| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#201 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم اسماء الله الحسنى الدرس : ( الخامس و الثمانون بعد المائة ) الموضوع : اسم الله - الرحيم - 2 - مد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الرحيم): أيها الأخوة الكرام، لازلنا في اسم الرحيم. الرحيم رحمة الله الخاصة بالذين آمنوا وأقبلوا عليه و الرحمن رحمته العامة لكل الخلق: الله سبحانه وتعالى يقول هناك أدعية في القرآن الكريم: ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128) ﴾ ( سورة البقرة ) وقد تبين في درس سابق أن اسم الرحيم يعني رحمة الله الخاصة بالمؤمنين، بينما اسم الرحمن رحمته العامة لكل الخلق، اسم الرحمن يعني رحمته العامة لكل الخلق وتأديبه للمقصرين، قال: ﴿ يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَانِ (45) ﴾ ( سورة مريم ) لكن اسم الرحيم يعني رحمته الخاصة بالذين آمنوا وأقبلوا عليه، لذلك من أدعية القرآن الكريم: ﴿ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128) ﴾ ( سورة البقرة ) الآية تشير إلى الرحمة الخاصة، آية ثانية قال تعالى: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(16) ﴾ ( سورة البقرة ) الكبر والاعتداد بالنفس والاستعلاء والاستكبار صفات تتناقض مع العبودية: يتضح أن الإنسان أحياناً تزل قدمه، لكن الفرق كبير جداً بين من يعصي الله كبراً واستعلاءً واستكباراً: ﴿ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 12 ) وبين من يعصي الله غلبة، يعني لو لم تذنبوا لخفت عليكم ما هو أكبر، ما الذي هو أكبر من الذنب ؟ العُجب، العُجب، إنسان عنده كمية لبن قليلة جداً وجاءه ضيوف، فأضاف لهذا اللبن أربعة أمثال الكمية ماء، فصار شراباً سائغاً للشاربين، لكن هذا اللبن لا يحتمل قطرة بترول واحدة، تحمل أربعة أمثاله ماء، وصار شراباً سائغاً للشاربين، لكن لا يتحمل قطرة بترول واحدة، الكبر، والاعتداد بالنفس، والاستعلاء، والاستكبار، هذه صفات تتناقض مع العبودية ، لأن الرب رب، والعبد عبد، شأن العبيد الافتقار إلى الله، وعندئذ ربهم يرفعهم، ويعزهم، ويوفقهم، ويتجلى عليهم، ويلقي هيبتهم في قلوب الخلق، وشأن الرب أنه كبير، وأنه جبار: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(16) ﴾ ( سورة البقرة ) وقوله سبحانه وتعالى عن أهل الجنة: ﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ(28) ﴾ ( سورة الطور) اسم الرحيم من أقرب الأسماء للمؤمن: أعتقد أنه لا يوجد اسم أقرب للمؤمن من اسم الرحيم، كلمة رحمة والله لا أملك أن أشرحها، يعني مطلق عطاء الله، أحياناً الصحة رحمة، يعني معافى، الأجهزة تعمل بانتظام، الإنسان معه قوته، معه سمعه، بصره، عقله، حركته، نشاطه، أجهزته، أي جهاز في الجسم لو أصابه خللاً تصبح حياة الإنسان جحيماً لا يُطاق، فما من دعاء أكثر النبي منه كهذا الدعاء: (( اللهم ارزقنا العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة )) [أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمر ] ﴿ إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ(28) ﴾ ( سورة الطور) فالصحة رحمة، وراحة البال رحمة: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) ﴾ ( سورة محمد) والزوجة الصالحة رحمة، والأولاد الأبرار رحمة، والسمعة الطيبة رحمة، والتيسير رحمة، والسكينة رحمة، والتجلي رحمة، والقرار السديد رحمة، والنظرة الثاقبة رحمة، والموقف الحكيم رحمة، والرضا عن الله رحمة، وامتلاك الحكمة رحمة، وامتلاك الرؤيا الصحيحة رحمة. الله عز وجل خلقنا ليرحمنا و يسعدنا: ماذا أقول ؟ مطلق عطاء الله، بدءاً من الصحة، وانتهاءً بالسكينة، كلها رحمة الله، فالله عز وجل خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليسعدنا، والدليل: ﴿ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾ ( سورة هود الآية: 119 ) و: (( رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل المسجد إذا رجل قد قضى صلاته وهو يتشهد فقال: اللهم إني أسألك يا الله بأنك الواحد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤاً أحد، أن تغفر لي ذنوبي إنك أنت الغفور الرحيم، فقال عليه الصلاة والسلام قد غُفرَ له ثلاثاً )) [النسائي عن حنظلة بن علي] أي يا رحمن يا رحيم برحمتك نستغيث: (( صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل من المسلمين، فسمعته يقول: اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فقه من فتنة القبر ومن عذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم فاغفر له وارحمه، أنك أنت الغفور الرحيم )) [أبي داود عن واثلة بن الأسقع] يعني من أعظم الأدعية أن تقول في دعائك يا رب إنك أنت الغفور الرحيم، الغفور عفو عما مضى، والرحيم عطاء، أنت أحياناً تنظف الإناء مما علق به من قاذورات، ثم تملؤه شراباً لذيذاً، فالرحيم عطاء والغفور مسامحة. (( اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، ونجنا من الظلمات إلى النور، وجنبنا الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وبارك لنا في أسماعنا وأبصارنا، وقلوبنا، وأزواجنا، وذرياتنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم، واجعلنا شاكرين لنعمتك، وأتمها علينا )) [أبو داود من دعاء ابن مسعود ] من أحبه الله عز وجل ألقى محبته في قلوب خلقه: أيها الأخوة، ومما ورد في الرحمة الخاصة الذي تضمنه اسم الله الرحيم قوله تعالى في شأن موسى: ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ (151) ﴾ ( سورة الأعراف ) يعني مطلق عطاء الله أن تكون في رحمة الله، وعن أيوب عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) ﴾ ( سورة الأنبياء ) (( تهجد النبي صلى الله عليه وسلم في بيتي فسمع صوت عباد يصلي في المسجد، فقال: يا عائشة أصوت عباد هذا ؟ قلت: نعم، قال: اللهم ارحم عباداً )) [البخاري عن عائشة رضي الله عنها ] أي إذا الله رحم الإنسان عاش في سعادة، عاش في توفيق، عاش في هيبة، إذا أحب الله عبداً ورحمه ألقى محبته في قلوب الخلق. المؤمن من أتباع الأنبياء يبني حياته على العطاء لا على الأخذ: أيها الأخوة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ (218) ﴾ ( سورة البقرة ) المؤمن يبذل ماله، يبذل وقته، يربي أولاده، ينصح المسلمين، يقدم خدماته، لماذا يفعل هذا ؟ يرجو رحمة الله، يرجو عطاء الله، أنا أضرب مثلاً بسيطاً لو أن ملكاً كلف معلماً أن يعطي ابنه بعض الدروس، فهذا المعلم أفقه ضيق جداً بعد عشرة دروس قال للابن أين الأجرة ؟ قال: أستاذ كم تريد ؟ قال له: كل درس ألف، بعد دقيقة جاءه، وقال: هذه عشرة آلاف، لكن مسكين هذا المعلم لو لم يطلب من الابن لأعطاه الأب بيتاً، ومركبة، ودخلا مستمراً، ملك، عطاء الملك يتناسب مع الملك، فعندما لا يتحرك الإنسان إلا بالأجر، لا يلقي كلمة إلا بالأجر لا يقبل أن يؤدي نصيحة إلا بالأجر المسبق، يكون لا يعرف الله، فحياة المؤمن مبنية على العطاء، بالتعبير المعاصر استراتيجيته العطاء، أساساً الهرم البشري الكبير يقع على قمته زمرتان، الأقوياء والأنبياء، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، لذلك المؤمن من أتباع الأنبياء، يبني حياته على العطاء، يسعد إذا أعطى: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾ ( سورة الإنسان ) والله الذي لا إله إلا هو أحياناً إذا قدمت عملاً صالحاً وقال لك شخص كم تريد ؟ كأنك طعنته، ماذا أريد ؟ أريد رضوان الله عز وجل لا أريد شيئاً، فالإنسان المادي لا يفهم الموقف هذا، يراه ذا أفق ضيق، وفيه بساطة، وفيه سذاجة، ما تأخذ ؟ المسلم يرجو رحمة ربه و يخشى عذابه: أيها الأخوة: ﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾ ( سورة الإنسان ) من هنا يقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218) ﴾ ( سورة البقرة ) المسلم يرجو رحمة الله، نرجو رحمتك ونخشى عذابك، والآية الكريمة: ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِدْ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا(110)﴾ ( سورة النساء ) الإنسان عندما يقول: يا رب اغفر لي، يا رب تب علي، يا رب سامحني، الله عز وجل لحكمة بالغة يلقي في روعه أنه غفر له، وأنه تاب عليه. من كمال الله أنه إذا غفر لك يشعرك أنه غفر لك و تاب عليك: قال بعض العلماء: من وقف في عرفات فلم يغلب على ظنه أن الله غفر له، فلا حج له لماذا ؟ لأن من كمال الله أنه إذا غفر لك يشعرك أنه غفر لك، وإذا تاب عليك يملأ قلبك طمأنينة، إذا تاب عليك يملأ قلبك ثقة بعطائه، وهناك آية أخرى: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ (74)﴾ ( سورة المائدة ) ماذا تنتظر؟ إلى متى وأنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسـؤول *** أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنـا فإنا منحنا بالرضا من أحبنـــا ولذ بحمانا واحتمِ بجنــابنـا لنحميك مما فيه أشرار خلقنـــا وعن ذكرنا لا يشغلنك شاغـل وأخلص لنا تلقى المسرة والهنــا وسلم إلينا الأمر في كل ما يكن فما القرب والإبعاد إلا بأمرنـــا فيا خجلي منه إذا هـو قال لي أيا عبدنــا ما قرأت كتابنــــا أما تستحي منا ويكفيك ما جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنـا أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً وتنظر ما به جـاء وعدنــــا فأحبابنا اختاروا المحبة مذهبـاً وما خالفوا في مذهب الحب شرعنا فـلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنــا ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العجب وجئتنــا ولو ذقت مـن طعم المحبة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنــا ولو نسمت من قربنا لك نسمـة لمــــت غريباً واشتياقاً لقربنا فما حبنا سهل وكل من ادعـى سهولته قلنا له قــــد جهلتنا *** الولاء والبراء أحد أركان الإيمان بالله تعالى: أيها الأخوة، الذي أريده في الدرس الثاني من كل اسم علاقة المؤمن بهذا الاسم، علاقة المؤمن بهذا الاسم الرحيم هو امتلاء القلب برحمة الولاء للمؤمنين، ورقة الوفاء لهم التي تدفع إلى حبّ المؤمنين، أنت من ؟ أنت مسلم، يجب أن يكون ولاؤك للمؤمنين ولو كانوا ضعافاً وفقراء، وينبغي أن تتبرأ من الكفرة والملحدين ولو كانوا أقوياء وأغنياء، تجد إنساناً أحياناً يذهب إلى الغرب فيستغرِب، ينتمي إليهم، يتمنى قوتهم، يتمنى نصرهم، يزدري أمته، هذا انتهى، لأنه أحد أركان الإيمان الولاء والبراء، أن توالي المؤمنين، أن تحمل همهم، أن تتألم لآلامهم، أن يبكيك حالهم المأساوي، لا أن تشمت بهم. إذاً المؤمن الموحد بهذا الاسم الرحيم ينبغي أن يمتلئ قلبه رحمة الولاء، ورقة الوفاء التي تدفع إلى حبّ المؤمنين، وبغض المنحرفين، وأسوتنا في ذلك هو سيد الخلق أجمعين، قال تعالى: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) ﴾ ( سورة التوبة) المؤمنون وضعهم لا يرضي الآن، كبا بهم الجواد، اصطلحت عليهم المصائب، أعلن العالم كله حرباً عليهم، وأنت كمؤمن توالي المؤمنين، تدافع عنهم، تحمل همهم، تتألم لآلامهم، تفرح لانتصارهم. ﴿ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) ﴾ ( سورة التوبة) الطاعة تدفع إلى الرحمة والعفو والمغفرة: كان النبي صلى الله عليه وسلم رحيماً بأصحابه، رفيقاً، حبيباً، قريباً، صديقاً: (( أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قومي، فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان رحيمًا رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا، فكونوا فيهم، وعلموهم وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم )) [البخاري عن مالك بن الحويرث ] الشاهد: (( وكان رحيماً رفيقاً، فلما رأى شوقنا إلى أهالينا، قال: ارجعوا، فكونوا فيهم، وعلموهم وصلوا، فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم )) أيها الأخوة: (( قال النبي عليه الصلاة والسلام ذات يوم في خطبه: أهل الجنة ثلاثة، ذو سلطان مقسط، متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال )) [مسلم عن عياض ] فالطاعة تدفع إلى الرحمة والعفو والمغفرة وتوحيد الله بهذا الاسم يقتضي أن تنتمي للمؤمنين. معرفة أسماء الله الحسنى جزء أساسي من عقيدة المؤمن: أيها الأخوة، أريد أن أؤكد لكم أن الإسلام يشبه مثلثاً مقطعاً إلى أربعة مقاطع، المقطع الأعلى هو العقيدة، العقيدة أن تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، وأن تؤمن بالله خالقاً ومربياً ومسيراً، وأن تؤمن بأسمائه الحسنى وبصفاته الفضلى، وأن تؤمن أنه فعال لما يريد: ﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (63) ﴾ ( سورة الزمر) ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾ ( سورة الزخرف الآية: 84 ) ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ ﴾ ( سورة هود الآية: 123 ) هذا الإيمان يقع على رأسه معرفة أسماء الله الحسنى، معرفة أسماء الله الحسنى جزء أساسي من عقيدة المؤمن، لكن آلية هذه المعرفة ينبغي أن تعرف الله حتى تقبل عليه، يعني لو أن إنساناً عقدة زواجه لا يوجد عنده بيت، وتأخر الدخول لعدم وجود البيت، وتململ أهل الزوجة، وكاد العقد أن يلغى وأن يفسخ، وهو في حيرة من أمره فسمع عن رجل صالح عنده بيت يريد أن يعطيه لطالب علم وهو طالب علم، هذه الفكرة يرقص لها طرباً، يذهب إليه، يعرض عليه، ما الذي دفعه إلى هذا المحسن ؟ لأنه علم أنه يبغي أن يعطي ذلك البيت لطالب علم، هذا مثل للتقريب، أنت حينما تعلم أن الله قوي وأنت ضعيف تتقوى به، أن الله غني وأنت فقير، أن الله كريم وأنت مفتقر إلى عطائه، أنت حينما تعرفه تقبل عليه، وتزهد فيمن سواه، علامة المؤمن موحد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، تُقبل عليه وتزهد فيما سواه، فلذلك الرحمة أن ينالك عطاء الله عطاءً شاملاً كاملاً يجمع بين الدنيا والآخرة. الرحمة أن ينالك عطاء الله عطاءً شاملاً كاملاً يجمع بين الدنيا والآخرة: أخواننا الكرام، معظم الناس الذين شردوا عن الله خطهم البياني صاعد صعوداً حاداً، وعند الموت هذا الخط الصاعد ينهار انهياراً مريعاً، عند الموت فقد كل شيء، فقد ماله، أهله، مكانته، أولاده، بيته، مركبته، مكتبه التجاري، فقد كل شيء، إلا أن المؤمن (ودققوا في هذا المثل) خطه البياني صاعد صعوداً مستمراً، والموت نقطة على هذا الخط الصاعد، لذلك أنا حينما أرى إنساناً محسناً في الدنيا أدعو له بهذا الدعاء، أقول له: اللهم اجعل نعم الدنيا متصلة بنعم الآخرة. أي في الدنيا الله متعك بصحة، متعك بأهل، بأولاد، لك بيت تأوي إليه، لك مكانة، لك سمعة، وافته المنية فهو في جنة عرضها السموات والأرض، يعني اتصلت نعم الدنيا مع نعم الآخرة. من ذكره الله عز وجل منحه نعمة الأمن والسكينة و الحكمة: لذلك أيها الأخوة عندما قال الله عز وجل: ﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ (45) ﴾ ( سورة العنكبوت ) ذكر الله أكبر ما في الصلاة، المعنى الذي أردده كثيراً قال علماء التفسير: ذكر الله لك وأنت تصلي أكبر من ذكرك له، إنك إن ذكرته أديت واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك منحك الأمن أكبر عطاء إلهي: ﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) ﴾ ( سورة الأنعام ) منحك الحكمة: ﴿ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيراً ﴾ ( سورة البقرة الآية: 269 ) منحك السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، منحك الرضا عن الله عز وجل، منحك التوفيق، منحك التأييد، منحك النصر، منحك الحفظ. عطاءات الله عز وجل التي يعطيها للمؤمن لا تعد و لا تحصى: والله أيها الأخوة، عطاءات الله عز وجل التي يعطيها للمؤمن يصعب أن توصف، يعيش في سعادة، في ثقة، في طمأنينة، في قوة شخصية، في عزّ، في إباء، يعني الآية الكريمة: ﴿ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ (8) ﴾ ( سورة المنافقون ) ونحن يومياً في دعاء القنوت، سبحانك إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت، ولذلك: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) ﴾ ( سورة العنكبوت ) العاقل من يفرح برحمة الله عز وجل له: اقرأ هذه الآية: ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) ﴾ ( سورة الزخرف ) يقولون: بل جيتس يملك تسعين ملياراً، رحمة الله خير من التسعين ملياراً، الدولة الفلانية عندها نفط يقدر بأربعمئة وخمسين مليار برميل احتياطي، والنفط كان بستة دولارات صار بمئة وخمسين دولاراً، يقول لك: صاروا فوق الريح، يذهب شخص لبلد من بلاد النفط يقول لك: الأموال لا تأكلها النيران: ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) ﴾ ( سورة الزخرف ) كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى بيتاً، إذا رأى شيئاً من حطام الدنيا، يقول: (( اللهم لا عيْشَ إِلا عَيْشُ الآخِرَةِ فَأَصْلِحِ الأَنْـصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ )) [ من صحيح البخاري عن أنس بن مالك ] ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) ﴾ ( سورة الزخرف ) يقول لك شخص معه وكالة مادة غذائية، أرباحه اليومية مليون ليرة، مليون يومياً ماذا يأكل ؟ له وجبة طعام صغيرة، هذا هو رزقه، وكسبه سيحاسب عليه، يعني لا تفرح بالكم، افرح برحمة الله عز وجل هكذا الله علمنا: ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (32) ﴾ ( سورة الزخرف ) القلب القاسي أبعد قلب عن الله: نحن أحياناً بخطأ فاحش إذا شخص مات نقول: مسكين مات، الله عز وجل قال: ﴿ وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (158) فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ (159) ﴾ ( سورة آل عمران ) إن لم يمتلئ قلبك رحمة فالأمر خطير جداً، أبعد قلب عن الله القلب القاسي: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ ( سورة الزمر الآية: 22 ) قلوبهم كالحجارة، بل أشد منها قسوة: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ (159) ﴾ ( سورة آل عمران ) الشيء الأخير، نحن نقبل على الله إذا عرفنا أسماءه، والطريقة الفعالة للتقرب منه أن تتخلق بكمال مشتق من كمال الله، فإذ أردت رحمة الله فارحم خلقه، إذا أردت عدل الله كن منصفاً، إن أردت عطاء الله كن معطياً، تقرب إلى الله بكمال مشتق من كماله. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#202 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم اسماء الله الحسنى الدرس : ( السادس و الثمانون بعد المائة ) الموضوع : اسم الله - الرزاق - 1 - الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الرازق): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الرازق". ورود اسم الرازق في القرآن الكريم و السنة الشريفة: هذا الاسم ورد في السنة، ففي حديث أنس رضي الله عنه الذي ورد في الأسماء الثلاثة السابقة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنَّ الله هو المُسَعِّرُ، القابضُ، الباسط، الرازق )) [أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس بن مالك ] وهذا الاسم ورد في القرآن الكريم مقيداً في قول الله عز وجل: ﴿ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيداً لِأَوَّلِنَا وَآَخِرِنَا وَآَيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ ﴾ ( سورة المائدة ) الرازق في اللغة: "الرازق" في اللغة اسم فاعل، رزق، يرزق، رزقاً فهو "الرازق"، والرزق ما يُنتفع به. لذلك فرق العلماء بين الرزق والكسب، الشيء الذي تأكله، والثياب التي تلبسها، والبيت الذي تسكنه، هذا هو الرزق الذي انتفعت به، أما الرصيد: الحجم المالي هذا كسب لم تنتفع به، الذي تنفع به مباشرة هو الرزق، والذي لا تنتفع به وهو من كسبك هو الكسب، أما الكسب تحاسب عليه من أين اكتسبته ؟ وماذا فعلت فيه ؟ مع أنك لم تنتفع به، يعني الذي معه ألف مليون، ماذا يأكل ؟ يأكل وجبة محددة، ويرتدي ثياباً واحدة، وينام على سرير واحد، وطاقته في الاستمتاع بالحياة لها سقف، مهما كنت غنياً كم تأكل ؟ وجبة محدودة، كم ثوب ترتدي ؟ ثوب واحد، على كم تنام بليلة واحدة ؟ على سرير واحد. الرزق و الكسب: الرزق: ما انتفعت به فقط، والكسب: حجمك المالي، حجمك المالي لم تنتفع به إطلاقاً لكنه أعطاك كبراً، وهيمنة، وسيطرة، وكل قرش اكتسبته تحاسب عليه، مع أنك لم تنتفع به. لذلك ورد في بعض الآثار: (( إن روح الميت ترفرف فوق النعش، تقول يا ولدي يا أهلي، لا تلعبن بكم الدنيا كما لعبت بي، جمعت المال مما حلّ وحرم، فأنفقته في حله وفي غير حله، فالهناء لكم والتبعة عليّ )) [ ورد في الأثر] الرزق هو العطاء، استرزقه، أي طلب منه الرزق، وزن استفعل في اللغة يفيد معنى الطلب، استغفر طلب المغفرة، استرحم طلب الرحمة، استرزق طلب الرزق، وقد يسمى المطر رزقاً، لأن المطر ينبت النبات، ينبت القمح، ينبت الخضراوات، فالرزق من آثار المطر. على المؤمن أن يعزو الرزق إلى الله لا إلى غيره: أما قوله تعالى: ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ ( سورة الواقعة ) تهطل أمطار كثيرة، نستمع إلى من يقول: هناك منخفض متمركز فوق قبرص في طريقه إلينا، لأن هذا رزق الله، هذا فضل الله، هذه رحمة الله، نعزو الرزق إلى أسباب أرضية ﴿ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ ﴾ وقد ورد في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم عقب ليلة مطيرة قال: (( هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما من قال: مُطِرْنا بفضل الله ورحمته: فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب وأما من قال: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذا وكذا: فذلك كافر بي، مؤمن بالكواكب )) [ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ومالك عن زيد بن خالد الجهني ] كتعليق على هذا الحديث هناك من ينسب ما يجري إلى أسباب أرضية فقط، يعني زلزال دمر كل شيء يقول لك اضطراب بالقشرة الأرضية فقط، لمَا وقع هنا ولم يقع هنا؟ مع أن الله تعالى يقول: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ ( سورة هود ) على الإنسان أن يعزو الأسباب إلى مسبب الأسباب كي يصطلح و يتعامل معه: لمَ لا تقبل التفسير الأرضي القريب، وتعزو التفسير البعيد إلى الله عز وجل ؟ الإنسان أحياناً يرفض التفسير العلوي، الإلهي، التوحيدي، ولا يقبل إلا التفسير الأرضي الشركي المحمود. ما يعانيه المسلمين اليوم يعزى إلى الاستعمار فقط، والصهيونية العالمية فقط أين الله ؟ كيف سمح لهؤلاء أن يسيطروا على العالم، ألسنا عباده ؟ فلابد من أن تعزو الأسباب إلى مسبب الأسباب، إلى خالق السماوات والأرض، كي تتعامل معه، كي تصطلح معه. لذلك لا ينبغي أن تفسر ما يجري فقط لأسباب أرضية شركية، لابدّ من أن نفسر ما يجري لأسباب أرضية، ومسبب الأسباب هو الله، لحكمة بالغةٍ بالغة. الأرزاق نوعان ؛ أرزاق ظاهرة و أرزاق باطنة: أيها الأخوة، الأرزاق نوعان، أرزاق ظاهرة كالأقوات للأبدان، انظر إلى سوق الخضر، كميات من الفواكه، كميات من الخضروات، المحاصيل، والقمح، والغنم، أرقام فلكية، كلها رزق العباد، أقوات للأبدان، وهناك أرزاق باطنة، هي المعارف والإيمان، إنسان الله عز وجل رزقه فهماً بكتاب الله، هذا رزق. بالمناسبة: العلم هو أعلى أنواع الرزق، الدليل: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾ ( سورة النساء ) ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾ ( سورة القصص الآية: 14 ) الله عز وجل أعطى المال لمن لا يحب، وأعطاه لمن يحب، حتى نكون موضوعيين، أعطى المال لقارون وهو لا يحبه، وأمره: ﴿ وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ ﴾ ( سورة القصص الآية: 77 ) وأعطاه لسيدنا عثمان وهو يحبه، أنفق على جيش العسرة، وقال النبي الكريم: (( ما ضرّ عثمان ما عمل بعد هذا اليوم )) [أخرجه الحاكم عن عبد الرحمن بن سمرة ] رضي عنه من أعماق أعماقه، أعطى الملك لفرعون وهو لا يحبه، وأعطاه لسيدنا سليمان وهو يحبه، لكن الذين يحبهم ماذا أعطاهم ؟ الملك ليس مقياساً، والمال ليس مقياساً، لكن الذين يحبهم الأنبياء، قمم البشر ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً ﴾ فإذا وهبك الله رزقاً من نوع الرزق الذي وهبه لأحبابه، فاشكر الله عز وجل ، بالأرض هناك من يعبد الجرذان في آسيا، وهناك من يعبد ذكر الرجل، و هناك من يعبد موج البحر، وهناك من يعبد البقر، و هناك من يعبد الشمس والقمر، وهناك من يعبد الحجر، فالله سبحانه وتعالى أكرمنا أن نعبد خالق السماوات الأرض. الله عز وجل "الرازق" تكفل باستكمال الرزق ولو بعد حين: أما الله جلّ جلاله هو "الرازق"، هو الذي يرزق الخلائق أجمعين، وهو الذي قدّر أرزاقهم قبل خلق العالمين. ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾ ( سورة الروم الآية: 40 ) يعني ترسل ابنك إلى بلد أوربي ليدرس، حتى يطمئن ترسل له مصروفه لستة سنوات دفعة واحدة، حتى يطمئن. فالله عز وجل قال: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ﴾ فعل ماض ﴿ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾ ما قال ثم يرزقكم ﴿ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ﴾ الله عز وجل "الرازق" تكفل باستكمال الرزق ولو بعد حين، كل إنسان له عند الله رزق لكن بحين معين، قالوا: من تعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، قال عليه الصلاة والسلام: (( أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ فَإِنَّ نَفْساً لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ خُذُوا مَا حَلَّ وَدَعُوا مَا حَرُم. )) [أخرجه ابن ماجه عن جابر بن عبد الله ] في راوية: (( استجملوا مهنكم )) اختر حرفة شريفة، اختر حرفة فيها نفع للناس، وليس فيها ابتزاز لأموالهم ، اختر حرفة فيها نفع للناس، وليس فيها إلقاء الرعب في قلوبهم، اختر حرفة ينتفع بها من حولك، ولا تختر حرفة تبني دخلك على أنقاض الناس، لأنه ألصق شيء بحياة الإنسان رزقه، وحرفته، وزوجته، المركبة تُبدل، البيت يُبدل، أما زوجته أم أولاده، وحرفته، فإن كانت الحرفة مخالفة لمنهج الله هذه مشكلة أنت محجوب عن الله دائماً. أرزاق الله سبحانه وتعالى لا تعد ولا تحصى: حديث آخر: (( نفث روح القدس في روعي أن نفساً لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعصية الله، فإن الله لا ينال ما عنده إلا بطاعته )) [ أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ] والآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾ ( سورة فاطر الآية: 3 ) قال بعض العلماء: الرزق اسم يشمل الإنسان وغير الإنسان، لكن هذه الكلمة تعم رزق الدنيا والآخرة، دخول الجنة رزق، النجاة يوم القيامة رزق، العلم في الدنيا رزق، اشتقاق الكمال من الله رزق، الحلم رزق، الورع رزق، نحن هكذا ببساطة أي كلمة رزق نتصورها المال فقط، قد تجد إنساناً دخله محدود، لكن يتمتع بعلم غزير، يتمتع بسمعة طيبة، يتمتع براحة نفسية، يتمتع بتوفيق من الله عز وجل، أو يتمتع بدعوة كبيرة، حجم المال صغير جداً، لكن حجمه عند الله كبير جداً. فنحن ينبغي ألا نتوهم أن كل كلمة رزق تعني مال، لا، أرزاق الله سبحانه وتعالى لا تعد ولا تحصى، وقد قال الله عز وجل: ﴿ الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ ( سورة البقرة ) إلزام الله عز وجل ذاته العلية برزق العباد: أحياناً الله عز وجل يرزق إنسان مكانة، بهذه المكانة تحل مشكلات كبيرة، هذا رأسمالك، أي الناس يهابونك، ينصاعون لأمرك، استخدم هذه الهيبة في خدمة الناس، في حلّ مشكلاتهم، في إنقاذ من يحتاج إلى إنقاذ، والآية الكريمة: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ ( سورة هود الآية: 6 ) على، متى جاءت على ؟ مع لفظ الجلالة، معنى ذلك أن الله ألزم نفسه ذاتياً برزق العباد ﴿ عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا ﴾ بعدها ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾ تفيد استغراق أفراد النوع. لو دخل معلم إلى صف، وقال: أيها الطلاب لكم عندي هدية، يعني لهؤلاء الذين أمامه، أما لو قال: ما من طالب في هذا الصف إلا وله عندي هدية، هذه من تشمل حتى الغائب، حتى الذي لم يتح له أن يأخذها الآن، ما من طالب في هذا الصف إلا وله عندي هدية، هذه من تفيد استغراق أفراد النوع. ما قال: ما دابة إلا على الله رزقها، قال: ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ ﴾ يعني نملة تمشي على صخرة صماء، في الليلة الظلماء، على الله رزقها. وعل يعيش في قمم الجبال، هناك ينابيع مياه في قمم الجبال، في القمم أي مستودع في جبل أعلى، تمديد مذهل من أجل الوعول، هناك وعول تعيش في قمم الجبال هناك ينابيع ماء لها، معنى ذلك أن هذه الينابيع تمديداتها تحت الجبال إلى جبال أعلى، يوجد بأرواد نبع، هذا النبع لا تكفي أمطار أرواد لهذا النبع، هذا النبع مستودعه في طرطوس وممدد تحت البحر، يوجد بإندونيسيا ثلاث عشرة جزيرة، ما من جزيرة إلا وفيها نبع ماء عذب، من آيات الله الدالة على عظمته. إذاً ﴿ وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى ﴾ يعني ألزم الله ذاته العلية برزق العباد. بطولة الإنسان أن يأكل رزقه الذي كتبه الله له من طريق مشروع: حتى الطعام الحرام الذي يتناوله الإنسان هو رزق من الله، يعني أضرب هذا المثل الذي أردده كثيراً: بستان فيه شجر تفاح، الشجرة السابعة، الفرع الثالث، الغصن الرابع، التفاحة الخامسة، هذه لفلان، هذه له، فلان قد يشتريها بماله، وقد يأكلها ضيافة، وقد يأكلها هدية وقد يسرقها، وقد يتسولها، التسول، والسرقة، والهدية، والضيافة، والشراء اختياره، أما هي له. فالبطولة أن تأكل رزقك الذي كتبه الله لك من طريق مشروع، هنا جاء الحديث مرة ثانية: (( نفث روح القدس في روعي أن نفساً لن تخرج من الدنيا حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فأجملوا في الطلب )) [ أخرجه الطبراني عن أبي أمامة الباهلي ] لا تذل نفسك، لا تتضعضع أمام غني، ولا أمام قوي. (( اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير )) [ ابن عساكر عن عبد الله بن بسر بسند ضعيف] والله مرة زارني أخ متقدم بالسن، قدمتُ له ضيافة متواضعة، فقطع أول لقمة من هذه الضيافة، وقبل أن يأكلها قال: سبحان من قسم لنا هذا، ولا ينسى من فضله أحدا. اعتقد هذا الاعتقاد، الله عز وجل لا ينسى من فضله أحداً، هو خلقك، تكفل لك بالرزق، تكفل لك بالزواج، تكفل لك بالعمل، لا تضجر، لا تقلق، لا تيأس، لا تتشكى، سبحان من قسم لنا هذا، ولا ينسى من فضله أحداً. حتى أهل الدنيا الذين يسرقون، هو رزق الله عز وجل اختاروا أن يأخذوه سرقة محاسبون عليه، أما هو لهم. إحباط الأعمال في آخر الزمان نتيجة: أخوانا الكرام، أحياناً الإنسان يعجب، الأمور تجري خلاف صالح العالم الإسلامي، هم يعيشون على ثروات هائلة، يحتلون موقعاً استراتيجياً مذهلاً، ومع ذلك هذه الثروات ليست لهم، يأتي من يأخذها منهم عنوة، فقد روى عبد الله بن عمر عن النبي الكريم قال: (( أَقْبَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ، لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا )) [ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ] 1 ـ انتشار الفاحشة: الآن الشاذون بالعالم لهم منظمات، ولهم قيادات، ولهم مرجعيات، ومعهم بطاقات، ويطالبون الحكومة بأن يعاملوا كغيرهم من المواطنين، وهناك حكومات كثيرة جداً لهم، أحياناً يكون في سفير دولة عظمى يقام له حفل وداع في العاصمة، يحضر معه شريكه الجنسي، وهناك قانون في بعض البلاد الغربية الشريك الجنسي يمنح الجنسية، لو شخص معه شريك جنسي من بلد متقدم جداً شريكه الجنسي يستحق الجنسية، وهناك تعويضات. الآن قال: (( حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا )) [ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ] الشذوذ انحراف خطير، يتناقض مع الفطرة، في بلاد كثيرة وضمن القوانين معترف به، فصاحبه محترم، وله كل ميزات المتزوج. 2 ـ انتشار الأمراض: (( لَمْ تَظْهَرْ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلَّا فَشَا فِيهِمْ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ )) [ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ] الإيدز يعني، كان قديماً إذا إنسان سافر وطرق بابه ليلاً يقشعر جلده خوفاً من الله ولا يفتح الباب، والآن يقشعر جلده ولكن خوفاً من الإيدز. ﴿ فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 19 ) 3 ـ انتشار الغش: (( وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ )) الغش، أنوع الغش. (( وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ عَدُوّاً مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ )) [ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ] بأول حرب سبعمئة مليار نُقلت من بلادنا إلى بلاد الغرب، وكل حرب تنقل ألوف المليارات من بلادنا إلى بلاد الغرب. 4 ـ عدم الحكم بكتاب الله: (( وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ )) [ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ] الحروب الأهلية. (( وَمَا لَمْ تَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَيَتَخَيَّرُوا مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَّا جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ )) عدو يتسلط عليهم، يأخذ ما في أيديهم. (( مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ )) [ ابن ماجه و البزار و البيهقي عن عبد الله بن عمر ] هذه كلها من الأخطاء الذي يرتكبها المسلمون في آخر الزمان. المعرفة أشرف الرزقين رزق الأبدان و رزق الأرواح: العلماء قالوا: رزق الأبدان بالأطعمة، ورزق الأرواح بالمعرفة، المعرفة رزق، والمعرفة أشرف الرزقين، فإذا خصك الله بدخل وفير أكلت به أطيب الطعام، وخصّ عبداً آخر برزق المعرفة فاعلم علم اليقين أن العبد الآخر أكثر حظوة عند الله منك، لأنه منحه رزق النفوس، ورزق الأرواح، وهي المعارف، قال تعالى: ﴿ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾ ( سورة القصص ) والنبي عليه الصلاة والسلام قال: (( أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني )) [ مسلم عن أبي هريرة] أحياناً يكون بعض الأخوة في مجلس، مجلس مبارك فيه تجلٍّ، فيه نور، فيه سرور، فيه مودة، فيه محبة، فيه ذكر لله، يقول لك: جلست جلسة لا أنساها مدى الحياة، قُدم كأس شاي فقط، وأحياناً طعام نفيس، ألوان، أنواع منوعة، يقول لك ما ارتحنا، ما سررنا. وقال بعض العلماء: "الرازق" من غذى نفوس الأبدان بتوفيقه، وحلّ قلوب الأخيار بتصديقه، الرزق رزقان، رزق الأبدان، ورزق النفوس، نحن بحاجة إلى رزق الأبدان، لكن لا تنسوا حاجتكم العظمى لرزق النفوس، إلى العلم بالله. ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾ |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#203 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم اسماء الله الحسنى الدرس : ( السابع و الثمانون بعد المائة ) الموضوع : اسم الله - الرزاق - 2 - الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى:(الرازق): أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في اسم "الرازق". تثبيت الله عز وجل القوانين التي لا تعد ولا تحصى من أجل أن يطمئن الإنسان: قبل أن نمضي في الحديث عن هذا الاسم لابدّ من التنويه إلى أن الله سبحانه وتعالى ثبت ملايين ملايين القوانين في الكون، ثبات هذه القوانين يوحي بالاستقرار، يوحي بالنظام، فالقوانين ثابتة، الذهب ذهب، والفضة فضة، والحديد حديد، خصائص المواد هي هي، هذه القوانين التي لا تعد ولا تحصى والتي ثبتها الله عز وجل من أجل أن يطمئن الإنسان. أنت حينما تشيد بناء الحديد الذي فيه لو غيّر خصائصه لانهار البناء، أن حينما تشتري سبيكة ذهب تبقى ذهب ما دامت عندك، لو أنها تحولت إلى معدن خسيس خسرت كل مالك، ثبات خصائص المعادن، وأشباه المعادن، القوانين، قوانين الحركة، قوانين الفيزياء، الكيمياء، هذا الثبات يوحي بالنظام، يوحي بالاستقرار. ولكن الله جلّت حكمته حرك موضوعين خطيرين، حرك الصحة، وحرك الرزق، الرزق ليس ثابتاً، والصحة ليست كذلك. تحريك الله تعالى الصحة و الرزق لحكمة بالغة: يبدو أن هذين الموضوعين الخطيرين، حينما تحركا ليؤدب الله بهما الإنسان، فالإنسان مهما ملك من ثروات طائلة كل استمتاعه بالحياة مبني على صحته، على قطر شريانه التاجي، على نمو خلاياه، على سيولة دمه، لو تجمد الدم في العروق لمات الإنسان احتشاء، لو نمت الخلايا نمواً عشوائياً ورم خبيث، لو ضاقت الشرايين ذبحة صدرية، هناك أمراض وبيلة قاتلة. فالصحة ليست ثابتة، وكذلك الرزق، أحياناً تنقطع الأمطار، يموت النبات، يموت الحيوان، يهاجر الإنسان. نحن آمنا أن الله سبحانه وتعالى وحده هو "الرازق" لكن بعد هذا الإيمان بيّن في قرآنه، والنبي المعصوم بيّن في سنته أسباب زيادة الرزق، وما منا واحد على وجه الأرض إلا حريص على صحته، وعلى رزقه. الأسباب التي وردت في القرآن الكريم والتي جعلها الله سبباً لزيادة الرزق: 1 ـ تقوى الله عز وجل: ما دمنا في اسم "الرازق" ما الأسباب التي وردت في القرآن الكريم، والتي جعلها الله سبباً لزيادة الرزق، الله عز وجل في أول سبب من أسباب الزيادة قال تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ ( سورة الطلاق ) ضاقت فلما استحكمت حلقاته ا فرجت وكان يظن أنها لا تفرج * * * كن عن هـــمومك معرضا وكل الأمور إلى الــــقضا وابشر بخـــــير عاجل تنسى به ما قد مضــــى فلــــــرب أمر مسخط لك في عواقبه رضـــــا * * * وربما ضــــاق المضيق ولربما اتسع الفضـــــا الله يفعل ما يشــــــاء فلا تكن معترضــــــا الله عودك الــــــجميل فقس على ما قد مضـــى * * * الإنسان المؤمن لا يقنط ولا ييأس بل يتجه إلى الله عز وجل: والله أيها الأخوة، لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفتني ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾ من اسم شرط جازم، اسم الشرط الجازم يحتاج إلى فعلين، الفعل الأول فعل الشرط، والثاني جوابه وجزاؤه، هذه الصيغة توحي بالقانون، من يجتهد ينجح، من سار على الدرب وصل ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾ ماذا تعني كلمة مخرج ؟ أمامه الأبواب كلها مغلقة، أنت متى تقول أين المخرج ؟ حينما تحاول أن تخرج ولم تجد باباً تقول أين المخرج ؟. كلمة ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾ توحي أن أبواب الأرض أغلقت، تقدم طلباً لا يوافق له، يقدم بعثة مرفوض، يبحث عن عمل لا يجد، يحاول أن يستأجر دكاناً لا يستطيع، الأبواب كلها مغلقة، ولحكمة بَالغةٍ بالغةٍ بالغة أحياناً يكون هذا الامتحان الصعب يغلق الله كل أبواب الأرض، ويفتح لك أبواب السماء، فالإنسان المؤمن لا يقنط ولا ييأس يتجه إلى الله. وكان عليه الصلاة والسلام إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة، في أي شأن، في شأن عملك، في شأن صحتك، في شأن زواجك، مشكلة لاحت لك بالأفق، مصيبة قريبة منك، شبح فقر، شبح مرض لابد من أن تقول: الله عودك الــــــجميل فقس على ما قد مضــــى * * * ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ والله أيها الأخوة، لولا ضيق الوقت لكان هناك مئات القصص التي إذا رويت يقشعر البدن، كيف أن الأبواب كانت مغلقة ثم فتحت. إذاً أول أسباب زيادة الرزق تقوى الله عز وجل، الإنسان حينما يرى الأمور معسرة الأبواب مغلقة، الأمل أصبح صفراً، يطرق باب السماء، ليتقِ الله ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾ أحياناً مرض عضال يتم الشفاء الذاتي، أحياناً فقر مدقع يتم الغنى الذي هو فضل من الله عز وجل، أحياناً عدو متربص كيف يلين الله قلبه، وينصرف عنه ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ من عظمة القرآن الكريم أن الآية فيه لها ثلاثة معان سياقي سباقي و لحاقي: بالمناسبة: عظمة القرآن الكريم أن الآية في القرآن لها معنى سياقي، ومعنى سباقي، ومعنى لحاقي، الآية لها مكان، هناك معنى يؤخذ من سياقها، أما إذا نُزعت وحدها لها معنى آخر، هذه الآية وردت في سورة الطلاق، بالسياق: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ﴾ في تطليق زوجته ثلاث مرات ﴿ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾ إلى إرجاعها، هذا المعنى السياقي، انزعها من سياقها هي قانون، في أي موضوع، في أي موضوع على الإطلاق ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ﴾ 2 ـ صدق التوكل على الله: أحد الأسباب لزيادة الرزق صدق التوكل على الله: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ ( سورة الطلاق الآية: 3 ) لكن التوكل من عمل القلب، وليس من عمل الجوارح، المسلمون حينما تخلفوا في فهم دينهم جعلوا التوكل بالجوارح، لا يفعل شيئاً، يقول سلمت أمري إليك يا رب، لا يتحرك، مع أن الله عز وجل يقول: ﴿ وَقُلِ اعْمَلُوا ﴾ ( سورة التوبة الآية: 105 ) (( إِن الله يَلُومُ على العَجْز، ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل )) [أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ] لا يسعى، ولا يتحرك، ولا يدرس، ولا يستطلع، ولا يفعل شيئاً إلا أنه يقول أنا توكلت على الله. سيدنا عمر رأى أناساً يتكففون الناس في الحج، قال: من أنتم ؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله. سيدنا عمر، رأى رجلاً مع جمل مريض، قال: يا هذا ماذا تفعل بهذا الجمل ؟ قال: أدعو الله أن يشفيه، قال له: هلا جعلت مع الله قطراناً ؟. التوكل محله القلب و ليس الجوارح: فالسبب الآخر هو صدق التوكل على الله، التوكل محله القلب، تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذه البطولة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، عندك سفر طويل، ومعك مركبة، تراجعها مراجعة كاملة، تراجع العجلات، المكابح، الزيت، تراجع كل شيء، وحينما تكون جاهزة تتوجه من أعماق قلبك إلى الله، يا رب أنت المسلم، أنت الحافظ، تدرس وتتوكل، تدرس طبيعة السوق وتتوكل، أي شيء تشبعه دراسة عميقة، وتتخذ قراراً وبعدها تتوكل، هكذا أفلح السلف الصالح، أما نحن لم نأخذ بالأسباب. الطرف الآخر أخذ بالأسباب واعتمد عليها وألهها، ونسي الله فوقع بالشرك ، ونحن ندعي أننا مؤمنون، لم نأخذ بها أصلاً، وتوكلنا على الله توكلاً ساذجاً أي تواكلاً فوقعنا في شرّ عملنا، ينبغي أن تأخذ بالأسباب، وكأنها كل شيء، وأن تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء. 3 ـ صلة الرحم: أحد أسباب زيادة الرزق صلة الرحم، يقول عليه الصلاة والسلام: (( مَن سَرّه أن يَبْسُط الله له في رزقه ـ من اسم الباسط ـ وأن يَنْسَأ له في أَثَره فلْيَصِلْ رحمه )) [ أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة ] الإنسان حينما يتفقد أخواته البنات، المتزوجات، يتفقد من يلوذ به، التفقد بالضبط يعني ما يلي، أن تزورهم، أن تتفقد أحوالهم المعيشية، والتربوية، والدينية، وأن تمد لهم يد العون، وأن تأخذ بيدهم إلى الله، صلة الرحم من أعظم الأعمال، وكأن هذه الصلة صلة الغني للفقير، والقوي للضعيف، والعالم للجاهل. 4 ـ الشكر: أيها الأخوة، من أسباب زيادة الرزق الشكر، قال تعالى: ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ ( سورة إبراهيم الآية: 7 ) ما دمت تشكر نعم الله، هذه النعم لن تزول، بل تزيد، أنت حينما تدخل بيتك، يا رب لك الحمد آويتني بهذا البيت، لك عمل يا رب لك الحمد أكرمتني بهذا العمل ، معك شهادة عليا يا رب لك الحمد يسرت لي هذه الدراسة، أمامك زوجة، تحبك وتحبها ملء السمح والبصر يا رب لك الحمد أكرمتني بهذه الزوجة، فأنت حينما ترى نعم الله، وتشكر الله عليها هذه النعم لن تتحول عنك، سوف تزيد، ﴿ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ وبالشكر تدوم النعم، لكن الملمح الدقيق قال تعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ ( سورة إبراهيم الآية: 34 ) يعني ممكن أن أعطيك ليرة واحدة، وأقول لك عدها، ما هذا الطلب ؟ كيف أعد ليرة واحدة ؟ معنى الآية لو أمضيت حياتك في معرفة بركات نعمة واحدة لم تستطع. بعض الكتّاب في مصر فقد بصره، يمضي الصيف في سويسرا، كان تعليقي لو كان أمضى الصيف بالصعيد في غرفة مكيفة كأنه في سويسرا، لأنه فقد البصر، نعمة البصر، ترى الجبال، ترى السهول، ترى ابنك الجميل، كل هذه النعم فقدها الإنسان ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ 5 ـ الاستغفار و التوبة: الآن الاستغفار والتوبة أحد أسباب زيادة الرزق. ﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً ﴾ ( سورة نوح ) أحد أسباب زيادة الرزق، سيد الاستغفار، وما أمرك الله أن تستغفره إلا ليغفر لك. أيها الأخوة، بيت تؤدى فيه الصلوات من أهل البيت، محل تجاري تؤدى فيه الصلوات، أي مكان تؤدى فيه الصلوات هذا مكان له رزق خاص، والدليل: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى ﴾ ( سورة طه ) قد نجد محلاً تجارياً مرزوقاً، الموظفون جميعاً يصلون، صاحب المحل يصلي، لا يوجد كلمة غلط مع من تشتري، لا يوجد نظرة غلط، هناك انضباط، محل باب رزق، إذاً مثل هذا المحل أصحابه يؤدون الصلاة شكراً لله عز وجل، وصاحب المحل يتقي الله في البيع والشراء، هذا المحل له معاملة خاصة. أعرف محلاً تجارياً، ترتكب فيه الفواحش، احترق أول مرة والثانية، هناك تفسير دقيق، حينما ترتكب الفاحشة، احترق المحل، أول مرة، وثاني مرة. 6 ـ الصدقة: أيها الأخوة، أحد أسباب زيادة الرزق الصدقة، قال تعالى: ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ( سورة البقرة ) (( أنفق بلالُ ولا تخش من ذي العرش إقلالاً )) [أخرجه الطبراني عن بلال ] (( يا ابن آدم، أنفقْ أُنفِقْ عليك )) [أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ] بالصدقة تستدر الرزق من الله عز وجل، وداوها التي كانت هي الداء، أنت في شدة بالغة، في فقر مدقع، تصدّق، أنت بالصدقة تستدر رزق الله عز وجل، ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أيها الأخوة، هذه الآية مذهلة، أي عمل صالح تجاه أي مخلوق، نملة على المغسلة أنت تريد أن تتوضأ، لو فتحت الصنبور لغرقت، أما إن انتظرتها حتى ابتعدت عن الماء، هذا عمل صالح، لا يوجد عمل صالح مهما بدا دقيقاً إلا والله عز وجل يؤجرك عليك، وعده قرضاً له ﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً ﴾ لو أطعمت هرة، لو داويت كلباً صغيراً كُسرت يده، أخذته إلى مستوصف بيطري وعالجته، لك عند الله أجر كبير، أي خدمة لأي مخلوق هو صدقة جارية لك. حتى هذه البغي التي سقت كلباً يأكل الثرى من العطش غفر الله لها. 7 ـ قراءة القرآن الكريم: الآن قراءة القرآن الكريم، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إن البيت الذي يقرأ فيه القرآن يكثر خيره، والبيت الذي لا يقرأ فيه القرآن يقل خيره )) [أخرجه البزار عن أنس بن مالك ] بيت فيه قرآن، ما فيه أفلام فيه قرآن، فيه توجيه، فيه مجلس علم صغير، فيه ذكر لله عز وجل، هذا البيت مرزوق. 8 ـ التوسعة على العيال في الإنفاق: الشيء الذي يلفت النظر أنك إذا وسعت على عيالك في الإنفاق الله عز وجل كافأك برزق وفير. (( يا ابن آدم، أنفقْ أُنفِقْ عليك )) [أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ] (( ليس منا من وسع الله عليه ثم قتر على عياله )) [ الديلمي عن عائشة ] من تمام الطاعة لله، أن الله إذا وسع عليك وسع على أهلك، لبِّ حاجتهم المشروعة طبعاً من دون إسراف، من دون تبذير، من دون خيلاء، من لهم غيرك ؟ الآخرون أنت لهم، وغيرك لهم، أما أولادك، زوجتك، أقرباؤك من لهم غيرك ؟ فإذا وسع الله عليك وسع على عيالك، والتوسعة على العيال أحد أسباب زيادة الرزق. 9 ـ النكاح: الآن الشيء العجيب أن الزواج يحتاج إلى إنفاق كبير، يحتاج إلى بيت، يحتاج إلى تأسيس البيت، شيء لا يعلمه إلا من دخل في هذا المشروع، يقول عليه الصلاة والسلام: (( ثلاثة حقّ على الله عَوْنُهم: المجاهدُ في سبيل الله، والمُكَاتِبُ الذي يريد الأداءَ، والناكحُ الذي يريد العَفَافَ )) [أخرجه الترمذي والنسائي عن أبي هريرة ] والله يوجد بالجامع الصغير مجموعة أحاديث تبدأ بكلمة حق، حق الآباء على الأبناء، حق المسلم على المسلم، حق الجار على جاره، حق الأب على ولده، حق الزوجة على زوجها، الكتاب عبارة عن سلسلة مرتبة على الأبجدية، لكن هناك حديث إذا قرأته يقشعر جلدك حق المسلم على الله، معكوسة، أن يعينه إذا طلب العفاف، يعني الله عز وجل أنشأ للشاب المسلم حقاً عليه أنه إذا أراد العفاف أن يعينه. فالنكاح أحد أسباب زيادة الرزق. 10 ـ الهجرة في سبيل الله: الآن الهجرة، إنسان مقيم ببلد غربي، دخله فلكي، مركبته، بيته، دخله، بلاد جميلة، حريات كاملة، حاجاته مؤمنة، لكن فسق وفجور لا يعلمه إلا الله، خاف على أولاده، خاف على بناته، خاف على مستقبل أولاده، فأنهى أعماله، وعاد إلى بلده، البلاد النامية فيها متاعب كثيرة، فرص العمل قليلة، بيوت غالية جداً، هناك تعقيدات بالحياة، هذا شأن الدول النامية جميعاً، فضحى بكل ميزات العالم الغربي، ووضع هذا تحت قدمه، وعاد إلى بلده صوناً لأولاده، وأسرته، ولمستقبل بناته، هذا الذي هاجر في سبيل الله حق على الله أن يغنيه، اسمعوا الآية: ﴿ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ﴾ ( سورة النساء الآية: 100 ) والله أخوة كُثر كانوا في أعلى دخل في البلاد الغربية، لكن خافوا على بناتهم وعلى أولادهم، فعادوا إلى بلدهم، عانوا من شدة في بادئ الأمر ولكن بعد ذلك فتح الله عليهم أبواب الرزق الواسعة، مكافأة لهم على خوفهم على أولادهم وعلى بناتهم ﴿ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً ﴾ من طلب العلم تكفل الله له برزقه: أيها الأخوة الكرام، مرة قرأت عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى، أن الذي دفعه إلى طلب العلم بصدق ما بعده صدق حديث قرأه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا هو الحديث: (( من طلب العلم تكفل الله له برزقه )) [الديلمى وابن عساكر عن زياد بن الحارث الصدائى] يعني لا تفهموا هذا الحديث أن شخصاً طلب العلم فوجد تحت الوسادة ليرة ذهبية كل يوم، لا، ليس هذا هو المعنى، المعنى: من طلب العلم، الله هيأ له رزقاً، وقته قليل ودخله وفير، هناك أرزاق متعبة، أحياناً عشر ساعات وصياح بالأسواق، حتى يكسب قوت يومه، و هناك أرزاق جهدها قليل، ودخلها كبير، كأن الله سبحانه وتعالى تعهد لطالب العلم أن يرزقه رزقاً ميسوراً بجهد كبير، ما دام اقتطع من وقته وقتاً لمعرفة الله، ولتعريف الناس بالله، فهذا العمل يقتضي من الله مكافأة، ييسر له رزقاً حلالاً، دخل معقول يغطي حاجاته. مرة سألت شخصاً، قلت له: كيف حالك ؟ قال لي: والله مستورة ـ أي دخله يغطي نفقاته، لكن زيادة لا يوجد ـ قلت له: معنى ذلك أصابتك دعوة رسول الله، أصابه قلق، قال لي: بماذا دعا ؟ ما فعلت شيئاً، لكن النبي قال: (( اللهم من أحبني فاجعل رزقه كفافاً )) [ورد في الأثر] كفافاً: لا تعني أنه فقير، و لا تعني أنه غني، يعني دخله يغطي نفقاته. قال ملك لوزيره: من الملك ؟ قال له: أنت، قال له: لا لست أنا، الملك رجل لا نعرفه ولا يعرفنا، له بيت يؤويه، وزوجة ترضيه، ورزق يكفيه، إنه إن عرفنا جهد في استرضائنا، وإن عرفناه جهدنا في إحراجه، الملك الذي لا يعرفنا ولا نعرفه، له بيت متواضع، له زوجة تحبه ويحبها، له دخل يغطي نفقاته. فلذلك: (( من طلب العلم تكفل الله له برزقه )) |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#204 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم اسماء الله الحسنى الدرس : ( الثامن و الثمانون بعد المائة ) الموضوع : اسم الله - الوكيل - 1 - الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الوكيل): أيها الأخوة الكرام، مع اسم جديد من أسماء الله الحسنى، والاسم اليوم "الوكيل". الآية التالية هي الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي ورد فيه اسم الوكيل مطلقاً معرفاً: أيها الأخوة، ورد هذا الاسم في قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ ( سورة آل عمران ) هذا هو الموضع الوحيد في القرآن الكريم الذي ورد فيه الاسم مطلقاً معرفاً بالألف واللام. اقتران اسم الوكيل بمعاني العلو: لكن ورد في مواضع أخرى مقروناً بمعاني العلو، والعلو كما تقدم في دروس سابقة يزيد الإطلاق كمالاً على كمال، كما ورد في قوله تعالى: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ ( سورة الأنعام ) هنا اقترن الاسم بالعلو، والعلو يزيد المطلق كمالاً. وعند البخاري من حديث ابن عباس أنه قال: (( حسبنا الله ونعم الوكيل )) قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد عليه الصلاة والسلام حين قالوا: ﴿ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ ( سورة آل عمران ) والله أيها الأخوة والناس في هذه الأيام قد جمعوا ليقفوا وقفة واحدة ضد المسلمين، وكأن حرباً عالمية ثالثة معلنة على هذا الدين. وفي سنن الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن، وحنى جبهته، وأصغى السمع متى يؤمر ؟ قال: فسمع بذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فشق عليهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قولوا: حسبنا الله ونعم الوكيل )) [ الترمذي عن أبي سعيد الخدري] بعثة النبي عليه الصلاة والسلام أحد أشراط الساعة: أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام: ((بعثت والساعة كهاتين )) [ البخاري عن سهل بن سعد] فبعثة النبي عليه الصلاة والسلام أحد أشراط الساعة، وفي الآثار النبوية أحاديث كثيرة عن أشراط الساعة، من هذه الأحاديث: (( موت كقعاص الغنم )) [ الجامع الصغير عن معاذ بسند صحيح ] (( لاَ يَدْرِى الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلاَ الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ )) [ مسلم عن أبي هريرة] ألف الناس أن يستمعوا كل يوم إلى مئات القتلى، ومئات الجرحى وكأنه خبر عادي. (( موت كقعاص الغنم )) [ الجامع الصغير عن معاذ بسند صحيح ] (( لاَ يَدْرِى الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلاَ الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ )) [ مسلم عن أبي هريرة] يوم يذوب قلب المؤمن في جوفه مما يرى، ولا يستطيع أن يغير، إن تكلم قتلوه، وإن سكت استباحوه. (( تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً حتى يأتي أخي عيسى فيملؤها قسطاً وعدلاً )) [ ابن ماجه عن عبد الله بلفظ قريب منه ] (( كيف بكم إذا لمْ تأمروا بالمعروفِ ولم تَنْهَوْا عن المنكر ؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأشدُ، كيف بكم إذا أمرتُم بالمنكر ونهيُتم عن المعروف ؟ قالوا: يا رسول الله وإنَّ ذلك لكائن ؟ قال: نعم، وأَشدُّ، كيف بكم إذا رأيتُمُ المعروفَ منكراً والمنكرَ معروفاً )) [ أخرجه زيادات رزين عن علي بن أبي طالب ] نحن في زمن تبدلت القيم، نحن في زمن طمست الفطرة. من هان أمر الله عليه هان على الله: شيء آخر: (( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم )) [أخرجه أبو داود عن ثوبان ] الآن كل حر في دولة. (( يوشكُ الأُمَمُ أنْ تَدَاعَى عليكم كما تَدَاعَى الأَكَلةُ إلى قَصْعَتِها، فقال قائل: من قِلَّة نحن يومئذ ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير )) [أخرجه أبو داود عن ثوبان ] أي مليار وخمسمئة مليون لا وزن لهم، وللطرف الآخر عليهم ألف سبيل وسبيل، ليست كلمتهم هي العليا، أمرهم ليس بيدهم. (( بل أنتم يومئذ كثير، ولكنَّكم غُثاء كَغُثَاءِ السَّيْلِ )) قش يطفو على سطح السيل، هل يؤثر باتجاهه ؟ هل يؤثر في مساره ؟. (( وليقذفنَّ في قُلُوبكم الوَهْنَ، قيل: وما الوْهنُ يا رسول الله ؟ قال: حُبُّ الدُّنيا وكراهيَةُ الموتِ )) [أخرجه أبو داود عن ثوبان ] كان الواحد بمليون، بألف، الآن الألف أو المليون بأف. مخلصُ الملخص: هان أمر الله على المسلمين فهانوا على الله. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علة خيرية هذه الأمة: أيها الأخوة، حينما قال الله عز وجل: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 110 ) هذه الخيرية لها علة: ﴿ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 110 ) لماذا أهلك الله بني إسرائيل ؟ قال: ﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ ﴾ ( سورة المائدة الآية: 79 ) علة الخيرية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا لم نأمر بالمعروف ولم ننهَ عن المنكر فقدنا علة الخيرية، إذاً نحن الآن أمة كأية أمة خلقها الله. ﴿ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً ﴾ ( سورة الكهف ) هذه الحقائق مؤلمة، لكنها ضرورية، لأن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح. الوكيل في اللغة: 1 ـ الوكيل هو القيم و المشرف: "الوكيل" في اللغة: هو القيم، المشرف، الكفيل، الذي تكفل بأرزاق العباد ، حقيقة الوكيل أنه يستقل بأمر الموكل إليه، وكيل كامل. الآن هناك وكالة عامة، يمكن للوكيل العلم أن يطلق الزوجة، وكالة عامة، توكل بالأمر أي ضمن القيام به، وكلت أمري إلى فلان ألجأته إليه، واعتمدت فيه عليه، وكّل فلان فلاناً أي استكفاه أمره، إما ثقة بكفايته، أو عجزاً عن القيام بأمر نفسه، وكيلك في كذا أي سلمته الأمر، وتركته له، وفوضته إليه، واكتفيت به، فالتوكل قد يأتي بمعنى تولي الإشراف على الشيء ومراقبته، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من توكل لي ما بين لحييه وما بين رجليه توكلت له بالجنة )) [ أخرجه الحاكم عن سهل بن سعد ] حديث دقيق يدل على أن معظم معاصي الناس من كلامهم. (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً )) [ الترمذي عن أبي هريرة] و: (( من توكل لي ما بين رجليه ـ شهوة الجنس ـ وما بين لحييه ـ فكيه ـ توكلت له بالجنة )) [ البخاري عن سهل بن سعد الساعدي] من ضبط شهوته و لسانه توكل الله له بالجنة: من ضبط شهوته: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ ﴾ ( سورة المؤمنون ) لكن لا يوجد في الإسلام حرمان: ﴿ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾ ( سورة المؤمنون ) إذاً: من ضبط شهوته ومن ضبط لسانه، توكل الله له بالجنة. الإمام الغزالي عدّد أكثر من عشرين أو ثلاثين معصية يقوم بها اللسان، غيبة، نميمة، بهتان، إفك، سخرية، فمعاصي اللسان لا تعد ولا تحصى. (( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه )) [أخرجه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ] مرة ثانية: (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً )) [ الترمذي عن أبي هريرة] 2 ـ الاعتماد على الغير و الركون إليه: التوكل يأتي أيضاً بمعنى الاعتماد على الغير، والركون إليه، كما في قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ ( سورة الطلاق الآية: 3 ) من توكل على الله فهو أقوى الأقوياء: لكن أيها الأخوة، لا بدّ من التنويه إلى أن التوكل محله القلب، أما الأعضاء ينبغي أن تسعى. (( إِن الله يَلُومُ على العَجْز )) [ أخرجه أبو داود عن عوف بن مالك ] بعض المسلمين انتهينا، ما بيدنا شيء، الله يتوكل بهم، هذا اليأس ، والسوداوية، والانسحاب من المجتمع، والتشاؤم ليس من صفات المؤمن، الكرة في ملعبنا. ﴿ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 19 ) والله عز وجل بيده كل شيء. ﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾ ( سورة هود الآية: 123 ) لذلك: ﴿ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ﴾ أنت إذا توكلت على الله أنت أقوى الأقوياء، إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ القصص في القرآن الكريم شواهد مذهلة على عظمة الخالق سبحانه: هناك شواهد مذهلة في القرآن الكريم، مثلاً: إنسان فجأة وجد نفسه في بطن حوت، الأمل صفر، الحوت وجبته المعتدلة بين الوجبتين أربعة طن، معناها لقمة واحدة، في ظلمة بطن الحوت، وفي ظلمة الليل، وفي ظلمة البحر. ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ ﴾ فالله عز وجل قلب القصة إلى قانون: ﴿ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة الأنبياء ) في أي زمان، في أي مكان، في أي ظرف، طاغية كبير " فرعون "، قوي جداً، معه أسلحة فتاكة، حاقد، متغطرس، وراء شرذمة قليلة على رأسهم سيدنا موسى، هو خلفهم، والبحر أمامهم، هل هناك أمل ؟ الأمل صفر. ﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾ ( سورة الشعراء ) أخواننا الكرام، اليأس يعني كفر بالله. ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة آل عمران ) لكن بشرط ألا يهون أمر الله علينا، من هان أمر الله عليه هان على الله. 3 ـ الكفيل: أيها الأخوة، ربما تفسر كلمة "الوكيل" بالكفيل، هذا معنى إضافي، لكن "الوكيل" أعم من الكفيل، فكل وكيل كفيل، لكن ما كل كفيل بوكيل. و قد ورد عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( لو أنكم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً )) [ الترمذي عن عمر بن الخطاب]\ التوكل الحقيقي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيءثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء التوكل الحقيقي صدقوا أيها الأخوة أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، أنت مسافر سفراً طويلاً بمركبتك، ما هو التوكل ؟ أن تراجع هذه المركبة جزءاً جزءاً، المحرك، الزيت، المكابح، أن تراجع كل شيء، وأن تكون جاهزة في أعلى جاهزية، وبعد ذلك من أعماق أعماق قلبك: يا رب أنت المسلم، وأنت الحافظ، أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذه بطولة، من السهل أن تأخذ بالأسباب وتعتمد عليها وتنسى الله، أو أن تؤله الأسباب كما يفعل الغرب، ومن السهل أيضاً ألا تأخذ بها، تواكل، يا رب لا يوجد غيرك. المسلمون الآن لضعف فهمهم العميق لحقيقة الدين ينتظرون معجزة من الله تقضي على أعدائهم، أعداؤهم يزدادون قوة، هذه سذاجة، أفق ضيق، الله قال: ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 60 ) بعد أن تعد لهم ما تستطيع قل: يا رب أنت الناصر، أنت الموفق، أنت الحافظ، أنت المؤيد، ينبغي أن تأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم تتوكل على الله وكأنها ليست بشيء، هذا درس يحتاجه المسلمون. سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام كان من الممكن كما نقله الله نقلة إعجازية من مكة إلى بيت المقدس على البراق، أن ينتقل إلى المدينة، لكن أعطانا درساً لا ينسى، هيأ من يأتيه بالأخبار، هيأ من يمحو الآثار، هيأ من يأتيه بالزاد، مشى مساحلاً، قبع في غار ثور أياماً ثلاثة، هيأ راحلة، هيأ خبيراً، غلب عليه الخبرة لا الولاء، كان الخبير مشركاً، أخذ بالأسباب كلية، فلما وصلوا إليه توكل على الله، قال: (( يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما )) [أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ] هذا درس لنا جميعاً. تاجر تعمل دراسة صحيحة ميدانية، مستوى البضاعة ، أسعارها، المنافسون، بعد أن تجري دراسة تامة، وعقدت صفقة، يا رب أنت الجبار، أنت الجبار بعد الدراسة المستفيضة. طالب، يدرس ليلاً نهاراً، أنت الموفق يا رب، يجب أن تأخذ بالأسباب، لأن الفرق بيننا وبين أعدائنا أنهم يأخذون بالأسباب. 4 ـ الوكيل من توكل بالعالمين خلقاً و تدبيراً و هداية و تقديراً: أيها الأخوة، الآن إذا قلنا الله هو "الوكيل"، أي هو الذي توكل بالعالمين خلقاً ، وتدبيراً، وهداية، وتقديراً، هو المتوكل بخلقه إيجاداً وإمداداً ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ من كانت علاقته مع الله كان من أسعد الناس: أخواننا الكرام، الله عز وجل : ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾ ( سورة هود ) ﴿ وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾ ( سورة الزخرف الآية: 84 ) ﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾ ( سورة الكهف ) هذه المعاني مسعدة، علاقتنا مع جهة واحدة. (( من جعل الهموم هماً واحداً هم المعاد كفاه الله سائر همومه )) [ ابن عساكر عن ابن مسعود ] اعمل لوجه واحد يكفك الهموم كلها، والله أيها الأخوة مشاعر الموحد مشاعر رائعة، علاقته مع جهة واحدة، هذه الجهة تعلم ما يعمل. حدثني أخ كان بالحج أنه عمل هدياً وأخذ إيصالاً، قال لي: أنا أول مرة الإيصال أتلفه لأن هذا لله عز وجل، الله يعلم هو لا يريد إيصالاً. علاقتك مع الله لا تحتاج إلى بيان، ولا تحتاج إلى قسم، الله يعلم، حتى إن بعضهم قال: الحمد لله على وجود الله، الله موجود، ويعلم. إذاً: ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ الله عز وجل ألزم ذاته العلية أن يهدي الناس إلى الصراط المستقيم: قال تعالى: ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ ( سورة الزمر ) وقال هود عليه السلام متحدياً: افعلوا ما شئتم. ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ( سورة هود ) عندما تأتي على مع لفظ الجلالة تأتي بمعنى الإلزام الذاتي، أي الله عز وجل ألزم ذاته العلية بأن يكون مع خلقه مستقيماً، ﴿ إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ الله سبحانه وتعالى وكيل المؤمنين لأنهم اعتقدوا في حوله وقوته: "الوكيل" الكفيل بأرزاق العباد ومصالحهم، وهو سبحانه وتعالى وكيل المؤمنين. ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ ( سورة الحج الآية: 38 ) أحياناً الإنسان يوكل محامياً، كلما كان المحامي أكثر خبرة، أو أقرب صلة مع القضاة، أو أكثر هيمنة في قصر العدل، يرتاح الموكل، يقول لك: المحامي فلان، الراحة تأتي من قوة المحامي، فإذا كان خالق السماوات والأرض وكيلاً لك ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾ إذاً: هو سبحانه وتعالى وكيل المؤمنين لأنهم اعتقدوا في حوله وقوته، تقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، أي لا حول عن معصية الله إلا بالله، ولا قوة على طاعته إلا به. توكل المؤمنين على الله: المؤمنون لماذا توكلوا عليه ؟ لأنهم خرجوا من حولهم وقوتهم، وآمنوا بكمال قدرته، وأيقنوا أنه لا حول ولا قوة إلا بالله، فركنوا إليه في جميع أمورهم، فالله عز وجل إذا تولاك من يستطيع في الأرض أن ينال منك ؟ إذا كان الله معك فمن عليك ؟. وجعلوا اعتمادهم عليه في سائر حياتهم، وفوضوا إليه الأمر قبل سعيهم ، واستعانوا به حال كسبهم، وحمدوه بالشكر بعد توفيقهم، وبالرضا بالمقسوم بعد ابتلائهم، قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ ( سورة الأنفال ) عليك ألا تتوكل توكلاً ساذجاً، هناك توكل ساذج، هناك توكل اسمه تواكل، هناك توكل الكسالى، وهناك توكل الجهلاء، أنا أرفض هذا التوكل، سيدنا عمر سأل جماعة من الناس قال لهم: من أنتم ؟ قال: نحن المتوكلون، قال لهم: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض ثم توكل على الله ﴿ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ وقال الله عز وجل في وصف المؤمنين: ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ من استقام على أمر الله استطاع التوكل عليه: والله أيها الأخوة، أنا أشعر أحياناً أن هذا الاسم، أو هذا التوكل الذي ينبغي أن يكون للمؤمنين ضعيف جداً، دائماً خائف من الآخر، خائف من قوي. تصور ابناً صغيراً، أو ابناً غير صغير التحق بقطعة عسكرية، من والده ؟ قائد الجيش، جاء عريف هدده فبكى، هذا أبوه أقوى من أكبر رتبة بالجيش، فعندما يبكي طفل أو شاب خوفاً من شخص هدده، ووالده بيده كل شيء يكون من أحمق الناس. ﴿ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴾ الله عز وجل خاطب النبي الكريم فقال: ﴿ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً ﴾ ( سورة الأحزاب ) ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً ﴾ ( سورة المزمل ) لكن لا بدّ من التنويه، الإنسان إذا كان يعصي الله فمعصيته حجاب بينه وبين الله، العاصي يخجل أن يتوكل على الله، المتوكل هو المستقيم، أنت حينما تستقيم على أمر لله تستطيع أن تتوكل على الله. أحد العلماء ـ ابن القيم رحمه الله تعالى ـ يقول: توكيل العبد لربه يكون بتفويض نفسه إليه، وعزلها عن التصرف إلا بإذنه، يتولى الشؤون عن أهله، وهذا هو عزل النفس عن الربوبية وقيامها بالعبودية. من توكل على الله شعر بالأمن و الراحة و الطمأنينة: أيها الأخوة، ذاق طعم التوكل من توكل على الله، يصبح عنده أمن، عنده راحة، عنده شعور أن الله لن يتخلى عنه، نحن نفتقد لحياة نفسية عالية، الإنسان قد يكون قوياً وغنياً لكن عنده خوف وقلق مستمر، أما إذا كنت مع الله كان الله معك، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾ ( سورة التوبة الآية: 51 ) والله عز وجل قال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ ﴾ ( سورة فصلت ) عدم استواء المحسن مع المسيء لأن هذا يتناقض مع عدل الله ووجوده: ﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾ ( سورة الجاثية الآية: 21 ) فهل من المعقول أن يستوي عند الله المستقيم والمنحرف ؟ الصادق والكاذب ؟ المخلص والخائن ؟ المحسن والمسيء ؟ مستحيل ! أنا أقول كلمة: إذا استوى المحسن والمسيء هذا الاستواء لا يتناقض مع عدل الله فحسب بل يتناقض مع وجوده، اطمئن أية جهة قوية أرادت أن تبني مجدها على أنقاض الشعوب، أن تبني حريتها على ضغط الشعوب، أن تبني عزها على إذلال الشعوب، والله الذي لا إله إلا هو أن تنجح خططها على المدى البعيد هذا يتناقض مع وجود الله. ﴿ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#205 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم اسماء الله الحسنى الدرس : ( التاسع و الثمانون بعد المائة ) الموضوع : اسم الله - الوكيل - 2 - لحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من أسماء الله الحسنى: ( الوكيل): أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في اسم "الوكيل". التوكيل يحتاج إلى علم وحكمة: قالوا: من توكل عليه تولاه وكفاه، ومن استغنى به أغناه وأرضاه، وإذا تولى الله عبده بجميل العناية كفاه، كفاه عن كل شغل، وأغناه عن كل غير. و التوكل يحتاج إلى معرفة، لن تتوكل عليه إلا إذا عرفته، أنت في حياتك الدنيا إذا سافرت تسلم محلك التجاري لإنسان تثق به، تثق بعلمه، بكفاءته، بحكمته، بأمانته، لن تضع إنساناً مكانك في عمل له شأن كبير إلا إذا وثقت بصفات كثيرة، فالتوكل ليس كلمة تقولها، وليس وهماً تتوهمه، التوكل حقيقة أنت لن تتوكل إلا على القوي، العليم، الحكيم الذي يحبك، الذي لا يخونك، المخلص لك، فأنت في حياتك الدنيا لن تسلم عملك، شأنك ، بيتك أحياناً، لإنسان لا تثق به، بل توكل شقيق زوجتك الذي يحبك، وحريص على سمعتك، وحريص على مالك في غيابك. إذاً التوكيل يحتاج إلى علم. الضعف في أصل خلق الإنسان لحكمة من الله تعالى: لكن هناك نقطة دقيقة: لو أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان قوياً، إن خلقه قوياً لن يتوكل عليه، إن خلقه قوياً لن يلجأ إليه، إن خلقه قوياً لن يتوب إليه، إن خلقه قوياً لن يطيع أمره، لكن لحكمة بالغةٍ بالغة خلقه ضعيفاً، خلقه ضعيفاً ليفتقر في ضعفه، فإذا افتقر في ضعفه سعد في الدنيا والآخرة، لم يخلقه قوياً لأنه لو خلقه قوياً لاستغنى بقوته فشقي باستغنائه، السعادة أن تكون معه، السلامة أن تكون معه، فالضعف في أصل خلقك في صالحه، عنده السعادة، عنده الأمن، عنده الرضا، عنده التفوق، خلقك ضعيفاً كي تلجأ إليه. بعض العارفين قال: إذا كنت في كل حـال معي فعن حمل زادي أنا في غنى فأنتم والــحق لا غيركم فيــا ليت شعري أنا من أنا * * * وقالوا: وإذا العناية لاحظتك جفونها نم فالمخاوف كلهن أمان * * * قرأت قصة عن طائرة تحطمت فوق جبال الألب، مكان انشقاق جسم الطائرة هناك راكب وقع فنزل بعد ثلاثة و أربعين ألف قدم على غابة في جبال الألب، الثلج فوق الأشجار خمسة أمتار، هذا الثلج والأغصان المرنة امتصت هذه الصدمة فنزل واقفاً، من أندر الحوادث في التاريخ أن إنساناً يقع من طائرة على ارتفاع ثلاثة و أربعين ألف قدم ينزل واقفاً ؟. وإذا العناية لاحظتك جفونه ا نم فالمخاوف كلهن أمان * * * إذا توكلت على الله خدمك أعداؤك، وإذا اعتددت بنفسك قد يتطاول عليك أبناؤك. آخر رحلة للكونكورد من باريس إلى واشنطن، في المطار حديدة صغيرة، هذه الحديدة الصغيرة سببت احتراق الطائرة بأكملها، مع أربعمئة و خمسين راكباً. أحياناً الله عز وجل يهلك على أتفه سبب، وأحياناً يحفظ لأتفه سبب، الأخطار قائمة إذا كنت معه نجاك من هذه الأخطار. بطولة الإنسان أن يأتي ربه طائعاً و بمبادرة منه : أخواننا الكرام مرة ثانية: نحن نعاني من متاعب، طبيعة الحياة الدنيا متعبة، هناك قلق على الصحة، هناك أمراض لا تعد ولا تحصى، وبعض هذه الأمراض يحيل حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، هناك أمراض وبيلة، هناك نقص مياه، و غلاء أسعار، و عدو متسلط أحياناً، هناك شبه مصيبة، شبح حصار، شبح حرب أهلية، فرص عمل قليلة جداً، طرق مسدودة، لو أن أحدنا سأل هذا السؤال: يا رب لماذا هذه المتاعب ؟ لأنك في دار العمل، فإذا قصرت بالعمل ابتلاك الله بالهم، الله عز وجل يسوقنا إلى بابه. (( عجب ربنا من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل )) [رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن أبي هريرة] هو البطولة أن تأتيه طائعاً، أن تأتيه بمبادرة منك. مرة إنسان أراد أن يسألني سؤالاً، أنه أنت تدعو إلى الله من خمس و ثلاثين سنة، قلت: نعم، قال: ما ملخص هذه الدعوة ؟ قلت له: بالتعبير الدارج إما أن تأتيه ركضاً، أو أن يأتي بك ركضاً، اختر إحدى الحالتين، لأنه يحبنا، لأنه خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليسعدنا، خلقنا لجنة عرضها السماوات والأرض، إذا غفلنا عنه، وانشغلنا بالدنيا، ولم نطعه، وأقمنا حجاباً بيننا وبينه هو رب، يسوقنا إلى بابه، أنا أقول دائماً: لو دخلت إلى مسجد، رأيت فيه عشرة آلاف مثلاً، اعتقد يقيناً أن تسعة آلاف من هؤلاء جاؤوا إلى الله عقب تدبير حكيم، هذا بمشكلة، هذا بمصيبة، هذا بمرض، الله عز وجل رب العالمين، يعالجنا في الدنيا، يسوق لنا بعض الشدائد، والله الذي لا إله إلا هو وهذا إيماني يوم القيامة إذا كشف الله لك عن حكمة الشدائد التي ساقها إليك يوم القيامة، إن لم تذب كالشمعة محبة له فهذا الدين باطل، هذا إيماني، والدليل: ﴿ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ ( سورة يونس ) تعلق إرادة الله عز وجل بالحكمة المطلقة: أيها الأخوة، دققوا في هذه الآية: ﴿ وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ ( سورة القصص ) هذه الشدائد لو لم تكن لكان الله ملوماً يوم القيامة، هذه الشدائد لو لم تكن لكان نقصاً في حكمة الله عز وجل، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق. إذاً: سعادتك بالإقبال عليه، أمنك بالاتصال به، راحتك بمعرفته، فإذا قصرت بمعرفته ساق لك من الشدائد ما يدعوك إليه. والله إنسان أصابته أزمة قلبية، وكان مفرطاً في المعاصي، لما شعر ببلوغ أجله وهو في العناية المشددة، قال لي: ناجيت ربي، قال له: يا رب أتحب أن آتيك عارياً ؟ ولا عمل صالح لي ؟ أمهلني أي أعطيني فرصة، أعطاه فرصة، بعد أيام تحسن وضعه وخرج، فبدأ يحضر دروس علم، قال لي: في إحدى ساعات النشوة مع الله، قلت له: يا رب كل هذه السعادة بالإقبال عليك، لمَ لم تأت هذه الأزمة من عشر سنوات ؟ لا أحد يعرف ما عند الله من سعادة لو اصطلح معه وأقبل عليه. فأحياناً يسوق لك الشدائد من أجل أن تقبل عليه، من أجل أن تصل إليه، من أجل أن تتوكل عليه، التوكل على الله شيء مسعد، لكن قلّما يفعله الناس، التوكل يحتاج إلى استقامة، والتوكل يحتاج إلى معرفة، تعرفه وتستقيم على أمره الآن: وإذا العناية لاحظتك جفونه ا نم فالمخاوف كلهن أمان * * * لكن إنسان معرفته بالله ضعيفة جداً كيف يتوكل عليه ؟ الآن الناس يحتاجون إلى سند أرضي، يريد ماله يهبه الأمن، يريد إنساناً قوياً يعتمد عليه يقيم علاقة مودة بينه، يريد راحته بأسباب أرضية، قلّما تجد إنساناً مؤمناً ثقته بالله وحده، ليس له سند أرضي إلا أن الله عز وجل يطمئنه. من أحبه الله ألقى هيبته في قلوب الناس: أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إن قُلُوبَ بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يُصَرِّفُه حيث شاء )) [أخرجه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص] هل تعلم أن هذا الحديث وحده يهبك الأمن، هؤلاء الأقوياء الذين حولك، الأقوياء الذين لا تستطيع أن تواجههم، قلوبهم بيد الله، فإذا أحبك الله ألقى هيبتك في قلوبهم، وإذا لم يحبك الله ألقى القسوة في قلوبهم عليك، أي إنسان يعاملك معاملة اعلم علم اليقين أن قلبه بيد الله، فإما أن يقسو هذا القلب، أو أن يرق، إما أن يمتلئ قلب عدوك هيبة منك، أو قسوة عليك، قال عليه الصلاة والسلام: (( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ )) [ البخاري ومسلم عن أبي هريرة ] وحينما تركت أمته منهجه هزمت بالرعب مسيرة عام، هذا الذي تخافه قلبه بيد الله. (( إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يُصَرِّفُه حيث يشاء )) [ رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص] في بعض الآثار: (( أن عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ـ بالآخرة لا يوجد كذب ـ يقول: يا رب لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، الله عز وجل يقول له: إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، ويقول لعبد آخر: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول: يا رب أنفقته على كل محتاج ومسكين لثقتي أنك خير حافظاً، وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله له: أنا الحافظ لأولادك من بعدك )) من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله: أناس كثيرون ما تركوا لأولادهم شيئاً، لكن تركوا لهم سمعة طيبة، يقول أحد الآباء وقد عاتبه امرأته ما ترك لأولاده شيئاً، يقول لها: أنا ما أكلت مالاً حراماً، فاطمئني الله عز وجل سوف يرزقهم. قالوا: إذا أرادت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وإذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله، أوثق منك بما في يديك، وإذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتقِ الله، دقق في هذه الآية: ﴿ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً ﴾ ( سورة المزمل ) والله إنسان يوكل محامياً لامعاً جداً له هيبة بقصر العدل، ينام مرتاحاً، وكلت فلاناً، فإذا وكلت الواحد الديان، فإذا وكلت قيوم السماوات والأرض كيف تكون راحتك ؟. مشاعر المتوكل على الله مسعدة لأن علاقته مع الله فقط : أخواننا الكرام، مشاعر المتوكل على الله مسعدة، أي علاقته مع جهة واحدة يرضيها، ويتقي أن يسخطها، وعلى الله الباقي، أنا لا أرى آية أشعر أنها حاسمة كهذه الآية: ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ ﴾ ( سورة الزمر الآية: 66 ) مهمتك فقط أن تعبده: ﴿ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ ( سورة الزمر ) ﴿ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ عليك أن تعبده، وعلى الله الباقي، يتولاك ، يدافع عنك، ينصرك، يقربك، يلقي محبتك في قلوب الخلق، ويلقي هيبتك في قلوب الأعداء، ألا تكفينا هذه الآية ؟ ﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ ( سورة البقرة ) من خرج في سبيل الله توكل الله بأن يدخله الجنة أو يرجعه إلى بيته: أيها الأخوة، دققوا في هذا الحديث الصحيح: (( توكل الله بحفظ امرئ، خرج في سبيل الله، لا يخرجه إلا الجهاد في سبيل الله، وتصديق بكلمات الله حتى يوجب له الجنة، أو يرجعه إلى بيته، أو من حيث خرج )) [ أحمد عن أبي هريرة ] إنسان خرج في سبيل الله، لا يخرجه إلا الجهاد في سبيل الله، توكل الله بأن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى بيته، أو من حيث خرج ﴿ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ﴾ إما أن نستشهد، أو أن ننتصر، أبداً، و الأحاديث التي وردت عن الشام بعضها فيه كلمة رائعة: (( فإن الله توكل لي بالشام وأهله )) [أخرجه أبو داود عن عبد الله بن حوالة ] وهناك حديث آخر رواه أبو داود: (( عليك بالشام، فإنها خِيَرةُ الله في أرضه، يَجتبِي إليها خيرتَه من عباده )) [أخرجه أبو داود عن عبد الله بن حوالة ] (( فإن الله توكل لي بالشام وأهله )) بلاد الشام هي البلاد التي حول بيت المقدس. ﴿ الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 1 ) أحياناً تشعر أنه يوجد حفظ إلهي، يوجد رحمة، و عناية، أنا لا أقول بهذا المعنى لا يوجد عندنا مشكلة، لكن يبدو أن هذه البلاد، الإقبال على الدين فيها متميز. قوة المؤمن تأتي من توكله على رب العرش العظيم: الدعاء القرآني: ﴿ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ ﴾ ( سورة التوبة الآية: 129 ) هذا التوكل. ﴿ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ ( سورة التوبة ) آية ثانية: ﴿ عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ﴾ ( سورة الأعراف ) كلمة توكل كلمة كبيرة جداً. أحياناً طفل لا تستطيع أن تكلمه كلمة، هو لا يخيفك، هو طفل صغير، تخاف من أبيه، يكون أبوه إنساناً قوياً، المؤمن كذلك، الله عز وجل معه: ﴿ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ ﴾ ( سورة التحريم ) هذه الآية دقيقة، إذا أردت أن تنال من مؤمن هل تعلم من وراءه ؟ أحياناً إنسان يتقي أن يؤذي موظفاً، يقول لك: الدولة كلها وراءه، قد يكون ضعيفاً لكن قوته بقوة من ينتمي إليه، كذلك المؤمن مع الفارق طبعاً. (( مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ )) [ البخاري عن أبي هريرة] فالمؤمن تأتي قوته من الذي توكل أمره، إنه الله. من آمن بالله و توكل عليه حفظه الله من كل مكروه : الآية الثالثة: ﴿ قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا ﴾ ( سورة الملك الآية: 29 ) تعتقد الذي يعيش الظروف الصعبة يعرف معنى هذه الآية ؟ فرعون، فرعون قتل الإنسان أهون عليه من قتل ذبابة، كيف يقول له السحرة ؟ ﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ ( سورة طه ) الآن بالقصة القضية سهلة ، أما أنت عش الظرف، هم أمام فرعون، قالوا: ﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ ( سورة طه ) ما هذه القوة ؟ من يستطيع أن يواجه أقل موظف في فرع قوي ؟ أقل موظف ﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾ ﴿ إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾ ( سورة طه ) التولي و التخلي: أيها الأخوة، لذلك دعوات المكروب: (( اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ )) [ أبو داود عن أبي بكرة] بالمناسبة أيها الأخوة، هذا قانون، تقول: أنا، يتخلى عنك، يكلك إلى نفسك، تقول: الله، يتولاك، أنت في كل دقيقة بين التولي والتخلي، تقول: أنا قوي، خبراتي متراكمة، اختصاصي نادر، أنا أعرف كيف أتصرف، يكلك إلى نفسك، تقول: الله عز وجل يحفظني، نحن مفتقرون إليه، يتولاك، من أنت ؟ الصحابة قمم البشر، وفيهم سيد البشر لما اعتمدوا على كثرتهم في حنين تخلى الله عنهم، قال: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾ ( سورة التوبة الآية: 25 ) هم، هم، لما افتقروا إلى الله في بدر تولاهم الله، فأنت بين التولي والتخلي تحتاج لهذا الدرس كل يوم وكل دقيقة، تقول: أنا لي حجم مالي كبير، لي سمعة طيبة، أنا أستطيع أن أقنع فلاناً بأن ينتقم من عدوي، عندما تعزو الأمر إلى فلان يتخلى الله عنك، فإذا عزوته إلى الله موحداً يتولاك، فأنت بين التولي والتخلي، دعوات المكروب: (( اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ )) [ أبو داود عن أبي بكرة] والنبي عليه الصلاة والسلام يخاطب فاطمة يقول: (( يا فاطمة ما يمنعك أن تسمعي ما أوصيك به ؟ أن تقولي إذا أصبحت وإذا أمسيت يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث، أصلح لي شأني كله، ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين )) [ أخرجه الحاكم عن أنس بن مالك ] أركان التوكل: 1 ـ أن توقن بعلم الله وبقدرته وبرحمته وبمحبته: بقي فكرة دقيقة جداً، المتوكل، ما أركان التوكل ؟ أو ما مراحل التوكل ؟ أو ما خصائص التوكل ؟ ثلاثة أركان، ثلاث مراحل، ثلاث خصائص، أول شيء أن توقن بعلمه، وبقدرته، وبرحمته، وبمحبته، هذا التوكل، واثق أن الله بيده كل شيء ، وأن الله قادر على كل شيء، وأن الله يحب أن يرحمك، وأن الله يحبك، عليم، قدير، حكيم، رحيم، محب، شرط التوكل أن تعرفه، فاجتهد أن تعرفه من أجل أن تتوكل عليه، هذه مرحلة إيمانية، آمنت به الإيمان الذي يحملك على التوكل عليه. 2 ـ أن تأخذ بالأسباب: اثنان: أن تأخذ بالأسباب، هنا المشكلة الكبرى في العالم الإسلامي، توكل بلا أخذ بالأسباب، الجماعة في غاية الراحة، توكلنا على الله، المسلمون ينتظرون معجزة يقضي الله بها على عدوهم، هذا مستحيل، لا بد من أن تعد للأعداء عدتهم. ﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 60 ) فالتوكل إيمان بالله، إيمان بقدرته، إيمان برحمته، بعلمه، بحكمته، بمحبته، ثم أخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، هذا الأخذ بالأسباب برع به الغربيون، واعتمدوا على الأسباب وألهوها، وقعوا في الشرك، وتركه المسلمون، تركوا الأخذ بالأسباب، وقعوا في المعصية، يجب أن تتوكل عليه بعد أن تعرفه وأن تأخذ بالأسباب. 3 ـ أن تستسلم للنهاية: المرحلة الثالثة: وأن تستسلم للنهاية، أنت توكلت عليه ثقة وعلماً، وأخذت بالأسباب، الآن الله عز وجل ييسر أو لا ييسر، يسمح أو لا يسمح، يجيب أو لا يجيب، أنت راض عن الله عز وجل، العلم أولاً والأخذ بالأسباب ثانياً، والرضا بقضاء الله وقدره ثالثاً. على الإنسان ألا يقول حسبي الله ونعم الوكيل إلا بعد أن يأخذ بالأسباب: الحقيقة هناك نقطة دقيقة جداً: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بين رجلين: (( فقال المقضيُّ عليه لَمَّا أدبر: حَسْبيَ الله ونعم الوكيل )) [رواه أبو داود والنسائي عن عوف بن مالك ] هذا كذب ودجل، هذه الكلمة فيها سوء أدب، إنسان ما درس أبداً، فلم ينجح، قال: حسبي الله ونعم الوكيل، لم تنجح جزاء تقصيرك، فالنبي مشرع، فلما قال هذا الرجل الذي حكم عليه حينما أدبر: حسبي الله ونعم الوكيل، قال النبي الكريم له: (( فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ردوا عليّ الرجل، فردوه عليه فقال: ما قلت ؟ قال: قلت: حسبي الله ونعم الوكيل، فقال عليه الصلاة والسلام: إِن الله يَلُومُ على العَجْز، ولكن عليكَ بالكَيْس، فإِذا غَلَبَك أَمر، فقل حَسبيَ الله ونعم الوكيل )) [رواه أبو داود والنسائي عن عوف بن مالك ] أي طالب ما درس أبداً فإذا رسب ينبغي ألا يقول حسبي الله ونعم الوكيل، ينبغي أن يرى عدم النجاح جزاء طبيعي لعدم الدراسة، أما حينما يدرس دراسة متقنة، ويأتيه مرض لا سمح الله، يحول بينه وبين الامتحان، الآن يقول: حسبي الله ونعم الوكيل، لا تقل حسبي الله ونعم الوكيل إلا بعد أن تأخذ بالأسباب. ولحكمة بالغةٍ بالغة الله عز وجل يقرر ألا يستجاب دعاؤك، هذا موضوع ثان فهذه الكلمة إما أن تقال بأدب جم، وبحكمة بالغة، وإما أن تقال بسوء أدب مع الله. مثلاً طالب ما درس إطلاقاً فلم ينجح، كلما سألوه، يقول: الله هكذا كاتب لي، أنا توكلت عليه، هذا دجل، أنت ما درست وما نجحت، بحسب قوانين ربنا ينبغي ألا تنجح، أما درست وأصبت بمرض منعني من أداء الامتحان، تقول: حسبي الله ونعم الوكيل. تاجر ما درس الصفقة اشتراها ببساطة، ما ربحت، خسرت، الله هكذا كاتب لي، لا، أنت مقصر. وهكذا نرى أن كل أخطائنا نردها للقضاء والقدر، هذا كذب ودجل، و لكن إذا أخذت بالأسباب، عندئذٍ تقول: حسبي الله ونعم الوكيل، لا تقال هذه الكلمة حينما لا تأخذ بالأسباب، إن لم تأخذ بالأسباب هناك نظام عند الله عز وجل، في أسباب المسببات، ذي القرنين: ﴿ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً * فَأَتْبَعَ سَبَباً ﴾ الختام |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| الله, الحسنى, اسماء |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 ) | |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| متجدد ..أسماء الله الحسنى ومعانيها..~ | منال نور الهدى | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 45 | 06-29-2022 09:36 AM |
| أسماء الله الحسنى | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 105 | 02-25-2018 02:13 PM |
| معرض أسماء الله الحسنى | منال نور الهدى | رِيَاضُ الصُوَر المَنْقُولَة | 3 | 11-05-2014 11:25 PM |
| أسماء الله الحسنى: "الجبار" | منال نور الهدى | رياض الصوتيات والمرئيات الإسلامية | 3 | 02-27-2013 03:13 AM |
| من أسماء الله الحسنى :"المبين .".الشيخ محمد راتب النابلسي | منال نور الهدى | رياض الصوتيات والمرئيات الإسلامية | 5 | 02-27-2013 03:03 AM |