منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=5)
-   -   الحقوق الاسلامية (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=9551)

السعيد 09-05-2018 09:08 AM

رد: الحقوق الاسلامية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( السابع )

الموضوع :
حسن اختيار أمه - حسن اختيار اسمه - تربيته صغيراً - التعوذ من الشيطان.



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. حقوق الأبناء على الآباء :
أيها الأخوة المؤمنون, في الدرس الماضي أنهينا بفضل الله عزَّ وجل حقوق الآباء على الأبناء، وها نحن أولاء في هذا الدرس ننتقل إلى موضوعٍ آخر متمَّمٍ للأول, ألا وهو حقوق الأبناء على الآباء ، لأن كل حقٍ يقابله واجب، وكل واجبٍ يقابله حق، فما دام للآباء حقوقٌ على الأبناء، لا بدَّ من أن يكون للأبناء حقوقٌ على الآباء، والحديث الشريف الذي تعرفونه جميعاً:
((رحم الله والداً أعان ولده على برِّه))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6195/01.jpg
موضوع حقوق الزوج على الزوجة، وحقوق الزوجة على الزوج، وموضوع حقوق الآباء على الأبناء، وحقوق الأبناء على الآباء، هذه موضوعاتٌ دقيقةٌ جداً، لأنه ما من واحدٍ من الأخوة الحاضرين إلا وتمسُّه هذه الموضوعات، فإذا أدَّيت ما عليك من حقوق صار الطريق إلى الله سالكاً، وإذا كان هناك تقصيرٌ، أو مجاوزةٌ، أو جنوحٌ، أو مخالفةٌ، أو إساءةٌ كانت هذه الأعمال حجاباً بين العبد وبين ربه، والحديث الذي تعرفونه أيضاً جميعاً, هو أن الإنسان قد يستحق النار يوم القيامة, فيقف بين يدي الله عزَّ وجل ويقول: ((يا رب لا أدخل النار حتى أًُدخِل أبي قبلي))
وهذا الطفل الذي شبَّ على الانحراف، وشجَّعته أمه الجاهلة على ذلك، وكبر وارتكب جريمةً, استحقَّ عليها الإعدام، قُبَيْلَ إعدامه طلب أن يلتقي أمه -هكذا الصحيح أكثرهم يقول : أن يلتقي بأمه-, فلما جيء له بأمه, قال: مدي لسانك كي أقبِّله, مدَّت لسانها فعضَّه وقطعه، وقال: لو لم يكن هذا اللسان مشجِّعاً لي على الجرائم ما فقدت حياتي:
إهمال تربية البنينَ جنايةٌ عادت على الآباءِ بالويلاتِ
إذاً: الحديث النبوي الشريف: ((رحم الله والداً أعان ولده على برِّه))
هو عنوان هذا الموضوع: حقوق الأبناء على الآباء. ما هي هذه الحقوق؟
1-أن يحسن الأب اختيار الزوجة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6195/02.jpg
يا أيها الأخوة الأكارم, جاء رجلٌ إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه- يشكو إليه عقوق ابنه، فأحضر سيدنا عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه- ابنه, وأنَّبه على عقوقه لأبيه, فقال الابن: يا أمير المؤمنين, أليس للولد حقوقٌ على أبيه؟ قال: بلى, فقال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: أن ينتقي أمه، وأن يحسن اسمه، وأن يعلِّمه الكتاب –القرآن- فقال الابن: يا أمير المؤمنين, إنه لم يفعل شيئاً من ذلك، أما أمي فإنها زنجيةٌ كانت لمجوسي، وقد سماني جُعْلاً -أي خنفساء- ولم يعلمني من الكتاب حرفاً واحداً, فالتفت أمير المؤمنين إلى الرجل, وقال له: أجئت تشكو عقوق ابنك؟ لقد عققته قبل أن يعقَّك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.
هذا النص أن ينتقي أمه، وأن يحسن اسمه، وأن يعلِّمه القرآن، فإذا أهمل الأب هذه الأشياء, يكون قد عَقَّ ابنه قبل أن يعقَّه ابنه، ويكون الأب قد أساء إليه قبل أن يسيء الابن إلى أبيه.
فأول واجبٍ على الآباء تجاه الأبناء: أن يحسن الأب اختيار الزوجة، إن هذا الواجب يسبق وجود الولد، الواجب الأول بل هو أخطر واجب إنه يسبق وجود الولد، وهو: أن يحسن اختيار أمه.
صفات الزوجة الصالحة :
النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((خير فائدة أفادها المرء المسلم بعد إسلامه امرأة صالحة, تسره إذا نظر إليها، وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها))
فأثمن شيءٍ أن تحسن اختيار الزوجة، ينبغي أن تكون الزوجة صالحة: ((تسرُّه إذا نظر إليها -أي أنها نظيفة- وتطيعه إذا أمرها، وتحفظه في غيبته في ماله ونفسها))
وفي حديثٍ آخر: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: ((يا رسول الله, أَيُّ النِّسَاءِ خَيْرٌ؟ قَالَ: الَّتِي تَسُرُّهُ إِذَا نَظَرَ))
في هذا الحديث ليس فيه كلمة إليها؛ أي إذا نظر إلى غرفة النوم تسره، منظَّمة ومرتَّبة والملاءة نظيفة، وإذا نظر إلى المطبخ تسرُّه، وإذا نظر إلى أولاده تسرُّه، وإذا نظر إلى البيت إجمالاً تسرُّه، أي أنها تقوم بواجبها خير قيام، أي تحسن تبعُّل زوجها.
والنبي -عليه الصلاة والسلام كما تعرفون- يقول: ((اعلمي أيتها المرأة, وأعلمي من وراءك من النساء: أن حسن تبعل إحداكن لزوجها يعدل ذلك كله))
يعني الجهاد في سبيل الله. ((تسره إذا نظر، ولا تعصيه إذا أمر، ولا تخالفه بما يكره في نفسها وماله))
هذه صفات الزوجة الصالحة، لأن اختيار الزوجة الصالحة أول واجبٍ على الآباء تجاه الأبناء الذين سوف يأتون إلى الدنيا.
وفي حديثٍ آخر: عن أبي سعيدٍ الخدري -رضي الله عنه- قال: ((قال عليه الصلاة والسلام : تنكح المرأة على إحدى خصال؛ لجمالها، ومالها، وخُلُقها، ودينها, فعليك بذات الدين والخلق تربت يمينك))
[أخرجه أحمد في مسنده]
وفي حديثٍ آخر: عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، رواه البخاري ومسلم، يقول عليه الصلاة والسلام : ((تنكح المرأة لأربع؛ لمالها، ولخلقها، ولجمالها، ولدينها, فاظفر بذات الدين تربت يداك))
أي إن لم تفعل ما نلت إلا التُراب، والتراب شيءٌ لا قيمة له إطلاقاً، إذا جهدت، وتحمَّست ، وانقضضت، وأمسكت بشيء فإذا هو تراب، يقال: تربت يمينك؛ أي لن تأخذ شيئاً، لم تنل شيئاً، لم تفلح في هذا الزواج.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6195/03.jpg
العلماء قالوا: يستحب أن تختار امرأة تسرُّك إذا نظرت إليها.
هذا من السنة، لكن العلماء أيضاً, ومنهم الماوردي يقول: كره العلماء أن يختار الإنسان امرأةً ذات جمالٍ بارع, لأنها متعبةٌ إلى أقصى الحدود، فإنها تزهو بجمالها، وتحب أن ينظر الناس إليها، وربَّما تعاند زوجها، وربَّما تتفلَّت من أوامر الشرع تفلُّت البعير.
لذلك هذا رأي بعض العلماء: أنه يجب أن تختار زوجةً تسرك إذا نظرت إليها، أما أن تختارها فائقةً فائقةً, فهذا ربما عاد عليك بالمتاعب التي لا حصر لها.
في حديث آخر: يقول عليه الصلاة والسلام: ((من تزوَّج المرأة لجمالها أذلَّه الله.
-هي تزهو عليه بجمالها, وهو يتصاغر أمام هذا الجمال، فكأنها هي الآمرة الناهية، وكأنها هي القَيِّمة، وكأن لها القِوامة، لذلك-:
من تزوَّج المرأة لجمالها أذلَّه الله -أي لجمالها فقط- ومن تزوَّجها لمالها أفقره الله، ومن تزوجها لحسبها زاده الله دناءةً, فعليك بذات الدين تربت يداك))
لكن لو أنك تزوجت امرأةً غنيَّة, وطابت لك عن بعض مالها، فهذا يأكله الزوج هنيئاً مريئاً، كما قال الله عزَّ وجل في القرآن الكريم : ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً﴾
الآية: 4] [سورة النساء
والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول:
((إياكم وخضراء الدمن.
-الدِّمَن جمع دِمْنَة وهي المزبلة، وخضراء الدمن أحياناً تنبت نبتةٌ في هذه القمامة، فإذا هي نضرة، لأنها كلها سماد، هذه سمَّاها النبي -عليه الصلاة والسلام- خضراء الدمن، قال عليه الصلاة والسلام- :
إياكم وخضراء الدمن، فقيل: وما خضراء الدمن؟ قال: المرأة الحسناء في المنبت السوء))
البيئة سيِّئة، البيئة غير إسلاميَّة، البيئة غير ديِّنة، متفلِّتة، الجو العائلي جو مريض، الجو العائلي جو غير صحي، الشاعر الحكيم قال:
ليس الجمال بأثوابٍ تُزيننا إن الجمال جمال العلم والأدبِ
حديثٌ آخر: رواه سيدنا أنسٌ, عن النبي -عليه الصلاة والسلام- : ((من تزوج امرأة لعزها لم يزده الله إلا ذلاً، ومن تزوجها لمالها لم يزده الله إلا فقراً، ومن تزوجها لحسبها لم يزده الله إلا دناءة، ومن تزوج امرأة لم يرد بها إلا أن يغض بصره, ويحصن فرجه, أو يصل رحمه, بارك الله له فيها وبارك لها فيه))
والنبي -عليه الصلاة والسلام- كان إذا حضر عقد قِران, يقول: ((بارك الله لكما وعليكما وفيكما))
وعن عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- قال: ((قال عليه الصلاة والسلام: لا تزوجوا النساء لحسنهن))
فإذا ذُكرت كلمة حُسن أو جمال, المقصود الجمال وحده؛ أي أنك آثرت الجمال على الدين، هناك رقَّةٌ في الدين وتفوُّقٌ في الجمال، آثرت الجمال على الأخلاق، هناك شراسةٌ في الأخلاق، ورقةٌ في الدين، وتفوُّقٌ في الجمال, فالأمر فيه نذر السّر، إذا ذكر النبي -عليه الصلاة والسلام- كلمة الجمال أو الحُسن, فالمقصود به من آثره على بعض الشروط الأخرى.
يقولون: إن واحداً وضع عشرة شروط: أول شرط الجمال، ثاني شرط الكمال، الثالث الغنى –المال- الرابع الحسب، الخامس النسب، السادس الثقافة، السابع إلى أن صاروا عشرة ، أرسل والدته فلم يجد، فتخلَّى عن شرط، عمل جولة ثانية بعد سنة فلم يجد فتخلى عن شرط ثانٍ، عمل جولة ثالثة فلم يجد فتخلى عن شرط ثالث، بعد عشر سنوات بقي على شرطٍ واحد: وهو أن يعثر على امرأةٍ ترضى به، فعلى المرء ألا يعقِّد الأمور كثيراً. ((لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن .
-أي جميلة وجاهلة، حسنها يرديها، يجعلها تستعلي عليه، لا يحتملها زوجها فيطلِّقها، وهذا يحصل دائماً، استعلاؤها على زوجها يحملها على أن تكون فظَّةً معه، وقد لا يحتمل الزوج هذا، فيكون الفراق والشِقاق، إذاً-:
لا تزوجوا النساء لحسنهن فعسى حسنهن أن يرديهن، ولا تزوَّجوهنَّ لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن
-المال يطغي- ولكن تزوَّجوهنَّ على الدين، ولأمة خرماء -أي أذنها مشرومة- سوداء ذات دينٍ أفضل))
وكان عليه الصلاة والسلام يأمر بالباءة -أي بالزواج- وينهى عن التبتُّل نهياً شديداً، ويقول : ((تزوجوا الودود الولود, فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة))
النبي -عليه الصلاة والسلام, وهو سيد الخلق, وحبيب الحق- اختار لنا هذين الشرطين: الودود الولود.
أي ما من طبعٍ أبغض عند الرجل في المرأة من أن تكون لئيمة، أو قاسية، أو متكبِّرة، أو لها لسانٌ سليط، أو مستعلية.
النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((تزوَّجوا الودود -تحب زوجها، تتحبَّب إليه، ترضيه، تؤثره على كل شيء، هذه الودود- الولود -لأنها إذا أنجبت لك طفلاً, ملأ هذا الطفل البيت أنساً ولطفاً، ومحبَّةً واشتياقاً، ومتَّن العلاقة بين الزوجين-.
تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة))
وقال عليه الصلاة والسلام: ((عليكم بالأبكار، فإنهن أعذب أفواها .
-أي كلامها لطيف, وليست كلما تحدثت بكلمتين, قالت عن زوجها الأول: المرحوم ما كان يفعل هذا، المرحوم ما كان يفعل هذا، وفي هذا تنغيص لزوجها الحالي-.
عليكم بالأبكار، فإنهن أعذب أفواها -أي كلامها لطيف- وأنتق أرحاما، وأرضى باليسير))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
هذا كلُّه من حقوق الأبناء على الآباء، أي ليحسن الأب اختيار الزوجة الصالحة. ((الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
الزواج سنة الأنبياء :
أراد ابن عمر -رضي الله عنه- ألا يتزوَّج، فقالت له أخته حفصة: أي أخي لا تفعل، تزوَّج فإن ولد لك ولد فماتوا كانوا لك أجراً، وإن عاشوا دعوا الله عزَّ وجل لك. لقول النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((إِذَا مَاتَ الإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثَ: إِلا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ, أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ, أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6195/04.jpg
الأنبياء العِظام -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- كلهم تزوَّجوا، قال الله عزَّ وجل : ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً﴾
[سورة الرعد الآية: 38]
الأنبياء تزوَّجوا، الزواج لا يتعارض مع الدين بل هو في خدمة الدين: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾
[سورة النحل الآية: 72]
من فضل الله على الإنسان أن جعل له زوجة، وجعل له منها أبناءً، ورزقهم من الطيِّبات.
هناك أب ذكر لأبنائه فضله عليهم, فقال:
وأول إحساني إليكم تخيُّري لماجدة الأعراق بادٍ عفافها
هذا هو الحق الأول: حق ابنك عليك أن تحسن اختيار أمه. 2-التعوذ بالله من الشيطان قبل اللقاء الزوجي :
الآن الحق الثاني: التعوُّذ بالله من الشيطان قبل اللقاء الزوجي.
لأن في هذا الموضوع أحاديث كثيرة, وردت عن النبي عليه الصلاة والسلام، لكن هناك سؤال دقيق: كلَّما سألني سائل حول التعوذ, قال: إنني تعوَّذت بالله فلم يحصل ما أريد؟ وأرد عليه قائلاً: ربنا عزَّ وجل قال:
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾
[سورة فصلت الآية: 36]
يقول لك: استعذت بالله ولم يحصل شيء، فما جدوى هذه الاستعاذة؟.
في الجواب عن هذا نقول: إن الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم : ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
[سورة فصلت الآية: 36]
السميع باستعاذتك، والعليم لما في قلبك، استنبط العلماء من هذه الآية: أن الاستعاذة باللسان لا قيمة لها، ولا تكفي، ولا جدوى منها، ما لم يكن القلب في أعماقه متجهاً إلى الله بالاستعاذة، فلذلك: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾
[سورة الناس الآية: 1-6]
-قل أعوذ- لا تقبل هذه الاستعاذة، ولا تُجدي، ولا تقطف ثمارها, إلا إذا كانت نابعةً من قلبك، بالدليل: أن الله سبحانه وتعالى ختم الآية, فقال: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة الأعراف الآية: 200]
سميعٌ لهذه الاستعاذة, ولكن يعلم أن قلبك ليس في مستواها، فإذا اتجه الإنسان إلى الله عزَّ وجل بكليَّته مستعيذاً, لا بدَّ من أن ينجيه من كل مكروه، هذا شيءٌ ثابت.
الله عزَّ وجل قال : ﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 64]
فالمشاركة في الأولاد: أن الزوج الذي ينسى أن يستعيذ بالله قبل اللقاء الزوجي، قد يشرَكه في هذا اللقاء الجن، وعندئذٍ يأتي الابن شريراً مخيفاً، هذا تفسير بعض العلماء لهذه الآية.
النبي -عليه الصلاة والسلام- فيما روى البخاري ومسلم، عن ابن عبَّاسٍ -رضي الله عنهما- من طرقٍ كثيرة -أي صار هذا حديثاً متواتراً تواتراً معنوياً- أنه قال: ((لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَتَى أَهْلَهُ قَالَ: بِاسْمِ اللَّهِ, اللَّهُمَّ جَنِّبْنَا الشَّيْطَانَ, وَجَنِّبِ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا, فَقُضِيَ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ, لَمْ يَضُرُّهُ))
أي الشيطان لم يضر هذا الولد. هذا الحديث واضح .
الإمام الداودي قال: معنى لم يضرَّه؛ أي لم يفتنه عن دينه إلى الكفر.
وليس المراد أن هذا الابن معصومٌ عن المعصية، فالقضية سهلة, إذا كان الواحد قد سمى, فهل يأتيه ولد صالح عالِم جليل؟ لا, بل إن العلماء يقولون: ليس معنى هذا أنه يصبح معصوماً عن المعصية، ولكن لم يضرُّه الشيطان فيهوي به إلى الكفر، إذا كان قد استعاذ الزوج بالله من الشيطان الرجيم قبل اللقاء الزوجي.
وكلكم يعلم: أن الإنسان إذا دخل بيته ولم يسلِّم, قال الشيطان لأخوانه: أدركتم المبيت في هذا البيت -الليلة هنا، طول الليل مشاكل- فإذا جلس إلى الطعام ولم يسمِ, قال الشيطان لأخوانه : وأدركتم العشاء -كذلك وعند العشاء، يشبع الجماعة- فإذا دخل ولم يسلِّم، وجلس إلى الطعام ولم يسمِّ, قال الشيطان لأخوانه: أدركتم المبيت والعشاء معاً.
أي أنكم الليلة نومكم هنا والعشاء كذلك جاهز.
إذاً خلاصة التوجيه النبوي: أن الإنسان عليه أن يسلِّم إذا دخل إلى بيته قائلاً: السلام عليكم، وعليه أن يسمي إذا أكل، عندئذٍ يجنبه الله الشيطان في علاقاته وفي طعامه. 3-أن يتخير له اسماً ذكراً كان أو أنثى :
الواجب الذي يلي هذا الواجب هو :أن يتخيَّر له اسماً حسناً ذكراً كان أو أنثى .
ففي الحديث الشريف:
((إنكم تُدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم))
[أخرجه أبو داود في سننه]
هكذا قال عليه الصلاة والسلام, بعضهم يسمي ابنه جعيفص مثلاً، ما هذه جعيفص؟ عبد الرحمن، عبد اللطيف مثلاً، عبد الله، حَسن، حُسين كذلك، هناك أسماء كثيرة جداً؛ أسماء إسلاميَّة، وأسماء أخلاقيَّة، من ذلك اسم مجيب أحياناً، واسم هُمام، لدينا أسماء كثيرة فيها معنى الشجاعة وغيرها.
طبعاً سبب هذه الأسماء القبيحة جهلٌ قائم بالأهل، إن سمَّاه اسماً قبيحاً يعيش ولا يموت كما يزعمون، يسميه فلفل، فجلة، خيشة، جدي، في أسماء أخرى أيضاً، هذه الأسماء يتوهَّم الآباء أنها تقي ابنهم من الأمراض ومن الموت، هذا كله كلام فارغ ولا أساس له من الصحَّة ، هذه أسماء مزرية بأصحابها.
وهناك أسماء مستوردة؛ ميمي، وشونو، وسونا، وفيفي، وشوشو، هذه أسماء لا تليق بالمسلم أساساً، لا تسمي اسماً خشناً ولا اسماً مستورداً، نريد اسماً إسلامياً، والآن لدينا الكثير من الكتب بالأسواق، وعندنا معاجم حوالي أربعة أو خمسة آلاف اسم مرتَّبة ترتيباً جيداً، اقتنِ كتاباً منها، فاختيار الاسم شيء مهم جداً، هذا الاسم سوف يكون علماً على هذا الابن, في حلِّه وترحاله، في علاقاته، في حركاته وسكناته، في نشاطاته. الأسماء المحبب إلى الله؟ :
النبي -عليه الصلاة والسلام- عن ابن عمر -رضي الله عنه- وفيما رواه الإمام مسلم يقول: ((إن أحب أسمائكم إلى الله عزَّ وجل؛ عبد الله وعبد الرحمن))
وكان عليه الصلاة والسلام إذا لم يعرف اسم إنسان, قال له: ((ادن مني يا عبد الله))
هذا اسم يطلق على الكل: يا عبد الله.
وعن جابرٍ -رضي الله عنه- قال: ((ولد لرجلٍ منا غلام فسمَّاه القاسم، فقلنا: لا نُكنيك أبا القاسم ولا كرامة -رسول الله أبا القاسم- فُأخبِر النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال: سمِّّّّ ابنك عبد الرحمن))
أحياناً يكون بالأسرة رجل وقور وله قيمته يسمونه باسمه، وهذا الابن أحياناً يشذ، ينحرف، يتعرض لدعاء سوء من الأهل، فتصير هذه مشكلة، فيفضَّل إذا كان في الأسرة إنسان وهو عميد الأسرة له قيمته، فلا تعمل إحراجات وتسمي الصغير باسمه.
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- لم يرضَ، قال له: ((سمه عبد الرحمن))
والنبي أمرنا في حديثٍ آخر رواه أبو داود: ((تسموا بأسماء الأنبياء))
[أخرجه أبو داود والنسائي في سننهما]
((وأحب الأسماء إلى الله؛ عبد الله وعبد الرحمن))
[أخرجه أبو داود والنسائي في سننهما]
إبراهيم، سيدنا إبراهيم: ((تسموا بأسماء الأنبياء, وأصدقها حارثٌ وهُمام، وأقبحها حربٌ ومرَّة))
[أخرجه أبو داود والنسائي في سننهما]
وكان عليه الصلاة والسلام يبدِّل الأسماء.
أحياناً هذا الكلام أسوقه للمعلمين، إذا عندك طفل له اسمه لا يليق، أنت بدِّل له اسمه أثناء العام الدراسي في تعاملك معه، لا أقول بالسجلات فلها وضع آخر، وقت تقديم الشهادة تأخذ اسمه الصحيح، لكن أثناء التعامل اليومي أطلق عليه اسماً لطيفاً, ينتعش فيه هذا الطفل.
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: عن سعيد بن المسيِّب بن حَزْن, أعطيه الحُزن, والحَزَن هو المعروف، معروف عند الجميع، وهو ما يعتري النفس من ألم ..: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾
[سورة النمل الآية: 70]
الحُزن والحَزَن بمعنى واحد، لكن الحَزْن الأرض الوعرة.
قال عليه الصلاة والسلام: ((أَلا إِنَّ عَمَلَ الْجَنَّةِ حَزْنٌ بِرَبْوَةٍ ثَلاثًا, أَلا إِنَّ عَمَلَ النَّارِ سَهْلٌ بِسَهْوَةٍ))
الحَزْن الأرض الوعرة، أما الحَزَن والحُزن بمعنى واحد وهو الألم النفسي.
فعن سعيد بن المسيب بن حَزْن, عن أبيه, أنه جاء النبي -عليه الصلاة والسلام- فقال: ((ما اسمك؟ قال: حَزْن, فقال: أنت سهل, قال: لا أغير اسماً سمَّانيه أبي, فقال بن المسيِّب فيما بعد: فما زالت الحزونة فينا بعد))
أي غلظ الوجه وشيءٌ من القساوة.
النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول لك: أنت سهل, وهو يقول: لا اسمي حزْن ويرفض تسمية النبي.
قال: فما زالت الحزونة فينا بعد.
والحزونة غلظ الوجه وشيءٌ من قساوة القلب.
امرأةٌ اسمها عاصية سمَّاها النبي جميلة، لماذا عاصية؟.
ما اسمكِ؟ قالت: ((أنا عاصية, فقال لها: بل أنتِ جميلة))
وامرأةٌ اسمها برَّة فقال عليه الصلاة والسلام: ((أنتِ زينب))
الأنسب أن يختار الإنسان اسماً مناسباً، والذي أعرفه أن الإنسان له الحق أن يبدِّل اسمه، فإذا لم يرق له اسمه الذي سماه به أبوه, فله الحق أن يبدِّل اسمه حتى في قيود الدولة وسجلاتها، هذا من حقوق الأبناء على الآباء.
الحقيقة: الأسماء القبيحة أسبابها عادة قبيحة، وعقليَّة قبيحة، وتصوُّر قبيح, إذ يزعم الجهلة أن هذه الأسماء القبيحة تقي صاحبها من الضرر، والهلاك، والموت، والآفة، والمرض، والحق أنه لا يقي الإنسان إلا الله عزَّ وجل، لكن النبي قال: ((العين حق، إن العين -أي عين الحسود- تضع الجمل في القدر، والرجل في القبر))
المحسود الغافل عن الله عزَّ وجل تؤثِّر فيه عين الحسود، أما المحسود المُقبِل على الله لا تؤثِّر فيه عين الحسود .
وللتعوُّذ موضوعٌ آخر إن شاء الله، التعوُّذ بالله من الحسد وغيره يحتاج إلى موضوع تفصيلي نتحدَّث عنه في وقتٍ آخر. ما ورد عن الغزالي في رياضة الصبيان :
نختار أيضاً من حقوق الأبناء على الآباء ما ورد في كتاب إحياء علوم الدين عن رياضة الصِبيان:
فاعلم أن الطريق في رياضة الصبيان -والمقصود هنا بالرياضة هي التربية- من أهم الأمور وأوكدها، والصبي أمانةٌ عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرةٌ نفيسة ساذجة، خاليةٌ من كل نقشٍ وصورة، وهو قابل لكل ما نُقِش، ومائلٍ إلى كل ما يمال به إليه، فإن عُوِّد الخير وعُلِّمه نشأ عليه وسعد في الدنيا والآخرة، وشاركه في ثوابه أبواه وكل معلمٍ له ومؤدِّب، وإن عوِّد الشر وأُهمل إهمال البهائم شقي وهلك، وكان الوزر في رقبة القيم عليه والوالي له، وقد قال الله عزَّ وجل: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6195/05.jpg

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾
[سورة التحريم الآية: 6]
إذا كان الأب يصونه عن نار الدنيا، فلأن يصونه عن نار الآخرة أولى، وصيانته عن نار الآخرة بأن يؤدِّبه ويهذبه -الكلام للإمام أبو حامد الغزالي- ويعلّمه محاسن الأخلاق، ويحفظه من قُرَناء السوء، ولا يعوِّده التنعُّم، ولا يحبِّب إليه الزينة وأسباب الرفاهية فيضيِّع عمره في طلبها إذا كبر، فيهلك هلاك الأبد، بل ينبغي أن يراقبه من أول أمره، فلا يستعمل في حضانته وإرضاعه, إلا امرأةً صالحةً متدينةً تأكل الحلال، فإن اللبن الحاصل من الحرام لا بركة فيه، إذا وقع عليه نشوء الصبي انعجنت طينته من الخبث, فيميل طبعه إلى ما يناسب الخبائث, قال: فإذا رأى فيه مخايل التمييز -صار مدركاً- فينبغي أن يحسن مراقبته ..
((لاعب ولدك سبعاً، وأدِّبه سبعاً، وراقبه سبعاً، ثم اترك حبله على غاربه))
1-أن يعلمه الحياء :
وأول ذلك ظهور أوائل الحياء، فإنه إذا كان يحتشم ويستحي، ويترك بعض الأفعال, فليس ذلك إلا لإشراق نور العقل عليه، حتى يرى بعض الأشياء قبيحاً ومخالفاً للبعض الآخر، وهذه عندئذٍ هديَّةٌ من الله تعالى إليك وبشارةٌ تدل على اعتدال الأخلاق وصفاء القلب.
2-أن يعلمه الأدب في الطعام :
وأول ما يغلب عليه من الصفات شره الطعام، فينبغي أن يؤدَّب فيه, فلا يأخذ الطعام إلا بيمينه، وأن يقول عليه: بسم الله عند أخذه، وأن يأكل مما يليه، فقد ورد عن عمر بن أبي سلمة -رضي الله عنهما- قال: كنت غلاماً في حجر النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكانت يدي تطيش في الصحفة -أي يأكل من كل الأطراف- فقال لي النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((يا غلام, سمِّ الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما, ومالك في الموطأ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6195/06.jpg
وأن يعوِّده ألا يبادر إلى الطعام قبل غيره، وألا يحدق النظر إليه، ولا إلى من يأكل، ولا أن يسرع في الأكل، وأن يجيد المضغَ، وألا يوالي بين الُّلقم، ولا يلطِّخ يديه ولا ثوبه، وأن يعوَّد الخبز القِفار في بعض الأوقات -من حين لآخر خبز فقط، هذا توجيه الإمام الغزالي - وأن يعوَّد في بعض الأوقات الخبز القفار حتى لا يصير الإدام حتماً.
-هذا مصداق قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم))
ويقبِّح عنده كثرة الأكل، ويمدح عنده الصبي المتأدِّب القليل الأكل، وأن يحبِّب إليه الإيثار بالطعام، وقلَّة المبالاة فيه، والقناعة بالطعام الخشن أي طعامٍ كان.
-ابن المقفَّع له صديق قال عنه: من أعظم الناس في عيني، وكان رأس ما عظَّمه في عيني, صغر الدنيا في عينيه، فكان خارجاً عن سُلطان بطنه، فلا يشتهي ما لا يجد, ولا يكثر إذا وجد. 3-أن يحبب إليه الثياب البيض دون الملون :
قال-: وأن يحبِّب إليه الثياب البيض دون الملوَّن، والإبريسيم -أي المعرَّق- فإن هذا من شأن النساء والمخنَّثين، وإن الرجال يستنكفون منه، ومهما رأى على صبيٍ ثوباً من إبريسيم أو ملوَّن, فينبغي أن يستنكره ويذمَّه.
4-أن يحسن تأديبه :
وإن الصبي إذا أهمل من ابتداء نشأته, خرج في الأغلب رديء الأخلاق، كذَّاباً، حسوداً، سروقاً، نمَّاماً، لحوحاً، ذا فضول، وضحك، وكِياد، ومجانة -أي من المجون-, وإنما يُحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب، ثم يُشغل في المكتب؛ فيتعلَّم القرآن، وأحاديث الأخبار، وحكايات الأبرار وأحوالهم، ليغرس في نفسه حب الصالحين, ويحفظ من الشعر والنثر الأدبي ما يقوِّم لسانه، ويجعله محباً للغة العربيَّة وعاشقها.
5-أن تثني عليه إذا رأيت منه خلقاً حميداً :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6195/07.jpg
-قال-: فإذا ظهر على الصبي خُلقٌ جميل وفعلٌ محمود، فينبغي أن يكرَّم عليه -يجب أن تثني على ابنك إذا رأيت منه خُلقاً حميداً؛ أمانةً، وفاءً، صدقاً- ويجازى عليه لما يفرح به، وأن يُمدح بين أظهر الناس، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرَّةً واحدة, فينبغي أن يتغافل عنه.
-غلط غلطة ننتقده انتقاداً صارخاً أمام الناس على غلطة واحدة، لا, فهذا لا ينبغي أن نفعله, وكما جاء في وصية الغزالي: فإذا خالف ذلك في بعض الأحوال مرَّةً واحدة, فينبغي أن نتغافل عنه, وأن لا نهتك ستره، وألا نكاشفه، ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر على أحدٍ مثله, أي أن التغافل على أخطاء قليلة حكمةٌ تربويَّة، أما إذا عاد ثانيةً يُعاتب عتاباً رقيقاً فيما بينك وبينه، ويقال له: إياك أن تعود إلى ذلك مرَّةً ثانية.
قال-: وليكون الأب حافظاً مع ابنه هيبة الكلام، فلا يوبِّخه إلا أحياناً، والأم تخوِّفه بالأب, وتزجره عن القبائح.
6-أن يمنع الابن من النوم نهاراً فإنه يورث الكسل وألا يمنع منه ليلاً :
-قال-: وينبغي أن يمنع الابن من النوم نهاراً, فإنه يورِّث الكسل، وألا يمنع منه ليلاً، ولكن يُمنع الفُرش الوطيئة حتى تتصلَّب أعضاؤه -الفرش الوثيرة المريحة هذه تعوِّده النوم-, وينبغي أن يمنع من كل فعلٍ يفعله خفيةً، فإنه لا يخفيه إلا وهو يعتقد أنه قبيح، فإذا تعوَّد ترك فعل القبيح فقد تعوَّد شيئاً طيباً، ويعوَّد في بعض النهار المشي والحركة والرياضة, حتى لا يغلب عليه الكسل، ويعود ألا يكشف أطرافه, وألا يسرع في المشي، وألا يرخي يديه, بل يضمهما إلى صدره.
7-أن يمنع أن يفتخر على أقرانه بشيء مما يملكه أبوه :
ويُمنع أن يفتخر على أقرانه بشيءٍ مما يملكه أبوه -أبي كذا، أبي عنده بيته، سيارته، حاجته- أو بشيءٍ من مطاعمه وملابسه، أو أدواته، بل يعود التواضع والإكرام لكل من عاشره, ويُمنع أن يأخذ من الصبيان شيئاً بطريق الحيلة، بل يعلم أن الرفعة في الإعطاء والدناءة في الأخذ، وإن كان الأخذ من أولاد الأغنياء لؤمٌ وخسَّة، فإن الأخذ من أولاد الفقراء يعلِّم الطمع والمهانة والذِلَّة -على الحالتين- وأن يُقبَّح عند الصبيان حب الذهب والفضَّة والطمع فيهما.
8-أن يعود ألا يبصق في مجلسه وألا يتمخط ... :
ويعوَّد ألا يبصق في مجلسه، وألا يتمخَّط، ولا يتثاءب بحضرة غيره، وألا يستدبر غيره ، وألا يضع رجلاً فوق رجل، وألا يضع كفَّه تحت ذقنه، ولا يعتمد رأسه في ساعده, فإن هذا دليل الكسل، ويعلِّم كيفية الجلوس, ويمنع كثرة الكلام، ويمنع أن يبتدئ بالكلام، ويعلَّم ألا يتكلَّم إلا جواباً, وبقدر السؤال، ويعلَّم حسن الاستماع ممن هو أكبر منه سناً، وأن يقوم لمن هو أكبر منه سناً، ويوسِع له في المكان، ويُمنع من لغو الكلام والفُحش، ومن اللعن والسب، ومن مخالطة من يجري على لسانه شيءٌ من ذلك.
9-ينبغي ألا يكثر الصراخ والشغب إذا ضربه المعلم ولا يستشفع بأحد بل يصبر :
وإذا ضربه المعلِّم ينبغي ألا يكثر الصُراخ والشَغَب -هذه الزعبرة- ولا يستشفع بأحد بل يصبر، وينبغي أن يعلَّم طاعة والديه ومعلِّمه ومؤدِّبه، وكل من هو أكبر منه سناً من قريبٍ أو أجنبيٍ، وأن ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم، وأن يترك اللعب بين أيديهم.
هذا فصل ورد في إحياء علوم الدين عن رياضة الصبيان - تأديب الصبيان- وهو فصلٌ تربويٌ مهمٌ جداً, إذا أخذ الأب به، وإذا طبَّقه بقدر إمكانه, ولكن الظروف صعبةٌ جداً، أي قبل أن تستطيع أن تؤثِّر بابنك هناك ألف مؤثِّرٍ آخر، كما قال الله عزَّ وجل:
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾
[سورة الروم الآية: 41]
فأرجو أن يكون هذا الكلام واقعياً، لكن قبل سنواتٍ طويلة، قبل مئات السنين, كان الجو جواً صحياً، والأخلاق هي السائدة، والحكمة هي المسيطرة . الخاتمة:
وفي درسٍ آخر -إن شاء الله- هناك واجباتٌ كثيرة هي على الآباء تجاه أبنائهم؛ تعليم القرآن، وتعليم السباحة، والرماية، وركوب الخيل، والخِتان، والأذان في أذنه، وتحنيكه، والعقيقة.
أشياء كثيرة -إن شاء الله- نأخذها في الدرس القادم تتميماً لموضوع حقوق الأبناء على الآباء : ((ورحم الله والداً أعان ولده على برِّه))


السعيد 09-05-2018 09:12 AM

رد: الحقوق الاسلامية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الثامن )

الموضوع : تاديبة بالادب الاسلامى - وصايا لقمان لابنة



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من حقوق الأبناء على الآباء أيضاً :
4-أن يؤدب الأب ابنه بالأدب الإسلامي :
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع حقوق الأبناء على آبائهم، وربَّما كان هذا الدرس هو الدرس الأخير في هذا الموضوع.
من حقوق الأبناء على آبائهم: أن يُؤدَّب بالأدب الإسلامي.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6210/01.jpg
كل دينٍ، أو كل مذهبٍ، أو كل مبدأٍ، أو أية حضارةٍ هي مجموعة أفكار، ومجموعة قيَم، ومجموعة أخلاقيات، وقد يعبَّر عنها بالأدبيات، الإسلام له أفكاره، وله قيمه، وله آدابه.
هناك آداب الاستماع، آداب الحديث، آداب الطريق، آداب طلب العلم، آداب تلقين العلم، هناك آداب الزوج مع زوجته، آداب الزوجة مع زوجها، آداب الجار مع جاره، في الإسلام بعامة وفي السُنَّة المطَّهرة بخاصة موضوعٌ كبيرٌ ويحتل مساحةً كبيرةً: إنه موضوع الآداب.
فالابن فضلاً عن أن الأب مُلزم عن أن يعلِّمه مبادئ الإسلام، وأن يعلِّمه قيم الإسلام, عليه أن يؤدِّبه بأدب الإسلام.
ومرَّةً ثانية أوضِّح حقيقةً دقيقةً جداً هي: أن الأب دوره كدور الطبيب, عليه أن يبذل قُصارى جهده، أما أن يكون تحقيق النجاح محاسباً عليه, فهذا شيءٌ فوق طاقته، لأن الله عزَّ وجل خاطب النبي -عليه الصلاة والسلام وهو سيِّد المُربين، وإمام المعلِّمين، وسيِّد العلماء، وسيد الأتقياء، وأخشع خلق الله-, قال:

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية: 272]
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾
[سورة هود الآية: 86]
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾
[سورة الغاشية الآية: 21-22]
سيدنا نوح -عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام- كان من أنبياء الله عزَّ وجل، ومع ذلك لم يتمكَّن أن يلقِّن العلم الشريف لابنه الذي هو من صُلبه.
أقول هذا الكلام لأن موقف الأب يجب أن يكون دقيقاً جداً، لو أنه أهمل فهو محاسبٌ على إهماله، لو أنه عجز عن تحقيق الهدف الذي أراده الله من الإنسان في ابنه, نقول له: إن هذا العجز لست محاسباً عليه، لأن الطبيب عليه أن يبذل قُصارى جهده وليس عليه ضمان الشفاء، هذه حقيقةٌ مسلَّمٌ بها لا تقبل الأخذ والرد.
ما دور الكلام في نقل الآداب وما دور الكلام في نقل القيم؟ :
فعلى الأب أن يؤدَّب ابنه بالآداب الإسلاميَّة، ولكن وهذه كلمةٌ صريحة: ما دور الكلام في نقل الآداب؟ ما دور الكلام في نقل القيَم؟ .
إن دور الكلام دورٌ ضئيلٌ جداً، محدودٌ جداً، ولكن يكفي أن يتأدَّب الأب بالأدب الإسلامي، وأن يكون في بيته مسلماً صادقاً، يكفي أن يَصْدُق ليعلِّم أبناءه الصدق من حيث لا يشعر ولا يشعرون، لمجرَّد أن يكشف الابن أن الأب يكذب على أمِّه، وأن الأم تكذب على الأب، وأن الأخ يكذب على أخيه, هذا اسمه كذبٌ ممارس، الواقع فيه كذب، فالابن يتعلَّم من الواقع أضعاف ما يتعلَّم بالتلقين، من هنا قالوا:
لغة العمل أبلغ من لغة القول.
المسلمون في أندونيسيا أسلموا لا عن طريق الدعوة؛ ولكن عن طريق الممارسة، عن طريق المعاملة .
في موسم الحج الماضي, حدَّثني أخٌ كريم فقال لي: التقيت برجل من أوروبا، هو في عرفات يدعو ويبكي، مظهره يُنْبِئُ عن أنه ليس عربياً، وليس من بلاد الشرق الأوسط، فلما سأله, عرف أنه من دولةٍ في قلب أوروبا، أول سؤالٍ يخطر في باله: كيف أسلمت؟ أو لماذا أسلمت؟ فكانت الإجابة في منتهى البساطة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6210/02.jpg
إن طالباً مسلماً سكن في بيته، هذا الطالب رآه مثلاً أعلى في الاستقامة؛ عفَّةٌ ما بعدها عفَّة، صدقٌ ما بعده صدقٌ، جديَّةٌ ما بعدها جديَّة، انضباطٌ، صلاةٌ، ذكرٌ، عبادةٌ، من حيث لا يشعر, هذا الطالب ترك أبلغ تأثيرٍ في هذا الإنسان، وكان إسلام هذا الرجل على يد هذا الطالب، وجاء إلى بلاد الحجاز ليؤدي الفريضة.
إذاً: هذه كلمة أقولها من القلب: الإسلام الآن لا يحتاج إلى كلام، الكلام ولا سيما في هذا العصر, هناك منه طَوَفان، أو هناك طُوفان، أي من الكلام، الكتابات، المقالات، الكتب، التسجيلات، الخُطَب، المحاضرات، الندوات بلغت من الكثرة، والعمق، والتفنُّن، والتنوُّع، والقدرة على التأثير الحَدَّ الأقصى، وما لهؤلاء الناس لا يرتدعون، ولا يؤثِّر فيهم هذا الكلام؟ لأن لغة العمل أبلغ من لغة القول .
أنا أقول لكم هذه الكلمة: "بدأ الدين غريباً وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء.
الآن لا يؤثِّر في أخيك، ولا في جارك، ولا في زميلك، ولا في صديقك، ولا في أي إنسان تلتقي به, لا يؤثِّر فيه دقة الفكرة ولا دليلها، بل يؤثِّر فيه الموقف الإسلامي؛ أن تكون صادقاً، أن تكون منضبطاً، أن تكون عفيفاً، أن تكون سَخياً، أن تضع المادة تحت قدمك من أجل مبدئك، أن تكون عند وعدك، عند ما تقول، فإذا كان هذا هو الطريق الوحيد لنشر الدين في الأوساط، فأن يكون الطريق الوحيد لتلقين أولادك: فمبادئ الإسلام وقيمه وآدابه من باب أولى, لذلك قبل أن تقول لأولادك: عُدَّ للألف وللمليون, هل أنت في مستوى هذا القول؟ إن دعوتهم إلى الصدق فهل أنت صادق؟ إن دعوتهم إلى أن يفعلوا كذا وكذا فهل تسبقهم أنت إلى فعل كذا وكذا؟ هذه الازدواجيَّة في شخصية الإنسان هي الطامَّة الكبرى في هذا العصر, هناك شرخٌ كبير بين ما تعتقده، وبين ما تؤمن به، وبين ما تدعو إليه، وبين ما تمارسه في حياتك اليوميَّة، هذا الشرخ الكبير، هذه الهوة الكبيرة, فصلت الإسلام عن الحياة .
ما تسمعه في المسجد، ما تسمعه من خطيب المسجد, كلامٌ طيب مائة في المائة، ولكن ما تراه في الحياة اليوميَّة شيءٌ آخر مختلفٌ كل الاختلاف، لذلك الكلمة الفصل، والكلمة الصادقة:
إذا أردت أن تربي أبناءك على أي شيء, لا تنتظر أن يكونوا كما تريد, إن لم تكن أنت كما يريد الإسلام، إذا كنت أنت عاجزاً عن أن تكون صادقاً, فأولادك أعجز عن الصدق منك، إذا كنت أنت عاجزاً عن أن تضبط شهواتك، يكفي أن يراك ابنك تستقبل امرأةً لا تحلُّ لك؛ قريبة أو صديقة، أو، أو ....، ويكفي أن ينظر إليك, وأنت تدير معها حديثاً لطيفاً, وأنت تملأ عينيك منها، أي كلامٍ تقوله لابنك عن غض البصر، وعن العفَّة، وعن كلامٌ لا قيمة له إطلاقاً، يجب أن يرى الابن من أبيه الصدق، العفَّة.
من هنا قال عليه الصلاة والسلام:

((الإسلام عفيفٌ عن المحارم، الإسلام عفيفٌ عن المطامع))
إذا أردنا أن نوسِّع الدائرة فهذا ممكن, دعونا من تربية الأبناء ووسِّعوا الدائرة إلى الدعوة إلى الله، لن تستطيع أن تؤثِّر في إنسان كائناً من كان, إن رأى هذا الإنسان مسافةً بين أقوالك وأفعالك، الكلام سهل، لذلك قال بعض الأدباء:
إن أكثر الناس يستطيعون الحديث عن المُثُل العُليا، ولكنهم لا يستطيعون أن يعيشوها.
أي لك أن تقول: هذه حقوق الأم, ولكن البطولة أن تعرف هذه الحقوق وأنت متزوِّج، حينما تصطدم أمك مع زوجتك، تقف مع من؟ تقف مع مبدئك أم مع شهوتك؟ تقف مع مصلحتك العاجلة أم مع مصلحتك الآجلة؟.
كيف أؤدب ابني بالأدب الإسلامي؟ :
لذلك هذه الكلمة لا بدَّ منها تقديماً لهذا الموضوع الدقيق؛ أي يا رب كيف أؤدِّب ابني بالأدب الإسلامي؟ يجب أن تكون أنت مسلماً، يجب أن يكون هذا البيت إسلامياً، يجب ألا تعد وعداً إن لم تكن متأكِّداً من أن توفيه, الطفل يصدِّق كل ما تقوله له، لقد وعدته بمكافأةٍ إذا نجح ، وها هو ذا قد نجح أين المكافأة؟ هو لا يعرف أنك لا تملك مالاً ولكن يعرف أنك وعدته، أنت أبوه وهو يظن كما يقولون: المرأة والطفل الصغير يحسبان الرجل على كل شيءٍ قدير, هكذا تظن المرأة وابنها في وقتٍ واحد، فإذا كنت لست متأكِّداً من قدرتك على أن تفي بوعدك فلا تعد؛ أي علِّم ابنك قدسيَّة الكلمة.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6210/03.jpg
أنا ألاحظ ملاحظة هي مشكلة؛ على مستوى الأقارب، على مستوى الأصحاب، الأصدقاء، على مستوى الجيران، على مستوى العلاقات اليوميَّة، تطلب طلباً: أنا بحاجة لهذا الشيء, تجد أربعة أو خمسة اندفعوا اندفاعاً عجيباً لتقديم خدماتهم، تنتظر يوم الأحد، والاثنين, والثلاثاء، والأربعاء، بل يمضى أسبوع واثنان وثلاثة ولا تجد استجابةً لهذا الطلب، فلماذا؟
هذا الذي قال لك: أنا سأفعل هذا, هذا كلام، أما وعد الحر دين، أنت ابق صامتاً، الصامت في سلام، والمتكلِّم إما له أو عليه، أنت إذا كنت لست متأكِّداً من قدرتك على أن تفي بما وعدت فابقَ صامتاً، فهذا أشرف موقف تقفه.
أحياناً الأخ يزور أخته، تشكو له بعض ما هي بحاجةٍ إليه, فيقول لها: هذه اتركيها لي، وهذه على عيني, الأخت تصدِّق, وتنتظر الأسبوع والأسبوعين، والشهر والشهرين، ولا من مجيبٍ، ولا من سميعٍ، ولا من قريب، فهذه المشكلة أن الوعود كثيرة، التبجُّح كثير، التوجيه كثير، الوعظ كثير، ولكن التطبيق قليل، فلذلك قبل أن تفعل شيئاً:

يا أيها الرجل المعلِّم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليمُ؟
ابدأ بنفسك فانهها عن غيِّها فإذا انتهت عنه فأنت حكيمُ
لا تنه عن خُلُقٍ وتأتي مثله عارٌ عليك إذا فعلت عظيمُ

هذه أبياتٌ بليغة.
والآن يطالعنا سؤال دقيق: ما هو الفرق الجوهري بين دعوة الأنبياء -عليهم صلوات الله- وبين دعوة الدعاة؟.
الفرق الجوهري هو: أنك لن تجد في حياة النبي أي مسافة بين ما يقول وبين ما يفعل، هذا هو ملخَّص ملخَّص الملخَّص، إذا أردت أن تؤثِّر في الناس فكن في مستوى دعوتك، إذا علَّمت الناس السُنَّة طبِّقها قبل أن تعلمهم إياها، إذا علَّمت الناس أدب التواضع كن متواضعاً، إذا علَّمت الإنسان أدب إنكار الذات أنكر ذاتك أولاً، إذا علَّمت الناس أدب التوكُّل توكَّل أنت قبلهم، إذا علَّمت الناس أدب السخاء كُن سخياً قبل أن تعلِّمهم السخاء، هذا إذا فعلناه رضي الله علينا جميعاً، لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول:
((إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلا إِلَى صُوَرِكُمْ وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما, ومالك في الموطأ]
الأبوة مسؤولية :
من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
((أكرموا أولادكم وأحسنوا أدبهم))
[أخرجه ابن ماجة في سننه]
سبحان الله! هناك جبلَّةٌ جبلها الله عزَّ وجل في قلب كل أب، هذه الجبلَّة هي الحرص على أولاده، ولكن المشكلة أنك تحرص على أولادك من زاوية نظرك، من وجهة نظرك، فالأب الذي لا يعرف الله عزَّ وجل يحرص على مستقبل أولاده وفق تخطيطه هو، هذا الذي يسميه الناس ضالٌ مُضل، يحب أن يكون أولاده أحراراً في أعمالهم، وفي حركاتهم، وفي سكناتهم، ولا يتأثَّر كثيراً إذا رأى انحرافاً, لا بدَّ من أن يكون ابنه كذا وكذا، لذلك تعلُّم الأب فرض عينٍ قبل أن يُعَلِّم، الأبوَّة مسؤوليَّة.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6210/04.jpg
فكل إنسان يتزوَّج ينجب أولاداً، هذا في مقدور أي إنسان؛ جاهل، عالم، عظيم، تافه، أخلاقي، لا أخلاقي -أمر واضح- كائن مع كائن ينجبان مولوداً، ولكن الأبوَّة في الإسلام مسؤوليةً قبل أن تكون مُتعة، مسؤوليَّة كبيرة، هذا الذي أنجبته له حقٌ عليك.
النقطة التي ذكرتها لكم في الدرس السابق: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لماذا جعل الدِرهم الذي تنفقه على عيالك خيراً من أي درهمٍ آخر؟ لأن إنفاق المال على الفقراء مثلاً قد تنفق عليهم أنت وهناك آخرون ينفقون عليهم، أي هو بابٍ من أبواب الخير, إن امتنعت أنت عن الإنفاق تقدَّم غيرك، ولكن رعاية الأولاد، هؤلاء الأولاد إن تخليت أنت عنهم من لهم؟ ليس لهم أحد، من هنا كان الدرهم الذي تنفقه على عيالك أو على أولادك خيراً من أي درهمٍ آخر، كما قال عليه الصلاة والسلام في مقدمة هذا الموضوع.
والحديث الثاني: عن أيوب بن موسى, عن أبيه, عن جده, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((ما نحل والدٌ ولداً أفضل من أدبٍ حسن))
معنى نحل؛ أي أعطى.
قلت لكم سابقاً فكرةٌ مهمة أُعيدها مرة ثانية:
الله سبحانه وتعالى جعل في الأرض معايش، معنى معايش: أي جعل في الأرض أبواباً لكسب الرزق، كل واحد له حرفة؛ هذا مدرِّس والتدريس بابٌ لكسب الرزق، هذا محامِ والمحاماة بابٌ لكسب الرزق، هذا موظَّف، هذا صاحب مهنةٍ يدويَّة -حرفةٍ يدويَّة-, كل إنسانٍ يعيش من عملٍ والناس في أمس الحاجة إليه، وهذا تصميم الله عزَّ وجل، فالإنسان يُتقن عملاً واحداً, وهو بحاجة إلى آلاف آلاف الخدمات والحاجات، الحياة تقوم على العلاقة المتبادلة , كذلك ربنا سبحانه وتعالى جعل في الحياة الدنيا أبواباً للعمل الصالح لا تعد ولا تحصى, الأسرة أحد أكبر هذه الأبواب؛ أي يكفي أن تكون زوجاً مثالياً، أن ترعى زوجتك، أن تحملها على طاعة الله، أن تعرِّفها بأمر آخرتها، أن تعطيها سؤلها بالمعقول من دون شطط، من دون إسراف، من دون تبذير، من دون مباهاة، أن تكفيها مؤنتها، أن تطمئنها لا أن تهددها بالطلاق صباح مساء، يكفي أن تبثَّ في قلبها الأمن والطمأنينة، وأن تطعمها مما تأكل، وأن تلبسها مما تلبس، وأن توقِّرها توقيراً يليق بها كزوجة شريكة حياة، هذا بابٌ كبير من أبواب العمل الصالح.
أولادك يكفي أن تحرص على مستقبلهم، يكفي أن تحرص على هدايتهم، يكفي أن تسعى لتنشئتهم نشأةً صالحة, بناتك يكفي أن ينشأن على طاعة الله ورسوله، يكفي أن تكون هذه البنت وفق ما أراد النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأن تبحث لها عن زوجٍ مؤمن, فإن في هذا المسعى عملاً عظيماً هو مدخلٌ لك على الله عزَّ وجل.
الأبواب المفتحة إلى الجنة لا تعد ولا تحصى :
الآن أوسِّع الدائرة؛ حرفتك, عملك يكفي أن تتقنه، وأن تكون صادقاً فيه، وألا تغش به المسلمين، وأن تمارسه وفق الشرع، وأن تبتغي به خدمة المسلمين, حتى ينقلب هذا العمل إلى عملٍ صالح.
فأحياناً الإنسان يتوهَّم أنه عدداً قليلاً من الناس فقط لهم عند الله مكانة كبيرة، أقول: إن هذا وهم, فحسب ظنه أن الذي يبني هذا المسجد، وهذا الداعية، وهذا الخطيب مثلاً فقط هم أصحاب الخطوة عند الله، لا, أنت أنت أيها الأخ الكريم بحرفتك، وعملك اليومي، وفي بيتك، ومع زوجتك وأولادك، وفي علاقاتك الاجتماعيَّة إذا أوقعتها وفق منهج الإسلام، وضبطت عملك, هذه كلها أبوابٌ لدخول الجنَّة، فهل من المعقول أن يكون كل الناس دعاة؟ لا، وكن أنت صاحب مهنة، صادق، مستقيم، أمين، تنصح المسلمين، تبتغي بعملك هذا خدمة المسلمين, هذا بابٌ كبير من أبواب دخول الجنَّة.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6210/05.jpg
فأنا أريد أن أقول: إن الأبواب المفتَّحة للجنَّة لا تعد ولا تحصى، وذو مكانة عند الله كثيرون.
شيءٌ آخر: عن عبد الله بن عامر -رضي الله عنه -هذا الحديث يؤكِّد كل هذا الكلام الذي قيل قبل قليل- قال:

((جاء النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى بيتنا -يبدو أن بينهم قرابة- وأنا صبيٌ صغير، فذهبت لألعب, فقالت لي أمي: يا عبد الله تعالَ أعطيك, فقال عليه الصلاة والسلام: ما أردتِ أن تعطيه؟ قالت: تمراً، فقال عليه الصلاة والسلام: أما إنكِ لو لم تفعلي ذلك لكُتبت عليكِ كذبة))
فعليك أن تمارس مع ابنك الصدق قبل أن تأمره بالصدق .
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال:
((أخذ الحسن بن علي تمرةً من تمر الصدقة فجعلها في فيه
-أحياناً الأب لا يبالي ماذا يأكل ابنه؛ من طعام حلال، من طعام حرام، هذا الشيء يجوز أكله، أو لا يجوز أكله؟ شاهد معه حاجة ليست له, فلم يسأله: من أين هي؟ هذا الذي لا يبالي, ربَّما شجَّع ابنه على أكل مالٍ حرام وهو لا يدري-.
فقال عليه الصلاة والسلام لحفيده الحسن، وقد أخذ تمرةً من تمر الصدقة: كخ كخ -هذه كلمةٌ فصيحة وهي اسم فعل: ارم بها- أما علمت أَنَّا لا نأكل الصدقة؟))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
هذه حرام، فإذا مرَّ الأب على بائع وأكل شيئاً من هذا المبيع وهو لا ينوي الشراء، على مرأى من ابنه، صار عند ابنه شعار: ضع في الخُرج, هذا شعار آخر: لا تدقِّق، أما إذا تعفَّف الأب انتبه الابن، وصار لديه انضباط، لذلك مرَّ بنا سابقاً أنه:
من أكل لقمةً من حرام جُرِحَت عدالته.
تطفيفٌ بتمرة تجرح العدالة.
عندنا قاعدة شهيرة جداً: لا يستقيم الظلُ والعود أعوجُ.
أحضر عوداً أعوج وضعه في الشمس، هل يمكن أن يأتي ظلُّه مستقيماً؟ مستحيل، متى يستقيم العود والظل أعوج؟ والبيت الشهير الذي تعرفونه جميعاً:
إذا كان رب البيت بالدف ضارباً فشيمة أهل البيتِ كلُّهم الرقص
فالأب كما قلت لكم سابقاً: يكون ابنه في سن لا يُجدي معه إلا الملاعبة والمداعبة.
((لاعب ولدك سبعاً .
-طفل صغير، هذا الذي يستيقظ ليضرب ابنه ضرباً مبرِّحاً, إذا بكى في الليل وأيقظه، وعمره سنتان، هذا ليس أباً، هذا الإنسان ليس في مستوى أن يكون أباً لولد، من عام لسبعة أعوام, هذا الطفل الصغير يحتاج إلى إيناس، يحتاج إلى ابتسام، يحتاج إلى ملاعبة، يحتاج إلى أن تهبِط إلى مستواه، يحتاج إلى أن تمضي معه فترةً في تأليف قلبه، فالنبي على عظمة شأنه ، وعلى عِظَمِ قدره كان يمشي على أربع، ويركب الحسن والحسين على ظهره, ويقول: ((نعم الحملان أنتما، ونعم الجمل جملكما))
((نعم الجمل جملكما, ونعم العدلان أنتما))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
من كان له صبي فليتصابى له .
وكانت الجارية تأخذ بيد رسول الله -البنت الصغيرة جداً- وتمضي به حيث تشاء.
الآن-:
لاعب ولدك سبعاً، وأدبِّه سبعاً))
من السابعة إلى الرابعة عشرة تأديب، تكلَّم الابن قليلاً خلاف الحق, أو أخذ ما ليس له، أو نظر نظرةً غير مؤدَّبة، فيجب أن تؤدِّبه باستمرار, لكن ما هي المشكلة؟.
أنه أحياناً ألف إنسان ينظِّف, لا يستطيع أن يزيل أثر إنسان يوسِّخ، فكيف إذا كان منظِّف واحد وألف موسِّخ؟ اعكسوها, الإنسان أحياناً بحكم الفساد الاجتماعي العام، يجد مصدراً واحداً للتوجيه وألف مصدرٍ للإفساد، على كلٍ؛ وأدِّبه سبعاً.
وصية لقمان لابنه وهو يعظه:
1-أن يتقي الله :
هناك وصية لسيدنا لقمان مأثورة عن هذا النبي الكريم, وهي من وصايا كثيرة أثرت عنه، وبعضهم يقول: هو ليس نبياً، على كلٍ؛ ورد ذكره في القرآن الكريم: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾
[سورة لقمان الآية: 13]
قد تواجهك مرحلة لا تملك عندها إلا التوجيه الصحيح وأن تكون قدوةً، وعلى الله الباقي.
يا بني, اتخذ تقوى الله تعالى تجارتك, يأتك الربح من غير بضاعة.
أول ملاحظة: استقيموا ولن تحصوا:
-استقم على أمر الله, واجعل تجارتك أن تكون مستقيماً على أمر الله، ولا تسأل عن كثرة الخير الذي سيأتيك من كل جانب-.
2-أن يحضر الجنائز :
النصيحة الثانية: يا بني احضر الجنائز فإن الجنائز تذكِّرك بالآخرة.
-الجنائز تذكر بالآخرة، فأحياناً الشباب في مرحلة من حياتهم, أسقطوا من حساباتهم كلياً موضوع الموت، أو موضوع مغادرة الدنيا، هناك مفاجآت، فكم من شابٍ مات في مقتبل العمر؟! هذه الفكرة الخاطئة أنا شاب الآن، هذا كلام غير صحيح، نسمع كل يوم بنعوات الشاب أو الشابَّة، أو فلانة الوالدة مع ابنها، إذاً الموت لا يعرف صغيراً ولا كبيراً. فالنصيحة الثانية: أن يتجه الشاب إلى أمر الآخرة-.
3-أن يستيقظ في وقت السحر :
يا بني, لا تكن أعجز من هذا الديك الذي يصوِّت بالأسحار, وأنت نائمٌ على فراشك.
-أي في الصباح ساعة فيها من التجلِّي، وفي من البركات والخيرات لا يعلمها إلا الله.

((لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا))
ربنا عزَّ وجل في هذا الوقت يتجلَّى على عباده، فلذلك هناك من يستيقظ ليأخذ من هذا التجلِّي شيئاً، وهناك من يمضي هذا الوقت نائماً.
على كلٍ؛ الله سبحانه وتعالى يقول في الحديث القدسي :
((إن اللّه تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الأخير، فيقول: هل من تائب فأتوب عليه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فيعطى سؤله؟ حتى يطلع الفجر))
-. 4-أن لا يؤخر التوبة :
يا بني, لا تؤخِّر التوبة فإن الموت يأتي بغتة.
-لذلك مرَّ معي أن من أدعية المصطفى -صلى الله عليه وسلَّم-: اللهمَّ اغفر لنا ذنوبنا, وإسرافنا في أمرنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
هذا دعاء قرآني كان النبي -عليه الصلاة والسلام- كثيراً ما يتمثَّله.
وهناك شيء آخر هام جداً: "اللهمَّ تب علينا من نسيان التوبة، وتب علينا من تأخير التوبة.
نسيان التوبة ذنب يضاف إلى ذنب الذنب، وتأخير التوبة ذنب، أيضاً وبعض الشباب دائماً يردد: أنا شاب، وغداً أتوب, وقد قال عليه الصلاة والسلام:

((ويحك! أو ليس الدهر كله غدا؟))
والقول الشهير: هلك المسوِّفون- . 5-أن لا يرغب في ود الجاهل :
يا بني, لا ترغب في ود الجاهل, فيرى أنك ترضى عن عمله.
-إذا أثنيت على جاهل فكأنك تثني على جهله، من هنا الحديث الشريف:

((إن الله يغضب إذا مُدِحَ الفاسق))
إذا مدحت فاسقاً أمام ابنك، هو لا يصلي، يشرب الخمر، يا أخي لطيف، تقول عنه لابنك : مهذَّب، لبق، ذكي، شاطر، فإلى أين أنت مندفع في ثنائك الزائف؟ ابنك يصدِّقك، إذا خلعت على هذا الإنسان العاصي لربه، المقترف للكبائر, ووصفته بكل صفات الأدب, والذكاء، واللطف، فهذه مشكلة، يجب أن تسكت, وإلا فإنك تكون قد وضعت ولدك في خصم المتناقضات ...: ((إن الله يغضب إذا مُدِحَ الفاسق))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6210/06.jpg
يغضب، حينما تمدح الفاسق ماذا تفعل؟ تجعل القيم تضطرب في ذهن ابنك.
لذلك: أحياناً في القصص والأعمال التي تجسِّد هذه القصص في بعض أجهزة اللهو، ما الذي يحصل؟ أن شخصيةً من الشخصيات يسبغ عليها كاتب القصَّة البطولة، الشهامة، المروءة، حب الآخرين، حب خدمة الناس، الصدق، الأمانة، كل الصفات البطوليَّة تُسْقَطُ على هذه الشخصيَّة، ومع ذلك يشرب الخمر، ولا يأبه لأوامر الله عزَّ وجل، إذا قرأ الإنسان هذه القصَّة، أو شاهدها ممثَّلةً، ماذا يحصل؟ هذه القيم تتسرَّب إلى أعماقه، إلى عقله الباطن، فأخطر ما في القصَّة إذا أراد الكاتب منها تدمير القيَم هذا الخطر الماحق، إذ أن كل صفات البطولة يخلعها كاتب القصَّة على شخصيَّةٍ ما، وفي الوقت نفسه يظهر أن هذه الشخصيَّة ليست منضبطة بأوامر الدين، في أعماق أعماق المشاهد أو القارئ, يتسرَّب إلى عقله الباطن: أن البطولة ليس من مقوماتها معرفة الله ولا طاعته، بل إن المعصية من لوازم البطولة.
يكفي خطراً أن تبرز امرأةً, وتصفها بأنها دينةً, مع أنها ثرثارة، أو مهملة لأولادها، وأنها جاهلة، أو أن تظهر امرأةً متبرِّجةً متفلِّتةً من كل أدبٍ إسلامي على أنها امرأةٌ صالحة، وزوجةٌ ناجحة، صادقة، مربِّية، مخلصة لأولادها، ترعى زوجها، مثل هذه المتناقضات في الأحكام, كمن أن تقضي على مجتمعٍ بأكمله, وتحيله إلى ضلال في السلوك والعقيدة، والضلال ضياع وكفر, لذلك:
إذا قرأت أدباً, وشعرت أنه حرَّك مشاعرك العُليا وتفكيرك المرتفع, فأنت أمام فنٍ رفيع، فإذا لم يحرِّك هذا الأدب إلا المبتذل من مشاعرك، والتافه من تفكيرك, فأنت أمام فنٍ رخيص، ويستطيع الكاتب الرخيص؛ كاتب القصَّة الرخيص، كاتب الشعر الرخيص، كاتب المقالة الرخيص, يستطيع إذا آتاه الله مقدرةً أدبيَّةً رائعة أن يدمِّر مجتمعاً بأكمله.
يجب أن تعرف ماذا يقرأ ابنك؟ إذا جئت بمطبوعات من المستوى الهابط إلى البيت, فتعلم أن هذا يُقرأ من قِبَل الزوجة والأولاد، إذاً من أنت؟ أنت وعاء تفكيرك، تصوراتك محصلة ما يملأ في هذا الوعاء, فهذا الذي يعاشر رفاق السوء، هذا الذي يعاشر أناساً متفلِّتين من أوامر الدين، هؤلاء يبثون فيه قيماً أخرى غير قيم الدين، يبثون فيه عادات ليست إسلاميةً ، يبثون فيه مبادئ ليست إسلاميَّة، لذلك أنت أو ابنك في النهاية وعاء، ماذا يصبُّ في هذا الوعاء؟.
فإذا كنت ممن يقرأ القرآن، ممن يقرأ سُنَّة النبي العدنان، إذا كنت ممن يحضر مجالس العلم، إذا كنت ممكن يقرأ كتاباً إسلامياً يغذي قلبه وعقله, فأنت في النهاية إنسانٌ مبدؤك صحيح، قيمك صحيحة، وكذلك عاداتك وتقاليدك وأخلاقك، أما إذا سمحت لمُغَذِّياتٍ أخرى، لثقافاتٍ أخرى، للباطل المزيَّن المزخرف أن يملأ بيتك، عن طريق كتاب، أو مجلَّة، أو قصَّة، هناك أثر للقصَّة لا يعرفه إلا المختصّون، أن تقرأ ما تشاء هذا غذاء، حتى إن هناك دراسات –الآن- تؤكِّد: أن أكثر الجرائم التي يرتكبها الصغار، والراشدون، والمراهقون, إنما هي مستقاةٌ بشكلٍ أو بآخر مما يرونه من خلال الأعمال الفنيَّة التي تجسِّد بعض القصص.
حدَّثني رجل أثق به, فقال لي: في بعض القصص التي انقلبت إلى قصص مشاهدة، ثلاث عشرة خيانة زوجيَّة، لو أن شابةً رأت هذا العمل الفني، فإن الخيانة الزوجية لديها تصبح شيئاً بسيطاً جداً, يمكن أن تفعله المرأة انتقاماً من زوجها، أو تأديباً لزوجها، أما المرأة المسلمة بينها وبين أن تنزلِق في هذا العمل مسافاتٌ لا يعلمها إلا الله، بعيدةٌ عنه بعد الأرض عن السماء؛ فهذا الذي تقرؤه، هذا الذي تسمعه، هذا الذي تشاهده شئت أم أبيت، أحببت أم لم تُحب, في النهاية هو الذي يصنع عقيدتك، وهو الذي يصنع قيَمك، وهو الذي يصنع عاداتك وتقاليدك، فالخطر يأتي من هنا, اقرأ القرآن فهذا كلام الله عزَّ وجل:
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾
[سورة فصلت الآية: 42]
مرَّة قرأت في مجلَّة كلمة مداها سطر واحد، إنها سُمٌ من أشد أنواع السموم فتكاً، قال قائلها:
أنت أخلاقي لأنك ضعيف، وأنت ضعيف لأنك أخلاقي.
بلاء، أربع كلمات، هذا يدعوك من خلالها لتكون لا أخلاقياً من أجل أن تكون قوياً، أو من أجل أن تأخذ ما تريد، لذلك لا بدَّ من مقصٍ بيد الأب, يقصُّ به كل شيءٍ لا يعجبه حتى لا يقرأه ابنه، إذا أردت أن تؤدِّبه أدباً إسلامياً-.
6- اتقِ الله ولا ترى الناس أنك تخشاه لشيءٍ ما :
يا بني, اتقِ الله ولا ترى الناس أنك تخشاه لشيءٍ ما.
-فأحياناً الإنسان لا يخشى الله ابتغاء مرضاة الله، بل إنه يخشى الله ابتغاء ألا يتعرض لغضب الناس، هذا نوعٌ من الشرك-.
يا بني ما ندمت على الصمت قط، فإن الكلام إذا كان من فضَّةٍ كان السكوت من ذهب.
-لأن الصامت في أمان أو في سلام، والمتكلِّم إما له أو عليه-.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6210/07.jpg
يا بني, اعتزل الشر يعتزلك, فإن الشرَّ للشر خُلِق.
يا بني عليك بمجالسة العلماء، واستمع إلى كلام الحكماء, فإن الله يحيي القلب الميِّت بنور الحكمة, كما يحيي الأرض بوابل المطر، وإياك والكذب وسوء الخُلُق، فإن من كذب ذهب ماء وجهه، ومن ساء خلقه كثر غمُّه، ونقل الصخور من موضعها أيسر من إفهام من لا يفهم.
-عندنا باللغة مصطلحان: الفهم والتَفَهُّم، الفهم معروف، أما التفهُّم هو محاولة الفَهْمِ، وتجد إنساناً لا يحب التفهُّم، أي ليس مستعداً أن يبذل أي جهدٍ ليفهم، وتجد إنساناً لا يفهم ولكنَّه يتفهَّم-.
يا بني, لا ترسل رسولاً جاهلاً, فإن لم تجد حكيماً, فكن رسول نفسك.
-أحياناً الإنسان يكلِّف إنساناً بمهمَّة، فهذا الإنسان يشوِّه سمعته، يسئ إليه، الرسول يجب أن يكون من جِنس المرسل، وشرف الرسول من شرف المُرسل-.
يا بني, يأتي على الناس زمان لا تقرُّ فيه عين حليم.
-النبي -عليه الصلاة والسلام- تعجَّب من آخر الزمان، كيف أنه يدع الحليم حيران؟-.
يا بني, اختر المجالس على عينك، فإن رأيت المجلس يُذكر فيه الله عزَّ وجل, فاجلس معهم، فإنك إن تكن عالِماً يزدد علمك، وإن تكن جاهلاً يعلِّموك، وإن يطلع الله عزَّ وجل عليهم برحمةٍ تصبك معهم.
يا بني, لا تجلس المجلس الذي لا يُذكر فيه الله عزَّ وجل، فإنك إن تكن عالماً لا ينفعك علمك، وإن تكن غبياً يزدك غباءً، وإن يطلع الله عليهم بعد ذلك بسخطٍ تصبك معهم.
-أي أن أجدى شيءٍ لك: أن تحضر مجالس العلم التي تثق بها-.
يا بني, لا يأكل طعامك إلا الأتقياء، وشاور في أمرك العلماء.
يا بني, إن الدنيا بحرٌ عميق وقد غرق فيه ناسٌ كثير، فاجعل سفينتك تقوى الله عزَّ وجل.
يا بني, إني حملت الجندل والحديد -الجندل هو الصخر- فلم أحمل شيئاً أثقل من جارٍ السوء، وذقت المرارة كلها فلم أذق أشدَّ من الفقر .
يا بني, لا تتعلَّم ما لا تعلم، حتى تعمل بما تعلم .
- من عمل بما علم ورَّثه الله علم من لم يعمل-.
يا بني, إذا أردت أن تؤاخي رجلاً فأغضبه قبل ذلك، فإن أنصفك عند غضبه وإلا فاحذره.
-فالبطولة أن تنصف الناس وأنت غضبان لا وأنت فرحان-.
يا بني, إنك منذ نزلت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة، فدارٌ أنت إليها تسير أقرب من دارٍ أنت عنها راحل.
يا بني, عوِّد لسانك أن يقول: اللهمَّ اغفر لي، فإن لله ساعاتٍ لا يُرَد فيها الدعاء.
يا بني, إياك والدَين, فإنه ذلٌ في النهار, وهمٌ في الليل.
هذه بعض الكلمات التي أُشرت في الكتب القديمة عن سيدنا لقمان الحكيم.
على كلٍ؛ إذا بلغ ابن الرجل السن التي يميِّز بها, فليس عليك إلا أن تنصحه، هذا كل ما تملكه نحو ابنك.
سيدنا ابن عباس -رضي الله عنه- قال:
((كنت خلف رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم- يوماً, فقال لي: يا غلام, إني أعلِّمك كلمات، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإن استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيءٍ لم ينفعوك إلا بشيءٍ قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيءٍ قد كتبه الله عليك، رُفعت الأقلام وجفَّت الصحف))
[أخرجه الترمذي في سننه]
هذا أيضاً من توجيه الأب لابنه، حديثٌ رائع .
حديثٌ آخر في توجيه الأولاد :
((احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده أمامك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وإن النصر مع الصبر، وإن الفرج مع الكرب، إن مع العسر يسرا))
الحق الذي قبل الأخير من حقوق الأبناء هو :أن يعوله حتى يبلغ سن الرشد.
أنا لست مجبوراً بك، لا إنك مجبور به، هذا الكلام الصحيح، أنت حينما أردت أن تكون زوجاً وأباً, فلهؤلاء الأولاد حقوق عليك، لذلك:
عن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قالا:
((قال عليه الصلاة والسلام
-استمعوا جيداً-: كفى بالمرء إثماً أن يضيِّع من يقوت))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
مجبور فيه وزيادة .
الشيء الآخر: عن أبي قلابة, عن أبي أسماء, عن ثوبان, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((أفضل دينارٍ ينفقه الرجل على عياله، ودينارٌ ينفقه على دابَّته في سبيل الله))
إذاً: أن تعوله حتى يبلغ سن الرشد ويستطيع الكسب. الخاتمة :
بقي حقٌ ليس في الوقت فسحةٌ كي نشرحه، وسوف أُؤخره -إن شاء الله تعالى- إلى درسٍ قادم, لأنه من أعظم أبحاث هذا الموضوع أهميةً: إنه العدل بين الأولاد في العطاء والوصيَّة، فهذا الذي يقع فيه معظم الناس في تفضيل الذكر على الأنثى؛ في الوصيَّة, وفي الإرث، ويلجؤون إلى أساليب لا يرضاها الله عزَّ وجل في التهرُّب من إعطاء البنات حقَّهن، هذا الموضوع -إن شاء الله تعالى- نرجئه إلى درسٍ قادم, لننتقل بعده إلى حقٍ آخر من حقوق الإنسان مما له أو عليه.

السعيد 09-05-2018 09:17 AM

رد: الحقوق الاسلامية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( التاسع )

الموضوع : تعليمة للقران و الرماية و السباحة واطعامة حلالا



لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
تتمة حقوق الأبناء على الآباء :
5-أن يعلم الأب ابنه القرآن الكريم :
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق، ولا زلنا في موضوع حقوق الأبناء على آبائهم، وقد تحدَّثت في الدرس الماضي عن بعض هذه الحقوق، وفي هذا الدرس نتابع الحديث عن هذه الحقوق .
فمن هذه الحقوق: أن يُعَلِّمُ الأب ابنه القرآن الكريم، هذا حق الابن على أبيه.
فقد ورد في حديثٍ شريف, رواه البيهقي, عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
((حق الولد على الوالد: أن يعلمه الكتابة والسباحة والرماية، وألا يرزقه إلا طيباً))
هذا الحديث الذي رواه البيهقي, عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, ورد في الجامع الصغير في الجزء الأول . لماذا وجه النبي أبناء أمته ليتعلموا القرآن الكريم؟ :
أيها الأخوة الأكارم, القرآن الكريم لماذا وجَّهنا النبي -عليه الصلاة والسلام- كي نعلمه لأبنائنا؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6211/01.jpg
لأن القرآن الكريم منهجٌ تفصيليٌ للإنسان، تعليمات الصانع، فأيَّة حركةٍ في مضمونها وفي شكلها تكون خارج هذا الكتاب، فهي حركةٌ ليست مجدية بل إنها مؤذية, أي أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق وخلق الخلق وفق سننٍ ثابتة، وخلق الإنسان وفطره على فطرةٍ ثابتة، وربنا سبحانه وتعالى نظَّم تنظيماً دقيقاً علاقة الإنسان بأخيه الإنسان، فما دام الإنسان وفق هذا المنهج فعمله ينجح، فإذا خرج عن هذا المنهج فلا بدَّ من أن يشقى.
والمقولة التي تعرفونها جميعاً هو أنه: ما من مشكلةٍ على وجه الأرض إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسببِ جهلٍ به، إذاً كل مصيبةٍ، كل مشكلةٍ: أساسها الجهل وعلاجها العِلم، والقرآن الكريم كتاب الله عزَّ وجل، فيه هذا كتاب مقرر ، فيه تعليمات الصانع، فمن أخذ به فقد أمسك مفتاح النجاح، ومن أهمله فقد جانب النجاح، ومن هنا قال الله عزَّ وجل:
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّا﴾
[سورة مريم الآية: 59]
وقد لقي المجتمع الذي جعل هذا المنهج وراء ظهره وانغمس في شهواته، لقي هذا المجتمع الغَي كما وعد الله عزَّ وجل . الأهداف التي يستفيدها الطفل من تعليم القرآن الكريم :
إذاً في تعليم الابن القرآن الكريم, هناك أهدافٌ لا تعدُّ ولا تحصى، أول هذه الأهداف: أن القرآن الكريم فيه النُظُم التي لا بدَّ من تطبيقها في الحياة، فربنا عزَّ وجل في هذا الكتاب ذكر أشياء، وسكت عن أشياء، وأقرَّ بعض الأشياء، وبعض الأشياء تركها مَرِنَة، فالشيء المَرِن هو الذي يمكن أن يتطور وفق الزمان والمكان، والشيء الذي بَتَّ القرآن فيه, هو الشيء الذي لا علاقة له لا بالمكان ولا بالزمان ولا بالبيئة, والشيء الذي سكت عنه القرآن الكريم, هو الذي لا يتعلق بسعادة الإنسان ولا باتصاله بخالقه.
فحينما يعلِّم الأب ابنه كتاب الله عزَّ وجل، يكون قد أدى ما عليه من حقوقٍ تجاه الدين.
لكن هنا ملاحظة مهمة جداً: يربي الأب ابنه, فهذا عمل يختلف اختلافاً كلياً عن أي عمل آخر، فمثلاً:
أن تمسك بقطعة خشب وتنجِّرها وفق ما تريد، فهذا أمر سهل لأن قطعة الخشب مطواعةٌ لك، فأنت تفعل بها ما تشاء؛ تقطعها، تنجِّرها، تصلها بأختها، ولكن الابن له اختيارٌ مستقلٌ عن أبيه، فكأن الأب مطالب أن يبذل العناية الكافية، ولكن ليس على الأب أن يحقق النتائج المرجوة في ابنه، فهذا فوق مقدور الإنسان، لأن الله عزَّ وجل ضرب بسيدنا نوح مثلاً، ابن سيدنا نوح، ومن هو سيدنا نوح؟ نبيٌ كريم, قال: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾
[سورة هود الآية: 42-43]
وبعد بضع آيات قال: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقّ ُ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ * قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة هود الآية: 45-46]
أنا ذكرت هذا الكلام حتى يبذل كل أب أقصى جهده في تربية ابنه، ولكن أحياناً مع بذل غاية الجُهد وأقصى العناية والتوجيه، فالابن قد يأخذ موقفاً آخر لأن الابن مخَيَّر، من هنا قال الله عزَّ وجل للنبي -عليه الصلاة والسلام-: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية: 272]
وهذه آيةٌ ثانية في الموضوع ذاته: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ﴾
[سورة القصص الآية: 56]
وآيةٌ ثالثة : ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾
[سورة هود الآية: 86]
وآيةٌ رابعة : ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ * إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ﴾
[سورة الغاشية الآية: 21-23]
فعلى الإنسان أن يسعى وليس عليه إدراك النجاح، هذا الكلام أريد أن أذكره, لئلا يتألَّم أبٌ بذل قصارى جهده في تربية ابنه، وفي تعليمه، وفي إرشاده، وفي توجيهه، فرأى هذا الأب ابنه في طريقٍ آخر، وفي وادٍ آخر، ولم يستجب له, النجَّار علاقته بقطعة الخشب شيء، والأب علاقته بابنه شيءٌ آخر، لو أن عناية الأب وحدها كافيةٌ لهداية الابن, لما نشأ ابنٌ عاقٌ عند أبٍ مؤمن.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6211/02.jpg
ولكن كما يُمسك الطبيب مريضاً, فيبذل الطبيب قصارى جهده في معالجته، وتشخيص دائه، ووصف الدواء المناسب، ثم تنتهي مهمة الطبيب عند بذل العناية، ولذلك أجمع الفقهاء على أن أجرة الطبيب ليست من المعاوضات، ما هي المعاوضات؟ .
أي حينما تشتري بيتاً تدفع العِوَض، تستلم المَبيع وتدفع الثمن، فهذا عقد معاوضة، الإيجار والبيع وما شاكل ذلك، ولكن أجرة الطبيب والمحامي سمَّاها العلماء جُعالة؛ أي أن الطبيب يستحقها لا عند شفاء المريض ولكن عند بذل العناية الكافية، يأكل الطبيب أجرته حلالاً مائة في المائة إذا بذل العناية الكاملة للمريض، أما أن يشفى المريض أو أن لا يشفى فهذا شيءٌ آخر بتقدير الله وبعلمه.
إذاً: شأن الأب كشأن الطبيب, هناك بعض المهن تكون العلاقة خلالها بينك وبين الإنسان الآخر علاقة عناية وبذل جهدٍ ليس غير، لكن بالمقابل هناك أخطاءٌ كثيرةٌ عند الأبناء سببها تقصير الآباء، وكل إنسانٍ يعلم بالضَبط ما إذا كان قد بذل العناية القصوى أو لم يبذل، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾
[سورة القيامة الآية: 14-15]
الأب يعرف، إذا كان انحراف ابنه أو تقصيره بسبب تقصير الأب أو إهماله، أو بسبب إصرار الابن على اختيارٍ معين، هذا الشيء يعلمه الأب وحده دون غيره، فلذلك المسؤولية تنتهي حينما تبذل قصارى جهدك مع ابنك، وإذا أكرم الله عزَّ وجل أحد الآباء بابن طيِّع بار، فأنا أنصحه نصيحةً غالية أن يسجد لله عزَّ وجل، ويشكر الله على هذه الموهبة.
أقول: على هذه الهبة, لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 27]
وهبنا، ومعلومٌ لديكم أن الهبة بلا مقابل، فإذا كان عند إنسان ابن صالح مؤمن، دَيِّن، مطواع، بار، فهذا من فضل الله عليه، وأنا أنصحه مرةً ثانية ألا يعزو هذا إلى تربيته، ولا إلى ضبطه، ولا إلى توجيهه، ولا إلى حَزْمِهِ، ولا إلى شدته، يجب أن يعزو هذا لفضل الله وحده, فكم من أبٍ منحرفٍ، سيءٍ، ضالٍ، مضلٍ، جاءه ابنٌ صالحٌ كأنه مَلَك؟ وكم من أبٍ مؤمنٍ مستقيمٍ, جاءه ابن منحرف؟
فهذا الحال جزء منه، داخل باختيار الإنسان، وجزءٌ آخر داخلٌ بتقدير الله عزَّ وجل، ولذا أنصح أن يتأدب الإنسان مع الله عزَّ وجل، فإذا عزوت هذا إليك، إلى قدراتك، إلى حزمك، إلى خبراتك في التربية، فهذا من الضلال ومن الشرك.
إذاً: ((حق الولد على الوالد: أن يعلمه الكتابة, والسباحة, والرماية، وألا يرزقه إلا طيباً))
الفرق بين المتعلم والجاهل .
الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- يقول: ليس بعد الفرائض أفضل من طلب العلم، فهو نورٌ يهتدي به الحائر.
أي كما تعلمون مني سابقاً: أن هذه القيَم التي يتفاضل الناس بها في الدنيا؛ القوة، الغنى، الوسامة، الجمال، الذكاء، الصحة، هذه القيَم قد رفض القرآن الكريم أن يعتمدها قيماً مُرَجِّحَة، إلا قيمةً واحدة هي قيمة العلم والعمل به، فلذلك قال الله عزَّ وجل:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 9]
وقال الله عزَّ وجل : ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾
[سورة طه الآية: 114]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6211/03.jpg
والفرق الدقيق الدقيق بين الإنسان الذي أكرمه الله بالعلم، وبين الإنسان الذي بقي جاهلاً هو فرقٌ كبيرٌ جداً فهما لا يستويان، فلذلك على الأب أن يحرص على تعليم ابنه في الدرجة الأولى المنهج الإلهي الدقيق.
فمرة ثانية، وثالثة, ورابعة: إذا كانت لديك آلة معقدة جداً، غالية جداً، ذات نفع عظيم جداً، وأنت حريصٌ عليها حرصاً بالغاً، إذا كنت حريصاً عليها، وإذا كان ثمنها باهظاً، وإذا كان نفعها عظيماً, فما عليك إلا أن تقرأ كتاب التعليمات المرافق لهذه الآلة وإلا خسرتها.
والقرآن الكريم في جوهره تعليمات الصانع لهذا الإنسان الأول، لذلك إذا جاء الأب بابنه وأحضره ليعلمه القرآن الكريم؛ ليعلمه تجويده، ليعلمه تفسيره، ليعلمه أحكامه، ليعلمه إعجازه، هذا الوقت الذي يبذله الأب، أو يمضيه الأب في تعليم ابنه القرآن الكريم, هو توظيف الموقت واستثمارٌ له، وليس تضييعاً كما يتوهم جهلة الناس.
أعرف أباً بلغ من نجاحه في الدنيا مرتبةً عاليةً جداً، فقد نجح في تجارته وفي صناعته إلى درجة أن تفرَّد في الشرق الأوسط في صناعةٍ معيَّنة، فحاز بها قصب السبق ودخلت عليه الأموال بغير حساب، ولكنه أهمل أولاده، نشؤوا على المعاصي، والانغماس في الشهوات، قُبَيْلَ وفاته قال لزوجته باللغة الدارجة: يا فلانة فرطنا بالذهب واتَّبعنا الفحم, لأنه هذه الأموال الطائلة سوف تغدو بين أيدي أبناء فسقة منحرفين، فعرف هذه الغلطة الكبيرة.
من هنا سيأتي معنا: أن خير كسب الرجل ولده؛ أي مهما بذلت من وقتٍ، من جهدٍ، من تعليمٍ، من توجيهٍ، من حلمٍ، من صبرٍ، من خسارةٍ، إذا أمكنك أن تصل بهذا الابن إلى الطريق الصحيح, فأنت الرابح الأكبر. بعض الأبيات الشعرية اللطيفة : بالعلم تحيا نفوسٌ قط ما عرفت
من قبل ما الفرق بين الصدق والمَيْنِ
العلم للنفس نورٌ يســتدل به
على الحقائق مثــل النـور للعين

-المَيْنِ: هو الكذب-. ولولا العلم ما سعدت نفوسٌ ولا عرف الحلال من الحرام
فبالعلم النجـاة من المخازي وبالجهل المــذلة والرغام

http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6211/04.jpg
أنا مرة ضربت لكم مثلاً: عامل في بعض المطارات أثناء تنظيف الطائرة, رأى غرفة العجلة -والطائرة وعندما تكون جاثمة, فإن عجلاتها على الأرض، فوق العجلة غرفة كبيرة, حينما تُقلع الطائرة، فإن هذه العجلة تُرفع من قِبَل الطيار، من أجل ألا يعيق حجمها حركة الطائرة- هذا العامل نظر إلى هذه الغرفة رآها واسعة، قال: لمَ لا أقبع بها, وأنتقل من مطار إلى مطار, بلا أجور، وبلا رسوم، وبلا جواز سفر، وفي ذاك البلد أعمال كثير جداً؟ فصعد إلى هذه الغرفة، فلما أقلعت الطائرة, اضطر ربان الطائرة -حسب تعليمات القيادة- أن يرفع العجلة للغرفة المخصصة بها، فابتعدت جوانب الغرفة عن بعضها لتأخذ العجلة مكانها، فسقط هذا الإنسان على أرض المطار من على ارتفاع ثلاثمائة متر، فمات فوراً.
هذه قصة أُعلِّق عليها أهميةٌ كبرى، ما الذي قتل هذا الإنسان؟ جهله، هل كان يريد أن يموت؟ لا والله، كان يظن أنه ذكيٌ جداً، وأنه سوف يوِّفر رسوم السفر، ورسوم الخروج, وجواز السفر، وينتقل بلا قيود ولا شروط إلى بلد آخر، ولكن لو عرف أن هذا المكان مكانٌ لا بدَّ من أن يموت الإنسان فيه إذا دخله, لما ألقى به وأوردها حتفها.
قال لي واحد: لو كان في الغرفة مكان ثابت وغير متحرك ليبقى فيه الإنسان, لمات بسبب البرد, إذ تبلغ الحرارة في الجو خمسين تحت الصفر فيموت برداً، إذاً: أعدى أعداء الإنسان هو الجهل، فإذا علمت ابنك القرآن الكريم، الإنسان العالم إنسان ثمين جداً، هل هو شخصية فَذَّة؟ والجاهل مهما ارتفع قدره في الدنيا, هذا ارتفاعٌ هوائيٌ لا قيمة له، مهما انتفخ جيبه، هذا غنىً لا قيمة له، لأن الله عزَّ وجل قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾
[سورة طه الآية: 114]
وسيدنا علي -كرم الله وجهه- يقول: العلم خيرٌ من المال, لأن العلم يحرسك وأنت تحرس المال، والمال تنقصه النفقة، والعلم يزكو على الإنفاق.
وأنا أذكر أخاً قبل اثنتي عشرة سنة، بعد خطبة الجمعة سألني سؤالاً والدموع من عينيه تسيل: إن زوجته خانته، وله منها خمسة أولاد، وهو في بحبوحة، يسكنها بيتاً فخماً، وهو يعجب لماذا حدث هذا؟ ماذا يفعل؟ أيطلقها؟ أيسكت عنها؟ أيعفو عنها؟ تكلَّم والبكاء والدمعة تترقرق من عينه والألم يعتصر قلبه, قلت: كيف حصل هذا؟ قال لي: من سنتين تقريباً وأنا لا أدري, مع من؟ مع جارنا, لكن كيف تعرف على زوجتك؟ قال لي: والله أنا السبب، فقد طرق علينا الباب ذات مرة زائراً فأمرتها أن تجلس معنا، وكان الحريق المدمر من تلك الشرارة الواهية.
فهذا الزوج لو كان يحضر مجالس العلم، ولو عرف الحرام من الحلال، وأن هذا يجوز وهذا لا يجوز ما وقع في هذه الورطة، فلما يترك الإنسان نفسه بلا علم، يدفع الثمن غالياً في تجارته، في بيعه، في شرائه، في زواجه، في أولاده، في صحته أحياناً.
فإذا أردت الدنيا فعليك بالعلم، وإذا أردت الآخرة فعليك بالعلم، وإذا أردتهما معاً فعليك بالعلم.
فالله عزَّ وجل كرم الإنسان بالعلم، فإذا أهمل العلم وقع ضحية الجهل, وليس العار أن تكون جاهلاً، ولكن العار كل العار أن تبقى جاهلاً.
إذا أحببت إيضاحاً أكثر: فما من قصةٍ تصل إلى أذنيك إن حلَّلْتها, تَرى أن هذا الطلاق، وأن هذا الإفلاس، وأن هذا المرض العُضال -أحياناً أقول أحياناً- وأن هذا الخلاف الزوجي، وأن هذه الجريمة، وأن هذه المشكلة، وأن هذه الفضيحة، وأن هذه الفِتنة سببها معصية، وأن هذه المعصية سببها الجهل، لذلك: العلم نور وهدى.
اللهم صلِّ عليه قال: ((إنما بعثت معلماً))
بعثة النبي -عليه الصلاة والسلام- في أصلها بعثة تعليم. حقيقة مسلم بها :
وبالمناسبة: يا أخواني, الإنسان يحب ذاته، هذه حقيقةٌ مُسلَّمٌ بها، والمطلب الثابت للإنسان في كل مكانٍ وفي كل زمان: السلامةُ والسعادة، ولو سألت خمسة آلاف مليون من البشر واحداً واحداً: ماذا تريد؟ يقول لك: السلامة من كل مرض، من الفقر، من الخوف، من الشقاق الزوجي، من الضعف، من الذل، من أن أفقد حريتي، وأتمنى البحبوحة في المال، والسعادة الزوجية، و و....
إذاً: أنا أستطيع أن أقول: إن المطلب الثابت لكل إنسان في كل مكانٍ وزمان هو السلامة والسعادة، والسلامة والسعادة لا تكونان إلا إذا سرت على منهج الله: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[سورة طه الآية: 123]
هذا كلام ربنا، والله الذي لا إله إلا هو, لزوالُ الكونِ -لا أقول الأرض بل الكون- أهون على الله من أن كون هذا الكلام غير صحيح: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[سورة طه الآية: 123]
لا يضل عقله ولا تشقى نفسه:. ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 38]
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ﴾
[سورة النحل الآية: 97]
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[سورة طه الآية: 124]
﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾
[سورة طه الآية: 125 -126]
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
[سورة الجاثية الآية: 21]
وهكذا ....
إذا علّمْتَ ابنك القرآن فقد علمته منهج الحياة حقيقة، والقرآن ليست وردةً تتزين بها، أنا تعلمت القرآن, وأنت إذا تعلمت القرآن تعلمت أهم شيء في حياتك، تعلمتَ المنهج.
مرةً ضربتُ مثلاً: كمبيوتر ثمنه ثلاثون مليوناً لتحليل الدم، وكل كبسة زِر أجرها ألف ليرة، وينتظر مائة زبون بالدور، نقطة دم تضعها وتكبس زراً يعطيك أربعةً وعشرينَ تحليلاً بكبسة زر واحدة، وكل نتيجة مسجلة على الورق، هكذا حاسوب، وعندك مائة زبون ينتظرونك، وكل زبون بألف ليرة، مائة ألف كل يوم، مبلغ ضخم، هذا الحاسوب اشتريناه، لكنْ حدث خطأ هو: أن الشركة نسيت أن تبعث لنا كتيب التعليمات، إن شغلته من دون تعليمات تخربه، وإن خفت عليه عطلت المائة ألف دخله كل يوم، يا ترى أليست هذه التعليمات أهم مِن هذا الجهاز؟ إن استعملته بلا تعليمات خرَّبته، وإن خفت عليه فلم تستعمله، جمدت ثمنه وفاتك ربح وفير, إذاً: يمكن أن تركب الطائرة وأن تدفع عشرات الألوف كي تحصل على هذه التعليمات.
إن القرآن الكريم في علاقته بالإنسان لأخطر من هذه التعليمات؛ أخطر بكثير وأهم، كيف تعيش؟ كيف تفكر؟ كيف تعتقد؟ كيف تقف؟ كيف تَصِل؟ مَن تصل؟ مَن تقطع؟ مَن تعطي ؟ مَن تمنع ؟ كيف تتعامل مع شهواتك؟ هذه الشهوة مسموح بها، هذه ممنوعة، هذه محرمة، هذا مكروه، هذا محرَّم، هذا واجب، هذا مُباح، هذا فرض، فالإنسان بلا علم بهيمة، وإن كانت الكلمة قاسية: بهيمة، وأنا أقول: دابة فلتانة، دابة جموح, فلتانة، هكذا الإنسان بلا علم, لذلك: ((طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
أي على كل شخصٍ، أي على كل مسلمٍ ومسلمة بالتعريف الدقيق . وصف للقرآن الكريم من قبل إنسان غير عربي :
هناك إنسان وصف القرآن الكريم وهو ليس عربياً، لكن هؤلاء الذين يؤمنون بدافع قناعتهم وسلامة فطرتهم فقط، يفعلون المستحيلات.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6211/05.jpg
قال هذا الإنسان العالم الدكتور: إن القرآن الكريم هو بمثابة ندوةٍ علمية للعلماء، ومعجم لغةٍ للغويين، ومعلم نحوٍ لمن أراد تقويم لسانه، وكتاب عروضٍ لمحب الشعر وتهذيب العواطف، ودائرة معارف للشرائع والقوانين، وكل كتابٍ سماوي جاء قبله لا يساوي أدنى سورةٍ من سوره في حُسن المعاني وانسجام الألفاظ، ومن أجل ذلك نرى رجال الطبقة الراقية من الأمة الإسلامية يزدادون تمسكاً به، واقتباساً لآياته، ويبنون عليها آراءهم كلما ازدادوا رفعةً في القدر ونباهةً في الفكر.
أي أنه كتاب شامل، فدائماً ضع الفرق بين القرآن وبين كلام البشر، ادخل لمكتبة، فلو أن فيها مائة ألف مجلد، كل هذه المجلدات من تأليف البشر، والإنسان يخطئ ويصيب, ففي كلٍ منها تجد الخطأ والصواب، لكن كلام الله عزَّ وجل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, لذلك:
دخل إنسان إلى مكتبة في إيطاليا، فلفت نظره القرآن الكريم مترجماً، فسأل صاحب المكتبة: مَن مؤلف هذا الكتاب؟ فقال له: خالق الكون, وهو مغنٍ شهير، فاشترى الكتاب وقرأه مترجماً، ويبدو أنه آمن به، الآن هذا المغني الشهير من المؤمنين المتفوقين، ترك الغناء وصار يشتري كل تسجيلاته ليحرقها، يشتريها بماله، بثروته الطائلة، وهو حالياً يعيش في لندن.
فهذا كلام الله عزَّ وجل، منهجك في الحياة، إنسان بلا منهج كالبهيمة.
ضرورة تعليم القرآن للإطفال :
فإننا نرحب بكل أخ عنده ابن حريص عليه، ونحن عندنا معهد تحفيظ القرآن الكريم، طبعاً تحفيظه، وتجويده، وتعليم أحكامه أحياناً، وشيء من علومه وتفسيره، كذلك درس التفسير, هذا درس مهم جداً، لماذا هو مهم؟ هذا منهجنا في الحياة، فهل هناك عمل أخطر وأهم وأعظم من أن تتعلم المنهج الذي ينبغي أن تسير عليه؟.
فقد يقول أحدنا: الفصل شتاء فإلى أين نذهب لنسهر فالليل طويل؟ درس التفسير جيد, نذهب ونسمعه عقب صلاة العشاء, لا, ليس هذا الموضوع بل الموضوع أخطر من ذلك، لا لأن الفصل شتاء، فهذا صار ذبوناً شتوياً، بل لأن هذا منهج منهجك بالحياة، فإذا عرفت ما هو التوكل؟ ما هو الصدق؟ ما هو اليقين؟ ما هو التوحيد؟ ما هو الشرك؟ فقد عرفت الخير والإيمان حقاً.
هذه أشياء خطيرة جداً تدخل في صميم حياة كل إنسان، لذلك حضور مجلس علم هو الأجدى، وليس قولك: اليوم عندي فراغ وليس لدي ما يشغلني، أو أن أقول: أنا مشغول لا أقدر أن آتي, فموضوع أن تكون مشغولاً أو غير مشغول، الفصل شتاء، والليل طويل، لا يوجد شيء يشغلني، هذا كله مرفوض, ما من عملٍ أعظم من أن تتعلم منهج الحياة وهو القرآن.
ولابنك محل آخر عندنا، لدينا معهد يعلمه التجويد مبدئياً، يعلمه التحفيظ، مع شيء من أحكام القرآن، وشيء من العقيدة، يعلمه شيئاً من السُنَّة أحياناً، فلذلك على الإنسان أن يحرص على ذلك، عندنا لكل المستويات، عندنا ابتدائي، وإعدادي، وثانوي .
6-أن يعلمه السباحة :
الحق الآخر: أن يعلمه السباحة.
أحياناً باللغة أنت تذكر الجزء وتريد الكُل، مثلاً: الفقراء والمساكين, العلماء قالوا:
إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.
كيف؟ أي أن الله عزَّ وجل إذا قال: للفقراء والمساكين, معناها: أن الفقراء هم الذين لا يجدون حاجتهم، دخل أحدهم أقل من حاجته، أما المساكين فهم الذين لا يستطيعون العمل، أو هم بلا أعمال، إذا اجتمعا افترقا، ولكن إذا افترقا اجتمعا, فإذا قال ربنا عزَّ وجل: للفقراء؛ أي للفقراء والمساكين، إذا قال: للمساكين؛ أي للفقراء والمساكين، حيثما اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6211/06.jpg
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- عندما قال في حديثٍ رواه البيهقي:

((أن يعلمه الكتاب والسباحة ....))
أنا أعتقد أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لم يقصد بالسباحة مدلولها بالذات، بل مدلول السباحة عموماً, لأنها تحرِّك كل عضلات الجسم، فكأنه لما ذكر هذا النوع من الرياضة, وأراد به كل أنواع الرياضة، فقد يكون الإنسان بمكان لا يوجد فيه أنهار أو مسابح إطلاقاً، كما هو الحال في بعض القرى، إذاً صار المقصود من السباحة هنا, أي يجب أن ينشأ ابنك في بنيته الجسمية نشأةً قوية، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
لكن روعة الحديث: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قيَّد القوة بالإيمان، لأن القوة وحدها شيءٌ خطير، شيءٌ مخيف، شيءٌ مدمِّر، أما المؤمن القوي، لم يقل: القوي, بل المؤمن القوي، لأن الإيمان فيه ضوابط:
الإيمان قَيْدُ الفتك ولا يفتك مؤمن.
المؤمن القوي، والإنسان -كما قال سيدنا علي، هذا كلام واقعي وخطير- أعظم نعمةٍ تمتلكها ما هي؟ نعمة الإيمان.
فسيدنا عمر إذا أصابته مصيبة, كان يقول: الحمد لله إذ لم تكن في ديني ...
أي أن أعظم نعمة ألا تكون واقعاً في الكبائر، ألا تكون ذا مالٍ حرام، ألا تكون مصلحتك لا ترضي الله عزَّ وجل، ألا يكون في بيتك منكر لا تستطيع أن تزيله، هذه أكبر مصيبة، بل هي مصيبة المصائب، فإذا كان الإيمان، ما هي أكبر نعمةٍ بعد الإيمان؟ أكبر نعمة -أقول وأعني ما أقول-: هي الصحة, فما قيمة المال من دون صحة؟ لكن ما هي أكبر نعمةٍ بعد الصحة؟ أن تكون مكتفياً, لذلك: الإيمان والصحة والكفاية إذا توافرت لك, فالدنيا كلّها لا تعدل شيئاً أمامها، من هنا قال عليه الصلاة والسلام : ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ, مُعَافًى فِي جَسَدِهِ -الآمن أي مطمئن إلى ربه- عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ, فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها))
[أخرجه الترمذي في سننه]
فالإنسان متى يطمئن؟ هل يطمئن إنسان عاصٍ؟ أبداً فهو في قلق، لا يطمئن إلا المؤمن، والدليل : ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِي آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 81-82]
هذه آية قرآنية، أي لا تمتع بنعمة الأمن حصراً إلا المؤمن. ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾
[سورة الحشر الآية: 2]
أقوى إنسان في الأرض، أغنى إنسان في الأرض، إذا أشرك, قذف الله في قلبه الخوف، وقد ذكرت هذا في درس الشِرك، كيف أن أصحاب أموال الطائلة إذا اعتمدوا على أموالهم فهم معذَّبون, كيف؟ لأن الله عزَّ وجل يقول: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 213]
لكن كيف يعذَّب هذا الغني؟ هذا الغني يعذب بخوف فقد المال، هذا عذاب، وإذا فقده يعذب بفقده، فهو إن كان معه المال معذبٌ بخوف فقده، وإن فقده معذبٌ بفقده، في كلا الحالين هو معذب، لذلك: أعظم نعمةٍ أن تكون مؤمناً:
آمناً في سربه.
إن الله يعطي الصحة والذكاء والمال والجمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين.
فالسكينة هي الطمأنينة: ((مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ, مُعَافًى فِي جَسَدِهِ -صحة- عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ, فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا"بحذافيرها))
[أخرجه الترمذي في سننه]
إذاً: صحة الجسد شيءٌ مهم، والحقيقة: أن الجسد مطيَّتك إلى الله عزَّ وجل، فمن الناس من يقول: يا أخي إن العمر محدود, وهذا صحيح, لكن هل من الممكن لأحد الناس أن يعيش ثلاثةً وثلاثين عاماً مسطحاً على ظهره أو واقفاً على قدميه؟ العمر هو العمر، لكنك إذا اعتنيت بصحتك، بين أن تعيش هذا العمر في راحةٍ وطمأنينة، لأنه جسمك مطيَّتك، الإنسان بالصحة يعمل، ويدرِّس، ويدعو إلى الله عزَّ وجل، ويكسب المال، ويفعل كل شيء، أما إذا تعطلت صحتك, فإنك تتعطل عن العمل بسبب المرض، فالقضية خطيرة جداً، أي أن العناية بالصحة, أريد أن أقول شيءٌ يلي الإيمان في الأهمية، من هنا قال عليه الصلاة والسلام: ((علموا أولادكم الكتاب والسباحة))
المقصود بالسباحة؛ أي الرياضة، فالإنسان بطعامه، بشرابه، وبكل أموره, يجب أن يكون دقيقاً, وإلا فالخسارة محققة.
سمعت من يومين أن سرطان الفم أسبابه -هذه نصيحة للأخوان- إذا كان لديك سن انكسرت ولم تقلعها، إذا وجد نتوء حاد بالفم والإنسان بدافع الفضول يدأب بلسانه ليحكه، هذا التخريش أحد أسباب سرطان الفم، إذا انتبه الإنسان لهذه النقطة, فإنه لن يترك شيئاً من النتوءات الحادة بفمه، لأن الحركة الدائمة مع النتوء الحاد يسبب تخريشاً، هكذا سمعت من طبيب يقول، فالعلم مهم حتى في صحتك، هناك مواد مؤذية، ومواد مخرشة، ومواد كيميائية، وأصبغة إذا تراكمت, تسبب أمراضاً معينة، فالإنسان قبل أن يأكل، قبل أن يشرب، قبل أن يتحرك, قبل أن يفعل هذا كله, عليه أن يكون واعياً من أجل سلامته.
وقد يُبهر البعض فيقول: جهاز يسخن الأكل خلال ثوانٍ, هذا الجهاز أساسه تخريب الخلايا، يا ترى: هل أنت متأكد مائة بالمائة أنه لا خطر منه؟ لا تعرف، تضع الطعام في صحن بارد، واللحمة مثل الحطبة، وخلال ثوانٍ يصبح اللحم مثل النار, والصحن بارد، يتعرض الطعام لإشعاعات تخرب الخلايا وتسخنه, هذا إنجاز حضاري عظيم, لكن يا ترى: هل نحن متأكدون أن هذا الإنجاز الحضاري ليس له مضاعفات ثانية؟ لا نعرف، لذلك على الإنسان أن يبقى طبيعياً في شؤونه، فكل إنجاز حضاري قد يكون له أخطار كبيرة تكتشف بعد سنوات من وجوده، فأنا ليس عندي معلومات دقيقة حول هذا الموضوع، ولكن مجرد استنباط عام، فقد يكون هناك شيء ضار، هذا الطعام الذي تم تحضيره بثوانٍ حسب الظاهر؛ أنه إنجاز سريع، تسخين سريع.
قصة بين فيلسوف وملاح :
قالوا: إنَّ فيلسوفاً من كبار الفلاسفة ركب سفينة, فالتقى بملاَّح على ظهر السفينة، فسأله عن درجة علمه: ما معك من شهادات؟ هذا الملاح قال له: والله لا أعرف شيئاً, قال له : إنك لا تنفع مطلقاً لأنك لا تعرف شيئاً, ما قيمتك بالحياة ألم تدرس أبداً؟ فقال له الملاح: يا مولاي أتعرف السباحة؟ قال: لا إنها لا تجدي نفعاً, واتفق بعد زمنٍ يسير أن حدث هياجٌ واضطرابٌ عظيمٌ في البحر، حتى أشرفت السفينة على الغرق، فدنا الملاح من هذا الفيلسوف العظيم, وقال: يا سيدي إننا هالكون لا محالة, فهل تعرف السباحة؟ فقال الفيلسوف: والله لا مفر لي من الموت، ولا حيلة بيدي, فقال الملاح: ادعُ معارفك وعلومك لعلها تنجيك, فقال الفيلسوف: إن معارفي لا تنجي من الغرق, فقال الملاح: أما أنا فأعرف السباحة، وهي تنجي من الغرق بإذن الله، رغم أنك قلت لي قبل قليل: أنها لا تجدي نفعاً, وها أنت الآن تعرف أنها تجدي حقاً.
وبينما هما يتكلمان, لطمت الأمواج السفينة فقلبتها, وسقط من فيها في الماء، فأمسك الملاح الفيلسوف بإحدى يديه وسبح بالأخرى حتى نجا كلاهما، فقال الفيلسوف: صدقَ من قال: علمك بالشيء خيرٌ من الجهل به .
المؤمن -شيء عالٍ- إن كان يسبح، وكان جسمه قوياً، وهو ذو مصلحة, بيده مهنة، يقول أحدهم: أنا كهربائي، أنا خياط، أنا مزارع, شيء رائع جداً.
فسيدنا عمر يقول: إني أرى الرجل ليس له عمل يسقط من عيني.
وقال سيدنا علي: قيمة الرجل ما يحسن.
لذلك: المؤمن الذي بيده حرفة, مصلحة، تجارة، صناعة، حرفة, خدمات، دارس، مدرِّس، طبيب، مهندس، خيَّاط، نجَّار، حدَّاد، فهو إنسان نافع، إذاً تعلَّم للآخرة، وتعلَّم مصلحة للدنيا، واجمع بينهما، و ..:
ما أجمل الدين والدنيا إذا اجتمعا واقبح الكفر والإفلاس في الرجل
إذاً: السباحة بمعنى مُطلق القوة؛ القوة الجسمية، الرياضة البدينة. قواعد فقهية :
لكن بالمناسبة: الآن لا بدَّ من التحفُّظ, فأذكركم بالحكمة الثانية:
دع خيراً عليه الشر يربو .
لو فرضنا أني أردت أن أعلم ابني السباحة، والمسبح فيه كشفٌ للعورات، أو على شاطئ فيه نساءٌ كاسيات عاريات، هذه سباحة ولكن معها فسادٌ كبير.
وعندنا قاعدة فقهية تقول:
دَرْءُ المفاسد مقدمٌ على جلب المنافع.
أي أنك إذا علمت ابنك السباحة, وفسدت أخلاقه من جراء ذلك, وانجرف إلى شهواتٍ محرمة، وضيّع دينه ودنياه وآخرته، ماذا تجديه السباحة؟.
أريد أن أعلم ابني اللغة الإنكليزية مثلاً, قالوا لي: أفضل شيء ابعثه إلى بريطانيا، إذا لم يقم لدى أسرة قد اختلط بأفرادها شهراً بكامله، وصار لديه براتيك –محادثة- فإنه لا يتقوّى, شيء جميل، بعث ابنه إلى مجتمع فاسد منحرف، الزنا في هذا المجتمع كشربة الماء، شاب في مقتبل حياته مثل الوردة, تضعه في أسرة فيها صبايا وفتيات، والأب منحرف، والأم منحرفة، رجع الابن يُتقن البراتيك ولكنه رجع زانياً، فما قولك؟ أيُّ براتيك هذا؟ .
دع خيراً عليه الشر يربو.
درء المفاسد مقدمٌ على جلب المنافع.
أحياناً تكون مصلحة تجارية رائجة جداً، لكن في السوق فيه فساد كبير، والربح ثلاثون بالمائة، وكل يوم رواج وبيع، لكن كل العلاقة مع النساء، علاقة صارخة مع النساء، الإنسان يصبر يوماً، يومين، شهراً، ثم بعد ذلك يستسلم، بعد ذلك تزل قدمه:
درء المفاسد مقدمٌ على جلب المنافع.
قاعدة أساسية، فإذا تحدثنا عن الرياضة والسباحة, فالحديث جميل بشرط ألا نضيع من أجلها أخلاق أبنائنا، هذه قاعدة مهمة جداً، كشف العورات، الاختلاط، هذا كله يتناقض مع قواعد الدين.
في أحاديث أخرى :
((علموا أولادكم السباحة والرمي والفروسية))
والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول : ((ألا إن القوة الرمي, ألا إن القوة الرمي, ألا إن القوة الرمي))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
وهذا من إعجاز النبي -عليه الصلاة والسلام-، فأحدث سلاح الآن أساسه دقة الرمي، والآن اسمع:
يقول لك الخبراء: الخطأ متر.
إن كان السلاح مدافع، وإن كان صواريخ، وإن كان صواريخ موجهة، وأي سلاح، قوة السلاح بدقة إصابته، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول : ((ألا إن القوة الرمي, ألا إن القوة الرمي, ألا إن القوة الرمي))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
هذا الحديث الشريف من أحاديثه التي تُنْبِئ عن نبوته صلى الله عليه وسلم .
ويقول في حديثٍ آخر رواه أبو داود : ((ارموا واركبوا, ولأن ترموا أحب إلي من أن تركبوا، ومن ترك الرمي بعد ما علمه رغبةً عنه فقد كفر))
أي كفر هذه النعمة نعمة الرمي، طبعاً هذا كله من أجل إعداد العدة من أجل قتال الأعداء .
النبي -عليه الصلاة والسلام- كان يشجِّع أبناء المسلمين على الرمي:
فعن سلمة بن الأكوع -رضي الله عنه- قال: ((مر النبي -عليه الصلاة والسلام- على قوم ينتضلون؛ -أي يستابقون في الرمي- فقال: ارموا بني إسماعيل, فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع بني فلان -فريقان انضم النبي لأحد الفريقين, وقال: ارموا أنا مع بني فلان- فأمسك أحد الفريقين بأيديهم -الفريق الثاني توقف عن الرمي- فقال عليه الصلاة والسلام: ما لكم لا ترمون؟ قالوا: يا رسول الله كيف نرمي وأنت معهم؟ -فهل نتسابق مع قوم أنت معهم!! لا يعقل هذا؟ إنه منتهى الأدب, كيف نرمي وأنت معهم؟- عندئذٍ قال عليه الصلاة والسلام: ارموا وأنا معكم جميعاً))
أي أنا مع الفريقين فتنافسوا. هذا من تشجيعه صلى الله عليه وسلم للرماية .
وفي حديث آخر رواه الطبراني :
كل شيءٍ غير ذكر الله فهو لهوٌ أو سهوٌ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 5]
﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 1-3]
فسر القرطبي هذه الآية: بأن اللغو هو كل ما سوى الله هو لغو-، فقد قال عليه الصلاة والسلام: ((كل شيءٍ غير ذكر الله فهو لهوٌ أو سهوٌ, إلا أربع خصال؛ مشي الرجل بين الغرضين -بين الأهداف أي تعلمه الرمي- وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليم السباحة))
أي إذا قعد الإنسان مع أولاده، فليس هذا لهواً, فقد كان النبي يمشي على يديه ورجليه ويركب الحسن والحسين على ظهره. الفرق بين اللهو وملاعبة الأطفال
ويقول: ((نعم الجمل جملكما, ونعم العدلان أنتما))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
النبي -عليه الصلاة والسلام- كانت بنتٌ صغيرة جارية تأخذ بيده وتقوده حيث شاءت، فإذا الإنسان دخل بيته أحداً, صار هذا القادم واحداً من أهله، داعب أولاده، أدخل على قلوبهم السرور، كن بسَّاماً، كن ضحَّاكاً، هذا ليس من اللهو، لأن هؤلاء لهم حقٌ عليك، والرجل العظيم هو عظيم خارج بيته, أما إذا دخل بيته فهو إنسان عادي بين أهله.
المشي بين الغرضين, وتأديبه فرسه, وملاعبته أهله, وتعليمه السباحة. 7-ألا يرزقه إلا طيباً :
الآن: الحق الثالث: ألا يرزقه إلا طيباً.
والمراد بالرزق الطيب الكسب الحلال، ومعنى ذلك: أن يتحرى الحلال في تجارته، وأن يؤدي الأعمال بإتقان, قضية دقيقة جداً, فإذا كنت صانعاً صاحب مهنة، وطلبت أجراً لهذا العمل مبلغاً معتدلاً جداً ومناسباً، لكن الأداء مستواه منخفض، هذا الأجر الذي تأخذه أجرٌ حرام، هذا مثل بسيط:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6211/07.jpg
قريب لي اضطر إلى أن يكسر كل البلاط، بلاط رخام إيطالي بالحمام، كسرناه كله, السبب: أنبوب الماء الساخن ينحصر بالإسمنت مع خوابير، وينحصر بالجبصين، فيه يحف سريعاً، بين أن يضع الخوابير حتى يحصر الأنبوب, ويضع له إسمنت, وينتظر خمس ساعات لكي يجف، وبين أن يضع قطعة من الجبصين بعد خمس دقائق جفّّت فتثبت، الجبصين يأكل الحديد أكلاً، فخلال عدة سنوات يحدث ثقب كبير قدر الباهم في الأنبوب، فهذا مبلط بالرخام، والحمام قَلد بسيراميك، والمالك أحسن كساءه، وقد دفع دم قلبه بهذه الكسوة، وأنت لكي تختصر خمس ساعات, ثبت الأنابيب بالجبصين, فماذا حصل؟ بعد خمس سنوات الحيطان سال الماء عليها، فاضطر صاحب المنزل لإصلاحها لتكسير كل الرخام، نتيجة إهمال مقصود من قبل العامل، ولذلك الأجر الذي يأخذه صاحب المهنة, إذا أهمل مهنته أو أساء أو أدَّاها أداءً منخفضاً, هذا الأجر حرام، سرقة، ولذلك: فإتقان العمل جزءٌ من الدين.
قال عليه الصلاة والسلام:
((إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه))
يقول بعضهم: أنا صلاتي متقنة, وأنا أقول: إذا لم يكن عملك متقن, فكل صلاتك ليست لها قيمة، لأن الدين في التعامل.
قال له: هل عاملته بالدرهم والدينار؟ هل حاككته؟ هل جاورته؟ قال: لا، قال: إذاً أنت لا تعرفه.
فالدين لا يبدو في الصلاة والصوم والحج والزكاة، الدين يبدو في أداء العمل، العمل المتقن، فبالمهن كلها هناك أشياء مخيفة جداً.
أحدهم باع طقم كنباة, جاء لبيت الذي اشتراه ضيوف, فمن أول يوم قعدوا نزل، سارع لعند البائع قائلاً: نزل, قال له: يمكن أنكم قعدتم عليه، استعملته؟ فلماذا اشتراه؟ هل اشتراه ليقف بجانبه أم ليقعد عليه؟.
إذاً: الكسب الحلال، ومعنى الحلال: أن يتحرى الحلال في تجارته, وأن يؤدي أعماله بإتقان, حتى يكون كسبه حلالاً.
الآن بالتصريح, يقول له: هذه البضاعة متينة, قل له الحقيقة: هذه بضاعة درجة ثانية، هذه ليست أصلية، هذه فيها خيط تركيبي، يقول لك: صوف مائة بالمائة، وثمنها ثلاثمائة ليرة، والحقيقة: إذا كان صوفاً مائة بالمائة ثمنها ألف ومئتا ليرة، لماذا تكذب عليه؟ فهذا خيط تركيبي، عند الغسيل يشلف، قل له: هذا خيط تركيبي, هذا سعره، لا يوجد منها صوف مائة بالمائة كله كلام فارغ، والمشتري معه هذا المبلغ, فقنع أنه صوف مائة بالمائة فاشتراه، لو قلت له: هذا تركيبي, لما اشتراها، فأنت أخذت من تعبه، هذا اسمه عدوانٌ على الكسب.
وهناك كسب الكسب: أنت اعتديت على كسب الإنسان، أخذت من كسبه الحلال كسباً حراماً، طبعاً إذا بيَّن البائع فلا مانع، وأصبح ليس بغاش، فلو قلت للمشتري: هذا قماش درجة ثانية، هذا ينكمش، هذا خشب نوع ثانٍ، هذه طاولة مصنوعة من نشارة، يظنها لاتيه، يضع لها برغي, يغوص كل البرغي، ينساها تحت المطر فيزيد سمكها، قل له: هذه نشارة وليست لاتيه ، بيِّن له، وضِّح له .
قال عليه الصلاة والسلام: ((من أصاب مالاً في مهاوش -أي بالهيلمة- أذهبه الله في نهابر))
يذهب المال نهيباً، كيف يأتي المال يذهب.
حديثٌ ورد في الجامع الصغير: ((من أصاب مالاً في مهاوش, أذهبه الله في نهابر))
قال لي: تعاملت مع واحد أربع أو خمس سنوات، أشتري بوراً على أساس أنه أجنبي, والسعر ثلاثة أمثال، فظهر لي أنه يعطيني بللوراً وطنياً، يستنظف بعض الألواح, ويعطيني على أساس أنها من صنع أجنبي بثلاثة أمثال السعر، وإذا أذّن المؤذّن للظهر يذهب أول واحد للجامع: ((مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي))
((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
انظر الفرق: من غشنا ومن غش؛ من غش مطلقاً، لو غششت مجوسياً فلست من أمة محمد، ليس من غشنا، بل مطلق الغش فليس منا.
قال: ((الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ, أَشْعَثَ أَغْبَرَ, يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ, يَا رَبِّ يَا رَبِّ, وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ, وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ, وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ, وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ, فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لذلك!؟))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
((يا سعد, أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير]
معنى الغش: -وهذا بحث طويل -إن شاء الله- نعالجه- الغش بالوصف، إن قلت أجنبي وهو وطني فهذا غش، إن قلت من نوع أول، وهو من النوع الثاني فهو غش، إذا وصفته وصفاً وهو على وصف آخر فهو غش، إن كنت أعطيته وزناً أقل من وزنه، ونوعاً أقل جودة من نوعه، إن حددت له وقتاً أبعد من الوقت المطلوب، وفوّت عليه ربحاً كثيراً، فكل هذا من أنواع الغش، إذا أديت عملاً أداء لا إتقان فيه فهو غش، وهذا أيضاً يسبب الكسب الحرام.
يقول عليه الصلاة والسلام: ((من سعى على عياله من حِلِّه, فهو كالمجاهد في سبيل الله, ومن طلب الدنيا حلالاً في عفاف, كان في درجة الشهداء))
وفي الأثر أنه: ((من لم يبال من أين مطعمه, لم يبال الله عزَّ وجل من أي أبواب النيران دخل))
هذه كلمة: حط بالخرج؛ هذه كلمة الشيطان، ومثلها كلمة: لا تدقق، ضعها بذمتي, هذا كله كلام فارغ، ومن وحي الشيطان.
كلكم يعلم: أن أكل لقمةٍ من حرام يجرح العدالة، تطفيفٌ بتمرة يجرح العدالة.
الإمام ابن حنبل -رضي الله عنه- له صديق اسمه يحيى بن معين، له معه صحبةٌ طويلة، الإمام أحمد -رحمه الله تعالى- هجر صديقه سنوات طويلة, لأن صديقه قال: إني لا أسأل أحداً شيئاً ولو أعطاني الشيطان شيئاً لأكلته, -هكذا قال له صديقه-، فحينئذٍ غضب ابن حنبل حتى اعتذر يحيى، وقال: " كنت أمزح, فقال: " تمزح بالدين؟! أما علمت أن الأكل من الدين؟!!
بل هو أخطر ما في الدين، قدمه تعالى على العمل الصالح.
في قوله تعالى في سورة المؤمنون الآية الحادية والخمسون: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾
[سورة المؤمنون الآية: 51]
الله عزَّ وجل قدم الأكل الحلال على العمل الصالح؛ أي أن عملك الصالح من دون أن تأكل مالاً حلالاً لا قيمة له:. ﴿كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 51]
إذاً: العمل الصالح ليس مجدياً إلا إذا كان كسب المال في الأصل حلالاً .
أبناء أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- كانوا يوصون أباهم قبل أن يذهب إلى العمل، يقولون له: اتقِ الله فينا ولا تعد علينا إلا بالحلال، فإنا نصبر على الجوع ولا نصبر على عذاب الله.
إن شاء الله في الدرس القادم نتابع حقوق الأبناء على آبائهم، واعتقد أن هذه الموضوعات تمس كل إنسان منا، وهي مهمة جداً, لأنه ما من إنسان إلا وله أب أو ابن, فليعرف إذا كل واحد منهما ما له وما عليه .

السعيد 09-05-2018 09:22 AM

رد: الحقوق الاسلامية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( العاشر )

الموضوع : العدل فى العطاء والوصية - قصة سيدنا سالم مولى ابى حذيفة





لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من حقوق الأبناء على الآباء أيضاً :
8-العدل بين الأولاد في العطاء والوصية :
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في حقوق الأبناء على الآباء، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى حقٍ جديد، إنه: العدل بين الأولاد في العطاء وفي الوصية.
المشكلة التي يعيشها بعض المسلمين: هو الفصل بين العبادات وبين المعاملات، فإذا أدَّى صلواته الخمس، وصام شهره، وحج بيت الله الحرام، وأدى زكاة ماله، يظن أنه قد أدَّى كل شيء، أما أن يأتي فيحابي ولداً على حساب ولد، أو يعطي ولداً على حساب ولد، فيظن أن هذا من شأنه الشخصي، مع أن الإسلام نظامٌ كاملٌ أمثلٌ لكل مواقف الإنسان، سواءٌ أكانت هذه المواقف أُسَرِيَّة، أو في عمله، أو في علاقته بربه.
الحق الأخير من حقوق الأبناء على الآباء: العدل بينهم في العطاء والوصية .
فقد ورد عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, أن أحد أصحابه أعطى أحد أولاده عطيةً، وأراد أن يُشهد النبي صلى الله عليه وسلم- على ذلك, فسأله النبي الكريم:
((أَفَكُلَّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ؟ فقال هذا الصحابي: لا, فقال عليه الصلاة والسلام: فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا -هذا العمل لا يصلح- وَإِنِّي لا أَشْهَدُ إِلا عَلَى حَقٍّ))
وفي رواية: ((لا أشهد على جور))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6212/01.jpg
من خلال هذا الحديث يتضح: أن الذي يفرق بين أولاده في العطية, خرج عن سنة النبي -عليه الصلاة والسلام- إلا في حالات خاصة.
فأحياناً هناك أبٌ يزوج بناته الأربع، ثلاث بناتٍ منهن في وضعٍ ماديٍ جيِّد، بينما بنتٌ رابعة زوجها فقير، فإذا أعطاها في حياته شيئاً, فأعانها على صعوبات الحياة، وقد رضي بقية الأخوة، فهذا وضعٌ استثنائي, له عند الله حُجَّة ومبررات، ولكن الأصل أن يعدل المُسلم بين أولاده في العطية.
روى البخاري ومسلم في صحيحهما, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم))
أمر:
اعدلوا بين أولادكم.
أمرٌ من النبي عليه الصلاة والسلام.
المشكلة: أن الإنسان أحياناً يظن أن هذا حديث شريف وقد مر به، قد قرأه, أو سمعه من مدرس، أو اطلع عليه، وهذا مجرد أمر: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
أي أن الله سبحانه وتعالى خالق السموات والأرض, هو الصانع، هو الخالق، بيده كل شيء، أعطاك أمراً واضحاً بيناً، قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، يقول لك: اعدل بين أولادك, وتقول: هذا حديثٌ شريف, قرأته, واطلعت عليه، وقد مر بي, القضية أخطر من ذلك، إنه أمرٌ من عند النبي -عليه الصلاة والسلام-, الذي فوَّضه الله عزَّ وجل أن يشرع لنا: ﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
والنبي -عليه الصلاة والسلام- لم يشرِّع من عنده, إنما كما قال الله عزَّ وجل: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية: 3-4]
اتقوا الله واعدلوا في أولادكم
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهما, ومالك في الموطأ]
والحديث الآخر : ((سووا بين أولادكم في العطية –سووا: فعل أمر من التسوية- فلو كنت مفضلاً أحداً لفضَّلت النساء))
وهذا الحديث أيضاً رواه الإمام الطبراني. العدل بين الأولاد :
إذاً: حديثٌ أول، وثانٍ، وثالث: يحضُّ المسلمين على أن يعدلوا بين أولادهم، والدين تطبيق هذه السنة.
لعلك رأيته يصلي, قال: نعم, قال: أنت لا تعرفه.
هذه العبادات إن لم تكن مبنيةً على استسلامٍ لأمر الله, وعلى طاعةٍ له، وعلى انصياعٍ كامل في كل ما أمر، وفي كل ما نهى، فهذه العبادات جوفاء لا تقدِّم ولا تؤخِّر ولا قيمة لها.
النبي -عليه الصلاة والسلام- رفض أن يشهد على جور, حينما بلغه أن أحد أصحابه فضَّل ولداً من أولاده على آخر، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يأمرنا أن نتقي الله, وأن نعدل في أولادنا، والنبي -عليه الصلاة والسلام- في حديثٍ ثالث يقول:
((سووا بين أولادكم في العطية, فلو كنت مفضلاً أحداً لفضَّلت النساء))
هذه النصوص الثلاثة الصحيحة التي هي الأصل في العدل بين الأولاد .
العلماء قالوا: يحرم على المرء أن يوصي لأحدهم بأكثر مما يستحق شرعاً، أو أن يحرمه مما يستحق، أو أن يحرمه بعض ما يستحق.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6212/02.jpg
يحرم؛ أي دخلنا في الحرمة، هناك حرمة، وهناك كراهةٌ تنزيهية، وهناك كراهةٌ تحريمية، وهناك أمرٌ مباح، وهناك سُنَّةٌ غير مؤكدة، وسنةٌ مؤكدة، وواجب، وفرض, أن تحرم أحد أولادك من حقه، أو من بعض حقه، أو أن تعطي أحد أولادك فوق حقه، فهذا مما يحرُم شرعاً، فهذا الذي سيغادر الدنيا كيف سيلقى الله عزَّ وجل؟ يلقاه وقد ظلم أولاده، وقد فضَّل بعضهم على بعض، وقد حابى بعضهم على حساب بعض, إن هذا يزيد البعيد بعداً، قد يقول قائل: إن هذا الابن لا يَبَرُّني, إن هذا التصرُّف من قبل الأب, يزيد الابن البعيد بعداً، وتنشأ عداواتٌ بين الأخوة بعد الوفاة لا يعلمها إلا الله, لذلك الأولى أن تبقى على السُنَّة، السنة منهج، طريق مستقيم، فالإنسان مهما اجتهد، وفكر، وتأمل، ليس أعظم فهماً من خالقه ومربيه الذي شرع له هذا الدين.
الآن عندنا نقطة دقيقة: ويجب أن يعطي أبناءه في الوصية مثل ما أخذه أحدهم زيادةٌ عنهم.
فأحياناً ولد يأخذ نصيباً كبيراً من والده, بحكم كونه أكبر أولاده، فيزوجه، يشتري له بيتاً، ويغادر الدنيا, وعنده أربعة أولادٍ آخرون، هؤلاء سوف يقتسمون الإرث بالتساوي مع أخيهم الأكبر الذي أخذ هذه الدفعة الكبيرة، الأولى أن يسوِّي بينهم في العَطية، بمعنى أنه إذا أعطى الأخ الأكبر، فيجب أن يعطي كلاً من الصغار بقدر ما أعطى الأكبر، هذا أيضاً حكم الله عز وجل، أي يجب أن يتم التوازن بين الأولاد في تقسيم الميراث.
شيءٌ آخر: لا يحق للأب أن يعطي في وجوه الخير أكثر من الثلث، والثلث كثير.
أي أنه إذا كان مندفعاً لفعل الصالحات, فيدع ورثته عندئذٍ من بعده عالةً يتكففون الناس, وهذا لا يرضي الله عزَّ وجل أبداً، لا يرضيه أبداً, فأحياناً يقول لك: يجب أن أوصي بثلث المال للمساجد, وقد ترك بيتاً واحداً، ويسكنه أولاده، فمن أجل أن توصي للمسجد فسوف ترغم أولادك على بيع هذا البيت، فإذا كان هناك بيت وحيد يأويهم، ففي مثل هذه الحالة لا ينبغي أن توصي لا للمسجد ولا لغيره. ((لأن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون))
هذا توجيه النبي عليه الصلاة والسلام, فسواء في حياته، أو بعد مماته, فلا ينبغي أن يعطي أحداً فوق ما يستحق، ولا أن يحرم أحداً حقه ولا جزءاً من حقه، وإذا أعطى أحداً دفعةً كبيرة، فينبغي أن تدخل هذه في حساب الإرث، أما أن تكون خارج الحساب, وهو أعطاه بيت وزوجه، وفتح له محلاً, ثم توفى، وترك أربعة أولاد آخرين، فما تبقى لهؤلاء الخمسة، صار في تفاوت كبير جداً، الأولى أن يكون لكل ولدٍ حقٌ معلوم, إلا أنه في حالات أخرى، قد يكون الأب يعمل مع والده، هذا له جُهد نظير عمله، فمثلاً:
ولد في البيت لا يعمل، وولد يعمل, صار هناك تفاوت كبير جداً، فإذا أخذ الذي يعمل نصيب الجهد, واقتسم مع أخوته الباقين بالتساوي، ما تبقى فهذا أيضاً محض عدلٍ. 9-أن تدخل السرور على أولادك :
الآن: من توابع هذا الحق: أن تدخل السرور على أولادك.
فقد ورد أن مر قومٌ من الأعراب على النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: تقبلون صبيانكم؟ قالوا: نعم، فقالوا: لكنا والله لا نقبل, فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:
((وما أملك إن كان الله قد نزع منكم الرحمة))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6212/03.jpg
أي أن هناك عطاءً معنوياً، كان الحديث قبل قليل عن العطاء المادي, ولكن عندنا عطاء معنوي، فالابن أحياناً بحاجة إلى عطف، بحاجة إلى قلب كبير، بحاجة إلى اهتمام، أحياناً لمسة حنانٍ من الأب أو الأم تغني عن آلاف الليرات، الإنسان مفتقر إلى العطف، لذلك هذا الذي ينشأ في حجر أمه وأبيه يكون في المستقبل متوازناً نفسياً، أما الذي ينشأ في بيت فيه خصومات، وفيه شقاق، وفيه طلاق، هذا الطفل ينشأ عنده خلل في عواطفه، فلذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- أشار إلى أن من واجبات الأب تجاه أبنائه: ليس أن يطعمهم، أو أن يسقيهم، أو يكسوهم فقط, بل هناك واجبٌ آخر, وهو: أن يغمرهم بالعطف والحنان، الاهتمام بطعامه وبشرابه، وبغرفته, وبحاجاته، وبملابسه، هذا الاهتمام هو الذي يزرع العطف والحب في قلب الأبناء.
فالنبي -عليه الصلاة والسلام- حينما أنكر هذا الأعرابي تقبيل الولد، قال عليه الصلاة والسلام: ((وما أملك إن كان الله قد نزع منكم الرحمة))
شيءٌ آخر: النبي -عليه الصلاة والسلام- أراد أن يَخُصَّ البنات بشيءٍ من العطف الزائد، لأن النبي -عليه الصلاة والسلام- نشأ في بيئةٍ كانت البنت فيها مظلومة، ويكفي أن تقرؤوا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾
[سورة التكوير الآية: 8-9]
النبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: ((أكرموا النساء فإنهن المؤنسات الغاليات))
((اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
واستوصوا بالنساء خيراً: قالها كثيراً في حياته، فلذلك هناك أحاديث خاصة بالنساء.
فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-, قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ((من عال جاريتين -أي ابنتين صغيرتين- حتى تبلغا, جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا، وضم أصبعيه كناية عن قرب الجوار في الجنة))
طبعاً كل من عنده بنتان صغيرتان يرعاهما، لكن بشرط أن ينشئهما تنشئةً طاهرة، بشرط أن ينشِّئهما على حب الله ورسوله، وعلى تلاوة كتابه، بشرط أن ينشِّئهما وفق الشرع، أما إذا سيب أمرهما, وجعلهما تعيشان كما يعيش بقية الفتيات غير الملتزمات، فهذا ما زاد عن أن أطعم هاتين البنتين فقط, والحديث الذي تعرفونه سابقاً:
أن البنت إذا نشأت نشأةً منحرفة بتشجيعٍ من أبيها، أو بغفلةٌ منه، أو بإهمالٍ لها، ورأت مصيرها في النار، تقول: ((يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي))
لقد كان هو السبب، فلذلك الأبوة مسؤولية. ((من عال جاريتين حتى تبلغا, جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا, وضم أصبعيه كنايةً عن قرب الجوار في الجنة))
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: ((جاءت امرأةٌ ومعها ابنتان لها تسألني أي شيءً, فلم أجد عندي شيئاً.
-انظر بيت سيدنا رسول الله, سيد الخلق, حبيب الحق، نبي هذه الأمة, ليس في بيته إلا تمرةٌ واحد-.
فلم أجد عندي شيئاً غير تمرةٍ واحدة أعطيتها إيَّاها, هذه الأم أخذتها فشقتها بين ابنتيها ولم تأكل منها شيئاً، فدخل عليه الصلاة والسلام على أثر ذلك, فحدثته حديثهما, فقال عليه الصلاة والسلام:
من ابتلي -أي من كان له بنت- من هذه البنات بشيءٍ فأحسن إليهن, كن له ستراً من النار))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
في رواية: ((من ابتلي -أنه بلاء وليس مصيبة، البلاء من معانيه الامتحان- مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ, أو من ابتنى -من البنوة؛ أي من كانت له بنت من هذه البنات- مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ, كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ))
هذا الحديث وحده يكفي كي يدفع الآباء إلى الإحسان إلى بناتهم، فلعل الله سبحانه وتعالى يرحمنا جميعاً بالإحسان إلى أولادنا وبناتنا.
وعن عوف بن مالكٍ -رضي الله عنه-, أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : ((من كانت له ثلاث بناتٍ ينفق عليهن حتى يَبِنَّ -أي بمعنى يبتعدن عنه بمعنى يتزوجن- أو يمُتن, كن له حجاباً من النار))
في الحديث الأول: بنتان يحسن إليهن, وهنا ثلاث بنات ينفق عليهن.
وعن عوف بن مالكٍ أيضاً, قال عليه الصلاة والسلام: ((ما من عبدٍ يكون له ثلاث بناتٍ, فينفق عليهن, حتى يَبِنَّ أو يمُتن, إلا كن له حجاباً من النار, فقالت امرأة: يا رسول الله وابنتان؟ قال: وابنتان))
أي أن ملخص الملخص: إذا جاء ملك الموت ينبغي أن يكون معك عملٌ تلقى الله به، عمل طيِّب، يا رب ربيت هاتين الابنتين تربيةً صالحة، تربيةً إسلامية، علَّمتهما كتاب الله، زوَّجتهما من مؤمنين، أنفقت عليهما، حتى أدخلت على قلبيهما السرور، هذا عمل، أو ربيت ولدين فصارا صالحين من بعدك، هذا عمل، أو دعوت إلى الله, هذا عمل، أو تركت علماً نافعاً, هذا عمل، وكل ذلك عمل صالح .
فدائماً لديك سؤال كبير كبير كبير: ماذا أعددت للقاء الله عزَّ وجل؟ .
قال له: جئتك لتعلمني من غرائب العلم, قال: فماذا صنعت في أصل العلم؟ قال: وما أصل العلم؟ قال: هل عرفت الرب؟ قال: ما شاء الله, قال: فماذا صنعت بحقه؟ قال: هل عرفت الموت؟ قال: ما شاء الله, قال: فماذا أعددت له؟ .
فهذا السؤال، ينبغي أن يكون هذا السؤال في مكانٍ بارزٍ من البيت: ماذا أعددت للقاء الله عزَّ وجل؟ .
أكلت فالمأكولات مستهلكات، سكنت هذا البيت مستهلك، قمت بهذه النزهة استهلاك، لكن نريد الاستثمار، فأنت معك مبلغ من المال، سنشبه الوقت بمبلغ ضخم من المال، هذا المبلغ إما أن تستهلكه وإما أن تستثمره، فكل عملٍ ينتهي عند الموت استهلاك، وكل عملٍ يستمر إلى ما بعد الموت استثمار، فهذا السؤال الكبير: ماذا أعددت للقاء الله عزَّ وجل؟.
هل أعددت لهذا اللقاء استقامةً تامة؟ هل أعددت حباً لله ورسوله؟ هل أعددت حفظاً وفهما لهذا الكتاب وتعليماً له؟ هل أعددت أمراً بالمعروف أو نهياً عن المنكر؟ هل أعددت تربية أولادٍ تربيةً صالحة؟ ماذا أعددت لهذا اللقاء؟.
يقول له: رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا, وأنا الحي الذي لا يموت.
و: إن الغنى والفقر بعد العرض على الله.
هذا الغنى في الدنيا لا قيمة له إطلاقاً، الغنى والفقر -كما قال الإمام عليٌ كرم الله وجهه-: بعد العرض على الله.
ماذا أعددت لهذه الساعة؟.
لدينا نقطة مهمة جداً أحب أن أقولها لكم: فأن تكون أباً وعندك زوجة وأولاد هذه أبواب مفتَّحة للعمل الصالح، فسوف تتعرض لتعب، وعليك مسؤولية، تعاني سَهَراً، وهموماً، وحُزناً، لا بد من توجيه، وتتعرض لإحباط، أحياناً يواجهك إخفاق، لكن الله عزَّ وجل وضعك بموضع لكسب ثواب العمل الصالح، فالزواج كله من أوَّله إلى آخره بدءاً بمسرَّاته وانتهاءً بمآسيه، الزواج كله بابٌ من أبواب العمل الصالح، فالجهد المبذول للتوجيه، ولإدخال السرور على قلب الأولاد، وإكرام الزوجة, هذا كله من الأعمال الصالحة التي يرضى الله عنها.
وكنت قد حدَّثتكم من قبل: من أن الأعمال الصالحة الأخرى إذا قمت بها أنت فأنعم وأكرم، وإن لم تقم، قد يقوم بها غيرك، ولكن أسرتك من لها غيرك؟ ليس لها أحدٌ غيرك، فلذلك إذا قصَّرت في حقها فأنت محاسبٌ عند الله. الأخوة الإيمانية التي كانت تسود بين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام :
ويطالعنا شيء آخر: نحن قاربنا أن ننتهي من حقوق الأبناء على الآباء، فسوف ننتقل إن شاء الله تعالى إلى حقوقٍ أخرى, نأخذها في درسٍ قادم, وأريد فيما تبقى من هذا الدرس: أن أضع بين أيديكم نموذجاً من الأخوة الإيمانية التي كانت بين أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.
أردت أن يكون في هذا الدرس قصة من قصص أصحاب النبي عليهم رضوان الله، لتروا بأم أعينكم كيف ينبغي أن تكون علاقتنا فيما بيننا؟ .
طبعاً هؤلاء الصحابة الكرام -رضي الله عنهم ورضوا عنه- احتلوا عند الله مرتبةً ثابتة، بقينا نحن، ولا ينبغي أن تفهموا من كلامي هذا: أن الموضوع يتعلق بالصحابة، بل يتعلَّق بنا، لكن هذا نموذج حي من نماذج أصحاب النبي عليهم رضوان الله.
قصة سالم مولى أبي حذيفة :
صاحب القصة سيدنا -انظر لكلمة سيدنا- سالم مولى أبي حذيفة, كان عبداً رقيقاً -انظروا كيف أن الإنسان إذا عرف الله حقاً, ينتقل من العبودية إلى مرتبة السيادة:
سبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعتك.
وربنا عزَّ وجل قال:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[سورة الشرح الآية: 4]
فأنا أقول: سيدنا وهو سيدنا فعلاً، وهو عبدٌ رقيق -سيدنا سالم مولى أبي حذيفة- فالنبي -عليه الصلاة والسلام- أوصى, فقال: ((خذوا القرآن من أربعة -خذوا القرآن، أي أن هذا سيدنا سالم من أهل القرآن، من أهل كتاب الله عزَّ وجل-؛ من عبد الله بن مسعود، ومن سالم مولى أبي حذيفة، ومن أبي بن كعب، ومن معاذ بن جبل))
أربعةٌ من أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- هم مرجعٌ كبير في القرآن الكريم، والقرآن -كما تعلمون- غنىً لا فقر بعده، ولا غنىً دونه.
و: من تعلَّم القرآن متَّعه الله بعقله حتى يموت.
و: ((من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي خيراً منه, فقد حقَّر ما عظَّمه الله تعالى))
و: ((خيركم من تعلَّم القرآن وعلمه))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6212/04.jpg
كان عبداً رقيقاً رفع الإسلام من شأنه، حتى جعل منه أخاً لواحدٍ من كبار المسلمين، بعد أن كان قد تبناه في الجاهلية, كان قبل إسلامه شريفاً من أشراف قريش, وزعيماً من زعمائها، ولما أبطل الإسلام عادة التبني, صار أخاً ورفيقاً ومولى للذي كان يتبناه، وهو الصحابي الجليل أبو حذيفة بن عتبة، سيد من أسياد قريش، زعيمٌ من زعمائها، شريفٌ من أشراف مكة, وهذا سالم كان عبداً رقيقاً عنده، فلما أسلم صارا أخوين في الله.
-أنا أريد من هذه القصة: أن تلمسوا أن الإسلام دينٌ يجمع ولا يفرق، يُلغي كل مظاهر الطبقيَّة، فإنسان في قمة المجتمع وإنسان في الحضيض، بعد أن أسلما صارا أخوين، وما لم تكن لك هذه النفسية فلست مسلماً، حينما تقول: أنا ابن فلان، أو أنا أملك كذا وكذا، أو أنا أحمل هذه الشهادة، أو إن أبي فلان, حينما تعتزُّ بشيءٍ غير الشيء الذي ينبغي أن تعتزَّ به وهو الإيمان, فأنت لست مؤمناً -فعلاً مفارقة كبيرة جداً-؛ إنسان يتبوأ قمة المجتمع، وإنسان يقع في الحضيض, حق الإسلام منهما أخوين، وسوف تروا معي كيف أن الإسلام سوى بينهما؟ والإنسان إذا دخل المسجد يجب أن ينسى أنه يحمل شهادة عليا، أو أنه له وظيفة مرموقة، أو أنه صاحب معمل، هذا كله يجب أن يضعه تحت قدمه إذا كان مسلماً، وأن ينظر إلى أخيه في الإيمان كما لو أنه ينظر إلى إنسانٍ مساوٍ له تماماً.
فأحد الصحابة -رضي الله عنهم- تكلم بكلمة، يبدو أنها كانت ساعة غضب, قال لأحد أصحاب النبي الأرقاء العبيد: يا بن السوداء, فما زاد النبي عن أن قال: إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ , فلم يرض هذا الصحابي بعد ذلك, إلا أن يضع رأسه على الأرض, ليدوس هذا العبد الرقيق بقدمه على رأسه، حتى يغفر الله له.
أبو حذيفة بن عتبة، عتبة بن شيبة من أَلَدِّ أعداء النبي، من زعماء الكفر في قريش, هذا ابنه، عتبة بن شيبة هو الذي خاطبه النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما رآه قتيلاً في بدر, قال :
يا عتبة بن شيبة، يا فلان، يا فلان، يا فلان.
هذا ابنه- تبنى أبو حذيفة سالماً بعد أن أعتقه, وصار يدعى سالم بن أبي حذيفة -هذا قبل أن يبطل الله عزَّ وجل عادة التبني، صار اسمه سالم بن أبي حذيفة، كما أن زيد بن حارثة -رضي الله عنه- كان اسمه زيد بن محمد، ابن النبي، تبناه النبي، لكن الله عزَّ وجل لحكمةٍ رآها حرَّم التبني، عندئذٍ أصبح اسمه زيد بن حارثة، وسالم ليس له أب، أبوه غير معروف، فصار اسمه سالم مولى أبي حذيفة، مولاه.
لم يكن شيءٌ أحبَّ إلى أحدهم بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أخوانهم في الله.
الترتيب كان على الشكل التالي: الله سبحانه وتعالى، ثم النبي -عليه الصلاة والسلام-، ثم المؤمنون, والله هذا مقياس دقيق، إذا كنت تحب إنساناً منحرفاً عاصياً لأسباب، لمصالح، لقرابة، أكثر مما تحب أخاً في الله طاهراً مستقيماً, هذه بادرةٌ خطيرة، وشرخٌ كبير في الإيمان ، أصحاب النبي -عليهم رضوان الله- كانوا يحبون بعضهم حباً لا يصدق، فإذا كان أخوةٌ في مسجدٍ واحد، على قلبٍ واحد، يدهم واحدة، مشكلتهم واحدة، خيرهم واحد، سرَّاؤهم واحد، ضراؤهم واحدة, فهذه علامة إيمانهم، والله سبحانه وتعالى يقول: ((يَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
ما تميز به سالم مولى أبي حذيفة :
سيدنا سالم مولى أبي حذيفة, كان إماماً للمهاجرين من مكة إلى المدينة، وكان حجةً في كتاب الله، حتى أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- المسلمين أن يتعلموا منه، وقد قال عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- :
((الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ فِي أُمَّتِي مِثْلَكَ يا سالم))
وكان أخوانه المؤمنون يصفونه سالمٌ من الصالحين، هكذا، آمن له مالنا وعليه ما علينا،- المسلمون جميعاً سواسية كأسنان المشط.
لا فضل لعربيٍ على أعجميٍ إلا بالتقوى:. ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[سورة الحجرات الآية: 13]
ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضلٌ إلا بالتقوى.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6212/05.jpg
أتعلمون من هو حِبُّ رسول الله؟ أي من أحب الناس إليه؟ كان سيدنا أسامة بن زيد، ولو أتيح لكم أن تقرؤوا عن أوصافه لها لكم الأمر، كان أبوه سيدنا زيد عبداً أسود اللون، وكان ابنه كذلك، فكان يضع النبي -عليه الصلاة والسلام- أسامة على ركبته اليمنى, والحسن والحسين على ركبته اليسرى، وكان يقبلهم معاً، حتى إن أصحاب النبي سموا سيدنا أسامة حِب رسول الله هكذا.
إذاً: المؤمن الصادق يحب لأسبابٍ دينية، للكمال الذي ينطوي عليه، أما وهناك حديث شريف دقيق, قال: ((الشرك أخفى في قلب ابن آدم من دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء))
أي لو كان إنسان عادلاً، وكرهت هذا الإنسان العادل لسبب أو لآخر، وإذا مال قلبك لإنسان جائر ظالم لسبب أو لآخر, فأنت في وضعٍ خطيرٍ في الدين، صار هذا شرك، فالمؤمن الصادق علاقاته كلها على أساس ديني، على أساس الكمال الإنساني .
وهذه قصة تفيدنا جداً: فقبل فتح مكة, بل وقبل الهجرة, -قصة سالم كقصة بلال، وقصة عشرات العبيد- بادر سيدنا أبو بكر الصديق, وأتى صفوان بن أمية, واشترى هذا العبد سيدنا بلال، ويقول له صفوان: والله لو دفعت به درهماً لبعتكه, ليس له قيمة خذه بدرهم، فيقول سيدنا بكر: "والله لو أبيت إلا أن تأخذ ثمنه مائة ألفٍ لأعطيتكها.
سيدنا الصديق على عظم شأنه وبلال عبد رقيق، حينما خرج أبى إلا أن يضع يده تحت إبطه -هذا تعبير عن المودة والأخوة في الله، سيدنا الصديق وضع يده تحت إبط سيدنا بلال، تعبيراً عن أخوته الصادقة- وقال: هذا أخي حقاً.
هل تصدقون: أن سيدنا عمر يخرج إلى ظاهر المدينة، وهو أمير المؤمنين, وخليفة المسلمين, لاستقبال سيدنا بلال، سيدنا عمر، خليفة المسلمين، عملاق الإسلام، أمير المؤمنين يخرج إلى ظاهر المدينة, لاستقبال سيدنا بلال!؟ سيدنا بلال يدخل على عمر بلا إذن هو وصهيب، بينما وقف أبو سفيان ساعةً وساعتين, فلم يؤذن له, وهو زعيم قريش، فلما دخل عليه عاتبه, قال: أبو سفيان زعيم قريش يقف في بابك الساعات الطوال, وصهيبٌ وبلال يدخلان ويخرجان بلا استئذان!! فما زاد عن أن قال: أأنت مثلهما؟!.
هذا هو الإسلام؛ فإذا كنت مستعداً أن ترى أن أخاك في الله، ولو كنت أنت في قمة المجتمع, وهو في حضيضه، ولو كنت في قمة العلم, وهو لا يحمل شهادات، ولو كنت أنت في قمة الغنى, وهو لا يملك شر ولا نقير، إذا شعرت أن هذا الإنسان أخوك في الله, له ما لك وعليه ما عليك، إذا شعرت هذا الشعور, فأنت بفضل الله مؤمنٌ ورب الكعبة، أما إذا كان لديك شعور بأنك غيره رفعة ومنزلة، أنت فوقه، أنت أعلى منه، أنت من أسرة أرفع وأسمى، فهذا شعور جاهلي مرضي، يحتاج إلى معالجة, لذلك فإن المؤمنين كتلة واحدة؛ مدني، ريفي، موظف، تاجر، كبير, صغير، وسيم، دميم، كلهم في الإسلام سواء:
المؤمنون طبقةٌ واحدة، يأخذ بذمتهم أدناهم، ويرعاهم أكبرهم.
كلكم يعلم: أنه عند فتح مكة أعطى النبي -عليه الصلاة والسلام- أوامر مشددة, ألا يهرق دمٌ إطلاقاً, في ظرف من الظروف فيه ملابسات، سيدنا خالد اضطر إلى استعمال السيف، حتى إن النبي -عليه الصلاة والسلام- لما سمع بهذا الخبر, اعتذر إلى ربه طويلاً, وهو يقول: ((اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد))
[أخرجه البخاري في الصحيح, والنسائي في سننه]
-فهذا الكلام له مغزى كبير، ليس الهدف أن تريق دم الكافر أبداً، الهدف أن تهديه، الهدف أن ينضمَّ إليك، الهدف أن تحتويه، الهدف أن يسلم على يديك، هذا أخوك في الإنسانية، وحينما شرع الله الجهاد, شرعه من أجل صيانة الدعوة, ومن أجل أن تكون كلمة الله هي العليا, لذلك فإن النبي -عليه الصلاة والسلام- أعطى توجيهات مشددة ألا يستعمل السيف، ولكن لسببٍ لسنا الآن بصدده، فإن سيدنا خالداً وهو من الصحابة الأجلاء الكرام, اضطر إلى استعمال السيف- وظل عمر -رضي الله عنه- يذكرها له, ويأخذها عليه, ويقول: إن في سيف خالد رهقاً.
والآن: نعود إلى قصة سالم-:
فقد كان مع سيدنا خالد، وسالم عبدٌ رقيق، وسيدنا خالد شريفٌ من أشراف مكة، وقائد الحملة، وقائد هذه الفرقة، سيدنا سالم أخذ على سيدنا خالد هذا المأخذ، وحاسبه، وكأنَّه نِدٌ له، فقد سوَّى الإسلام بينهما -سيدنا سالم ما نظر إلى سيدنا خالد على أنه إنسان, يجب أن نقدس أخطاءه، ولا نظر على أنه فوق أن يحاسب، كان هناك نوع من الصراحة، ونوع من الواقعية، على كلٍ؛ هناك حديث شريف قاله النبي -عليه الصلاة والسلام-: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))
قالها ثلاثاً .
فالحديث ما أدقه، وفي الأحاديث الشريفة تعاريف للدين جامعة مانعة مثلاً :
رأس الدين الورع.
أي تعلم ما شئت ما لم تكن ورعاً فلست ديناً:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6212/06.jpg
رأس الدين الورع, فإن لم تكن ورعاً قطع رأس الدين.
فلو شبهنا الدين بإنسان وقطعت رأسه ماذا بقي منه؟ انتهى.
رأس الحكمة مخافة الله.
رأس الدين الورع.
الدين -بالتعريف الجامع المانع الدقيق الدقيق-: النصيحة.
فإذا لم تنصح المسلمين فلست ديِّناً، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ, إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ, إِنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ))
في حديثٍ كررها ثلاثاً. [أخرجه أبو داود في سننه]
لكن هناك نصيحة وهناك فضيحة، هناك من يفضح وهناك من ينصح، كن نصوحاً ولا تكن فضوحاً-.
النبي -عليه الصلاة والسلام- لما بلغه ما صنع خالد, سأل هذا السؤال الخطير, قال:
هل أنكر عليه أحد؟ فقالوا: نعم راجعه سالمٌ وعارضه.
فاطمأن النبي. من مواقف عمر بن الخطاب :
-وقال أحد عامة المسلمين لعمر: والله لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوَّمناك بسيوفنا, فقال عمر -رضي الله عنه-: " الحمد لله الذي جعل في أصحابي من يقومني إذا اعوججت.
سيدنا عمر مرةً كان مع أصحابه، -هذه قصص, هذه سنن، هذه مناهج، هذه طرائق للتعامل مع الآخرين-.
سيدنا عمر كان مع أصحابه, قال أحدهم: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله, -أي أنه من الطراز الأول، أين سيدنا الصديق؟ إنه قد مات، نريد أن نمدح الحالي، والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله-, سيدنا عمر غضب وحَدَّ فيهم النظر، إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خيرٌ منك, قال: ومن هو؟ قال: أبو بكر, فقال عمر: كذبتم جميعاً وصدق هذا.
-اعتبر سيدنا عمر أو عد سيدنا عمر أن سكوتهم كذبٌ، وأن هذا الذي قال الحقيقة هو الصادق- ثم قال: والله لقد كنت أضل من بعيري، وكان أبو بكرٍ أطيب من ريح المسك.
-فهل يجرؤ أحدٌ بعد هذا الموقف أن ينافق له؟ انتهى كل النفاق-.
النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: هل أنكر عليه أحد؟ قالوا: نعم راجعه سالمٌ وعارضه.
-عبد رقيق، وسيدنا خالد قائد الجيش, ومع ذلك راجعه في موقف، نحن كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((إذا ذكر أصحابي فأمسكوا))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
لكنني أردت من هذه القصة أن أبين: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))
وقال: هل راجعه أحد؟ هل أنكر عليه أحد؟ قالوا: نعم, راجعه سالمٌ وعارضه.
فإذا كنت تحب الله ورسوله, فقل الحق ولو كان مراً, ولا تخشَ في الله لومة لائم، والشيء الذي تعرفونه جميعاً, هو:
أن الله سبحانه وتعالى حينما قال: ﴿يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 39]
من صفات هؤلاء الذي يبلغون رسالات الله: أنهم يخشون الله وحده، فإذا خشوا غير الله انتهوا وانتهت رسالتهم-. قصة استشهاد سالم مولى أبي حذيفة :
كلكم يعلم أن النبي -عليه الصلاة والسلام- انتقل إلى ربه، وبعد انتقاله ظهرت فتنة الرِدَّة، -ويعدُّ سيدنا الصديق بحقٍ المؤسس الثاني للإسلام، وقف وقفةً لا يستطيع أحدٌ من أصحاب النبي أن يقفها إلا هو- .
خرج المسلمون لقتال المرتدين الذين تزعَّمهم مسيلمة الكذاب، -الآن كانوا تحت إمرة سيدنا خالد-، وتعانق الأخوان أبو حذيفة وسالم، وتعاهدا على الشهادة في سبيل الحق، وقذفا بنفسيهما في الخِضَمِّ الرهيب, كان أبو حذيفة ينادي, -اسمعوا جيداً-:
يا أهل القرآن زينوا القرآن بأعمالكم.
-والكلام لنا الآن، أنت حافظ للقرآن، يحب أن تزيِّن هذا الكتاب بأعمالك، الكون قرآنٌ صامت، القرآن كونٌ ناطق، سيدنا رسول الله قرآنٌ يمشي، كان خلقه القرآن، أنت مؤمن, وقتك كله في قراءة القرآن, وفي حفظه، وفي تجويده، وفي فهم أحكامه وآياته، نريد عملاً يزين القرآن-: "
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar-6212/07.jpg
يا أهل القرآن زينوا القرآن بأعمالكم.
وكان سالمٌ يصيح: بئس حامل القرآن أنا، لو هوجم المسلمون من قبلي, فقيل له: " حاشاك يا سالم بل نعم حامل القرآن أنت.
وكان سيفه صوَّالاً وجوالاً في أعناق المرتدين, الذي هبوا ليعيدوا جاهلية قريش, ويطفئوا نور الإسلام، وهوى سيفٌ من سيوف الردة على يمناه فبترها -لسيدنا سالم-, وكان يحمل بها راية المهاجرين, بعد أن سقط حاملها زيد بن الخطاب، ولما رأى يمناه تبتر التقط الراية بيسراه, وظل يلوِّح بها إلى أعلى, وهو يصيح تالياً هذه الآية الكريمة:
﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُم فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 146]
أحاطت به غاشيةٌ من المرتدين، فسقط البطل، ولكن روحه ظلت تتردد في جسده الطاهر، حتى انتهت المعركة بقتل مسيلمة الكذاب, واندحار جيشه, وانتصار المسلمين، وبينما المسلمون يتفقَّدون ضحاياهم وشهداءهم, وجدوا سالماً في النزع الأخير، وسألهم: ما فعل أبو حذيفة؟ -مولاه, أخوه في الله- ما فعل أبو حذيفة؟ قالوا: استشهد, فقال: أضجعوني إلى جواره, فقالوا: إنه إلى جوارك الآن.
-هو بجانبك مضطجع، لقد استشهد في المكان نفسه.
سيدنا عمر حينما طعنه أبو لؤلؤة المجوسي قال: هل صلى المسلمون الفجر؟.
هو في حالة النزع وبين الموت والحياة، ما الذي يعنيه؟ هل صلى المسلمون الفجر؟
فأحدنا إذا كان ألمَّت به شدة، ماذا يقول: البيت هل طوَّبتموه؟ ماذا صار بالبضاعة هل بعتموها؟ اشتريتموها؟ هل صلى المسلمون الفجر؟-.
ما فعل أبو حذيفة بن شيبة؟ قالوا: استشهد, فقال: أضجعوني إلى جواره, فقالوا: إنه إلى جوارك يا سالم.
هل تصدقون: أن سيدنا عمر بن الخطاب وهو عملاق الإسلام, قال وهو يموت : " لو كان سالمٌ حياً لوليته الأمر من بعدي.
أي لو كان سالم حياً، لكان ثالث الخلفاء الراشدين، وهو عبدٌ رقيق:
اسمعوا وأطيعوا ولو تولى عليكم عبدٌ رأسه كالزبيبة.
هكذا قال عليه الصلاة والسلام.
هذه كلمة خطيرة جداً: لو كان سالمٌ حياً لوليته الأمر من بعدي.
إذاً الباب مفتوح، كن من تكون، أي إنسان كن؛ بأي مستوى، بأي دخل، بأي شكل، من أي لون، من أي جنس، من أي بلد، ما دمت عبداً لله، فباب البطولة مفتوحٌ أمامك على مصاريعه كلها، وما عليك إلا أن تقوم، ما عليك إلا أن تجاهد في سبيل الله: ﴿جَاهَدُوا فِينَا﴾
[سورة العنكبوت الآية: 69]
والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول بعد عودتهم من إحدى الغزوات: ((رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر؛ جهاد النفس والهوى))
فلذلك -أيها الأخوة- الله سبحانه وتعالى يقول: ((لو يعلم المعرضون حبي لهم, وانتظاري إلى ترك معاصيهم, لتقطعت أوصالهم من حبي, ولماتوا شوقاً إلي، هذه إرادتي في المعرضين, فكيف إرادتي في المقبلين؟))
فالمفروض أن يَصدق الإنسان في طلب الحق, حتى يكون من السعداء في الدنيا والآخرة. .






السعيد 09-05-2018 12:58 PM

رد: الحقوق الاسلامية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الحادى العاشر )

الموضوع : حق النصيحة - 1





لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما أخطر شيء في حياة الإنسان؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, في الدروس السابقة: كان الموضوع الإجمالي هو حقوق الزوج على زوجته، وحقوق الزوجة على زوجها، وحقوق الأب على ابنه، وحقوق الابن على أبيه، واليوم ننتقل إلى بابٍ جديد من أبواب الحقوق، ألا وهو حق المسلم على المسلم، حقوق المسلم على المسلم كثيرة، منها النصح له، وقبل الحديث عن هذا الحق الجليل، أود أن أقدم لهذا الحق بمقدمةٍ موجزة: إن أخطر شيءٍ في حياة الإنسان دينه, قال:
ابن عمر دينك دينك إنه لحمك ودمك.
يعني طالب عنده مكتبة كبيرةٌ جداً، لكن هناك كتاباً واحداً في هذه المكتبة هو الكتاب المقرر الذي سيؤدي فيه امتحاناً, ويعلّق على هذا الامتحان آمالاً ضخمة، إذاً هذا الكتاب ليس ككل الكتب.
رجل الأعمال في محفظته أوراق كثيرة, لكن أخطر وثيقةٍ في هذه المحفظة جواز سفره، لولا هذا الجواز لبقي في أرضه، إذاً الدين أخطر شيءٍ في حياة الإنسان، هناك زوجته ، هناك عمله، هناك صحته، هناك دخله، لكن الدين متعلقٌ بالآخرة، موضوع الدين موضوعٌ مصيري، إذا سكنت في بيت هي سنواتٌ وتمضي, إن كان واسعاً أو ضيقاً، عالياً أو منخفضاً ، ملكاً أو أجرةً، سنواتٌ تمضي الزوجة لا بدَّ من أن يمضي وقتٌ تفارقها أو تفارقك، لكن الشيء الذي سيتصل بحياتك الأبدية هو الدين.
هل ينحصر مفهوم الدين حول العبادات الشعائرية؟ :
النقطة الثانية: هو أن الدين شيءٌ عظيمٌ جداً وواسعٌ جداً، فقد يفهمه الناس فهماً مغلوطاً، فيوجد عندنا عبادات شعائرية؛ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/01.jpg
الصلاة والصوم والحج والزكاة، من توهم أن أداء هذه العبادات هو الدين فقد وقع في خطأٍ كبير، من توهم أن الطبيب هو الذي يرتدي ثوباً أبيض، أو هو الذي يضع على عينيه نظارة هو الطبيب، أو هو الذي يسأل الناس عن أكلهم أو عن آلامهم، الطبيب إنسان درس الطب سنواتٍ طويلة, وأصبح يملك قدرةً على تشخيص المرض وعلى وصف الدواء.
النبي -عليه الصلاة والسلام- في تعريفٍ جامعٍ مانعٍ قال:
فعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ, أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((الدِّينُ النَّصِيحَةُ, قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ))
قد يفهم المسلمون الدين أنه صلاةٌ وصيام وحجٌ وزكاة.
سيدنا عمر قال: من شاء صام ومن شاء صلى ولكنها الاستقامة. ((من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بُعداً))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
ماذا تستنتج من هذا المثال؟ :
وأنا في طريقي إلى هذا المسجد لمع في ذهني مثل: أن العام الدراسي هو عامٌ طويل في آخره امتحان، الامتحان فيه ينكشف الطالب, وينكشف مستواه العلمي, وفهمه واستيعابه, فمن ظن أن الامتحان لا علاقة له بالعام الدراسي فقد وقع في خطأٍ كبير، إذا جاء يوم الامتحان, ارتدى هذا الطالب أجمل ثيابه, وتوجه إلى الامتحان, واقتنى الأقلام, وكل حاجاته, لكنه لم يدرس، هذا الامتحان لا معنى له، أهم شيءٍ فيه أن تُعد له العدة طوال العام الدراسي.
أردت من هذا المثل: أنك إذا وقفت لتصلي, فاعلم أن الصلاة امتحان، بل إنها ميزانٌ كما قال عليه الصلاة والسلام، إن ما بين الصلاتين؛ استقامتك، صدقك، غضُّك للبصر، نُصحك للمسلمين، ورعك، هذا يبدو في الصلاة، فإذا فصلت بين حياتك ونشاطك وتجارتك وبيعك وشرائك من جهة، وبين الصلاة من جهة، وجعلت الصلاة كشعيرةٍ تعبدية, انقلبت الصلاة والحالة هذه إلى طقسٍ لا معنى له، لكنك إذا فهمت أن الصلاة كساعة الامتحان، أهم ما فيها أن تعد لها قبل أن تأتيها، لذلك جاء قوله تعالى:
﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية: 14]
تقول: أقمت البناء؛ أي أنك اشتريت الأرض ووضعت التخطيط وبذلت الجهد، إقامة البناء شيءٌ يحتاج إلى جهد كبير مسبق، فلذلك: إما أن تفهم الدين فهماً أجوف على أنه شعائر تؤدى وكفى، أو على أنه كتابٌ يُقرأ، أو على أنه مجلس علمٍ يُحضر، أو على أنه حجٌ يُؤدى، أو احتفالٌ بعيد المولد يُقام وانتهى الأمر، ونحن على ما نحن عليه، هذا هو الفهم السقيم للدين.
ما هو الدين؟ :
الدين شيءٌ يدخل في كل حياتك، في كل حركاتك وسكناتك، في كل نشاطاتك، في كل علاقاتك، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/02.jpg
أي إذا جاءك أخ مسلم أو غير مسلم إلى محلك التجاري, وأراد أن يشتري منك حاجة، وأنت من أجل أن تبيع هذه الحاجة الكاسدة أوهمته أنها جيدة، وأثنيت عليها بما لا تستحق، حتى أقنعته بشرائها، إنك لم تنصحه، إذاً ما قيمة دينك؟ ما قيمة صلاتك؟ هذا الذي وقع في مخالفةٍ شرعية، قالت له السيدة عائشة: أبلغوا فلاناً أنه أحبط عمله، أو أنه خسر جهاده مع رسول الله.
فالذي أتمناه عليكم أن تضعوا أيديكم على جوهر الدين: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ))
الدين يبدو في دكانك، في متجرك، وراء طاولتك إذا كنت موظفاً، في العيادة إذا كنت طبيباً، وراء مكتبك في المحاماة إذا كنت محامياً، وراء مكتبك الهندسي إذا كنت مهندساً، وراء مهنتك إذا كنت من أصحاب المهن، في مهنتك اليومية، إذا غششت المسلمين فلست مسلماً. لم نفى النبي عن العبد صفة الإسلام في هذا الحديث؟ :
النبي -عليه الصلاة والسلام- نفى عنك صفة الإسلام:
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قال:
((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا, وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
النبي أخرجك من دائرة المسلمين إذا لم تنصح أخاك، أي إذا قال لك: ماذا أفعل بهذا المبلغ؟ لو أن هذا المبلغ لك تشتري به دكاناً، تقول له: لا, أعطن إياه، ماذا كنت تفعل لو أن هذا المبلغ معك؟ بماذا نُصحك لهذا الإنسان صاحب المبلغ ينم عن دينك، يجب أن تنصح له بما أنت فاعلٌ لنفسك، بما أنت تفعل لو أن هذا المبلغ لك، هذا هو الدين، الدين يبدو أكثر ما يبدو في التعامل. الدين معاملة :
لذلك ورد عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: أن الدين هو النصيحة، وأن الدين المعاملة.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/03.jpg
والعوام يقولون هذا الكلام: الدين المعاملة، الدين في تعاملك مع زوجتك، الدين في تعاملك مع عُمَّالك، الدين في تعاملك مع أولادك، الدين في تعاملك مع جيرانك، يجب أن تعرف حدك فتقف عنده، فلذلك الشيء المؤلم: أن مفهوم الدين مضطرب، مفهوم الدين مفهوم أصبح زئبقياً, فكل إنسان يفهمه على طريقة، بحيث أن الذي قد يفهمه إنسان أن تقيم في بيتك كل عام احتفالاً بعيد المولد، وتأتي بالمنشدين وانتهى الأمر وأنت لا تصلي، هناك من يفهم الدين هكذا؛ الدين أن تذهب إلى الحج, وأن تأتي من الحج, وأن توضع الزينات، وأن تقدم الحلويات، وأن يبارك لك بهذا الحج وانتهى الأمر، الدين داخل بحياتك اليومية، داخل في كل دقيقة من حياتك، في كل ثانية، في كل حركة، في كل سكنة، في نومك، في استيقاظك، في علاقاتك بزوجتك، بأولادك، بمعملك، بعمالك، بمكتبك، بمن يقف أمامك، بمن يقف وراءك، بمن هو فوقك، بمن هو تحتك، هذا هو الدين، الدين هو النصيحة.
لم تأخر المسلمون عن الأمم؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/04.jpg
فلذلك: حينما فهم المسلمون أن الدين عباداتٌ شعائرية صاروا خلف الأمم، ولم تكن كلمتهم هي العليا، وحينما فهم أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام- أن الدين نصحٌ لكلّ مسلم؛ الدين معاملة، الدين انضباط، فتحوا العالم.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
يجب أن نرجع إلى ينابيعه الأولى، إلى ينابيعه الصافية. ليس هذا من الدين في شيء :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/05.jpg
الآن: لاحظ أن المسلمين يصلون، الجوامع ممتلئة, والمظاهر الدينية صارخة، ولكن إذا دخلت إلى الأسواق رأيت الكذب، ورأيت الغش، ورأيت الخداع، ليس هذا من الدين في شيء، إذا أردت أن تكسب وقتك، إذا أردت أن تكسب حياتك، إذا أردت أن تضع يدك على جوهر الدين، إذا أردت أن تكون من المؤمنين الصادقين, فالدين النصيحة.
لو أن إنساناً قال لك: أنا لا أعرف انتق لي بنطالا على ذوقك، وانتقيت له البنطال الكاسد ذي اللون غير المرغوب, من أجل أن تُصرف هذا اللون الذي ربص أمامك, فأنت لست مؤمناً، إذا قال لك: انتق لي أنت, يجب أن تنتقي له أجمل الألوان، أما إذا انتقى هو هذا شيءٌ آخر.

إليكم هذا المثل الدقيق على مفهوم: الدين النصيحة :
أنا أضرب المثل الدقيق:
الدين النصيحة.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/06.jpg
قال لك إنسان: افتح محل بهذه المصلحة, أنت تعلم أن هذه المصلحة ذات أرباح طائلة، تقول: لا هذه مصلحة فاقورة، تريد أن تصرفه عن هذه المصلحة وأنت مسلم؟! لست مسلماً.
إنسان بعث لك ابناً تعلمه مصلحة تجعله مستخدماً، وحينما يأتي الوقت المناسب لتعلم هذه المصلحة تبعده خارج المحل، أنت مسلم؟ لا والله:
الدين النصيحة.
وهناك أمثلة لا تُعد ولا تُحصى، أكثرها في العمل، قال لك فلان: هل أشتري هذا البيت؟ تبيع البيت أنت، وأنت تبيع هذا البيت لعلةٍ خطيرة شعرت أن فيه خطر، وزينت له هذا البيت حتى بعته له، أنت مسلم؟ لا والله:
الدين النصيحة.
لم تنصحه بهذا البيت، فلذلك: الله عزَّ وجل يضع الإنسان في مواقف صعبة، أهونها الصلاة والصوم والحج والزكاة، ولكن أصعبها أن تقف على مفترق الطرق، إذا نصحت تخسر وإذا غششت تربح، وهذه حكمةٌ إلهية.
من حقوق المسلم على المسلم :
هذه المقدمة أردت منها أن أصل إلى أن: من حقوق المسلم على المسلم النصح له.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/07.jpg
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- من خلال حديثٍ طويل يقول:
((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ, قِيلَ: ما هن يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ, وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ, وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ, وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَشَمِّتْهُ, وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ, وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
اسْتَنْصَحَكَ فعل استفعل, فيه معنى الطلب, كقولك: استغفر، كقولك: استرحم، كقولك استودع.
أول حق: هذا الذي يدخل إلى محلك أليس مسلماً؟ مسلم، يقول لك: انصحن؛ هل هذا القماش جيد؟ هل هذه الآلة جيدة؟ هل هي أصلية أم تقليد؟ هل أنتفع بها أم أنها سريعة العطاب ؟ أنت قد تستعمل هذا الثوب، تقول: لا، أنا أرتدي منه بشكلٍ خبيث، ومن أجل أن تبيع هذا الثوب تفصل منه ثوباً, وكلما سألك إنسان: ما قولك بهذا القماش؟ تقول: لا, أنا أرتدي منه، من أجل أن تبيع هذه البضاعة, وهذا شيءٌ خطير، هذا الذي يدخل إلى محلك التجاري، الله سبحانه وتعالى وكيله وهو مطلعٌ عليك ويعلم السر وأخفى، فمن حق المسلم على المسلم النصح له:
وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ.
متى يستنصح الرجل؟ :
سؤال: الإنسان متى يستنصح إنساناً؟ حينما يأتيك إنسان, ويقول لك: انصحن ماذا أفعل؟ هل تعلم ماذا يعني ذلك؟ يعني ذلك: أنه واثقٌ من رجاحة عقلك، ومن إخلاصك له، إنسان وضع ثقته فيك، وضع ثقته برجاحة عقلك، وضع ثقته بإخلاصك له، أعطاك صفتين؛ صفة عقلية وهي الرُجحان، وصفة نفسية وهي الإخلاص، لا يمكن أن تأتي إنساناً وتستنصحه إلا إذا وثقت بعقله وأخلاقه، إلا إذا وثقت برجاحة عقله وصدق إخلاصه، إذاً حينما يأتيك إنسان وقد منحك الثقة، وقد منحك كل عوامل الرضا تخونه؟! لذلك:
كبرت خيانةً عند الله: أن تحدث الناس بحديث هم لك مصدقون وأنت لهم به كاذب .
هو يصدقك, لأنه منحك الثقة وأنت تكذب عليه، فهذا الذي يغش الناس كذَّاب يكذب عليهم، ينصحهم بشيءٍ لا يفعله هو لنفسه.
شيء آخر: إذا طرق بابك واستُنصحت، فأنت مظنة رجحان العقل، وصدق الإخلاص ، فإن شئت أن تخيِّب الناس فيك فخيبهم إذا شئت، أما لو لم تكن راجح العقل، لو لم تكن مظنة صلاح, لما سألك أحد: وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ.
انظر ما قاله علي كرم الله وجهه :
شيء آخر: هذا الذي يستنصح هو رجل راجح العقل أيضاً، كلاهما عاقل المستنصِح والمستنصَح.
الإمام عليٌِ -كرم الله وجهه- يقول: الرجال ثلاثة؛ رجلٌ رجل -يقول لك: رِجَّال, بالمعنى العامي- ورجلٌ نصف رجل، ورجلٌ لا رجل؛ فالرجل الرجل هو الذي له رأيٌ ويستشير، والرجل نصف الرجل هو الذي له رأيٌ ولا يستشير، والرجل الذي لا رجل هو الذي لا رأي له ولا يستشير .
إن كنت تملك رأياً راجحاً فأنت رجل، أما إذا كنت تملك رأياً راجحاً وتستشير فأنت رجلٌ رجل، أي رجل مربع، رأي من دون استشارة نصف رجل، لا رأي ولا استشارة لست رجلاً.
هذا ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم :
الشيء الآخر: النبي -عليه الصلاة والسلام- أمره الله عزَّ وجل أن يشاور أصحابه, فقال تعالى:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
الإنسان يستشير بموضوع زواج، بموضوع تجارة، بموضوع فتح محل تجاري، بموضوع استثمار مال، بموضوع سفر، بموضوع شراء بيت، هذه أشياء تعارف الناس على أنها تنفع فيها المشورة، قبل أن تقدم اسأل، قبل أن تعقد قرانك على هذه الفتاة اسأل عنها، اسأل عن أهلها، عن أخلاقهم, عن مستواهم, عن ورعهم, عن استقامتهم، قبل أن تشارك فلان اسأل عنه، هل هو مستقيم أو منحرف؟ قبل أن تشتري هذا البيت، قبل أن تسافر، قبل أن تعمل، قبل أن تفعل، لا بدَّ من أن تستشير.
فلذلك: النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
وفي حديثٍ آخر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ, فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا, فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً, فَقَالَ:
((يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ مَا هَذَا؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ؟ ثُمَّ قَالَ: مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا))
مطلقاً لو غششت مجوسياً فلست مسلماً. قاعدة :
يوجد عندنا قاعدة: الإنسان عليه أن يشاور وعليه أن يستخير، الإنسان الناجح الموفق.
من استشار الرجال فقد استعار عقولهم.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/08.jpg
عليه أن يستشير، وعليه أن يستخير، الاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين، لأن غير المؤمن يغشُّك، والمؤمن الذي لا خبرة له، كيف ينصحك؟ لا بدَّ من توافر الخبرة والإخلاص:
﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾
[سورة القصص الآية: 26]
القوة في العلم والأمانة الإخلاص، فلذلك الإنسان الناجح في عمله الموفق، الذي يُطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام يستشير ويستخير، يستشير أولي الخبرة من المؤمنين، ويستخير الله عزَّ وجل في كل المباحات، إياكم أن تظنوا أن المؤمن يستشير أو يستخير في الأمور التي نص على حرمتها الشرع، هذا كلام مرفوض, لأن الله عزَّ وجل يقول:
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُبِيناً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
الاستشارة والاستخارة في الأمور المباحة، بعد أن تستشير أخوانك المؤمنين أولي الخبرة المعتمدين، بعد أن تثق من دينهم, ومن خبرتهم, ومن إخلاصهم, لك تستشيرهم فيشيرون عليك. أحكام الاستخارة :
الآن تنتقل إلى موضوع الاستخارة تستخير الله عزَّ وجل.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/09.jpg
أحكام الاستخارة: إن المؤمن عليه أن يصلي ركعتين نافلتين، ولك أن تعُدَّ بعض السنن الرواتب صلاة استخارة، لو أنك صليت قبل الظهر ركعتين أو بعد الظهر ركعتين فهي صلاة استخارةٍ أيضاً، بل إن بعض العلماء أجازوا أن تصلي ركعتي تحية المسجد كصلاة استخارة؛ أي أن المؤمن يصلي ركعتين؛ إما نافلتين, أو من السنن الرواتب، أو من سنة تحية المسجد، وبعدها يدعو بهذا الدعاء, ويقول:
((اللهم إني أستخيرك بعلمك -أنت تعلم يا رب- وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاَّم الغيوب.
خذ هذه الآية شعاراً لك في حياتك :
-المشكلة: أنه يوجد أشياء بالحياة تبدو برَّاقة، فإذا أقبلت عليها كانت لغماً متفجراً، يوجد أشياء تبدو غير براقة, فإذا أقدمت عليها كان فيها الخير الكبير، فأنت لا تعلم ولكن الله يعلم، قد يكون في هذه التجارة التدمير الكامل، وقد يكون في هذه الزوجة الشُؤم، وقد يكون في هذا السفر الخير، لا تعرف أنت، يا ترى إذا سافرت أفضل أم إذا بقيت؟ إذا عملت بهذه المصلحة أم بهذه المصلحة؟ إذا اشتريت هذا البيت أفضل أم هذا البيت؟ إذا تزوجت فلانة أو علانة؟ فإنك لا تعلم ولكن الله يعلم، لذلك ربنا عزَّ وجل قال -وهذه الآية لو عقلناها حق العقل وفهمناها حق الفهم، وتدبرناها حق التدبر لوسعتنا ولكفتنا-, قال:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 216]
ماذا نستنبط من هذه القصة؟ :
هذا الذي تعرفون قصته: خطب امرأةً ودخل بها فلم تعجبه، دخل بها ليلةً واحدة, وفي اليوم التالي هام على وجهه، وغاب في بلاد الشام, وهي في المدينة عشرون عاماً، وعاد بعدها إلى المدينة، حن إلى بلده وحن إلى أهله, –والسنة: أن يصلي في المسجد قبل أن يأتي إلى البيت-, فرأى آلافاً مؤلفة متحلقة حول شابٍ يلقي درساً في العلم الشريف فسأل عنه, -هو اسمه أنس بن عامر-, سأل: من هذا الشاب من هذا العالم؟ قالوا: هذا مالك بن أنس http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/10.jpg
هذه الزوجة الطيبة الطاهرة التي لم تعجبه يوم دخل بها وشعرت أنه لم يحبها، قالت له كلمة, قالت : يا أنس, قد يكون الخير كامناً في الشر؛ -أي إن رأيتني شراً قد يكون الخير كامناً فيّ, مضى عشرون عام عاد إلى المدينة، فإذا هذا الشاب هو مالك بن أنس ابنه، وقد نشأ نشأةً علميةً طاهرة وفتح الله عليه-, فلما انتهى مجلس العلم, قال له: قل لأمك: إن بالباب رجلاً يقول لك: قد يكون الخير كامناً في الشر, فلما دخل على أمه، وأبلغها مقالة هذا الرجل، قالت له: يا بني إنه أبوك:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾
[سورة البقرة الآية: 216]
الله عزَّ وجل قسم لك هذه الزوجة، أنت لا تعلم لكن الله يعلم، لو أنها متوسطة في ميِّزاتها, أنت لا تعلم والله يعلم، جعلك بهذه الوظيفة أنت لا تعلم ولكن الله يعلم، جعلك بهذا الشكل، بهذه البُنية، بهذه الصحة، أنت لا تعلم لكن الله يعلم، لا يوجد عند الله خطأ، الله عزَّ وجل لا يخطئ، فكل شيء في منتهى الحكمة.
حتى إن الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- يقول: ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني.
قالت له: قد يكون الخير كامناً في الشر.
هذه الآية وحدها لو تدبرناها، الإنسان يذوب محبة لله عزَّ وجل:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 216]
من هنا أخذ النبي -عليه الصلاة والسلام- هذا الدعاء-: اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب.
لم تقرأ قصة سيدنا الخضر كل جمعة؟ :
-ربنا عزَّ وجل علمنا بالقرآن قصة سيدنا الخضر, لماذا تقرؤونها كل جمعة؟ هؤلاء أصحاب السفينة الذي خرقت سفينتهم, وتألموا وضجروا ولاموا سيدنا الخضر على فعلته، ما الذي حصل بعد ذلك؟ إنها نجت من المصادرة:
﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾
[سورة الكهف الآية: 79]
إذاً: قد يكون الخير كامناً في الشر-. ما كان الله ليعذب قلباً بشهوة تركها صاحبها في سبيل الله :
اللهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، فإن كنت تعلم أن هذا الأمر -ويسميه- خيرٌ لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -الدين رقم 1, الدنيا 2, الآخرة 3- أو قال: عاجل أمري وآجله, فاقدره لي ويسره لي, ثم بارك لي فيه.
-أحياناً الإنسان يتزوج امرأة مباركة، ينجب منها أولاداً، يعيش معها حياةً مديدةً سعيدةً آمنةً-.
وعاقبة أمري وآجل أمري, أو قال: عاجل أمري وآجله, فاصرفه عني واصرفني عنه))
أحياناً الإنسان يتعلق بشيء تعلقاً شديداً, وفي هذا الشيء شرٌ له، فإذا صرفه الله عنه وبقي متعلقاً فيه انشغل، فعندما يفرغك الله من هذا الشيء ويصرفه عنك فهذه نعمةٌ كبرى، لذلك هناك حديث شريف: ((ما كان الله ليعذب قلباً بشهوةٍ تركها صاحبها في سبيل الله))
أي إذا خطبت امرأةً ولم يكن في هذه المرأة الخير، وتركتها في سبيل الله، فالله سبحانه وتعالى أعظم من أن يشغلك بها، أو يعذب قلبك بحبها، هكذا دعاء الاستخارة. دعاء الاستخارة :
فعَنْ جَابِرٍ -رَضِي اللَّهم عَنْهم- قَالَ:
((كَانَ رسول الله -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُعَلِّمُنَا الاسْتِخَارَةَ فِي الأُمُورِ كُلِّهَا, كما يعلمنا السُّورَةِ مِنَ الْقُرْآنِ, يقول: إِذَا هَمَّ بِالأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ, وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ, وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ, فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ, وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ, وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ, اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي, أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي, وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي, أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ, فَاصْرِفْهُ عَنِّي وَاصْرِفْنِي عَنْهُ, وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ, ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ, وَيُسَمِّي حَاجَتَهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
نقطة دقيقة :
النقطة الدقيقة: أن الإنسان عندما يستخير ربه عزَّ وجل, ينتظر أن يرى معجزة، أن يرى في المنام أن افعل أو لا تفعل، لا هذا كله زيادات، ما ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام, أنت إذا استخرت الله عزَّ وجل انتهى الأمر، إذا تيسَّر هذا الأمر يكون الله قد يسره لك واختاره لك، وإذا عسَّره أمامك يكون الله عزَّ وجل قد صرفه عنك، أما أن تنتظر معجزات بعد الاستخارة, هذا كلام ليس من السنة في شيء، أنت استشرت أهل الخبرة من المؤمنين, ثم استخرت الله عزَّ وجل بصلاة ركعتين, وبهذا الدعاء الذي يقطر علماً:
إنك تعلم ولا أعلم.
من خلال هذه الواقعة ماذا يتبين لك؟ :
أحياناً: الإنسان يسافر يكون هلاكه في هذا الطريق.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/11.jpg
قال لي شخص, وهو طالب في الطب, حجمه صغير, مقيم ببلد بجانب حلب, قال لي: يوم الخميس توجهت لكي أركب في السيارة, جلست أول مقعد, جاء شخص ضخم الجثة فتح الباب, قال له: انزل، قلت له: لماذا أنزل؟ فمسكه وكأنه عصفور حمله ووضعه, جلس هو ورفيقه في الأمام، قال لي: نشأ في نفسي حقد إلى هذه الدرجة أنا مهان؟! لا يريد شيئاً، جلس ساعة ثانية إلى أن جاءت سيارة ثانية وركب فيها، قال لي: وصلنا بعد أربعين كيلو متر في الطريق إلى إدلب، وجدنا السيارة مقلوبة وراكبين ميتين منها, عندما مسكك ووضعك لا تعرف أنت لماذا أنزلوك؟ فإنك تعلم ولا أعلم وعلى هذا قس، قس عليها كل شيء, إنك تعلم ولا أعلم.
خطبت عشر فتيات هذه أنسب إنسانة، هذه أنسب واحدة إلى دينك، لو كانت أحسن من ذلك قد تنسى الله نهائياً، يعرف أنك ضعيف, بعث لك واحدة متوسطة, تستعين بها على أمر دينك، فهذا الذي اختاره الله لك، فأنت اجتهد، لكن بعد أن يقع الشيء، هذا اختيار الله لك، قبل أن يقع الشيء, لك أن تجتهد, ولك أن تسأل, لك أن تفعل كل شيء، أنت مخير، لكن بعد أن تستنفذ كل الجهود, ويكون النصيب على هذه الفتاة, فهذا هو الخير، فإنك تعلم ولا أعلم، اجعل هذه الكلمة في بالك، يا رب إنك تعلم ولا أعلم.
اختارك أن تكون موظفاً طوال حياتك، فلا تندب حظك طوال الحياة, وتقول: الدخل لا يكفيني، فإنك تعلم ولا أعلم، فيك علة ببعض الأعضاء ومريض طيلة عمرك ومعك آلام، فإنك تعلم ولا أعلم.
متى يرضى العبد بقضاء الله وقدره؟ :
أما الذي أعرفه أنا: حينما يكشف الغطاء يوم القيامة، وربنا سبحانه وتعالى يُطلع الإنسان على كلِّ شيء ساقه له في الدنيا، لا بدَّ من أن يذوب محبةً لله، والدليل: قول الله عزَّ وجل:
﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة يونس الآية: 10]
أي كل قضيتك مع الله منذ أن خُلقت حتى نهاية الحياة ملخصةٌ بكلمةٍ واحدة, وهي: الحمد لله رب العالمين؛ أي أن القصص التي يمكن أن تؤيد هذه الفكرة على أن الله يعلم وأنت لا تعلم، وكيف قد يكون الخير كامناً في الشر، هذه القصص لا حصر لها، لا تنتهي، أي إن هناك آلاف القصص، ملايين القصص، فإذا عرفت أن في الكون إلهاً عظيماً, وله حكمةٌ بالغة ، وله قدرةٌ قادرة، وهو العدل، وهو صاحب الفضل، السميع البصير، وأن الأمر كلّه بيده، وهذا قضاؤه وهذا قدره وهذا تقديره ترضى بذلك، من هنا ورد في الحديث الشريف:
((الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن))
التوحيد مريح :
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ, وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ, حَتَّى يَعْلَمَ: أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ, وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَه))
[أخرجه أحمد في مسنده]
﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة فاطر الآية: 2]
أي إن هذا الإله الذي تعبده يستحق العبادة، لأن أمرك كلُّه بيده، لو لم يكن أمرك بيده لما ركنت إليه، لما اطمأننت إلى عبادته، قد يخطر ببال العبد: يا رب سأعبدك ولكن سأعبد أيضاً من أمري بيده حتى أرضيه، يقول لك: لا، الأمر كلُّه بيدي، هؤلاء صور، هؤلاء دُمى:
﴿مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 55-56]
التوحيد مريح:
ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد.
أنت عبدٌ لله، ولك إلهٌ عظيم، أنت تحت رعايته وإشرافه، والأمر راجعٌ إليه، فحُط كل ثقلك عند بابه؛ أي فوض الأمر له. يسن في صلاة الاستخارة ما يلي :
يُسَن في هذه الصلاة: أن تقرأ في الركعة الأولى: قل يا أيها الكافرون، وفي الثانية: سورة الإخلاص.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/12.jpg
أعيد عليكم الدعاء مرة ثانية لأنه دقيق جداً:
((اللهم إني أستخيرك بعلمك, وأستقدرك بقدرتك.
-أي أنت أمام عشر قطع من الذهب, صاحب المحل يعرف هذه أربعة وعشرين قيراطاً، هذه ثمانية عشر قيراطاً، هذه ستة عشر، هذه نحاس مطلي، هذه نحاس، هذه تنك وكلّه أصفر، أنت لا تعرف، قال لك: انتقِ، أستاذ افرض لو طلعت تنك، تقول له: أنت انتق لي، لأنه هو الذي يعرف، لما أنت فوضته أن يختار لك, هو يعرف, أعطاك عيار أربعة وعشرين، قلت له: أنا أريد أن أنتقِ، فانتقيت التنك-.
إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ, وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ, وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ, فَإِنَّكَ تَقْدِرُ وَلا أَقْدِرُ, وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ, وَأَنْتَ عَلامُ الْغُيُوبِ, اللَّهُمَّ إِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي.
-الدين سليم والدخل قليل فأنت نجوت، الدين سليم وعندك مرضان أو ثلاثة أمراض ، فقد نجوت أيضاً، الدين سليم والزوجة سيئة فقد نجوت، الدين سليم والبيت صغير نجوت أيضاً، الدين سليم وهناك متاعب في العمل كبيرة فقد نجوت، الآن بيت واسع ودين رقيق لم تنجُ، الدخل كبير والدين رقيق لم تنجُ.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها مردُّنا، واجعل الحياة زاداً لنا من كل خير، واجعل الموت راحةً لنا من كل شر-. وَعَاقِبَةِ أَمْرِي, أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي.
-يا رب, إذا كان فيه خير لديني وسأزداد قرباً منك بهذا العمل، إذا هذه المرأة تزوجتها فسأزداد قرباً منك فاجعل أهلها يوافقون، وإذا كانت هذه بداية الفسق والفجور، ومن أجل إرضائها أخسر كل ديني, فيا رب لا أريدها فهذه شر، وهي لغم وليست زوجة-. فَاقْدُرْهُ لِي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا الأَمْرَ شَرٌّ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي, أَوْ قَالَ: فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنِّي
-ولكن أروع شيء في الدعاء هو: وَاصْرِفْنِي عَنْهُ, فلا أتذكره وأتألم ويحترق قلبي من أجله-.
وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِهِ.
نهاية المطاف :
-قال له: يا رب هل أنت راضٍ عني؟ وكان الإمام الشافعي ماشياً وراءه أثناء الطواف، فقال له: هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك؟ فقال له: يا سبحان الله! من أنت يرحمك الله؟ قال له: أنا فلان, قال له: كيف أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه؟ قال له: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4602/13.jpg
سيدنا إبراهيم مثل كبير جداً، قال له: اذبح ابنك، هل أنت تتحملها؟ حينما رضي بهذا الأمر، فداه الله بذبح عظيم، الله امتحنه ونجح بالامتحان.
أحياناً تجد أن أبواب الشر كلها مفتوحة، أبواب الدخل الحرام كلّها مفتوحة، أبواب الحلال مغلقة، ماذا تفعل؟ أنا مضطر وعندي أولاد، فقد سقطت في الامتحان، أما المؤمن يقول لك: والله أموت من جوعي ولا آكل درهماً حراماً، الآن سيكفيك الحلال بوفرة.
((ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه))
كل شيء بالحياة امتحان، أروع شيء أن الإنسان يُمتحن وينجح بالامتحان-. ويسمي حاجته))
هذا الحديث والدعاء رواه الإمام البخاري، والبخاري -كما تعلمون- أصح كتابٍ بعد كتاب الله، فكل حديثٍ ورد في البخاري أو في مسلم أو في الكتب الصحيحة الست فهو حديثٌ صحيح، وسوف نتابع هذا الموضوع في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.

السعيد 09-05-2018 01:00 PM

رد: الحقوق الاسلامية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الثانى العاشر )

الموضوع : حق النصيحة - 2






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من حقوق المسلم على المسلم النصح له :
أيها الأخوة الأكارم, لا زلنا في حقوق المسلم على المسلم، وقد ذكرت في الدرس الماضي: أن من أجلِّ هذه الحقوق النُصح له، إذا غش المسلم أخاه فليس مسلماً، ما الذي يقابل النصيحة؟ الغش أو الخيانة، والغاش ليس مسلماً، والخائن ليس مؤمناً، أما الدليل: النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/01.jpg
النبي نفى أن يكون منتمياً إلى هذا الدين، بل هناك حديثٌ آخر:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ مِنْ طَعَامٍ, فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا, فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلاً, فَقَالَ:
((يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ مَا هَذَا؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ حَتَّى يَرَاهُ النَّاسُ؟ ثُمَّ قَالَ: مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا))
لو غششت مجوسياً فأنت لست مسلماً، مجوسياً عابد صنم ملحداً، إنه مخلوقٌ من مخلوقات الله عزّ وجل:
الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.
فإذا غششت فلست مسلماً، وإذا خُنت فلست مؤمناً، والدليل:
عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ))
ما الذي يقابل الغُشَّ والخيانة؟ النصح، أن تكون نصوحاً، والنبي -عليه الصلاة والسلام- وصف المؤمنين فقال: ((المؤمنون نصحةٌ متوادون ولو ابتعدت منازلهم, والمنافقون غششةٌ متحاسدون ولو اقتربت منازلهم))
إذاً: أكبر حقٍ عليك، وأول حقٍ عليك، وأوجب حقٍ عليك تجاه أخيك المسلم: أن تنصح له. ما معنى النصيحة؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/02.jpg
ما معنى النصيحة؟ .
جرت عادة العلماء على أن يبدؤوا التعريف بالتعريف اللغوي، إذا قلت: نصحت، ما معنى نصح في اللغة؟
علماء اللغة قالوا: نصح الرجل ثوبه إذا خاطه.
كأن النصيحة التي أرادها النبي عليه الصلاة والسلام: إذا رأيت خللاً في ثوب أخيك, عليك أن تنصح هذا الخلل؛ أي أن ترفو هذا الخلل، أي أن تخيط هذا الخلل، أي أن تسدَّ هذه الثغرة، أي أن تخيط هذا الثوب، فالنصح بالمعنى اللغوي الخياطة، نصح الرجل ثوبه إذا خاطه، نصحت أخي المسلم؛ أي وجدت في ثوبه خرقاً أو ثُغْرَةً فأحكمت إغلاقها، وهذا معنى، المعنى الثاني: نصحت العسل إذا صفيته من الشمع، فهذا عسلٌ نصوح؛ أي مصفَّى.
الآن: ما علاقة النصح بهذا المعنى؟ إذا قدمت لأخيك النصيحة؛ أي قدمت كلاماً صحيحاً حقاً خالصاً دقيقاً، لا يوجد فيه شائبة وهذا حق.
يا أيها الأخوة الأكارم, الذي أراه أن الكلام انتهى دوره, لكثرة الكلام المُنمق، لكثرة الفصاحة، لكثرة البيان، الكلام انتهى دوره ولم يبق إلا العمل، لذلك مهما صافحت أخاك المسلم ، ومهما شددت على يده، ومهما كان لقاؤك له حاراً إذا غششته, أو إذا أخفيت عنه العيب, أو إذا أضللته, أو إذا حاولت أن تصرفه عن شيءٍ مهم, فأنت لست مسلماً, وليس هذا مجتمع المسلمين، ومثل هذا المجتمع لا يحق أن ينصره الله عزّ وجل، لذلك:
الدِّينَ النَّصِيحَةُ.

يجب على المسلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/03.jpg
يجب أن تنصح المسلمين من خلال عملك في الدرجة الأولى وقبل الحديث، كلٌ في عمله؛ الطبيب في عيادته، والمحامي في مكتبه، والتاجر في حانوته، والبائع في دكانه، والموظف وراء طاولته، هذا الذي أمامك إن كان مخلوقاً فهو مخلوقٌ لله عليك أن تنصح له، وإن كان مسلماً له عليك حقَّان؛ الحق الأول هو الأخوة في الإنسانية، والحق الثاني هو الأخوة في الدين، يجب أن تنصح له، والنصح الكلام المصفى كالعسل، والنصح الكلام الذي لا شائبة فيه، والنصح إحكام الخلل، إغلاق الثُغْرَة وهذا هو النصح، لذلك: هذا المعنى أساسه لغوي وانتقل إلى المعنى المجازي، والمؤمن ناصحٌ ونصوح، من صفات أهل الإيمان أنهم نصحةٌ متوادون، من صفات أهل النِفاق أنهم غششةٌ متحاسدون.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/04.jpg
الله سبحانه وتعالى يقول على لسان سيدنا نوح:

﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 62]
من الذي يجب عليه أن ينصح؟ هو الذي يعلم من الله ما لا يعلم الآخرون، كل من آتاه الله علماً, من أمانة العلم أن تنصح كل المسلمين.
والآية الثانية على لسان سيدنا هود:
﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾
[سورة الأعراف الآية: 68]
هل المسلم مكلف أن ينصح كل إنسان في كل مكان وفي كل وقت وزمان؟ :
1-النصيحة فرض كفاية :
لكن هناك سؤالٌ دقيق, وهذا السؤال: هل أنا عليّ أن أنصح كل إنسان، في كل مكان ، في كل وقتٍ وزمان، ليس هناك استثناء؟ .
قال العلماء: النصيحة فرض كفاية, إذا قام بها البعض سقطت عن الكل.
يعني إذا كنتم جماعة في نزهة, ورأيت إنساناً يعذِّب حيواناً، إذا تكلم أحد هؤلاء ناصحاً, سقط الوجوب عن بقية الحاضرين.
إذاً: النصح فرض كفاية, إذا قام به البعض سقط عن الكل.
هذا الحكم الأول.
2- مثل هذه الحالة أعفاك الشرع من أن تنصحه:
الحكم الثاني هو: إذا غلب على ظنك إذا تيقنت, أو غلب على ظنك أن هذا الإنسان لا يقبل النصيحة بل سيستهزئ بها لأنه ينكر أصل الدين، إذا قلت له: يا أخي قال الله تعالى، يقول لك: أو مصدقٌ أن هذا كلام الله؟ مثل هذا الإنسان لا عليك إن لم تنصحه، انطلاقاً من قوله تعالى:
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾
[سورة الأعلى الآية: 9]
انطلاقاً من حديث النبي -عليه الصلاة والسلام- أن لا تضع الحكمة في غير أهلها:
من منع الحكمة أهلها فقد ظلمهم، ومن وضعها في غير أهلها فقد ظلمهما.
إما أن تظلم الناس وإما أن تظلم الحكمة، يعني انطلاقاً من قوله تعالى:
﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾
[سورة الأعلى الآية: 9]
وانطلاقاً من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أي إنه من تكلم في الحكمة لغير أهلها فقد ظلمها, ومن منعها أهلها فقد ظلمهم.
أحكام تتعلق بالنصيحة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/05.jpg
أول حكم في النصيحة أنها فرض كفاية, إذا قام به البعض سقط عن الكل، يعني إنسان أخطأ وكنتم جماعة، فأوجهكم أوسطكم أعقلكم أعلمكم أذكاكم أفصحكم, قال له: يا أخي, بأسلوب لطيف ولبق، وبقية الأخوة الحاضرين ليس عليهم أن يتكلموا أكثر من ذلك، وإلا تصبح هذه النصيحة فضيحة، والنصيحة شيء والفضيحة شيءٌ آخر.
الحكم الثاني: أنك إذا غلب على ظنك أن هذا الإنسان بعيدٌ عن الدين بعد الأرض عن السماء، وأنه لا يستجيب، وأنه سيستهزئ، وأنه سيكيل للدين الشتائم، وأنه بعيدٌ عن الله كالحجر الصلب، في مثل هذه الحالة أعفاك الشرع من أن تنصح له.
يعني أحياناً الإنسان يلتقي بسيارة عامة بالطريق بإنسان يسب الدين, يتكلم كلام بذيء بحق الحضرة الإلهية، فإذا نصحته ربما زدته هيجاناً، ربما زدته تفلتاً، ربما حملته على أن يقول كلمة الكفر، مثل هذا من الحكمة أن تبتعد عنه.
3- مثل هذه الحالة أعفاك الشرع من النصيحة أيضاً :
يوجد عندنا حكم ثالث: هناك حالاتٌ إذا نصحت فيها, تخشى أن يلحق بك ضررٌ كبير، كأن يُتلف مالك كله، أن تضيع حريتك، أن تفقد أحد أعضائك، أيضاً في مثل هذه الحالة الشرع الحنيف أعفاك من النصيحة، إذا خفت على نفسك الضرر الكبير، وإذا كان هذا المنصوح بعيداً عن الدين بعد الأرض عن السماء، وإذا قام بهذه النصيحة أحدٌ آخر، سقطت في هذه الحالات الثلاثة.
علام يحض هذا الحديث؟ :
الآن: الحديث النبوي الشريف الذي بين أيدينا، عن ابن رقية تميم الداري، من هو تميم الداري؟ هذا الذي اشترى القناديل والحبال والزيت من الشام, وأخذها إلى المدينة المنورة، وكان وصوله للمدينة يوم الجمعة أو عصر الجمعة، أمر غلاماً له فعلق الحبال وعلق عليها القناديل وملأها بالزيت، وحينما غابت الشمس أمر غلامه أن يُسرج هذه القناديل، ودخل النبي -عليه الصلاة والسلام-, فإذا مسجده النبوي مُزهر متألق بالأضواء، فقال عليه الصلاة والسلام: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/06.jpg

((من فعل هذا؟ قالوا: يا رسول الله تميم الداري، فقال عليه الصلاة والسلام والبسمة على شفتيه, وقد شعر أصحابه أنه رضي تمام الرضى, فقال عليه الصلاة والسلام: نورت الإسلام، نور الله قلبك يا تميم، لو أن لي بنتاً لزوجتكها.
-لذلك هذا الحديث وحده يكفي لدفع الأخوة الأكارم إلى أن يعتنوا بمسجدهم، هذا بيت الله، هذا الذي يُسهم في إنارته، وهذا الذي يُسهم في نقل الصوت، وهذا الذي يُسهم في تنظيفه ، وهذا الذي يُسهم في حراسته، وهذا الذي يُسهم في خدمة الأخوة الكرام رواد هذا المسجد، هذا عمل عظيم، ألا يكفينا شرفاً أن سيدنا إبراهيم -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام-:

﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾
[الآية: 125سورة البقرة]
أُمر بتطهير البيت؟ لذلك إذا كان هناك من يُغبط, فهذا الأخُ الكريم الذي يعمل في خدمة مسجد لله عزّ وجل، بيت الله، خدمة بيت الله، من الذي سيجازيك؟ الله سبحانه وتعالى-.
هذا تميم الداري الذي قال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: نورت الإسلام, نور الله قلبك يا تميم، لو أن ليّ بنتاً لزوجتكها، فقال أحد أصحاب النبي: يا رسول الله, عندي بنت اسمها فلانة, فافعل بها ما تشاء، فزوجه إياها))
يعني هذا الصحابي استغل المناسبة وزوج ابنته، هذا تميم الداري كنيته أبو رُقية. هذا التعريف الجامع المانع للدين :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/07.jpg
فعَنْ أبي رُقية تَمِيمٍ الدَّارِيِّ -رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ -التعريف الجامع المانع-:

((الدِّينُ النَّصِيحَةُ, قُلْنَا: لِمَنْ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ))
المسلم ينصح وغير المسلم يغش، يعني إذا دلك على شيء يغمزه, يقول له: ارفع السعر لأن حالته المادية جيدة، يعمل إشارات حتى يأخذ من ورائك مبلغاً من المال، من صفة أهل النفاق الغش، أما المؤمن نصوح, إذا استشرته يشير عليك ما هو صانعٌ لنفسه، لا يمكن إذا غش المسلم أو إذا لم ينصح فقد خسر إسلامه، وقد خسر دينه:
الدِّينَ النَّصِيحَةُ.
هذا التعريف الجامع المانع للدين، هذا هو الدين. أنواع العبادات :
وقد تكلمت كلمة اليوم, قلت: إن العبادات نوعان؛ عباداتٌ شعائرية مثل: الصلاة وهي عبادة شعائرية, تقف وتقرأ الفاتحة وسورة وتركع وتسجد، الصيام تدع الطعام والشراب، الحج تذهب إلى الديار المقدسة، تخلع الثياب وترتدي ثوبين أبيضين غير مخيطين، تطوف حول الكعبة، تُقَبِّل الحجر، تسعى بين الصفا والمروة، تصعد إلى عرفات، هذه عبادة شعائرية، ويوجد عبادات تعاملية، وهي: الصدق, الأمانة, الإخلاص, عدم الكذب, عدم الغيبة, وعدم النميمة، غض البصر, وعدم سماع الغناء، ضبط اللسان, وضبط اليد، ضبط الأعضاء، هذه العبادة الشعائرية تشبه ساعات الامتحان، وهذه العبادة التعاملية تشبه العام الدراسي بأكمله، فساعات الامتحان: لو أن طالباً لم يقرأ كلمةً أثناء العام الدراسي، إلا أنه أخذ أول قلم وثاني قلم وثالث قلم احتياطاً، وارتدى أجمل الثياب، وتعطر، وحمل شطيرةً ليأكلها إذا جاع، ووضع في جيبه بعض المال، وركب سيارةً فخمة إلى الامتحان، لكنه نسي شيئاً واحداً، نسي أن يدرس فقط, أما كل شيء هيأه سوى الدراسة؛ الأقلام مهيأة, ولباسه جيد, والعطر متعطر، كل هذه العناية بهذه الساعات الثلاث لا قيمة لها، إذا لم يسبق هذه الساعات الثلاث عملٌ دؤوب طوال العام الدراسي، فالعبادات الشعائرية إن لم يمهَّد لها بالعبادات التعاملية لا قيمة لها إطلاقاً.
هذه دعائم الإسلام وليست هي الإسلام :
من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
((بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ؛ شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ, وَإِقَامِ الصَّلاةِ, وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ, وَالْحَجِّ, وَصَوْمِ رَمَضَانَ))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/08.jpg
هذه دعائم الإسلام وليست هي الإسلام؛ الإسلام صدق، الإسلام أمانة، الإسلام إخلاص، الإسلام نصيحة، الإسلام ورع، الإسلام محبة لله عزّ وجل، الإسلام بذل المال والوقت والخبرة والجاه في سبيل الله عزّ وجل، هذا هو الإسلام، إذا فعلت هذا, جاء الامتحان, وقفت في الصلاة فانهمرت دموعك، وقفت في الصلاة فاتصل قلبك بالله، وقفت في الصلاة فشعرت بالشوق إلى الله، الامتحان أنت متهيئ له، طول العام الدراسي تعد لهذه الساعات الثلاث، لذلك انتبهوا إلى تعاريف الدين، فالصلاة وكما قال بعض العلماء هو كلام صحيح لكنه في الظاهر: أقوالٌ وأفعال؛ تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم، الصلاة صلة, والدليل:
﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾
[سورة طه الآية: 14]
﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾
[سورة العلق الاية: 19]
﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 45]
لو يعلم المصلي من يناجيه ما انفتل.
الصلاة معراج المؤمن.
الصلاة نور.
الصلاة طهور.
الصلاة حبور. ما الذي جعل الناس وراء الأمم؟ :
فلذلك: هذه العبادات الشعائرية، إن الذي جعل الناس وراء الأُمم: أنهم فهموا الدين عباداتٍ شعائرية فقط، ونسوا أن الدين معاملة:
الدين المعاملة.
الدين النصيحة.
رأس الدين الورع.
رأس الحكمة مخافة الله.
هذه التعاريف الخطيرة أربعة تعاريف: رأس الدين الورع.
رأس الحكمة مخافة الله.
الدين النصيحة.
الدين المعاملة.
من هنا قال أحدهم وأظنه التستُري، عبد الله التستُري قال:
والله لترك دانقٍ من حرام, خيرٌ من ثمانين حجةً بعد الإسلام.
وقال عليه الصلاة والسلام: ((لأن أمشي مع أخٍ في حاجته خيرٌ لي من صيام شهرٍ واعتكافي في مسجدي هذا))
كلمة صريحة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/09.jpg
فأنا أقول لكم كلمة صريحة: الإسلام لن ينتشر إلا إذا وجُد مجتمعٌ مسلم، الكلام لا قيمة له، على مستوى مسجد إذا كان هذا المسجد يطبِّق الإسلام، الأخ ورع، صادق في تعامله ، مخلص في صنعته، عفيفٌ في نظراته، ورعٌ في كسبه للمال، دقيقٌ في إنفاق المال، سرُّه كعلانيته، ظاهره كباطنه، راهبٌ في الليل فارسٌ في النهار، يعمل، يأكل من كد يده، يده عُليا وخشنة من عمله، يخدم المسلمين، عضوٌ نافعٌ في المجتمع، إذا كان المسلم هكذا اتسعت دائرة الإسلام, ودخل الناس في دين الله أفواجاً, وإذا فهمنا الإسلام عبادةً شعائرية؛ قيامٌ, وركوعٌ, وسجود, وصيامٌ, وحج، وزينات, وألقاب فخمة, وبروتوكولات, وطقوس، وألبسة خاصة بالمسلمين، وعطر خاص لهم، وحفلات خاصة، وطرب، والحلوى وما شاكل ذلك، إذا فهمنا الدين بشكلٍ شعائري بشكل طقوس انتهى الدين، الدين أكبر ثورة اجتماعية في الأرض، حينما يظهر الدين في مجتمع يصبح مجتمعاً آخر، يوجد فيه كل علاقاته، لذلك حينما فهمنا الإسلام صلاةً وصياماً، قال سيدنا عمر:
من شاء صام ومن شاء صلى ولكنها الاستقامة.
كيف يكون النصح لله؟:
1- أن تؤمن به، وأن تدعو الناس للإيمان به :
الدِّينُ النَّصِيحَةُ, قُلْنَا:
((لِمَنْ يا رسول الله؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِم))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما]
اجعل هذا الكلام في بالك، سأحاول فيما تبقى من وقتِ الحديث أن أشرح هذه النقاط الأربعة:
أولاً النصح؛ أي أن تنصح نفسك أو أن تنصح غيرك, الجواب: الحديث يحتمل كِلا المعنيين، أن تنصح نفسك أولاً، وأن تنصح غيرك ثانياً، كيف النصح لله؟ أي أن تؤمن به، أن تؤمن به أنت، وأن تدعو الناس للإيمان به، من خلال شرح آياته، وشرح نعمائه، وشرح بلائه، ونفي الشرك عنه، أن تقنع نفسك بالتوحيد، وأن تبعدها عن الشرك الجلي والخفي، وأن تنبِّه الناس إلى ما قد ينزلقون فيه من شركٍ خفيٍ أو جلي، عدم الإلحاد بأسمائه وصفاته، إذا نفيت علمه فقد ألحدت بأسمائه؛ إذا نفيت حكمته، إذا نفيت رحمته، إذا نفيت تقديره، إذا نفيت عزَّته، إذا نفيت أن دينه لا يصلح، أنت تلحد باسمه، تلحد بهذا الدين القويم، النصح لله: أن تنصح نفسك، أن تعرفها بالله عزَّ وجل، وأن تعرف غيرك.
2-أن تنفي عنه جميع النقائص :
شيءٌ آخر: أن تنفي عنه جميع النقائص.
هذا الشيء الذي تترفع أنت عنه، إياك أن تصف الله به، بشكل أن الله عزَّ وجل خلق الإنسان منذ الأزل وقدَّر عليه أن يكون شقياً، فيأتي إلى الدنيا ماذا يفعل الإنسان؟ فيقول: كاسات معدودة بأماكن محدودة، فيشرب الخمر، لأن الله قدر عليه هذا الشرب, ولم يهتد، لأن الله قدر عليه الضلال، فإذا جاء الموت كان في جهنم إلى الأبد، أتفعل أنت هذا مع تلميذٍ لك، مع صانعٍ عندك، مع مأمورٍ عندك؛ تقدِّر عليه الشر وتجبره عليه وتعاقبه عليه؟ يجب أن تنفي عنه ما لا يليق به، وهذا معنى قولنا سبحانه وتعالى: سبحان الله، هذا التسبيح هو التنزيه والتمجيد، أن تطيعه وأن تدعو الناس لطاعته، هذا هو النصح له، وأن تجتنب معصيته وتحذِّر الناس من معصيته، وأن تحبَّ فيه وأن تبغض فيه، أن تبني كل علاقاتك على أساس محبة الله عزّ وجل، فالذي يحبه الله أنت تحبه، والذي لا يحبه فلا تحبه، قد يكون هنا علاقات عمل لا يوجد مانع، علاقات العمل لا علاقة لها بالمحبة والكراهية، أما أن تقيم مع إنسان علاقةً حميمة، أن تسهر معه إلى أنصاف الليالي، أن تستمتع بحديثه وهو مُلحد، وهو عاصٍ, وهو شارب خمر، من أنت؟ أنت مثله، إذاً أن تبتعد عن معصيته, وأن تقبل على طاعته، وأن تحب فيه, وأن تبغض فيه، وأن توالي من يواليه, وأن تعادي من يعاديه، وأن تجاهد في سبيله، تجاهد نفسك وهواك، وأن تعترف بنعمه وأن تشكره عليها، وأن تخلص له في جميع الأمور، هذا معنى النصح لله، أولاً أنت عليك أن تعرفه، عليك أن تعبده، عليك أن تطيعه، وعليك أن تحبه، عليك ألا تشرك به، عليك أن توحِّده، عليك أن تنزِّهه، وأن تسبِّحه، عليك أن تدعو الناس إليه، هذا هو النصح لله.
يعني أحياناً الإنسان يلتقي بشخص في سفر, هذا أخ لك في الإنسانية, انصحه وحدثه عن الله عزّ وجل، أي حديث آخر سخيفٌ وتافه، يعني ماذا تفعل؟ أي حديثٌ آخر سماه العلماء اللغو:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 3]
هذا النصح لكتاب الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/10.jpg
أما النصح لكتاب الله؛ أن تؤمن بأن هذا كلام الله، وأن تدعو الناس للإيمان به، وأن تؤكِّد لنفسك ولغيرك أن هذا الكلام ليس ككلام البشر، كلامٌ آخر كلامٌ معجز، وأن تعظِّم القرآن ، وأن تتلوه آناء الليل وأطراف النهار، أن تتلوه حق تلاوته, بدءاً من التجويد وانتهاءً من التفسير، وأن تخشع عند قراءته، وأن تصدِّق ما جاء فيه، وأن تعتني بمواعظه، وأن تتفكر في عجائبه، وأن تعمل بمحكمه، وأن تسلم بمتشابهه، وأن تبحث عن عمومه وخصوصه، وأن تنشر علومه في الناس، هذا النصح لكتابه، كتاب الله؛ هذا منهجك، هذا دستورك، هذا الذي نعيش من أجله.

http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/11.jpg
هذه تعليمات الصانع، وأنت آلةٌ معقدة، لا يوجد إنسان عنده آلة غالية، فأنا أعدُّ هذا شيئاً عاماً، لا يوجد إنسان عنده آلة غالية، غالية الثمن، عظيمة الخطر، معقَّدة التركيب، إلا وهو حريصٌ عليها حرصاً لا حدود له، من حرصه على هذه الآلة يسعى لتنفيذ تعليمات الصانع تنفيذاً حرفياً, وقد يكون أحياناً شكلياً، وقد يكون أحياناً مُضنياً، آلة ثمنها ثلاثمائة وخمسون ألف, والله لا يوجد منها هكذا يقول لك، وقف لا تشغلها حتى تبرد، إن أخذ مكيفاً يقول: إياك أن تطفئه اتركه يعمل حسب التعليمات، لماذا أنت حريصٌ كل هذا الحرص على هذا المكيف، ولست حريصاً على هذه النفس التي ملكك الله إياها؟ لماذا لم تحرص على هذه النفس التي قال الله عنها: قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها؟.

لو أن أحداً عينه مريضة لا ينام الليل، أولاً يطلب موعداً, يقول له الطبيب: بعد شهرين فيقبل، قبل أن يلتقي بالطبيب, يقول لك: ثلاثمائة ليرة، مائة وخمسون, قبل أي لقاء وبكل بساطة يدفع، لأن العين -كما يقول عامة الناس-: غاليةٌ على صاحبها، فإذا كانت نفسك بهذا الغلاء فعليك أن تعتني بها، من هنا قال الله عزّ وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾
[سورة المائدة الآية: 105]
أي اعتنوا بأنفسكم، عليك به؛ أي اعتنِ به. ما معنى النصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ :
ومعنى النصح لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أيضاً أن تصدقه على أنه رسول الله, وعلى أنه نبي الله، وأن تبين للناس حرص هذا النبي، ورحمة هذا النبي، تبين للناس صواب أقوال هذا النبي، حكمة سنته، وأن تنصره حياً وميتاً، حياً معروفة، أما ميتاً: بالدفاع عنه.
إذا وقف إنسان في مجتمع في احتفال، وانتقص من النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأنت تستطيع أن ترد عليه، تبقى ساكتاً؟! هذا من النصح لرسول الله، أن تنتصر له، أن ترد الشبهات التي يتقولها الناس عنه, وأن تعادي من يعاديه، وأن توالي من يواليه، وأن تعظِّم حقه ، وأن توقره، وأن تحيي طريقته وسنته، وأن تبُث دعوته، وأن تنشر سنته، وأن تستفيد من علومه، وأن تفقه معانيها، وأن تدعو إليها، وأن تتلطف في تعليمها للناس، يعني إذا علمت الناس السنة قمت بعملٍ عظيم، لأن السنة تبيينٌ للقرآن الكريم، والقرآن منهج الإنسان، لا يوجد عمل أجل في الحياة بعد تعليم القرآن من تعليم السنة، والسنة والقرآن مصدران أولان كبيران من مصادر التشريع الإسلامي, والتأدُّب عند قراءة السنة:
هناك من يفتح كتاب السنة وهو متوضئ من باب التأدب، هناك مجموعة آداب أُثرت عن السلف الصالح عند قراءة كتب السنة، والتخلق بأخلاق النبي، والتأدب بآدابه، ومحبة آله وأصحابه، وبغض أهل البدع في السنة، وبغض من يتعرَّض لأصحاب رسول الله.
قال له:
((يا سلمان, لا تبغضني فتفارق دينك, فقال سلمان: كيف أبغضك وبك هدانا الله؟ قال: يا سلمان تبغض العرب فتبغضني))
فهذا الذي يغمز من قناة الأمة العربية، يحاول في كل مجلس أن يطعن في هذه الأمة ؛ متخلفة، كذا وكذا، هذه أمتك، وهذه أمة نبيك، وإذا تعثَّرت في آخر الزمان, أنت أن تحطمها؟!!. هذه معنى النصيحة لأئمة المسلمين :
بقي معنى النصيحة لأئمة المسلمين، قال: بمعاونتهم على الحق.
فأنت إذا كنت موظفاً في دائرة، يوجد شخص أعلى منك, مشى في اتجاه أن يصدر قرار، فيه إبعادٌ للناس عن الحق، ولك مكانةٌ عنده، ويستمع إليك ويأخذ بآرائك، أنت إذا نصحته ووجهته، وبينت له الحق, وقلت له: هذا الشيء لا يجوز ولا ينبغي أن يكون في هذا المجتمع المسلم، فإذا أخذ برأيك فقد أعنته، وهذا نصح ولاة الأمور، هذا الوالي إنسان، أولي الأمر من بني البشر، فإذا أنت نصحتهم وبينت لهم فلك أجرٌ كبير، إذاً أن تعينهم على الحق، وأن تنبِّههم, وأن تذكرهم برفقٍ ولطف.
فالله عزَّ وجل علمنا حين قال لسيدنا موسى وأخيه هارون:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾
[سورة طه الآية: 44]
فرعون قال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾
[سورة النازعات الآية: 24]
ومع ذلك: ربنا عزَّ وجل قال لسيدنا موسى وهو نبيٌ عظيم: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً﴾
[سورة طه الآية: 44]
وإعلامهم بما غفلوا عنه، وتأليف قلوب المسلمين لطاعتهم، وألا تثني عليهم ثناءً كاذباً، هذا كلُّه من النصح لولاة الأمور.
هكذا يرى بعض العلماء :
لكن بعض العلماء يرون أن ولاة الأمور تعني شيئاً آخر، وهم أئمة الدين، وعلماء الدين، يعني هذا العالم ليس معصوماً، فإذا زلت قدمه، أو إذا أخطأ كن له نصوحاً ولا تكن له فضوحاً.
النبي -عليه الصلاة والسلام- معصوم لا شك في ذلك، وليس أحدٌ بعده معصوماً، الولي محفوظ، ما الفرق بين المعصوم والمحفوظ؟ المعصوم الذي عصمه الله عزَّ وجل عن أن يغلط, لأن النبي إذا غلط, وقد أمرنا الله عزَّ وجل أن نتبع سنته, فكأن الله أمرنا بالمعصية، مستحيل، لا يمكن إلا أن يكون النبي معصوماً في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، وفي حركاته، وفي سكناته، وفي رضاه، في غضبه، في كل أحواله, معصوم لأنه مشرِّع، معصوم لأن الله قد أمرنا أن نأخذ منه، وأن نتبع أمره, وأن ننتهي عما عنه نهى، فمن باب أولى أن يكون النبي -عليه الصلاة والسلام- معصوماً، والعصمة صفةٌ لازمةٌ للأنبياء، انتهى الأمر، لكن ما جاءنا عن صاحب هذه القبة الخضراء فعلى العين والرأس، وما جاءنا عن من سواه فهم رجال ونحن رجال، أكبر عالم قد تزِل قدمه، قد يخطأ لأن الخطأ صفةٌ من صفات بني البشر، لكن الولي محفوظ، معنى محفوظ: أنه لا تضره معصية، بمعنى: أنه إذا زلت قدمه سريعاً ما يعالجه الله سبحانه وتعالى، المؤمن حساس فهيم فطن، يعرف أن هذا العقاب أو أن هذه المعالجة بهذه الزلة فيتوب رأساً، وما دام قد تاب انتهى الأمر, إذاً هو محفوظ، إذاً العصمة لرسول الله، الله عزَّ وجل عاصم، والنبي معصوم.
أن تقول: العصمة لله خطأ، الله عزَّ وجل هو العاصم، والنبي معصوم، والولي محفوظ، فإذا الإنسان زلت قدمه، سبقه لسانه، تكلم كلمة الأولى ألا يتكلمها، وأنت أخ كريم فبينك وبينه نصحته، يجب أن يقول لك: جزاك الله عني كلَّ خير، هذه صفات العلماء، يجب أن يستمع إلى النصيحة، ولو من أصغر أخوانه، جزاك الله عني كلَّ خير, أنا لست معصوماً، انتهى الأمر، انتهت المناقشة كلّها، لذلك: النبي معصوم, والولي محفوظ, والنصيحة واجبة.
قاعدة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/12.jpg
يوجد عندنا قاعدة: ما من أحدٍ أكبر من أن يُنْقَد وما من أحدٍ أصغر من أن يَنْقُد.
أحياناً طفل ينتقدك، هو على حق وأنت على غير الحق، عوِّد نفسك أن تستمع إلى النصيحة تتلقاها بصدر رحب، عود نفسك أن تكون متواضعاً، عود نفسك أن لا تدعي أنك أفهم الناس، أنت واحد من الناس، هكذا قال سيدنا الصديق، مع شهادة النبي الكريم له, حين قال:
لو وزن إيمان الخلق بإيمان أبي بكر لرجح.
ماذا قال أبو بكر في خطبته الأولى؟ قال: أيها الناس, لقد وليت عليكم ولست بخيركم .
لا يوجد إنسان معصوم إلا النبي، ما دمت لست نبياً فأنت لست معصوماً.
إليكم توضيح هذا الكلام :
قد يسبقك اللسان، لكن أحب أن أبين لكم: الأخطاء الكبيرة والأخطاء التي يسبقها إصرار وتصميم, هذه يجب أن يترفع عنها كل من دعا إلى الله، أحياناً يسبقه اللسان، أحياناً تزل قدمه قليلاً، فأنت كأخ يجب أن تنصحه، ويجب أن تكون في نصحه لطيفاً؛ أي بينك وبينه ، ويجب أن يستمع إليك، ويصغي إليك، يجب أن يشكرك، يجب أن تتخذ هذا القول شعاراً لك :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/13.jpg
أحب ما أهدى إلي أصحابي عيوبي.
أحب هدية، لو أن إنساناً قدم لك ساعة ذهبية, أو ساعة من أغلى أنواع الساعات, ثمنها عشرات الألوف، بل مئات الألوف، وإنسان آخر نصحك نصيحة في دينك، قال لك: يا أخي هذا العمل لا يليق بك، هذا مخالفٌ للسنة، لو عرفت قدر هذه النصيحة لسارعت إلى تقبيل يديه، تقول له: شكراً لك على هذه النصيحة، هكذا مجتمع المؤمنين، فيه تناصح، نصحةٌ متوادون، لذلك إذا نُصحت فأصغ لهذه النصيحة، وتواضع للذي ينصحك، وتأدب معه، واشكره على نصيحته، وإذا رأيت أخاً كريماً لك قد زلت قدمه أو سبقه لسانه فأسدِ له النصح، ومن صفات المؤمنين التناصح، وكلُّ واحدٍ يؤخذ منه ويُردُّ عليه إلا صاحب هذه القبة الخضراء.
إذاً: النصح أيضاً على علماء الدين، ومن نصحهم: قبول ما روه وتقليدهم في الأحكام وإحسان الظن بهم.
قصة :
تروى قصة عن رجل جالس مع أخوانه, فمر قطيع من الغنم, فقال لأحدهم: قم فخذ غنمة واذبحها لنا، قال: أعوذ بالله أنا لا أفعل هذا، هو أساء الظن به.
هذه قصة تروى من باب أن الإنسان من الأولى أن يحسن الظن بأخيه المؤمن، أحياناً الإنسان يرى أن إنساناً وضع يده بجيب إنسان، لعل هذا الرداء رداؤه، أو لعله رداء ابنه، أنت دائماً كمؤمن حاول أن تحسن الظن، هذا الموقف سليم، أما إساءة الظن تحتاج إلى دليل قطعي، ما دام لا يوجد دليل قطعي الأولى أن تحسن الظن.
نقطة مهمة :
مرة أنا كنت عند أخ أعطاني منشفة يوجد عليها اسم فندق، أنا اضطربت هذه المنشفة خاصة بالفندق الفلاني، فكيف وصلت إلى هذا البيت؟ تألمت وما تكلمت، بعد أشهر الله عزَّ وجل سخر لي أخاً كريماً, أنبأني أن هذا الفندق يعطي هذه المناشف كل سنة لموظفيه، يقدمها هديةً له، الأمر توضح، لا تسئ به الظن.
المؤمن يجب أن يغلب حسن الظن :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/14.jpg
أخ حدثني ذات مرة, فقال لي: عندي صانع من الدرجة الأولى -القصة قديمة من أربعين أو خمسين سنة- فطلب من بائع الزبدة أن يبعث مع صانعه مائة باكيت، أتى الصانع بها، عدّها صاحب المحل فوجدها ناقصة واحداً، اقترب من معطف هذا الصانع فوجد في الجيب علبة، هذا ليس دليلاً قطعياً، كاد أن يطرده، كاد أن يهينه، تريث, ضبط أعصابه، بعد يومين وهو يحاسب المعمل, قال له: والله بعثنا لك مائة باكيت أخذ الصانع واحداً ودفع لنا ثمنه، نريد منك ثمن تسعة وتسعين.
-الإنسان لا يتسرع, فهذه القصة بليغة أيضاً، هو عنده دليل قطعي, طلب منه مائة بعث له مائة ووجدهم تسعة وتسعين وفي الجيبة يوجد واحد، معنى ذلك: أن الصانع أخذه-.
فلما ذهب ليحاسب المعمل، قال له: والله بعثنا مائة، اشترى صانعك واحد ولنا معك تسعة وتسعين، الواحد لازم هذه النقطة ينتبه لها، فالمؤمن يجب أن يغلِّب حسن الظن.
كيف تكون النصيحة لعامة المسلمين؟ :
قال: أما النصيحة لعامة المسلمين؛ نصيحتهم بإرشادهم إلى معرفة ربهم، بمصالحهم في دنياهم وآخرتهم، إعانتهم على أمر دنياهم بالقول والفعل، ستر عوراتهم، سدُّ خُللهم، دفع المضار عنهم، جلب المنافع إليهم، أمرهم بالمعروف، نهيهم عن المنكر برفق.
تطبيق عملي للنصيحة :
مرة قال لي شخص: البراد إذا كان وضع بشكل أُفقي, ثم وضع بشك عمودي وشغلنا, فإن المحرك يحترق على الفور، لأن الزيت يكون قد أخذ مكاناً آخر، وبعدها كنت ماشياً في الحريقة, فرأيت رجلاً قد اشترى براداً من المؤسسة الاستهلاكية, ويريد أن يضعه على السيارة بشكل أُفقي، توقعت أنه لا يعرف، فانتقلت من رصيف إلى رصيف, فقلت له: هذا عندما تشغله انتظر عليه ثماني ساعات، قال لي: والله لم يقل لي أحد والله يجزيك الخير، لعله من أجل شرائه له دفع مبلغاً أساسياً بحياته، وضعه في البيت فشغله فاحترق المحرك، ثمنه ألفان أو ثلاثة آلاف ليرة أو أكثر، نصيحة هذه.
من هو المؤمن؟ :
واحد في الطريق انصحه، النصح لكل مسلم، في أمر دينه وفي أمر دنياه، تجد الصيدلي كتب الدواء, وقال له: كم ملعقة قبل وبعد الطعام؟ يكتب قبل الطعام أو بخط لا يفهم، اكتب بخط واضح, كم ملعقة قبل الطعام بعد الطعام؟ هذا مسلم هذا؟ الطبيب كذلك يبين قبل الأكل بعد الأكل، فينقص كلمة فلم يفهم المريض شيئاً، ودفعة ثانية استشارة، النصح لكل مسلم ؛ طبيب، محام, صيدلي، موظف في دائرتك, ومواطن معه معاملة, فقل له: هذه لعند فلان وفلان وفلان، أما أن يصرفه فقط فهذا غير مؤمن، إذا كنت مؤمناً تذهب معه، هكذا المؤمن، النصح لكل مسلم.
هذه البيعة :
إذاً: هؤلاء كلهم عباد الله عزّ وجل, لا تفرق, فكلهم عباد الله، إذا كنت مسلماً صحيحاً, يجب أن يكون وقتك كله في خدمة الخلق، من أجل أن يحبك الحق:
عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ, قَالَ:
((بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ, وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ, وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
هذه البيعة، أنت مسلم ما دمت تنصح الخلق، فإذا غششتهم فلست مسلماً؛ ولو صليت وصمت وزعمت أنك مسلم، هذا أكبر حقٍ وأول حقٍ وأخطر حقٍ للمسلم على المسلم، فإذا فتحت دكاناً فانوِ بهذا المحل خدمة المسلمين، إذا اشتغلت أي مصلحة.
هذا الحديث لأصحاب المصالح وأصحاب المهن :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/15.jpg
فاليوم حدثني أخ, إذا لم تضغط هذه البواري مواسير تمديدات المياه, قد يكون ثقب صغير يسبب لصاحب هذا البيت مشكلة كبيرة، فيضطر أن يكسر البلاط كله، ويكسر السيراميك, ويدفع عشرات الألوف من أجل ألا تفحص هذا الكوع، فأصحاب المصالح، وأصحاب المهن، هذا الحديث لكم جميعاً، إذا كنت مسلماً فانصح في عملك، يقول لك: "يا أخي الغش هو الماشي، لا هذا كلام الجهلة، لا الحق هو الماشي، قل له: السعر الفلاني وهذه ميزاته الخشب الفلاني، والنوع الفلاني، يركب لوح بللور على مسمارين فقط، يخبطوه خبطة يقع البللور، وثمنه خمسمائة ليرة، من أجل السرعة فقط، يريد الخمسة خمسة، والعشرة عشرة، أصحاب المهن، أصحاب المصالح، الموظفون، الأطباء، الصيادلة، المحامون، المسلمون جميعاً، لا يوجد إنسان ليس له عمل، انصح له، باعه طقم كنباة أول جلسة نزل، يا أخي نزل، قال له: جلست عليه، ما هذا الطقم الكنباة؟ تأخذ طاولة أول يوم, ثاني يوم تقبع الفورميكا، الحذاء عياره جمعة، ويقول لك: هل لبسها ابنك؟ يعني لا يلبسه، النصح لكل مسلم، بهذا الغش انعدمت البركة، تربح كثيراً وتذهب مصادرات كثيراً، بالمائة ألف بالمائتين ألف مصادرة، هذا كله لأنه مال حرام.

أمر خطير :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4615/16.jpg
هذا أيضاً في الغذائيات, يوجد شيء خطر جداً، لأنها كلها أصباغ صناعية، أصباغ بلاط يضعونها في السكاكر، إذا لا يوجد خوف من الله هذا شيء يخوف، مواد كلها انتهى مفعولها فرضاً، يضعون مع الزعتر أحياناً نشارة خشب، كل هذا وارد، إذاً فقد الدين من المجتمع، أصبح الأمر مخفياً، وتصبح تخاف من كل شيء, هذه الأشياء الأجنبية المستوردة، يضعون فيها مواد مخففة من الكوكائين، من أجل الإدمان، تجد الطفل يريد هذا الشراب فقط أو هذه الأكلة باستمرار، يوجد مواد مخففة جداً، تجد الطفل إذا أكلها مرة أو مرتين يحبها دائماً، يبيع حاجاته ويشتريها، إذا كان فقدت الدين فقدت كل شيء, لذلك:
يا موسى خفني وخف نفسك وخف من لا يخافُني.
إذا الإنسان لا يخاف من الله فخف أنت منه:
((بَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى إِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
نهاية المطاف :
الكلمة الأخيرة في هذا الموضوع: من استبد برأيه هلك، ومن استشار الرجال استعار عقولهم.
وقد روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:
((رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس، وما استغنى مستبدٌ برأيه، وما هلك أحدٌ عن مشورة.
-إياك أن تستبد برأيك، اسأل أخوانك المؤمنين، اسأل أولي الخبرة من المؤمنين الصادقين.
حديث خطير-:
رأس العقل بعد الإيمان بالله التودد إلى الناس، وما استغنى مستبدٌ برأيه، وما هلك أحدٌ عن مشورة، فإذا أراد الله بعبدٍ هلكةً, كان أول ما يهلكه رأيه)) لهذا نحن ندعو على أعدائنا, ونقول: اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم .
إذا الإنسان استبد برأيه, وتكبر, وركب رأسه، ورفض النصيحة, قد يكون دماره في تدبيره.

السعيد 09-05-2018 01:03 PM

رد: الحقوق الاسلامية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الثالث العاشر )

الموضوع : حق اجابة الدعوة





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما ذكر سابقاً :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4606/01.jpg
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق، وكما تعلمون أداء الحقوق واجب، أداء الحقوق من العدل والعدل قسري، لكن الإحسان اختياري، فلذلك موضوع الحقوق موضوعٌ مصيري.
تحدثنا -كما تعلمون- عن حقوق الزوجة على زوجها، وعن حقوق الزوج على زوجته، وعن حقوق الأبناء على الآباء، وعن حقوق الآباء على الأبناء، وانتقلنا قبل أسبوعين إلى موضوعٍ جديد, وهو: حقوق المسلم على المسلم.
أي مسلمٍ تلتقي به له حقٌ عليك، وهذا الحق الذي له عليك يصبح عليك واجباً، ومن تعريفات الواجب: أن فاعله يُثاب وتاركه يُعاقب، ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، هذا هو الواجب، فلذلك موضوع الحقوق موضوعٌ مصيري وموضوعٌ خطير تتعلق به سعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، تحدثنا عن هذه الحقوق عن حقٍ واحد هو حق النصيحة، إن أخاك المسلم له عليك حق النصيحة، وواجبٌ عليك أن تشير عليه ما أنت صانعٌ لنفسك في كل مجالات الحياة، وما لم تكن كذلك فلست مسلماً.
من حقوق المسلم على المسلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4606/02.jpg
الآن ننتقل إلى حقٍ آخر من حقوق المسلم على المسلم: إن هذا الحق هو إجابة الدعوة، أخوك دعاك، له حقٌ عليك أن تجيب دعوته، وواجبٌ عليك أن تلبي هذه الدعوة، فإجابة الدعوة حقٌ واجبٌ على المسلم لأخيه المسلم، لماذا؟ لأنها تحقق معنى الأُخوة، والأُخوة من معانيها المساواة، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 10]
من لوازم الأخوة في الله، من لوازم الأخوة في الدين، من لوازم الأخوة في الإسلام: أن تجيب دعوة أخيك في شتى المناسبات، وتلبية الدعوة -أيها الأخوة- إجابة الدعوة تحقق الأخوة وتزيد في الود وتصفِّي النفوس فيما بينها.
الإسلام حث عليها واعتبر الممتنع عنها عاصياً، عد الإسلام الممتنع عن تلبية الدعوة عاصياً، والدليل:
عن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- قال:
((قال عليه الصلاة والسلام: ست خصالٌ واجبةٌ للمسلم على المسلم, من ترك شيئاً منهن فقد ترك حقاً واجباً: يجيبه إذا دعاه، وإذا لقيه أن يسلِّم عليه، وإذا عطس أن يشمِّته، وإذا مرض أن يعوده، وإذا استنصحه أن ينصح له))
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: ((لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سِتُّ خِصَالٍ: يَعُودُهُ إِذَا مَرِضَ, وَيَشْهَدُهُ إِذَا مَاتَ, وَيُجِيبُهُ إِذَا دَعَاهُ, وَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِذَا لَقِيَهُ, وَيُشَمِّتُهُ إِذَا عَطَسَ, وَيَنْصَحُ لَهُ إِذَا غَابَ أَوْ شَهِدَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
ويعنينا من هذا الحديث الفقرة الأولى: يجيبه إذا دعاه.
طبعاً يوجد أحاديث أُخرى بروايات أُخرى, تشير إلى حقٍ سادس: ألا وهو إذا مات أن يتبعه؛ أي أن يشيعه.
إشارة لطيفة في هذا الحديث :
وعَنْ جَابِرٍ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ, فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَك))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
في هذا الحديث إشارةٌ لطيفةٌ جداً إلى أن المراد من هذه الدعوة اللقاء، هذا الذي لا يجيب الدعوة, لأنه يعاني من حميةٍ قاسية, كأن هذا الكلام يضمِّن أن الدعوة من أجل أن يأكل ويشرب، الحديثٌ دقيقٌ جداً: أن تأكل عند أخيك وأن تشرب شيئاً ثانوياً، ولكن الشيء الأساسي هو أن تلتقي به، هذا اللقاء يضمن المودة والمحبة والأُلفة والتفاهم، هناك بعض الأشخاص يبنون قصوراً من الأوهام إذا تم اللقاء والتواصل, ذابت هذه القصور من المشكلات ومن التصورات ومن الآلام ومن الغضب، فيبدو أن اللقاء شيءٌ مهمٌ جداً في علاقات الأُخوة الإسلامية:
((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ, فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَك))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4606/03.jpg
ليس شرطاً أن تأكل؛ أنت صائم، أنت في حميةٍ شديدة، لقد تناولت طعام الغداء، فتقول: يا أخي حسبوها علي، هذه حسبوها عليك ولم يحسبوها، العبرة أن تلتقي بأخيك، وأخوك حينما يدعوك معنى هذا أنه يحبُّك، ومعنى هذا أنه يتمنى أن تكون عنده في البيت، معنى هذا أنه يتمنى أن يلتقي بك، فاللقاء هو الأصل.

حديثٌ آخر: عن ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ:
((عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِذَا دَعَا أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيُجِبْ عُرْسًا كَانَ أَوْ نَحْوَهُ))
فالآن أكثر الدعوات في عقود القِران؛ أي أن الإنسان حينما يزوج ابنه ويرسل هذه البطاقات إلى أخوانه المؤمنين, يتمنى أن يكونوا في هذا الاحتفال، وقد يكون في هذا الاحتفال خيرٌ كبير؛ ككلمةٌ تلقى أو نشيدٌ ينشد، أو مدحٌ للنبي عليه الصلاة والسلام. احذر من هذه الدعوة :
وهذا الحديث الآخر رواه مسلم.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِي اللَّه عَنْه-, أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ, وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
أي أنك إذا اخترت من المدعوين أُولي الغنى والوجاهة والشأن في المجتمع، وأهملت المؤمنين الصادقين الذين تقع مرتبتهم أحياناً في الدرجة الثانية في المجتمع، إن فعلت هذا فهذه الدعوة شرُّ أنواع الدعوات، كيف؟ عليك أن تذيب الفوارق بين المجتمع، لك أقارب، لك أخوة، لك أصدقاء، لك أخوان في الله عزَّ وجل اُدعهم جميعاً، ولا تجعل أساس الدعوة الغنى، ولا أساس الدعوة الوجاهة، ولا أساس الدعوة علوً المرتبة الاجتماعية، ليس هذا من شأن المؤمن أبداً، المؤمن أخو المؤمن:
المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره.
فيكفي ألا تدعوه إلى هذا الغذاء, لأنه من الدرجة الثانية, لأن لباسه وسط، أنا داعي علية القوم وهذا يفسد الحفلة، إذاً لست مسلماً أنت:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِي اللَّهم عَنْهم- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ((شَرُّ الطَّعَامِ طَعَامُ الْوَلِيمَةِ يُدْعَى لَهَا الأَغْنِيَاءُ وَيُتْرَكُ الْفُقَرَاءُ, وَمَنْ تَرَكَ الدَّعْوَةَ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
ما ينبغي على المؤمن أن لا يفعله :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4606/04.jpg
حديثٌ سادس:
وعن عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ عُمَرَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-:
((مَنْ دُعِيَ فَلَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ, وَمَنْ دَخَلَ عَلَى غَيْرِ دَعْوَةٍ دَخَلَ سَارِقًا وَخَرَجَ مُغِيرًا))
فالمؤمن ما لم يدعَ فلا ينبغي للمؤمن أن يُذل نفسه، ولا ينبغي للمؤمن أن يذهب بلا دعوة، أحياناً دعاك وحدك فجئت مع خمسة أولاد، هو لم يهيئ نفسه لخمسة أولاد، المكان محدود, والكراسي محدودة, والطعام محدود، واختارك من بين مجموعة فدعاك, فجئت مع أولادك كلهم، هذا ليس من أخلاق المسلم، أما إذا سمى أولادك واحداً واحداً بأسمائهم، أو أعطاك بطاقاتٍ خاصةً لهم, عندئذٍ الأمر طبيعي. ما الحكم الشرعي في إجابة الدعوة؟ :
الآن نريد الحكم الشرعي في إجابة الدعوة: لا شك أن هذه الأحاديث التي بين أيديكم ، هذه الأحاديث الستُ التي تلوتها على مسامعكم: كلُّها تؤكد أن تلبي دعوة أخيك، لكنكم تعلمون أن الأمر في القرآن والسنة, إما أن يكون أمر وجوب, وإما أن يكون أمر ندبٍ، وإما أن يكون أمر إباحةٍ, وإما أن يكون أمر تهديد؛ أمر الوجوب:
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾
[سورة الروم الآية: 31]
أمر الإباحة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾
[سورة البقرة الآية: 187]
أي مباحٌ لكم الطعام لأن هذا أمر إباحة، أما أمر الندب: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾
[سورة النور الآية: 32]
أمر التهديد: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
[سورة الكهف الآية: 29]
﴿سَأُرِيكُمْ آَيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 37]
فيا ترى هذه الأوامر التي وردت عن النبي -عليه الصلاة والسلام- في إجابة الدعوة: هل هي أمر وجوب أم أمر ندب أم أمر إباحة أم أمر تهديد؟ .
الإمام النووي -رحمه الله تعالى- في شرح صحيح مسلم يقول: لا خلاف أن المؤمن مأمورٌ بإجابة الدعوة.
ولكن هل هو أمر إجابٍ أو ندبٍ؟ هنا الخلاف، هناك خلافٌ بين العلماء, هل الأمر أمر إيجاب أم ندب؟ عند السادة الشافعية هو فرض عين؛ إذا قام به البعض يسقط عن الكل، أي على كل مدعوٍ أن يلبي الدعوة، ولكن يسقط هذا الواجب إذا كان له عُذرٌ شرعي، عذر أي مسافر أو مريض.
بعضهم قال: وفرض كفاية.
بعضهم قال: أنه مندوب في وليمة العرس.
إلا أن العلماء اتفقوا على وجوب الإجابة في وليمة العرس، واختلفوا في سواها، وفي سواها أيضاً بين من يرى أنها واجبةٌ ومندوبة.
على كلٍ؛ الملخص: إن إجابة الدعوة بين أن تكون فرض كفايةٍ, وبين أن تكون فرض عين، وبين أن تكون واجبةً وجوب إيجاب، وبين أن تكون واجبة وجوب ندب، تتراوح أحكام إجابة الدعوة بين هذه النقاط الأربعة. إذا دعي الإنسان من زميل له كتابي :
الآن يوجد عندنا سؤال دقيق، إذا دعي الإنسان من زميلٍ له كتابي -أي من أهل الكتاب-: ما رأي الشرع الشريف في إجابة مثل هذه الدعوة؟.
قال العلماء: تجب هذه الإجابة لعموم الحكم الشرعي.
يجب عليك أن تجيب دعوة هذا الكتابي الذي دعاك إلى وليمة.
وقال بعضهم: إذا كان في هذه الوليمة منكرٌ, وبإمكانك أن تزيل هذا المنكر فلبِّ الدعوة، وإن لم يكن بإمكانك أن تزيل هذا المنكر, فلا عليك ألا تلبي الدعوة.
إذا كان هناك اختلاط، أو يوجد تماثيل، إذا يوجد فيه غناء, أو أي شيء لا يرضي الله عزّ وجل, فإذا كان بإمكانك أن تزيل هذا المنكر فلب الدعوة، وإن لم يكن بالإمكان ذلك لا عليك ألا تلبي هذه الدعوة.
بعضهم قال: إذا قال لك الداعي: أمرني فلان أن أدعوك أنت بالذات، فعليك أن تجيب، أما إذا قال: أمرني فلان أن أدعو من أشاء وها أنذا قد دعوتك، في مثل هذه الحالة لا عليك ألا تجيب.
يعني ترون من هذا الحكم: أنك إذا ذهبت إلى هذه الدعوة, ولم يكن فيها منكرات، ولم يكن فيها معاص، ولم يكن فيها اختلاط، ولم يكن فيها شرب خمر، ولم تكن فيها مخالفاتٌ شرعية، وبإمكانك أن تلبي هذه الدعوة من دون أن يُمَس دينك إطلاقاً فيجب أن تلبيها، أما إذا كان هناك منكرات وليس بالإمكان أن تزيلها، وليس بالإمكان أن تأمر بالمعروف ولا أن تنهى عن المنكر، فيجب عليك ألا تلبي هذه الدعوة، هذا هو الحكم الشرعي.
ما هي الأعذار التي يمكن أن تسقط واجب إجابة الدعوة؟ :
قلنا: إن إجابة الدعوة فرض عين لا تسقط إلا بعذر.
ما هي الأعذار التي يمكن أن تسقط واجب إجابة الدعوة؟.
قالوا: هي أعذار من يمتنع عن الصلاة في المسجد، فإذا كان مريضاً، أو يقوم بشأن مريض، أو كان يجهِّز ميتاً، أو يقوم بإطفاء حريق، أو يخاف ضياع ماله، أو في طريقه من يؤذيه، هذه الأعذار تكون أعذاراً مقبولةً إذا دُعي الإنسان ولم يلبِّ الدعوة.
نقطة هامة :
يوجد نقطة ثالثة: وهي أن هناك بعض الأعراس تستمر أياماً ثلاثة، فإذا كانت الوليمة ثلاثة أيام فدعيت في اليوم الأول وجب عليك الإجابة، فإذا دعيت في اليوم الثاني لم تجب عليك الإجابة، ولكن يُستحب أن تجيب هذه الدعوة، فإذا دعيت في اليوم الثالث ليس لك أن تجيب هذه الدعوة, هكذا قال عليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث الشريفة, الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذي, قال:
((الْوَلِيمَةُ أَوَّلَ يَوْمٍ حَقٌّ وَالثَّانِيَ مَعْرُوفٌ وَالْيَوْمَ الثَّالِثَ سُمْعَةٌ وَرِيَاءٌ))
مشكلة :
الآن يوجد عندنا مشكلة: أحياناً الإنسان يُدعى من جهتين, أغلب الظن أن الإنسان يختار الأوجه, يقول لك: هذه أدسم، هذا أوجه، فهنا يوجد عندنا حكم شرعي دقيق جداً، هذا الحكم يُزيل كل مشكلة، يُزيل كل التباس.
مثلاً: إذا دعاك اثنان إلى وليمتين، فإن سبق أحدهما قُدِم الأول لسبقه، دعاك إنسان على طعام متواضع جداً في مكان بعيد، بعد نصف ساعة جاءك إنسان من وجهاء المجتمع يدعوك إلى طعام نفيس، ويوجد حضور من المستوى الرفيع، أنت كمسلم يجب أن تلبي الداعي الأول لسبقه، وهذا هو الحكم الشرعي، وتعتذر للثاني، أما إذا دعواك في وقتٍ واحد.
عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ, عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((إِذَا اجْتَمَعَ الدَّاعِيَانِ فَأَجِبْ أَقْرَبَهُمَا بَابًا, فَإِنَّ أَقْرَبَهُمَا بَابًا أَقْرَبُهُمَا جِوَارًا, فَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا فَأَجِبِ الَّذِي سَبَقَ))
هكذا علمنا النبي عليه الصلاة والسلام، ويوجد عندنا: إذا تساويا في الوقت وفي القرب أجب أقربهما رحماً، أي دعواك في وقت واحد والبيتان في مسافة واحدة, فأجب أقربهما رحماً. ما حكم من دعي إلى موضع فيه منكر من زمر أو خمر؟ :
الآن: من دُعي إلى موضعٍ فيه منكر من زَمْرٍ أو خمرٍ, فإن قدر على إزالته لزمه أن يحضر لوجوب الإجابة لإزالة المنكر، ومن لم يقدر لم يحضر، فقد نهى أن يجلس الرجل على مائدة تدار فيها الخمر, لما روي عَنْ جَابِرٍ عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَدْخُلِ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ إِزَارٍ, وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الْحَمَّامَ, وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَجْلِسْ عَلَى مَائِدَةٍ يُدَارُ عَلَيْهَا بِالْخَمْرِ))
يقول لك: أخي أنا والله لم أشرب, لا يكفي، فقد نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عن أن يجلس على مائدةٍ تدار عليها الخمر.
أيضاً: إذا وجد مكان فيه تماثيل وصور لا ترضي الله عزّ وجل هذه كلها منكرات، لكن بعض العلماء أجاز إذا كانت الصورة ليست كاملة أو كانت في مكان مُهان كالأرض أو التُكأة، هذا مما تساهل به العلماء، أحياناً يكون سجادة عليها صورة، ما دامت سجادة ويُداس عليها فهذه الصورة ليست للتعظيم، ما دامت على مُتكأ، ما دامت ليست كاملة أي جزئية، أما إذا وجدت صورة كاملة معلقة على الحائط أو تمثال, فهذا مما يجعل المؤمن في حرجٍ من أن يكون في هذا المكان. ما حكم من دعي إلى وليمة وهو صائم؟ :
الآن: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أن رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال:
((إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلى الطعام فَلْيُجِبْ, فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ, وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4606/05.jpg
دعاك وأنت صائم لكنك صائمٌ صيام فرض، صيام الفرض شيء وصيام النفل شيء آخر، ما دمت صائماً صيام فرضٍ يجب أن تلبي وتصلي، أما إذا كنت صائماً صيام نفلٍ, النبي -عليه الصلاة والسلام- استحب لك أن تفطر إكراماً لأخيك، أخوك دعاك وتكلف لك, وتقول: إني صائم!! فإكراماً له أن تفطر.
فعَنْ جَابِرٍ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ, فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
ليس القصد أن تأكل, إنما القصد أن تكون عند أخيك، ربما كان وجودك في بيت أخيك يُدخل على قلبه السرور، يوجد أشخاص محميين، يوجد أشخاص عندهم نظام قاسٍ في الغذاء، يوجد أشخاص عندهم أمراض في جهاز الهضم، يوجد أشخاص لهم طعام خاص، يوجد أشخاص يؤثرون عدم تناول الطعام إلا بشكل معين، فهذا إذا دعي يجب أن يلبي من دون أن يُحْرَج.
المستحب لمن دعي إلى طعام وانتهى من الطعام أن يدعو لصاحب الطعام.
عن عبد الله بن الزبير, قال: ((أَفْطَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عِنْدَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ, فَقَالَ: أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ, وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ, وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
يوجد أناس يقولون: وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ إلا جبريل، فهو يريد كأس من الشاي، وصلى عليكم الملائكة الأطهار إلا جبريل، أما الدعاء النبوي:
((أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ, وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ, وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ))
هذا كلام جميل إذا إنسان دعي إلى طعام، وانتهى من الطعام، يقول: دائماً يا سيدي, أنت قل له كما قال النبي: ((أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ, وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ, وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ الأخيار, وذكركم الله فيمن عنده))
من آداب إجابة الدعوة :
1-ألا يميز الغنى بالإجابة عن الفقير :
الآن: من آداب إجابة الدعوة كما جاء في الإحياء: هناك آدابٌ خمس؛ أول أدب: ألا يميز الغنى بالإجابة عن الفقير.
من آداب إجابة الدعوة: أن تجيب دعوة أي إنسان، أي أخ مؤمن، أي أخ مسلم، ألا تميز بين الغني والفقير، التميز بين الغني والفقير نوعٌ من التكبر.
انظر الى هذا الموقف لسيدنا الحسن بن علي :
سيدنا الحسن بن علي -رضي الله عنهما- مر بقومٍ من المساكين الذين يَسألون الناس على قارعة الطريق، وقد نشروا كِسراً -أي خبزاً يابساً فقط- على الأرض في الرمل وهم يأكلون، وهو على بغلته, فسلم عليهم, فقالوا له: هَلُمَّ إلى الغداء يا بن بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: نعم, إن الله لا يحب المستكبرين، فنزل وقعد معهم على الأرض وأكل ثم سلم عليهم وركب، بعد أن ركب, قال: قد أجبت دعوتكم فأجيبوني، قالوا: نعم، فوعدهم وقتاً معلوماً فحضروا, فقدَّم لهم فاخر الطعام، وجلس يأكل معهم.
هذا ما كان يصنعه أحد العلماء في الشام :
سمعت عن أحد العلماء في الشام في زمن سابق: أنه كان إذا دعا كبراء القوم، علية القوم، وجهاء القوم، قدَّم لهم طعاماً خشناً, وكان يقول: والله هذا الطعام يحبونه لأنهم لا يأكلونه أبداً، فإذا دعا الفقراء قدم لهم طعاماً نفيساً، ويقول: هذا الطعام يحبونه.
أحياناً الواحد يدعى إلى طعام خشن، وحياته كلها من مستوى عال, فيرى هذا الطعام طيباً لأنه قلَّ ما يأكله.
قف عند هذا الكلام للسادة الصوفيين :
بعض السادة الصوفية يقولون: لا تجب إلا دعوة من يرى أنك أكلت رزقك.
إذا دعاك أحد, وهو موحد, ويرى أن هذا الرزق الذي أكلته هو رزقك، مقسومٌ لك، هذا الإنسان تُجاب دعوته، لأن الضيف يأتي برزقه ويرحل بذنوب القوم.
ويقول بعضهم: لا تجب إلا من إذا أطعمك كأنه سلَّم لك وديعةٌ كانت عنده.
كأنه لك عنده أمانة سلمك إياها, لا تجب إلا دعوة من يرى لك الفضل عليه في قبول هذه الدعوة، يعني ليس هو قد تفضل عليك, بل يرى أنك تفضلت عليه بقبول هذه الدعوة، يعني سمح لك أن تكسب عند الله أجراً، هذه معان راقية جداً.
أحد السادة الصوفيين يقول: آهٍ على لقمةٍ ليس على الله فيها تبعة ولا لمخلوقٍ فيها.
-أي إن أطيب لقمة ليس فيها تبعة عند الله ليس فيها مسؤولية، وليس لمخلوقٍ فيها منة، لا تبعة ولا منة.
قال-: فإذا علم المدعو أنه لا منة في ذلك فلا ينبغي أن يرد.
عقوبة :
أحد الرجال اسمه أبو تراب -رحمه الله تعالى- قال: عُرض علي طعامٌ فامتنعت، فابتليت بالجوع أربعة عشر يوماً.
-كان جوعان، عرض عليه طعام امتنع؛ أي أنت جائع وأخوك أحب أن يكرمك وقدم لك طعاماً، لماذا التكبر؟ وتقول له: ليس بنفسي رغبة, لست جائعاً, لماذا؟ هو أراد أن يكرمك اقبل كرامته.
فهذا أدبه الله عزَّ وجل, ابتلاه بالجوع أربعة عشر يوماً- قال: عرض علي طعامٌ فامتنعت منه، فابتليت بالجوع أربعة عشر يوماً, فعلمت أنه عقوبة.
2-لا ينبغي أن تمتنع عن إجابة الدعوة لبعد المسافة :
الشيء الآخر قال: لا ينبغي أن تمتنع عن إجابة الدعوة لبعد المسافة -هذا ليس من أخلاق المؤمن- كما لا تمتنع عن إجابة الدعوة لفقر الداعي وعدم جاهه، بل كل مسافةٍ يمكن احتمالها في العادة لا ينبغي أن يمتنع عنها الإنسان.
يوجد دعوات غير معقولة، يقول لك: على حدود تركيا مثلاً، هذه تحتاج لثلاثة أيام، تعال تغدى عندنا، هذه غير معقولة، أما خارج دمشق أو حوالي دمشق, أحب إنساناً أن يكرمك, المفروض أن تلبي الدعوة.
فعن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ بالغنيم لأَجَبْتُ))
الكراع مآدم، والغنيم؛ أي خارج المدينة.
ومن كان صائماً نفلاً, فإن كان يسرُّ أخاه إفطاره فليفطر، وليحتسب إفطاره بنية إدخال السرور على قلب أخيه.
النبي -عليه الصلاة والسلام- كان مع بعض أصحابه, وهناك أخ دعاهم, قال له: ((أخوك دعاك وتكلَّف لك, وتقول: إني صائم))
ليس هذا من أخلاق المؤمن. 3-أن تمتنع عن إجابة دعوة الطعام فيها مشبوه :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4606/06.jpg
من آداب إجابة الدعوة: أن تمتنع عن إجابة دعوةٍ الطعام فيها مشبوه.
تعرف إنساناً ماله كلّه حرام، هنا يوجد مشكلة، أو يوجد منكرات، أو يوجد مخالفات، أو يوجد معاص، أو يوجد شيء لا يرضي الله عزَّ وجل، يوجد مزامير, يوجد ملاه، اختلاط، هزل، لعب، كذب، نميمة, غيبة، هذه الدعوات لا تبال بها إطلاقاً، أنت مؤمن طاهر، يجب أن تلبي دعوةً نظيفة؛ فيها طهر، فيها تقوى، فيها ورع، فيها خوف من الله عزَّ وجل، لذلك النبي هكذا نصحنا.
فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ, أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ:
((لا تُصَاحِبْ إِلا مُؤْمِنًا, وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلا تَقِي))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
4-ألا يقصد من إجابة الدعوة قضاء شهوة البطن :
قال: الأدب الرابع: ألا يقصد من إجابة الدعوة قضاء شهوة البطن.
أخي فلان نريد أن نذهب عنده لأن أكلاته طيبون، فلان عنده أكل مرتب، فلان دعوة دسمة غميقة، هذا كلام كلّه كلام العوام، كأنك بهذه الدعوة تريد أن تقضي شهوة بطنك، فليس هذا من أخلاق المؤمن. ما النية إذاً؟.
النية: أن تجيب هذه الدعوة إكراماً لأخيك المؤمن, لقول النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((من أكرم أخاه المؤمن فكأنما أكرم ربه))
في حديث آخر: ((من سرَّ مؤمناً فقد سرَّ الله عزَّ وجل))
من آداب الحضور لمنزل الداعي :
وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى يوجد موضوع قصير جداً, آداب الحضور لمنزل الداعي، من آداب الحضور: أنه من التواضع لله عزَّ وجل: الرضا بالدون من المجلس.
دخلت هناك كراسي منجدة, وهناك كراسي غير منجدة، وأنت متأخر نصف ساعة، وجدت كرسياً من الدرجة الثانية، إذا أنت كبير ولو كان لك شأن.
من آداب المسلم أن تجلس حيث ينتهي بك المجلس, وإلا أحرجت صاحب الدعوة.
أحياناً يكون في كنباة وفي كراسي، أحياناً في صدر وأحياناً في ناحية الباب، وأنت متأخر, اجلس في أي مكان ولا تنزعج، هناك شخص يقول: لم يعرفوا قدري، لم يعرفوا مكانتي, من آداب المسلم أن يجلس حيث ينتهي به المجلس، هذا الأدب الأول في إجابة الدعوة, فإن من التواضع لله عزَّ وجل الرضا بالدون من المجلس. 5-ألا تجلس مقابل باب يمكن أن يرى منه النساء :
من آداب إجابة الدعوة أيضاً: ألا تجلس مقابل باب يمكن أن يرى منه النساء، دائماً في غرفة الضيوف اختر مكاناً ليس مواجهاً للباب, هكذا أدب المؤمن, يكون الباب في جهة والكنباة بهذه الجهة، وأنت وجهك إلى الحائط لئلا يكون هناك خطأ، هذا أدب ثانٍ.
6-ألا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4606/07.jpg
أحياناً: الطعام دخل عينه مالت عليه، كلما دخل صحن ينظر إليه، هل يوجد شيء ثان؟ هذا ليس من أدب إجابة الدعوة، ألا يكثر النظر إلى الموضع الذي يخرج منه الطعام فإنه دليل الشراهة.

7-التعريف بالمدعوين :
وإذا كان جلس إلى جانبه أخوين مدعوين, عليه أن يسلم عليهم، ولا يكون كل همه وعقله بالطعام، وأن يسألهم عن حالهم، وإذا دخل ضيفٌ للبيت فليعرفه صاحب المنزل عند الدخول.
أحياناً تدعى دعوة فتجلس وأنت لا تعرف أحداً, تقول: من هذا يا ترى؟ كلهم صامتون, هذا ليس من أخلاق المسلم، المسلم يقول: فلان ابن عمي، فلان صهري، فلان أخي، فلان زميلي بالعمل، فلان شريكي، أخ كريم، فلان جارنا، فلان طبيب، هذا صاحب معمل، هذا تاجر، هذا أخ كريم، هذا موظف، أي أنه يعرف مهنته ويعرف مكانته لكي تنشأ المودة، ولا يكون الهدف الأكل, فالتعريف أيضاً ضروري.
8-غسل اليدين قبل الطعام وبعده :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4606/08.jpg
أيضاً: غسل اليدين قبل الطعام وبعده من سنة النبي -عليه الصلاة والسلام:
بركة الطعام الوضوء قبله وبعد.
فصاحب الطعام يجب أن يغسل يديه قبل كل واحد، في بداية الطعام وآخرهم بعد نهاية الطعام، هكذا الأدب.
بعضهم قال: من دعانا فأبينا فله الفضل علينا، وإذا نحن أجبنا رجع الفضل إلينا:
لا تكـن ضيفاً ثقيلاً يكره الناس لقاءك
فعسـاه مستمداً لك من قـومٍ عشاءك
وعساه مستعيراً لك من جارك غطاءك
إن في الفندق مأواك وفي السوق غذائك
رُبَّ من يلـقاك هشاً كسر الزير وراءك

أنت أحياناً شخص دعاك، فرأساً إليه, طول بالك عليه، دعاك رأساً لا يوجد عنده مكان للنوم، عنده غرفتين له ولأهله ولأولاده، فإن قال لك: أخي هل تريد أن تناموا عندنا؟ فتجيبه: نعم والله. من صفات المؤمن :
بعضهم قال: قم إذا ما الضيف جاءك وامنح الضيف غذاءك
وأجل من وجــهك مر آةً يـرى فيها صفاءك
إن يهُن عــندك ضيفٌ يكــن الهون جزاءك

أي أن من صفات المؤمن إكرام الضيف.

السعيد 09-05-2018 01:06 PM

رد: الحقوق الاسلامية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الرابع العاشر )

الموضوع : حق عيادة المريض



لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من حقوق المسلم على المسلم :
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في موضوع الحقوق بعد الحديث عن حقوق الآباء، وحقوق الأبناء، وحقوق الأزواج، وحقوق الزوجات، انتقلنا إلى الحديث عن حقوق المسلم على المسلم، وكان من جملة هذه الحقوق حق النصيحة، وكان من جملة هذه الحقوق حق إجابة الدعوة، واليوم ننتقل إلى حقٍ ثالث من حقوق المسلم على المسلم ألا وهو عيادته إذا مرض.
هناك أخوةٌ كرام كثيرون لا يُقيمون قيمةً لهذا الحق، ولا يعرفون قيمة عيادة المريض إلا إذا مرضوا, ومضى يومان وثلاثة وأربعة أيام ولم يأتهم أحد، يقول: أهذا شأني عند أخواني؟ أهذا شأني عند المؤمنين؟ المريض من أشد الناس حاجةً إلى المواساة، المريض من أشد الناس حاجةً إلى من يؤنسه، إلى من يدعوه إلى الصبر، إلى من يعطيه شحنةً روحيةً يُعينه على تحمل المرض، فلذلك: النبي -عليه الصلاة والسلام- في أحاديث كثيرة جداً وصحيحة حضنا على عيادة المريض.
ما حكم عيادة المريض في الشرع الإسلامي؟ :
بادئ ذي بدء: عيادة المريض -كما ذكرت قبل قليل- حقٌ من حقوق المسلم على أخيه المسلم، ولكن بالمعنى الفقهي الدقيق: عيادة المريض سنةٌ مؤكدة.
كلكم يعلّم أن في الدين فرضاً، وفي الدين ندباً، وفي الدين مباحاً، وفي الدين كراهةً، وفي الدين حراماً، فالشيء المندوب، أو السنة المؤكدة أو غير المؤكدة، هذا بين المباح وبين الفرض، فعيادة المريض بالتعريف الدقيق الفقهي، حكمها الفقهي سنةٌ مؤكدة، ما معنى سنةٌ مؤكدة؟ أي فعلها النبي كثيراً وتركها قليلاً، ما معنى سنة غير مؤكدة؟ أي فعلّها قليلاً وتركها كثيراً، فعيادة المريض سنةٌ مؤكدةٌ عند جمهور العلماء، كلمة جمهور تعني أي عند أكثر العلماء.
وقال عليه الصلاة والسلام:
((لا تجتمع أمتي على خطأ))
فالشيء الذي عليه جمهور العلماء هو الشيء الحق، لذلك يعدُّ القرآن الكريم والسنة النبوية مصدران أساسيان للتشريع، ويعدُّ إجماع العلماء مصدراً ثالثاً ذا قيمةٍ كبيرة، يضاف إليه القياس، فالقرآن والسنة والإجماع والقياس مصادر التشريع الأولى، وهناك مصادر فرعية كالاستحسان، والمصالح المرسلة، وسد الذرائع، ومذهب الصحابي إلخ ... إذاً سنةٌ مؤكدةٌ عند جمهور العلماء. ما الدليل على أن عيادة المريض سنة مؤكدة عند جمهور العلماء؟ :
والدليل: فلولا الدليل لقال من شاء ما شاء:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 108]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4608/01.jpg
البصيرة الدليل، الدليل: قول النبي -عليه الصلاة والسلام- أو قول ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- وقول بن عباسٍ يدخل في السنة النبوية, لماذا؟ لأن السنة النبوية هي أقوال النبي وأفعاله وإقراره وصفاته، وأقوال أصحابه, وأقوال التابعين من بعدهم وإقراراتهم، ولأن هذا الصحابي الجليل ما كان له أن يقول شيئاً ما سمعه من رسول الله، وهذا التابعي الذي لازم الصحابي ما كان له أيضاً أن يقول شيئاً ما سمعه من رسول الله، إذاً: إذا رفع الكلام إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- فهو الحديث المرفوع، فإذا انتهى عند الصحابي فهو الحديث الموقوف، فإذا انتهى عند التابعي فهو الحديث المقطوع.
على كلٍ؛ في السنة أن عيادة المريض سنةٌ مؤكدةٌ عند جمهور العلماء, بقول ابن عباسٍ -رضي الله عنهما-: عيادة المريض أول يوم سنة وبعد ذلك تطوع.
إذاً يفهم من هذا الحديث: أنه ينبغي أن تعود المريض في أول يوم، لأن الصبر عند الصدمة الأولى، والصابر يفعل في أول يومٍ من المصيبة ما يفعله الجاهل في اليوم الثالث، في اليوم الثالث يقول الجاهل: ماذا نريد أن نفعل؟ هذا أمر الله، بعد ما سب وطبش وكسر، هذا الصبر عند الصدمة الأولى، يبدو أن تعود المريض في أول يوم, هذا أفضل عند الله عزَّ وجل من أن تعوده, بعد أن يبُلَّ من مرضه، وبعد أن يغادر الفراش، وبعد أن يذهب إلى عمله، ليس هناك معنى لهذه العيادة في ذلك الوقت المتأخر. رأي البخاري في مسألة عيادة المريض :
الإمام البخاري يقول: العيادة واجبة, وقال: إنها فرض كفاية؛ أي إذا قام به البعض سقط عن الكل، لحديث أبي موسى الأشعري, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((أَطْعِمُوا الْجَائِعَ, وَعُودُوا الْمَرِيضَ, وَفُكُّوا الْعَانِي))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود في سننه]
فكيف عرف الإمام البخاري أن عيادة المريض فرض كفاية؟ من قول النبي الكريم: "وَعُودُوا الْمَرِيضَ.
لأن هذا الأمر موجهٌ إلى مجموع الأمة، إلى مجموع المؤمنين، إلى مجموع المسلمين، فإذا قام به بعضهم سقط عن بعضهم الآخر، من هنا استنبط الإمام البخاري: أن عيادة المريض فرضٌ ولكنها فرض كفايةٍ وليست فرض عين.
ماذا جاء عن النبي بالنسبة لعيادة المريض:
ولحديث أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: ((خَمْسٌ تَجِبُ لِلْمُسْلِمِ عَلَى أَخِيهِ؛ رَدُّ السَّلامِ, وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ, وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ, وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ, وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِز))
النبي -عليه الصلاة والسلام- في حديثٍ قال: تجب، وفي حديثٍ أمرنا أن نعود المريض.
استنبط العلماء أن النبي -عليه الصلاة والسلام- يحضُّ أصحابه على أن يعود بعضهم بعضاً, لعظم هذا العمل ولشدة مثوبته عند الله عزَّ وجل، وإلا فهو في النهاية مندوب، والمندوب بين المباح وبين الفرض, عندما ربنا عزَّ وجل قال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4608/02.jpg
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾
[سورة النور الآية: 32]
أي زوجوا الشباب، هذا فرض أم مندوب؟ مندوب. لكن الآن يوجد عندنا تفصيل: عيادة بعض المرضى فرضٌ كفرض الصلاة، الوالدان الذين يلوذون بك، الذين ليس لهم أحدٌ سواك، في حق البعض فرضٌ وفي حق البعض حقٌ، من تستفيد من عيادته، وفي حق البعض عملٌ صالح إذا راعيت حاله، وفي حق البعض مباح ، أي شخص بعيد عنك، ليس في حاجةٍ إليك ولست في حاجةٍ إليه، ولا ترجو منه شيئاً ولا يرجو منك شيئاً، لا ترجوه ولا يرجوك، ولست بحاجته وليس في حاجتك، ولا ينتمي إلى مبدئك ولا إلى كذا فهذا عيادته مباحة، أما والداك أخوانك في الله هؤلاء يرتقي أمر عيادتهم إلى مرتبة الواجب، وهناك بعضهم إلى مرتبة الحق، وبعضهم إلى مرتبة العمل الصالح، هذا تفصيل العيادة.
ما المقصود من عيادة المريض؟ :
يقول عليه الصلاة والسلام:
((وَعُودُوا الْمَرِيضَ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود في سننه]
هذه الألف واللام، ألف ولام الجنس، يعني أي مريض، فلا تظن المريض هو الذي أقعده المرض في الفراش، لو أنه شكا من عينيه هذا يُعاد، لو أنه شكا من جلده هذا يُعاد، والدليل:
النبي -عليه الصلاة والسلام- عاد كما يقول أحد أصحابه, وقد أصابه رمد؛ أي ألم في عينيه.
فعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ:
((عَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِعَيْنِي))
الحقيقة: ليس القصد عيادة المريض؛ أن تزوره, وأن تسأل خاطره، وأن تسأله عن صحته، وعند من تطبب، وما الدواء الذي أخذه، وخاطرك مع السلامة، ليس هذا هو المقصود من عيادة المريض، قال: المقصود من عيادة المريض: تعهٌّده، وتفقد أحواله, وإيناسه, والتلطف به.
قد يحتاج إلى الدواء، أولاده في المدرسة، أو أولاده صغار,
أو ليس له أولاد ذكور، أو زوجته مريضة، وهو في أمسِ الحاجة إلى بعض أنواع الطعام، إلى لبن، إلى ليمون فرضاً، إلى الدواء الفلاني, المسكن الفلاني، فهذا الذي يزور المريض, وفي نيته أن علي أزوره, وأن أسأله عن صحته, وعند من تطبب, وما الدواء الذي أخذه؟ لا الأمر أعقد من ذلك، يجب أن تتعهده، وأن تتفقد أحواله، وأن تتلطف به، وأن تؤنسه، قد يكون مضطراً إلى إرسال رسالة أقعده المرض عن إرسالها، قد يكون مضطراً إلى تسجيل معاملة ينتهي وقتها بعد يومين أقعده المرض عن تسجيلها، قد يكون مضطراً إلى أن يفعل شيئاً أساسياً في حياته أقعده المرض عن ذلك، إذاً: عيادة المريض تعني: تفقد أحواله، التلطف به، إيناسه، تعهد حاجاته، هذا معنى عيادة المريض. المؤمن صاحب ذوق :
وإن النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما أطلق العيادة؛ أي ليس لها وقتٌ خاص، ولكن المؤمن صاحب ذوق، في الوقت المناسب، في وقت الراحة لا في وقت النوم، ولا في وقت متأخر، ولا في وقت مبكر، صلى الصبح حاضر مر أمام بيته, قال: والله أزوره، هذا وقت غير وقت الزيارة، وقت راحة, وقت تهجد، وقت صلاة, وقت ذكر، مرّ الساعة الحادية عشرة في الليل، الثانية عشرة سوف أزوره لأنه مريض، المفروض أن يكون في الوقت مناسب.
النبي -عليه الصلاة والسلام- في بعض الأحاديث القدسية يروي هذا الحديث عن رب العالمين.

كيف نفهم هذا الحديث؟ :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا بْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِ.
-كيف نفهم هذا الحديث؟ الله سبحانه وتعالى نسب المرض إليه مجازاً تكريماً للمريض-. قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ, أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَه
- لوجدت الثواب عنده، لوجدت الراحة عنده، لوجدت الأنوار عنده، لوجدت تجلي رب العالمين عنده-. يَا بْنَ آدَمَ اسْتَطْعَمْتُكَ فَلَمْ تُطْعِمْن, قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تُطْعِمْهُ, أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي
-في العيادة لوجدتني عنده، في الإطعام لوجدت ذلك عندي-. يَا بْنَ آدَمَ اسْتَسْقَيْتُكَ فَلَمْ تَسْقِنِ, قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟ قَالَ: اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلانٌ فَلَمْ تَسْقِهِ, أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ وَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي))
علام يدفعنا هذا الحديث: يا بن آدم مرضت فلم تعدن .....؟ :
هل بعد هذا الحديث حديث يدفعنا إلى عيادة أخواننا في الله؟ يدفعنا إلى عيادة أقاربنا؟ ، حتى القريب الذي لا ترجو منه هِدايةً، لو عدته في مرضه لرأيته في حالٍ آخر، لرأيته قد صفت نفسه، ورقَّت روحه، وصار قريباً من أي حديثٍ ديني، وهو في قوته وشدته، قد يكون أبعد الناس عن هذا الحديث وعن هذا الموضوع، قد يقول لك: دعنا من هذا الحديث، ولكنك إذا زرته وهو مريض, لرأيت منه استجابةً لا تصدق، لذلك النفس عند المرض ترق، تصبح شفافة، تصبح قريبةً من الله عزَّ وجل، لأنه في أثناء العلاج, الإنسان في المرض يشعر بضعفه:
وخلق الإنسان ضعيفاً.
المرض من نعم الله على الإنسان، لو أن الإنسان لم يمرض إطلاقاً لظن أنه قوي، ولكن هذا المرض يحجمه, يعطيه حجمه الحقيقي، يجعله عبداً لا يقوى على شيء, ذهبت قوته، انهارت قِواه, ما هذا المرض؟ لو كشف الغطاء يوم القيامة, لرأيت أن المرض من نعم الله الكبرى على الإنسان، لعل المرض هو الذي حثه على التوبة، لعل المرض هو الذي عرفه بعبوديته، لذلك الكافر يعلو ويعلو ويعلو، إلى أن تدق رقبته في أيام، أما المؤمن كلما غفل رده الله، أما الكافر خطه البياني يصعد صعوداً حاداً, وهو يعتدُّ بنفسه, ويظن أنه لا أحد يستطيع أن يزحزحه عن مكانه، أياماً معدودة فإذا هو في أسفل سافلين، أما المؤمن له ترتيبٌ آخر، كلما زلت قدمه جاءه العلاج، كلما جاءه خاطر جاءه العلاج، كلما غفل جاءه العلاج، هذا من رحمة الله بالمؤمنين، المؤمن سنبلة تأتي الرياح فتميلها ثم تعود، ولكن الكافر كالشجرة العملاقة تأتي الرياح فتستأصلها من جذورها، وينتهي الأمر.
قصة إسلام هذا اليهودي :
إذاً: حينما أضاف الله المرض إلى ذاته، هذا تكريمٌ للمريض، وتشريفٌ له, وحينما قال: وجدتني عنده.
أي وجدت ثوابي وكرامتي في عيادة المريض، لذلك بعد هذا الدرس لا ينبغي لواحدٍ منا أن ينسى, أو أن يغفل عن عيادة أخٍ, أو قريبٍ, أو جارٍ.
وتروي الأخبار: أن النبي عاد جاره اليهودي، وكان يؤذيه كل يوم، انقطع الأذى أيام, فتوقع أنه مريض فعاده, وكانت هذه العيادة سبباً في إسلامه.
قصة توبة هذا المغني :
سيدنا أبو حنيفة كان له جار مغنٍ, وكان يزعجه طوال الليل، كل يوم يغني، ويضرب على العود, ويقول:
أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ليوم كريهةٍ وطعان خلسي
فلما ألقي القبض عليه وسيق إلى السجن، ذهب أبو حنيفة بنفسه إلى صاحب السجن وتوسل له، وأخرج صاحب السجن كل من السجن إكراماً لمقدم أبي حنيفة، وفي طريق العودة قال: يا فتى هل أضعناك؟ تقول:
أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ليوم كريهةٍ وطعان خلسي
فكانت هذه الزيارة سبب توبته، ويبدو أنه يلحق بهذه أن تزور إنساناً فقد حريته، أيضاً هذه الزيارة لها وقعٌ كبير, في أعلى درجة من درجات الصفاء، والإنابة إلى الله، أي أن كلماتك عن الله عزَّ وجل تأتيه كالبلسم، تأتيه كالدواء، تأتيه كالماء على عطش شديد، فإذا أكرم الله عزَّ وجل أحداً بالإيمان, لا يضن بوقته وبزياراته وبأحواله وبعلمه على هؤلاء المرضى، أو هؤلاء الذين فقدوا حريتهم.
بيان ما جاء في عيادة المريض :
وعن ثوبان -رضي الله عنه-, عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا عَادَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ, لَمْ يَزَلْ فِي خُرْفَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَرْجِعَ, قيل: يا رسول الله وما الخرفة؟ -الخرفة على وزن غرفة- فقال عليه الصلاة والسلام: جناها))
يعني ثمارها. أي ليس في الجنة فقط بل يأكل من ثمار الجنة، ليس في الجنة فحسب بل يأكل من ثمار الجنة, هذا إذا عاد الإنسان مريضاً.
وعن عليٍ -كرم الله وجهه- قال:
((سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَعُودُ مُسْلِمًا غُدْوَةً -أي صباحاً- إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُمْسِيَ, وَإِنْ عَادَهُ عَشِيَّةً, إِلا صَلَّى عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى يُصْبِحَ, وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ))
إن عدته صباحاً صلَّت عليك الملائكة؛ أي شعرت بالسعادة، وإن عدته مساءً صلَّت عليك الملائكة؛ أي شعرت بهذه السعادة التي تلقيتها من صلاة الملائكة عليك، والخريف هو الثمر المخروف في الجنة المجتنى. ما هي آداب عيادة المريض :
1- يستحب لعائد المريض أن يدعو له بالشفاء وأن يأمره بالصبر :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4608/03.jpg
الآن: ما هي آداب عيادة المريض؟ قال: أولاً: يستحب لعائد المريض أن يدعو له بالشفاء، وأن يأمره بالصبر, لحديث عائشة بنت سعد بن أبي وقاص، أن أباها قال:

((اشْتَكَيْتُ بِمَكَّةَ, فَجَاءَنِي رسول الله -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَعُودُنِي, وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِي, ثُمَّ مَسَحَ صَدْرِي وَبَطْنِي, ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ اشْفِ سَعْدًا وَأَتْمِمْ لَهُ هِجْرَتَهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح, وأبو داود في سننه]
وعن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
((مَنْ عَادَ مَرِيضًا لَمْ يَحْضُرْ أَجَلُهُ, فَقَالَ عِنْدَهُ سَبْعَ مِرَارٍ: أَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ رَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ أَنْ يَشْفِيَكَ, إِلا عَافَاهُ اللَّهُ عز وجل مِنْ ذَلِكَ الْمَرَضِ))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
أي إذا ابتهلت إلى الله ابتهالاً شديداً، وكنت محباً لهذا الأخ, ودعوت الله أن يشفيه, لعل الله عزَّ وجل يظهر له كرامتك عنده, وكرامته عنده, وأن يشفيه بهذا الدعاء، لذلك دعوة الأخ لأخيه لا ترد.
وعن عائشة, أن النبي عليه الصلاة والسلام كَانَ يُعَوِّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ, يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ:
((اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ, اشْفِهِ َأَنْتَ الشَّافِي, لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ, شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
هذا الدعاء النبوي إذا زرت مريضاً, فقل:
((اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ, اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي, لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ, شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
أي مرضاً.
وعن أبي عبد الله عثمان بن أبي العاص -رضي الله عنه-, أنه شكا إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وجعاً في جسده, فقال له: ((اجْعَلْ يَدَكَ الْيُمْنَى عَلَيْهِ, وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ, أَعُوذُ بِعِزَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ سَبْعَ مَرَّاتٍ, فَقُلْتُ ذَلِكَ, فَشَفَانِيَ اللَّهُ))
هذا من أدب الذي يعود المريض أن يدعو له بالشفاء، ودعاء الأخ لأخيه لا يرد، ولعل الله يُظهر كرامتك عنده، ولعل الله يظهر كرامة المريض عندك، ولعل الله يظهر هذا الحب بينكما.
إذاً: إذا عدت مريضاً فادعُ له بالشفاء، بأية لغةٍ تشاء، أو بهذا الدعاء الذي دعا به النبي: ((اللَّهُمَّ رَبَّ النَّاسِ أَذْهِبِ الْبَاسَ, اشْفِهِ وَأَنْتَ الشَّافِي, لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ, شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا))
تحت أي باب تندرج هذه الأحاديث :
وكان عليه الصلاة والسلام يقول:
((لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
هذه رواية ثانية وهذه مختصرة: لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. عن أبي أيوب الأنصاري, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- عاد أنصارياً فأكب عليه يسأله, قال:
((يا رسول الله, ما غمضت لي عينٌ منذ سبع ليال, ولا أحد يحضرني, لا أحد يزورني -أي أنه يبدو أن هذا الصحابي متألم ألماً شديداً، النبي زاره ألا يكفي هذا؟ يغنيه عن كل أصحابه- فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: أي أخي, اصبر تخرج من ذنوبك كما دخلت فيها))
وكلكم يعلم الحديث المشهور, عندما زار النبي صحابياً كان مريضاً, قال له: ((ادع الله أن يرحمني, قال: يا رب يرحمه, فقال الله عزّ وجل: كيف أرحمه مما أنا به أرحمه؟ وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه, إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها سُقْماً في جسده, أو إقتاراً في رزقه, أو مصيبةً في ماله أو ولده, حتى أبلغ منه مثل الذر, فإذا بقي عليه شيءٌ, شددت عليه سكرات الموت, حتى يلقاني كيوم ولدته أمه))
ألم تقل السيدة فاطمة: ((يا أبت لم لعنها الله؟ قال: ما بك يا بنيتي؟ قالت: حمّى لعنها الله, فقال عليه الصلاة والسلام: لا تلعنيها, فو الذي نفس محمدٍ بيده لا تدع المؤمن وعليه من ذنب))
فهي مكفِّرة. قف هنا :
دخل النبي -عليه الصلاة والسلام- على شخص:
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِي اللَّهم عَنْهمَا-, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- دَخَلَ عَلَى رَجُلٍ يَعُودُهُ, فَقَالَ:
((لا بَأْسَ طَهُورٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ, فَقَالَ: كَلا بَلْ حُمَّى تَفُورُ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ كَيْمَا تُزِيرَهُ الْقُبُورَ, فقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فَنَعَمْ إِذًا))
أي أن عدَّ كلامه معصية، هذا المتشائم الذي يسيء الظن بالله عزَّ وجل، يعني إذا قال له الطبيب: المرض ليس له دواء، أين إيمانك: وإذا مرضت فهو يشفين؟ أين إيمانك: أليس الله قادراً على أن يشفيك؟ أتصدق كلام طبيب وتكذب كلام خالق الكون؟ ما المرض؟ بيدي الله عزَّ وجل، اسأل الأطباء جميعاً عن شيءٍ اسمه الشفاء الذاتي، مرضٌ عضال، مرضٌ مستفحل ليس له دواء، كيف يتلاشى وحده؟ لا أحد يعرف، وهناك آلاف القصص الواقعية التي أعرف أسماء أصحابها، مرضٌ عُضَال شفي بلا سبب، وإذا مرضت فهو يشفين، فالنبي عدَّ ذلك معصيةً.
قال علماء تفسير الحديث: فنعم إذاً؛ أي إذا كان الأمر كما ظننت فنعم.
لماذا التشاؤم؟ لماذا اليأس من رحمة الله عزَّ وجل؟ لعل النبي -عليه الصلاة والسلام- أراد أن يردعه.
2-يستحب للزائر أن يطيب نفس المريض :
الشيء الثاني: يستحب للزائر أن يضع يديه على مكان المرض, ويسمي الله تعالى, ويدعو للمريض لما تقدم، ويستحب للزائر أن يطيب نفس المريض باطماعه في الحياة، أن ينفس له في الأجل، أصابه مرض، زاره شخص قال له: كم عمرك؟ قال له: اثنان وأربعون عاماً، قال له: يكفيك ذلك، ما هذه العيادة هذه؟! يجب أن تنفس له في الأجل، أن تطمِّعه في الحياة، إن شاء الله عزَّ وجل يكرمك, وتزوج بناتك, وتفرح فيهم، وبناته صغار، أعمارهم سنتان وثلاثة, ومرضه شديد, فأن تدعو له أن يزوج بناته، ويكبروا, ويزوجهم، وترى أولادهم إن شاء الله، هكذا أدب الدعوة.
فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ, فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الأَجَلِ, فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَرُدُّ شَيْئًا, وَهُوَ يَطِيبُ بِنَفْسِ الْمَرِيضِ))
فلا تيئسه من الشفاء، أو أن يكون المريض مقتنعاً بمرض, فيخبره الزائر بمرض خطير جداً، غير الذي هو مقتنع به، ويقول له: لا تصدق هذا مرضك من النوع الثاني، هذا كلُّه منهي عنه، دع ذلك للطبيب هو الذي يعرف . ((إِذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ, فَنَفِّسُوا لَهُ فِي الأَجَلِ, فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَرُدُّ شَيْئًا, وَهُوَ يَطِيبُ بِنَفْسِ الْمَرِيضِ))
فلن يقرب أجله كلامك، ولا يبعد أجله تنفيسك له في الأجل، كلامك لا يقدم ولا يؤخر، لكن أسمعه كلاماً طيباً، الطريقة الأمريكية في المعالجة، يواجه المريض بأكبر كلمة، هناك من يموتون من سماع اسم المرض، يوجد حكمة أبلغ من ذلك، كأن يبلغوا أهله مثلاً، يبلغوا بشكل تدريجي وبشكل خفيف، ولعل الله يشفيه. قصة :
سمعت أن امرأةً مدرسة في المغرب, ولقد نسيت اسمها, ألفت كتاباً عنوانه: لا تنس ذكر الله، أصيبت بمرضٍ عضال، بورمٍ خبيث في ثديها، وحينما جابت كل أطباء فرنسا، فآخر طبيب أخبر زوجها أنه بقي في حياتها أسبوع، واضطر زوجها أن يخبرها بذلك، فأحبت أن تموت في البلاد المقدسة، وانتقلت إلى الديار المقدسة، ودخلت إلى الكعبة المشرفة، وطافت حولها ثمانية عشر شوطاً إلى أن أغمي عليها، لأنها يائسة، وقصةٌ طويلة ألفت في كتاب, قرأت عنه قبل أسابيع ملخص الكتاب، وحدثني أخٌ كريم عن ملخصه، وبعد هذا الطواف الشديد, وهذا البكاء والابتهال والتضرع والخشوع، واستمرت في ذلك أياماً عديدة, بلغت عشرين يوماً تطوف كل يوم، ولا تأكل شيئاً بل تشرب ماء زمزم، ثم تحسست أماكن الورم الخبيث فلم تجد شيئاً، فكاد عقلها يطير أو كاد أن يختل توازنها من شدة الفرح، عادت إلى فرنسا وأطلعت الطبيب على حالتها، فكان الطبيب في دهشةٍ بالغة، ليس هناك أي أثر, لكنه احتياطاً أعطاها دواء هذا الدواء أسقط شعرها كلّه، فتألمت ثانيةً ألماً شديداً، ورأت النبي -عليه الصلاة والسلام- وشكت له سقوط شعرها، فمسح بيده الشريفة على رأسها ونبت شعرها بسرعةٍ غريبة، وهي الآن تتمتع بأتم أنواع الصحة، وعادت إلى الله عودةً وتابت توبةً لو وزعت على أهل بلدٍ لكفتهم، ومرضها عضالٌ خبيث ظهر في أماكن عدة من جسمها.
الذي عند الله ليس عند العبيد، اليأس نوعٌ من أنواع الكفر بالله، والقنوط من رحمة الله من صفات الكافرين:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[سورة الزمر الآية: 53]
فهو كما قال الشاعر:
نزلت فلما استحكمت حلقاتها
فرجت وكنت أظن أن لا تُفرَج: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾
[سورة الطلاق الآية: 2]
يتقي الله؛ أي كان هناك إحكام، كلمة: ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾
[سورة الطلاق الآية: 2]
كان في حلقة محكمة حولك ففتح مخرج. 3-يستحب لعائد المريض أن يطلب منه الدعاء :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4608/04.jpg
الآن: يوجد شيء جديد في آداب العيادة: يستحب لعائد المريض أن يطلب منه الدعاء ، قال: فإن دعاء المريض مستجاب، لحديث أنس بن مالك, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:

((عودوا المرضى ومروهم فليدعوا لكم, فإن دعوة المريض مستجابةٌ وذنبه مغفور))
[أخرجه الطبراني في المعجم الأوسط]
لأنه رقيق قريب من الله عزَ وجل، دائماً المريض تجده صافياً.


4-يستحب تخفيف العبادة :
ويستحب تخفيف العيادة، النبي الكريم عيرها قال:
((فُوَاقَ نَاقَةٍ))
واحد جلس ثلاث ساعات أصبحوا حلبتين وليس ناقة:
العيادة فُوَاقَ نَاقَةٍ.
أي مقدار حلب ناقة عشر دقائق، تخفيف العيادة وعدم تكريرها، إلا إن رغب المريض ذلك في حالات خاصة، المريض مرتاح تماماً, وآكل, ومنظف نفسه, وجالس, والساعة العاشرة صباحاً, والشرفة مشمسة, يشعر بضيق, وأتيت لعنده، قال لك: والله تجلس، إذا هو ألح عليك بالجلوس، وأنت معك وقت، وهو مرتاح ولا يوجد أي مشكلة، هذا استثناء، إلا أن يرغب المريض في إطالتها.
يبدو أن النبي -عليه الصلاة والسلام- لما أصيب سعد يوم الخندق، ضرب النبي عليه خيمةً في المسجد, ليعوده أكثر أصحابه, من أجل أن يستأنس بهم, قال له: اجلس في المسجد.
وهذه يقاس عليها, إذا كان في غرفة في جانب الباب, فتكون أيسر للعوَّاد، إذا كان لك بيتان؛ بيت قريب وبيت بعيد, فاختر البيت القريب من البلد. 5-يستحب لعائد المريض ألا يتناول عند المريض طعاماً ولا شراباً :
قال: يستحب للعائد ألا يتناول عند المريض طعاماً ولا شراباً.
هنا حكمة النبي عليه الصلاة والسلام، توجد أمراض معدية, وأنت مثقف ثقافة طبية, وتعرف أن هذا المرض التهاب كبد معدي، لا تريد شيئاً، فيقولون لك: لا لا بدَّ من كأس من الشراب, وأنت لا تريد أن تشرب عنده، لا بدَّ من أن يطعموك أو فواكه، فلعلة العدوى هذه بعض الحكم، أو لعلة أن هذا المريض منعه الطبيب من هذه الأكلة، فإذا أكلتها أمامه قد يشتهيها, وقد يأكلها مغلوباً, فيتأخَّر شفاؤه، هذه الحكمة الثانية؛ أما الحكمة الثالثة:
قد يكون أهل المريض في شغل، حتى صنع فنجان من القهوة, صعب عليهم, ومشغولين، أو قد يكون لا يوجد أحد يقدم لك القهوة, وزوجته في الداخل، وأنت جالس، وهو لا يستطيع أن يقوم من الفراش، ونقروا الباب وخذوا القهوة، فالنبي الكريم هكذا قال:
إذا عاد أحدكم مريضاً, فلا يأكل عنده شيئاً, فإذا أكل عنده شيئاً, فهذا حقه من عيادته.
ذهب أجره, إلا أن يعود الأصل الفرع، الأب إذا زار ابنه:
أنت ومالك لأبيك.
هذه لها استثناء.
ما يتعلق بموضوع شكاية المريض :
يوجد عندنا موضوع شكاية المريض، فالمريض له الحق في أن يقول مثلاً: لم أنم البارحة طوال الليل، آلام لا تطاق مثلاً, ما حكم هذا في الشرع؟
قال: لا بأس أن يخبر المريض بما يجده من ألمٍ لا على سبيل الضجر والسخط مبتدئاً بحمد الله تعالى, يقول: الحمد لله أشعر كذا كذا، يؤلمني كذا وكذا، أشعر أن حرارتي مرتفعة، أشعر أن قواي منهارة، أشعر أن ألماً وصداعاً في رأسي شديداً، إذا قال المريض هذا الكلام لمن يعوده لا بأس عليه، لكن عليه أن يقدم الشكر قبل الشكوى, الحمد لله على كل حال, لكن البارحة لم أنم الليل من شدة الألم في رأسي، إذا شكر قبل أن يشتكي فلا يشتكي، فهذا ليس شكوى.
إذا كان الشكر قبل الشكوى فليس بشاكٍ.
قال: إن الألم لا يقدر أحدٌ على رفعه, والنفوس مجبولةٌ على وجدان ذلك, فلا يستطاع تغيرها عما جبلت عليه، وإنما كلّف العبد ألا يقع منه في حال المصيبة ما له سبيلٌ إلى تركه، كالمبالغة في التأوّه والجذع الزائد.
النبي بكى حينما مات ابنه إبراهيم، فقالوا:

((أتبك!! فقال: نعم، إن العين لتدمع, وإن القلب ليخشع, ولا نقول ما يسخط الرب, وإنا عليك -يا إبراهيم- لمحزونون))
هذا موقف النبي عليه الصلاة والسلام؛ أي أن الصبر ليس معناه أن تصبح إنساناً آخر كالحجر، لا أنت بشر من لحمٍ ودم، والألم ليس مخالفاً للسنة، ولكن الذي يخالف السنة أن تضجر، أن تكفر، أن تتذمر، كأن تقول: ماذا فعلت؟ أن تقول كلام يتناقض مع الإيمان، أما الألم مع الرضا هذا مقبول. نقطة هامة :
أيضاً هناك شيء آخر: هناك من يشكو إلى الله وهناك من يشكو على الله، إذا شكوت إلى مؤمن فإنما تشكو إلى الله، وإذا شكوت إلى كافر فكأنما تشكو على الله، الدليل: لما سيدنا يعقوب قال:
﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 86]
وسيدنا أيوب الله عزَّ وجل أخبرنا أنه صابر: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً﴾
[سورة ص الآية: 43]
ومع ذلك قال: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 83]
قال الشاعر: وإذا عراك بليةٌ فاصبـر لها
صبر الكــريم فإنـه بك أعلم
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما
تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم

أي أن من أكمل المواقف أن تكون شكواك إلى الله وحده، أما إذا شكوت إلى مؤمن فهذا من قبيل التنفيس، والشكوى إلى مؤمن شكوى إلى الله، بينما الشكوى إلى كافر هي شكوى على الله.خاتمة القول :
الحديث الشريف الذي أخرجه الشيخان والنسائي:
فعن أَبَي هُرَيْرَةَ يَقُولُ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْه))
[أخرجه البخاري في الصحيح, ومالك في الموطأ]
نحن نعرف يفقه في الدين، هذا الحديث: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ مِنْهُ.
معناها أنت مطموع فيك، معناها أنت قابل للتربية، معناها أنت غالٍ على الله، معناها أنت فيك خير كبير جداً، معناها أنت قريب كثيراً من الحق، فهذا المرض جاء ليدفعك إلى بابه الكبير، أما الميئوس منه، خارج الاهتمام، خارج المعالجة هذا:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 44]
دققوا في هذا الكلام: ﴿حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة﴾
ثلاثة أيام.
وعن مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ, فَمَنْ صَبَرَ فَلَهُ الصَّبْرُ, وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَعُ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده]
إذا صبرت فهذا دليل نجاحك في الإيمان.
وعن عَائِشَةَ -رَضِي اللَّهم عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَتْ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ بها, حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه, ومالك في الموطأ]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: ((مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ وَلا هَمٍّ وَلا حُزْنٍ وَلا أَذًى وَلا غَمٍّ, حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا, إِلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ))
أعتقد أحاديث كافية جداً أن الإنسان يقبل المرض، وأن يصبر عليه, وأن يعود المريض، وفي درسٍ آخر إن شاء الله تعالى نتحدث عن التداوي، التداوي له حكم دقيق جداً، ترك التداوي معصية لله عزَّ وجل.

السعيد 09-05-2018 01:09 PM

رد: الحقوق الاسلامية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( الخامس العاشر )

الموضوع : حق عيادة المريض - شرعية التداوى من الامراض



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما حكم الشرع في التداوي؟ :
أيها الأخوة الأكارم, لا زلنا في الحديث عن الحقوق، تحدثنا عن حقوق الزوجة على زوجها، والزوج على زوجته، وحقوق الآباء على أبنائهم، والأبناء على آبائهم، وحقوق المسلم على المسلم, ومرَّ بنا من هذه الحقوق حق النصيحة، وحق إجابة الدعوة، وحق عيادة المريض ، وموضوع عيادة المريض، نقلنا إلى موضعٍ فرعي ألا وهو حكم الشرع في التداوي.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/01.jpg
فالتداوي من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، إنك مكلّف أن تعبد الله وفق ما أمر الله، وكنت أقول لكم دائماً:
إنَّ العمل الصحيح لا بدَّ من أن يتوافر فيه شرطان؛ الشرط الأول: أن يكون خالصاً، والشرط الثاني: أن يكون صواباً، والإخلاص أن تبتغي بهذا العمل وجه الله عزَّ وجل، والصواب أن يكون مطابقاً للسنة النبوية، ففي كل حركاتك وسكناتك، في كل مواقفك، في كل تصرفاتك، في كل نشاطك، في كل حركتك على وجه الأرض، يجب أن تقتفي أثرّ النبي عليه الصلاة والسلام, لأن الله سبحانه وتعالى يأمرك أن تقتفي أثره:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
أنت بنص القرآن الكريم في آيةٍ محكمةٍ قطعية الدلالة, يأمرك الله سبحانه وتعالى أن تقتفي أثر النبي عليه الصلاة والسلام. هذا حدود خيار المؤمن :
أحياناً: يجتهد المؤمن اجتهاداً مخالفاً للسنة، وكلّكم يعلم: أنه لا اجتهاد في مورد النص، ما دام هناك نصٌ صحيح في القرآن أو في السنة, فأنت ليس لك خيار، متى ينتهي خيارك؟ إذا رأيت النص الصحيح: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
قضى الله في القرآن الكريم، وقضى النبي في سنته المطهرة، فإذا وجدت نصاً قرآنياً قطعي الدلالة أو نصاً نبوياً قطعي الثبوت قطعي الدلالة أو ظني الثبوت قطعي الدلالة, فينبغي أن تقتفي أثر هذا النص أو هذه السنة. هذا عين الجهل :
لذلك هناك من يجتهد في أمر صحته وصحة ذويه، فقد لا يأخذ امرأته إلى الطبيب بدعوى الحرص على ألا يراها الأجنبي، بدعوى الغيرة، بدعوى الورع، فإذا ماتت هذه المرأة بسبب الإهمال, يحاسب الزوج على ذلك حساباً عسيراً، اتباع السنة أولى من أن تجتهد، دليل هذا:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/02.jpg
أن النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما نهى أصحابه عن أن يركبوا جملاً حروناً، وبعض أصحابه اجتهد أن يذهب مع النبي -عليه الصلاة والسلام- إلى الجهاد، وركب جملاً حروناً, ووقع من عليه, ودقَّت عنقه, وأبى النبي -عليه الصلاة والسلام- أن يصلي عليه، لأنه مات عاصياً، فأنت لا ينبغي أن تعبد الله وَفْق ما تريد، بل كما يريد الله عزَّ وجل, وإرادة الله جاءت محكمةً في القرآن الكريم ومفصلةً في السنة النبوية.
فإنسان يمتنع عن تعاطي الدواء، بدعوى أن الشافي هو الله، هذا جهل.
((من أكل التراب فقد أعان على قتل نفسه))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/03.jpg
أي من أكل فاكهة من دون أن يغسلها، وقال: يا أخي سَمِّ الله وكل فالحافظ هو الله، هذا عين الجهل، أنت كمؤمن ينتهي خيارك وتنتهي آراؤك وتنتهي اجتهاداتك حينما ترى السنة النبوية المطهرة، منهجٌ دقيقٌ دقيق رسمه النبي عليه الصلاة والسلام لا من عند نفسه؛ ولكن من عند خالق الكون:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية: 3-4]
فهذا الذي يجتهد بعدم تعاطي الدواء، هذا الذي يقول: سلمت أمري لله، هذا الذي يقول: توكلت على الله، هذا الذي يقول: لا شافي إلا الله، هذا الذي يقول: أنا أغار أنا لا أتحمل أن يرى طبيبٌ أجنبي وجه زوجتي، إذاً لن آخذها إلى عيادة الطبيب، هذا هو عين الجهل.
أحد أسباب تخلف المسلمين :
أعيد على أسماعكم مرةً ثانية: يجب أن تعبد الله كما يريد الله لا كما تريد أنت، ربما كان أحد أسباب تخلُّف المسلمين هو فهمهم السقيم للتوحيد، وفهمهم السقيم للتوكل، إن الله سبحانه وتعالى يقول, يحدثنا عن ذي القرنين, ويقول في سورة الكهف: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/04.jpg

﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً﴾
[سورة الكهف الاية: 84-85]
وعن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ -رَضِي اللَّه عَنْه-, قَالَ رَجُلٌ لرَسُولَ اللَّهِ:
((أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ, قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
هل هناك تناقضٌ بين أن تعقلها وبين أن تتوكل؟ الشرك الخفي أن تعتمد على الأسباب، ولكن التوحيد الجلي أن تأخذ بها، وهذا هو الخيط الدقيق بين الشرك الخفي وبين التوحيد الجلي، التوحيد أن تعتمد على الله وأن تأخذ بالأسباب، والشرك الخفي أن تعتمد على الأسباب.
يقول: الدراهم مراهم، بالمال يحل كل شيء، بالذكاء يحل كل شيء، هذا الكلام عين الشرك:
ولا ينفع ذا الجد منك الجد.
هل يوجد تناقض بين التوحيد وبين الأخذ بالأسباب؟ :
الآية الكريمة التي تتحدث عن اليهود الذين أجلاهم الله عزَّ وجل، وقد وردت قصتهم في سورة الحشر، ومن آيات هذه السورة:
﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا﴾
[سورة الحشر الآية: 2]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/05.jpg
أي أنتم أيها المسلمون بحسب المعطيات المادية, ظننتم أو غلب على ظنكم أو تيقنتم أنهم لن يخرجوا, أما هم:

﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾
[سورة الحشر الآية: 2]
اليهود اعتمدوا على حصونهم، والمؤمنون في ساعة غفلةٍ أو في ساعة غيبوبة: رأوا أن هؤلاء اليهود بأيديهم من وسائل المنعة والتحصُّن الشيء الكثير:
﴿مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾
[سورة الحشر الآية: 2]
لذلك الفعال هو الله عزَّ وجل، وأنت إذا أخذت بالأسباب, ليس معنى هذا أنك لست موحداً، أي إذا عالجت زوجتك, أو عالجت نفسك، أو تعاطيت الدواء, ليس معنى هذا أنك تعتمد عليه، الاعتماد عليه شرك، ولكن الاعتماد على الله توحيد، وليس هناك تناقضٌ بين التوحيد وبين الأخذ بالأسباب.
ما معنى هذه الآية؟ :
إذاً: موضوعنا اليوم حول التداوي، والله عزَّ وجل قال في القرآن الكريم على لسان سيدنا إبراهيم: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/06.jpg

﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
[سورة الشعراء الآية: 80]
الشافي هو الله، وقد وضع لهذا الجسم سنناً دقيقةً جداً؛ فإذا أراد أن يشفيك، ألهم الطبيب أن يأتي تشخيصه للدواء صحيحاً, وتأخذ الدواء، ويفعل الدواء فعله بإذن الله، وتـشفى من المـرض، هـذا معنى قوله تعـالى:
﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾
[سورة الشعراء الآية: 80]
قد يفهم بعضهم هذه الآية فهماً مغلوطاً، يعني فهو يشفين من دون سبب، الله عزَّ وجل يعطي بسبب ويأخذ بسبب، إذا أراد أن يعطيك يعطيك بالأسباب التي خلقها، بالأسباب التي صممها، بالأسباب التي بنى عليها الكون، بالأسباب التي بنى عليها الجسم، أي إذا قلت: إن الله هو الشافي, معنى ذلك: أنه يشفي إذا اتبعت منهجه في تعاطي الدواء، فيكفي أولاً أن يلهم الطبيب التشخيص الصحيح، وثانياً يلهمه الدواء الفعال، ويمكّنك من أخذ الدواء، وقد أودع في الدواء قوة الشفاء فيما يبدو, عندئذٍ تشفى بإذن الله.
علام يطلعنا هذا الحديث؟ :
وسيأتي معنا بالتفصيل: كيف أن هذه الحقائق المهمة جداً في التوحيد وردت في تفصيلات أحاديث التداوي؟.
فعَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ, عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ:
((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ, فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))
يعني ما خلق الله داءً إلا وخلق له دواء. ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ -هكذا يقول النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية: 3-4]
فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ - أي متى لا ينفع الدواء؟ إن لم يكن هذا الدواء لهذا الداء، إذاً من توفيق الله عزَّ وجل للطبيب أن يلهمه التشخيص الصحيح والدواء المناسب- بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ))
هل الأسباب وحدها تصنع النتائج؟ :
هنا تطالعنا نقطة في التوحيد مهمة جداً: الأسباب وحدها لا تصنع النتائج، فإذا اعتقدت أن الأسباب وحدها تصنع النتائج فهذا شرك.
فالنار لا تحرق إلا إذا شاء الله لها أن تحرق، لذلك لخص علماء السنة والجماعة هذه العقيدة بكلمتين, قالوا: عندها لا بها.
يعني النار تحرق إذا شاء الله لها أن تحرق، والماء يروي إذا شاء الله له أن يروي، والماء ينبت الزرع إذا شاء الله له أن ينبت الزرع، والأشياء -كما يقول علماء التوحيد-: قائمةٌ بالله, وأفعالها قائمةٌ بالله, ولا يقع شيءٌ إلا بأمر الله.
فقال عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث الشريف الذي أخرجه مسلم:
((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ, فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللَّهِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
لو لم يقل بإذن الله عزَّ وجل، لو قال: فإذا أصاب دواء الداء برَأ, معنى ذلك: أن الأسباب تصنع النتائج.
انظر إلى ما قاله الإمام السبكي :
الإمام السبكي يقول: إن التداوي مذهب الجمهور, وفيه ردٌ على من أنكر التداوي من غلاة الصوفية.
بعض الصوفيين المغالين ينكرون التداوي، ويدَّعون واهمين أن التداوي يتناقض مع القضاء والقدر.
وكلّكم يعلم: أن سيدنا عمر -رضي الله عنه- حينما كان على مشارف الشام, وقد بلغه أن بها داءً وبيلاً, امتنع عن دخولها، أصحابه وقفوا موقفين بين أن يدخلوها ويتوكلوا على الله, وبين أن يحجموا عن دخولها -آخذين بالأسباب- سيدنا عمر وقف موقف المحتاط، وامتنع من دخول المدينة، فلما قال له بعضهم: أفراراً من قضاء الله؟ قال: نعم نفر من قضاء الله إلى قضاء الله.
-يعني المرض بقضاء الله والشفاء بقضاء الله- وضرب مثلاً:
لو أن لك قطيعاً من الغنم وأمامك أرضان؛ إحداهما مجدبة والثانية مخصبة، إن رعيتها في المجدبة رعيتها بقضاء الله، وإن رعيتها في المخصبة رعيتها بقضاء الله، قال له: نعم, نفر من قضاء الله إلى قضاء الله.
متى ينعكس على حياة المؤمن التخلف والتراجع والتدهور؟ :
لذلك: فإن العلماء فرقوا بين القضاء والمقضي، أحياناً يأتيك شيءٌ ليس مرغوباً فيه، تستسلم له, ليس هذا من أخلاق المؤمن ولا من عقيدته بل يجب أن ترده، إذا كان هذا الشيء الآتي مزعجاً وهو من قضاء الله عزَّ وجل فردَّه أيضاً من قضاء الله عزَّ وجل، ولولا هذه العقيدة الصحيحة لما قامت الحياة ولما استقامت الحياة، وما من مؤمنٍ يعتقد خلاف هذه العقيدة إلا انعكس هذا على حياته تخلُّفاً وتراجعاً وتدهوراً.
أليس كلُّ شيءٍ بقضاءٍ من الله وقدر كما قال عليه الصلاة والسلام؟ لماذا أمرنا بالدعاء؟ أليس كل شيءٍ بقضاء الله وقدر؟ لماذا أُمِرنا ألا نلقي بأيدينا إلى التهلكة؟ أليس كل شيءٍ بقضاءٍ من الله وقدر؟ إذاً: قد يفهم الإنسان القضاء والقدر فهماً سقيماً, فيصبح على هامش الحياة ويصبح في آخر الركب، والمسلمون ليسوا كذلك.
من سنن الله في خلقه :
أسامة بن شريك قال:
((أَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابَهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُؤوسِهِمُ الطَّيْرُ فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ, فَجَاءَ الأَعْرَابُ مِنْ هَا هُنَا وَهَا هُنَا, فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَدَاوَى؟ فَقَالَ: تَدَاوَوْا, فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ))
أي أن الهرم هذه سنة الله في خلقه.
تعليق :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/07.jpg
لكن بالمناسبة تعليق بسيط: أي من شب على شيءٍ شاب عليه، ومن شاب على شيءٍ مات عليه، ومن مات على شيءٍ حُشر عليه.
يعني القصة المعروفة، هذا الذي بلغ السادسة والتسعين أو السابعة والتسعين, وقد أمضى سبعين عاماً في تعليم الناس الخير، تعليم الناس القرآن، وكان صحيح الجسم، وكان مستقيم القامة، وكان حادَّ البصر، وكان مرهف السمع، وكانت أسنانه في فمه، فقال له تلامذته:
يا أستاذنا الكريم, ما هذه الصحة التي أكرمك الله بها؟ قال: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش قوياً.
لذلك من تعلم القرآن متعه الله بعقله حتى يموت، البطولة ليس في مقتبل العمر، ولكن في خريف العمر، فإذا كانت لك بدايةٌ محرقة كانت لك نهايةٌ مشرقة, بقدر جدِّك وسعيك وورعك واستقامتك وطلبك للعلم وأنت في ريعان الشباب، بقدر ما يهيئ الله لك عمراً في خريف العمر, تشعر أن كل هذه الثمار تقطفها في هذا الوقت الحرج.
ما نوع هذه الصيغة؟ :
فهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي والنسائي, وقال الترمذي: حسنٌ صحيح.
((تَدَاوَوْا, فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ الْهَرَمُ))
وعن ابن مسعودٍ, أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: ((إن الله لم ينزل داءً إلا أنزل له شفاءً فتداووا))
هذه الصيغة ما نوعها؟ فعل أمر، والأمر يقتضي الوجوب, أمر النبي -عليه الصلاة والسلام- يقتضي الوجوب.
تعلمون أن هناك أمر إباحة، وأمر وجوب, وأمر تهديد، وأمر ندب, هذا أمرٌ يقتضي الوجوب -تداووا- فأنت ليس لك خيار, لكن أحياناً لست متأكداً أن هذا الدواء يشفي، هنا أنت مخير، هنا يصبح التداوي مباحاً، أما إذا غلب على ظنك، ما معنى غلب على ظنك؟ تسعون في المائة، الشك خمسين، الوهم ثلاثين تقريباً، الظن سبعين، غلبة الظن تسعين، اليقين مائة، إذا غلب على ظنك أن هذا الدواء يشفيك من مرضك، أصبح التداوي حكماً شرعياً يرقى إلى مستوى الفرض، أما إذا كنت شاكاً في فعالية الدواء أصبح الأمر مباحاً. ما دام لكل داء دواء: هل يحتمل هذا النص العموم؟ :
الآن سؤال: ما دام لكل داءٍ دواء, يا ترى هل يحتمل هذا النص العموم؟ فأي داءٍ له دواء؟ الأمراض الخبيثة ليس لها دواء، هناك قائمةٌ من الأمراض التي ليس لها دواء، فالعلماء وقفوا أمام هذا الحديث موقفين بعضهم, قال: إن هذا الحديث يقتضي العموم.
((وما من داءٍ خلقه الله عزَّ وجل إلا وله دواء))
ولكن الإنسان قد لا يعرفه، هناك أمراضٌ كثيرة في حينها لم تكن معروفة الدواء، ثم جاء وقتٌ إذا هي قد عُرفت أدواؤها، هذا موقف أول، والموقف الثاني: أن الداء الذي حينما خلقه الله عزَّ وجل خلقه ليشفى, خلق له دواءً؛ إما أن تأخذ المعنى الأول، وإما أن تأخذ المعنى الثاني. ما سبب مرض الإيدز؟ :
ولكن بكل تأكيد: أن النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما حدث أصحابه في موضوع الزكاة, وقال:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ, قَالَ:
((أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ, خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ, وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا, إِلا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمِ الَّذِينَ مَضَوْا))
[أخرجه ابن ماجة في سننه]
حتى يعلنوا بها: حتى يفخروا بها، حتى يحملوا بطاقات، مرخصٌ لهم أن يفعلوا كذا وكذا، طبعاً مرض الإيدز -كما تعلمون الآن- هو الشبح المخيف بالعالم.
في بعض الإحصاءات: أن العقد القادم يحتمل أن يصاب بهذا المرض ما يزيد عن خمسين مليون إنسان، وهذا المرض بكل بساطة بسبب انحراف أخلاقهم. هذه العلاقة العلمية بين المعصية ونتائجها :
لذلك هناك من يقول: إن بين المعصية وبين نتائجها علاقةً علمية، أي علاقة سببٍ بنتيجة، فالذي حرمه الله عزَّ وجل له نتيجةٌ علمية متعلقةٌ بالسبب، فهذا مرض الإيدز أحد هذه الأمراض التي تنبئنا بصدق النبي -عليه الصلاة والسلام-:
إلا ابتلاهم الله بأمراضٍ لم تكن في أسلافهم.
طبعاً الإنسان حينما يسير وفق هواه، حينما ينطلق من عقال شهواته ونزواته يدفع الثمن غالياً.
لا تنسوا قوله تعالى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[سورة طه الآية: 123]
لا يضل عقله ولا تشقى نفسه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾
[سورة طه الآية: 124]
ولا تنسوا قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[سورة الجاثية الآية: 21]
إن الله يعطي الصحة والذكاء والجمال والمال للكثيرين من خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدرٍ لأصفيائه المؤمنين.
متى ينجح الطبيب؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/08.jpg
فإذا أصاب دواء الداء، إذاً الطبيب متى ينجح؟ إذا اهتدى إلى شيئين، إذا اهتدى إلى معرفة المرض، وإذا اهتدى إلى الدواء، فإذا أصيب دواء الداء؛ عرف الداء وعرف الدواء والتقيا تقاطعا، لذلك قال الشاعر:

إن الطبيب له عــلمٌ يُدِلُّ به إن كان للناسِ في الآجالِ تأخيرُ
حتى إذا ما انتهت أيام رحلته حار الطبيبُ وخانتــه العقاقيرُ

حار الطبيب في تشخيص الداء، وخانته العقاقير في وصف الدواء.
بعضهم قال: إن الأمراض القاتلة التي لا يمكن للطبيب أن يبرئها, لعل الله سبحانه وتعالى استأثر لنفسه بدوائها، فإذا شاء شفي المريض من هذا المرض العضال.
وهذا ما يفسره الأطباء بالشفاء الذاتي، ورم خبيث مستفحل من الدرجة الخامسة كيف انحسر من دون سبب؟ لعل الله عزَّ وجل هو الذي يستأثر بالدواء، شاء لهذا المريض أن يشفى فشفاه، شفاه من دون أن يعلم الأطباء كيف شفي، هذا بعض تفسيرات الحديث. إليكم بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالتداوي :
نصلُ الآن إلى بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بالتداوي.
قالوا: ينبغي أن يكون الطبيب الذي يعالج المرضى المسلمين، ينبغي أن يكون مسلماً.
هل هناك علّة لهذا الحكم الشرعي؟ طبعاً، قد يصف هذا الطبيب دواءاً محرَّماً، قد يصف للمريض النبيذ، ويقول لك: هذا يعطيك حرارة، يجب أن يكون الطبيب مسلماً, لأن المسلم يطبِّق المنهج الإلهي.
ما عند الله لا ينال بمعصية الله، ما جعل الله شفاءه في ما حرَّم .
فالطبيب غير المسلم قد يكشف عن العورات، قد ينظر إلى العورات، قد يصف الدواء غير الشرعي، فلذلك ينبغي أن يكون الطبيب مسلماً ثقةً، ومن هنا؛ ففي كل نصيحة أو في كل توجيهٍ في شأن الصيام والإفطار والإجهاض وما شاكل ذلك، لا يقبل إلا رأي الطبيب المسلم الحاذق الثقة، مسلم حاذق ثقة، مسلم انتماؤه، والحاذق مهارته, والثقة ورعه، مثلاً:
الطبيب قال لي: افطر، أي طبيبٍ هذا, قال لك: افطر؟ لا يجوز أن تفطر إلا برأي طبيبٍ مسلمٍ حاذقٍ ثقة.
رأي العلماء: ويكره لغير ضرورةٍ طلب التداوي من غير المسلمين.
فأحياناً طبيب لا يخاف الله عزَّ وجل يعطي كورتيزون، الكورتيزون له مفعول سريع جداً، فالألم يزول فوراً، لكن هذا الدواء له مضاعفات خطيرة، أما المسلم فإنه يخاف الله عزَّ وجل، يفضِّل ألف مرة أن يتألم المريض وألا يكون هذا الدواء خطراً على مستقبل حياته.
متى يجوز الاستعانة بطبيب غير مسلم؟ :
قالوا: أما إذا دعت الضرورة لذلك فلا مانع.
النبي استأجر دليلاً لطريق الهجرة إلى المدينة المنورة، فلذلك يجب عليك أن تذهب عند الطبيب المسلم، فإذا كان الطبيب المسلم معلوماته ضعيفة والمرض خطير، والطبيب غير المسلم معلوماته جيدة جداً، نفضل عندئذٍ الطبيب غير المسلم.
قال: أما إذا دعت الضرورة فلا كراهة إذا كان خبيراً ثقةً عند المريض.
وقد روي أن النبي -عليه الصلاة والسلام- استعان بطبيبٍ غير مسلم.
هل يجوز للمرأة الأجنبية أن تعالج الرجل؟ :
كما لا يجوز للمرأة الأجنبية أن تعالج الرجل إلا لضرورة -معنى الأجنبية ليس المقصود أنها غير مسلمة، بل أية امرأةٍ ليست من محارمك فهذه امرأة أجنبية، فلا ينبغي أن تعالج المرأة الأجنبية مسلماً إلا لضرورةٍ قصوى وتعلمون السبب-.
وينبغي أن تعالج المرأةُ المرأة.
-يعني إذا كانت هناك طبيبة والمرض خفيف وعادي، وفي إمكان هذه الطبيبة المسلمة أن تعالجه، عندئذٍ كن ورعاً ولا تأخذ زوجتك لعند طبيبٍ طبعاً ذكر، الطبيبة الأنثى أولى في معالجة الأنثى من الطبيب، والأسباب معروفة.
قال-: فإذا اضطر الطبيب أن يعالج امرأة, عليه أن يستر جسدها.

هذا ما يصنعه الأطباء المؤمنون :
أخواننا الأطباء المؤمنون, بارك الله بهم, عندهم أغطية بيضاء, لها فتحة صغيرة، يضعون هذا الغطاء على المرأة, وتكون الفتحة عند موضع الداء، وهنا يعالج، ولا يرى شيئاً, وهذا هو الورع، المؤمن له طريقته ووسائله وغير المؤمن له طرائق ووسائل قد تكون خبيثة.
وعليه أن يغض بصره ما استطاع، ولا يستطيع أحدٌ في الأرض أن يحاسبه إلا الله, لأن الله عزَّ وجل يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ويغض بصره ما استطاع إلا عن موضع الجُرح.
من السنة :
ويواجهنا شيء آخر، فمن الحكم الشرعي ومن السنة النبوية أن تختار أمهر الأطباء والدليل:
يروي زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ, أَنَّ رَجُلا فِي زمن النبي -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَصَابَهُ جُرْحٌ فَاحْتَقَنَ الْجُرْحُ الدَّمَ، وَأَنَّ الرَّجُلَ دَعَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي أَنْمَارٍ, فَنَظَرَا إِلَيْهِ, فَزَعَمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لَهُمَا:
((أَيُّكُمَا أَطَبُّ؟ فَقَالا: أَوَ فِي الطِّبِّ خَيْرٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! فَزَعَمَ زَيْدٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: أَنْزَلَ الدَّوَاءَ الَّذِي أَنْزَلَ الأَدْوَاءَ))
[أخرجه مالك في الموطأ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4609/09.jpg
أَيُّكُمَا أَطَبُّ؟ أي أن الصحة غالية كثيراً فهي رأس مالك، رأس مالك في الدنيا، ونفسك مطيتك فارفق بها، فاخترت طبيباً من الدرجة الخامسة أو السادسة، هذا طبيب بالمجان, أو هذا أرخص وأقل تكلفة, أو هذا بجانب البيت قريب منا، لا إن صحتك أغلى من ذلك, لأن صحتك رأس مالك في الدنيا.
والنبي يقول: اعقل وتوكل.
ففي شأن الطب لا ينبغي أن تختار الأقل كلفة أو الأقرب، لا بل يجب أن تختار الأصلح, لأن الخطأ في أمر الجسد خطأ له مضاعفات خطيرة جداً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
أيكما أطب؟.
وبالمناسبة: هناك مسؤولية الطب:
من طبب -أي من عالج- ومن جعل نفسه طبيباً ولم يعرف منه طبٌ فهو ضامن.
أي مسؤول, ولا بدَّ من أن يحاسب عند الله وعند الناس.
هل يجوز التداوي بالنجس والحرام؟ :
الآن: ينبغي التداوي بالطاهر الحلال، لا يجوز التداوي بالنجس والحرام، أي هذه مادة مخدرة أو كحول وأشياء حرمها الله عزَّ وجل, هذا لا ينبغي أن يفعله المؤمن، والحديث الشريف المعروف:
((من ابتغى أمراً بمعصيةٍ, كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى))
ماذا يبغي الشفاء؟ ابتعد عن الشفاء, ماذا يخاف المرض؟ اقترب منه، هذا الحديث في كل المجالات، في التجارة تبتغي الربح عصيت الله من أجل الربح، ابتعدت عن الربح واقتربت من الخسارة، في الدراسة تبتغي النجاح عصيت الله من أجل النجاح، ابتعدت عن النجاح واقتربت من الرسوب، في الشفاء ابتغيت الدواء المحرم, ابتعدت عن الشفاء واقتربت من المرض. ((من ابتغى أمراً بمعصيةٍ, كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى))
إليكم الأدلة من السنة على تحريم التداوي بالنجس والحرام :
ما الدليل في هذا الموضوع؟ .
قال أَبِو هُرَيْرَةَ:
((نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ))
يَعْنِي السُّمَّ . [أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي, وزاد: يعني ما هو نجسٌ وما هو حرامٌ وما هو سمٌ، إما أنه حرام كالخمر والبول والعُذرة أو لحم غير المأكول، هذا كلُّه مما نهى النبي -عليه الصلاة والسلام- عنه.
حديثٌ آخر:
عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّه -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ, وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً, فَتَدَاوَوْا وَلا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
((عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ, أَنَّ طَبِيبًا سَأَلَ رسول الله-صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ ضِفْدَعٍ يَجْعَلُهَا فِي دَوَاءٍ, فَنَهَاهُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ قَتْلِهَا))
[أخرجه أبو داود والنسائي في سننهما]
متى تطبق هذه القاعدة؟ :
لكن يوجد عندنا حالات نادرة، قال: إذا غصَّ الإنسان بلقمة ولم يجد ما يسيغها وكاد يموت، وغلب على ظنه أنه سيموت، فإذا شرب الخمرة ليسيغها به, هنا تطبق القاعدة: الضرورات تبيح المحظورات.
خاتمة القول :
والإمام أحمد -رحمه الله تعالى- يكره التداوي بما يصنعه غير المسلمين، لعل شيئاً محرماً دخل في هذا الدواء؛ لذلك: إن تقصير المسلمين في صنع الدواء يجعلهم آثمين جميعاً.
لقد بلغني أن هذه الكبسولات كلها مصنوعةٌ من شحم الخنزير، فالبرشام يصنع من دهنه، حينما يهمل المسلمون تعلُّم العلوم التطبيقية, يصبحون عالةً على غير المسلمين في تلقي الدواء، لذلك فرض الكفاية, إذا قام به البعض سقط عن الكل، فإذا أهمله الكل أثموا جميعاً.
يعني مثلاً: مدينة أو قرية فيها مائة عالم وليس فيها طبيب، وطبيبٌ ذميٌ واحد يكشف العورات، هذه المدينة كلُّها آثمة، مع أن فيها مائة عالم، فتعلم الطب فرض كفاية، هذا أحد أسباب تخلف المسلمين، يعني ترك الأخذ بالأسباب، وترك معرفة حاجات الحياة الأساسية, وإهمال كثير من المستلزمات, وتركها لغير المسلمين, كان بسبب تقصير المسلمين وتقاعسهم، مما أدى إلى هوانهم وتخلفهم.

السعيد 09-05-2018 01:12 PM

رد: الحقوق الاسلامية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

الحقوق الاسلامية

الدرس : ( السادس العاشر )

الموضوع : حق السلام


الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من حقوق المسلم على المسلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/01.jpg
أيها الأخوة المؤمنون, لا زلنا في الحقوق، ولا زلنا في حقوق المسلم على المسلم، وقد كان موضوع الدرس الماضي التداوي، والموضوع الذي قبل الماضي إجابة الدعوة، وعيادة المريض، والنصح لكل مسلم، واليوم ننتقل إلى حقٍ آخر من حقوق المسلم على المسلم ألا وهو: رد السلام.
قد يبدو لكم بادئ ذي بدء: أن موضوع السلام، إلقاء السلام، رد السلام شيءٌ جزئيٌ في الإسلام، ولكن الأحاديث الصحيحة تنبئ بأهمية البدء بالسلام ورد السلام، وسوف ترون بعد قليل, كيف أن موضوع السلام في الإسلام شيءٌ يشغل حيزاً كبيراً, وقبل الدخول في هذا الموضوع لا بدّ من مقـدمة.
هذه الجوانب التي يتمتع بها الإنسان :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/02.jpg
الإنسان -أيها الإخوة- له حياةٌ فردية، له حياةٌ عضوية، له حياةٌ نفسية، له حياةٌ عقلية؛ يعيش مع عقله، يفكر, يدرس، يبحث، يطلب الأسباب، يطلب البراهين, يقتنع لا يقتنع، يقبل يرفض، هذه حياة عقلية متعلِّقة بالفكر والحقائق، والدراسة والتأمل، والقبول والرد والرفض، والبرهان وعدم البرهان، والصحة والفساد والبُطلان، هذه حياة عقلية، لكل واحد منا حياته العقلية ولعقله مستوى.
والإنسان له حياة نفسية؛ يغضب، يحزن، يتفاءل، يتشاءم، ينشأ في نفسه صراع، له طموحات، يُحِس بالانقباض، يُحس بالانشراح، يشعر بالسعادة، يشعر بالضيق، هذه حياة نفسية له حياة عقلية, وله حياة نفسية، وله حياة عضوية؛ يأكل، ويشرب، ويهضم الطعام، وله جهاز دوران، وجهاز هضم، وجهاز إفراز، وجهاز عضلي، وجهاز عظمي، له غدد صماء، وله أجهزة، وله عضلات، ويعتريه عطب، وكما يعتريه مرض، ويتمتع بصحة, هذه حياة عضوية, وله حياة نفسيةٌ، وله حياةٌ اجتماعية؛ الإنسان اجتماعي، الله سبحانه وتعالى فطره فطرةً اجتماعية، يُعبر عنها الناس بكلمات، من هذه الكلمات: الجنة بلا ناس لا تداس.
لم خلق الإنسان ذا طبع اجتماعي؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/03.jpg
الإنسان يأنس بأخيه الإنسان، فلو نام إنسان في بيتٍ وحده يشعر بالوحشة، لو سافر وحده يشعر بالوحشة، الإنسان مفطور على الاجتماع، رُكبت الطبيعة الاجتماعية في فطرته.
ويبدو أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ذا طبعٍ اجتماعي لأهدافٍ كثيرة، منها: أن إعداده للآخرة لا يكون إلا عن طريق الحياة الاجتماعية، كيف يرقى الإنسان لو كان يعيش وحده؟ إذا عاش مع الناس يظهر كرمه، يظهر بخله، يظهر صدقه، يظهر كذبه، يظهر حرصه، يظهر إهماله، تظهر شجاعته، يظهر وفاؤه، يظهر إخلاصه, وكل الفضائل التي يمكن أن تسعدك في الجنة وإلى الأبد، لا تكون إلا وسط المجتمع، كل الفضائل التي يمكن أن تسْعَد بها إلى أبد الآبدين, لن تنمو ولن تظهر إلا في جوٍ من الحياة الاجتماعية.
هذا نظام الأسرة الإنسانية :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/04.jpg
لذلك: نظام الأسرة اجتماع, هكذا رتب الله الحياة؛ لك زوجة ولك أولاد الزوجة بحاجة إليك وأنت بحاجةٍ إليها، والأولاد بحاجةٍ إليكما وأنتما بحاجةٍ إلى أولادكما، وأنت بحاجة إلى جارك، فلو عددت الحاجات التي أنت بحاجة إليها, تحتاج إلى الطعام، إلى الخبز، إلى اللحم، إلى الفواكه، إلى الخضراوات, وإلى اللباس، لو أنك عددت الحاجات التفصيلية تجدك محتاجاً لمليون مليون حاجة؛ تحتاج لزر، تحتاج إلى خيط، تحتاج إلى إبرة، تحتاج إلى حذاء، إلى نظارة، إلى ساعة، إلى فراش، إلى لحاف، إلى وسادة، إلى بناء، أنت تتقن عملاً واحداً، وتحتاج إلى مليون نشاط بشري، مليون مليون نشاط بشري.
لو دخلت إلى بيتك, تجد أن الزجاج أصل في محتوياته, وتوجد معامل للزجاج، يوجد نوافذ، يوجد بلاط، يوجد دهان، يوجد ثريات، يوجد سجاد، يوجد براد، يوجد غسالة، يوجد سرير، يوجد كتاب، يوجد طباعة، يوجد صف حروف، فكل شيء في بيتك عالم قائم بذاته؛ خبراء، علوم، جهود، أموال مبذولة، فأنت تتقن نوعاً مثلاً، بينما أنت بحاجة إلى مليون نوع وبحاجة إلى مليون نوع.
الحياة الاجتماعية للإنسان ليس فيها حل وسط:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/05.jpg
إذاً: حينما خلّق الله الإنسان خلقه بجبلة اجتماعية، هذا التعايش مع الناس، هذا النظام الاجتماعي يحتاج إلى ضوابط، فخالق الكون الذي أبدع وأتقن حينما خلق الإنسان, شرع له هذه الضوابط، فأنت في حياتك الاجتماعية إما أن تكون أسعد الناس بها، وإما أن تكون أشقى الناس بها، أي أن المجتمع إما أن يكون مصدر سعادةٍ لك, كأن يكون تفاهم زوجي مثلاً، تفاهم بين الأب وأولاده، ومع التفاهم محبة، مع المحبة تضحية، مع التضحية مؤاثرة، فتغدو هذه الأسرة قطعةً من الجنة, وقد تغدو هذه الأسرة قطعةً من النار، بالتباغض، والشحناء، والبغضاء، والكيد، زوجة مشاحنة، والزوج يريد أن يغيظ زوجته, فيبحث عن الطريقة التي يؤلمها به، وتبحث هي عن الطريقة التي تؤلمه بها، والأولاد في واد، والأب في واد، فبينما يجب أن تكون الأسرة مصدر سعادةٍ لأفرادها، إذاً: الأمر ينعكس فتغدو هذه الأسرة مصدر شقاءٍ لأفرادها، فالحياة الاجتماعية ليس فيها حل وسط؛ إما أن تكون سعيداً بها، وإما أن تكون شقياً.

http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/06.jpg
علاقتك مع شريكك إذاً مبنية على الإنصاف، وعلى التساوي والعدالة، تجد الحياة في الشركة رائعة جداً، أما إذا كان لك شريك له نوايا عدوانية، فتتولّد نوايا خبيثة عند كل شريك, وتصبح هذه الشركة مصدر إزعاجٍ وشقاءٍ للشريكين.
علاقتك بعملك بالوظيفة، أنت في مجتمع صغير، في دائرة، معك زملاء موظفون، ولديهم مستخدم، ويرأسكم رئيس أعلى منك، كما أن هناك من هو أدنى منك، إذاً هناك حياة اجتماعية.
إذا ركبت مركبة عامة, فأنت عندئذٍ ذو علاقات اجتماعية، فالحياة الاجتماعية حياة بالفطرة، الإنسان كائن اجتماعي بالأساس، فلأن الإنسان كائنٌ اجتماعي, لا بدَّ من أن يشرع الله له تشريعاً يضمن سعادته في ظل المجتمع، لذلك حقوق المسلم على المسلم تشريعات شرعها الخالق.
علام تشير هذه النقطة؟ :
سيدنا سعد حينما قال: ثلاثة أنا فيهن رجل, وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى.
أي أن هذا الكلام للنبي الكريم يشير إلى العلاقات الاجتماعية، وحقوق المسلم على المسلم تعني بحال أو بآخر: أن هذا من عند الله عزَّ وجل، هذا بإلهام الله عزَّ وجل، بوحيٍ من عند الله، فأنت حينما تقرأ حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المتعلِّق بالحياة الاجتماعية, فأنت تقرأ تعليمات الخالق فيما يتعلق بعلاقتك بمجتمعك هكذا.
علام ينصان هذين الحديثين؟ :
وبعد: فمن تعليمات الخالق الصانع التي جاءتنا عن طريق النبي -عليه الصلاة والسلام- هذان الحديثان الشريفان اللذان هما أصلان من أصول العلاقات الاجتماعية أو من أصول حقوق المسلم على المسلم:
فعن أبي هريرة, أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:
((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ؛ رَدُّ السَّلامِ, وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ, وَاتِّبَاعُ الجنازة, وَإِجَابَةُ الدَّعْوَةِ, وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
وروى مسلمٌ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ:
((حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ, قِيلَ: مَا هُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ, وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ, وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ, وَإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ اللَّهَ فَسَمِّتْهُ, وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ, وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعه))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعه؛ أي شيِّعه.
إليكم هذا الحكم الشرعي الذي يتعلق بإلقاء السلام ورده :
الآن: ربما استغرق موضوع السلام وقتاً طويلاً، وسوف ترون معي بعد قليل كيف أن هذا الموضوع خطير جداً؟ فربما كان إلقاء السلام سبباً من أسباب التفاهم الاجتماعي، ربما كان إلقاء السلام والردّ بالسلام سبباً في شيوع السلام بين الناس، ربما كان تبادل السلام سبباً لهذه المودة والمحبة التي يجب أن تكون بين الناس، الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾
[سورة النساءالآية: 86]
الحكم الفقهي: أن إلقاء السلام سنة ورد السلام واجب بل هو فرض, لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾
[سورة النساءالآية: 86]
فحيوا هذا أمر، والأمر في القرآن يقتضي الوجوب بأحسن منها, قال لك: السلام عليكم، تقول له: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، قال لك: أسعد الله صباحك، تقول له: أسعد الله جميع أوقاتك؛ أي: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾
[سورة النساءالآية: 86]
بل إن رد السلام على أهل الذمة أو على أهل الكتاب واجب، كالرد على المسلمين تمسكاً بعموم الآية، وهذا قول ابن عباس والشعبي وقتادة, سواء من الإنسان المسلم أو غير المسلم، أي إنسان قال لك: السلام عليكم, تقول له: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، وإن الله عزّ وجل حينما حدثنا عن سيدنا إبراهيم قال:
﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَاماً قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾
[سورة هود الآية: 69]
قالوا: سلاماً؛ أي سلَّموا سلاماً، قال: سلامٌ.
قال العلماء: إن كلمة سلام أبلغ من سلاماً، لأن سلاماً مفعول مطلق لفعلٍ محذوف، أُسلمُ سلاماً، والمفعول المطلق مع الفعل المحذوف يؤلف جملة فعلية، والجملة الفعلية ليست مستمرة, أي أنها وقعت وانتهت، أما سلام جملة اسمية فيها معنى الاستمرار، فسيدنا إبراهيم -عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم- كانت تحيته أحسن من التي طرحت عليه. من السنة :
عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال:
((أنَّ رَجُلاً سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أَيُّ الإِسْلامِ خَيْرٌ؟ قَالَ: تُطْعِمُ الطَّعَامَ, وَتَقْرَأُ السَّلامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
أي أن إطعام الطعام سنةٌ نبويةٌ طاهرة، وتقرأ السلام: قراءة السلام شيء ورده شيءٌ آخر؛ أي أن تطرح السلام، أن تبدأ بالسلام على من عرفت ومن لم تعرف.
وعن أبي أُمامة, قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
((إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلامِ))
أي أن هذا الذي يسلم على الناس ويبدؤهم بالسلام، أولى الناس وأقربهم إلى الله عزّ وجل. قف عند هذه الكلمة :
وعن عمار بن ياسر قال النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ؛ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ, وَبَذْلُ السَّلامِ لِلْعَالَمِ, وَالإِنْفَاقُ في الإِقْتَارِ))
أنا أقف عند هذه الكلمة: الإنصاف من نفسك:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/07.jpg
أحياناً الإنسان يكون في مركز قوي فإذا أخطأ سكت، ومن حوله يتحرقون على أن يعترف بخطئه، فإذا وقع الذين هم دونه بهفوةٍ أقام عليهم النكير، هذا إنسان ليس منصفاً، أنت زوج لك الحق أن تتحدث عن أم زوجتك بما يحلو لك؛ من استهزاءٍ, من تعليقاتٍ لاذعة, من نقدٍ جارح، أما إذا تكلمت زوجتك عن أمك كلمةً طلقتها، أنت لست منصفاً، كما هي أمك وأنت تغار على مكانتها كذلك هي أمها.
أحياناً أنت تكون في محل وعندك صانع وفي المحل ابنك، الصانع قد تحمله ما لا يطيق، قد تكلفه بأعمال مرهقة، قد تحاسبه حساباً عسيراً، قد تضيق عليه، قد تحاسبه على أي خطأٍ ارتكبه، أما ابنك تخاف على ظهره أن يحمل فوق طاقة, أنت لست منصفاً.
فالإسلام ليس بالصلاة والصيام ولا بالحج والزكاة فقط، ولكن الإسلام بالإنصاف أيضاً، هل أنصفت زوجتك من نفسك؟ هل أنصفت أولادك من نفسك؟ هل أنصفت جيرانك؟ تعتدي عليهم, فإذا أرادوا أن يسألوك, أو إذا أرادوا أن ينبهوك, أقمت القيامة عليهم، أنت لست منصفاً.
أمٌ لها بنت إذا أكرمها زوجها, تدعو له دعاءً حاراً بالتوفيق، فإذا أكرم ابنها زوجته تقيم عليه النكير، ليست منصفة، وليس عندها من صفة الإنصاف شيء.
يا أخوان, ليس في الحياة أروع من الإنصاف، الإنصاف من نفسك، يجب أن تعرف لكل إنسان قدره وحقه وحدوده وما له وما عليك، يجب أن تنصف في إعطاء الأجر، يجب أن تنصف في المودة التي تملكها، أنت قاضٍ وأمامك خصمان, واحد تبشُّ له وتهشّ له, وتسأله بأدب, والثاني تقول له: ما اسمك؟ بنبرة غضب وعبوس, لماذا هكذا؟. هذا ما كان عليه عمر وعلي رضي الله عنهما :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/08.jpg
يروون: أن سيدنا عمر كان في مجلسه مع أبي الحسن -سيدنا علي رضي الله عنهما-, فدخل يهودي له عند أبي الحسن مشكلة, قال عمر: قم يا أبا الحسن فقف إلى جانب الرجل, وحكم بينهما وكان الحق مع أبي الحسن، فلما انفض هذا المجلس رأى سيدنا عمر أن سيدنا علياً قد وجم, قال: ما لك يا أبا الحسن أوجدت عليّ؟ فقال: نعم, لماذا قلت لي: يا أبا الحسن؟ فقد ميزتني عليه عندما دعوته باسمه ودعوتني بكنيتي.
فإذا كنت قاضياً فعليك أن تنصف، وإذا كنت مدرساً فعليك أن تنصف، هذا طالب بينك وبينه مودة لم يكتب وظيفته فتتساهل معه, وتقول له: لا تُعدها مرةٌ ثانية، وطالب ثانٍ تقول له: أحضر والدك، إذاً أنت لست منصفاً، لماذا شددت على هذا الطالب وذاك تساهلت معه؟ إذاً أنت غير منصف، لا شيء يسحق الإنسان كالظلم، لذلك العدل أساس الملك.
على ماذا يدور هذا الحديث؟ :
فعن عمار بن ياسر, قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:
((ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ؛ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ, وَبَذْلُ السَّلامِ لِلْعَالَمِ, وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ))
فكر في بيتك زوجتك, أي إذا أخطأت خطأ تجدك عنيفاً في توبيخك، أما أنت تكسر الشيء والكل يسكت وتظل أنت ساكت، فأنت عندما كسرت الشيء سكتّ, إذاً فعليك أن تقبل عذر المعتذر, هذا بالأواني, أما بالمواعيد فإذا تأخرت دقيقتين تقيم القيامة عليها، أما أنت فتتأخر خمس ساعات تظل وهي ساكتة.
فهذا الحديث دقيق جداً, يدور في بيتك, مع أولادك, مع زوجتك, مع أخوانك, مع أصحابك, مع زملائك في العمل, مع شركائك, أنت مرتاح وشريكك تعبان، فعليك الإنصاف من نفسك، إن الدين حينما يصبح صوماً وصلاةً، حينما يصبح شعائر، حينما يصبح طقوساً وتلغى المعاملة, انتهى الدين كله. هذا الإسلام :
سيدنا جعفر قال للنجاشي: كنا قوماً أهل جاهلية, نعبد الأصنام, ونأكل الميتة, ونأتي الفواحش, ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً, نعرف أمانته وصدقه, وعفافه ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحده, ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم.
هذا هو الإسلام، لذلك فالإنسان حينما يشعر بقوته, ويستخدم قوته في الباطل, فهو ليس منصفاً، البطولة وأنت في أعلى درجة من القوة، وأنت في أعلى درجة من المكانة، وأنت في أعلى درجة من الغنى, وأن تكون منضبطاً بالشرع.
قال رجل لسيدنا عمر: أتحبني؟ فقال: لا والله لا أحبك, قال: هل يمنعك بغضك لي من أن تعطيني حقي؟ قال: لا والله.
الإنصاف من نفسك، إذاً الإسلام يتميز بمبدأ الإنصاف.
عليك مراقبة نفسك :
أحياناً: تأكل أنت ما لذَّ وطاب, والذين هم في البيت ليسوا كذلك في طعامهم، إذاً أنت لست منصفاً، من لهم غيرك؟ الإنسان عليه أن يطعم أهله مما يأكل, وأن يلبسهم مما يلبس.
يا أخوان على الإنسان أن يراقب نفسه، فهذا الحديث قلما ينجو منه أحد، على الإنسان أن يراقب نفسه في أحكامه، وفي مواقفه، في انتقاداته للناس، في ملاحظاته في تضييقه عليهم, يراقب نفسه في كل أحواله، فإذا كان منصفاً كان على خصلة كبيرة من الخير .
فسيدنا رسول الله كان منصفاً، رأى صهره أسيراً عقب معركة بدر, جاء ليحاربه, وجاء ليقتله, وجاء ليبطش بالمسلمين, لكنه صهر ممتاز، فقال عليه الصلاة والسلام:
((والله ما ذممناه صهراً))
كونه جاء ليحارب, جاء ليقاتل, جاء مع المشركين شيء، هذا عمل, أما أنه صهر ممتاز, قال:
والله ما ذممناه صهراً. هذا هو الإنصاف :
ابن أبي بلتعة أحد أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم -إنسان اجتهد اجتهاداً وأخطأ- فقد أرسل كتاباً إلى أهل مكة, يذكر لهم أن النبي سوف يفتح بلادهم -أي أنه اجتهد اجتهاد خطأ- فالنبي جاءه الوحي, وأطلعه على ما فعل ابن أبي بلتعة, فأرسل عليه الصلاة والسلام من يضبط هذا الكتاب مع امرأةٍ في الطريق، فقال سيدنا عمر للنبي الكريم: يا رسول الله, دعني أضرب عنقه, فقد خان الله ورسوله, قال: يا عمر, إنه شهد بدراً, ولعل الله سبحانه وتعالى اطلع على أهل بدرٍ فغفر لهم.
أي لا ينسى فضله، بل نلتمس له العذر, هذا هو الإنصاف.
وعن عمار بن ياسر, قال النبي -عليه الصلاة والسلام-:
((ثَلاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ؛ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ, وَبَذْلُ السَّلامِ لِلْعَالَمِ, وَالإِنْفَاقُ في الإِقْتَارِ))
الإنصاف من نفسك له ضابط، أما هذا الضابط لو طبقه المسلمون لأغلقت المحاكم أبوابها, ولأُلغيت وزارة العدل كلها، ما هذا الضابط؟.
قال عليه الصلاة والسلام: ((عامل الناس كما تحب منهم أن يعاملوك))
هذا الحديث طبقه النبي عملياً. انظر إلى هذا المنطق السليم للنبي مع هذا الأعرابي:
رجل أعرابي بلغه الإسلام فأعجبه, إلا أنه مدمن على الزنا، وهذا الأعرابي كان صريحاً, فجاء النبي -عليه الصلاة والسلام- وقال:
((يا رسول الله, أنا أشهد أنه لا إله إلا الله وأنك رسول الله, ولكن ائذن لي بالزنا -هذه اسمح لي فيها, فلا أقدر أن أتركها- والصحابة عندها أرادوا أن يقتلوه -ما هذه الوقاحة؟-.
فالنبي قال: دعوه, ثم قال له: اقترب يا عبد الله, اقترب مني, فاقترب -انظروا إلى المنطق- قال: يا عبد الله أتحبه لابنتك؟ -يتصور أن ابنته تزني- فقال: لا، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، أتحبه لأختك؟ قال: لا، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، أتحبه لزوجتك؟ أتحبه لأمك؟ والأعرابي يردد: لا، فقال هذا الأعرابي بعد ذلك: والله دخلت على رسول الله وليس شيءٌ في الأرض أحب إلي من الزنا، وخرجت من عنده وليس شيءٌ أبغض إلي من الزنا))

http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/09.jpg
انظروا للمنطق السليم، أتحبه لأختك؟ أنت تغش بهذه البيعة، فلو فرضنا أنك تبيع أقمشة وتغش الناس، فلو اشتريت حاجة لك من بائع وغشك ألا تنزعج؟ ألا تحس نفسك أنك تتمزق منه؟ لماذا غششتني؟ أوهمته أن هذه البضاعة أجنبية, وظهر بعد ذلك أنها ليست أجنبية ، أوهمته أن هذه رأس مالها مرتفع وغالٍ ولم تربح شيئاً, ثم تبيّن أنك ربحت بها مائة بالمائة ، فأنت في البيع والشراء أنصف الناس من نفسك، أتحب أن يقال لك كذا وكذا؟ أنت تسخر من إنسان, أتحب أن يُسخر أحد منك؟:
﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 12]
ولا الناس يحبون أن تفعل معهم كذلك، هذا الحديث يا أخوان: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك.
هذا الحديث يحثك أن تقدر الإنسان الذي أمامك، وتقدر الضعيف، وتقدر المسكين، قدر الذي هو وضعه أضعف منك. كيف فسر النووي الإنصاف؟ :
يا أيها الأخوة الأكارم, أنصفوا الناس من أنفسكم.
إن الإمام النووي -رضي الله عنه- قال: الإنصاف يقتضي أن تؤدي إلى الله جميع حقوقه وما أمر به، وأن تجتنب جميع ما نُهيت عنه, وأن تؤدي إلى الناس حقوقهم.
الإنسان يكون ابناً وأبوه موجود، يا ترى: هل تحب أن أباك بعد ما تقدمت به السن يحتاج إلى ابنه والابن يزور عنه؟ .
تصور أنك أب وابنك أغنى منك, وأنت بحاجة لمال ابنك وابنك يتبرأ منك، أليس هذا موقفاً صعباً؟ وهذه نصيحة دائماً:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/10.jpg
ضع نفسك محل الآخرين باستمرار، عندك زوجة وعندك أم، فأن تقف موقفاً منحازاً مع زوجتك, وتدع أمك التي ربتك, هذا موقف لا أخلاقي، تصور أنك أم وأنك ربيت هذا الابن ثلاثين عاماً, ثم تنكَّر لك, والتفت إلى زوجته على حساب حقوقك عليه، ليس هذا هو الإنصاف، لذلك الإنصاف كما فسَّره الإمام النووي -رحمه الله تعالى- قال:
الإنصاف يقتضي أن تؤدي إلى الله جميع حقوقه وما أمر به, وأن تجتنب جميع ما نهيت عنه، وأن تؤدي إلى الناس حقوقهم, وألا تطلب منهم ما ليس لك.
أحياناً الأب مع ابنه لا ينصفه، أي أن هذا الابن يشتغل عند أبيه, فيقول له: ألا تأكل وتشرب؟ ولكن الابن يريد أن يتزوج، ضع نفسك مكان ابنك, فهو يريد أن يشتري بيتاً, وأن يؤثثه، وأن يتزوج، يبذل جهده ثماني ساعاتٍ في عمل شاق معك أيها الأب على أكل وشرب فقط، وتقول له: هكذا أنا ترتيبي, هذا الترتيب خلاف الشرع، نحن نريد الشرع، فهل من المعقول: أن أحد أبنائك يشتغل معك عشر ساعات ليل نهار، والابن الآخر في البيت عاطل بلا عمل ويتساويان في النصيب؟ هذان لا يتساويان، لم تنصف ابنك، وأحياناً الابن لا ينصف أباه ، فموضوع الإنصاف يا أخوان من الدين, إني أذكركم بالحديث الشريف:
ألم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم-: الدين النصيحة؟ .
ألم يقل: رأس الدين الورع؟ .
فأكاد أقول: إن الدين إنصاف، وغير المنصف ليس فيه إيمان إطلاقاً، فيجب أن تنصف زوجتك وأولادك وجيرانك وأقرباءك ووالديك وزبائنك, فإنصافهم حق لهم وواجب عليك.
وقائع :
ذكر لي أخ, يحتاج لإجراء عملية, فقال له الطبيب: تكلفك خمسة وسبعين ألفاً, فلو أن هذا المريض باع نفسه وأولاده, فإنه لا يحصل على عشرين ألفاً، والعملية ضرورية, قال له ذاك الطبيب: هذا الحاضر، طبيب آخر قال له: خمسة آلاف.
هذا غير معقول سبعين ألف زائدة، انصفه، فلعلك تضعك الأيام في مثل موقفه، فعندما ينظر الإنسان إلى ربحه فقط, هذا هو الجهل الأساسي، ربحك في إنسانيتك، ربحك في عملك الصالح، ربحك في اعتدال سعرك، ربحك برحمة المسلمين:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/11.jpg
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.
كذلك أخٌ ثانٍ قال لي, وهي قضية معلقة بالطب، أول طبيب قال لي: العملية تكلف خمسةً وأربعين ألفاً، والثاني قال: تكلف خمسة وخمسين ألفاً، والثالث قال له: يا أخي الغلاء يسود الوجه, هذه العملية غالية, أنا خائف أن أقول لك فتنزعج, فقال له: ستة آلاف، من خمسة وخمسين ألفاً إلى ستة آلاف, هذا إجرام، فهل تريد منه أن يبيع بيته؟ يبيع سريره؟ يبيع براده؟ لكي تأخذ هذا كله أنت, ثم تقوم برحلة إلى أوروبا في الصيف؟ هذا ليس إنصافاً، لذلك الإنصاف، الإنصاف ويقيم أواصِر المحبة، الإنصاف يجعل المجتمع متكاتفاً، يجعل المجتمع كما قال عليه الصلاة والسلام:
((مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ, مَثَلُ الْجَسَدِ: إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عضوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى))
[أخرجه أحمد في مسنده]
ليس من الإنصاف :
تقول لمن يريد أن يعمل عندك: يا أخي نعطيك فقط ألفي ليرة, موظف عندك لا يكفيه ألفي ليرة، لا تريد يوجد غيرك، طبعاً الموظف مضطر لأنه عاطل عن العمل، وأنت تربح مئات، بل مئات المئات, أعطه أربعة آلاف فهذا إنسان، أخي أنا أجد من يعمل بألفين بل بألف هناك من يرضى، ليس الأمر متوقفاً على من يرضى, بل متوقف على ما يستحق هذا العامل، هناك فرق بين العرض والطلب، إنسان ربط مصيره معك, عنده زوجة وأولاد.
قال لي أخ: إنه في اليوم يصرف مبلغ كذا ألف, أما أنا كعامل يعطيني بالشهر ألف وخمسمائة، فهذه مشكلة، فعليك أن تنصف الناس من نفسك خاصة من هم دونك، وكذلك من هم فوقك، وكن منصفاً مع أولادك، مع زوجتك، مع جيرانك، الإسلام إنصاف, أن تقف عند حدك:
رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده.
أن تعرف ما لك وما عليك، ما ينبغي وما لا ينبغي، ما يجوز وما لا يجوز، ما يصح وما لا يصح، ما هو حق وما هو باطل، ما هو خير وما هو شر، ما هو عدل وما هو ظلم.
أهذا هو الإسلام؟ :
أحياناً تجد شريكين، فيذهب أحدهما إلى أوروبا, ويقضي فيها شهرين، فنادق, أجنحة, سهرات حمراء, سهرات خضراء, وهل هناك صفراء كذلك؟ لا أعرف، ثم يرجع فيسجل مصروفه على المعمل, على حساب باب الاطلاع, فقد رفع مستوى اطلاعه.
أنت ذهبت لكي تعمل سياحة, فحملت الشركاء ما لا يطيقون، السياحة شيء, والاطلاع شيء, والدراسة شيء, والاستيراد شيء، فهذا يحدث.
أنا أريد أن أشتري مرابحة منك، المرابحة ربح ثابت ويكشف رأس ماله، فمثلاً: ذهب إلى أوروبا لخمس أو ست مهام, فاعتبر هذه الرحلة مهمة واحدة, فوضع نفقات كل هذه الرحلة على هذه البضاعة، أخي مصاريف سفر, ورأس مال كذا, والربح بالمائة عشرة، فأنت قد أخذت بهذه الطريقة الربح مائة بالمائة, أحياناً يرفع المصروف فيضاعف ربحه، لا يوجد إنصاف بالبيع بالشراء، أهذا هو الإسلام؟ لا, إن الإسلام إنصاف بكل حركاتك وسكناتك.
قال له: هل تعرفه؟ قال: نعم أعرفه, فقد رأيته بالمسجد، قال: هل سافرت معه؟ قال له: لا, قال: هل عاملته بالدرهم والدينار؟ قال له: لا, قال له: هل جاورته؟ قال له: لا، قال: إذاً أنت لا تعرفه.
ملاحظات حول موضوع الإنصاف :
في نفسي على الإنصاف أشياء كثيرة وملاحظات عدّة؛ الإنصاف في كل شيء حتى في أحكامك، لم تلتقِ فلاناً ثم نسمعك تقول عنه: إنه إنسان سيء، هل التقيت معه؟ لا, هل استمعت إلى كلامه؟ لا, فأنت لم تنصفه، كيف يفعل مسلم هذا مع شخص لم يلتق معه، أو تقول: إنه يا أخي لا يفهم شيء؟ فهل سألته سؤالاً واحداً فقال: أنا لا أفهم؟ أو سألته سؤالاً, وأجاب إجابة خطأ؟ هل قرأت مؤلفاته؟ قرأت كتبه؟ حضرت دروسه؟ لا, بل تقول: أخي إنه غير فهمان، فأنت لست منصفاً، أهكذا يكون المؤمن غير منصف؟:
﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 36]
فأنت مسؤول عن كلامك. هذا سر إفشاء السلام :
وعن أبي الدرداء -رضي الله عنه-, قال رسول الله -صلى الله عليه وسلَّم-:
((أفشوا السلام تعلوا))
أي يرفع الله من شأنكم، ويرفع لكم مقامكم في الدنيا، أفشوا السلام تعلوا.
وفي حديثٍ آخر: عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: ((أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال:
أَفْشُوا السَّلامَ تَسْلَمُوا وَالأَشَرَةُ شر))

[أخرجه أحمد في مسنده]
يعني: إذا كنت ليس لك أصحاب ضمن حيك فإنك لا تسلم على أحد، يزورك الناس؟ لا، لأنك لا تزور أحداً، فهم إذاً يبحثون لك عن عيب، عن غلطة، ينقضون عليك، ليشفوا غليلهم منك، أما إذا كنت متواضعاً, وسلَّمت عليهم، وزرت جيرانك، وعاونتهم في حياتهم، أصبح هذا البناء التي تساكن جيرانك به أسرة واحدة، إذا سافرت سافرت وأنت مطمئن، كلهم كأنهم أنت، إذا فقدت هذه المودة، وفقدت التحية, وهذا السلام، تعيش في جفاء.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/12.jpg
فإذا دخل أحد من أخوة زوجتك إلى بيتك في غيابك، يقولون: دخل بيته شخص غريب, علماً بأن الداخل أخو زوجتك، يتكلمون بموضوعات ثانية، بينما إذا أنت سلَّمت عليهم, وعرفوا أخلاقك العالية، وتواضعت وخدمتهم, أصبح هذا الحي أسرة واحدة، إني أحب التكاتف والتعاون، فالإسلام جماله في هذه الحياة الاجتماعية السليمة، لأن التباعد والتدابر والتجافي والمشاحنة والبغضاء تفتت المجتمع، قال الله عزَّ وجل:
﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾
[سورة الأنفال الآية: 46]
بالمنازعة والمشاحنة ضعف، يضعف هذا المجتمع الذي تنتمي إليه، لذلك تجد مجتمعات مفتتة, بفعل الخصومات والغيبة والنميمة والحسد والبغضاء والتدابر والتطاحن والتنافس تجد المجتمع المنهار، أما بتطبيق تعاليم الإسلام, تجد الجتمع كالبنيان المرصوص, يشد بعضه بعضاً، إذاً:
أفشوا السلام تعلوا، أفشوا السلام تسلموا. انظر هذا التواضع عند عمر :
وعن ابن الزبير -رضي الله عنهما-, عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
((دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ حَالِقَةُ الدِّينِ لا حَالِقَةُ الشَّعَرِ, وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا, أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ))
اقرأ عن الصحابة, تحس أن هؤلاء الصحابة كأنهم يد واحدة، كأنهم جسم واحد, يحب بعضهم بعضاً، يدافعون عن بعضهم بعضاً، يعرفون قدر بعضهم بعضاً.
وقف سيدنا عمر على المنبر, قبل أن يخطب نزل درجة -ماذا حدث!! ألغى الخطبة؟ الخطبة أساس في الإسلام- فلما استقر على الدرجة التي دون الأخيرة, قال: ما كان الله ليراني أضع نفسي في مقام أبي بكر, فنزل درجة اعترافاً بمنزلة أبي بكر، وسيدنا عثمان نزل درجة كذلك.
بعد عشرات السنين, سأل أحد خلفاء بني أمية أو بني العباس, فقال: لماذا لم ينزل فلان الخليفة درجة؟ فقال له صديقه: لو فعلها لكنت أنت في قعر بئر.
لو ينزل كل خليفة درجة فأين مكانك أنت اليوم؟.
المهم أن تعلم أن عمر تواضع في نفسه، فالزم أنت التواضع، سيدنا عمر كان منصفاً، فبعد أن توفي سيدنا الصديق -رضي الله عنه- صار سيدنا عمر -رضي الله عنه- كذلك هو الرجل الأول، ورغم ذلك يرى أفضلية الصديق!
أحدهم أحب أن يتقرب منه, فقال له: والله ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله -كلام لطيف، فليس أحسن منك بعد النبي, فكاد أن يبطش بمن في المجلس جميعهم- نظر إليهم نظرةً حادة، خافوا إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خيرٌ منك، قال له: من هو؟ قال : أبو بكر، فقال: كذبتم جميعاً أيها الساكتون وصدقت أنت، كنت أضلَّ من بعيري، وكان أبو بكرٍ أطيب من ريح المسك -من الذي يقدر أن ينافق لسيدنا عمر؟ انتهى النفاق كلّه, فلا يوجد نفاق، أنصف سيدنا الصديق، فهو قد مات وليس من يدافع عنه، سيدنا الصديق الآن ليس موجوداً، فإذا كان أحب أن يحتل الساحة كلها الآن, فلا يوجد من يحاسبه، لكنه أنصفه قائلاً-: والله كنت أضلَّ من بعيري، وكان أبو بكرٍ أطيب من ريح المسك، قال: ما أنا إلا حسنة من حسنات أبي بكر.
عمر كله حسنة من حسناته، أنصفه من نفسه. النبي أنصف أصحابه واحداً واحداً :
النبي -عليه الصلاة والسلام- أنصف أصحابه واحداً واحداً، هذا قال له:
((والله إني أحبك يا معاذ))
أنصفه.
وسعد قال له: ((ارم سعد فداك أبي وأمي))
وفي سعد قال أيضاً: ((أروني خالاً مثل خالي))
أنصفه.
وعن سيدنا عمر قال: ((لو كان نبيٌ بعدي لكان عمر))
أنصفه.
وسيدنا عثمان قال عنه: ((ذو النورين، ألا أستحي من عثمان؟))
أنصفه.
وأبو عبيدة قال عنه: ((أمين هذه الأمة))
وابن الزبير قال عنه: ((حواري هذه الأمة))
وسيدنا خالد قال عنه: ((سيف الله في الأرض))
لا يوجد صحابي من أصحاب النبي إلا النبي أنصفه في تقييم صحيح، هكذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام.
فعَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ -رَضِي اللَّهم عَنْهم جميعاً- قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ, وَالْبَغْضَاءُ هِيَ الْحَالِقَةُ حَالِقَةُ الدِّينِ لا حَالِقَةُ الشَّعَرِ, وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا, أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ))
هذا الحديث بإسنادٍ جيد. نقطة هامة :
والنبي يقول, وهو:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
[سورة النجم الآية: 3-4]
((وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ, لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا, ولا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا, أَفَلا أُنَبِّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ))
ولمَ يقسم النبي فلماذا يقسم؟ معنى ذلك: أن هناك أمراً خطيراً.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/13.jpg
أنت إذا كنت تحب أخوانك فأخوانك يحبونك، لا أحبهم يا أخي، بالزور المحبة، أي يجب أن تعاملوا بعضكم معاملة يكون من ثمارها المحبة, المحبة ليست عملاً إرادياً، بل عملاً عفوياً:
((يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم, فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها, وبغض من أساء إليها))
هذه النفس مثل الماء في المنحدر، صب الماء على منحدر, وقل له: اصعد إلى فوق ، يرجى الصعود نحو الأعلى، لا يصعد، رجاءً، لا يرد عليك، قل له: انزل، فكل هذا كلام فارغ, لأنه ينزل تلقائياً, فالنزول والهبوط إحدى خصائص الماء: ((يا داود ذكر عبادي بإنعامي إليهم, فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها, وبغض من أساء إليها))
أحسن إلى الرجل تكن أميره.
بالبر يستعبد الحر. قصة :
يقولون: إن شخصاً مخموراً، سكيراً، عربيداً، خميراً، كان ماشياً في الطريق, ورائحة الخمر تفوح منه، مر الإمام مالك بن دينار, ويبدو أنه أشفق عليه, فأخذه إلى البيت, ونظفه وغسله وأطعمه وصرفه، بهذه المعاملة الطيبة تاقت نفس هذا العاصي إلى الله، فاغتسل وصلى ثم حضر صلاة الفجر في المسجد، فصار يبكي ويناجي ربه، يقولون: إن الإمام مالك بن دينار رأى في المنام: أن يا مالك طهرت فمه من أجلنا فطهرنا قلبه من أجلك, فلما ذهب إلى المسجد صباحاً, وجده في المسجد يصلي، قال له: من الذي هداك إلي؟ فقال له: إن الذي هداني أخبرك بحالي.
أخيرك عني, يقولون لك: أخي هذا شارب، هذا عاصٍ، من الممكن إذا تاب أن يسبقك, لا تعرف, فكن أديباً مع الخلق، الآن هو عاصٍ، لكنه إذا تاب فلعله يسبقك إلى الله.
سيدنا خالد في بدر حارب رسول الله، وفي أحد حاربه، متى أسلم؟ أسلم عام الفتح، ألم يسبق معظم الصحابة؟ أليس كذلك؟ أصبح من كبار الصحابة.
لا تعرف أنت طوالع المستقبل فإنه غيب, فكن أديباً مع الناس، رأيت عاصياً انصحه، فهّمه, بين له, اخدمه.
خذ هذا الشعار لك في حياتك :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/14.jpg
أنا أحب أن يكون كلّ أخ شعاره: كن عوناً لأخيك على الشيطان، ولا تكن عوناً للشيطان على أخيك, عاونه على الشيطان, فتواضع له, واخدمه، ولا تنفره من الدين، ولا تكن عوناً للشيطان على أخيك. الحديث الشريف القدسي:

((أنا مع المنكسرة قلوبهم الحزانى في كنف الله, إن الله يحب كل قلبٍ حزين))
الحزانى معرضون للرحمة، الإنسان قيمته بأخلاقه، النبي بماذا مدحه الله عزَّ وجل؟ بيته فخم, مترامي الأطراف مثلاً؟ لا, بماذا مدحه الله عزَّ وجل؟ .
أحياناً أنت تقيم الإنسان بسيارته، ببيته، بمكتبه، بمرتبته، برصيده، بأسرته، بحسبه، بنسبه، أخي فلان يده طايلة، بماذا مدح الله نبيه الكريم؟ قال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/15.jpg
﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة القلم الآية: 4]
إذا كنت تحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فاقتف أثره في التواضع، في الإنصاف.
كان إذا دخل بيته لف ثوبه لئلا يوقظ أهله, كان إذا دخل إلى بيته قال:
((أكرموا النساء فو الله ما أكرمهن إلا كريم))
كان يقول عن النساء: ((إنهن المؤنسات الغاليات))
كان حليماً صلّى الله عليه وسلَّم، بلغه حديث الإفك, وما أدراكم ما حديث الإفك؟ ومع ذلك كان حليماً, وكان صابراً، لأنه هو الأسوة لنا. إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي :
لذلك: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا, وَلا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا, أَفَلا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُم))
تريد أن تحب أخاك وأخوك يحبك, المحبة ليست بالإكراه إذاً كيف؟ يجب أن تعامله معاملة يذوب محبة فيك، ويعاملك معاملة تذوب محبة فيه، فإذا أحببته وأحبك صار المجتمع كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.
ماذا قال الله عزَّ وجل عن أصحاب رسول؟ قال الله عزَّ وجل:
﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
[سورة الفتح الآية: 29]
الإنسان لا بدَّ من أن يرحم أخاه: ((إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي))
إذا وقع إنسان أو عثر فارحمه. أين أنتم من الإسلام معشر التجار؟ :
أحياناً: يضطر أحد الزبائن لبضاعة ما، فيقول له البائع: بثلاثمائة وخمسين، فيقول الزبون: هي بمائتين بالخارج, فيقول: ااتركها لا تشتريها، عرفته مضطراً, وليست هذه البضاعة موجودة عند غيرك، أو يكون مضطراً أن يبيع هذا السرير, لأنه سيجري عملية لزوجته، فيقول له: بمائة ليرة! ثمنه ثلاثة آلاف, فيقول له: إنه لا يلزمني ولكن لا يرحمه، بالشراء والبيع لا رحمة، إنه مجتمع الغاب، فأين أنتم من الإسلام؟.
هذا هو مجتمع الاستغلال :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4610/16.jpg
أنا كنت أضرب مثلاً خلاصته: رجل يريد أن يشتري غرفة نوم، قال له البائع: هي ذات سرير واحد، قال له: أريدها ذات سريرين، قال البائع: إذاً عشرة آلاف زيادة، الخشب أسعاره مرتفعة، قال الزبون: إذاً أنا أريدها بسرير واحد، يقول له: أحسم لك ألفين، لماذا لما أراد شراء سريرين يطلب منه عشرة آلاف زيادة، وعندما اكتفى بسرير واحد أصبح السرير ثمنه ألفان؟ لأنه لا يوجد إنصاف، وحول موضوع الإنصاف، هذا إذا كنت تريد أن تبيع الحاجة فالثمن المدفوع لك زهيد جداً، وإذا كنت تريد أن تشتريها فهي قطعة نادرة وثمنها باهظ، هذا مجتمع القنص، مجتمع الذبح، مجتمع الاستغلال، هذا ليس مجتمعاً إنسانياً بل هو مجتمع الذئاب، لذلك نهى النبي عن بيع المضطر، إذا كان رجل مضطراً ليبيع سلعة, يجب ألا تأخذها بثمن بخس، لأنك عندئذٍ كأنك سرقتها منه، وعلى هذا فقس.
فما دام تعاملنا قائم على جور, وعلى ظلم وعدوان، بين بعضنا البعض؛ الجار مع جاره، والأخ مع أخيه، المعلم مع صانعه، الصانع مع معلمه, فالمجتمع إلى انهيار، لذلك: فالله عزَّ وجل لا ينظر إلى هذه الأمة بالرحمة إذا لم يتراحموا، أما إذا تراحموا يرحمهم الله عزَّ وجل.
ملخص الدرس :
فاليوم قرأت في الجريدة: إلى الآن أمطار دمشق ثمانية وعشرين ملم، بقي من فصل الشتاء شهران فقط، ونحن معدل أمطارنا عادةً مائتان وخمسون ملم في السنة، العام الماضي الذي كان عام محل في دمشق, كان المعدل خمسة وثمانين ملم, وما هطلت الأمطار حتى الآن في هذه السنة, إلا ثمانية وعشرين ملم فقط:
((إذا أردتم رحمتي فارحموا خلقي))
إذا أحدنا وقع فلا أحد يرحمه ولا أحد يأخذ بيده، فالظلم قائم، ومصدره الأنانية والجشع، وهذا ملخص الدرس.
الدرس كأنه حام حول موضوع واحد خلاصته: أن تنصف الناس من نفسك، حق لأخيك عليك أن تنصفه؛ في سمعته، في عرضه، في ماله، في بيعك له، في شرائك منه، في زيارتك له, واذكر قوله تعالى دائماً: إنما المؤمنون أخوة، واذكر أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم: المسلم أخو المسلم.


الساعة الآن 09:04 AM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.