| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#21 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( العشرون ) الموضوع :الايمان بالملائكة : اصناف الملائكة الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أعداد الملائكة: وصلنا في الدرس الماضي في موضوع الملائكة إلى أعداد الملائكة, فالملائكة لا تحصى أعدادهم و هناك ما يثبت ذلك فقد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَاناً وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (سورة المدثر الآية: 31) والملائكة من جنود الله عز و جل، و من جنود الله عز و جل الكائنات الدقيقة التي لا ترى بالعين قال الله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ ( سورة المدثر الآية: 31) هذا النفي و الاستثناء المقصود به أن أعداد الملائكة لا تعد ولا تحصى والنبي عليه الصلاة والسلام " قَالَ: إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ وَأَسْمَعُ مَا لا تَسْمَعُونَ أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ مَا فِيهَا مَوْضِعُ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلا وَمَلَكٌ وَاضِعٌ جَبْهَتَهُ سَاجِدًا لِلَّهِ وَاللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرً " ( أخرجه الترمذي وابن ماجه في الزهد ) مشاهد من الفضاء الخارجي: المسافات بين النجوم يصعب على العقل تصورها يعني الفضاء الخارجي شيء عجيب جداً, بين المجرات مسافات شاسعة الله سبحانه و تعالى ذكرها في كتابه الكريم قال:﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ (سورة الواقعة الآية: 75- 76) إذا كان أقرب نجم للأرض عدا المجموعة الشمسية يبعد عنا أربعة آلاف سنة ضوئية, فإذا ظهر منه ضوء إلى أن يصل الضوء إلينا يحتاج إلى أربعة آلاف عام, ضوء القمر يصل إلينا في ثانية واحدة, ضوء الشمس في ثماني دقائق, المجموعة الشمسية ثلاث عشرة ساعة, نجم القطب أقرب نجم إلى الأرض عدا المجموعة الشمسية يحتاج ضوءه إلى أربعة آلاف سنة ضوئية, لو أن هناك طريقاً إليه و ركبنا سيارة لاستغرقت الرحلة أكثر من سبع وعشرين مليون مليون سنة هذا أقرب نجم، وأبعد نجم اكتشف حديثاً ثلاثة عشر ألف مليون سنة ضوئية, فضوء هذا النجم كان قد تألق و النجم في هذا المكان ومضى على تألقه ثلاثة عشر ألف مليون سنة والآن وصل إلينا, أين هذا النجم ؟ لا ندري, هذه المجرات سرعتها تقترب من سرعة الضوء يعني تقطع في الثانية الواحدة مائتين وأربعين ألف كيلو متر, و كانت في هذه الجهة قبل ثلاثة عشر ألف مليون سنة فأين هي الآن ؟ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ﴾ ( سورة الواقعة الآية: 75-76) لو تعلمون, لو تدرسون, لو تطلعون على حقائق الفلك, لو توضع هذه الحقائق بين أيديكم لخشعتم لله عز و جل لذلك يقول الله عزّ وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ ( سورة فاطر الآية: 28) العلماء وحدهم يخشون الله, فكن عالماً حتى تخشى الله ولن تخشاه إلا إذا كنت عالماً, و لا يستخف بأوامر هذا الدين إلا الغبي الجاهل الأحمق " أطّت " يعني صوتت لكثرة الملائكة قال عليه الصلاة والسلام: " أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا و فيه ملك ساجد أو راكع " ( أخرجه الترمذي وابن ماجه في الزهد ) فأعداد الملائكة إذن ما في هذه السموات و ما في هذا الفضاء الخارجي موضع قدم إلا و فيه ملك ساجد أو راكع. أصناف الملائكة: 1- جبريل عليه السلام ووظيفته: فقد جاء في النصوص الشرعية أن الملائكة أصناف, وكما قلت لكم في الدرس الماضي إن هذا الموضوع له مصدر واحد هو كتاب الله و ما صح من سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم, و لا نستطيع أن نزيد على النصوص شيئاً, هذا الموضوع مسلك الإيمان به مسلك الخبر الصادق, و الخبر الصادق هو القرآن الكريم لأنه قطعي الثبوت قطعي الدلالة يضاف إلى القرآن الكريم ما صح من حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم، فهناك الصنف الأول أكابر الملائكة و من أكابر الملائكة سيدنا جبريل و ميكائيل و في التنويه بهما قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ ﴾ (سورة البقرة الآية: 98) أما جبريل عليه السلام فهو صاحب الوحي إلى الأنبياء و الرسل عليهم السلام و في التنويه بوظيفته و أمانته قال الله تعالى في سورة الشعراء: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴾ (سورة الشعراء الآية: 192- 194) فسيدنا جبريل من أسمائه في كتاب الله أنه أمين و حي السماء, و من أسمائه أنه الروح و هذا الروح الأمين قال الله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ﴾ ( سورة الشعراء الآية: 193) و قد بيّن الله سبحانه و تعالى أفضليته إذ شرفه فخصه بالذكر و قدمه في الترتيب على سائر الملائكة و جعله ناصراً لرسوله في معرض تهذيب نساء الرسول حينما تظاهرن عليه قال الله: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (سورة التحريم الآية: 4) ما هذا الكيد يا رب ؟ فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير, وصالح المؤمنين كما يقال في تفسير هذه الآية أبو بكر و عمر والملائكة بعد ذلك ظهير كل هؤلاء ليقفوا في وجه كيد النساء قال الله: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ﴾ (سورة يوسف الآية: 28) لذلك وصف ربنا عز وجل كيد الشيطان قال: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾ ( سورة النساء الآية: 76) ووصف كيد النساء قال: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ( سورة يوسف الآية: 28) نعوذ بالله من كيد النساء, فأحياناً امرأة واحدة تسبب خصومات و قطيعة بين خمسة أسر وقد تودي إلى الطلاق و إلى الجريمة, والخبراء في الجرائم يقولون: في كل جريمة فتش عن امرأة " استنباط جانبي "، وسماه الله روح القدس، والقدس خلاصة الطهارة وأصلها وسرها شيء مقدس طاهر نقي وذلك تكريماً له فقال تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 87) و مدحه الله سبحانه تعالى في ست صفات معروضة في كتاب الله فقال في سورة التكوير: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ ﴾ (سورة التكوير الآية: 19-21) لذلك قال بعض العلماء: إن جبريل رئيس الملائكة و الجان ومما يدل على رياسته " لك أن تقول: رئاسته و رياسته, رئاسته على التحقيق و رياسته على التخفيف و على التسهيل " إنه أمين في تبليغ رسالات ربه القولية و العملية هذا عن سيدنا جبريل. 2- ميكائيل وإسرافيل ووظيفتهما: أما سيدنا ميكائيل أو ميكال فقد ورد أنه صاحب أرزاق العباد الموكل بها, و من جملة أكابر الملائكة الذين وردت بهم الأخبار إسرافيل فقد ورد أنه صاحب الصور: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً﴾ (سورة النبأ الآية: 18) الذي ينفخ فيه بأمر الله النفخة الأولى فيهلك من في السموات و من في الأرض إلا من شاء الله, استثناهم من الموت بهذه النفخة لأن الله يتولى قبض أرواحهم بدون وساطة في نفخة الصور, ثم ينفخ فيه النفخة الثانية فيبعث كل المخلوقات إلى الحياة بعد الموت قال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (سورة الزُمر الآية: 68) الصور طبعاً البوق, والبوق كما قال العلماء: مخلوق أعده الله ليكون به النفخ لإهلاك الأحياء في السموات و الأرض عند قيام الساعة. 3- ملائكة الموت ووظائفهم: أما عزرائيل فهو ملك الموت, لكن كلمة عزرائيل لم ترد في الكتاب ولا في الأحاديث الصحيحة ولكنها وردت في الأخبار المأثورة, لكن عزرائيل اسمه شائع جداً بين الناس لشدة علاقتهم به، لقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (سورة القصص الآية: 88) الذي يتولى عملية الموت هم صنف من الملائكة يرأسهم ملك الموت عزرائيل عليه السلام, فالأتباع يقومون بمعالجة الروح من الجسد ومالك الموت يقبض الروح قال الله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ﴾ (سورة الأنعام الآية: 61) هؤلاء الرسل يأتون إلى المؤمن بأجمل صورة، واحد على فِراش الموت وأولاده من حوله قال لهم: قبِّلوا يد عمّكم، أين عمكم ؟ لا يوجد أحد، أحب الناس إليه أخوه فجاء الموت بصورة أخيه, وقد يأتي ملك الموت بأبشع صورة, وقد يأتي على شكل ثعبان أقرع أو على شكل مخلوق مخيف، واحد طرقَ الباب على صديقه فسمع صُراخاً فتوقّع أنّهُ ميتٌ يموت فغادر, وبعدما غادر فُتِحَ الباب استغرب ! ودخل لِعنده وجدهُ يرتجف فسألهُ: خيراً, فأجابه: أتُشاهد هذه الطاقة هناك خرج منها واحد مُخيف ذو قرون وجهه كبير أسود، أظافرهُ طويلة يريد أن يخنقني ؟ هذا ملك الموت. كلما قضى الإنسان حياته بالطاعة بضبط نفسه، وبغض بصره، وبتحرير دخله وبالإحسان إلى الناس وبذكر الله، فإنه يستحق أن يموت ميتة يشتهيها كل إنسان, ينقلب القبر روضة من رياض الجنة وفي آية أخرى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (سورة السجدة الآية: 11) رسلنا الملائكة و ملك الموت رئيس ملائكة الموت كما روت الأخبار والآثار سيدنا عزرائيل, ومن تفسير بعض الآيات: ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً﴾ (سورة النازعات الآية: 1-2) النازعات ملائكة الموت ينزعون أرواح الكفار نزعاً، والناشطات ملائكة الموت يأخذون أرواح المؤمنين أخذاً نشطاً, وبعضهم قال: هناك ملائكة موكلون بأمور أخرى من تفسيرات هذه الآية: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفّاً * فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً * فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً ﴾ (سورة الصافات الآية: 1-3) ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَالْحَامِلَاتِ وِقْراً * فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً ﴾ (سورة الذاريات الآية: 1-4) من بعض تفسيرات هذه الآيات أنها الملائكة، و لها تفسير آخر أنها آيات كونية, وعلى كل هناك مهمات أخرى لا يعلمها إلا الله. 4- حملة العرش: من أصناف الملائكة أيضاً حملة العرش ليس معنا إلا هذه الآية: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ ﴾ ( سورة الحاقة الآية: 16-17) لا تستبعدوا هناك آيات لا ندري تفسيرها إلا بعد الموت يعني كيف يحمل هؤلاء عرش الله عز و جل ؟ الله أعلم هكذا ورد في القرآن الكريم, و صنف آخر هم الحافون حول العرش قال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ (سورة الزُمر الآية: 75) 5- ملائكة الجنة: من أصناف الملائكة أيضاً ملائكة الجنة, ففي وصف أهل الجنة قال الله تعالى في سورة الرعد: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آَبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ (سورة الرعد الآية: 23-24) 6- ملائكة النار: من أصناف الملائكة أيضاً ملائكة النار و اسمهم الزبانية, فقد و صف الله تعالى سقر مبيناً أن المشرفين على العذاب فيها تسعة عشر من الملائكة فقال تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ (سورة المُدثّر الآية: 26) هذا الذي: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ * وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً ﴾ (سورة المُدثّر الآية: 18-31) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (سورة التحريم الآية: 6) فملائكة النار غلاظ شداد, وهل يكون السجّان ناعماً ؟ لا, و في تسمية ملائكة التعذيب بالزبانية ورد هذا في قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعَنْ بِالنَّاصِيَةِ * نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ * فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ * سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾ (سورة العلق الآية: 15-19) رئيس ملائكة النار و خازنها اسمه مالك و الدليل على ذلك من قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ﴾ (سورة الزُخرف الآية: 77) أجمل وأدق وصف أن من كان في النار لا يموت فيها و لا يحيا, لا يموت فيستريح ولا يحيا فيسعد قال الله: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ ﴾ ( سورة الزخرف الآية: 77) 5- صنف من الملائكة موكلين ببني آدم ولكل واحد حسب وظيفته: هناك من أصناف الملائكة صنف موكل ببني آدم, منهم الموكلون بنفخ الأرواح في الأجنة, و منهم الموكلون بمراقبة أعمال المكلفين و حفظها و تسجيلها و كتابتها في صحف الأعمال, و عندهم القدرة على علم جميع ما يفعله الناس من خير أو شر دون غفلة أو نسيان قال الله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ﴾ ( سورة ق الآية: 17-18) فالحركة والكذب والفحش و المزاح الرخيص و الغيبة والنميمة والسخرية والكبر كله مسجل, لكن العلماء قالوا: يمنع أن يسأل الإنسان كيف يكتبون ؟ وكيف يسجلون ؟ هذا شيء في علم الله سبحانه وتعالى, والذي يعنينا أنهم يكتبون و الحساب آنٍ و كتاب فيه كل صغيرة وكبيرة: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾ (سورة الكهف الآية: 49) في آية أخرى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ * وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَاماً كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ ﴾ (سورة الإنفطار الآية: 9-12) فالمسجلة تسجل كل صوت لكنها لا تعلم أن هذا الكلام حق أو باطل, خير أو شر, فالملائكة ليسوا كائنات يتلقفون أعمال الإنسان من دون فهم, هم يعلمون أن هذا العمل خير وهذا شر وهذا يُعرض على الله، لذلك جاء في بعض الأحاديث الشريفة أن الله عز و جل رحمة بعباده جعل الملك الذي على الكتف الأيمن أميراً على الملك الذي على الكتف الأيسر, فإذا فعل الإنسان سيئة لا يستطيع ملك الشمال أن يسجل إلا بأمر من ملك اليمين, و ملك اليمين ينتظر لعله يتوب, لعله يندم, لعله يراجع نفسه, إذا فعل الإنسان الشر وأصر عليه وافتخر به ولم يتب منه, ولم يندم عليه عندئذ يأمر ملك اليمين ملك الشمال أن يكتب عليه هذا العمل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ (سورة يس الآية: 12) هذه الآية دقيقة جداً نكتب ما قدموا و آثارهم كيف ؟ رجل مثلاً سرق و السرقة كتبت عليه, بعد أن يسرق و دون أن يتوب و دون أن يستغفر, وبعد أن يفعل هذه المعصية يكتب عليه هذا العمل هذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ﴾ ( سورة يس الآية: 12) و آثارهم, هذا الذي طلق هذه المرأة ظلماً فكفرت بربها لأنها حنقت على زوجها الذي يصلي, يصلي و طلقها لسبب تافه, وحينما حنقت عليه تركت الصلاة, وعندئذ خرجت عن طريق الحق فعلت ما فعلت, كل الذنوب التي ترتكبها هذه المرأة و ذريتها إلى يوم القيامة في صحيفة الذي طلقها ظلماً, فالإنسان قبل أن يطلق يجب أن يعد إلى المليون ولا سيما إن كان له أولاد من هذه الزوجة قال الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ ( سورة يس الآية: 12) حينما قُمت بتصليح هذه السيارة ولم تعتنِ بضبط أجزائِها وأعطيتها لصاحِبَها فرَكِبَ مع أهلِهِ وأولادِهِ وزوجتِهِ فتدهورت ومات الزوج والزوجة بقي الأولاد الصغار، وهؤلاء لا مُعينَ لهم فنشأوا منحرفين، من يُصدّق أنَّ هذا الذي أهمل تصليح السيارة سيُحاسب عن هذهِ الآثار قال الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ ﴾ ( سورة يس الآية: 12) إنسان أرسل ابنه إلى بلاد الأجانب ليتعلّم اللغة الأجنبية، يسكن في غرفة عند أسرة، وهذه الأسرة متفلتة من الأصول فموضوع الزنا سهل عِندهم، فذهب إلى هذه البلاد وعاد يُتقن اللغة الإنكليزية لكنهُ عادَ زانياً, والله عزَّ وجل يُريهِ يومَ القيامة أنَّ هذا الابن الزاني كيف اختار امرأةً زانية ؟ وكيف أنجبَ منها ذُريّةً فاسدة ؟ وكيفَ أنَّ كُل الانحراف بسبب أنه أرسله ليُتقن اللغة الأجنبية فيُحاسب عن كُل هذا الفساد, ولذلك فالأب أو الابن يوم القيامة استحق أحدهما دخول النار ؟. 6- صنف من الملائكة موكلين ببني آدم يحفظونهم من كل شر: من أصناف الملائكة الموكلين ببني آدم المعقبات الحفظة الذين يحفظون الناس بأمر الله من كل ذي شر خفي أو ظاهر, أحياناً إنسان شرير يصرف عنك هذا ملك صرفه عنك, وأحياناً ننسى الكهرباء وهي مقطوعة لو أنها جاءت بالليل لأحرقت المحل، وبعد أن خرجت بخمسين متراً تعود إلى المحل من الذي أرجعك إلى المحل ؟ الملائكة, والدليل قوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ ﴾ (سورة الرعد الآية: 11) في حياة كُل واحد منا إذا كان طاهراً مؤمناً يشعر أن الله عزّ وجل قد نجّاه من آلاف الورطات ومن آلاف المشكلات، هؤلاء الصغار الملائكة يحفظونهم بأمر الله قد يقع مئة مرة على الأرض وقد تسمع جمجمته مثل الطنين حين يقع على الأرض ثم يقف لا شيء في صحته قال الله: ﴿ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ( سورة الرعد الآية: 11) أحدهم أخبرني أن ابنه الصغير وقع من مقعد الجلوس إلى الأرض على السجادة مسافة لا تزيد عن الأربعين سنتمتراً فإذا بخرّاج في الجمجمة, و عملية كلفته عشرات الألوف وقلقاً و تعباً فالله عز و جل إذا حفظ فإنه يحفظ, أي إن للإنسان ملائكة يتعقبونه لا يفارقونه بل يُرافِقونَهُ في جميع الجهات, من بين يديه و من خلفه يحفظونه من المخاطر الظاهرة و الخفية بأمر الله و ضمن حدود قضاء الله و قدره. أحدهم يقول لك: كنت في سيارتي على الطريق فنمت, رأيت مناماً والسرعة 120 و بعدها صحي لا يزال على الطريق من أيقظه ؟ يحفظونه من أمر الله من هذا القبيل, هناك ملايين القصص هذه الآية دقيقة جداً، وهذه الآية تبث المحبة في قلوبنا تجاه الله عز و جل قال الله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ ( سورة الرعد الآية: 11) أرسلت ابنتك إلى المدرسة في الصف الأول, لا يوجد عندها وعي قد تأتي سيارة مُسرعة وقد تقطع الطريق من يحفظها ؟ إذا كنت مسافراً وقرأت الدعاء " اللهم أنت الرفيق في السفر، و الخليفة في الأهل و المال و الولد " الله سبحانه وتعالى يحفظ لك الأسرة والولد, فمن يستجيب لك ويحفظ لك كل ذلك ؟ الله عز و جل يتفضل و يحفظ ذلك لك. خلاصة الدرس: ملخص هذا الفصل: الملائكة مخلوقات مغيبة عنا لا نراهم, ذات أجسام نورانية قادرون على التشكل بالأشكال الجسمانية المختلفة المرئية لنا ويتمتعون بقدرات خارقة قال الله:﴿ قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآَهُ مُسْتَقِرّاً عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ (سورة النمل الآية: 39-40) عرش الملكة بلقيس ينتقل من اليمن إلى القدس قبل أن يرتد إليك طرفك لا حصر لهم, طائعون لله لا يعصونه ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون, لا يتناكحون، ولا يتناسلون، ولا يأكلون، ولا يشربون, و إنما عباد مكرمون يحملون رسالات ربهم في العالمين ويؤدون وظائفهم في الأكوان بحسب مجرى الأقدار, وينفذون أوامر الله بحذافيرها على مراد الله العزيز الجبار. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#22 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
جوزيت كل خير وبوررك فيك
تحية |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#23 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
تسلمين اختى افراح على تواجدك
|
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#24 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( الواحد و العشرون ) الموضوع :الايمان بالجن الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مسلك الإيمان بالجن هو الخبر الصادق: يا أيها الأخوة, المسلمون كلهم يعتقدون بوجود مخلوقات غيبيّة عنا لا نراها بحواسنا في الحالات العادية اسمها الجن, لأن الله سبحانه وتعالى في قرأنه الكريم، والنبي عليه الصلاة والسلام في حديثه الشريف قد أخبرا بوجودهم بشكل قاطع لا يحتمل التأويل, في القرآن والسنة إشارات واضحة ونصوص صريحة لا تحتمل التأويل تُلزمنا أن نؤمن بالجن وهذه المخلوقات الغيبية لا نحس بها إلا أن وجودها من الأمور الممكنة عقلاً, تحدثنا في دروس سابقة كيف أن الأشياء من زاوية العقل: هناك أشياء موجودة ممكنة الوجود, وهناك أشياء مستحيلة الوجود وهناك واجب الوجود وهو الله سبحانه وتعالى, كل شيء سوى الله ممكن الوجود لكن الله سبحانه وتعالى واجب الوجود ؟ هناك ممكن الوجود عقلاً، وهناك مستحيل الوجود عادة يعني بحسب العادة النار تحرق فإذا قلت: أن النار لا تحرق هذا الكلام مستحيل بحسب العادة, لكن بحسب العقل الذي خلقها تحرق قد يمنع عنها الإحراق، فوجود مخلوقات غيبية عنا لا نحس بها من الأمور الممكنة عقلاً, فلا يكون إنكار المنكر لها إلا تكذيباً للخبر الصادق كما قلنا مراراً وتكراراً الإيمان بالملائكة، والإيمان بالجن، والإيمان باليوم الآخر هذه كلها مغيبات فمسلك الإيمان بها مسلك الخبر الصادق, لكن الإيمان بالله استدلال عقلي يقيني قطعي، فهناك إيمان تحقيقي وهناك إيمان تصديقي، فالإيمان بالملائكة والإيمان بالجن من نوع الإيمان التصديقي لأن الله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً﴾ ( سورة النساء الآية: 87) الاستشهاد بأمثلة لتوضيح الفهم: إذا أردتم مثلاً ما يشبه هذا في حياتنا, هناك أشياء كثيرة فهذا الجو في بث إذاعي من منكم يشاهد البث الإذاعي ؟ لا يُشاهد لكنك إذا جئت بجهاز تسمع فيه صوت البث الإذاعي, فإذا قلت: لأني لا أرى البث الإذاعي فإني أُنكر وجوده هذا كلام فيه حمق، لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود مادام هذا الشيء موجوداً, ولكن الحواس لا تراه بقصورها فماذا ترى في هذا الكأس ؟ ترى ماء صافياً عذباً، لو أتيح لأحدكم أن يضع نقطة من هذا الماء تحت مجهر لرأى العجب العجاب، لرأى في هذه النقطة كائنات، ومخلوقات، وأحياء لا يعلمها إلا الله, كذلك الجن مخلوقات ليس بالإمكان أن تقول: هي غير موجودة لأني لا أراها, نقول لك: إن حواسك المحدودة ليست مقياساً للإيمان بالجن, ولكن الإيمان بهم دليل كلام الله سبحانه وتعالى، وكلام نبيه عليه الصلاة والسلام, ومسلك الإيمان بها الخبر الصادق. الأدلة الواردة في الكتاب والسنة بوجوب الاعتقاد بالجن: لقد أخبرنا في كتاب الله, والنبي صاحب المعجزة أيضاً أخبرنا بحديثه الشريف أن هناك مخلوقات لا نراها بأعيننا لكنها موجودة, وكما تعودنا جميعاً ليس هناك فكرة تقال في هذا المكان إلا مع الدليل، وهكذا يطلب المؤمن: " إذا كنت مبتدعاً فالدليل وإذا كنت ناقلاً فالصحة " و هذه قاعدة بين العلماء مضطردة أي تقول: أنا رأي بالموضوع الفلاني كذا وكذا ما الدليل ؟ هل عندك دليل من كتاب الله أو حديث صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, أو هل عندك إجماع من العلماء حول موضوع ما, أو هل عندك قياس ؟ " إذا كنت مبتدعاً فالدليل وإذا كنت ناقلاً فالصحة ", لو تتبع الناس أو لو سلك الناس المسلك العلمي في النقل لكنا بحالة غير هذه الحالة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ ( سورة الحجرات الآية: 6) في كل علاقاتكم الاجتماعية، لو كان الأخ المؤمن واعياً لدرجة أنه لا يقبل كلاماً عن فلان إلا بالدليل إذ يسأل أسمعت بأذنك منه ؟ لا, إذن هذا الكلام مرفوض إلى أن يثبت الدليل على صحته, هكذا المؤمن لا فكرة تُلقى من دون دليل فالإيمان بالجن مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾ ( سورة الذاريات الآية:56-57) إذن الجن ورد ذكرهم صراحة في القرآن الكريم, وقال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ ﴾ (سورة الرحمن الآية: 33) ما هو علة تقديم الجن على الإنس والإنس على الجن في القرآن الكريم ؟ إشارة لطيفة, لماذا قدّم الله سبحانه وتعالى الجن على الإنس في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ ( سورة الذاريات الآية: 56) لأن خلق الجن سبق خلق الإنس، لماذا قدم الله سبحانه وتعالى الجنّ على الإنس بهذه الآية الثانية: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنْ اسْتَطَعْتُمْ ﴾ ( سورة الرحمن الآية: 33) لأن الجن أقدر من الإنس على خرق السموات والأرض: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 88) فلماذا هنا قدّم الله الإنس على الجن ؟ لأن الإنس أقدر من الجن على صياغة الكلام, ما من تقديم و تأخير، وما من كلمة وحرف و ترتيب في كتاب الله إلا وينطوي على معنى دقيقٍ. مقولة العلماء حول موضوع الجن: قال العلماء: القرآن الكريم تعرّض لذكر الجن فيه في أربعين آية مجموعة في عشر سور، فالإيمان بالجن إذاً من مُسّلمات العقيدة الإسلامية, وأُركز على كلمة الجن لأن هناك فِرقاً ضالة في شرق آسيا تنفي وجود الجن، كما خصص الله سبحانه وتعالى سورة كاملة ذكر فيها قصة نفرٍ منهم استمعوا للقرآن الكريم من تلاوة رسول الله صلى الله عليه وسلم, و قصدت بالفرقة الضالة التي تؤمن أن النبي عليه الصلاة والسلام ليس آخر الأنبياء، و هذه الفرق ليست من الإسلام في شيء, وهي موجودة في شرق آسيا ولها في أوروبا أيضاً نشاط تنفي أن يكون النبي آخر الأنبياء بل إن هناك نبياً بعده, وتنفي أن هناك جناً وتفسر خاتم الأنبياء بأنه ولي وليس آخرهم إلى ما هنالك، فالإيمان بالجن من مستلزمات العقيدة الإسلامية, وهؤلاء الجن الذين استمعوا إلى القرآن الكريم من تلاوة النبي عليه الصلاة والسلام قال الله في هذا: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآَمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ( سورة الأحقاف الآية: 29-31) إذن فريق من الجن استمع للقرآن الكريم من فم النبي عليه الصلاة والسلام. عقيدة الناس بالجن: يقول المؤلف: أكثر أهل الملل والنِحل وخصوصاً أتباع الأنبياء معتقدون بنزول الجن باعتبار أن الأنبياء - وهم صادقون بلا مِرْية - قد أخبروا بوجودهم, ولا يتم إيمان المؤمن بالله إلا بأن يصدق بجميع ما يخبر به ربه هذه نقطة دقيقة, ليس لك خيار هذا الحديث يعجبك، وهذا الحديث لا يعجبك, فهذا الذي يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض ليس مؤمناً, وقد قرّع الله اليهود لأنهم آمنوا ببعض الكتاب وكفروا ببعضه, فإذا آمنت برسول الله صلى الله عليه وسلم فكل الذي صح عنه حق, وما هو إلا وحي يوحى من عند الله سبحانه وتعالى. كيف نؤمن بوجود الجن ؟ كيف نؤمن بوجود الجن ؟ لدينا حالتان: 1- إما أن نؤمن بوجودهم بحواسنا كما يؤمن أحدنا بوجود أخيه أمامه يراه أمامه ويسمع صوته ويصافحه, أي إذا اشتركت حاسة اللمس وحاسة السمع وحاسة البصر يسمع كلامه فيعي مضمونه. 2- وإما أن يسلك في الإيمان بالجن مسلك الخبر الصادق، فنحن كما قلنا لابد من الخبر الصادق في الإيمان بموضوع الجن. الجن كالملائكة وليسوا كالملائكة، لا نعرف عن حقيقتهم إلا ما جاءنا عن طريق الخبر الصادق أي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لأننا لا نتصل بهم عن طريق الحس اتصالاً يفيد العلم اليقيني حتى نعرف تكوينهم، وحسبنا أن نقتصر على ما وردت به النصوص. صفات الجن: 1- أنهم صنف غير صنف الملائكة فهم مخلوقون من مارج من نار: ما الذي جاءت به النصوص عن الإيمان بالملائكة ؟ أولاً: أنهم صنف غير صنف الملائكة، فهم مخلوقات سفلية وليسوا مخلوقات علوية والملائكة مخلوقات علوية, مخلوقون من مارجٍ من نار أي من أخلاط نارٍ صافية, وفي بيان عنصر خلقهم قال الله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ ( سورة الرحمن الآية: 14-15) وفي احتجاج إبليس على ربه حينما أمره بالسجود لآدم قال فيما يحكيه الله عنه في سورة الأعراف: ﴿ قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾ (سورة الأعراف الآية: 12) ثانياً: أنهم مخلوقون قبل الإنس والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ* وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ ﴾ ( سورة الحجر الآية: 26-27) كل فكرة والدليل, وفي قصة أمر إبليس بالسجود لآدم واستكبار إبليس وقول الله في حقه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً ﴾ ( سورة الكهف الآية: 50) دلالة واضحة على أن الجن مخلوقون قبل الإنس. 2- فهم كالبشر يتناسلون ولهم ذرية: الملائكة لا يتناسلون كما قلنا من قبل أما الجن فيتناسلون ولهم ذرية, والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا﴾ ( سورة الكهف الآية: 50) أقّر الله سبحانه وتعالى ما ذكره النفر من الجن الذين استمعوا القرآن من الرسول عليه الصلاة والسلام حين ذكروا أن للجن رجالاً، ومتى كان فيهم رجال ففيهم نساء، وذلك يقتضي التناسل قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ ( سورة الجن الآية: 6) هذا دليل على أنهم يتناكحون ويتناسلون منهم الرجال ومنهم الإناث، ومن شأنهم أنهم يروننا من حيث لا نراهم والدليل قوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ ( سورة الأعراف الآية:27 ) 3- أنهم مخلوقات قابلة للعلم والمعرفة وذات إرادة واختيار: أنهم مخلوقات قابلة للعلم والمعرفة, وذات إرادة واختيار كالإنسان, فهم مكلفون مثلنا بالإيمان والعبادة، منهيون عن الكفر والعصيان، فكثير من خطابات التكليف والتحدي في القرآن الكريم يجمع الله فيها بين الجن والإنس، قال تعالى في سورة الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ ﴾ (سورة الذاريات الآية: 56-57) أي علّة خلق الإنس والجن العبادة، وفي أدق تعريفات العبادة طاعة تسبقها معرفة وتعقبها سعادة، لا عبادة بلا معرفة، ولا سعادة بلا عبادة، ولا عبادة بلا سعادة، وأدق تعريفات للعبادة أنها طاعة لله، وانقياد كلي لأوامر الله، وهذا الانقياد لا يكون إلا بعد معرفة الله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ﴾ ( سورة فاطر الآية: 28) وإذا كان فلابد من أن يتبعه سعادة لا توصف, وقال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ ﴾ ( سورة الأنعام الآية:130) وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً﴾ (سورة الإسراء الآية: 88) 4- أن الجن قسمان: مؤمنون وكافرون: الجن قسمان: مؤمنون وكافرون وهذا تابع لما منحهم الله به من إرادة واختيار, الذي اختار من الجن أن يكون مؤمناً آمن، والذي اختار أن يكون كافراً كفر, فبعضهم مؤمن وبعضهم كافر بحسب اختيارهم, فالكافرون من الجن هم الشياطين, وحيثما وردت كلمة " شياطين " ربنا قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 112) هم الكفار من الإنس والكفار من الجن, إبليس واحد أما الشياطين فمن ذريته, وهم جنود الشيطان الأول إبليس اللعين, الذي كان أول من عصى ربه من الجن, وأول من كفر بنعمة الله منهم، فما الدليل على أن هناك مؤمنين منهم وكافرين ؟ قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآَناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآَمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً ﴾ ( سورة الجن الآية: 1-2) وفي الآية: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً﴾ ( سورة الجن الآية: 4) من سفيههم ؟ إبليس اللعين, و أقرب المخلوقات للبشر الجن من حيث التكليف والاختيار والإرادة, وأنهم حملوا الأمانة, وأنهم مكلفون بالإيمان, منهم المؤمنون ومنهم الكافرون قال الله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾ ( سورة الجن الآية: 14-15) هذا قول الجن, يتوهم الإنسان أن كلمة قاسط أي إنسان عادل " لا ", القاسط هو الظالم, والمسقط هو العادل, وقد سأل الحجاج شخصاً رآه في الطريق قال له: من أنت ؟ قال له: أنا فلان، فقال له: أنا الحجاج فما قولك بي ؟ قال له: أنت قاسط عادل, فقال الحجاج لأصحابه: هل تدرون ماذا قال لي ؟ ظّنوه يمدحه قال لهم: قال لي: أنت ظالمٌ كافر, قالوا كيف ذلك ؟ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 1) فالذي عدل عن الإيمان إلى الكفر فهو قاسط أي ظالم. 5- أنهم يحشرون يوم القيامة ويحاسبون على أعمالهم: هؤلاء الجن يحشرون يوم القيامة ويحاسبون على أعمالهم, فيثابون ويعاقبون قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 128) قال الله تعالى مقرراً عقوبة الكافرين من الجن في سورة هود: ﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ ( سورة هود الآية: 119) هنا استنباط لطيف, لن تكون العقوبة إلا بعد مخالفة ناشئة عن التكليف، ولن يكون التكليف إلا بعد الاختيار فهي سلسلة. 6- أن لهم قدرات كبيرة ومهارات صناعية فائقة: لهم قدرات كبيرة ومهارات خطيرة, فقد سخر الله لسليمان الجن يقومون له بأعمال البناء والغوص في البحار, والأعمال الصناعية الكبرى كالجفان الكبيرة والقدور الراسية والأعمال الفنية وكالتماثيل والصور, وقد كانت جائزة ثم حُرّمت في الإسلام إلى غير ذلك من أعمال كبيرة مختلفة قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ ( سورة ص الآية: 35- 36) قال تعالى حكاية لقول أحد الجن من جنود سليمان الذين سخرهم الله له, حينما قال الجنيّ لسليمان: أنا آتيك بعرش بلقيس قبل أن تقوم من مقامك: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ﴾ ( سورة النمل الآية: 39) قال تعالى في وصف أعمال الجنّ الذين سخرهم الله لسليمان يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان: ﴿ يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ ( سورة سبأ الآية: 13) 7- أنهم كانوا قبل بعثة محمد عليه الصلاة والسلام: أنهم كانوا قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام، يسترقون السمع من السماء من أفواه الملائكة من السماء, وينقلونها إلى قرنائهم من الإنس في الأرض, وقد ذكر ابن عباس رضي الله عنه أنّه قال: كان الجن يقصدون السماء في الفترة بين عيسى ومحمد فيستمعون أخبار السماء ويلقونها إلى الكهنة, فلما بعث الله محمداً عليه الصلاة والسلام حُرست السماء وحيل بين الشياطين وبين خبر السماء, وأرسلت الشهب عليهم والدليل: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً ﴾ ( سورة الجن الآية: 8-9) أي كان الجن يسترقون السمع, ويتلقفون بعض الأخبار التي تعني أهل الأرض من الملائكة، فإذا ألقاها هؤلاء الكهان توهم الناس أن الكهان يعلمون الغيب, مثلاً: إذا كنت جالساً في بيت ووجدت ورقة على الطاولة لصاحب البيت بأن هناك موعداً في الساعة الخامسة سيأتي فلان لعندي على مفكرته خرج من الغرفة, و وجدت مفكرة على الطاولة قلبتها وجدت الموعد فيها, ولعل الساعة الآن الرابعة جلست، هناك أشخاص كثيرون قاعدون في الغرفة الساعة الخامسة, طُرق الباب فقلت لواحد: أنا أعلم من لدى الباب " فلان " قال لك: كيف علمت ؟ أنا أعلم, فلما فتح الباب دخل فلان, هذا إذا كان ساذجاً توهم أنك تعلم الغيب, لكنك استرقت من هذه المفكرة التي على الطاولة هذا الموعد, وعرفت اسم الذي سيطرق الباب الساعة الخامسة, فلما طُرق الباب قُلتَ فلان لدى الباب، هذا ليس من علم الغيب في شيء, إنما هو استراق للسمع. قد يتوهم الساذج المغفل غير الديّن أن الكاهن يعلم الغيب, فلما جاءت بعثة النبي عليه الصلاة والسلام ضُرب حصارٌ على الجن لئلا يتقول عليه الأقاويل، ولئلا يتوهم أتباع النبي عليه الصلاة والسلام أن الجنّ لهم علاقة بموضوع الرسالة قال الله: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا * وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ ( سورة الجن الآية: 8-9) كما تلاحظون ليس هناك فكرة تقال إلا مدعومة بآية أو حديث. 8- أنهم يأكلون أكلاً لا نعلم كيفيته ولا ماهيته: أنهم يأكلون أكلاً لا نعلم كيفيته ولا ماهيته، وأن الله قد جعل زادهم في العظام وغيرها كما جاء في بعض الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, و لهم قدرة على التشكل بالأشكال الجسمية التي يمكن أن نراها بحسب استعداداتنا البشرية، فقد جاء في طائفة من الأخبار, أن ظهور الجن أحياناً بشكل غير اعتيادي يتشكل بشكل أو بآخر ورد في هذا بعض الأخبار. أسئلة تدور في فلك الإنسان تخصص للإجابة عليها في الدرس القادم إن شاء الله:
ما علاقة الجن بنا ؟ آمنا بوجودهم وعرفنا صفاتهم, لكن هل للجن تأثير علينا ؟ هذا أكبر سؤال, فلان مسحور، فلان يخاوي الجن، فلان سنأخذه إلى هذا الشيخ ليفكّ عنه السحر هذا الكلام الطويل المعقد الذي أضلّ الناس وضلوا به إن شاء الله سيخصص له درس كامل في الدرس التالي. هل للجن تأثير على الإنس ؟ وهل للشياطين سلطان على الإنس في عقائدهم وإرادتهم وأعمالهم ؟ و هل يّلقي الجن للإنس علوماً وأخباراً ؟ و هل يعلم الجن الغيب ؟ لا يوجد موضوع يثير حماس الناس وفضولهم وشغفهم كعلاقتنا بالجن, لأن الإنسان الساذج كلما ارتكب معصية يقول لك: الله يلعن إبليس لماذا ؟ لا دخل له, أنت المقصر وأنت المذنب, وهل لهم تأثير على أجسامنا ؟ وهل يتعاون الجن مع الإنس ؟ هذا كله سأجيب عنه إن شاء الله تعالى بشكل مفصل في الدرس القادم ليكون هذا الدرس حاسماً في رد كل الشبهات والافتراءات والظنون والأخيلة والأوهام والخرافات التي تستأثر بعقل الناس وتجعلهم يعتقدون بالله اعتقاداً فاسداً يثبط عزائمهم ويصرفهم عن طريق الحق. فقد تجد مثقفاً يقول لك: زارني شخص يحمل شهادة عليا قال لي: أنا مسحور وأريد أن أفك السحر عند فلان ما هذا الكلام ؟ يقول لك: فلان سحروه، وفلان يعاونه الجن في ضرب المندل, الدرس الثاني سيكون رداً على هذا التساؤل. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#25 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
العقيدة الاسلامية الدرس : ( الثانى و العشرون ) الموضوع :علاقة الجن بالنسان - هل لهم تاثيرعليهم الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما نص عليه علماء الأصول في بعض العقائد يجب على المسلم أن يتعلمها بالضرورة: أيها الأخوة, هناك مجموعة من العقائد يجب أن يعلمها المسلم بالضرورة, لأنه إذا جهلها انحرفت عقيدته، وإذا انحرفت عقيدته انحرف سلوكه, وإذا انحرف سلوكه شقي في الدنيا والآخرة، فمعرفة بعض العقائد التي نص عليها علماء الأصول فرض واجب على كل مسلم، هناك معلومات معرفتها تُعد فرض كفاية, التبحر مثلاً في علم المواريث هذا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل, لكن معرفة الإيمان بالله تحقيقاً, والإيمان بأسمائه الحسنى, والإيمان بالملائكة, والإيمان بالجن، والإيمان بالرسل، والإيمان بالكتب، والإيمان بالقضاء والقدر, هذه عقائد يجب أن تُعلم بالضرورة, وهي فرض عين على كل مسلم. لو أنّ إنساناً اشترى سيارة, يجب أن يعرف أنه إذا تألق الضوء الأحمر في لوحة العدادات لابد من أن يقف فوراً ليضيف زيتاً إلى المحرك وإلاّ يحترق المحرك, هذه المعلومات يجب أن يعرفها كل من يقود سيارة، لكن نوع الخلائط التي استخدمت في صناعة المحرك هذه ليست لكل من يركب السيارة, هذه للذين يتخصصون في صناعة السيارات، فهناك علوم يجب أن يعلمها كل إنسان مسلم ولا عذر له في جهلها، وإذا جهلها زاغت عقيدته فانحرف سلوكه فشقي في الدنيا والآخرة. إذن موضوع الجن من العقائد التي يجب أن تُعلم بالضرورة, لأنك إذا توهمت أن هذا فلان يعرف الغيب، وأن هذا الشيخ يطّلع على ما سيكون, إنك تمشي في متاهات لا أساس لها من الصحة. ما هو مدى علاقة الجن بالإنس ؟ 1- الشيطان لا يستطيع أن يؤثر على الإنسان إلا إذا خضع له واعتبره شريكاً مع الله: ما هو مدى علاقة الجن بالإنس ؟ مرّ معنا من قبل, أن الجن منهم المؤمنون, ومنهم الكافرون قال الله: ﴿وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ كُنَّا طَرَائِقَ قِدَداً﴾ (سورة الجن الآية: 11) إن يكن لخبثاء الجن بعض التأثير الجسمي على أحدٍ من الإنس, فإنما يؤثرون على من يستكين بأوهامه وتخيلاته لسلطانهم, لا يستطيعون أن يؤثروا على أحد إلا إذا استكان لهم وخضع لهم واتبعهم واعتقد بهم وأشركهم مع الله عز وجل, هذا الذي يفعل ذلك يتحمل تأثيراتهم, و كل من يتخيل أنهم بيدهم نفعه أو ضره, ويخضع لسلطانهم يتعرض لمسّهم وتخبطاتهم لاستعاذته بهم, هذه الحالات محددة. 2- من أراد أن يستخدم الجن ليضر الناس بهم لا يقع شرهم وكيدهم إلا عليه ؟ من أراد أن يستخدم الجنّ ليضرّ بهم إخوانه من الإنس, أو من التمس النفع عندهم، أو من استعاذ بهم، أو من خضع لسلطانهم، أو من اعتقد بهم, أو من استكان بأوهامه لهم, هذا الإنسان بالذات يدفع ثمن جهله وثمن شركه وثمن ضلاله قد يتعرضون له بالأذى ؟ فقد علّمنا النبي عليه الصلاة والسلام أن نستعيذ بالله من همزات الشياطين، ومن حضورهم ومن ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن عَمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: " عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِذَا فَزِعَ أَحَدُكُمْ فِي النَّوْمِ فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرِّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ فَإِنَّهَا لَنْ تَضُرَّهُ " (أخرجه الترمذي وأبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في سننهما) إذا وجد ابنه في الليل بكى بكاءً شديداً فجأة، فليستعذ بالله من همزات الشياطين، هذا هو السلاح الفعال، هذا هو السلاح المجدي، ومنه ما رواه أبو داوود وابن ماجه بإسناد صحيح عن زيد بن الأرقم قال عليه الصلاة والسلام: " عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الْخَلاءَ فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ " ( أخرجه أبو داود وابن ماجه عن زيد بن الأرقم في سننهما, بإسناد صحيح ) هل يلقي الجن للإنس علوماً وأخباراً ؟ 1- الخبر المشهود: لا يمكن لإنسان أن يتعاون مع الجن إلا أن يكون كافراً, لأن من أدق تعريفات الساحر: هو الذي يتصل بالجن وقد قال عليه الصلاة والسلام: " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ " ( أخرجه النسائي عن أبي هريرة في سننه, إسناده ضعيف ) فأي اتصال بين الجن وبين الإنس هذا الاتصال هدفه إضلال البشر، ولو لبس هذا الذي يتصل بالجن بزيّ ديني, و لو لبس عمامة خضراء هو عند رسول الله عليه الصلاة والسلام كافر، لأن هدفه إيهام الناس أن بيد الجن النفع والضر, هدفه تحويل الناس عن الله سبحانه وتعالى إليه. هل يلقي الجن للإنس علوماً وأخباراً ؟ أما العلوم والأخبار التي يمكن أن يلقيها الجن إلى الكهان فهي بحسب مواضيع هذه العلوم التي يلقونها، فإن كانت من العلوم التي تتعلق بالأمور المشهودة, مثلاً: في حلب نزلت أمطار غزيرة هذا اليوم, هذه من الأشياء المشهودة وليس من الأشياء الغيبية، لكن نقل الخبر قد لا يكون متيسراً للإنس قبل الاتصالات السلكية واللاسلكية, وقبل السفر السريع إلى هذه البلاد, فنقل أنباء الأمطار التي هطلت في حلب اليوم إلى الشام متعذر, فالجن أحياناً يستطيعون أن ينقلوا هذه الأخبار التي وقعت, هذا الأمر ليس من عالم الغيب و إنما هو من عالم الشهادة، فإن كانت من العلوم التي تتعلق بالأمور المشهودة أو الأخبار التي عن الوقائع الماضية، فإنها أخبار تحتمل الصدق والكذب قد يصدقون, وقد يكذبون. ومن جهة ثانية: لا يصح الثقة بأخبارهم لانعدام المقاييس التي بحوذتنا في معرفة صدقهم وكذبهم, فانتقال الجن سريع جداً والدليل: ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ﴾ (سورة النمل الآية: 39) قبل أن يقوم سيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام من مقامه, يستطيع عفريت من الجن أن يأتي بعرش بلقيس من اليمن إلى القدس، فانتقاله سريع جداً لذلك لما قال الله عز وجل: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ﴾ (سورة الرحمن الآية: 33) الله سبحانه وتعالى قدم الجن على الإنس, لأنهم أقدر من الإنس على خرق السموات والأرض لميزات أعطاهم الله إياها. الاستشهاد بأمثلة من الواقع للتوضيح: شخص أعرفه توفي رحمه الله, سُرقت من بيته قطعة أثاث ثمينة جداً " سجادة ", فدلّه بعضهم على ضارب المندل قال: ذهبت إلى ضارب المندل, وجاء بوعاء وضع فيه زيت, وجاء بغلام صغير وصار يسأل هذا الغلام, والغلام يجيب يقول الغلام: هذه السجادة موجودة في بيت, أمام البيت حجر كبير, الباب لونه كذا, يُفتح الباب على اليمين في غرفة تدخلونها، في زاوية الغرفة في مكان عليه فرش و لحف تنزعون الفرش واللحف, هناك صندوق عليه قطن, السجادة تحت القطن, هكذا قال ضارب المندل, فقال هذا الرجل: توجهت إلى هناك وأخذنا معنا المختار, و كل شيء قاله هذا الطفل في المندل صحيح، دخلنا البيت ثم دخلنا إلى الغرفة, ووجدنا في زاوية الغرفة صندوق وفرش ولحف, فتحنا الصندوق وجدنا القطن ولكننا لم نجد السجادة ! ذهبوا لصاحب البيت فإذا هو بياع سجاد, ضربوه ولشدة الضرب قال: نعم أنا أخذتها وبعتها, واختاروا إحدى السجادات وأخذوها مكانها, قال هذا الرجل: أخذنا السجادة بنفس القياس بعد أربعة أشهر يقول لي رجل كان في السجن: أتدري من سرق من عندك السجادة ؟ قلت له: أعرفه, قال لي: لا, كنت في السجن, فحدثني أحد السجناء: أنه هو الذي دخل بيتك وسرق السجادة, أين كلام الجن ؟ كذابون, لكن معالم هذا البيت يعرفونها لا شك, لكنهم لا يعرفون من أخذ السجادة, لذلك: ضرب المندل كذب و دجل, لكن بأثناء الكلام قد يوجد بعض الحقائق ليست غيبية بل مشاهدة. هذه القصة أردت منها أن الجن في نقلهم للأخبار المشهودة يكذبون ويصدقون, فلا يعول على كلامهم, لأننا لا نملك مقاييس للتفريق بين كذبهم وبين صدقهم. 2- الخبر الغيبي: أما إذا كانت من المغيبات التي استأثر الله بعلمها: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَداً وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴾ (سورة لقمان الآية: 34) لا إنس ولا جن ولا نبي ولا رسول يعرف ذلك، ولا يكون التحدث بشيء منها إلا كذباً وافتراء على الله, ربنا عز وجل قال: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 59) لكن لو قال عز وجل ومفاتيح الغيب عنده: هل هناك فرق ؟ نقول: هناك فرق كبير جداً, إذا قال الله عز وجل ومفاتيح الغيب عنده: معنى ذلك هي عنده, وقد تكون عند غيره, حينما قدّم الظرف على المبتدأ فقال وعنده مفاتيح الغيب, معنى ذلك أن الغيب محصور ومقصور على الله وحده, وليس لأحد كائناً من كان أن يعرفه. كل من قال لك: أنا أعلم ما سيكون, دجال، هذه الصرعة التي ظهرت حديثاً في كل عاصمة كبيرة كاهنة أو كاهن, يأتيها رجال من علية القوم يسألونها عن المستقبل, هل سأبقى في هذا المكان ؟ ماذا يحصل لي في المستقبل ؟ دجل في دجل، كذب في كذب، غباء في غباء, لا يعلم الغيب إلا الله. أما المغيبات التي قُضي أمرها في السماء, وأصبحت معلومة لذوي الاختصاص من الملائكة، كما أصبحت معدة لتبليغها للملائكة, جاء فيها حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ الْملائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ " ( ورد في الأثر ) ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ (سورة الذاريات الآية: 32-34) هكذا قالت الملائكة: لسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام, لا تزال القرية بحالها، الأمر لا يزال طبيعي جداً, لكن الملائكة أباحوا لسيدنا إبراهيم أنّا أُرسلنا إلى قوم مجرمين لنرسل عليهم حجارة من طين, فهل هذا من قبيل علم الغيب ؟ لا, هذا القرار اتخذ في السماء وبُلغ لأصحاب العلاقة لينفذوه, من هذا القبيل قال عليه الصلاة والسلام " إِنَّ الْملائِكَةَ تَنْزِلُ فِي الْعَنَانِ وَهُوَ السَّحَابُ فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِينُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ فَتُوحِيهِ إِلَى الْكُهَّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ " ( ورد في الأثر ) يعطوك خبر صحيح، ويمرقوا عليه مليون خبر كذب، عملية استراق أمر قضى الله به في السماء, وبُلغ للملائكة لتنفيذه يأتي الشيطان فيسترق هذا الخبر ليوحيه للكاهن، يقوله للناس، فيوهم الناس أنه يعلم الغيب, وهذا هو استراق الشياطين السمع من الملائكة بعد نزولهم إلى جو الأرض وليس من السماء, كما كان دأبهم قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم ومُنعوا بالشهب: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً ﴾ (سورة الجن الآية: 9) ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً﴾ ( سورة الجن الآية: 8) وفي تكذيب من يلقي سمعه للشياطين وإثمه الكبير قال تعالى في سورة الشعراء: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ ﴾ ( سورة الشعراء الآية: 221- 223) لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت, هذا الذي يُلقي أذنه للشيطان هو أفّاك أثيم، ضالٌ مُضل قال الله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ ( سورة الشعراء الآية: 221-222) أي تعاون بين أي إنسان وبين أي شيطان, هذا دليل قطعي على أن هذا الإنسان أفاك أثيم, ولو لبس جبّة, ووضع على رأسه عمامة خضراء, ولقّبَّ نفسه الولي الفلاني. هنا آية أعظم وأوضح في أن الجن لا يعلمون الغيب أبداً, سيدنا سليمان قبضه الله عز وجل وهو مستندٌ إلى عكازه قيل: بقي مدة طويلة لا يدري كم بقي ؟ إلى أن جاءت دابة الأرض يعني السوسة ونخرت في هذه العكازة، حتى أتت عليها كلها, فلما أتت عليها كلها انكسرت فوقع سيدنا سليمان، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾ (سورة سبأ الآية: 14) كان يكلفهم بأعمال شاقة فكانوا يتحملونها خوفاً منه، لو أنهم يعلمون الغيب بمجرد أن قبضه الله عزّ وجل لخففوا من هذه الأعمال، فربنا عز وجل جاء بهذه القصة ليؤكد بشكل قاطع، ودليل قطعي على أن الجن لا يعلمون الغيب. الجن لا تعلم الغيب، وقولاً واحداً ليس للجن تأثير على الإنسان تأثير جسماني, شخص وقع في الساعة, فيه نوعان: نوع مرض عصبي، و نوع من تأثير الشياطين, المرض العصبي كما قال بعض الأطباء: تخريش بالدماغ هذه تعالج, لكن قد يكون بعض أنواع الصرع إذا خاف الإنسان من الشيطان و اعتقد به, و استسلم له، وتوهم أنه ينفعه أو يضره، و أشركه مع الله عز وجل، عندئذٍ يقع تأثيره عليه. هل للشياطين سلطان على الإنس في عقائدهم وإرادتهم وأعمالهم ؟ أما أن يكون للشياطين على الإنس سلطان في عقائدهم وتوجيه إرادتهم للأعمال السيئة فذلك مما لا سبيل لهم إليه, لا سلطان للشياطين على الإنسان لا في عقائدهم ولا في إرادتهم ولا في أعمالهم مطلقاً, لأن الله حجزهم عن ذلك, ولم يجعل لهم سلطاناً على بني آدم ليكون الإنسان حر في اختياره, يخاطب الله عز وجل رأس الشياطين إبليس في سورة الحجر: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ ( سورة الحجر الآية: 42) هل هناك دليل أوضح من ذلك قال الله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ﴾ ( سورة الحجر الآية: 42) إلا إذا اتبعك هو. من صفات الشيطان: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ ﴾ ( سورة الناس الآية: 1-6) الخناس على وزن فعال, يعني سريعاً ما يهرب لو عذّت بالله عزّ وجل انتهى الأمر. ما هي وظيفة الشيطان في الأرض ؟ أين ينحصر عمل الشيطان ؟ مادام ليس له علاقة بعقائدنا, ولا بإرادتنا, ولا بأعمالنا, ولا يعلم عن الغيب شيئاً، ولا يؤثر على أجسامنا, عمله محصور في وظيفة الوسوسة الخفية هذا كل ما يملك, أنا أقول دائماً هذا المثل: واحد مرتدي أجمل الثياب، سائر في الطريق، في حفرة كبيرة فيها مياه سوداء نزل فيها, وتوجه إلى مخفر الشرطة ليشتكي على السبب قال له المحقق: هذا الرجل دفعك في هذه الحفرة ؟ قال له: لا, قال له: أجبرك أن تنزل فيها ؟ قال له: لا, قال له: أمسكك ووضعك في الحفرة ؟ قال له: لا, قال: فكيف تشتكي عليه إذن ؟ قال, قال لي: انزل فنزلت, هذا بحاجة لمستشفى المجانين وليس بحاجة لمن يشتكي عليه هكذا قال الله عز وجل: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ( سورة إبراهيم الآية: 22) ينحصر عمل الشيطان في الوسوسة الخفية, ولا يزيد على ذلك شيئاً, وهذه الوسوسة تخنس وتتخاذل أمام حزم المؤمن وإرادته والتجائه إلى الله تعالى بالاستعاذة والذكر والمراقبة, أما إخوان الشياطين فإنهم يستجيبون لوسوستهم, وينساقون معهم فيتسلط الشيطان عليهم, فيمدهم في الغيّ ويزين لهم الشر والضلالة, إنسان طلق زوجته وشرد أولاده, لأنه سمع كلام الشيطان, مازال الشيطان يوسوس له أن يطلقها حتى طلقها فخسرها وشرد أولاده, إذن هذا من عمل الشيطان إنه عدو مُضلّ. ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ﴾ (سورة القصص الآية: 15) قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 200) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ * وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 201-202) النزغ يعني الوسوسة، طائف من الشيطان يعني وسوسة من الشيطان بفكرة سيئة. التوازن الذي أقام الله الإنسان عليه في مقابلة الشيطان قرين من الملائكة يدعوه إلى الخير: في توازن وقد جعل الله تعالى في مقابلة وسوسة الشيطان التي هي من اختصاصه, داعياً للخير عن طريق ملك من ملائكة الرحمن, دائماً مع الإنسان قرين ملائكي, و قرين شيطاني، الملائكي يقول له: يا عبد الله تفكر في خلق الله, يا عبد الله أطع أمر ربك, يا عبد الله كن محسناً, أما الشيطان خذ المحل التجاري منه ليس له اسم في الإيجار، يقول الشيطان دائماً: افعل معه كذا وكذا, خذ هذا المبلغ راتبك قليل لا يكفيك, دائماً الإنسان بين وسوسة الشيطان وإلهام الملك: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ( سورة هود الآية: 7) يقول عليه الصلاة والسلام: " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ الأخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ثُمَّ قَرَأَ ( الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ) " ( ورد في الأثر) ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 268) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: " عَنْ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلائِكَةِ قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِيَّايَ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَلا يَأْمُرُنِي إِلا بِحَقٍّ " ( ورد في الأثر ) الأدلة الواردة من الكتاب على ابتلاء الله للإنسان بقرين من الخير وقرين من الشر: جاءت الإشارة في القرآن الكريم: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ ﴾ ( سورة ق الآية: 23) هذا حسابه, فعل كذا وكذا وكذا, هذا قرينه الملائكي معه كل أعماله: ﴿وَقَالَ قَرِينُهُ هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ * أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ * مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ * الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ ﴾ (سورة ق الآية: 23- 26) قال قرينه الثاني: ﴿ قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ ﴾ ( سورة ق الآية: 27) ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ ( سورة إبراهيم الآية: 22) هذه آية تؤكد أن لكل إنسان قريناً ملائكياً وقريناً شيطانياً, فالملائكي يقول لك: افعل واستقم وغض بصرك، أما الشيطاني يقول له: طلع شو صار الله بتوب عليك, لا تدقق, خذ المال الحرام أنت فقير, الآية واضحة. خدعة من أعمال السحرة للإنسان لتضليله: أيام تسمعون عن تحضير الأرواح, هنالك مشعوذين، دجالين، سحرة, يأتي واحد ساذج يسألوه أتريد أبوك ؟ يجيب طبعاً، يقولوا له: أبوك كان يشتغل شرطي فيجيب: نعم صحيح، يقولوا له: أبوك كان مصاب برأسه، فيجيب: نعم صحيح, فيوهموه بأن أبوه أتى من الآخرة, كل ذلك دجل, هؤلاء الجن يستدعون قرينه الذي كان في الحياة معه فهذه المعلومات من قرين أبيه لا من أبيه، ما فعلوا إلا أن استحضروا القرين الجني الذي كان مع هذا الميت, فأعطاهم بعض المعلومات لأنه كان رفيقه هذا كل ما في الأمر. هؤلاء يفترون على الله افتراءات ما أنزل الله بها من سلطان, فينسبون إلى الجنّ علم الغيب, ويتلاعبون في عقول السُذج من النساء وصغار العقول, أو يدّعون قدرة الجن على النفع و الضرر، والجن أنفسهم لا حول لهم ولا قوة، ولا يملكون لأنفسهم نفعاً ولا ضراً إلا أن يشاء الله, وقد بيّن القرآن أن أهل الجاهلية الذين كانوا يعوذون برجالٍ من الجن لم ينفعوهم شيئاً, بل زادوهم غيّاً وضلالاً وبعداً عن الأمن الذي يرجونه منهم قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً ﴾ (سورة الجن الآية: 6) ملخص البحث: عن حفصة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ أَتَى عَرَّافًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً " ( ورد في الأثر) لم يصدقه ولكنه أراد أن يتسلى, هذا الذي يفعل ذلك لن تقبل له صلاة أربعين صباحاً, ولا دعاء أربعين ليلة, فلو صدقه فقد كفر, العلماء قاسوا على ذلك قراءة الفنجان, يقال له: سيأتيك دفعة من المال, إذن يُحمل على هذا قراءة الكف، يحمل على هذا التطيّر " التشاؤم ", مثلاً: دخل لعنده زبون البيعة لم تتم، يُحمل على هذا من فتح مجلة أسبوعية فيها حظك هذا الأسبوع، فهؤلاء المنجمون والمنجمات، والمشعوذون والمشعوذات، والساحرون والساحرات الذين ينسبون للجن النفع أو الضرر, ويتحدثون عنهم بالمغيبات إنهم كذابون دجّالون عصاة لله ولرسوله هذا كلام واضح مثل الشمس, يُريدون أن يستولوا على المغفلين السذج، البسطاء ليضلوهم, ويسلبوا منهم أموالهم. كيف صدقوا ؟ صدفة, إمّا عنده معلومات كما تحدثنا، أو استرق الخبر من الملائكة أذاعه للكاهن, الكاهن تكلم به, أوهم الناس بأنه يعلم الغيب, هذا إذا صدقوا صدفة, صدقوا بمعنى جاء الخبر مطابق للواقع صدفة أو جاء من نوع استراق الخبر، فالاستعاذة لا تكون إلا بالله، والاستعانة لا تكون إلا بالله, إياك نعبد وإياك نستعين. تعقيب أخير: إن يكن للجن شيء من القوة المادية فيما بينهم فقد صرفهم الله تعالى في مجرى العادات عن أن يكون لهم سلطان على الإنس والجن في نفعٍ أو ضرر إلا أن يشاء الله عزّ وجل شيئاً لحكمة أرادها. استخلاص العبر والحكم من هذه القصة: " رواية طريفة " لامرأة متزوجة فجأة قلبت لزوجها ظهر المجن فجأة, معاملة سيئة، تقصير, إهمال، كلام قاسي، فكلما عاتبها قالت له: أنا متزوجة غيرك كاد عقله أن يطير, من ؟ تقول له: من تحت يعني رجال من الجن, لأن الجن عالمهم سفلي والملائكة عالمهم علوي, فهذا الرجل استجار بعالم من علماء بلده ورجاه رجاءً حاراً أن يأتي معه إلى البيت ليقنعها, ما هذه القصة ؟ تقول: قد تزوجت واحد غيري " جني متزوجة " ! فجاء هذا العالم وجلس " طبعاً من وراء حجاب " فقال لها: يا بنيتي من تزوجتِ ؟ فقالت: واحد من تحت يعني جني, قال: كيف علمت ذلك ؟ قالت: رأيته في المنام, قال: ما شكله ؟ قالت له: شيخ لابس عمامة خضراء, قال لها: مسلم أم كافر, قالت له: مسلم, قال لها: غلط. أولاً: ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ (سورة الأعراف الآية: 27) الإمام الشافعي يقول: من قال إني رأيت الجن: لا تقبل شهادته, لأنه كذاب ومزوّر أنصدقه أم نصدق الله سبحانه وتعالى ؟ الله جلّ في علاه يقول: " إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ " فقال لها أولاً: إنك لن تريه. ثانياً: لو أنه مسلم لما فعل هذا, لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: " عَنْ جَابِرٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ الرَّحْمَنِ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا فَسَكَتُوا فَقَالَ لَقَدْ قَرَأْتُهَا عَلَى الْجِنِّ لَيْلَةَ الْجِنِّ فَكَانُوا أَحْسَنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ كُنْتُ كُلَّمَا أَتَيْتُ عَلَى قَوْلِهِ ( فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ) قَالُوا لا بِشَيْءٍ مِنْ نِعَمِكَ رَبَّنَا نُكَذِّبُ فَلَكَ الْحَمْدُ " ( ورد في الأثر) القسم المؤمن من الجن صالحون طيبون فهذا كلام فيه افتراء, قال لها: أنت مسلمة أم كافرة, قالت: مسلمة, فقال لها: قال ربنا أنه ليس له سلطان على الذين آمنوا, يعني لست بمشاهدة للجن, وليس له عليك سلطان, وهذا الذي تدّعينه ليس مؤمناً, فتبيّن أنه يُسكنها زوجها مع سلفتها, متضايقة منهم، فعملت هذه الحيلة من أجل أن تنجو من ضرتها أو سلفتها في البيت, ليس صحيحاً إطلاقاً أن يتزوج رجل من الجن امرأة من الإنس. الحقائق التي يمكن أن نستنبطها من سورة الجن: 1- الجن لا يملكون للإنسان نفعاً أو ضراً: أهم ما في الموضوع أن الله سبحانه وتعالى يقول في سورة الجنّ بالذات: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً ﴾ (سورة الجن الآية: 20) فالعلماء قالوا: الشرك هنا أن تعتقد بأن الجن ينفعون أو يضرون, ثم يقول عزّ وجل في الآية نفسها: ﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾ (سورة الجن الآية: 21) فاسمعوا يا أخوان: إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام حبيب الحق، وسيد الخلق, وسيد ولد آدم، وأعلى مخلوق في الكون لا يملك نفعاً ولا ضراً, أفيملك النفع والضر الجنّ ؟ أين جاءت هذه الآية ؟ في سورة الجن لماذا ؟ ليعلمنا الله سبحانه وتعالى لا يمكن للجن أن يكون على الإنسان من سلطان ؟ ﴿ قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً * قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً * إِلَّا بَلَاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً * حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً * قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً * عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً ﴾ ( سورة الجن الآية: 21-26) هذه الآية, وهذه الآيات كلها وردت في سورة الجنّ، من أجل أن يؤكد الله لنا أن موضوع الجن لا يملكون نفعاً ولا ضراً، ولا يعلمون الغيب، ولا يملكون إلا شيئاً واحداً هو الوسوسة الخفية, فإذا قلت أعوذ بالله من الشيطان الرجيم انتهى كل شيء, معلومات دقيقة جداً مأخوذة من كل آيات الشياطين في القرآن الكريم. 2- على قدر الطاعة لله لا يقترب منك الشيطان وعلى قدر المعصية يقترب منك: قال تعالى: ﴿إ ِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ (سورة آل عمران الآية: 155) لما الإنسان يرتكب معصية يصبح قريباً من الشيطان، فإذا أطاع الله عزّ وجل يصبح الشيطان بعيداً عنه, لذلك يا عمر, ما سلكت فجاً إلا وسلك الشيطان فجاً آخر. 3- إذا جاءك خاطر خوف من الطاعة لله هذا من الشيطان ليبعدك عنه: الشيء الثاني: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ (سورة آل عمران الآية: 175) حينما تأتيك خواطر الخوف من طاعة لا تصلي أحسن لك, لا تدفع زكاة مالك هذا من الشيطان. 4- حيل الشيطان وخداعه للإنسان: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ (سورة البقرة الآية: 168) الشيطان ذكي لن يأمرك بالزنا, يأمرك بإطلاق البصر, ثم بالسلام, ثم ببعض عبارات الثناء, وينتهي الأمر إلى الزنا، الشيطان يمشي معك خطوة خطوة بأكل المال الحرام، بالاختلاط بالنساء, الشيطان ذكي يعرفك مؤمناً فلا يقترب منك، أما لو رأى فيك ضعفاً يعطيك معصية مخففة جداً شيء بسيط جداً, هل أنت متوحش ؟ يسلم على جارته, وبعدها يُحضر لها سندويشة, صار في علاقة قال تعالى: ﴿ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 168) لماذا بدأ الله بشياطين الإنس قبل الجن ؟ أريد أن أقول كلمة واحدة في آية حيرتني قال تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ (سورة الأنعام الآية: 112) لماذا بدأ الله بشياطين الإنس ؟ لأنهم أشد إيذاءً من شياطين الجن, ربنا قال: ﴿ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (سورة يوسف الآية: 28) فالمرأة الشيطانة كيدها أعظم من كيد الشيطان الجني. الأماني والغرور الذي يعده الشيطان للإنسان: ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾ (سورة النساء الآية: 120) في إنسان ارتكب جريمة، وسرق مبلغاً ضخماً، ماذا يعده الشيطان ؟ يشتري بيت, يشتري سيارة، يعيش في بحبوحة، يُسافر، وبعد ساعتين يتم القبض عليه قال الله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلا غُرُورًا ﴾ ( سورة النساء الآية: 120) كلما رأيت واحداً واقعاً في مشكلة وأزمة كبيرة وكان عاصي هذا من عمل الشيطان لا تقولها له: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ (سورة الأنعام الآية: 68) إذا نسي الواحد أن يصلي يعني أن شيطانه ذو قوة يقول لك: قد نسيت. ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ (سورة الأنفال الآية: 48) ﴿ يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً ﴾ (سورة مريم الآية: 45) إذا أتت مصيبة على الإنسان, ولم يكن إيمانه قوي فقد يوالي الشيطان, يقول لك: في الكون لا يوجد رحمة, لا يوجد عدل, مع أن الله يكون قد ساق له شيء بحسب ما يستحقه بالضبط. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#26 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
العقيدة الاسلامية الدرس : ( الثالث و العشرون ) الموضوع :تتمة علاقة الجن بالانسان لحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. هل يكفي للمستعيذ بالله إذا مسه شيطان مقولة الاستعاذة ؟ أيها الأخوة, هناك نقطة في الدرس الماضي وهي أن الإنسان حينما يمسه طائف من الشيطان عليه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم, فقد يظن بعضكم أو يتوهم أنه مجرد أن يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ينتهي الأمر, أي قولٍ يقولـه: لابد من أن ترافقه حالة نفسية, يعني كلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, يجب أن يرافقها استعاذة نفسية بالله عزّ وجل، ليس المقصود الكلمات ولكن المقصود الأحوال, هذه الأوهام عند بعض الناس أنه بمجرد أن تقول كذا و كذا ينتهي الأمر لا بد أن يرافق هذا القول حال نفسي.في الصلاة تقول: الحمد لله رب العالمين, لو أنّ إنساناً كان ساخطاً على الله عزّ وجل ووقف ليصلي, وقال: الحمد لله رب العالمين لا يُقبل منه هذا, لا بد له من أن يشعر بفضل الله عزّ وجل عليه, إذا كانت حالته النفسية حالة الحمد فهذا القول يصح منه, أما إذا كانت حالته النفسية حالة السخط فإن كلمة الحمد لله رب العالمين لا تقدم ولا تؤخر, فإذا كان الحال موجوداً واللفظ موفوراً فكلمة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم سلاحٌ فعال فتّاك لذلك قال الله عزّ وجل: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً ﴾ (سورة النساء الآية: 76) من صفات الشيطان أنه خنّاس, ومعنى خنّاس أنه بمجرد أن تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم يخنس, فلا يصح سحرٌ ولا حسدٌ ولا مسٌ ولا كيدٌ للمؤمن لأنه مستعيذ بالله من الشيطان الرجيم. الإسلام حقائق وتعبد لله وليس شكليات لا يدرك صاحبها معناها: ليس في الإسلام شكليات, الإسلام حقائق يعني: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً ﴾ ( سورة الكهف الآية: 46) يتوهم بعض الناس أنك إذا قلت: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر انتهى الأمر, حالة التسبيح وحالة التكبير وحالة الحمد وحالة التوحيد تحتاج إلى حالة نفسية فهذه الحالة إذا وجدت تستمر معك إلى الآخر, أما المال والبنون ينتهيان في الدنيا, لذلك المال والبنون زينة الحياة الدنيا, والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً. أردت من هذه المقدمة أن أؤكد لكم أن في الإسلام حقائق, لو أردنا أن نوسع الموضوع, إذا كنت في الحج هل تظن أنك إذا طفت حول الكعبة انتهى الأمر ؟ لا بد من طواف نفسي, ولا بد من سعي نفسي، ولا بد من تلبية نفسية، ولا بد من الوقوف في عرفة من معرفة الله سبحانه وتعالى, ولا بد عند نحر الأضاحي من نحر الشيطان, فكل مناسك الحجّ لا معنى لها إن لم ترافقها حالات تعبّر عنها، وما هذه المناسك إلا رموز لحالات يشعر بها الحاجّ ؟ فلئلا يتوهم بعض الأخوة أنه إذا قلت وأنت غافل ومتلبس بالمخالفات والمعاصي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم, لو قلت أعوذ بالله ألف مرة يبقى الشيطان متمكناً, لكنك إذا شعرت بأنك ملتجئ إلى الله مستعيذ به ولّى الشيطان هارباً. الإسلام مبني على قواعد وأسس وكل ما جاء به الكهنة باطل لأنه يناقض شريعة القرآن: ذكرت لكم في قوله تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ ﴾ ( سورة الشعراء الآية: 221-222) الأفّاك: هو الذي يختلق الحديث اختلاقاً, ولا أساس له من الصحة, قد يقول لك الساحر: كيت وكيت وكذا وكذا, وكل هذا كذب بكذب, لأن الساحر أو الكاهن أو العراف أو شيطان الإنس أو شيطان الجن, هؤلاء قد يصيبون مرة ويكذبون على هذه المرة ألف مرة, وما يدعيه بعضهم من تحضير الأرواح, إن تحضير الأرواح في مجمله كذب في كذب, لو أن هذا الشيطان من الإنس تعاون مع قرين هذا الإنسان الذي تُحضّر روحه " على زعم من يزعم ذلك " هذا القرين قد يكذب أيضاً، قد يعرف شيئاً, وتغيب عنه أشياء, وقد يقول شيئاً: لا أساس له من الصحة. موضوع الجن والسحرة, هذا الموضوع يجب أن يُلف ويُلقى في عرض الطريق, لأن الدين الذي جاءنا النبي عليه الصلاة والسلام به, دين مبني على قواعد وعلى أُسس وعلى آيات وليس في الكون إلا الله, وليس هناك من طريقة لاكتساب رضائه إلا بطاعته, أما ما يدعيه بعض السحرة والمشعوذين والمنجمين والكهنة فهذه لم يريدوا منها إلا تضليل الناس, بعض الذين يتعاونون مع الجن لهم مظهرٌ يُرضي, يظهرون ورعاً وخشية وخوفاً من الله عزّ وجل, وكأنهم يقولون للناس: نحن نتعاون مع جن المؤمنين من أجل هدايتكم, هذا الكلام أيضاً باطل. موقف القرآن الكريم من قصة هاروت وماروت رداً على أكاذيب اليهود وافتراءاتهم: هذه القصة التي نحن بصددها القصة المشهورة التي وردت في القرآن الكريم في سورة البقرة قال تعالى:﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 101) القرآن الكريم موحى به من عند إله عظيم ونزل على نبي كريم, أهل الكتاب لما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون, عندهم في التوراة والإنجيل وصفهم للنبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ( سورة الصف الآية: 6) ومع ذلك قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ (سورة البقرة الآية: 102) هذه الآيات التي وردت في سورة البقرة، اختلف حولها المفسرون، فبعض المفسرين أخذوا تفسير هذه الآيات من كتب بني إسرائيل من " التلمود " وأثبتوها في بعض التفاسير, ماذا قال التلمود عن هذه القصة ؟ سأرويها لكم كي تحذروها, وإياكم أن تظنوا أن هذه القصة أوافق عليها, قيل في هاروت وماروت أحاديث عديدة: فزعموا أن هاروت وماروت أنهما كانا ملكين من الملائكة, وأنهما لما نظرا إلى ما يصنع أهل الأرض من المعاصي أنكرا ذلك على أهل الأرض, " فأوحى الله إليهما أني لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم من الشهوات لعصيتماني فقالا يارب: لو ابتلينا لم نفعل المعصية و لا نعصيك, فأهبطهما الله إلى الأرض وابتلاهما الله بشهوات بني آدم فمكثا في بلدة كانت فيها امرأة فاجرة تسمى الزُهرة فدعوها إلى الفاحشة, ووقعا بها بعد أن شربا الخمر، وقتلا النفس، وسجدا للصنم " يعني هذان الملكان اللذان زعما أنهما لا يعصيان الله، حينما أهبطهما الله إلى الأرض, وابتلاهما بحياة بني آدم شربا الخمر, وقتلا, وسجدا للصنم وزنيا بهذه الفاجرة، وعلّما هذه المرأة الفاجرة اسم الله الأعظم فتكلمت هذه المرأة بهذا الاسم فعرجت إلى السماء, فمسخها الله تعالى وصيرها هذا الكوكب " كوكب الزهرة " ثم إن الله تعالى عرّف هاروت وماروت قبيح ما قد وقعا فيه, ثم خيرهما بين عذاب الآخرة آجلاً وبين عذاب الدنيا عاجلاً, فاختارا عذاب الدنيا عاجلاً فجعلهما ببابل منكوسين في بئر إلى يوم القيامة، وهما يعلمان الناس السحر, ولا يراهما أحد إلا ذهب إلى ذلك الموضع لتعلم السحر, قال المؤلف: وهذه القصة من اختلاق اليهود, ولم يقل بها القرآن مطلقاً, وإنما ذكرها التلمود. إذن هذه القصة التي رويتها لكم لا أساس لها من الصحة، كذب، وباطل, إنما وردت في بعض التفاسير نقلاً عن كتب بني إسرائيل, وهذه المشكلة المعضلة التي يسميها العلماء بالإسرائيليات, أي القصص التي نقلت عن كتب بني إسرائيل. رأي الإمام الرازي في قصة هاروت وماروت: الإمام الرازي رضي الله عنه في تفسيره يقول: أن هذه القصة التي ذكرت باطلة من عدة وجوه:أولاً: أنهما ذكرا في القصة " أن الله تعالى قال لهما: لو ابتليتكما بما ابتليت به بني آدم لعصيتماني فقالا: لو فعلت بنا ذلك يا رب لما عصيناك ", هذا تكذيب لله عزّ وجل وتجهيل له وهذا من صريح الكفر, الملائكة عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم, لو أنّ الله ربّ العزة قال لهم: لو ابتليتكما لعصيتماني, قالا: لا يا رب لا نعصيك ! هذا تكذيب لله عزّ وجل وهذا تجهيل له, فالقصة باطلة من أساسها. ثانياً: " أنهما خُيّرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة ", وهذا فاسد أيضاً بل كان الأولى أن يُخيرا بين التوبة وبين العذاب, والله تعالى خيّر بينهما من أشرك به طوال عمره, وبالغ في إيذاء أنبيائه فلو أنه تاب لانتهى الأمر, فالتخيير أيضاً باطل وهو تكذيب على الله وتجهيله. ثالثاً: أن من أعجب الأمور قولهم: " أنهما يعلمان السحر في حال كونهما معذبين ويدعوان إليه وهما يعاقبان في بئر منكوسي الرؤوس ويعلمان الناس السحر ", أيضاً شيء لا يستقيم المنطق إنسان في الأشغال الشاقة يعلم الناس السحر هذا استنباط باطل. رأي الإمام أبو مسلم في بطلان نزول السحر على الملكين: الإمام أبو مسلم احتجّ على بطلان نزول السحر عليهما بوجوه:أولاً: السحر لو كان نازلاً عليهما لكان منزله هو الله, وهذا غير جائز لأن السحر كفرٌ وعبثٌ لا يليق بالله تعالى إطلاقاً, أيليق بالله تعالى أن ينهانا عن السحر وينزله من السماء علينا ؟. الثاني: أن قوله تعالى: ﴿ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) يدل على أن تعليم الناس السحر كفر, ولكن الشياطين كفروا فما هي علامة كفرهم ؟ أنهم يعلمون الناس السحر فهذا استنباط رائع جداً, " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيهَا فَقَدْ سَحَرَ وَمَنْ سَحَرَ فَقَدْ أَشْرَكَ وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا وُكِلَ إِلَيْهِ " ( أخرجه النسائي عن أبي هريرة, إسناده ضعيف ) كما قال عليه الصلاة والسلام: فقد دلّ على أن تعليم السحر كفر فلو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر للزمهم الكفر وهذا باطل. الثالث: كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر، فكذلك بالملائكة من باب أولى. الرابع: أن السحر يضاف إلى الكفرة والفسقة والشياطين المردة تقول: هذا ولي يستخدم الجن حتى يشفي بعض الناس, وحتى يحل لهم مشاكلهم, وكيف يضاف إلى الله ما يمنع عنهم ويتوعد عليه بالعقاب ؟ وهل السحر إلا الباطل المموّه, وقد جرت عادة الله بإبطاله ؟ كما قال الله تعالى في قصة سيدنا موسى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ ( سورة يونس الآية: 81) إذا كان الله سبحانه وتعالى يّبطل السحر, فهل يضاف السحر إلى الله سبحانه وتعالى ؟ مستحيل, فهذا الكلام وهذه الأدلة والبراهين والمناقشات نقد صريح وواضح وجلي لهذه القصة التي وردت في التلمود, وقد نُقلت في بعض التفاسير تحت عنوان الإسرائيليات, وإن هذه القصة باطلة لا أساس لها من الصحة. كيف نفسر هذه الآيات ؟ 1- افتراء اليهود على النبي سليمان بأنه فقد نبوته في خاتمه والرد على هذا الباطل من القرآن: كيف نفسر هذه الآيات ؟ بدأنا بالخطأ وبالباطل، هدّمنا الباطل, والآن نريد أن نفسر هذه الآيات، فهؤلاء أهل الكتاب: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (سورة البقرة الآية: 101) وَاتَّبَعُوا يعني تركوا هذا القرآن الكريم وما فيه من ذكرٍ حكيم, و تركوا الآيات الكونية والتشريعات الأرضية واتبعوا: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) تلا عليه يعني كذب عليه، لو فتحتم القواميس على فعل تلا " على " فإذا أضيفت "على " إلى " تلا " فمعناها كذب عليه قال تعالى: ﴿وإتبعوا ماتتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) اليهود يقولون: في قصة طويلة مختلقة مفتراة على هذا النبي العظيم, أن هذا النبي عليه السلام كل نبوته في خاتمه, فمرة ضاع منه خاتمه ففقد نبوته، يعني هذا النبي العظيم يفقد نبوته ويفقد معرفته, ويفقد ما آتاه الله من علم بأقوال الحيوانات ومن تسخير للجن, كل هذا الملك الذي قال الله في حقه: ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ ( سورة ص الآية: 34) يزول عنه لمجرد أن ينسى خاتمه في مكان فتأخذه الشياطين, ويحكمون بدلاً من سليمان، وسليمان هائم على وجهه في البراري والقفار لا يعبأ به أحد, ولا يلتفت إليه أحد حتى لا يجد قوت يومه، وهو في أشد حالات الجوع والفقر والضياع والذلّ صاد سمكة فلما شق بطنها رأى خاتمه فعاد له ملكه, قال: هذه القصص كلها من تخريف اليهود, وقالوا عنه: أنه كفر وعبد الصنم وشرب الخمر, وعبد الصنم وتعلم السحر وسحر الناس فربنا عزّ وجل قال: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) الأنبياء لا يكفرون, النبوة مرتبة لا كفر بعدها ولا زيغ ولا ضلال قال الله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) أما كلمة الشياطين: تعني شياطين الإنس، والدليل يعلمون الناس السحر, شياطين الجن لا يعلمون الناس السحر, وشياطين الجن لا تتلوا, التلاوة المقصود بها الكلام. 2- نفي العلماء نزول الملكين من السماء مع الدليل: هناك قرينتان تؤكدان أن الشياطين في هذه الآية تعني شياطين الإنس قال تعالى: ﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) في فقرة مهمة جداً هي " ما " قال تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) هذه " ما " نافية وليست موصولة, لدينا " ما " الاستفهامية، و " ما " الموصولة، و" ما " النافية يقول لك فلان: " أنا ما أكلت "، " والله ما أكلت " هذه " ما " نافية. تقول له أحياناً: " إن ما أكلته ليس لك " هذه " ما " موصولة يعني أن الذي أكلته ليس لك. " ما " استفهامية, لو قال أحدهم لطالبٍ نال مجموعاً عالياً: " بما حصلت هذا المجموع يقول لك: بما بذلت من جهد, " ما " الأولى استفهامية، أما " ما " الثانية موصولة, فالنقطة كلها في هذه الصورة متوقفة على تفسير " ما " إذا فسرت ما نافية انتهى الأمر, تأتي المعاني يأخذ بعضها برقاب بعض, فإذا فسرتها على أنها موصولة وقعنا في خطأ كبير, اعلموا أن للعلماء في هذه الآية وجوهاً كثيرة, وأقوالاً عديدة فمنهم من ذهب فيها مذهب الإخباريين، نقله نقل الغث السمين، ومنهم من وقف مع ظاهرها البحت, وأكثر العلماء على أن ما هنا نافية قال تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) هؤلاء ليسوا ملكين, وما أنزل عليهم شيئاً من السماء قال تعالى: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) ما قصة هؤلاء الملكان في الآية ؟ نعود إلى القصة قال تعالى:﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) هؤلاء رجلان من بني إسرائيل, رجلان أقاما ببابل, واحترفا صناعة السحر، وعلما الناس السحر وأوهماهما أنهما صالحان، وهما ليسا ملكين، ولم ينّزل عليهم شيئاً من السماء قال الله: ﴿وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) إيّاك أن تستمع لقولنا فمن أجل أن تزيد محبتك لهما, و من أجل أن يزيد اعتقادك بهما, يحذرانك من الكفر إذا آمنت بهما, يعني ورع وصلاح وتقوى هذا المظهر الكاذب, من أجل أن يوهما الناس أنهما صالحان, نتابع تفسير هذه الآية من كتب التفسير, ذلك أنهم زعموا أن سليمان عليه السلام ارتدّ في آخر عمره, وعبد الأصنام, كما تراه في الفصل الحادي عشر من ( سفر المبيت السادس ) فانظر إلى هذه الجرأة العظيمة والوقاحة الكبيرة, ولما تنبه عقلاء أهل الكتاب المتأخرون لمثل هذه الأكاذيب, اعترفوا بأنه ليس كل قول من الأقوال المندرجة في كتبهم المقدسة إلهامياً, بل بعضها كتب على طريقة المؤرخين يعني بلا إلهام, كما في إظهار الحق. ماذا تعني كلمة الشياطين في الآية ؟ المراد بالشياطين, شياطين الإنس وهم المتمردة العصاة الأشرار الأقوياء الدعاة إلى الباطل, وقوله: " على ملك سليمان " أي على عهد ملكه من تلك الأقاصيص المختلقة عليه, وقولـه تعالى:﴿ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) تنزيه لسيدنا سليمان عليه الصلاة والسلام من الردّة والشرك وعبادة الأوثان التي نسبوها إليه، وتكذيب لمن تقولها, وقال كثيرون: هذه تبرئة له من السحر لسيدنا سليمان, وأنّه تعالى كنَّ عن السحر بالكفر ليدل على أنه كفرٌ, وأنه من كان نبياً كان معصوماً عنه, وإنما كان كفراً لكونه يكون بالتوجه إلى الأفلاك والشياطين وعبادتها, وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) والشياطين هم خبثاء الإنس وأشرارهم كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ (سورة البقرة الآية: 14) وقوله: ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 112) والذي يعيّن أن كلمة الشياطين في هذه الآية تعني شياطين الإنس قوله تعالى: ﴿تَتْلُوا ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) لأن تلاوة شياطين الجن لا يسمعها أحد, ومعنى تتلوا أي تقص كما تقدم، وقوله: ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ ( سورة البقرة الآية:102) يعيّن هذا المعنى أيضاً إذا لا يتعلم أحد السحر إلا من شياطين الإنس لانعدام مكان الاتصال بهم أي شياطين الجن, المراد بقولـه: ﴿كَفَرُوا﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) أي كفروا بآيات الله المنزلة, وقوله تعالى: ﴿ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) جملة حالية، أي حالتهم تعليم الناس السحر. 3- ما ذهب إليه المحققون: قوله تعالى: ﴿ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا، وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) الذي ذهب إليه المحققون: أن هاروت وماروت كانا رجلين و ليسا ملكين, يتظاهران بالصلاح والتقوى في بابل, وهي مدينة بالعراق على نهر الفرات, وكانا يعلمان الناس السحر, وكثيرون ممن يعلمون الناس السحر يتظاهرون بالتقوى والصلاح, أوهموا الناس أنهما ملكان وأن ما يفعلانه من وحي السماء, وبلغ مكر هذان الرجلان ومحافظتهما على اعتقاد الناس الحسن فيهما, أنهما صارا يقولان لكل من أراد أن يتعلم منهما قال الله: ﴿ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) إياك أن تكفر بالله "هذا من أجل التضليل " أي إنما نحن فتنة نبلوك ونختبرك, أتشكر أم تكفر ؟ وننصح لك ألاّ تكفر ؟ هذا من تضليلهم أيضاً. يقول المفسر: قائلين لمن يعلمونهم الكتاب, نوصيك بأن لا تكتب لجلب امرأة متزوجة إلى رجلٍ غير زوجها, يعني بوصوا الجن بعدم تعلّق الزوجة بغير زوجها إلى غير ذلك من الأوهام والافتراء, فجاء القرآن مكذباً لهم في دعواهم نزول هذا السحر من السماء وفي ذم السحر فقال: ﴿يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) " ما " هنا نافية على أصح الأقوال. لماذا ذكر الله لفظ الملكين في قصة هاروت وماروت ؟ في سؤال هنا, الله قال الملكين لماذا ؟ لو فرضنا في اثنين مشعوذين ادّعا أنهما طبيبان و مارسا الطب, فصار لهما اسم شائع أنهما طبيبان مشعوذان, فإذا قلت: طبيبان, هل يعني ذلك أنك اعترفت أنهما طبيبان ؟ أحياناً يكون طالب لم يفتح الكتاب بحياته, لكن يلبس لباس طلاب تقول: هذا الطالب لماذا لا يدرس ؟ اسمه طالب علم لكنه لا يطلب علم, فأحياناً تسمي الشيء بما تعارف الناس على تسميته, فربنا قال: "وما أنزل " " ما " نافية أما لما قال الملكان: فهذا على زعم اليهود وزعم الناس, ولفظ الملكين هنا وارد حسب العرف الجاري بين الناس في ذلك الوقت، كما يرد ذكر آلهة الخير والشر في كتابات المؤلفين.ما معنى قوله تعالى " فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه ؟ وقوله تعالى:﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) من قبيل التمثيل وإظهار الأمر في أقبح صورة، يعني السحر شر كله أي بلغ من أمر ما يتعلمونه من دروب الحيّل, وطرق الإفساد أن يتمكنوا به من التفريق بين أعظم رابطة كالمرء وزوجه. في قصة مشهورة كثيراً كيف أن شيطان الإنس يوهم الزوج أن امرأته تخونه, ويوهم الزوجة أن زوجها يخونها, ويقول للزوجة: إذا شئت دليلاً أن يمتنع عن خيانتك فخذي شعرة من رأسه وهو نائم, ويقول للزوج: أن امرأتك تريد أن تقتلك وأنت نائم، هذا الزوج يعمل نفسه نايم يسمع حركة فيرى مقص بيد زوجته فيقوم فيقتلها ؟ هذا عمل الشياطين هذه قصة مشهورة ترد بكتب الفقه كثيراً. قصة قاضي, قاضي متزوج في وفاق ووئام ومحبة وصفاء، شيطانة من شيطانات الإنس دخلت إلى بيت امرأة القاضي, وأثنت على جمالها, وزهدتها بزوجها, وقالت: إن زوجك ينظر إلى النساء ويفعل كذا وكذا, وذهبت إلى الزوج, وقالت: إن زوجتك يدخل عليها الرجال في غيبتك, ونصحت الزوجة أن تأخذ شعرة من رأسه بالمقص, وأوهمت الزوج أن امرأته سوف تقتله هذه الليلة, عندئذ قام القاضي وقتل زوجته, هذا من عمل الشيطان, وهذه القصص تقع كل يوم, فلذلك قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) خلاصة الآية والعبرة منها: أن معنى الآية من أولها إلى آخرها أن اليهود كذّبوا القرآن, ونبذوه وراء ظهورهم وبدلوه بالأقاصيص والخرافات التي يسمعونها من خبثائهم عن سليمان وملكه, وزعموا أنه كفر وهو لم يكفر, ولكن الشياطين هم الذين كفروا هذه القصة أصبحت واضحة, وأهم ما في هذه القصة هذه الآية وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) إذا كنت مسلماً مصدقاً أن هذا القرآن كلام الله, وأن هذا القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فيجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن الشياطين كلها, لو اجتمعت لا تستطيع أن تفعل شيئاً ولا أن تضرك أبداً إلا بإذن الله. ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) وأي تعليم يتعلمه الإنسان من شياطين الإنس والجن إنما يضره ولا ينفعه قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنْ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ( سورة البقرة الآية: 102) والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#27 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
العقيدة الاسلامية الدرس : ( الرابع و العشرون )
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من محبة الله لعباده ورحمته بهم بأن أرشدهم إلى الحقيقة عن طريق الأنبياء والرسل: أيها الأخوة, ننتقل إلى موضوع جديد من موضوعات العقيدة التي يجب أن يؤمن بها الإنسان هو الإيمان بالأنبياء والرسل, قبل أن نخوض في هذا الموضوع هناك فكرة بسيطة, إذا كنت في طريق ما، ورأيت إنساناً كفيف البصر, وأمامه حفرةٌ كبيرة ماذا تفعل ؟ بدافع من رحمتك، وبدافع من حرصك، ألا تذكره ؟ ألا تحذره ؟ كل ما في الأمر أن الله سبحانه وتعالى لأنه رحمن رحيم, إذا وجد عباده قد ضّلوا وتاهوا وحاروا وسلكوا طريق شقائهم وهلاكهم، بعث إليهم بأنبيائه ورسله ليحذروهم وينذروهم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180) لأن أسماءه حسنى وصفاته فضلى لا يمكن أن يدع عباده من دون توجيه، ومن دون تحذير، ومن دون لفت نظر، فالأنبياء والرسل رحمة من الله سبحانه وتعالى، تحذير وتبشير وتوضيح وبيانٌ للحقيقة, ففي صفة عقيدة المؤمنين قال الله تعالى في سورة البقرة: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 285) يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ويأمرنا معه فيقول في سورة آل عمران: ﴿قُلْ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 84) من لوازم الإيمان بالله: 1- الإيمان بالأنبياء والرسل جميعاً: ![]() فمن لوازم الإيمان بالله: الإيمان برسل الله, إذا كنّا نعترف بدولة ما فنعترف بسفيرها, إذا جاء السفير ومعه أوراق اعتماده فلا بد من أن نعترف به, ما دمنا بالأصل معترفين بدولته, فمن لوازم الإيمان بالله الإيمان برسله, والإيمان بالرسل من العقائد التي لو أنكرها الإنسان لكفر, يجب أن تُعلم بالضرورة، ومعرفتها فرض عين وليس فرض كفاية. ومن مقتضى الإيمان بالله: أن يصدق الإنسان في كل ما يخبرنا الله عنه, هذا يقتضي الإيمان برسله الذين أخبر عنهم في كتابه, يعني إذا أنت آمنت بالقرآن الكريم على أنه كتاب من عند اللـه، يقتضي الإيمان بالقرآن الكريم أن تصدق بكل ما جاء فيه، فأنت لم ترَ سيدنا لوط، ولا سيدنا إبراهيم، ولا سيدنا عيسى، ولا سيدنا موسى، ولكن أخبار هؤلاء الأنبياء الكرام جاءت في القرآن الكريم, وأنت مؤمن بالقرآن الكريم، فإيمانك بالله أولاً، وبكلامه ثانياً، يقتضي أن تؤمن بجميع الرسل والأنبياء الذين أخبر عنهم في القرآن الكريم, ثم إن الإيمان بواحد من الرسل لا ينفك عن الإيمان بجميع الأنبياء والرسل. عندنا استنباط لطيف جداّ، أن الله عزّ وجل في بعض الآيات يقول: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ (سورة آل عمران الآية: 112) فهذا المجتمع أو هذه الأمة أو هذه القرية قتلت هذا النبي, فلماذا جعل الله القتل جماعياً ؟ لأنك إذا كفرت بهذا النبي فكأنما كفرت بالأنبياء كلهم, الأنبياء وحدة لا تتجزأ, إما أن تؤمن بهم جميعاً, وإن لم تؤمن بهم جميعاً فكأنك كفرت بهم جميعاً. 2- الإيمان ما جاء به النبي: ![]() من مقتضى الإيمان بالله تصديق المؤَيَديِن بتأييد من عنده, الأنبياء والرسل جاؤوا بمعجزات لا يستطيع عامة البشر أن يفعلوها، وبالبديهة لابد أن يكون هذا الإنسان مبعوثاً من قبل العناية الإلهية, يعني مع النبي آية: إما أن تكون هذه الآية معجزة إعجازاً مادياً كالعصا في يد سيدنا موسى، و كإحياء الموتى على يد سيدنا عيسى، و كالنار لم تحرق سيدنا إبراهيم، وكانقلاب البحر طريقاً يبساً على يد سيدنا موسى, أو إعجازاً بلاغياً تشريعياً كما هي الحال على يد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. فهذا النبي لابد بديهة من أن يكون رسول الله, هذا النبي من عند الله, والدليل أنه فعل شيئاً لا يستطيع بنو البشر أن يفعلوه, فمن لوازم الإيمان بالله: الإيمان برسل الله المؤيدين بالمعجزات الماديـة والمعنوية، هذا التأييد الذي لا يمكن أن يكون من الله تعالى إلاّ لرسله الدالين عليه والمبلغين لشريعته ودينه بصدق. في نقطة قال تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً ﴾ (سورة الكهف الآية: 51) الله سبحانه وتعالى يستحيل في حقه أن يؤيد الضُلاّل, وأن يؤيد المضلين بمعجزات كمعجزات الأنبياء لو أنه فعل ذلك لضل عباده، فهذه المعجزات ليست من حق عامة الناس بل من حق أنبيائه المصطفين. معنى النبوة والرسول والفرق بينهما: 1- النبوة لها معنيان في اللغة: 1- النبوة مأخوذة من النبأ:جاء في النصوص الدينية إطلاق كلمتي النبي والرسول, فماذا تعني كلمة النبي, وماذا تعني كلمة الرسول ؟ في اللغة: النبوة مأخوذة من النبأ قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴾ (سورة النبأ الآية: 1) يتساءلون عن النبأ العظيم " النبوة من النبأ " يعني هذا الإنسان اصطفاه الله سبحانه وتعالى و أنبأه بالحقائق فهو ينبئُ الناس بها, فالنبوة مشتقة من فعل " نبأ " أو " أنبأ "، والأصل مأخوذة من النبأ أي الخبر، فالنبي أنبأه الله عن أخبار السماء، وكلفه أن ينبئ الناس عن حقائق التوحيد، وحقائق التشريع فهو نبيّ, فالنبوة بشكل أو بآخر مقام علمي يعني هذا الإنسان باتصاله بالله المستمر بلغ مرتبة النبوة, بمعنى أنه عرف الحقائق المطلقة وعرّفها للناس قال تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ﴾ (سورة النبأ الآية:1-2) 2- مأخوذة من النبوة: أو مأخوذة من النَبوَة, والنَبوَة أي ما ارتفع من الأرض، كيف ارتفع هذا النبي الكريم ؟ ارتفع عن سائر الخلق وهو في الأفق الأعلى, هو في واد والناس في واد، الناس في همومهم وفي معاشهم وفي خلافاتهم وفي خصوماتهم، وفي جمع الدرهم والدينار، وفي الكسب الحرام، وفي الانغماس بالشهوات، وفي التنافس على حطام الدنيا, والنبي في معرفة الله وفي الإقبال عليه, وفي تعريف الخلق به, وفي خدمة عباده, وفي معرفة ملكوت السموات والأرض، نبأ عليهم بمعنى ارتفع عن مستواهم، ارتفع عن مشاغلهم و اهتماماتهم، وعن حطام الدنيا و شهوات الناس " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إلا مَا قُدِّرَ لَهُ " ( أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك في سننه) فمعنى النبي أنه من النبوة: أي في مستوى سامٍ وراقٍ غير مستوى الناس. من كانت الدنيا همه فرق الله عليه أمره ومن كانت الآخرة نيته جمع الله له أمره: ما الذي يشغلك ؟ ما الذي يهمك ؟ ما الذي يعنيك ؟ ما الذي يخطر في بالك إذا فتحت عينيك في الصباح ؟ ما الذي يخطر في بالك, شراء البيت, بيع المحل, الذهاب لهذه النزهة ؟ " عَنْ عُمَرَ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَرَجَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ مِنْ عِنْدِ مَرْوَانَ بِنِصْفِ النَّهَارِ قُلْتُ مَا بَعَثَ إِلَيْهِ هَذِهِ السَّاعَةَ إِلا لِشَيْءٍ سَأَلَ عَنْهُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ سَأَلَنَا عَنْ أَشْيَاءَ سَمِعْنَاهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلا مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ " (أخرجه ابن ماجه عن عمر بن سليمان في سننه) النبي عليه الصلاة والسلام حينما دُعي إلى اللهو واللعب في سن الطفولة, قال صلى الله عليه وسلم: " لم أُخلق لهذا " ( ورد في الأثر ) الإمام الغزالي رضي الله عنه قال: " إن ساعة واحدة تمضي في غير ما خُلقت له لجدير بك أن تكثر عليها حسرتك يوم القيامة " ساعة واحدة عاش 83 سنة، أمضى ساعة بلا فائدة, لعب فيها بالطاولة, حكى على الناس, ذهب إلى مكان لا يرضي الله, إن ساعة واحدة أمضيتها في غير ما خُلقت له لجدير بك أن تكثر عليها حسرتك يوم القيامة. أيها الأخوة, لا تكونوا في صفوف الخط العريض من الناس, همهم بطنهم، قبلتهم نساؤهم، دينهم شهواتهم، عقيدتهم العادات والتقاليد, لذلك: أهل الدنيا يُسحقون إذا لاح لهم ما يهدد شهواتهم ونزواتهم ومتعهم الرخيصة, أما أهل الإيمان لا يصعقون إلا إذا خافوا على دينهم. ينبغي على المسلم أن يأخذ العبر من نبيه و صحبه في شدة حرصهم على دينهم: سيدنا عمر رضي الله عن عمر, كان إذا أصابته مصيبة قال: " الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ أُلهمت الصبر عليها ". ( قول مأثور ) ![]() قل لي: ماذا يخيفك ؟ ماذا يجزعك ؟ المؤمن يخاف على دينه، يخاف على استقامته، يخاف أن يُجري الله على يده السوء أو الشر، هذا الذي يجزعه وعلى الدنيا السلام. سيدنا أبو عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه: دخل عليه أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكان قائد الجيوش الإسلامية في الشام دخلوا عليه غرفته، غرفة القيادة فإذا هي غرفة صغيرة عليها جلد غزال, وفي زاويتها قدر ماء غُطي برغيف خبز, وسيف عُلق على حائط الغرفة, فقيل لهذا الصحابي الجليل: ما هذا يا أبو عبيدة ؟ قال: هو للدنيا وعلى الدنيا كثير, ألا يبلغنا المقيل ؟ أروع كلمة تأثرت لها, كلمة الإمام الغزالي " كل مالا يصحبك إلى الآخرة فهو من الدنيا " فاعتنِ بها ما شئت، لابد من أن تتركها, وكلما كانت مزدانة وعريضة وفخمة وراقية، كلما ازدادت حسرتك على فراقها, هـذا النبي العظيم، لماذا استحق أن يكون نبياً ؟ لماذا استحق أن يصطفيه الله سبحانه وتعالى ؟. هل كان اختيار النبي من دون حكمة وعلم وخبرة ؟ يتهم الناس أنَّ الله عزّ وجل اختص هذا النبي من عامة الناس, إنسان عادي جداً الله عزّ وجل اختصه بالنبوة وانتهى الأمر, إذا أنت معلم ابتدائي، وأردت أن تعين على أربعين طالب عريف ماذا تفعل ؟ تنتقي المجتهد, المتفوق, الأخلاقي شيء بدهي, ورب العزة يصطفي إنساناً من عامة الناس يجعله نبياً ! كلمة اصطفى " نقاه ", من معاني كلمة الاصطفاء: أن الله سبحانه وتعالى جعل النبوة في خير خلقه، جعلها في أشدهم حباً له, في أشدهم طاعة له, في أشدهم ورعاً، في أشدهم تمسكاً, لكن إيّاك أن تفهم أنك إذا بالغت في الورع, وبالغت في الاستقامة, وبالغت في المحبة صرت نبياً, لا, لذلك علماء العقيدة قالوا: النبوة ليست كسبية, وإنما هي هبة من الله سبحانه وتعالى, ولكن هذه الهبة مبنية على علم، وهذا الاصطفاء مبني على علم, لو فرضنا أننا نريد أن نعين لنا سفيراً في بلد أجنبي ما، ألا نختار إنساناً يتقن اللغة الأجنبية معه شهادة عالية ؟ هذا سيمثّل أمة, أمة بأكملها, فحينما تختار الحكومة إنساناً ليكون سفيراً أتختاره من الطريق ؟ هل تضع حاجزاً في الطريق, وتأخذ شخصاً, وتقول له: أنت سفير ؟ فكيف رب العزة ؟ ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ (سورة البقرة الآية: 132) هؤلاء مصطفون أخيار, قمم الكمال البشري, أنت تلتقي بإنسان على جانب من الإيمان والورع فتُبهر به فتقول: والله لا مثيل له, فكيف لو التقيت بنبي ؟ " ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً ", النبي الكريم عليه الصلاة والسلام التفت إلى أحد أصحابه فرأى بيده خاتماً من الذهب فأعرض عنه, فمسك الخاتم ورماه في الأرض فقيل له: خذه وبعه فقال: لا والله ما كنت لآخذه بعد أن نهاني عنه النبي, أحبوه محبة فاقت حدّ التصور، أطاعوه طاعة فاقت حدود الخيال, الكمال البشري كله مجموع في النبي, الكمال البشري في العلم، والتواضع, والحلم، والرقة، واللطف، والرحمة، والعطف، والقيام بالحقوق، وأداء الواجبات، كان خلقه القرآن. أردت من هذا الكلام هو أن اصطفاء الله عبداً من عباده بالوحي إليه, لكن اصطفاء الله على علم، هذا النبي الذي يمثل الحق قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ (سورة البقرة الآية: 30) النبي خليفة الله في الأرض، أيكون الخليفة على غير ما ينبغي ؟ مستحيل. ما هو مقام النبي ومقام المؤمن عند الله ؟ سيدنا أبو بكر رضي الله عنه، كان في الطريق يمشي, فرأى سيدنا حنظلة يبكي قال له: ما لك يا حنظلة تبكي, قال: نافق حنظلة, قال: ولِمَ يا أخي ؟ قال: نكون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نحن والجنة كهاتين, فإذا عافسنا الأهل والولد ننسى, كأنَّ سيدنا حنظلة شعر بنفسه أنه منافق, السبب هو في مجلس رسول الله عليه الصلاة والسلام يكون في غاية السعادة، في غاية الطمأنينة، في غاية الأمل والسرور، قال لي بعضهم: ليس في الأرض من هو أسعد مني إلاّ أن يكون أتقى مني, في هذا المسجد نشعر بالسعادة، بالطمأنينة، بالسرور، الإنسان يذهب إلى بيته فيجد العشاء متأخر، ابنه لم يحضر الخبز قد يغضب, هذه الأحوال الطيبة من السرور والطمأنينة، هذا الإقبال، هذا السمو، وعلى العكس الضعف و قلة الروحانية, فقال كذلك أنا يا أخي أنا مثلك, أما كذلك يا أخي, فانطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, لمّا حدثوه بما جرى قال عليه الصلاة والسلام: " نحن معاشر الأنبياء ( مقام النبوة ) ماذا يعني مقام النبوة ؟ " نحن معاشر الأنبياء تنام أعيننا ولا تنام قلوبنا " ( ورد في الأثر) " يعني اتصال دائم بالله " أما أنتم يا أخي فساعة وساعة " ساعة إقبال وساعة غفلة، لا تقول: ساعة انقطاع حاشا لله، ساعة إقبال وساعة فتور, ساعة اتصال وساعة انفصال, فكل واحد منا بيعرف مقامه من هذه الطريقة واحد يُصلي خمس أوقات, هناك شخص يضبط معه صلاة الصبح مثلاً, أمّا الظهر خمسون خاطر في الصلاة, لا ينسى الله عزّ وجل, تدمع عينه بين الصلاتين, يفكر بآية كونية، يسمع قرآن, ربنا عزّ وجل وصف المؤمنين بأنهم على صلاتهم دائمون, يعني يغلب عليهم دوام الصلاة, لو أن هذا الدوام أصبح قطعياً لصاروا أنبياء حقاً. النبي هو الذي لا ينقطع عن الله طرفة عين, لا في نوم, ولا في صحو, لا في ليل, ولا في نهار, لا في شدة ولا في رخاء, لا في غِنى, ولا في فقر, لا في الصحة, ولا في المرض, لا في النصر, ولا في الهزيمة عليه الصلاة والسلام، في أعقاب معركة هوازن هل انقطع عن الله ؟ أبداً، بأعقاب أحد هل انقطع عن الله ؟ أبداً، اتصاله بالله في الطائف كاتصاله بالله في أثناء فتح مكة, وهو في أوج النصر متصل، وهو في أشد الأوضاع حرجاُ متصل هذا النبي, هذا مقام الأنبياء الاتصال الدائم، لماذا اصطفاهم الله عزّ وجل ؟ لأنهم كانوا دائمي الاتصال بالله سبحانه وتعالى، أصبح السبب واضحاً لماذا اصطفاهم ؟ قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾ (سورة الدخان الآية: 32) أصبح السبب واضحاً فنحن ساعة وساعة، أما النبي الكريم لا شيء في الدنيا يشغله عن ذكر الله، وكذلك أصحابه الكرام هم على مستوى رفيع جداً قال تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ (سورة النور الآية: 37) 2- ما معنى الرسول ؟ الرسول في اللغة: هو التوجيه بأمر ما، فالرسول هو الذي يتابع أخبار الذي بعثه. في الاصطلاح الشرعي: تكليف الله نبياً من أنبيائه لتبليغ شريعته للناس. فكل رسول يجب أن يكون نبياً وليس العكس قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ (سورة آل عمران الآية: 33-34) هؤلاء الذين اصطفاهم الله عزّ وجل هم من بني البشر من طينة واحدة ولكنهم تفوقوا, لو أن الله سبحانه وتعالى أعطاهم إمكانات خاصة فاقوا بها الناس، لما كان لهم الفضل في تفوقهم, يعني إذا كان طالب أعطيناه الأسئلة, فأخذ علامة تامة, فكان الأول, هل هذه ميزة ؟ أما إذا كان ظرفه مشابهاً لظرف جميع الطلاب لا يعلم الأسئلة, وقد أخذ العلامة المتفوقة هذا تفوق " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا رَجُلٍ آذَيْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَصَلاةً " ( ورد في الأثر) أنا من طينتكم, رُكبت فيّ الشهوات التي رُكبت فيكم, لكنه فاق بني البشر, " محمدٌ بشر وليس كالبشر فهو جوهرة والناس كالحجر " قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ( سورة النمل الآية: 59) كلمة اصطفاء تتكرر في أكثر الآيات, هناك اصطفاء بالنبوة, والآن اصطفاء بالرسالة، والدليل القاطع: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (سورة الأعراف الآية: 144) الإنسان يأخذ الدكتوراه هذه مرتبة علمية، وأيام يتعين عميد كلية هذه مرتبة إدارية, لكن لا يُعقل أن يكون عميد الكلية إلا أن يكون دكتوراً في الأساس, فالنبوة مقام التلقي، والرسالة مقام الإلقاء, ويبين الله لنا اصطفاؤه الرسل من الملائكة أيضاً, اصطفى الله عزّ وجل من الملائكة رسلاً لإبلاغ الوحي للأنبياء, واصطفى رسلاً من بني البشر لإبلاغ كلامه للناس قال الله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ ( سورة الحج الآية: 75) ويقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آَيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ ﴾ (سورة الأنعام الآية: 124) في معرض التنديد بأكابر مجرمي القرى، الذين تعنتوا فقالوا: لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله, في الرد هنا دلالة على أن الرسالة لا تكون إلا لمن اصطفاهم الله لحمل رسالته: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْءانُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ ﴾ (سورة الزخرف الآية: 31) [ رجلٍ القريتين ] وهو من الأغنياء و من الوجهاء هذا من اختصاص الله سبحانه وتعالى, هو الذي يختار لأنه يعلم ما عند العباد من صدق في الإقبال، ومن استقامة في المعاملة، ومن حبٍ، ومن ولاء, ومن اهتمام. هناك موضوعات تتعلق بموضوع النبوة سوف نأخذها في الدرس القادم إن شاء الله, سأعرض عليكم نموذجاً منها، النبوة والرسالة فيضٌ إلهي، النبوة شيء والرسالة شيءٌ آخر هذا موضوع الدرس القادم. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#28 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
العقيدة الاسلامية الدرس : ( الخامس و العشرون ) الموضوع :الإيمان بالأنبياء والرسل الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. استنباطات نستنبطها من كتاب الله تتعلق بالإيمان بالرسل: 1- أن كلاً من النبوة والرسالة فيض إلهي واصطفاء رباني: كان الدرس الماضي متعلقاً بوجوب الإيمان بالأنبياء والرسل، وبيّنا كيف أن الإيمان بالرسل وبالأنبياء من أركان العقيدة ؟ وكيف أنّ الإيمان بالرسل والأنبياء من العقائد التي يجب العلم بها بالضرورة, فلو أنّ الإنسان لم يؤمن بالرسل والأنبياء كان كافراً, فهذه العقائد الأساسية لذلك يسمى علم العقائد علم أصول الدين, الدين له أصول وله فروع فالإيمان بالرسل من أصول الدين. هناك استنباطات نستنبطها من كتاب الله تتعلق بالإيمان بالرسل: الاستنباط الأول: هو أن كلاً من النبوة والرسالة فيض إلهي واصطفاء رباني, بمعنى أن النبوة والرسالة ليستا كسبيتين إنما هما هبة من الله سبحانه وتعالى, ولكن بعض الناس يتوهمون أن هذه الهبة إنما تُمنح لأي إنسان, هذا الذي أريد أن أعلق عليه, أن الإنسان لو فعل شيئاً معيناً لا يكون نبياً إلاّ أن يصطفيه الله سبحانه وتعالى, لكن الله حينما يصطفي هذا الإنسان ليكون نبياً يصطفيه من قمم البشر. البشر متنوعون لهم قمم, الأنبياء قمم في الإنسانية, هذا الإنسان الذي أقبل على الله إقبالاً مستمراً، الذي تنام عينه ولا ينام قلبه هذا الإنسان من هذا المستوى, يصطفي الله سبحانه وتعالى أنبياءه ورسله, فكلٌ من النبوة والرسالة فيض إلهي واصطفاء رباني، وأن أيّا منهما لا يكون أمراً مكتسباً يكتسب بالاجتهاد والرياضة, لذلك لو أتيح لواحد منّا أن يلتقي بنبي كيف قال بعض الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم: إنه سحر أصحابه ؟ سحرهم بماذا ؟ بخلقه الرفيع، بأخلاقه السمحة, بتواضعه، بعدلـه، برحمته، بلطفه، بمحبته للخلق، بحلمه، بحبه للخير, هذه الأخلاق الرفيعة تؤكد أن النبوة اصطفاء بمعنى انتقاء. 2- أن كلاً من النبوة والرسالة وصفهما مغاير للآخر: الشيء الثاني: أن الوصف بالرسالة مغاير للوصف بالنبوة, هناك نبي وهناك رسول ويشهد بذلك وصف الله بهما معاً, وفي هذا إشعار بتغاير مفهوميهما في الاصطلاح الشرعي ومن ذلك قوله تعالى في سورة مريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصاً وَكَانَ رَسُولاً نَبِيّاً ﴾ ( سورة مريم الآية: 51) الرسالة مقام، والنبوة مقام آخر, كما يشهد بذلك آية قرآنية ثانية قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ ( سورة الحج الآية: 52) 3- الاصطفاء بالنبوة سابق على الاصطفاء بالرسالة: الشيء الثالث: يُستنبط من كتاب الله حول النبوة والرسالة أن الاصطفاء بالنبوة سابق على الاصطفاء بالرسالة, فلا يتم الاصطفاء بالرسالة إلا لمن تم اصطفاؤه بالنبوة, كل رسول نبي وليس العكس, لا يمكن أن يكون الرسول إلا نبياً, ولكن النبي ليس بالضرورة هو رسول، يدل على ذلك نصوص عديدة منها قوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ﴾ (سورة الزُخرف الآية: 6) فالنبي موجود قبل إرساله قال الله: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ ﴾ ( سورة الزخرف الآية: 6) وفي حق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 45-46) ![]() يعني إذا كان باب النبوة قد أُغلق، وباب الرسالة قد أُغلق، فالنبي عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين قال الله: ﴿وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الأَوَّلِينَ ﴾ ( سورة الزخرف الآية: 6) وآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ (سورة الأحزاب الآية: 45) هاتان الآيتان تشيران إلى أن النبوة تكون متحققة أولاً, ثم يأتي بعدها الإرسال, ونستطيع من هذا أن نفهم أنه قد تمر على النبي فترة الاصطفاء بالوحي قبل أن يؤمر بالتبليغ, النبي الرسول قد يأتي عليه حين من الدهر يكون في هذا الحين نبياً وليس رسولاً، ثم يؤمر بالتبليغ فيصبح عندئذٍ رسولاً, النبي عليه الصلاة والسلام ربنا سبحانه وتعالى خاطبه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنْذِرْ ﴾ ( سورة المدثر الآية: 1-2) يروى أن سيدنا رسول الله حينما نزلت عليه هذه الآية, ألقى عن نفسه الدثار وقام للتبليغ, فطلبت منه السيدة خديجة رضي الله عنها أن يبقى في الفراش فقال كلمة: لا يعرفها إلا من ذاقها قال: يا خديجة انقضى عهد النوم. ينبغي على المسلم أن يتنافس على درجات الآخرة: لكن هناك مقامات كثيرة مفتحة: مقام الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى هذا مفتوح، مقام أن تكون عالماً ربانياً، " يا بني الناس ثلاث: عالم رباني، ومستمع على سبيل نجاة، وهمجٌ رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق فأحذر يا كميل أن تكون منهم " ( قول مأثور ) مقام العلم الرباني موجود في كل زمان قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ( سورة النحل الآية: 43) أهل الذكر هم العلماء, فمن أراد النجاة من النار عليه أن يستقيم، لكنه من أراد مراتب عليا في الجنة عليه أن يكون من السابقين قال الله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾ ( سورة الواقعة الآية: 10-11) ![]() ما أجمل أن يكون الإنسان طموحاً في طريق الجنة, لا يرضى بالمرتبة الدنيا, لا يرضى أن يكون من الناجين، يسعى إلى أن يكون من المتفوقين لقوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ ( سورة المطففين الآية: 26) هذا هو التنافس الذي يحبه الله سبحانه وتعالى. أنا أتمنى من أعماقي أن أرى فيكم أناساً كثيرين يطمحون لا إلى النجاة من النار, ولكن إلى بلوغ أعلى الدرجات في الجنة, إذا كان باب النبوة والرسالة قد أُغلقا, فإن باب الولاية مفتوح إلى يوم القيامة: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ (سورة يونس الآية: 62) ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ( سورة يونس الآية: 63) لا ينبغي أن تُمضي حياتك إلا في طاعة الله, لا ينبغي أن تهلك شبابك إلا في طاعة الله, لا ينبغي أن تسخر طاقاتك وإمكاناتك ومالك إلا في مرضاة الله, إن فعلت ذلك فأنت الرابح، أنت الناجح: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 1-2) ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾ ( سورة الأعلى الآية: 14-15) ![]() إذا عرفت طريق الفلاح، وطريق الفوز فأنت من السعداء، قال تعالى: ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 71) فإذا شعر الطائع أنه محروم فهذا جهل منه، وجهل بما عنده "من أوتي القرآن فرأى أن أحداً أوتي خيراً منه فقد حقّر ماعظمه الله " ( ورد في الأثر) ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ ( سورة يوسف الآية: 22) إذا سألتني عن أعلى مرتبة ينالها الإنسان على وجه الأرض, أعلى مرتبة ينالها الإنسان على وجه الأرض، قلت لك: أن يقال له: رضي الله عنه, من فاز برضاء الله سبحانه وتعالى فقد حقق أعلى مرتبة على وجه الأرض، المؤمنون هم ملوك الدار الآخرة: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ( سورة القصص الآية: 83) فهذا التعليق, أنه باب الولاية مفتوح, باب أن تكون من السابقين مفتوح, ربنا هو رب موسى وهارون موجود, رب إبراهيم موجود, رب محمد موجود, ربّ أصحاب محمد موجود، باب الطاعات مفتوح, باب المجاهدة مفتوح, لذلك: إن الله يحبكم إذا تنافستم في طاعته. ينبغي على المسلم أن لا يتنافس على الدنيا: ![]() أما التنافس على حطام الدنيا على متعها، على شهواتها، على زخرفها، على مكاسبها، على مالها، على بيوتها, على بساتينها، على مركباتها، على حيازة الأموال الطائلة فيها, فهذا التنافس يُبغضه الله سبحانه وتعالى قال الله: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ ( سورة الصافات الآية: 61) ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ ( سورة يونس الآية: 58) قل لي: ما الذي يفرحك, أقل لك: من أنت, من فرح بالدنيا ولو أنه اكتسبها من طريق مشروع، فرحه بالدنيا ماذا يعني ؟ أنه لا يعرف مهمته في الحياة, من فرح بالمال الذي اكتسبه بطريق مشروع، لا يعرف المهمة التي خُلق من أجلها، وليس متحققاً من أنه لابد من مغادرة الدنيا, ولن يأخذ معه إلا العمل الصالح, فرعون ماذا أُعطي ؟ قارون ماذا أُعطي ؟ قد يُعطي الله سبحانه وتعالى المال لمن لا يُحب فقارون: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾ ( سورة القصص الآية: 76) لا يُحب الفرحين بالدنيا, يُحب الفرحين برضوان الله عزّ وجل. اسأل الله عن حاجتك: إذا فتحت عينيك الساعة الرابعة والنصف، وبقي لأذان الصبح ثلاثة أرباع الساعة, هل تنزع عنك الغطاء وتقول: قم صلّ قيام الليل, قم ناجِ ربك في هذا الليل ؟ ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 78-79) ![]() فالمقام المحمود يأتي من التهجد في الليل، والمقام المحمود يأتي من العمل الصالح, شيئان يرفعانك عند الله سبحانه وتعالى: عملك الصالح وتهجدك في الليل " عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ " (أخرجه مسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة في صحيحه) هذه نصيحتي لكم: من كانت له عند الله حاجة, فليصلِ قيام الليل, وليسأله حاجته في السجود, خالق الكون يقول لك: هل لك من حاجة عندي ؟ لا تسألنّ بنيّ آدم حاجــة وسل الذي أبوابه لا تغـلـقُ الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم إن من يسأل يغضب " عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ " (أخرجه الترمذي عن ثابت البناني في سننه) اسأله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ ( سورة غافر الآية: 60) فما لك حاجة عند الله, حاجة في الدنيا أو في الآخرة ؟ انقضى عهد النوم يا خديجة قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ ﴾ ( سورة المدثر الآية: 1-2) وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ ( سورة المائدة الآية:67) 4- هناك خصوص في النبوة: الاستنباط الرابع: من الآيات الكريمة فيما يتعلق بالنبوة, أن الله سبحانه وتعالى قد يقتصر على الاصطفاء بالنبوة بالنسبة لبعض الأنبياء, هناك أشخاص اصطفاهم الله ليكونوا أنبياء فقط, دون أن يأمرهم بتبليغ رسالته, وهؤلاء يمكن أن نسميهم أنبياء لا رسلاً, وعلى هذا فتكون مهمة النبي الذي لم يؤمر بتبليغ رسالة, العمل والفتوى بشريعة رسول سابق, النبي الذي لم يُكلف برسالة يبين للناس ما نُزّلَ إليهم سابقاً, يعمل ويفتي برسالة رسول سابق, لذلك قال عليه الصلاة والسلام: " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " ( ورد في الأثر ) يعني ما من عالم في أمة محمد صلى الله عليه وسلم يستطيع أن يأتي بجديد: " عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ خَطَبَ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ بَعْدَ نَبِيِّكُمْ نَبِيًّا وَلَمْ يُنْزِلْ بَعْدَ هَذَا الْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا فَمَا أَحَلَّ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ فَهُوَ حَلالٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَا حَرَّمَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ فَهُوَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَلا وَإِنِّي لَسْتُ بِقَاصٍّ وَلَكِنِّي مُنَفِّذٌ وَلَسْتُ بِمُبْتَدِعٍ وَلَكِنِّي مُتَّبِعٌ وَلَسْتُ بِخَيْرٍ مِنْكُمْ غَيْرَ أَنِّي أَثْقَلُكُمْ حِمْلا ألا وَإِنَّهُ لَيْسَ لأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَنْ يُطَاعَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ أَلا هَلْ أَسْمَعْتُ " (أخرجه الدارمي عن عبيد الله بن عمر في سننه) القرآن كلام الله, والسنة المطهرة ودور العلماء توضيح كتاب الله وتوضيح السنة المطهرة, أما أن يأتوا بجديد فهذا مستحيل, لأن علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل من حيث الوظيفة لا من حيث المرتبة, النبي نبي, والعالم عالم, لا يرقى الولي إلى مرتبة النبي, العالم ليس معصوماً لكن النبي معصوم، قال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 246) هذا النبي لم يُذكر اسمه في القرآن الكريم, بعض المؤرخين يقولون: إنه صموئيل نبي أرسله الله لبني إسرائيل وليس رسولاً, معنى أرسله يعني كان بينهم، أما معنى أعطاه الرسالة كلفه بكتاب من عند الله. خلاصة الدرس: من ذلك يتبين لنا أن كل رسول نبي، ولا يلزم أن يكون كل نبي رسولاً, وبالنظر إلى هذه الأمور السابقة التي نلاحظها في نصوص القرآن حول الفرق بين النبي والرسول, ندرك السرّ البلاغي في الجمع الغفير من النصوص القرآنية التي تتعرض إلى ألقاب الرسول والرسل, والرسالة، إذ تقترن بالمهام المتصلة بتبليغ الشريعة، ودعوة الخلق إلى الحق, كما ندرك السرّ البلاغي في الجمع الغفير من النصوص القرآنية، التي تتعرض إلى ألفاظ النبي والنبيين والنبوة، إذ تقترن بالأحوال والصفات والأحكام الخاصة المناسبة لمعنى النبوة الذي شرحناه وهو الاصطفاء بالوحي, هذا الفرق الدقيق بين النبي والرسول هو ما عليه جمهور العلماء, وجمهور أهل التوحيد, وهناك آراء أخرى لا مجال لذكرها في هذا الدرس, وينبغي أن يكون المسلم الحق مع من ؟ مع جمهور العلماء, مع الأكثرية. هذا ملخص الموضوع وسوف ننتقل في الدرس القادم إلى حاجة الناس إلى الرسل, هل هم بحاجة ماسة إلى الرسل ؟ قال سيدنا علي كرّمَ الله وجهه يجيب أحد السائلين عندما سأله: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاء من الله أو قدر ناله ؟ ويحك لو كان قضاءً لازماً, وقدراً حاتماً إذاً لبَطَلَ الوعد والوعيد, ولانتفى الثواب والعقاب، إنَّ الله أمر عباده تخييراً، ونهاهم تحذيراً، وكلّفَ يسيراً، ولم يُكلّف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً، ولو أنَّ الأمر كذلك, لكانَ إرسال الرسل عبثاً، فالرسل لهم مهمة كبيرة جداً هذا ما نبحثه إن شاء الله في الدرس القادم. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#29 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
العقيدة الاسلامية الدرس : ( السادس و العشرون ) الموضوع :حاجة الناس للانبياء والرسل الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. مهمة الأنبياء في الأرض: 1- دورهم في توعية البشر بأن عرفوا الناس بربهم: ![]() وصلنا في الدرس الماضي في موضوع الإيمان بالرسل إلى الحاجة إلى الرسل، وكون مهمتهم لا تتحقق بغيرهم الذي تعرفونه أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذاريات الآية: 56 ) يعني علة الخلق أن نعبده, سبب وجودنا على هذه البسيطة أن نعبده, والعبادة لا تكون إلا بعد أن نعرفه, وإذا عبدناه سعدنا به في الدنيا والآخرة, وقد قلت لكم في درس سابق: إن العبادة في أدق تعريفاتها: طاعة طوعيه تسبقها معرفة يقينية، وتفضي إلى سعادة أبدية, فمن أجل أن نعرفه جاء الأنبياء ليلفتوا نظر البشر إلى ربهم, ليّعرفوا الناس بخالقهم ليبصروهم بحقيقة وجودهم, فكيف نعرفه من دون دليل؟ وهل يقوم تعليم من دون معلم؟ وهل تنشأ مدرسة من دون أساتذة؟ ![]() فمن أجل أن نعرفه لابد لنا من معلمين, والمعلمون هم الأنبياء هؤلاء عرّفونا بربنا, ذكرونا بآياته التي بثها في السموات الأرض, عرفونا بمهمتنا, بينّوا لنا ما نحن فيه، وإلى أين المصير, فهؤلاء الأنبياء بمثابة المعلمين في المدارس، لا تقوم المدرسة إلا على أكتاف المعلمين لا البناء له قيمة, ولا المقاعد لها قيمة، ولا السبورة لها قيمة، ولا المكتبة لها قيمة، ولا أي موظف آخر له قيمة إن لم يكن في هذه المدرسة المعلم, أساس المدرسة المعلم. فلذلك: مهمة النبي في قومه، مهمة إرشادية تعليمية, فالناس بحاجة ماسّة إلى معلم, لابد من أن نعرفه حتى نعبده, كيف نعرفه؟ كان الأنبياء والرسل، والدعاة والعلماء من بعدهم مصابيح للناس, العلماء مهمتهم تبعية: هم نواب عن الأنبياء في تبليغ الناس الحق, فالأصل هم الأنبياء هم المعلمون الذين أوكل الله إليهم تعليم الناس. 2- معرفة أوامر الله ونواهيه تكون بوساطة الأنبياء: لو أنّ أحداً قال لك: أنا مستعد لطاعة الله عزّ وجل، أين أمره؟ هل كنّا نعرف أمره, لولا النبي عليه الصلاة والسلام؟ الأنبياء لهم دور آخر بينوا أوامر الله, إذا كانت علة الخلق أن نعرفه فنعبده فنسعد بقربه, فالأنبياء عرفونا بربنا أولاً، وبينوا أوامره ونواهيه ثانياً, جاء الأنبياء بالأوامر والنواهي بمنهج قوامه افعل ولا تفعل, هذا المنهج هو العبادة، في كل علاقاتك، في بيتك، في طعامك، في شرابك، في نومك، في قضاء حاجتك، في علاقتك بزوجتك, في علاقتك بأولادك، في علاقتك بجيرانك، في علاقتك بمن حولك، في علاقتك بمن تتعامل معهم، هذا المنهج الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام هو العبادة، فكيف نعبده ولا نعرف أمره؟ عن طريق مَنْ جاءنا أمره ؟ عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام, النبي كان وسيطاً بيننا وبين ربنا؟ قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ ( سورة المائدة الآية: 35) ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ ( سورة التوبة الآية: 103) ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 56) 3- ما هي الوسيلة التي تقربك بها إلى الله ؟ بعد أن عرفته, وبعد أن عبدته, الآن لك أن تقبل على الله عزّ وجل بمعيته: "عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي يَقُولُ إِنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِذَا سَمِعْتُمْ مُؤَذِّنًا فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا ثُمَّ سَلُوا لِيَ الْوَسِيلَةَ فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِي إِلا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ عَلَيْهِ الشَّفَاعَةُ " (أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بن العاصي في سننه) النبي عليه الصلاة والسلام باب الله, ولا يدخل المرء على الله عزّ وجل إلا من باب رسول الله صلى الله عليه وسلم, من هنا كان قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 56) فهذا المنهج الرباني المبني على أسس ثلاثة: المعرفة والعبادة والسعادة, النبي عليه الصلاة والسلام في كل مرحلة هو الأصل فيها, إذن حاجتنا للنبي ولكل الأنبياء حاجة أساسية وحاجة مصيرية. 4- معرفة الخير والتحذير من الشر يكون عن طريق الأنبياء: كلكم يعلم, أن علّة الخلق أيضاً الابتلاء قال الله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ (سورة المُلك الآية: 2) إذن نحن مبتلون: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ (سورة المؤمنون الآية: 30) ![]() يعني تستطيع أن تقول: إن جوهر الحياة الدنيا أن ينكشف الإنسان على حقيقته, الصالح والطالح، الخيّر والشرير، المعطاء والبخيل، الرحيم والقاسي، المقسط والظالم، فالابتلاء علّة الوجود، وعلّة أخرى أن ينكشف الإنسان على حقيقته قال الله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ﴾ (سورة الماعون الآية: 1-3) ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ ( سورة القصص الآية: 50) ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى ﴾ ( سورة العلق الآية:9-12) ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾ (سورة العلق الآية: 14) فما دامت العلة هي الابتلاء، فمن الذي يبين لنا طريق الخير والشر؟ هو النبي عليه الصلاة والسلام, كتاب شهير اسمه " الترغيب والترهيب " هو من أحاديث النبي عليه الصلاة و السلام, كل أمر من أمور حياتنا كيف رغبّ به النبي؟ وكيف رهبنّا منه؟ رغبنا في الطاعة ورهّبنا من المعصية, فالترغيب والترهيب أساس من أسس هذا الكتاب لذلك كان عنوانه الترغيب والترهيب. فالوجه الآخر من أحقية النبي عليه الصلاة والسلام، هو أن علّة الحياة الابتلاء قال الله: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا ﴾ ( سورة الملك الآية:2) وهذا الابتلاء يقتضي أن تُعرّف المبتلى بالخير وبالشر, أن تُعرّفه بالخير حتى يأتيه، وأن تُعرّفه بالشر حتى يجتنبه، من أجل يسلك طريق الخير، وأن يحيد عن طريق الشر, فمهمة النبي عليه الصلاة والسلام: تعريفٌ بالخير وبيان طريقه وترغيب فيه، وتعريف بالشر وبيان طريقه وتحذير منه قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 168) خطوات الشيطان طريق الشر قال الله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ﴾ (سورة الإسراء الآية: 32) لم يكن النهي عن الزنا, بل كان النهي عن الاقتراب من الزنا, فللخير طريق وللشر طريق: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ ﴾ ( سورة الحجرات الآية:7) ما هي علة إرسال الرسل إلى البشر ؟ لولا أنَّ الله سبحانه وتعالى أرسل رسله ليعرفّوا الناس بالخير وبالشر، لكانت الحجة مع الناس وليست مع الله عزّ وجل, هكذا قال الله عزّ وجل: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ ( سورة النساء الآية: 165) لِئلا يكون على الله حجةٌ بعد الرسل, امرأة في أول لقاء مع زوجها قالت له: إنني امرأة غريبة لا أعرف ما تحب وما تكره, فقل لي: ما تحب حتى آتيه وما تكره حتى أجتنبه, فكيف الله عزّ وجل؟ يحاسبنا يوم القيامة ولم يبين لنا أوامره ونواهيه! لذلك قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (سورة الشمس الآية: 8) إيّاكم أن تفهموا هذه الآية كما يفهمها بعض الناس, ألهمها أن هذا العمل فجور, وألهمها أن تفجر, حاشا لله أن يُلهم الله عزّ وجل إنساناً أن يفجر, يعني كأن تجد ابنك في طريق غير صحيح, وتقرّع آذانه ليلاً نهاراً, يابني أنت مخطئ, أنت في طريق الهاوية, أنت في طريق الدمار, الأب يُلهم ابنه الفجور، ويبين له أنه يفجر, فربنا عزّ وجل كيف يحاسبنا قبل أن يبين لنا؟ عن طريق من بين لنا؟ عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام, كيف نعرف الله إلا من خلال النبي عليه الصلاة والسلام قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً ﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 45-46) ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴾ ( سورة الحشر الآية: 7) ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ﴾ (سورة النساء الآية: 80) ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ﴾ ( سورة النساء الآية: 65) ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾ ( سورة طه الآية: 134) قوم فعلوا الفاحشة, فاستحقوا الهلاك فأهلكهم الله عزّ وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى ﴾ ( سورة طه الآية:134) إرسال الرسل لإقامة الحجة على البشر، حينما ينبّه الأب ابنه مرات عديدة على مسمع من إخوته وأمّه، ويحذّره مغبة عمله، وبعد ذلك يقع هذا الابن في سوء عمله وفي شرّ عمله، ويدفع الثمن باهظاً, لا يستطيع أن ينطق بكلمة. كيف ترقى إلى الله ؟ كما قلت لكم: أنَّ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان, وخلق في الإنسان استعداداً للخير والشر, استعداداً للضلال والهدى, مثل بسيط: هذه السيارة صُنعت ويمكن أن تنقلك إلى حيث تريد, ويمكن أن تدمر صاحبها, إذا أُحسن قيادتها تنقله إلى حيث يريد، فإذا قادها إنسان جاهل قضت عليه وسببت هلاكه, فهذه السيارة فيها إمكانية الخير والشر, إمكانية أن تنقلك إلى أي مكان تريد, وإمكانية أن تنهي حياة صاحبها إذا كان جاهلاً, خلق الله الإنسان فيه الشهوات, هذه الشهوات حبّ الطعام, الحاجة إلى الطعام، الحاجة إلى بقاء النوع، بقاء الفرد يحتاج إلى طعام، بقاء النوع يحتاج إلى زواج، والحاجة إلى بقاء الذِكر, كل إنسان يحب أن يكون له أهمية، هذا دافع أساس بالإنسان, إنسان يثبت قيمته من خلال عمله, إنسان يثبت قيمته من خلال إيقاع الأذى بين الناس, على كلٍ الإنسان له أهمية, إما أنه يُرجى خيره، أو يُتقى شره, ففي الإنسان ميول فطرية فهناك حاجات أو دوافع أو غرائز, هذه مسميات لأشياء واحدة بشكل أو بآخر الشهوات قال الله:﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 14) ![]() الله سبحانه وتعالى ركّب فينا هذه الشهوات لنرقى بها إلى ربّ السموات، لولا هذه الشهوات التي رُكّبت فينا لما كانت جنة, لولا الشهوات لما كنت شيئاً تستحق الذكر, كيف ترقى إلى الله؟ لو أن المال لا قيمة له عندك, لو أنفقت مئة ألف لا ترقى, لأن الله سبحانه وتعالى أودع في قلبك حب المال, فإذا أنفقت المئة ليرة وأنت في أمس الحاجة إليها، ارتقيت إلى الله عزّ وجل, كيف ترقى إلى الله إن لم يكن في قلبك حب للنساء، ليس في الأرض كلها تشريع يحظر عليك ألا تنظر إليها؟ من يحاسبك؟ أنت في الطريق, امرأة مزينة من يمنعك أن تنظر إليها؟ قد تكون في غرفتك والنافذة مفتوحة, تُفتح نافذة بيت الجيران تُطل منها امرأة، من الذي يدري من العالمين أنك تنظر إليها؟ لا أحد، فإذا غضضت الطرف فهذا يؤكد أنك مخلص لله عزّ وجل, لأن هذا العمل لا يفعله إلا المخلص, خلق في نفسك حب الطعام وقال لك: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 183) تدخل الحمام في أيام الصيف, وأنت صائم, وتفتح صنبور المياه الباردة من الذي يمنعك ألا تشرب؟ لولا هذه الشهوات لما ارتقيت إلى رب السموات, لولا أنك تعطش وتجوع، وتحب الجمال والمال، وتحب العلو في الأرض, لما ارتقيت إلى الله عزّ وجل قال الله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى ﴾ ( سورة النازعات الآية: 40-41) ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ (سورة الزُمر الآية: 74) بعض العلماء حاروا في هذه الآية " الأرض " أية أرض هذه؟ ﴿أَوْرَثَنَا الأَرْضَ ﴾ ( سورة الزمر الآية: 74) ما علاقة الأرض بالجنة؟ قالوا: حينما دخل أهل الجنة الجنة، وسعدوا فيها، عرفوا أنه لولا أنهم كانوا في الأرض، ولولا أن الله أودع فيهم الشهوات, لما كانوا في الجنة, هذه الشهوات التي خلقها الله فينا سبب لرُقينا، وسبب لسعادتنا, وسبب لدخولنا الجنة. من الذي يدلك على كيفية ممارسة الشهوات وفق نظامها الصحيح ؟ هذه الشهوات إما أن ترقى بها إلى رب السموات, وإما أن تكون سبباً في شقاء الإنسان مثال بسيط: هذا الوقود سائل كالماء مثلاً, هذا البنزين فيه طاقة لو أنك أخرجت هذا السائل وصببته على محرك السيارة، وأعطيته شعلة من النار، لاحترقت السيارة, أما إذا سار هذا السائل من المستودع في الأنابيب الدقيقة المحكمة المخصصة له إلى جهاز التنظيم، إلى غرف الاحتراق دُفعت هذه المكابس دار الساعد حرّك السيارة, فبين أن يكون البنزين قوة محركة، وبين أن يكون قوة مدمرة, كذلك الشهوة إما أن تكون هذه الشهوة قوة محركة إلى الله عز وجل، وإما أن تكون هذه الشهوة قوة مدمرة, من الذي يعرفنا كيف نمارس هذه الشهوات في الطعام والشراب؟ جاءت الأحاديث الكثيرة في الاعتدال في الطعام والشراب: " قَالَ سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ مَعْدِي كَرِبَ الْكِنْدِيَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَا ملأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ حَسْبُ ابْنِ آدَمَ أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لا مَحَالَةَ فَثُلُثُ طَعَامٍ وَثُلُثُ شَرَابٍ وَثُلُثٌ لِنَفْسِهِ " (أخرجه الإمام أحمد عن المقداد بن معدي كرب الكندي في مسنده) كيف نحقق شهوة بقاء النوع؟ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾ (سورة المؤمنون الآية: 5- 7) ![]() من الذي يبين لنا كيف نستفيد منها؟ الأنبياء, هل تعرف أنت أنه لا يجوز أن تتزوج أختك من الرضاعة إلا بعد نزول الشرع على هذا النبي الكريم؟ واحد يتسامر مع إنسان قال له: عندي أول ولد أعمى, والثاني كسيح, والثالث معه هشاشة في العظام قال له: عجيب! سأله ما السبب؟ قال له: ليس هناك سبب, قال: ليس من الممكن, لابد من سبب, أجابه: أخذت أختي من الرضاعة, إنه الشرع مبني على أُسس علمية, من الذي أخبرنا أن العمة، والخالة، وابنة الأخ، وابنة الأخت لا يجوز الزواج منهن قال الله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً ﴾ ( سورة النساء الآية: 23) معظم حالات الزنا في أوروبا وأمريكا, تتم بين الأقارب وبين المحارم, العدوان على الأخت والبنت شيء مألوف جداً في المجتمعات الغربية, هذا الشرع يبين لك كيف تمارسها، لذلك الشهوة من الذي يُبيّن لك كيف تمارسها؟ النبي عليه الصلاة والسلام، من الذي يقول لك: يجب أن تبتعد عن زوجتك في الحيض أكثر من سبعين مرضاً ينشأ عن لقاء الزوجة في أثناء الحيض؟ قال الله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾ (سورة البقرة الآية: 222) هذه الشهوة سلاح لك أو عليك، قوة محركة أو مدمرة, نافعة أو ضّارة, من الذي يبين لك وجه استعمالها ؟ الأنبياء, إذن نحن بحاجة ماسة إلى الأنبياء. 5- القدوة الحسنة: الحق مهما كان ناصعاً، ومهما كان واضحاً، ومهما كان منطقياً، ومهما كان متماسكاً، ما دام الحق كلاماً بكلام لا يطبقه الإنسان إلاّ أن يجد إنساناً أمامه مطبقاً للحق, هذا اسمه الأسوة الحسنة, أي القدوة الحسنة قال الله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾ ( سورة الأحزاب الآية:21) مثل واحد أنفع للناس من عشرة مجلدات, الناس لا يصدقون إلا المثل الحيّ, النبي الواحد بخلقه وجهاده أهدى للبشرية من آلاف الكتب الذين تكلموا بالفضائل في بطون المجلدات, الناس يتعلمون بعيونهم ولا يتعلمون بآذانهم, فالأنبياء عليهم صلوات الله هم المثل العليا، والقدوة الحسنة للبشر, ما الذي يحملك على أن تستقيم؟ ما الذي يحملك على غضّ البصر؟ أسرع طريق إلى نشر الحق القدوة الحسنة, فالأنبياء كانوا قدوة حسنة قال الله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ ( سورة التوبة الآية: 128) " ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمدٍ محمداً " لماذا أحبوه؟ لأنه كان أرحم بهم من أنفسهم. " عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كَانُوا يَوْمَ بَدْرٍ بَيْنَ كُلِّ ثَلاثَةِ نَفَرٍ بَعِيرٌ وَكَانَ زَمِيلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيٌّ وَأَبُو لُبَابَةَ قَالَ وَكَانَ إِذَا كَانَتْ عُقْبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالا لَهُ ارْكَبْ حَتَّى نَمْشِيَ عَنْكَ فَيَقُولُ مَا أَنْتُمَا بِأَقْوَى مِنِّي وَمَا أَنَا بِأَغْنَى عَنِ الأَجْرِ مِنْكُمَا " ( ورد في الأثر ) " كانوا في نزهة أو غزوة، لا أدري, قال أحدهم: عليّ ذبحها " الشاة ", وقال الثاني: عليّ سلخها, وقال الثالث: عليّ طبخها, قال صلى الله عليه وسلم: وعليّ جمع الحطب, فقالوا: نكفيك ذلك يا رسول الله, قال: أعلم ذلك ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه " ( ورد في الأثر ) أسوة حسنة. خلاصة الدرس: ![]() الله سبحانه وتعالى أرسل رسله ليعرفّوا به, وليبينوا أوامره ونواهيه، وليكونوا وسطاء في الإقبال عليه, وأرسل رسله أيضاً كي يبينوا للناس الخير من الشر، وطريق الخير من طريق الشر، ويُحببوا الناس بالخير, ويُبغضوا الناس بالشر, وأرسل رسله ليعّرفوا الناس بأن هذه الشهوات التي أودعها الله في البشر, كيف يأخذون خيرها, ويجتنبون شرها, إنها قوة محركة أو مدمرة, لولا الشهوات لما ارتقى الإنسان إلى ربّ السموات, وفي الوقت نفسه قد تكون الشهوة مدمرة لصاحبها, وهذا ما حصل مع أوروبا ودول الغرب, إنهم عدّوا الشهوة كل شيء في الحياة فدُمروا من أجلها, مرض الإيدز, هذا المرض سببه الانحراف الأخلاقي, كل العلاقات خارج الحياة الزوجية, الزنا وما شابه الزنا, المخدرات وما شابه المخدرات, فهذا المرض يفتك بالناس بسرعة فائقة، بل إن منظمة الصحة العالمية قالت قبل يومين: إن كل الجهود التي بُذلت من أجل القضاء على هذا المرض باءت بالفشل, من الذي يبين للناس أن هذه الشهوة استعملوها في في الزواج فقط؟ الأنبياء, طبعاً شهوة المال أيضاً وكل الشهوات, الأنبياء بيّنوا الحقائق العلمية، من الذي نهانا؟ كيف نُهينا عن اقتراب النساء بالمحيض ؟ الشرع الذي أُنزل على النبي الكريم, هذه الحقائق علمية. لا بد للهدى من مُثل عليا, من قدوة صالحة, فالأنبياء بعصمتهم, لو أنّ النبي فعل غلطة واحدة لسقطت عصمته وذهبت مكانته, من فضل الله عزّ وجل أن الأنبياء معصومون عن الخطأ, لذلك كانوا قدوة ومُثلاً عليا لبني البشر, فنحن بحاجة ماسة إلى الأنبياء, هذا بحثٌ علمي عن وجه الحاجة إلى الأنبياء والرسل, والإيمان بالأنبياء والرسل حقٌ يقيني من لوازم العقيدة، بل إنه من العقائد التي يجب أن نعلمها بالضرورة, والآن بينّا لماذا كان الأنبياء, و لماذا أرسل الله الأنبياء والرسل لبني البشر؟. استشكال ورد: كثير مع التوضيحات الدقيقة يبقى أُناس لا يُحسنون الفهم أحياناً، في موضوع الجن أنا ذكرت أنه من يتعاون مع الجن لإضلال البشر فهو كافر لإيهام البشر أنه يعلم الغيب, مع أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً، إذا كان سيد الأنبياء, و حبيب الحق لا يعلم, ولا يملك الضر والنفع, فهل يستطيع إنسان على وجه الأرض بمعاونة الجن أن يعلم الغيب؟ قال الله:﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾ ( سورة سبأ الآية: 14) يبدو أنَّ بعض الأخوة, فهموا أنهُ إذا كان إنسان رجل دين له صِلة بالله عزّ وجل، له إقبال على الله عزّ وجل، له مكانة عند الله عزّ وجل, والتقى بإنسان مسحور وقرأ له القرآن, وتوجّه إلى الله عزّ وجل كي يشفى فشفي، هذا ليسَ من عمل الجن، هذا من عمل التوحيد، لم أذكر أن هذا العمل غير صحيح، أنت إن كنت قريب من الله, وقرأت القرآن لتُخلّص هذا المسحور من سحره أو أذّنت أو كبرّت هذا من السُنة. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#30 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم
العقيدة الاسلامية الدرس : ( السابع و العشرون ) الموضوع :مهمة الرسل الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. وظيفة الرسول: 1- تبليغ الشريعة الربانية للناس: وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع متعلق الإيمان بالرسل وهو وظائف الرسول ومهماته, فأول وظيفة من وظائف الرسول هي تبليغ الشريعة الربانية للناس قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ ( سورة المائدة الآية: 67) فمهمة التبليغ هي المهمة الأولى للرسول، هذه المهمة تقتضي الأمانة فينبغي أن يبلغ النبي والرسول ما أنزل إليه من ربه من دون زيادة أو نقصان أو تحريف, الذي أُنزل إليه من ربه يجب أن يُبلغ بالتمام والكمال, ويجب أن يبلغ على الوجه الذي أُمر به من دون تغيير أو تبديل أو كتمان، فإن كانت نصوصاً منزلة من عند الله فعليه أن يبلغها كما أنزلت - هذا هو القرآن الكريم - النص والمعنى، فالذي بلّغنا إياه النبي عليه الصلاة والسلام هو الذي نزل به الروح الأمين. تعريف القرآن: هو الكلام المعجز الذي نزل به جبريل عليه السلام على قلب النبي عليه الصلاة والسلام، الذي نتعبد الله بتلاوته ونتقرب إليه بفهمه والعمل به، وإن كانت معاني أوحيَ بها إليه فعليه أن يبلغها كما أوحى بها إليه مثلاً: " ليس كل مصلٍ يصلي إنما أتقبل الصلاة ممن تواضع لعظمتي وكف شهواته عن محارمي ولم يصر على معصيتي وأطعم الجائع وكسا العريان ورحم المصاب وآوى الغريب كل ذلك لي" ( حديث قدسي ) ![]() هذا حديث قدسي نزل على قلب الرسول صلى الله عليه سلم بالمعنى، فبلّغ المعنى كما نزل على قلبه لكن الصياغة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن كانت معاني أوحيّ بها إليه فعليه أن يبلغها كما أوحي بها إليه من دون زيادة أو نقص في معانيها, هذه المهمة مهمة التبليغ تبليغ النصوص كما أنزلت، والمعاني كما أنزلت، ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يا أيها الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ ﴾ ( سورة المائدة الآية: 67) ضمانة من الله عزّ وجل أن الله يحفظه حينما يبلغ ما أنزل إليه من ربه, وآية أخرى تؤكد مهمة تبليغ ما أنزل إليه من ربه وهي قوله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً * الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً ﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 38- 39) هذه الآية تنسحب على الدعاة المخلصين يبلغون رسالات الله, صفة واحدة إذا توافرت فيهم صحت مهمتهم، وهي خشية الله وعدم خشية من سواه, لأن هذا الذي ينوب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في إلقاء العلم وتبليغ دعوة الله إلى الناس لو أنه خشي غير الله لسكت عن الحق إرضاءً لهذا الذي خشيه من دون الله، ولنطق بالباطل إرضاءً لهذا الذي خشيه من دون الله, فإذا سكت عن الحق ونطق بالباطل فماذا بقي من مهمة تبليغ رسالات الله, من باب أولى أن الذي يخشى غير الله ليس أهّلاً أن يُبلّغ رسالات الله, والنبي عليه الصلاة والسلام في حديثٍ جامعٍ مانعٍ يقول: " كلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرب أجلاً " ( ورد في الأثر ) لا تخشَ من الله لومة لائم قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ ( سورة الحج الآية: 38) ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 30) هذه هي المهمة الأولى: تبليغ الشريعة الربانية للناس نصوصاً منزلة كما هي, ومعاني منزلة كما هي. 2- توضيح مدلولات القرآن الكريم: المهمة الثانية: ربنا سبحانه وتعالى لحكمة بالغة لا نعلمها أو نعلم بعضها، جعل طبيعة القرآن الكريم فيها عموم، وفيها شمول، وصياغة النص القرآني تحتمل معاني عدة, وتفسيرات عديدة, واتجاهات كثيرة، هذه الطبيعة في القرآن الكريم تكريم للإنسان, الإنسان فُتح له باب الاجتهاد، فُتح له باب تأويل النصوص, فُتح له باب التفسير, فُتح له باب الاستنباط, فكل هذه الاستنباطات التي استنبطها العلماء الكبار, والفقهاء الكبار رضوان الله عليهم, وكل هذه الاجتهادات التي اجتهدها كبار المجتهدين، كل هذه الشريعة الثريّة الغنية إنما كانت بفضل هذه الصياغة القرآنية. ذكر الأمثلة للتوضيح: ![]() مثلاً: ربنا سبحانه وتعالى في آية الوضوء يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ( سورة المائدة الآية: 6) هذا التفصيل قطع كل اجتهاد وكل خلاف, وأغلق كل باب للمعرفة قال الله: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ( سورة المائدة الآية: 6) ولو قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ ﴾ ( سورة المائدة الآية: 6) بعض العلماء يقول: اليد تعني إلى الكف، وبعضهم يقول: اليد تعني إلى المرفق, وبعضهم يقول: اليد تعني إلى الكتف, لكن الله عزّ وجل حينما حسم الأمر وقال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ ( سورة المائدة الآية: 6) أنهى كل اجتهاد, أنهى كل تفسير, أنهى كل تأويل, كان من الممكن أن يكون كتاب الله كله من هذا القبيل وانتهى, كان يمكن أن يكون 8700 صفحة فيه كل التفصيلات, لا نحتاج لعلماء ولا لمفسرين ولا إلى مجتهدين, ولما كانت ضرورة لمستنبطين للأحكام, وليس هناك امتحان لحسن الظن بالله قال الله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ ( سورة الشمس الآية: 8) سيء الظن بالله يقول لك: هذا الذي يعصي الله, الله ألهمه أن يعصيه هكذا الآية, هذا الذي يشرب الخمر، الله ألهمه أن يشرب الخمر, هذا الذي يزني, الله الذي ألهمه أن يزني قال الله: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ﴾ ( سورة الشمس الآية: 8) يأتي عالم كبير يقول: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا﴾ ( سورة الشمس الآية: 8) بمعنى ألهمها بأنها فاجرة، وأنها منحرفة، كأن يجد الأب ابنه منحرفاً أو مقصراً فينصحه ويبين له ويوضح له الحقائق، فبين أن تقول: أن الله عزّ وجل هو الذي ألهم الزاني أن يزني، وبين أن تقول: إن الله عزّ وجل ألهم الزاني أنه زاني وعليه أن يتوب مسافة كبيرة, صياغة القرآن الكريم تقتضي الاستنباطات الكثيرة, والتأويلات العديدة, وتحميل لكتاب الله وجوهاً عديدة, صار في علماء، صار في اجتهادات، صار في استنباطات، صار في مذاهب بالفقه، سيء الظن كُشف أمره، حسن الظن كُشف أمره بفضل هذه الصياغة. مثل آخر: أنت أمام رجلين واحد بخيل، والآخر كريم, تركت لهما قصاصة كُتب فيها " أعط فلاناً ألف درهم ونصفه " البخيل يقول: جيد هذا الأمر يعني ألف درهم ونصف درهم، لأن ألف درهم ونصفه الهاء تعود على الدرهم, الكريم يقول: لا, هذه القصاصة تعني ألفاً وخمسمئة درهم، لأن ألف درهم ونصفه الهاء تعود على الألف, فهذه صياغة فيها امتحان لطبيعة الكرم وطبيعة البخل, ولو قال: أعطِ فلان ( 1500 ) ليرة سوري انتهى الأمر, لم ينكشف هذا البخيل ولم ينكشف هذا الكريم, فأحياناً صياغة كتاب الله منه آيات مُحكمة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 7) بعض آيات القرآن الكريم متشابهات, يعني تُفسر تفسيراً يليق بكمال الله عزّ وجل, ويمكن أن تُفسر تفسيراً سيئاًً ينم عن نقص معرفة بالله عزّ وجل, فربنا عزّ وجل هكذا حكمته أن ينّزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم كتاباً طبيعة صياغته تقتضي وجود العلماء المجتهدين، المستنبطين، المحققين، وهذا تكريم للإنسان, الله سبحانه وتعالى أعطى الإنسان وظيفة وهي استنباط الأحكام من النصوص, لذلك ظهر علم يسمى أصول الفقه, ظهرت القواعد الفقهية العامة، ظهرت المذاهب، ظهر العلماء المفسرون، ظهر علماء الحديث، ظهر علم الجرح والتعديل ظهرت علوم عظيمة بفضل طبيعة القرآن الكريم, هذه الصياغة المعجزة. قد يسأل سائل: لو أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك لنا تفسيراً لكتاب الله فقط خلصنا من كل خلاف من كل مشاحنة من كل تمزق, ومن قال لك يا أخي الكريم: إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يترك لنا تفسيراً كاملاً لكتاب الله, إنّه الحديث الشريف, الأحاديث الشريفة ما هي في حقيقتها إلاّ فهم النبي عليه الصلاة والسلام من كتاب الله, لذلك المهمة الثانية اقتضت حكمة الله العظيمة أن يجعل النصوص التي يُنزلها للناس صفة الشمول والعموم والكليات فهي بحاجة إلى بيان وتوضيح, ولذلك جعل من وظائف الرسول أن يبين للناس معاني هذه النصوص المنزلة للناس ويوضّح لهم مدلولاتها وإشاراتها, ربنا عزّ وجل قال: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ﴾ ( سورة فاطر الآية: 37) قال: ﴿وَجَاءَكُمْ النَّذِيرُ﴾ ( سورة فاطر الآية: 37) ما معنى هذه الكلمة يا رب؟ أين هو النذير؟ العلماء وقفوا عند هذه الآية, قال بعضهم النذير: هو القرآن الكريم, وقال بعضهم الآخر: النذير هو الرسول, وقال بعضهم الآخر: النذير هم العلماء من بعد الرسول, وقال بعضهم: النذير هو سن الأربعين قال الله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَوَضَعَتْهُ كُرْهاً وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْراً حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ ( سورة الأحقاف الآية: 15) وقال بعضهم: النذير موت الأقارب, كان جاراً لك, كان صديقاً لك, كان قريباً لك, كان معك في العمل, وقال بعضهم: الشيب من النذير " عبدي شاب شعرك، وضعف بصرك، وأنحنى ظهرك، فاستحي مني فأنا أستحي منك " ( ورد في الأثر) ![]() هكذا طبيعة كتاب الله، تحتمل التوجيهات العديدة, لذلك قال الإمام علي كرّم الله وجهه: " القرآن ذو وجوه فاحملوه على أحسن وجوهه ". المهمة الثانية أن يبين النبي عليه الصلاة والسلام ما أنزل إليه من ربه, والدليل قوله تعالى في سورة النحل: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (سورة النحل الآية: 44) لتوضح، تبين قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 183) آية موجزة، فجاء النبي عليه الصلاة والسلام وفصّل في أحكام الصيام, سنّ لنا السحور، أمرنا أن نفطر بعد غروب الشمس مباشرة، أمرنا بأشياء كثيرة, فكل هذا الذي أمرنا به هو دقة فهمٍ من كتاب الله. 3- هداية أمته إلى خير ما يعلمه لهم وإنذارهم شر ما يعلمه لهم: ![]() الوظيفة الثالثة: هداية أمته إلى خير ما يعلمه لهم, وإنذارهم شر ما يعلمه لهم, النبي عليه الصلاة والسلام بقربه من الله سبحانه وتعالى, بإقباله عليه، باتساع أفقه، بصحة رؤيته، بعمق فهمه، يعلم ما لا نعلم، ويرى ما لا نرى، ويدرك ما لا ندرك، ويشعر بما لا نشعر، لذلك فيما سوى تبيانه لنصوص القرآن الكريم، وفيما سوى تبليغه للحق والنصوص القرآنية التي أُنزلت على قلبه, مهمته الثالثة أن يرشدنا إلى ما ينفعنا وينهانا عن ما يضرنا. فسنَّ لنا أشياء كثيرة في علاقاتنا, كيف نعامل زوجاتنا؟ كيف نعامل أخوتنا؟ كيف نعامل أبناءنا؟ كيف يجب أن نعدل بينهم؟ كيف نعامل من حولنا؟ كيف نبيع؟ كيف نشتري؟ قال عليه الصلاة والسلام: "عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ رَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ جَالِسٌ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ عَلَيْهِ فَأَتَيْتُهُمْ فَجَلَسْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَنَزَلْنَا مَنْزِلا فَمِنَّا مَنْ يُصْلِحُ خِبَاءَهُ وَمِنَّا مَنْ يَنْتَضِلُ وَمِنَّا مَنْ هُوَ فِي جَشَرِهِ إِذْ نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ قَبْلِي إِلا كَانَ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ يَدُلَّ أُمَّتَهُ عَلَى خَيْرِ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَيُنْذِرَهُمْ شَرَّ مَا يَعْلَمُهُ لَهُمْ وَإِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِي أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلاء" (أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمر في صحيحه) هذه فقرة من حديث طويل رواه مسلم عن عبد الله بن عمر. إذن إبلاغ النصوص القرآنية التي أُنزلت من عند الله، إبلاغ المعاني التي أوحيّ إلى قلبه صلى الله عليه وسلم، بيان وتفصيل وتوضيح ما أنزل إليه من نصوص قطعية، هداية أمته إلى خير ما يعلمه لهم، وإنذارهم شر ما يعلمه لهم. 4- تربية الناس على منهج الشريعة الربانية وتأديبهم بآدابها: المهمة الرابعة: تربية الناس على منهج الشريعة الربانية وتأديبهم بآدابها, هناك شرع وهناك منهج, ما الفرق بين الشرع والمنهج؟ أنا أقول للطلاب مثلاً: عليك أيها الطالب أن تحفظ مئة بيت من الشعر هذا هو المنهج، هذا هو الكتاب المقرر، يقول هذا الطالب: كيف أحفظها ؟ ما طريقة حفظها؟ أقول له: سجلها على دفتر صغير، واقرأ كل يوم خمسة أبيات، أعدها صباحاً ومساءً, ثم رددها، ثم اكتبها, ثم ذاكر بها أصدقاءك, عندئذٍ تحفظها, فأنا قد بينت له المقرر ودللته على المنهج. فالنبي عليه الصلاة والسلام, النصوص القرآنية بلغها كما أنزلت، المعاني التي أوحيّ بها إلى قلبه بينّها كما أوحيّ إليه، فسّر كل النصوص التي أنزلت على قلبه, بيّن للناس ما يعلم أنه خير لهم, وأنذرهم ما هو شر لهم, بيّن لهم منهجهم, كيف يستقيم الرجل على أمر الله؟ كيف يرضى عنه ربه؟ قال: " انظر لمن هو أدنى منك فذلك أحرى أن لا تحتقر نعمة الله عليك " ( ورد في الأثر ) بيتك فيه ثلاث غرف, يوجد بيوت غرفة واحدة, صحتك طيبة, في أناس مصابون بأمراض وبيلة، فانظر لمن هو أدنى منك, فذلك أحرى أن لا تحتقر نعمة الله عليك. من آداب الشريعة الربانية: 1- الدعوة إلى الإصلاح يجب أن تكون مجردة عن الغرض الشخصي:" درهم أُنفق في إخلاص خير من مئة ألف درهم أُنفق في رياء " علّمك الإخلاص في العمل " قَالَ أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ الليْثِيَّ يَقُولُ سَمِعْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ " (أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب في صحيحه ) لذلك: كان عليه الصلاة والسلام يعلّمنا الإخلاص والترفع عن الغرض الدنيوي: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾ (سورة الإنسان الآية: 9) ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ ﴾ (سورة الأنعام الآية: 90) علّم أصحابك, علّم المؤمنين أن يكونوا مخلصين, أن يترفعوا عن كل غرض دنيوي, أن يبتغوا بأعمالهم وجه الله سبحانه وتعالى, صلّ قيام الليل ففي صلاة قيام الليل تطمئن نفسك إلى أنك مخلص, لا أحد ينتبه إلى عبادتك إلا الذي تعبده قال الشاعر: فـقم في الدجى لا تخش وحشة فالأنس في طيب ذكرنــــا وعن ذكرنا لا يشغلنّك شاغــل وأخلص لنا تلق المسرة والهنا وسلم إلينا الأمر في كل ما يكـن فما القرب والإبعاد إلا بأمرنـا كن مع الله ترى الله معــــك واترك الكل وحاذر طمعـــك 2- علّمنا أن أساليب الشدة والعنف لا تجدي مع الناس: " عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتِ اسْتَأْذَنَ رَهْطٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكَ فَقُلْتُ بَلْ عَلَيْكُمُ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الأَمْرِ كُلِّهِ قُلْتُ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا قَالَ قُلْتُ وَعَلَيْكُمْ " (أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح ) " عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إلا شَانَهُ " (أخرجه مسلم عن عائشة في الصحيح ) " علّموا ولا تعنّفوا فإن المعلم خير من المعنّف " ( ورد في الأثر ) سأوضح لكم هذا الحديث: الذي عنده ابن أو عنده طالب من السهل عليه إذا أخطأ ابنه أو طالبه أن يضربه ضرباً مبرحاً, فهذا الطالب بدافع الخوف من ألم العقوبة ينضبط, لهذا المعلم أجر, يأتي معلم آخر ينصح هذا الطالب، يبين له، يحاسبه مرات عديدة إلى أن يقنع الطالب بخطئه فيبتعد عنه, هذا يعطيه الله سبحانه وتعالى أجراً غير الأجر الذي يعطيه للمعنف، قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾ (سورة آل عمران الآية: 159) أرسل عليه الصلاة والسلام خادماً في حاجة, يبدو أنه غاب كثيراً إلى أن غضب النبي عليه الصلاة والسلام, فلما جاء الخادم كان بيده سواك, فقال: والله لولا خشية العقاب لأوجعتك بهذا السواك، ما هذا السواك ؟ ماذا يفعل السواك؟ كن حليما, قال النبي عليه الصلاة والسلام: " كاد الحليم أن يكون نبياً " ( ورد في الأثر ) قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ﴾ ( سورة النحل الآية: 125) 3- عدم محاباة أحدٍ في الصدع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: العلماء فرّقوا بين المداراة والمداهنة, المداراة أن تبذل الدنيا للدّين, لك جار داريته، أكرمته، عاونته إلى أن أحبك، فلما أحبك أتيت به إلى المسجد, متى تأتي به بعد أن يحبك؟ بعد أن تقدم له خدمات, بعد أن يشعر أنك تحرص على مصلحته, إذا شعر بهذا أحبك, لأن الله عزّ وجل يقول في الحديث القدسي: " يا داوود ذكّر عبادي بإنعامي عليهم فإن النفوس جُبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها " ( حديث قدسي ) بينما المداهنة بذل الدين من أجل الدنيا, تترك الصلاة من أجل أن تُرضي أحداً في معصية الله, تتكلم خلاف قناعاتك, تتكلم خلاف ما يمليه عليك إيمانك إرضاء لزيد وعبيد هذه مداهنة. 4- القدوة الحسنة: ![]() هي فقرة في المنهج الذي بينّه النبي عليه الصلاة والسلام, قال الله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ ﴾ (سورة هود الآية: 88) الناس يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم, فالذي يحمل الناس على أن يستمعوا إليك صدقك في الدعوى, وأنك تفعل ما تقول, قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾ (سورة الصف الآية: 2) " عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ قِيلَ لأُسَامَةَ لَوْ أَتَيْتَ فُلانًا فَكَلَّمْتَهُ قَالَ إِنَّكُمْ لَتُرَوْنَ أَنِّي خَيْرُ النَّاسِ بَعْدَ شَيْءٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا وَمَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ أَيْ فُلانُ مَا شَأْنُكَ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنِ الْمُنْكَرِ قَالَ كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ " (أخرجه البخاري عن أبي وائل في الصحيح) أنت تُعامل الله عزّ وجل مطلّع على قلبك، اتخذت الدين حرفة؟ اتخذت الدين مطية للدنيا؟ أجعلت الدين في الوحول, من أجل شهواتك؟ أتريد الدنيا؟ اطلبها من مظانّها, اطلبها من التجارة, اطلبها من أيّ شيء إلا من الدين, دع الدين في صفائه، دعهُ في عليائه، دعه في طهره، دعه في سموه, ولا تجعله مطية للدنيا, فالنبي عليه الصلاة والسلام ما الذي جعل أتباعه اليوم يزيدون عن ألف مليون؟ لأنه كان قدوة حسنة، كان أباً و زوجاً, وصديقاً, وأخاً, ومرشداً, وقائداً, وعطوفاً, ومحبا, ً والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ﴾ (سورة الأحزاب الآية: 21) 5- الشهادة على الأمة بأنه بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة: أنت إذا زرت النبي عليه الصلاة والسلام من الدعاء المأثور أن تقف أمام باب حجرته الشريفة, وأن تقول: يا سيدي يا رسول الله: أشهد أنك بلّغت الرسالة، وأديت الأمانة، ونصحت الأمة، وكشفت الغمّة، ومحوت الظلمة، وجاهدت في الله حق الجهاد، وهديت العباد إلى سبيل الرشاد، ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيداً عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ﴾ (سورة النحل الآية: 89) النبي عليه الصلاة والسلام يشهد علينا أنه بلّغنا, لكن الله عزّ وجل رفع من قيمة أمته إلى درجة أنهم أيضاً شهداء على الناس قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ (سورة البقرة الآية: 143) خلاصة الدرس: وظائف النبي بإيجاز شديد: تبليغ الشريعة الربانية للناس نصوصاً قرآنية، ومعاني أوحي بها إلى قلبه الشريف, والمهمة الثانية تبين معاني ما أنزل إليه من نصوص, وهداية أمته إلى كل خير يعلمه أنه خير لهم، وإنذارهم من كل شر يعلمه أنه شر لهم، وتربية الناس على منهج الشريعة الربانية وتأديبهم بآدابها، من فقرات منهج الشريعة: الدعوة إلى الإصلاح من دون غرض دنيوي, والموعظة الحسنة في الدعوة إلى سبيل الله, عدم محاباة الناس في الدين, القدوة الحسنة, الشهادة على الأمة بأنه بلّغ إليهم الرسالة, وأدى الأمانة, وقدّم واجب النصيحة, هذه بعض وظائف النبي عليه الصلاة والسلام.سوف نتحدث في درس قادم عن الفرق بين النبوة والعبقرية, والفرق بين رسالات السماء وفلسفات أهل الأرض, وبذلك نكون قد تابعنا الحديث عن الإيمان بالرسل, وهو من العقائد التي يجب أن تُعلم بالضرورة. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| الاسلامية, العقيدة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| و الناظر في هذه العقيدة ... | ناصح أمين | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 6 | 01-21-2019 07:21 AM |
| العقيدة الطحاوية | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 22 | 09-16-2018 02:18 PM |
| العقيدة الاسلامية - الجن والسحر | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 12 | 09-10-2018 01:29 PM |
| العقيدة و الاعجاز | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 39 | 08-07-2018 06:39 PM |
| العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 41 | 07-07-2018 06:22 PM |