخولك إلى المسجد هو السلام. وكذلك لا يجوز أن تطرح السلام على من يقرأ القرآن، فالأولى ترك السلام عليه . ما يتعلق في باب المصافحة والمعانقة : الآن: ندخل في بابٍ آخر باب المصافحة والمعانقة: عن حذيفة بن اليمان -رضي الله عنه-, عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه, وأخذ بيده فصافحه، تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر)) [أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط] إذاً: فهم من هذا الحديث: أن السلام بين المؤمنين, إذا ألقى أحدهما الآخر, فيكفيه أن تسلم عليه بلسانك وتصافحه بيمينك. وعن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما رواه سلمان بن الفارسي, أنه قال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/06.jpg ((إن المسلم إذا لقي أخاه فأخذ بيده, تحاتت ذنوبهما كما يتحات الورق عن الشجرة اليابسة في يوم ريحٍ عاصف)) إذاً: هذا السلام وهذه المصافحة، مما أكدهما النبي -عليه الصلاة والسلام- في أكثر من حديث. وعن أنسٍ -رضي الله عنه- قال رجلٌ: ((يا رسول الله, الرجل منا يلقى أخاه أو صديقه أينحني له؟ قال: لا, قال: أفيلتزمه ويقبله؟ قال: لا, قال: فليأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم)) إذاً: النبي نهى عن أن ننحني لبعضنا بعضاً، ونهى أيضاً عن أن يلتزم بعضناً بعضاً, ويقبل بعضناً بعضاً, إلا لحديثٍ آخر نراه بعد قليل . حدثني عبد الله بن طاووس, عن أبيه, عن عبد الله بن عباس ((أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لما قدم جعفر من أرض الحبشة, اعتنقه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقبل ما بين عينيه, وكان جعفر أشبه الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم)) إذاً: فهم أنه إذا قدم الإنسان من سفر، وكان لقاءٌ بعد غيابٍ طويل، السنة أيضاً: أن تلتزمه, وأن تعتنقه, وأن تقبله، هذه السنة, أما التقبيل بين الآونة والأخرى: فهذا ليس من السنة، المصافحة من السنة، طرح السلام من السنة . من آداب السلام : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/07.jpg من آداب السلام : أن يسلِّم الراكب على الماشي، والماشي على القاعد، والقليل على الكثير. ومن آداب السلام أيضاً : ((إِذَا انْتَهَى أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَجْلِسِ فَلْيُسَلِّمْ, فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ فَلْيُسَلِّمْ, فَلَيْسَتِ الأُولَى بِأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ)) لكن السنة: إذا دخلت إلى جماعة, وسلمت عليهم, وصافحتهم واحداً واحداً, فليس عليك أن تصافحهم حينما تغادرهم، لك أن تقول: السلام عليكم, فالمصافحة عند الدخول فقط وعند الاستقبال، أما عند الوداع يجزئك من السلام, أن تقول: السلام عليكم وتذهب . من هم أبخل الناس؟ : هناك بعض أحكامٍ أخرى متعلقةٍ بالسلام : روى الإمام البخاري في صحيحه, في الأدب المفرد, عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((أبخل الناس الذي يبخل بالسلام . -أنت صاحب محل وعندك صانع، دخلت على المحل, فقل له: صباح الخير، السلام عليكم ، الله يعطيك العافية, ماذا تكلفك هذه؟ هذه تبث في نفسه الحب، تبث في نفسه الطمأنينة. هناك أشخاصٌ من أصحاب المحلات مثلاً, يبخلون بإلقاء السلام, بحجة أن هذا ليس شأنه من شأني . هنا المشكلة، وهذا هو الكبر حقاً، يجب أن تسلم على كل من تلقاه على من حولك، لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول-: إن أبخل الناس من بخل بالسلام, وأعجز الناس من عجز عن الدعاء)) إذا كان الله عزَّ وجل يقول : ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [سورة غافر الآية: 60] ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 186] والله سبحانه وتعالى على كل شيءٍ قدير وبالإجابة جدير، وأمرنا أن ندعوه، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليستجيب لنا, فتبخل أن تدعوه !!. ما حكم السلام على الفاسق والمبتدع؟ : لكن الأحكام الشرعية المتعلِّقة بطرح السلام على بعض الأشخاص دقيقةٌ جداً . فقد روى البخاري أيضاً, عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ((لا تسلموا على شارب الخمر)) إنسان شارب خمر, تقول له: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعليك السلام, أنت كأنك تقره على عمله، هذا السلام بين المؤمنين، هذا المتلبس بالمعصية الذي لا يأبه بهذه المعصية من المسلمين لا ينبغي أن تسلم عليه. وقد ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجوز في الأصل أن تسلم على الفاسق ولا المبتدع, فإن اضطرت إلى السلام بأن خفت أن تترتب مفسدةٌ في دينٍ أو دنيا فلك أن تسلم عليه؛ أي إذا كان عدم سلامك على هذا الفاسق أو المبتدع أو شارب الخمر، يترتب عليه -أي عدم السلام- مفسدةٌ كبيرة في الدين والدنيا فينبغي أن تسلم عليه، هذا هو الحكم الشرعي. فمثلاً: إنسان لو لم تسلم عليه لجاءك منه شرٌ خطير، عندئذٍ سلم عليه إتقاءً لشره، مع العلم أنه: شر الناس من اتقاه الناس مخافة شره. بعض العلماء قال: ينوي المسلم أن السلام من أسماء الله عزَّ وجل, فإذا قلت: السلام عليكم؛ أي أن الله رقيبٌ عليكم, هذه نية مقبولة . انظر إلى هذا القول للسادة الأحناف : حتى إن السادة الأحناف قالوا: إن ترك السلام على من يتعاطى خوارم المروءة، من باب التأديب أولى. من يتعاطى خوارم المروءة؛ أي كل عملٍ يخل بمروءة الإنسان، من جراء هذا العمل يجب أن يشعر هذا العاصي أنه منبوذ اجتماعياً. وتعلمون موضوع العدالة كيف أنها تسقط وكيف تجرح؟ تسقط عمّن حدّث الناس وكان كاذباً إذاً تسقط بالكذب، وعاملهم فكان ظالماً إذاً تسقط بالظلم، ووعدهم فأخلفهم إذاً تسقط بإخلاف الوعد، فإذا كان صادقاً غير ظالم ولا يخلف وعده, فهو ممن كملت مروءته, وظهرت عدالته, ووجبت أخوَّته, وحرمت غيبته. وتعلمون أن الأكل في الطريق، والمشي حافياً في الطريق، والبول في الطريق، وأكل لقمة من حرام، وتطفيفٌ بتمرة، وصحبة الأراذل، والحديث عن النساء، من أطلق لفرسه العنان لإيذاء الناس، من قاد برزوناً، هذا كله مما يجرح العدالة. السادة الأحناف قالوا: إن هؤلاء الذين يفعلون أفعالاً تسيء إلى مروءتهم وعدالتهم, يجب أن نؤدبهم. ولكن الأحكام تتغير بتغير الأزمان، حينما يكون الجو العام جواً صحياً, فيه استقامةٌ طيبةٌ من المجتمع، إذا خرج أحدهم عن هذا الخط يجب أن يؤدب، أما إذا فشا هذا الانحراف، فصار عدم إلقاء السلام, لا يؤدي الهدف الذي أراده العلماء من هذا الحكم الذي استنبطوه, فالأمر عندئذٍ يختلف والإنسان له فيه عذره. ما حكم من قبل يد غني لدنياه وثروته وشوكته؟ : الآن قالوا: من قَبَّلَ يد غنيٍ لدنياه، وثروته، وشوكته، وجاهه، ونحو ذلك, فإن هذا مكروهٌ كراهةً شديدة، بل إنه يرقى إلى حكم الحرام. وكلكم يعلم : ((َمَنْ دَخَلَ عَلَى غَنِيٍّ فَتَضَعْضَعَ لَهُ ذَهَبَ ثُلْثَا دِيِنِه)) من جلس إلى غنيٍ يبتغي من ماله, فتضعضع له, -تمسكن، تذلل-، ذهب ثلثا دينه. ومن التضعضع له: أن تقبَّل يده من أجل الطمع في المال أو الثروة أو الشوكة أو الجاه، هذا أيضاً مكروهٌ كراهةً شديدة، بل إن بعض العلماء ومنهم النووي, قال: حرام. ما حكم التقبيل وما حكم تقبيل اليد؟ : شيٌ آخر: يقولون: ما حكم التقبيل؟ قالوا: تقبيل الأرض والأقدام أمام العظماء والملوك، وتقبيل أيدي السيِّدات الأجنبيات كما هي الحالة في بعض العادات والتقاليد، وتقبيل أيدي الفتيات المُراهقات في المجتمعات وعند المقابلات، هذا منكرٌ إنكاراً شديداً. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/08.jpg ما حكم تقبيل اليد؟ قالوا: حكم تقبيل اليد: نابعٌ من الباعث لهذا التقبيل، فقد يكون التقبيل أساسه بقصد الخضوع وإعلان العظمة هذا الباعث غير مشروع، وقد يكون بقصد إشباع الغريزة تحت ستار التحيَّة وهذا الباعث غير مشروع، وقد يكون تلبيةً للشفقة والرحمة للوالدين وهذا الباعث مشروع، وقد يكون اعترافاً بفضلٍ، وهكذا تتنوع بواعث التقبيل ويأخذ حكم التقبيل حكم الباعث. إذا كان الباعث التعظيم والتبجيل أو الشهوة الخفية فهذا تقبيلٌ محرم، إذا كان الباعث إكرام الأم والأب، وإشعارهما بأن هذا الابن بارٌ بهما, فهذا الباعث مقبول. والله سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ [سورة الإسراء الآية: 24] بعض الفقهاء يقول: تقبيل المودة للولد يكون على الخَد -الطفل الصغير يُقبل على خده-, وتقبيل الرحمة للوالدين يكون بتقبيل الرأس واليدين، وتقبيل الشفقة للأخ يكون على الجبهة. بقي علينا موضوع القيام: يقول عليه الصلاة والسلام: ((مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ عِبَادُ اللَّهِ قِيَامًا, فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ)) هذا رأي الأحناف في موضوع السلام على الشابة الأجنبية : الآن: هناك حكم رد السلام على الأخت المسلمة: جاء في حاشية ابن عابدين الحكم التالي : إذا عطست شابةٌ مسلمةٌ في حضرتك فلا يجوز أن تشمِّتها -يرحمك الله, هذه ليست واردة إطلاقاً- ولا يسلم عليها, فإذا سلمت عليه يرد السلام بلسانه إن كانت متقدمةً في السن، وبقلبه إن كانت شابة، إذا سلَّمت امرأةٌ أجنبيةٌ على رجل, إن كانت عجوزاً رد عليها بلسانه بصوتٍ يسمع، وإذا كانت شابة رد عليها في قلبه، وإذا سلم الرجل على امرأةٍ أجنبية، فالجواب فيه تماماً بالعكس، إذا كان المسلم شيخاً كبيراً ردت عليه السلام بلسانها، فإن كان شاباً ردت عليها السلام بقلبها. هذا رأي السادة الأحناف في موضوع السلام على الشابة الأجنبية. عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-, عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((السلام اسمٌ من أسماء الله تعالى وضعه في الأرض فافشوه بينكم)) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والبزار في مسنده] هذه عن أحكام السلام، وأحكام التقبيل، وأحكام القيام، وما يتبع ذلك من أحكام. لمحة عن حياة زيد بن ثابت : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/09.jpg والآن إلى قصة صحابيٍ جليل: حينما تمسك بيدك المصحف وتقرأ، فلتعلم أن عليك دَيْنَاً يجب أن تؤدِّيه لصحابيٍ جليلٍ جداً, كان له باعٌ طويل في جمع المصحف، إن هذا الصحابي الجليل هو سيدنا زيد بن ثابت، هو الصحابي الأول الذي جمع القرآن في عهد سيدنا أبي بكرٍ وعمر وفي عهد سيدنا عثمان، فكلما أمسكت مصحفاً, ورأيت الآيات يأخذ كل منها بعناق بعضٍ، ورأيت هذه السور، فإن الفضل الأول لجمع القرآن لهذا الصحابي الجليل. هو أنصاري من السادة الأنصار، كانت سِنُّه يوم قدم النبي -عليه الصلاة والسلام- المدينة أحد عشر عاماً، شيء يدعو للعجب، سيدنا أسامة بن زيد قاد جيشاً كبيراً عرمرماً بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام, وكانت سنه لا تزيد عن سبعة عشر عاماً. -تقرأ عن أصحاب النبي الشباب الشيء الذي لا يصدق، أين شبابنا في هذه السن من هؤلاء الشباب الأصحاب الذي ملؤوا كتب التاريخ ببطولاتهم الفذة؟-. فهذا الصحابي الجليل الذي ندين جميعاً له في قراءة القرآن، حينما دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- المدينة مهاجراً, كانت سِنُّه لا تزيد عن أحد عشر عاماً، وأسلم الصبي الصغير مع المؤمنين، وبارك دعوة النبي -عليه الصلاة والسلام- وصحبه أبوه معه إلى غزوة بدر، ولكن النبي -عليه الصلاة والسلام- رده لصغر سنه. لم لم يأذن النبي لزيد بن ثابت أن يكون في صفوف المجاهدين في غزوة أحد؟ : وفي غزوة أُحد ذهب جماعة من أترابه إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- يضرعون إليه ويرجونه أن يجعلهم في صفوف المجاهدين، وكان الأهل أكثر ضراعةً من الشباب للنبي -عليه الصلاة والسلام- ألقى النبي -صلى الله عليه وسلم- على هؤلاء الفرسان الصغار نظرةٌ شاكرة، وبدا وكأنه سيعتذر عن تجنيدهم، لكن أحدهم وهو رافعٌ بن خُديج تقدَّم بين يدي النبي -عليه الصلاة والسلام- يحمل حربةً ويحرِّكها بيمينه حركاتٍ بارعة، وقال للنبي -عليه الصلاة والسلام-: إني كما ترى رامٍ أجيد الرمي, فأذن لي يا رسول الله. شاب صغير يحمل أمام النبي حربةً ويحركها حركاتٍ متقنة, ويقول: يا أيها الرسول الكريم، إني رامٍ فأذن لي, وتقدم شابٌ آخر اسمه سمرة بن جُندب وراح يلوِّح في أدبٍ بذراعيه المفتولتين، وقال بعض أهله للنبي: يا رسول الله! إن سمرة يصرع رافعاً -أقوى من هذا- وحيا النبي هذين الشابين بابتسامة حانية وأذن لهما، وكانت سن كل منهما لا تزيد عن خمسة عشر عاماً، ودخلا المعركة. وبقي من الأتراب ستة أشبال منهم زيد بن ثابت، لم يأذن لهم النبي -عليه الصلاة والسلام- لصغر أسنانهم، ومنهم عبد الله بن عمر، هؤلاء راحوا يضرعون ويرجون، ولكن النبي لم يأذن لهم في هذه السن، كأنهم رجعوا وأعينهم تفيض من الدمع، -هكذا كان أصحاب النبي عليهم رضوان الله- . هذا ما تفوق به هذا الصحابي الجليل في ظل الإسلام : تألَّقت شخصية سيدنا زيد في ظل الإسلام تألُّقاً كبيراً، ونمت شخصيته نمواً سريعاً. -هذا سؤال يطرح نفسه علينا جميعاً: أنت تنمو يا ترى؟ كل واحد منا له هذا المجلس, يا ترى ينمو في الإيمان؟ هل يوازن بين يومه وأمسه؟ يا ترى: أنت اليوم كما أنت قبل عام في إيمانك؟ قبل شهر؟ قبل عامين؟ قبل ثلاثة أعوام؟. النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((من لم يكن في زيادة فهو في نقصان. - لأن عجلة الزمن متحركة، فلو فرضنا أحداً وصل للصف الثامن ووقف، يقول: أنا لم أتأخر لكني واقف، صار زميلك في الصف الحادي عشر، إذاً إن لم يتقدم ووقف فهو في خسران-. من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، والمغبون من تساوى يوماه)) فالإنسان يجب أن يراقب نفسه، في تبدل أحواله إلى الأحسن، في معلوماته، بمواقفه، ببذله، بتضحيته-. وبعد فإن كُتَّاب السيرة يقولون: شخصية سيدنا زيد نمت نمواً سريعاً في ظل الإسلام، وتفوق هذا الصحابي الجليل في العلم والحكمة، وتعلم هذا الصحابي أيضاً بعض اللغات الأجنبية، وكان كاتباً من كتَّاب الوحي، وكان كاتباً للنبي -عليه الصلاة والسلام-، كتب له بعض الرسالات لملوك الأرض وعظمائها. كيف عامل ابن عباس هذا الصحابي الجليل؟ : هناك لقطةٌ طيبة: كيف عامل سيدنا ابن عباس وهو ابن عم النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا الصحابي الجليل؟ يقول الشعبي -وهو قاضٍ تابعي-: ذهب زيد بن ثابت ليركب فأمسك ابن عباس بالركاب, فقال له زيد: تَنَحَّ يا بن عم رسول الله, فأجابه ابن عباس: لا هكذا أمرنا أن نصنع بعلمائنا. ما هي العلوم الإسلامية التي نبغ بها زيد بن ثابت؟ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/10.jpg قبيصة يقول: كان زيدٌ رأساً بالمدينة في القضاء والقراءة والفرائض. وكان عليه الصلاة والسلام كان يقول: ((أفرضكم زيد)) أي أعلمكم بالمواريث زيد. - مر معنا بالخطبة، لما ربنا عزَّ وجل قال : ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً﴾ [سورة الفرقان الآية: 52] هذه الهاء تعود على القرآن، معنى ذلك: إذا تعلَّمت القرآن وعلمته, فهذا في نظر العلماء فوق الجهاد، والجهاد -كما تعلمون- ذروة سنام الإسلام، وتعلُّم القرآن وتعليمه فوق الجهاد، الجهاد هدفه نشر الحق، فإذا كان الهدف نشر الحق، فإذا أنت تعلمت القرآن وعلمته, فقد ساهمت في تحقيق الهدف البعيد للجهاد، والبحث عن الحقيقة جهاد، كما قال الله عزَّ وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [سورة العنكبوت الآية: 69] إذاً-: حينما نبغ هذا الصحابي الجليل بالقرآن، ونبغ بالحكمة، وبعلم المواريث, فقد حقق هدفاً كبيراً جديداً. ما قيل عن زيد بن ثابت : سيدنا ثابت بن عُبيد يقول: ما رأيت رجلاً أفكه في بيته -انظر لهذه المفارقة- ولا أوقر في مجلسه من زيد. -أي في عمله وقور جداً أما في بيته فكه جداً، هكذا النبي كان, كان إذا دخل بيته بسَّاماً ضحاكاً، كان يقول: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/11.jpg ((خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي)) [أخرجه الترمذي في سننه] أعجبني هذا الوصف: ما رأيت رجلاً أفكه في بيته ولا أوقر في مجلسه من زيد هذه سنة، فأنت إذا كنت في عملك، لا ينبغي أن يكثر مزاحك، إذا كثر مزاحك ذهبت هيبتك، عندك مرؤوسون، مزاح مزاح مزاح ضاعت هيبتك، أما إذا دخلت على أهل بيتك فمن لهم غيرك؟ إذا دخلت عليهم عبوساً قمطريراً، من لهم غيرك؟ بعضهم يقول: ببيته دبور وبالخارج شحرور. فأولى الناس بمودتك، أولى الناس بلطفك وأنسك، في مزاحك اللطيف: أهل بيتك وأولادك، فهؤلاء الذين في البيت جبارون ومع أصدقائهم ليِّنون، هؤلاء من علامات أشراط الساعة: يوم يبر الإنسان صديقه ويعق أباه. نموذج غريب جداً, علاقاته الخارجية رائعة جداً, وفي البيت سيئة جداً, ما هكذا المسلم ، هؤلاء أهل بيتك، أولى الناس بك: ما رأيت رجلاً أفكه في بيته ولا أوقر في مجلسه من زيد-. سيدنا ابن عباس كان يقول عن سيدنا زيد بن ثابت: كان من الراسخين في العلم. هذه المهمة التي كلف بها زيد بن ثابت في معركة اليمامة : سيدنا زيد حفظ القرآن وكتب الوحي، ولكن كلكم يعلم في معركة اليمامة التي كانت بين المسلمين والمرتدين، مات قراءٌ كثيرون، سيدنا عمر -رضي الله عنه- فزع إلى سيدنا أبي بكر لهذا الخبر المريع، واقترح عليه جمع القرآن في مصحف واحد، فحفاظٌ كثيرون استشهدوا في هذه المعركة, وخشي سيدنا عمر أن يستجر القتل في الحُفّاظ، ماذا فعل الصديق -رضي الله عنه-؟ استخار ربه، وشاور أصحابه –انظروا: الاستخارة والاستشارة؛ الاستخارة لله عزَّ وجل، والاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين- ثم دعا زيد بن ثابت, وقال له: يا زيد إنك شابٌ عاقل لا نتهمك، فاجمع القرآن. - مهمة كبيرة جداً، عليه أن يلتقي بأصحاب رسول الله، وأن يستمع منهم سور القرآن، وأن يجمع بعض الصُحف، أو بعض الرقاع التي كتبت فيها الآيات، وأن يوازن ويقارن إلى أن يصل إلى النص الصحيح- قال: جهدٌ كبير جداً وقد حدثنا عن نفسه, فقال: والله لو كلفوني نقل جبلٍ من مكانه لكان أهون علي مما أمروني به من جمع القرآن, ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي يعين، لأن الله تكفل بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [سورة الحجر الآية: 9] إذاً: هو عمل شاق وجهد واستنفذ كل طاقته، ولكن الله سبحانه وتعالى أعانه. لكن حينما جمع القرآن في المرحلة الأولى جمعه على عدة أحرف، وهذه الأحرف كان بينها خلافٌ طفيفٌ جداً في موضوع القراءة، فلما اتسعت الفتوحات في عهد سيدنا عثمان، ومرة ثانية خشي أصحاب النبي -عليهم رضوان الله- أن يختلف المسلمون في القرآن، ففزعوا إلى عثمان، وسيدنا عثمان أمر سيدنا زيد بن ثابت مرةً ثانية أن يجمع الناس على نسخةٍ واحدة، وأن ينسخ من هذا النسخة ست نسخٍ، وأن تعمم في الأمصار، فجمع زيد أصحابه وأعوانه, وجاؤوا بالمصاحف من بيت حفصة وكانت محفوظً لديها، وباشر زيدٌ وصحبه مهمتهم العظيمة، وعاونه في ذلك كُتَّاب الوحي. نهاية المطاف : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/12.jpg فإذا قرأتم القرآن ميسَّراً, فالفضل عائدٌ لهذا الصحابي الجليل، -والإنسان إذا ترك أثراً علمياً، وإذا عمل عملاً طيباً. وكلكم يعلم: أن الإنسان إذا مات انقطع عمله إلا من ثلاث؛ ولدٍ صالحٍ يدعو له، وعلمٍ ينتفع به، وصدقةٍ جارية. فالإنسان يجهد أن يبقي بعد موته ذكراً يأتيه أجره كل حينٍ من الله عزَّ وجل ولو مات ، والآن أسرع شيء طلب العلم وتعليم العلم، فكل من تعلم العلم وعلمه, فله أجر من تعلم هذا العلم وعمل به إلى يوم القيامة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4613/13.jpg فحينما تحضر أنت لمجالس العلم وتتعلم تصيب شيئين، تتعلم كيف تعيش؟ كيف تتصرف ؟ كيف تتحرَّك؟ كيف تعطي؟ كيف تمنع؟ كيف تغضب؟ كيف ترضى؟ كيف تسالم؟ كيف تعادي؟ لأن كل موقف له حكم شرعي، فتعلُّم العلم ضروريٌ لاكتساب رضوان الله عزَّ وجل، وإذا علمت العلم للآخرين والآخرون علموا العلم بدورهم، كل هذه السلسلة من الأعمال الصالحة هي في صحيفتك، لذلك لا ينبغي أن يشغل الإنسان شيءٌ عن طلب العلم، وطلب العلم -كما تعلمون- فريضةٌ على كل مسلم، وطالب العلم تضع له الملائكة أجنحتها رضىً بما يصنع-. فرضي الله عن هذا الصحابي الجليل، الذي طوّق أعناقنا بدينٍ لا يؤدى جزاؤه إلى يوم القيامة لجمعه القرآن الكريم. وكما قلت قبل قليل: الأعمال منوعة, وكأن الحياة فيها ثلاث قوى؛ قوة المال، وقوة العلم، وقوة القوة, فإذا كنت في مركزٍ قوي يمكن أن توظف قوتك في سبيل الحق، وإذا كنت ذا مالٍ وفير يمكن أن تبذل هذا المال في سبيل الحق، وإذا كنت ذا علم غزير يمكن أن تنفق هذا العلم في سبيل الحق، فالعلم والمال والقوة كل هذه العناصر الأساسية ، يمكن أن تكون سبيلك لتدخل الجنة إن شاء الله تعالى، فالبدارَ البدار. |
رد: الحقوق الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : غض البصر - 1 - غض البصر مدرسة لتهذيب النفسالحقوق الاسلامية الدرس : ( التاسع العاشر ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حق الطريق : أيها الأخوة المؤمنون, أنهينا في الدرس الماضي حقوق المسلم على المسلم، وها نحن ننتقل في هذا الدرس إلى حقٍ جديد وقد يبدو لكم غريباً، إلا أن النبي -عليه الصلاة والسلام- هو الذي سمَّاه هذا الاسم: إنه حق الطريق, الطريق التي نسير فيها لها حقٌ علينا، والنبي -عليه الصلاة والسلام- سمَّاها حق الطريق. فعن أبي سعيد الخِدْرِيّ -رضي الله عنه-, عن النبي -صلى الله عليه وسلَّم- أنه قال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4618/01.jpg ((إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ. -كلمة إياكم من ألفاظ التحذير، إياك والكذب، إياك والخيانة، إياك والتقصير، إياك وما يعتذر منه-. إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ. -لا أعتقد أن أحداً يجلس في الطريق، ولكن هذا الذي له محلٌ تجاريٌ مطلٌ على الطريق ، أو هذا الذي يسمح لنفسه أن يجلس في مقاهي الرصيف، هناك مقاصف، وهناك مقاه، وهناك محلاتٌ تطل على الطريق، مثل هذه المحلات، ومثل هذه الملاهي، ومثل هذه المقاصف هذه منهيٌ عنها، فقال عليه الصلاة والسلام- : إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا. - أي إذا كان هناك ضرورة، إذا كان لا بدَّ من أن نجلس لشأنٍ مهم، لشأنٍ مشروع, لشيءٍ مباح، لعملٍ، لتجارةٍ، لكسب رزقٍ، لحل مشكلةٍ، لحل قضيَّةٍ -. إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا لَنَا بُدٌّ مِنْ مَجَالِسِنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ. -الطريق لك أن تذكِّرَ هذه الكلمة ولك أن تؤنِّثها، لك أن تقول: هذه طريق وهذا طريق، وهذه حال وهذا حال، وهذه بئر وهذا بئر, في اللغة العربيَّة كلماتٌ تذكَّر وتؤنَّث في وقتٍ واحد. قال عليه الصلاة والسلام-: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجْلِسَ - المجلس أي إلا الجلوس، هذا مصدر ميمي، المجلس مكان الجلوس، ويأتي المصدر الميمي على وزن مَفْعِل، أي فإن أبيتم إلا الجلوس-. فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ, قَالُوا: وَمَا حَقُّهُ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه] 1- غض البصر: يمكن أن أسمِّي غضَّ البصر مدرسةً في الإسلام، غض البصر لا يوجد قانون في الأرض يلزم به. قلت لكم سابقاً: إنه قد تتوافق مواد القانون مع أوامر الشرع، فإذا امتنعت عن السرقة, لا ندري امتنعت عنها خوفاً من عقاب الله أم خوفاً من عقاب البشر, لكن رحمةً من الله عزَّ وجل بهذا المؤمن, جعل بعض الأوامر في الشرع لا تتفق مع أي قانون، فجميع القوانين الأرضيَّة لا تُلزم بغض البصر، وإن كان عالِم شهير ألَّف كتاب اسمه: الإنسان ذلك المجهول. هذا العالِم عالم نفس وطبيب في الأساس، استنبط من خلال التفسُّخ الاجتماعي، ومن خلال الشقاء الزوجي، ومن خلال الانحلال الخُلُقي في العالم الغربي والأمريكي، استنبط أنه لا بدَّ من قصر الطرف على زوجةٍ واحدة. هذا الكلام قاله ذلك المؤلِّف, وهو لا يدري ما الإسلام؟ ولا يدري ماذا في القرآن؟ ولكن من خلال ملاحظٍة ذكيَّة، ومن خلال استقراءٍ دقيق, وجد أنه لا بدَّ للرجل من أن يقصر طرفه على زوجةٍ واحدة، لم يقل: لا بدَّ من أن يكتفي بزوجةٍ واحدة, بل لا بدَّ من أن يقصر طرفه عليها , لأن الإنسان أحياناً يهتدي بالتجربة، والبحث، والدرس، والتعمُّق، والتحليل، والملاحظة، والاستنتاج، والاستقراء, ينتهي إلى حقيقة توافق ما جاء في القرآن، القضيَّة تفسيرها سهل، فالحقائق واحدة إما أن تصل إليها بالتجربة، وإما أن تصل إليها عن طريق الوحي، فالوحي الذي أوحاه الله للنبي -عليه الصلاة والسلام- هو حقٌ مطلق, لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4618/02.jpg فيمكنك أن تمسك آلة تحاول تبحث عنها، تفكك جهازاً، تنزع صمَّاماً، اختفى الصوت، تتوهَّم أن هذا الصمام للصوت، شيءٌ آخر: هذا الفاصل –مثلاً- له علاقة بالشيء الفلاني، فأنت من خلال النزع، والتركيب، والتعطيل، والتشغيل، والتجريب, تكتشف بعض نظام هذه الآلة، هذا العلم اسمه علم تجريبي، وفي هذا العلم التجريبي قد تخطئ وقد تصيب، قد تملك الحقيقة الكاملة أو قد تملك بعضها، ولكنك إذا توجَّهت إلى مخترع هذا الجهاز, وسألته عن سر تصميمه، وعن دقائق عمله, لأعطاك الحقيقة المطلقة. فأنت إذا توجَّهت إلى كتاب الله, تسأله عن حقائق الأمور، وعن سر الخلق، وعن سر التصرُّف، وعن حقيقة الأمر والنهي، وعن مؤدَّى المعاصي، وعن مؤدَّى الطاعات، لأخذت من كتاب الله الجواب الشافي المطلق الصحيح, لأنه من عند الخبير: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [سورة فاطر الآية: 14] وخبرة الله عزَّ وجل ليست حديثة، الإنسان خبرته حديثة، بمعنى أنها حادثة، بمعنى أنها مكتسبة, تنشأ مع الأيام، ولكن خبرة الله قديمة، فإذا سألت الخبير لن تجد إلا في كلامه الحق المُطلق، فإما أن تتجه إلى الصانع, وتستشف من كلامه الحقائق، وإما أن تتجه إلى التجربة، إلا أن مشكلة التجربة أنك قد تصل من خلالها إلى الحقيقة ولكن بعد فوات الأوان. أنت أمام كرة فهل يا ترى: قنبلة، كرة، لعبة؟ ممكن تجرِّب، ممكن تلمسها بيدك، لكن فيما لو كانت قنبلة وانفجرت لم يبقَ في الحياة دقيقةٌ تستفيد من هذا الدرس، أما إذا سألت الخبير، وأنبأك بالحقيقة الشافية، فأنت قد أخذت الاحتياط، فالإنسان يجوز بعد فوات الأوان، في خريف العمر: أن يكتشف الحقيقة التي جاء بها القرآن, وأنت في مقتبل العمر. نقطة مهمَّة جداً: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4618/03.jpg ما من مخلوقٍ إلا ويكتشف في خريف عمره: أن المال ليس كل شيء، هو شيء ولكنه ليس كل شيء، وأن المتعة شيء ولكنها ليست كل شيء، وأن الحياة لا بدَّ لها من نظام، لا بدَّ لهذا الكون من خالق، لا بدَّ لهذا الإنسان من أن يطيع خالقه، هذا متى تعرفه؟ في خريف العمر, من خلال التجربة، والخطأ، والصواب، والدروس الثمينة، والعقاب الأليم، والتجارب. ما قولك: وأنت في مقتبل العمر, إذا قرأت القرآن من عند الواحد الديَّان، إذا قرأت هذا القرآن واستشفيت منه الحقائق، وكانت هذه الحقائق نوراً لك في طريق الحياة؟ والأغرب من ذلك: أنه ما من مخلوقٍ إلا ويعرف الحقيقة الكاملة التي عرفها الأنبياء، ولكن يوم القيامة: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [سورة الحديد الآية: 32 ] فرعون وهو على مشارف الغرق قال : ﴿آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ [سورة يونس الآية: 90] فالقضيَّة قضية زمن، هذه الحقائق التي جاء بها الأنبياء، هذه الحقائق التي وردت في القرآن الكريم، هذه الحقائق لا بدَّ من أن تؤمن بها، لا بدَّ من أن تكشفها، لا بدَّ من أن ينكشف الغطاء، لا بدَّ ومن أن تملك البصر الحاد: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [سورة ق الآية: 22] ولكن الطامَّة الكبرى: أن هذه الرؤية الصحيحة، وأن هذا البصر الحديد، وأن هذا الغطاء المكشوف, متى جاءنا؟ بعد فوات الأوان. الطالب إذا دخل الامتحان وليس مستعداً له، وخرج من الامتحان وقلبه يعتصر من الألم، توجَّه إلى البيت, وفتح الكتاب، وقرأ الإجابة الصحيحة وعرفها، ولكن متى عرف الإجابة؟ بعد الامتحان، معنى هذا أنه رسب، أي طالب كسول يمكن أن يعرف الإجابة ولكن بعد الامتحان، أما البطولة: أن تعرفها قبل الامتحان. حقائق الدين: إذاً: هذه النقطة دقيقة جداً: حقائق الدين، الحقائق التي جاء بها القرآن، الحقائق التي جاء بها أي كتابٍ سماوي، الرسالات السماويَّة، رسالة الله إلى الإنسان, فيها حقائق، فيها قواعد، فيها قوانين، فيها سنن، هذه الحقائق، وتلك القواعد، وهذه السنن: إذا كشفتها في الوقت المناسب, فأنت أسعد الناس، أما إذا ألقيتها عُرض الحائط، جعلتها وراءك ظهرياً، هجرتها واتجهت إلى قواعد أخرى مستحدثة من وضع البشر، ترضي ميولك، ترضي شهواتك، وتمسَّكت بها، وتشبَّثت بها، ودافعت عنها، ودعوت إليها، وكشفت بعد فوات الأوان أنها باطلة . قلت لكم في الخطبة: أنه من يتق الله, فلا يسمح للأفكار الزائفة أن تحتل مكانها من عقله ، جعل الله له مخرجاً من الضلال، والضياع، والحيرة، وخيبة الأمل. الفرق بين المؤمن والكافر: إذاً: نستنبط من هذه المقدِّمة: أن الفرق بين المؤمن والكافر من حيث المعرفة فرق زمن فقط، المؤمن عرف الحقيقة قبل فوات الأوان، والكافر عرف الحقيقة بعد فوات الأوان، عملية وقت، هذا قبل فوات الأوان، هذا في الوقت المناسب، وهذا في الوقت غير المناسب، هذا في مقتبل العمل, وهذا في خريف العمر، أو على مشارف الموت، أو يوم القيامة. لا تنسوا هذه الآية: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [سورة ق الآية: 22] ماذا قال سيدنا علي؟ لو كُشِفَ الغطاء ما ازددت يقيناً . أي هو يقينه بعد كشف الغطاء كيقينه قبل كشف الغطاء، هذه البطولة، ليس من يقطع طُرقاً بطلاً, إنما من يتقي الله البطل، أن تعرف الحقيقة في الوقت المناسب. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4618/04.jpg وبشكل ملخَّص: لو أردت أن أضغط لكم هذه الفكرة: أنت آلة معقَّدة جداً، وفي كتيِّب فيه تعليمات الصانع، فإذا أهملته، ولم تعبأ به، وسخرت منه، وألقيته في الأرض، كذَّبته، وعملت في هذه الآلة دون علم، وفق هواك، وفق مزاجك، حمَّلتها ما لا تطيق فتعطَّلت، عندما تتعطَّل وتدفع الثمن باهظاً، تعلم ساعة إذٍ أنك لو طبَّقت هذه المعلومات, لأخذت من هذه الآلة أعلى مردود، ولقدمت لك أكبر فائدة. لذلك هذا الذي أقوله لكم دقيقٌ جداً: بمعنى أنه إذا كنت من السعداء، من المتفوِّقين، من الفائزين، من الفالحين، من الناجحين، من أولي الألباب, من أصحاب العقول, تبحث عن الحقيقة في الوقت المبكِّر، لذلك الله سبحانه وتعالى سمَّى البحث عن الحقيقة، ماذا سمَّاه؟ جهاد , فقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [سورة العنكبوت الآية: 69] البحث عن الحقيقة، معنى ذلك: أنك تحتاج إلى وقت، يجب أن تقتطع من زبدة وقتك وقتاً لمعرفة الله، وقتاً للتأمُّل، وقتاً لمعرفة منهج الله، وقتاً لمعرفة شرع الله، وقتاً لمعرفة كتاب الله، في الدرجة الأولى يجب أن تعرف كتاب الله وأن تعرف سُنة رسول الله، اللذان هما أصلان أساسيان من أصول هذا الدين. غض البصر مدرسة لتهذيب النفس : فلذلك الفكرة التي قلتها قبل قليل: إن غض البصر ينفرد به الدين، وليس في القوانين الوضعيَّة كلِّها مادَّةٌ تلزم الإنسان بغض البصر، فإذا غض الإنسان بصره عن محارم الله, بماذا يشعر؟ هل يستطيع الشيطان أن يوسوس إليك أنك بهذا الغض تنافق؟ لا والله، ما أحد يراقبك، ولا أحد يلزمك، ولا أحد يحاسبك، إذا كنت خالياً وحدك، في غرفتك الشخصيَّة، والنافذة مفتوحة، وخرجت إلى الشرفة امرأةٌ من الجيران، حينما تغض بصرك عنها, وأنت وحدك في الغرفة، من الذي رأى هذا العمل؟ لا أحد، لذلك: إذاً: غض البصر مدرسةٌ لتهذيب النفس . النقطة الدقيقة الثانية: إن غض البصر، أنت قد سمح الله عزَّ وجل لك أن تقف بين يديه في النهار والليلة خمس مرات، في صلاة الفجر والظهر والعصر والمغرب والعشاء، وقد جعل لك آلاف المناسبات في النهار، بل عشرات الألوف، بل مئات للإقبال عليه، كلَّما صرفت بصرك عن امرأةٍ لا تحلُّ لك, شعرت أنك بهذا تطيع الله عزَّ وجل، كأن غض البصر هذا كان لك مُدخلاً إلى الله عزَّ وجل، فأنت حينما تقف في اليوم والليلة خمس مرات تصلي، أنت إذا غضضت بصرك عن محارم الله، في كل مرةٍ تغض فيها البصر ترقى إلى الله، كأن الله سبحانه وتعالى أعطاك مناسباتٍ عديدةً كي تقبل بها عليه. الطاعة ونتائجها: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4618/05.jpg والنتيجة: أن هناك علاقةً علميَّةً بين الطاعة وبين نتائجها، كما أن هناك علاقةً علميةً بين المعصية وبين نتائجها، بمعنى: أنك إذا وضعت يدك على المدفأة أحرقتك المدفأة، هذه علاقة علميَّة، أي علاقة سبب بنتيجة، هذا الذي يغض بصره عن محارم الله قبل الزواج, يعيش حياة هادئةً، حياةً نظيفةً، حياةً وادعةً، قد يبني بهذا الوقت مستقبلاً، فإذا تزوَّج وغضَّ بصره عن محارم الله, عاش حياةً زوجيَّةً سعيدة، تعيش الحياة مرَّتين؛ مرَّةً قبل الزواج ومرَّة بعد الزواج، وحينما تغض البصر عن محارم الله, لا تفعل هذا إلا ابتغاء مرضاة الله، وهذا غض البصر من عبادات الإخلاص، إذا أنفقت المال من دون أن يعلم أحد بهذا الإنفاق, فهذا إنفاق الإخلاص، وإذا غضضت البصر عن محارم الله من دون أن يعلم بهذا أحد، فهذا الغض عبادة الإخلاص. النبي -عليه الصلاة والسلام- قال-: عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -رَضِي اللَّهم عَنْهم-, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فَقَالُوا: مَا لَنَا بُدٌّ إِنَّمَا هِيَ مَجَالِسُنَا نَتَحَدَّثُ فِيهَا، قَالَ: فَإِذَا أَبَيْتُمْ إِلا الْمَجَالِسَ, فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهَا، قَالُوا: وَمَا حَقُّ الطَّرِيقِ؟ قَالَ: غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ, وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ)) بالمناسبة: ما كان الله ليعذِّب قلباً بشهوةٍ تركها صاحبها في سبيل الله . فأنت إذا غضضت البصر لم ينشغل قلبك بهذه الشهوة، الله أجل وأكرم من أن يعذِّبك بهذا الغض، بل تجد حلاوته في قلبك . الحكمة من غض البصر: هناك أحاديث كثيرة سوف ترد معنا في هذا الموضوع، ولكن أريد من هذا الموضوع الوقوف عند حكمة غض البصر: الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 63] أي يمكن أن تأخذ أمر الله بضعفٍ، بتراخٍ، بليونةٍ، بشكلٍ معتدل, من دون تمسكٍ شديد، يمكن أن تأخذ أمر الله بيسرٍ، لكن ربنا عزَّ وجل قال : ﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [سورة البقرة الآية: 63] أي قوةٌ في التطبيق، حزمٌ في التنفيذ، اندفاعٌ إلى طاعة الله، وقوفٌ عند الشبهات، وقوفٌ عند ما حرَّم الله، هذا معنى قول الله عزَّ وجل: ﴿خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [سورة البقرة الآية: 63] الإنسان منطقي، والإنسان يحب ذاته، هكذا فُطِر، لا يوجد إنسان إلا وهو مفطورٌ على حب وجوده، وحب سلامة وجوده، وحب كمال وجوده، وحب استمرار وجوده, حب الوجود، وسلامة وجوده، وكمال الوجود، واستمرار الوجود، يحب أن يعيش حياة طويلة، والدعاء الشهير: الله يطوِّل عمرك, فأجمل دعاء يسمعه الإنسان أطال الله عمرك، والنبي الكريم قال لرجل سأله: ((أي الناس خير؟ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ)) [أخرجه الترمذي في سننه] فالإنسان يحب طول البقاء. فلماذا يؤمن الإنسان؟ حينما يؤمن بالله عزَّ وجل, تصبح الحياة الآخرة امتداداً للحياة الدنيا، معنى هذا: أنه ما مات: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [سورة آل عمران الآية: 169] فالله عزَّ وجل فطرنا على حب الخلود, فالإنسان إذا آمن, أصبح خط بيانه صاعداً صعوداً مستمراً، ولو جاء الموت يبقى الخط صاعداً. إذاً: لماذا الإسلام دين الفطرة؟ أنت مفطورٌ على حب الخلود، فإذا آمنت بالله، واستقمت على أمره، وعملت فيما يرضي, شعرت أن حياتك الدنيا وحياتك الآخرة متصلتان، وأن هناك استمرار، وأن الموت عمليةٌ صغيرةٌ جداً، تبديل ثياب فقط، أنت أنت؛ سعادتك، إقبالك، سرورك، طمأنينتك، أنت أنت. متى تستقر النفس البشرية؟ : لذلك: النبي -عليه الصلاة والسلام- عندما خير بين أن تكون له زهرة الدنيا وبين أن ينتقل إلى الرفيق الأعلى, قال: ((بَلِ الرَّفِيقُ الأَعْلَى)) وعندما قالت ابنة سيدنا بلال: واكربتاه يا أبت, قال: لا كرب على أبيك بعد اليوم, غداً ألقى الأحبَّة محمداً وصحبه. الإنسان مفطور على حب البقاء، وعلى سلامة البقاء، وعلى كمال البقاء، وعلى وجود البقاء، وسلامة هذا الوجود، وكمال هذا الوجود، واستمرار هذا الوجود، فإذا آمنت بالله وآمنت بالآخرة اطمأنت نفسك، إذاً أنت لست أنت, والموت على طرفي نقيض. الموت عُرس المؤمن. الموت فرحة المؤمن. كلام النبي الكريم، كلام سيد المرسلين, الذي لا ينطق عن الهوى: ((لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ؛ فَرْحَةٌ حِينَ يُفْطِرُ وَفَرْحَةٌ حِينَ يَلْقَى رَبَّهُ)) فما قولك: أن الشيء الذي ترتعد منه فرائص الناس, أن الموت الذي يهز كيان الإنسان، أن الموت الذي يعد أكبر مصيبةٍ عند أكثر الناس، ما قولك: أن هذا الشبح المخيف يغدو عند المؤمن شيئاً مقبولاً مسعداً؟ لذلك الإسلام دين الفطرة، فلن تستقر النفس، لن تهدأ، لن تطمئن، لن تسعد إلا إذا سارت على منهج ربها. مقومات الإنسان: وقلت لكم البارحة أيضاً أو قبل البارحة: إن ربنا عزَّ وجل أعاننا على أنفسنا بالفطرة، فطر الإنسان فطرةً عالية، فالإنسان إذا انحرف، إذا اعتدى، إذا كذب، إذا خان, يشعر بانقباض شديد، ما هذا الانقباض؟ إنه إحساس الفطرة السليمة، فربنا عزَّ وجل علَّمنا بالعقل، وعلَّمنا بالكون، وعلَّمنا بالقرآن، وعلَّمنا بالسنة، وعلَّمنا بالفطرة، وعلَّمنا بالدعاة، وعلَّمنا بالإلهام، والفطرة أحد هذه المصادر الأساسيَّة في توجيه الإنسان إلى الصواب. فغض البصر يتناقض مع الشهوة. النقطة الدقيقة: أن أوامر الشرع تعتمد على العقل، بينما الشهوات تتناقض مع العقل، من تناقض العقل مع الشهوة يكون رقي الإنسان. فأحياناً يتوافق العقل مع الشهوة, الإنسان لا يرقى، هو جائع والطعام موجود، والطعام طعامه وهو في بيته، فإذا أكل حتى شبع, لا يشعر أنه فعل شيئاً عظيماً يرضي الله عزَّ وجل، العقل توافق مع الشهوة، أنت جائع, والطعام موجود، والطعام حلال، وأنت تأكل هذا الطعام لتقتات به، فتوافق العقل مع الشهوة ربما أدَّى إلى الشُكر، أما أن ترقى بهذا العمل, إنك لا ترقى به, أما إذا عاكست شهواتك، إذا جاء الأمر العقلي يتناقض مع الشهوة التي أودعها الله في الإنسان, هنا يكون الرقي، فمثلاً: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4618/06.jpg الإنسان بكظم الغيظ يرقى، الإنسان بالصبر يرقى، الإنسان بغض البصر يرقى، الإنسان بحفظ السر يرقى، لأن الإنسان يتمنى أن يحكي قصص الناس، شيء ممتع جداً، إذا وجد الإنسان في مجلس, وسمع قصَّة ممتعة، ومثيرة جداً، وإذا تكلَّم فيها فضح أخاه الإنسان، الشهوة تدعوه إلى أن يحكي هذه القصَّة، ولكن العقل يأمره أن يسكت عنها، إذا كان وجد في مجلس فيه اختلاط، شهوته تدعوه إلى هذا المجلس، شيء ممتع، لكن عقله يمنعه من ذلك. لذلك ربنا عزَّ وجل قال: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [سورة العصر الآية: 1-3] إيمانٌ، وعملٌ، ودعوةٌ، وصبر، الصبر ربع الإيمان، ربع الفلاح, لماذا؟ لأن الصبر معناه: أن كثيراً من أوامر الدين يحتاج إلى ضبط النفس، ويحتاج إلى كبت الشهوة، ويحتاج إلى تحكيم العقل لا الشهوة، فأنت بالصبر ترقى. النبي الكريم عندما سُئل عن الإيمان, قال: ((الصَّبْرُ وَالسَّمَاحَةُ)) بل هناك حديثٍ آخر: الإيمان هو الصبر. الإيمان كله صبر. فغض البصر من حق الطريق، إذا كنت في الطريق، وبالطبع الأجر يختلف، إذا كنت في عهد أصحاب رسول الله الأجر طفيف جداً، النساء كلهن متحجِّبات، طاهرات، عفيفات، تقيَّات. ربنا وصف المؤمنات فقال : ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾ [سورة التحريم الآية: 5] إذا كان الطريق فيه نساء مؤمنات، عفيفات، طاهرات، مطيعات، محتشمات، صادقات، مُحْصنات, الأجر طفيف جداً، أما الأجر متى يعلو جداً؟ حينما يكون القابض على دينه كالقابض على الجمر, أما إذا كان الطريق مليئاً بالمتفلِّتات الملعونات، إذا كان الطريق ممتلئاً بمثل هؤلاء, عندئذٍ يرتفع سعر غض البصر، سعر باهظ جداً؛ بالسيارة، بالطريق، بأي مكان, نساءٌ كاسياتٌ عاريات، مائلاتٌ مميلات، لذلك غض البصر في آخر الزمان أجره كبير جداً، والقاعدة الشهيرة: الثواب على قدر المشقَّة. أي قد أراد الله عزَّ وجل أن يجعل لك مناسباتٍ عديدةٍ كل يوم كي ترقى بها إليه، من هذه المناسبات غض البصر. الحقيقة: الآية الكريمة : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 36] الفؤاد هنا بمعنى الفكر، من فَأَدَ أي قيَّد، أي السمع والبصر والفكر كل أولئك كان عنه مسؤولاً. الدعاء الشهير: ومتعنا اللهمَّ بأسماعنا وأبصارنا وقوَّتنا ما أحييتنا, واجعله الوارث منا. ((عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ؛ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ, وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ)) [أخرجه الترمذي في سننه] يوجد عفَّة، المؤمن عفيف، لو أن امرأةً تمشي أمامه لَقَصَّرَ عنها أو لتجاوزها، لو أنه دخل إلى مصعد وفيه امرأةٌ, يخرج لأنه لا يحل له أن يكون معها في مصعدٍ واحد، في مناسبات يبدو لك الإيمان صريحاً واضحاً، وهذا يرضي الله عزَّ وجل، أودع فيك هذه الشهوة وهو ينظر إليك, بركان لكن ومع ذلك ضبط نفسه، لكن لن يضيع عند الله شيء، وزوال الكون أهون عند الله عزَّ وجل من أن يضيع مؤمناً عفَّ قبل الزواج، هذا له مكافأة عند الله، شاب في مقتبل الحياة, الشهوة فيه مستعرة كالبركان، ومع ذلك غضَّ بصره عن محارم الله، وتوجَّه إلى المسجد ليتعرَّف إلى الله، وضبط مشاعره, هذا ممن يحبهم الله: ((سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ؛ ...... وَرَجُلٌ دعته امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ, فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما, ومالك في الموطأ] ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 36] فسماع المنكر فيه معصية، سماع المعصية معصية. القاعدة الشهيرة: ما حَرُمَ فعله حرم استماعه وحرم النظر إليه. وفي الحديث الشريف: ((النظرة سهم مسموم . -هذا من بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام، سهم مسموم، لو أنه سهمٌ عادي لفعل فعله في موضعٍ واحد، ولكنه لأنه مسموم, هذا السُم يسري في كل أنحاء الجسد، لذلك الذي يُطلق بصره في الحرام تصبح حياته متسمِّمة، دراسته فيها شرود، عمله التجاري لا يوجد فيه تركيز، مأخوذٌ بمن يطلق إليهنَّ بصره، دراسته ضعيفة، نشاطه متخاذل، مَيله للراحة، لأن الشهوة تَشُل قِوى الإنسان. الحقيقة: هناك سر في تفوُّق المؤمنين في كل مجال، بغض بصرهم عن محارم الله، نفوسهم صافية، وقلبهم فارغ, فإذا أقبلوا على عملٍ أبدعوا فيه، أما هؤلاء الذين ينغمسون في الشهوات إلى قمة رؤوسهم, هؤلاء لا يملكون التركيز، لا يملكون التوفيق، لا يملكون العمل الدؤوب ..-: النظرة سهم مسموم من سهام إبليس . - ((إبليس طَلاع رَصّاد . -إبليس ذكي، والذكاء وحده ما له قيمة، والذكاء قوة بالإنسان. والنبي الكريم يقول: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] القوة قوة، والمال قوة، والذكاء قوة، والعلم قوة، بمعناها المطلق، ربنا عزَّ وجل قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [سورة الأنفال الآية: 60 ] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4618/07.jpg قد تكون القوة قوة علم في آخر الزمان، قد تكون القوة قوة مكيدة، القوة قوة سلاح، قوة تدريب، قوة تخطيط، قوة ماليَّة. على كلٍ؛ القوة مُطلق على الشيء الذي له تأثير بليغ فيما حوله: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ.. -القوة وحدها خَطِرَة، الذكاء وحده خطر، أما النبي الكريم ربط القوة بالإيمان, فقال-: الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] ما هما البابان اللذان يأتي منهما الشيطان للمؤمن؟ : النظرة سهم مسموم من سهام إبليس -لعنه الله- فمن تركها خوفا من الله, آتاه الله عز وجل إيمانا يجد حلاوته في قلبه)) فهم الإيمان هنا تلك الوجهة إلى الله عزَّ وجل، فالإيمان بالأساس تصديقٌ وإقبال، والكفر تكذيبٌ وإعراض، فالذي يطيع الله عزَّ وجل يقبل عليه، سمَّى النبي -عليه الصلاة والسلام هذا الإقبال إيماناً, قال-: ((النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ... -إبليس طلاع رصّاد -ذكي- وما هو بشيء من فخوخه -الفخوخ جمع فخ- بأوثق لصيده في الأتقياء من النساء)) أي أن النساء فخٌ خطير من أفخاخ إبليس، وهو واثقٌ من أن هذا الفخ لن يخطئ، لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((اتَّقُوا النِّسَاءَ)) وقال: ((النساء حبائل الشيطان)) وكل رجل فيه نقطتا ضعف هما: المال والنساء، يستطيع عدوه أن يأتيه من هذين البابين، فإن كان مؤمناً حصَّن نفسه من باب النساء بغض البصر، ومن باب المال بالورع-: النظرة سهم مسموم من سهام إبليس -لعنه الله- فمن تركها خوفا من الله, آتاه الله عز وجل إيمانا يجد حلاوته في قلبه)) وعلى كلٍ؛ الله عزَّ وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، أي أن أدق النظرات المختلسة لامرأةٍ لا تحل لك هذه يعلمها الله عزَّ وجل، ويحاسب عليها، وكلَّما تشدَّدت في غض البصر, شعرت أنك ترضي الله عزَّ وجل، وأن الطريق إلى الله سالك. طبعاً: الحقوق كثيرة ولا زلنا في هذا الحق، الآية والحديث : ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾ [سورة الإسراء الآية: 36] بالمناسبة: بالإسلام لا يوجد حرمان, فما من شهوةٍ نهاك الله عنها إلا وجعل لهذه الشهوة طريقاً مشروعاً، قناةً نظيفةً، فإذا منعك من إطلاق البصر، إذا منعك من الزنا, سمح لك بالزواج، إذا منعك من الكسب الحرام, سمح لك بالكسب الحلال، إذا منعك من شيء فهناك بدائل أخرى، بل إن العلماء يقولون استنباطاً من قوله تعالى: ﴿وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ [سورة البقرة الآية: 35] إن نسبة الممنوعات إلى المباحات نسبةٌ ضئيلةٌ جداً جداً جداً. أي أنك إذا غضضت بصرك عن محارم الله، وتركت هذه الممنوعات في الأطعمة والأشربة، وسلكت في الطريق الصحيح فأنت مع الله عزَّ وجل . أمين الأمة أبو عبيدة: وإلى قصة صحابي من أصحاب رسول الله -رضوان الله عليهم- أمين هذه الأمة: أبو عبيدة بن الجراح، رضي الله عنه وأرضاه، وهو من العشرة المبشَّرين بالجنَّة . النبي -عليه الصلاة والسلام- أمسك بيمينه, وقال عنه: ((لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ)) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والطبراني في المعجم الأوسط] -أمين هذه الأمَّة، أمين أمَّه وليس أمين سر إنسان-. سيدنا عمر حينما أراد أن يستخلف عنه خليفةً قُبَيْلَ وفاته, قال هذه الكلمة: لو كان أبو عبيدة بن الجرَّاح حياً لاستخلفته، فإن سألني ربي عنه, قلت: يا رب, استخلفت أمين الله وأمين رسوله. أبو عبيدة بن الجرَّاح له لقبٌ شهير: ساقط الثنيَّتين. -وسوف ترون بعد قليل كيف سقطت ثنيَّتاه؟ أسنانه الأماميَّة-. النبي -عليه الصلاة والسلام- أرسله في غزوة ذات السلاسل مدداً لعمرو بن العاص، وجعله أميراً على جيشٍ فيه أبي بكرٍ وعمر، كان طويل القامة، نحيف الجسم، معروق الوجه، خفيف اللحية، ساقط الثنيتين، وسقوط ثنيتيه وسام شرفٍ يفخر به يوم القيامة. أسلم هذا الصحابي الجليل على يد أبي بكر الصديق في الأيام الأولى للإسلام، وهاجر إلى الحبشة في الهجرة الثانية، وعاد ليقف إلى جوار النبي -عليه الصلاة والسلام- في معركة بدرٍ، ومعركة أحد، وبقية المشاهد كلها. منذ أن بسط يمينه مبايعاً رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-، وهو لا يرى في نفسه، وفي أيامه، وفي حياته كلها, سوى أمانةً استودعه الله إياها, لينفقها في سبيله, وفي مرضاته، -أي أن نفسه أمانة بين يديه استودعه الله إياها لينفقها في سبيل الله، كأن هذا الصحابي الجليل تفهَّم ملياً معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [سورة التوبة الآية: 111] باع نفسه لله، وكلمة النبي -عليه الصلاة والسلام- : ((أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ)) [أخرجه ابن حبان في صحيحه, والحاكم في مستدركه] في إحدى المعارك وقد بلغ القتال ذروته، أحاط بأبي عبيدة طائفةٌ من المقاتلين، وكانت عيناه كعادتهما تحدِّقان كعيني الصقر في موقع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، هو يقاتل ولكن عينه على رسول الله، هذا الحب الذي بين الصحابة وبين النبي -عليه الصلاة والسلام- شيءٌ لا يصدَّق، حتى إن أبا سفيان قال: ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً. -شيءٌ ليس له سابقة في التاريخ، وليس له مثيل، كيف أحب هؤلاء الأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؛ وهو يحارب, ويقاتل الفرسان، وقد تحلقوا حوله، وانكفؤوا عليه، وعينه على النبي عليه الصلاة والسلام-. وكاد أبو عبيدة يفقد صوابه، إذ رأى سهماً ينطلق من يدي مشركٍ فيصيب النبي، وعمل سيفه في الذين حوله وكأنه مائة سيف، حتى فرَّقهم عنه، وطار -لم يقل المؤلِّف: سار، ولا أسرع، ولا ركض- صوب النبي -عليه الصلاة والسلام- فرأى دمه الذكي يسيل على وجهه، ورأى الرسول الأمين يمسح الدم بيمينه, وهو يقول: كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟ . -جاء ليدعوهم إلى ربهم، جاء ليهديهم، جاء لينقذهم، جاء ليسعدهم، جاء ليدلَّهم على الجنَّة ، جاء ليجعلهم أُناساً صالحين، جاء ليكون لهم أباً وأماً، خضَّبوا وجه نبيهم-. مسح النبي -عليه الصلاة والسلام- الدم بيمينه, وهو يقول : كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟ . سيدنا أبو عبيدة رأى حَلْقتين -بالمناسبة حَلَقَة غلط وصوابها حَلْقة بتسكين اللام-, رأى حلْقتين من حِلَقِ المغفر الذي يضعه النبي فوق رأسه, قد دخلتا في وجنة النبي, -أي حلقتين من هذا المغفر الذي يضعه النبي على رأسه, قد دخلتا في وجه النبي- فلم يُطق صبراً، واقترب يقبض بثناياه -بأسنانه- على حلقةٍ منهما, حتى نزعها من وجنة النبي، حينما نزعها سقطت ثنيَّته الأولى، ثم نزع الحلقة الأخرى فسقطت ثنيَّته الثانية. وما أجمل أن ندع الحديث لسيدنا أبي بكر -رضي الله عنه- يصف لنا هذا المشهد . قال: لما كان يوم أحد، ورُمي النبي -عليه الصلاة والسلام- حتى دخلت في وجنته حلْقتان من المغفر، أقبلت أسعى إلى رسول الله, وإنسانٌ قد أقبل من قِبَل المشرق يطير طيراناً، فقلت: اللهمَّ اجعله طاعة -خاف أن يكون عدواً آخر- حتى إذا توافينا إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- إذا هو أبو عبيد بن الجرَّاح قد سبقني، فقال: أسألك بالله يا أبا بكر أن تتركني فأنزعها من وجه النبي, فتركته، فأخذ أبو عبيدة بثنيَّته إحدى حلقتي المغفر, فنزعها, وسقط على الأرض، وسقطت ثنيَّته معه، ثم أخذ الحلقة الأخرى بثنيَّته الأخرى فسقطت, فكان أبو عبيدة في الناس أهتم؛ أي ساقط الثنيَّتين. في يوم نجران سألوا النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يبعث معهم من يعلِّمهم القرآن والسُنَّة والإسلام, وفد نجران من اليمن, جاء النبي مسلماً -عليه الصلاة والسلام-، وسألوا النبي أن يبعث معهم من يعلِّمهم القرآن والسنة والإسلام, وقال عليه الصلاة والسلام :لأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجلا أَمِينًا . -أمين على شرع الله، أمين على كتاب الله، أمين على سنة رسول الله، لا يفتي بالهوى بل يفتي بالحق- وسمع الصحابة هذا الثناء من النبي -عليه الصلاة والسلام-، فتمنَّى كلٌ منهم لو يكون هو الذي يقع عليه اختيار النبي، فتصير هذه الشهادة الصادقة من حظِّه، النبي تلفَّت، قال : لأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجلا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ. يقول عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه-: ما أحببت الإمارة قط حبي إيَّاها يومئذٍ -أي في هذه اللحظة أحببتها حباً لا يوصف, رجاء أن أكون صاحبها- فرُحت إلى الظهر مهجِّراً -أي صلى الظهر مع النبي- فلما صلى بنا رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- الظهر، سلَّم, ثم نظر عن يمينه وعن يساره، فجعلت أتطاول ليراني -لعلَّه يختاره- فلم يزل يتلمَّس ببصره, حتى رأى أبا عبيدة بن الجرَّاح فدعاه, فقال: اخرج معهم فاقض بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه, فذهب بها أبو عبيدة. أي إنها كانت من نصيبه: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [سورة الصافات الآية: 61] هنا العمل: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ [سورة المطففين الآية: 26] هنا التنافس: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [سورة يونس الآية: 58] هنا الفرح، وهنا العمل، وهنا التنافس . كلكم يعلم: أن سيدنا عمر بن الخطاب حينما تسلَّم الخلافة, أصدر أمراً بعزل سيدنا خالد، -والمؤرِّخون يذهبون مذاهب شتَّى في تفسير هذا العزل، مع أن هناك روايةً دقيقة توضِّح حكمة هذا الخليفة الراشد من عزل هذا القائد الناجح- فلمَّا جاءه سيدنا خالد قال: يا أمير المؤمنين لمَ عزلتني؟ قال له: والله إني أحبُّك, -هذا جوابه- أعاد عليه: لمَ عزلتني؟ قال: والله إني أحبُّك, قال: لمَ عزلتني؟ قال: والله ما عزلتك -يا أبا سليمان- إلا مخافة أن يُفتتن الناس بك لكثرة ما أبليت في سبيل الله. -عزلتك إنقاذاً للتوحيد، لأن الله هو الناصر، فالناس توَّهموا أن كل معركةٍ يقودها سيدنا خالد, لا بدَّ من أن ينتصروا، مع أن الله هو الناصر، أراهم درساً عملياً، سأعزله وسيبقى النصر، إذا كان الله معكم فلا بدَّ من أن ينصركم. الحقيقة: كان سيدنا خالد يقود معركةً فاصلةً كبرى، واستهلَّ أمير المؤمنين عهده بتولية أبي عبيدة مكان خالد، الآن دقِّقوا كيف يعامل الصحابة بعضهم بعضاً؟. سيدنا أبو عبيدة معه أمر تعيين، يستطيع في أي ثانية يبرزه لسيدنا خالد، ويقول له: تفضَّل، تنحَّ جانباً وهات القيادة, سلمني إياها, هذا موقف، هذه الطاعة, وهذا أمر سيدنا عمر-. قال: لم يكد أبو عبيدة يستقبل مبعوث عمر في هذا الأمر الجديد حتى استكتمه الخبر، -طبعاً أبو عبيدة يحارب مع سيدنا خالد- جاء مبعوث سيدنا عمر معه كتاب تعيين سيدنا أبي عبيدة قائداً للجيش وعزل سيدنا خالد -ماذا فعل هذا الصحابي الجليل، هذا الأمين؟-. استكتمه الخبر, فقال له: إياك أن تذيع هذا الخبر في الناس, وكتمه هو في نفسه، طاوياً عليه صدر زاهد فطنٍ أمين، حتى أتم القائد خالدٌ فتحه العظيم، حتى انتهت المعركة الحاسمة الكبرى، وانتهت بالنصر، وانتهى كل شيء، وآن إذٍ تقدَّم إليه في أدبٍ جليل بكتاب أمير المؤمنين، ويسأله خالد: يرحمك الله أبا عبيدة, ما منعك أن تخبرني حين جاءك الكتاب؟ -لماذا تأخَّرت إلى الآن-؟ فيجبه أمين الأمَّة: إني كرهت أن أكسر عليك حربك، وما سلطان الدنيا نريد، ولا للدنيا نعمل، كلنا في الله أخوة. -بالمناسبة: عندما قال ربنا عزَّ وجل : ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [سورة الحجرات الآية: 10] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4618/08.jpg هذه إنما أداة قصر؛ أي لا تجد أخوَّةً في أي مجتمعٍ، أخوةً صادقةً، مخلصةً، فيها المودة، والنصيحة، والحب، والوفاء إلا بين المؤمنين. والشيء الثاني: أن أخوة النسب تجمع على أخوة، بينما أخوة الصداقة تجمع على أخوان، الله عزَّ وجل قال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [سورة الحجرات الآية: 10] أي في أعلى درجة من درجات القرب, هكذا فعل معه-. ويصبح أبو عبيدة أمير الشام، وتحت إمرته أكثر جيوش الإسلام, طولاً وعرضاً، عتاداً وعُدداً، فما كنت تحسبه حين تراه إلا واحداً من المقاتلين، وفرداً عادياً من المسلمين, وحينما ترامَى إلى سمعه أحاديث أهل الشام عنه، وانبهارهم بأمير المؤمنين بأمير الأمراء، جمعهم وقام فيهم خطيباً، -اسمعوا ماذا قال-؟ قال: أيها الناس, إني مسلمٌ من قريش -أنا مسلم عادي- وما منكم من أحدٍ أحمر ولا أسود يكبرني بتقوى إلا وددت أني في إيهابه. -أي إذا واحد سبقني في التقوى, أتمنَّى أن أكون مكانه، هذا منتهى الورع، منتهى التواضع، منتهى معرفة الذات-. الآن: سيدنا عمر يزور الشام ويسأل مستقبليه: أين أخي؟. -سيدنا رسول الله عندما بعث سيدنا عمر للحج, قال له: ((لا تَنْسَنَا يَا أُخَيَّ مِنْ دُعَائِكَ)) [أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما] النبي سأل سيدنا عمر الدعاء- فقال: أين أخي؟ قالوا: من؟ قال: أبو عبيدة, ويأتي أبو عبيدة فيعانقه أمير المؤمنين عمر, ثم يصحبه إلى داره، دار أمير الأمراء في الشام، دار القائد العام للجيوش الإسلاميَّة, يصحبه إلى داره, فلا يجد فيها إلا أثاثاً بسيطاً؛ جلد غزال، وقِدر ماء، ورغيف خبز، وسيفاً معلَّقاً في الحائط. ويسأل عمر, وهو يبتسم: ألا اتخذت لنفسك مثل ما يصنع الناس؟ " فيجيبه أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين هذا يبلِّغني المقيل، هو للدنيا وعلى الدنيا كثير. حينما جاء الخبر -خبر وفاته- بكى سيدنا عمر, وقال: لو كنت متمنياً ما تمنيت إلا بيتاً مملوءاً برجالٍ من أمثال أبي عبيدة. لاحظوا شيئين كيف عامل النبي؟ هذا الحب الذي لا يوصف، هذا التفاني، هذه التضحية، حب رسول الله، اسمعوا ما قال العلماء: " حب رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- هو عين حب الله، وعين حب الله حب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم. لذلك قال الله عزَّ وجل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [سورة الشرح الآية: 1-4] الله سبحانه وتعالى جعل حبَّ النبي عين حب الله، وجعل حبَّه عين حب النبي . النقطة الثانية: هذا الموقف الحكيم، هذا الموقف اللطيف مع سيدنا خالد, كان بإمكانه أن يبلِّغه قرار العزل والتعيين في أثناء المعركة، وأن يتسلَّم الإمارة منه بشكلٍ يلفت النظر, ولكن كتم الخبر حتى انتهت المعركة, لأنه لا يعمل للدنيا بل يعمل لله، هذا سر نجاح أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله . |
رد: الحقوق الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : غض البصر - 2 - التبرجالحقوق الاسلامية الدرس : ( العشرون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حق الطريق : أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق، ولا زلنا في موضوع حق الطريق، وقد بيَّنت لكم في الدرس الماضي: أن من أول حقوق الطريق غض البصر، أما أحكام غض البصر على وجهٍ تفصيلي, فقد مر ذكرها في سورة النور بتفصيلٍ شديد، ولا داعي لأن تعاد مرةً ثانية, ولكن يعنينا من غض البصر: أنه مدرسةٌ يمكن أن تصل بصاحبها إلى الاتصال بالله عزَّ وجل، كأن الله سبحانه وتعالى جعل غض البصر مناسبةً, ليشعر المؤمن في اليوم الواحد عشرات المرات أنه مخلصٌ لله عزَّ وجل، ولعله بهذا الشعور وذاك الإخلاص يقبل على الله عزَّ وجل: ومن غض بصره عن محارم الله, أورثه الله حلاوةً في قلبه إلى يوم يلقاه. من الفتن التي تقع بها المرأة : 1-إظهار محاسنها للأجانب : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4620/01.jpg ماذا يقابل غض البصر؟ إذا كان المؤمنون قد أمروا بغض البصر، فماذا على المؤمنات أن يفعلن؟ هناك أحكامٌ عدَّة تتعلق بالمرأة، الله سبحانه وتعالى نهى النساء عامةً عن أن يتبرَّجن تبرج الجاهلية. عرَّف العلماء تبرج الجاهلية بأنه: إظهار محاسن المرأة للأجانب. مهما بالغت المرأة بإظهار محاسنها لزوجها, فهي في أعلى درجات الطاعة لربها، إذا بالغت المرأة المسلمة بإظهار محاسنها لزوجها، وكانت معواناً له على غض بصره, فهي في أعلى درجات الطاعة، أما إذا جهدت لتبرز محاسنها بطريقةٍ أو بأخرى لغير زوجها، للأجانب، لمن لا يجوز لها أن تبرُز أمامهم، لمن لا يجوز لهم أن ينظروا إليها، فهي في أدنى درجات المعصية، في أدناها دَرْكَاً، لذلك عندما قال ربنا عزَّ وجل: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ﴾ [سورة الأحزاب الآية: 33] لو قال: ولا تبرجن, نهيٌ عن مطلق الزينة، قال: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [سورة الأحزاب الآية: 33] المرأة الجاهلة هي التي تبرز محاسنها لغير زوجها . 2-فتنة اللسان : فتنةٌ أخرى يمكن أن تقع بها المرأة ألا وهي فتنة اللسان. صوت المرأة عورة، إذا ليَّنته، وكسَّرته، ورقَّقته، ونغَّمته, إنه عورة، ربما شفَّ عن محاسنها وهي محجبةٌ عن الذي يستمع إليها، حتى لو أن صوتها وصل إلينا من وراء حجاب, إذا كسَّرته، وليَّنته، ولوَّنته، ونغَّمته، فإنه عورةٌ وأية عورة، من هنا قال الله عزَّ وجل : ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 32] كلمة: شكراً, فهناك كلمات تعبر عن الشكر والمودة من رجل لرجل معقولة جداً، أما من امرأةٍ لرجلٍ أجنبيٍ لا يحل لها، إنها حبائل الشيطان: ﴿إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 32] ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُمَا ﴾ -سيدنا موسى، قول معروف، لو فتَّشت في اللغة العربية كلها, لن تجد كلمةً جادةً صارمةً موجزةً بليغةً كهذه الكلمة: فأجابتا- : ﴿لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ﴾ [سورة القصص الآية: 23] قد يسأل: لمَ أنتما هنا؟ أين أبوكما؟ أين أخوكما؟ لتقطع باب الحوار : ﴿قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ [سورة القصص الآية: 23] كلمة واحدة :. ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ﴾ [سورة القصص الآية: 25] لو اكتفت عند هذا القول لسألها: لماذا يدعوني؟ ما المناسبة ؟:. ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا﴾ [سورة القصص الآية: 25] انتهى الكلام : ﴿وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 32] علِّموا نساءكم، علموا بناتكم، علموا أخواتكم، علموا من يلوذ بكم من النساء: أن يقلن قولاً معروفاً مع الأجانب. شيء آخر: القصص التي تصف علاقة المرأة بالرجل، هذه القصص سُمِّيت فاحشة، لأن الإنسان بطبيعته، بطبيعة ما أودع الله فيه من شهوة، يميل إلى سماع هذه القصة، فإذا فشت هذه القصص بين المؤمنين، فكأنما فشت الفاحشة بينهم، لذلك هذا الأدب الرخيص، الأدب المثير، الأعمال الفنية المثيرة، أي عملٍ يستهدف إثارة الغرائز هذا محرم؛ ما حَرُم فعله حرم استعماله، ما حرم فعله حرم النظر إليه، ما حرف فعله حرم الحديث عنه, لذلك: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4620/02.jpg ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ﴾ [سورة النور الآية: 19] أنت بدافعٍ تربوي قد تصف جريمةً أخلاقية، ولكن المؤمن يصفها بطريقةٍ أديبة، بطريقة لا تثير الغرائز، وقد توصف جريمةٌ أخلاقيةٌ بطريقةٍ أدبية تثير غرائز الإنسان، فلك أن تصف الرذيلة ولكن بطريقةٍ نشمئز منها لا بطريقةٍ نحبها. هؤلاء الكُتَّاب الذي يصفون الرذيلة بطريقةٍ نحبها، هؤلاء كتابٌ يعملون على هدم المجتمع وهم لا يدرون أو يدرون، إن جيلاً من الشباب بأسره قد تنحط أخلاقه, بسبب هذا اللون من الأدب، لذلك الكِتاب يجب أن يحسن الإنسان اختياره، ما كل كتابٍ يقرأ، وما كل قصةٍ تقرأ، وما كل أدبٍ يقرأ، وما كل شعرٍ يقرأ، لذلك العلماء قالوا: الشعر كلامٌ حسنه حسن وقبيحه قبيح. الشعر كلام، هناك شعرٌ يصف النبي عليه الصلاة والسلام، يصف البطولة, تذوب نفسك بهذه البطولة، وهذا شعرٌ آخر يصف الرذيلة، فالمؤمن يجب أن يدقق فيما يقرأ. 3-فتنة الحذاء : لو أن هذه المرأة لم تتكلم، هناك فتنةٌ أخرى، قد تسير سيراً بصوتٍ صارخٍ يلفت النظر إليها، قال تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [سورة النور الآية: 31] فهذه الأحذية النسائية التي لها صوت حينما تمشي المرأة، كأن المرأة تقول: ها أنذا انظروا إلي, لو أنها مشت خلف الرجل, تلفت نظره إليها عن طريق هذه المِشية غير الإسلامية، فربنا سبحانه وتعالى يقول : ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [سورة النور الآية: 31] 4-فتنة الطيب : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4620/03.jpg هناك فتنةٌ رابعة: فتنة الطَيْب، قال عليه الصلاة والسلام : َ ((الْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ بِالْمَجْلِسِ, فَهِيَ كَذَا وَكَذَا)) يَعْنِي زَانِيَةً . [أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي في سننهم] امرأة تسير في الطريق بين الأجانب وقد استعطرت، لماذا استعطرت؟ من أجل أن تلفت النظر إليها. وفي حديثٍ آخر: ((إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلا تَمَسَّ طِيبًا)) [أخرجه مسلم في الصحيح, والنسائي في سننه, ومالك في الموطأ] والنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((طِيبُ الرِّجَالِ مَا ظَهَرَ رِيحُهُ وَخَفِيَ لَوْنُهُ, وَطِيبُ النِّسَاءِ مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ وَخَفِيَ رِيحُهُ)) [أخرجه الترمذي والنسائي في سننهما] الزينة مطلوبة من دون أن يكون لهذه الزينة رائحةٌ تلفت نظر الرجال . 5-فتنة التعري : وفتنة التعرِّي هذه فتنةٌ كبيرةٌ جداً، جاء في الحديث الشريف: ((إِيَّاكُمْ وَالتَّعَرِّيَ فَإِنَّ مَعَكُمْ مَنْ لا يُفَارِقُكُمْ)) [أخرجه الترمذي في سننه] والنساء الكاسيات العاريات اللائي وصفهن النبي -عليه الصلاة والسلام- ((المائلات المميلات, رؤوسهن كأسنمة البَخت المائلة, لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها)) ترتدي ثياباً شفافة، أو ترتدي ثياباً ضيِّقة، الثوب الذي يشفُّ عن لون البشرة، أو يشف عن حجم العضو, هذا ثوبٌ هدفه التزيُّن وليس ستر العورة. فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((نساءٌ كاسيات عاريات، مائلات مميلات, رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة, لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها)) يدنين عليهن من جلابيبهن: بقي موضوعٌ حساسٌ جداً, سأقرأ لكم ما ورد في بعض التفاسير عنه، حينما قال الله عز وجل : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 59] قال العلماء: أن يرخين جانباً من خمورهن أو ثيابهن على أنفسهن. وهذا هو المفهوم من ضرب الخمار على الوجه، والمقصود به ستر الوجه وإخفاؤه، سواءٌ بضرب الخمار أو بلبس النقاب, أو بطريقةٍ أخرى غيرها، والمسلمات إذا خرجن من بيوتهن متستراتٍ على هذا النحو، علم أهل الريبة من الرجال أنهن شريفات، وجميع المُفسرين قد ذهبوا هذا المذهب في تفسير هذه الآية. فيروى عن ابن عباسٍ -رضي الله عنه- قوله: أمر الله نساء المؤمنين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة, أن يغطين وجوههن من فوق الجلابيب. وعن ابن سيرين قال: سألت عبيدة بن سفيان بن الحارث الحضرمي عن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ [سورة الأحزاب الآية: 59] قال: فأخذ ثوبه فغطَّى رأسه ووجهه، وأبرز ثوبه عن إحدى عينيه. ويقول الطبري أيضاً في تفسير قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأحزاب الآية: 59] لا تتشبهن بالإماء في لباسهن إذا هن خرجن من بيوتهن لحاجتهن، فكشفن شعورهن ووجوههن، ولكن يُدنين عليهن من جلابيبهن، لئلا يعرض لهن فاسقٌ إذا علم أنهن حرائر بأذىً من قول. ويقول العلامة أبو بكر الجصاص: في هذه الآية دلالة على أن المرأة مأمورةٌ بستر وجهها عن الأجانب، وإظهار الستر والعفاف عند الخروج, لئلا يطمع فيها أهل الريب فيهن . وقال العلامة النيسابوري في تفسير هذه الآية: كانت النساء في أول الإسلام على عادتهن في الجاهلية متبذِّلاتٍ، يبرزن في درعٍ وخمار من غير فصلٍ بين الحُرة والأمة، فأمرن بلبس الأردية وستر الرأس والوجوه، ذلك الإدناء –أدنى- أقرب إلى أن يعرفن أنهن حرائر، فإن التي سترت وجهها أولى بأن تستر كل شيءٍ في جسمها. وقال الإمام فخر الدين الرازي: وكان في الجاهلية تخرج الحرة والأمة مكشوفاتٍ يتبعهن الزناة وقع التُهم، فأمر الله الحرائر بالتجلبب، وقوله تعالى : ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ [سورة الأحزاب الاية: 59] أي أنهن حُرَّات، لأن من تستر وجهها هو أولى؛ أي هي مظنة أن تستر كل شيءٍ في جسمها هذا المقصود. شروط ملابس المرأة المسلمة: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4620/04.jpg الآن شروط الثياب التي يجب أن ترتديها المرأة المسلمة: أولاً: أن يغطي الثوب جميع الجسم، ألا يشف ويصف ما تحته: أخبر النبي -عليه الصلاة والسلام- :إن من أهل النار نساءٌ كاسيات عاريات ... إلخ. ودخلت نسوةٌ من بني تميم على عائشة -رضي الله عنها- وعليها ثيابٌ رقاق، فقالت عائشة: إن كنتن مؤمناتٍ فليس هذا بثياب المؤمنات. وأدخلت عليها امرأةٌ عروس -على السيدة عائشة- عليها خمارٌ رقيقٌ شفَّاف, فقالت: لم تؤمن بسورة النور امرأةٌ تلبس هذا الثوب. الآن الشرط الثاني: ألا يحدد الثوب أجزاء الجسم وألا يبرز مفاتنه: وإن لم يكن رقيقاً شفافاً كتلك الثياب التي جاءتنا عن الغرب، فأي ثوبٍ تلبسه المرأة لو كان سميكاً، إذا كان هذا الثوب يصف حجم أعضائها فكأنه يبرز أعضاءها كما هي . من صفات ثياب المرأة المسلمة: ألا يكون مما يختص به الرجال كلبس البنطال، وألا يكون الثوب مما اختصت به النساء الفاجرات، أي أحدث الصرعات، هذه الثياب التي ترتديها المرأة الفاجرة لا ينبغي للمرأة المُسلمة أن ترتديها. هذا مجمل ما ينبغي على المرأة المسلمة أن تفعله إذا خرجت من بيتها، لأن ثياب الإنسان في الإسلام جزءٌ من دينه، ولا سيما المرأة، قضية الثياب، ونوع الثياب، وشكل الثياب هذا متعلقٌ بدين المرأة، أما لها أن ترتدي لزوجها ما تشاء من دون قيدٍ أو شرط، مهما تفنَّنت المرأة في التزيُّن لزوجها, فهي في أعلى درجات الطاعة, أما إذا تفنَّنت في إظهار مفاتنها لغير زوجها بشكلٍ أو بآخر، فهي في أحط درجات المعصية، هذا ملخص هذا الموضوع. سعد بن عبادة : والآن إلى القسم الثاني من الدرس وهو سيرة أصحاب رسول الله عليهم رضوان الله . الحقيقة: لا بدَّ من كلمة أقدم بها الحديث عن قصة سيدنا سعد بن عبادة، هذا الصحابي الجليل له مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- موقفٌ صريح، هذا الموقف يعلمنا أشياء كثيرة، ولكن قبل أن نخوض في هذه القصة التي تتعلق بسيدنا سعدٍ بن عبادة, لا بدَّ من تمهيدٍ: لماذا يجب أن نقرأ سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- مشَرع؛ أي أن أقواله، وأفعاله, وإقراره, وأحواله، وصفاته كلها تشريع، فأنت إذا قرأت ما في القرآن الكريم من أوامر ونواه، أنت لا زلت مفتقراً إلى أن ترى كيف وقف النبي الموقف الكامل في هذا الوضع, وكأن سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- فيها مواقف متنوِّعة جداً، بحيث أن هذه المواقف المتنوعة تغطي كل الأحوال التي يمكن لمؤمنٍ أن يتعرَّض لها. مواقف نبوية: 1-الثبات على المبدأ : فمثلاً: لو أن شاباً نال شهادة الطب، وعُيِّن طبيباً شرعياً مثلاً، وجاءته حالة وفاة جُرْمِي -قتل- فلو جاءه أهل أشخاص معينون, وعرضوا عليه مبلغاً طائلاً من المال, نظير أن يكتب أن الوفاة جاءت طبيعية، جاءه مبلغٌ كبير، هذا المبلغ يحل به كل مشكلاته. النبي -عليه الصلاة والسلام- عرض عليه كفار قريش أن يكون أغناهم، عرضوا عليه أن يعطوه أجمل بناتهم، عرضوا عليه أن يسوِّدوه عليهم, هذا موقف. فالإنسان له مبادئ، بعمله، بمهنته، بمواقفه، يتعرض لإغراءات شديدة جداً، أو يتعرض لضغوط؛ ضغوط أو إغراءات، فإذا اقتدى بالنبي -عليه الصلاة والسلام- في ثباته على مبدئه، تكون هذه السيرة قد قدَّمت له نموذجاً كاملاً, عليه أن يقفه عندما يتعرَّض لضغطٍ أو لإغراء، إذاً: أنت في مثل هذا الموقف تقف ما وقف به النبي عليه الصلاة والسلام. 2-العطف على البنات : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4620/05.jpg مثلاً: إنسان ولدت له بنت، العوام يقولون: البنت لها كنة, وربنا عزَّ وجل قال : ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ [سورة النحل الآية: 58-59] النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما ولدت له السيدة فاطمة، ضمها وشمها .... هذا موقف، فإذا جاءك بنت قف موقف النبي -عليه الصلاة والسلام-: ريحانةٌ أشمها وعلى الله رزقها. لعل الخير كله من هذا البنت، لعل خيرك كله من هذه الفتاة، هذا موقف . 3-موقف المؤمن إذا اتهم أهل بيته: إنسان تحدث الناس حديثاً باطلاً عن أهله، حديث من نوع الزنا، هناك من يسكُت ولا يتأثر فهو الديوث، من هو الديوث؟ الذي يرضى الفاحشة في أهله، لا يغار على عرضه، أو يرضى الفاحشة في أهله، أو إنسان أحمق يذبح هذه المرأة, ويرتكب جريمةً, ثم يظهر أنها بريئة. هذا وقع. في مسرحية لشكسبير شهيرة جداً، اسمه عُطَيل، توهم أن ديدمونة زوجته قد خانته فذبحها، فلما علم ببراءتها انتحر. النبي -عليه الصلاة والسلام- تكلمت المدينة كلها عن زوجته السيدة عائشة، وقف الموقف الكامل . 4-علمك عند الفقر الصبر : النبي -عليه الصلاة والسلام- أصابه الفقر، دخل عليه أحد أصحابه, وقد رآه مصفر اللون، فقال: بأبي أنت وأمي ما لك يا رسول الله؟ ذاق طعم الفقر، فإذا نصح الفقراء بالصبر يكون كلامه مقبولاً، لو أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يذق طعم الفقر, ونصحنا بالصبر, لما صدَّقه الفقراء. يا محمد, أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً؟ قال: ((لا يَا رَبِّ, وَلَكِنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وَأَجُوعُ يَوْمًا, أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ, فَإِذَا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إِلَيْكَ وَذَكَرْتُكَ, وَإِذَا شَبِعْتُ حَمِدْتُكَ وَشَكَرْتُكَ)) أي إذا ربنا عزَّ وجل قلَّب الأمور، امتحنك في الغنى فرآك سخياً، الآن سيمتحنك في الفقر، لماذا أنت مُضَّطرب؟ لماذا أنت يائس؟:. ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [سورة الملك الآية: 2] امتحنا هذه السيارة بالنزول فرأيناها جيدة جداً، الآن سنمتحنها بالصعود، لننظر قوة محركه، هل تحمى أم لا تحمى؟ فالله عزَّ وجل هو يمتحن الإنسان . 5-علمك الحلم : أعرابي أثناء توزيع الغنائم قال: ((اعدل يا محمد. -فما هذا القول؟ يخاطب من؟ يخاطب سيد الخلق، حبيب الحق، كان بإمكان النبي أن يسحقه، أن يشير بقتله- فقال: وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِنْ لَمْ أَعْدِلْ؟)) أعرابيٌ آخر جذبه من ثوبه حتى أثر ثوبه في عنقه الشريف، التفت إليه وتبسَّم, وما زاد عن ذلك. -يعلمنا كظم الغيظ، وأنت في أعلى درجة من القوة، في أعلى درجة من التمكُّن، هذا جاهل. اطمئن، رأى النبي مصدر أمنٍ له- فلما صلى قال: ((اللهم ارحمني ومحمداً ولا ترحم معنا أحداً -من هؤلاء- قال: لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعاً)) [أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم] علَّمك الحلم، علمك الصبر . سيدنا عمر كان ماشياً في المسجد ليلاً -فيبدو أنه داس على رجل إنسان خطأ، هذا الإنسان عصبي المزاج-, قال: أأعمى أنت؟ قال: لا, فقال له من معه: ماذا قال لك؟ فقال لهم: سألني فأجبته, وانتهى الأمر. اقتدوا بالنبي -عليه الصلاة والسلام-، فلا تغُرَّك قوَّتك إذا كنت قوياً، إذا كان بإمكانك أن تسحق هذا الضعيف, اقتد بالنبي -عليه الصلاة والسلام- اقرأ سيرته من أجل أن تقتدي به . موقف الغني بالتسامح، موقف الفقر بالصبر والعفاف والتجمُّل . 6-علمك عند القهر الرحمة : يا ترى: هل تجذبك رحمتك على التشفِّي من أعدائك؟. النبي الكريم بالطائف حينما دعا ربَّه, فقال: ((اللهم أشكو إليك قلة حيلتي وهواني على الناس)) قف هذا الموقف الأخلاقي، جاءه جبريل, وبإمكانه أن يسحق هؤلاء المكذبين. 7-علمك عند النصر والقوة العفو : ذاق طعم النصر، مكة التي ائتمرت على قتله، والتي أخرجته، والتي أهانت أصحابه وعذبتهم, و ...., سنوات طويلة, وها هو ذا يفتحها, وتحت إمرته عشرة آلاف سيف تتوهج بالشمس، لو أنه أشار إليهم لأبادوا أهل مكة، قال : ((ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً, أخ كريم وابن أخ كريم, فقال: أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم)) ((اذهبوا فإنكم الطلقاء)) علمك العفو، علمك عند القهر الصبر والرحمة، وعلمك عند النصر والقوة العفو . 8-علمك الترفع عن السباب والترفع عن التشفي : عمير بن وهب الذي توشَّح سيفه, وجاء ليقتل النبيعليه الصلاة والسلا، شعر عليه سيدنا عمر, فقيده بحمالة السيف، قال: أطلقه يا عمر, أطلقه، قال: اقترب يا عمير -بكل لطف ورقة- عفا عنه, وانقلب هذا الذي جاء ليقتله إلى أحب الناس إليه، علَّمك العفو . سيدنا عكرمة حينما جاء مسلماً، قال عليه الصلاة والسلام لأصحابه .... علَّمك الترفُّع عن السباب، والترفع عن التشفي . إنسان آخر جاء ليقتل النبي -عليه الصلاة والسلام- أمسكه عمر وجاء به إلى النبي، فقال سيدنا رسول الله: هل أعددتم له طعاماً؟ سيدنا عمر صُعِق، كأنه يتوقع أن يقول: اضرب عنقه يا عمر, قال:هل أعددتم له طعاماً؟ هكذا النبي. 9-هذا الموقف الكامل إذا فقد الابن : أذاقه الله فقدان الابن بالوفاة, شيء صعب جداً، دمعت عينه، قالوا: ((أتبك؟ قال: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ, وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ, وَلا نَقُولُ إِلا مَا يَرْضَى رَبُّنَا, وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ)) هذا الموقف الكامل إذا قبض الابن. كان يتفقَّد أصحابه، إذا أنت لك أخوان، لك أصدقاء، لك أصحاب، لك زملاء، لك أقارب. في أعقاب معركة أحد, تفقد أصحابه, فلم يجد أحد أصحابه -سالم بن الربيع- تفقده وبحث عنه حتى عرف خبره. 10-سوى نفسه بأدنى جندي بالجيش : سوى نفسه بأدنى جندي بالجيش. في معركة بدر قال: ((كل ثلاثة على راحلة، وأنا وعليٌ وأبو لبابة على راحلة)) ركب النبي على الناقة، جاء دوره في المشي، توسلا إليه أن يبقى راكباً, قال: ((ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر)) اقتدِ بالنبي الكريم، سوّ نفسك مع أقل إنسان، هذا في الحرب . 11-هذا موقفه في السلم : في السلم: عندما كانوا في نزهة, وأرادوا أن يذبحوا شاةً, هذا قال: ((علي ذبحها، وهذا: علي سلقها، وهذا: عليَّ سلخها، وقال: وعلي جمع الحطب, فقالوا: نكفيك، قال: لا، أعلم ذلك, ولكن الله يكره عبده متميزاً على أقرانه)) اقتدِ بالنبي الكريم، هذا موقف كامل. 12-كان يمشي في الأسواق ويتفقد أصحابه ويحمل حاجته بيده : كان يمشي في الأسواق, ويحمل حاجته بيده، وقد تستوقفه امرأةٌ ضعيفة, وكان يقول: ((برئ من الكبر من حمل حاجته بيده)) هذا وسام شرف، حامل خضروات وفواكه، والحاجات لبيته، من أنت؟ أنت أعظم من رسول الله؟ هو في أعلى مقامات البشر، كان يمشي في الأسواق, ويتفقد أصحابه، ويحمل حاجته بيده.13-معاملته مع الصبيان ومع أهل بيته : وكان إذا رأى صبياناً يقول: ((السَّلامُ عَلَيْكُمْ يَا صِبْيَانُ)) تألفاً لقلوبهم. وكان إذا دخل بيته بسَّاماً ضحاكاً، وكان يقول: ((أكرموا النساء، فو الله ما أكرمهن إلا كريم)) تسابق مرة مع السيدة عائشة -نبي هذه الأمة، قمة المجتمع، أول خلق الله، سيد الخلق، حبيب الحق- تسابق مع السيدة عائشة فسبقته -كانت صغيرة- قالت: ((فلما ركبني اللحم سبقني, قال: هَذِهِ بِتِلْكَ السَّبْقَةِ)) أصبحنا تعادل. سألته مرة: ((كيف حبك لي؟ قال: كعقدة الحبل. -أي عقدة لا تفك، فصارت كشفرة بينهم، فصارت تقول له من حين إلى آخر-: كيف العقدة؟ يقول: على حالها)) أي متينة، فكان في بيته وديعاً، لطيفاً، مؤنساً، متواضعاً، كان يكنس داره، ويرفع ثوبه، ويخصف نعله, وكان في مهنة أهله، هذا موقف. قراءة السيرة فرضٌ لازم من أجل أن تعرف رسول الله، من أجل أن تقتدي به، من أجل أن تقتفي أثره، من أجل أن تتبع سنته، لأنه الإنسان الكامل. 14-معاملته مع الخلق : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4620/06.jpg كان يركب الحسن والحسين على ظهره, ويقول: ((نعم الجمل جملكما, ونعم العدلان أنتما)) [أخرجه الطبراني في المعجم الكبير] معه مسواكان؛ واحد مستقيم، والثاني معوج، فقدَّم المستقيم لأحد أصحابه، انتقى المستقيم وقدَّمه، أكثر الناس يعطي الجيدة له والرديئة للآخر، أعطاه السواك المستقيم، هذا الموقف الكامل الذي يحب أن تقفه . إنسان نزع له ريشة من على ثوبه، رفع يديه وقال: ((جزاك الله عني كل خير)) ريشة, ماذا فعل؟ ريشة نزعها من على ثوبه. 15-إكرامه للضيف : عدي بن حاتم استقبله في البيت, ليس عنده إلا وسادة واحدة دفعها إليه، قال: ((اجلس عليها, عدي استحيا, قال: بل أنت, قال: بل أنت, قال: فجلست عليها وجلس هو على الأرض)) إكرام الضيف هكذا؛ تعلم إكرام الضيف، تعلم العلاقة مع الزوجة، العلاقة مع الصغار، العلاقة في الأزمات، في المواقف .16-كان ينوه بفضل أصحابه : كان ينوِّه بفضل أصحابه، فعن سيدنا الصديق قال: ((ما ساءني قط)) ((ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة غير أبي بكر)) وعن سيدنا عمر قال: ((لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب)) سيدنا عثمان وصفه بأنه أحيا أمتي: ((أَلا أَسْتَحِي مِمَّنْ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلائِكَةُ؟)) وعن سيدنا علي قال: ((أنا مدينة العلم وعلي بابها)) [أخرجه الترمذي في سننه] وعن سيدنا أبي عبيدة قال: ((أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ)) وعن سيدنا الزبير قال: ((حواري هذه الأمة)) وعن سيدنا سعد, قال: ((ارمِ فداك أبي وأمي)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] وعن سيدنا معاذ, قال: ((والله إني أحبك)) فإذا أنت كنت تاجراً عندك محل، عندك معمل، موظف عندك موظفين، عندك موظف أخلاقه عالية, أسمعه كلمة ثناء من حين لآخر، يطمئن أنك عارف قدره، عندك موظف أمين، اثنِ على أمانته. رجل دخل على الصلاة مستعجلاً, فأحدث جلبة وضجيجاً، فلما انتهت الصلاة قال: ((زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ )) [أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما] أثنى على حرصه، مع أنه أحدث جلبة وضجيجاً، قال: زادك الله حرصاً ولا تعد لمثلها. قبل أن يوجهه ويلومه أثنى على حرصه، تعلموا. تدقيق بالحديث . لذلك ينبغي أن نقرأ السيرة، لأن مواقف النبي -عليه الصلاة والسلام- هي المواقف الكاملة، وأتمنى عليكم أن تسألوا أنفسكم أحياناً: ماذا فعلت في حياتي اليومية اقتداءً بالنبي عليه الصلاة والسلام؟ في بيتك، في عملك، مع أصحابك، مع أخوانك، ماذا فعلت؟ ما الموقف الذي وقفت اقتداءً بالنبي؟ ما التصرف الذي تصرفت اقتداءً بالنبي؟ هكذا. الحقيقة: نحن الآن أمام قصَّة، قصة يغلب على ظني أنكم تعرفونها جميعاً، ولكن المقصود ليس أحداثها بل تحليلها. فالنبي -عليه الصلاة والسلام- حينما انتهى من غزوة حنين، وزَّع الغنائم, واهتم يومئذٍ اهتماماً خاصاً بالمؤلَّفة قلوبهم، وهم أولئك الأشراف الذي دخلوا الإسلام من قريب، ورأى النبي -عليه الصلاة والسلام- لحكمته أن يساعدهم على أنفسهم بهذا التآلف، فأعطى ذوي الحاجة من المقاتلين, أما أولو الإسلام المكين، المسلمون الأوائل الأقوياء، فقد وكلهم إلى إسلامهم، ولم يعطهم من هذه الغنائم شيئاً، وكان عطاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شرفاً يحرص عليه الناس جميعاً، لذلك تساءل الأنصار في مرارة: لمَ لمْ يعطهم النبي -عليه الصلاة والسلام- حظهم من الغنيمة؟ حدثت مشكلة، وجد تساؤل، وحشرجة، وضيق، وحُزن، ومشكلة أساسها الحرمان. الحقيقة: الآن سنتعلم شيئاً مفيداً جداً في الحياة: أولاً كان من الممكن ألا تقع هذه الحادثة إطلاقاً؟ الله عزَّ وجل على كل شيء قدير، وكل شيءٍ وقع أراده الله، كان من الممكن: ألا تقع هذه الحادثة إطلاقاً؟ ولكن لماذا وقعت؟ وقعت لأنها تكشف حقائق النفوس، الإنسان له حقيقة، فهؤلاء الأنصار -رضي الله عنهم- في بأنفسهم تعلق بالغنائم، لولا هذه الحادثة لما ظهر هذا التعلُّق، فالواحد منا يكون مسلماً مؤمناً مستقيماً، دخله حلال، ضابطاً لجوارحه كلها، يصلي الصلوات بإتقان، ومع ذلك تأتيه مشكلة، فالله عزَّ وجل قال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [سورة طه الآية: 7] أي يعلم سرك وما خفي عنك، قد يكون هناك مرض نفسي خفي عنك، فربنا عزَّ وجل بهذا الظرف الصعب, ظهر على السطح هذا المرض، فعالجك الله منه، فارتقيت عنده, هذه قضية مهمة جداً، المؤمن يظن نفسه متوهماً أنه سليم معافىً، طاهر, لا, هناك أمراض كامنة، هذه الأمراض الكامنة لا تظهر على السطح إلا بحوادث نادرة، فهذا الحادث أراده الله عزَّ وجل، أرداه ليظهر على السطح حرص هؤلاء على الغنيمة أكثر من حرصهم على رضاء النبي عليه الصلاة والسلام، فكانت هذه الحادثة. الإنسان بساعة الضيق، أو ساعة الحزن عن الدنيا، قد تغيب عنه عصمة هذا النبي العظيم ، قد تغيب عنه نزاهته المُطلقة، قد تغيب عنه حكمته البالغة، حينما وجدوا في أنفسهم على النبي -عليه الصلاة والسلام-, غابت عنهم عصمته، وغابت عنهم نزاهته، وغابت عنهم حكمته، لذلك من خلال هذه الحادثة: أراد الله عزَّ وجل أن يكشف عن حكمة النبي, وعن عصمته, وعن نزاهته. شيء آخر: إن هذه القصة درسٌ عملي يتعلم به المؤمنون, كيف يقفوا الموقف الحكيم الأكمل إذا واجهتهم معارضة؟ النبي واجهته معارضة، هؤلاء الأنصار تألَّموا، فقد وجدوا عليه في أنفسهم: لماذا فعل هكذا؟ لماذا حرمنا من هذه الغنائم؟ لقد نصرناه؟ هذا التعلق بالغنائم طفا على السطح، عدم المعرفة الكاملة بالنبي -عليه الصلاة والسلام- طفا على السطح، النبي ينطوي على كمالٍ شديد ظهر هذا الكمال. أنت مدير مدرسة، مدير معمل، موظف، معلم، نشأت حولك حركة ضدك، ما الموقف الأكمل الذي يجب أن تقفه؟. النبي -عليه الصلاة والسلام- متى واجه هذا الموقف؟ هل في أول الدعوة؟ ليته كان في ذاك الوقت، واجه هذا الموقف وهو في أقوى ما يكون، في أقوى حالة يكونها، النبي كلكم يعلم ليس نبياً فحسب, هو رئيس هذه الدولة الإسلامية، نبيٌ، رسولٌ، يوحى إليه، معصوم، سيد الخلق، حبيب الحق، سيد ولد آدم، سيد الأنبياء والمرسلين، رئيس هذه الدولة، القائد الأعلى للقوات المسلحة عند المسلمين، واجه معارضة. كان من الممكن: أن يسحقها نهائياً، وكان من الممكن أن يسحقها أدبياً، إذا ندد بهم بهؤلاء الذين وجدوا عليه في أنفسهم سحقهم، نبيٌ عظيم يندد بمن ينتقده بهذه الطريقة سحقهم، وكان من الممكن أن يتجاهلهم، بإمكانه أن ينهيهم كلياً، وبإمكانه أن يهدر اعتبارهم، وبإمكانه أن يتجاهلهم، وبإمكانه أن يعاتبهم, لم يسحقهم، ولم يهدر كرامتهم، ولم يتجاهلهم، ولم يعاتبهم لمصلحته، فماذا فعل؟. سيدنا سعد بن عبادة -صاحب الترجمة اليوم- كان سيد الأنصار, سمع قومه يتهامسون بعضهم بهذا الأمر، فلم يرضه هذا الموقف، استجاب لطبيعته الواضحة المُسفرة الصريحة، وذهب من فوره إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وقال: ((يا رسول الله -سلك الطريق المباشر ، سلك الأسلوب الصريح، لا يوجد لف ودوران- قال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصار، قد وجدوا عليك في أنفسهم, لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك, وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار منها شيء -أرأيتم إلى هذه الصراحة؟ أرأيتم إلى هذا الوضوح؟ أرأيتم إلى هذا الطريق المباشر؟. أذكركم بأن النبي -عليه الصلاة والسلام- كان في أعلى درجات القوة، وكان بإمكان أن ينهيهم، بإمكانه أن يهدر كرامتهم، بإمكانه أن يعاتبهم، بإمكانه أن يجمعهم, ويبين لهم فضله عليهم، كل هذا بإمكانه، ولكن ماذا فعل؟- قال عليه الصلاة والسلام: وأين أنت من ذلك؟ -أي هل أنت معهم؟- فقال: ما أنا إلا من قومي -نعم أنا مثلهم- فقال عليه الصلاة والسلام: إذاً فاجمع لي قومك. النبي -عليه الصلاة والسلام- تملَّى وجوههم الآسية، ابتسم ابتسامةً متألقةً -بعرفان جميلهم، وتقدير صنيعهم- وقال: يا معشر الأنصار, مقالةٌ بلغتني عنكم -بلغني أنكم واجدون علي- وجدةٌ وجدتموها علي في أنفسكم، أما إنكم -الآن دقة الموقف، ماذا يقول لهم؟ أنا نبي هذه الأمة، لقد هديتكم إلى الله؟ لا, بل قال-: أما إنكم لو قلتم فلصدقتم، ولصدقتم به -لو أردتم أن تقولوا هذا الكلام أنتم صادقون مصدقون- أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك، وعائلاً فآسيناك، وطريداً فآويناك. -ماذا ذكر النبي -عليه الصلاة والسلام-؟ ذكر فضلهم عليه، ذوبهم، ألم يكن بإمكانه أن يبدأ بفضله عليهم؟ ذكرهم فضلهم عليه-. يا معشر الأنصار, -الآن جاء دوره- ألم آتكم ضلالاً فهداكم الله بي؟ -ألم تكونوا ضالين فهداكم الله بي؟- ألم آتكم عالةً فأغناكم الله؟ ألم آتكم أعداءً فألف الله بين قلوبكم؟ -روعة الموقف أنه بدأ بفضلهم عليه، وثنى بفضله عليهم، ذكَّرهم بعملهم، ذكرهم بنصرتهم، ذكرهم بتأييدهم، ذكرهم بإخلاصهم، ذكرهم بتضحياتهم، ذكرهم بإيوائهم له، فخجلوا-. قالوا: بلى، الله ورسوله أَمَنُّ وأفضل, قال: أجيبوني يا معشر الأنصار, قالوا: بم نجبك يا رسول الله؟ -خجلوا- لله ورسوله المن والفضل, قال: يا معشر الأنصار, أوجدتكم في أنفسكم في لعاعةٍ -أي خشخيشة- تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ -أي ألا تعذروني؟ ألستم واثقين من حكمتي؟ ألستم واثقين من نزاهتي؟ ألستم واثقين من عملي الطيب؟- أوجدتم علي في لعاعةٍ من الدنيا تألفت بها قوماً ليسلموا ووكلتكم إلى إسلامكم -اعتماداً على إيمانكم القوي، وعلى إسلامكم، وعلى طول باعكم في الدين، وعلى قدمكم- ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحاكلم؟ -ألا توفي معكم يرجعوا الناس بالشاة والبعير وترجعوا أنتم برسول الله إلى رحالكم؟ ألا يوفي معكم ذلك؟- فو الذي نفسي بيده, لولا الهجرة لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار, وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار, وبكى الأنصار حتى أخضلوا لحاهم -دموع نزلت من اللحى- وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً)) هذا موقف النبي -عليه الصلاة والسلام-, بإمكانه أن يدمِّرهم، بإمكانه أن يسحقهم، بإمكانه أن يهدر كرامتهم، بإمكانه أن يهملهم، بإمكانه أن يعاتبهم، بإمكانه أن يبيِّن فضله عليهم, ما فعل كل هذا، بل تألَّف قلوبهم، واسترضاهم، وبين فضلهم عليه, ثم فضله عليهم، وبين أنه معهم ولن يتركهم، لأنه بعد فتح مكة خاف الأنصار أن يستوطن النبي مكة، قال: ((الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ)) [أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه] هذا هو الوفاء . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4620/07.jpg أي أنك إذا كنت بموقف قوي، واجهتك مشكلة، لا تسلك سبيل القوة، فهو سبيل فاشل، اسلك سبيل تأليف القلوب، اسلك سبيل التعطُّف، اسلك سبيل الرحمة، اسلك سبيل الاستلطاف، لا تنس فضل الناس عليك، هذه نصيحة، إذا فعلت مع الناس شيئاً يجب أن تنساه، أما إذا فعل الناس معك شيئاً لا ينبغي أن تنساه أبد الدهر . هناك شيئان-: سيدنا سعد كان صريحاً، سلك الطريق المباشر -أسلوب اللف والدوران تركه، مباشرةً-: إن قومي وجدوا عليك في أنفسهم, أين أنت منهم؟ قال: ما أنا إلا من قومي. عوِّد نفسك الصراحة، لا يكون لك موقفان؛ موقف معلن، موقف خفي، وجهان ولسانان، شيء يرضي وشيء لا يرضي، هذا الأسلوب لا يرضي الله عزَّ وجل، هكذا كان أصحاب النبي، وهكذا كان النبي. فلذلك قراءة سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام- حتمٌ واجب، من أجل أن تهتدي بهديه، وأن تقتفي أثره، وأن تتبع سنته، وأن يكون هذا الإنسان الكامل لك معلماً. قال عليه الصلاة والسلام: ((إِنَّمَا بُعِثْتُ مُعَلِّمًا)) موقف العطف واللين، موقف الحكمة، موقف عدم نسيان الفضل، هذا الموقف هو الذي يبقى مع الإنسان . |
رد: الحقوق الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : كف الاذى- الحياء - سعد بن عبادةالحقوق الاسلامية الدرس : ( الحادى و العشرون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حق الطريق : أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق، ولا زلنا في حقوق الطريق، ومن حقوق الطريق -إضافةً إلى غضِّ البصر- كف الأذى، وكف الأذى ينقلنا إلى موضوعٍ تمهيديٍ له، ألا وهو الحياء. النبي -عليه الصلاة والسلام- في أحاديث كثيرة يؤكِّد: أن الحياء من الإيمان، وبعد قليل سألقي على مسامعكم بعضاً من هذه الأحاديث الشريفة، ولكن الحديث الأول: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6891/01.jpg يقول عليه الصلاة والسلام: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً ...)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم] الإيمان درجات، والدليل: أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا﴾ [سورة النساء الآية: 136] هناك إيمان مقبول، وهناك كمال الإيمان، الإيمان إذاً درجات، والتقوى درجات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 102] الفرق بين الإيمان والتقوى: والإيمان شيء والتقوى شيءٌ آخر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 102] والإيمان شيء والإسلام شيءٌ آخر: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [سورة الحجرات الآية: 14] فمعرفة معاني هذه المُصطلحات الدقيقة في القرآن الكريم جزءٌ من الإيمان، يجب أن تعرف ما الإيمان؟ ما الإسلام؟ ما التقوى؟ ما المعصية؟ ما الفسق؟ ما الفجور؟ ما الإلحاد؟ ما الكفر؟ الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم يقول: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آَمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [سورة الحجرات الآية: 14] إذاً: الإيمان شيء والإسلام شيءٌ آخر. الحديث الذي بين أيدينا هو قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَفْضَلُهَا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. -أي أن أعلى درجة في الإيمان أن تصل إلى قول لا إله إلا الله، وإذا قال النبي: قول لا إله إلا الله, فيعني بذلك: أن تعلم أنه لا إله إلا الله، وإذا علمت أنه لا إله إلا الله, فمن لوازم العلم, بكلمة التوحيد: أنك تدخل في حصن الله. لا إله إلا الله حصني, من دخلها أمن من عذابي. وينبغي أن تعلم أيضاً: أن لا إله إلا الله لا يسبقها عمل، الأعمال الصالحة في ظاهرها قبل أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله, مشوبةٌ بعدم الإخلاص، لأنه لا ينفع عملٌ مع الشرك-. ... أَفْضَلُهَا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. -بل إن نهاية العلم: أن تؤمن أنه لا إله إلا الله، والإنسان لا يعصي ربَّه إلا إذا اعتقد أن هناك جهةً أخرى تنفعه أو تضرُّه، فهو يطيعها ويعصي الله، أما إذا أيقن أنه لا إله إلا الله، وأن الله سبحانه وتعالى هو الحقيقة الأولى والأخيرة، هو الظاهر والباطن، هو الأول والأخر، بيده ملكوت كل شيء، إليه يرجع الأمر كله، مالك كل شيء، إذا أيقن هذا اليقين انتهى كل شيء، فالعلم نهايته أن تؤمن بأنه لا إله إلا الله: وما تعلَّمت العبيد أفضل من التوحيد-. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6891/02.jpg وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ. - أن تميط الأذى عن الطريق، حجر تزيحه إلى جانب الطريق. أيها الأخوة دقِّقوا: من الإيمان أن تعتقد أنه لا إله إلا الله، من الإيمان أن تميط الأذى عن الطريق-. وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ))> هذا الحديث دقيق جداً، معنى ذلك: أن في الإيمان جانباً فكرياً، وأن في الإيمان جانباً نفسياً، وأن في الإيمان جانباً سلوكياً، كلمة إيمان: هذه الكلمة الرنانة التي يطمح كل امرىء أن يتصف بها، يجب أن نعرفها معرفةً صحيحة، من الإيمان أن تفكِّر في الكون، والآيات التي تحضُّنا على ذلك لا تعدُّ ولا تحصى، من الإيمان أن تتدبَّر كتاب الله عزَّ وجل، من الإيمان أن تنظر في الحوادث، لأن الكون خلقه، ولأن الحوادث أفعاله، ولأن القرآن كلامه، فإذا تفكَّرت وتدبَّرت ونظرت، وأجريت محاكمةً دقيقة، وتوصَّلت بعد البحث والدرس والتدقيق والتـأمُّل إلى الحقائق الأساسيَّة التي أراد الله سبحانه وتعالى أن نؤمن بها، هذا هو الجانب الأول في الإيمان. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6891/03.jpg لذلك: الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً, أَفْضَلُهَا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ . أي إنك إذا تأمَّلت في الكون، وإذا تدبَّرت القرآن، وإذا نظرت في الحوادث, وصلت إلى أن هناك خالقاً عظيماً ومربياً رحيماً ومسيِّراً حكيماً, لا إله إلا هو، هذه الجولة التفكُّريَّة، الجولة التأمليَّة، الجولة التبصُّريَّة -إن صحَّ التعبير- الجولة التدبريَّة في الكون، وفي القرآن، وفي الحوادث, مع إجراء المحاكمة، والدراسة، والبحث، والتمحيص، والمقدِّمات، والنتائج, يستطيع هذا الفكر البشري أن يصل إلى نتائج قطعيَّة، وهذا الذي عبَّر عنه العلماء باليقين الاستدلالي، هذا جانب في الإيمان. مفهوم التوحيد: فهذا الذي لا يفكر، ولا يُعمل عقله، ولا يتأمَّل، ولا يتدبَّر، ولا ينظر, هذا مقلِّد، والمقلِّد ليس من عِداد المؤمنين، كما أقرَّ بذلك علماء التوحيد، لا يمكن أن يكون الإيمان تقليداً، لأنك إذا قلَّدت في الإيمان قد تقلِّد في الضلال، إذا كان عندك استعداد أن تقلِّد في عقيدتك, فأنت ضال مضل آخر, إذا جمعتك به الصُدَف، ولقَّنك عقيدته الضالَّة, يمكن أن تعتنقها، إذاً: لا يقبل منك أن تقلِّد في العقيدة، فالإيمان شعبٌ كثيرة كما قال عليه الصلاة والسلام: بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً, أَفْضَلُهَا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. هذا الجانب الفكري. الدرس الماضي ليس هنا ولكن في درس العقيدة, قلت: لو جمعنا الإيمان والإسلام معاً، وعددناهما وحدة متكاملة، هناك جانبٌ فكري يمثِّله الإيمان الفكري، وهناك جانب سلوكي يمثِّله الإسلام، الإسلام انصياع، وهناك جانِبٌ نفسي قلبي يمثِّله الإيمان القلبي . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6891/04.jpg فأنت قبل أن تستسلم لأمر الله, لا بدَّ من أن تجري محاكمة فكريَّة صحيحة، تصل بها إلى نتائج قطعيَّة، وأنت بعد أن تستقيم على أمر الله، وتنساق إلى أمر الله, لا بدَّ من أن تقبل على الله عزَّ وجل، فالإقبال على الله يجعلك تصطبغ بصبغة الله عزَّ وجل، من هذه الصبغة الحياء، فترى المؤمن له جانبٌ فكري نشيط، وله جانبٌ نفسيٌ أخلاقي، إنه يتصف بالصفات الأخلاقيَّة الرفيعة, من عدلٍ وإنصافٍ، إلى رحمةٍ وحنانٍ، إلى لطفٍ، إلى شفقةٍ، إلى طُهْرٍ، إلى عفافٍ، إلى تجمُّلٍ، إلى صبرٍ، هذا الجانب النفسي, والجانب الفكري له عقيدةٌ يقينيَّةٌ, سببها: أنه تأمَّل وفكَّر، وتدبَّر ونظر. كأنني أقول لكم: لا بدَّ من قناعة يتبعها سلوك، تتبعها سعادة، تقنع، تسلك، تسعد، وهذا يطابق تماماً تعريف العبادة: العبادة: طاعةٌ طوعيَّة ممزوجةٌ بمحبَّةٍ قلبيَّة، أساسها معرفةٌ يقينيَّة, تفضي إلى سعادةٍ أبديَّة. ثلاثة أشياء؛ طاعةٌ طوعيَّة سلوك، الإسلام التزام، الإسلام ضبط الحواس، الإسلام ضبط الدخل، الإسلام ضبط الإنفاق، الإسلام ضبط العلاقات . وكنت قد أكَّدت لكم من قبل: أن في الإسلام عباداتٍ شعائريَّة, منها: الصلاة والصيام والحج، وفي الإسلام عباداتٌ تعامليَّة، ولعمري إن العبادات التعاملية أخطر بكثير من العبادات الشعائريَّة، بل إن العبادات الشعائرية لا تصح ولا تؤتي ثمارها يانعةً إلا إذا سبقتها العبادات التعاملية, لذلك: عندما رأى سيدنا عمر بدوياً, يرعى غنماً وشياهاً، فقال له: بعني هذه الشاه وخذ ثمنها, قال: ليست لي, قال: قل لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب -القصَّة معروفة-, قال: والله إنني في أشد الحاجة إلى ثمنها, ولو قلت لصاحبها: ماتت أو أكلها الذئب لصدَّقني، فإني عنده لصادقٌ أمين، ولكن أين الله؟ فمعلومات، تطلعات، طموحات، مشاعر من دون التزام, هذا كلامٌ فارغ، إياك أن تضيَّع وقتك. ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ [سورة الأنفال الآية: 72] هؤلاء الذين اعتقدوا، هؤلاء الذين أيقنوا، هؤلاء الذين طمحوا, إن لم يؤكِّد عقيدتهم مواقف؛ عطاءٌ ومنعٌ، صلةٌ وقطعٌ، غضبٌ ورضى، إن لم تؤكِّد عقيدتهم وإيمانهم مواقف ماديَّة ، يجب أن ترى الإسلام في بيت المسلم، في علاقته بأهله، في مظهر أهله إذا خرجوا من البيت، في مظهر بناته، في تجارته، في حانوته، في مكتبه، في قاعة تدريسه، في معمله، الإسلام يبدو أكثر ما يبدو في التعامل. لعلَّك رأيته يصلي؟ قال: نعم, قال: أنت لا تعرفه، هل حاككته بالدرهم والدينار؟ قال: لا, قال: هل جاورته؟ قال: لا, قال: هل سافرت معه؟ قال: لا، فقال: أنت لا تعرفه. فحينما فهم الصحابة الكرام الإيمان التزام، وتعامل، وانضباط، وتحرِّي الحلال, بلغوا أعلى درجات الكمال. قال النجاشي لسيدنا جعفر: ((حدِّثنا عن نبيُّكم, قال: كنا قوماً أهل جاهليَّة, نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونقطع الرحم، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف -هذه الجاهليَّة- حتى بعث الله فينا رجلاً, نعرف أمانته وصدقه، وعفافه ونسبه, فدعانا إلى الله لنعبده ونوحِّده, ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث -المسلم صادق؛ صادق مع نفسه، صادق مع ربِّه، صادق مع الناس، صادق مع من هم أدنى منه، صادق مع من هم أكبر منه- أمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، والكف عن المحارم والدماء)) هكذا عرَّف سيدنا جعفر الإسلام، مواقف أخلاقيَّة، هذا الذي يجب أن نضع أيدينا عليه، الإسلام فيه جانب فكري عقائدي، بالتعبير الحديث: أيديولوجي، فيه جانب سلوكي، الجانب السلوكي هو الأصل في الإسلام: وعالمٌ بعلمه لم يعملن معذبٌ من قبل عبَّاد الوثن تعلَّموا ما شئتم, فو الله لن تؤجروا حتى تعملوا بما علمتم . http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6891/05.jpg الجانب الآخر وهو: الجانب النفسي، جانب الإقبال على الله عزَّ وجل. فلاحظوا في هذا الحديث : ((الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً, أَفْضَلُهَا لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ, وَأَوْضَعُهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ, وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنَ الإِيمَانِ)) الذي أريد أن أقوله: أنه توجد بالإسلام صبغة، أنت كإنسان لك فطرةٌ عالية، ما من مخلوقٍ إلا ويتمتع بفطرة عالية، الفطرة أن تحب الكمال، لكن أن تحب الكمال شيء وأن تكون كاملاً شيءٌ آخر، أن تحب الكمال هذا قاسم مشترك بين كل البشر، ولكن أن تكون كاملاً هذا من أثر الإيمان، هذه هي الصبغة، هذه هي ثمرة الصلاة، هذه هي ثمرة الاتصال بالله عزَّ وجل؛ الصبر، الصدق، الأمانة، العفَّة، الإنصاف، ومنها الحياء، فكف الأذى في الطريق أساسه الحياء. الحياء : ما الحياء؟ الإنسان حينما ترقى نفسه, يعظم على صاحبها أن يصدر منه نقص، وكلَّما ارتقت النفس, يعظم عليه أن يصدر منه نقصٌ في السلوك، ونقصٌ في الكلام، ونقصٌ في المَظهر، أصبح كاملاً، لماذا هو حيي؟ لأنه اتصل بالله عزَّ وجل. ألم تسمعوا بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-: ((إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ, يَسْتَحْيِي إِذَا رَفَعَ الرَّجُلُ إِلَيْهِ يَدَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا صِفْرًا خَائِبَتَيْن)) فإذا اتصلت بالله سبحانه وتعالى, لا بدَّ من أن تقتبس أو أن تشتقَّ منه صفة الحياء، الحياء أن تخشى وأن تخاف أن يصدر منك تصرفٌ ناقص؛ في الطريق، وفي عملك، وفي بيتك، مع أهلك، مع أولادك، مع أخوانك، في المسجد، تصرُّف قولي، تصرف عملي، مظهر ناقص، خلل في موقفك، هذا كله من الحياء. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6891/06.jpg في نقطة دقيقة جداً: اليوم صباحاً سألني عنها أخ: أنه المؤمن مبتلى, لكن لماذا هو سعيد؟ المؤمن سعيد لأنه يشعر أنه على الصراط المستقيم، وأنه ضمن المنهج الإلهي، وأن الله سبحانه وتعالى راضٍ عنه، ليس معنى هذا أن حياته ليس فيها متاعب، المتاعب لا بدَّ منها، لأن المتاعب تُظهر كماله، تظهر صبره، لا يرقى إلا بالصبر، تظهر حِلمه، لا يرقى إلا بالحلم ، تظهر إنصافه، قد يعتدى عليه، فيأخذ حقَّه من دون أن يزيد عليه، فلا تتوهَّموا أن الإنسان إذا عرف الله, واستقام على أمره, أصبح الطريق كله ورود ورياحين، لا, لكنك سعيدٌ جداً, لأنك تشعر دائماً: أن الله سبحانه وتعالى خالق السموات والأرض راضٍ عنك ويحبك، هذا الشعور الدقيق، تشعر أنك على الصراط المستقيم، تشعر أنك على هدى من الله، تشعر أن الله معك، تشعر أن الله يحبك، أن الله يؤيدك، لذلك الأنبياء العِظام، كانوا كما قال عليه الصلاة والسلام: ((أَشَدُّ النَّاسِ بَلاءً الأَنْبِيَاءُ, ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ)) أصحاب النبي الكرام كانت حياتهم مشحونةً بالمتاعب، لكن هذه متاعب مقدَّسة في سبيل معرفة الله، في سبيل عقيدتهم، في سبيل مواقفهم، في سبيل إرضاء ربهم. فكيف يمكن لهذا العبد أن يرقى إلى الرب؟ شيء دقيق، ربنا عزَّ وجل خلق هذا المخلوق، ويريد من هذا المخلوق أن يرقى إليه، أن يصل إليه، أن يتَّصل به، ما السبيل؟ لا بدَّ من أن يخلقه على طبيعةٍ معيَّنة، ولا بدَّ من أن يأمره وينهاه، افعل ولا تفعل, لا بدَّ من أن يكون هذا الأمر مخالفاً لطبيعته، ولا بدَّ من أن يكون هذا الذي ينهاه عنه موافقاً لطبيعته، أودع فيه حب النساء وقال له: غضَّ بصرك, لكن هذه الشهوة التي أودعها الله فيه, جعل لها قناةً نظيفةً وحيدة، وليست على مزاجه. فهناك شهوة أودعها الله في الإنسان وهناك تكليف، من معاني التكليف: أن فيه كلفة، يجب أن تغض بصرك، ومسموحٌ لك فقط أن تستمتع بما أحلَّ الله لك: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ [سورة النازعات الآية: 40] أنت بهذا ترقى، المال، أودع فيك حب المال، لك أن تكسبه من طرقٍ شتَّى، قنن لك الطرق التي يمكن أن تكسب بها المال، لا بدَّ من أن تكسبه من حلال، وقنَّن لك الطرق التي يمكن أن تنفقه بها، إذاً: أنت لست حراً. هذا بشر الحافي أحد كبار أولياء الله، كان مسرفاً على نفسه في المعصية، وكان في مجلس خمر، طُرِق بابه، فإذا رجلٌ يقول لغلامه: قل لسيدك إن كان حراً فليفعل ما يشاء، وإن كان عبداً فما هكذا تصنع العبيد. كانت هذه الكلمة لها وقعٌ في قلبه خطير، حمله على أن يدع كأس الشراب, وعن أن يتبع هذا الذي قال هذا الكلام، وعن أن يتبعه حافياً. قل لسيدك إن كان حراً فليفعل ما يشاء، وإن كان عبداً فما هكذا تصنع العبيد؟. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6891/07.jpg أي أنك في قبضة الله عزَّ وجل، أنت إذا قلت في أحد الأيام: الحمد لله، الأمور ميسَّرة, صحتي طيبة, فآلاف الأجهزة تعمل بانتظام؛ أجهزة عصبيَّة، وأجهزة دورانية، وعضلات، وأعصاب، فأي خللٍ طفيفٍ في جسمك يقلب الحياة إلى جحيم، فأنت في قبضة الله. دقِّقوا في قوله تعالى، يقول الله عزَّ وجل : ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا -ما معنى هذه الآية؟ أي أنت مخيَّر-: وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا -هو الإنسان موليها، أما الشيء الذي يُلفت النظر: لماذا قال الله عزَّ وجل- : فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ -لماذا؟ لأن هذا الاختيار موقَّت, لا تملكه إلى أبد الدهر، والدليل-: أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾ [سورة البقرة الآية: 148] أنت الآن مخيَّر؛ لك أن تطيع أو أن تعصي، لك أن تفعل الصالحات أو أن تفعل السيئات ، لك أن تصلي أو لا تصلي، لك أن تحضر مجلس العلم أو تحضر مجلس لهو، أنت مخيَّر: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ -صاحبها موليها، يا عبادي-: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6891/08.jpg -لأن هذه الميزة، هذه الخصيصة، هذا الاختيار الذي هو سر سعادتكم، وسر ارتقائكم عند ربكم, إنما هو موقَّت، لا بدَّ من أن يُسْلَبُ منكم حينما يأتي ملك الموت. لذلك-: فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾ [سورة البقرة الآية: 148] إذا جاء ملك الموت انتهى الاختيار، نحن جميعاً ما دام هذا القلب ينبض, نتمتَّع بفرصةٍ لا تعوَّض، أنت الآن مخيَّر, تستطيع أن تفعل الصالحات، تستطيع أن تتوب، تستطيع أن تستغفر، تستطيع أن تتقرَّب إلى الله عزَّ وجل، تستطيع أن تغضَّ بصرك، تستطيع أن تعيد الحقوق إلى نصابها: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ -استبقوا؛ أي أن هذه الفرصة التي مُنِحتموها فرصةٌُ لا تعوَّض، وهي فرصةٌ موقَّتة, لا بدَّ من أن ننتهي-: أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً﴾ [سورة البقرة الآية: 148] إذاً: سر سعادة المؤمن: أنه يشعر أنه على هدى من الله عزَّ وجل: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ [سورة طه الآية: 123] الآن الحياء: النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح] تستحي، حياؤك يمنعك من معصية الله، تستحي أن تمدَّ بصرك إلى ما حرَّم الله، تستحي أن تأخذ ما ليس لك، تستحي أن تسُب إنساناً، تستحي أن تشتم، تستحي أن تعتدي على أعراض الناس، تستحي أن تأكل أموالهم بالباطل، إذاً الْحَيَاءُ -كما قال عليه الصلاة والسلام- كُلُّهُ خَيْرٌ . لماذا تحدَّثنا عن الحياء؟ لأن من حقوق الطريق كفُّ الأذى، وكف الأذى لن يكون إلا بالحياء، لأن آخر ما أدرك الناس من كلام النبوَّة -كما ورد في البخاري-: إذا لم تستحِ فاصنع ما تشاء. لهذا الحديث تفسيرٌ دقيقٌ جداً: إذا لم تستحِ فاصنع ما تشاء؛ أي عملٍ تزمع أن تفعله, زنه بميزان الشرع، فإذا فعلت هذا العمل وأنت لا تستحي من الله عزَّ وجل في فعلك إياه، هذا العمل افعله ولا تخش شيئاً، إذا لم تستحِ من الله في هذا الفعل فافعل ما تشاء، هذا المعنى الأول. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6891/09.jpg فالبطولة: أن تملك الجواب لله عزَّ وجل، افعل ما تشاء, لكن بشرط أن كل موقف، كل حركة، كل سكنة: يجب أن تغطِّيها بجوابٍ صحيحٍ لله عزَّ وجل يوم القيامة إذا سألك، فإذا وزنت هذا العمل, ورأيت أنه يرضي الله، ولا تستحي به، فافعله ولا تخف، إذا وزنت هذا العمل بميزان الشرع, ورأيت أنه إذا واجهك الله به لا تستحي، لماذا ضربت هذا اليتيم؟ يا ربي أنا ضربته, لأنه لو كان ابني مكانه لضربته, هذا ميزان دقيق، إذاً: اضربه، إذاً: أدِّبه, لماذا حرمت زيداً؟ لأنه ينفق ماله في شرب الخمر يا رب, فأي عملٍ تحب أن تفعله, يجب أن تقيسه بالشرع، فإن جاء الجواب إيجابياً, فاصنعه ولا تخش شيئاً، هذا المعنى الأول. المعنى الثاني: أنه إذا خلا قلب المؤمن من الإيمان، من لوازم الإيمان الحياء، فإذا لم يستح الإنسان يفعل أي شيءٍ قبيح، ما الذي يردعه عن فعل القبيح؟ حياؤه، هو لا يستحي, ما دام لا يستحي, إذاً: فليفعل كل شيء. إذا لم تستحِ فاصنع ما تشاء . والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((إِنَّ لِكُلِّ دِينٍ خُلُقًا, وَإِنَّ خُلُقَ الإِسْلامِ الْحَيَاءُ)) [أخرجه ابن ماجة في سننه] فربَّما تعرف المؤمن من غير المؤمن من حيائه، من سيره في الطريق، يغضُّ بصره، تعامله سنواتٍ طويلةً طويلة لا تستمع منه إلى كلمةٍ تخدش الحياء أبداً، لو أنه مزح فمزاحه شريف، مزاحه أديب لا يجرح الحياء، هناك أشخاصٌ كبار مثقَّفون يحتلون مناصب رفيعة، إذا دخلت إلى مجالسهم الخاصَّة, استمعت إلى مزاحٍ رخيصٍ يندى له الجبين، هذا الذي لا يستحي ليس مؤمناً: الحياء من لوازم الإيمان. الخُلق الصارخ للمؤمن الحياء؛ في تصرُّفاته، في جلسته، في مَشيه، في ثيابه، في طعامه، في شرابه، في ركوبه، في تعامله مع الناس، في مُزاحه، في لهوه، في مرحه، في جده، في عمله، في بيته, في كل هذه المجالات تراه صاحب حياء. يبدو أن أحد أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يعظ إنساناً، فقال له النبي الكريم -وأظنه سيدنا الصديق-: ((دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ)) [أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم, ومالك في الموطأ] أي لا تتعب نفسك، لو أنه مؤمن لاستحيا، وما دام لا يستحي فليس مؤمناً. تروي سيدتنا عائشة: النبي -عليه الصلاة والسلام- كان أشد حياءً من المرأة في خدرها، مرَّةً جاءته امرأةٌ, فقالت له: ((كيف أطهر يا رسول الله؟ قال: خُذِي فِرْصَةً مِنْ مَسْكٍ فَتَطَهَّرِي بِهَا, قَالَتْ: كَيْفَ أَتَطَهَّرُ؟ قَالَ: تَطَهَّرِي بِهَا, قَالَتْ: كَيْفَ؟ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَطَهَّرِي فَاجْتَبَذْتُهَا إِلَيَّ, فَقُلْتُ: تَتَبَّعِي بِهَا أَثَرَ الدَّمِ)) النبي كان حَيياً، ما تكلَّم كلمةً تخدش الحياء إطلاقاً . يا بنيتي, إن هذه الثياب تصف حجم عظامكِ. ماذا يقول مكان عظامك؟ حجم ساقيك، حجم عضدك، أية كلمةٍ أخرى تثير الشهوة. يا بنيتي إن هذه الثياب تصف حجم عظامكِ. ماذا قال الله عزَّ وجل؟ قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [سورة المؤمنون الآية: 5-7] كلمة لطيفة جداً لا تخدش الحياء. الحقيقة: الإنسان إذا كانت فطرته صافية, لم تُطمس بالشهوات، وكان في حضرة عظيم، وهذا العظيم كامل، وهذا العظيم الكامل بيده كل أمره، وعنده ما لا عينٌ رأت, ولا أذنٌ سمعت, ولا خطر على قلب بشر، وعنده عذابٌ أليم، إذا كنت في حضرة عظيم, فإنك تستحي منه قطعاً. فتصوَّر نفسك: لك شخص بالأسرة عظيم الشأن، له مكانة، أخلاقياته عالية، عالم جليل وزارك في البيت، كيف تستقبله؟ هل يمكن أن تستقبله بثيابٍ مبتذلة؟ لا، هل يمكن أن تسبَّ ابنك أمامه بسبابٍ مقذع؟ لا, هل يمكن أن تتمطَّى أمامه؟ لا، هل يمكن أن تتجشَّأ أمامه؟ لا, أنت في حضرة شخصٍ من بني البشر, تشعر أنك منضبطٌ في حضرته، فإذا شعرت أن الله معك دائماً؛ في خلوتك وفي جلوتك، في بيتك وفي عملك، هذا الشعور بمراقبة الله عزَّ وجل هو من ثمار الحياء، لذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلا شَانَهُ -أذرى به- وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ)) [أخرجه الترمذي في سننه] الكلام الفاحش، والثياب الفاحشة المتبذِّلة، والتصرُّفات الفاحشة، والأفكار الفاحشة، والقصص الفاحشة. ((مَا كَانَ الْفُحْشُ فِي شَيْءٍ إِلا شَانَهُ -عابه- وَمَا كَانَ الْحَيَاءُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ)) [أخرجه الترمذي في سننه] الحديث الخطير: أن الحياء والإيمان قُرنا جميعاً، فإذا رفُع أحدهما رُفع الآخر، فلان لا يستحي أن فلان ليس مؤمناً، فلان ليس مؤمناً لا يستحي، فهناك علاقةٌ ترابطيَّة، لا يستحي ليس مؤمناً، ليس مؤمناً لا يستحي، انتهى الأمر، فمؤمن لا يستحي مستحيل، لا يجتمع فحشٌ وإيمان: الحياء من لوازمه الإيمان. لذلك: إذا كان لك صديق، أو جار، أو زميل في العمل, وفيه حياء, توسَّم فيه الخير، ما دام يستحي ففيه إيمان، تعهَّد هذا الإيمان، إذا أردت علامةً صارخةً على إيمان المؤمن؛ إنها الحياء. النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ. -هذه من للتبعيض؛ أي بعض صفات المؤمن الحياء-. والإيمان في الجنَّة، والبذاء -هذه الكلمات البذيئة، هذه الكلمات الفاحشة، هذا المزاح الرخيص، وصف العورات، هذا الشيء الذي يندى له الجبين، الذي تحمرُّ منه الخدود، الذي يخدِش النفوس، هذا الكلام المؤذي-. والبذاء من الجفاء. -ما الجفاء هنا؟ البعد عن الله عزَّ وجل، من لوازم البعد: هذا الفحش في الكلام- والجفاء في النار)) حديثٌ خطير: ((الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ, وَالإِيمَانُ فِي الْجَنَّةِ, وَالْبَذَاءُ مِنَ الْجَفَاءِ, وَالْجَفَاءُ فِي النَّارِ)) [أخرجه الترمذي في سننه, والإمام أحمد في مسنده, وابن حبان في صحيحه] فلو أن الإنسان التقى بك وعاملك, يجب أن يعرفك مؤمناً لا من كلامك بل من أفعالك، يجب أن يعرفك أنك مؤمن، يقول: مؤمنٌ ورب الكعبة, لأنه فقط حَيي. عندنا مقياس دقيق جداً، هذا المقياس: النبي -عليه الصلاة والسلام- أعطانا إياه، قال : ما أحببت أن تسمعه أذناك فأَتْهِ، وما كرهت أن تسمعه أذناك فلا تأته. فاجتنبه, أتحب أن تستمع إلى إنسان خائن، أو إنسان كاذب، أو إنسان له انحرافه؟ إذا أحببت هذا الذي تستمع إليه فأته، وإذا كرهته فلا تأته، هذا مقياسٌ دقيق من مقاييس الحياء. أنواع الحياء : 1-الحياء من الله عز وجل : الآن: الحياء أنواعٌ ثلاث، الحديث عن الحياء حديثٌ عن كف الأذى في الطريق، وكف الأذى أحد حقوق الطريق، هناك حياءٌ من الله عزَّ وجل، إذا أتيت أمره, وتركت نهيه، اجتنبت ما نهى الله عنه, فأنت تستحي منه، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((اسْتَحْيُوا مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ, قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّا نَسْتَحْيِي وَالْحَمْدُ لِلَّهِ, قَالَ: لَيْسَ ذَاكَ, وَلَكِنَّ الاسْتِحْيَاءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ؛ أَنْ تَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى -العينان، الأذنان، اللسان، الخواطر- وَالْبَطْنَ وَمَا حَوَى -أن تأكل طيباً- وَلْتَذْكُرِ الْمَوْتَ وَالْبِلَى)) إن فعلتم هذا فقد استحيّيتم من الله حقَّ الحياء, عندنا ميزان دقيق: من لم يكن له ورعٌ يصدُّه عن معصية الله إذا خلا, لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله . البطولة وأنت وحدك، وأنت في البيت لا أحد يطلع عليك، إذا كانت خلوتك كجلوتك، وإذا كانت سريرتك كعلانيَّتك، إذا كنت تخشى الله وأنت منفرداً كما تخشاه وأنت مجتمعاً، فأنت تستحي من الله حقَّ الحياء . 2-الحياء من الناس : النوع الثاني من الحياء: الحياء من الناس: النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((لا خير فيمن لا يستحيي من الناس)) لأن الحياء كل لا يتجزَّأ، سِمَة الحياء تظهر في حيائك من الله، وتظهر في حيائك من الناس، وتظهر في حيائك من نفسك. 3-الحياء من النفس : الآن: لو أنك عملت عملاً فيما بينك وبين نفسك، وقد لا ينطوي على طاعةٍ أو معصية, لكن لا يليق بك أن تفعله وفعلته، إنك الآن لا تستحي من نفسك، والإنسان إذا انهارت مكانته عند نفسه اختل توازنه، شيء كبير جداً أن تنهار مكانتك عند نفسك، أي إذا فعلت شيئاً متعلِّقاً بالصحَّة أو بالنظافة فيما بينك وبين ذاته لا يتفق مع الكمال، لا أحد يطلع عليك، ولا أحد يحاسبك، وقد تكون هذه من المباحات، لكن تشعر أنك صغيرٌ أمام نفسك. إذاً: الحياء من الله في طاعته واجتناب نواهيه، والحياء من الناس في أن تكفَّ الأذى عنهم، والحياء من نفسك أن تكون في المستوى المطلوب. النقطة الدقيقة: الحديث الشهير الذي يقول فيه النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ)) لا يمكن، إنك إذا ربطت الطاعة بثوابها، وربطت المعصية بعقابها, لا يمكن أن تفعل المعصية، ولا يمكن إلا أن تأتي الطاعة، ولكن حينما تعزل الطاعة عن نتائجها، والمعصية عن نتائجها، إذاً: أنت في هذه اللحظة لست مؤمناً. إذاً: ((لا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ)) كيف يزني وهو يرى أن الله مطلعٌ عليه؟. إنسان أراد أن يزني بامرأة, فأغلق كل الأبواب، قالت له: إن هناك باباً لا تستطيع أن تغلقه؛ إنه باب الله, فاستحيا, أي إذا شعرت أن الله يطلع عليك وأنت متلبِّسُ في معصية، وكانت الفطرة سليمة والإيمان قوياً, عندئذٍ تكف عن محارم الله. فأساس كف الأذى في الطريق الحياء؛ في لباسك، في حركاتك، في سكناتك. فأحياناً الإنسان يريد أن يتجاوز دوره، هناك شيء له دور, يحس نفسه صغيراً أمام الناس، فهؤلاء كلهم من بني البشر، هؤلاء كلهم بشر لهم كرامتهم، فإذا تجاوزت هذا الصف ونلت شيئاً ليس من حقِّك، المؤمن يستحي أن يتميَّز على الناس، هذا من الحياء أيضاً، والحياء له أبواباً كثيرةٌ جداً, إذاً: الحياء من حقوق الطريق. سعد بن عبادة : بقي علينا فقرةٌ متعلِّقةٌ بسيدنا سعد بن عبادة, ذلك الصحابي الجليل الذي كان صريحاً مع النبي عليه الصلاة والسلام، حينما حدَّثناكم عنه في الدرس الماضي، وقد نقل للنبي موقف الأنصار، وكيف أن النبي -عليه الصلاة والسلام- وقف أكمل موقف حينما بيَّن فضلهم عليه، وفضله عليهم, وقال: أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير, وتذهبون بالنبي إلى رحالكم؟. الآن سيدنا سعد بن معاذ قيل: لا يذكر سعد بن معاذ إلا ويذكر معه سعد بن عبادة، فالاثنان زعيما أهل المدينة، سعد بن معاذ زعيم الأوس، وسعد بن عبادة زعيم الخزرج، كلاهما آمنا بالنبي -عليه الصلاة والسلام- في وقتٍ مبكِّر، وكلاهما بايعاه بيعة العقبة، ولكن الشيء الذي يتميَز به سعد بن عبادة: أنه قد ناله من عذاب قريش الشيء الكثير، وشيءٌ يلفت النظر: أنه من أهل المدينة، وأنه زعيم الخزرج، فكيف نالت منه قريش ما نالت؟. يروي هو هذه القصَّة فيقول: -طبعاً حينما كان في بيعة النبي -عليه الصلاة والسلام في مكَّة- علم كفَّار قريش أنه بايع النبي، واتفق معه على أن يكونا في المدينة من الدعاة لهذا الدين الجديد، لذلك أرسل زعماء قريش من يلحقهم في الطريق، واستطاعوا أن يقبضوا على سعد بن عبادة، وأن يعيدوه إلى مكَّة ليعذِّبوه, الآن نترك له الكلام-، يقول: فو الله إني لفي أيديهم إذ طلع عليَّ نفرٌ من قريش فيهم رجلٌ وضيء -أبيض اللون-شعشاع من الرجال -أي فيه نورانيَّة- فقلت في نفسي: إن يكُ عند أحدٍ من القوم خير فعند هذا الرجل -هو الآن في قبضتهم ويعذِّبونه- فلما دنا مني -هذا الرجل الوضيء، الأبيض، الشعشاع، والذي ظن به سعد بن عبادة خيراً- قال: فلما دنا مني, رفع يده فلكمني لكمةً شديدة ، فقلت في نفسي: لا والله ما عندهم بعد هذا من خير. -أحياناً الإنسان يتوسَّم بإنسان الصلاح، يغره شكله، أناقته, وسامته الحسن, ينكشف أنه ذئب، ينكشف أنه شخص حقير، هو توسم به الصلاح، رآه أبيض اللون، وسيم القامة، شعشاع ، يظهر أن لونه أبيض-. فلما دنا مني لكمني لكمةً, فقلت: والله ما عندهم بعد هذا من خير, قال: والله إني لفي أيديهم يسحبونني إذا أوى إليَّ رجلٌ ممن كان معهم, فقال: ويحك, أما بينك وبين أحدٍ من قريش جوار؟ -هو يعذَّب- قلت: بلى، كنت أجير لحُبَيْر بن مطعم تجارةً وأمنعهم ممن يريد ظلمهم ببلادي، وكنت أجير للحارث بن حربٍ بن أميَّة, قال الرجل: فاهتف باسم الرجلين - وهذه الجاهليَّة، هذا قبل الإسلام، يكفي أن تكون لك يدٌ, انظر هذا الموقف: يكفي أن تكون لكم يدٌ بيضاء على رجل من قريش، وأن تهتف باسمه فقط-. قال له: كنت أجير لجبير بن مطعم تجارةً، وأمنعهم ممن يريد ظلمهم ببلادي، وكنت أجير للحارث بن حرب بن أميَّة, قال الرجل: فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما من جوار، ففعلت -الرجل نفسه- وخرج إليهما, فأنبأهما أن رجلاً من الخزرج يُضرب بالأبطح، وهو يهتف باسميكما، ويذكر أن بينه وبينكما جواراً، فسألاه عن اسمي؟ فقال: سعد بن عبادة, فقالا : صدق والله وجاءا فخلَّصاه. هذه بالجاهليَّة قبل الإسلام، هؤلاء المشركون، هؤلاء الكفار, هكذا كانت أخلاقهم، يكفي أن تنطق باسمه، إن كانت لك عليه يد، يكفي أن تنطق باسمه، فيأتي هذا لينقذك مما أنت فيه . سيدنا سعد بن عبادة إضافةً إلى هذه المحنة التي تحمَّلها، كانت له صفات، هذه محنة أكَّدت طبعه. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6891/10.jpg وكما قلت لكم دائماً: سيدنا الشافعي سُئل: أندعو الله بالتمكين أم بالابتلاء؟ فقال -رضي الله عنه-: لن تمكَّن قبل أن تبتلى. أي إن الله عزَّ وجل لا بدَّ من أن يمتحن عباده في السرَّاء والضراء، في الضيق والرخاء، في العطاء والمنع، في إقبال الدنيا وإدبارها، في الصحة والمرض، في الغنى والفقر ، في الرفعة والضعف، في كل ألوان الحياة. سيدنا سعد كان من الأثرياء، سخَّر أمواله لخدمة المهاجرين، وكان هو جواداً إلى أعلى حدود الجود. الرواة يروون: أن جفنته –الجفنة: قصعة الطعام الكبيرة؛ أي حلَّة كبيرة، هذا الخوان الكبير- كانت جفنة سعدٍ تدور مع النبي -صلى الله عليه وسلَّم- في بيوته جميعاً حيثما دار، وكان الرجل من الأنصار ينطلق إلى داره بالواحد من المهاجرين، أو بالاثنين، أو بالثلاثة، وكان سعد بن عبادة ينطلق بالثمانين. الأنصار -رضي الله عنهم- وقفوا موقفاً أخلاقياً من المهاجرين, طبعاً هذا الموقف تاريخي، لكن أتمنَّى أن يكون كل مؤمن كذلك . الحقيقة: السيرة لها مقصد بعيد جداً، ماذا يفيدك أن تعلم أن الأنصار تقاسموا مع أخوانهم المهاجرين أموالهم؟ هذه فكرة تاريخيَّة وقعت وانتهت وانتهى أمرها، وأصحابها تحت أطباق الثرى، ولكن الذي يفيدنا من السيرة -من سيرة النبي -عليه الصلاة والسلام-, ومن سيرة أصحابه الكرام- أن تكون هذه المواقف قدوةٌ لنا، أخ ضعيف يجب أن ينهض له أخوته الكرام بالمعونة، والمساعدة، والتضحية، والإيثار, هذا هو الحد الأدنى في الإيمان. فكان الرجل من الأنصار ينطلق إلى داره بالواحد، أو بالاثنين، أو بالثلاثة، وكان سعد بن عبادة ينطلق بالثمانين. هذا الصحابي الجليل له دعاءٌ يقول فيه: اللهمَّ إنه لا يصلحني القليل، ولا أصلح عليه. هناك إنسان كريم؛ يحب أن يعطي، يحب أن يكرم، يحب أن يطعم الفقراء، يعين المحتاجين، يغيث المستغيثين، مثل هذا الإنسان يحتاج لدخل كبير، قال: يا رب, إنه لا يصلحني القليل ولا أصلح عليه. والنبي -عليه الصلاة والسلام- فيما يرويه عن ربه يقول: إن من عبادي من لا يصلح له إلا الغنى، فإذا أفقرته أفسدت عليه دينه". كريم جداً, سخي، لا يقر له قرار إلا إذا أعطى، وهناك إنسان على الغنى يفسُق: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾ [سورة الشورى الآية: 27] إن من عبادي من لا يصلح له إلا الفقر، فإذا أغنيته أفسدت عليه دينه. هناك حكمة بالغة . النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما رأى سيدنا سعد بهذا الكرم، وهذا السخاء، وهذه النجدة، وهذه المروءة، وهذا العطاء، وهذه التضحية، وهذا الفداء, ماذا كان يفعل؟. كان عليه الصلاة والسلام يرفع يديه إلى السماء ويقول: ((اللَّهُمَّ اجْعَلْ صَلَوَاتِكَ وَرَحْمَتَكَ عَلَى آلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ)) [أخرجه أبو داود في سننه] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6891/11.jpg دعاء النبي مستجاب. وسيدنا ابن عبَّاس يقول: كان للنبي -عليه الصلاة والسلام- في المواطن كلها رايتان؛ مع علي بن أبي طالب راية المهاجرين، ومع سعد بن عبادة راية الأنصار. والصفة الأخيرة التي تحدثنا عنها في الدرس الماضي: صراحته البالغة حين قال للنبي -عليه الصلاة والسلام-: إن هذا الحيَّ من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم. هذه بعض اللمحات عن هذا الصحابي الجليل، والذي أتمنَّاه دائماً: أن تكون هذه القصص نبراساً لنا في طريق الإيمان، نبراساً، مشعلاً وضَّاء، مثلاً أعلى، قدوة، فنحن مؤمنون والحمد لله رب العالمين، والإنسان إذا كان مؤمناً يجب أن يقول: مؤمن -والقضيَّة بحثها العلماء- مؤمن والحمد لله, فنحن مؤمنون والحمد لله، وهؤلاء أصحاب النبي -عليهم رضوان الله- هكذا كانوا، وهذه أخلاقهم، فإذا كنا مؤمنين ينبغي أن نقتدي بهم. سيدنا سعد تحمَّل الأذى، سيدنا سعد كان معواناً لأخوانه، سيدنا سعد كان شجاعاً، سيدنا سعد كان كريماً، سيدنا سعد كان مؤثراً . |
رد: الحقوق الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم الموضوع : الامر بالمعروف والنهى عن المنكر - قيس بن سعد بن عبادةالحقوق الاسلامية الدرس : ( الثانى و العشرون ) الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حق الطريق: أيها الأخوة الأكارم, لا زلنا في موضوع الحقوق، ولا زلنا في موضوع حقوق الطريق، ومن آخر حقوق الطريق: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. قد يتوهم المسلمون توهماً خاطِئاً: أن العبادات الشعائرية هي كل الإسلام، وأعني بالعبادات الشعائرية؛ الصوم، والصلاة، والحج، والزكاة، فمن صام وصلى وحج وزكى، فقد أدى كل شيء، مع أن الله سبحانه وتعالى جعل هذه العبادات الشعائرية، جعلها مناسبةً لعروج النفس إلى ربِّها، على أساس أنها في العبادات التعاملية قائمةٌ بها خير قيام، فمن توهَّم أن أمر الله عزَّ وجل يقتصر على الصلاة والصوم والحج والزكاة, فقد ضل ضلالاً كبيراً. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر : الله سبحانه وتعالى حينما يقول: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 104] هذه اللام لام الأمر، الفعل المضارع إذا سبقه لام الأمر, يصبح فعل أمرٍ قولاً واحداً، وكل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، إذاً: الأمة بمجموعها مأمورةٌ بنص القرآن الكريم, وبآية ذات دلالةٍ قطعية: أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر. السؤال الدقيق: ما المعروف؟ المعروف: ما تعارف الناس على أنه يرضي الله عزَّ وجل، والمنكر: ما أنكره الناس، وأنكره الشرع، وأنكره الحق. الإنسان خلق الله له فطرةً سليمة، الحلال بيِّن والحرام بيِّن: استفتِ قلبك وإن أفتاك المفتون وأفتوك. كل واحد منا مفتي، الذي يرضي الله أنت تعرفه تماماً؛ يرضيه أن تكون صادقاً، يرضيه أن تكون مخلصاً، يرضيه أن تكن وفيَّاً، يرضيه أن تكون مستقيماً، يرضيه أن تكون أميناً، يرضيه أن تزكو نفسك، يرضيه أن تجتنب المنكرات، هذا الذي يرضيه. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6892/01.jpg الإنسان فطرته السليمة هي التي تحاسبه، بل إذا حوسب الإنسان, إنما يحاسب على فطرته. الحديث الشريف الذي تعرفونه جميعاً، لو طبقه الناس لأغلقت المحاكم أبوابها: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك. عامل هذه الزوجة كما تحب أن تعامل ابنتك المتزوِّجة، عامل هذا الشريك كما تحب أن يعاملك، عامل هذا الصانع كما تحب أن يعامل رجلٌ ابنك إذا كان عنده صانعاً، الحلال بيِّن، الحرام بيِّن، الفطرة سليمة، فمن نعم الله الكبرى, أكبر معوانٍ لنا: أن الله سبحانه وتعالى فطرنا فطرةً عالية، فإذا انحرف الإنسان عن طريق الحق؛ إذا اعتدى، إذا أخذ ما ليس له، إذا تجاوز، إذا استعلى، إذا فعل شيئاً لا يرضي الله, تنكره الفطرة، ينكره ما يسميه اليوم الناس الضمير، الضمير هو الفطر، في الإنسان إحساس سليم، إذا كنت صافياً أنت المفتي، أنت المقياس. طبعاً: إذا اختلفت الأمور، إذا انطمست الفطرة، إذا علا هذه الفطرة الرَّان، إذا الشهوات طمست معالم هذه الفطرة، يأتي الشرع، الشرع ينطبق على الفطرة، والفطرة تنطبق على الشرع، فما هو المعروف؟ الذي جاء به الشرع، والذي تقره الفطرة, ما هو المنكر؟ الذي أنكره الشرع وأنكرته الفطرة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6892/02.jpg فدائماً اجعل حساباً فيما بينك وبين نفسك، لماذا تكلمت هذه الكلمة؟ لماذا وقفت هذا الموقف؟ لماذا منعت؟ لماذا أعطيت؟ لماذا وصلت؟ لماذا قطعت؟ الفطرة السليمة مقياسٌ دقيق، لكن لئلا يدَّعي كل إنسان أن فطرته أمرته بهذا، إذا كانت الفطرة ميزاناً, فميزان هذا الميزان هو الشرع، بماذا أمر الله عزَّ وجل؟ عن ماذا نهى؟ لذلك: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [سورة آل عمران الآية: 104] المشكلة: أن المجتمع بحاجة إلى تنوير، بحاجة إلى توجيه، وهؤلاء الذين سمح الله لهم أن يوجِّهوا الناس، إما لصدقٍ فيهم، أو لإخلاصٍ عندهم، أو لتطلعٍ إلى مرضاة الله عزَّ وجل، هذا شرفٌ كبير، هذه صنعة الأنبياء، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يفتح هذا الباب لكل خلقه، قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [سورة آل عمران الآية: 104] الباب مفتوح، وفي غير هذا المجال الأبواب مغلقة، أريد أن أذهب بعثةً، نقول: ليس هناك شواغر، الشواغر ملئت، هذا يقال عند الناس، هذا الكلام ينطبق على أنظمة الناس، لكن عند الله سبحانه وتعالى الأبواب كلها مفتوحة، الشواغر كلها ميسورة، فإذا أردت أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر، فهذه أعلى مرتبة من العمل الصالح. وأضرب على هذا مثلاً: أبٌ غني الحال، رفيع المقام، له ابنٌ شارد، أعظم عملٍ تقدِّمه لهذا الأب: أن تأخذ ابنه وتعيده إليه طائعاً باراً، قد يقول هذا الأب: إنك بهذا العمل أسرتني حتى الموت، إن هذا الإحسان لا أنساه لك حتى الموت, إذا كانت رحمة الأب بابنه هكذا، فكيف رحمة الرب بالعبد ؟ فإذا سمح الله لك أن تدلَّ الناس على الخير: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 104] لاحظ هذه الكلمة خير: كلمة جامعة، كلمة شاملة؛ خير الدنيا، خير الآخرة، الخير النفسي، الخير الاجتماعي، الخير الصحي، الخير في الدين، الخير في الآخرة، السعادة البيتية ، السعادة في العمل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 104] الخير كله في معرفة الله، الخير كله في السيَر على منهجه، الخير كله في مرضاته، الخير كله في الإقبال عليه، الخير كله في التقرُّب منه، الخير كله في خدمة خلقه:. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 104] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6892/03.jpg فالمؤمن الصادق إذا امتلأت نفسه بالحق، هذه النفس ملئت بالحق، يجد نفسه أنه مدفوعٌ إلى أن ينقل هذا الحق إلى الآخرين، هكذا الإيمان، لذلك هذا الذي يقول: أنا ما شأني وما شأن الناس، ما لي ولهم؟ إنهم ضالون فاسقون، فاجرون، كافرون، أنا قد هداني الله عزَّ وجل, لا زلت في أول الطريق، ما دمت قد انسحبت من المجتمع, ولم تشعر بمشاعر هؤلاء، لم تعطف عليهم، فأنت في أول الطريق، هؤلاء جميعاً عباد الله، هؤلاء جميعاً عيال الله، وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله, لذلك هذه الآية الكريمة: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [سورة آل عمران الآية: 104] لكن كلمة: منكم؛ هذه من للتبعيض، أي أن هناك بشرٌ قادرون على نشر الحق، قادرون على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لأسبابٍ كثيرة، لأنهم تعلَّموا، ولأنهم عملوا بما علموا، ولأنهم أخلصوا، فإذا كنت لا تعلم، وجمعت هذا الشخص الذي ترجو له الخير مع من يعلم, فلك أنت أجر الوسيط، لأن الدعوة إلى الله تحتاج إلى علمٍ متين، وإلى عملٍ بهذا العلم، وإلى إخلاصٍ شديد، وإلى الشعور بالمسؤولية، وإلى تواضع، وإلى التحلِّي بخلق الأمانة، هذه الصفات -إن شاء الله- نمر عليها بدروس قادمة. إذاً: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 104] لا يتحقق الفلاح في الأمة إلا إذا دعت إلى الخير، فإذا سمح الله لك أن تدعو إلى الخير, فهذه صنعة الأنبياء. والله عزَّ وجل فقال : ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [سورة طه الآية: 41] يخاطب في هذه الآية سيدنا موسى، أي إنه لشيءٌ عظيم أن يعدك الله لخدمة عباده، أن يعدك لنشر الحق والباب مفتوح، فإذا أردت أعلى أنواع العمل الصالح، إذا أردت أن تكون عند الله مرضياً، إذا أردت أن تكون عنده في مقعد صدق، إذا أردت أن تكون مقرَّباً من الله عزَّ وجل، إذ أردت أن تكون من السابقين السابقين، من هؤلاء الذين باعوا أنفسهم في سبيل الله، فأمر بالمعروف وانه عن المنكر, فالإنسان له جيران، له زملاء في العمل، له أقارب، له أصهار، له أبناء، له بنات، له أعمام، له أخوال، له جيران، له أشخاص, تعرف إليهم في ظروف معينة، هؤلاء جميعاً مادتك إلى الله عزَّ وجل. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6892/04.jpg إذاً: الآية الكريمة تأمرنا: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 104] ولا تنس أيها الأخ الكريم أنك تنتمي إلى أمة النبي عليه الصلاة والسلام، وأمة النبي -عليه الصلاة والسلام- جعلها الله أمةً وسطاً. من معاني هذه الآية: أن هذه الأمة جعلها الله وسيطةً بين الخلق وبين الحق، بمجرَّد أنك تنتمي إلى أمة النبي -عليه الصلاة والسلام- كأن الله سبحانه وتعالى علم فيك الخير، فلا تكن إلا في هذا المستوى الذي أنت فيه، لقول الله عزَّ وجل: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 110] هذه الآية يفهمها الناس فهماً مغلوطاً، لماذا كنتم خير أمةٍ؟ لأنكم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، فما علة الخيرية في هذه الآية؟ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا انطبقت هذه الآية على مجتمع، أو على أمة، كذلك تنطبق على فرد، أي إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر، أصبحت بهذه المهمة من خير الناس، ألا يحب أحدنا أن يكون خير الناس ؟ هذه هي العلة. والعلماء يقولون في تفسير هذه الآية: إنكم يا أمة محمد, لأن الله سبحانه وتعالى خصَّكم بهذه الرسالة، أصبحتم بهذه الدعوة خير أمة، لكن ليس المقصود أمة التبليغ, بل أمة الاستجابة، لأنكم دعيتم إلى الهدى, فأنتم مظنة صلاحٍ من قبل الله عزَّ وجل، فإذا دعيتم ثم استجبتم, أصبحتم بهذه الدعوة وبتلك الاستجابة خير أمةٍ أخرجت للناس، وما ينطبق على المجموع ينطبق على المفرد، أي إن الله عزَّ وجل عادل، فإذا استجبت أنت لله عزَّ وجل، ودعوت إلى الخير، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، كنت بهذه الاستجابة من خير الناس. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6892/05.jpg والإنسان عليه أن يكون طموحاً، وعلو الهمة من الإيمان، وهذه الحياة فانية، والعمر محدود, والوقت ثمين، والأعمال كلها بأثمانها، هناك أعمالٌ لا جدوى منها، وهناك أعمالٌ تافهة: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً﴾ [سورة الفرقان الآية: 23] هناك أعمالٌ سخيفة: إن الله يحب معالي الأمور ويكره سفاسفها ودنيَّها . فاسأل نفسك هذا السؤال: ما الذي يعنيك وأنت في هذه الدنيا؛ أيعنيك هدفٌ كبير؟ أتسعى إلى عملٍ عظيم؟ أتسعى إلى مرضاة رب العالمين؟ أتسعى إلى أن تكون من المقربين؟ أتشعر أن الله يحبك؟ أن الله ينظر إليك بعين الرحمة؟ القضية باستقامتك على أمره وبعملك الصالح: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [سورة التوبة الآية: 71] الإنسان أحياناً يجد صعوبة في الحديث عن الله عزَّ وجل، أو في الأمر بالمعروف، أو في النهي عن المنكر، لا تصدق أنك بقدرتك وحدك تستطيع أن تحدث أثراً إيجابياً في هذا الإنسان، لا، لك أن تعزم على هذا العمل، لك أن تتجه إليه، لك أن تتخذ بعض الوسائل، وانتهى الأمر، لكن الله سبحانه وتعالى بكرمه العظيم يحدث هذا الأثر الإيجابي في نفس السامع: فإذا أراد ربك إظهار فضله عليه، خلق الفضل ونسبه إليك. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6892/06.jpg أيها الأخوة الكرام, هناك من ذاق طعم الدنيا، هناك من ذاق الطعام والشراب، وتناول أطيب الأكلات، هناك من ذاق ما في الدنيا من مباهج حلال، لكن الذي يذوق طعم هداية الناس, هذا الطعم لا ينسى؛ أن تشعر أن الله سبحانه وتعالى وظَّفك عنده، أن تشعر أن الله جعلك مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، أن تشعر أن الله خصك بهذا الفضل العظيم، هذا شعور لا يساويه شعور آخر، والباب مفتوح، وأنا أدفعكم إلى ذلك، فالإنسان يدخل بقائمته: أن فلان صديقي فيه خير، هذا الجار عنده حياء فيه خير، هذا فلان يحتاج إلى نصيحة، هذا يحتاج إلى معاونة، هذا يحتاج إلى توجيه، هذا يحتاج إلى إكرام، إذا استيقظت على هموم خدمة الخلق, تولَّى الله مصالحك. ((اعمل لوجه واحد يكفيك الوجوه كلها)) ((مَنْ جَعَلَ الْهُمُومَ هَمًّا وَاحِدًا هَمَّ آخِرَتِهِ, كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّ دُنْيَاهُ)) [أخرجه ابن ماجة في سننه] فلذلك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هذه فريضةٌ بعد الفرض، بل إن بعض الفقهاء عدَّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الفريضة السادسة، كيف أنك تحج والحج فرض؟ كيف أنك تزكِّي والزكاة فرض؟ كيف أنك تصوم والصيام فرض؟ كيف أنك تصلي والصلاة فرض؟ يجب أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر، ولكن قبل أن تأمر بالمعروف وقبل أن تنهى عن المنكر: يجب أن تكون عالماً بالمعروف والمنكر، يجب أن تكون عالماً بالله، يجب أن تكون عالماً بشرعه، يجب أن تكون عالماً بالطريقة المُثلى للأمر بالمعروف، الطريقة التربوية، يجب أن تعرف الله أولاً, لأنك إذا أمرت بالمعروف تدعو إليه، تقول: هذا أمر الله، والله كذا وكذا، خالق الكون، صاحب الأسماء الحسنى, يجب أن تعرف الله ، وأن تعرف أمره، وأن تعرف الطريقة الناجحة، الطريقة التي سنَّها النبي -عليه الصلاة والسلام- للدعوة إلى الخير، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: ((من أمر بمعروف, فليكن أمره بمعروف)) ((لَمْ يَدْخُلِ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ, وَلَمْ يُنْزَعْ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ)) [أخرجه الإمام أحمد في مسنده] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6892/07.jpg الهدف النبيل له وسيلةٌ نبيلة، الهدف الشريف له طريقةٌ شريفة، الهدف العظيم له أسلوبٌ رفيع، القضية بالتؤدة، وباللطف، وبالإحسان، وبالملاحظة، وبالذوق: من أمر بالمعروف, فليكن أمره بمعروف. أول بندٍ في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أن تكون أنت متمثلاً لهذا الأمر وذاك النهي، حتى تقنع الناس بأنك صادق، إذا كنت أنت في واد وأمرك في واد, هذه ليست دعوةٌ إلى الله، هذه حرفة، هذه مصلحة، هذا تجمُّع ليس على حق، لن تستطيع أن تأمر بالمعروف إلا إذا أمرت نفسك، لن تستطيع أن تنهى عن المنكر إلا إذا نهيت نفسك . إذا كنت في الطريق, لك جار رأيته يأكل مالاً حراماً، رأيته يتعامل مع الناس تعاملاً محرماً، رأيته يبيع بضاعةً محرمة، رأيته يقسو في أسعاره على الناس، رأيته يستغل حاجتهم لهذه السلعة، إذا رأيت جاراً لك, يجب أن يرى منك الكمال، يجب أن يرى منك الالتزام بأوامر الدين، إذا رآك في موضعٍ كريم، إذا رآك في موضعٍ منزَّه عن الانحراف، إذا تكلَّمت بكلمة لهذا الإنسان فإنه يستجيب لك، فليس من الكمال أن تجعل نفسك كل همك، اجعل الناس كل همِّك، هذا من الفريضة السادسة. الآية الأخيرة : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [سورة الحج الآية: 40] أنت إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فكأنك تنصر دين الله، إذا فُعِلَت الفاحشة وسكتنا عنها، الانحراف سكتنا عنه، هذا سكتنا عنه، ماذا يكون؟ يستشري الشر، فلذلك: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [سورة الحج الآية: 40-41] على نطاق البيت : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [سورة طه الآية: 132] ففي بيتك مأمور أن تأمر، في عملك مأمور أن تأمر، في نُزهتك مأمور أن تأمر، في حِلِّك وترحالك مأمور أن تأمر، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الفرائض الواجبة في نص القرآن الكريم. ما مقومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ : الآن: ما الوسيلة أو ما مقومات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ الآية الكريمة توضح هذه الوسيلة، يقول الله سبحانه وتعالى : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [سورة النحل الآية: 125] ما هي الحكمة؟ وردت الحكمة في بعض الآيات الكريمة : ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [سورة آل عمران الآية: 164] الكتاب هو القرآن، والحكمة هي السُنَّة، أما هنا الحكمة لها معنىً آخر، الحكمة: العلم الذي تعمل به، إذا تعلَّمت ولم تعمل فلست حكيماً، وإذا عملت ولم تعلم فلست حكيماً، من هو الحكيم؟ الذي يعمل بما يعلم، الذي يعلم بما يعمل، الذي يطبِّق علمه، يعتقد شيئاً ويفعله، هذا الذي يستطيع أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. هذا الشيخ الذي زار أحد تلاميذه، لهذا التلميذ عبدٌ عنده، هذا العبد قال مخاطباً شيخ سيِّده: يا سيدي, لو تأمر سيدي أن يعتقني, فقال هذا الشيخ: أفعل إن شاء الله, مضى الأسبوع تلو الأسبوع, والشهر تلو الشهر, ولم يستجب هذا السيد, ويعتق عبده, لأن الشيخ لم يأمره بذلك, حدث أن زار الشيخ هذا السيد مرةً ثانية، قال له العبد: يا سيدي لو تأمر سيدي أن يعتقني, قال: أفعل إن شاء الله, أيضاً مضى الأسبوع والأسبوعان والشهر والشهران ولم يعتقه سيده، لأن الشيخ لم يكلمه بذلك, المرة الثالثة لفت نظره، وبعد أيامٍ جاء سيده وأعتقه . بقي سؤالٌ عند هذا العبد: ما دام الأمر لا يكلِّف الشيخ إلا كلمةً واحدة، فلماذا لم يقل له من وقتٍ طويل؟ التقى به رابعةً وعاتبه, فقال له: يا ولدي لقد أتعبتني، لقد أرهقتني, إنني وفرت من مصروف يومي ما أعتق به عبداً، بعد أن أعتقت عبداً, أمرت سيِّدك أن يعتق عبداً، فكانت الاستجابة . إذا أردت أن تدعو إلى الله عزَّ وجل, فعاهد نفسك ألا تقول كلمةً إلا إذا طبَّقتها، ألا توجِّه توجهاً إلا إذا كنت في مستواه، ألا تنهى عن شيءٍ إلا إذا كنت أسرع الناس في تركه، إذا فعلت ذلك, فأنت مؤهَّلٌ عند الله عزَّ وجل أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر. يجب أن تبقى هذه الآية في أذهانكم ماثلة: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [سورة النحل الآية: 125] هذه الباء للاستعانة : ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ [سورة النحل الآية: 125] أنا آكل بالملعقة، أنا أكتب بالقلم، الباء للاستعانة : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [سورة النحل الآية: 125] بماذا؟: ﴿بِالْحِكْمَةِ﴾ [سورة النحل الآية: 125] ما الحكمة؟ أن تتعلم العلم وأن تعمل به. الآن: أنت مؤهل أن تتعلم العلم وأن تعمل به، إذاً: طلب العلم فريضة، طلب العلم حتمٌ واجب على كل مسلم، لأنك إذا أمرت بالمعروف, قلت له: هذه حرام, لماذا هي حرام؟ لا أعرف, افعل كذا, لماذا؟ ما الدليل؟ لا تعرف الدليل. قالوا: وضع المبلغ في مصرف أجنبي, يمكن أن تأخذ عليه فائدة. هناك فتوى, فهل أنت عندك علم بهذا الموضوع؟ عندك ملابسات الموضوع, هذا لا يؤدي إلى إضعاف الكفار، بل يؤدي إلى تقويتهم، أنت إذا نقلت مالك إلى بلدٍ أجنبي, وأخذت عليه ربا، أنت قوَّيت هذا البلد، فإذا أردت أن تدعو إلى الله عزَّ وجل, يجب أن تعرف بالضبط ما أمر الله عزَّ وجل وما نهيه، وأن تعرف الدليل. إذاً: إذا قال الله لك: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [سورة النحل الآية: 125] أي استعن أنت بهذه الدعوة بالحكمة، الحكمة أن تكون عالماً عاملاً، تعلم واعمل، تفهَّم وطبِّق، ادرس ونفِّذ، فالناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، لو بقيت ساكتاً وكنت مثلاً أعلى لدعوت إلى الله، قد تستطيع أن تدعو إلى الله وأنت ساكت، إذا كنت متمثلاً بأخلاق الإسلام، بمبادئ الإسلام, فأنت من الدعاة، بل إن بلاداً كبيرةً تعدُّ مئات الملايين في شرقي آسيا، بل في جنوبي شرقي آسيا أسلمت عن طريق التجار، عن طريق الصدق والأمانة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6892/08.jpg وأنا أقول لكم دائماً: أنت في عملك تستطيع أن تكون داعيةً صامتاً، إذا كنت صادقاً مع الناس، إذا كنت مخلصاً، إذا كنت أميناً، إذا كنت ورعاً، إذا كنت عفيفاً، الناس لهم عيون، الناس لا يتعلمون بآذانهم، يتعلمون بعيونهم، يرونك؛ يرون ورعك، يرون عفتك، يرون صدقك ، يرون أمانتك، هذا هو الدين. أقول لكم دائماً: المبادئ النظرية وحدها لا تكفي، مهما كان في الإسلام مبادئ نظرية عميقة، وعليها ألف دليل ودليل، مبادئ منطقية تطابق الواقع، تطابق القيَم، تطابق المنطق حبرٌ على ورق، ما لم يأت إنسان ويتمثَّل هذه المبادئ، إذا تمثَّل الإنسان هذه المبادئ, أصبح داعيةً قبل أن يدعو، قبل أن يقول شيئاً، فالأب إذا كان في بيته مثالياً, صار داعيةً وهو لا يدري، الموظف إذا كان مثالياً في عمله، كان مخلصاً صادقاً يخدم الناس، وإذا ذهب ليصلي أمام زملائه, قالوا: هذه الصلاة تتناسب مع هذه الأخلاق، هذه الأخلاق من هذه الصلاة, أما إذا كان مؤذياً للناس، يعرقل مصالحهم، فإذا أذَّن الصبح, ذهب ليصلي ويستريح ساعة، توقع الناس أنت في إشكال، كيف يصلي ويفعل هذا؟ كيف يصلي ويأكل المال الحرام؟: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [سورة الماعون الآية: 2] هو نفسه، فأنت عندما تخلق للناس مشكلة فكرية، أنت مسلم؛ تصلي، تصوم، تحج، تزكي، ولك أعمال لا ترضي الله عزَّ وجل، أنت بهذا توقعهم في حيرة، أنت تهزُّهم، تبلبلهم، تشككهم في الدين, من هؤلاء القلة القليلة التي تقول: هذا ليس من الدين؟ الدين أرقى من ذلك, هؤلاء قلة، أما الكثرة يقولون: إذا كان هذا هو الدين, فنحن كافرون بهذا الدين, هنا المشكلة. الآن بالمقابل: إذا كان الله سبحانه وتعالى يأمرنا أن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر، متى يفعل الإنسان فعلاً مضاداً لهذا؟ الفعل الطيِّب أن تتعلم العلم، وأن تعمل به، وأن تتخذ الأسلوب الحسن في الدعوة إلى الله، فهل هناك أناسٌ يفعلون عكس ذلك؟ المؤمن يقرِّب الناس من الله عزَّ وجل بمنطقه، بأخلاقه، بإحسانه، لكن هل هناك أناسٌ يبعدون الناس عن الله عزَّ وجل؟ من هم؟ هؤلاء الذين لهم مظهرٌ ديني وأعمالهم سيئة، هنا يكمن الخطر. إنسان مظنة صلاح، محسوبٌ على المسلمين، معروفٌ بين أهله؛ أنه يصلي وأنه قد حج ثلاث مرَّات، واعتمر سبع مرات، ويرتاد المساجد، فإذا أكل هذا الإنسان مالاً حرماً، هنا تقع المشكلة، أستثني بعض الناس، هؤلاء المتبصرون، هؤلاء العميقون، هؤلاء الذين لا يأخذون الدين من الأشخاص، الدين عندهم في السماء، والأشخاص إن طبقوا لهم، وإن لم يطبقوا فعليهم، لكنني أريد عامة الناس، تجار السوق، رأوا أحدهم يصلي، يرتاد المساجد، فإذا أكل مالاً حراماً، فإذا كذب، فإذا انحرف، فإذا غش، هذا الإنسان يقف في موقعٍ مضادٍ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، هنا الخطر. فإذا أردت أن تكون من أفضل الناس, فتعلم العلم واعمل به وادعُ إليه, المقابل: وإذا أراد الإنسان أن يكون أسوأ الناس، فليتزيَّ بالدين وليكن عمله سيئاً، إنه يدعو الناس إلى أن يكفروا بالدين, بالطبع عامة الناس، لذلك سيدنا علي ماذا قال؟ قال: قوام الدين والدنيا أربعة رجال -من هؤلاء الرجال؟- عالمٌ مستعملٌ علمه، فإذا ضيع العالم علمه، استنكف الجاهل أن يتعلم. الكلمة التي تدور على ألسنة الناس دائماً: هذا يصلي ويكذب، يصلي ويغش، هذا ليس دين، أنا لا أريد هذا الدين, هذا كلام عامة الناس. لذلك: هؤلاء الذين أسلموا عن طريق الفكر خارج هذه البلاد الإسلامية، ثم جاؤوا إليها ، أنا إذا التقيت بأحدهم أقول له: هنيئاً لك إسلامك قبل أن تعرف المسلمين، فإذا عرفت المسلمين, أغلب الظن أنك لم تسلم، تجد كذباً، وغيبة، ونميمة، وغشاً, واحتيالاً, أساليب مقيته، وهم يصلون، ويستمعون إلى المدائح النبوية، ويقرؤون القرآن، هذا السلوك لا قيمة له عند الله أبداً، يجب أن تعرف أن الله سبحانه وتعالى لا يرضى عنك إلا إذا كنت كما يريد، أما إذا كنت كما تريد وتوهم الناس أنك تحب الله عزَّ وجل، قد تستطيع أن تخدع الناس جميعاً لأمدٍ قصير ، وقد تستطيع أن تخدع واحداً لأمدٍ طويل، أما أن تخدع الله وأما أن تخدع نفسك, فهذا من المستحيل: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [سورة النساء الآية:142] هذه الآية دقيقة : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [سورة النحل الآية: 125] استعن لهذه الدعوة بالحكمة, الحكمة أن تكون عالماً عاملاً، عاملاً عالماً، أن تعرف وأن تطبق. الآن عندنا أسلوب، الآن دخلنا في التربية، التربية هي الطريقة المثلى لنقل المعرفة: أنت الآن أمام إنسان متلبس بألف معصية، فإذا قلت له: هذه معصية، وهذه معصية، وهذه حرام, كبر عليه الأمر, وترك هذه الدعوة، ليس من الحكمة أن تنفِّر الناس، ليس من الحكمة أن تشدد عليهم في بادئ الأمر، ليس من الحكمة أن تزدريهم، ليس من الحكمة أن تستعلي عليهم، ليس من الحكمة والموعظة الحسنة أن تجعلهم يشعرون بالصَغار أمامك، لا، الموعظة الحسنة أن تؤثر فيهم بالحسنى لا عن طريقٍ آخر. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6892/09.jpg إذاً: ومن طلب هداية الناس بصدق, ألهمه الله الطريقة المُثلى. الطريقة الآن شيء آخر غير العلم، أن تكون عالماً عاملاً شيء، وأن تملك الطريقة المثلى في الدعوة إلى الله شيءٌ آخر. أحياناً: النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((بعثت بمداراة الناس)) هذه الباء للاستعانة أيضاً، لو قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((بعثت بمداراة الناس)) أصبحت المداراة هدفاً, لا، المداراة وسيلة، أنا أستعين على هدايتهم بمدارتهم، ما هي المداراة؟ بذل الدنيا من أجل الدين, أما المداهنة: بذل الدين من أجل الدنيا، إذاً: هذا حديث: . من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف ": ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159] حبَّذا إذا قرأ أحدكم القرآن، أو اطلع على السنة النبوية: أن يكتشف الأحاديث التي تبين لك كيف تدعو إلى الله؟ أي ما يتعلَّق منها بالنواحي التربوية، هذه الأحاديث قيَّمة جداً، إذاً: المداراة أحد الأساليب، هذا الذي تدعوه إلى الله له مشكلة دنيوية, يجب أن تحلها له، يجب أن تعينه عليها، يجب أن يشعر أنك معه، يجب أن يشعر أن دنياه غاليةٌ عليك، يجب أن تطعمه أولاً, أن تشبعه، أن تحل قضيته، هذا الشيء الذي يخيفه يجب أن تزيله عنه، حتى يرتاح إليك ، حتى يطمئن لك، حتى يحبك، فإذا أحبك, كانت كلماتك كالبلسم الشافي, فلذلك: الشيء الذي يفتح إليك القلوب، الشيء الذي يفتح لك الآذان، الشيء الذي يقرب الناس إليك: أن تكون محسناً. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6892/10.jpg عندك صانع، وتطمح أن يكون معك في المسجد -شيء جميل-, هذا الصانع إذا أردت أن يكون معك في المسجد, وأن تهديه إلى الله عزَّ وجل, يجب أن تكون محسناً إليه، إذا عاملته كأب, لك أن تقوده إلى المسجد، رأى الرحمة، رأى الإنصاف، رأى العطف، إذا عاملته كابنك, لم تحمِّله ما لا يطيق، لم تهن كرامته أمام الناس، لم تعنِّته، إذا رأى منك العطف والحنان مال إليك، فإذا مال إليك مال إلى مسجدك، إذا دعوته إلى بيت الله لبَّاك، أما إذا قسوت عليه نفر منك. هذا ينطبق على من معك في العمل، ينطبق على من معك في البيت، من معك في السفر ، لن تستطيع أن تهدي الناس إلا إذا كنت محسناً، لن تستطيع أن تهدي الناس إلا إذا كنت منصفاً، لن تستطيع أن تهدي الناس إلا إذا كنت متواضعاً، لن تستطيع أن تهدي الناس إلا إذا كان لك قلبٌ كقلب الأم، يجب أن تمتص أخطاءهم، أن تمتص انحرافاتهم، أن تعفو عنهم، أن تستغفر لهم، هكذا قال: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [سورة آل عمران الآية: 159] إذا أخطأ فاغفر له، الله عزَّ وجل يغفر، من أنت حتى لا تغفر؟ أساء، تكلم بكلمة قاسية، لم يسلم عليك، فعل كذا وكذا، من أنت؟ خالق الكون يعفو، من أنت إن لم تعفُ؟ لذلك : ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [سورة الأعراف الآية: 199] يجب أن تعفو، وأن تعرض، أن تعفو عمن أساء إليك، وأن تعرض عن السفيه، حتى تكون مؤهَّلاً لأن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر. لذلك: هذا الدرس موضوعه: كيف تكون آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر؟ كيف ترقى إلى أعلى عمل يرضي الله عزَّ وجل؟ أن تأمر بالمعروف وأن تنهى عن المنكر، بل أن تدعو إلى الخير، والخير كله عند الله، الخير كله بمعرفة الله، بطاعته، بخدمة خلقه، بالتقرُّب إليه، بمداومة ذكره، هكذا، إذاً: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [سورة النحل الآية: 125] الأسلوب التربوي الناجح: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [سورة النحل الآية: 125] في بعض الآيات: ربنا عزَّ وجل علمنا كيف نكون بهذا المستوى المطلوب؟ قال : ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة سبأ الآية: 24] فأنت كداعية أو كآمر المعروف: لا ينبغي أن تضع نفس في موقع عالٍ، أنت جاهل وأنا سأعلمك, لا، النبي -عليه الصلاة والسلام- ماذا قال لقومه؟ قال : ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة سبأ الآية: 24] أي أن أحدنا على حق، والآخر على باطل، لم يقل: أنا على حق, قال: أحدنا، فقد وضع نفسه في مستوى خصمه تماماً، حتى يكون متواضعاً، وضع نفسه في نفس الموضع: . ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة سبأ الآية: 25] إذا كنتم تظنون أنني بهذا العمل مجرم: لا تسألون عما أجرمنا، ولا نسأل -ليس عما تجرمون بل- عما تعملون. ما هذا التلطُّف؟ أعمال الكفار جريمةٌ ما بعدها جريمة، والله عزَّ وجل أمره أن يقول لهم: ﴿وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة سبأ الآية: 25] ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ [سورة سبأ الآية: 25] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6892/11.jpg هذا توجيه قرآني, لن تستطيع أن تدعو إلى الله إلا إذا كنت مع خصمك على قدر المساواة، بل قل له: أنا على خطأ وأنت على صواب والمناقشة بيننا، والدليل بيننا, لن تستطيع أن تهدي الإنسان إلا إذا تواضعت له، لن تستطيع أن تهديه إلا إذا أحسنت إليه، إلا إذا أكرمته، إلا إذا أحبك من كل قلبك، لذلك يجب أن تتعلم كيف تكسب ود الناس؟. النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يصلي مع أصحابه، دخل رجل لحق بهم, فأحدث جلبةً وضجيجاً في المسجد، وظن أصحاب النبي أن النبي -عليه الصلاة والسلام- سيعنِّفه، لكن عندما انتهت الصلاة قال: ((زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ)) [أخرجه النسائي في سننه] فقد عَدَّ هذا العمل حرصاً منه: ((زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ)) [أخرجه النسائي في سننه] فأقول لكم: من ذاق عرف. من ذاق طعم هداية الخلق، وذاق طعم خدمة الخلق حباً بالحق, عرف معنى ما أقول، فإذا أردت أن تفعل هذا فالطريق مفتوح، والشواغر مفتوحة، وفضل الله يتسع لكل عباده، والحديث الشريف، هذا كلام النبي. سيدنا سعد كان يقول: ثلاثةٌ أنا فيهن رجل, وما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس؛ ما سمعت حديثاً من رسول الله إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى. يقول عليه الصلاة والسلام, فيما رواه الإمام أحمد من حديث معاذ، وفي الصحيحين من حديث سهل بن سعد، أنه قال لعلي: ((يا علي, لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً, خيرٌ لك من حُمر النعم)) الرواية الثانية: ((خيرٌ لك مما طلعت عليه الشمس)) الرواية الثالثة: ((خيرٌ لك من الدنيا وما فيها)) هذا كلام النبي, أي أن أعظم عملٍ تفعله في الدنيا، لو أنك ملكت الدنيا من كل أطرافها . تكلمنا مرة بالدرس: واحد يملك محلاً في شارع مهم جداً المتر بخمسمئة ألف، إذا كانوا محلين، إذا كانوا خمسة محلات، إذا كان الصف بكامله له، أرضي وعلوي، إذا الصفان، إذا شارعان ضخمان، إذا كل شوارع المدينة محلاته له، وكل الأبنية الفخمة وكل الشركات الضخمة في العلم, -هناك شركات لها ميزانيات وأرباح أضخم من ميزانيات دول، شركات الأدوية والسيارات والطائرات وناقلات النفط مثلاً-, إذا كانت كل هذه المحلات في كل عواصم الدنيا لك، وإذا كانت كل الأبنية الفخمة والقصور في كل أنحاء الدنيا لك، وإذا كانت كل الشركات الضخمة في كل أنحاء الدنيا لك، ثم جاء الموت ماذا ينفعك هذا؟. هذا الذي ترك أضخم ثروة في العالم -وهو يهودي اسمه روتشيلد-, دخل إلى بعض صناديقه الحديدية, عنده غرف بكاملها، أحد الأبواب أغلق خطأً، صاح صاح، فلم يسمعه أحد , فجرح يده وكتب على الحائط: أغنى رجلاً في العالم يموت جوعاً. فإذا آمنت بكلام النبي: لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً, خيرٌ لك من الدنيا وما فيها. لكن الهداية صعبة، فأولاً يجب أن تهدي نفسك، أن تتعلم العلم، وأن تعمل به، وأن تبحث عن الطريقة المجدية، الطريقة الناجحة، الطريقة التربوية. لا يكون الرفق في شيء إلا زانه, ولا ينزع من شيءٍ إلا شانه. علموا ولا تعنفوا, فإن المعلِّم خير من المعنِّف: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [سورة النحل الآية: 125] ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سورة سبأ الآية: 24] ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة سبأ الآية: 25] هذه بالتي هي أحسن، إذا ناقشت الإنسان, كن لطيفاً معه، كن متواضعاً، كن منطقياً، لا تستعلِ عليه، لا تتبرَّم منه، إذا أحبك, دخلت أفكارك إلى قلبه، وإذا فتح قلبه لك فقد اهتدى. الآن طلب العلم في طريق الدعوة إلى الله، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : ((من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام, فبينه وبين الأنبياء في الجنة درجةٌ واحدة)) [أخرجه الدارمي في سننه] فهذا أعلى عمل: أن تتعلم العلم لتعلمه للناس، أن تتعلم العلم لتأخذ بيد الناس إلى الله عزَّ وجل، أن تتعلم العلم وتعمل به وتختار الطريقة المُثلى فتنشر هذا العلم بين الناس، أن تكون أمةً: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [سورة النحل الآية: 120] قيس بن سعد : والآن إلى قصة صحابيٍ جليل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، هذا الصحابي هو ابن الصحابي السابق: سيدنا قيس بن سعد بن عبادة. قال: الأنصار كانوا يعاملونه على حداثة سنه كزعيم، وكانوا يقولون: والله لو استطعنا أن نشتري لقيسٍ لحيةً بأموالنا لفعلنا. -لم يكن له لحية، لماذا؟ كان صغيراً شاباً، لشدة رجاحة عقله وشجاعته وكرمه، يبدو أكبر من سِنِّه,. لذلك: في علم النفس هناك عمرٌ زمني، وهناك عمرٌ عقلي، هناك عمر اجتماعي، هناك عمر انفعالي، هناك عمر تحصيلي تربوي، أتفه أعمار الإنسان عمره الزمني، فهذا ابن سيدنا سعد قيس, لرجاحة عقله, وأخلاقه الكريمة, وكرمه الشديد, بدا وكأنه زعيم وهو غلام، فقال أصحاب النبي: لو استطعنا أن نشتري لقيسٍ لحيةً بأموالنا لفعلنا. والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((إن الجود شيمة أهل هذا البيت)) في هذا الحديث إشارة إلى قيمة التربية الأسرية. أحياناً ترى إنساناً من أسرة راقية، أسرة عرفت بالصلاح والتقوى والعلم والعمل، فأولاد هذه الأسرة لو قصَّروا، لو تأخروا في معرفة الله عزَّ وجل, لهم خلفيةٌ طيبة، لهم خامةٌ طيبة، لهم بُنيةٌ طيبة، من هنا جاء النسب، النسب له أثر. وما زلت أتقلب في أرحام الطاهرات وأصلاب الطاهرين, حتى ولدتني أمي ولم يمسني من سفاح الجاهلية شيء . فهذا الحديث منه إشارة، فالإنسان إذا تزوج, يبحث عن أسرة راقية عريقة في تربيتها لأولادها، عريقة في أخلاقها، في تدينها. الآن هناك لقطة ثانية-: هذا الصحابي كان على درجة عاليةٍ جداً من الذكاء. -والذكاء قوة بالإنسان، بل إن الذكاء أفضل نعمةٍ يمنحها الله لعباده، لكن الشيء اللطيف: أن المؤمن الذكي مقيَّد، مقيّد بالشرع, أحياناً يوجد ذكي يخرب بلداً بكاملها، أحياناً امرأة ذكية ترمي عداوة بين أسرة تدفعهم إلى القتل، هناك مواقف ذكية جداً ولكن ذكاء شيطاني، ذكاء أساسه الشيطان، لذلك الذكاء وحده لا يكفي, لا بدَّ له من حصن من قيم. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6892/12.jpg النبي ماذا قال؟ قال: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ)) [أخرجه مسلم في الصحيح] الذكاء قوة، إذا كان هذا الذكاء مع المؤمن وظَّفه في الحق، فهذه اللقطة-. يقول هذا الصحابي الجليل: إنه لداهية، كان يتفجَّر حيلةً ومهارةً وذكاء. وقال عن نفسه وهو صادق: لولا الإسلام, لمكرت مكراً لا تطيقه العرب. -فقد كان عنده طاقات في فكره، في ذكائه، لولا أن الإسلام قيَّده بالحق، وقيده بالإحسان، وقيده بالمعروف، لفعل شيئاً لم يفعله أحد ممن قبله. لذلك المؤمن مقيَّد يا أخوان: الإيمان قيد الفتك ولا يفتك مؤمن. إذا كنت حراً فافعل ما تشاء، وإذا كنت عبداً فما هكذا تفعل العبيد؟ المؤمن مقيَّد, عنده أمر إلهي. أقول لكم هذه الكلمة، -هي كلمة أساسها كلمة قانونية: أن تنتهي حريتك حينما تبدأ حرية الآخرين-, أنا أقول لك: تنتهي حريتك حينما تعرف الله عزَّ وجل, فهل تستطيع أن تكذب؟ أحياناً كذبة محكمة تماماً تحل فيها مشكلة، فهل يمكنك أن تكذب؟ لا تقدر، هل يمكنك أن تغش؟ لا تقدر، هل يمكنك أن تحتال على الناس؟ لا تقدر، هل يمكنك أن تظلم؟ لا تقدر، هل يمكنك أن تأخذ مال ليس لك؟ لا تقدر، فأنت مقيد بالشرع-. قال: لولا الإسلام لمكرت مكراً لا تطيقه العرب. -يبدو أن هذا الصحابي قرأ قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [سورة فاطر الآية: 43] هذا كلام ربنا عزَّ وجل، قرأت قرآناً وقلت: صدق الله العظيم, هذه الآية إذا قرأتها فعلاً, وصدَّقت الله فيها, لن تستطيع أن تمكر, لأنك إذا مكرت يعود مكرك عليك:. ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [سورة فاطر الآية: 43] http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6892/13.jpg الأيام تدور وتدور وتدور, فإذا بهذا المكر الذي فعلته بغيرك, انصب على رأسك، فمن هو الذكي؟ هو الذي يقرأ القرآن ويصدِّقه قبل أن يدفع الثمن باهظاً، من هو الغبي؟ يجعل هذه الآية وراء ظهره، يتخذ هذا القرآن مهجوراً ويفعل ما يحلو له، فإذا دفع الثمن باهظاً، وعاد مكره عليه، قال: والله صدق الله العظيم, الآن عرفتها بعد فوات الأوان, إذا كنت بطلاً فاعرف الحقائق قبل فوات الأوان، -. هذا الصحابي قرأ القرآن فصدقه، عندما قال: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [سورة فاطر الآية: 43] قال: والله لولا الإسلام, لمكرت مكراً لا تطيقه العرب. يبدو أنه قد وقف مع سيدنا علي هذا الصحابي في خلافه مع معاوية، فقال: والله ولئن قدِّر لمعاوية أن يغلبنا, فلن يغلبنا بذكائه بل بورعنا وتقوانا. -أيضاً هذه كلمة دقيقة، أي أنك ليس معك أسلحة غير محدودة، لا يوجد معك غير سلاح الحق، لعله أن يكون خصمك لا يوجد فيه دين إطلاقاً, له أن يفعل بك ما يشاء، فهو مطلق، وأنت مقيد، هذه مشكلة، لكن هذه المشكلة وسام شرف لك. أحياناً أنت بمركز قوي, ولك خصم بمركز قوي، لكن خصمك متفلِّت من الدين، لا يوجد عنده قيَم، وأنت الإيمان يحجزك عن أن تفعل شيئاً لا يرضي الله عزَّ وجل-. فقال: والله ولئن قدِّر لمعاوية أن يغلبنا, فلن يغلبنا بذكائه بل بورعنا وتقوانا. سيدنا سعد والده حينما أسلم، أخذ بيد ابنه قيس, وقدَّمه إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وقال: يا رسول الله هذا خادمك. - كذلك هذه إشارة ثانية، الذي عنده ابن وتمكن أن يلحقه بمسجد، يجعله في طريق الإيمان, هنيئاً له، لأن:. أفضل كسب الرجل ولده. هكذا كانوا الصحابة الكرام-. يا رسول الله هذا خادمك. سيدنا الصديق تحدَّث عنه مرةً, وقال: والله لو تركنا هذا الفتى لسخائه, لأهلك مال أبيه. فسيدنا سعد بلغته هذه المقالة, فقال: من يعذرني من أبي بكرٍ وابن الخطاب, يبخِّلان علي ابني؟ -أي أنه ما رضي أن يسمع ابنه هذا اللوم لشدة سخائه، يبدو أن السخي يكون ابن السخي عادةً-. قال: أقرض قيس أحداً من أخوانه المعسرين يوماً قرضاً كبيراً، وفي الموعد المضروب للوفاء, ذهب الرجل يردُّ إلى قيس قرضه، فأبى أن يقبله, وقال: إنا لا نعود في شيءٍ أعطيناك . -كان سخياً-. وآخر كلمة قالها: والله لولا أنني سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: المكر والخديعة في النار, لكنت من أمكر هذه الأمة. أردت من هذا الصحابي الجليل شيئاً واحداً جديداً: هو أن الإنسان إذا تمتع بذكاءٍ حاد، هذا الذكاء الحاد يجب أن يوظِّفه في الحق، أما أن يتخذه قوةً طائشة، أو قوةً عمْياء، عندئذٍ هذا الذكاء يعود وباله عليه، لذلك: الإنسان الذكي ممتحنٌ بذكائه، هل وظَّفه في الحق وضبطه أم وظفه في الباطل وجلب به الثروات الطائلة؟ تستطيع أن تكون ذكياً, وتخلق لإنسان مشكلة, وأنت صاحب مركز حساس، لك وظيفة فيها قدرةٌ على الأذى, خلقت لإنسان مشكلة خوفته، فقبضت منه ما تريد، هذا موقف تمثيلي يحتاج إلى ذكاء، وإلى تمثيل جيد، وأن تبث في روعه أنه انتهى، وهذه البضاعة كلها صودرت، وتدفع مئات المئات، ألوف الألوف، عشرات الملايين، وأنا أستطيع أن أنقذك، وبالطبع بموقف تمثيلي ذكي؛ مع أدلة، مع براهين، مع قصص، فهو انهارت أعصابه فأعطاك ما تريد، هذا ذكاء، ولكن هذا المال الذي أخذته بهذه الطريقة, هذا المال لن ينفعك, لذلك: الذكي عند الله لا قيمة له من دون أن يكون مؤمناً، والدليل: ((وَلا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ)) [أخرجه البخاري في الصحيح] هذا الذكي قد يصاب بعطب، يدفع هذا المال كله، فالقضية أن تعرف أنه يوجد إله، من هو الأحمق؟ هذا الذي يتجاهل الحقيقة العظمى في الكون، ويتجاهل وأن الله بيده كل شيء، وأن الله فعَّال لما يريد، وأن الذكي لا يفعل شيئاً. الختام |
رد: الحقوق الاسلامية
جوزيت كل خير وبورك فيك
تحية |
رد: الحقوق الاسلامية
تسلمين اختى افراح
|
| الساعة الآن 09:04 AM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.