التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام - الصفحة 2 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   مشاركات اليوم   البحث

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 07-07-2018, 06:21 PM   #11



منال نور الهدى غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1
 تاريخ التسجيل :  Sep 2012
 أخر زيارة : 05-01-2026 (08:33 PM)
 المشاركات : 23,486 [ + ]
 التقييم :  6763
 الدولهـ
algeria
 الجنس ~
Female
لوني المفضل : Darkgreen


افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام



موضوع قيم وهادف للأسرة المسلمة
بارك الله بك وجزاك ألف خير أخي السعيد
في أمان الله وحفظه


 
 توقيع : منال نور الهدى

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 08:20 AM   #12


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام



تسلمين اختى منال على تشريفك الكريم للموضوع


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 08:24 AM   #13


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الحادى عشر )

الموضوع :التربية النفسية ( 2 ) عقدة الشعور بالنقص -1








الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا أتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام: مع الدرس الحادي عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام.
الشعور بالنقص مرض أساسه توبيخ الأهل الطفل أمام الناس:
بدأنا في الدرس الماضي موضوع التربية النفسيّة، وذكرت وقتها أنّه قد ورد في الأثر: أنّ الإنسان بنيان الله، وملعونٌ من هدم بنيان الله.
فالأب حينما يتّهم ابنه بأنّه سارق، أو بأنّه كاذب، أو بأنّه شيطان، أو بأنّه محتال، أو بأنّه كسول، هذه الكلمات الكبيرة إذا ألقاها الأب على مسمع ابنه ولاسيّما أمام إخوته، ولاسيّما أمام أصدقائه، أو أمام أقربائه، هذه الكلمات القاسية، هذه التهم الكبيرة، هذا القذع في القول، هذا يسبب مرضاً عند الصغار اسمه الشعور بالنقص، وقد تستمرُّ هذه العقدة، عقدة الشعور بالنقص إلى آخر عمر هذا الإنسان.
أي أنّ أخطر شيء يصيب الإنسان هي الفترة التي يكون فيها صغيراً، فالتحقير والتوبيخ والسباب والشتائم، وعدم مراعاة أنّ هذا الطفل له إخوة، ضربه وعنّفه ووبّخه واتهمه بتهمٍ كبيرة وحقّره وصغّره، هذا الأب القاسي الذي ينقع غُلّته حينما يرى تقصيراً من ابنه لا يدري أنّه حطّمه وهو لا يشعر.

أسباب الشعور بالنقص:
1 ـ نوع التربية التي يتلقّاها الإنسان حينما كان طفلاً صغيراً:
فلذلك المرض الثالث من الأمراض النفسيّة التي كثيراً ما يصاب بها الأبناء هو الشعور بالنقص، أوّل مرض قلنا هو: الخجل، والثاني: الخوف، واليوم نتحدّث عن: الشعور بالنقص.
الشعور بالنقص أحد أكبر أسبابه الآباء والمربّون.. هناك معلِّمون كلماتهم قاسيةٌ جدّاً فأقل كلمةٍ تذكر أمام رفاقه - حمار - توبيخ وتعنيف وتحقير، ولطم، وضرب، وركل، هذا الطفل الذي يتلقّى كلّ هذا يشعر بأنّه تافه وأنّه لا قيمة له، فماذا قال النبيّ عليه الصلاة والسلام قال: الشرف معوان.
عندما تجعل للإنسان قيمة، وتشعره أنه ذو قيمة، وأنّه ابن عائلةٍ كريمة، وتقول له: والدك كان رجلاً عظيماً، حينما تبثُّ في روع هذا الطفل الصغير أنّه ذو قيمة.. هذا الشعور بأنّه ذو قيمة يردعه عن أن يسقط، ويردعه عن أن يفعل الفواحش، ويردعه عن أن يسرق، أنا أرى أنّ حديث النبيّ عليه الصلاة والسلام حينما قال: الشرف معوان، خير موجّه نحو المكارم والفضائل، فالمربّي الحكيم يستعين على تربية أولاده ببث معنوياتٍ عاليةٍ لهم، ببث الثقة في نفوسهم، باحترامهم، هذا الذي يرفع من قيمة الابن.
لذلك إذا كذب مرّة سمّاه كذّاباً، وإذا لطم أخاه مرّة سمّاه شريراً، إذا كان أخذ من أخته حاجةً سمّاه محتالاً، وإذا أخذ من جيب أبيه شيئاً سمّاه سارقاً، إذا تقاعس عن تأدية عمل سمّاه كسولاً، مباشرةً يناديه تعالَ يا كسول. الكسول والمحتال والسارق وما إلى ذلك، الآباء الجاهلون يسببون لأولادهم عقداً نفسيّةً وأمراضاً لا يعلمها إلا الله، وهذه العقد والأمراض قد ترافقهم طوال حياتهم، يقول لك: عمري ثمانون سنة وعندي مركّب نقص.. أسبابه نوع التربية التي تلقّاها حينما كان طفلاً صغيراً.
2 ـ محاسبة الابن أمام الناس:
الشيء الثاني: أنَّ هذا الطفل الصغير إذا قمت بتوبيخه على انفراد شيء، وإذا وبَّخته أمام إخوته شيءٌ آخر، إذا وبّخته على انفرادٍ شيء، وإذا وبَّخته أمام أقربائه شيءٌ آخر، إذا وبّخته على انفرادٍ شيء، وإذا وبّخته أمام الجيران شيءٌ آخر، هذا الذي يحطِّمه.. كلّ إنسان له شعور بالأهمّية، كلّ إنسان يحرص على سمعته، على مكانته، على شخصيّته.. فالأب الحكيم لا يحاسب ابنه إلا فيما بينَه و بينَه أي على انفراد.
فالأب الحكيم يحفظ لابنه كرامته، ومكانته أمام الصغار، فأنت كأب كبير تقول إنّ هؤلاء رفاق ابني كلّهم صغار مثله أعمارهم ست سنوات أو ثمان فإذا غلط غلطة فيضربه ويعنّفه أمامهم.. أتعرف أنّك قد أحدثت جرحاً لا يندمل ؟ ولا في أكثر من خمسٍ وعشرين سنة، قمت بضربه ولطمه أمام رفاقه فليس له قيمة بالمرّة عنده ؟ فكم من أب يفعل هذا، فالتعنيف والضرب والسباب هذا يعدّ عملاً سيّئاً جداً ولكنّ هذا يتضاعف أضعافاً متضاعفة فيما لو فعلته أمام أصدقائه ورفقائه وجيرانه وأقربائه.. هذه هي النقطة الثانية.
حقوق الأبناء على الآباء هي:
1 ـ أن تحسن اختيار أمهم:
اسمعوا أنّ سيِّدنا عمر جاءه رجل يشكو له عقوق ابنه، فأحضره عمر رضي الله عنه الرجل وابنه ثمّ بدأ يعاتب الابن على عقوقه، فقال الولد: يا أمير المؤمنين.. أليس للولد حقوقٌ على أبيه ؟ قال عمر: بلى. قال: فما هي يا أمير المؤمنين ؟ فقال عمر: أن ينتقي أمّه، وأن يحسن اسمه، وأن يعلِّمه القرآن.
فقال الولد: يا أمير المؤمنين.. إنّ أبي لم يفعل من ذلك شيئاً، أمّا أُمّي فإنّها زنجيّةٌ كانت لمجوسيّ، وقد سمّاني جُعلاً (أي خُنفساء) ولم يُعِّلمني من الكتاب حرفاً واحداً.
فالتفت عمر إلى الرجل وقال له: جئت إليّ تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعُقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.
أن ينتقي أمّه: أوّل حق من حقوق أولادك عليك.. أن تحسن اختيار أمه، أوّل حق لأولادك قبل أن يروا ضوء الحياة، قبل أن يأتوا إلى الوجود لهم عليك حق، وهو يبدأ قبل أن تتزوّج أمّهم، فحقّهم عليك أن تحسن اختيار أمهم، أن تكون أماً ديِّنة طاهرة، ومن أسرة شريفة، وتربيتها عالية، وصاحبة حياء، حصاناً، رزاناً.
2 ـ أن تحسن اختيار اسمه:
الأمر الثاني أيُّها الأخوة: اختيار الاسم.. أن يكون اسماً راقياً، فالطفل عندما تناديه باسمٍ راقٍ فهذا شيء جميل جداً يعتزُّ به حتى النبيّ عليه الصلاة والسلام إذا سمع اسماً يثير السخرية كان يبدله فوراً، من أنت ؟ أنا فلان، فيقول له: بل أنت فلان، يعطيه اسماً محبّباً. قال للنبي: اسمي زيدُ الخيل. فقال له النبي اللهم صلِّ عليه: بل زيد الخير.
قال عمر: لقد عققته قبل أن يعقّك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.. فالأُبوّة مسؤوليّة.
ومن طرائف ما ذكر أنَّ أباً عيَّر ولده يوماً بأُمِّه وقال له: أَتُخالفني وأنت ابن أَمة (ابن جارية) !! فقال هذا الابن لأبيه: والله يا أبي إنَّ أُمِّي خيرٌ منك. قال: وكيف ؟! قال: لأنّها أحسنت الاختيار فولدتني من حُر، وأنت أسأت الاختيار فولدتني من أمة.
هي أحسنت أن تختار وأنت لم تحسن الاختيار، فالحقُّ عليك.
على الإنسان ألا يحاسب ابنه قبل أن يعلّمه:
أيُّها الأخوة... لا يوجد حل، واسمعوا هذا الكلام الدقيق، فبالطبع الابن قد يسيء، فعندما أذكر بأنّ الأب ليس له حقّ أن يتكلّم كلاما قاسياً، ويوبِّخ، ويُحقِّر، ويضرب أمام إخوة ابنه (أمام أولاده) ولا أمام أقربائه، ولا أمام جيرانه، ليس معنى كلامي هذا أنّه لا توجد إساءة من الابن، فالابن من شأنه أن يسيء، لأنّه حينما ينشأ فهو يحتاج إلى تعليم وإلى تربية، دائماً الآباء غير المتعمقين في أساليب التربية ينتظر ابنه من دون تعليم، من دون توجيه، من دون تثقيف، من دون عناية أن يكون كاملاً مكَمّلاً لا يغلط لا بكلمة ولا بحركة، ولا بإشارة، ولا بعبارة، إذاً فأنّى له أن يتعلّم ؟! فإذا لم تعلّمه أنت، فمن يعلِّمه ؟! فأنا أتمنّى أن الإنسان لا يحاسب ابنه قبل أن يعلّمه، يا بني: هكذا قُل.. هكذا تأكُل.. إذا كنت معي ودعيت إلى الطعام فكل هكذا، بعد ذلك فليحاسبه، لكن الطفل لا يعرف، فهو صفحة بيضاء، فلو طاشت يده في الإناء.
فالنبيّ أمسك يد الغلام وقال له:

(( يا غلامُ، سَمَّ اللَّه، وكلْ بيمينك، وكلْ مما يلَيك))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن عمر بن أبي سلمة]
وقال صلوات الله عليه: علِّموا ولا تُعنِّفوا، فإنَّ المعلِّم خيرٌ من المُعنِّف.
قبل أن تبدأ السباب و اللّطم والشتم فلتكن ذا بال طويل، وعلِّمه وقل له: افعل هكذا، يا بني هذه الكلمة لا يجوز أن تقولها، أو ليست جيِّدة فهي كلمة قبيحة ولا تليق بك، وهي كلمة تعني كذا، ومن يتكلّم بهذا الكلام يسقط اعتباره بين الناس، فعلِّم، طبعاً أفضل مثال هو في التربية بالإسلام فيوجد في الإسلام منهجٌ تربويٌ كاملٌ، ولكن على المؤمنين الصادقين أن يُنقّبوا من خلال التراث الإسلامي عن هذا المنهج.
العاقل من يربي ابنه تربية تقوم على الخلق الحسن:
هل من المعقول أن يدخل إنسانٌ على سيِّد الخلق، على حبيب الحق، على سيِّد المربِّين، إمام المعلِّمين، نبيٍ، مرسل، عظيم فيقول له ائذن لي بالزنى. لازم يلطم لطمتين ويطرحوه أرضاً ويسوى بها فما هذا القول ائذن لي بالزنى، فأين نقعد نحن ؟
(( فتى من قريش أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ائذن لي في الزنا ـ هل تسمّونها وقاحة ؟ فوالله هذه وقاحة، وإن سميتموها تطاولاً فهي كذلك، أو قلّة أدب فهي كذلك ومع من ؟ مع سيّد الخلق، ـ فأقبل القوم عليه وزجروه فقالوا: مه مه، فقال: ' ادنه '، فدنا منه قريباً فقال: ' أتحبه لأمك ؟ ' قال: لا والله جعلني الله فداك قال: ' ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ' قال: ' أفتحبه لابنتك ؟ ' قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك قال: ' ولا الناس يحبونه لبناتهم ' قال: ' أفتحبه لأختك ؟ ' قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك قال: ' ولا الناس يحبونه لأخواتهم ' قال: ' أتحبه لعمتك ؟ ' قال: لا والله يا رسول جعلني الله فداك قال: ' ولا الناس يحبونه لعماتهم ' قال: ' أتحبه لخالتك ؟ ' قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك قال: ' ولا الناس يحبونه لخالاتهم ' قال: فوضع يده عليه وقال: ' اللهم اغفر ذنبه وطهر قلبه وحصن فرجه '. قال: فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء))
[ أخرجه أحمد عن أبي أمامة الباهلي]
فقام من بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وليس شيءٌ أبغض إليه من الزنى.
هكذا تكون التربية.. فلو اعترض وقال: يا أبي من خلق الله ؟ فيثور الأب في وجهه ويلطمه كفّين ويقول له: كفرت.
الله عزَّ وجلَّ خالق، فإذا قلت من خلقه ؟ فلم يعد خالقاً، فتفهّمه بالحسنى أنّه خالق.
الطفل لا يقدر لذلك على الإنسان أن يستوعبه:
فلو سمع الإنسان سؤالاً كبيراً سؤالاً فيه تطاول، أو سؤالاً وقحاً، فالوقاحة عند الكبير وهو الذي قيَّمها وعدّها وقاحة، أمّا عند الصغير فهي براءة ولم يعرف أن يقيِّمها.
ألم تسمعوا هذا الذي قال لربِّه من شدّة فرحه: يا ربّي أنا ربُّك وأنت عبدي، فقد قال كلمة الكفر، قال صلّى الله عليه وسلّم: لله أفرح بتوبة عبده من ذلك البدوي بناقته.
أحياناً الطفل لا يقدّر.. فقد قال لنا أحد قرّاء القرآن أنّ أحد الأشخاص أحبّ أن يتقرَّب منه فقال له: أَحِبُّ الصالحين ولستَ منهم. فانزعج وقال له: قم عنّي، وقبّحك الله. وهذا القائل لم يقصد ذلك أبداً بل قصد أن يتقرّب منك ولكنّه لم يعرف في اللغة فبدلاً من أن يقول: ولستُ منهم - بالضم - قال: ولستَ منهم - بالفتح - ممكن الابن أن يتكلَّم بكلمة لا يقصدها ولا يعنيها، فإذا تلقّـــى على قوله ردّاً عنيفاً جدّاً.

الرد العنيف يقطع خير العلم:
بالمناسبة يوجد تعليم قمعي.. فتوجد إجابة قمعيّة وإجابة تعليميّة علميّة، فإذا كان قد سأل سؤالاً غير معقول أو غير منطقي وأنت عنَّفت وزمجرت، فأنت بذلك قد قطعت خير السؤال، فيخاف أحد أن يسألك بعد ذلك، أمّا إذا كان لديك صدرٌ رحبٌ لأيّ سؤال ولو كان قاسياً و أو كان فيه جهل، وتلقيته بصدر رحب، فممكن أن تشجِع على السؤال بذلك، فيوجد أشخاص إن سُئِل سُؤالاً غير منطقي أو غير معقول فتجد عنده رداً قمعيّاً، رداً عنيفاً جدّاً، مثل هذا الرد العنيف يقطع خير العلم
(( بيناَ أنا أُصلّي مع رسول الله - أعرابي يصلّي مع رسول الله - إذ عطس رجل من القوم، فقلت له: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقلت: واثكل أماه، ما شأنكم تنظرون إلي ؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أرجلهم فلمّا رأيتهم يصمِّتونني سكتت، فلمّا انتهى عليه الصلاة والسلام من صلاته دعاني، فبأبي هو وأُمّي ما رأيتُ معلّماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فو الله ما كفرني ولا ضربني ولا شتمني ولكن قال: إنَّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس، إنّما هي التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن.))
[ رواه مسلم عن معاوية بن حكم السلميّ]
فقال له أثناء الصلاة يرحمكم الله فهو لا يعرف، فقد سمع عن تشميت العاطس فشمّته أثناء الصلاة.
((.فقلت له: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم، فقد زُوِر زَورة من الصحابة، فقلت: واثكلَ أُماه - أي الله يعينني على ذلك - ما شأنكم تنظرون إلي - أي لماذا تتكلّمون وتنظرون إليّ أثناء الصلاة ))
هناك طرفة: كان أحدهم يصلّي فمرّت من أمامه قطّة فقال لها: بِس. فقال له الذي يصلّي بجواره: لمَ تتكلّم وأنت بالصلاة ؟ فهو أيضاً قد تكلّم.
(( وجعلوا يضربون بأيديهم على أرجلهم ـ أي اسكت ـ فأوّلاً قال له: يرحمك الله.. فنظروا إليه بشكل حاد. فقال لهم: ما شأنكم تنظرون إليّ ؟ فجعلوا يضربون على أرجلهم أي أن اسكت فهذه صلاة ))
وبعدما فرغ الرسول صلّى الله عليه وسلّم من صلاته دعاني أي قال له تعالَ اقبل: وذكر له عن الصلاة وما يكون فيها ولم يعنِّفه، فهكذا يكون التعليم.. علِّموا ولا تُعنِّفوا.
الرحمة أحسن تعليماً من الشدة:
فأنت لا تعرف قيم أنّه عندما يغلط ابنك غلطة.. فقد ذكر لي في ذات مرّة شخص يبلغ من العمر الأربعين عاماً وقال لي: أبي قد عاملني معاملة وقد كان عمري الخامسة عشرة ولا أنساها إلى أن أموت.. فقد ركب سيارة أبيه وطرقها واختفيت من البيت ثلاثة أيام، ثمّ رجع فأين سينام، ولم يتكلّم الأب معه ولا كلمة ولا عنّفه وقال له: أنا قد بعت السيّارة فلا تأكل همّ ذلك، فهو قد توقّع أن يتلقّى تعنيفاً ويطرده من البيت أو يضربه ويعمل له مشكلة، ولكن بالعكس فقد فاجأه بالمعاملة اللطيفة.. وقال لي هذا الابن وقد كان باراً بوالده: أنَّ أباه يفيق ليلاً مرّتين أو ثلاثاً ويعدّ له كأساً من العصير.
هذه القصّة عندما كان عمره بالخامسة عشرة وإلى عمر الأربعين عاماً فهو لم ينسَها. ضرب لأبيه السيّارة ولم يتكلّم بأية كلمة (فهذا شيء قد وقع وانتهى الأمر) ولكن الابن كان مضطرباً كثيراً، والأب رحيماً فقال له لا تحمل هماً فقد بعت السيارة.
فلا تعرف ما تفعله الرحمة إذا غلط الابن غلطة ولم تفعل معه شيئاً معه.. فهو قد عرف ذنبه، وأنت لم تفعل معه شيئاً ولكنّك احتويته.
قال: فبأبي هو وأمّي ما رأيت معلّماً قبله ولا بعده أحسن تعليماً منه، فو الله ما قهرني وما ضربني ولا شتمني ولكن قال: إنّ هذه الصلاة لا يصلح فيها شيءٌ من كلام الناس إنما هي التسبيحُ والتكبيرُ وقراءةُ القرآن.
العاقل من يتبع النبي الكريم في تطبيق سنته:
إخواننا الذين يربّون أولادهم بالحسنى، تجد هدوءاً في البيت، فبجهد بسيط يقطفون ثماراً يانعة. وتجد بيتاً كلُّه صخب وصراخ وضرب وشتائم وهو كقطعةٍ من الجحيم، فهل رأيتم السُّنّة ؟ فالأولى أن يتّبعها الإنسان.. ليس الموضوع موضوع مبادئ ولكنَّه موضوع وقائع، هكذا فعل النبي.. قال له الشاب: ائذن لي بالزنى. والثاني في أثناء الصلاة يقول للآخر: يرحمكم الله وتكلّم قائلاً ما لكم تنظرون إليّ ؟! وكان قول النبيَّ له: يا أخا العرب إنّ الصلاة لا يصلح لها شيءُ من كلام الناس، إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن.
من أجل أن تعرف مع من عاش النبي، النبي عاش مع أُناس لا يعرفون شيئاً وقد علّمهم.. فهل يمكن لأحد وبقدر ما كان بعيداً عن الذوق أن يدخل إلى جامع ويبول على السجاد وأمام الناس، وهو رجلٌ كبير ؟؟!
النبي عاش مع أشخاص أي كما قال عليه الصلاة والسلام: من بدا جفا.

الإسلام دين يسر لا دين عسر:
(( أعرابي بال في المسجد فثار الناس إليه ليمنعوه، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوه، أهريقوا على بوله ذنوباً من ماءٍ- أو سجلاً من ماءٍ- فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين ))
[أخرجه البخاري عن أبي هريرة]
فالإنسان إذا بدأ بالتبوّل ثمّ قطعه فجأةً يصاب بأمراض.. لا تزرموا عليه بوله.. لا أعتقد بوجود إساءة للمسجد ولمن في المسجد ولمن يلقي الدرس في المسجد، أكثر منْ إنسان بالغٍ عاقلٍ راشدٍ يَبُوْل بالمسجد ومع ذلك روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، بال أعرابيٌ في المسجد فقام الناس إليه ليقعوا فيه - والنبيُّ كذلك حكيمٌ فلو لحقوه وهو يبول فالبول سيمشي محلّ ما هو ماشي، فجعله بمحلٍّ واحدٍ - فقال لهم النبي: لا تزرموا عليه بوله، وصبّوا عليه ذنوباً من الماء.
وكذلك القصّة المعروفة لديكم عندما كان النبيّ مع أصحابه وأكلوا لحم جزور، وصدرت رائحةٌ كريهةٌ من أحد الموجودين، وأذّن العصر وعلى أصحابه أن يصلّوا مع رسول الله العصر فقال عليه الصلاة والسلام كُلُّ من أكل لحم جزور فليتوضّأ. قالوا: كُلُّنا أكلنا !! قال كلُّكم فليتوضأ.
ستراً لحال هذا الذي انتقض وضوءه. وكان يقول: لا تحمِّروا الوجوه.
المؤمن رفيق لطيف مُتَأنٍ ينتقي الكلمات و يمتصّ الصدمات:
لي قريبٌ أخذته ذات مرّة إلى طبيب أطفال فخلع له ثيابه ليكشف عليه وكان طفلاً عمره أشهر فبال على صدره، أبوه خجل خجلاً شديداً من الطبيب، ولكن ماذا قال الطبيب ؟ قال: هذه مهنتنا ونحن معتادون عليها فلا تنزعجوا من ذلك. فرأيت موقفاً من الطبيب لا يقدّر بثمن، والأب ذاب من خجله.. يوجد أشخاص مهذّبون كهذا الطبيب.
اسمعوا أيُّها الأخوة ماذا قال النبيّ عليه الصلاة والسلام في الرفق واللين ؟

(( إنَّ اللهَ رفيقٌ يُحبُّ الرفقَ في الأمر كلّه ))
[ روى البخاريُّ ومسلم عن عائشة]
و:
(( إنَّ الرفقَ لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا ينزع من شيءٍ إلا شانه ))
[رواه مسلمٌ عن عائشة]
و:
((من يُحرم الرفقَ يحرم الخير كلّهُ.))
[رواه مسلم عن جرير بن عبد الله]
المؤمن رفيق لطيف مُتَأنٍ ينتقي الكلمات، حليم، يمتصّ الصدمات، ردّ فعله لطيف مدروس، حكيم، هكذا المؤمن.
الإقناع والتعليم والحلم يحتاج إلى طاقة و جهد:
فيا أيُّها الأخوة الكرام.. التعنيف والتوبيخ والضرب والشتم وإلقاء الكلمات المقذعة على الأبناء والطلاب أمامهم أو أمام أصدقائهم أو رفقائهم أو جيرانهم أو أقاربهم، هذا مما يسبب لهم عقدةً نفسيّة، وهذه العقدة النفسيّة قد ترافقهم إلى نهاية عمرهم.
لذلك علِّموا ولا تعنّفوا، أقنعه، وبيّن، ووضّح.. بالطبع الضرب أسرع وأسهل.. لكن الإقناع يتطلّب الجهد، الإقناع والتعليم والحلم يحتاج إلى طاقة، أمّا إذا غضب الإنسان وضرب ابنه ففرّغ ما في قلبه فارتاح.. ولكنّك لم تعلِّمه بل حطَّمته.
ويوجد آباء يرتكبون خطأً أكبر من ذلك.. يضرب ابنه ولا يعلمه لماذا ضربه فيقع الطفل في حيرة، والأحقاد تتضاعف، فبيّن له بقولك: لأنّك فعلت ذلك ضربتك، لكن من كثرة غضب الأب.. يرتكب الابن غلطاً ولكن لا يعرف أين هو الغلط.. فيأتي أبوه ويضربه ضرباً مبرحاً ومن شدّة غضبه يبقى ساكتاً ولا يقول لماذا ضربه.. هذه واحدة.

3 ـ الدلال المفرط للابن يسبب شعوراً بالنقص:
العامل الآخر للشعور بالنقص ستُفاجؤون به، يوجد عاملٌ آخر على نقيض الأول - الذي بسببه يصاب الطفل من الشعور بالنقص بسبب الضرب والركل واللطم والشتم والتوبيخ والتعنيف – وهو الدلال المفرط، فالدلال المفرط يسبب شعوراً بالنقص.
دائماً الطفل لا نكلِّفه بعملٍ ما، وكلّ طلباته تنفّذ فوراً، لا نحمِّله مسؤوليّة، ينام لوقت الظهيرة، المهم أن يكون مرتاحاً، وتأمين حاجات البيت كلها تقع على عاتق الأب،. أي لا نكلِّفه بعمل، ولا بالاستيقاظ باكراً، ولا بأداء عمل ولكن فقط أن يرتاح.
من تعود على الرفاه إنسان ضعيف جداً ولا يستطيع عندئذٍ أن يتحمّل المسؤوليّة:
يوجد عند الأم والأب أحياناً حب مفرط، هذا الحب يسبب للابن مرضاً نفسيّاً هو: الشعور بالنقص.
فإذا لم تعلِّمه ولم تجعله يمارس عملاً ما ولم تحمِّله أي مسؤوليّة ولم تكلفه بشيء، ولم يتعوّد على الخشونة.. ولكن فقط قد تعوّد على الرفاه والنوم والأكل والشرب وجميع طلباته تستجاب.. هذا الإنسان ضعيف جداً ولا يستطيع عندئذٍ أن يتحمّل المسؤوليّة فيشعر أنّه دون الناس.
في بعض الأحيان يقولون لك: إنّ هذا الطفل يتيم وبالتعبير العامي (مجرود)، فإذا أتيح له أن يبذل جهداً كبيراً في صغره فيحضر الأكل لإخوته ولأسرته فهذا يعطيه دروساً كثيرةً جداً.
بعض الأشخاص دخل في قفص الزوجيّة ولا يستطيع شراء شيءٍ من الأسواق، ويوجد أشخاص من سنٍ مبكِّرة آباؤهم وأمّهاتهم حمّلوهم المسؤوليّة.. فالبنت المدللة زوجةٌ سيّئةٌ جداً فلا تنجح في زواجها، أمّا البنت التي تعلّمها أمّها على إدارة المنزل وعلى الطبخ وعلى تأمين حاجات البيت بشكل دقيق تنجح في زواجها، فالأب الذي يدلل أولاده هو يحطمهم دون أن يشعر.

الدلال الزائد يجعل الابن مكروهاً و منبوذاً في المجتمع:
توجد نقطة مهمّة كنت أقولها سابقاً ففي ذات مرّة معاوية بن أبي سفيان معروف بالحلم، فجاء غلام فغمزه وهو في المسجد، فقال له وقد كان كثير الذكاء: خذ الرهن يا غلام. يبدو أنّه توجد مراهنة على حلم معاوية، فهذا الطفل غمز أمير المؤمنين ولم يحدث له شيء، وقد أعادها مع خليفةٍ آخر فقتله، فقالوا: حلم معاوية قتل الغلام. فالذي قتل الغلام ليس الخليفة الثاني بل الأوّل هو الذي قتله عندما تساهل معه.
أحياناً تجد ابناً يصعد فوق طقم جديد من الأرائك (كنبايات بحذائه) والأب لم يتكلّم ولا أي كلمة وكذلك الأم، فهو مدلل، فلو ذهب لزيارة بيتٍ آخر كبيت خالته أو عمّته ووقف على الطقم، فيصبح بسبب دلاله مكروهاً، فإذا أردتّ أن تجعل ابنك مكروهاً ومحتقراً ومنبوذاً فقم بتدليله، أمّا إذا وجدت التربية البيتيّة الحازمة وعرف حدوده وما يجوز فعله وما لا يجوز فهذا هو الطريق، يوجد كثير من الآباء في البيت أطلقوا لابنهم كلّ الصلاحيات، فيظن أنّ كلّ بيت مثل بيت أبيه، فيقوم بإتلاف وتكسير في كل ما حوله، فهل يكرهه الناس ؟ لا بل يكرهون الأب من أجل ابنه ويكرهون كلّ زياراتهم، فمن يحبّ أن يجعل ابنه منبوذاً ومكروهاً محتقراً فليدلل ابنه.. فيعوّده للنوم لمنتصف النهار ولا يعوّده على تحمّل المسؤوليّة ولا يكلّفه بتأمين غرضٍ من الأغراض.. فقد أمّن له كلّ شيء فأصبح عضواً فاشلاً في المجتمع لم يعمل له شيئاً.

على الإنسان أن يسمح لابنه القيام ببعض الأعمال أحسن من أن يظلّ جاهلاً:
سابقاً كان السلف الصالح غير دارسين لعلم التربية، ولكن كان عندهم وسائل تربويّة ناجحة جداً، أمّا الآن تجد الجيل الجديد يوجد عندهم وعيٌ تربويٌّ ودراسات تربويّة ولكن لا تجد تربيّة صحيحة، بل تسيُّباً، أي إذا لم يدرس الولد فلا شيء عليه وغير مهمٍ وإذا رسب لا يبالون - ويقولون: في السنة القادمة ينجح -.. فتجد رفاقه حصلوا على أعلى الشهادات وأصبحوا أطبّاء وهو من ورائهم، فيكبر أصدقاؤه ويتسلَّمون أعمالاً ويصبح لديهم دخلٌ ومكانةٌ اجتماعيّة وهو من وراء الناس، فعلى من ينقم ؟ ينقم على من أهمله وقام بتدليله، فالدلال المفرط ماذا يسبب ؟؟ الشعور بالنقص ومن أسباب الشعور بالنقص: القسوة ونقيضها وهو الدلال، فالحقُّ وسطٌ بين طرفين.. القسوة والدلال.
يوجد آباء وأمّهات أحدهم لا يسمح لابنه أن يقوم بعمل أبداً.. ويقول له: إنّك لا تعرف اتركه. لا يعرف !! ولن يعرف بالتالي طوال حياته، فلا بدّ من أن يوطّن الأب نفسّه من أنّ ابنه ممكن أن يغلط، فإذا غلط وأصلحت له غلطه هذا أحسن من أن يظلّ جاهلاً لا يعرف شيئاً.

على الإنسان أن يكلف ابنه ويبيّن له ويتحمّل غلطه لكي يتعلّم:
فقد أقول لكم كلمة.. فقد قلت مرّة لأحد الأشخاص يوجد هناك إنسانٌ واحدٌ لا يخطئ ؟ فقال لي: هو النبي اللهمّ صلِّ عليه. فقلت له: لا.. لم أقصد ذلك فما قلته هذا موضوعٌ آخر ولكنني قصدت الإنسان الذي لا يخطئ هو الذي لا يعمل، فكلّ من يعمل يخطئ.. والخطأ بالعمل شيء طبيعي جداً.. فأقول دائماً كلمات وهي:
ليس العار أن تخطئ.. بل العار أن تبقى مخطئاً، ليس العار أن تجهل.. العار أن تبقى جاهلاً... كلُّ ابن آدم خطّاء وخير الخطائين التوّابون.
وطِّن نفسك أنّ ابنك سوف يغلط.. أرسلته ليحضر أغراضاً فانتقى أسوأ خضارٍ وبأغلى الأسعار.. فقل له: هذه غالية يجب أن تنتقيهم، وفاصل البائع فأسعار السوق أقل من ذلك، أمّا أن تخاف أن يغلط فلا تكلِّفه فبالتالي لن يتعلّم في حياته شيئاً.. فيجب أن تكلِّفه، وتبيّن له وتتحمّل غلطه لكي يتعلّم.

علاج ظاهرة الدلال المفرط عن طريق:
1 ـ أن يتعمق الأب و الأم بعقيدة القضاء و القدر:
من علاج ظاهرة الدلال المفرط أن يتعمَّق الأب والأم بعقيدة القضاء والقدر، فيخاف الأب أن يمرض ابنه أو يرشِّح، فأنت آمن بالقضاء والقدر والله عزَّ وجلَّ هو الحافظ، يقولون: إنّه في يوم القيامة يقول ربنا عزَّ وجلَّ لعبدٍ من عبيده:
عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ فقال: يا رب.. لم أُنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي. قال: ألم تعلم بأني أنا الرزّاق ذو القوّة المتين ؟ إنّ الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم. ويقول لعبدٍ آخر: عبدي أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه ؟ يقول العبد: يا ربِّ أنفقته على كلّ محتاجٍ ومسكين، لثقتي بأنّك خيرٌ حافظاً وأنت أرحم الراحمين. قال: يا عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك.
الله عز و جل هو الحافظ و على الإنسان أن يتوكل عليه:
إذا سافر الإنسان فلا يتوسوس... وليقل بتوكُّل: اللهمَّ أنت الرفيق في السفر والخليفة في الأهل والمال والولد. فالله هو الحافظ ولا بد من التوكل عليه.
فيخاف أن يكلِّفه أو أن يبعثه لمشوار أو يرسله وحيداً.. الخوف ضروري، ولكن يوجد خوفٌ مرضيّ.
فالله عزَّ وجلّ قال:

مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)
( سورة الحديد: آية " 22، 23 " )
أيُّها الأخوة الكرام.. أول شيء تعميق عقيدة القضاء والقدر في نفوس الآباء والأبناء والصغار حتّى يرتاح الإنسان من الوساوس ومن الخوف المفرط والدلال المفرط يرتاح منه.
2 ـ التدرج في التأديب:
شيء آخر.. التدرُّج في التأديب، فمثلاً إذا كان الابن يصلُح بالنُصح فيجب أن لا تهجره، وإذا كان يصلُح بالهجران فيجب أن لا تضربه وإذا يصلُح بالضرب فلا تطرده من البيت، فيجب أن تتدرّج.. يوجد آباء لأتفه سبب يقوم بطرده نهائيّاً من البيت ويجعله خارج البيت، إذا كان ينتصح معك فانصحه أولاً.. فالنصيحة أوّلاً والهجران ثانياً والضرب ثالثاً والطرد رابعاً.
عقوبة الطرد من المنزل لا يمكن أن تكون مقبولة لأنّ البديل أسوأ:
أمّا أنا الآن فموضوع الطرد من المنزل لا أُوافق عليه أبداً، وأَعُدّ أيَّ أبٍ يلجأ إلى طرد ابنه من المنزل لعلّة مشاكسته وانحرافه هذا كمن يطفئ النار بالزيت. فألف شخص يتلقون هذا الابن ويدلّونه على الانحراف والسرقة وارتكاب الفاحشة ويستغلون تشرُّده.. هذا كلام دقيق ولاسيّما في هذه الأيّام.. عقوبة الطرد من المنزل لا يمكن أن تكون مقبولة، لأنّ البديل أسوأ.
فيجوز في الأيام السابقة كان الناس مترابطين متكاتفين، هناك من يردُّه إلى أبيه.. الآن هناك من يستقبله ويدُلّه على المنكرات والمحرّمات والفواحش والسرقات.. فأنا أعرف رجلاً طرد ابنه فانضمّ إلى مجموعة من الأصدقاء ولكنّها منحرفة، أي عصابة سرقة، فكلَّفوه أن يقف في مكان ليراقب الطريق، وقاموا هم بسرقة بيتٍ، وعندما حُكموا بمحكمةٍ ميدانيّة ذكروا اسمه معهم.. والآن قد مرَّ عليه ست سنوات وهو مسجونٌ.
ذلك بسبب طرد الأب لابنه من المنزل وانضمامه لأصدقاء السوء ودلّوه على السرقة وأعطوه دوراً من أدوار السرقة بأن يراقب الطريق وهم يسرقون البيت ولم يعطوه شيئاً وعند التحقيق ذكروا اسمه فحبس معهم ست سنوات محكمة ميدانية.
فهذا الكلام أُعيده مرَّةً ثانية.. فمهما غضبت، ومهما أساء الابن، فتطرده من البيت فهذا شيء غير معقول إطلاقاً، فالبيت مأوى له، فإذا أردت أن تعاقبه فليكن بالبيت.. فالتدرُّج في تأديب الولد بالنصح أوّلاً والهجران ثانياً والضرب ثالثاً (والضرب غير المُبَرِّح).

3 ـ أن تُعوِّد ابنك على الخشونة والثقة بالنفس:

الشيء الثالث الذي هو علاج لموضوع الدلال المفرط: أن تُعوِّد ابنك على الخشونة والثقة بالنفس.
فالآباء العقلاء يعوِّدون أبناءهم على الطعام الخشن في بعض الأحيان، ففي طعام الغذاء يتناولون من الطعام ما قد حضر في البيت - حواضر - فماذا يحدث ؟؟
وقد روت كتب السيرة أنَّ سيّدنا خالداً بن الوليد أمسك ضبّاً وأكله لماذا ؟ والنبيّ نظر إليه وقال: خالدٌ سيفٌ من سيوف الله.. وهو يأكل الضّب ليعوّد جنوده على الأكل الخشن في الصحراء، في الفتوحات.
فيجب أن يتعوّد الابن على الأكل الخشن وعلى النوم الخشن وعلى الثياب الخشنة، ولا أقول دائماً ولكن من حينٍ لآخر.. فالخشونة تربّي النفس، والغنى مع الجهل يفسد النفس.. فأنت أطعم واسقِ ولكن من حين إلى آخر يجب أن يعرف الطفل بوجود أُناس جائعين، بعض النّاس يأكلون قطعة من الخبز مع كأسٍ من الشاي في الظهيرة، وبعضهم لا يتناولون الفواكه إلا في الشهر مرّة والبعض الآخر الحلو عندهم علبة من - الراحة فقط - فعوّد ابنك على الاخشِوشان ولو كنت غنيّاً، لأنّ المخشوشن تجد نفسه سويّة، وهذا الكلام كلام رسول الله: اخشوشنوا فإنّ النعم لا تدوم.
الاخشِوشان والثقة بالنفس من وسائل معالجة الشعور بالنقص:
في بعض الأيام يقل دخل الإنسان فإذا كان قد عوَّد أهله على الرفاه الزائد فعنده أحد احتمالين.. إمَّا أن يأكل مالاً حراماً، أو أن يُمالئ السلطان.. أمّا إذا كان قد عوّد نفسه على الخشونة فهذا هو دخله، فإذا أراد الإنسان أن يرفّه أهله عن طريق كسب المال الحرام، أفسدهم وأفسد نفسه وهو لا يشعر.
(( إيّاكم والتنعُّم فإنّ عباد الله ليسوا بالمتنعمين ))
[روى الإمام أحمد وأبو نعيم عن معاذ بن جبل]
((علّموا أولادكم السباحة والرماية ومروهم فليثبوا على ظهور الخيل وثباً ))
[رواه البيهقي عن عمر]
أي أنّ الاخشِوشان والثقة بالنفس من وسائل معالجة الشعور بالنقص الذي أساسه الدلال المفرط.
الله عز وجل جعل حياة الأنبياء خشنة ليعلم الإنسان الصبر:
النبي عليه الصلاة والسلام ماذا كان يعمل في صغره ؟ قال عليه الصلاة والسلام: ما بعث الله نبيّاً إلا رعى الغنم.. نعم كنتُ أرعاها على قراريط لأهل مكّة.
نبيٌ سيّد الخلق، جعل الله عزَّ وجلَّ له حياته خشنة.. رعى الغنم في بطحاء مكّة.
والنبيّ عليه الصلاة والسلام كان ينقل الحجارة مع غلمان في مكّة أي أعمال سخرة شاقّة، وكان يبني أي يقوم بأعمال البناء:

(( لمّا شبَّ صلّى الله عليه وسلّم وبنيت الكعبة ذهب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ينقل الحجارة مع أشراف قريش لبنائها، فقال العبّاس لرسول الله اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة، فالنبيّ استحيا من الله أن يكشف عن جسمه، فقال: إزاري إزاري.. فشدَّ عليه إزاره وقال: إنّي نُهيت أن أمشي عُرياناً ))
[ رواه البخاريُّ ومسلم عن جابر بن عبد الله ]
واستنبطوا من هذا الحديث أنّ الأنبياء معصومون قبل النبوّة.. فأثناء نقل الحجارة رفع الثوب أكثر راحة.. فقال: إزاري إزاري إنّي نُهيت أن أمشي عُرياناً. فلم يرض أن يرفع ثوبه كغيره حتى لا تظهر عورته.
النبي الكريم رعى الغنم ونقل الحجارة وساهم بالبنا:
وقد سافر النبيُّ إلى الشام قبل البلوغ.. الآن يقولون لك سافر إلى السعوديّة فقد ركب طائرة وفي خلال ساعتين أصبح في جدّة.. طائرة مكيّفة وأكلٌ ساخنٌ فأي سفر هذا !! أمّا أنه سافر من مكّة إلى الشام وعلى جمل خلال شهر وساعتها قل ما هو السّفر ؟.. فالنبي سافر قبل أن يبلغ.. وسافر أيضاً بعد البلوغ في تجارةٍ للسيّدة خديجة كشريك مضارب، وكان قد سافر قبل أن يبلغ مع عمّه أبي طالب.
فقد كانت حياته خشنة رعى الغنم، ونقل الحجارة، وساهم بالبناء، وسافر قبل البلوغ سفراً شاقاً، والسفر قطعةٌ من العذاب.
روت كتب السيرة أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم استحلف باللات والعُزّى وهو صبي فقال للمستحلف: لا تسألني بهما شيئاً، فو الله ما بغضْتُ شيئاً بغضي لهما.
وشارك في الحرب وهو دون الحُلُم.. فقد روت كتب السيرة أنّه عليه الصلاة والسلام كان ينبِل لأعمامه في حربِ الفُجّار، أي يعطي لهم النبل أثناء الحرب.
وكان يقول أدّبني ربّي فأحسن تأديبي.

4 ـ المفاضلة بين الأولاد من أكبر أسباب الشعور بالنقص:
من معالجة الشعور بالنقص.. أحد أكبر أسباب الشعور بالنقص المفاضلة بين الأولاد، لا شكّ بوجود ابنٍ ذكيٍّ وآخر أقلّ ذكاء، أو ابنٍ وسيم وابنٍ أقلّ وسامةً، ابن اجتماعي - أي بهلول- ابنٍ انطوائيٍّ، فالأب العاقل المؤمن لا يفرّق بين أبنائه، لأنّه لو أهمل الأقل ذكاء أو أهمل الأقل وسامة فقد سبب له بهذا الإهمال مرضاً نفسيّاً خطيراً وهو الشعور بالنقص.
فلذلك يقول عليه الصلاة والسلام: رحم الله والِداً أعان ولده على برّه.
الأب الذي يتمنّى أن يكون أولاده في برّهم له سواء عليه أن يُسوّي بينهم:
الأب رزقه الله بولد فهيم وآخر محدود، أو ولد متفوّق في دراسته، والآخر غير ذلك، أو ولد جميل الصورة وجميل الخلق وآخر به عاهةٌ دائمة.. فإذا كان الأب مؤمناً فلا يمكن أن يشعر الأدنى أنّه أدنى أبداً.
يقول عليه الصلاة والسلام: رحم الله والداً أعان ولده على برّه.
ويقول عليه الصلاة والسلام: ساووا بين أولادكم في العطيّة.

(( عن النعمان بن بشير أنه قال إن أباه أتى به رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: إنّي نحلت ابني هذا - أعطيته - غلاماً كان لي فقال عليه الصلاة والسلام: أَكُلّ ولدك نحلت مثل هذا ؟ قال: لا. قال: فأرجعه ))
[ أخرجه البخاري و مسلم عن النعمان بن بشير ]
وفي روايةٍ:
(( قال عليه الصلاة والسلام: أفعلت هذا لولدك كلّهم ؟ قال: لا. قال: اتّقوا الله واعدلوا بين أولادكم. فرجع أبي فردّ تلك الصدقة ))
وفي روايٍة:
(( يا بشير، أَلَكَ وَلَد سِوَى هذا ؟ قال: نعم، قال: أكلَّهُمْ وهبت له مثل هذا ؟ قال: لا، قال: فلا تُشْهِدْني إِذَنْ، فإِني لا أشهد على جَور ))
[ أخرجه البخاري و مسلم عن النعمان بن بشير ]
(( ثم قال: أَيَسُرُّكَ أن يكونوا إليك في البِرِّ سواء ؟ قال: بلى. قال: فلا، إِذن فسوِّ بينهم في العطاء ))
الأب الذي يتمنّى أن يكون أولاده جميعاً في برّهم له سواء عليه أن يُسوّي بينهم.
الأب العاقل لا يفرّق بين أولاده أبداً:
يوجد ما هو أدّقُّ من ذلك:
(( رجل كان عند النبي صلى الله عليه وسلم فجاء ابن له فقبله وأجلسه على فخذه، وجاءته بنت له فأجلسها بين يديه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ' ألا سويت بينهم ))
[ رواه عن أنس بن مالك ]
فقد قبّل الابن ولم يقبّل الابنة، لمَ لم تسوّ بينهما ؟
هذه دقّة ملاحظة فأحياناً لا ينتبه الشخص.. عنده ولدان ودخل إلى البيت فحمل أحدهما وقبّله وقال للثاني: أهلاً يا أبي.. فما هذا ؟.. مثل ما قبّلت هذا فقبّل الآخر، أكرمت هذا فأكرم الآخر، حملت هذا فاحمل الثاني.. لا يجب أن يحدث هذا وإلا غرزت فيه مشكلة الشعور بالنقص.
فمثلاً إذا كان الأب يريد أن يأتيه الذكر فرزقه الله بالأُنثى، فأهمل الأب الأنثى، فما ذنبها ؟ هل هي التي خلقت نفسها أُنثى ؟ ليس لها أي ذنب في ذلك. أو الابن معه عاهة فما ذنبه ؟ بالعكس فصاحب العاهة يستدعي كُلّ الشفقة.. طيب ابن أقلّ ذكاء ليس متفوّقاً بل محدود فماذا تفعل هل تحطّمه ؟ وابن أقلّ وسامة، ابن ليس اجتماعياً، الأب العاقل لا يفرّق بين أولاده أبداً.
أيُّها الأخوة الكرام... أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الحقائق المستنبطة من نصوص القرآن والسنّة الصحيحة، منهجاً لنا في تربية أولادنا، وأن يكون هذا الدرس مترجماً في البيوت إلى ممارساتٍ يوميّة، ولا يوجد أب ليس عنده أولادٌ.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 08:26 AM   #14


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثانى عشر )

الموضوع :التربية النفسية ( 3 ) عقدة الشعور بالنقص -2






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

أسباب الشعور بالنقص عديدة منها:

أيُّها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثاني عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام، وقد وصلنا في الدرس الماضي إلى مرضٍ نفسيٍ خطير يصيب الأطفال والأبناء ألا وهو الشعور بالنقص، وقد بيّنا أنّه من أسباب هذا المرض الخطير التحقير والإهانة من قبل الأب والأمّ الجاهلين، التحقيرُ و الإهانة من قبل الأب والأم الجاهلين أو الدلال المفرط وله تأثيرٌ لا يقلُّ خطورةً عن التحقير والإهانة.
في الدلال المفرط تضَعّف شخصيّة الصغير، لا يقوى على مجابهة المجتمع، يشعر دائماً بالنقص أمام أقرانه، والمفاضلة بين الأولاد أيضاً من أسباب الشعور بالنقص، والعاهات الجسديّة التي قدّر الله لحكمةٍ أرادها على هذا الطفل، أيضاً هذه العاهات تسهم بشكلٍ أو بآخر بهذا المرض، الشعور بالنقص، واليتمُ أيضاً من أسباب هذا المرض، والفقر من أسباب هذا المرض.
تحدّثنا في الدرس السابق عن العنصر الأوّل والثاني وها نحن ننتقل إلى العنصر الثالث.
1 ـ عدم المساواة في العطيّة بين الأولاد:
أيُّها الأخوة الكرام، ليس من شأن المؤمن أن يظلم، النبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول:
((ساووا بين أولادكم في العطية ))
[ من الجامع الصغير عن ابن عباس ]
وأنا والله اطلعت على عشرات بل بضع عشرات من الحالات في هذا المسجد بالذات من أنَّ الآباء يفاضلون بين الأبناء، يخصّون ابناً بالعطاء ببيت، بتزويج، ويهملون الباقي، فإيّاك أن تدّعي أنّك تحبُّ رسول الله وأنت تخالف سُنّته، إيّاك أن تدّعي أنّك تحبُّ الله لأنّ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) ﴾
( سورة آل عمران: آية " 31 " )
علامة حبّك لله عزَّ وجلّ اتّباع النبيّ في سنّته:
علامة حبّك لله عزَّ وجلّ اتّباع النبيّ في سنّته فقد قال عليه الصلاة و السلام:
((ساووا بين أولادكم في العطية ))
[ من الجامع الصغير عن ابن عباس ]
أي إذا لم تتمكن من شراء بيتٍ لأحد أولادك، فهذا البيت يكتب باسم الجميع، ولعدم استطاعتك فاشتريت بيتاً للابن الأكبر، فهذا البيت ليس ملكه وحده، بل يسكنه مؤقّتاً لكنّه ملك الباقين بالتساوي، فالمؤمن لا يحيد، ولا يحيف، ولا يُحابي، ولا يظلم، ولا يعين الشيطان على أولاده، عليه أن يعين أولاده على الشيطان، عن طريق المساواة في العطيّة.
والحديث الذي تعرفونه جميعاً وهو من أُصول الأحاديث:
(( رحم الله والداً أعان ابنه على بره))
[ من الجامع الصغير عن علي ]
أي إذا قلنا: رحم الله ولداً برّ أباه، فنقول بالتالي: رحم الله والداً أعان ولده على برّه، بعض الآباء لهم طباعٌ صعبةٌ، فتجده قاسياً جداً، أي مثلاً: فتاة مناسبة جدّاً وقد رآها هذا الشاب المؤمن مناسبةً له، لا، سوف أغضب عليك إن تزوّجتها، الزواج ليس لك بل له وقد أعجبته.. أعجبه دينها وأعجبها حفظها لكتاب الله، لكنّ الأب له طموحٌ آخر، فهل الزواج لك أم لابنك ؟
هذا الذي يدفع ابنه إلى أن يعصيه يحمل ابنه على أن يخالف أمره، ويحمل ابنه على أن يحتال في الإجابة، فليس هذا الأب أباً أعان ولده على برّه، إنّه أعان الشيطان على ابنه، بمعنى أنّه قد حمله على أن يكذب أو على أن يحتال، هذا الحديث: رحم الله والداً أعانه ولده على برّه.
على كل أب أن يعين ابنه على برّه:
إخواننا الكرام، دائما توجد أحاديث متقابلة، أي مثلاً.. السارق سارق، ولكن هل تصدّقون أنّ الذي يتيح للسارق أن يسرق ليس أقلّ إثماً منه، فإنّكم لا تصدِّقون هذا الكلام، فهناك أحاديث بذلك.
فمثلاً المال بأحد الدروج ومفتاحه عليه وموجود بالمحل موظّفٌ، وعندما وجد الدرج مفتوحاً وفيه رزماً من النقود، وقد ذهب صاحب العمل للصلاة، هذا الموظّف قد يكون مستقيماً في الأساس ولكنّك قد أغريته كثيراً، وأنت قد حملته على أن يأخذ ما ليس له، أمّا لو كنت قد قفلت الدرج فلا شيء.
فكما أنّه السارق آثم، وكذلك الذي يعين السارق على السرقة، الذي يضع المال معرّضاً للسرقة ليس أقلّ إثماً من السارق.
الابن عليه أن يبرّ والده فهذا شيء جميل، لكن هذا الأب الذي يعدل بين الأولاد، والذي يرحم أولاده، الذي يعطي من ماله لأولاده، الذي يعينهم على الزواج، يهيّئ لهم.
فقد سمعت البارحة، إنسان على فراش الموت قالت له ابنته: يا أبتِ.. حرمك الله الجنّة كما حرمتني نعمة الزواج.
كلّما جاءها خاطب يقول عنه ليس مناسباً، إلى أن أصبحت عانساً، فانحرمت الأمومة، فلا أولاد عندها، وأبوها على فراش الموت، وتقول له: حرمك الله الجنّة كما حرمتني نعمة الأولاد.
فأيضاً التعنُّت في تزويج البنات، فأنت مستقر ومرتاح وعندك زوجة وسائر أمورك ميسّرة، والبنت تتقلّب وأنت تقول كلّما جاءها خاطب: هذا لم يعجبني، هذا بيته له مدخل مزري، فما تريد أنت من بيته ؟!! فتجد أسباباً مضحكة وسخيفة جدّاً حينما يتعنّت الآباء في تزويج بناتهم.
شرُّ الناس من عاش فقيراً ليموت غنيّاً:
على كلٍ هذا الحديث كثير الّدقة:

(( رحم الله والداً أعان ابنه على بره))
[ من الجامع الصغير عن علي ]
بالعدالة، بالرحمة، والله يوجد آباء أبطال، يكون ساكناً بالشام ببيت فخم ويقوم ببيعه ويشتري بيتاً في أطراف المدينة ومساحته مئة مترٍ، ويأخذ لكل ابنٍ بيتاً، هذه بطولة.. فالأُبوّة الكاملة يمكن أن تكون سبباً لدخول الجنّة، الأولاد في ريعان الشباب وشهوتهم مّتقدة، والطرقات فاسدة، فلا يوجد أملٌ أن يتزوّج الابن، فقام ببيع البيت واشترى لكل واحد من أولاده بيتاً في أطراف المدينة وسكن هو معهم، فهذا بطل.
يوجد آباء أنانيّون، لا يطلع من بيته، يسكن في بيتٍ أربعمئة مترٍ هو وأمّ أولاده، وثمن هذا البيت عشرون مليوناً ببيعه تحل مشكلة خمسة أبناء، فلا يبيعه ولا بأي شكل أو حال من الأحوال، فهو مستقر، ويقول لأولاده: دبّروا أُموركم، فأنا قد أنشأت نفسي بنفسي، أنا عصامي. الآن لا يوجد عصامي فهذا في وقته والآن الوقت قد اختلف وقد توسع الهامش جداً فلا يستطيع أحد من الشباب أن يستقل بدون معونة.
وكذلك يوجد آباء أُثني عليهم، فكما أن هذا ابنه فكذلك هذه ابنته وهو في بحبوحة، فأمّن بيتاً لابنه كذلك يؤَمّن لابنته، وإذا وجد شاباً مؤمناً راقياً يقول له: هذه ابنتي ومعها بيتٌ. فتجد لابنتك أحسن شاب، أمّا غير مستعد أن يعطي شيئاً للغريب، وحتّى لو قلت له: سجّله باسم ابنتك وبذلك تحل مشكلة هذه البنت وهذا الشّاب.. فإذا لم يعرف الإنسان الله يصبح أنانياً، حريصاً وبخيلاً، وشرُّ الناس من عاش فقيراً ليموت غنيّاً، وأندمُ الناسُ رجلٌ دخل ورثته الجنّة بماله، ودخل هو النار بماله .
فالحديث أيُّها الأخوة والله لا أشبع من تكراره:
(( رحم الله والداً أعان ابنه على بره))
[ من الجامع الصغير عن علي ]
((ساووا بين أولادكم في العطية ))
[ من الجامع الصغير عن ابن عباس ]
المؤمن الصادق لا يستجيب لهوى نفسه بل يبذل عنايته التّامة بالأقل شأناً:
القصّة التي قرأتها عليكم في الدرس الماضي لمّا قال النعمان بن البشير: يا رسول الله.. إنّي نحلت ابني هذا، (أعطيته بستاناً)، فقال عليه الصلاة والسلام: أَكُلّ ولدِك نحلته مثل هذا ؟ قال: لا. قال: فأرجعه. وفي رواية: أفعلت هذا لأولادك جميعهم ؟ قال: لا. قال: عليه الصلاة والسلام: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم.. يا بشير ألك ولدٌ سوى هذا ؟ قال: نعم. قال: أكلُّهم وهبت لهم مثل هذا ؟ قال: لا. قال: فلا تشهدني، فإنّي لا أشهد على جور... ثمّ قال النبيُّ عليه الصلاة والسلام: أيَسُرُّك أن يكونوا لك في البرِّ سواء ؟ قال: بلى. قال: إذاً فلا تعطِ أحداً منهم دون الآخر.
وقد ذكرت لكم في الدرس الماضي أنّ النبي عليه الصلاة والسلام كان عنده رجل، فجاء ابن هذا الرجل فقبّله وأجلسه على فخذه وجاءت ابنته فأجلسها بين يديه. فقال عليه الصلاة والسلام: ألا سوّيت بينهما في القبلة.
أيُّها الأخوة... والحديث الذي أختم به هذه الفقرة من الدرس: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم.
في كلّ شيء، لا تعطِ ابناً أزيد من ابن ولو لم يكونوا في البرِّ سواء، أنت إن عدلت بينهم أعنت الضعيف منهم، أعنت البعيد منهم على برِّك، أمّا إذا فرّقت في العطيّة بينهم أعنت البعيد بعداً على أن يزداد بعداً، وحملته على أن يتمنّى شيئاً لا ترضاه أنت.

2ـ العاهات:
الآن.. يوجد كثير من البيوت فيها أطفال، وهذا الطفل قد يكون محدود الإمكانيّات وأقل من أخوته، أو لديه عاهةٌ أو ضعفٌ في التفكير، أو دمامةٌ في الخلقة، فهل هو الذي صنع نفسه، أو خلق نفسه ؟ هنا تظهر الرحمة، فالأب المؤمن الرحيم لا يميّز بين ذكيٍّ وغبي، ولا بين وسيمٍ ودميم، ولا بين صحيحٍ وذي عاهة أبداً، في المعاملة، في الابتسام، في العناية، في الترتيب، في الاهتمام.
وبالطبع الإنسان بشرٌ، ويحبُّ الأكمل، ويحبُّ الأجمل، والأذكى، ويحبّ أكثرهم لباقة وهذا شيء طبيعيّ، ولكن أين البطولة ؟؟ لو أنّ الإنسان قد انساق مع هوى نفسه وقرّب الأكثر وسامةً أو الأكثر ذكاءً فقد أبعد ذاك، أمّا المؤمن الصادق لا يستجيب لهوى نفسه فيبذل عنايته التّامة بالأقل، بالأقل وسامة، بالأقل ذكاء، بالأقل سلامة، حتّى يرضى الله عنه.
أسعد الناس من أسعد الآخرين:
لا تنسوا أيُّها الأخوة كلمة: الراحمون يرحمهم الله، يوجد شخصٌ قد تبنّى طفلاً ليس له أب ولا أم وكان به تشوُّهٌ خلقي، فأجرى له سبع عشرة عمليّةً جراحيّة إلى أن استطاع أن يمشي هذا الطفل، وعندما آن الأوان أن يغادر إلى أقرباء له، فأبى هذا الطفل أن يغادر حتّى يودّع هذا الإنسان الذي قد تبنّاه وأكرمه، وعندما وجده أعطاه قطعةً من المسكة تعبيراً له عن شكره. طفل صغير أجريت له عدّة عمليّات ليبرأ من عاهات خلقيّة حتى استطاع أن يمشي فأبى أن يغادر قبل أن يودّع سيّد نعمته، فلمّا رآه أقبل عليه من شدّة محبّته له تعثّر فوقع، ثمّ وقف وأعطى هذا الإنسان قطعة مسكة تعبيراً عن مودّته، وقد قال لي هذا الرجل: والله هذه القطعة من المسكة لا أبيعها ببناية.
القيم الإنسانيّة عندما تضعف تصبح الحياة موحشة لا معنى لها، فعندما يكون الإنسان محسناً فيصبح أسعد الناس، إذا أردْت أن تسعد فأسعد الآخرين، فهنا النقطة الهامّة، فالطفل الجميل محبوبٌ كثيراً، الطفل الجميل، الذكي، و أنت أين بطولتك ؟ البطولة أن تعتني بالأقل ذكاء، وبالأقل وسامة تكون عنايتك ولو كان عنده عاهة، فهنا وفي هذه المواقف تكون البطولة العظيمة.. عناية واهتمام، والمؤمن يصبر، فالذي يرقى بك إلى الجنّة لا أن تعتني بالجميل والوسيم والذكي، لا.. فقد سمعت كلمة من رجل أُجلُّه وقد توفّي رحمه الله قال لي: الجيّد لا يريدك، الجيّد لنفسه، المؤمن أين بطولته ؟ بطولته تظهر مع الأشخاص السيّئين، بالرحمة وبالعناية وبالاهتمام.

الراحمون يرحمهم الله:
إذاً يقول عليه الصلاة والسلام:
(( الراحمون يرحمهم الله، الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء ))
[ ورد في الأثر]
ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء:
(( لا يؤمن أحدكم حتّى يُحبَّ لأخيه ما يحِبَّ لنفسه ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن أنس ]
(( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خُلُقاً.))
[ من الدر المنثور عن السيدة عائشة ]
أحياناً الإنسان يكون أمامه طفل فيه عاهة، فلو ناداه بهذه العاهة، فيا لطيف، قال عليه الصلاة والسلام:
(( إنّ الرجل ليتكلّمَ بالكلمة لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنّم سبعين خريفاً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
وإنَّ العبد ليتكلَّم بالكلمة ما يتبيّنُ ما فيها يزِلُّ إلى النار أبعد ما بين المشرق والمغرب، وعندما قالت السيّدة عائشة عن أختها، عن ضرّتها صفيّة: إنّها قصيرة. قال:
(( يا عائشة لقد قلت كلمةً لو مُزجت في مياه البحر لأفسدته. ))
[ أبو داود ]
فأين نحن نعيش ؟ تجد إذا عند الزيارات النسائيّة يقمن بتفنيد إحدى النساء تفنيداً بشعاً، يكشفن ما خفى من العيوب، ويتكلّمن بها، ويفصّلنها أمام الرجال، أمام زوجها وأمام أولادها، هكذا طولها، وهكذا عرضها، و هكذا لونها، وعندها حول قليل في عينها، وعندها... أين تمشين أنت ؟ قالت السيّدة عائشة فقط عن ضرّتها: قصيرة. قال: يا عائشة.. لقد قلت كلمة لو مزجت بمياه البحر لأفسدته.
المؤمن إنسان كامل يضبط لسانه و لا يؤذي أحداً:
على الإنسان أن يمسك لسانه، فالإيمان شيء عظيم، والمؤمن إنسان كامل، أكثر شيء ضابط لسانه، فلا يتكلّم بكلمةٍ خلافاً للشرع، ولا يتأذّى من أحد إطلاقاً، رحمته تسع كلّ الناس، يوجد أشخاص يحبّون الذكي و يحبون الجريء، أمّا الآخر فيكيل له الإهانات والإعراض والتهكُّم والسخرية، فهذا الشخص وحشٌ.. أمّا المؤمن فغير ذلك.
أحياناً معلّمون إذا سأله أحد طلاّبه سؤالاً سخيفاً قليلاً فيقوم المعلّم بإهانته وبهدلته وغير ذلك من التسخيف، فبالتالي لن يسألك أحدٌ من الطلاب بعد الآن أيّ سؤال فقد حطّمت الطلاب تحطيماً، وبعد ذلك إن كان عند أحدهم سؤال وجيه فسيخاف ولن يسألك، فيظلَّ الجاهل جاهلاً، فأين بطولتك ؟ بطولة المعلّم أن يجيب على السؤال السخيف بكلّ اهتمام، وإذا الطلاب ابتسموا.. فيقول لهم: معه الحق في أن يسأل، فمفتاح العلم السؤال، ليس العار أن تكون جاهلاً، العار أن تبقى جاهلاً، ارفع معنويّاته، ولو كان سؤاله سخيفاً، يظهر بذلك فضل المؤمن.. فالنفس الإنسانيّة كثيرة الحساسيّة والدّقة.
إنّ العبد ليتكلّم بالكلمة ما يتبيّن ما فيها يزَلُّ إلى النار أبعد ما بين المشرق والمغرب، كما أنّه عندما يقع الإنسان بمصيبة تجد كثيراً من الأشخاص يتكلّمون بكلام أقسى من الصخر، نصحتك ولم تنتصح، كلمات في منتهى القسوة، منتهى العنجهيّة.

العاقل من لا يظهر الشماتة بأخيه بل يحتويه و يخفف عنه:
النبيّ الكريم قال:
(( لا تظهر الشماتة لأخيك، فيرحمه الله ويبتليك.))
[أخرجه الترمذي عن واثلة بن الأسقع ]
إيّاك، فأحياناً الإنسان يغلط ويدفع لذلك ثمن خطئه، فيجب عليك أنت أن تحتويَه، أن ترحمه. فمثلاً: سيّدنا حنظلة جلس في الطريق يبكي، فمرّ سيّدنا الصدّيق وسيدنا الصديق سيّد الصحابة وأعلاهم، قال له: ما لك يا حنظلة تبكي ؟ فقال: نافق حنظلة (أي أنا منافق) فقال له: لمَ يا أخي ؟! فقال له: نكون مع رسول الله ونحن والجنّة كهاتين (أي نعيش معه بأحوال جميلة جدّاً) فإذا غادرنا إلى البيوت ننسى (هذه الأحوال)، فقال له: أنا كذلك يا أخي فما هذا التواضع ؟. فإذا شكا أحد الأشخاص لك زوجته، فنقول له: لا.. الحمد لله أنا زوجتي ملاك.، فلا يجوز هذا الكلام هذا الكلام ليس له طعم، فقولك له: والله لا يوجد أحد مرتاحاً.. فبذلك تخفف عنه، وإن كان عنده ولدٌ سيئ، فيقول له: أنا ابني ما شاء الله، الأوّل، ملاك، من السماء منزَّل. فهذا الكلام فيه وقاحة.
فإن كان عنده ابن سيّئ فخفف عنه قليلاً بلواه وقل له هذه بلوى عامّة، وثلاثة أرباع الناس هكذا.. الطريق صعبةٌ والأصدقاء والرفقاء كذلك حتّى يشعر بالأنس فالله كان يؤانس رسول الله ويذكر له عن الأنبياء السابقين وكيف كُذِّبوا ولم يُصدَّقوا وأُوذوا حتى يرتاح.
إذاً لا تظهر الشماتة بأخيك فيرحمه الله ويبتليك، وكلّكم تعرفون الآية الكريمة:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (11) ﴾
( سورة الحجرات: آية " 11 " )
والله أيُّها الأخوة، قد يكون إنسانٌ بأعلى مرتبة، وقد يكون الحاجب المعيّن لديه أرقى منه عند الله ! فأنت لا تعرف، فقد يكون الحاجب المعين عندك أنت في أعلى مرتبة وهو في أدنى مرتبة !هذا في هذه الدنيا، لكن عند الله توجد مقاييس أُخرى.
3 ـ اليتم:
أمّا إذا كان الطفل يتيماً فهو كذلك يشعر بالنقص لذلك قال عليه الصلاة والسلام: أنا وكافل اليتيم كهاتين.
(( أوَّل من يمسك بحلق الجنّة أنا، فإذا امرأةٌ تنازعني تريد أن تدخُل الجنّة قبلي، قلت من هذه يا جبريل ؟ قال: هي امرأةٌ مات زوجها وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلهم ))
[ ورد في الأثر]
كم هذا اليتيم غالٍ على الله عزَّ وجلَّ، فهذه المرأة الشّابة وعمرها مثلاً ثلاثٌ وعشرون سنة وقد حرمت نفسها حظَّ الزواج إلى ما شاء الله من أجل تربية أولادها. لذلك قال تعالى:
﴿ فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ (9) ﴾
( سورة الضحى: آية " 9 " )
ويقول عليه الصلاة والسلام:
(( أنا وكافل اليتيم في الجنّة ))
[‏ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عن أبي هريرة]
وفيما رواه الإمام أحمد وابن حبّان أنّه قال:
(( من وضع يده على رأس يتيمٍ ترحماً كانت له بكُلِّ شعرةٍ تمر عليها يده حسنة ))
[رواه الإمام أحمد وابن حبّان ]
تجد اليتيم مقهوراً، فالأب عز، فاليتيم ليس له أب والأخ غير الأب فمن عنده يتيم فليرعه وله حق يربيه وهذا هو المناسب، سأل أحدهم النبي عن يتيم يربيه في بيته: أفَأضربه ؟ قال: نعم، مما تضرب منه ولدك.
فإذا كان عندك هذا المقياس الدقيق، لو أنَّ ابنك وهو فلذة كبدك فعل ذنباً ورأيت من الحكمة أن تضربه لك أن تضرب اليتيم، لكن كما لو أنّه ابنك.
(( اللهم إنّي أُحرِّج حقَّ الضعيفين اليتيم والمرأة.))
[رواه أحمد عن أبي هريرة ]
أي أنّ أموال اليتامى ينبغي أن يحافظ عليها، المرأة واليتيم، يروى أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام رأى طفلاً يتيماً يبكي بأحد الأعياد، فقال له: أما ترضى أن أكون لك أباً وأن تكون عائشة لك أُماً ؟ ففرح هذا اليتيم وصار يتباهى بهذا النسب الجديد.
4 ـ الفقر:

الحقيقة موضوع الفقر أيضاً يسبب الشعور بالنقص وكما تعلمون أيُّها الأخوة عندما قال ربّنا عزَّ وجلَّ:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) ﴾
( سورة التوبة: آية " 103 " )
التطهير في الزكاة: فقد يطهر الفقير بالزكاة من الحقد، لأن الحرمان يسبب حقداً، وإذا أردتم تأكيداً لهذا المعنى، فيمكن ما من عمل عنيف في العالم إلا وراءه الإحساس بالحرمان، ممكن أن ترجع أكثر أعمال العنف في العالم إلى أنّ فئةً محرومةً من كلّ شيء، لا تخسر شيئاً إذا فعلت أيّ شيء، لذلك تفعل أيّ شيء، وهذه قاعدة، فإذا أردْت أن تطهر المجتمع من الحقد والضغينة وأعمال العنف، أعطِ كُلّ ذي حقٍ حقّه، فإذا فرضنا شخصاً دينه قليل ولكنّه منصف، هذا ينصره الله على إنسان ينتمي إلى الدين انتماءً أشدّ ولكنّه غير منصف.
لن نذهب بعيداً، فلو فرضنا محلاً تجارياً وصاحبه غير مسلمٍ ويعطي موظّفيه حقوقهم الكاملة، ومحلاً ثانياً صاحبه مسلم وهو في بحبوحة كبيرة يعطي موظفيه أقلّ دخلٍ ممكن، فيجوز أن تجد أنّ صاحب المحل غير المسلم الذي يعطي من حوله حقوقهم الكاملة أن الله يوفقه أكثر من الآخر المسلم.
حتّى قال أحد العلماء ذات مرة: إنّ الله ينصر الدولة الكافرة العادلة على الدولة المسلمة الظالمة.
إعطاء كل ذي حقّ حقه يُطهر المجتمع من الحقد و الضغينة:
الأساس أن يكون العدل موجوداً، فلذلك الفقير عندما تدفع له الزكاة تطهّره من الحقد، هذا هو التطهير، والتزكية: النماء، كيف ينمو الفقير ؟ حينما يشعر أنّ المجتمع لم ينسه، حينما يشعر أنّ المجتمع مهتمٌ به، فيحسّ بقيمته.
فلو فرضنا في أيّام العيد وطرق محسنٌ على باب الفقير وقدم له من الحلويّات واللحم والفواكه والألبسة، فماذا يشعر هذا الفقير ؟ يشعر بعظم المجتمع المسلم، وأن لم ينسه أحد، والجماعة قد تذكّرتني، فيحبّهم.
فالغنيّ دائماً بين أن يعيش بين محبّين إذا كان كريماً، وبين أن يعيش بين أعداء إذا كان بخيلاً، لأنّك إذا أكرمت من حولك أصبحوا لك حرساً، وإذا بخلت عليهم أصبحوا لصوصاً، بين أن يكون حارساً لك وبين أن يكون لصّاً تخافه، البخل يقلب من حولك إلى لصوص، والكرم يقلب من حولك إلى حرّاس.

العاقل لا يعطي ابنه شيئاً يميزه عن بقية الأطفال
وبعد ذلك أيُّها الأخوة فهذا الحديث الشريف يمكننا أن نتكلّم حوله درساً بكامله.. نفى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الإيمان كلِّيّاً:
(( ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائعٌ إلى جنبه وهو يعلم به ))
[روى البزّار والطبراني عن أنس ]
فمن تطبيقاتنا العمليّة لا أحد منا ليس له أبناء في المدرسة، فإذا كان أحد منا في بحبوحة فليس له الحق في أن يعطي ابنه شيئاً ليس في متناول عامّة الأطفال.. طفلةٌ عمرها ستّ سنوات ذهبت إلى رحلة مع المدرسة للغوطة وأعطاها أبوها ألف ليرة ست سنوات بالابتدائي تعطيها ألف ليرة، وهي في الصّف الأوّل وقامت بصرفها وتوزيعها توزيعاً، فماذا تشعر زميلتها التي أعطاها أبوها خمساً وعشرين ليرة زائدين على أكلها وكلّ شيء معها ؟؟ فالبذخ الزائد على الأطفال ماذا يسبب ؟؟ يسبب الشعور بالفقر والحرمان من زملائهم.
عندك من الفواكه فأعطِها الفاكهة المألوفة، تفّاحة صغيرة مثل سائر الناس، فلو أعطيتها موزة !! فالموز الآن غالي السعر، وكذلك يوجد بعض الحلوى الأجنبيّة وثمنها أكثر من أربعين ليرة أو خمسين ليرة فأعطها شيئاً بخمس ليرات مثلها مثل رفيقاتها، وإذا أحببت أن تطعمها شيئاً ثميناً فأطعمها ذلك بالبيت.. والحديث معروف:
(( ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها))
[ من تخريج أحاديث الإحياء عن عمرو بن شعيب ]
أيضاً حتّى لا يشعر الطالب أو الطفل بالمدرسة بالحرمان والفقر، فلا ينبغي للموسرين أن يعطوا أبناءهم ما يميِّزهم عن بقيّة الأطفال.
من أفقر أسرة له عند الله حساب شديد:
توجد نقطةٌ ثانية مهمّة وهي في الحديث الشريف:
(( كاد الفقر أن يكون كُفراً ))
[رواه أحمدٌ والبيهقي عن علي]
أي أنّه إذا افتقرت أسرة فالذي أفقرها له عند الله حساب كبير، أحياناً إنسان يتعنّت تعنُّتاً أو يعمل عملاً فيتسبب في فقر أُسرة، كأن يصرف شخصاً من عمله هكذا لكي يغيظه، ويصبح هذا الإنسان بلا عمل وهذه مشكلة، فكاد الفقر أن يكون كفراً، وكان عليه الصلاة والسلام يتعوّذ فيقول:
(( اللهمّ إنّي أعوذ بك من الكفر والفقر))
[ أخرجه أحمد عن مسلم بن أبي بكرة]
الكفر، والفقر، لكن الله عزَّ وجلَّ طيّب قلوب الفقراء بقول النبي صلى الله عليه وسلم:
(( إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة]
أي أنّ أبسط لباس، وأصغر بيت، وأقلّ أثاث، هذا عند الله ليس في الحساب إطلاقاً، الحساب عند الله بالقلب الطاهر، القلب السليم، والنيّة الطيّبة، إنّ الله لا ينظر لصوركم وأجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.

شأن الفقير عند الله عز وجل كبير جداً:
الآن نروي حديثاً لسيّدنا الصدّيق له مغزى كبير، روى الإمام مسلم أنَّ أبا سفيان أتى إلى سلمان الفارسي وصهيب وبلال الحبشي في نفر، فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدوِّ الله مأخذها. فقال أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريشٍ وسيّدهم !! فأتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأخبره. فقال: يا أبا بكر لعلّك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربّك. فأتاهم سيّدنا الصدّيق فقال: يا إخوتي أغضبتكم ؟ قالوا: لا.. يغفر الله لك يا أخي.
سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عدوِّ الله مأخذها.. وأبو سفيان سيّد قريش وزعيم مكّة، وهؤلاء يقولون عنه ما قالوا، فسيِّدنا الصدّيق ما رأى في هذا القول حكمةً، فقد فتحت مكّة وانتهى الأمر وأسلم أبو سفيان، وقال النبي: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وهؤلاء ذكّروه بعداوته القديمة فلم يرض الصديق أن يقولوا هذا عنه، فقال لهم: أتقولون هذا لشيخ قريشٍ وسيّدهم !! كأنّه عنّفهم.. وقد استنبط العلماء من هذا الحديث: أنّ الفقير له عند الله شأن كبير.

عطاء الله عز وجل ابتلاء و حرمانه دواء:
إذا أغضبت فقيراً فكأنّما أغضبت ربّك، فالله قد أفقره لحكمةٍ يريدها ولو شاء لجعله غنيّاً.. مرّة أحد إخواننا الكرام محسن وتبرّع ببيت بكامله ويبلغ ثمنه ستة أو سبعة ملايين لجمعيّة خيريّة وأُقيم له حفل تكريم على هذه المبادرة الطيّبة، وقام أحد إخواننا الكرام بإلقاء كلمةٍ فاجأ بها الحضور، قال في كلمته لهذا المحسن: أُشكر الله عزَّ وجلَّ أن جعلك غنيّاً وقدّمت هذا البيت، والله سبحانه وتعالى قادرٌ على أن يجعلك أحد المنتفعين من جمعيَّتنا.
ممكن أن يحدث ذلك، فالغني لا يقول أنا غنيّ فيوجد من هو أذكى منك وهو فقير، فتركت هذه الكلمة في نفسه أثراً بالغاً، فالغني الله أغناه والفقير على ذكائه قد يكون الفقر له حكمة، فليس للغني الحق بأن يفتخر بغناه، ولا الفقير يشعر بأنّه أقلّ من غيره لا فقد قال تعالى:

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ (15) وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ (16) كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾

( سورة الفجر )

كلا: ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء، قال له: يا أبا بكر لعلّك أغضبتهم، لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربّك. فأتاهم سيّدنا الصدّيق فقال: يا إخوتي أأغضبتكم ؟ قالوا: لا يغفر الله لك يا أخي. فاستأذنهم حتى لا يكون أغضبهم كذلك، كلمة تكلّمها.. فانظروا كم لهؤلاء الفقراء عند النبيّ شأنٌ كبير.
الحكم الشرعي عند دعوة الأغنياء و الفقراء إلى الطعام:
لذلك قال العلماء لو كان هناك دعوة والمدعو لها عشرون شخصاً، والموعد الساعة الثالثة، وفي الثالثة والنصف أحد المدعوّين لم يأتِ، يا ترى أنأكل أم ننتظره، فماذا نفعل ؟ وما الحكم الشرعي ؟ وهذا يحدث مع كلّ الناس فما العمل ؟ نأكل أم ننتظر ؟
والعلماء قالوا: الحكم الشرعي هو: إذا كان هذا المتأخّر فقيراً ينبغي أن ننتظره، أمّا إذا كان غنياً فنأكل ولا ننتظر.
فإذا كان فقيراً وأكلنا قبله فسيشعر بنقص، ويُجرح، أمّا إذا كان شخصاً من مستوى الحضور يقولون له: فلماذا تأخّرت يا أخي فنحن أكلنا. وهذا هو الحكم الشرعي أورده الإمام الغزالي، إذا كان المتأخّر فقيراً ينبغي أن ننتظره جبراً له.
والله عزَّ وجلَّ كما قال في كتابه العزيز:

﴿ إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60) ﴾
( سورة التوبة)
(( إن الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بالقدر الذي يسع فقراءهم، ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإن الله يحاسبهم حساباً شديدا، ويعذبهم عذاباً أليما ))
[ من الدر المنثور عن علي ]
الله يسامح الناس في بعض البلاد، يصنعون وليمة تكلّف مئة ألف، لأمير مثلاً، جمل مكتّف سنّه صغير - قاعود - وهذه أفخر الأكلات، فيأكل الأمير منه أوقيّة من اللحم والباقي يلقى في المزابل، والله سبحانه وتعالى كبير فقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: يا عائشة أكرمي جوار نعم الله، فإنّ النعمة إذا نفرت قلّما تعود.
من حفظ نعمة الله عز ول رزقه الله من حيث لا يحتسب:
مرّةٍ حضرت عقد قران ومعه عشاء، والعشاء لا أعتقد أن يكون قد أُكل منه خُمسَه، وتكلّف كلّ مدعوٍ ألف ليرة وعدد المعزومين ثمانمئة شخصٍ، وقال لي أحدهم: والله دفع ثمناً للعشاء مليوناً من الليرات بالتمام والكمال. فسألت: ما مصير هذا الطعام بعد أن انصرف المدعوّون، وقد لاحظت أنه لا أحد أكل منه سوى الخمس بل أقل ؟ فقال صاحب الدعوة: والله ما ضاعت حبّة رزّ، كل هذا الطعام أُخذ إلى ميتم ووضع في أكياس من البلاستيك في البرّادات، وأكله هؤلاء الأيتام على فترة أسبوع أو عشرة أيّام، لم تضع لقمة سُدى. فوالله قد سررت بذلك، كما أنّ صاحب هذا الحفل جمع نفقات الحفل ودفع مثلها لتزويج الشباب غير القادرين ففي اليوم الثاني دفع مليون ليرة لتزويج بضعة شباب مقابلها.
فهذا شيء جميل وقد اطمأننت، فالطعام إذا أُهمل ووضع في المهملات، فهذه نعمةٌ كبيرةٌ جدّاً فالمؤمن لا يضيّع حبّةً من الأرز، ولا يضيّع قطعة من الخبز ولو صغيرةً، واضعاً كلَّ شيء بمحلّه، فأعرف إخواناً كراماً يضعون الأكل الزائد فوق الأسطحة لتأكله الطيور بعض الفُتات والأكلات التي لا تُؤكل معه ولا يلقيها في سلّة المهملات، بل يضعها على شرفة أو سطح فتأتي الطيور وتأكلها كلّها.
إذاً إنَّ الله فرض على أغنياء المسلمين في أموالهم بالقدر الذي يسع فقراءهم ولن يجهد الفقراء إذا جاعوا، إلا بما يصنع أغنياؤهم، ألا وإنَّ الله يحاسبهم حساباً شديداً ويعذّبهم عذاباً أليماً.

اجتماع أفراد الأسرة حول الطعام يطرح البركة به:
الحديث الشريف:
(( أفضل الأعمال إدخالُ السرور على المؤمن، كسوت عورته، أو أشبعت جوعته، أو قضيت له حاجته ))
[رواه الطبرانُّي في الأوسط عن عمر رضي الله عنه]
والنبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول:
(( من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثلاثة ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامسٍ، بسادس))
[ أخرجه البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكر]
وتوجد بعض الأُسر الأب يأكل وحده، وكذلك الابن، والبنت، فالساعة الثانية يُعدّون الطعام لأحدهم والثالثة يعدّونه للآخر وهكذا فتذهب البركة بالتالي، أمّا إذا وضع الطعام واجتمعوا جميعاً حوله لكفاهم هذا الطعام.
قصة النبي الكريم مع رجل من الأنصار يريد عطاء له و لأسرته:
استمعوا لهذه القصّة أيُّها الأخوة فهي من أدقّ القصص، و والله تعدُّ هذه القصّة أحد المفاصل الأساسيّة في السُنّة وهي تعلّم أشياء كثيرة، أوردها أبو داود والنسائي والترمذي، قال: جاء رجل من الأنصار النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يسأله عطاءً (يريد المساعدة) فقال له النبيُّ عليه الصلاة والسلام: أما في بيتك شيء ؟ قال: بلى.. يا رسول الله، حلسٌ نلبس بعضه ونبسُطُ بعضه (أي قماش)، وقعبٌ نشرب فيه الماء. قال: ائتني بهما. فأتاه بهما. فأخذهما عليه الصلاة والسلام وقال: من يشتري منّي هذين ؟ قال رجل: أنا آخُذُهما بدرهم. فقال عليه الصلاة والسلام: من يزيد على درهم ؟ - بالمزايدة - قال رجل: أنا آخُذهما بدرهمين. فأعطاهما إيّاه وأخذ الدرهمين وأعطاهما للأنصاري وقال: اشترِ بأحدهما طعاماً فانبذه إلى أهلك، واشترِ بالآخر قُدّوماً و ائتني به. فأتاه به.. فشدّ فيه النبيُّ عليه الصلاة والسلام بيده الشريفة عوداً بيده (عمل النبي الكريم له يداً) وقال: اذهب واحتطب وبع ولا أرينّك خمسة عشَر يوماً. فجاء وقد أصاب عشرة دراهم فاشترى ببعضها طعاماً فقال عليه الصلاة والسلام: هذا خيرٌ لك من أن تجيء والمسألة نكتةٌ في وجهك يوم القيامة.
باع له الحلس وباع له القعب بدرهمين وقال له: ادفع لأهلك بدرهم طعاماً واشترِ بالآخر قدوماً، وشدّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام بيده الشريفة عليه عوداً، وأعطى هذا الأنصاري القدّوم وقال احتطب به ولا أرينّك خمسة عشر يوماً ففعل.

من حفظ ماء وجهه يسر الله له رزقاً كبيراً:
رأيت مرّة أحد الأشخاص يسأل.. وهو شابٌ وقال: ليس عندي محلٌ، فقلت له: ألا تستطيع أن تشتري كيساً من الفول وتبيعه على الرصيف. قال لي: بلى. فقلت له: اذهب و أحضر كيساً من الفول، جعلته تاجراً ونمت معه الأمور. كيس من الفول اشتره وبعه، الإنسان حينما يريد أن يعمل فالله ييسر له، حينما يريد أن يحفظ ماء وجهه فالله ييسر له، والله هو الكريم، اجعل عطاءك من الله مباشرةً.
لا تسألنّ بُنيّ آدم حاجــةً وسل الذي أبوابه لا تغلـقُ
الله يغضب إن تركت سؤاله وبُنَيَّ آدم حين يُسأل يغضب

***
باع القعب والحلس واشترى طعاماً لأهلة وبالدرهم الآخر قدّوماً وذهب يحتطب وباع ما احتطبه وقال له الرسول: ولا أرينّك خمسة عشر يوماً. وبعدها جاء بعشرة دراهم، وقال له هذا خيرٌ لك من أن تجيء والمسألة نكتةٌ في وجهك يوم القيامة.
سيّدنا عمر أعطى لكُلّ مولود تعويضاً عائليّاً.. وكلّكم تعرفون القصّة.. عندما حرس قافلةً مع سيّدنا عبد الرحمن بن عوف، وطفلٌ وبكى، فذهب لأُمّه وقال: أرضعيه. ثمّ بكى، فقال: أرضعيه. وفي المرّة الثالثة بكى، قال: يا أمة السوء.. أصلحي شأن ابنك. فقالت له: لقد أضجرتني - ماذا تريد منّي - إنني أفطمه. فقال: ولمَ ؟ قالت: لأنّ عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام. فسيّدنا عمر يقال إنّه ضرب نفسه، ضرب جبهته وقال: ويحك يا بن الخطّاب كم قتلت من أطفال المسلمين. وأصدر أمراً أن يكون العطاء منذ الولادة وليس مع الفطام، وقف يصلّي، من شدّة بكائه ما سمع أصحابه صوته في الصلاة.
ما فهموا قراءته في الصلاة، وكان يقول: يا ربّ هل قبلت توبتي فأُهنّئ نفسي، أم رددتها فأُعزّيها.

بذل المال يرفع من شأن المسلم و يحببه بدينه و بربه:
يروي محمّد بن إسحاق أنّ أُناساً من المدينة يعيشون ولا يدرون من أين يعيشون ومن يعطيهم.. يطرق الباب فيجدون من الخيرات، والأرز، واللحم، ولم يعرفوا من الذي يأتي لهم بالطعام. فلمّا مات زين العابدين بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنّه هو الذي كان يأتيهم بالليل بما يأتيهم به.
الليث بن سعد كان ذا غلّةٍ سنويّةٍ تزيد عن سبعين ألف دينار، يتصدّق بها كُلّها حتى قالوا: إنه لم تجب عليه الزكاة، واشترى مرّةً داراً بيعت بالمزاد، فذهب وكيله يتسلّمها فإذا فيها أيتام وأطفال صغار، سألوه أن يترك لهم الدار، فلمّا بلغ ذلك الليث أرسل إليهم: أنّ الدار لكم، ومعها ما يصلحكم كُلّ يوم.
بذل المال عمل عظيم، الإنسان المحتاج مجروح، فإذا بذلت له المال رفعت من شأنه، وحببته بربه، وجعلته يثق بهذا المجتمع المسلم، وإذا أهملته، يكفر بهذا المجتمع.
ويروى أنّ عبد الله بن المبارك الإمام الكبير المحدّثَ كان كثير الصدقات، كانت تبلغ صدقاته في السّنة أكثر من مئة ألف دينار، خرج مرّةً إلى الحجّ مع أصحابه، فاجتاز ببعض البلاد، فمات طائرٌ معهم، فأمر بإلقائه على مزبلةٍ هناك، وسار أصحابه أمامه وتخلّف هو وراءهم، فلمّا مرّ بالمزبلة، إذا جارية (أي بنتٌ صغيرةٌ) قد خرجت من دارٍ قريبةٍ منها فأخذت ذلك الطائر الميّت، وكما سألها، كيف تأخذينه وهو ميت ؟ فأخبرته أنّها وأخاها فقيران لا يعلم بهما أحد ولا يجدان شيئاً يأكُلانه، فأمر ابن المبارك بردِّ الأحمال وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار. فقال عّدَّ منها عشرين ديناراً تكفينا عودتنا، وأعطها الباقي فهذا أفضل من حجّنا هذا العام، ثمّ رجع فلم يحُجّ.
أرأيت الفقه.. فقيه وجد أنّ إنقاذ هذه الأسرة الفقيرة أفضل من حَجِّه.. هو ابن المبارك، وأحياناً تجد أباً أولاده يتحرّقون على الزواج، ويقول لك: أنا حججت ثمانٍ وثلاثين حجّة، يكفيك حجّةٌ واحدة وأنفق على أولادك، زوّجهم، فهذا هو الفقه.. أن تعلم ماذا ينبغي أن تفعل، أن تفعل الشيء المناسب في الوقت المناسب، مع الرجل المناسب.

الدنيا درا امتحان و الآخرة دار جزاء و تشريف:
نلخّص الموضوع: بأنّ من أخطر الأمراض التي تصيب الأولاد الشعور بالنقص، هذا الشعور بالنقص أحد أسبابه تعنيف الآباء الجاهلين، أو الدلال المفرط الدرس الماضي، أو المفاضلة بين الأولاد، أو اليتم، أو العاهة، أو الفقر.. هذه أسباب الشعور بالنقص، والمؤمن الكامل لا يفرّق بين طفل وسيم الطلعة وطفل دميم، بين طفل ذكي وطفل أقلّ ذكاء، بين طفل اجتماعي وآخر انعزالي، يرعى الكّل ولا يفرّق بين أولاده فلعلّ الله سبحانه وتعالى يكرمه، والحياة دار امتحان، والآخرة دار تشريف، والحمد لله ربّ العالمين.. وسوف ننتقل في درسٍ قادم إلى ظاهرةٍ من أخطر الظواهر التي تصيب الأولاد وهي: الحسد والغيرة. هذه ظاهرة تعاني منها معظم الأُسر.






والحمد لله رب العالمين






 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 08:29 AM   #15


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثالث عشر )

الموضوع :التربية النفسية ( 4 ) ظاهرة الحسد





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيِّدنا محمدٍ الصادق الوعد الأمين، اللهمَّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا، إنَّك أنت العليم الحكيم، اللهمَّ علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحقَّ حقاً وارزقنا اتِّباعه، وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الحسد و تمنّي زوال النعمة عن الآخرين:
أيُّها الأخوة الكرام، الظاهرة المرضيّة الثانية، ونحن في الدرس الثالث عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا في مسؤوليّة الآباء حول تربية أولادهم التربية النفسيّة، وقد تحدّثنا في درسين أو ثلاثة سابقة عن ظواهر الشعور بالنقص عند الأطفال، وقد عُزيَت هذه الظاهرة إلى التعنيف والتقريع الشديدين، أو إلى الدلال المفرط، أو إلى عاهاتٍ جسديّة، أو إلى فقرٍ، أو إلى يتمٍ، وقد تمّ الحديث عن المعالجات في الدرس السابق، واليوم ننتقل إلى ظاهرةٍ مرضيّةٍ نفسيّةٍ جديدة هي ظاهرة الحسد.
قد لا يعبأ الأب أنّ ابنه يحسد، وهذا الابن الصغير الذي يرى أنّه مهمل وأنّ الاهتمام لأخيه، هذا الطفل الصغير يصاب بمرض يأكل قلبه ألا وهو الحسد، فلذلك كلُّكم يعلم أنّ الحسد في أدقّ تعاريفه هو: تمنّي زوال النعمة عن الآخرين.

ارتباط الحسد بالإنسان المقطوع الصلة عن الله عز وجل:
إذا رأيت نعمةً على أخيك وراقت لك هذه النعمة، وتمنّيت أن تكون لك من دون أن تزول عنه، هذا ليس حسداً هذه غبطة، وقد عبّر عنها النبيّ أحياناً بالحسد قال:
(( لا حَسَدَ إِلاّ في اثْنَتَيْنِ: رَجلٌ آتَاهُ الله مَالاً فَهُوَ يُنْفِقُ منهُ آنَاءَ اللّيْلِ وآنَاءَ النّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ الله القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللّيْلِ وَآنَاءَ النّهَار ))
[ متفق عليه عن أبي هريرة]
إذا تمنيّت نعمةً أُخرويّةً على أخيك فهذا شيء طيّب وهذا من قبيل التنافس، لكن إذا تمنّيت زوال نعمةٍ عن أخيك لتصير إليك فهذا هو الحسد، والإنسان لا يحسد إلا إذا كان مقطوع الصلة عن الله عزَّ وجلَّ.
على كلٍ هذا الموضوع قد عالجته في خطبةٍ بشكلٍ تفصيلي قبل أشهر، إلا إنّي الآن أنتقل إلى الحسد لا عند الكبار، بل عند الصغار.
وكنت أقول لكم دائماً: إنّ الدعاةَ إلى الله إذا دعوا إلى الله مخلصين اتّبعوا ولم يبتدعوا، وتعاونوا ولم يتنافسوا، وأنصفوا ولم يجحدوا، أمّا إذا دعوا إلى ذواتهم دعوةً مغلّفةً بدعوةٍ إلى الله ففي الأعم الأغلب أنهم يبتدعون ولا يتبعون، ويجحدون ولا ينصفون، ويتنافسون ولا يتعاونون.

أسباب ظاهرة الحسد عند الأطفال :
1 ـ الطفل يخاف أنّ يخطف أخوه القادم الجديد منه اهتمام أُمّه وأبيه فيقع بالحسد:
أيُّها الأخوة، بعض العلماء حلل ظاهرة الحسد عند الأطفال، وأوّل أسباب هذه الظاهرة، أنّ الطفل إذا كان وحيداً بين أبويه ومعتنى به عناية كافية، وحين تحمل أُمُّه وسيأتي مولودٌ جديد يخشى هذا الطفل أن ينافسه المولود الجديد بالمحبّة، والعناية، والرعاية، والمودّة فيقع في الحسد، لذلك ماذا على الأب أن يفعل إذا أنجب ابناً آخر ؟
قال علماء النفس: ينبغي أن تُضاعف العناية بالأوّل، وأن تكرمه إكراماً شديداً حتّى لا يشعر بأنّ الأضواء قد خطفها الطفل الصغير، وأن الاهتمام توجّه إلى الصغير، وكذلك العناية إلى الصغير، والتقبيل إلى الصغير، والمداعبة إلى الصغير، لئلا تنصرف الأُمُّ والأبُ إلى الصغير فقط ينبغي أن نوجّه العناية إلى الكبير.
على الآباء ألا ينساقوا مع رغباتهم دون رقابة فكرية كيلا يؤاثرون طفلاً على آخر:
إخواننا الكرام، إذا انساق الإنسان مع رغبته من دون رقابة فكريّة فدائماً تجده يؤاثر الأفضل، والأصغر، والأجمل، والأذكى، والأكثر انطلاقاً، أمّا إذا آثر جانب الله عزَّ وجلَّ فيراعي الأب أنّه لا يُقبّل طفلاً أكثر من طفل، ولا يبتسم لطفلٍ أكثر من طفل، والحقيقة الإنسان من دون جهد يظلم، أمّا إذا أراد العدل فلابدَّ له من جهد يبذله.
وبالطبع الإنسان يوجد لديه أذكى ومن هو أقلّ ذكاء، وعنده أجمل والأقلّ جمالاً، عنده طفلٌ منطلقٌ وآخر أقلّ انطلاقاً، وقد يكون عنده طفلٌ عنده عاهةٌ من العاهات، فلو انساق مع رغبته من دون رقابةٍ فكريّة فيميل للصغير، ويميل للجميل، والذكي، ويهمل الثاني، فيكون بذلك قد حطّمه وعقّده، لكن المؤمن صاحٍ دائماً ويقظ، المؤمن صاحب رسالة، والله عزَّ وجلَّ جعله خليفته في الأرض، فأنت أبٌ لاثنين والكمال يتطلّب الجهد والمتابعة واليقظة، أمّا النقص لا يتطلّب الجهد وهو استرخاء وتحرُّك عشوائي عفوي يجعل النقص حاصلاً.
لذلك يرتكب الآباء والأُمّهات في حقِّ أولادهم جرائم وهم لا يشعرون، إهمال طفل.. ففي بعض الأحيان يتكلّم الطفل بالكلمة وجميع من حوله يقلّدونه فيها، ويتكلّم الطفل الآخر بكلمة فيقولون له: اخرس، فلماذا كلّ هذا اللطف والمودّة للأول والثاني لم يتكلّم سوى كلمةٍ واحدةٍ، فسمع كلمةً قاسيةً من الأب، هذه بحكم الأخلاق عمل في منتهى الفظاظة من الأب.

على المؤمن أن يتخلق بأخلاق النبي عليه الصلاة والسلام:
إخواننا الكرام، قال تعالى:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) ﴾
( سورة الحجر )
وقال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) ﴾
( سورة الزلزلة )
تخلّقوا بأخلاق رسول الله، ومن أخلاقه: العدل، وقد قال النبيّ عليه الصلاة والسلام:
(( إنّما أهلك بني إسرائيل أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، و ايم الله لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها ))
[ متفق عليه عن عائشة]
طلبت السيّدة فاطمة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم خادمةً منه فقال لها: والله يا بنيّتي لا أُؤثرك على فقراء المسلمين.
شيءٌ عميق النبي الكريم عدّ المؤمنين أسرة واحدة، فابنته لا تستحقّ خادماً مادام في المسلمين فقراء، فلم يعدّ نفسه من طبقةٍ أُخرى لها أن تستمتع بالحياة من دون بقيّة الناس.
إذاً أوّل سبب من أسباب الحسد أن الطفل يخاف أنّ يخطف أخوه القادم الجديد منه اهتمام أُمّه وأبيه وعنايتهم، وعطفهم، فيقع بالحسد.
2 ـ الموازنة بين الأبناء من قبل الأب والأُم باستمرار:
أخطر عمل يقوم به الآباء الموازنة بين الأبناء، أخوك أذكى منك، وأخوك أفهم منك، أنت لا تفهم، أنت كذا، هذه الموازنة تحطّم، فلا توازن أبداً، لذلك الموازنة بين الأولاد كوصف أحدهم بالذكاء والآخر بالغباء، وواحد بالاجتهاد والثاني بالكسل، وواحد بالنشاط والثاني بالخمول، وواحد بالتألُّق والثاني يقول له: اذهب من أمامي، اغرب عن وجهي، فلماذا هذا الكلام ؟ فهذا ابنك، ومن له غيرك.
أنا كنت أقول دائماً كلمة: الأشخاص الغرباء أنت لهم وغيرُك لهم، لكنّ ابنك من له غيرك ؟؟ إذا أنت لم تأخذه إلى نزهةٍ فمن سيأخُذه ؟ إذا أنت لم تطعمه أكلةً يحبُّها فمن سيطعمه إيّاها ؟ النبيّ علّمنا أشياء كثيرة عندما كانت تقدّم للنبيّ الكريم الفاكهة في أوّل الموسم، كان يقبِّلها ويطعمها لأصغر طفل. معنى ذلك أنّ الطفل يتعلّق بالفاكهة والأب يصبر على فقدها، أمّا الطفل لا يصبر.
الآن إلى أحد أسباب الحسد، فالسبب الأول هو: خوف الطفل أن يأتي أخٌ له يخطف منه الأضواء، والسبب الثاني هو: الموازنة بين الأبناء من قبل الأب والأُم باستمرار، فتجد بنتاً منطويةً على نفسها لأنها أقلّ جمالاً من أختها، لازم الأم دائماً تثني على الأولى أمام الضيوف وغيرهم وتهتم فيها زيادة ؟ وهذا خطأ كبير.
على الإنسان أن يعتني بابنه لأنه هدية من الله عز وجل:
أحياناً الأب، بالطبع من دون أن يشعر، ومن دون أن يريد، يُنشئ عقداً نفسيّة في نفوس بناته وأولاده، وهو لا يشعر، وأنتم كآباء أيُّها الأخوة انتبهوا، الأب مسؤول والله جعلك خليفته في الأرض، واستخلفك على هؤلاء الأولاد، فكن عادلاً.
الاهتمام بأحد الأولاد، كتقبيله ومداعبته وإكرامه، والابتعاد عن الثاني والازورار وعدم الاهتمام، يوجد أبلغ من ذلك، إذا تكلّم الابن غير المرضيّ عنه فيقرِّعه ويسكته، أو أحياناً يقول له: اخرج من هنا. واحد يمكث ويقعد والآخر يخرج للخارج، فأنت بذلك قد حطّمته تحطيماً من دون أن تشعر.
فأنا أقترح على إخواننا أن تفتخر بابنك، اجعله يتعلّم منك، وأن ينزل معك، وأن يجلس مع الضيوف إذا كان عندك دعوة، خذه معك واجعله معك، واجعله رفيقاً لك، لأنّه إذا لم يرافقك سوف يرافق رفقاء السوء، فلا تستحِ من ابنك أبداً، ولا تنحرج منه، فلا أحد له غيرك فحاول أن يكون معك دائماً، وكلّما كانت جلساتك راقية، ونزهاتك راقية، و لقاءاتك راقية فسيتعلّم منك، وينشأ على طاعة الله.
يوجد موقف غير شعوري، أنّ الأب يتسامح مع ولد محبوب وهو يؤذي، ويعنّف ولداً آخر غير محبوب وهو يحسن، فيكون يقوم بخدمتك ويحضر لك كأساً من الماء، فتقول له: لا أريد ماءً، من قال لك أن تحضر ماءً ؟ وهو قد توقّع أنّك عطشان فأحضر لك الماء فغضبت، هذا يحسن لك فتعنّفه، والآخر يسيء فتثني عليه، والله هذا الأب سوف يحاسب على ذلك، فليس الأمر أمراً سهلاً مع الله عزَّ وجلَّ، فهل حضّرت لله جواباً على فعلتك ؟ فالله قد اختار هذا الابن ابناً وجعله هديّةً لك، فيحتاج منك إلى عناية.

العاقل من يعدل بين أبنائه:
أنا لا أرى آباء أعقل ممن يبالغون في العدالة بين أولادهم، فلا يميّز بنتاً عن بنت ولا ابناً عن ابن، بكلِّ شيء بالتساوي وحتّى بالاهتمام والابتسامة والتقبيل.
وقد قلت لكم في دروسٍ سابقه أنّه أحياناً يكون الأب وضعه المادي متوسّطاً ويضع ابنه في مدرسة مستواها المادّي مرتفعٌ جدّاً، فبذلك يحطّم الابن، فانتبهوا فتوجد أشياء دقيقة، مع كلّ من رفاقه في المدرسة خمسمئة ليرة وأبوه يعطيه خمس ليرات، هذا معه خمسٌ والثاني معه خمسمئة فهذا غير معقول والتفاوت كبير، هذا محضر معه أشياء وحاجات وأكلات سعرها مرتفع، مئتان من الليرات، وهذا يحضر أشياء بسيطة جداً، فيعقد موازنة بينه وبين رفيقه فيتحطّم، فأنت لا تبحث عن من هو أعلى منك، ابحث عن مستواك فترتاح.

على المسلم ألا يقيم علاقات دنيويّة مع أُناس أغنى منه كي لا يحتقر نعمة الله عليه:
يوجد قول قد قرأته: لا تصاحب من لا يرى لك من الفضل مثل ما ترى له.
فصاحب إنساناً يحبّك، ويقدّرك، ويحترمك، ويقدّر علمك، ويقدّر أخلاقك، أحياناً يكون شخصٌ يعمل موظّفاً مثقّف ثقافةً عالية ويحمل شهادات عُليا، ويصاحب غنياً.. والغنيّ يقيّمه فقط بدخله، ويقول له كم تأخذ راتباً ؟ وبعد أن يضيف عليه التعويضات والبدلات ويكبّره، يقول له الغني: فقط ثمانية آلاف، ويقطب جبينه ويقول له: فقط ثمانية وهل يكفوك ؟ لا تصاحب الأغنياء، وبالطبع الأغنياء غير المؤمنين، فالغني المؤمن يوضع على العين والرأس، وتشتهي الغنى على المؤمن من تواضعه ومن تسامحه، وتشتهي الفقر على مؤمن فقير من تجمُّله، ومن أدبه، ومن صبره، ومن عفّة نفسه، وتشتهي كلّ حالة خاصّة على المؤمن لأنّه كاملٌ، أنا إذا قلت: غني فأقصد به غير المؤمن، من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط، لا تقم علاقات دنيويّة مع أُناس أغنى منك بكثير، دائماً انظر لمن هو أدنى منك فذلك أحرى ألا تحتقر نعمة الله عليك.

في الدنيا انظر لمن هو أدنى منك و في الدين وازن نفسك مع المؤمنين الكبار:
لكن القاعدة الذهبيّة في شؤون الدّين وازن نفسك مع المؤمنين الكبار، راقب عبادتهم، وإخلاصهم، وعلمهم، ودعوتهم إلى الله عزَّ وجلَّ، وأعمالهم الجليلة، وما أجرى الله على أيديهم من خير، فقد قال تعالى:
﴿ خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) ﴾
( سورة المطففين )
﴿ لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (61) ﴾
( سورة الصافّات )
أمّا في الدنيا لا تنظر إلى أُمور الدنيا، فدائماً انظر لمن هو أدنى منك، فإذا كان الإنسان في ضائقة، فيقوم بعمل زيارة لقريب أدنى منه معاشاً، يقطن هو وأولاده وزوجته في غرفة واحدة، ويقارن بينه وبين وضعه، فيجد أنّه أحسن منه حالاً لأنّه يعيش في غرفتين، فلذلك الموازنة في أمور الدنيا مع من هم دونك أفضل، والموازنة في الدين مع من هم فوقك أفضل.
على الإنسان أن يُعلّم ابنه على الخشونة حتّى يكون متواضعاً:
كذلك أيُّها الأخوة، عندما ذكرنا في الحديث الشريف الصحيح ؛ يقول النبي الكريم:
(( اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم ))
[ الجامع الصغير قريبا من هذا اللفظ عن ابن أبي حدرد ]
هذا أمر نبويّ، فلا تظن أن لو دللت طفلك كثيراً أو أطعمته كلّ شيء، أو ألبسته أفخر الثياب، تكون بذلك قد نفعته ؟؟ فيصبح يقرف ويُقرِّف، فعلّمه على الخشونة والأكل الخشن أحياناً، علّمه على نومةٍ خشنة أو يلبس بزة أخيه ولا يتكبّر، وأن يلبس ثياب أخيه الأكبر التي لم تصبح على مقاسه، فإن قال: لا ألبس ثياب أخي. فقل له: لماذا لا تلبس، فلا يوجد عندنا غير ذلك يا بني. علّمه على الخشونة حتّى يكون متواضعاً، لأنّ الإنسان إذا ترفّه زيادة فتجده يرفّس، اخشوشنوا فإنّ النعم لا تدوم، وتمعددوا، أي عوّد نفسك على الخشن من الطعام أحياناً.
على الإنسان أن يحب أولاده لأن الطفل غال على الله عز وجل:
الآن إلى السّنة:
رأيتُ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم يخطب، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما، وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران، فنزل النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فحملهما ووضعهما بين يديه ثمّ قال صدق الله عزَّ وجلَّ:

﴿ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) ﴾
( التغابن: آية " 15 " )
[روى الترمذي وغيره عن عبد الله بن بريده عن أبيه رضي الله عنهما]
نظرت إلى هذين الصبيّن، هكذا قال النبيّ، يمشيان ويعثران فلم أصبر حتّى قطعت حديثي ورفعتهما.
فالنبيّ كان في هذا الموضع مشرّعاً، يجب أن تحبّ أولادك، وتدللهم وتضمّهم لصدرك، فالنبي أمام أصحابه، فهل سمعتم أنّ خطيباً فعلها وهو على المنبر نزل وحمل طفلاً، النبي فعلها، فعلها لكي يعلّمنا كم الطفل هو غالٍ على الله عزَّ وجلَّ.
المودة و المحبة سرّ سعادة الحياة البيتية:
أحياناًً تجد البيت جنّة أيُّها الأخوة الكرام، بما فيه من المودّة، وعلى قدر ما فيه من المحبّة، وقد يكون البيت متواضعاً وفقراء الحال، والأثاث من الدرجة الخامسة، ولكن فيه محبّةٌ بين الأب وأولاده والزوج وزوجته، هذا سرّ السعادة البيتيّة، هذه المودّة، والإنسان كما ورد في السنّة، جنّة المؤمن داره.
وأنت مسؤول، بالمناسبة مجموعة تصرّفات ذكيّة جداً، ومتتابعة تضمّ الناس إليك وتشدهم إليك، وتصرّف واحد أحمق تنفّر الناس منك، فيقول لك: لا يوجد في بيتي سرور.. فالحق على الأب، فعندما يكون الأب لا يسأل على أولاده، أمّا إذا جمعهم وجلس معهم وداعبهم وآنسهم، ومثلاً تواعدوا على تناول وجبة طعام مشتركة، وسأل أولاده، أمّا إذا لم يكن لديك الوقت الكافي للجلوس مع أولادك فتلك مشكلة كبيرة جدّاً.
وكان عليه الصلاة والسلام يداعب الحسن والحسين رضي الله عنهما، فيمشي على يديه وركبتيه، هذا سيّد الخلق وحبيب الحق سيّدنا رسول الله والذي هو أعظم إنسان على الإطلاق، فانظروا ماذا كان يفعل في بيته.. كان يمشي على يديه وركبتيه ويتعلقان به من الجانبين فيمشي بهما، ويقول: نعم الجمل جملكما ونعم العدلان عدلكما.
هكذا كونوا في بيوتكم يا إخوان، داعبوا أولادكم وتحبّبوا إليهم حتّى تصبح المودّة أغلى من الأكل والشرب، أغلى من الرفاه، بيوت المسلمين الآن جحيم، يطلبون المظاهر، ويريدون أثاثاً جديداً، دائماً تجد النفور فالزينة لغير الزوج، والأولاد ضائعون بين أُمّهم وأبيهم، هذا واقع المسلمين الآن، يجب أن يكون البيت جنّة.
وإنّكم لن تسعوا النّاس بأموالكم، فسعوهم بأخلاقكم، المال لا يسعد، أخلاقك ومودّتك ومحبّتك واهتمامك وعدالتك هي التي تسعد.

(( جاء أعرابي إلى النبي صلّى الله عليه وسلّم فقال: أتُقبلون صبيانكم فما نقبّلهم نحن ؟!! فقال النبيّ صلى الله عليه وسلّم: أَو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة ))
[روى البخاريُّ في الأدب المفرد عن عائشة رضي الله عنها]
أي أنّ محبّة الصغار رحمة، والطفل غذاؤه المحبّة، كيف ما كانت نومته أو أكله مقبول ولكن لا يجد نفوراً، ولا قسوة، ولا يجد ازوراراً من أبيه.
علامة نجاح الأب أن يكون في منتهى المودّة مع أولاده:
سوف أقول لكم نقطة: إذا كان دخولك إلى هذا البيت يملأ البيت فرحةً فأنت أب ناجح، وإذا كان دخولك إلى البيت فأصبح من في البيت عبوساً قمطريراً وكلٌ منهم هرب إلى غرفته وهذا خرج من البيت فمعنى ذلك أنّك أبٌ فاشلٌ، علامة نجاحك في بيتك أن يكون دخولك للبيت عيداً، وفرحةً كُبرى، أمّا إذا وجد النقد المستمر والتعليقات اللاذعة ويدك والضرب، ودائماً المشاكل والخناقات فهذا ليس أباً بل أباً فاشلاً، فعلامة نجاح الأب أن يكون في منتهى المودّة مع أولاده.
(( جاءت امرأةٌ إلى عائشة رضي الله عنها فأعطتها ثلاث تمرات، فأعطت كُلّ صبيٍ لها تمرة، وأمسكت لنفسها تمرة، فأكل الصبيّان التمرتين ونظرا إلى أمّهما، مازالا جائعين، فعمدت الأم إلى التمرة فشقّتها فأعطت كُلّ صبيٍ نصف تمرة، فجاء النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فأخبرته، فقال: وما يعجبك من ذلك ؟ لقد رحمها الله برحمتها صبيّهما ))
[روى البخاريُّ في الأدب المفرد عن أنس بن مالك رضي الله عنه]
أي لا تظن أنّه إذا كانت الأم كاملة والأب كاملاً ليس لهما أجرٌ عند الله عزَّ وجلَّ، وإن كان الأب والأم يلبّون حاجةً أساسيّة، ومع تلبية حاجة الأُبوّة والأُمومة فإنّ للأب أجراً عند الله، كنت أقول لكم هذا النص الذي ورد في الأثر أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام يقول:
(( أوّل من يمسك بحلق الجنّة أنا، قال فإذا امرأةٌ تنازعني تريد أن تدخل الجنّة قبلي، قلت من هذه يا جبريل ؟ قال هي امرأةٌ مات زوجها وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلهم ))
[ ورد في الأثر]
ففهمكم كافٍ، كم هي غالية على الله عزَّ وجلَّ لأنّها رعت أطفالها الصغار ؟
على كل أب أن يعدل بين أبنائه ليعينهم على برّه:
أيُّها الأخوة لو عالجنا موضوع الحسد نقطةً نقطةً، لو جاء مولودٌ جديدٌ، فإخواننا الآباء يجب أن يزيدوا عنايتهم واهتمامهم وحرصهم على الأولاد الموجودين.. أي يحضروا لهم بعض الهدايا وتغيير بعض الأشياء في غرفهم، وإحضار سريرٍ جديدٍ، والاهتمام الزائد بهم، ولو أحضرت للأخ الكبير هديّة رمزيّة من أخيه المولود، وأن هذه الهديّة من أخيك الذي جاءنا مجدّداً إليك، حتّى يزيل الأب هذا الحسد بينه وبين أخيه الذي جاء متأخّراً.
موضوع العدل بين الأولاد موضوع معروف عندكم، يقول عليه الصلاة والسلام:

((ساووا بين أولادكم في العطية ))
[ من الجامع الصغير عن ابن عباس ]
وكنت قد ذكرت لكم في درسٍ سابق، أنّ رجلاً كان عند النبي، فجاء ابنٌ له فقبّله وأجلسه على فخذه، وجاءت ابنةٌ له فأجلسها بين يديه، فقال صلّى الله عليه وسلّم للرجل: ألا سوّيت بينهما ؟
طبعاً إذا كان في موضوع موازنة بين الأولاد، يجب أن يكُفَّ عنها الأب فوراً، لا توازن أبداً، اجعل الوضع متساوياً وطبيعياً، وأنت عندما تعدل بين أولادك، تعينهم على برّك، وعندما لا تعدل تعين الشيطان عليهم بعقوقك، وإذا عدلت بينهم أعنتهم على الشيطان وأعنتهم على برّك، وكلّ أب يجب أن يضع هذا الحديث الشريف شعاراً له:
(( رحم الله والداً أعان ابنه على بره))
[ من الجامع الصغير عن علي ]
أنواع الحسد:
(( إيّاكم والحسد، فإنّ الحسد يأكُل الحسنات كما تأكُل النار الحطب ))
[رواه أبو داود عن أبي هريرة]
إذا تفشّى الحسد، فأنا أذكر أنني قد عالجت هذا الموضوع بدقّة وتفصيلات رائعة قبل أربعة أسابيع أو أكثر، في خطبة جمعة قد عالجت فيها موضوع الحسد بتفصيلٍ دقيقٍ جداّ..
1 ـ أسوأ أنواع الحسد عندما يحمل الحسد الإنسان على أن يتحرّك للإيقاع بخصمه:
أتذكّر أنّ أخطر أنواع الحسد: أن تتحرّك لإزالة نعمةٍ عن أخيك حتّى تصل إليك، فمثلاً إذا اشتكى أحدهم على جارٍ له وعنده بضاعة مهرّبة مثلاً، وحتّى يغلق له محلّه، هذه أصبحت جريمة، عندما يحمل الحسد الإنسان على أن يتحرّك للإيقاع بخصمه، ولتعطيله عن عمله، فهذا أسوأ أنواع الحسد.
2 ـ أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك دون أن تصل إليك:
يأتي بعد النوع الأوّل، أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك دون أن تصل إليك، حتّى من أجل أن تغيظه فقط، فقط التمنّي.
3 ـ أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك على أن تصل إليك:
والأقل من ذلك، أن تتمنى زوال النعمة عن أخيك على أن تصل إليك، أي يوجد شيء أو نوع من المصلحة.
لكن إذا أقررت أخاك على نعمةٍ أنعم الله بها عليه، ولم تتمنّ زوالها عنه ولكن تمنّيتها لك دون أن تزول عنه، هذه غبطَة فلا مانع في ذلك.
الأحاديث التي تبدأ بكلمة " ليس منّا " أحاديث تبين أن النبي تبرّأ من أحد أتباعه:
سوف أسألكم سؤالاً، توجد مجموعة أحاديث يقول عليه الصلاة والسلام: ليس منّا - والحقيقة كلمة ليس منّا فمعنى ذلك أنّها كبائر، لأنّ النبي عندما يتبرّأ من أحد أتباعه، معنى ذلك أنّه قد ارتكب كبيرة، فمن يذكر من الأحاديث تبدأ بكلمة ليس منّا - ؟؟
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ غَشَّ ))
[ مسلم والترمذي وابن ماجه واللفظ له ]
فالغش كبيرة من الكبائر.
ليس منّا من لم يوتر. أي صلاة الوتر.
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا، وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا، وَيَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ، وَيَنْهَ عَنْ الْمُنْكَرِ ))
[ أخرجه الترمذي عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الْخُدُودَ، وَشَقَّ الْجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ))
[ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ، لَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ ))
[ أبو داود عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ]
(( لَيْسَ مِنَّا مَنْ خَبَّبَ امْرَأَةً عَلَى زَوْجِهَا، أَوْ عَبْدًا عَلَى سَيِّدِهِ ))
[ أبو داود عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ماذا أحضر لك زوجك على العيد ؟ فتجيبها: والله لم يحضر لي شيئاً. فتقول لها: هذا الزوج ليس عنده ذوق بالمرّة، يا خسارتك فيه، هذا إبليس نفسه.
(( إنّ الرجل ليتكلّم كلمةً لا يلقي لها بالاً من سخط الله تعالى يهوي بها في جهنّم سبعين خريفاً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
ليس منّا من فرّق.
(( ليس منّي إلا عالمٌ أو متعلّم ))
[رواه الديلمي عن ابن عمر]
(( ليس المؤمن بالطعّان ولا اللعان))
[الترمذي عن عبد الله بن مسعود]
الذي يلعن كلّ شيء ويطعن بالناس دائماً.
ليس منّا من تكلّم...؟
(( ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به..))
[رواه الطبراني عن أنس بن مالك]
اسمعوا هذا الحديث:
(( ليس منّي ذو حسد ))
[ من الجامع الصغير عن عبد الله بن بسر ]
إذاً الحسد، تبرؤ النبي من بعض المسلمين لذنبٍ اقترفه يُعدُّ هذا الذنب كبيرة.. ليس منّي ذو حسدٍ. فالمؤمن يغبط ولا يحسد، وإذا قلب الإنسان مليء بالحسد فليراجع حساباته لأنّ الله عزَّ وجلَّ لا يقبل عمله.
علامة إيمان المسلم أن يرى أنّ كلّ مكاسب المسلمين كسباً له:
سوف أقول لكم كلمةً ثانية ودقيقة جدّاً، امتحن إيمانك بما يلي: إذا كان لك أخ مؤمن أكرمه الله بحصوله على شهادة عُليا، أو تزوّج قبلك، ودعاك إلى بيته، فوجدّته مرتّباً به غرفة نوم وأُخرى للضيوف وأصبح عنده زوجة، وأصبح عنده من يعتني به في المساء، ويعد له طعام الغداء والعشاء، وأنت مازلت تمكث عند أهلك، وتنام فوق السقيفة فرضاً، فإذا كنت لم تفرح بأخيك بما أصابه من خير، فهذه علامة النفاق، يجب أن تفرح لأخيك بنيله للشهادة العليا، أو إذا أكرمه الله ببيتٍ، أو أكرمه بالزواج، أو إذا قام بتأسيس مشروعٍ ونجح فيه، علامة إيمانك أن ترى أنّ كلّ مكاسب المسلمين كسباً لك، فشعار المؤمنين:
كُلُّنا لواحدٍ، والواحد للجميع.
المؤمنون كُلُّهم لواحدٍ منهم، والواحد كلّ إمكاناته للجميع، هذا هو التعاون فقد قال الله:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (2) ﴾
( سورة المائدة: آية " 2 " )
الحسد يفسد الإيمان:
لذلك هذا الحديث الشريف كما يقول بعضهم: يقصم الظهر، ليس منّي ذو حسد. فالذي يحسد تبرّأَ منه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم.
(( لا يزالُ الناسُ بخير ما لم يتحاسدوا ))
[روى الطبراني بسند رجاله ثقات عن ضمرة بن ثعلبة رضي الله عنه ]
والحسد يفسد الإيمان كما يفسد الصبر العسل، فالحسد يفسد الإيمان.
ظاهرة الغضب ظاهرة نفسيّة مرضيّة خطيرة:
الآن عندنا ظاهرة ثانية نفسيّة مرضيّة خطيرة هي: ظاهرة الغضب.
تجد طفلاً شرّيراً، ينفجر انفجاراً غير معقولٍ لأتفه الأسباب، هذا الانفجار أسبابه الضغط.. فالطفل مضغوط..الغضب له حالة طبيعيّة، وحالة أُخرى مرضيّة.
فحالته الطبيعيّة: تغضب أنت من أجل أن تحافظ على نفسك، وعلى دينك وعلى عرضك وعلى مالك، فالغضب شعور نفسي سوي حينما يوظّف للحفاظ على الحياة والعرض والدين والمال.
أمّا حينما يتجاوز هذا الحدّ إلى العدوان على الآخرين، انتقل الغضب من حالة طبيعيّة إلى حالة مرضيّة، طبعاً يوجد قول:
من استُغضِبَ ولم يغضب، معناها إنّه إنسان غير سوي.

المؤمن عليه ألا يغضب إلا لله أمّا لنفسه لا يغضب ويسامح الآخرين:
النبي كان يغضب، لكن اسمعوا كيف كان يغضب، ثبت في الصحيح أنّه عليه الصلاة والسلام قد جاءه من يشفع عنده في حدٍ من حدود الله، فغضب النبيّ وظهرت على وجهه أسارير الغضب، وقال قولته الخالدة:
(( إنّما أهلك الذين من قبلكم، أنّه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايمُ الله لو أنّ فاطمة بنت محمّدٍ سرقت لقطعت يدها ))
[ متفق عليه عن عائشة]
امرأةٌ مخزوميّة سرقت فجاء من يشفع لها لئلا تقطع يدها، فغضب النبي غضبته.
(( ما رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم انتقم لنفسه في شيءٍ إلا إذا انتُهِكَت لله حرمة، فإذا انتُهِكَت لله حرمة كان أشدّ النّاس غضباً، وما عُرِض عليه أمران إلا اختار أيسرهما ما لم يكن فيه سخط الله عزَّ وجلَّ، فإن كان فيه لله سخط، كان أبعد النّاس منه ))
[أخرج الطبراني عن أنسٍ رضي الله عنه ]
ماذا نستنبط من هذا الكلام ؟ المؤمن إذا اقتدى بالنبيّ يغضب أم لا يغضب ؟ يجب أن يغضب، لكن المؤمن لا يغضب إلا لله، أمّا لنفسه لا يغضب ويسامح، هذا شأن المؤمن، كما كان يفعل النبيّ عليه الصلاة والسلام.
أمّا الإنسان حينما يغضب لمصلحةٍ فاتته، أو لكسبٍ ضاع منه، أو لعلاقةٍ ينتفع بها قد ضيّعها، حينما يغضب من إنسان حال بينه وبين شهواته، هذا الغضب للذّات هو الغضب المذموم وهو الغضب الذي نهى عنه النبيّ صلى الله عليه وسلم.
(( أنّ رجلاً قال للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أوصني. قال: لا تغضب. فردَّد مراراً. قال عليه الصلاة والسلام: لا تغضب ))
[ أحمد عن حميد بن عبد الرحمن]
والإنسان بالغضب ينتقل من حال إلى حال، والحلم سيّدُ الأخلاق، وكاد الحليم أن يكون نبيّاً، والذي لا يغضب يكسب لنفسه الصّحة.
الشدّة النفسيّة وراء أي مرض يصيب الإنسان:
الآن، الشدّة النفسيّة، هي وراء أي مرض، أمراض القلب، والشرايين، والضغط المرتفع، وأمراض المعدة، والجهاز الهضمي، والقرحة، حتّى الأمراض الخبيثة، هذه الشدّة النفسيّة هي علّةُ العلل، وعندما يغضب الإنسان دخل في الشدّة النفسيّة، فقد قال تعالى:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (213) ﴾
( سورة الشعراء: آية " 213 " )
معنى ذلك أن أحد أسباب القهر، والغضب، والشقاء، والعذاب، الشرك، فالموحّد لا يغضب لعلمه بأنّ الأمر كلُّه لله عزَّ وجلَّ.
قال أحد الصحابة وقد سرق ماله: يا رب إنّ هذا الذي أخذه، إن أخذه عن حاجةٍ فبارك له فيه، أي أنا مسامحه، وإن كان قد أخذه بطراً فاجعله آخر ذنوبه.
وصحابيّ آخر قيل له: احترق محلّك. قال: لا لم يحترق. وأصر على ذلك، فلمّا ذهبوا إلى المحل وجدوا أن الذي احترق المحلّ الذي جانبه، فعادوا إليه وقالوا: كما قلت. قال: أعلم ذلك ما كان الله ليفعل، فهو واثق، فالمؤمن واثقٌ من حفظ الله عزَّ وجلَّ، ما تلف مالٌ في برٍ أو بحرٍ إلا بحبس الزكاة.

(( ما يباعدُني من غضب الله عزَّ وجلَّ ؟ فقال عليه الصلاة والسلام: لا تغضب، إنّما يباعدك من غضب الله عزَّ وجلَّ ألا تغضب ))
[ أحمد عن ابن عمر رضي الله عنهما]
لأنّ الإنسان عندما يغضب يتكلّم كلاماً فيه إساءة.. إذا غضب قسا كلامه، أصبح قاسياً، إذا غضب جحد نعمةً، إذا غضب مثلاً منع خيراً، أو اعتدى، وأكثر المعاصي أسبابها الغضب، فقال له لا تغضب.
(( من كظم غيظاً وهو يستطيع أن يُنفِذه دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتّى يخيره في أيّ الحور شاء فليأخذها ))
[ أبو داود عن سهل بم معاذ بن أنس الجهني]
أي أكرمه في الجنّة إكراماً كبيراً، من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه.
(( ما تعدُّون الصرعة فيكم (أي الشدّة، والقوّة، والبطولة) فقالوا: الذي لا تصرعه الرجال. فقال عليه الصلاة والسلام: ولكن الصرعة فيكم الذي يملك نفسه عند الغضب ))
[البخاريّ ومسلم عن ابن مسعودٍ]
أي يسيطر على نفسه.
الأخلاق الحميدة ترفع الإنسان عند الله وعند الناس:
بالمناسبة، الله عزَّ وجلَّ وصف النبيّ وقد قلت هذه الفكرة سابقاً.. النبي ألم يكن خطيباً لامعاً بل سيّد الخطباء، وكان عالماً وكلّ العلماء عالةٌ عليه، وكان مجتهداً، وكان مفتياً، وقاضياً، وقائداً، وسياسيّاً، وزعيم أُمّة، وكان في قمّة كلّ التفوّقات في العالم، ولكن عندما أراد الله عزَّ وجلَّ أن يمدحه، بماذا مدحه ؟؟؟
قال تعالى له:

﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) ﴾
( سورة القلم: آية " 4 " )
الذي يرفعك عند الله لا طلاقة لسانك، ولا حدّة ذهنك، ولا جمع المعلومات الدقيقة في دماغك.. لا، الذي يرفعك عند الله وعند الناس الأخلاق الحميدة.
لي تعليقٌ آخر.. النبيُّ عليه الصلاة والسلام أليس في اعتقاد كلّ المسلمين أنّه سيّد الخلق، وحبيب الحق، ويوحى إليه، ومعصومٌ، وأكرمه الله بالنبوّة والرسالة والقرآن ؟ ومع ذلك قال له:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾
( سورة آل عمران: آية " 159 " )
رغم كلّ هذه الميزات، أوّل إنسان يوحى إليه، رسول، ونبيّ، جاء بالقرآن، كلُّ هذه الميزات، ومع كلّ هذه الميزات يقول سبحانه وتعالى له: ولو كنت يا محمّد أنت بكلّ هذه المراتب العليّة التي وصلتها: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ (159) ﴾
(سورة آل عمران)
البعد عن الانتماءات الضيقة بين المسلمين و محبتهم لبعضهم البعض:
توجد آيتان فما الفرق بينهما وهما:
قال تعالى:

﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) ﴾
( سورة الشعراء: آية " 215 " )
﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
( سورة الحجر: آية " 88 " )
فما الفرق بينهما ؟ فالآية الأولى: النبيّ مأمورٌ بأن يخفض جناحه لمن اتبعه من المؤمنين، فأحياناً يعتني الشخص بأخيه زيادة ويقول هذا من إخواننا، ولو من جماعة ثانية، فما هذه التفرفة ؟ فالنبي خاطبه الله عزَّ وجلّ فقال له: واخفض جناحك للمؤمنين، للمؤمنين عامّة فأنت انتماؤك لمجموع المؤمنين، فأيّ مؤمن مستقيم، ويعرف ربّه، ومنهجه، ويطبّق الإسلام في بيته، وفي عمله، وسمته حسن، وعقيدته صحيحة، فيجب أن تحبّه وتتعاون معه كذلك، وتكرمه، أمّا هذه الانتماءات الضيّقة، الفقاعات، هذه ترضي الشيطان. العاقل من عالج كل سبب من أسباب الغضب على حدة ليعيش حياة هانئة مطمئنة:
أيُّها الأخوة ينبغي أن ننهي هذا الموضوع في هذا الدرس نفسه، كلّ سبب للغضب يعالج على حدة، فإذا كان أسباب الغضب، الجوع، فالبيت المسلم يجب أن يكون الطعام فيه منتظماً، أحياناً في الصباح لا تجد طعاماً، ويخرج الطفل بلا طعام، جائعاً، يتألّم، وتضطرب أوضاعه، أمّا إذا وجد الطفل الطعام جاهزاً في الصباح، أو جاء من المدرسة وكان الطعام جاهزاً، فتقديم الطعام بشكل منتظم هذا مما يخفف من أسباب غضب الصغار.. فقد قالت امرأة لابنتها:
وتعّهدي وقت طعامــه والهدوء عند منامـه
فإنّ حرارة الجوع ملهبة وتنغيص النوم مغضبة

***
فالنبي يقول: "كفى بالمرء إثماً أن يضيّع من يقوت "، عندما يقدّم الإنسان لأولاده غذاءً معقولاً وضمن إمكاناته، ويقدّم بأوقات منتظمة، ووجد العناية بالأكل، هذا من العبادة، فقد أرحت الطفل، وإذا كان الغضب مرضاً فالمعالجة مهمّةٌ جدّاً، فإذا كان الطفل يشكو من لوزاته دائماً، أو من تراكب أسنانه مثلاً، فعندما يبذل الأب عنايته الفائقة بمعالجة أولاده معالجة جيّدة، فالله يعينه ويرزقه، فالله ربُّ النوايا، وهذا عمل عظيم، أحياناً لا يهتمّ ويتفاقم المرض كأن يكون اعوجاج في العظام، أو نقصٌ في الكلس، أو ضعفٌ في الأسنان، أو تراكمٌٌ بالأسنان، أو بعض الأمراض التي تحتاج للمعالجة في وقت مبكّر، أمّا أن يكون إهمال دائم ولا يقتنع الأب بأنّ ابنه مريض، فهذا أحد أسباب الذنب، فلذلك إذا كان أسباب الغضب المرض، فعلاجه المعالجة، فالنبي قال: لكلِّ داءٍ دواء فإذا أصاب الدواء الدّاء برئ بإذن الله عزَّ وجلَّ.
وإذا كان أسباب الغضب التقريع والإهانة يجب على الأب والأم أن يكفّا عن التقريع والإهانة حتّى لا يغضب الابن.
وإذا كان الغضب محاكاة للأب الغضوب، فإذا كان الأب غضوباً فيصبح نمط البيت كلّه غضب، إذا الأب ثائر وغاضب فأولاده سيكونون على شاكلته:

إذا كان ربُّ البيت بالطبل ضارباً فشيمة أهل البيت كلُّهم الرقص
***
فالأب الغضوب والأم الغضوبة يجعلان الولد أشدَّ غضباً منهما يصبحون عنيفين، أمّا الأب الهادئ والأم الهادئة يشيعان الهدوء بأولادهم فالله عزَّ وجلَّ قال:
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) ﴾
( سورة آل عمران: آية " 134 " )
وإذا كان من دواعي الغضب الدلال المفرط حتّى تضعف شخصيّة الطفل، فقد نسب لسيّدنا علي هذا القول أحبب حبيبك هوناً ما، عسى أن يكون بغيضك يوماً ما، و أبغض بغيضك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما، والحديث الشريف:
(( إيّاك والتنعُّم فإنّ عباد الله ليسوا بالمتنعمين.))
[ رواه أحمد عن معاذ بن جبل]
علاجات الغضب:
1 ـ على الإنسان أن يغير الوضع الذي هو عليه و هو غضبان:
إخواننا الكرام، آخر قسم بالدرس النبيّ الكريم أعطانا أربعة علاجات للغضب.
أوّل علاج: تغيير الوضع الذي أنت عليه وأنت غضبان.
(( إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع ))
غيّر من وضعك
[أحمد عن أبي ذر]

2 ـ الوضوء:
توجد معالجة ثانية:
(( إن الغضب من الشيطان، وإنّ الشيطان خلق من النار، وإنّما تُطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضّأ.))
[أبو داود عن عطية ]
والبارحة قرأت مقالة عن هذا الموضوع، أنّه يوجد عصبٌ بالوجه له علاقة بالجملة نظيرة الودّيّة، فإذا تنبّه بالماء البارد خفف الغليان الداخلي، ولكنني لست متذكِّراً تفاصيل المقال، فهذا ملخّصه.
3 ـ السكوت عند الغضب:
ويوجد توجيه ثالث:
(( إذا غضب أحدكم فليسكت ))
[أحمد عن ابن عباس]
لأنّه إذا تكلّم فكل كلمة تخرج كاللغم أو متفجّرة أو كالقنبلة، اسكت إذا غضبت، أو اتفق مع زوجتك إذا أنت غضبت فلتسكت هي ولا تردّ عليك، وإذا هي غضبت اسكت أنت، فتنحلّ بذلك المشكلة، أمّا كل كلمة يرّد عليها بكلمةٍ أُخرى ينتج منها تفجُّر.
وجاء في الصحيحين:
[ صحيح عن سليمان بن صرد]
4 ـ الخروج من البيت:
يوجد حلٌ، إذا كان قد غيّر قعوده وبقي غاضباً، وتوضّأ وظلّ غاضباً، لا يستطيع السكوت، فماذا يفعل ؟؟ أنا أنصح أن يخرج من البيت ولا يظلّ به، فربّما يصل الموضوع إلى الطلاق، اخرج لئلا يتفاقم الأمر إذا لم تستفد مما سبق، فالشيطان قد دخل بينكما، لكن التعوُّذ هذا توجيه إلهي.
(( ألا إنّ الغضب جمرةٌ في قلب ابن آدم، أما رأيتم حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه فمن أحسّ بشيء من لك فليلصق بالأرض ))
[مسلم عن أبي سعيد الخدري]
أي يلجأ إلى السكون، لا إلى الحركة، هذه ظاهرة الخجل والخوف، وهذان مرضان نفسيّان يصيبان الصغار.
أعظم مهمّة للأب تربية أولاده:
أغلب الظّن أنّ الأسباب من الكبار، لذلك تحتاج التربية إلى علم، المربّي يجب أن يكون عالماً، وأعظم مهمّة للأب تربية أولاده، وعندما يصبح ابنك إنساناً عظيماً فسوف تنسى كلّ تعبك، وتعيش عشرين أو ثلاثين سنة وتراه أمامك ملء السمع والبصر، فهيماً وأديباً، ومتعلّماً، ويخاف من الله عزَّ وجلَّ، وإذا أصبح عالماً صغيراً ودعا إلى الله، فهذا في صحيفتك، فمن عنده أولادٌ فهذا كنزٌ، فالطفل كنز، هذا الطفل يمكن أن يسعدك إلى أبد الآبدين، اعتنِ به واتعب والتعب محفوظ ولا يضيّع الله تعبك إطلاقاً.
فالموضوع أصبح على الشكل التالي، الأمراض الوبيلة التي تصيب الأطفال الشعور بالنقص، والحسد، والغضب، وهذه علاجها، مزيد من العناية، والاهتمام، والعدالة، والحكمة التي أكرم الله المؤمن بها، ومن يؤتَ الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 08:33 AM   #16


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الرابع عشر )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 1 ) الاخوة - الرحمة - التقوى





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام مع الدرس الرابع عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام، وننتقل اليوم إلى موضوعٍ جديد هو مسؤوليّة المربّين، أو مسؤوليّة الآباء في تربية أولادهم التربية الاجتماعيّة.
العناية الفائقة بغرس أصول التربية الاجتماعية عند أولادنا:
كلُّكم يعلم أنّ الإنسان كائنٌ اجتماعيّ، وأراده الله أن يكون اجتماعيّاً من خلال أنّه جعله مفتقراً في معظم حاجاته إلى أخيه الإنسان، سمح له أن يتقن شيئاً يرتزق منه، وهو بحاجةٍ إلى خدمات أخيه الإنسان لذلك لا يعقل أن يعيش الإنسان وحده، أراده الله سبحانه وتعالى أن يكون اجتماعياً، ولكن حينما يجتمع الإنسان بأخيه الإنسان يمتحن، فإمّا أن يرقى وإمّا أن يسقط، إمّا أن يستحقّ الجنّة لأنّه طبّق منهج الله عزَّ وجلَّ في تعامله مع الآخرين، وإما أن يستحق النار لأنه خالف منهج الله عز وجل.
قد ذكرت لكم كثيراً أنّ العبادات نوعين ؛ عباداتٍ تعامُليّة، وعباداتٍ شعائريّة، العبادات الشعائريّة كالصلاة والصيام والحجّ، بينما العبادات التعامُليّة العلاقة بينك وبين أخيك الإنسان، هل أقمتها وفق منهج الله ؟ هل أقمتها وفق ما يرضي الله ؟ هل ائتمرت بما أمر الله سبحانه ؟ هل انتهيت عما نهى الله، في زواجك، في عملك، في كسب المال، في إنفاق المال، في أفراحك، في أحزانك، في كلّ نشاطات حياتك ؟
أيُّها الأخوة الكرام، لا بدّ من أن يوجّه الأب أو المربّي عنايةً فائقةً لغرس أصول التربية الاجتماعيّة عند ابنه أو عند تلميذه، والحقيقة ما دام الإنسان في مجتمع فهو في حاجةٍ ماسةٍ إلى مجموعة خصائص، وإلا يشقى ويُشقي.
الخاصّة الأولى أنّ الله سبحانه وتعالى أنزل كتاباً على النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيه منهج، فيه دستور، افعل ولا تفعل، المنهج كُلّي والسنّة تفصيليّة، أنت إن طبّقت منهج الله لن تؤذي أحداً بل سوف تنفع النّاس جميعاً، لن تكون مبغوضاً، لن تكون عدوّاً لأحد، وسيحبُّك الناس جميعاً، لأنّ منهج الله من عند خالق الكون، من عند الخبير، من عند الذي يعلم كلّ شيء، فمادام الإنسان وفق منهج الله فهو في بحبوحةٍ وفي أمنٍ وسلام، أمّا إذا خرج، أي لو مركبة تسير على طريق معبّد، ما دام الذي يقودها يطبّق تعليمات الصانع فهو على الطريق، تتحرّك المركبة بسلامةٍ ويسر وراحة، وتنطلق تطوي الأرض طيّاً، أمّا إذا غفل عن القيادة أو كان مخموراً أو أساء استخدام الأدوات الموجودة في هذه المركبة، هوى في الوادي، طبعاً هذا الذي حدث من خطأ ارتكبه.

اتسام حياة المؤمن بالسلام و حياة غير المؤمن بالهلاك:
أنت ما دمت في مجتمع، وما دمت تطبّق منهج الله في هذا المجتمع لن تجد إلا السلام، فقد قال ربُّنا عزَّ وجلَّ:
﴿ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (16) ﴾
( سورة المائدة: آية " 16 " )
الله عزَّ وجلَّ يهدي الإنسان طريق السلام مع نفسه، طريق السلام مع أسرته، مع مجتمعه، مع أخوانه، مع من فوقه، مع من دونه، مع من في مستواه، لذلك تتسم حياة المؤمن بالسلام، وتتسم حياة غير المؤمن بالمفاجآت، بالمطبّات، بالهلاك أحياناً.
أولاً، ما لم يطبّق الإنسان وهو في جماعة منهج الله لن يَسعد ولن يُسِعد، هذا ما عبّر عنه ربُّنا جلّ جلاله بكلمة التقوى فقد قال تعالى:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (13) ﴾
( سورة الحجرات: آية " 13 " )
أي أن تتقي أن تعصي الله، تتقي أن تخرج عن منهجه، فربّنا عزَّ وجلَّ يقول:
﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً (2) ﴾
( سورة الطلاق: آية " 2 " )
هذه الآية يمكن أن يكتب عنها مجلّدات، مثلاً من اتّقى الله في تربية أولاده جعل الله له مخرجاً من عقوق الأولاد، من اتّقى الله في اختيار زوجته جعل الله له مخرجاً من الشقاء الزوجيّ، من اتقى الله في كسب المال جعل الله له مخرجاً من ضياع المال، من اتقى الله فآمن به جعل الله له مخرجاً من الشقاء الدنيويّ والأُخرويّ.
منهج خالق الكون أن تتقي الله في تعاملك مع أخيك:
إذاً حينما تتقي الله في تعاملك مع أخيك فهذا المنهج منهج خالق الكون، فتقف عند حدّك تأخذ مالك وتدع ما ليس لك، فمشكلات النّاس كلِّهم من أين تأتي ؟ لأنّهم يريدون أن يأخذوا ما ليس لهم، وأن يمتنعوا عن إعطاء كلِّ ذي حقٍ حقّه، يمكن أن ترجع مشكلات المجتمع كلّها إلى هذا، إلى أنّ الإنسان يأخذ ما ليس له، يتجاوز الحدّ ويطغى.
إذاً قبل كلّ شيء يجب أن ترسّخ في ابنك أو في تلميذك أن يكون وقّافاً عند كلام الله، وقّافاً عند منهج الله، هذا حرام لا أقوله، هذا حلال أسمح لنفسي به، أما أن تقوم حياة اجتماعيّة بلا منهج، بلا دستور، بلا قانون، قضيّة كيفيّة، عشوائيّة، فلا بدّ من الخصومات، والعداوات، والمضايقات، ويلجأُ الناس إلى المحاكم، وترى عند كلّ قاضٍ آلاف الدعاوى ترحّل من عامٍ إلى عامٍ إلى عام إلى أن يموت أحد المتقاضيين، أساسها أن كلا الطرفين خرج عن منهج الله.
أخواننا الكرام، يمكن أن نتأكّد أنّه ما من مشكلةٍ على وجه الأرض إلا ووراءها معصية، وما من معصيةٍ إلا ووراءها جهل، فأكبر عدوٍ لنا هو الجهل، وهو العدو الأوّل رقم واحد، لأنّ الجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوُّه أن يفعله فيه، فقبل كلّ شيء: إن أكرمكم عند الله أتقاكم.
ما عبد الله بأفضل من اتّباع ما افترض الله عزَّ وجلَّ، أعظم عبادة أن تقيم منهج الله عزَّ وجلَّ، إنَّ الله لا يقبل نافلةً ما لم تؤدَّ الفريضة.
إذاً عرّف بعض العلماء التقوى فقال: أن يراك الله حيث أمرك، وأن يفقدك حيث نهاك.
أن يراك حيث أمرك، في ساعة الظهيرة يوم الجمعة أين تكون أنت ؟ في النزهة أم في المسجد ؟ في المسجد، وأنت في الطريق أمامك امرأةٌ سافرةٌ، ماذا تفعل ؟ تغضُّ البصر، أثناء محاسبة البائع ماذا ينبغي أن تفعل ؟ أن تعطيه حقّه ولو نسي بعض المال، أن يراك حيث أمرك وأن يفقدك حيث نهاك، هذا بعض تعريفات التقوى.
قال بعضهم: التقوى اتّقاء عذاب الله سبحانه وتعالى بصالح العمل، والخشية من الله في السّر والعلانية.

بعض تعريفات التقوى:
أخواننا الكرام، الآيات التي تحدّثت عن التقوى تربو عن ثلاثمئة آية، التقوى أن تتقي غضبه، أن تتقي عذابه، أن تتقي أن تعصيه، أن تتقي أن تخرج عن منهجه، أن تتقي أن تتجاوز حدوده، فأنت من أجل أن تسعد في الدنيا وفي الآخرة عليك بتقوى الله، ومن أجل أن تنشّئ ابنك تنشئةً صالحةً عليك أن تغرس في نفسه تقوى الله، يا بنيّ قف عند حدود الله، هذا منهج، هذا قانون، هذا من عند خالق الكون، افعل ولا تفعل، فأعظم شيء تصل إليه أن تصل إلى أمر الله ونهيِه، وأن تحمل نفسك على تطبيق أمر الله وترك نهيِه.
سيّدنا عمر بن الخطّاب عملاق الإسلام له تعريفات رائعة، فمرّة عرّف التقوى عن طريق سؤال وجواب، سأل سيدنا أُبيّ بن كعب سيّدنا عمر عن التقوى، فقال له: أما سلكت طريقاً ذا شوكٍ ؟ قال: بلى، قال: فما عملت ؟ قال: شمّرت واجتهدت، قال: فتلك هي التقوى.
إذا كان أحد الأشخاص يمشي في طريق كلّه حفر وأشواك وأكمات وعثرات، وأفاعٍ مثلاً فكيف يمشي ؟ هل يغمض عينه أم يفتح عينيه، ويصبح كلُّه أعين، وكلُّه آذان، كلُّه حيطة، وكلُّه حذر، فشمّر واجتهد.
أنت راقب سائق سيّارة في الضباب وبالليل، تجده يقترب للأمام نحو الزجاج ولا يستند من قلقه، ويتفحّص الطريق شبراً شِبراً، ويتأهّب لأيّة مفاجأة، هذه هي التقوى، أن تسير وكلُّك أعين، وكلُّك آذان، وكلُّك توقُّع.
قال بعضهم: التقوى حساسيةٌ في الضمير، حساسيةٌ في الشعور، خشيةٌ مستمرّة وحذرٌ بيّن، توقٍ لأشواك الطريق، طريق الحياة.
أيُّها الأخوة، النبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول:
(( التقوى ها هنا. وأشار إلى صدره الشريف ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]
معنى التقوى: أنّها رغبة قويّة في ذات الإنسان أن يطيع الله، مادام قال: ها هنا وهنا القلب، والذي يرغب هو القلب، رغبةً قويّةً في تنفيذ أمر الله عزَّ وجلَّ، وثانياً نورٌ يقذفه الله في قلب الإنسان يريه الحقَّ حقّاً والباطل باطلاً.
نماذج من المتقين:
اسمعوا أيُّها الأخوة إلى نماذج من المتّقين. قال يروي الغزالي في إحيائه أنّه كان عند يونسَ بن عبيد حُللٌ مختلفة، أي ثياب، يبيع الثياب، مختلفة الأثمان منها نوعٌ قيمته بأربعمئة درهم ونوعٌ قيمته بمئتين، فذهب إلى الصلاة وخلَّف ابن أخيه في الدكّان، جاء أعرابيّ وطلب حُلَلاً بأربعمئة، فعرض عليه ابن أخيه حُلًّة بمئتين فاستحسنها الأعرابي ورضيها واشتراها بأربعمئة درهم، فمشى بها وهي على يديه، يونس صاحب الدكّان خرج من المسجد فإذا بأعرابيٍ يحمل حُلّةً من دكّانه، فعرف أنّها حُلّته فقال للأعرابيِّ: بكم اشتريت هذه الحُلَّة ؟ قال: بأربعمئة. قال: هذه الحُلَّة لا تساوي أكثر من مئتين فارجع حتّى ترُدّها، قال: هذه تساوي في بلدنا خمسمئة درهم، وأنا ارتضيتها، قال له يونس: انصرف معي، فإنّ النّصح في الدين خيرٌ من الدنيا وما فيها، ثمّ ردّه إلى الدكّان، وردّ عليه مئتي درهم وخاصم ابن أخيه في ذلك وقاتله، قال: أما استحييت، أما اتقيت الله ؟ تربح مثل الثمن وتدع النُصح للمسلمين، فقال: والله ما أخذها إلا وهو راضٍ بها، قال: هلا ارتضيت له أنت ما ترضاه لنفسك ؟ هذه هي التقوى، هكذا البائع المسلم لا يغش أو يدلّس أو يكذب، طاعة الله أغلى عليه من الدنيا وما فيها من ثروة الأرض، من أكبر غلّةٍ في الدنيا، طاعة الله، يجب أن نربّي أبناءنا هكذا.
قصّةً تعرفونها جميعاً أقولها كثيراً، قال عبد الله بن دينار: خرجت مع عمر بن الخطّاب إلى مكّة، فعرّجنا في بعض الطريق، أي استرحنا، فانحدر بنا راعٍ من الجبل فقال له: يا راعي بعني شاةً من هذا الغنم، قال: إنّي مملوك، قال له اختباراً: قل لسيّدك أكلها الذئبُ، فقال الراعي: فأين الله ؟
هذه ليس لها حلٌ، الآن مستعد أن يحلف يميناً كذباً غموساً حتّى يأخذ الدكّان، اختلف الوضع، فقد قال تعالى:

﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً (59) ﴾
( سورة مريم: آية " 59 " )
قد لقي المسلمون ذلك، كان السلف الصالح يقول: ألف غلبة ولا قلبة، أما الآن يقولون: ألف قلبة ولا غلبة، كان السلف الصالح يقول: المنيّة ولا الدنيّة، الآن يقولون: الدنيّة ولا المنيّة.
شاعر دخل السجن في عهد عمر لأنّه قال لرجل:
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنّك أنت الطاعم الكاسي
***
هذا شعار كلّ إنسان في آخر الزمان.
البنت التي أرادت أن تنصح أمُّها عندما أقدمت على خلط الحليب بالماء في عهد عمر، وقالت الأم: إنّ عمر لا يرانا يا بنيّتي. فقالت: إنّ ربّ عمر يرانا، هذه التقوى.

غرس تقوى الله في نفوس أبنائنا:
أيُّها الأخوة، المربي أهمّ وظيفة له، المربّي أو الأب إذا أراد أن ينشّئ أولاده تنشئةً اجتماعيّةً عليه أن يغرس فيهم تقوى الله، أي الخوف من الله.
قد يسأل سائل: كيف نخاف من الله ؟ الجواب: يجب أن تؤمن أنّه يعلم وسيُحاسب، أن تؤمن باسم الله العليم، واسم الله القدير، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً (12) ﴾
( سورة الطلاق: آية " 12 " )
أي إذا أيقنت أنّ الله يعلم وسيحاسب وهو قدير لا بدّ من أن تستقيم على أمره، لأنّك إن أيقنت أنّ إنساناً من بني جلدتك، من بني البشر، يحاسب ويقدر أن يوقع بك الأذى لا يمكن أن تعصيه أبداً، فكيف بخالق الكون ؟
طبعاً البحث طويلٌ، موضوع التقوى هو الدين كلُّه في الحقيقة، ولكن كلما غرست في نفس ابنك أنّه لا بد من أن يأتمر بأمر الله وإلا سيكون الثمن باهظاً، لا بد من أن ينتهي عن ما نهى الله عنه وإلا الثمن باهظ، إذا غرست في قلب ابنك أو تلميذك الخوف من الله انتهى كلّ شيء، فطبّق منهج الله فسعد وأسعد.
الأخوة الإيمانيّة تعني أن يشعر المسلم أنّه أخٌ لكلِّ مسلم:
العامل الثاني في التربية الاجتماعيّة موضوع الأخوة الإيمانيّة، فالعجب العجاب أنّ الإسلام ممتدّ الرقعة يشغل الآن معظم بعض القارّات، والعدد يزيد على خُمسِ سكّان العالم، لكن معنى الأخوة الإسلاميّة غير واضحٍ، أي أن توجد الخصومات والعداوات، حتّى بين من يعملون في الحقل الدينيّ، إلا أنّ الأخوة الإيمانيّة تعني، أن يشعر المسلم أنّه أخٌ لكلِّ مسلم، أخ بكلِّ ما في هذه الكلمة من معنى، إذا شعرت أنّك أَخٌ لأخيك لن تأكل ماله، لن تنال من عرضه، لن تحقره، لن تسلمه، لن تغتابه، لن تؤذيه أبداً، أشعِره أنّه أخ أقرب لك، إذا وجدت أسرةً متماسكةً جداً فكيف يكون شعور الأخ تجاه أخيه ؟ يتمنّى له كلّ خير، أولاً قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (10) ﴾
( سورة الحجرات: آية " 10 " )
هذا التركيب اسمي أم فعلي ؟ أجيبوني، اسمي، ما معنى التركيب الاسمي ؟ إذا قلت: دخل أخٌ إلى الحرم، هذا التركيب فعلي، إذا قلت: فلان طويل، هذا التركيب اسمي فماذا يعني التركيب الاسمي ؟ يعني: الثبات والاستمرار، وماذا يعني التركيب الفعلي ؟ يعني: الحدوث والانقطاع.
العلاقة بين المؤمنين علاقة ثابتة ودائمة وأبديّة:
ربّنا عزَّ وجلَّ وصف العلاقة بين المؤمنين بجملةٍ اسميّة، أي أن هذه العلاقة ثابتة ودائمة وأبديّة قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (10) ﴾
(سورة الحجرات: آية " 10 ")
ما لم تشعر بهذه الأخوة فلست مؤمناً، وينبغي أن لا تنتمي إلى بعض المؤمنين، ولا إلى جماعةٍ، بل إلى مجموع المؤمنين، كُّل من عرف الله عزَّ وجلَّ وطبّق منهجه وسعى للدار الآخرة فهو أخوك حقّاً، لذلك قال الله عزَّ وجلَّ:
﴿ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (215) ﴾
( سورة الشعراء: آية " 215 " )
والآية الثانية:
﴿ لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) ﴾
( سورة الحجر: آية " 88 " )
الفرق بينهما الخصوص والعموم، أي تعليم، بالتبعيّة نحن نتعلّم، يجب أن تشعر بالأخوة تجاه كلّ مؤمنٍ على وجه الأرض كي تكون مؤمناً، وإلا فلست بمؤمن قال تعالى:
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ أخواناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (103) ﴾
( سورة آل عمران: آية " 103 " )
نصوص من السُّنة الشريفة عن الأخوة في الله:
والله أيُّها الأخوة هذا الحديث الذي سأتلوه على مسامعكم لا أشبع منه:
(( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ولا يخذله ولا يحقره، بحسب امرئٍ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كلُّ المسلم على المسلم حرام، دمُه وماله وعرضه، التقوى ها هنا. وأشار إلى صدره الشريف ))
[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]
معنى العرض: موطن المدح والذمّ في الإنسان، أي أربى الربا أن تستطيل في عرض أخيك المسلم، تتكلّم عنه كلاماً غير صحيحٍ فقد بهتّه بقولك، ولو كان صحيحاً فقد اغتبته:
(( لا يؤمن أحدكم حتّى يُحبَّ لأخيه ما يحبّ لنفسه ))
[ متفق عليه عن أنس]
نصوص سهل علينا جداً أن نقرأها، وسهل أن نستمع إلى شرحها، لكنّ البطولة أن تعيشها، أن تحبّ لأخيك ما تحبّ لنفسك، لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه.
(( مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير، واللفظ لمسلم ]
وروى مسلمٌ في صحيحه أنّ الله تعالى يقول يوم القيامة:
(( أين المتحابّون في جلالي ؟ اليوم أُظِلُّهم في ظِلّي يوم لا ظِلّ إلا ظلّي ))
[ رواه أحمد عن أبي هريرة ]
أجمل ما في الحياة أن تنعم بأخ لك في الله يبادلك الود والوفاء والإخلاص:
أيُّها الأخوة الكرام، والله أنا العبد الفقير حينما أرى الأخوة الكرام متعاونين، ومتحابّين، ومتماسكين، ويدافع بعضهم عن بعض، ويعاون بعضهم بعضاً، والله أشعر أنّ الله يحبُّنا جميعاً، وحينما أرى من بعضهم الحسد، والغيرة، والعداوة، والبغضاء، والطعن، والازدراء والله أشعر أنّ كلّ عملنا يحبطه الله عزَّ وجلَّ، وأنّ يدَ الله مع الجماعة، ومن شذّ شذَّ في النار، عليكم بالجماعة، عليكم بالأخوة الصادقة.
والله لا أُبالغ إنّ أسعد ما في الحياة أن تنعم بأخٍ في الله يبادلك الود والوفاء والإخلاص والتعاون، وأنت قويٌ بأخيك والحياة بلا أُخوّة والله موحشة، الحياة لا تعاش بلا أخ في الله، كما أنّها لا تعاش بلا قيم فأجمل شيء في هذه الحياة أن ترى أخاً إلى جانبك، معك في السرّاء والضرّاء، واثقاً منك، يدافع عنك، يعينك.
نماذج من مجتمع الصحابة الكرام، روى الحاكم في المستدرك أنّ معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه بعث بثمانين ألف درهم إلى عائشة رضي الله عنها وكانت صائمة وعليها ثوبٌ خَلِق، فوزّعت هذا المال من ساعتها على الفقراء والمساكين ولم تبقِ منه شيئاً، فقالت لها خادمتها: يا أُمّ المؤمنين ما استطعت أن تشتري لنا لحماً بدرهمٍ تفطرين عليه ؟ ‍قالت: يا بنيّتي لو ذكّرتني لفعلت.
ثمانون ألف درهم أنفقتها على الفقراء والمساكين ونسيت نفسها، الآن معظم الناس يعيشون لذاتهم، كلّ نشاطه من أجل مصالحه الشخصيّة، لكن والله لا نسعد إلا إذا أسعدنا الآخرين، والله قد حدّثني طبيب قال لي كلمة أثّرت في نفسي: والله حينما أُجري عمليّة، أقسم بالله، وتنجح هذه العمليّة نجاحاً باهراً، وأرى البسمة والسعادة على فمّ أو على وجه المريض وأهله وأولاده من حوله، والله أشعر أنّي ملكت الدنيا.
والله المؤمن الصادق إذا أدخل السرور على قلب أخيه المؤمن، حلّ له مشكلته، أو أعانه في موضوع معيّن، أزاح عنه كآبة، نفّس عنه كُربة، يشعر بحاله قد صار في السماء، فقد قال لي أخ صديق: أنا كنت أقود سيّارتي قادماً بها من الزبداني إلى دمشق في أحد أيّام الصيف، في الساعة الثانية عشرة ليلاً كان في دمّر، فرأى امرأة تحمل صغيراً وإلى جانبها رجل وكأنّهما في قلقٍ وحيرة، فأوقف سيّارته وقال لهم: أية خدمة ؟ كانت حرارة الطفل 41 درجة مئويّة، وهذا الزوج والزوجة غريبان عن البلد أثناء أحداث لبنان، فأخذهما إلى طبيب، ثمّ إلى مستشفى من أجل الحقن، وقال لي: وما انتهيت من عملي إلا في الساعة الرابعة من فجر ذلك اليوم أي أربع ساعات، ويقسم هذا الأخ الكريم أنّه بقي أسبوعين مغموساً في سعادةٍ لا توصف.
نماذج من المجتمع الإسلامي عن الأخوة في الله:
قال النبيّ الكريم:
(( الخلق كلّهم عيال الله وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله ))
[رواه أبو يعلى عن ابن مسعود]
إنّك لا تعرف لو أنت قدّمت وعاونت أخوانك أو عاونت البشر جميعاً، أو عاونت حتّى المخلوقات العجماويّة، كم تسعد ؟ السيّدة عائشة أعطت ثمانين ألف درهمٍ ووزّعتها على الفقراء والمساكين، ونسيت نفسها وهي صائمة.
روى الطبرانيُّ في الكبير أنّ عمر بن الخطّاب رضي الله عنه أخذ أربعمئة دينار فجعلها في صُرّةٍ وقال لغلامه: اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجرّاح، ثمّ تشاغل في البيت ساعةً حتّى تنظر ماذا يصنع ؟ فذهب بها الغلام إليه فقال: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال أبو عبيدة: وصل الله عمر ورحمه، ثمّ قال: تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان، حتّى وزّعها كلها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره فوجده قد أعدّ مثلها لمعاذ بن جبل، فقال: اذهب بها إلى معاذ وتشاغل في البيت ساعة حتّى تنظر ماذا يصنع ؟ فذهب بها إليه فقال الغلام: يقول لك أمير المؤمنين اجعل هذه في بعض حاجتك، فقال: رحمه الله ووصله، تعالي يا جارية اذهبي إلى بيت فلان بكذا، وإلى بيت فلان بكذا، فاطلعت امرأة معاذ وقالت له: نحن والله مساكين فأعطنا، فلم يبق في الخرقة إلا ديناران فرمى بهما إليها، ورجع الغلام إلى عمر فأخبره، فسُرّ بذلك فقال: إنّهم إخوةٌ بعضهم من بعض.
أخ من أخواننا الكرام له باع طويل في الأعمال الصالحة حدّثني قبل يومين قال لي: قبل اثنين وعشرين عاماً كنت ذاهباً إلى بيتي الساعة الثانية عشرة ليلاً رأيت سيّارة كبيرة فيها حاجات منزل، شيء يلفت النظر، فالإنسان ينتقل في النهار وينقل حاجاته في النهار، فلماذا في الليل في الساعة الثانية عشرة ؟ قال: تقدّمت من سائق السيّارة فعرفته، فسألته: ما القصّة ؟ قال: والله رجل أُخلي من بيته ونفّذ الحكم فيه، وليس له بيت، فهذه أغراضه نقلناها إلى بيتِ أهل زوجته والبيت صغير جدّاً لا يتّسع لها، يقول هذا الأخ الكريم وأقسم بالله لي: أنّه في هذه الليلة ما ذاق طعم النوم، إنسان حكم عليه بالإخلاء، وحاجاته كثيرة وليس لها مكان، أين ينام ؟ أين تنام زوجته ؟ أين ينام أولاده ؟ قال لي: في الليل فكّرت إن فلاناً غني وفلاناً وفُلاناً، فكتب ثمانية أسماء، وفي اليوم التالي ذهب إليهم واحداً تلو الآخر وأخذ من كل واحدٍ منهم خمسة آلاف، والقصّة قديمة جداً، فأصبح المجموع أربعين ألفاً، وقد جمعهم في نصف ساعة، ذهب إلى دكّانه وكان عنده شخص يأتيه أحياناً فقال له: هل حولك بيتٌ في المهاجرين ؟ لأنّ الشخص مُخلى في المهاجرين، فقال له: نعم فقد حضرنا أمس بازار بيتٍ ودفع ثمناً له تسعة وثلاثين ألفاً ولم يرض صاحبه فهو يريد أربعين ألفاً، ولكن البيت ممتازٌ، فقال له: قم وخذني إليه الآن، ذهب إليه فقال له صاحب البيت: أقلّ من أربعين ألفاً بليرة لن أبيعه، فقال له: هذه أربعون ألفاً واكتب عقد البيع القطعي، كتب العقد وأُخذ المفتاح، وذهب للذي أُخلي من بيته، وقال له: اذهب إلى هذا البيت وهذا مفتاحه وهذا عقد شرائه، طبعاً الذي باع البيت عندما علم بالقصّة دفع خمسة آلاف، أرجعها من ثمن البيت، قال لي: في أقلّ من أربع وعشرين ساعة، حوالي اثنتي عشرة ساعةً كانت قد حُلّت القضيّة.
فتح أصحاب النبي الكريم العالم بالرحمة التي في قلوبهم:
عندما يرى ربّنا عزَّ وجلَّ أنّ الإنسان يحبّ أخوانه ويحبّ أن يخدم الناس فالله يعينه، الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، إذا كان في قلب الإنسان رحمة وأراد أن ينفع الناس، الله يمكّنه من نفعهم، يعطيك، لأنّه إذا أراد ربُّك إظهار فضله عليك، خلق الفضل ونسبه إليك، طبعاً سيّدنا عثمان بن عفّان الذي قال عنه النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ما ضرّ عثمان ما فعل بعد اليوم.
سيّدنا عثمان بن عفّان في عهد عمر أصاب الناس قحطٌ وشدّة، وكانت قافلة من الشام مكوّنة من ألف جمل عليها من أصناف الطعام واللباس، وحينما وصلت تراكض التجّار عليه يطلبون أن يبيعهم هذه القافلة فقال لهم: كم تعطونني ربحاً ؟ قالوا: خمسة في المئة، هذا عقد مرابحة، قال: إني وجدت من يعطيني أكثر، فقالوا: ما نعلم في التجّار من يدفع أكثر من هذا الربح ؟ قال لهم عثمان: إنّي وجدّت من يعطيني على الدرهم سبعمئة، إنّي وجدت الله عزَّ وجلَّ يقول:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) ﴾
( سورة البقرة: آية: "261 " )
أُشهدكم يا معشر التجّار أنّ القافلة، وما فيها من بُرٍ ودقيقٍ وزيتٍ وسمنٍ قد وهبتها لفقراء المدينة وأنّها صدقةٌ على المسلمين.
ماذا يعني ألف جمل ؟ أي ألف شاحنة، فهل ألف شاحنة عدد قليل ؟ أحياناً تكون مسافراً تجد مجموعة شاحنات حوالي الخمسين كلّهم، وتمشي بجوارهم ولا ينتهون، فما قولك بألف جمل، وسيّدنا عثمان كان من كبار أغنياء الصحابة، بماذا فتح أصحاب النبيّ العالم ؟ بهذه الرحمة التي في قلوبهم، ولو تراحمنا لرحمنا الله عزَّ وجلَّ.
الدين المعاملة:
توجد قصص مؤلمة جداً، كلّها قسوة، وتوجد قصص تنعشنا فيها رحمة، وهذه البلدة بلدةٌ طيّبة لا تخلو من أهل الخير.
(( لقد أتى علينا زمانٌ وما أحدٌ أحقُّ بديناره ودرهمه من أخيه المسلم ))
[البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما]
أعرف بعض الأخوة الكرام لهم أخ فقير طالب علم، لم يجد عملاً، قاموا بزيارته، وطلبوا منه أن يشربوا، ذهب لإحضار الماء إليهم فوضعوا في جيبه بعضاً من المال ودون أن يشعر، ولا يدري من أين هذا المال ومن أين جاءه ؟ لم يقطعوه أبداً.
هل لنا أعمالٌ كهذه، هل كان أخوك بحاجة فعاونته وأمددته بالمال، الحقيقة الدين هكذا، الدين المعاملة.
يوجد عندنا شيء آخر، فأوّل شيء: يجب أن تغرس تقوى الله في نفس ابنك أو تلميذك، والشيء الثاني: يجب أن تغرس فيه الأخوة الصادقة مع أخوانه المؤمنين، فأنت عضو في جماعة، أنتم أُسرة واحدة ويؤكّد هذا أنّ فاطمة الزهراء رضي الله عنها طلبت من النبيّ خادماً لها فمن هو النبي ؟ سيِّدُ هذه الأمّة وأعلى إنسان فيها، أقوى إنسان، أي أنّه بإمكانه أن يعطيها أكبر بيتٍ وجيشاً من الخدم، فماذا قال لها ؟ قال: والله يا بنيّتي لا أؤثرك على فقراء المسلمين.
معنى ذلك أنّ النبيّ عدّ المسلمين أُسرة واحدة، ولم يعطِ فاطمة شيئاً يزيد على فقراء المسلمين، قال: والله يا بنيّتي لا أؤثرك على فقراء المسلمين، لهذا قال النبيّ عليه الصلاة والسلام:
(( والله ما آمن، والله ما آمن، والله ما آمن من بات شبعان وجاره جائع إلى جانبه وهو يعلم.))
[رواه الطبراني عن ابن عباس]
حجم رحمتك بحجم اتصالك بالله:
في الحقيقة قد يسأل سائل: الأخذ فيه لذّة، والعطاء فيه لذّة، فافحص نفسك إذا كنت تسعد بالعطاء فأنت من أهل الآخرة، وإذا كنت تسعد بالأخذ فقط فأنت من أهل الدنيا، والمؤمن الصادق يسعد بالعطاء.
الشيء الثالث في التربية الاجتماعيّة: أن نغرس في نفوس أبنائنا أو طلاّبنا الرحمة، وكما أقول لكم دائماً إذا وجد للرحمة مؤشّر، وللإيمان مؤشّر، هذان المؤشّران يتحرّكان معاً، فمؤشّر الرحمة يتحرّك مع مؤشّر الإيمان، فأنت ترحم الناس بقدر ما في قلبك من الإيمان، وكلّما ضعف الإيمان ضعفت الرحمة، فإذا أردت أن تعرف مستوى إيمانك فانظر إلى الرحمة التي في قلبك.
سأستدرك عليكم هذه الحقيقة، فالرحمة ليست لأولادك فهذا شيء بديهي وفطرت عليه وقد أودعه الله فيك كي تستمرّ الحياة، فأي أم فاسقة أو فاجرة أو مستقيمة أو مؤمنة، متعلّمة أو جاهلة، مثقّفة أو غير مثقّفة، الأم أم، لكن الذي أتحدّث عنه لا أن ترحم أبناءك، بل أن ترحم الناس جميعاً، الرحمة العامّة، طبعاً هذه الرحمة تقتبس من الله في أثناء الاتصال به، فأنت رحيم بقدر اتصالك بالله عزَّ وجلَّ، أي أنّ حجم رحمتك بحجم اتصالك بالله:

((الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء))
[رواه الترمذيّ وأبو داوود أحمد عن عمرو بن العاص ]
الحديث الآخر المخيف يقول عليه الصلاة والسلام أيضاً في ما رواه الإمام الترمذيّ وأبو داوود، فكلّما كانت القسوة موجّهة إلى إنسان ضعيف فالجرم أكبر، أي أنّ المرأة ضعيفة أحياناً فممكن أن تضربها ضرباً مبرحاً، أو أن تطردها من البيت ليلاً ولا أحد معها، فمعنى ذلك أنّ الإيمان معدومٌ، صفرٌ، المؤمن رقيق القلب، لا يحتمل أن يرى مشقّةً على إنسان، والحديث الثالث الدقيق رواه الإمام الطبراني:
(( لن تؤمنوا حتّى تراحموا. قالوا: يا رسول الله كُلُّنا رحيم. قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكنّها رحمةُ العامّة ))
[رواه الطبراني عن أبي موسى ]
من لا يَرْحم لا يُرحم:
أنت رحمتك ليست لابنك، بل للصانع الذي يعمل عندك في المحل، هل ترحمه وتريحه قليلاً من مشقّة العمل، هل تعطيه شيئاً من حقوقه ؟ هل تسمح له بأن يدرس ؟ أم تقول: إذا تعلّم الصانع يهرب من عمله، خيراً إن شاء الله، لماذا تريد أن يكون ابنك طبيباً وتعطيه دروساً خاصّة بثلاثين ألف ليرة، لا شيء عليك فهذا ابنك، إذا كان عندك إمكانيّة ترحم ابنك فقط وتقسو على الناس، إذاً أنت لست مؤمناً على الإطلاق ضع عباداتك بالحاوية وارتح، فما معنى مؤمن ؟ معناها أن يكون عندك رحمةٌ على الناّس كرحمتك على أولادك، هل عندك استعداد أن تعامل زوجة ابنك كابنتك في البيت ؟ إذا فعلت فأنت مؤمن، هل ترحمها وتقدّر ظروفها، تتغافل عن أخطائها، وتحسن الظّن بها، أم يكون حساباً عسيراً لزوجة الابن وتسامحاً لابنتك، فهذا الكلام ليس معقولاً، معنى ذلك لا توجد رحمةٌ إطلاقاً.
أخواننا الكرام حتّى لا يضيّع أحد وقته فليمتحن نفسه بالرحمة، فإذا لم توجد الرحمة فالطريق إلى الله مسدودة، إن لم ينفطر قلبك لرؤية منظر البؤس والشقاء والحرمان وأنت تعيش في بحبوحة فو الله ليس لك عند الله شيء، إلى أن تعطي، إلى أن ترحم، إلى أن تقدّم من ذات نفسك، لو أنّ المسلمين الذين كانوا في عهد النبيّ فعلوا كما يفعل النّاس اليوم، تجد شابّاً يتلوّى على غرفة ليتزوّج فيها، وتجد بالمقابل سبعمئة ألف بيتٍ مغلقاً، تجد قصراً أو فيلا في منطقة اصطياف كلّفت ثلاثين مليوناً من أجل أسبوعين فقط، وثلاثين ألف شابٍّ يتمنّون غرفة خارج دمشق ولا يجدون.
إذا لم نتراحم فالمشكلة ستصبح كبيرة جدّاً، الأغنياء أوصيائي والفقراء عيالي، فمن حرم مالي عيالي أذقته عذابي ولا أُبالي.
إذا لم نتراحم ونُؤمّن أولادنا وشبابنا، وزوّجناهم، وأمّنا الأعمال لهم وتساهلنا قليلاً، فقد ذكرت لكم مرّةً عن بنتٍ وقفت أمام أبيها وهو في النزع الأخير وقالت له: حرََمك الله الجنّة كما حرمتني من نعمة الأولاد، لم يكن يوافق على أي زوج يتقدم لها، فهو يريد زوجاً يفتخر به، فلم يجد ذلك الزوج فبقيت ابنته عانساً، فالأب يجب أن يرحم ابنته، وأن يرحم أولاده، يرحم من يعمل لديه في المعمل، أو إذا عنده موظّفون في المحل التجاري، فهذا إنسان له مشاعر ويحتاج إلى أشياء أساسيّة، تقول: يكفيه ما أعطيه من المال، فهل يكفيك أنت هذا الراتب ؟ قال لي أحدهم: والله أنا أشتري لصاحب العمل باليوم ما يساوي معاشات سنة، يعطيه معاشاً ثلاثة آلاف في الشهر، وأنا موكّل بشراء الحاجات له، فأنا أشتري له في يومٍ واحدٍ ما آخذه منه في عامٍ، فإذا الإنسان لم يرحم فالله لا يرحمه، كن منصفاً ورحيماً فالمكسب أن تكسب أخاك، فأخوك هو المكسب.

المغفرة ليست على حجم العمل بل على حجم النوايا:
هل تصدّقون أنّ امرأةً بغيّاً قد غفر الله لها لأنّها سقت كلباً، رحمت كلباً يأكل الثرى من العطش، قالت: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل ما بلغني، نزلت البئر وملأت خُفّها ماءً وسقت الكلب، فغفر الله لها، قد تقولون: هل يعقل ذلك ؟ المغفرة ليست على حجم العمل بل على حجم النوايا، فلقد رقّ قلبها لهذا الكلب فسقته، فكانت توبتها بهذا، وعند الله الصلحة بلمحة.
بالمقابل امرأةٌ حبست هرّةً حتّى ماتت، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض، هذه المرأة استحقّت النار.

(( دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ))
[ مُتَّفَقٌ عَلَيْه عن ابن عمر رضي الله عنهما ]
رأى عمر رجلاً يسحب شاةً برجلها ليذبحها، فقال له سيّدنا عمر: ويلك، قُدها إلى الموت قوداً جميلاً، أحياناً تجد بعض القصّابين قاسياً جدّاً يسحب الشاة من رجلها ورأسها على الأرض ليذبحها، ويقول: سنذبحها وإن تألمت.
عندما رأى النبيّ عليه الصلاة والسلام رجلاً يذبح شاةً أمام أُختها وبّخه، وقال:
هلاّ حجبتها عن أُختها أتريد أن تميتها مرّتين.
من نماذج الرحمة التي في قلب المسلمين، كلّكم تعرفون سيّدنا صلاح الدين، جاءته امرأةٌ من العدو فقدت وليدها، فوقف ولم يجلس حتّى عاد وليدها فهي أم وإن كانت عدوة.
أيُّها الأخوة الكرام، من أمثلة الرحمة التي كانت في قلوب المسلمين ولعهم بالأوقاف الخيريّة، فمثلاً ماذا تعني كلمة المرجة ؟ كانت هذه الأرض مرجاً من الحشائش وكان المرج وقفاً لكلّ دابّةٍ مريضة تأكل وتشرب وتستريح، كذلك كان يوجد وقفٌ للكلاب الضّالة توضع في أماكن مخصوصة للرعاية استنقاذاً لها من عذاب الجوع حتى تستريح بالموت، وقف الأعراس، كان بعض رجال الخير يقفون ثياباً فخمة وحلياً للفقيرات حين الزواج، فترتدي أفخر الثياب وأجمل الحلي، وهذه تنتقل من فتاة إلى فتاة، وقف العصرونيّة كان كلّ غلام أو خادم سيده قاسٍ جدّاً، وكُسِر معه إناء فيأخذ قطعةً من الإناء المكسور للوقف فيعطوه إناءً جديداً وبذلك قد حُلّت مشكلة، فأحياناً كسر آنية يسبب مشكلةً كبيرة جدّاً.
توجد أوقاف كثيرة منها: إطعام الجياع، وسقاية الظمآن، وكسوة العاري، إيواء الغريب، ومعالجة المريض، وتعليم الجاهل، ودفن الميّت، وكفالة اليتيم، وإغاثة الملهوف، ومواساة العاجز، والآن في الحقيقة عندنا مشاريع طيّبة جداً، فأنا في رمضان الماضي قد زرت ميتمين، والله شيء يدعو للفخر، وشيء جميل جدّاً، بناء حديث وأسرّة، وقاعات للطعام، وللتدريس، فيتلقّى هذا اليتيم أعلى درجةٍ من العناية , ويوجد أهل خير كثيرون، وهذا دليل الرّحمة فإذا نحن تراحمنا فالله يرحمنا جميعاً , وإذا لم نتراحم نستحقُّ سخط الله جميعاً.
أساس التربية الاجتماعية التقوى والأخوة الإيمانية والرحمة:
أيُّها الأخوة درس اليوم التربية الاجتماعيّة أساسها التقوى، وأساسها الأخوة الإيمانيّة، وأساسها كذلك الرحمة، فإذا توافرت التقوى أي طاعة الله، وأن يقف الإنسان عند أمر الله ونهيه، وأن يشعر بأُخوّته للمؤمنين، وأن يكون قلبه رحيماً، فشيء طبيعيّ جدّاً أن ترى الحياة الاجتماعيّة قطعةً من الجنّة، لذلك فقد ورد عن النبي صلّى الله عليه وسلّم:
(( إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلائكم، وأمركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
لا تقل: إنّ كلّ الناس قد فسدوا، فمن قال هلك النّاس فهو أهلكهم، لا فالبُنية بخير، والله يوجد أُخوة كرام وطيّبون ينفقون أموالهم بالليل والنهار ـ وأعرف ذلك ـ ومتواضعون، ولا يحبّون أن يعلم بهم أحد، هذه بلدةٌ طيّبة، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( رأيت عمود الإسلام قد سلّ من تحت وسادتي، فأتبعته بصري فإذا هو بالشام ))
[ الطبراني والحاكم عن ابن عمرو ]
(( الشام صفوة الله من بلاده، إليها يجتبي صفوته من عباده فمن خرج من الشام إلى غيرها فبسخطة، ومن دخلها من غيرها فبرحمة ))
[الجامع الصغير عن أبي أمامة رضي الله عنه بإسناد ضعيف]
(( فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بأرض يقال لها: الغوطة، فيها مدينة يقال لها: دمشق، خير منازل المسلمين يومئذ ))
[ رواه الحاكم وقال صحيح الإسناد عن أبي الدرداء]
طوبى لمن له فيها مربط شاة، فنحن بخير والحمد لله، لكن يجب أن ننمّي هذا الخير، ننمّي العلاقات، ننمّي الأخوة، أن نزيد اتصالنا بالله عزَّ وجلَّ حتّى تزداد الرحمة في قلوبنا، حتّى نتراحم، هذا الذي أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون واضحاً عندكم.
لا زلنا في موضوع التربية الاجتماعيّة، وهناك موضوع الإيثار نبحثه في الدرس القادم إن شاء الله تعالى، وموضوع العفو، وموضوع الجرأة، وهذه كلُّها تحت موضوعٍ واحد، غرس الأسس النفسيّة للطفل حتّى يكون أهلاً لأن يعيش الحياة الاجتماعيّة، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علّمنا، وأن يُلهمنا تعليم النّاس الخير.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 08:42 AM   #17


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الخامس عشر )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 2 )الايثار - العفو - الجراة






الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الخامس عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا في موضوع التربية الاجتماعيّة، أو مسؤوليّة الأب عن ابنه في موضوع التربية الاجتماعيّة.
المؤمن يتمتّع بالإيثار وغير المؤمن يتمتّع بالأثرة:
قد تحدّثنا عن خصائص هذه التربية وهي أن يغرس الأب أو المربّي في نفس ابنه الأخوة الصادقة، والرحمة، والتقوى، والآن ننتقل إلى موضوعاتٍ أُخرى متعلّقةٍ في التربيّة الاجتماعيّة، من هذه الموضوعات الإيثار
أيُّها الأخوة، إمّا أن تؤثر، إما أن تتمتّع بالإيثار، أو بالأَثَرة، الأثرة: الأنانية. لكنّ الأنانيّة مصدر صناعي غير صحيح.
لأنّ أيّ كلمة في اللغة العربية يمكن أن نضيف إليها ياء النسبة، فتصبح مصدراً مثال ذلك: شعب، شعبيّة، كتاب، كتابيّة، لكن لا يصاغ من الأدوات مصادر مثل: أنا، أنانيّة، هذه الكلمة غلط شائع، أو غير، غيريّة، الصواب: الأنانيّة صوابها الأثرة، والغيريّة صوابها المؤاثرة.
بادئ ذي بدء، المؤمن من صفاته الأساسيّة الإيثار، يؤثر أخاه المؤمن في كلّ شيء، وإذا أردْت أن تفرّق بين المؤمن وغير المؤمن، فالمؤمن يتمتّع بالإيثار، وغير المؤمن يتمتّع بالأثرة، أي بأبسط حالة الكبيرة له ويأخذها، السرير بجوار النافذة له، المقعد إلى جنب النافذة بالسيّارة له، فدائماً يختار أحسن شيء، ويسبق إليه، المؤمن دائماً يفضّل أخاه عنه، فإن أردْت صفةً ثابتةً في المؤمن هي المؤاثرة، لأنّ الله عزَّ وجلَّ قال:

﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) ﴾
( سورة الحشر: آية " 9 " )
لو تتبّعت تاريخ الصحابة الكرام، لوجدْت أنّ كلّ أصحاب رسول الله يتمتّعون بهذه الصفة بل هي صفة المؤمنين عامّةً لكن هناك نقطة دقيقة جدّاً، لا مؤاثرة في الخير، والخير كلُّه في المؤاثرة، احفظوا هذه القاعدة السابق ذكرها أي أن تؤثر إنساناً على طاعة الله فهذه المؤاثرة مرفوضة، أن تؤثر كائناً من كان على طاعة الله، من أجل فلان من النّاس تركت الصلاة حتّى لا أُزعجه، هذا كلُّه مرفوض، من أجل أن أُرضي أمّي طلّقت زوجتي، لا، هذه ليست مؤاثرة، فالمؤاثرة لا يمكن أن تقبل إذا آثرت مخلوقاً وعصيت خالقاً، إذا آثرت مخلوقاً على حساب مخلوق آخر، آثرت مخلوقاً فأكرمته، وأسأت إلى مخلوقٍ آخر، هذا الإيثار مرفوض، فدققوا: لا مؤاثرة في الخير.
لا مؤاثرة في الخير والخيرُ كلُّه في المؤاثرة:
أنا سأجلس مع هذه الفتاة من أجل أن أهديها إلى الله، أنت جالس في معصية، هذه ليست مؤاثرة، آثرتها على ربّك ؟ لها ربُّها، هناك أُناسٌ كثيرون يتوهّمون أنّهم يؤثرون وهم في الحقيقة مع الشيطان لأنّه قيل: دع خيراً عليه الشرُّ يربو، والقاعدة الشرعيّة تقول: ترك المفاسد مقدّمٌ على جلب المنافع، أريد أن أوضّح هذه القاعدة: لا مؤاثرة في الخير، أي لا يمكن أن يُقبل منك عملٌ تحابي به إنساناً على حساب طاعتك لله، أو على حساب اتصالك بالله، أو على حساب مرضاة الله، أو على حساب إقامة أمر الله، لا مؤاثرة في الخير.
أخوان قال أحدُهما: أنا لن أُقدّم خدمات لأُمّي حتّى أُفسح المجال لأخي أن يفعل ذلك فيرقى عند الله، هذا كلامٌ مضحكٌ، لا مؤاثرة في الخير، لا ينبغي أن تؤثر أحداً في مرضاة الله، وفي طاعة الله وفي القرب من الله، وفي إقامة أمر الله، لا مؤاثرة في الخير والخيرُ كلُّه في المؤاثرة، أي أنّ الصفة الأساسيّة في المؤمن أنّه يؤثر.
مثلاً اثنان في سفر، المؤمن الصادق يعطي أفضل محل لأخيه، وأحسن سرير لأخيه، يقوم ويعمل ويقدِّم لأخيه، وبالتعبير الحديث: المؤمن يبني أي يبني حياته على أساس المؤاثرة، حتّى يرضي الله لأنّك إن آثرته فسيؤاثرك هو كذلك، ويصبح التنافس بالمؤاثرة لا بالأثرة، لا بدّ من تنافس، إمّا أن يقوم التنافس على المؤاثرة، وإمّا أن يقوم على الأثرة، وشتّان بين المتنافسين.
لو فرضنا على الطعام في مودّة، أي هذه القطعة الطيّبة من الخبز قدمها إلى أخيك، وهو كذلك بشر من لحم ودم فسيقدّم اللحم لك، قدّم له المكان المريح وأجلسه فيه، أي أنّك إذا أردت أن يرضى الله عنك فاجعل حياتك قائمةً على المؤاثرة.

الأثرة صفةٌ شهوانيّة لكنّ المؤاثرة صفةٌ رحمانيّة:
إذا عوّدت أولادك أو تلاميذك أو من عندك في العمل أن يؤثر بعضهم بعضاً فأنت في خير، هذا هو الإيمان.
لكن إيّاك أن تفهم المؤاثرة على أن تؤثر أخاك وتعصي ربّك، أن تؤثر مخلوقاً وتعصي خالقاً، هذه مرفوضة، واحفظ هذه القاعدة: لا مؤاثرة في الخير، والخيرُ كلُّه في المؤاثرة.
سبحان الله عندما تكون المؤاثرة موجودة، تجد المحبّة موجودة، أينما جلست فدائماً قدّم أخاك على نفسك، ميّزه على نفسك، وعندما يختار الإنسان أحسن شيء، أحسن محل، وأحسن سرير، وأخذ الكبيرة سلفاً ووضعها بجواره وأمّن عليها هذا الإنسان مكروه، و يسمّونه أنانياً، أو يتمتّع بالأثرة، والأثرة صفةٌ شهوانيّة، ولكنّ المؤاثرة صفةٌ رحمانيّة.
لا تنسَ أنّ الله سبحانه وتعالى أثنى على أصحاب رسول الله بآيةٍ كريمةٍ تتلى إلى يوم القيامة قال:

﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) ﴾
( سورة الحشر: آية " 9 " )
يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، فهل كان لك صديق مؤمن في ضائقة ماديّة ذات مرّة وقدّمت له شيئاً من المال وأنت في أمسِّ الحاجة إليه ؟ هكذا يكون المؤمن، هل حاولت أن تؤاثر أخاك بشيء ثمين ؟ والله أعرف شخصاً له بيتٌ هيّأه للزواج وله أخ، فوجد أنّ أخاه أكثر حاجةً منه لهذا البيت، فأخوه متزوّجٌ وأُخلي من بيته وعنده أولاد، قال له: تعال وخذ هذا البيت، هل من المعقول أنّ الله عزَّ وجلَّ يضيِّع هذا الإنسان ويجعله بلا بيت ؟ ولكنه عملٌ يتطلّب الإيمان.
ابنِ حياتك على المؤاثرة وعلّمها لأولادك:
ابنِ حياتك على المؤاثرة، وعلّم أولادك المؤاثرة، فإذا لاحظتهم آثر بعضُهم بعضاً، فأثن ِعليهم وكافئهم، فمن يقدّم المحل الجيّد لأخيه، والأكلة الطيّبة لأخيه، أصبح البيت جنّة، تجد البعض أحياناً يتقاتلون ويتنازعون على قطعة من الحلوى، هذه لي، وهذه لك، فأنت إذا كنت بطلاً فعلّم أولادك أن يتشاحنوا على المؤاثرة لا على الأثرة، هذه لك فيعطيه الأحسن، ففي الآية السابقة التي ذكرناها قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (9) ﴾
( سورة الحشر: آية " 9 " )
الله يقدّر، فكيف يقدّر ؟ قال تعالى:
﴿ إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآَخَرُونَ يَضْرِبُونَ (20) ﴾
( سورة المزمل: " آية 20 " )
يقدّر كلّ شيء، يقدّر حجم تضحيتك، يقدّر شدّة احتياجك لهذا الشيء وقدّمته لأخيك، يقدّر أنّك بضائقة ماليّة شديدة، ومعك الخمسة آلاف فقط وأخوك على وشك الزواج فقدّمتها له، فالله يقدّر ويكافئ، وما أجمل مجتمع المؤمنين كلٌ منهم يؤثر أخاه وفي النهاية الله عزَّ وجلَّ يكافئ الجميع.
بعض صور الإيثار من سير صحابة رسول الله:
هذا الإيثار الطوعي، التعاطف الاجتماعي، يتجلّى في أخلاق المؤمنين، والحقيقة لا تظن أن المؤمن هو الذي يصلّي ويصوم ويؤدّي الشعائر التعبُّديّة، المؤمن الحق هو الذي تجده في المؤاثرة، في البذل، فالله عزَّ وجلَّ قال:

﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) ﴾

( سورة آل عمران: آية " 133، 134 " )

ألا يلفت نظركم أنّ الله عزَّ وجلَّ بدأ بصفة الإنفاق ؟ لأنّ الإنفاق فيه بذل، الإنفاق يؤكَّد الإيمان، البذل والتضحية تؤكّد الإيمان، أمّا الكلام يظلَّ كلاماً، والمواقف غير الإيجابيّة أي السلبيّة هذه لا تؤكّد الإيمان في النفس.
الآن إليكم بعض صور الإيثار من سير صحابة رسول الله رضوان الله تعالى عليهم، ذكر الغزَاليُّ في الإحياء عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أُهدي إلى رجل من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم رأس شاةٍ فقال: فلان أَحوج إليه منّي، فبعث به إليه، فبعثه هو أيضاً إلى آخر يراه أحوج منه، فلم يزل يبعث به واحدٌ إلى آخر حتّى رجع إلى الأوّل بعد أن تداوله سبعة.
أي لو فرضنا قطعة لحم جاءتك فقل: والله فلانٌ أحوج منّي، وأرسلتها له، وفلان قال: فلان أحوج منّي، إذاً يوجد إيمان، فالله عز وجل يرضى عن هؤلاء المؤمنين.
أذكر قصّة أنَّ أصحاب النبيّ رضوان الله تعالى عليهم كانوا في سفر وكانوا جائعين، وقفوا عند خيمةٍ ما عندهم إلا خبز، وبكمّية قليلة، فارتأى أميرهم أن يقسّم الرغيف إلى قطعٍ صغيرة وأن توضع بين أصحاب النبيّ ليأكلوا، فأكلوا، وأكلوا، وأكلوا ثمَّ أضاؤوا المصباح فإذا بالطعام كما هو، كان كلّ واحدٍ منهم يتظاهر بأنّه يأكل ليفسح المجال لأخيه أن يأكل، والثاني يفعل الشيء ذاته، هذا هو مجتمع الصحابة، مجتمع الإيثار.
الإسلام مواقف فأنت مؤمن بقدر ما أنت تؤثر:
الآن تجد عند السفر للحج والكل حجيج، مئتان من الركّاب لمئتين من المقاعد بالطائرة، وتجدهم يتقاتلون على الصعود للطائرة، ولو فكّروا ثانية واحدة فالكل له مكانه، وهم حجّاج، يتنافسون، ويتدافعون، ويتضاربون أحياناً من أجل أن يصعدوا مبكّرين إلى الطائرة مع أنّه لكلّ واحدٌ منهم مكانٌ في الطائرة.
لذلك أيُّها الأخوة الكرام الإسلام ليس كلاماً، ولا ثقافةً، ولا تبجُّحاً، ولا كلاماً جميلاً هكذا يلقى، لكنّ الإسلام مواقف، فأنت مؤمن بقدر ما أنت تؤثر، آثر أخاك، إذا أردت أن توجد محبّة حقيقيّة وتتغلغل إلى أعماق الإنسان، إذا أردْت أن تشعر بعظمة الإيمان عليك أن تؤثر حتّى يشدّ الناس إليك، فالذي يؤثر النّاس يحبُّه النّاس جميعاً.
هذه زينب الأسديّة أُمُّ المؤمنين التي كانت تلقّب بأُمِّ المساكين لإيثارها ومواساتها، فقد روى ابن سعد في طبقاته أنّ برزة بنت باتع حدّثت أنّه لمّا خرج العطاء أرسل عمر بن الخطّاب رضي الله عنه نصيبها منه، فلمّا دخل عليها حامل المال، قالت: غفر الله لعمر، غيري من أخواتي كان أقوى على قسم هذا منّي، ظنّت أنّها كلِّفت أن تقسم هذا المال بين أخواتها، فقالوا: هذا كلُّه لك، قالت: سبحان الله واستترت منه بثوبٍ ثمّ قالت: صبّوه واطرحوا عليه ثوباً، قالت راوية القصّة: ثمّ قالت لي أدخلي يدك فاقبضي منه قبضةً فاذهبي بها إلى بني فلان، وبني فلان، من أهل رحمها وأيتامها، فقسمت حتّى بقيت منه بقيّةٌ تحت الثوب، فقالت لها برزة بنت باتع: غفر الله لك يا أُمَّ المؤمنين والله لقد كان لنا في هذا حقّ، فقالت: فلكم ما تحت الثوب، فكشفنا الثوب فوجدنا خمسةً وثمانين درهماً، من كلّ هذا المبلغ الكبير الذي جاءها من سيّدنا عمر:

﴿ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (9) ﴾
( سورة الحشر)
من أعجب مواقف الإيثار وهذا الذي لا يصدّق ما روى القرطبي، قال: ذكر العدوي قال: انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمٍ لي ومعي شيءٌ من الماء، وأنا أقول إن كان به رمقٌ سقيته فإذا أنا به، فقلت: أسقيك ؟ فأشار برأسه أن نعم، فإذا برجل يتأوه، فأشار إليَّ ابن عمّي أن انطلق إليه، فإذا هو هشام بن العاص، فقلت أسقيك ؟ فأشار أن نعم برأسه، فسمع آخر يتأوه، فأشار هشام أن انطلق إليه فإذا هو قد مات، فرجعت إلى هشام فإذا هو قد مات، فرجعت إلى ابن عمّي فإذا هو قد مات، ولم يشرب أحدٌ الماء لإيثار كلِّ واحدٍ منهم أخاه وهو في آخر لحظات حياته.
الإيثار أحد الأسباب التي تُؤهّل الطفل أن يكون اجتماعيّاً:
أخواننا الذين يعرفون في الطب، الجريح يشعر بحاجةٍ إلى الماء تفوق حدّ الخيال فمن الممكن أن يشتري الجريح كأساً من الماء بخمسمئة ليرة لشدّة حاجته للماء، فعندما ينحجم الإنسان يشعر بعطشٍ لا يحتمل، والحجامة شيء بسيط، فنقص الدم يسبب عطشاً كبيراً.
قرأت قصّة كانت مقرّرة في الصفّ العاشر، باخرة من البواخر العملاقة غرقت في المحيط الأطلسي، وبعض ركابها الناجين ركبوا قارباً كبيراً للنجاة، وكان يوجد فيه كميّة من الماء، نصف برميلٍ فرضاً، فأمير هذا المركب أعطى أمراً أنّ كلّ إنسان ـ لأنّه في عرض المحيط الأطلسي المسافات طويلة جدّاً، فحتّى يكفي الماء للوصول إلى الشاطئ ـ له في اليوم ملعقة ماء فقط، وكان عدد الركاب يربو عن السبعين أو الثمانين راكباً، وصل إلى الشّاطئ منهم أربعة ركّاب فقط، لأنّهم قتلوا بعضهم بعضاً من أجل الماء، فعندما يغفل واحدٌ من الركّاب يلقون به في البحر، حتّى يأخذوا حصّته من الماء، وهي قصّة واقعيّة ومشهورة جداً، وهي مترجمة، ويرويها أدباء كبار، وهي مقرّرة في الكتب المدرسيّة، ثمانون راكباً قتل بعضهم بعضاً من أجل ملعقة من الماء حتّى ينالها قبل أخيه، وقد كانوا على وشك الموت وماتوا جميعاً ولم يشربوا ماءً.
القصّة الأولى تبيّن تربية الإسلام، الإسلام لو كان كما ينبغي أن يكون بين النّاس لوجدت مجتمعاً الحياة فيه جنّة، فقد قال النبيّ الكريم:

(( إذا كان أمراؤكم خياركم، وأغنياؤكم سمحاءكم، وأمركم شورى بينكم، فظهر الأرض خير لكم من بطنها، وإذا كان أمراؤكم شراركم، وأغنياؤكم بخلائكم، وأمركم إلى نسائكم، فبطن الأرض خير لكم من ظهرها ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
بالطبع فكلُّكم يعلم أنّ أصحاب رسول الله من الأنصار كان أحدهم يقول لأخيه المهاجر: عندي بستانان خذ واحداً منهما، عندي بيتان خذ واحداً منهما، فكان يقول هذا المهاجر: بارك الله لك في بستانك، ولكن دُلّني على السوق.
الأوّل بذل والثاني تعفّف، الآن يوجد اختلافٌ كبير بين الماضي والحاضر.
إذاً الإيثار أحد الأسباب التي تُؤهّل الطفل أن يكون اجتماعيّاً، فالذي يؤثر نفسه على الآخرين هذا ليس أهلاً أن يعيش في مجتمع، أمّا الذي يؤثر الآخرين على نفسه، هذا مؤَهّل أن يكون في المجتمع محبوباً.
سلوك العفو من الصفات التي ينبغي أن يبثها الآباء في نفوس أبنائهم:
قصّة أرويها دائماً، فلاح أعطوه أرضاً، حوالي عشرين دونماً، وأساسها لإقطاعي، ولهذا الفلاح شيخ، فقال له: يا سيّدي أعطوني هذه الأرض، وهي في الأصل لفلان، فقال له: لا يجوز يا بنيّ أن تأخذها فهذه أرض مغتصبة، عليك أن تردّها إلى صاحبها، أو أن تشتريها منه، وهو فرح فرحاً شديداً، وقد أذهب له شيخه هذا الفرح بقوله له: لا يجوز، وحاول أن تشتريها منه، فذهب إليه وقال له: يا سيّدي، أعطوني عشرين دونماً من أرضك، فسألت شيخي فقال: هذه حرام، فهل تبيعُني إيَّاها تقسيطاً وسأبيع حليّ زوجتي ؟ فقال له هذا الإقطاعي: والله لقد ذهب منّي مئتا دونم ولم يأتِ أحدٌ إلي ويقول مثل ما تقول إلا أنت، فهذه الأرض هديّةٌ منّي إليك، فتملّكها هنيئاً لك.
الورع جعله يسأل، وبسبب السؤال أعطاه الله عزَّ وجلَّ إيّاها حلالاً طيّباً، فالإنسان لا يتسرّع، بل يتريّث، ويتحرّى الحلال والله موجودٌ وكريمٌ.
الآن ننتقل إلى صفةٍ أُخرى ينبغي أن يبُثّها المربّون أو الآباء في نفوس أبنائهم وهو سلوك العفو، فالله عزَّ وجلَّ قال:
﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) ﴾
( سورة الأعراف: آية " 199 " )
كلمة خذ ماذا تعني ؟ خذ من الله، فكلّما كان الإنسان عظيماً وقال لك: خذ هذا، يعني هذا أنها قطعة من الألماس، أو سبيكة من الذهب، أو ورقة تملُّك، خذ، فالله عزَّ وجلَّ قال:
﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) ﴾
( سورة الأعراف: آية " 199 " )
العفو شيء ثمين جدّاً، هو يرقى بالإنسان، فالمنتقم صغير، والعفو كبير، سيّدنا النبيّ عليه الصلاة والسلام ماذا فعلت به مكّة ؟ ائتمرت على قتله، أخرجته، وناصبته العداء عشرين عاماً، ونكّلت بأصحابه، لم تدع أسلوباً يضايق النبيّ وأصحابه إلا فعلته، ثمّ فتحت مكّة وكانت في قبضة النبيّ، وكانت عشرة آلاف سيف متوهّجة تنتظر أمر النبيّ في قريش، وقال عليه الصلاة والسلام: ما تظنّون أني فاعلٌ بكم ؟ قالوا: أخٌ كريم، وابن أخٌ كريم، فقال: اذهبوا فأنتم الطلقاء.
العفو يرقى بالمؤمنين ويزيل الأحقاد بينهم:
يوجد كاتب للسيرة بريطاني أسلم وكتب كتاباً عن سيرة النبيّ عليه الصلاة والسلام قال: لا يسمّى العفوّ عفوّاً إلا بحالة خاصّة جداً، أن يكون هناك شخصٌ قد بالغ في الإساءة إليك، بالغ، ونكّل بك، ثمّ تتمكّن منه بحيث يصبح في قبضتك، عندئذٍ تعفو عنه، هذا هو العفو الذي يرقى بك، أن يكون إنسان قد بالغ بالإساءة إليك، وتمكّنت منه وهو في قبضتك ثمّ تعفو عنه، هذا هو العفو، أمّا عفو الضعفاء ليس عفواً.
العفو أيُّها الأخوة، هو الذي يرقى بالمؤمنين، هو الذي يزيل الأحقاد بينهم، العفو دائماً عظيم، وكريم، ومحبوب، وليس له أعداء، أمّا لو أنّك انتقمت من عدوٍ لك، هذا الذي انتقمت منه لا ينام الليل وهو يكيد لك، أفقدك الأمن، وأورثته الحقد بانتقامك، وأورثك الحقد أيضاً بكيده لك، فالعفو يرقى، والمنتقم يسفل، العفو كبير، والمنتقم صغير، قال تعالى:

﴿ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) ﴾
( سورة البقرة: آية " 237 " )
أحياناً يخطب إنسان فتاة، فيعقد عقده عليها والمهر مئة ألف، فيبدو له شيء، فيندم على هذا العقد، ويقول: أريد أن أنسحب من هذا الزواج، والزواج لم يستمر سوى ليلتين، فقد سهر عندهم سهرة عشاء وكلّفه ذلك دفع خمسين ألفاً مهراً لها، فالله عزَّ وجلَّ قال:
﴿ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى (237) ﴾
(سورة البقرة)
قد عفوا عنك وسامحوك، فالله عزَّ وجلَّ توجّه لهذا الذي عفي عنه، قال تعالى:
﴿ وَلَا تَنسَوْا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ (237) ﴾
(سورة البقرة)
أنت كذلك قدِّم هديّة لهم، فهم قد عفوا عنك، وأنت لا تنسَ هذا الفضل، فانظر إلى التوجيه القرآني، وجّه صاحب الحق أن يعفو، وطلب ممن عُفي عنه أن لا ينسى الفضل، فقدّم شيئاً مقابل هذا العفو.
النبي عليه الصلاة والسلام مثلنا الأعلى في الوفاء والرحمة والعفو:
الإنسان عندما يبذل ويكافئ على المعروف بمعروف آخر تتنامى هذه المودّة بين المؤمنين، فقد قال تعالى:
﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾
( سورة فصلت: آية " 34 " )
هذه أخلاق المؤمنين، فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، كلُّكم يعلم أنّ حاطب بن أبي بلتعة صحابيّ، لكن زلّت قدمه ووقع فيما يسمّى بالعرف اليوم الخيانة العظمى، أرسل كتاباً إلى قريش مع امرأة يقول في هذا الكتاب: إنّ محمّداً يزمع أن يغزوكم فخذوا حذركم، هذا العمل في أي عرف دولي يُعدُّ خيانة عظمى يستوجب الإعدام.
جاء الوحي الأمين إلى النبيّ عليه الصلاة والسلام، أخبره بهذه الواقعة، فاستدعى أحد أصحابه، وأمره أن يتبع المرأة، وأن يأخذ منها الكتاب , والقصّة طويلة، وجيء بالكتاب إلى النبيّ، وقد كتب فيه هذا الصحابيّ: إنّ محمداً يزمع أن يغزوكم فخذوا حذركم، فاستدعاه النبي وسيّدنا عمر واقف فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، سيّدنا رسول الله الوفاء الذي عنده عجيب، قال: يا عمر إنّه شهد بدراً، لم يهدر له عمله، فقال له: إنّه شهد بدراً، يا حاطب ما حملك على أن فعلت ما فعلت ؟ قال: والله يا رسول الله ما كفرت ولا ارتددت، ولكن أردت أن يكون لي عندهم يد، فليس لي هناك أهلٌ يحمونني، ولي عندهم مال، أردْت بهذا أن يكون لي عنهم يد.
النبيّ عليه الصلاة والسلام وهو قمّة الوفاء والرحمة والعفو قال بالحرف الواحد: إنني صدّقته فصدّقوه، ولا تقولوا فيه إلا خيراً. يروي كتّاب السيرة أنّ النبيّ عليه الصلاة والسلام نظر إلى صاحب الذنب فرأى لحظّة ضعفٍ طارئة ألمّت به، أراد أن ينهضه من كبوته، وأن يعينه على شيطانه، لكنّ عمر كما يروي كتّاب السيرة نظر إلى الذنب فرآه خيانة عظمى، والذي يثير العجب أنّ حاطب بن بلتعة، حسن إسلامه وصار مقرّباً من النبيّ عليه الصلاة والسلام وأرسله في مهمّةٍ خاصّة أي أصبح موفده الشخصيّ إلى بعض الملوك، فلو أنّه قطع رأسه بالحقّ قطعها ولكن بذلك أورده إلى النّار، لكن بعفوه جعل من هذا المذنب الخائن إنساناً عظيماً، وأنت لا تعرف أحياناً كم يكون العمل طيّباً إذا عفوت عن إنسان مذنب نادم، المذنب غير النادم له وضع آخر، أمّا المذنب النادم ينبغي أن تعفو عنه.
الكبير هو الذي يعفو والصغير هو الذي لا يعفو:
عندما تروي لأولادك، أو عندما يروي المعلّم لطلاّبه هذه القصص، عفو النبيّ عن أهل مكّة.
ذات مرّة ثمامة بن أثال وهو زعيمٌ لقبيلة وقتل عدداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقع أسيراً، والذين أخذوه أسيراً لم يعرفوا أنّه ثمامة، وجاؤوا به إلى النبيّ وقيّدوه في سارية المسجد، والنبيّ مرّ به، فقال: هذا ثمامة، ما عندك يا ثمامة ؟ فقال ثمامة: إن تقتلْ تقتل ذا دم ـ أي يستحقّ القتل لأنّه قاتل ـ وإن تعفُ تَعفُ عن شاكر، وإن أردْت المال فخذ منه ما تشاء، فتركه النبي لليوم الثاني وأمر بإحضار طعامٍ له من بيته، فأكل، وفي اليوم الثاني سأله: ما وراءك يا ثمامة ؟ فأعاد له الكلام: إن تقتل تَقتل ذا دم، وإن تعفُ تَعفُ عن شاكر، وإن أردْت المال فخذ منه ما تشاء، وفي اليوم الثالث النبيّ أمر بإطلاق سراحه، فغاب مليّاً وعاد وقد اغتسل وأعلن إسلامه وذكر الشهادتين وقال: يا محمّد والله ما كان على وجه الأرض رجلٌ أبغض إليّ منك، واليوم ما على وجه الأرض رجل أحبُّ إليّ منك، وما كان دينٌ أبغض إليّ من دينك، واليوم ما من دينٍ أحبُّ إليّ من دينك، وذكر أشياء كثيرة.
ثمامة زعيم قبيلة على طريق الشام، ذهب إلى مكّة معتمراً، وهدّد قريشاً أن يقطع عنها القمح، لأنّها كانت تأخذ القمح من عنده، أي أنّ عفو النبيّ الكريم جعل من هذا الإنسان المجرم بطلاً، فأحياناً يغلط الإنسان معك ويسيء إليك، ولا تعلم كم يكون الخير لو عفوت عنه، مرّة ثانية: الكبير هو الذي يعفو، والصغير هو الذي لا يعفو، والعظيم هو الذي يعفو، والحقير هو الذي لا يعفو، فقد قال تعالى:

﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾
( سورة فصلت: آية " 34 " )
بعض الصور عن العفو:
سيّدنا عمر عندما قال عن عمير بن وهب: دخل على رسول الله والخنزير أحبُّ إليّ منه، وخرج من عنده وهو أحبُّ إليّ من بعض أولادي.
بالإسلام لا توجد عداوة أبداً، أحياناً الإنسان يكره عمل الآخرين، أمّا لو عادوا إلى الله عزَّ وجلَّ ينتهي كلّ شيء.
بعض الصور عن العفو، قال عبد الله بن طاهر: كنت عند المأمون يوماً، فنادى بالخادم يا غلام فلم يجبه أحد، ثمّ نادى ثانياً وصاح: يا غلام، فدخل غلامٌ تركيّ وهو يقول: أما ينبغي للغلام أن يأكل ويشرب، ضجر الغلام، كلّما خرجنا من عندك تصيح يا غلام يا غلام، إلى كم يا غلام، فنكس المأمون رأسه طويلاً، قال: فما شككت بأنه يأمرني بضرب عنقه لأنه تطاول، ثمّ نظر إليّ وقال: يا عبد الله إنّ الرجل إذا حسنت أخلاقه ساءت أخلاق خدمه، وإنّا لا نستطيع أن نسيء أخلاقنا حتّى نحسن أخلاق خدمنا، أي مضطرّون أن نفعل ذلك.
تجد أحياناً شخصاً مضيافاً فيطلب من أهل بيته إحضار قهوة وشاي، حتّى يخرج أهل بيته عن طورهم ويتكلّمون بكلام لا يحكى، فإذا حسنت أخلاق الإنسان بالمقابل ساءت أخلاق أهله.
يروى أنّ زين العابدين بن الحسين رضي الله عنهما استدعى غلاماً له، فناداه مرّتين فلم يجبه، فقال له زين العابدين: أما سمعت ندائي ؟ فقال: بلى قد سمعت ؟ قال: فما حملك على ترك إجابتي ؟ قال: أمنت منك، وعرفت طهارة أخلاقك فتكاسلت، فقال: الحمد لله الذي أمن منّي غلامي.
مرّة سيّدنا عمر قال له أحد الصحابة: إنّ النّاس خافوا شدّتك وبطشك، فبكى، قال: والله يا أبا ذر، لو علم النّاس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، لكنّ هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى.

على الإنسان أن يتصرف بحسب مكانته لا بحسب ما يستوجب الطرف الآخر:
الأمر يحتاج إلى شدّة ظاهرة، مما يروى عن زين العابدين أيضاً أنّه خرج مرّةً إلى المسجد فسبّه رجل، فقصده غلمانه ليضربوه ويؤذوه، فنهاهم زين العابدين وقال لهم: كفّوا أيديكم عنه، ثمّ التفت إلى ذلك الرجل وقال: يا هذا أنا أكثر مما تقول، وما لا تعرفه عنّي أكثر مما عرفته، فإن كان لك حاجة في ذكره ذكرته لك، فخجل الرجل واستحيا، فخلع له زين العابدين قميصه وأمر له بألف درهم، فمضى الرجل وهو يقول: أشهد أنّ هذا الشّاب ولد رسول الله عليه الصلاة والسلام.
فأنت تتصرّف بحسب مكانتك، لا بحسب ما يستوجب الطرف الآخر، بل بحسب مكانتك، اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله.
مرّة النبيّ الكريم، يبدو أنّ إنساناً تطاول على الإسلام فقال: من يقطع لسان هذا الرجل ؟ ماذا يفهم من كلمة: من يقطع لسانه ؟ أحدهم فهم أنّه يجب أن يقطع له لسانه، أمّا في الحقيقة أراد أن تقطع لسانه بالإحسان إليه.
أحياناً الإنسان يبتلى بجار سفيه، فإذا قدّم له هديّة وأكرمه فبذلك يقطع له لسانه ولا يوجد غير هذه الطريقة وهي ناجحةً جداً فالسفيه اقطع لسانه بالإحسان إليه.
يروى عنه أيضاً أنّ غلامه كان يصبُّ له ماءً بإبريقٍ مصنوع من الفخّار، وقع الإبريق على رجل زين العابدين فانكسر وجرحت رجله، فقال الغلام على الفور: يا سيّدي يقول الله عزَّ وجلَّ:

﴿ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ ﴾
( سورة آل عمران: آية " 134 " )
قال زين العابدين: لقد كظمت غيظي، فقال الغلام: ويقول:
﴿ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ﴾
( سورة آل عمران: آية " 134 " )
قال: قد عفوت عنك، فقال الغلام: ويقول:
﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) ﴾
( سورة آل عمران: آية " 134 " )
قال له زين العابدين: اذهب أنت حرٌ لوجه الله:
﴿ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) ﴾
( سورة آل عمران: آية " 134 " )
كسر الإناء، وجرح رجله، واعتقه لوجه الله، هذه أخلاق المؤمنين.
من عفا ساد ومن حلُم عظُم ومن تجاوز استمال إليه القلوب:
عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: لمّا قدم عُيينة بن الحصين، نزل عند ابن أخيه الحرُّ بن قيس، وكان النفر الذين يدنيهم عمر إذا كان القرّاء أصحاب مجلس أمير المؤمنين كهولاً كانوا أو شبّاناً، فقال عيينة: استأذن لي على أمير المؤمنين، فاستأذن له فلمّا دخل قال: يا ابن الخطّاب والله ما تعطينا الجزل الكثير، ولا تحكم بيننا بالعدل ـ أي تطاول على سيّدنا عمر ـ فغضب عمر حتّى همّ أن يوقع به، فقال الحرُّ بن قيس: يا أمير المؤمنين إنّ الله تعالى يقول لنبيّه:
﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) ﴾
( سورة الأعراف: آية " 199 " )
فو الله ما جاوزها عمر حين تلاها، وكان وقّافاً عند كتاب الله عزَّ وجلَّ.
مرّة عبد الله بن الزبير بعث إلى سيّدنا معاوية كتاباً يقول فيه: أمّا بعد، فيا معاوية إنّ رجالك قد دخلوا أرضي، فانههم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأنٌ والسلام، وكان عند سيّدنا معاوية ابنه يزيد، قال له: يا يزيد ما ترى في هذا الكتاب ؟ فقرأ يزيد الكتاب فاضطرب، وقال: أرى أن ترسل له جيشاً، أوّله عنده وآخره عندك يأتوك برأسه، وكان سيّدنا معاوية حليماً فقال: خيرُ ذلك أفضل، فجاء بالكاتب وقال له: اكتب، أمّا بعد، فقد وقفت على كتاب ولد حواريِّ رسول الله ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كلُّها هيّنةٌ أمام رضاه، لقد نزلت له عن الأرض وما فيها، فأتى الجواب من عبد الله بن الزبير وفيه: أمّا بعد، فيا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك ولا أعدمك الرأي الذي أحلّك من قومك هذا المحل، فجاء بابنه يزيد وأطلعه على الجواب وقال له: يا بنيّ من عفا ساد، ومن حلُم عظُم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب.
ابن الزبير مواطن، ومعاوية خليفة، أرسل له كتاباً شديد اللهجة، قاسياً، فيه تطاول، وعبد الله بن الزبير ولد حواريِّ رسول الله سيّدنا الزبير بن العوّام فقد قال له رسول الله: أنت حواريُّ هذه الأمّة.
كان رأي يزيد أن يرسل له جيشاً ليأتوا برأس عبد الله بن الزبير، ولكن عفو سيّدنا معاوية عنه استمال قلب ابن الزبير إليه.
العفو من شيم الكرام:
كلمّا عفوت تكون كبيراً جدّاً، فالنّاس خضعوا وأحبّوا ووالوا وأيّدوا ونصروا بالعفو، العفو من شيم الكرام.
سيّدنا أبو بكر الصدّيق كان يعطي لمسطح عطاءً وفيراً وتكلّم عن ابنته السيّدة عائشة كلاماً قبيحاً، حديث الإفك، ما زاد عن أن أمتنع عن العطاء، ولكن الله عاتبه فقال:

﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) ﴾
( سورة النور: آية " 22 " )
إذا أحد الأشخاص تكلّم عن ابنتك وهي طاهرة أطهر من ماء السماء، تكلّم في عرضها، وأنت امتنعت عن مساعدته، فالله عاتبه من أجل ذلك، معنى ذلك فنحن مأمورون بالعفو، أمر، هذه المعاني تغيب عن بعض النّاس، تجد الحقد يأكل قلبه، ويتحرّك حركة عشوائيّة، ويبحث عن انتقام، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( من كظم غيظاً وهو يستطيع أن ينفذه، دعاه الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتّى يخيّره في أيِّ الحور العين شاء.))
[أحمد عن سعد بن معاذ بن أنس]
انظر، كظم غيظاً وهو قادرٌ على إنفاذه، هذا مقام كبير جداً، فمن الداخل يغلي غلياناً ومن الخارج ضابطٌ لأموره، والنبي قال:
(( الإيمان قيد الفتك ))
[ أخرجه البخاري عن أبي هريرة، وأحمد و أبو داود عن معاوية ]
قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الطبرانيّ:
(( ألا أُنبّئكم بما يشرّف الله به البُنيان ويرفع الدرجات. قالوا: نعم يا رسول الله. قال: تحلُم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك ))
[رواه الطبرانيّ عن عبادة بن الصامت]
هذا الخلق الخامس في الأخلاق الاجتماعيّة.
الجرأة أساس الحياة الاجتماعيّة الراقية:
آخر خلق ينبغي أن يغرسه المربّي أو الأب في نفس ابنه الجرأة.
الحقيقة هناك فرق دقيق بين الجرأة والوقاحة، فهناك مواقف فيها وقاحة، لكن عندما يقدّم الإنسان رأيه الصحيح الصريح من دون خجل وبأدب فهذه جرأة، والجرأة أساس الحياة الاجتماعيّة الراقية، فتوجد مواقف قد سجّلها التاريخ لبعض العلماء، ومن هذه المواقف:
أحد العلماء اسمه أبو حازم جرت بينه وبين سليمان بن عبد الملك محاورة، قال سليمان: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت ؟ فقال أبو حازم: لأنّكم خرّبتم آخرتكم، وعمّرتم دنياكم، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب ـ هذا أوّل جواب ـ قال سليمان: فكيف القدوم على الله غداً ؟ قال: أمّا المحسن فكالغائب يقدم على أهله، وأمّا المسيء فكالعبد الآبق يقدم على مولاه، قال سليمان: أيُّ القول أعدل ؟ قال أبو حازم: قول الحقِّ عند من تخافه أو ترجوه ـ أحياناً شخص تحبُّه حبّاً جمّاً وارتكب غلطة كبيرة أمامك، فأنت تميل إلى أن لا تتكلّم معه ولا كلمة، فالشخص كبير عظيم وله قيمته وارتكب غلطة كبيرة، وأنت تعلم أنّها سلوكٌ منحرفٌ، لكن لمكانته الكبيرة عندك، أو لخوفك منه، أو لطمعك بما عنده ترجو السلامة فتسكت، هذا السكوت خطأ كبير ـ قال سليمان: فأيّ المؤمنين أكيس ؟ ـ أي أعقل ـ قال: رجلٌ عمل بطاعة الله ودلَّ النّاس عليها، فقال سليمان: فأيُّهم أحمق ؟ قال: رجلٌ انحطَّ في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره ـ أي أنّ أندم إنسان هو من باع آخرته بدنيا غيره ـ قال سليمان: هل لك يا أبا حازم أن تصحبنا فتصيب منّا، ونصيب منك ـ نحن نعطيك وأنت تعلّمنا ـ قال: أعوذ بالله، قال سليمان: ولمَ ذاك ؟ قال: أخشى أن أركن إليكم قليلاً فيذيقني الله ضِعف الحياة وضِعف الممات، قال له سليمان وقد قام ليذهب: أوصني يا أبا حازم، قال: سأوصيك وأوجز، عظِّم ربّك، ونزّه أن يراك حيث نهاك وأن يفقدك حيث أمرك.
هذا موقف فيه جرأة.

الجرأة تنمّي الشخصيّة والخوف والسكوت يضعفها:
العزُّ بن عبد السلام قال مرّةً لسلطان مصر نجم الدين أيوب وكان في مجلسٍ حافل برجال الدولة: يا أيّوب ما حجّتك عند الله إذا قال لك: ألم أبوئ لك ملك مصر ثمَّ تبيح الخمور ؟ فقال: هل جرى هذا ؟ فقال: نعم، إحدى الحانات يباع فيها الخمور، وتستباح فيها المنكرات، وأنت تتقلَّب في نعمة هذه المملكة، فقال: هذا ليس عملي، هذا من زمان أبي، فقال العزُّ بن عبد السلام: أنت من الذين يقولون:
﴿ بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (22) ﴾
( سورة الزخرف: آية " 22 " )
أيضاً الأب والمربّي إن وجد من ابنه موقفاً فيه جرأة ينبغ ِأن يثني عليه لأنّ الجرأة تنمّي الشخصيّة، والخوف والسكوت يضعفها، فمن الجرأة أن تعوّد ابنك أن يقول الحق ولو كان مرّاً بدون وقاحة بالطبع.
قد ذكرنا: الجرأة والإيثار والعفو، مع الرحمة في الدرس الماضي والأخوة والتقوى، ستُّ صفاتٍ إذا غرستها في نفس ابنك أو نفس من تربّيه فقد أهّلته ليعيش في المجتمع، أصبح محبوباً، وأصبح إنساناً وعظيماً، وأصبح يستقطب الناس بجرأته وإيثاره وعفوه ورحمته وأُخوَّته وتقواه، ستّ صفات.
بالطبع الأولى أن نقول فاقد الشيء لا يعطيه، فالمربّي والمعلّم والأب عليه أن يتمثّل هذه الصفات أوّلاً، وأن يغرسها في نفس ابنه ثانياً، عندئذٍ يرى الثمار يانعةً والحمد لله ربِّ العالمين.
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ أعنا على دوام ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وارزقنا الشوق إلى لقائك، ولذّة النظر إلى وجهك الكريم، اللهمّ أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 08:47 AM   #18


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( السادس عشر )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 3 ) بر الوالدين







الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيُّها الأخوة الكرام، لازلنا في مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الاجتماعية.

على المربي أن يغرس في أبنائه مراعاة الحقوق الأساسية:
اليوم ننتقل إلى موضوعٍ جديد، وهو أنّ الأب أو المربي مكلّفٌ أن يعرّف أبناءه أو تلاميذه الحقوق الأساسيّة التي عليهم أن يَرعَوها، من أولى هذه الحقوق: حقُّ الأبوين، وحقُّ الأرحام، وحقُّ المعلِّم، وحقُّ الرفيق، وحقُّ الكبير.
كنا في الدروس الماضية نتحدّث بشكلٍ عام عن وسائل التربية الاجتماعيّة، ولكننا اليوم ندخل في موضوعٍ خاص، أي أنّ المربّي ينبغي أن يعلّم وأن يربّي وأن يغرس في نفس تلميذه أو في نفس ابنه إذا كان أباً، أن يغرس فيهم مراعاة هذه الحقوق الأساسيّة، وقبل أن أخوض في تفاصيل هذا الموضوع، أُريد أن أقف وقفةً قصيرة عند سؤالٍ طرح عليّ قبل يومين حول فلسفة التربية، نحن لماذا نربّي أبناءنا ؟
السؤال الأوّل هو أنّ الإنسان في الأصل يتعلّم ذاتيّاً، ولكن إذا تركنا الإنسان يتعلّم ذاتيّاً ماذا يحصل ؟
قد يمضي كلّ حياته وكلّ عمره دون أن يصل إلى الحقيقة الكاملة يصل إلى بعضها، وأحياناً ترى شخصاً وهو في السبعين من عمره أو في الثمانين أو في الستّين يقول لك: الآن عرفت، عرفت أنّ المال ليس كلّ شيءٍ في الحياة، عرفت أنّ المرأة ليست كلّ شيءٍ في الحياة، متى عرفت ذلك ؟ بعد فوات الأوان.
الإنسان أحياناً عن طريق التجربة قد يعرف الحقيقة، أو لا يعرفها، أو قد يعرف بعضها، وأحياناً يعرف الحقيقة ولكن بعد فوات الأوان، وأحياناً لا يبقى في حياته ثانية يستفيد من هذه الحقيقة التي عرفها.
لذلك كانت التربية، التربية يلقّن هذا المربّى أو هذا التلميذ أو هذا الابن تجارب الأمم السابقة، هذه التربية العاديّة، لكنّ التربية الإسلاميّة يلقّن هذا المربّىَ الحقائق القطعيّة الصحيحة التي وردت من عند خالق الكون.

العلم التجريبيّ قاصر يصيب ويخطئ:
مثلاً قبل حين كان الأطبّاء يقولون: إنّ زيت الزيتون يسهم في رفع نسب الكوليسترول في الدّم، ويرفع أيضاً نسب الشحوم الثلاثيّة، وقد ينصحون النّاس بعدم الإكثار من زيت الزيتون، الآن في السنتين الأخيرتين ثبت لدى الأطبّاء أنّ زيت الزيتون هو الذي يحافظ على مرونة الأوعية والشرايين وهو الذي يساهم في نقاء هذه الأوعية من الترسُّبات، مرّة يقولون: افعلوا، ومرّةً: لا تفعلوا، هذا هو العلم التجريبيّ يصيب و يخطئ.
أمّا النبيُّ الكريم فيقول:

((كلوا الزيت وادّهنوا به. ))
[الترمذي عن عمر بن الخطاب]
لا ينطق عن الهوى، هذا الكلام ليس عن تجربة، هذا عن وحي لا ينطق عن الهوى، فالعلم أحياناً يقدّم لك شيئاً ثمّ يكتشف أنّه خطأ، إنّ هذه المادّة مسرطنة، أحياناً يقول لك: لا بدّ لك من أن تشرب عصير الفاكهة، ثمّ يقول لك: لا , حينما لا تأكل السيلولوز الذي في الفواكه فإنّ هناك أخطاراً كبيرة تصيب الجهاز الهضمي، فلا بدّ من هذه المادّة السيلولوزيّة التي تمتص الشحوم والدهون وتعين على حركة الأمعاء وتقلل بقاء الطعام في الأمعاء، وكلّ إنسانٍ لا يأكل في اليوم كذا غرام من السليلوز فهو مهدد بأمراض وبيلة تصيب الأمعاء.
مرّة كلوا ومرّة لا تأكلوا، مرّة عصير ومرّة فواكه حقيقيّة، مرّة دعوا زيت الزيتون ومرّة كلوا زيت الزيتون، هذا التناقض ماذا يعني ؟
يعني أن العلم التجريبيّ قاصر، العلم التجريبي قاصر، لكن إذا قلنا أنّ الإنسان يتعلّم ذاتيّاً، فهذا كلام صحيح إلى حدٍ ما لأنّه لا يوجد في الحياة من لا تجارب له، ويقول لك: هذه لن أعيدها، وهذه تلقيت درساً لا ينسى، لكن هذه الدروس التي يتلقّاها الإنسان من خلال التجارب والممارسات، هذا الدروس لا تكفي، أولاً هي دروسٌ عشوائيّة وخاضعة للصدف، قد تجدي وقد لا تجدي، لكنّك إذا تلقّيت خبرة الأجيال السابقة عن طريق التربية العاديّة الطبيعيّة معنى ذلك أنّك أضفت إلى خبراتك خبرة ألف عام.
مثل بسيط، لو أردنا أن ننشئ معملاً للطائرات، من أين نبدأ ؟ هل نبدأ من تجربة العبّاس بن فرناس، أم من تجربة أحدث طائرة مصنوعة الآن ؟ هذه الطائرة التي صنعت حديثاً فيها خبرات مئة سنة أو مئتي سنة، كلُّ المشكلات قد حُلّت، فنحن إذا أردنا أن نبني طائرة الآن نستقدم هذه الخبرات الجاهزة، ونضيف عليها، أمّا أن نبدأ من الصفر فهذا عمل أحمق.
علّة التربية أنّها تنقل للأجيال الحاضرة خبرات الأجيال الماضية:
ذكر لي أخ كريم كان في جامعة، فقدّم خمس موضوعات لأطروحة الماجستير، هو يرى أنّ هذه الموضوعات فريدة ولم يسبق إليها، هذه الموضوعات أُدخلت في الحاسوب فجاء الجواب على الشاشة: كُّلها مطروقة، ابحث عن غيرها، وهذا شيء لطيف جدّاً أن تكون كلّ الجامعات مرتبطة بحواسيب بحيث أنّ كلّ الأطروحات التي يختارها الطلاب تدخل في الحاسوب بحيث أنّ الطالب إذا أراد بحث موضوع لا يبذل جهداً غير مُجدٍ، هذا الموضوع درس، ابحث عن موضوعٍ جديد، بل إنّ هناك من أخبرني أنّ بعض الجامعات تقول لك إنّ هذا البحث قد درس ووصل إلى هذا المكان، فإذا كنت مصراً على هذا الموضوع فمن هنا ابدأ، وتابع من هنا، بهذه الطريقة تنمو العلوم بشكل سريعٍ جداً.
الإنسان عندما يأخذ خبرات الآخرين معنى ذلك أنّه يتقدّم سريعاً هذه هي علّة التربية، علّة وجودها، أنّها تنقل للأجيال الحاضرة خبرات الأجيال الماضية.
بكل فرع، مثلاً باللغة العربيّة أين وصل علم النحو ؟ وصل إلى مستوى رفيع جداً، وهذه كلّها خبرات الأجيال السابقة، نعلّم الطلاب النحو والصرف والبلاغة والعروض والشعر والنثر في الآداب، في الطّب كذلك، وفي الفيزياء والكيمياء، وفي الفلك والرياضيّات، هذه هي التربية، التربية أن تقدّم خبرات مكثّفة لإنسان مبتدئ.
لا زلت أُفرّق بين التربية العاديّة، والتربية الإسلاميّة، التربية الإسلاميّة فيها وحي، ومعنى وحي أي أنّه من عند الخالق، فأنت أحضر آلة معقّدة وقم بفكّها، وحاول أن تفهم طريقة بنائها وطريقة عملها، تجدك تخطئ وتصيب، هذا هو العلم التجريبيّ، لكنّك إذا التقيت بمخترعها ومصممها، أعطاك نشرة أنّه صممها هكذا، وكلّ قطعة في هذه الآلة هذه وظيفتها، هذا العلم الذي تأخذه من صانع الآلة علم قطعي لأنّه علم المصمم، علم الصانع.
يا أخي الكريم، أنت إذا أردْت أن تربي ابنك تربيةً إسلاميّة فمعنى ذلك أنّك لقنته المنهج الذي من عند الخالق، أنت الآن تضمن لهذا الابن السلامة في كلّ المجالات، والنقطة الدقيقة وأنا أُلحُّ عليها أنّك إذا نفّذت أمر الله تقطف ثماره ولو لم تعرف وجه عظمته، والدليل سهل جداً، ممكن لإنسان أن يركب أرقى سيّارة ويستفيد من كلّ ميزاتها وهو لا يعلم كيف تعمل، ممكن أن تستفيد من مكيّف ولا تعلم كيف يعمل، ممكن أن تستفيد من حاسوب ولا تعلم كيف يعمل، فالانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به.
نحن عندما نربّي أبناءنا على تطبيق المنهج الإسلامي فلو أنّ هذا الابن طبّق المنهج فقد أخذ كلّ ثمراته، علم وجه عظمته أو لم يعلم، أدرك أو لم يدرك، وضع يده على دقائقه أو لم يضع، اُصدق فالصادق يقطف ثمار صدقه، كن مخلصاً فالمخلص يقطف ثمار إخلاصه، كن أميناً فالأمين يقطف ثمار أمانته، غضَّ بصرك فإن غاضّ البصر يقطف ثمار غضّ بصره.

خبرات الأجانب كلّها مادّية قيمهم مادّية وأساسها القوي يأكل الضعيف:
لنفرّق بين إنسانٍ يتعلّم ذاتيّاً، فقد ضربت مثلاً لأحد أخواننا كان عندي في البيت قبل قليل، أنّ شخصاً رأى قنبلة، فتساءل في نفسه هل يا ترى هذه قنبلة أم ليست قنبلة ؟ فإن كانت قنبلة فهل يا ترى منزوعة الفتيل أم غير منزوعة الفتيل ؟ فأراد أن يكشف الحقيقة بنفسه فاقترب منها وأمسكها وحرّكها، فانفجرت، ففي أقلّ من عشر الثانية يدرك أنّها قنبلة ولكن لم تُبق ِله الحياة ثانيةً واحدة ليستفيد من هذا الدرس.
أحياناً الإنسان يسقط في المخدّرات، وبعد ما سقط لا يوجد عنده مجال أن يخرج منها، يتألّم ويصبح مقهوراً ولكن قد انتهى الأمر، أحياناً يسقط في الخمر، أو يسقط في الزنا، فقد انتهى وهو يرتكب هذه المعصية ويذوب من شدّة الألم، لكنّه قد أدمن عليها، ولكن انتهى الأمر، فالمشكلة أنّ الإنسان لو تعلّم ذاتيّاً لا ينجو من أخطار كبيرة، ومتى يكشف الحقيقة ؟ يكشفها بعد فوات الأوان، ويكشفها ولم تبقِ له الحقيقة ثانية واحدة من حياته ليستفيد منها.
لذلك لو رأيت الذين يموتون وهم على المعاصي، لعرفت أنّ فيهم من الألم الذي يعتصر قلبهم الشيء الكثير، ويقول: لم يخبرني أحد، ولم يعلمني أحد، والآن لو علمته علماً عاديّاً نقلت له خبرة الأجيال فالآن توجد أجيالٌ بكاملها ضالّة، فخبرات الأجانب، خبرات كلّها مادّية، قيمهم مادّية، قيمهم أساسها القوي يأكل الضعيف، يحاسبون أنفسهم ضمن بلادهم حساباً دقيقاً جداً ويسمحون لأنفسهم أن ينهبوا حقوق الشعوب كما قال الشاعر:

قَتل امرئ في غابةٍ جريمةٌ لا تغتفر وقتـل شعبٍ آمـنٍ مسألةٌ فيها نظر
***
أي يبنون أمجادهم على أنقاض الشعوب، هذه هي التربية الغربية، القوي يأكل الضعيف، الذكي يستغلُّ الغبيّ، الغني يستغلُّ الفقير، الأقوى هو الذي ينتصر، هذا أساساً مجتمع الغابة.
ربية الأولاد التربية الإسلاميّة أساسها الوحي و تعليمات الصانع:
نحن لا نسمح لأبنائنا أن يتعلّموا ذاتيّاً لأنّهم ربّما عرفوا الحقيقة بعد أن يدمّروا، كما أنّنا لا نسمح أن نعلّمهم التعليم العاديّ هذا التعليم مبني على أسس غير صحيحة، مبني على تجارب لا على حقائق، مبني على اتجاهات علمانيّة، اتجاهات دنيويّة، ليس مبنيّاً على حقيقة من عند خالق الكون، لذلك تربية الأولاد التربية الإسلاميّة أساسها الوحي، أساسها تعليمات الصانع، شيء دقيق جداً.
أنت عندما يكون لديك جهاز معقّد جداً لا يمكن أن تسأل إنساناً عاديّاً مع احترامي لكلّ المهن، فلو عندك جار بائع للخُضار وهو على مستوى من الأخلاق العالية وخلوقٌ، فهل تسأله عن كيفيّة عمل هذا الجهاز ؟ لا، فإنّك لا ترتاح إلا للصانع، إلا إذا كان يوجد مندوبٌ للشركة وزارك في المكتب وأعطاك التعليمات أو قرأت التعليمات.
أنت بالتربية الإسلاميّة بحاجة إلى الوحي الذي جاء به النبيّ عليه الصلاة والسلام وهو الذي يبيّن، ومرّةً ثانية أقول لكم: قد لا تتوقعون أنّ في الإسلام منهجاً للتربية كاملاً، والله الذي لا إله إلا هو لو أمكن للآباء أن يتزوّدوا بخصائص التربية الإسلاميّة، وتوجيهات النبيّ عليه الصلاة والسلام وأن يلقنوها أبناءهم لكان مجتمع المسلمين في وضعٍ آخر غير هذا الوضع.
الشّاب مثل العجينة، فإن لم يتواجد أب عالم، ولا أم مؤمنة إيماناً عالياً، ولا مجتمع مثقّف ثقافة دينيّة تجده يتحرّك حركة عشوائيّة.
الآن ندخل في صميم الدرس، من مهمّة المربي أو الأب أو المعلّم أن يلقِّن، أحياناً الأب ينزعج من ابنه، ويقول: ابني غير مؤدب، فهل أنت قد علّمته، هل بيّنت له حقّ الأب، وبيّنت له ماذا ينبغي أن يفعل، وبيّنت له ماذا ينبغي أن يقول ؟ لم تبيّن له، لذلك قالوا: " لا معصية بلا تكليف "، هذه قاعدة ثمينة، لهذا الجامع ثلاثة أبواب، فإذا لم تجد تكليف ولا بيان ترى شخصاً قد خرج من هذا الباب وآخر من الباب الثاني والثالث من الباب الثالث، فلا يجوز أن نتّهم إنسانٌ قد خرج من هنا بأنّه عاصٍ، فلا يوجد تعليمات، ولا توجيهات، ولا أمر أو نهي، ولكن لو كتبنا لوحةً صغيرة فيها: يرجى الخروج من هذا الباب، فلو أن شخصاً خرج باب آخر يكون قد خالف التعليمات بذلك، لا معصية من دون تكليف.

أحاديث من السُّنة الشريفة عن احترام الوالدين:
ابنك لم تعلّمه، وفي المدرسة لم يعلّموه، والمجتمع غير مهذّب، ورفاقه غير مهذبين، وهو قد وقف منك موقفاً غير أخلاقي فأنت انزعجت وغضبت، ولكنّك لم تعلّمه، ولم تقل له: يا بنيّ هذا لا يصح، و دليلاً على ذلك الحديث الشريف، فقد رأى النبيّ الكريم شخصاً يمشي أمام رجل مسن فقال له: من هذا الذي معك ؟ قال له: هو أبي، فقال له:
(( لا تمشِ أمام أبيك، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه، ولا تستسبّ له.))
[ابن السني عن أبي هريرة]
بذلك قد انتهى الأمر، أعطى التوجيهات والآن أصبح معه قوّة، فإذا مشى شخص أمام أبيه فقد أساء، أو أمام أستاذه فقد أساء، أحياناً يُحرج الإنسان فيمشي متقدّماً عليك خطوة، فامشِ بجواري أو متأخراً عني ولو قليلاً، بخمسة سنتيمترات، وهو يتكلّم ويشاور بيديه، انتظر قليلاً، فلا بدّ للإنسان من أن يعلّم ابنه.
أولاً أيُّها الأخوة، روى البخاري عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال:
(( ما من مسلمٍ له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً، إلا فتح الله له بابين، يعني الجنّة، وإن كان واحداً فواحد، وإن غضب أحدهما لم يرض الله عنه حتّى يرضيا عنه. قيل: وإن ظلماه ؟ قال: وإن ظلماه.))
[البخاري عن ابن عباس]
أي ظلماً خفيفاً، فأحياناً يكون الأب عصبياً قليلاً، أو متضايقاً من عمله، فيتكلّم كلمةً قاسيةً مع ابنه، ويوجد بعض الأبناء لا يتحمّلون ذلك وتجده يردّ بأقسى الكلام وعلى الفور، هذا أبوك ويوجد فارقٌ كبيرٌ في السّن، وربما كان يعاني مشكلّة ما، أو قد يكون ذا مزاج عصبي، وقد يكون عنده في العمل مشكلة وجاء إلى البيت وأعصابه تالفة وتكلّم كلمة قاسية يجب أن تصبر وإن ظلمك.
انظر لو كان الابن قد فهم هذا الحديث، ودخل الأب للبيت وتكلّم بكلمةٍ قاسية والابن لم يتكلّم وردّ عليه وقال: سامحك الله يا أبي فأنا لم أفعل شيئاً، وبأدب، أحياناً أجد الابن يثور على أبيه إذا أخطأ، والأب يخطئ فهو غير معصوم، لكن فارق السن ينبغي أن يجعل له ميّزة، وكذلك الفضل الذي صدر منه سابقاً.
أنا سبحان الله كلّما سمعت عن أب يرعى ابنه رعاية كاملة، أقول: سبحان من أودع محبّة الأبناء في قلوب الآباء، تجد ابناً من الدرجة الخامسة بل العاشرة لا يوجد عنده أدبٌ أو وفاء ومع ذلك فكلّ حياة الأب منوطة بهذا الابن، فسبحان الله لا تجد إنساناً إلا وهو يغار من إنسان آخر، فالغيرة من جبلّة الإنسان إلا الأب مع ابنه، فمهما علا شأن الابن تجد الأب مفتخراً به ولا يشعر بغضاضة أبداً، لذلك:
(( ما من مسلمٍ له والدان مسلمان يصبح إليهما محتسباً، إلا فتح الله له بابين، يعني الجنّة، وإن كان واحداً فواحد، وإن غضب أحدهما لم يرض الله عنه حتّى يرضيا عنه..))
[البخاري عن ابن عباس]

الأب والأم هما أصل وجودك وسبب وجودك كما أنّ الربّ يُعبد فالأب والأم يُحسن إليهما:
أنا والله أيُّها الأخوة أرى من خلال تجاربي المتواضعة أنّ أُناساً كثر موفقون في حياتهم توفيقاً عجيباً وسرُّ ذلك برّهم لآبائهم وأمّهاتهم، ويعبّر العوام عن ذلك بقولهم: يده خضراء، أي كيفما تحرّك فهو موفّق، ومحفوظ، وهناك من يدافع عنه، والسبب برّه بأمه وأبيه، والسبب لأنّ الأب والأم هم أصل وجودك وسبب وجودك، فلك خالقٌ خلقك عن طريق الأب والأم، فكما أنّ الربّ يُعبد فالأب والأم يُحسن إليهما.
أقول لكم دائماً: إنّ العطف يقتضي المشاركة، فعندما يعطف الإنسان شيئاً على شيء مع التناسب، فربُّنا قد قال:

﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) ﴾
( سورة الإسراء: آية " 23 " )
أي جمع الإحسان إلى الوالدين مع عبادة الله عزَّ وجلَّ، وكلُّكم يعلم أنّ الأب الشّاب إرضاؤه سهلٌ جداً، فهو أبٌ شاب وواعٍ ومنطقي وواقعي، ويعرف أنّ ابنه في طور البناء، فلا يكلّفه فوق طاقته، لكنّ البطولة في الأب الكبير فقد قال تعالى:
﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا (23) ﴾
( سورة الإسراء: آية " 23 " )
أبٌ متقدِّم في السن ويسكن عندك بالبيت، كنت عنده فأصبح عندك، كنت إن سُئلت من عندك تقول: ابني الأول والثاني، أما إذا سألت ابنه الكبير من عندك ؟ فيقول: عندي أبي، قد كنت عنده فأصبح عندك، هكذا الحياة، كان الأب شاباً وقوياً وأولاده صغار ويلعبون في البيت، فأصبح الأب ضيفاً عند ابنه فقد قال تعالى:
﴿ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً (23) ﴾
( سورة الإسراء: آية " 23 " )

البطولة بإرضاء والدين لست معهما في خندقٍ واحد:
أنا أعجب سبحان الله بأنّ باب الجنّة مفتوح، فالأب باب للجنّة، الأم باب للجنّة، أن تأخذ بيد زوجتك إلى الله باب للجنّة، أن تربي أولادك باب للجنّة، أن تحسن إلى جيرانك باب للجنّة، أن تتقن عملك باب للجنّة، أن تدعو إلى الله باب للجنّة، أن تعلّم القرآن باب إلى الجنّة، أبواب الجنّة مفتّحةٌ على مصارعها.
أحياناً يقول لي أحدهم إنّ الأسواق واقفة كلّها وكاسدة، فأقول له: لكن سوق الدعوة حامٍ كثيراً ورائج، فسبحان الله أحياناً تذهب لبلدٍ تجد فيه غنىً والأمور كلّها ميسّرة، ولكن بقدر هذا التيسير وتوافر الحاجات ورخص الأسعار وتوافر الأموال بأيدي الناس، كلّما رأيت الحاجات موفّرة والبيوت والأعمال والبضائع موفّرة وكلّ شيء ميسّر هذه الدنيا العريضة ربّما كانت حجاباً بين الناس وربّهم.
تجد في بلاد النفط الدعوة غير رائجة، يقول لك: لا تجد خطيباً أو عالماً، فكلّهم يستوردونه استيراداً في شهر رمضان، لا تجد منهم من يهتمّ بالعلم، مال وبيع وتجارة وشراء، وتجد بلاداً فيها من صعوبات الحياة الكثير ومن الأزمات، وتجد الناس ملتفتين إلى الله عزَّ وجلَّ، مرّة قلت: الدنيا حجابٌ بين الناس وربّهم، والمشكلات أحياناً دافعٌ إلى الله.
الحديث الثاني، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه قال:

(( رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين.))
[الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
عملٌ عظيمٌ أن تكون باراً بأُمّك وأبيك، مرّةً ثانيةً أقول لكم الأب المنطقي سهلٌ إرضاؤه، أعباؤه خفيفة وظلّه خفيفٌ، وبطولتك مع أب أنت بوادٍ وهو بوادٍ آخر، أنت في جهة وهو في جهة، أو أمّ أنت في جهة وهي في جهة، فلا يوجد شيءٌ يجمع بينكما هي على أساس معيّن فتقول لك: هكذا تربيّنا يا ابني وهكذا أهلنا علّمونا، وأنت تتلقى العلم من المسجد وتعرف السنّة والكتاب، فأحياناً تحدث المصادمات بينكما، فبطولتك بإرضاء والدين لست معهما في خندقٍ واحد.
برُّ الوالدين يعدل الجهاد في سبيل الله:
الآن يوجد لدينا أربعة أحاديث، وأغلب الظن أنّكم تعرفونها ولكن شيء خطير جداً:
(( قال رجل للنبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أُجاهد. قال النبي له: ألك أبوان ؟ قال: نعم. قال: فيهما فجاهد ))
[البخاريُّ عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما]
هذا الكلام لا يحتمل معنى آخر أي برُّ الوالدين يعدل الجهاد في سبيل الله، والآن أُوجّه كلمةً لأخواتنا المؤمنات النبيّ الكريم قال أيضاً:
((انصرفي أيتها المرأة، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته وإتباعها موافقته يعدل ذلك كله ـ أي يعدل الجهاد في سبيل الله ـ))
[ابن عساكر والبيهقي في شعب الإيمان عن أسماء بنت يزيد الأنصارية]
أي أمٌ قاعدة على بيت أولادها، تهيئ لهم الطعام، وتنظّف الملابس، وتنظّف البيت، وتنتظر زوجها، وترتدي أحسن ثيابها أمامه، وتلبّي حاجاته وحاجات أولادها هذه الأم كالمجاهدة في سبيل الله، لو يعلم النساء ـ يعلمن علم اليقين ـ أنّ حسن التبعُّل يعدل الجهاد في سبيل الله لكانت بيوت المسلمين في وضعٍ غير هذا الوضع.
روى أحمد والنسائيُّ عن معاوية بن جاهم السلمي، أنّ جاهم رضي الله عنه أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:
(( يا رسول الله أردْتُ الغزوَ وجئت أستشيرُك، فقال: هل لك من أم ؟ قال: نعم قال: الزمها فإنّ الجنّة عند رجليها.))
[أحمد والنسائيُّ عن معاوية بن جاهم السلمي]
بعض الصور عن بر الوالدين:
حدّثني أخ عن قصّة لفتت نظره فقال لي: يوجد أب عاديّ جداً ـ أحياناً تجد آباء عندهم رحمة وعلم وغنى وعطف على أولادهم، ويوجد آباء يقولون لأبنائهم: يا بني أنا نشأت عصامياً فكن أنت مثلي ـ هذا الأب عادي جداً بل أقل من العادي له أولادٌ من الدرجة الخامسة وليسوا من الدرجة الثانية، مرض هذا الأب فجأةً مرضاً عضالاً أوقعه في الفراش فاندفع أولاده إلى خدمته اندفاعاً لا يمكن تفسيره ـ أحياناً يكون الأب في درجةٍ عاليةٍ جداً من العطاء، يستحق إكراماً منقطع النظير، وأحياناً يكون الأب عادياً لكن أولاده طلاب علم ويسلكون طريق الإيمان، يندفعون إلى برِّ أبيهم براً عجيباً ـ لكن يقول لي صديقي: لا الأب يستحق هذه المعاملة لأنّه أقلّ من عادي، ولا الأولاد تلقّوا علماً دينيّاً ولا عرفوا بالبرّ سابقاً، فتوجد بينهم وبين أبيهم مشكلات، والشيء الذي لا يفسّر أنّ هذا الأب الأقل من العادي وهؤلاء الأولاد الأقل من العاديين فجأةً اندفعوا إلى خدمة أبيهم اندفاعاً لا يصدّق، وظلّوا يخدمونه ليلاً نهاراً، صباحاً ومساءً أعلى خدمة، ويقول لي هذا الصديق لو أنّ الأب من الآباء النادرين في إحسانهم لأبنائهم، يصبح هذا الموقف معقولاً منهم، لو أنّ الأبناء طلبوا العلم ولهم اتجاه ديني عميق جداً فالأمر مفهوم، لكن لا الأب في هذا المستوى الراقي ولا الأبناء في هذا المستوى الراقي، فما الذي دفع الأبناء إلى خدمة هذا الأب الخدمة التي تفوق حدّ الخيال ؟ يقول لي هذا الصديق: بعد عامٍ وأكثر كان يجلس مع والدته وهو يعجب من هذه الأُسرة التي ظهرت فيها هذه الظاهرة ـ أنا لي قريبة أصابها مرض عضال ففي أول يوم خدموها أحسن خدمة، وكلّ يوم تتبدّل الشراشف كلّها، وبناتها يتناوبن في النوم عندها، وإذا قالت كلمة تقف البنت أمامها، هذه المعاملة في خلال أسبوعين أو ثلاثة، وبعد ذلك لو نادت عليهنّ ليلاً فلا أحد يرُدّ عليها، وقد استمرّت في هذه الحالة عدّة سنوات، وآخر سنة مستوى الخدمة تدنّى وهبط هبوطاً مفاجئاً، لذلك أنا أتمنّى من الله عزَّ وجلَّ أن لا يقعد عن الحركة كلّ مؤمن في آخر عمره، لأنّ الإنسان لو مات وهو خفيف الظل يبقى له أثر طيّب، والنبيّ كان يدعو والسلف الصالح كذلك كانوا يدعون بهذا الدعاء يا ربّ سنّة رسول الله، ثلاثة أيّام وكفى، فالأجل أجل لا يتغيّر ـ هذا الصديق الذي كان يعجب من خدمة الأبناء لأبيهم علم أخيراً أنّ هذا الأب كان أحد خمسة أولاد لأبيه المتوفّى وأربعةٌ من إخوته استنكفوا عن خدمة أبيهم عندما أصابه مرضٌ عضال إلا هذا الابن، الأب المريض في هذه القصّة، نهض وخدم أباه خدمةً تامّةً فالله عزَّ وجلَّ أكرمه حينما وقع في الفراش، بأن ألقى في قلوب أولاده الحرص الشديد على خدمة أبيهم.
معانٍ مستفادة من بر الوالدين:
قال لي أحد أخواننا الكرام: أب عنده خمسة أولاد وله إبهام قد اسودّ، أصيب بالغرغرينا، فالطبيب قال: لا بدّ من قطع هذا الإبهام. والأولاد قالوا: سبحان الله ماذا نفعل هذه إرادة الله، لكن لهم أخ برّه بأبيه شديد فأظهر ألمه الشديد للطبيب وقال له: ليس من المعقول أن نقطع الإبهام، فتعجّب منه الطبيب وقال: هذا شيء لا بدَّ منه فإذا اليوم لم نقطعه من بدايته سنقطعه غداً من نهايته، ولكن بسبب تألُّم هذا الابن تألُّماً شديداً احترم الطبيب تألّمه وقال له: يا بني يوجد احتمال ضئيل وقليل جداً ولكنّه يحتاج إلى جهد كبير، فهذا الإبهام يحتاج يوميّاً إلى ثلاثة حمّامات بماء ساخن وبمواد معيّنة، والاحتمال لتراجع هذا المرض عشرة بالمئة، أمّا لو تقدّم المرض ولو شيئاً ضئيلاً، واحد ميلي متراً، سوف أقطع هذا الإبهام، فقال له الابن: أنا حاضر، والابن موظّف يخرج من منطقة المزرعة، ويسكن أبوه في الجادّة الخامسة بالمصطبة حي المهاجرين، يذهب في الساعة السادسة صباحاً ويقوم بعمل حمام لإبهام والده، وكذلك ظهراً مع المواد الطبيّة والشاش، وفي المساء حمام ثالث، وقد روى لي هذه القصّة أحد أخواننا الكرام عن أقربائه، وقد بقي هذا الابن في خدمة أبيه ستّة أشهر بالتمام والكمال إلى أن تراجع الاسوداد وشفاه الله شفاءً تاماً، يقول لي هذا الأخ الكريم: هم خمسة إخوة وكلّهم من ذوي الدخل المحدود، وظلّ هؤلاء الأربعة على دخلهم المحدود، والخامس أكرمه الله إكراماً ووفقه توفيقاً كبيراً وأصبح الآن رصيده المالي أكثر من مئتي مليون ليرة، سبحان الله هذه أُجرة الإبهام أخذها بالدنيا قبل الآخرة.
1ـ رضا الله في رضاهما:
مفاد كلامي برُّ الوالدين شيء لا يصدّق، فالله عزَّ وجلَّ يكرم البار بوالديه إكراماً شديداً، وهناك آلاف القصص لذلك كما يقولون: يا رضا الله ورضا الوالدين.
لي ملاحظة دقيقة فبعض الشباب يقنع بهذا الكلام فيبادر إلى إرضاء أمه وأبيه ويتقاعس عن إرضاء ربّه، الله هو الأصل، لذلك برُّ الوالدين لا يقبل إذا كان بعيداً عن إرضاء الله عزَّ وجلَّ.
2ـ برّهما مقدّم على الجهاد في سبيل الله:
(( أقبل رجلٌ إلى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: أُبايعك على الهجرة والجهاد وأبتغي الأجر من الله. قال: هل من والديك أحد حي ؟ قال: بل كلاهما. قال: أفتبتغي الأجر من الله ؟ قال: نعم. قال: فارجع إلى والديك فأحسن صحبتهما ))
[رواه مسلمٌ عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما]
هذا المعنى الأول: رضا الله في رضاهما، الثاني: برّهما مقدّم على الجهاد في سبيل الله.
3ـ من البرِّ الدعاء لهما بعد مماتهما وإكرام صديقهما:
من البرِّ الدعاء لهما بعد مماتهما وإكرام صديقهما امتثالاً لأمر الله عزَّ وجلَّ:
﴿ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً (24) ﴾
( سورة الإسراء: آية " 24 " )
بعض واجبات الأبناء تجاه آبائهم:
روى البخاريُّ في الأدب المفرد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
(( ترفع للميّت بعد موته درجته، فيقول: أي ربي أيُّ شيءٍ هذا ؟ فيقول له: ولدك الذي استغفر لك.))
[رواه البخاري عن أبي هريرة]
الميّت في قبره ترفع درجته بسبب استغفار أبنائه له.
سأل أحد الصحابة النبيّ فقال:
(( يا رسول الله، هل بقي عليّ من برِّ والديّ شيء من بعدهما أبرهما ؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما فهذا الذي بقي عليك من برّهما بعد موتهما.))
[أبو داود وابن ماجة عن أبي أسيد الساعدي]
الصلاة عليهما: صلاة الجنازة، والاستغفار لهما: في كلِّ يوم خمس مرّات في الصلاة، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، هذه أيضاً من واجبات الأبناء تجاه آبائهم.
يروى أنّ عبد الله بن عمر لقيه رجلٌ بطريق مكّة، فسلّم عليه، عبد الله صحابي جليل، وحمله على حمارٍ كان يركبه، وأعطاه عمامةً كانت على رأسه، قال ابن دينار قلنا له: أصلحك الله إنّهم الأعراب وإنّهم يرضون باليسير، فقال عبد الله بن عمر: إنّ أبا هذا كان ودّاً لعمر بن الخطّاب، وإنّي سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول:
(( إنّ أبرّ البرّ صلة الولد أهل ودِّ أبيه.))
[مسلم عن عبد الله بن عمر]
أحياناً إذا كان شخصٌ له علاقة بوالدي أينما كان ذاهباً أوصله، وأشعر بذلك شعوراً خاصاً، هذا له حقٌ عليك، وجاء في مجمع الزوائد عن أنسٍ رضي الله عنه أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال:
(( من البرِّ أن تصل صديق أبيك )).
[مجمع الزوائد عن أنس]
كلُّكم يعلم أيضاً أنّ الأم مقدّمةٌ بالبرّ على الأب:
(( جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من أحقُّ بحسن صحابتي ؟ قال أُمُّك. قال: ثمّ من ؟ قال: أمُّك. قال: ثمّ من ؟ قال: أمُّك. قال: ثمّ من ؟ قال: أبوك.))
[متفق عليه عن أبي هريرة]
الأم مقدّمة، أحد الأشخاص تنازع مع زوجته بعد أن طلّقها على رعاية ولدٍ لهما فقال للقاضي: حملته قبل أن تحمله، ووضعته قبل أن تضعه، فقال: أجيبي أيّتها المرأة، قالت: حمله خفّاً وحملته ثقلاً، ووضعه شهوةً ووضعته ألماً، فقال له: دعني من سجعك، وخذي ابنك وربّيه.
بعض الآداب التي جاءت عن النبيّ صلّي الله عليه وسلّم في بر الوالدين:
يوجد فرق بين رعاية الأب ورعاية الأم، لذلك النبيّ قدّم برّ الأم على برّ الأب، ولا يوجد عيدٌ للأب ولكن يوجد عيد للأم، طبعاً ليس هذا نقصاً بحقّه ولكن الأم أمرنا النبيّ الكريم أن نبدأ ببرّها.
رجل قال للنبيّ الكريم:

(( يا رسول الله إنّي حملت أُمّي على عنقي فرسخين في رمضاء شديدة لو ألقيت فيها بضعة من لحم لنضجت فهل أدَّيت شكرها ؟ فقال: لعلّه أن يكون بطلقةٍ واحدة.))
[الطبراني في الأوسط عن بريدة]
كلُّ هذا العمل لا يوازي طلقة واحدة أثناء الولادة.
قصّة وردت في كتب السيرة، ذكر أبو الليث السمرقندي عن أنس رضي الله عنه أنّه قال:
(( شاب كان على عهد رسول الله يسمّى علقمة، فمرض واشتدّ مرضه، فقيل له: قل لا إله إلا الله، فلم ينطق بها لسانه، فأُخبر بذلك النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، فقال النبيُّ: هل له أبوان ؟ فقيل: أمّا أبوه فقد مات، وله أمٌ كبيرة، فأرسل إليها، فجاءت فسألها عن حاله فقالت: يا رسول الله كان يصلّي كذا وكذا، وكان يصوم كذا وكذا، وكان يتصدّقُ بجملة دراهم ما ندري ما وزنها وما عددها، قال لها: فما حالك وحاله ؟ قالت: يا رسول الله أنا عليه ساخطة واجدة، قال: ولم ؟ قالت: كان يؤثر عليّ امرأته ويطيعها في الأشياء، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: سَخَطُ أُمّه حجب لسانه عن شهادة أن لا إله إلا الله.))
[أبو الليث السمرقندي عن أنس]
هذه القصّة تفيد أنّ سخط الأُم كبيرة في حقِّ الابن، آداب برُّ الوالدين كما جاءت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أن لا يمشوا أمامه، وأن لا ينادوهم بأسمائهم، وأن لا يجلسوا قبلهم، وأن لا يتضجّروا من نصائحهم، وأن لا يأكلوا من طعامٍ ينظرون إليه، وأن لا يرقوا مكاناً عالياً فوقهم، وأن لا يخالفوا أمرهم، هذه بعض الآداب التي جاءت عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ما برَّ أباه من شدّ نظره إليه، أحياناً النظر الحاد للأب هذا من العقوق.
عن عائشة رضي الله عنها قالت: أتى النبيّ صلّى الله عليه وسلّم رجل ومعه شيخ، فقال له النبيّ: يا هذا من هذا الذي معك ؟ قال: أبي، فقال عليه الصلاة والسلام:
(( لا تمشِ أمام أبيك، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه، ولا تستسبّ له.))
[ابن السني عن أبي هريرة]
أي لا تسبب لأبيك السباب عن طريق العمل السيّئ.
قال صاحب عيون الأخبار: " قيل لعمر بن زيد: كيف برُّ ابنك بك ؟ قال: ما مشيت نهاراً قط إلا وهو خلفي، ولا مشيت ليلاً إلا مشى أمامي، ولا رقى سقفاً وأنا تحته ".
في النهار يمشي خلفي، وفي الليل يمشي أمامي، توقّعاً للخطر.
أنواع عقوق الوالدين:
أيُّها الأخوة من العقوق أن يعتبر الولد نفسه مساوياً لأبيه، يريد أن يأخذ الميّزات كلّها، من العقوق أن يستحوذ الغرور على الولد فيستحي أن يعرف بأبيه.
أحياناً الابن يتفوّق، يصبح دكتوراً مثلاً أو ذا منصب رفيع جداً ويكون والده عنده بالمكتب، فأحد الأشخاص له ابن وصل لمنصب رفيع جداً وهناك أحد أخواننا له حاجة عند صاحب هذا المنصب، قلت له: إنّ أباه من أخواننا فقلت للأب: أريد أن أتكلّم مع ابنك لنقل طالب من جامعة إلى جامعة، فقال لي: لا مانع من ذلك، ولكنني رأيته متلكّئاً، دخلنا على ابنه والغرفة ممتلئة بالمراجعين، فقال لأبيه: أبا فلان اقعد هناك، لم يشعر أحداً أنّه أبوه، وهو شخص مرموق، أنيق في لبسه، وبهيّ الطلعة لا يستحيى بمثله، فلما خرجنا سألته: أين درس ؟ فقال لي: بأمريكا معه بورد، فقلت له: على حساب من ؟ فقال لي: والله على حسابي.
على حسابه الأب الشخصي، وهذا الابن استحيا أن يشعر أحداً في الغرفة أنّ هذا أبوه هذا من عقوق الوالدين، أن يستحي الابن ذو المنصب المرموق أن يعرِّف الناس بأبيه.
في قلعة دمشق قبل خمسين سنة، وبصدفة غريبة جداً، أب برتبة مساعد في الجيش والابن نقيب، وعلى هذا المساعد حسب النظام العسكري أن يقدّم الصّف لابنه، فكان هذا الابن بعد أن يُقدّم الصّف له من قبل أبيه يأتي أمام ستمئة جندي ويقبّل يد أبيه أمام كلّ هؤلاء، إشعاراً بقيمة الأب، الابن مهما كان بمرتبة عالية إذا بالغ في احترام أبيه فهذا لا ينقص من قدره بل يرفع من قدره، فهذا من العقوق.
من العقوق ألا يقوم الولد بحقِّ النفقة على أبويه الفقيرين فيضطرّا إلى إقامة الدعوى عليه لِيلزِمه القاضي بالإنفاق عليهما، هذا عقوق، لو لم يقيموا دعوى فقد يكون الابن في بحبوحة والأبوان يعانيان، فكل ابن يرفع مستوى معيشته عن مستوى والديه وقع في عقوق الوالدين.
أمّا أكبر أنواع العقوق أن يتأفف الولد من أبويه وأن يتضجّر منهما، ويعلو صوته عليهما، وهناك من يقرّع أبويه بكلماتٍ مؤذيةٍ جارحةٍ ويجلب الإهانة لهما والمسبّة لشخصهما، هذا منتهى العقوق، أن تتكلّم كلمةً قاسية أو تأخذ موقفاً قاسياً، وأقلّ من ذلك أن تحجم عن الإنفاق على والديك، والأقل أن تستحي من أبيك أو أمّك، والأقل من ذلك أن ترى نفسك مساوياً لهما، هذه كلّها من العقوق.
النبيّ الكريم يقول:

(( ألا أُنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً ؟ قالوا: بلى. قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وكان متّكئاً فجلس قال: ألا وقول الزّور والعمل به.))
[متفق عليه عن أبي بكرة]
هذه ليست كبائر، بل أكبر الكبائر.
كلّ الذنوب قد تؤخّر إلى يوم القيامة إلا ذنب العقوق فيعجّل الله لصاحبه في الدنيا:
ثلاثةٌ حرّم الله عليهم الجنّة: مدمن خمرٍ، والعاقُّ لوالديه، والديُّوث.
الديّوث هو الذي لا يغار على عرضه، أو يرضى الفاحشة في أهله.

(( من الكبائر شتم الرجل والديه، أحد الصحابة قال يا رسول الله: وهل يشتم الرجل والديه ؟ قال: نعم، يسبُّ أبا الرجل فيسبّ أباه، ويسبُّ أُمّه فيسبُّ أُمَّه.))
[البخاري عن عبد الله بن عمرو]
أما النقطة الدقيقة إنّ كلّ الذنوب قد تؤخّر إلى يوم القيامة إلا ذنب العقوق فيعجّل الله لصاحبه في الدنيا، لذلك فإيّاكم أن تتعاملوا مع عاق للوالدين، لو كان فيه خير لكان خيره لوالديه، ليس فيه خير أبداً، وهذا العاق لوالديه معرّض لنقمة الله في الدنيا، فإذا شاركه أحد أو تعامل معه فالخسارة كبيرة جداً، فشارك من يكون باراً بوالديه، وصاحب من يكون باراً بوالديه، لذلك كلُّ الذنوب يؤخّرها الله ما شاء إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإنّ الله يعجّله لصاحبه في الحياة قبل الممات.
نلخّص هذا الدرس بأنّ من برّ الوالدين أن لا تستسبّ لهما، وأن ترحمهما، وأن تعطف عليهما، وأن تعظمهما، وأن تصل الرحم التي لم تكن لها صلةٌ إلا بهما، وأن لا تمشي قبلهما، وأن لا تمشي أمامهما، وأن لا تقعد قبلهما، وأن تكون في خدمتهما، لأنّ هذا جزءٌ يسير من فضلهما عليك، وبالطبع إذا عرف الأب قيمة أبيه عليه أن يعرّف ابنه بقيمة أبيه أيضاً، فلا معصية من دون تكليف، فأنت أظهر لأولادك حقوق الأب عليهم وبعدها حاسبهم ففي التربية عمل عظيم والحمد لله ربِّ العالمين.
الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على سيّدنا محمّد الصادق الوعد الأمين، اللهمّ أعنا على دوام ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وارزقنا الشوق إلى لقائك ولذّة النظر إلى وجهك الكريم، اللهمّ أرنا الحقّ حقّاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه واجعلنا ممن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، أدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.




والحمد لله رب العالمين







 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 08:54 AM   #19


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( السابع عشر )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 4 ) صلة الرحم







الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيّها الأخوة الكرام مع الدرس السابع عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا مع مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الاجتماعيّة.
تعريف الإسلام ليس عبادات وإنما هو معاملات:
قد تحدثنا في الدرس الماضي عن تعريف الأبناء بحقوق الوالدين، واليوم ننتقل لتعريف الأبناء بحقوق الأرحام.
موضوع الأرحام موضوعٌ دقيقٌ جداً لكثرة ما في النصوص النبويّة الصحيحة من حثٍ على صلة الرحم، وحسبكم أنّ النجاشي ملك الحبشة حينما سأل سيدنا جعفر بن أبي طالب عن الإسلام ؟ قال: أيُّها الملك كنا قوماً أهل جاهليّة نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويُّ منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده ونوحّده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفِّ عن المحارم والدماء.
هذه هي الجاهليّة، وهذا هو الإسلام، بتعريفٍ بليغٍ موجزٍ جامعٍ مانعٍ، والعجيب أيُّها الأخوة أنّ تعريف الإسلام في نظر هذا الصحابيّ الجليل ليس عباداتٍ إنّما هو معاملات، فهل هذا واضح ؟ تعريف الإسلام ليس عبادات، إنما هو معاملات.
لذلك العبادات نوعان: عباداتٌ شعائريّة، وعباداتٌ تعامليّة، ولا قيمة للعبادات الشعائريّة ما لم تصحّ العبادات التعامليّة، أتحبون الدليل.

أدلة من القرآن والسُّنة على أنه لا قيمة للعبادات الشعائريّة ما لم تصحّ العبادات التعامليّة:
قال تعالى:
﴿ اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ (45) ﴾
( سورة العنكبوت: آية " 45 " )

في الحديث الشريف:
((مَن لم تنهه صلاته عن الفحشاء و المنكر لم يزدد من الله إلا بعداً.))
[تفسير ابن كثير عن ابن عباس مرفوعاً]
في الصيام قال تعالى:
﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) ﴾
( سورة البقرة: آية " 183 " )
في الحديث الشريف:
((مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ))
[ أخرجه أحمد و البخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجة عن أبي هريرة ]
الزكاة قال تعالى:
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103) ﴾
( سورة التوبة: " 103 " )
وكذلك في الآية الشريفة قوله تعالى:
﴿ قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فَاسِقِينَ (53) ﴾
َ ( سورة التوبة: آية " 53 " )
في الحج قال تعالى:
﴿ فِيهِ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آَمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (97) ﴾
( سورة آل عمران: آية " 97 " )
في الحديث الشريف:
(( من حج بمال حرام فقال: لبيك اللهم لبيك، قال الله له: لا لبيك ولا سعديك حجك مردود عليك))
[الأصبهاني في الترغيب عن أسلم مولى عمر بن الخطاب ]
كلامٌ واضحٌ كالشمس.
الفرق بين الأسر المتماسكة والأسر المتباغضة كالفرق بين الجنة والنار:
العبادات الشعائرية لا قيمة لها إطلاقاً ما لم تصحَّ العبادات التعامليّة، صدق، أمانة، عفّة، استقامة، وفاء الوعد، إنجاز العهد، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
(( لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له ))
[رواه أحمد والبزار والطبراني في الأوسط وابن حبان عن أنس رضي الله عنه]

ليس عنده إيمان، المؤمن الصادق تأمنه على روحك، وعلى مالك، وعلى عرضك، هذا هو المؤمن، مطمئن إلى أقصى درجة، ولا دين لمن لا عهد له فأذكر لكم مثلاً أعيده كثيراً:
تسعة أشهر دراسة، وست ساعات فحص، وهذه الست ساعات هي الصلاة أو الصيام أو الحج، فإذا لم تكن الدراسة موجودة فلن ينجح، فلو أن طالباً معه ستة أقلام حبر احتياطاً ورغيفان من الخبز، ودواء مسكن، وقليلاً من الماء البارد، والسيّارة أوصلته لمكان الفحص والسائق في انتظاره ولكنه لم يقرأ من المقرر شيئاً، فما قيمة كلّ ذلك ؟ الامتحان ليس له قيمة أبداً.
يا أيُّها الأخوة، يجب أن نربّي أولادنا على رعاية حقِّ الأرحام، والشيء الملاحظ أنّ هناك أُسراً والله أعتزُّ بها لما عندهم من الترابط، تجد الأب والأولاد في محبّة وتعاون وتضحية ومؤاثرة، وسبحان الله في النهاية ترى هذه الأسرة بأكملها في المسجد، لشدّة الصلة بينهم، وللتعاون، فإذا انساق أحدهم إلى أهل الحقّ جرَّ معه الآخرين، وهناك أسر بالمحاكم، يقول لك: أربعون سنة ولم يتكلّم مع أخيه، وبالقضاء، أسر كثيرة جداً.
أي بين الجنّة والنار، أسرة متماسكة، ومتعاطفة، ومتعاونة، ومتآزرة، كأنّهم في جنّة، وأسرة متباغضة، متحاسدة، شقاق بينهم، عداوة، بغضاء، محاكم، طلب نفقة، فهل هذه الحياة حياة !
الرحم كلُّ من ترتبط بهم بالقرابة أو النسب:
لذلك النبيّ عليه الصلاة والسلام في أحاديث كثيرة جداً حضَّ على صلة الرحم، من هم الرحم ؟ الرحم كلُّ من ترتبط بهم بالقرابة أو النسب، بعض الناس يظنون الرحم فقط أقرباء الأم، لا، الرحم كلُّ أقربائك من جهة الأب أو من جهة الأم، والعلماء سلسلوا هؤلاء الأقرباء على الشكل التالي:
الآباء والأمّهات أي الأُصول، الأجداد والجدّات مهما علوا، الأخوة والأخوات، الأعمام والعمّات، أولاد الأخ وأولاد الأُخت، الأخوال والخالات، ثمّ من يليهم من الأقرباء الأقرب فالأقرب.
أي آباؤك، وأجدادك، وأولادك، وأحفادك، و(أُخوتُك) إخوتُك وأَخواتك، وأولاد إخوتك، وأولاد أخواتك، وأعمامك، وأخوالك، وأولاد أعمامك، وأولاد أخوالك، وعمّاتك، وخالاتك، أي كلّ أقربائك دخلوا في كلمة الرحم.
الحقيقة أنّ سبب تسمية الرحم هكذا قال: لاشتقاق الرحم من اسم الرحمن، وقد قال بعض علماء التوحيد: الرحمن اسم الله الأعظم والدليل قوله تعالى:

﴿ قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (110) ﴾
( سورة الإسراء: آية " 110 " )
لذلك في المصاحف الشريفة في الطبعات الحديثة تجد مكتوباً بالأحمر الله، الرحمن، إله، هو، الرحمن اسم الله الأعظم.
الرحم مشتقّة من الرحمن:
الرحم مشتقّة من الرحمن، ربّنا عزَّ وجلَّ خلق الخلق ليرحمهم فقد قال تعالى:

﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) ﴾
( سورة هود آية: " 119 " )
خلق الخلق ليرحمهم:
(( أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته ))
[رواه أبو داوود والترمذيّ عن عبد الرحمن بن عوف ]

ألا يكفي هذا الحديث، من وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته، مثلاً: له أخت متزوّجة بالمخيّم ومن سنتين لم يذهب لعندها لأنّها فقيرة، زوجها فقير، أمّا هو عنده ولائم وسهرات، وأدوار، وأشياء مرتّبة، وبيوت فخمة، وطعام نفيس، وهذه الأخت فقيرة، من وصلها فقد وصلته، ومن قطعها فقد قطعته، ألا تعرف أحياناً عندما تزور أختك فتنتعش وتسرّ بتلك الزيارة، وتعطيها حماساً وترفع شأنها أمام زوجها.
والله يوجد أخ من أخواننا كنت لا أعرفه سابقاً، قال لي: أنا أحضر عندك منذ ست سنوات، وسألني سؤالاً أنّ له أختاً معذّبة مع زوجها، فقال لي: أنا أزورها كل أسبوع مرتين أو ثلاث وأُواسيها، وأخفف عنها، وأحاول مساعدتها، والله يشهد أنّ هذا الأخ كبر في نظري إلى درجة لا تصدّق، فمن لها غير أخيها ؟ إذا زارها أخوها ونصحها، أحياناً يصبّرها ويخفف عنها، وأحياناً يمدح لها زوجها، قد لا يعجبها زوجها، لكن لم تنتبه لبعض المميزات والأشياء الجيدة فيه أنّه شريف مثلاً، ماله حلال، وأخلاقه عالية، وسمعته طيّبة، ولكن بيته صغير، ودخله قليل، أحياناً الأخ بعلمه يبيّن لأخته قيمة زوجها.
لذلك أفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في نكاح، وهي أفضل شفاعة على الإطلاق، أي تقنّع الزوجة بزوجها، وتقنِّع الزوج بزوجته.
صلة الرحم أولها زيارة وثانيها مساعدة وثالثها هدى:
يوجد أقرباء والعياذ بالله، قال لي أحدهم: شكوت زوجتي لأخيها فقال لي: طلَّقها فهذا أفضل لك، هذا الأخ ـ أخ الزوجة ـ نصح زوجها بتطليقها، هذا أخ ! ولكن يوجد أخ ثانٍ على مستوى راقٍ.
أنت عندما تزور أختك، أو تزور ابنة أخيك، أو ابنة أختك مثلاً، أو ابن عمك زرته، وطبعاً الكبراء يُزارون ولكن يوجد من ورائهم مكسب، بزيارتهم تزداد عزاً ويحتفل بك بضيافة من الدرجة الأولى، لكن بطولتك ليست مع الكبراء، أن تكون أنت كبير ولك قريب صغير، أو مهمل، أو على هامش الحياة فإذا زرته أنعشته.
إذاً:

(( أنا الله، وأنا الرحمن، خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته ))
[رواه أبو داوود والترمذيّ عن عبد الرحمن بن عوف ]
هذا الحديث يجب أن يحضّنا جميعاً، على كل شخص أن يعيّن يوماً كالجمعة مثلاً وفي الشتاء الليل طويل، ومن المغرب حتى العاشرة مساءً لزيارة الرحم ولو ربع ساعة، فلا تستحِ من إعطاء القليل فإنّ الحرمان أقلّ منه، أو أحياناً اتصالاً هاتفياً والسؤال عن صحة أختك وحالها وسؤالها عما تحتاجه ؟ وبثها شوقه، وأن يطلبها للمجيء لعنده، ثمّ يسلّم عليها ويودّعها، فهذه المخابرة منعشة، لأنّ الله عزَّ وجلَّ يحبُّنا أن نكون على قلبٍ واحد، يحبُّنا أن نكون يداً واحدة، صلة الرحم تدعم التكافل الاجتماعي.
بعد قليل سأقول لكم ما معنى صلة الرحم، أكثر الناس يظنون أنها زيارةٌ فقط، فأولها زيارة، وثانيها مساعدة، وثالثها هدى.
أوّل شيء تزور، فإن وجدت حاجة إلى مساعدة، أو دفع مبلغ من المال، فإنني أروي قصّة نموذجيّة لأحد أخواننا لعلي قلتها سابقاً، ذات مرّة زار أحد الأخوة أخته فوجد خصومة بينها وبين زوجها على مبلغ من المال تطلبه منه كلّ شهر وهو يأبى أن يعطيها إيّاه، هذا الأخ له دخل محدود لكن أراد أن يتقرّب إلى الله، فقال لها: يا أختي هذا المبلغ عليّ وأنهوا هذه المشكلة، وأصبح كلّ أول شهر يدفع لها ثلاثمئة ليرة وهذا المبلغ هو سبب خلافها مع زوجها كسوة لها، ولكن زوجها دخله محدود ولا يكفيه معاشه وليس معه وهي مصرّة على الثلاثمئة ليرة فتحمّل دفعها هذا الأخ، فطرق عليها في اليوم الأول من الشهر الأول ودفع لها المبلغ، وكذلك فعل في الشهر الثاني والثالث.
قال لي هذا الأخ الكريم: في الشهر السادس طلبت أخته منه درساً دينياً لبناتها، ثم بعد ذلك حضر كلّ من بنات الأخت وبنات الأخت الثانية، فقام بتدريس بنات أخواته كلهن درساً أسبوعياً، وقال لي: وأنا على قدر معلوماتي، أية آية سمعتها من أحد الدروس، أو حديثاً، أو حكماً فقهياً، أو قصّة عن الصحابة، فالدرس أنعشني، وشعرت بقيمتي.
العلم يزكو على الإنفاق وزكاة العلم نشره:
عندما يدعو الإنسان إلى الله عزَّ وجلَّ يشعر بقيمته، وأنا لا أكتمكم أنّ أول مستفيد من الدعوة هو الداعي نفسه، أول من يستفيد من الدرس هو المدرس، أول من يستفيد من الدرس هو المعلم، الموجه، المرشد، الداعي نفسه، لأنّ العلم أيُّها الأخوة زكاته بإنفاقه، فكلّ شيء إذا أنفقت منه يقل إلا العلم يزكو على الإنفاق، وزكاة العلم نشره، والنبيُّ عليه الصلاة والسلام يقول:
(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ))
[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]

بلغوا عني، فأنا الآن أدعوكم، فأنت تحضر خطبة جمعة، وهي ساعة إلا ربعاً فلم يثبت بذهنك آيةٌ واحدةٌ أو حديث هل هذا معقول ؟ إلا إذا كان ـ لا سمح الله ـ النفاق موجوداً، فالمنافق عندما كان يحضر عند رسول الله إذا انفض من عنده قال كما ورد في القرآن الكريم:
﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آَنِفاً أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (16) ﴾
( سورة محمد: آية " 16 " )
قد يقول أحد الأشخاص: والله لم أذكر شيئاً من الدرس، فأنا دائماً أقول: إذا لم يكن الإنسان صادقاً في طلب الحق يصبح مثل آلة التصوير من غير فيلمٍ بداخلها، ولو كانت غالية الثمن، ولو انتقى المنظر الجميل، وضبط كل من المسافة والسرعة والفتحة، وضغط على الزر ولكن لا يوجد فيلم بداخلها، لأنّه لا يطلب الحق فلا يظل أو يثبت شيء مما يستمع إليه، فلو حضر الإنسان واستمع إلى خطبة جمعة، أو درس في التفسير، أو درس في الحديث أو في السيرة فهل من المعقول أن لا يبقى شيء مما استمع له ؟!
اجعل هذا الشيء الذي استمعت له مدار الحديث طوال الأسبوع، إن دعيت لغداء فأخبر الموجودين أو المدعوين عن الخطبة وماذا قال فيها الخطيب، فهذا كلام جميل، وإن دعيت لسهرة، أحياناً يكون عقد للقران، أو حل لمشكلة، أو زيارات دوريّة للأصدقاء أو الأقارب، ففي كلّ لقاءاتك بلّغ، هكذا النبيّ قال:
(( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً ))
[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو]
نشر الحق والتواصي به ركن من أركان النجاة:
أنت حينما تخرج من ذاتك إلى خدمة الخلق تشعر بسعادة الداعية، فلا تصدّق، قد يبذل الدعاة جهداً جهيداً، ويعملون ليلاً ونهاراً ولكن والله هم أسعد الناس، يحس بإنسانيته وأنّه في خدمة الحق.
أقول دائماً الدعوة ليست حكراً على الدعاة، فكلّ مسلمٍ ينبغي أن يكون داعية.
أحد الأخوة أعجبني فقد قال لي: أنا لا أعرف أن أتكلّم ولكنني آخذ أشرطة وأقوم بتوزيعها، وبهذه الطريقة حضر للدروس حوالي عشرة إخوة يستمعون إليك.
هذا شيء جميل، فالآن الوسائل ميسّرة، فأنت لا تستطيع أن تتكلّم فيوجد من يتكلّم عنك، لكن يجب عليك أن تنشر الحق، لأن الحق إذا لم ينتشر فسينتشر الباطل وسيحاصر الحق، أنت ربما تظن الآن أنك تنشر الحق لكي ينمو، لا، بل للحفاظ على وجودك، والدليل: الله قد جعل نشر الحق والتواصي به أحد أربع أركان النجاة فقد قال تعالى:
﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) ﴾
( سورة العصر: آية " 3 " )
هذا اللسان يجب أن يكون طليقاً بذكر الله، عوّد نفسك أن يكون كلامك من عملك والعمل محاسب عليه أينما جلست، فالحديث عن الدنيا يفرِّق، والحديث عن الآخرة يجمع، قد يكون بالجلسة تاجر أو مهندس أو موظف أو طبيب، فإذا تكلّم التاجر عن تجارته ودخله وأرباحه، تجد الكل ساكتاً لأن بعض الجالسين راتبه لا يكفيه خمسة أيام بالشهر، وسمع من أحد الحاضرين أنّه بصفقة واحدة كسب أربعمئة ألف، فيتضايق، ويقول في نفسه ما هذا الراتب الذي أتقاضاه فأنا أعيش على هامش الحياة، فإذا كان الحديث الدائر عن الدنيا يحدث الانقباض، أما إذا كان الحديث عن الله عزَّ وجلَّ تجد كل القلوب تستمع إليه، لذلك اذكر الله دائماً، وليكن لسانك رطباً بذكر الله.
كيفية بر الوالدين بعد موتهما:
إذا أردت أن يكون لك ابن يصل رحمه أول شيء كن أنت قدوة له، قل له: قم يا بني لنزور عمّتك، أو خالتك، أو نزور أختك اليوم فمنذ شهر لم نرها، أو لنتحدث معها هاتفياً، فإذا رأى الابن أن أباه يزور أقاربه، وأساساً عندما سأل أحدهم النبيّ صلى الله عليه وسلم:
(( يا رسول الله، هل بقي عليّ من برِّ والديّ شيء من بعدهما أبرهما ؟ قال: نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما فهذا الذي بقي عليك من برّهما بعد موتهما.))
[الحافظ اللالكائي عن أبي أسيد]

هذا الذي بقي عليك من برّهما بعد موتهما، أن تصل الرحم التي لم يكن لها صلةٌ إلا بهما.
يجب أن نقول: أولاً زيارة، ثانياً تفقّد الأحوال، فاستمعوا إلى الآية الكريمة، فمن هو الذي يستحقُّ الصدقة ؟ هل هو السائل ؟ لا، الذي يلح كثيراًَ ؟ لا، اسمعوا القرآن الكريم، قال تعالى:
﴿ لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273) ﴾
( سورة البقرة: آية " 273 " )
الذي ينبغي أن تساعده لن يسألك، ولن يطلب منك، هو أعفُّ من ذلك، إذاً ماذا لزاماً عليك أنت أن تفعل ؟ عليك أن تتفقّده، فما دام هو لن يقول لك أعطني لأنّه عفيف وعزيز النفس، فماذا تعني صلة الرحم ؟ تعني تفقّد الأحوال، تسأل عن أخبارهم، وأوضاعهم، تسأل أختك: المدارس حان موعدها فهل يلزمك شيء ؟ بالطبع يلزمها ألبسة وخلافه، وإن كان الجو بارداً فيلزمها ثمن وقود للتدفئة، فاسألهم هل عبأتم خزان الوقود ؟ أنت في حالة ماديّة جيّدة وهي لم تعبئه.
الصلة تعني الزيارة، إنعاش اجتماعي، وتعني ثانياً التفقّد، فتوجد مواسم للمدارس، أو التدفئة بالوقود، أو الألبسة، أو في الأعياد، أما الصلة الثالثة هي: الهداية.
عندما تتفقدهم بالزيارات، وتتفقدهم بالمعونات أصبح لك مكانة كبيرة عندهم والآن أصبحت كلمتك مسموعة، وتوجيهك مقبولاً على العين والرأس، لكن لا يوجد أصعب من توجيه الغني للفقير، فالفقير يتلوّى من جوعه والغني يحدّثه بالقيم، شيء يغيظ تماماً، أما إذا عاونته وقدمت له المساعدة فالآن كلامك أصبح مسموعاً وتوجيهك مقبولاً، فوطّنوا أنفسكم على أنّ صلة الرحم تعني: الزيارة الإنعاشية، والتفقّد الاقتصادي، ثمّ الدعوة إلى الله هذا أعظم عمل، فيا ترى من أحقّ الناس بحسن صحابتك ؟ أقرباؤك.
اتقوا الله أن تعصوه واتقوا الأرحام أن تقطعوها:
أنا أقول دائماً كلمة: الناس العاديّون أنت لهم وغيرك لهم، أما أرحامك من لهم غيرك ؟ لهذا علماء الفقه قالوا: " لا تقبل زكاة المسلم وفي أقربائه محاويج ". فبادئ ذي بدء تفقّد أقرباءك الذين لا يعرفهم أحد إلا أنت، اسمعوا الآيات الكريمة:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) ﴾
( سورة النساء: آية " 1 " )
أي اتقوا الله أن تعصوه، واتقوا الأرحام أن تقطعوها هكذا المعنى المراد، لكن توجد بالآية كلمة لطيفة جداً فما معناها وهي: واتقوا الله الذي تساءلون به، فأنت سائر في الطريق، ومرّ شخص هل تستطيع أن تمسك به وتطلب منه أن يعطيك مئتين من الليرات ؟ سوف ينظر لك بازورار، لماذا الابن يسأل أباه بإلحاح وجرأة ؟ لأنّه يعلم أنّ الله أودع في قلب أبيه رحمةً به، تجد شخصاً له مكانة كبيرة والجميع يهابونه إلا ابنه يطلب منه بإلحاح، فمن له غيرك ؟ فلولا أنّ الله أودع في قلب الآباء هذه الرحمة لما تجرّأ الابن وقال لأبيه: أعطني، دليل الرحمة فقد قال تعالى:
﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ (1) ﴾
( سورة النساء: آية " 1 " )
لولا هذه الرحمة التي أودعها الله في قلوب الآباء والأمهات، فأحياناً يكون مع الأم في حقيبتها مبلغ من المال فيأخذ ابنها منه قسماً فلا ينشأ من هذا الفعل شيء يغضبها لأنها أمه، يوجد مودّة ورحمة ومحبّة، ويحسّ الإنسان أنّ الأم والابن شيء واحد وكذلك الأب والابن، فهذا معنى الآية:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1) ﴾
( سورة النساء: آية " 1 " )
الدعوة إلى قطيعة الرحم من الكبائر:
الآية الثانية قال تعالى:
﴿ وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً (26) ﴾
( سورة الإسراء: آية " 26 " )
وقال تعالى:
﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً (36) ﴾
( سورة النساء: آية " 36 " )
بالمقابل تقول الآية:
﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) ﴾
( سورة الرعد: آية " 25 " )
أي الدعوة إلى قطيعة الرحم من الكبائر، وقطيعة الرحم من الكبائر، فإذا قلت لأحد الأشخاص: لا تزر. فهذه كبيرة، فالدعوة كبيرة والقطيعة كبيرة.
الإنسان كلّما كان عظيماً لا ينسى الفضل:
يقول لي أحدهم إن لي أقرباء غير منضبطين ؟ فأجيبه بقولي: إنّك إذا لم تزرهم سيزدادون تفلّتاً، فإذا زرتهم ونصحتهم بالحسنى والحكمة ربما انضبطوا، أو ربما أوقفتهم عند حد، إذاً زيارتك مهمة جداً قال تعالى:
﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾
( سورة الرعد: آية " 25 " )
وقال تعالى:
﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (22) ﴾
( سورة محمد: آية " 22 " )
والله أيها الأخوة لو قرأتم ما في السيرة النبويّة من إكرام النبي لمرضعته حليمة السعديّة لاقشعرّ جلدكم، كان يمدُّ لها الرداء، وقد أكرم قومها بأن أطلق كلّ أسراهم، أعطاهم كلّ سؤلهم لأنّ حليمة السعديّة أرضعته.
الإنسان كلّما كان عظيماً لا ينسى الفضل، ولا ينسى الفضل إلا عديم الأخلاق والإيمان.
ثمرات صلة الرحم:
الآن ثمرات صلة الرحم ودققوا فيها جيداً:
(( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت ))
[ رواه الشيخان عن أبي هريرة ]
1ـ من لوازم الإيمان صلة الرحم:
أي أنّ من لوازم الإيمان صلة الرحم، أي إن لم تصل رحمك فهناك شكٌ في إيمانك، في أصل إيمانك أو في كمال إيمانك على اختلافٍ بين العلماء، فأحياناً تجد شخصاً ذا رزق وفير أي زائد، فدقق تجد أنّه يصل رحمه لأخته أو ابنة أخته عند زواجها أهداها غسالة أو برّاداً، وهذه أقرضها وهذه أعطى لابنها بدلاً، دفع الأموال إلى الأقرباء هذا مما يستدعي الرزق.
2ـ صلة الرحم تزيد في العمر وتوسّع في الرزق:
روى الشيخان أي البخاري ومسلم وهذا الحديث من أعلى درجات الحديث أي ما اتفق عليه الشيخان:
(( من أحبَّ أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه ))
[ رواه الشيخان عن أنس ]

أحد أسباب زيادة الرزق صلة الرحم، فإنّك عندما تنوي زيارة أقربائك وتقدّم لهم المساعدة فالله يحاسب عنك، يجعل المساعدة على حسابه، فيدفع لك.
أحد الأخوة قال لي: اتصلت بي أختي هاتفياً وطلبت مني خمسة آلاف ليرة، وكان الوقت صعباً جداً فلم يكن معي فالإنسان عسر ويسر، دخلت في صراع مع نفسي، معي مبلغ ولكن له مصارف ذات أهميّة كبرى، وبعد صراع طويل قررت أن أعطيها خمسة آلاف، فذهبت إلى بيتها وأعطيتها المبلغ، ونزلت إلى المحل التجاري بالبزورية، فجاءني تاجر من السعوديّة يريد شراء قمر الدين، والقصة قديمة، فقلت له: ليس عندي. فقال لي: دلني، فقلت له: في المحل الفلاني وكيلٌ للمعمل، فقال لي: خذني معك وأوصلني لعنده، فقلت له: تفضل، فأوصلته وقلت له هذا يريد شراء قمر الدين، وفي المساء بعث البائع لي ظرفاً به عشرة آلاف من الليرات وهو لا ينسى هذه القصة، طبعاً إذا أضافها على الزبون فهذا حرام، وذلك دون ذكر لتفاصيل الحكم الشرعي، أما إذا أعطاها من ربحه فلا شيء في ذلك.
إذا أعطيت إنساناً كان سبباً لصفقة ما، كان سبباً وبذل جهداً فأعطيته مبلغاً من ربحك فلا مانع في ذلك، أما إذا أضفته على الزبون فهذا العمل لا يجوز فعله.
أخ ثانٍ كان له صديقٌ مصاب بانزلاق غضروفي ويجب أن يستلقي على فراش خشبي لمدة شهر، وهو ذو دخل يومي وليس راتباً، فيحتاج إلى مبلغٍ طوال هذا الشهر، فألزم نفسه بتأمين المبلغ له أثناء فترة مرضه، ولكنه ظلّ مريضاً شهرين ودفع له فيهما عشرين ألفاً والقصة طويلة، فقال لي: والله كانت هناك عمليّة معيّنة خارج اهتمامي وخارج كل توقعاتي الله رزقني منها أربعين ألف ليرة، القصص كثيرة جداً:
(( أنفق بلال، ولا تخشَ من ذي العرش إقلالا ))
[ رواه الطبراني عن ابن مسعود ]
(( أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ ))
[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
إذاً صلة الرحم تزيد في العمر وتوسّع في الرزق، كما قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الشيخان:
(( من أحبَّ أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره ـ أي يزاد له في عمره ـ فليصل رحمه ))
[ رواه الشيخان عن أنس ]
3ـ صلة الرحم تدفع عن الواصل ميتة السوء:
صلة الرحم تدفع عن الواصل ميتة السوء، فذات مرّة كنت في طريقي إلى عملي فوجدت أمام القصر العدلي إنساناً ملقىً على الطريق ومغطىً بقطعة من القماش، فسألت ؟ فقالوا: والله مات هنا، فذهبت لفترة ثماني ساعات ورجعت وهو في مكانه والناس عليه وفوقه ينظرون.
أهذه ميتة !! ويوجد رجل من أهل العلم جلست معه في تعزية وخرجنا معاً، شاهد إنساناً له سيّارة خاصّة فطلب من هذا العالم أن يوصله، فما أن خرج من بيت التعزية حتى عرض عليه هذا الأخ الكريم وبالطبع العالم محترم فقال له: الله يرضى عليك شكراً، فأوصله لبيته، والبيت في الطابق الرابع، وصعد إليه، ودخل إلى غرفته، وخلع جبته، وقلع عمامته، واستلقى على الفراش، وأسلم الأمانة إلى بارئها، وهذا من تكريم الله له فلو أحبّ أن يأخذ تاكسي لمات فيه وأُخذ إلى المشفى ووضع في البراد أليس كذلك ؟ لكن الله ألقى في قلب هذا الأخ ـ وهو لا يعرفه ـ بأن يوصله، وهذا الأخ بيته بجانب البيت المقام فيه العزاء وليس على درب الشيخ وأراد أن يكرمه بهذا التوصيل، فقال لي ابن العالم: أنت آخر من كلّمه، ولم يكلّم أحداً بعدك، فصلة الرحم تدفع عن الواصل ميتة السوء لما روي عن أنس رضي الله عنه عن النبيّ صلّى الله أنّه قال:
(( إنّ الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر، ويدفع بهما ميتة السوء، والمكروه والمحذور.))
[أبو يعلى عن أنس رضي الله عنه]
كذلك هناك ميتة على قدر عالٍ، كأن يموت بين أهله وأولاده معززاً ومكرّماً، وتقام له تعزية رسميّة والدليل قوله تعالى:
﴿ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (21) ﴾
( سورة الجاثية: آية " 21 " )
هناك ميتة راقية جداً، ويوجد إنسان يموت بالمرحاض، فشخص بالهند ادّعى أنّه المسيح المنتظر وكان هناك وباء الكوليرا متفشياً وكان يقول: أنا من معجزاتي أنني لن أُصاب بهذا المرض، فلم يمت إلا مصاباً بهذا المرض وفي المرحاض، توجد ميتة سوء.
4ـ صلة الرحم تعمّر الديار وتثمّر الأموال:
صلة الرحم تعمّر الديار وتثمّر الأموال:
(( إنّ الله ليعمّر بالقوم الديار ويثمّر لهم الأموال. فقيل: وكيف ذاك يا رسول الله ؟‍‍‍‍ قال: بصلتهم الرحم ))
[ رواه الطبراني والحاكم عن ابن عبّاس ]
أحياناً تجد إنساناً ماله مبارك، يشتري بيتاً، أو يشتري محلاً، يشتري مزرعة أحياناً وترتفع الأسعار، ويزوّج أولاده ويسكّن أولاده بالبيوت وهو قد بدأ من الصفر، فمن أين له ذلك ؟ فيه بركة ونماء، وتجد إنساناً آخر أينما تحرّك لا يأتي بخير، يقول لك: جميع الطرق مغلقة أمامي.
(( إنّ الله ليعمّر بالقوم الديار ويثمّر لهم الأموال. فقيل: وكيف ذاك يا رسول الله ؟‍‍‍‍ قال: بصلتهم الرحم ))
[ رواه الطبراني والحاكم عن ابن عبّاس ]
هذا هو الحديث الرابع.
5ـ صلة الرحم تغفر الذنوب وتكفِّر الخطايا:
صلة الرحم تغفر الذنوب وتكفِّر الخطايا.
(( أتى النبي صلّى الله عليه وسلّم رجل. فقال: إني أذنبت ذنباً عظيماً فهل لي من توبة ؟؟ فقال عليه الصلاة والسلام: هل لك من أم ؟ قال: لا. قال: هل لك من خالة ؟ قال: نعم. قال: فبرّها ))
[ رواه ابن حبّان والحاكم عن ابن عمر ]
معنى ذلك أنّ الخالة في منزلة الأم:
(( قال: هل لك من أم ؟ قال: لا. قال: هل لك من خالة ؟ قال: نعم. قال: فبرّها ))
[ رواه ابن حبّان والحاكم عن ابن عمر ]
أي ببرها يغفر ذنبك.
6ـ صلة الرحم تيسّر الحساب وتدخل صاحبها الجنّة:
صلة الرحم تيسّر الحساب وتدخل صاحبها الجنّة:
(( ثلاثٌ من كنّ فيه حاسبه الله حساباً يسيراً وأدخله الجنّة برحمته. قالوا: وما هي يا رسول الله بأبي أنت وأمي ؟ قال: تعطي من حرمك، وتصل من قطعك، وتعفو عمن ظلمك، فإذا فعلت ذلك يدخلك الله الجنّة ))
[ رواه البزَّارُ والطبراني والحاكم عن أبي هريرة ]
7ـ لا يدخل الجنة قاطع رحم:
أما الشيء الخطير:
(( لا يدخل الجنّة قاطع رحم.))
[الطبراني وأحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن جبير بن مطعم ]
ماذا ينبغي أن نفعل بعد هذا الدرس ؟

قبل أن تعلّم أولادك كن أنت في هذا المستوى، اعمل جرداً لأقربائك، وحاول أن تعمل زيارة أسبوعيّة، فإذا لم تتمكن فلتكن الزيارة نصف شهرية، وإذا لم تتمكن فلتكن زيارة شهرية، أما أدنى حد على الإطلاق فبالأعياد الرسمية، عيدي الأضحى والفطر، هذا العيد للرحم، هذا الحد الأدنى، ولو بعدت المسافات، بطرف المدينة أو بقرية من قرى الغوطة.
ادع إلى الله تكن سبباً في هداية الناس:
لا بدّ من أن تزور رحمك أولاً، وأن تتفقد أحوالهم ثانياً، وأن تدلّهم على الله ثالثاً، والأكمل من ذلك أنت طالب علم ورائد من روّاد المسجد، وتحضر أربعة أو خمسة دروس أسبوعياً مع الخطبة، عليك أن تعطي درساً صغيراً لأخواتك البنات، وأولاد أخواتك البنات فهؤلاء مجموعة، أعطهم درساً وقم بتحضيره أولاً قبل يومٍ من اجتماعكم، تفسيراً لآية، وحديثاً له علاقة بالآية، وحكماً فقهياً وقصّة من قصص الصحابة، اجمعهم وقم بإكرامهم، فهذا الدرس ينعشك لأنّك كنت سبباً في هداية الناس، الآن يوجد ضياع فإن تركتهم فسيتربون بوسائل لا ترضي الله عزَّ وجلَّ.
أنا أقترح على كل أخ من أخواننا الكرام أن يدعو، فلا تقل أنا لست داعية، فمن قال لك أنّك داعية بل ينبغي أن تكون داعية شئت أم أبيت، فادع بناتك أو بنات أخواتك، أعطِ درساً للإناث إذا كان لك أخٌ مشغول، تاجر وغارق في تجارته وعنده عدد من الأولاد فيهم من الخير فادعهم لعندك وحدد لهم يوماً في الأسبوع، فإذا وجدوا درساً محضّراً وجيداً، آية، حديثاً، حكمة، قصة أحياناً، " صور من حياة الصحابة " سبعة أجزاء وهو كتاب لطيف جداً، اقرأ لهم قصّة عن الصحابة، تروي لهم حُكماً فقهياً، دعابة، تقدم لهم ضيافة، فالضيافة تجذبهم وهي لله عزَّ وجلَّ.
إذا تمكنت من أن تحيط هؤلاء الشباب أولاد أخيك بالرعاية وتوجّههم، وكذلك أولاد أختك، وبنات أختك هؤلاء رحمك، فأنت كن داعية لأقربائك، بعد عدة أشهر تجد بنات أخواتك قد تحجّبن بعدما اقتنعن بالدين، وأولاد أخواتك أصبحوا يصلون، ثم بعد ذلك حضروا معك إلى الجامع، ثمّ أصبحوا مؤمنين، وأصبحوا قرّة عين لأوليائهم هذا عمل عظيم.

صلة الرحم ترفع الواصل إلى الدرجات العليا يوم القيامة:
هذا الذي قال عنه النبيُّ الكريم لسيّدنا علي كرّم الله وجهه:
(( فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يُهْدَى بِكَ رَجُلٌ وَاحِدٌ خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ ))
[ متفق عليه عن سهل بن سعد]
(( خير له مما طلعت عليه الشمس ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي رافع ]
(( خير لك من الدنيا وما فيها ))
[ تخريج أحاديث الإحياء للعراقي ]

إذا أراد أحدكم أن يترجم هذا الدرس إلى مجلس علم صغير ضمن أسرته فهم رحمك، وأقرب الناس لك هم أخواتك الذكور والإناث، وأولاد أخواتك ذكوراً وإناثاً، درس أسبوعي ثابت، آية وحديث وقصّة أو تحفيظ للقرآن، يقرأ كل واحد من الحضور نصف صفحة واستمع إليه، فإن كنت متقناً للتجويد علّمته التجويد، وتفسير آية أو اثنتين، وحديثاً اجتماعياً للنبي، وقصة قصيرة في خلال ساعة من الزمن، فشعرت بقيمتك وأنّك إنسان وصاحب لرسالة، وشعرت بأنّك أصبحت في قلوب الآخرين، هذا الذي أتمنّاه عليكم من هذا الدرس، هذا الدرس ينبغي أن يترجم عملياً.
ما من أحدٍ أصغر من أن يرشد الناس، وما من أحدٍ أكبر من أن يستمع إلى النصيحة، أي ما من أحد أصغر من أن يَنصح، وما من أحد أكبر من أن يُنصح، لذلك أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الدرس مفتاح خير لنا جميعاً في دعوة أقاربنا ورحمنا إلى الله عزَّ وجلَّ، لكن الإحسان قبل البيان، افتح قلوبهم بالإحسان قبل أن تطالب آذانهم أن تفتح لك بالبيان، افتح قلوبهم بالإحسان، وكل شيء تقوم بإنفاقه في سبيل جلب القلوب لا يعلم إلا الله كم أجره ؟ فالهديّة رسول، فإذا كان لك ابن أخ وهو بحاجة إلى هديّة وقدّمتها له أحياناً قلم، وكلّ إنسان بحسب إمكاناته، فالقلم يفتح له قلبه تجاهك، أو دفتر، أو كتاب يكون بحاجة له، أو بذلة فتوّة أول موسم الدراسة، إذا أنت حاولت أن تهدي أقرباءك هدايا ثمينة وهم بحاجة لها فبذلك فتحت لهم قلوبهم، وهذا الدرس هذه هي ترجمته.
إذا استطاع كل منكم أن يقنع أحد أقاربه بالاستقامة ومعرفة الله يكون بذلك قد حقق هذا الدرس، صلة الرحم ترفع الواصل إلى الدرجات العليا يوم القيامة:
فقد روى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:
(( ألا أدُلُّكم على ما يرفع الله به الدرجات ؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: تحلُم على من جهل عليك، وتعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك ))
[ أخرجه البزَّار والطبراني عن عبادة بن الصامت ]
درءُ المفاسد مقدّم على جلب المصالح:
الآن لنا تعليق لطيف جداً، حديث يقول فيه النبيّ الكريم:
(( ليس الواصل بالمكافئ؛ ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها.))
[رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص]
أي أن فلاناً زارك فتزوره، له عندي زيارة، هذه ليست صلة للرحم، أما صلة الرحم أن يكون الموصول إنساناً قطعك فوصلته، أو حرمك فأعطيته، ظلمك فأنصفته، هذه أخلاق المؤمن، أما المعاملة بالمثل هذا أسلوبٌ غريبٌ، لكن المؤمن لا يتقيّد بهذه القاعدة بل يصل من قطعه، ويعطي من حرمه، ويعفو عمن ظلمه.
فقد قال الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم:
(( أمرني ربي بتسع خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
يوجد تحفُّظ واحد إذا كان بيت خالته فيه بنات سافرات متفلّتات، فذهبنا لصلة الرحم فاستأنسنا بهؤلاء الفتيات، وجلسنا جلسة لطيفة جداً حتى الساعة الثانية عشرة ليلاً، وخرجنا وقلنا: الحمد لله اليوم قمنا بصلة الرحم، لا، لا تصدّق نفسك، فالقاعدة الفقهيّة تقول: دع خيراً عليه الشرُّ يربو، وكذلك: درءُ المفاسد مقدّم على جلب المصالح.
أحياناً تكون في النيّة صلة رحم ثم تصبح بعد ذلك صلة أُخرى من نوع آخر، فهذا غير مقبول على الإطلاق، هذه طاعة، والطاعة يجب أن تكون نظيفة من كلّ مخالفة.
أي لك خالة فخالتك فقط، فإذا كانوا لا يتقيّدون فلا نزور، ولكن يمكن مخابرتها هاتفيّاً، فإذا لم تتقيّد خالتك بعد إخراج بناتها أمامك، معنى ذلك أنهم لم يعتبروك أو يهتموا بك، عندئذٍ: دع خيراً عليه الشر يربو، فإذا لم تتقيّد بنات عمّتك ولم يتحجّبن منك وجلسن معك سافرات كاسيات عاريات وقُلن لك: أصبحت شيخاً يا فلان، كذلك يمزحن معك، هذه الصلة لا نريدها فاحفظ قدرك وامكث في بيتك، نحن نصل من يقدّر اتجاهك، من يقدّر دينك وورعك وعلمك، وهذه الصلة ليس فيها معصية أبداً، بل طاعة لله، فهي عمّتك أو خالتك، أما إذا وجد الاختلاط أو النظر فالآن دخلنا في موضوع آخر غير الصلة المشروعة وليس لنا علاقة به على الإطلاق.
لذلك ضع هذه القاعدة في ذهنك: درء المفاسد مقدَّمٌ على جلب المنافع، وكذلك: دع خيراً عليه الشرّ يربو.
كل إنسان له نقطة ضعف والكل له مأخذ:
عندئذٍ هذا ليس صلة رحم ولكنّه معصية، فالشيطان في بعض الأحيان يعمل لك مداخلات ويقول لك: ما هذا ألا يوجد عندك دين ؟؟ أليسوا هؤلاء بنات عمّتك وقاطعتهم إلى الآن شهراً ؟! هؤلاء نساءٌ أجنبيّات عنك ولا يحقُّ لك أن تنظر إليهنّ أبداً، والنظر إليهنّ مفسدة، والحديث معهنّ مفسدة أكبر، والسهرة معهن أكثر.
إذاً فلنا تحفُّظٌ وحيدٌ، لأنّ كثيراً من الأخوان يقولون لي: أثناء الزيارة حدثت المفسدة، فإذا كان هناك من الضمانات أن تزور خالتك من دون بناتها، وعمّتك من دون بناتها، ولا يوجد اختلاط ولا نظر، فلا مانع في ذلك بل بالعكس هو واجبٌ عليك، وإذا وجد الاختلاط ففي هذه الساعة تتصل بها هاتفيّاً، أو تدق على عمتك مثلاً الباب وتخبرها أنك مستعجلٌ وهل يلزمها شيء منك ؟ أي بحكمة، فقد قمت بالصلة وأعطيت درساً في الوقت نفسه، إذا وجدت الضمانات فلا مانع من الزيارة.

بصراحة أقول لكم: إنّ كل إنسان له نقطة ضعف والكل له مأخذ، فالتجار ربما تكون نقطة ضعفهم المال، في عقد صفقة ربح ثلاثمئة في المئة، لو قلت له إن فيها شبهة، يقول لك: لا تدقق، فمن أين أُخذ ؟ من المال كان مأخذه.
أما الشاب في ريعان شبابه وفي مقتبل حياته من أين يؤخذ ؟ يؤخذ من النساء، لذلك أخطر شيء على الشاب، النساء، فقد قال صلّى الله عليه وسلّم:

(( مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً هِيَ أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ ))
[ مسلم عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ]
النساء حبائل الشيطان، اتقوا الله في النساء، هذا ليس تزمُّتاً ولكن مبالغة في الحيطة، فالشاب من هنا يؤخذ، وكثير من الشباب من قبل النساء زلّت أقدامهم، وبالطبع إذا لم تكن المرأة منضبطة فهي شيطانة، شيطانة في ثوب إنسان، لهذا ربنا عزَّ وجل قال:
﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) ﴾
( سورة النور: آية " 2 " )
قدّم الزانية على الزاني لأنّها أقدر على إغرائه من غيره.
هذا درس صلة الرحم، وإن شاء الله الدرس القادم عن حقوق الجار، وبعدها حقوق المعلمين، هكذا يجب أن تربي ابنك على معرفة حقوق الآباء والأمّهات، وحقوق الرحم، وحقوق الجيران، وحقوق المربيّن، هذا جزء من التربية الاجتماعيّة لأولادك، والحقيقة إنّ أبلغ تربية أن تكون أنت في هذا المستوى، عندئذٍ يتعلّم أولادك بالتقليد، فالقدوة هي أفعل طريقة تربويّة، كن أنت قدوةً عندئذٍ يأتمر أولادك بما تفعل.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-08-2018, 08:57 AM   #20


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام





بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام

الدرس : ( الثامن عشر )

الموضوع :التربية الاجتماعية ( 5 ) حق الجار - حق المعلم






الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام مع الدرس الثامن عشر من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولازلنا في مسؤولية الآباء عن تربية أولادهم التربية الاجتماعية وقد بدأنا بمجموعة آدابٍ متعلقةٍ بالأبوين وبالأرحام واليوم ننتقل إلى الآداب المتعلقة بحسن الجوار.

أحاديث من السُّنة الشريفة في حقِّ الجار وحسن الجوار:
يا أيها الأخوة، لا يقبل من الجار أن يكفّ أذاه عن جاره فقط، ولا أن يدفع عنه بيده أو بجاهه أذى غيره، بل يدخل في حسن الجوار أن يجامل الجار بنحو التعزية عند المصيبة، والتهنئة عند الفرح، والعيادة عند المرض، والنصح له وإكرامه.
إذاً كفّ الأذى أن تكف أذاك عن جارك هذا موقف سلبي، أو أن تكُفّ أذى غيرك عنه إما بيدك أو بجاهك هذا أيضاً لا يُعدّ فقط من حسن الجوار، حسن الجوار أن تعزيه إذا أصابته مصيبة، وأن تهنئه إذا أصابه خير، وأن تعوده إذا مرض، أن تقرضه، أن توصله، أن تزوره، أن تبدأه بالسلام، وأن تنصحه في دينه ودنياه، وأن تكرمه، إضافة إلى كفّ الأذى عنه، وكفّ أذى الآخرين بيدك أو بجاهك، هذا مجمل ما يعني حسن الجوار.

(( من أغلق بابه دون جاره مخافةً على أهله وماله فليس ذلك الجار بمؤمن ))
[كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، ‏الخرائطي في مساوي الأخلاق عن ابن عمرو‏‏]
لمجرد أن تخاف من جارك فهذا الجار ليس مؤمناً، الجار المؤمن تأمنه على مالك وعلى عرضك، إذا يوجد خوف أو قلق ففي ذلك مشكلة.
(( من أغلق بابه دون جاره مخافةً على أهله وماله فليس ذلك الجار بمؤمن ))
[كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، ‏الخرائطي في مساوي الأخلاق عن ابن عمرو‏‏]
(( َلَا يَدْخُلُ رَجُلٌ الْجَنَّةَ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ ))
[أحمد عن أنس بن مالك]
قال صلّى الله عليه وسلّم:
أتدرى ماحقّ الجار ؟ إذا استعان بك أعنته، وإن استقرضك أقرضته، وإن افتقر عدت عليه، وإن مرض عدته، وإن أصابه خير هنّأته، وإذا أصابته مصيبةٌ، عزيته، وإذا مات اتبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء فتحجب عنه الريح إلا بإذنه، وإذا اشتريت فاكهةً فأهدِ له منها وإن لم تفعل فأدخلها سراً، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ ولده، ولا تؤذه بقتارِ قدرك إلا أن تغرف له منه. هذا الحديث أصل في الإحسان إلى الجار.
لكنّ الشيء الذي يلفت النظر أن النبي صلّى الله عليه وسلم عدَّ إكرام الجار من لوازم الإيمان:
((مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ))
[ رواه الشيخان عن أبي هريرة ]
الجيران لهم حقوقٌ ثلاثة على تباين:
أيها الأخوة الكرام، الجيران لهم حقوقٌ ثلاثة على تباين، فأيُّ جار ولو كان غير مسلمٍ، ولو كان مجوسياً، له عليك حقُ الجوار، لكنّ الجار المسلم له عليك حقّان حقُّ الجوار وحقُّ الإسلام، لكنّ الجار القريب المسلم له عليك ثلاثة حقوق: حقُّ الجوار وحقُّ الإسلام وحقُّ القرابة.
(( الجيران ثلاثة، جارٌ له حق وهو المشرك، وجار له حقّان وهو المسلم، حقُّ الجوار وحقُّ الإسلام، وجار له ثلاثة حقوق مسلمٌ له رحم، فله حقُّ الجوار والإسلام والرحم ))
[روى الطبراني عن جابر رضي الله عنه]
عبد الله بن عمر رضي الله عنهما يقول مجاهد: كنت عند عبد الله بن عمر وغلامٌ له يسلخ شاةً، فقال: يا غلام إذا سلخت الشاة فابدأ بجارنا اليهودي، حتى قال ذلك مراراً لأني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلم يقول:
(( مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ))
[ متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]
تقول السيدة عائشة: " لا تبالي المرأة إذا نزلت بين بيتين من الأنصار صالحين إلا أن تنزل بين أبويها ".
أي لقدسية الجار، امرأة الجار كأنّها بنت أو أخت، أي إذا الإنسان تجاوز الحد مع أيّةِ امرأة فمع امرأة الجار الإثم مئة ضعف أو ألف ضعف أحاديث بهذا المعنى.
قال: من الإحسان إلى الجار أن تبذل له ما يطلب من نحو النار والماء والملح، وأن تعيره بعض الأواني وحاجات المنزل كالقدر والصفحة والسكين والقدوم والغربال وحمل مفسرون كثيرون قوله تعالى:
﴿ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (7) ﴾
( سورة الماعون آية "7 " )
أي يمنعون هذه الحاجات عن جيرانهم، الحقيقة أن الإنسان الآن أصبح في تدابر وقطيعة، ولكن أحياناً تكون الأسرة منعقدة على الطعام ويلزمهم نصف ليمونة، أو شيء من الحاجات الأساسية بكمية قليلة، أو رغيف من الخبز أحياناً، أو وعاء، فإذا وجدت المودة بين الجيران فلا توجد مشكلة، أحياناً يكون عند الجيران ضيفٌ فتحتاج لطاولة طعام مثلاً.
حق الجار مقدس:
الإنسان إذا كانت علاقاته مع الجيران متماسكة ومتينة جداً هو في بحبوحة كبيرة جداً لأنّ الحياة أخذ وعطاء، دين ووفاء، فإذا الإنسان كانت علاقاته مع الجيران طيبة جداً، أحياناً يضطر يلبس ثيابه ويخرج من المنزل حتى يشتري ليمونة، فهناك أطعمة تحتاج إلى الليمون، وأحياناً يحتاج إلى سلم أو منضدة أو كرسي، جاءه ضيوف أكثر من عدد الكراسي الموجودة لديه فيحتاج إلى كرسيين، إذا كان هناك مودة ومحبة تجدهم متعاونين، أنا أعرف الجيران أحياناً يصبح البيتان بيتاً واحداً إذا كان عنده لازمة أو فرح يفتحون البيتين على بعض.
هذا الدرس في الحقيقة للصغار والكبار، فنحن نتعلّم ككبار مع الصغار، فالدرس عن تربية الأولاد لكننا إذا عرفنا حقوق الجار يمكن أن نلقنها إلى صغارنا.
كان لعبد الله بن المبارك وهو من كبار العارفين بالله جار يهودي، أراد هذا الجار أن يبيع بيته، فقيل له: بكم تبيع البيت ؟ قال: بألفين، قيل له: دارُك لا تساوي إلا ألفاً واحداً فلم طلبت الألفين ؟ قال: صدقتم لكن ألفاً للدار وألفاً لجوار عبد الله بن المبارك.
يريد سعراً عالياً لبيته بسبب جاره، هذا اليهودي جار كريم، طلب ألفاً لبيته وألفاً ثمن جيرة عبد الله بن المبارك، يقولون أُخبر ابن المبارك بذلك، فدعا جاره وأعطاه ثمن الدار وقال: لا تبعها.
لولا ما لقيه اليهودي من ابن المبارك من حسن الخلق وكرم المعاملة لما وقف من بيع الدار هذا الموقف.
رووا أيضاً عن عبد القادر الجزائري رحمه الله تعالى كان له جار مسلم ولكنَّه فقير، اضطر أن يبيع بيته فطلب فيه ثمناً، دفعوا له أقل فغضب قال: والله أنا لا أبيع جيرة الأمير بهذا المبلغ، أيضاً الأمير بلغه ذلك، ودفع لجاره ثمن بيته وقال: ابقَ جارنا.
الجار مقدس، والإنسان إذا كان بينه وبين جيرانه محبة ومودة تجده مطمئِناً، الحياة فيها مخاوف ومفاجآت ومتاعب، الإنسان يضطر أن يسافر أحياناً، وأنا سمعت عدداً من القصص من العجيب.
ابن الجار أصيب بحادث سيارة، والأب مسافر، الجار يعامله كابنه أخذه من مشفى إلى مشفى، ومن طبيب إلى طبيب، فحصه، وصوره، وحلل له كأنّه ابنه، جاء وعطل عمله يومين أو ثلاثة وهو يتنقل بابن جاره من طبيب إلى طبيب، ومن مشفى إلى مشفى، ومن تصوير إلى تحليل، وهو ينفق، هذا هو الجار، جاري مسافر وهذا ابنه وأنا أقرب الناس له، فعندما يسافر الإنسان ويكون له جيران ذوو أخلاق عالية، مؤمنون طيّبون يطمئن فكل الأمور تُحَل في غيبته.

أبواب حسن الجوار:
الحقيقة عندما يكون الإنسان محسناً لجاره فالمكسب معه، فقد دخل في عالم الأمن، عالم الحب، عالم المودة، عالم تبادل المنافع، عالم العطاء.
1ـ أول أبواب حسن الجوار أن تحتمل أذى جارك:
مرة ثانية أحد أبواب حسن الجوار أن تحتمل أذى الجار، أي يجب أن يكون عندك قدرة على امتصاص الإساءات، تجد شخصاً لا يتحمّل فوراً يرد على الإساءة بإساءة، لكنّ المؤمن عنده قدرة اسمها: امتصاص الإساءة، أي أنّ الجار أساء وكأنّه لم يسيء ولكن هذا لا يطيقه إلا مؤمن هدفه إرضاء الله عزَّ وجلَّ، هدفه إرضاء الله، فإذا أخطأ الجار أو تجاوز جهلاً أو خطأً أو غفلةً، فليس عنده هذا الحقد، تجده يمتصّ الإساءات وكأنّها لم تقع، هذا المؤمن، فأولى بنود حسن الجوار كفُّ الأذى عن الجار. 2ـ أعلى درجة في حسن الجوار أن تكف أذى الآخرين عن جارك:
الدرجة الأعلى أن تكُّفَّ عنه أذى الآخرين، فأحياناً يوجد جار آخر سفيه وأنت الجار الأقرب، فرأيت تطاولاً فدافعت عن جارك، أو عملت وساطة، أو أصلحت بينهما، وإذا كنت قوياً تمنع جارك الثاني السيّئ منعاً قطعيّاً.
3ـ الباب الثالث الإحسان إلى الجار:
الباب الثالث الإحسان إلى الجار.
4ـ الباب الرابع تجاوز أخطاء الجار:
الباب الرابع تجاوز أخطاء الجار، فإذا أخطأ فعليك أن تتجاوز عن هذا الخطأ، فإذا أخطأ عن غير قصد فمن باب أولى أن تتجاوز عنه، وإذا أخطأ عن غير قصد واعتذر منك فالأولى أن تعفو عنه.
أصبح هناك خطأ يجب أن تتجاوزه، وخطأ عن غير قصد أولى أن تتجاوزه، وخطأ عن غير قصد مع اعتذار فمن باب أولى أن تتجاوزه وأن تعفو عنه.
الحقيقة أعلى المراتب، أن تحلم على من جهل عليك، وأن تحسن إلى من أساء إليك، وأن تعفو عمن ظلمك، هذه بالكلام سهلة، لكن بعالم الواقع عندما يتلقّى الإنسان إساءة من إنسان يتمنى أن يقطّعه قطعاً، أو أن يحطمه، ويتمنى أن ينتقم منه أشدّ الانتقام، أو يكيل له الصاع عشرة، هكذا النفس البشريّة، فعندما ينتصر الإنسان على نفسه ويعفو عمن أساء إليه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، ويعفو عمن ظلمه، ويحلم على من جهل عليه، هذه مرتبةٌ عاليةٌ جداً وقال العلماء: إنّها مرتبة الصدّيقيّة.
عليك بالإحسان إلى جارك لأن الإحسان يقطع اليد ويقصّ اللسان:
قال الرسول الكريم صلّى الله عليه وسلّم:
(( أمرني ربي بتسع خشية الله في السر والعلانية، كلمة العدل في الغضب والرضا، القصد في الفقر والغنى، وأن أصل من قطعني، وأن أعفو عمن ظلمني، وأن أعطي من حرمني، وأن يكون صمتي فكراً، ونطقي ذكراً، ونظري عبرة ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
بالمناسبة أنت لا تعلم ماذا يعني العفو عن جارك ؟ الإنسان بحكم غريزته وبهيميته يتمنى أن ينتقم، أما لو عفا، أي أنّ أحد وسائل معالجة المسيء أن تعفو عنه أحياناً ممكن بعفوك أن تقرّبه، فسيّدنا عكرمة بن أبي جهل أهدر النبي دمه ولو تعلّق بأستار الكعبة فلمّا طلب منه أن يعفو عنه عفا عنه، صار عكرمة من أقرب الناس لرسول الله ومن أشدّ الصحابة الكرام دفاعاً عن رسول الله، فأنت إذا كان لك جار خصم وتعفو عنه، قد لا تصدّق أنّ هذا الجار المزعج أصبح أقرب الناس إليك.
النبيّ الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم كان عنده قدرة كبيرة جداً أن يجلب إليه الناس، عنده قدرة يصبح بها أعداؤه الألدّاء أشدّ الناس حباً له، فالمؤمن من باب أولى، النبي الكريم عنده هذه القدرة وأنت مؤمن فيجب أن تحاول أن تستجلب الخصوم، ودائماً الإحسان هو الذي يجلب، فالجار السفيه بالإحسان إليه يسكت لسانه، الجار المؤذي الإحسان إليه يقطع يده، الإحسان يقطع اليد ويقصّ اللسان، فالموفّقون والأذكياء في الحياة يصلون إلى مآربهم بأسلوبٍ سهلٍ.
مثلما أخبرتكم من قبل عن سيّدنا معاوية عندما جاءه كتابٌ من عبد الله بن الزبير يقول فيه: أما بعد، يا معاوية إنّ رجالك قد دخلوا أرضي فانههم عن ذلك وإلا كان لي ولك شأنٌ والسلام، بالطبع كان يزيد فيه دم الشباب، فلما قرأ الكتاب قال: أرى أن ترسل له جيشاً أوّله عنده وآخره عندك يأتونك برأسه، ولكن سيّدنا معاوية كتب: أما بعد، لقد وقفت على كتاب ولد حواريّ رسول الله، ولقد ساءني ما ساءه، والدنيا كلُّها هيّنة جنب رضاه، فجاء الجواب: أما بعد، فيا أمير المؤمنين أطال الله بقاءك، ولا أعدمك الرأي الذي أحلّك من قومك هذا المحل.
لاحظ لو كان قد أخذ سيّدنا معاوية برأي ابنه يزيد لحدثت حرب بينهم وقتلى وفتن لسنوات عدّة، وصلح ونقض لوقف إطلاق النار، وإطلاق نار من جديد، وتستمر لسنوات، لكن بهذا الموقف الحليم الذي فيه عفو قص به لسانه، فقط تطاول أولاً بقوله: أما بعد، يا معاوية، أما بعد ذلك قال: أما بعد، فيا أمير المؤمنين. فقد اختلف الكلام.
على الإنسان أن يجنح إلى العفو بدلاً من الانتقام:
أنت بالإحسان بإمكانك أن تقُصّ اللسان، مجازاً، وأن تقطع اليد بالإحسان.
((ألا أدلُّكم على ما يرفع الله به الدرجات. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: تحلم على من جهل عليك، وتعفو على من ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك ))
[روى البزّار والطبراني عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه ‏‏]
حدثني أخ من أخواننا الكرام يسكن في بلدة بعيدة عن دمشق عن حادث قتل بين أسرتين، وتفاقم الحادث إلى قتل مقابل أخذاً بالثأر، وتهيّأ الطرف الثاني للأخذ بالثأر، وهذه العملية سلسلة لا تنتهي فقد تستمر عشرين سنة أو ثلاثين سنة، فحضر الأخ إلى الشام واستمع لخطبة وموضوعها كان عن العفو وهي من الخطب الموفّقة، فاستمع لهذا الشيء فتأثّر، فأخذ شريط الخطبة إلى بلده وأسمعه للطرفين، فما كان من الطرف المعتدي إلا أن ذهب إلى المعتدى عليه مستسمحاً ومعه هدايا وتم الصلح بين الأسرتين، وانتهت سلسلة القتل والأخذ بالثأر، ومن شدّة فرحه اشترى عدداً كبيراً من هذه الأشرطة وقام بتوزيعها في حمص بلا مقابل، نظير أن يحل العفو محل الانتقام.
العنف لا يأتي إلا بالعنف، العنف طريق مسدود، فبعد عشرين سنة من العنف تخلّفنا مئة سنة، السِنون إلى الخلف ولا غالب أو مغلوب، فمن استفاد ؟ العدو.
لذلك موضوع العفو هام، فأحياناً بالعفو تبني أمّة، وبالعفو تؤسس وحدة وطنية، العفو شيء مهم جداً، فأنا أتمنى أن يجنح الإنسان إلى العفو بدلاً من الانتقام.
الانتقام يكون قد قرّب صاحبه من بهيميته، أمّا بالعفو قربه من إنسانيته، بالانتقام يصغر، أمّا بالعفو يكبر، بالانتقام يتفجر الشر، أمّا بالعفو ينطوي الشر، الشر يتفاقم بالانتقام أمّا بالعفو يتلاشى، بالانتقام تبتعد عن الله أمّا بالعفو تتقرب من الله، بالانتقام تشعر بالقلق لكن بالعفو تشعر بالأمن، فالعفو من نتائجه الأمن والطمأنينة والمحبة، وانقطاع الشر وإحلال الخير مكان الشر، طبعاً أصل هذا المعنى قوله تعالى:
﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) ﴾
( سورة فصلت: آية " 34 " )
التربية لا تنجح إلا إذا اجتمع التوجيه النظري مع التطبيق العملي:
قال: أنت إذا ملكت نفسك عند الغضب تصبح أقوى الأقوياء، تجد أشخاصاً كثر تتفلت أنفسهم عند الغضب، ويرتكب الشخص منهم حماقات، وبعد الحماقات يضطر إلى أن يعتذر، كان بمرتبة عالية، فتحامق فأصبح بحاجة إلى أن يتذلل أمام الأقوياء، أقول لمثل هذا الإنسان أنت لا تطلع ولا تنزل، لك مستوى لو لم تتجاوزه إلى أعلى وانتقمت وتوعدت وبطشت، الآن كنت في غنى عن هذا الذل الذي وقفته أمام فلان.
أعرف شخصاً في ساعة غضب تكلّم بكلام من دون تفكير وبالطبع سيدفع الثمن باهظاً، فوقف أمام إنسان كأنّه طفل يرجوه وبكى أمامه، وقد كنت حاضراً فقلت: كان يغنيه لو تعقّل أن لا يتجاوز قدره والآن كان يغنيه أن لا يذل نفسه، لو استعمل عقله ما كان تجاوز قدره، ولو استعمل عقله ما كان وقف هذا الموقف الذليل.
لاحظت أن أكثر الناس المتسرعين يطلع وينزل، يتجاوز قدره، ثمّ يقف موقفاً أقل من قدره بكثير لذلك: رحم الله عبداً عرف حدّه فوقف عنده.
أيها الأخوة، حقوق الجار يجب أن تلقّن للصغار تلقيناً، ومع التلقين يجب أن يراها الصغير عمليّاً، التربية لا تنجح ولا تكون ذات تأثير بليغ إلا إذا اجتمع التوجيه النظري مع التطبيق العملي، فالابن الصغير يقول له الأب: يا بني الجار له حق كبير، النبي أوصانا بالجار.
(( مَا زَالَ يُوصِينِي جِبْرِيلُ بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ ))
[ متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]
لكن الابن عندما يرى في اليوم التالي والده يسلّم على الجار ويعوده إذا مرض، ويعزّيه إذا أصابته مشكلة، ويشيّع جنازته، ويقدّم له بعض الطعام أحياناً، وإذا طرق الباب يريد شيئاً أو حاجةً أعطاها له على الفور، فأصبح درساً نظرياً ودرساً عملياً.
إذا أردت لابنك الصغير أن ينشأ على توقير الجار فلقنه مبادئ حسن الجوار، وأره من سلوكك ما يؤكّد هذه المبادئ.
احترام المعلّم حضارة وعدم احترامه تخلّف:
ننتقل إلى حقٍ آخر من الحقوق التي ينبغي أن تلقّن للصغار وهو حقُّ المعلّم، كلُّكم يعلم أنّه قبل عشرين أو ثلاثين سنة كان المعلّم إنساناً مقدّساً في الحياة، وتقديس المعلّم كان من نتائجه خير عميم، فلا يوجد أحد من هذا الجيل الذي نعيشه إلا وله أساتذة كبار أخلاقيّون، مرشدون، ناصحون، ورعون، فالأستاذ له مكانة كبيرة، ولكن حينما تزلزلت هذه المكانة وتضعضعت، وحينما تجرّأ الصغار على المعلّم انتهى بذلك التعليم.
أنا أقول: ما من شيءٍ يشُلّ التعليم كأن تهدر كرامة المعلّم، أو أن نسمح لطفلٍ أو لطالبٍ أن يتجاوز حدّه مع معلّمه.
قد سمعت أنّه في بعض البلدان إذا طفل تجاوز حدّه مع معلّمه هذا سجّل في صحيفته، وتنتقل هذه الصحيفة من مدرسة إلى أُخرى، ومن مرحلة إلى أخرى، ترافقه طوال حياته، ويبنى على هذه الصحيفة قبوله أو رفضه في المدارس الأُخرى، أي أنّه شيء خطيراً جداً أن يسيء الطالب إلى معلّمه فثبت ذلك في صحيفته، وانتقل معه من مدرسة إلى مدرسة، ومن مرحلة إلى مرحلة، وكلّما طلب طلباً للانتساب إلى مدرسة أو معهد طُلب فيه صحيفة أعماله، فإذا كتب فيها إساءات يرفض.
ليس من صالح أحد أن تهدر كرامة المعلّم، بل ليس من صالح التعليم كلّه، ولا من صالح الأمّة، ولا من صالح جيلها الصاعد أن تهدر كرامة المعلّم، لذلك احترام المعلّم حضارة، وعدم احترامه تخلّف.
سمعت أنّه بألمانيا في الاحتفالات الرسميّة إذا وجد معلّم وعمدة البلدة فالمعلم يقدّم في كلّ شيء على عمدة البلدة، أي يوجد منصبان في هذه القرية، المعلم وعمدة القرية، والمعلّم مقدمٌ دائماً على العمدة، وفي هذا البلد ـ فيما سمعت ـ وفي أي مستوى إذا تواجد رئيس البلد ورئيس جامعة رئيس الجامعة مقدّم في التكريم على رئيس البلد، لأنّ العلم أساس التقدّم، وتكريم المعلّم حضارة، وعدم تكريمه تخلُّف، وليس من صالح أحد أن يساء للمعلّم لأن ابنك عنده.

النبي الكريم نفى انتماء من لا يعرف للعالِم حقه لأُمّته:
الآن سأنصحكم نصيحة لا أحد من الآباء يقوم بعمل بطولة أمام ابنه على المعلم، كأن يقول لابنه: معلّمك لا يفهم ؟ ما هذه الكلمة ؟ هذه كلمة كبيرة جداً أمام ابنك هذا معلّمه.
الأب العاقل لو شاهد أخطاء من معلّم ابنه يمتصُّها، ويبرّرها، ويغطيها، لكن لا يتجاوز حدّه مع المعلّم فهو يعد بالنسبة له أكبر كيان.
أقول لكم: إذا أردنا أن نبني أمّةً فلا يوجد طريق إلا أن نبدأ من التعليم، لأن هذا الجيل الصغير مستقبل الأمّة به، وهذا الجيل من يعلّمه ؟! فالمعلم الضائع، والمقهور، والذليل، والجاهل، هذا لا يُعلِّم، ففاقد الشيء لا يعطيه، لذلك مهما بذلنا من أجل إكرام المعلّم فالإكرام استثمار وليس هدراً لأنّه يعود بالنتيجة على سائر الأمة.
اسمعوا أيها الأخوة ماذا قال النبيّ عليه الصلاة والسلام في حقّ المعلّم:

(( ليس من أُمّتي من لم يجلّ كبيرنا، ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقّه ))
[أخرج الإمام أحمد عن عبادة مرفوعاً]
ليس من أمّتي، أي أنّ النبي عليه الصلاة والسلام نفى انتماء هذا الإنسان لأُمّة محمد، الذي لا يعرف لعالمنا حقّه، طبعاً المعلّم الذي يعلّمك.
(( تعلّموا العلم، وتعلّموا للعلم السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تتعلّمون منه))
[ روى الطبراني في الكبير عن أبي أُمامة ]
أي أن المعلّم يقدّم روحه، وكلّ خبراته، وكلّ طاقاته، وكلّ وقته، إذا وجد من الطالب الاستجابة والاحترام والتقدير والأدب، لكن لو تجاوز الحد معه بالمزاح أو الضحك أو بكلمة فيها تعليقٌ لاذعٌ فقد جرحته فلن يستطيع أن يعطيك شيئاً لأنّه بشر. إنّ المعلّم والطبيب كلاهما لا ينفعان أبداً ما لم يكرم
***
أي بإكرام المعلم أعطيته حافزاً لأن يعطيك كلّ ما عنده من علم.
أنا سابقاً كنت مديراً لمدرسة ثانويّة، وكان عندي مدرّسٌ للعلوم الطبيعيّة ومتفوّقٌ جداً في التدريس، في أحد المرّات تأخر ساعة لأسباب قاهرة، ومعنى ذلك ستشطب هذه الساعة من دوامه ويقابل هذا تأخير ترفيعه شهراً على مدى الحياة، وهو معلّمٌ مخلصٌ ومتفوقٌ ويقدم الشيء الكثير للطلاب، فطلب إجازة صحيّة لتغطية هذا الغياب أمامي، فقلت له: لا أراك مريضاً، فوقّع الساعة وكأنّك حضرتها وكأن شيئاً لم يحدث على الإطلاق، والله أيُّها الأخوة أعطى هذا المعلم أكثر من ثلاثين ساعة إضافيّة بعد الدوام حباً وكرامة، فقد وجدها كبيرة، فقد كان من الممكن أن يتأخر ترفيعه بسبب هذا الغياب.

على الأب أن يوفّق بين ضجر الابن وبين توجيهات المعلّم:
إكرام المعلّم من مصلحة الأمّة، وتوفير حقوقه، وراحته، وكرامته، أنا لا أقول لكم أن تصدروا تشريعات فنحن مواطنون، ولكنّي أقول لك كأب أن لا تحاول أن تهين معلّم ابنك أمام ابنك، لا تحاول أن تتكلّم عنه كلاماً يهينه، أو أن تتأفف من مطالبه، فهذا المعلّم رمز للعطاء، فإن وجدت أخطاءً فيجب عليك أن تغطيها بطريقة ذكيّة جداً، بأن توفّق بين ضجر الابن وبين توجيهات المعلّم.
(( تعلّموا العلم، وتعلّموا للعلم السكينة والوقار، وتواضعوا لمن تتعلّمون منه))
[ روى الطبراني في الكبير عن أبي أُمامة ]
(( ثلاثةٌ لا يستخفّ بهم إلا منافق ؛ ذو الشيبة في الإسلام، وذو العلم، وإمامٌ مقسط ))
[ روى الطبراني في الكبير عن أبي أُمامة ]
أي أنّ المعلم لا يستخفّ به إلا منافق، لأنّه يقدّم القيم والمعلومات، وهو يقدّم روح الأمّة.
(( اللهم لا يدركني زمانٌ لا يُتبعُ فيه العليم، ولا يُستحيى فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب ))
[ روى أحمد عن سهل بن سعد الساعدي]
أرأيت إلى هذا الوصف الدقيق، العليم لا يُتّبع، والحليم لا يُستحيى منه، الآن تجد أحياناً طفلاً صغيراً إذا وجد رجلاً وقوراً ماشياً فيقوم بتقليده، أو يسلّم عليه سلاماً فيه استهزاء، وإذا كان ذا بصر ضعيف يحاول أن يزعجه، فالابن غير المربى كالوحش، أما إذا كان مربّى فتجده مؤدباً ويقدّم الكبير، أحياناً تجد بالسيارة العامّة طفلاً صغيراً جالساً على المقعد لا يتجاوز وزنه الثلاثين كيلو ورجلاً كبيراً في السن ويحمل في يديه أشياء فيتركه واقفاً دون أن يهمّه ذلك الأمر.
أنا عندما أرى شاباً يجلس في مكانٍ مريحٍ وجاء أخ أكبر منه سناً فوضعه في محله يكبر هذا الشاب بعيني كثيراً، إني أحب الأدب.
ذات مرّة كان يجلس سيّدنا رسول الله ويجلس سيّدنا علي على يمينه، فجاء سيّدنا الصدِّيق فقام له سيّدنا علي، فقال النبي:
(( إنما يعرف الفضل لأهل الفضلِ ذو الفضل.))
[ رواه الخطيب عن أنس مرفوعاً ]
أثنى عليهما جميعاً.
أحياناً تجد شاباً إذا رأى شخصاً يحمل أغراضاً كثيرة يحملها عنه ويعاونه فيها، فالشاب المربّى لا يقدّر بثمن، يحترم الكبير، والمعلّم، ويحترم ذا الشيبة في الإسلام، أما تجاوز الحدود والسفاهة والتهكُّم والكلام بصوتٍ مرتفع قال عنه النبي الكريم:
(( اللهم لا يدركني زمانٌ لا يُتبعُ فيه العليم، ولا يُستحيى فيه من الحليم، قلوبهم قلوب الأعاجم وألسنتهم ألسنة العرب ))
[ روى أحمد عن سهل بن سعد الساعدي]
مواقف لبعض العلماء من أساتذتهم:
كان عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري:
(( النبي صلى الله عليه و سلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد ثم يقول أيهما أكثر أخذا للقرآن فإن أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد ))
[رواه البخاري عن أبي هريرة ]
أي أن تكريم العلم حتّى في أثناء الدفن، الاثنان شهيدان وسيدفنان في قبرٍ واحدٍ، فيقول النبي: أيُّهما أكثر حفظاً لكتاب الله فقدموه، فحتى في أثناء الدفن كان معيار العلم هو الذي يؤخذ به.
الإمام الشافعي كان يوقّر أستاذه كثيراً فلمّا عوتب على تواضعه قال:
أُهين لهم نفسي فهم يكرمونها ولم تكرم النفس التي لا تُهينه
***
ألاحظ في كثير من الاحتفالات والموالد تجد عالماً جليلاً قبّل يد أستاذه، هذا الشيء يرفع مقامه عند الناس، تجد له لفّة وعمامة وجبّة وهو خطيب مسجد مشهور، ودخل أستاذه الذي علّمه فتجده يضعه في محلّه ويحترمه احتراماً بالغاً ويوقره في الكلام، فلا زلنا بخير إذا وقّرنا كبيرنا ورحمنا صغيرنا وعرفنا لعلمائنا حقّهم.
يقولون إنّ ابن عبّاس رضي الله عنه على جلالة قدره وعلوّ منزلته أخذ بركاب زيد بن ثابت الأنصاري، فلما قيل له: أتفعل هذا وأنت ابن عمّ رسول الله ؟ قال: هكذا أُمرنا أن نفعل بعلمائنا.
الركاب: مكان يصعد به على الدابة، فأمسك الركاب وقدّمه لزيد بن ثابت الأنصاري، وهو ابن عبّاس ابن عمّ رسول الله، هذه القصص ينبغي أن تلقّن للصغار حتى يحترموا معلّميهم، وفي احترام المعلّم نجاحٌ للتعليم.
الإمام أحمد بن حنبل قال لخلف الأحمر: لا أقعد إلا بين يديك، أُمرنا أن نتواضع لمن نتعلّم منه.
الإمام أحمد بن حنبل العالم الجليل، الفقيه الكبير، المجتهد بل أحد أربع كبار المجتهدين، يقول لأستاذه خلف الأحمر: لا أقعد إلا بين يديك، أُمرنا أن نتواضع لمن نتعلّم منه.
الإمام الغزالي يقول: لا ينال العلم إلا بالتواضع وإلقاء السمع، العلم نفيس.
الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحاً رقيقاً هيبةً لئلا يسمع وقعها.
أحياناً تجد طالباً يقلّب الصفحات بصوت مسموع وعالٍ، وتجد طالباً آخر يقلّبها دون أن تسمع لها صوتاً أو جلبةً فهذا هو الأدب، وكان أدب الإمام الشافعي مع أستاذه بهذه الطريقة، فتقليب الصفحة بصوت مرتفع فيه إساءة، من الممكن أن تقلّب صفحات كتاب صفحة صَفحة دون أن تحدث صوتاً أو جلبةً.

الإنصات الكامل أهم شرط لإلقاء درس:
أحياناً تجد الطلاّب إذا قال لهم أستاذهم: ضعوا الكتب على الطاولات يلقوه بقوّة فيخرج صوتٌ مرعبٌ، لعدم الأدب فهو يريد شيئاً يتجاوز فيه الحد.
يقول الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليّ هيبةً له.
أحياناً أحضر عقد قران، تجد المتكلّم يتكلّم وهم يجمعون صحون الضيافة مع صوت لا يحتمل، أو يصبون القهوة، وأحياناً وأثناء إلقاء الكلمة يتشاجرون ويرفعون أصواتهم، فهذا منتهى سوء الأدب، ما دام هناك إلقاء كلمة فيجب أن لا يكون تقديم للقهوة، ولا توزيع للماء، ولا توزيع للطعام، لأنّ القاعدة: لا يجتمع درسٌ وضرس، أي إما أكل وإما سماع، إذا لم يكن الإنصات كاملاً للخطيب فلا يكون إلقاء درس.
في الحقيقة المتكلّم إذا وجد تشويشاً وجلبة وتوزيع قهوة وماءً وتقديماً للطعام وجمعاً للصحون فقد ذهبت أفكاره كلّها، وكذلك ذهبت معنويّاته كلّها، وكذلك إبداعه، فإذا دعاك أحد إلى إلقاء كلمة فإيّاك أن تلقيها إلا وهناك إنصات تام، وإلا تفقد أربع أخماس قدراتك، وتفشل بالكلمة، وكلّ ذلك من سوء الأدب.
قيل مرّة إن أحد أولاد الخليفة المهدي حضر عند أستاذه شريك، فابن الخليفة استند إلى الحائط وسأل أستاذه سؤالاً، فلم يجبه عليه أبداً ولا التفت إليه، فعاد فسأله مرّة ثانية فما أجابه ولا التفت إليه، فقال: أتستخفُّ بأولاد الخلفاء هذا الاستخفاف ؟! أي معقول، لا تجاوبني ولا تنظر إلي ؟ قال: لا، ولكنّ العلم أجلُّ عند الله من أن أُضيّعه.
أي ما دمت آخذاً لراحتك فلن أجيبك، أنا والله يلفت نظري أحياناً أنه اللهمّ صلِّ عليه ما رُئي مادّاً رجليه قط، وهو سيّد العالمين، أحياناً تجد إنساناً ماداً لرجليه في الجامع من دون عذر، فلو كان بعذر فلا أتكلّم شيئاً، فالعذر على العين والرأس، والمعذور لا أحد يتكلّم به، أحياناً يكون عنده التهاب مفاصل، أو تكلُّس للمفاصل، أو حالات معيّنة، أو آلام بالفقرات فيحتاج إلى جدار ليسند نفسه، فهذا الموضوع لا دخل لنا فيه.
أنا أتكلّم عن إنسان لا يوجد به شيء على الإطلاق، ويحاول أن يجلس جلسة غير أديبة وفيها راحةٌ تامّة وبعد ذلك تجده قد غفل، ثم كبا على وجهه، ثمّ يعلو شخيره، أي على ثلاث مراحل، إذا جلسة مريحة يصاحبها نوم، وإذا كان النوم مريحاً يصاحبه الشخير.
ينبغي على الطالب أن يدعو لأستاذه ويُتأدّب بآدابه باعتباره الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة:
قيل: ينبغي أن لا يخاطب المعلّم بكاف الخطاب أو تاء الخطاب، كأن يقول: قلت لك، أو بدك الوظيفة، بل ينادى بـ: يا معلّمي ويا سيّدي ويا أستاذي.
أن لا يذكر اسم معلّمه بالذات في غيبته إلا مقروناً بما يُشعِر بالإجلال والتوقير كأن يقول: قال معلِّمنا، قال أستاذنا.
أحد الأشخاص من مصر وهو صاحب شركة ومسلم سأل أحد الأخوة الأصدقاء قائلاً: أين قبر محمد ؟ فقال له: من محمد ؟ قال له: النبي، فرد عليه قائلاً: إنه بمكة وليس بمصر !
شخص مسلم لا يعرف أين قبر النبيّ، ويقول: قبر محمد، نحن والله يوجد عندنا أدبٌ رفيعٌ نقول: سيّدنا محمد، وليس محمد فقط، هكذا المؤمن كلّما ازداد إيمانك ازداد أدبك.
قيل: ينبغي للطالب أن يدعو لأستاذه مدّة حياته كأن يقول: جزاه الله عنّا خيراً، ويرعى ذريّته وأقاربه من بعده وأهل ودّه، ويعتمد زيارة قبره، والاستغفار له، والصدقة عنه في كلِّ فرصةٍ سانحة، ويراعى في العلم والدين والأخلاق عادته، ويُقتدى بحركاته وسكناته، ويُتأدّب بآدابه باعتباره الأسوة الحسنة والقدوة الصالحة.
لكن توجد حالة نادرة، فأحياناً تجد معلّماً عصبي المزاج، فهو مخلص وعالم ولكنّه عصبي، فماذا يفعل المتعلّم ؟؟ هل يرفض المعلّم ؟ العصبيّة نقص في الإنسان، يضيق ذرعاً بالسؤال على الفور فقيل في ذلك: ينبغي على المتعلّم أن يصبر على سوء خلق معلمه وجفوته.
ليس معنى سوء خلق بهذا المعنى الدقيق، لكنّه يكون ذا نمط عصبي المزاج، يضيق ذرعاً ببعض الأسئلة، فإذا كنت تستفيد من المعلّم فتحمّل بعض طباعه التي لا تروق لك، هذه من آداب المتعلّم، أن يصبر على بعض طباع معلّمه.
مما ينقل عن بعض السلف: من لم يصبر على التعليم بقي عمره في عماية الجهالة، ومن صبر عليه آل أمره إلى عزَّ الدنيا والآخرة.
ابن عباس يقول: ذُللت طالباً فعُزِّزت معلّماً.
قيل لسفيان بن عيينة: إنّ قومك يأتونك من أقطار الأرض تغضب عليهم يوشك أن يذهبوا ويتركوك ؟! فقال للقائل: هم حمقى إذا هم تركوا ما ينفعهم لسوء خلقي.
طبعاً في هذا الكلام مبالغة، من المستحيل أن يكون الإنسان عالماً وسيّئ الخلق، لكنني أقول: عالم عصبي المزاج، بعض العلماء عندهم عصبيّة فتجده يثور سريعاً، فإذا كان عالم جليل ويفيد وهو مخلص وأنت لك مصلحة عنده فتحمّله، لكن الأكمل أن يجمع الإنسان بين حسن الخلق وبين عمق العلم، وكلّ هذا الكلام يجب أن يعلّم للصغار حتى يتأدّبوا مع معلّميهم.

من آداب المتعلم:
قال: كذلك على المتعلّم أن يكون متجنّباً في حضرة معلّمه كلّ ما يخلّ بوقاره وينافي الأدب والحياء، فلا ينبغي أن ينظُر إليه أي يبحلق لمعلمه ولا يستحي، فمن شدّ نظره إلى معلّمه فقد ساء أدبه، وألا يعبث بيديه، أو رجليه، أو غيرهما من أعضائه، وألا يعبث بيده في أنفه، وألا يفتح فاه، وألا يقرع سنّه، وألا يضرب الأرض براحته أو يخطّ عليها بأصابعه، وألا يشبّك بيديه، أو يلعب بأزراره، أو يتكلّم مع جاره، وألا يتكلم ما يضحك بغير سببٍ فإذا غلبه تبسُّماً تبسّم من غير صوتٍ، وألا يكثر التنحنح من غير حاجةٍ، وإذا اضطر إلى العطاس فليخفض صوت عطاسه ما استطاع، ولا يضطرب لضجّةٍ، فلو فرضنا الدرس منعقد والناس كلّهم أبصارهم عند المعلّم، فلو حدث صوت تجد الكل ينظرون لمكان الصوت، وإذا حدث صوت ثانٍ من جهة أخرى لتحوّلوا إليه كذلك، معنى ذلك أنهم ليسوا ملتفتين للدرس، فمن تمام أدب الاستماع انصرافك للمعلّم وتشاغُلُك عن كلّ ضجيج أو اضطراب خارجي، وإذا اضطر إلى العطاس: تجد البعض يعطي العطسة أقصى مدى، فيرعب الحضور، كذلك يوجد فرق بي عطاس وعطاس، يوجد عطاس مع كاتم للصوت، وعطاس مع مكبّر للصوت، وإذا تثاءب وضع يده على فمه.
ماذا قال سيّدنا علي عن آداب المتعلّم ؟؟ قال: من حقِّ العالِم عليك أن تسلّم على القوم عامّةً وأن تخصّ المعلّم بالتحيّة خاصّة، وأن تجلس أمامه، وألا تشير عنده بيديك، وألا تغمز بعينيك، وألا تقول: قال فلان خلاف ما تقول، ولا تغتابنّ عنده أحداً، ولا تطلبنّ عثرته، وإن زلّ قبلت معذرته، وعليك أن توقّره لله تعالى، وإن كانت له حاجة سبقت القوم إلى خدمته، ولا تسارر أحداً في مجلسه، وألا تأخذ بثوبه، وألا تلِحّ عليه إذا اعتذر، وألا تشبع من طول صحبته فإنما هو كالنخلة تنتظر متى يسقط عليك منها شيء.

على الطالب أن يدخل على معلّمه كامل الهيئة متطهّر البدن نظيف الثياب:
يجب ألا تقول: قال فلان خلاف ما يقول، بعض طلاب العلم يترنمون فيها فقد يسمع فكرة فيقول: سيدي فلان قال عكس ما قلت، والله شيء يحيّر، يترنّم بعمل مشكلة، ويأتي بقول مخالف وفلان قال وذكر اسمه، وقد أعجبني عالم من علماء حمص الشهيرين أنّه إذا سُئل وقيل له: إنّ فلاناً قال كذا فلا يجيب السائل، ويقول له: لو قلت لي ما قولك في الفكرة الفلانيّة أجيبك أما وقد عزيتها إلى فلان لن أجيبك، حتى لا تكون فتنة، سيدي: فلان أفتى بكذا فما قولك في ذلك ؟ فلن أتكلم بأي كلمة، ولكن قل لي: ما قولك في ستر الوجه مثلاً ؟ فأقول لك الحكم الشرعي. أمّا أنت تذكر لي فلاناً وهكذا أفتى وما هو قولك ؟ فبذلك تعمل فتنة بيني وبينه. إن تكلّمت بخلافه فستقول له: سيدي فلان لم يعتبر فتواك فقد تكلّم بعكس ما قلت فتحدث الفتنة.
يجب ألا تسارر أحداً في مجلسه: وهو جالس نعطف أنت على صديقك أو على من يجلس بجوارك وتهمس في أُذنه، وبعد ذلك تتبسمان معاً، ماذا تكلموا بينهم لكي يتبسّما، إذا كان أحد يتكلّم واثنان تهامسا وتبسّما يظن أنهما يضحكان عليه فيتألّم، وقد يكون هذا ليس له علاقة بالموضوع كأن يكون قد سأله سؤالاً أو ذكّره بقضيّة فتبسّما، ولكن المتكلّم يكون حساساً فماذا يظن ؟ يظن أنّ الهمس عليه.
ينبغي أن يدخل على معلّمه كامل الهيئة متطهّر البدن نظيف الثياب، ولا سيّما إذا قصد مجلس العلم فإنّه مجلس ذكر واجتماع وعبادة.
قيل أن ابن عبّاس رضي الله عنه كان يجلس في طلب العلم على باب زيد بن ثابت حتى يستيقظ، فيقال له: ألا نوقظه لك ؟ فيقول: لا، وربما طال مقامه وقرعته الشمس قال: كذلك كان السلف يفعلون.
والله أحياناً أناس يتصلون بي في الساعة الواحدة والنصف ليلاً سؤالاً عاديّاً فما هذا ألا أنام ؟!! بأي وقت تتصل وبكل بساطة يطرق الباب، يقولون له: إنه نائم، فيقول: أيقظوه لنا. هذا الشيء غريب ويقع.
قال عطاء: إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه، فأُريه من نفسي أني لا أُحسن منه شيئاً، وقال عنه: إنّ الشاب ليتحدّث بحديثٍ فأسمع له كأني لم أسمعه ولقد سمعته قبل أن يولد.
أحياناً تعاد قصّة مرتين فيقول: هذه القصّة سمعناها، أنت سمعتها وغيرك لم يسمعها فهذا الدرس درس عام، فلا تكن شديد المحاسبة، السماع سهل والتكلُّم صعب.

أقوال في الأدب:
إنّ الشاب ليتحدّث بحديثٍ فأسمع له كأني لم أسمعه ولقد سمعته قبل أن يولد، أحياناً شاب يحدّثك بحديث فالإصغاء أدب فلا تقل له: هذه نعرفها، يصغي له وكأنّه لا يعرفه، أبو تمام له وصف دقيق يقول:
مـن لي بإنسانٍ إذا أغضبته وجهلت كان الحلم ردّ جوابه
وإذا طربت إلى المُدام شربته من أخلاقه وسكرت من آدابه
وتراه يصغي للحديث بسمعه وبقلبه ولعلّــــه أدرى به

***
آخر شيء نختم به الدرس، قال بعض السلف، قال الحبيب بن الشهيد لابنه: يا بني اصحب الفقهاء والعلماء وتعلّم منهم، وخذ من أدبهم، فإنّ ذلك أحبُّ إليّ من كثيرٍ من الحديث.
قال آخر لطالبٍ عن الأدب: نحن إلى كثيرٍ من الأدب أحوج إلى كثيرٍ من العلم.
كما قال بعض السلف: يا بني، لأن تتعلّم باباً من الأدب أحبُّ إليّ من أن تتعلّم سبعين باباً من أبواب العلم.
قال ابن سيرين: كان أصحاب النبي يتعلّمون الهدى والسمت الحسن كما يتعلّمون العلم.

الملحد والمبتدع لا يكرّم ولا يحترم ولا يلقى له بال:
الأدب قبل العلم، إلا أنّه قيل: إنّ المعلمين الملحدين والمربّين الذين لا دين لهم هؤلاء ليس لهم مكانة في القلوب إطلاقاً، معلّم ملحد أو لا ديني يقوم ببث الرذيلة، والاختلاط، والانحراف، هذا المعلّم لا يخضع لهذه المقاييس أبداً، فالحديث عن معلّم مؤمن ذي رسالة ينصح الأمّة ويقدّم لها الآداب الراقية ويبُثُّ الإيمان في قلوب أبنائها، أما الذي يخرّب القيم والمبادئ ويبُثُّ الإلحاد هذا لا ينبغي أن يحترم، بل بالعكس ينبغي أن يقاوم حتى يقف عند حدّه.
أحد المعلّمين قال: أين الله ؟!! فما دمنا لم نره فليس موجوداً، فقال له طالب: أين عقلك ؟ ما دمنا لم نره فليس موجوداً، فإذا تجرّأ المعلّم على بثّ الإلحاد فلا مانع لديك معك رخصة أن تردّ عليه بالمثل وأقوى منه عندئذٍ تغضب لله، فالمعلّم الملحد ليس له قيمة ولا شأن إطلاقاً، ولا يستحقّ الاحترام، ويجب أن يلقى الإهانة حتى يتراجع، باحترامك له تكون قد عززته، وكلّ إنسان مبتدع لو كرّمته تكون بذلك تدعم ابتداعه وإلحاده، فالملحد والمبتدع لا يكرّم ولا يحترم ولا يلقى له بال ولا ينبغي أن تسكت على خطئه.
إذا بثّ إنسان فكرة غير صائبة فوجد الطلاب قد هجموا عليه فيتلملم وليتحجم، أما إذا بثّ فكرةً غير صائبة والكل صامتون فسيتجاوز حدّه، كلّ شيء قلته عن التعليم والمعلّم لا ينطبق على معلّمٍ ملحدٍ يبُثُّ الفكر الإلحادي بين الطلاب، ولا على مدرّسة تشجع الاختلاط والفسق والفجور، لأنّ هذا الكلام لا يعقل.







والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
التربية, الإسلام, الإسلامية, تربيةالأولاد, في


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 12 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 12 )
 

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التربية الإسلامية تسهم في تنمية القيم الروحية منال نور الهدى رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 2 11-03-2018 09:55 AM
التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 12 09-22-2018 08:42 PM
التربية الإسلامية - الموت السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 5 09-06-2018 08:30 PM
التربية الاسلامية - مدارج السالكين السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 101 07-21-2018 03:54 PM
التربية الإسلامية -علم القلوب السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 54 07-18-2018 11:42 AM


الساعة الآن 05:17 AM