التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول - الصفحة 6 - منتديات رياض الأنس
  التسجيل   التعليمات   التقويم   البحث   مشاركات اليوم   اجعل كافة الأقسام مقروءة

سَمَاءُ الأُنسِ تُمطِر حَرْفًا تُسْقِي أرْضَهَا كلِمة رَاقِيَة وبِـ قَافِيَة مَوزُونَة و نبْضُ حرْفِ يُفجِّرُ ينَابِيع الفِكْرِ سَلسَبِيلًا، كُن مَع الأُنِسِ تُظِلُّ بوارِفِ أبجدِيَتِهَا خُضْرَة ونُظْرَة وبُشْرَى لـ فنِّ الأدبِ و مَحَابِرَهُ. وأعزِف لحنًا وقَاسِم النَاي بِروحَانِيَة وسُمُوِ الشُعُورَ و أَرْسُم إبْدَاعًا بِـ أَلْوَانٍ شَتَّى تُحْيِ النَفْسَ بِـ شَهقَةِ الفَنِّ نُورًا وسًرُورَا كَلِمةُ الإِدَارَة




جديد المواضيع


رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة)

الإهداءات
منال نور الهدى : الإستغفار : سعادة لقلبك ، وغذاء لروحك ، وصفاء لعقلك ، و بركة في مالك ، و صلاح في نفسك و ذريتك ، ورضا من ربك ، فلا تغفل عنه ! منال نور الهدى : لآ نَملُك إختِيَار ﺍﻷقَدار ..! لَكننَا قَريبُونْ مَن صَاحبّ ﺍﻷقَدار رَبي ﺃحسَن أقَدارنَا وَزدَها رضاً برحمتك منال نور الهدى : إن كنت حُرمت من بعض النِعم فقد صُرف عنك أضعافها من النِقم فاحمد الله على كل حال ..

إضافة رد
نسخ الرابط
نسخ للمنتديات
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
قديم 07-14-2018, 08:17 AM   #51


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( التاسع و الاربعون )

الموضوع : مفهوم الزهد





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الزهد :
أيها الأخوة الكرام، مع درسٍ جديد وموضوعٍ جديد من دروس: "سبل الوصول وعلامات القبول"، إنه موضوع "الزهدِ".
آياتٌ كثيرةٌ جداً وردت في الزهد من حيث المضمون، أما من حيث اللفظ فليس في القرآن الكريم إلا آية واحدة، هي قوله تعالى في معرض الحديث عن سيدنا يوسف:
﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ﴾
[سورة يوسف ]
من حيث اللفظ هذه الآية الوحيدة، من حيث المضمون آياتٌ كثيرةٌ جداً فحواها يشير إلى الزهد. حقيقة الزهد :
أيها الأخوة، العلماء قالوا: "الزهدُ أن تنصرف عن الشيء احتقاراً له، وتصغيراً لشأنه، وتستغني به بشيءٍ خيرٍ منه".

هناك نقطة مهمة جداً في موضوع الزهد، ليس الزهد أن ترفض نعم الله عز وجل، هذا ليس زهداً، الزهد أن تستخدم نعم الله عز و جل فيما سمح لك به، أو أن تستعين بهذه النعم على طلب الآخرة، أو أن تسخر هذه النعم لأعمالٍ صالحةٍ ترقى بك عند الله، هذا هو الزهد، لا أن ترفض الدنيا بل أن تستخدمها ابتغاء رضوان الله، أن تستخدم النعم التي أنعم الله بها عليك فيما أمر الله، وأن توظفها في العمل الصالح، هذه هي حقيقة الزهد على خلاف ما يتوهم بعض الناس، الآية الدقيقة:

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ ﴾
[ سورة القصص الآية : 50 ]
أي ليس على وجه الأرض من هو أضل: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
أما الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل فلا شيء عليه بنص هذه الآية، أي اشتهى المال فكسبه من طريقٍ مشروع، اشتهى المرأة فتزوج، من اتبع هواه وفق منهج الله فلا شيء عليه، إذاً ليس في الإسلام حرمان، في الإسلام تنظيم، ما من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها. الزهد الحقيقي أن تكسب المال وتجعله بيديك لا بقلبك وتوظفه في الحق :
أيها الأخوة، إذاً الزهد ليس أن ترفض المال وأن تكون فقيراً، أن تكون عالةً على الناس، أن تكون يدك هي السفلى، ليس الزهد أن تفتقر، ولكن الزهد الحقيقي أن تكسب المال، وأن تجعله بيديك لا بقلبك، وأن توظفه في الحق.

سيدنا الصديق كان غنياً، أنفق كل ماله لرسول الله، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر، قال: فبكى أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ وقال: ما أنا ومالي إلا لك ))
[أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه والإمام أحمد وابن حبان عن أبي هريرة ]
من أنا؟ إذاً سيدنا الصديق كان زاهداً، لأنه وظف ماله في خدمة الدعوة.
وأي إنسان يوظف ماله، يوظف علمه، يوظف جاهه، يوظف ما رزقه الله، في سبيل الله، هذا يعد في قمة الزهد، ليس الزهد أن تكون ضعيفاً، فقيراً، محروماً، تتمنى ما عند الناس، ليس الزهد أن تتضعضع أمام قويٍ أو غني، الزهد أن تكون يدك هي العليا. العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا بعد أن يؤمن بالله :

لذلك في هذا الموضوع الحديث الأول هو قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الإمام مسلم: (( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]

لكن النبي كما تعلمون بالتعبير الدارج جبار خواطر قال:
(( وفي كلّ خير ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
كل مؤمن على العين والرأس ولو كان ضعيفاً أو فقيراً ، لكن: (( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
التعليل: لماذا أنت في الدنيا؟ بعد أن تؤمن ما المهمة الأولى التي ينبغي أن تفعلها؟ أن تعمل عملاً صالحاً يكون زادك إلى الجنة، بعد أن تعرف الله، بعد أن تعرف سرّ وجودك، بعد أن تعرف غاية وجودك، بعد أن تؤمن بالآخرة، العمل الأول أن تعمل عملاً صالحاً، والدليل الإنسان وهو على مشارف الموت يقول : ﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾
[ سورة المؤمنون الآية : 99-100 ]
أي المؤمن علة وجوده في الدنيا بعد أن يؤمن أن يعمل صالحاً، الآن عندما قال النبي الكريم: (( المؤمن القويُّ ))
لأن القوة هي قوة المال، ولأن القوة هي قوة المنصب، ولأن القوة هي قوة العلم، القوى الثلاثة الكبيرة قوة المال، وقوة العلم، وقوة المنصب، فأنت إذا كنت قوياً فرص العمل الصالح أمامك لا تعد ولا تحصى، معك مالٌ وفير يمكن أن تنشئ ميتماً، معهداً شرعياً، أن تنشئ سكناً للشباب، أمامك أعمال صالحة لا تعد ولا تحصى إذا كنت غنياً، وإذا كنت عالماً أمامك أعمال صالحة لا تعد ولا تحصى، وإذا كنت في منصبٍ رفيع بجرة قلمٍ تحق حقاً وتبطل باطلاً، تقر معروفاً وتزيل منكراً.
لذلك ينبغي أن تكون قوياً، وإذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً من أجل آخرتك، من أجل أن تعمل أعمالاً كبيرة . الزهد في حقيقته لا أن يرفض الإنسان الدنيا ولكن أن يوظفها للآخرة :
فيا أيها الأخوة، هناك مفهوم شائع في أوساط غير المتعمقين في الدين، إنسان بسيط جداً في زاوية، معزول ليس بيده شيء، هذا زاهد، لا، الزاهد من زهد في شيءٍ خسيس وأقبل على شيءٍ نفيس .

أيها الأخوة، الزهد في حقيقته لا أن ترفض الدنيا، ولكن أن توظفها للآخرة، الزهد لا أن تكون أمياً، ولكن أن تكون مثقفاً ثقافةً عالية تسخرها للدعوة إلى الله، الزهد لا أن تكون عالةً على الآخرين، الزهد أن تكون في خدمة الآخرين، هذه المعاني الإيجابية للزهد ترفع من شأن المؤمن، النبي عليه الصلاة و السلام طلب النخبة فقال : " اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين".
وأقول لكم الآن: ينبغي أن يكون المؤمن قوياً، أستاذ جامعي كبير، عالم كبير، صناعي كبير، تاجر كبير، لماذا؟ لكن وفق منهج الله، لأن قوة المؤمن قوة للمؤمنين، النبي طلب النخبة، والمؤمن القوي الأصل في هذا الدرس هذا الحديث:
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
المؤمن أن تحجز ـ إن صحّ التعبير ـ بقوتك التي أنفقتها في طاعة الله، بمالك الذي أنفقته في طاعة الله، بعلمك الذي علمته في طاعة الله، بجاهك الذي وظفته في طاعة الله، أن تكون حاجزاً مكاناً في الجنة. اللعب عمل عابث لا جدوى منه وليس له أثر مستقبلي :
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الزاهد هو الذي يزهد بشيءٍ محتقر، ويطمح إلى شيءٍ معتبر، قال تعالى:
﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾
[ سورة الحديد الآية : 20 ]
أنما تفيد القصر والحصر : ﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾
[ سورة الحديد الآية : 20 ]

معنى لعب؛ أي اللعب، لو إنسان بقي حتى الساعة الثانية ليلاً يلعب النرد ـ ولعب النرد حرام ـ من لعب النرد فكأنما غمس يديه في لحم خنزير، للساعة الثانية، هذا الوقت الذي أمضاه اللاعبان في لعب النرد، ماذا ينتج عنه؟ لا شيء إطلاقاً، أي عمل عابث، اللعب عمل عابث لا جدوى منه، وليس له أثر مستقبلي.
أوضح من ذلك إنسان جلس في حوض ماء فاتر في بيته، هل يصبح تاجراً كبيراً؟ هل يصبح مثقفاً ثقافةً عالية؟ الاستمتاع ليس له أثر مستقبلي أبداً، حتى اللعب البريء ليس له أثر.
مرّ بعض الصالحين بأناسٍ يلعبون النرد في مقهى فقال: يا سبحان الله! لو أن الوقت يشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم.
الوقت أنت، أنت أيها الإنسان بضعة أيام، كلما مضى يوم مضى بضعٌ منك، فلذلك الحياة الدنيا لعبٌ، عمل لا طائل منه، إنسان اعتنى بحياته الخاصة عناية تفوق حدّ الخيال، ثم جاءه ملك الموت، هل تعد حياته الناعمة سبباً لدخول الجنة؟ لا أبداً، ترك هذا البيت ووضع في القبر.
الإنسان أحياناً يكون له قريب غني جداً، يموت يذهب للتعزية، هناك سؤال؛ من اشترى هذا البلاط؟ المرحوم، من اختار هذه الثريات؟ من اختار هذا المنظر الطبيعي الجميل؟ من اشترى هذا البيت أصلاً؟ من صمم هذا البيت؟ أين صاحب البيت؟ تحت أطباق الثرى. اللهو واللعب :
أيها الأخوة،
﴿ لَعِبٌ ﴾
أي عمل عابث ليس له أثر مستقبلي، تدرس تصبح دكتوراً، تاجراً، تصبح أكبر تاجر، لكن بأمور اللعب مهما أمضيت الوقت في اللعب فليس له أي أثر مستقبلي، هذا هو اللعب، أي عملٌ عابث ليس له أثر مستقبلي أبداً. ﴿ وَلَهْوٌ ﴾

اللهو أن تغوص في أعماق البحر لتبحث عن الأصداف لا عن اللآلئ، أن تلهو بشيءٍ خسيس عن شيءٍ نفيس، هذا اللهو، أن تنشغل بشيءٍ خسيس، بأعماق البحر لؤلؤ، واللؤلؤ غال جداً، يغوص، ويخاطر، وقد يموت بحثاً عن الصدف لا عن اللؤلؤ، هذا هو اللهو.
﴿ لَعِبٌ ﴾
عمل ليس له أثر مستقبلي، ﴿ وَلَهْوٌ ﴾
أن تشتغل بالخسيس عن النفيس. ﴿ وَزِينَةٌ ﴾
زينة أي شيء له منظر رائع، لكن سوف تتركه وتمضي. ﴿ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾
يقول لك: عندي ثلاثة أطباء، لم يهتم بدينهم إطلاقاً، اهتم بلقب دكتور، أما ابنه لا يصلي، يصلي، عندما سافر إلى بلاد الغرب وقع في الفاحشة، هذه قضية ثانوية جداً، المهم أنه أنجب أولاداً نجباء: ﴿ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾
أيها الأخوة، للتقريب طالب التحق بمدرسة، اهتم بمقعد على النافذة، اهتم بمقعد مريح، جاء بشيء يأكله أثناء الدرس، جاء بأجهزة، بألعاب، كل هذا النشاط يتناقض مع كونه طالباً، و طالب اهتم بالدراسة، اهتم بطلب العلم، اهتم بنيل شهادة عليا، وآخر اهتم بمقعد مطل على الشارع، اهتم بأشياء يأكلها في أثناء الدرس، بمجلة يتصفحها على رجليه دون أن يرى المعلم، أي اهتم بشيء يتناقض مع وجوده في هذه المدرسة، هذا هو الذي ينبغي أن ننتبه إليه. ظاهر الحياة الدنيا أنها لهو و لعب و تفاخر أما حقيقتها فهي طريقٌ إلى الجنة :

أيها الأخوة، حقيقة الحياة الدنيا هكذا: ﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾
هذا ظاهر الدنيا، أما حقيقتها فهي مزرعة الآخرة، المؤمن حينما يدخل الجنة يقول: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾
[ سورة الزمر الآية : 74 ]

جاء الله بنا إلى الدنيا، في الدنيا تعرفنا على ربنا، في الدنيا أدينا الصلوات، في الدنيا أدينا العبادات، في الدنيا أدينا الأعمال الصالحة، هذه المعرفة، وهذه الصلوات، وهذه العبادات، وهذه الأعمال الصالحة هي سبب وصولنا إلى الجنة، لذلك نقول:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾
معنى ذلك أن ظاهر الحياة الدنيا ﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾
هذا ظاهرها، أما حقيقتها فهي طريقٌ إلى الجنة، الحياة الدنيا تسبق الحياة العليا، الحياة الدنيا تتعرف فيها إلى الله، والحياة العليا تقطف ثمار هذه المعرفة، الحياة الدنيا تستقيم فيها على أمر الله، والحياة العليا تستفيد من هذه الاستقامة، الحياة الدنيا مملوءة بالأعمال الصالحة، والحياة الآخرة تعد هذه الأعمال الصالحة سبباً لرقيك في الجنة.
لذلك الدنيا لها شيء آخر، الدنيا جنة للمؤمن، قال بعض العلماء: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، والدليل: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
في الدنيا المؤمن ذاق طعم الجنة وهو في الدنيا ، بل إن بعض العلماء يقول: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن ]
جنةٌ في الدنيا وجنةٌ في الآخرة ، واقبلوا هذا الكلام مني إن لم تقل أنا أسعد الناس لأنك عرفت الله، عرفت سرّ وجودك، عرفت غاية وجودك، جعلت الدنيا مطية الآخرة، جعلت الدنيا في خدمة الآخرة، جعلت المال الذي أكرمك الله به، أنفقته في طاعة الله، جعلت جاهك في خدمة الحق، جعلت علمك في خدمة الحق، الدنيا جميلة جداً، جميلة بطاعة الله، بمعرفة الله، بالعمل الصالح، أنجبت أولاداً أبراراً، ربيتهم تربيةً إسلامية، أنجبت بناتٍ طاهرات زوجتهن من شبابٍ مؤمنين. الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح :
أيها الأخوة، قال تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
[ سورة آل عمران ]

كلمة غرور دقيقة جداً، أنا أضرب مثلاً لعلي ذكرنه لكم: أعرف رجلاً ـ توفي رحمه الله ـ عنده دعابة؛ يجمع قمامة المحل التجاري ويضعها في علبة ثمينة، ويغلفها بورق هدايا، ثم شريط أحمر مع وردة، يضعها على الرصيف، إنسان عابر يتوهمها مطيف ألماس، قطعة ذهبية غالية جداً، يحملها ويمضي، ويظن أنه حصّل ثروةً كبيرة، بعد مئتي متر يفك الشريط، بعد مئتي متر أخرى ينزع الورق، بعد مئتي متر ثالثة يفتح العلبة، فإذا فيها قمامة المحل، هذا المثل الصارخ يعبر عن الدنيا عند الموت، يراها لا شيء، يراها لعباً، ولهواً، وزينةً، وتفاخر، وتكاثر، وينسى العمل الصالح.
لذلك العلماء قالوا : الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح ﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾
إذاً هي متاع الغرور، تبدو لك بحجمٍ كبير، في مقتبل الحياة ترى المال شيئاً عظيماً، ترى المرأة شيئاً نفيساً، في منتصف الحياة ترى المال شيئاً لكن ليس كل شيء، في نهاية المطاف لا ترى شيئاً إلا أن تطيع الله عز وجل، ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
تستمتع بها، وتغتر بها، وتتوهمها بحجمٍ أكبر بكثير من حجمها الحقيقي، فالبطولة أن ترى حقيقتها في مقتبل العمر، البطولة أن تجعلها في يديك لا في قلبك ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
الدنيا تغر وتضر وتمر :
أيها الأخوة، الآية الثانية، يا أيها الناس:
﴿ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾
[ سورة لقمان ]
من هو الغرور ؟ الشيطان. ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾
[ سورة النساء ]

تجد الإنسان الذي غفل عن الله له طموحات كثيرة، يتمنى أن يكون أكبر تاجر، يتمنى أن يكون في قمة المجتمع، يتمنى أن يكون في أعلى منصب، في أعلى مكانة، يتمنى أن يسكن في أجمل بيت،
﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
أنا كنت مرة في مدينة في الشمال، أطلعوني على شارع فيه أبنية من الفخامة تفوق حدّ الخيال، بالسبعينات كان هناك بناء يأخذ بالألباب، الرخام فقط كلف مئات الملايين، شيء يفوق حدّ الخيال، صاحبه كان طويل القامة، توفي في الثانية والأربعين وكان لحكمةٍ بالغة القبر قصير، فكان أقصر من قامته، وضعه الحفار في القبر ودفعه من صدره حتى صار بشكل حرف لام ، صاحب هذا البناء الضخم هذا مصيره ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
الدنيا تغر، وتضر، وتمر، عندنا الدنيا تغر، والغرور هو الشيطان ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾
أي الشيطان يعطي الدنيا حجماً كبيراً، يعطي اللذائذ حجماً كبيراً، يعطي المكانة الاجتماعية حجماً كبيراً، على حساب دين الإنسان، وعلى حساب مبادئه وقيمه.
سيدنا علي يقول: "يا دنيا طلقتك بالثلاث، غري غيري، شأنك حقير"، أي الدنيا تغر، وتضر، وتمر.
أحد أخوتنا الكرام يعمل في الأبنية، في مصيف قرب دمشق، مرة كنت عنده أطلعني على بيت ما شاء الله! يفوق حدّ الخيال، الأبهاء، والغرف، والكسوة من أعلى مستوى، أذواق رفيعة جداً، إطلالة، شرفات، مطابخ، غرف، قال لي: بعد أن انتهى البيت طلب مني صاحب البيت أن آتيه بمنظم كهربائي من أجل ثبات القوة الكهربائية، هيأته له، قال لي: أنا الخميس إن شاء الله سأستقر في هذا البيت، جاء الخميس لم يأتِ أحد ، الجمعة لم يأتِ أحد، السبت اتصلت بصاحب البيت فقالت له زوجته: والله مات.
والله هناك أبنية تأخذ بالألباب لم يتح لأصحابها أن يسكنوها، إنسان أُتيح له أن يغسل فيه بعد أن مات، هكذا الدنيا تغر، وتضر، وتمر . أيّ عطاء ينتهي بالموت ليس عطاءً لأن عطاء الله أبدي :
أيها الأخوة:
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]

المؤمن يتعرف إلى الله، والله عز وجل يصبغ عليه من النعم ما تكفيه، لكن الأصل أنه يعبد الله، أنه في طريقه إلى الجنة، والله عز وجل يخاطب الكفار فيقول:
﴿ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
والله عز وجل يخبرنا ويقول: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
[ سورة النساء الآية : 77 ]
إله ينصحنا ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
أخواننا الكرام، أي عطاء ينتهي بالموت ليس عطاءً، أي عطاءٍ مهما كان عظيماً ما دام هناك موت ينتهي فيه فليس بعطاء، عطاء الله أبدي. ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ﴾
[ سورة البينة الآية : 8 ]
والله عز وجل يعتب علينا حينما يقول: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
[ سورة الأعلى ]
خيرٌ من الحياة الدنيا وأبدية، الدنيا أقل ومؤقتة.
أيها الأخوة، لهذا الموضوع تتمة إن شاء الله نتابعها غداً.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-14-2018, 08:20 AM   #52


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الخمسون )

الموضوع : الزهد لا أن يكون ترك الدنيا بل ملك الدنيا مع تركها





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الزهد :

أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو "الزهد".
وبادئ ذي بدء: لابدّ من توضيح الفرق الدقيق بين اللذة وبين السعادة، اللذة شيء والسعادة شيءٌ آخر، اللذة حسية طابعها حسي مادي، تأتيك من الخارج لا من الداخل، تحتاج إلى مالٍ وفير، وإلى وقتٍ مديد، وإلى صحةٍ عالية.
ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة الإنسان يفتقد أحد الشروط الثلاث دائماً، ففي البدايات الصحة جيدة والوقت مديد لكن لا يوجد مال وفير، إذاً اللذائذ ليست محققة، وفي منتصف الحياة المال وفير والصحة جيدة لكن لا يوجد وقت، انغماسٌ في العمل إلى أقصى الحدود، وفي خريف العمر المال وفير والوقت مديد لكن لا يوجد صحة، اللذة طابعها حسي، مصدرها خارجي، تحتاج إلى وقتٍ، وإلى مالٍ، وإلى صحة، ولحكمةٍ بالغة أحد هذه الشروط يفتقده الإنسان دائماً.
اللذة و السعادة :
السعادة تنبع من الداخل، لا تحتاج إلى شيءٍ خارجي، وهي مستمرةٌ ومتنامية، وقد تتصل بنعم الآخرة.

السعادة تأتي من الاتصال بالله، السعادة تأتي من الإقبال على الله، السعادة تأتي من محبة الله، السعادة تأتي من معرفة الله، فرقٌ كبيرٌ كبير بين اللذة والسعادة، الزهد في الدنيا يحقق السعادة، بينما اللذائذ تتناقض مع الزهد، الآن القرآن الكريم ينصح المؤمنين:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
[ سورة النساء الآية : 77 ]
خالق السموات والأرض يخبرنا أن: ﴿ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
[ سورة النساء ]
آيةٌ ثانية تؤكد على المعنى نفسه. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾
[ سورة التوبة ]
من رحمة الله بالإنسان إن اتخذ قراراً خاطئاً أن يتولى الله عز وجل تربيته :
الله عز وجل لأنه ربنا، ويحبنا، ويرعانا، وخلقنا، لذلك وعدنا:
﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 133 ]
﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ سورة التوبة ]
من رحمة الله بنا إن اتخذنا قراراً خاطئاً فالله عز وجل يتولى تربيتنا، وحينما وصف الله الذين شردوا عنه فقال: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
[ سورة الأعلى ]
بربكم لو خيرنا إنساناً أن نعطيه سيارةً لساعةٍ واحدةٍ ودراجةً لوقتٍ مديد دائماً يختار الدراجة، فلو خيرناه بين دراجةٍ لوقتٍ مديد وسيارةٍ لوقتٍ مديد يختار السيارة، فإذا خيرناه بين دراجةٍ لوقتٍ قصير وسيارةٍ لوقتٍ مديد من الحمق أن يختار الدراجة. ﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾
[ سورة الضحى ]
﴿ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
[ سورة الأعلى ]
سحرة فرعون قدموا أروع المثل عندما آمنوا بسيدنا موسى أمام فرعون :
أخواننا الكرام، سحرة فرعون قدموا أروع المثل، آمنوا بسيدنا موسى، فرعون صُعق، جاء بهم ليدعموه، فإذا هم يؤمنون.
﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ﴾
[ سورة طه ]

فرعون صُعق:
﴿ قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
[ سورة طه ]
كلامٌ دقيقٌ جداً. ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا*وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا*جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴾
[ سورة طه ]
بالمصطلح الحديث: هؤلاء السحرة أحرقوا المراحل، أحياناً تأتيك ومضة، إشراقة، قفزة، فإذا أنت في أعلى درجات الإيمان، وهؤلاء السحرة يمثلون هذا النموذج النادر ﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ﴾
لمن يقتل الناس بثانية ، قتل الناس عند فرعون سهل جداً. ﴿ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ﴾
[ سورة القصص الآية : 4 ]
﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾
ما خيرٌ بعده النار بخير وما شرٌ بعده الجنة بشر :
أخواننا الكرام، سيدنا علي ـ رضي الله عنه ـ يقول مخاطباً ابنه: "يا بني ما خيرٌ بعده النار بخير" ـ ارتقيت لأعلى منصب، جمعت أكبر ثروة، استمتعت بالحياة إلى قمة رأسك ـ وما شرٌ بعده الجنة بشر، وكل نعيمٌ دون الجنة محقور، وكل بلاءٍ دون النار عافية".

﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
القرآن الكريم يخاطب المؤمنين: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
[ سورة طه الآية : 131 ]
أي إذا كنت مؤمناً ولك صديقٌ بعيدٌ عن الدين، لكنه في غنىً كبير، لمجرد أن تقول: هنيئاً له فأنت لا تعرف الله، كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى شيئاً جميلاً من متاع الدنيا يقول: (( اللهم لا عيشَ إِلا عيشُ الآخرةِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن سهل بن سعد الساعدي ]
من تأوه و تحسر إذا رأى شيئاً جميلاًفهذا إنسانٌ عند الله جاهل :
أوضح مثل قارون.
﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾
[ سورة القصص الآية : 79]

الآن قد تجد بيتاً، مركبات أمامه، حدائق.
﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾
[ سورة القصص ]
استمع إلى التعليق: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
الإنسان أيها الأخوة، إذا تأوه، وتحسر، وتمنى إذا رأى شيئاً جميلاً، ونسي أن الله أعدّ له. ﴿ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 133]
هذا إنسانٌ هو عند الله جاهل. الله عز وجل خلق الإنسان ليسعده في الدنيا و الآخرة :
أيها الأخوة الكرام، هناك آية دقيقة جداً يقول الله فيها:
﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
[ سورة الزخرف الآية : 33 ]

أي هم جميعاً مدعوون للجنة، هم جميعاً مدعوون لرحمة الله، لسعادة الدارين:
﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾
[ سورة الزخرف ]
الكافر مدعوٌ للجنة، مدعوٌ إلى رحمة الله. ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى*فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾
[ سورة طه ]
والدليل: ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ﴾
[ سورة هود الآية :119 ]
أدق آية: ﴿ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
[ سورة هود الآية : 119 ]
خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليسعدنا في الدنيا والآخرة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن عائشة أم المؤمنين ]
إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها. (( مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ))
[أخرجه ابن ماجه عن زيد بن ثابت ]
المؤمن لأنه تعلق بالآخرة وأراد أن يكون من أهلها أهم شيءٍ في حياته أن يعطي :
أخوتنا الكرام، لمجرد أن تؤمن بالآخرة الإيمان الذي أراده الله تنعكس مقاييسك، تنعكس مئة وثمانين درجة، إن آمنت في الدنيا ترى الذكاء، والعقل، والبطولة في الأخذ، إن آمنت بالآخرة ترى الذكاء، والعبقرية، والبطولة في العطاء.

لذلك الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، والناس جميعاً تبعٌ لقوي أو نبي، ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ؟ المؤمن لأنه تعلق بالآخرة وأراد أن يكون من أهلها، أهم شيءٍ في حياته أن يعطي لا أن يأخذ، وأهل الدنيا يأخذون ولا يعطون.
مرة أخ كريم جاء من أمريكا، وأنا علمت أنه اشترى بيتاً، فباركت له، فقال لي: لم أشترِه، استأجرته حتى الموت، هو اشتراه، لكن هذا البيت مثوى مؤقت، والدليل: اقرؤوا جميع النعوات، وسيشيع إلى مثواه الأخير، معنى ذلك أنت في بيتٍ هو في الحقيقة مؤقت، والبطولة أن تعد للبيت الأخير.
أحد رعاة الإبل معه قطيع إبل سُئل لمن هذا القطيع؟ قال علماء البلاغة: أجاب أبلغ إجابة في اللغة العربية، قال: هي لله في يدي، فأنت آمن كإيمان هذا الراعي، وبيتك لله في يدك، ومركبتك لله في يدك، ومكتبك التجاري لله في يدك، كل شيء في حوزتك هو لله، الآن بيدك وفي أية لحظة يؤخذ منك.
بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل :
أخواننا الكرام، هؤلاء السلف الصالح كانوا عقلاء، سيدنا عمر بن عبد العزيز كان إذا دخل دار الخلافة يتلو هذه الآية، والله هذه الآية تقشعر منها الأبدان، كان يقول الآية الكريمة:
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾
[ سورة الشعراء ]

هؤلاء الطغاة عاشوا حياة ناعمة جداً، البلاد كلها لهم، الأموال كلها لهم، المتع كلها لهم، القصور كلها لهم ، فإذا ماتوا أين النعيم؟
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾
البطولة أن تعيش المستقبل، الأغبياء يعيشون الماضي، والأقل غباءً يعيشون الحاضر، أما الأذكياء والعقلاء فيعيشون المستقبل.
يا ترى ما هو أخطر حدثٍ مستقبليٍ ينتظرنا جميعاً وأنا واحدٌ منكم؟ مغادرة الدنيا من بيتٍ إلى قبر، بيت أربعمئة متر بعده القبر، منصب رفيع بعده القبر، أموال طائلة بعدها القبر، زوجة وأولاد وأقارب وأتباع بعدهم القبر.
أيها الأخوة، بحسب ما يُرى الإنسان يجمع الدنيا لَبِنةً لبنة ثم يخسرها في ثانيةً واحدة، يخسر كل شيء، لا يأخذ معه إلى القبر إلا الكفن، وأنا بحسب ما سألت من أرخص أنواع الأقمشة. الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح والفقر الحقيقي فقر العمل الصالح :
أيها الأخوة، القرآن الكريم مملوءٌ بالتزهيد في الدنيا، والإخبار بخستها، وقلتها، وانقطاعها، وسرعة فنائها، مملوءٌ في الترغيب بالآخرة، والإخبار بشرفها ودوامها، وإذا أراد الله بعبدٍ خيراً أقام في قلبه شاهداً يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة، هناك آية دقيقة جداً قد لا ننتبه إليها:
﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾
[ سورة ص الآية : 46 ]

مرة سألوا طالباً نال الدرجة الأولى في الشهادة الثانوية: كيف نجحت هذا النجاح الباهر؟ قال: لأن لحظة الامتحان لم تكن تغادر مخيلتي ولا ثانية طوال العام الدراسي.
وأنا أقول لكم: لحظة مغادرة الدنيا من بيتٍ إلى قبر ينبغي ألا تغادر أذهاننا ولا دقيقة في الحياة لماذا؟ لأنك إن فعلت هذا عملت للآخرة، الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح، والفقر الحقيقي فقر العمل الصالح. ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
[ سورة القصص]
سيدنا علي يقول: "الغنى والفقر بعد العرض على الله".
العلماء لهم أقوال في الزهد، قال بعضهم: "الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة"، أنت اجعل هذا المقياس الدقيق، أي شيءٍ لا يدخل معك في القبر فهو من الدنيا.
والله أعرف رجلاً له أذواق في الدنيا تفوق حدّ الخيال، بيته، مركبته، سفرياته، طعامه، شرابه، أذواق عالية جداً، توفي ـ رحمه الله ـ فجاء أحدهم ليلقي كلمة وهو في النعش، قال: كان أخوكم ـ أبو فلان ـ مؤذن ترحموا عليه، أنا صعقت، كلمة واحدة، فكرت هل يمكن الحديث عن بيته؟ لا، عن مركبته؟ لا، عن سفره؟ لا، عن أناقته؟ لا، عن أثاث بيته؟ لا، الحديث عن أعماله الصالحة، كان مؤذناً فقط، قال: ترحموا عليه، أنا لا أنسى هذا الموقف السريع، تأبين بكلمة واحدة، قلت بنفسي: اعمل عملاً يتحدثون بعد الموت دقيقة، أو خمس دقائق، هناك أشخاص لهم أعمال كالجبال، هذا هو الغنى الحقيقي. حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :
إن لم تترك أثراً في الدنيا فأنت زائدٌ عليها، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، قال: "الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة، الزهد في الدنيا قصر الأمل، وليس بأكل الغليظ من الطعام، ولا لبس الخشن من الثياب".

والله مرة حدثني أخ عن مشاريعه لعشرين سنة قادمة، بتفاصيل مملة خلال ساعة، وفي المساء قرأت نعوته.
لذلك قالوا: من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت، والله لي صديق أو هو في الأصح صديق أخي، عندهم كل سبت سهرة، واحد من هؤلاء الأعضاء في هذه السهرة رشيق، وسيم الصورة، ذكي جداً، وهو أستاذ فلسفة، قال: أنا لن أموت في وقت باكر، أي قال كلاماً غير مألوف، سألوه لماذا؟ قال أنا وزني مناسب جداً، وأتابع الرياضة يومياً، كل طعامي خضراوات وفواكه، وهو عنده روح دعابة ومرح، هذا الكلام قاله السبت مساءً، السبت الثاني كان تحت أطباق الثرى.
حقيقة قصة مؤثرة جداً، بحسب قواعد الصحة، بحسب رشاقته، واعتنائه بالرياضة، أنا مع الرياضة لست ضد الرياضة، لكن لا تؤله الرياضة، بشكل دقيق لك عند الله ثلاث وسبعون سنة، وأربعة أشهر، وثلاثة أسابيع، وخمسة أيام، وأربع ساعات، وثلاث دقائق، وثماني ثواني، هذا العمر إما أن تمضيه في السرير إذا ما اعتنيت بجسمك، أو تمضيه واقفاً، فالرياضة أن تمضي العمر الذي أعدّه الله لك واقفاً، الرياضة مهمة جداً ولكن لا تطيل العمر ولا تقصره، الرياضة أن تستمتع بصحتك، وأن تبقى نشيطاً طوال حياتك، أما أن تتوهم أن الرياضة لها علاقة بالعمر فهذا شيء مستحيل.
أيها الأخوة، قصص أحياناً تترك أثراً كبيراً، مرة هناك جامع إلى جانب جامع النابلسي، دُعيت إلى حضور احتفال بإلحاح شديد، والله لبيت الدعوة، استقبلني رجل في مدخل المسجد و رحب بي ترحاباً منقطع النظير، جلست في المكان المقرر، بعد دقائق وجدت أن هناك اضطراباً في المسجد، هناك متكلم لكن يوجد اضطراب، بعد أن انتهت كلمته سألت؟ هذا الذي استقبلني وقع ميتاً، والله ذهبنا إلى المستشفى و لكنه مات لتوه قبل دقيقة، الموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العمل.
والله هناك قصص خلال الأشهر الستة الماضية، أخوة كرام، صلى الفجر في جماعة والظهر في المسجد والعصر كان مدفوناً، هناك علماء ماتوا في المسجد لا يشكون شيئاً، هذه من نعم الله الموت في المسجد أيضاً.
أقوال في الزهد :
أيها الأخوة، الإمام الجنيد قال:
﴿ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾
[ سورة الحديد ]

هذه الآية متعلقة بالزهد، قال: "الزاهد لا يفرح من الدنيا بمولود ولا يأسف منها على مفقود".
قال: "الزاهد هو الذي ينظر إلى الدنيا بعين الزوال فتصغر في عينيه، فيسهل عليه الإعراض عنها".
قال: "الزاهد عزف قلبه عن الدنيا بلا تكلف".
قال الجنيد: "الزهد خلو القلب مما خلت منه اليد"، أي لم يتح لك زوجة كما تتمنى، لابأس الحياة مؤقتة، "الزهد أن يخلو القلب مما خلت منه اليدان"، هذا تعريف دقيق، "الزهد في الدنيا قصر الأمل"، "الزهد في الدنيا عدم الفرح بإقبال الدنيا ولا بالحزن عليها".
ُسئل: الرجل يملك آلافاً مؤلفة هل يكون زاهداً؟ قال: نعم بشرط ألا يفرح إذا زادت وألا يحزن إذا نقصت.
بعضهم قال: "الزهد ترك ما يشغل عن الله عز و جل".
بعضهم قال: "الزهد استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب".
وقال بعضهم: "لا يبلغ أحدٌ حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال: عملٌ بلا علاقة، وقولٌ بلا طمع، وعزٌ بلا رئاسة". أنواع الزهد :
آخر شيء أخوتنا الكرام، الزهد على ثلاثة أوجه، ترك الحرام وهذا زهد العوام، وترك الفضول من الحلال وهذا زهد الخواص، وترك ما يشغل عن الله وهذا زهد العارفين.
وبعضهم قال: الزهد سفر القلب من الدنيا إلى الآخرة، قال تعالى: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة النور]
أخوتنا الكرام، موضوع الزهد لا أن تكون فقيراً، ولا أن تكون يدك هي الدنيا، ولا أن تكون متضعضعاً أمام قويٍ ولا أمام غني، ولكن الزهد أن يكون المال بيديك لا في قلبك، أن يكون العمل الصالح هدفك الأول، والذي بيدك من الدنيا في خدمة هذا الهدف الكبير.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-14-2018, 01:17 PM   #53


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الواحد و الخمسون )

الموضوع : الفرق بين الشرك الجلى و الشرك الخفى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الشرك :
أيها الأخوة الأكارم، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول".
ولكن علاقة هذا الموضوع مع هذه السلسلة من الدروس علاقة سلبية، إنه موضوع "الشرك"، فما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، المشرك لن يصل إلى الله عز وجل ذلك لأن الإنسان إذا أشرك بالله عز وجل توجه إلى غير الله، وغير الله عز وجل لا يملك لا رزقك، ولا حياتك، ولا موتك، ولا سعادتك، توجهت إلى لا شيء.
فلذلك الأصل في هذا الدين أنه دين التوحيد، وما من إنسانٍ أحب رسول الله حباً يفوق حدّ التصور كسيدنا الصديق، فلما توفاه الله عز وجل قال كلمته المشهورة: "من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت".
الشرك نوعان؛ شرك جلي و شرك خفي :
أخواننا الكرام، الشرك تتسع دائرته حتى يشمل الشرك الخفي، قال تعالى:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف ]
وتضيق دائرته حتى يقتصر على الشرك الجلي، أن تعبد غير الله، هناك شركٌ جلي و شركٌ خفي، من فضل الله عز وجل ليس في العالم الإسلامي شركٌ جلي، لا أحد يعبد حجراً ولا صنماً، ولكن هناك شركاً خفياً، وقد قال عليه الصلاة و السلام: (( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك والشهوة الخفية. قلت : يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ قال : نعم أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤون بأعمالهم. والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائماً فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن شداد بن أوس ]
أيها الأخوة، الله عز و جل يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 48 ]
أي ذنبٌ يغفر ما كان بينك وبين الله، وذنبٌ لا يترك ما كان بينك وبين العباد، وذنبٌ لا يغفر وهو الشرك. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾
[ سورة النساء الآية: 48 ]
علاقة الشرك بالإثم علاقة ترابطية :
الآن:
﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
ما علاقة الإثم العظيم بالشرك؟ إنك إذا اتجهت إلى غير الله، وتوهمت أن هذه الجهة تنفعك أو تضرك، تعطيك أو تمنعك، تعزك أو تذلك، أرضيتها وأسخطت الله، وقد يكون رضاها بالمعاصي والآثام، أو بإيذاء الخلق، فمن لوازم الشرك الإثم، هناك آيتان في القرآن الكريم حصراً، الأولى هذه الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
إذاً علاقة الشرك بالإثم علاقةٌ ترابطية، بشكل مبسط أنت توهمت أن رزقك بيد فلان، فلان لا يعرف الله، يأمرك بما يخالف منهج الله عز وجل، أنت بدافعٍ من توهمك أن أمورك بيده تعصي ربك وتطيعه، إذاً الشرك من لوازمه الإثم العظيم، والآية الثانية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾
[ سورة النساء]
في ضلال مبين، في ضلال بعيد، إنسان أحياناً في طريقه في السفر قد يسلك طريقاً خطأً، قد يمشي فيه بضع كيلومترات، لكن تصور إنساناً مشى في طريقٍ خطأ ألف كيلو متر، ﴿ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾
فالشرك من لوازمه الإثم، والشرك من لوازمه أن صاحبه ﴿ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾
أي ذنبٍ مهما بدا عظيماً رحمة الله أكبر منه عند التوبة :

لكن من أجل التطمين يوجد آيتان محصورتان: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾
هذا إذا وافته المنية فهو مشرك، أما من تاب تاب الله عليه، أي ذنبٍ مهما بدا عظيماً رحمة الله أكبر منه عند التوبة.
لذلك أكثر المفسرين يعقبون على هاتين الآيتين بكلمة مختصرة: ما لم يتب، إنسان وقع في شرك خفي بحسب الآيتين لن يغفر له، لن يغفر له إذا بقي مقيماً على هذا الشرك، أما إذا تاب انتهى كل شيء.
هناك شرك ـ كما قلت قبل قليل ـ أكبر وشركٌ أصغر، الأكبر نوعان أي هناك شرك جلي أن يعبد بعض الناس في بلادٍ بعيدة صنماً اسمه بوذا هذا شرك جلي، صنم يعبد.
مرة كنت في أمريكا في لوس أنجلوس، أخذني بعض الأخوة الكرام إلى معبد هندوسي، يبعد عن هذه المدينة تقريباً مئة كيلو متر، البناء مكلف عشرات الملايين من الدولارات، وهناك صنمان؛ الصنم الأول من البرونز، لا أبالغ على صدر هذا الصنم من الألماس البرلنت ما يساوي الملايين، ورأيت أناساً بلغني أنهم مثقفون يسجدون لهذين الصنمين انبطاحاً، سجود انبطاح، ورأيت آلةً لتكسير جوز الهند في مقدمة هذا المعبد، سألت عنها فقيل لي: الآلهة يحبون جوز الهند، هذان الصنمان المصنوعان من البرونز، وعلى صدر الصنمين أنواع عديدة جداً من الألماس، قلت: سبحان الله! نحن في نعمةً كبيرة، بلادٌ تعبد الحجر، بلاد تعبد الشمس والقمر، بلادٌ تعبد البقر، وقد كرمنا الله عز وجل، فنحن نعبد الله خالق السموات والأرض. الخطأ الذي لا يغتفر أن يتوهم الإنسان أن جهةً أرضية تملك له نفعاً أو ضراً :
إذاً الشرك الأكبر نوعان: إما أن تعبد صنماً، إلهاً مزعوماً من حجر، من أشياء كثيرة جداً، وعندي مجلة ألمانية فيها تحقيق مطول عن أناسٍ في شرقي آسيا يعبدون الجرذان، وهناك بحثٌ طويل حول الديانات الوثنية في العالم، لكن الذي يعنينا الآن في هذا اللقاء الطيب أن هناك شركاً لا يأخذ هذا الشكل الفاضح، يأخذ شكلاً آخر، يأخذ شكلاً نسميه النديّة، أي اتخذ من دون الله نداً، كيف؟ إنسان بحسب جهله يتوهم أن صديقه الذي يحتل منصباً رفيعاً يمكن أن يعطيه، يمكن أن يرفعه، يمكن أن يمده بالمال، يمكن أن يحميه من أعدائه، هذا التوهم هو لم يقل هو إله ولكنه عامله كإله، هذا الذي يعنينا في هذا اللقاء الطيب، لا أحد يقول: إن زيداً من الناس إله، أو خلق السماوات والأرض، لا، لكنه يطيعه في معصية الله، لكنه يتقرب إليه بإيذاء الخلق، فأنت حينما تعامل جهةً بشرية تمنحها الود والحب، وتعتقد أنها تنفعك وتضرك، وتعلي شأنك، أنت اتخذت شريكاً لله نداً له وهو دون الله عز وجل.
أيها الأخوة، أحياناً إنسان يقع في شرك جلي من نوعٍ النديٍة، لكن هذا الذي أشركه بالله عز وجل بينه وبين خالق السموات والأرض شيء يصعب تصوره، إنسان ضعيف مثلك يموت، يمرض، يحقد، ينسى، وخالق السموات والأرض الذي هو معك دائماً، معك يمدك بكل ما تحتاجه، سمعك بيده، بصرك بيده، رزقك بيده، أهلك بيده، أولادك بيده، قلبك بيده، الشريان التاجي بيده، سيولة الدم بيده، عمل الأجهزة بيده، زوجتك بيده، أولادك بيده، الذي بيده كل شيء، كيف تنصرف عنه؟ إلى أين؟ لذلك هذا الخطأ الذي لا يغتفر أن تتوهم جهةً أرضية تملك لك نفعاً أو ضراً.
سيد الخلق وحبيب الحق لا يعلم الغيب فغيره من باب أولى ألا يعرف :

الآن دقق من هو الإنسان الأول في الكون؟ رسول الله الإنسان الأول، الذي بلغ سدرة المنتهى، قال الله له: قل لهم:
﴿ َلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 50 ]
لكن الله يعلم الغيب، قل لهم: ﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾
[ سورة الجن ]
قل لهم: ﴿ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 188 ]
فمن باب أولى أنني لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً، قل لهم: ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة الأنعام ]
إذا كان سيد الخلق وحبيب الحق لا يعلم الغيب، ولا يملك لنا ولا لنفسه نفعاً ولا ضراً، ويخاف إن عصى ربه ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
هذا مقام سيد الخلق وحبيب الحق فكيف بغيره من الطغاة؟ الإيمان الحقيقي هو التوحيد والإيمان الذي لا ينتج عنه استقامة لا قيمة له :
لذلك أيها الأخوة، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، وديننا دين التوحيد، بل إن الإيمان الذي لا ينتج عنه استقامة لا قيمة له، بدليل أن الشيطان آمن بالله، قال: ربي.
﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
[ سورة ص الآية: 82 ]
آمن به رباً، وآمن به عزيزاً، الشيطان آمن به خالقاً، قال: ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾
[ سورة الأعراف ]
الشيطان آمن باليوم الآخر، قال: ﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
ومع ذلك هو إبليس اللعين، فإن تعترف أن هذا الكون خلقه خالقٌ عظيم فالقضية سهلة جداً، لكن البطولة أن توحده، ألا ترى معه أحداً، ألا ترى فاعلاً غيره، أن ترى أن الله بيده كل شيء، أن ترى أن الله: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
[ سورة البروج ]
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
[ سورة هود الآية: 123 ]
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
[ سورة الكهف ]
البطولة أن ترى هذه الرؤية، هذه الرؤية ليست سهلةً، تحتاج إلى جهد كبير، أي التوحيد هو الإيمان، الإيمان الحقيقي هو التوحيد، أن ترى أن يد الله فوق أيديهم، أن ترى أن أي شيءٍ يقع في الكون وقع بعلم الله، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها. الشرك الأصغر هو الشرك الذي ابتلي المؤمنون به في هذه الأيام :
لذلك أيها الأخوة، الإنسان حينما يشرك بالله عز وجل هذا الذي أشركه مع الله عز وجل لا شيء أمام عظمة الله.
لذلك هناك شركٌ أصغر هذا الذي ابتلي به المؤمنون، الشرك الأصغر الآية التي تؤكده: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف ]
لك ابن عم بوزارة قال لك: أنا معك دائماً، هذا رقم هاتفي بأي لحظة أنجدك، فأنت اعتمدت عليه، ونسيت الله عز و جل، وصدقوا ولا أبالغ ما من إنسانٍ ينجو من تأديبٍ إذا أشرك، حتى الصحابة الكرام في بدر قالوا: الله . ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 123 ]
هم هم وفيهم سيد الخلق في حُنين اعتدوا بكثرتهم فقالوا: (( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]
هم نخبة البشر، ومعهم سيد البشر، ومع ذلك لم ينتصروا، قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]
التولي و التخلي :
أخوتنا الكرام، هناك درس تحتاجه كل ساعة، تقول: أنا، يتخلى الله عنك، تقول: الله، يتولاك، أنت بين التولي والتخلي، باختصاصك: أنا حصّلت علماً من أعلى مستوى، قد ترتكب خطيئة في اختصاصك لا يرتكبها الحمقى، أنت حينما تقول: أنا، يتخلى الله عنك، وحينما تقول: الله، يتولاك، فأنت بين التولي والتخلي، لذلك هناك نص لسيدنا علي يقول:" الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء" أي نملة سوداء في ليلة ظلماء، على صخرة سمراء تمشي، هل يسمع لمشيها صوت؟ قال:" الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء ـ دقق الآن ـ وأدناه أن تحب على جور".
أي: إنسان يرتكب بعض الظلم، لكنه نفعك بشيء فأحببته، أحببته وهو ظالم، أحببته وهو بعيد عن الله عز وجل، لمجرد أنك أحببته وهو ليس على حق فهذا نوعٌ من الشرك.
وأن تبغض على عدل، إنسان نصحك نصيحة بأدب، غضبت لأنه تجرأ عليك ووصل إلى مقامك الكبير، قال لك: هذه غلط، هذا التصرف لا يليق، فلمجرد أن تغضب لنصيحةٍ أسديت إليك، أو لمجرد أن تحب إنساناً ظالماً، فهذا نوعٌ من الشرك الخفي، الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على جور، وأن تبغض على عدل.
الابتعاد عن التلفيق وهو أن تلبس الباطل بالحق :
أيها الأخوة، مرةٍ ثانية: حينما تعتمد على إنسان تقول: معقول أن أظنه خالق السماوات والأرض؟ لا، مستحيل طبعاً! لكن هنا عاملته كما يعامل الإله، ودائماً هؤلاء الذين يفعلون هذا يقولون:
﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾
[ سورة الزمر الآية 3 ]
حتى الذين أشركوا يعللون شركهم الخفي بأنهم يعبدون هؤلاء ليقربوهم إلى الله عز وجل، هو في الحقيقة يسمى تلفيقاً، التلفيق أن تلبس الباطل بالحق.
أيها الأخوة، الله عز وجل يقول: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾
[ سورة الزمر ]
وهناك آية ثانية: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 3 ]
التصور هذا اسمه تلفيق. ﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الشعراء ]
هنا الشاهد، أنت قد تعامل إنساناً قوياً، لا تقل هو إله إطلاقاً، لكنك تعامله كما يعامل الإله، تخافه، تتوهم أن نفعك بيده، وأن عطاءك بيده، وأن حمايتك بيده، هذا هو الشرك الذي يعني المسلمين. انطلاق الديانات الأرضية من ضعف الإنسان :
لكن قد يسأل سائل، هناك سؤال يثير العجب: أن هذا الدين الوثني بشرق آسيا تسعمئة مليون، السيخ، والهندوس، والبوذيون، أرقام كبيرة جداً هل يعقل هذا؟ الجواب سهل جداً: الله عز وجل خلق الإنسان ضعيفاً، لأنه خلقه ضعيفاً، هو بحاجة إلى جهة قوية، فجميع الديانات الأرضية تنطلق من ضعف الإنسان، لكنها انطلقت من ضعفه، وتوجهت إلى جهةٍ ليست أهلاً لهذا التوجه، هنا المشكلة، لكن إقبال معظم الناس على هذه الديانات الأرضية لأن هذه الديانات ليس فيها منهج، ليس فيها حرام، ليس فيها افعل ولا تفعل، يكفي أن تعلن انتماءك وانتهى الأمر، أن تعلن ولاءك، لماذا الدين الذي من عند الله يحتاج إلى جهد؟ يحتاج إلى كلفة؟ هناك تكليف، و حلال، و حرام، و افعل، ولا تفعل، بينما تلك الديانات الأرضية ليس فيها هذا. من اتجه إلى غير الله عز وجل فلن يستفيد شيئاً :
أيها الأخوة، بقي شيءٌ دقيق هو مثل أضربه كثيراً، لكنني بحاجة إليه في هذا اللقاء: إنسان له مبلغ كبير بحلب، يسكن في دمشق، ركب القطار ليصل إلى حلب الساعة الثانية عشرة ظهراً ليأخذ هذا المبلغ، الآن دققوا، قطع في هذا القطار بطاقة من الدرجة الأولى، وجلس خطاً في عربة من الدرجة الثالثة هذا خطأ، لكن القطار يمشي باتجاه حلب، جلس مع شباب منحرفين أزعجوه كثيراً وهذا خطأ ثان، لكن القطار في طريقه إلى حلب، هذه الثانية، جلس بعكس اتجاه القطار فأصابه دوار وهذا خطأ كبير، لكن القطار يمشي في طريقه إلى حلب، يتلوى من الجوع وفي القطار عربة مطعم وهو لا يعلم هذا خطأ رابع، لكن القطار يمشي في طريقه إلى حلب، لكن هناك خطأ لا يغتفر أن يركب قطار درعا باتجاه الجنوب هذا خطأ لا يغفر، في الجنوب ليس هناك من يعطيك قرشاً، القبض بحلب فمعنى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 48 ]
أي إذا اتجهت إلى غير الله لن تستفيد شيئاً، تصور إنساناً معه التهاب زائدة، ويتلوى من الألم، وعلى وشك الموت، توجه إلى فندق، الفندق ليس فيه عملية جراحية، ليس فيه طبيب، فيه من يستقبله ليأخذ ماله، ويسكن في غرفة، الفندق شيء والمستشفى شيء، فأنت إذا توجهت إلى جهةٍ أرضية زاعماً أن فيها ما تحتاجه فهذا هو الخطأ الأكبر، فلذلك مرة ثانية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾
[ سورة النساء الآية: 48 ]
الطريق إلى الله لا يكون سالكاً إلا إذا كان الإنسان موحداً :
علاقة هذا الموضوع بسلسلة هذه الدروس علاقة عكسية أو سلبية، بمعنى أن الطريق إلى الله لا يكون سالكاً إلا إذا كنت موحداً، فإذا وقعت في شركٍ خفي وهو أن تتوهم جهةً أرضية يمكن أن تمدك بشيء، أن تعطيك شيئاً، أن تحفظك من شيء، أن تحل مشكلتك، هذا التوهم نوعٌ من الشرك الخفي الذي قال الله عنه:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف ]






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-14-2018, 01:20 PM   #54


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثانى و الخمسون )

الموضوع : الشرك يعيق الوصول إلى الله، والعمل بالمراءاة من الشرك





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الرياء من الشرك الخفي :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ دقيقٍ جداً يتصل بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" اتصالاً سلبياً، أي أنه يعيق الوصول إلى الله، ألا وهو موضوع "الشرك"، قال شداد بن أوس: رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يبكي، فقلت: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال:

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك والشهوة الخفية. قلت: يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: نعم أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤون بأعمالهم ))
[أخرجه الإمام أحمد عن شداد بن أوس ]
فالمراءاة من الشرك الخفي، أي أن تعمل عملاً أمام الناس كي تنتزع إعجابهم وفيما بينك وبين نفسك هذا العمل الطيب لا تفعله، تفعله أمام الناس، هذا هو الرياء، والرياء من الشرك الخفي، وفي حديثٍ آخر: (( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قال: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء ))
[أخرجه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد ]
الرياء شرك. أنواع الشرك الخفي :
وقد عدد بعض العلماء أنواع الشرك الخفي: من حلف بغير الله فقد أشرك، ومن علق تميمةً فقد أشرك، يعلقون حدوة حصان، أو حذاء صغيراً، هذا كله من الشرك، هذه الحدوة لا تحفظ ولكن الله هو الحافظ، والعوام لهم أعمال كثيرة كلها من الشرك الخفي، ومن أسند الحفظ والرعاية إلى غير الله فقد أشرك، لو عنده كلب حراسة وقال: لولا الكلب لأتى اللصوص فقد أشرك، لولا هذا الطبيب لمات ابني فقد أشرك، الحفظ والرعاية إذا عُزيت لغير الله فهذا نوعٌ من الشرك ـ والعياذ بالله ـ أو حينما تجعل لله نداً، خطيبٌ وقف أمام النبي عليه الصلاة و السلام فقال : ((ما شاء الله وشئت قال : جعلتني لله نداً ما شاء الله وحده ))
[ أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس]

أيها الأخوة : وفي حديثٍ آخر ، سمع النبي صلى الله عليه و سلم خطيباً يقول :
(( مَنْ يُطِع الله ورسولَه فقد رشَد، ومن يَعْصِهما فقد غَوَى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس الخطيب أنت، قل: وَمَنْ يَعْصِ الله ورسوله))
[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن عدي بن حاتم ]
ومن يعصهما: أي جعل الإله العظيم مع رسوله الكريم بضمير المثنى: (( وَمَنْ يَعْصِ الله ورسوله ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن عدي بن حاتم ]
ومرّ عمر رضي الله عنه برجلٍ يطأطئ رأسه في الصلاة، فقال: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب.
الإنسان أحياناً إذا صلى أمام الناس يبالغ في الخشوع، قال له: ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب ولكن الخشوع في القلوب . من شهد في إخلاصه الإخلاص فإخلاصه هذا يحتاج إلى إخلاص :
أيها الأخوة: هناك شركٌ خفي خطيرٌ جداً، يقول الله عز وجل يصف المؤمنين قال:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف ]

طبعاً المعنى هنا الشرك الخفي غير الجلي، لذلك الإخلاص ألا يرى الإنسان في إخلاصه الإخلاص، فمن شهد في إخلاصه الإخلاص فإخلاصه هذا يحتاج إلى إخلاص، أحياناً يتحدث عن إخلاصه أمام الناس، هذا الإخلاص الذي يتحدث عنه أمام الناس يحتاج إلى إخلاص.
المؤمن يخفي أعماله الصالحة كما يخفي أعماله السيئة خوفاً من الرياء، لكن هناك مواطن معينة لابد من أن تعلن ذلك.
أذكر مرة كان هناك بعض الجمعيات الخيرية، يدعون المحسنين قُبيل رمضان للتبرع، فكنت ألقي كلمةً فيهم، فكان المجموع رقم فلكي بالملايين، مرة جربوا طريقةً أخرى أن يعطوا أوراقاً ليملأها المحسنون فكان مجموع ما حصلوا عليه ستمئةُ ألف، العشر، أحياناً الإنسان إذا قال: أنا سأدفع مئة ألف، شريكه يقول: أنا مئة ثانية، مع كل واحد ورقة كتب أحدهم خمسة وعشرين، والثاني خمسة، لكن قال الشريك: مئة فقال الثاني: مئة، لذلك: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 271 ]
أحياناً أن تبدي الصدقة لك أجر بهذا ، إنك بهذا تشجع الناس على الإنفاق. المشرك من يربط طاعة الله بالخسران أو بالدمار :
أخواننا الكرام: الموضوع خطير جداً، لا يوجد إنسان يعصي الله إلا بسبب الشرك، هو لماذا يعصيه؟ من أجل شهوةٍ يؤثرها، لو علم أن القرب من الله أسعد للإنسان من هذه الشهوة لما عصى، إذاً هو لا يعرف ما عند الله من سعادة لو أطعته، لماذا يعصي الله؟ من أجل المال، لو علم أن الله هو الرزاق وحده لأطاعه، والله عز وجل كافأه بأضعاف مضاعفة، لأنه: (( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]

أيها الأخوة، دققوا في هذه الآية:
﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾
[ سورة القصص الآية : 57 ]
يقول محام الآن: إن صدقت لا تأتيني ولا دعوى، من قال لك ذلك؟ هذا شرك، إن أطعته تبقى بلا دخل وإن عصيته ترزق؟ هذا كلام غريب، إن لم أغش لا أربح آلافاً، الكلمات التي يقولها التجار متوهمين أنهم إن لم يفعلوا هذا الخطأ لا يربحون كلمات فيها شرك. ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾
[ سورة هود الآية : 112 ]
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
[ سورة فصلت الآية : 30 ]
﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة القصص ]
أي إنسان يربط طاعة الله بالخسران أو بالدمار فهو مشرك، مستحيلٌ وألفُ ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، ومستحيلٌ وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر. (( سبحانك إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت ))
[أحمد وأهل السنن وغيرهم من حديث الحسن بن علي]
تطيعه وتخسر؟ وتعصيه وتربح؟ هذا كلام الشيطان، أيعقل أنك إذا اهتديت إلى الله خُطفت من أرضك؟. الله عز وجل لا يرضى من عباده الشرك :
أيها الأخوة، كلام العوام ممتلئٌ بالشرك الخفي، الشفاعة التي وردت في القرآن الكريم لا تكون إلا لمن رضي الله عنه، ولن تعطى إلا لمن رضي الله له قولاً، قال تعالى :
﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ﴾
[سورة الأنبياء الآية : 28 ]
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 255 ]
والله لا يرضى من عباده الشرك، لذلك من مات غير مشرك نالته منفعة النبي أما من مات مشركاً حُرم من هذه الشفاعة.
الشرك أن تتجه إلى غير الله، وغير الله لا يوجد عنده شيء، الشرك أن تتجه إلى غير الله، أن تعلق الأمل على غير الله، أن تعتمد على غير الله، أن تتوهم أن خيرك من زيد وأن عبيداً قد يؤذيك، حينما تعزو الفعل إلى غير الله وقعت في الشرك الخفي، ليس إلا الله هو المعطي، هو المانع، هو الرافع، هو الخافض، هو الرزاق، هو المعز، هو المذل، هو الذي يسعد، هو الذي يشقي، حينما ترى أن يد الله تعمل وحدها، حينما ترى أنه لا إله إلا الله، لا معطي ولا مانع ولا خافض ولا رافع ولا معز ولا مذل ولا مسعد ولا مشقي إلا الله .
أنت دخلت لدائرة ولابدّ من أن تأخذ موافقة على هذا الطلب، أخبرك أحدهم أن هذا الطلب ليس من صلاحية أي موظف في الدائرة إلا المدير العام، هل يعقل أن تبذل ماء وجهك لغير المدير العام؟ لن تأخذ هذه الموافقة إلا من المدير العام حصراً، والدائرة عشرة طوابق، وفيها آلاف الموظفين، كل هؤلاء ليس من صلاحيتهم إعطاؤك هذه الموافقة، هل يعقل أن تقف على باب موظف عادي؟.
هذا هو التوحيد، سعادتك بيد الله، رزقك بيد الله، صحتك بيد الله، كل شيء تتوهمه من عند الناس هو من عند الله. من اعتمد على غير الله و توهم أن الأمر بيده فقد أشرك :
إنسان يقول لك: لا إله إلا الله، تدقق في أعماله، أعماله لا تنم عن توحيدٍ لله، تنم عن شركٍ خفي ، يقول لك: فلان يلزمني، فلان إذا خدمته يخدمني، وفلان عند الشدة اتصل به يخلصني، ما دمت متعلقٍ بزيدٍ أو عبيد فهذا نوعٌ من الشرك.

المعصية أحياناً كلمة تقولها، قد تبدو صغيرة لكنها تشير إلى خطأ كبير، إنسان يقول لك: الفاعل مرفوع أم منصوب، إذا نصب الإنسان الفاعل فهو بعيدٌ عن اللغة بعد الأرض عن السماء، فهناك أخطاء تبدو صغيرة لكنها تشير إلى خطأ فادح، لو قال لك أحدهم: كلما أكثرت الملح في الطعام انخفض ضغطك هذا ليس طبيباً، ولا ممرضاً، ولا إنساناً عادياً ، لا يوجد إنسان في الأرض إلا ويعلم أن الملح في الطعام يرفع الضغط، فإذا قال لك: هذا الملح يخفض الضغط، كلمة قالها، معنى ذلك أنه جاهل، لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت، والله عز وجل يقول :

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ ﴾
[ سورة العنكبوت الآية : 41 ]
من دون الله، اعتمد على صديق، على محام، على طبيب، على إنسان قوي علق عليه الآمال، توهم أن الأمر بيده، هو الذي يعطيه، هو الذي يمنعه، فقد أشرك. ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت ]
الله عز وجل نفى أن يكون له شريك أو معين أو ظهير :
والله أيها الأخوة، مرضٌ مستشرٍ في الناس، كل إنسان يتعلق بإنسان آخر، يرى سعادته بالولاء له، أو يرى شقاءه بالولاء له، يبتعد عن الصالحين خوفاً من أن يُتهم أنه منهم، يقترب من المنحرفين الأقوياء متوهماً أن بيدهم عطاءً أو منعاً، أو تقريباً، أو إبعاداً، هذا كله من الشرك ، مرة ثانية:
((الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور وتبغض على شيء من العدل ))
[أخرجه الحاكم عن عائشة أم المؤمنين ]

إنسان تعرفه منحرفاً جاءك منه خيرٌ كبير، فأنت على ولاءٍ له، تتعامى عن أخطائه الفادحة، عن معاصيه الكبيرة، هذا نوعٌ من الشرك، وإنسان آخر نصحك هذه النصيحة خدشت كبرياءك فغضبت، هذا نوعٌ من الشرك، بعضهم قال: أنت حينما تعتمد على إنسان هذا الإنسان إما أنه مالكٌ لهذا الكون، أو مالكٌ لجزءٍ منه، أو أنه شريكٌ مع الله فيه، أو أنه ظهيرٌ، أو أنه معين، أو أنه شفيع، فالله عز وجل نفى أن يكون له شريك، أو معين، أو ظهير.
أيها الأخوة، يقول الله عز وجل : ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴾
[ سورة سبأ ]
ولا معين، أيها الأخوة، هذا الذي تتوهم أنه بيده أمرك، ليس مالكاً، وليس شريكاً، وليس معينا،ً وليس شفيعاً، وليس ظهيراً. الموحد من يتجه إلى الله عز وجل لا إلى غيره :
لذلك:
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
[ سورة الإخلاص ]

حينما تتوجه إلى الله فأنت موحد، وحينما تتوجه إلى غير الله فهذا التوجه نوعٌ من الشرك الخفي.
أخواننا الكرام، لا يمكن أن تعصيه إذا كنت موحداً، بل المعصية سببها الشرك، لا يمكن أن ترجو غير الله إن كنت موحداً، إذا رجوت غير الله فهذا نوعٌ من الشرك، طبعاً الآن ليس في العالم الإسلامي صنمٌ يُعبد من دون الله هذا ولّى، الشرك الجلي من فضل الله تعالى نحن ناجون منه، لكن هناك شعوباً بآسيا تعبد صنم بوذا فهو عندهم إله، في العالم الإسلامي الشرك الجلي من فضل الله علينا لا وجود له، لكن الشرك الخفي هو الذي يتحدث عنه النبي عليه الصلاة و السلام وهو الذي قال : (( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قال: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله عز وجل إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟ ))
[أخرجه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد ]
الخطأ الذي يرتكبه الإنسان يسبقه خطأ في العلم أو التصور أو التوهم :

أيها الأخوة، أي خطأ يرتكبه الإنسان يسبقه خطأٌ في العلم، أو خطأٌ في التصور، أو خطأُ في التوهم، أنت إذا توهمت أن أمرك بيد فلان طبعاً من لوازم هذا التوهم أن تطيعه وتعصي الله.
عفواً الكلمة لعلها قاسية: إذا أطاع الإنسان زوجته وعصا ربه، وجاء العيد وقال: الله أكبر، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، هو في الحقيقة ما قال: الله أكبر، رأى طاعة زوجته أكبر من طاعة الله، قضية خطيرة، أنت حينما تطيع شريكك في معصية في البيع والشراء، وهذه المعصية تدر أرباحاً كثيرة، أنت حينما تقول: الله أكبر في العيد لا تقولها حقيقةً لأنك رأيت طاعة شريكك الذي جلب لك من الربح ما جلب هي أكبر عندك من طاعة الله، فكلمة الله أكبر تعني لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الله.
معرفة الله عز وجل أثمن ما في الدنيا :
أيها الأخوة، أثمن ما في الدنيا أن تعرف الله ، إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتتك معرفته فاتك كل شيء:
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
[ سورة الكهف الآية : 46 ]

والآية دقيقة، المال من دون بنين مؤلم جداً، لمن هذه الأموال الطائلة؟ والبنون من دون مال أشد ألماً .
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾
[ سورة الكهف الآية : 46 ]
إذاً المال زائل والأبناء زائلون ولا يبقى إلا الواحد الديان، ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾
قال بعضهم: الباقيات الصالحات سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أي إذا سبحته، وحمدته، ووحدته، وكبرته، فقد عرفته، وإن عرفته عرفت كل شيء. (( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[ تفسير ابن كثير]
إذاً سيدنا هود قال: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة هود ]
هذا هو التوحيد. الحقد أساسه الشرك بالله عز وجل :

أخواننا الكرام، الحقد أساسه الشرك، مثلاً إنسان عنده محاسب اختلف معه فطرده، وشى عليه أن هناك بضاعة غير صحيحة، غير نظامية، فدفع ـ القصة بعام السبعين ـ ستمئة ألف أي يقدر المبلغ الآن بستين مليوناً، فهذا صاحب المحل التجاري من شدة حقده على هذا الموظف أطلق عليه النار وأرداه قتيلاً، وهو الآن في السجن حكم ثلاثين عاماً، أنا تعليقي على هذه القصة لو أنه كان موحداً لما رأى هذه الخسارة من هذا الإنسان، رآها من الله، فصبر وعوضه الله أضعافاً مضاعفة، الحقد يأتي من الشرك، المشرك يحقد أما المؤمن فلا يحقد، لأنه يرى يد الله وحدها تعمل، فالتوحيد مريح جداً.
أيها الأخوة، هو الدين كله توحيد وتقوى .
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
كل شيءٍ وقع أراده الله :
هناك شيء آخر إذا قال الله عز وجل :
﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾
[ سورة الأنعام الآية : 59 ]

ما دام الله عز وجل يعلم الورقة إذا سقطت، فهناك أعمال كثيرة جداً بيد الله، أنت حينما توحد لا تندم، حينما توحد لا تحقد، حينما توحد لا تيئس، حينما توحد لا تضعف، حينما توحد لا تنافق.
والله أيها الأخوة، يكاد الدين كله أن يكون توحيداً، الموحد علاقته مع جهة واحدة بالأرض. ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
[ سورة محمد الآية : 19 ]
كل شيءٍ وقع أراده الله ، لكل شيءٍ حقيقة. (( لا يؤمنَ عبد حتى يؤمنَ بالقدر خَيرِه وَشَرِّه من الله، وحتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليُخطِئَه ، وأن ما أخطأه لم يكن لِيُصِيبَهُ ))
[أخرجه الترمذي عن جابر بن عبد الله ]
من ارتقى توحيده سعد و اطمأن في الدنيا و الآخرة :

أخواننا الكرام، كلما ارتقى توحيدكم سعدتم، وارتحتم، وأرحتم، واطمأننتم، ووفقتم، ووضعتم يدكم على جوهر الدين، جوهر الدين هو التوحيد، بل لا تكون عزيزاً إلا بالتوحيد، الإنسان غير الموحد يخاف، يتمسح بالآخر، يتذلل له، يرجو رضاه، و ليس هناك أصعب من أن تحتاج إلى لئيم، قيل: ما الذل؟ قال: أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يرده .
"والله والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون عليّ من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين" .
من وسائل النجاة من الشرك الإكثار من الدعاء التالي :

أيها الأخوة، من وسائل النجاة من الشرك الإكثار من هذا الدعاء :

(( اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه ))
[أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن أبي علي رجل من بني كاهل ]
أن يستشعر العبد قبح الشرك مهما صغر، أن يستشعر أنه يحبط العمل، أن يعلم المرائي بعبادته أن الناس متى عرفوا أنه يرائي صغر في أعينهم.
هذه كلها أيها الأخوة من وسائل أن ننجو جميعاً من الشرك.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-14-2018, 01:24 PM   #55


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثالث و الخمسون )

الموضوع : الفرار الى الله





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الفرار إلى الله :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ولا أعتقد أن هناك موضوعاً ألصق بهذه السلسلة من الدروس من هذا الموضوع إنه: "الفرار إلى الله"، والأصل في هذا الموضوع قوله تعالى:

﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة الذاريات الآية :50 ]
الحقيقة كيف يكون الفرار إلى الله وليس من الله؟ والفرق كبيرٌ بينهما، كل الناس في حالة فرار، أما السعداء منهم ففرارهم إلى الله عز وجل، إلى رحابه، إلى جنته، وأما الأشقياء ففرارهم منه لا إليه، ينشغلون عنه بملهياتٍ كثيرة تبعدهم عن ربهم جل جلاله، هؤلاء السعداء يفرون صعوداً إلى السماء، وهؤلاء الأشقياء يفرون سقوطاً إلى الأرض.
الله جل جلاله يطالبنا أن نفر إليه لا منه في قوله تعالى: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾

الفرار إلى الله هو العمل بطاعته، والبعد عن معصيته، الفرار إلى الله شوقٌ إلى الجنة، وطلبٌ حثيثٌ لها، وخوفٌ من النار، وفزعٌ كبيرٌ منها، الفرار إلى الله فرارٌ من الجهل إلى العلم، من الشرك إلى التوحيد، الفرار إلى الله فرارٌ من الغفلة إلى اليقظة، من ظلمة المعصية إلى نور الطاعة، الفرار إلى الله فرارٌ من الضيق إلى السعة، من الكدر إلى الصفاء، الفرار إلى الله فرارٌ من الكسل إلى الجد، ومن التخليط إلى الإخلاص، الفرار إلى الله فرارٌ من الخلق إلى الخالق، من الأرض إلى السماء، الفرار إلى الله فرارٌ من ضيق الصدر وانقباضه إلى طمأنينة القلب وانشراحه، من القلق إلى قرة العين، هذا هو الفرار إلى الله، الفرار إلى الله من سجن الدنيا ونكدها إلى نعيم الجنة وعبقها، الفرار إلى الله فرارٌ من ذلّ الشهوة ومرارتها إلى عز الطاعة وحلاوتها، الفرار إلى الله فرارٌ من حور الطين إلى حور العين، من النساء الكاسيات العاريات اللواتي يتلاعب بهن الشيطان إلى الحور العين اللواتي يباركهن الرحمن، الفرار إلى الله فرارٌ من الشقاء إلى السعادة.
الفرار إلى الله فرارٌ من الجهل بكل أنواعه إلى العلم بكل آفاقه :
أيها الأخوة، حينما لا نعلم نكون جهلاء، لكن عندما نعلم ثم لا نعمل يكون جهلنا مركباً، فرقٌ كبير بين الجاهل الذي لا يعلم وبين الذي يعلم ولا يعمل فهذا في جهالةٍ جهلاء، وضلالةٍ عمياء، الجهل مصيبة وعدم العمل بما نعلم كارثة.

أيها الأخوة، من منا يحب أن يوصف بالجهل؟ طبعاً لا أحد، لكن الذي يعلم ولا يعمل هو أجهل الجهلاء.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾
[ سورة الصف ]
الفرار إلى الله فرارٌ من الجهل بكل أنواعه إلى العلم بكل آفاقه، أي علمٍ هذا؟ العلم الذي يستنير به قلبك حتى يتوهج، دع عنك سوف، هلك المسوفون، دع عنك لعل، دع عنك ربما، دع عنك أخوات هذه الكلمات، اذبح عجل التسويف وطول الأمل بسيف العزم، والتشمير، والمبادرة، وارحل طلباً لما عند الله، تعال فما عند الله خيرٌ وأبقى وأحلى وأرقى، اعلم أنك ابن يومك، ولك الساعة التي أنت فيها، ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، ما مضى لا جدوى من الحديث عنه، مضى ولن يعود، والمستقبل لا تملكه، من منا يملك أن يضمن بقاءه لساعةٍ قادمة؟ ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، أنت بين يومٍ مفقود هو الماضي، ويومٍ مشهود هو الحاضر، ويومٍ مورود هو الموت، ويومٍ موعود هو يوم القيامة، ويومٍ ممدود إما في جنةٍ يدوم نعيمها أو في نارٍ لا ينفد عذابها، أخطر هذه الأيام اليوم المشهود، لك الساعة التي أنت فيها، لا تقل سوف أفعل هذا غداً، هلك المسوفون، الليل وانهار يعملان فيك، لو أن كل واحدٍ منا نظر إلى صورةٍ قبل عشرين عاماً لوجد فرقاً واضحاً جداً، هذا من فعل الليل والنهار، هذا أثر مضي الزمن، هذا أثر العمر، فالزمن هو البعد الرابع للأشياء، لكل شيءٍ طولٌ وعرضٌ وارتفاع، والبعد الرابع هو الزمن، الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما. على الإنسان أن يفر إلى الله كما طالبه الله عز وجل بهذا :
قرر، اتخذ هذا القرار الخطير أن تفر إلى الله كما يطالبك الله بهذا القرار
﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾

عاجلاً لا آجلاً، أمرٌ صريح فلماذا يراوغ الإنسان؟ اعرف الطريق وقد بانت لك آماده، وشمر للسير وقد لاحت لك معالمه، وقرر السفر ما دامت أنفاسك تتردد في صدرك، فلعلك تجد نفسك غداً محمولاً على الأعناق لتوضع في حفرةٍ ضيقةٍ، تنقلب على صاحبها إن كان غافلاً نيراناً محرقة، القبر روضةٌ من رياض الجنة أو حفرةٌ من حفر النيران، لئلا يقول الإنسان:
﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾
[ سورة الفجر ]
﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾
[ سورة الفرقان ]
يا خيبة العمر الذي يقضيه الإنسان في جهلٍ، وحمقٍ، وتنعمٍ، وغفلةٍ عن الله عز وجل. الفرار إلى الله يقذف الإنسان إلى السماء ليحيا في جنات القرب :

أيها الأخوة الكرام، ما من موضوعٍ فيما أرى أكثر اتصالاً بهذه السلسلة من الدروس سبل الوصول وعلامات القبول كهذا الموضوع ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾

ينبغي أن تفر من جهةٍ إلى جهة، من الجهل إلى العلم، من الشقاء إلى السعادة، من المعصية إلى الطاعة، لتكن هذه الآية شعارنا
﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾
دع هذه الآية تحتل أكبر مساحة من قلبك ومن عقلك ثم انظر ماذا تصنع فيك ولك.
الفرار إلى الله حقاً يقذفك مباشرة إلى السماء لتحيا في جنات القرب الحافلة بكل بهجةٍ ونعيم، وأنا في كل درسٍ أدعو وأقول: اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات، أي ينبغي أن نفر من الوهم والجهل إلى المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من صحّ فراره إلى الله ذاق ألواناً من أسرار العبادات لا تعد و لا تحصى :
كلما صحّ لك هذا الفرار تذوقت ألواناً من أسرار العبادات، تجعل قلبك يهتز وروحك تنتشي، وعقلك يهدأ، وعينك تقر، ونفسك تطمئن، والله الذي لا إله إلا هو بقلب المؤمن من السعادة ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم، بقلب المؤمن من الأمن ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم، الإيمان مرتبة عالية جداً، مرتبة علمية، مرتبة أخلاقية، مرتبة جمالية، أنت حينما تفر إلى الله تجد نفسك في يسرٍ، وراحةٍ، وطمأنينةٍ، وسعادةٍ، وقربٍ، وأملٍ، وتفاؤلٍ، وإشراقٍ، تستعلي به على كل زخارف الدنيا.

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 44 ]
تسمو فوق كل فخاخ الشيطان التي يحرص على أن يسوقها بين يديك وعلى عينيك ليفتنك بها، حقيقة الفرار إلى الله أن تشحن قلبك بالنور، أن يمتلئ القلب بالنور حتى يصبح كالكوكب الدري يوقد من شجرةٍ مباركة. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾
[ سورة الحديد الآية: 28 ]
قلب المؤمن الصادق مستنير يرى الحق حقاً والباطل باطلاً، يمتلئ القلب نوراً من أنوار الوحي حتى يتوهج، أولياء أمتي: (( خيار أمتي الذين إذا رُؤوا ذُكر الله ))
[أخرجه الطبراني عن عبادة بن الصامت ]
الفرار إلى الله فرارٌ من حظ النفس والهوى إلى مراد الله ورضوانه :
الفرار إلى الله فرار من حظوظ النفس الظاهرة والخفية التي تقطعك عن الله جل جلاله وتصرفك عن بابه، فرارٌ من حظوظ النفس الظاهرة والخفية، الفرار إلى الله فرارٌ من صحبة سوء تحول بينك وبين مولاك.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]

كن مع الصادقين، صاحبهم، اجلس معهم.
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف ]
ابتعد عن أصحاب السوء، عن أهل الدنيا، يا عائشة: (( إن كنتِ تريدين الإِسراعَ واللُّحوقَ بي فَلْيَكْفِكِ من الدنيا كزاد الرَّاكب، وإِيَّاك ومُجالسةَ الأغنياء، ولا تَسْتَخْلِقي ثَوبا حتى تُرَقِّعيهِ ))
[أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ]
من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط، أغنياء أهل الدنيا لا أغنياء أهل الإيمان، والله الغني المؤمن تشتهي أن تكون غنياً مثله من تواضعه، ومن سخائه، الفرار إلى الله فرارٌ من حظ النفس والهوى إلى مراد الله ورضوانه، وتحصيل رضاء الله غاية المنى، إذا رضيت فكل شيءٍ هينٌ، وإذا حصلت فكل شيءٌ حاصلُ . فليتك تحلو والحياة مــريرةٌ وليتك ترضى والأنام غضــابُ
وليت الذي بيني وبينك عـامرٌ وبيني وبين الـــعالمين خرابُ
إذا صح منك الوصل فالكل هينٌ وكل الذي فوق الــترابِ ترابُ
* * *
فـلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لـما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العُجب وجئتنـا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرةً عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
* * *
ولو نسمت من قربنا لك نسمةٌ لمت غريباً واشتياقاً لـــقربنا
ولو لاح من أنوارنا لك لائحٌ تركت جميع الكائنات لأجلنـــا
فما حبنا سهلٌ وكل من ادعى سهولته قلنا له قد جهلتنـــا
* * *

ثمرات الفرار إلى الله :
1 ـ راحة القلب :

أيها الأخوة، ثمرات الفرار إلى الله كثيرةٌ جداً منها: راحة القلب.

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
[ سورة الرعد ]
2 ـ قرة العين :

منها قرة العين.
﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾
[ سورة الفرقان الآية : 74 ]
3 ـ سكينة النفس :
منها سكينة النفس، هذه السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، هي جنةٌ معجلة، في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، قال تعالى:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
ذاقوا طعمها في الدنيا، ماذا يفعل أعدائي بي؟ كما قال بعض العلماء: إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟
الفرار إلى الله جنةٌ معجلة، نعيمٌ يتجدد رغم المشقات التي يعانيها المؤمن، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾
[ سورة العنكبوت الآية: 69 ]


القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوةً لا ترضي الله :
ولكن الله عز وجل كثيراً ما يقول:
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الجاثية ]

لكن سوف يعلمون، هذا كله.
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء ]
قالوا: القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوةً لا ترضي الله، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، ولا يُحكّم غير شرع الله، ولا يعبد إلا الله، المشكلة أن معظم الناس يفرون من الله إلى الدنيا، من درس علمٍ إلى مجلس غناء، من مجلس حقٍ إلى مجلس غيبة، هل لنا ربٌ سوى الله؟ هل رأينا نور الدنيا إلا بتقديره وكرمه؟ منحنا نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد. ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾
[ سورة الرحمن ]
الفرار إلى الله يكون باتباع أوامره واجتناب نواهيه :
﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾

فروا من صوت الشيطان إلى صوت الرحمن.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 24 ]
أيها الأخوة، الفرار إلى الله يكون باتباع أوامره واجتناب نواهيه، والوقوف عند الحلال والحرام، والاهتداء بتعاليم المصطفى المختار، لقد قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
[ سورة الحشر الآية : 7 ]
من الأمور التي تعين على الفرار إلى الله :
1 ـ محبة الله :
الآن كخطوات عملية من الأمور التي تعين على الفرار إلى الله من هذه الأمور: أن تحب الله.
(( أحِبُّوا الله لما يَغْذوكم من نعمه ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]

محبة الله قارب النجاة من الفتن، عاصم المرء من الخطايا، حب الله ينجي المسلم من الغرق في بحر الدنيا، ينجي المسلم من اللهاث وراء مُتعها وشهواتها، فالذي تعلق قلبه بالله لا يطغى عليه حبٌ آخر، والله تعالى يقول:
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]
والله عز وجل يؤكد هذا الحب، حب المؤمن لله. ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 165 ]
حب الله عز وجل والتعلق به يصنع المعجزات، إذ يهتدي المسلم بهدى الله، ويسترشد بهدي رسول الله. 2 ـ محبة رسول الله :

من الوسائل المعينة على الفرار إلى الله: أن تحب رسول الله، يقول الله عز وجل:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾
[ سورة آل عمران الآية 31 ]
ويقول عليه الصلاة والسلام: (( لا يُؤمن أحدُكم حتَّى أكونَ أحبَّ إليه مِنْ والده وولدِهِ والنَّاس أجمعين ))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أنس بن مالك ]


3 ـ الورع :

من وسائل الفرار إلى الله: الورع، ورد: ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلط، والمخلط الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً.

(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))
[أخرجه الترمذي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة ]
فالمسلم يتقرب إلى الله ولابد لهذا التقرب من الورع، يدقق في الحلال فيأتيه، يدقق في الحرام فيجتنبه، فقد كان الصحابة الكرام يتحرون في هذا الشأن.

4 ـ تجديد التوبة :

من وسائل الفرار من الله: تجديد التوبة، المؤمن كثير التوبة.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ﴾
[ سورة التحريم الآية: 8 ]
ويقول عليه الصلاة و السلام: (( والله إِني لأستغفرُ الله وأَتوبُ إليه في اليومِ سَبعينَ مَرة ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة ]



5 ـ الاستعداد للآخرة وتذكر الموت :

من وسائل الفرار إلى الله الاستعداد للآخرة وتذكر الموت.

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
6 ـ التقرب إلى الله بالنوافل :

من وسائل الفرار إلى الله التقرب إلى الله بالنوافل، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:

(( من عادى لي وَلِيّا، فقد آذَنتُه بحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مِنْ أداءِ ما افترضتُ عليه ))
[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
الآن دققوا: (( ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ، فإذا أحببتُهُ كُنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألَني أعْطَيتُه، وإن استَعَاذَ بي أعَذْتُه، وما تردَّدتُ عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مَساءَتَه))
[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
7 ـ الرفقة الصالحة :

ومن وسائل الفرار إلى الله الرفقة الصالحة.

(( المرءُ على دِين خليله ، فلينظرْ أحدُكُم مَن يُخَالِلْ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي، عن أبي هريرة ]
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف ]
أيها الأخوة الكرام، مرةً ثالثة ما من موضوعٍ ألصق بهذه السلسلة من الدروس من هذا الموضوع؛ الفرار إلى الله.





والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-14-2018, 01:27 PM   #56


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الرابع و الخمسون )

الموضوع : من لوازم الفرار إلى الله أن تقمع الفتنة، وتضيق على أهل المعصية







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
موضوع الإيمان موضوعٌ خطير يحدد مصير الإنسان :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو "الفرار إلى الله".
ورد في الأثر:
(( أن شمروا فإن الأمر جد ))

هناك موضوعات توصف بأنها مصيرية أي أنها تحدد مصير الإنسان، موضوع الدين، موضوع الإيمان، موضوعٌ مصيري، هناك موضوعات لا تقدم ولا تؤخر، هناك موضوعات ليس لها أثر مستقبلي، بينما موضوع الإيمان وموضوع الدين موضوعٌ خطير، هذا الموضوع يحدد ما إذا كان مصير الإنسان في جنةٌ يدوم نعيمها أو في نارٍ لا ينفذ عذابها لذلك:
(( أن شمروا فإن الأمر جد ))
أحياناً الإنسان لا سمح الله ولا قدر يكتشف ورماً، يحلل فإذا هو ورمٌ خبيث، آلاف الموضوعات الثانوية يهملها، يبحث عن علاج، ماذا يفعل؟ يأخذ دواء كيماوياً، يجري عملية استئصال، هذا الموضوع يحدد مصيره وقد ينتهي به إلى الموت.
هناك موضوعات لا تقدم ولا تؤخر، وموضوعات مصيرية، فموضوع الإيمان موضوع مصيري. (( أن شمروا فإن الأمر جد، وتأهبوا فإن السفر قريب ))
الإنسان يفصله عن القبر ثانية، بينما هو ملء السمع والبصر إذا هو خبر تحت أطباق الثرى، فلذلك: (( أن شمروا فإن الأمر جد، وتأهبوا فإن السفر قريب، وتزودوا فإن السفر بعيد))

كلما طال السفر فإن السفر بعيد، كلما طال السفر كبرت الحاجات التي يحتاجها لهذا السفر البعيد.
(( واخلصوا النية فإن الناقد بصير))
أي: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾
[ سورة الحاقة ]
أنت أمام الله مكشوف، لك أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، ولك أن تخدع كل الناس لبعض الوقت، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت فهذا من سابع المستحيلات، أما أن تخدع الله أو أن تخدع نفسك لثانية واحدة فهذا مستحيل!. ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾
[ سورة القيامة ]
لذلك : (( اخلصوا النية فإن الناقد بصير، وخففوا الأثقال فإن في الطريق عقبةً كؤود لا يجتازها إلا المُخِفون))
[ورد في الأثر]
يا أبا ذر جدد السفينة فإن البحر عميق. الفرار إلى الله قمع الفتنة و محاصرة المعصية :
أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن نجدد إيماننا، الفتن كثيرة، نحن في عصر ما أكثر الصوارف عن الدين، وما أكثر العقبات التي تقف بينك وبين الدين، عقباتٌ لا تعد ولا تحصى، وصوارف لا تعد ولا تحصى.
(( يأتي على الناس زمان، الصابر فيه على دِينه، كالقابض على الجمر ))
[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]

لذلك أيها الأخوة مرة ثانية: الفرار إلى الله أن تقمع الفتنة، أن تحاصر المعصية، أن تسد كل الطرق المؤدية إلى النار، أن تجفف ينابيع المعصية والآثام.
فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري من حديث النعمان ابن البشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير ]
يقول عليه الصلاة و السلام: (( فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير ]
نحن في قاربٍ واحد، فإن لم تبادر إلى إنكار المنكر فنحن هلكى جميعاً. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علة خيرية هذه الأمة :
أيها الأخوة، لذلك يعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في موضوع الفرار إلى الله موضوعاً أساسياً في هذا الشأن، شأن الفرار إلى الله عز وجل.

فلذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الفريضة السادسة إن صحّ أن في الإسلام فريضةً سادسة فهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولأن علة خيرية هذه الأمة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 110 ]
أيها الأخوة، فإن لم نأمر بالمعروف ولم ننهَ عن المنكر فقدنا خيريتنا، وأصبحنا أمةً كأية أمةٍ شردت عن الله عز وجل، وهذا معنى قوله تعالى يخاطب الله الذين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، ردّ الله عليهم فقال: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 18 ]
أي لا شأن لكم عند الله، لذلك اضطر العلماء إلى تقسيم أمة رسول الله إلى أمتين؛ أمة الاستجابة التي استجابت لله وللرسول من أجل أن تحيا حياة الإيمان، هذه الأمة هي المعنية بقوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
وأمة التبليغ هي الأمة التي لا وزن لها عند الله عز و جل، شأنها كشأن أية أمة ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
أمانة العلماء أمانة التبيين وأمانة الأمراء أمانة التغيير :
لذلك أيها الأخوة، الحديث الذي يعد في أعلى مراتب الصحة:
(( من رأى منكُم منكراً فلْيُغَيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري ]

إن صحّ أن هناك أُمراء وعلماء، العلماء مهمتهم إنكار المنكر بألسنتهم، هذه أمانتهم أمانة التبيين، والأمراء مهمتهم أن ينكروا المنكر بالقوة، وهذه أمانة الولاية.
ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب؟ سيدنا عمر سأل أحد الولاة، قال: أقطع يده، قال: إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائعٌ أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها في الطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.
لذلك أمانة العلماء أمانة التبيين، إنكار المنكر باللسان، وأمانة الأمراء أمانة التغيير باليد، لأن الله أعطاهم قوةً، ومن أدق ما قاله الإمام الشافعي في قوله تعالى: ﴿أ َطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾
[ سورة النساء الآية: 59 ]
من هم أولو الأمر؟ قال: هم العلماء والأمراء معاً، العلماء يعلمون الأمر والأمراء ينفذون الأمر، لذلك: (( من رأى أمراً منكراً فلْيُغَيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ))
[مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري]
من أمر بمعروف فليكن أمره بالمعروف ومن نهى عن منكر فليكن نهيه من دون منكر:
إلا أن العلماء قالوا: لا يقبل أن تغير المنكر بلسانك إن كنت قادراً أن تغيره بيدك، كما أنه لا يقبل أن تنكر المنكر بقلبك إذا كنت قادراً أن تغيره بلسانك، من هنا استنبط العلماء أنك إذا أمرت بالمعروف فليكن أمرك بالمعروف، وإذا نهيت عن المنكر فليكن نهيك من دون منكر.
أحياناً الإنسان من ضعف حكمته ينكر منكراً فينشأ من إنكار هذا المنكر منكراً أشد خطراً على المجموع من المنكر الذي أنكره، طريقة إنكار المنكر قد تسبب منكراً أشد، فلابد من أخذ الحكمة.

لذلك في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:

(( مَا مِنْ نبيٍّ بعثَهُ اللهُ في أمَّةٍ قَبْلي، إلا كانَ له من أمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وأصحابٌ يأخذون بسُنَّتِه، ويقتدون بأمره، ثم إنَّها تَخْلُفُ من بعدهم خُلوف ))
[أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
الخلوف هي جمع خلف من يأتي بعدهم. (( ثم إنَّها تَخْلُفُ من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جَاهَدَهُم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ))
[أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
الآن دققوا. (( لَيس وراءَ ذلك من الإيمان حَبَّةُ خَرْدَل ))
[أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
أي إن لم تنكر بقلبك، وإن لم تنكر بلسانك، وإن لم تنكر بيدك، اعلم علم اليقين أنه ليس في قلبك ذرة إيمان، الحديث خطير جداً. (( مَا مِنْ نبيٍّ بعثَهُ اللهُ في أمَّةٍ قَبْلي، إلا كانَ له من أمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وأصحابٌ يأخذون بسُنَّتِه، ويقتدون بأمره، ثم إنَّها تَخْلُفُ من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جَاهَدَهُم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، لَيس وراءَ ذلك من الإيمان حَبَّةُ خَرْدَل ))
[أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
لذلك قالوا: من غاب عن معصيةٍ فلم ينكرها، ومن شهد معصيةٍ فلم ينكرها، فهو في ورطةٍ كبيرة، أي إذا قيل لك: في بلادٍ بعيدة هناك تبادل زوجات، مثلاً قلت: والله شيء ممتع مثلاً، هذا المنكر البعيد يبعد عنك آلاف الكيلومترات إذا أقررته كأنك شهدته، ومن شهد معصيةً فأنكرها كان كمن غاب عنها، كلام دقيق، إذا غبت عن معصيةٍ فلم تنكرها كأنك قد شهدتها، وإذا أنكرت معصيةً كنت كمن غاب عنها، فلابد من إنكار المنكر. أضعف الإيمان أن ينكر الإنسان المنكر بقلبه :
أيها الأخوة، أضعف الإيمان أن تنكر بقلبك، لكن هناك حالة أنا أسميها السلبية المدمرة، إنه مالي ومال الناس، لهم ربٌ يحاسبهم، لذلك الله عز وجل حينما أرسل الملائكة ليهلكوا قوماً قالوا:
(( إن فيها عبدك فلان لم يعصك طرفة عين؟ قال: اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
اعلم علم اليقين إن لم تنكر المنكر فأنت في ورطة كبيرة جداً ولو بقلبك. حينما يكف المسلمون عن إنكار المنكر يعمهمُ الله تعالى بالعقاب الشديد :
أيها الأخوة، هناك من يفهم هذه الآية فهماً ما أراده الله، يقول لك أحدهم:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة المائدة ]

سيدنا الصديق، أو سيدنا صديق هذه الأمة أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه خاف من هذه السلبية القاتلة من منطلق فهمٍ مغلوط ومقلوب لهذه الآية، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
(( أيُّها الناس، إنكم تقرؤونَ هذه الآية وتَضَعونَها على غير موضِعِها، وإني سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من قوم يُعْمَلُ فيهم بالمعاصي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ على أنْ يُغَيِّرُوا ولا يغيرون، إلا يوشِكُ أن يَعُمَّهُم الله بعقاب ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي بكر الصديق ]
وهذا حال معظم المسلمين، أي لا أحد يكلف نفسه أن ينكر منكراً، تأتي ابنة أخيه شابة في ريعان الشباب متفلتة في ثيابها، كل مفاتنها ظاهرة، فالعم يرحب بها، ويثني على جمالها، وعلى شبابها، ويسألها عن دراستها، وكأنها لا تفعل شيئاً، فحينما يكف المسلمون عن إنكار المنكر يعمهمُ الله بالعقاب، أنا أقول لكم: حينما قال عليه الصلاة و السلام: (( كيف بكم أيها الناس إذا طغى نساؤكم وفسق فتيانكم؟ قالوا : يا رسول الله إن هذا لكائن؟ قال: نعم وأشد منه كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا: يا رسول الله إن هذا لكائن؟ قال: نعم وأشد منه كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفاً والمعروف منكراً؟ ))
[أخرجه أبو يعلى والطبراني عن أبي هريرة ]
نحن في عصر تبدل القيم، الذي ينفق ماله في سبيل الله يُتهم بالجنون، والذي ينصح الأقوياء يُتهم بالحمق، المنافق اسمه لبق، والفتاة المتفلتة لها اسم حديث سبور مثلاً، والكذب لباقة، والنفاق مرونة، فكل هذه القيم تبدلت، لذلك أهجى بيتٍ قالته العرب: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
* * *

هذا البيت أصبح شعار معظم الناس: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
* * *

حينما تفقد الأمة خيريتها يتحقق الهلاك و الدمار :
في الصحيحين من حديث زينب رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم دخل يوماً عليها فزعاً، النبي الكريم دخل عليها فزعاً، وفي روايةٍ استيقظ يوماً من نومه فزعاً يقول:
(( لا إله إلا اللّه، ويَلٌ لِلْعَرَبِ من شَرّ قد اقْتَرَب، فُتِحَ اليوم من رَدْم يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذه وحَلَّقَ بأصْبَعِهِ : الإبهام والتي تَليِها فقالت زينب بنتُ جَحْشٍ: فقلت: يا رسول اللّه أَنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم ، إذا كَثُرَ الْخَبَثُ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن زينب بنت جحش أم المؤمنين ]

حينما تكف الأمة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حينما تفقد الأمة خيريتها أو تفقد علة خيريتها يتحقق الهلاك، فهل في تاريخ هذه الأمة من ظرفٍ عصيب، من محنة قاسية، من عدوان، من احتلال، من قهر، من إذلال كهذه الحقبة؟.
(( ويَلٌ لِلْعَرَبِ من شَرٍ قد اقترب، أَنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كَثُرَ الْخَبَثُ ))
أخواننا الكرام، الإمام مالك في موطئه أفرد باباً بعنوان باب ما جاء في عذاب العامة بعمل الخاصة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة ))
[أخرجه الطبراني والإمام عن عدي بن عميرة الكندي ]
وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 25 ]
هناك فهم غير دقيق لهذه الآية، يقول لك: الرحمة خاصة والبلاء يعم، والحقيقة الرحمة خاصة والبلاء خاص، أما حينما عمّ البلاء بمعنى أن العامة لم تنكر على الخاصة فعدم إنكار المنكر ذنبٌ كبير. من يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله ولا تشقى نفسه :

أيها الأخوة، العالم الغربي عاش الإباحية، عاش التفلت، عاش الانحراف، عاش تصيد اللذة من أي طريق، هذا العالم الغربي وقع في هذا الانحراف الخطير، المشكلة الخطيرة أنه يريد أن يعمم هذه الحالة المرضية على العالم الإسلامي، هنا المشكلة.
لذلك بعض المؤتمرات مؤتمرات السكان التي تلزم العالم الثالث بنمطٍ إباحي حينما عدوا الزواج أنواعاً ثلاث: زواج مثلي ذكر مع ذكر، وزواج مثلي أنثى مع أنثى، وزواج تقليدي ذكر مع أنثى، حينما جعلوا مفهوم الزواج مفهوماً انحرافياً إباحياً، هذا مما يفعله العالم الغربي في عالم المسلمين.
أيها الأخوة:
﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً ﴾
[ سورة طه الآية: 123 ]
سيدنا آدم وحواء: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ﴾
[ سورة طه الآية: 123 ]
الآن دققوا: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾
[ سورة طه الآية: 123 ]
لا يضل عقله ولا تشقى نفسه. ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
اجمع الآيتين: من يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت.
ضيق القلب شأن من لا يذكر الله عز وجل :

ماذا بقي من سعادة الدنيا والآخرة؟.

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾
[ سورة طه الآية: 124 ]
بعضهم قال: ما شأن الملوك والبلاد كلها في ملكهم؟ ما شأن الأغنياء الذين يملكون المليارات الممليرة بهذه الآية؟ فأجاب بعض المفسرين: ضيق القلب، قد تجمع ثروة أهل الأرض، وقد تعتلي أعلى منصباً في الأرض إن لم تكن ذاكراً لله. ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[ سورة طه ]
في قلب المؤمن من السعادة والطمأنينة ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم :

أحد كبار العلماء العارفين بالله إبراهيم بن الأدهم المدفون بجبلة، هذا كان ملكاً فترك الملك، وقال هذه المقولة: لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف.
بقلب المؤمن من السعادة، من الطمأنينة، من الراحة النفسية، من الرضا، ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم.
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾
[ سورة طه ]
أيها الأخوة الكرام، الفرار إلى الله ألصق موضوعٍ بسبل الوصول وعلامات القبول، ومن لوازم الفرار إلى الله أن تقمع الفتنة، أن يضيق على أهل المعصية، وإلا عمّ البلاء أهل الأرض، وعمّ البلاء المسلمين خاصة.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-14-2018, 01:30 PM   #57


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الخامس و الخمسون )

الموضوع : الحياء فضيلة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الحياء :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع اليوم "الحياء"، هذه المنزلة إن صحّ التعبير منزلة الحياء مستنبطةٌ من آيةٍ كريمة هي قوله تعالى:
﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾
[ سورة العلق ]
الله يراك، مطلعٌ عليك، سميعٌ لما تقول، عليمٌ بما يجول به خاطرك.

أيها الأخوة، كلٌ منا إذا شعر أنه مراقب كيف يتصرف؟ بانضباطٍ شديد، إذا شعر أن هاتفه مراقب كيف يتحدث في الهاتف؟ بانضباطٍ مذهل، الإنسان حينما يشعر أن إنساناً من بني جلدته لكنه أقوى منه يراقبه لاشك أنه ينضبط، فكيف إذا علم أن خالق السموات والأرض يراقبه، الله عز وجل يقول:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
[ سورة الشعراء ]
﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾
[ سورة الشعراء ]
يراك في فراشك، يراك في بيتك، يراك مع أخوانك، يراك في بيعك وشرائك، يراك في علاقاتك، يراك في سفرك وفي حضرك، يراك في كل شؤونك، ﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾
شعور المؤمن أن الله معه شعور في أعلى مستويات الإيمان :
أيها الأخوة، الآية الثانية:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾
[ سورة العلق ]
أخوتنا الكرام، أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه، شعور المؤمن أن الله معه شعور في أعلى مستويات الإيمان. ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
[ سورة الحديد الآية : 4 ]
هو معكم بعلمه، ما من حركةٍ، ولا من سكنةٍ، ولا من كلمةٍ، ولا من توهمٍ، ولا من نظرةٍ إلا يعلمها، لا تخفى عليه خافية، أيها الأخوة. الله تعالى مع الإنسان في كل حركاته و سكناته :
آيةٌ ثالثة:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ﴾
[ سورة النساء الآية : 1 ]
الشاهد: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
[ سورة النساء ]
هو يراك، ويعلم ما يجول في خاطرك، ويسمعك، ﴿ وكَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾
هذه المنزلة منزلة الحياء مستنبطة من هذه الآيات. على الإنسان أن يراعي الحياء أمام الله عز وجل :

أيها الأخوة، مرةٌ ثانية: إنسان من بني جلدتك لكنه أقوى منك إذا كان يراقبك تنضبط أشد الانضباط، أحياناً تبتعد عن الشبهات، تبتعد عن كلمة تؤول على طريقتين، تختار كلمة لا تؤول لأنك مراقب، فكيف إذا كان خالق السموات والأرض؟ من بيده شؤونك، من بيده صحتك، من بيده مرضك، من بيده رزقك، من بيده سعادتك، من بيده أن يعطيك أو أن يمنع، أو أن يرفع أو أن يخفض، أو أن يعز أو أن يذل؟ إذا كان هذا الخالق العظيم ﴿ يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾
﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
ماذا ينبغي أن تكون حالك معه؟ حال الحياء.
الآن تذهب إلى بلاد الغرب، تدخل إلى محل تجاري كبير، فيه بضائع بالمليارات، لكن هذا المحل مراقب تلفزيونياً

انضباط مذهل، يقول لك: الطريق مراقب فيه رادار، كانت السعة مئة وعشرين الآن ستين، هذه نماذج من حياتنا اليومية، إنسان أقوى منك واضع جهاز تصوير في الطريق، وإذا ضبطك بسرعة تفوق السرعة المحددة ستدفع عشرة آلاف، وهناك مخالفات بمئات الألوف، ألا يستحي الإنسان أن ينضبط مع إنسان من بني جلدته لكنه أقوى منه ولا ينضبط مع خالق السموات والأرض؟.
أيها الأخوة، مثل آخر: لو أنه ضيفاً من أقربائك رفيع المستوى، من أوجه وجهاء البلد، زارك في العيد، ماذا تفعل؟ ترتدي أجمل ثيابك، تضبط كلامك، تجلس جلسة مؤدبة مع إنسان، لا يمكن أن تقابل إنساناً كبيراً وفي يدك سُبحة تعبث بها، مستحيل! أنت دون أن تشعر مع إنسان قوي أو كبير، علماً، أو قوةً، أو مالاً، تجلس أمامه بأدب، تتحدث بكلام منضبط، لا تقول كلمةً لا يليق بك أن تقولها، فأنت راقب نفسك مع إنسان من بني جلدتك، أليس الله سبحانه وتعالى أحق أن تراعي الحياء أمامه؟
لذلك هناك آية كريمة يمكن أن تضاف إلى هذه الآيات: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
[ سورة غافر ]
ارتباط الحياء بالإيمان :
أضرب مثلين: أنت جالس في بيتك والنافذة مفتوحة، وهناك بناء أمام بيتك، فيه شرفة، خرجت امرأةٌ حسناء ترتدي ثياباً فاضحة، أنت إذا نظرت إليها ليس على وجه الأرض جهةٌ تضبط هذه المخالفة، أنت في غرفة مظلمة، والنافذة مفتوحة، وامرأةٌ حسناء وقفت على الشرفة بثيابٍ فاضحة، لك أن تملأ عينيك من محاسنها، ولكن المؤمن يغض بصره لأنه يعلم أن الله يراه، هو في البيت، أنا أتيت بمخالفة لا يمكن أن تضبط في الأرض.

مخالفة ثانية: طبيب، و لك أن تنظر إلى مكانٍ في جسم المرأة تشكو منه، لو أنك اختلست نظرةً لمكانٍ لا تشكو منه، هل في الأرض كلها جهةٌ تستطيع أن تضبط هذه المخالفة إلا الله؟

﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
أية نظرةٍ، أية حركةٍ، أية سكنةٍ، أية ابتسامة، ليست في مكانها، أي غضبٍ ينبغي ألا يكون الله يعلمه وسيحاسب عليه، في الحديث الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن سالم بن عبد الله عن أبيه: (( أنَّ رَسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم مَرَّ على رَجُلٍ من الأنْصَار وهُو يَعِظُ أخَاهُ في الْحياءِ، فقال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: دَعْهُ فَإنَّ الحياءَ من الإيمانِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عبد الله بن عمر ]
عجيب! منزلة الحياء مرتبطة بالإيمان، فالمؤمن يستحيي، وغير المؤمن لا يستحيي نعكسها، الذي يستحيي مؤمن والذي لا يستحيي ليس مؤمناً، أبسط الأمور أن إنساناً يتحدث بطرف جنسية فاحشة ليس فيه حياءٌ أبداً، لا يخجل من ذكر العورات، وذكر ما يكون بين الرجل وامرأته في الفراش، فالذي يتحدث بهذه الموضوعات بإسهابٍ وتفصيلٍ ويسمي الأشياء بأسمائها هذا ليس عنده حياء من الله عز وجل. ضبط اللسان من علامات الإيمان :
والله أيها الأخوة، الذي يلفت النظر أنك تجلس مع مؤمن، أو تعيش مع مؤمن لثلاثين عاماً لا تسمع منه كلمة تخدش الحياء أبداً، القول الرائع:
(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك ]
من أبرز خصائص المؤمن ضبط اللسان، لا يوجد كلمة فاحشة، ولا كلمة بذيئة، ولا كلمة يسمي العورة باسمها، هناك انضباط شديد.
فلذلك من علامات الإيمان ضبط اللسان، وأسباب ضبط اللسان الحياء من الواحد الديان، هناك حياء، إذاً قال: (( دَعْهُ فَإنَّ الحياءَ من الإيمانِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عبد الله بن عمر ]
أنت مؤمن فأنت تملك خلق الحياء، أنت حيي فأنت مؤمن.
تناقض الخيانة والكذب مع الإيمان :
أخوتنا الكرام، من أدق الأحاديث الشريفة:
(( يطبع المؤمن على الخلال كلها ))
[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]
هناك مؤمن عصبي المزاج، ومؤمن يغلب عليه الحلم، وكلاهما مؤمن، هناك مؤمن يحب أن يلتقي بالآخرين، منفتح، ومؤمن يؤثر أن يبقى في البيت، تعزف نفسه على أن يلتقي بأحد، وكلاهما مؤمن، هناك مؤمن يعتني كثيراً بثيابه، ومؤمن أقل عناية، أكثر عناية وأقل عناية، هناك مؤمن يبالغ في اختيار الألوان المناسبة لثيابه، عنده ذوق عال في الثياب، و مؤمن أقل من ذلك، هذه كلها خلال: (( يطبع المؤمن على الخلال كلها ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة الباهلي ]
مؤمن عصبي على العين والرأس، قلبه نظيف، قلبه طاهر، مؤمن يغلب عليه الحلم على العين والرأس، مؤمن إنفاقه أكثر مما ينبغي كريم على العين والرأس، مؤمن إنفاقه مدروس جداً، دخله محدود، وعنده أولاد، معه الحق مقبول، أنا يمكن أن ألقي على مسامعكم مئات الحالات من اختلاف الطباع وأصحابها مؤمنون. (( يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة الباهلي ]
وكأن الخيانة والكذب تتناقضان مع الإيمان، فالمؤمن لا يكذب، والمؤمن لا يخون، وأنت أيها الأخ الكريم: تتعامل مع موظف، قد يرتكب مئات الأخطاء مقبولة إلا إذا كذب أو خان ليس لك من مصلحةٍ أن يبقى عندك، إذا خان أو كذب قالت: ﴿ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾
[ سورة القصص ]
لذلك قال النبي الكريم: (( دَعْهُ فَإنَّ الحياءَ من الإيمانِ ))
علامة غير المؤمن أنه لا يستحيي، لا بكلمة بذيئة، ولا بذكر عورة، ولا بطرفة فاحشة، ولا بالتحديق في عورات من حوله، ولا بالتعليق القاسي على ما يرى، هذه كلها من صفات غير المؤمن، لذلك مرتبة الحياء من أفضل مرتبات المؤمن. المؤمن يستحيي أن يعصي الله فالحياء يحمله على الاستقامة :
عن أبي السوار العدوي قال: سمعت عمران بن حصينٍ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( الحياءُ لا يَأْتي إلا بِخَيْرٍ، فقال بُشَيْرُ بنُ كَعْبٍ: إنَّهُ مَكتوبٌ في الْحِكْمَةِ: إنَّ منه وَقارا، ومنه سَكينة ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن عمران بن حصين ]
الذي يستحيي عنده وقار، والذي يستحيي يتنزل على قلبه السكينة، الذي يستحيي له مهابة، له وقار، والذي يستحيي تتنزل على قلبه السكينة مكافأةً من الله له، وقار أمام الناس وسكينة في قلبه، أي أبسط مفهومات الحياء أن المؤمن يستحيي أن يعصي الله، إذاً الحياء حمله على الاستقامة، المؤمن يستحيي أن يغتاب إنساناً حمله حياءه على الاستقامة. التوحيد أعلى درجات الإيمان :
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة و السلام:
(( الإيمان بضع وسبعون شُعبة، وأفضلها قول: لا إله إلا الله ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
أعلى درجات الإيمان أن تكون موحداً، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، والتوحيد نهاية العلم، نهاية العلم أن تكون موحداً، ألا ترى مع الله أحداً، أن ترى الأمور كلها بيد الله، ألا ترى رافعاً إلا الله، ولا خافضاً إلا الله، ولا معطياً إلا الله، ولا مانعاً إلا الله، ولا معزاً إلا الله، ولا مذلاً إلا الله، هذا هو التوحيد، علاقتك مع جهة واحدة، مع خالق السموات والأرض، لذلك: (( لا يخافن العبد إلا ذنبه ))
[ورد في الأثر]
هناك أقوياء ، وطغاة، وأشخاص شريرون، ووحوش مخيفة، وحشرات لدغتها قاتلة، الأخطار لا تعد ولا تحصى، ولكن لا تخف منها كلها، خف من ذنبٍ تقترفه، هذا الذنب يستدعي أن يسمح الله لهؤلاء الأشرار أن يصلوا إليك: (( لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه ))
بطولة الإنسان لا أن يؤمن بالله فحسب بل أن يؤمن بأنه فعال لما يريد أيضاً :
أيها الأخوة الكرام، إذاً:
(( الإيمان بضع وسبعون شُعبة، وأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

هناك حجر لو أبقيته في مكانه ربما يؤذي إنساناً، هناك شيء من الفاكهة يدعو إلى التزحلق، نزعتها وضعتها في مكانها، إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان، الإيمان ثلاث وستون، أو ثلاث وسبعون شعبة، أعلاها التوحيد وأدناها أن تميط الأذى عن الطريق.
(( والحياءُ شُعْبَةٌ من الإيمان ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
لذلك قال تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف ]
البطولة لا أن تؤمن بخالق السماوات والأرض أن تؤمن بأنه: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
[ سورة البروج الآية : 16 ]
وأنه : ﴿ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
[ سورة الزخرف الآية : 84 ]
النبي عليه الصلاة و السلام كان أشد حياءً من العذراء في خدرها :
الآن من شمائل النبي أن النبي عليه الصلاة و السلام كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه، عنده حياء عال جداً، مرة سألته امرأة كيف تتطهر من الحيض؟ قال لها: (( خُذي فِرْصَة من مِسْك، فتطَّهري بها، قالت: كيف أتطهَّر بها؟ قال: تطهري بها، قالت: كيف أتطهَّر بها؟ قال: سبحان الله! تطهري بها، فاجْتَذَبْتُها إليَّ فقلت: تتَّبعي بها أثَرَ الدم ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ]
استحيا أن يشرح دقائق دقائق الأمور النسائية: (( خُذي فِرْصَة من مِسْك، فتطَّهري بها، قالت: كيف أتطهَّر بها؟ قال: تطهري بها، قالت : كيف أتطهَّر بها ؟ قال : سبحان الله ! تطهري بها، فاجْتَذَبْتُها إليَّ فقلت: تتَّبعي بها أثَرَ الدم ))
أحياناً تجد امرأة تتصل بالهاتف تسأل سؤالاً غير معقول، أن تخاطب امرأة رجلاً بهذا السؤال! لذلك أنا أتمنى أن يتعلم النساء أمور الفقه لتكون المرأة في بعض المواقف وفي بعض الموضوعات أولى من الرجل في الإجابة عن الموضوعات النسائية، فكان عليه الصلاة والسلام أشد حياءً من العذراء في خدرها، ورد: (( لا تحمروا الوجوه ))
[ورد في الأثر]
هناك شخص يحرجك، يضايقك، يتكلم كلمة فيها غلط، الرقم غير صحيح، أي إذا القضية ليس لها علاقة بالعقيدة، أعطى رقماً، أو أعطى سعراً، أو أعطى درجة حرارة ليس متأكداً منها أمام عشرين أو ثلاثين إنساناً، سفهته، فمن حياء المؤمن أنه لا يحرج أحداً. (( لا تحمروا الوجوه ))
لا تخجله، لا تضعه في زاوية ضيقة، الموضوع خلافي وغير ثابت سأرويه لكم: كان النبي مع أصحابه في طعام، أكلوا لحم جزور، ثم جاء وقت الصلاة، توضؤوا جميعاً وصلوا الظهر، وأكلوا هذا الطعام، والآن إلى صلاة العصر، يبدو أن إنساناً انتقض وضوءه مع رائحة، من الذي سيقوم ليتوضأ؟ هذا الإنسان، فقال: كل من أكل لحم الجزور فليتوضأ، أي لم يحرجه، هذا تفسير، وهناك تفسير آخر. من علامات المؤمن انضباطه باللباس :
أيها الأخوة، عن عبد الله بن مسعودٍ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (( اسْتحْيُوا مَنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ ، قُلنا : إنَّا لَنسْتَحيي من اللَّه يا رسولَ اللَّه والحمدُ للَّه، قال: لَيس ذَلِكَ، ولكنَّ الاسْتِحياءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ: أنْ تَحْفَظ الرَّأْسَ ومَا وَعى والْبَطْنَ ومَا حَوى، وتذْكْرَ المَوتَ والبلى، وَمنْ أرادَ الآخِرَةَ تَرَك زِينَةَ الدُّنيا، وآثَرَ الآخِرَةَ عَلى الأُولى، فَمنْ فَعلَ ذِلكَ فَقَدِ اسْتَحْي من اللَّه حقَّ الحياءِ ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
هل تطلق بصرك في محاسن النساء؟ إذاً أنت لا تستحيي من الله، هل تطلق لأذنك أن تستمع إلى شيءٍ لا يرضي الله؟ إذاً أنت لا تستحيي من الله، هل تنطق بلسانك كلماتٍ بذيئة فاحشة أو محرجة؟ أنت لا تستحيي من الله. (( أنْ تَحْفَظ الرَّأْسَ ومَا وَعى والْبَطْنَ ومَا حَوى ))
هل تشتري بمالٍ حرام طعاماً تأكله؟ إذاً أنت لا تستحيي من الله، هل تعيش حياتك لا تعبأ بالموت إطلاقاً؟ أنت لا تستحيي من الله . (( وتذْكْرَ المَوتَ والبلى َمنْ أرادَ الآخِرَةَ تَرَك زِينَةَ الدُّنيا ، وآثَرَ الآخِرَةَ عَلى الأُولى ، فَمنْ فَعلَ ذِلكَ فَقَدِ اسْتَحْي من اللَّه حقَّ الحياءِ ))
أيها الأخوة الكرام، الحياء من صفات المؤمنين، وعلامة إيمانك الحياء من الله، مرة إنسان اغتسل عرياناً أمام الناس، وكان عند النبي يعمل بأجر، فقال له: ((لا أراك تستحيي من ربك خذ إجارتك لا حاجة لنا بك ))
[عبد الرزاق عن رافع بن خديج]
إنسان يقوم بثياب فاضحة، بثياب داخلية في البيت، أمام بناته، أمام أولاده، أمام أقاربه، هذا الموقف لا يوجد فيه حياء إطلاقاً، فمن علامات المؤمن انضباطه باللباس، انظر إلى الآية: ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾
[ سورة النساء الآية: 43 ]
هذه العبارة تعني شيئاً تعلمونه، لكن لا تخدش حياء الطفل، ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾
الدين كله حياء :
قال: يا بنيتي إن هذه الثياب تصف حجم عظامك، كلمة عظام لا تثير شهوةً، أما أي كلمة أخرى فتثير شهوة، إن هذه الثياب تصف حجم عظامك،
﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾
إذاً القرآن الكريم. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
انظر ﴿ وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾
دخل في هذه الكلمة كل أنواع الانحراف الجنسي، ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾
القرآن الكريم، والنبي عليه أتمّ الصلاة والتسليم يعلمنا الحياء بالتعبير، أما أن تصف الأشياء بأسمائها الفاضحة باسم لا حياء في الدين، فلا، الدين كله حياء.






والحمد لله رب العالمين




 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-14-2018, 01:33 PM   #58


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السادس و الخمسون )

الموضوع : مواقف و مواضيع الحياء




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الحياء من الحياة وكلما كان القلب أكثر حياةً كان أشد حياءً :

أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوع الحياء كموضوعٍ أساسي في: "سبل الوصول وعلامات القبول"، لكن:
(( إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ ، يَستَحي من عبده إذا رَفَعَ إليه يديه أنْ يَرُدَّهُما صِفْرا خَائِبَتَيْنِ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن سلمان الفارسي ]
خالقنا ربنا خالق السموات والأرض. (( حَيِيٌّ كَرِيمٌ ، يَستَحي من عبده إذا رَفَعَ إليه يديه أنْ يَرُدَّهُما صِفْرا خَائِبَتَيْنِ ))
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الحياء من الحياة، فالذي له قلبٌ حي يستحيي، والذي يستحيي له قلبٌ حي، وكأن هناك علاقةً ترابطيةً بين حياة القلب وبين الحياء، قلة الحياء علامة موت القلب، وكلما كان القلب أكثر حياةً كان أشد حياءً. أصل الحياء أن يغمرك الله بالنعم وأنت لم تقدم شيئاً يكافئ هذه النعم :
الإمام الجنيد رحمه الله تعالى، لكن قبل أن نتابع قوله، الأكمل إن ذكرت عالماً جليلاً أن تقول: رحمه الله تعالى، وإن ذكرت صحابياً جليلاً أن تقول: رضي الله عنه، لكن كلمة رضي الله عنه تعني شيئين إما أن تكون دعائية، وإما أن تكون تقريرية، فالصحابة العشرة الذين بشرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة تقول لهم: رضي الله عنهم تقريراً لقوله تعالى:
﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾
[ سورة الفتح ]

فإذا كان خالق السموات والأرض في عليائه رضي عن المؤمنين الذين بايعوا سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، وكان فيهم أبو بكر وعمر، فمن أنت أيها الإنسان حتى لا ترضى عنهم؟ ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾
فالصحابي الذي بشره النبي بالجنة تقول عقب ذكر اسمه: رضي الله عنه تقريراً، والصحابي الآخر تقول رضي الله عنه دعاءً، أما العلماء العاملون، العلماء الربانيون، فالأولى أن تقول: رحمهم الله تعالى.
لذلك الإمام الجنيد رحمه الله تعالى قال: الحياء رؤية الآلاء مع رؤية التقصير، رؤيتان ينتج عنهما الحياء، أن ترى عظمة الله، فضل الله، نعم الله قد غمرتك، وأنت لم تقدم شيئاً في مستوى هذه النعم، ينشأ من هاتين الرؤيتين معاً رؤية لفضل الله عليك، ورؤيةٍ لتقصيرك، ينشأ حالة حياء، أي فلسفة الحياء، أصل الحياء أن يغمرك الله عز وجل بالنعم وأنت لم تقدم شيئاً يكافئ هذه النعم. بطولة المؤمن أن يرى فضل الله عليه :
أيها الأخوة، الله عز و جل يقول:
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ﴾
[ سورة النور الآية:21 ]

أنا أتصور أنك إذا دخلت إلى مسجد ورأيت في المسجد آلافاً مؤلفة، اعتقد يقيناً أن تسعين بالمئة من هؤلاء الذين أكرمهم الله بارتياد بيوته، جاؤوا إلى بيت الله عقب معالجة لطيفة من الله، لأن الله رب العالمين يتابع عباده، يسوق لهم بعض الشدائد، تلوح لهم بعض المصائب، فيسارعون إلى الله عز و جل، فالله ربنا يأخذ بيدنا إلى ذاته العلية، فلذلك: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ﴾
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
بطولة المؤمن أن يرى فضل الله عليه، أن يرى أن الله منحه نعمة الإيجاد، أنت موجود. ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
[ سورة الدهر ]
النعم التي أنعمها الله على الإنسان هي نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد و نعمة الهدى :

أنا أحياناً حينما أتصفح كتاباً، وأقرأ في مقدمته متى طبع، فإن طبع قبل أن أولد أقول في أثناء طباعة هذا الكتاب: من أنا؟ ليس لي وجود، من بعض الوقت سمعت شريطاً لأحد القراء الكبار قال: هذا الشريط مسجل عام ستة وثلاثين، أي قبل ولادتي، إذاً من أنا أثناء تلاوة هذه الآيات؟ لم أكن شيئاً مذكورا، فالله عز وجل تفضل عليك فأوجدك، هذه أكبر نعمة، أنت موجود، موجود للسعادة، الآية الكريمة. ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
[ سورة هود الآية : 119 ]
خلقهم ليرحمهم، لمجرد أن الله منحك نعمة الإيجاد منحك هذه النعمة لتسعد في الدنيا والآخرة، إذاً هذه النعمة الأولى نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، أمدك بالهواء، أمدك بالماء، أمدك بالطعام، بالشراب، بالزوجة، بالأولاد، بحرفة تتقنها تربح منها، تنفق على نفسك منها وعلى عيالك، أمدك بكل ما تحتاج، منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، وتفضل عليك فمنحك نعمة الهدى والرشاد، لذلك: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
ما من نعمةٍ أعظم في حق الإنسان من أن يعرفه الله بذاته العلية :

صدقوا أيها الأخوة: أنه ما من نعمةٍ أعظم في حق الإنسان من أن يعرفه بذاته العلية
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

سيدنا إبراهيم هذا النبي العظيم قال الله عنه: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾
[ سورة النجم ]
أنت ماذا تتوهم؟ أن وفى نعم الله حينما امتحنه بذبح ابنه، نفذ هذا الأمر بطواعية، لذلك ما من إنسانٍ على وجه الأرض مهما علت مرتبته حتى الأنبياء يستطيع أن يوفي نعم الله عليه، ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
الفرق الواضح بين المؤمن و غير المؤمن :
لذلك قالوا: إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك، وكلما ازددت إيماناً تزدد رؤيةً لفضل الله عليك، والفرق الدقيق الواضح بين المؤمن وبين غير المؤمن، المؤمن يقول:
﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي ﴾
[ سورة النمل الآية 40 ]

غير المؤمن يقول كما قال قارون: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
[ سورة القصص الآية 78 ]
كلمات؛ الخبرات، والشهادات، والمعركة، وقد نجحت فيها، هذه كلمات يقولها من شرد عن الله عز و جل، أما المؤمن: ﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾
[ سورة النمل الآية : 40 ]
لذلك الحياء الفضل العميم مع الجهد القليل، ينشأ عن هاتين الحالتين رؤية الفضل العميم ورؤية التقصير، ينشأ حالةٌ اسمها الحياء، من لوازم هذه الحالة ترك القبائح، وترك التفريط مع أصحاب الحقوق، الحد الأدنى أن تدع ما نهاك الله عنه، الحد الأدنى من الحياء أن تدع ما نهاك لله عنه، أن تدع تقصيراً في أداء الحقوق، أما أن تكافئ خالقك على نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، فهذا مستحيلٌ وألف ألف مستحيل. علامات الشقاء :
1 ـ قسوة في القلب :

يقول الفضيل بن عياض وهو قاض جليل: خمسٌ من علامات الشقاء، القسوة في القلب، أبعد قلبٍ عن الله عز وجل القلب القاسي، وكأن هناك علاقةً ترابطية بين الصلة بالله وبين قسوة القلب.
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 159]
أي يا محمد حينما اتصلت بنا امتلأ قلبك رحمةً، فانعكست هذه الرحمة ليناً مع أصحابك، فالتفوا حولك، ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوةً، فانعكست هذه القسوة غِلظةً وفظاظة، فانفضوا من حولك، فأنت بين أن يلتف الناس حولك وبين أن ينفضوا عنك، يلتف الناس حولك باللين الذي هو انعكاسٌ لرحمةٍ استقرت في قلبك من خلال اتصالك بالله ، والفظاظة والغلظة انعكاسٌ لقسوة القلب التي جاءت من بعدك عن الله، هذا قانون اسمه قانون الالتفاف والانفضاض. 2 ـ جمود العين :
لذلك خمسٌ من علامات الشقاء: القسوة في القلب، وجمود العين، لا يبكي أبداً، أما المؤمن فيبكي بكاء الحب، يبكي بكاء الاتصال، يبكي بكاء الرحمة .
3 ـ قلة الحياء :
وقلة الحياء من علامات الشقاء.
4 ـ طول الأمل :

وطول الأمل، والله مرة إنسان جلست معه لبعض الوقت، والله حدثني لعشرين سنة قادمة ماذا سيفعل؟ سيسافر، وسيفعل، وسيبني، وسيؤسس ...الخ ، وفي المساء قرأت نعوته على الجدران.
لذلك قالوا: من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت.
5 ـ الرغبة في الدنيا :

لذلك علامات الشقاء قسوةٌ في القلب، جمودٌ في العين، قلةٌ في الحياء، رغبةٌ في الدنيا، وطولٌ في الأمل، وقال بعض العلماء: إن الحياء والأنثى يطرقان القلب، فإن وجدا فيه الزهد والورع أقاما فيه ولم يرتحلا.
ويحيى بن معاذ يقول: من استحيا من الله مطيعاً استحيا الله منه وهو مذنب، أي أنت استحييت من الله فأطعته، مرةً زلت قدمك الآن الله يستحيي أن يعاقبك، إذا استحييت منه مطيعاً استحيا منك مذنباً.
لذلك ورد في الأثر:
((أن عبدي كبرت سنك، وضعف بصرك، وانحنى ظهرك، وشابَ شعرك، فاستحي مني فأنا أستحي منك))
[ورد في الأثر]
إلى متى وأنت باللذات مشغولُ وأنت عن كل ما قدمت مسؤولُ
* * *
وجوه الحياء و أمثلة عنها :
1 ـ حياء الجناية :

قال بعض العلماء: الحياء على عشرة أوجه؛ حياء جنايةٍ، وحياء تقصيرٍ، وحياء إجلالٍ، وحياء كرم، وحياء حشمةٍ، وحياء استصغار نفسٍ، وحياء محبةٍ، وحياء عبوديةٍ، وحياء شرف، وحياء الإنسان من نفسه، أما حياء الجناية فمنه حياء سيدنا آدم عليه السلام، فرّ هارباً من الجنة قال: يا آدم أفراراً مني؟ قال: لا يا ربي بل حياءً منك، أحياناً إنسان يتوارى عن الأنظار حياءً من عظيم لم يطعه، هذا حياء الجناية.



2 ـ حياء التقصير :
أما حياء التقصير فكحياء الملائكة.
﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴾
[ سورة الأنبياء ]

فإذا كان يوم القيامة قالوا: سبحانك ما عبدناك حق العبادة، هذا حياء التقصير.
سيدنا رسول الله سيد الخلق وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، وهو الإنسان الأول، وله عمل كالجبال، العالم الإسلامي يزيد عن مليار وخمسمئة مليون، يحتل أكبر مساحات في الأرض، هذا العالم اهتدى بسبب النبي عليه الصلاة والسلام، قال عن نفسه وعن عمله: (( جُهدُ المُقِلِّ ))
[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]
إذا النبي الكريم قال: (( جُهدُ المُقِلِّ ))
مرة سيدنا عمر مع أصحابه، قال أحدهم: والله ما رأينا أفضل منك بعد رسول الله، تغير لونه، وجحظت عيناه، وأحد فيهم النظر، خافوا، إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خيرٌ منك، قال: ومن هو؟ قال: أبو بكر، فقال للذي قال رأينا خيراً منك: لقد كذبتم جميعاً أي بسكوتكم وصدق، كنت أضل من بعيري، وكان أبو بكرٍ أطيب من ريح المسك، أي استحيا من الله أن يقال: ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، قال لهم: كذبتم جميعاً حينما سكتم. 3 ـ حياء الإجلال :
حياء الإجلال حياء المعرفة، حينما يتعرف العبد إلى ربه يكون حياؤه منه، كلما ارتقت معرفتك تستحيي من الله حياء الإجلال، سيدنا رسول الله حينما أسلم زيد الخير اسمه زيد الخيل، قال له: أنت زيد الخير لا الخيل، أخذه إلى بيته، أعطاه وسادةً ليتكئ عليها، يا الله حديث عهدٍ بالإسلام، قال: والله يا رسول الله لا أتكئ في حضرتك، أنا مع رسول الله أتكئ؟ قال له: والله لا أتكئ في حضرتك،أي ما هذا الأدب الذي تعلمه أصحاب رسول الله؟.
أيهما أكبر أنت أم رسول الله؟ قال: هو أكبر مني لكنني ولدت قبله، استحيا أن يقول: أنا أكبر منه، قال: هو أكبر مني لكنني ولدت قبله.
النبي الكريم يستحيي من الله حياء إجلال، قال: ما رئي ماداً رجليه قط بين أصحابه حياءً من الله، سيد الأمة، عظيم الأمة، نبي الأمة، رسول الأمة ما رئي ماداً رجليه قط.
4 ـ حياء الكرم :
هناك حياء الكرم، النبي الكريم دعا أصحابه إلى وليمةٍ بمناسبة زواجه من زينب، جلسوا وأطالوا الجلوس، فقام واستحيا أن يقول لهم: انصرفوا.
أحياناًَ يأتيك ضيف وعندك موعد مهم جداً، والموعد خطير، جالس مرتاح يحدثك، ومستأنس بك، يمكن أن تصرفه بكلمة لكن لا تقدر، تستحيي أن تقول له: انصرف، هذا الحياء اسمه حياء الكرم، من لوازم كرمك ألا تصرف الضيف كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء القرآن وأكّد أن النبي يستحيي منك.
5 ـ حياء الحشمة :
قال: حياء الحشمة كحياء سيدنا علي بن أبي طالب، حينما استحيا أن يسأل النبي الكريم عن المزي، فاطمة بنت رسول الله وزوجته، موضوع المزي يحتاج إلى غسل؟ سائل شفاف غير المني، استحيا أن يسأل رسول الله وزوجته ابنة رسول الله.
أحياناً بعض الأصهار يتحدث عن قضايا نسائية مع زوجته أمام والدها، وأمام أخوتها، هذا من قلة الحياء، هذه أختهم، أو البنت مقدسة، يأتي حديث من الصهر عن العلاقة الزوجية هذه صعبة.
فلذلك كان عليه الصلاة والسلام يستحي وسيدنا علي استحيا من رسول الله أن يسأله عن حكم المزي، شيء متعلق بابنته فاطمة، هذا حياء الحشمة.
6 ـ حياة استصغار النفس :

حياء الاستصغار كحياء العبد من ربه عز و جل حين يسأله حوائجه احتقاراً لشأن نفسه، من أنا؟ أنت تخاطب خالق السموات والأرض يقول لك:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾
[ سورة الزمر الآية : 53 ]
من أنا يا رب حتى تخاطبني؟ حتى تقول يا عبادي؟ هذا حياء الاستصغار.
مرة نور الدين الشهيد سأل الله النصر، لكن استحيا قال: من أنا؟ والله كلمة أنا أتردد في ذكرها، سجد لأن هناك معركة بينه و بين المغول والتتار، معركة طاحنة، معركة مصيرية قال: يا رب من هو الكلب نور الدين حتى تنصره؟ انصر دينك، أي هو استصغر هذا النصر لذاته، قال له: انصر دينك يا رب، هذا حياء الاستصغار. 7 ـ حياء المحبة :
حياء المحبة قد يستحيي المحب من محبوبه أن يسأله شيئاً.
8 ـ حياء العبودية :
و هناك حياء العبودية؛ وهو حياء ممتزج من محبة وخوف، ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده سبحانه، وأن قدره أعلى وأجلّ منها، فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة.
9 ـ حياء الشرف والعزة :
وهناك حياء الشرف والعزة، إنسان له مقام كبير كالمعلم، كالأب، أحياناً إنسان عنده بنات، وعنده أصهار، وعنده أولاد، وعند كنائن، يحكي طرفة بذيئة جنسية، هناك أشخاص لا يوجد عندهم حياء، أنت أب وعندك أولاد، وعندك كنائن، وعنك أصهار، وعندك بنات، هذا المزاح لا يليق بك، لكل مقامٍ مقال، والله أحياناً تعاشر أخاً لثلاثين عاماً لا تسمع منه كلمة بذيئة أبداً، المؤمن منضبط.
(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسأنه ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه ))
[أخرجه الإمام عن أنس بن مالك ]

ضبط اللسان، وذكرت البارحة أنه: ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 189 ]
انظر تغشاها، هذه الكلمة لا تخدش الحياء أبداً. ﴿ أَوْ لَامَسْتمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ﴾
[ سورة النساء الآية : 43 ]
هذه الكلمة لا تخدش الحياء، يا بنيتي إن هذه الثياب تصف حجم عظامك، لم يقل: حجم فخذيك مثلاً، حجم عظامك، هذه الكلمة لا تثير المشاعر الجنسية، فلو تتبعت أقوال النبي، ولو تتبعت القرآن الكريم. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾
[ سورة المعارج ]
10 ـ حياء الإنسان من نفسه :

يقول لك: لا حياء في الدين، أنا أقول: الدين كله حياء، انظر العبارات القرآنية والنبوية في التعبير عن العلاقات الجنسية، في حياء المرء من نفسه، الآن لا يوجد أحد أنت وحدك في البيت، هناك إنسان يتعرى تعرياً غير معقول في البيت، ألا يستحيي من الله؟ أيضاً وأنت وحدك لا يوجد إنسان معك هناك نوع من الحياء، أن تستحيي من الله وأنت وحدك في البيت، أن تفعل شيئاً لا يليق بمكانتك، أو أن تتعرى تعرياً غير معقول، والعلماء قالوا: من استحيا من نفسه فاستحياؤه من غيره من باب أولى، يستحي من نفسه، وهناك حياء المراقبة، أنت حينما تشعر أن الله يراقبك فهذا يقتضي حياء من الله، ليس هناك كلمة غلط، ولا جلسة غلط، ولا تعليق قاس، لكن كما قلت مراراً: أرقى أنواع الحياء أن تشعر أن الله معك، لذلك:
(( اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن أبي الدرداء ]
المعية العامة و المعية الخاصة :

أيها الأخوة، قال تعالى:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
[ سورة الحديد الآية:4]
هذهِ معية العلم هي المعية العامة، أما المعية الخاصة إن الله مع المؤمنين، إن الله مع الصادقين، إن الله مع المتقين، هي معية خاصة، قال: معية التأييد والتوفيق والحفظ والنصر هي المعية الخاصة، إلا إن هذه المعية لها ثمن: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة المائدة]
أيها الأخوة الكرام: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾
[ سورة البقرة الآية :186]
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
و هو يراكم في أحوالكم، الآية الكريمة: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
[سورة الشعراء]






والحمد لله رب العالمين



 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-14-2018, 01:35 PM   #59


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السابع و الخمسون )

الموضوع : الخشوع قبول وليس طقوسا





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الخشوع :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول" إنه موضوع "الخشوع"، فقد ورد الخشوع، أو وردت كلمة الخشوع في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون]
الفلاح و النجاح :

بادئ ذي بدء: ما الفلاح؟ قد يقول أحدكم: إنه النجاح، لا، فرقٌ كبير بين الفلاح وبين النجاح، الفلاح هو الفوز بالآخرة، الفلاح هو الفوز برضا الله عز وجل، الفلاح هو أن يحقق الإنسان في الدنيا سرّ وجوده، الفلاح أن يكون قريباً من الله، الفلاح أي يحمل نفسه على طاعة الله، الفلاح أن يتقرب إلى الله بالعمل الصالح، فالفلاح نجاح مع الله، والفلاح نجاحٌ في الفوز في الآخرة، هذا هو الفلاح.
أما قد ينجح إنسان بكتابة سيناريو فيلم فهذا ليس فلاحاً هذا نجاح، قد ينجح الإنسان في عمل لا يرضي الله، قد ينجح الإنسان في عمل يسبب دماراً للبشرية، ربح حرباً لكن دمر أمماً، فلذلك الفرق كبير بين الفلاح والنجاح، النجاح في الدنيا، وفي موضوعات شتى، وقد تكون هذه الموضوعات ليست خيرة.
الهدف الأول لكل مؤمن أن يزكي نفسه لأن تزكية النفس ثمن دخول الجنة :
على كلٍ كلمة الفلاح أو:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ ﴾
وردت مراتٍ ثلاثة في القرآن الكريم حصراً، الآية الأولى دقق: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾
[ سورة الأعلى ]

النجاح بالمعنى الواسع الفلاح، الفوز، التفوق، العقل، الذكاء، الذي يتزكى كلام خالق الكون، لأن تزكية نفسك ثمن دخول الجنة، لأنك خلقت لجنة عرضها السماوات والأرض، ثمن هذه الجنة أن تزكي نفسك، أي أن تحملها على طاعة الله أولاً، وأن تقبل بنفسك على الله ثانياًً عندئذٍ تطهر النفس من كل أدرانها وتتحلى بالكمال الإلهي، هذه التزكية.
أي إنسان صادق، أمين، عفيف، منصف، متواضع، يحب الخير، قلبه ممتلئ رحمة، يجري الله على يديه أعمالاً بطولية، هذا هو الفلاح ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾
لذلك ينبغي أن يكون الهدف الأول لكل مؤمن أن يزكي نفسه، لأن تزكية النفس ثمن دخول الجنة، قد حرف تحقيق: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾
[ سورة الأعلى ]
هذه الآية الأولى، والآية الثانية: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس ]
الهاء تعود على النفس. ﴿ وَقَدْ خَابَ ﴾
[ سورة الشمس الآية : 10 ]
خاب على العكس من أفلح. ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس ]
دساها أبعدها عن ربها، فلما أبعدها عن ربها تعلقت بشهوات الدنيا فمارستها معتديةً على حقوق الآخرين، أيها الأخوة، ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
أما الآية الثالثة فيبدو أن الصلاة كما تعلمون عماد الدين، الصلاة من أجل الاتصال بالله، والصيام من أجل الاتصال بالله، والحج من أجل الاتصال بالله، والعمل الصالح من أجل الاتصال بالله، وإنفاق المال من أجل الاتصال بالله، يكاد يجمع حالات لا تعد ولا تحصى مؤداها الاتصال بالله. الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها ولكن من فرائضها :

لذلك.
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
من أروع ما قرأت عن هذه الآية في بعض التفاسير أن الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها ولكن من فرائضها، لأن هذا الإله العظيم لا يعقل أن يأمرك أن تصلي في اليوم خمس مرات، تقف وأنت شارد الذهن، غافل، تركع، وتسجد، تقرأ الفاتحة وسورة، ولا تشعر بشيء، وكأنك أديت حركاتٍ وسكناتٍ وتمتماتٍ لا معنى لها، هذا الإله العظيم خالق السموات والأرض، هذا الذي يفعله المسلمون في الصلاة ليست هي الصلاة التي أرادها الله عز وجل، الصلاة اتصال بالله، والاتصال يحتاج إلى تمهيد، إلى استقامة، وإلى عمل صالح.
التجارة الرابحة هي التجارة مع الله وأكبر خسارة أن يخسر الإنسان الآخرة :
فلذلك كلمة أفلح وردت مراتٍ ثلاثة حصراً:
الأولى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾
والثانية: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
والثالثة: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾

ولعل الفلاح هو الذي يشق الأرض، ويزرع بذرة، كمعلومات لطيفة بذار بعض الخضروات يعطي مليون ضعف، الآن البيت البلاستيكي الذي مساحته خمسمئة متر يحتاج إلى خمسة غرامات من البذور، هذا البيت يعطي خمسة طن أي مليون ضعف، في بلادنا يعطي خمسة طن، في هولندا يعطي خمسة وعشرين طناً، أي البذرة تقدم خمسة ملايين ضعف، هذا هو الفلاح، تزرع بذرة تعطيك خمسة ملايين ضعف من وزنها من هذه الثمرة اليانعة التي يحتاجها الناس دائماً، فكأن الفلاح هو الذي يقدم قليلاً ويأخذ كثيراً، وكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن نربح عليه، يريد أن نتاجر معه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
[ سورة الصف الآية : 10-11 ]
أكبر تجارة مع الله، الإنسان أحياناً يضع لقمة في فم زوجته يراها يوم القيامة كجبل أُحد، والله لا أبالغ لو عرفنا ماذا ينتظر المؤمن من عطاء، من تكريم، من نعيم مقيم، لأنه في السنوات المعدودة استقام على أمر الله، وأدى العبادات، وعمل الصالحات، فاستحق جنة ربه إلى أبد الآبدين، لذلك. ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾
[ سورة الزمر ]
أكبر خسارة أن تخسر الآخرة.
الله عز وجل إذا أعطى أدهش :
أيها الأخوة، إذاً الفلاح يشق الأرض، ويزرع البذار، وتأتيه الأضعاف المضاعفة من هذه البذار، وكأن الفلاح سمّي فلاحاً لأنه أفلح في أخذ الكثير من الشيء القليل، طبعاً يؤكد هذا المعنى ربنا جلّ جلاله حينما يقول:

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة ]
أنا مرة كنت في غوطة دمشق، رأيت في حقل قمح مجموعة سنابل كثيرة جداً، والله قلعتها فإذا هي خمس وثلاثون سنبلة، أخذت واحدة وعددت حبات القمح فيها فكان العدد خمسين، ضربت خمس وثلاثين بخمسين خرج من حبة واحدة ألف وسبعمئة حبة من حبة واحدة.
أخواننا الكرام، الله إذا أعطى أدهش، في بعض الأماكن في أمريكا نهر الأمازون، غزارته بالثانية الواحدة ثلاثمئة ألف متر مكعب، في البرازيل هناك شلالات كثافتها مليون وأربعمئة ألف متر مكعب بالثانية، كنت في كندا في مدينة اسمها مونتريال حولها مليون بحيرة، أكبر تجمع مائي في العالم، الله إذا أعطى أدهش.
مرة في البرازيل لي درس عقب المغرب، هناك أخوة كرام وعدوني أن يأتوا إلى المسجد فلم يحضروا، سألت عنهم؟ قال: الأمطار نزلت، مئة وخمسون ميلمتر بساعتين، أمطار دمشق على مدى العام بساعتين، فارتفع الماء في الطرقات متراً ونصف، تعطل السير وشقت المدينة نصفين، الله إذا أعطى أدهش. تقنين الله تقنين تأديب لا تقنين عجز :
أولاً: لا يمكن أن يكون تقنين الله عز وجل إن صحّ التعبير تقنين عجز، تقنين الله تقنين تأديب فقط.
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾
[ سورة الجن الآية : 16-17 ]
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 96 ]

نحن في الجديدة هناك واد سحيق، في قعر الوادي يمشي نهر بردى، وهناك واد أعمق منه بكثير، وقد وضع عمود وفوقه لوحة مكتوب عليها مستوى الماء عام ستة وثلاثين، هذا الوادي السحيق ممتلئ ماء، وفوق هذا الوادي ارتفاع مستوى الماء يقدر بستة أمتار سابقاً، أنا أذكر قبل بضع عقود من الزمن إن كل سنة يغرق أشخاص كُثر في نهر بردى، الآن لا أحد يغرق فيه، لأن الماء قليل جداً،
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 66 ]
هذا التقنين تقنين تأديب. الفلاح لا أن نستهلك الوقت بل أن نستثمره :
أيها الأخوة، الفلاح ألا تستهلك الوقت بل أن تستثمره، أنت وقت، أنت بضعة أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك، هذا الوقت إما أن ينفق استهلاكاً أو أن ينفق استثماراً، ينفق استهلاكاً كمعظم الناس يأكلون ويشربون ويتمتعون ثم يفاجؤون بالأجل، استهلكوا وقتهم استهلاكاً بلا عمل له أثر مستقبلي، للتقريب: إنسان جلس بحوض وملأه ماء فاتر، استمتع، هذا العمل هل له أثر مستقبلي؟ هل يمكن أن يكون بعد الاستمتاع تاجر كبير أو دكتور؟ هذا عمل آني، استمتاع ليس له أثر مستقبلي.

فلذلك الفلاح لا أن تستهلك الوقت بل أن تستثمره، لذلك المؤمن ينفق وقته استثماراً، بمعنى أنه يفعل في الوقت الذي سينقضي عملاً يرى نتائجه بعد انقضاء الوقت، بينما غير المؤمن يستهلك وقته استهلاكاً، تماماً كتاجر ينفق من رأسماله بعد حين يعلن إفلاسه، وتاجر آخر ينفق نفقاتٍ كبيرة من ريع ماله.
لذلك الإنسان وقت، وأثمن شيء يملكه هو الوقت، بل رأسماله الوحيد هو الوقت، هذا الوقت إما أن ينفق استهلاكاً أو أن ينفق استثماراً، لذلك قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر ]
الله أقسم بمطلق الزمن لهذا المخلوق الأول الذي هو في الحقيقة زمن، جاء جواب القسم: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾
النقلة من بيت إلى قبر، من منصب رفيع إلى قبر، من صحة جيدة إلى قبر، من زوجة وأولاد إلى قبر، من دخل كبير إلى قبر، نقلة مخيفة، نقلة من كل شيء مبدئياً إلى لا شيء، فكيف إذا كان بعد هذا القبر عذابٌ لا ينتهي؟
فلذلك الفلاح ألا تستهلك الوقت بل أن تستثمره، وألا تستهلك المال بل أن تستثمره بالعمل الصالح، وألا تستهلك نعمة الأمن بل تستثمرها في معرفة الله، وألا تستهلك نعمة الصحة بل تستثمرها في طاعة الله ، الفرق الواضح الصارخ بين المؤمن وغير المؤمن غير المؤمن يستهلك بينما المؤمن يستثمر.
الآية التالية متعلقة بالخشوع :

أيها الأخوة، آيةٌ ثانية متعلقة بالخشوع قال تعالى:
﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾
[ سورة الحديد ]
إلــى متى وأنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
تــعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لــعمري في المقال بديع
لـــو كان حبك صادقاً لأطعته إن الــمحب لمن يحبه مطيع
* * *
فيا خجلي منه إذا هـــو قال أيا عبدنــا ما قرأت كتابنـــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنـا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً وتنظر ما به جـاء وعدنــــا
وجدناك مضطراً يا فتى فقلنا لك ادعُنا نجـبكا فهل أنت حقاً دعوتنا؟
دعوناك للإحسان أعرضت نائياً فهل تلقى من يحسن لمثلك مثلنـا؟
* * *

فالإنسان إلى متى هو غافل؟ إلى متى هو غارق بهمومه وشهواته وميوله وطموحاته في الدنيا؟ أما آن له أن يصحو، والله الذي لا إله إلا هو الإنسان حينما يصحو ويصطلح مع الله عز وجل يشعر أن جبالاً على كاهله أُزيحت عنه. لن يكون الإنسان مؤمناً صادق الإيمان إلا إذا ذاق في الدنيا طعم الجنة :

حياة المؤمن الذي اصطلح مع الله، والذي استقام على أمر الله من الصعب أن نعرف أبعادها، قال أحدهم: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ قال: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، والدليل في قوله تعالى:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
لن تكون مؤمناً صادق الإيمان إلا إذا ذقت في الدنيا طعم الجنة، هذه حنة القرب. فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لـــغيرنا
ولـو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العُجب وجئتنـا
ولـو ذقت من طعم المحبة ذرةً عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
ولـو نسمت من قربنا لك نسمةٌ لمت غريباً واشتياقا لقربنـــا
* * *

هذا كله من خلال الخشوع، ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
الإنسان أحياناً يشعر أن قلبه ميت، أحياناً القلب يكبر ويكبر ويكبر ولا نرى كبَرَه فيتضاءل أمامه كل كبير، ويصغر ويصغر ويصغر ولا نرى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، هذا القلب كما قال الله عز وجل: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء ]
العبادات في الإسلام ليست طقوساً هي عبادات معللة بمصالح الخلق :

أيها الأخوة: الآن هناك موضوع دقيق جداً، هناك مصطلح اسمه الطقوس، الطقوس هذه الكلمة تستخدم لأعمالٍ، وحركاتٍ، وسكناتٍ، وتمتماتٍ، يرددها أصحاب الديانات الأرضية، الديانات الأرضية التي من أصل أرضي بشري، من اختراع البشر، هذه الديانات لها طقوس، لكن يجب أن نؤمن إيماناً دقيقاً أن العبادات ليست طقوساً، ليس موضوع حركات، وسكنات، وتمتمات، مثلاً قال الإمام الشافعي: العبادات معللةٌ بمصالح الخلق، الدليل القرآني:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
[ سورة التوبة الآية : 103 ]
تطهر الغني من الشح، والفقير من الحقد، تزكي الفقير فيشعر بقيمته في المجتمع، تزكي الغني فيشعر بإحسانه، تطهر المال من تعلق حق الغير به، تزكي المال فينمو، فالزكاة معللة بمصالح الخلق. علة خلق السماوات والأرض أن نعرف الله عز وجل :
لذلك قال بعض العلماء: الشريعة مصلحةٌ كلها، عدلٌ كلها، رحمةٌ كلها، وأية قضيةٌ خرجت من العدل إلى الجور، من المصلحة إلى المفسدة، من الحكمة إلى خلافها، فليست من الشريعة ولو أُدخلت عليها بألف تأويلٍ وتأويل، فالزكاة معللة بمصلحة الخلق. ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
[ سورة العنكبوت الآية : 45 ]

أي أكبر ما فيها ذكر الله، أو ذكر الله لك وأنت في الصلاة أكبر من ذكرك له، إنك إن ذكرته أديت واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك منحك نعمة الأمن، منحك نعمة الحكمة، منحك نعمة الرضا، منحك نعمة السعادة، منحك عطايا لا تعد ولا تحصى من خلال الصلاة.
الصيام: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
فعلة الصيام أن تصل إلى مرتبة التقوى.
الحج الآية الدقيقة في موضوع الحج: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 97 ]
أي: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾
[ سورة الطلاق الآية : 12 ]
دققوا الآن: ﴿ لِتَعْلَمُوا ﴾
[ سورة الطلاق الآية : 12 ]
هذه لام التعليل، علة خلق السماوات والأرض أن نعرف الله. من أيقن أن علم الله يطوله و قدرته تطوله لا يمكن أن يعصيه :
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
[ سورة الطلاق ]
اختار الله من أسمائه اسمين؛ العلم والقدرة، معنى العلم ومعنى القدرة، أي علم الله يطولك وقدرته تطولك، فإذا أيقنت أن علمه يطولك وأن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه.
أنت كتاجر لا يمكن أن تغفل صفقة استوردتها في حسابات تقدمها للمالية، لماذا؟ لأن هناك نسخة من هذه الصفقة تذهب إلى المالية، فإن أغفلت هذه الصفقة أُهدرت حساباتك، لأنه توقن أن علم هذه الوزارة يطولك وأن قدرتها تطولك بإهدار حساباتك، أنت دقق مع أشخاص من بني البشر لأن علمهم يطولك ولأن قدرتهم تطولك لا يمكن أن تعصيهم فكيف بالواحد الديان؟. الخشوع من أدق الموضوعات في الوصول إلى الله تعالى :
أيها الأخوة، الخشوع حينما تعرف حكمة العبادات، حكمة الصلاة، وحكمة الصيام، وحكمة الحج، وحكمة الزكاة، حينما تؤمن أن العبادات في الإسلام ليست طقوساً هي عبادات معللة بمصالح الخلق، وهذا من فضل الله علينا.
أيها الأخوة، موضوع الخشوع من أدق الموضوعات التي تعد ذات أهميةٍ بالغة في الوصول إلى الله، أنت حينما تصلي بخشوع وصلت إلى الله.
لذلك الصلاة هي كبيرة أي صعبة إلا على الخاشعين.
﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 45 ]
الخاشع يسعد بالصلاة وغير الخاشع يراها عبئاً، النبي كان يقول: (( أقم الصلاةَ يا بلالُ ، أرِحْنا بها ))
[أخرجه أبو داود عن رجل من خزاعة ]
ولسان حال المسلم المقصر أرحنا منها.






والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
قديم 07-14-2018, 01:38 PM   #60


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول



بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثامن و الخمسون )

الموضوع : الخشوع فى الصلاة






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. العبادات معللة بمصالح الخلق :
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو الخشوع.

وقد بينت في اللقاء السابق أن هناك عبادات كما قال عنها الإمام الشافعي: معللةٌ بمصالح الخلق، وأن هناك طقوساً من سمات الديانات الوضعية الأرضية، الطقوس حركاتٌ، وسكناتٌ، وإيماءاتٌ، وتمتماتٌ لا معنى لها، بينما العبادات معللة بمصالح الخلق.
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾
[ سورة التوبة الآية : 103]
﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
الحج: ﴿ ِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 97 ]
إذاً العبادات معللة بمصالح الخلق. الوقوف على الحكم اللامتناهية للعبادات تعين الإنسان على الخشوع في الصلاة :
إذاً حينما قال الله عز وجل:
﴿ خذوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 171 ]

من حكم، حكمة العبادة تعينك على الخشوع، الصلاة مثلاً قال تعالى: ﴿ اُتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ * ﴾
[ سورة العنكبوت ]
ذكر الله أكبر ما فيها، بل إن ذكر الله لك وأنت في الصلاة أكبر من ذكرك له، لأنه إن ذكرك منحك الحكمة، منحك الرضا، منحك الطمأنينة، منحك الأمن، منحك السعادة، منحك التوفيق، منحك التأييد، منحك النصر، فالصلاة معللة بثمارٍ لا يعلمها إلا الله. ﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾
[ سورة العلق ]
من الله ، فالصلاة قرب . ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
[ سورة طه ]
الصلاة ذكر. (( ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها ))
[ورد في الأثر]
فالصلاة عقل. ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾
[ سورة النساء الآية : 43 ]
الصلاة قربٌ، والصلاة ذكرٌ، والصلاة عقلٌ، والصلاة طهورٌ، كما قال عليه الصلاة و السلام: (( لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول ))
[أخرجه البزارعن أبي هريرة ]
تطهر الإنسان من أدرانه، من شهواته المنحرفة، والصلاة نورٌ تلقي في قلبك نوراً ترى به الحق حقاً والباطل باطلاً، والصلاة حبورٌ و سعادةٌ. (( أرحنا بها يا بلال- أي الصلاة -))
[أخرجه الطبراني عن رجل من الصحابة ]
أنت حينما تقف على الحكم اللامتناهية للعبادات لعل هذه الحكم التي وقفت عليها أعانتك على الخشوع في الصلاة. إدراك الحكم يعين الإنسان على الخشوع لله عز وجل :
أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( أرأيتم لو أنَّ نهراً بباب أحدِكم يغتَسِلُ فيه كلَّ يوم خمس مرات، ما تقولون ذلك يُبقي من درنه؟ قالوا: لا يُبقي من دَرَنهِ شيئاً، قال: فذلك مَثَل الصلوات الخمسِ يمحو الله بها الخطايا ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]

فالعبادات معللةٌ بمصالح الخلق، إذاً إدراك الحكم يعينك على الخشوع، بل إن الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء عقد لكل عبادةٍ أسرارها وحكمها، المؤمن لا يصدق أن يأمره الله في الحج أن يدع بيته، وأهله، وماله، وعمله، وأن يأتي من بلادٍ بعيدة من أجل أن يكون في مكان واحد للحظات في عرفات وانتهى الأمر،لا ،الفقهاء يعنون بظاهر العبادات، لكن علماء القلوب يبينون أسرارها وحكمها، يوم عرفة يوم اللقاء الأكبر مع الله، يوم عرفة يوم معرفة الله عز وجل، يوم عرفة يوم القرب. (( من وقف في عرفات فلم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له ))
[ورد في الأثر]
أي العبادات عندما تفرغ من مضمونها، من أسرارها، من حكمها، من الأهداف الكبيرة التي أرادها الله منها، تغدو حركات، وسكنات، وتمتمات، وكلمات، عندئذٍ تقترب العبادات مع الجهل الفاضح من الطقوس، العبادات أعمال كبيرة جداً، لأن الإسلام جزءٌ منه عقائد، وجزءٌ آخر عبادات، معاملات، آداب، لكن الفقهاء معهم الحق درسوا الأمر في ظاهره، فالصلاة عندهم أقوالٌ وأفعال تفتتح بالتكبير، وتختتم بالتسليم، ولكن الله عز وجل قال: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
[ سورة طه ]
﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ * ﴾
[ سورة العلق ]
آيات الخشوع :
أيها الأخوة، الآن من آيات الخشوع: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾
[ سورة الأنفال الآية : 2 ]

هناك اضطراب، وقشعريرة، و تأثر، و بكاء، و شعور بالقرب من الله عز وجل. ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾
[سورة الأنفال ]
هذه آيةٌ أخرى من آيات الخشوع، العين تدمع، والوجه يشرق، والقلب يخشع، والجلد يقشعر، والأعصاب تضطرب، والإنسان يبكي بكاء القرب، بكاء الحب، بكاء الخشوع، أي الكلمة أو الحقيقة المرة أنا أراها أفضل ألف مرة من الوهم المريح، من صلى فلم يشعر بشيء، وقرأ القرآن فلم يشعر بشيء، وذكر الله فلم يشعر بشيء، عنده مشكلة كبيرة، بعضهم قال : لا قلب له أصلاً.
أي الإنسان يملك مقياساً دقيقاً، أنت حينما تخالف السنة، حينما تقصر في عمل، حينما تتجاوز الحدود، حينما تفعل شيئاً تعلم أن الله نهى عنه، تشعر فوراً بحجابٍ بينك وبين الله، والبطولة أن تتعاهد قلبك، البطولة أن تكون حكيم نفسك، حينما تقترف مخالفةً، أو حينما تقصر، أو حينما تتجاوز الحدود، تشعر فوراً بحجابٍ بينك وبين الله، والاستقامة التي أرادها الله من أجل أن تهدم هذا الحجاب بينك وبين الله. الخشوع هو الانخفاض مع التذلل لله عز وجل :
الآن عندنا معنى مادياً للخشوع، الخشوع معناه الانخفاض، والدليل:
﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * ﴾
[ سورة الغاشية ]

الخشوع هو الانخفاض، قال: انخفاض الرأس مع الذل مع التذلل إلى الله عز و جل، بعضهم قال: كلما تذللت إلى الله أكثر ازددت عزاً، وكلما خفضت رأسك لله رفعك الله، العلاقة عكسية، كلما بالغت في تمريغ وجهك في أعتاب الله رفع الله قدرك، وأعلى شأنك.
النبي الكريم رأى رجلاً حركته في الصلاة غير طبيعية، في بعض البلاد يصلح ثيابه، قد يعد ماله أثناء الصلاة، فالنبي رأى شخصاً هكذا فقال: (( لو خشع قلبه لخشعت جوارحه ))
[ كنز العمال عن علي]
لو خشع قلبه من الداخل لسكنت جوارحه، فالحركة الزائدة في الصلاة تضعف الخشوع فيها، وكما قلنا في لقاءٍ سابق: الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها بل من فرائضها، الآية الكريم: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً ﴾
[ سورة فصلت الآية : 39 ]
أي منخفضة. ﴿ فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى ﴾
[ سورة فصلت الآية 39 ]
فالخشوع هنا ببعض معانيه الانخفاض، التذلل، الخضوع لله عز و جل. من علامات الخشوع خمود نار الشهوة وتألق نور الله في القلب :
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الخشوع قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل، وبعضهم قال: الخشوع هو الانقياد للحق ما دمت خاضعاً لحكم الله.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
[ سورة الأحزاب الآية : 36 ]

الأوامر القرآنية والنبوية لا تخضع للبحث والدرس وليست محل مناقشة، وليست محل دراسة، وليست محل قبول أو رفض، ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾
هذه ما كان من أشد صيغ النفي، نفي الشأن: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
لذلك قال بعضهم: من علامات الخشوع خمود نار الشهوة، وتألق نور الله في القلب، هناك نار وهناك نور، الله عز وجل إذا أقبلت عليه يلقي في قلبك نوراً، وإذا خضعت لشهوتك هذه الشهوة تعد ناراً متأججة، الشهوات يرمز إليها بالنيران، والقرب من الله يرمز إليه بالأنوار، أنت بين النار والنور، وكلما اقتربت من الخشوع تألق النور وانطفأت الشهوة.
لذلك قال الإمام الشافعي: شكوت إلى وكيعٍٍ سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
و أنبئني بأن العلـــم نورٌ ونور الله لا يـهدى لعاصـي
***
من يتصل بالله يقذف في قلبه نوراً يرى به الحق حقاً والباطل باطلاً :
أي ما لم تشعر أنك قريب من الله، ما لم تشعر بحالة من السعادة يصعب وصفها، ما لم تشعر بالسكينة التي ذكرها الله في القرآن الكريم ، ففي العبادات مشكلة، الخشوع سر العبادة، الخشوع أي أن تعبد الله كما أراد لا كما تصورت، لذلك. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
[ سورة الحديد الآية : 28 ]

انظر الشاهد القوي على أن الله عز و جل حينما تتصل به يقذف في قلبك نوراً:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾
[ سورة الحديد الآية : 28 ]
أي رحمةٌ في الدنيا ورحمةٌ في الآخرة ﴿ كِفْلَيْنِ ﴾
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن ]
﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة الحديد ]
هذا النور ترى به الحق حقاً والباطل باطلاً. من صحّ عمله سلم و سعد في الدنيا و الآخرة :
أيها الأخوة الكرام، ما من عمل من دون استثناء يعمله الإنسان إلا وراءه رؤية، هذه الرؤية إن صحت صحّ العمل، وإن فسدت فسد العمل، ماذا رأى السارق قبل أن يسرق؟ رأى أن السرقة أقصر طريقٍ إلى المال بلا جهد، لكن غاب عنه أنه سيقبض عليه، وسيودع في السجن، وغاب عنه أن السرقة في معظم الأحيان تتحول إلى قتل، والقاتل يُعدم، غابت عنه نتائج هذه المعصية وتألق ورأى رؤيةً خاطئة، رؤية شيطانية أن السرقة أقصر طريقٍ لجمع المال، لذلك كل هؤلاء الذين يدفعون ثمن أخطائهم كانوا في عمى.
﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ * ﴾
[ سورة الحج ]
أنت حينما تملك رؤية صحيحة يصح عملك فتسلم وتسعد في الدنيا والآخرة، سيدنا يوسف شابٌ في مقتبل العمر، بعيدٌ عن أهله، غريب، غير متزوج، دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال، وهي سيدته، وليس من مصلحتها أن يفشو هذا الخبر، ما الذي رأى في الزنا حتى قال: ﴿ مَعَاذَ اْللهِ ﴾
[سورة يوسف الآية: 23 ]
وأي شاب آخر غافل عن الله يرى أن هذا اللقاء مكسب كبير، القضية قضية رؤية، إما أن تصح رؤيتك فيصح عملك فتسلم وتسعد، وإما أن تفسد رؤيتك من بعدك عن الله فيفسد عملك فتشقى وتهلك، هذا ملخص الملخص، هناك رؤية، هذه الرؤية الصحيحة بسبب نورٍ قذفه الله في قلبك.
لذلك الاتصال بالله ثماره يصعب تصورها، أنت حينما اتصلت بالله ألقى في قلبك نوراً.
الآن أحياناً تقوم حملة شديدة لمكافحة الفساد، هؤلاء الذين ساءت رؤيتهم فساء عملهم يُقبض عليهم، ويودّعون في السجون، لو صحت رؤيتهم لما أقدموا على ذلك. من تذلل إلى الله رفع شأنه و قدره :
من هو المؤمن؟ هو الذي يملك رؤية صحيحة، الإنسان إذا توهم أنه إذا كذب في صفات البضاعة باعها أعمى، الإنسان إذا توهم أنه إذا حلف يميناً كاذبةً راجت تجارته أعمى، الإنسان إذا توهم أنه إذا غش المسلمين يحقق أرباحاً كبيرة أعمى، لا يمكن أن يدعك الله من دون تأديب، لذلك مستحيلٌ وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح.

لذلك الإنسان تسوء رؤيته فيعصي الله، تصح رؤيته فيتقي الله، الإمام الجنيد يقول: الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب، الإنسان منحه الله عزة، لكن مع الله هناك تذلل في تمريغ الوجه بأعتاب الله، هناك مناجاة مع الله: يا رب أنا فقير، أنا مفتقر إلى غناك، أنا جاهل، أنا مقصر، يجب أن تعود نفسك أن تناجي ربك، ناجه بالتذلل، سيدنا يونس في بطن الحوت ماذا قال؟ ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
عود نفسك وأنت لك شأن كبير، ولك مكانة كبيرة، وتحت يدك مقدرات كبيرة جداً، بينك وبين الله أن تتذلل.
نور الدين الشهيد هذا البطل الذي ردّ التتار، سجد قبل المعركة وقال: يا رب من هو الكلب نور الدين حتى تنصره؟ انصر دينك يا رب، بقدر ما تستطيع بينك وبينه أن تتذلل يرفعك، يرفع شأنك، يعلي قدرك، يلقي في قلبك النور، توفق. الخشوع محله في القلب لا في الجوارح :
لو أن الله قال:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
[ سورة النور الآية: 30 ]

ما هو الخشوع؟ مع هذا الأمر الخضوع له، هنا الخشوع في الصلاة شيء أما الخشوع لأوامر الله فالخضوع لها، ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
لا يقول: أين سأذهب بعيوني؟ لا، ما أمرك الله بهذا الأمر إلا وهو يعلم أنك تستطيعه.
العلماء جميعاً أجمعوا على أن الخشوع محله في القلب لا في الجوارح، لذلك ارفع رأسك يا أخي، لا تتذلل، لا تتطامن، لا تتمسكن، ليس هذا من صفات المؤمن، خشوعك في القلب، ارفع رأسك، واجعل قامتك مديدة، وكن عزيزاً. (( إنكُم قادِمُونَ على إخوانكم، فَأصْلحُوا رِحَالَكُم، وأصلحوا لِبَاسَكُم، حتى تكونوا كأنَّكم شَامَةٌ في النَّاسِ ))
[ أخرجه أبو داود عن ابن الحنظلية سهل بن الربيع ]
هذا الخاشع تذلل، تمسكن، لا يوجد بيدنا شيء، لا، محل الخشوع القلب لا الجوارح، النبي رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال عليه الصلاة والسلام: (( لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ))
[ كنز العمال عن علي]
أي خشوع القلب يقابله خشوع الجوارح.
حُسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن :
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: حُسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن، أنت حينما تكون مؤدباً في ظاهرك، الجلسة مؤدبة، الكلام مؤدب، الحركة مؤدبة، الثياب مؤدبة، الأدب الظاهري دليل أدب قلبك، بعضهم رأى رجلاً خاشع المنكبين والبدن فقال له: يا فلان الخشوع ها هنا وأشار إلى صدره وليس ها هنا وأشار إلى منكبيه، الخشوع في القلب حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً من أصحابه قبيل معركةٍ يتبختر في مشيته فقال عليه الصلاة و السلام: إن الله يكره هذه المشية، إلا في هذا الموطن، لأن التكبر على المتكبر صدقة.
لا يوجد مؤمن ذليل، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير، شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس.
قيل للإمام الحسن البصري: بمَ نلت هذا المقام؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس وحاجتهم إلى علمي.
تصور إنساناً استغنى الناس عن علمه وهو بحاجةٍ إلى دنياهم سقطت الدعوة، أنا أنصح الدعاة أن يكون لهم عمل شخصي، عمل خاص يعيشون منه، من أجل ألا يخضعوا لقويٍ أو لغني لقول النبي الكريم:
(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
من جلس إلى غنيٍ، وفي رواية أو قويٍ فتضعضع له - تمسكن - ذهب ثلثا دينه، أي أصحاب النبي الكريم عليهم رضوان الله يتمتعون بعزة مذهلة.
سيدنا خُبيب صُلب على جذع نخلة، وقبل قتله سُئل أتحب أن يكون محمدٌ مكانك؟ أنت اسأل من يراقب إعدام المجرمين، هناك تذلل، هناك بكاء، هناك رجاء، قال: والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة، وهو يُقتل كان عزيزاً.
الخشوع في القلب وفي الظاهر ينبغي أن تكون عزيزاً. (( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
من شكا إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله ومن شكا إلى كافر فكأنما اشتكى على الله :
لذلك إياك ثم إياك ثم إياك أن تشكو همك لكافر، قالوا: من شكا إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله، ومن شكا إلى كافر فكأنما اشتكى على الله، الفرق كبير بين أن تشتكي إلى الله وبين أن تشتكي على الله، لذلك تحل كل مشكلاتك في ثلث الليل الأخير.
(( يَنْزِلُ اللهُ تَبارَكَ وتعالى إِلى السماءِ الدنيا، فيقولُ: هل من سائِلٍ فَيُعْطَ ؟ هل من دَاعٍ فَيُستَجَابَ لَه؟ هل من مُستَغفِرٍ فَيُغْفَرَ لَهُ؟ حتى يَنفَجِرَ الصُّبْحُ' ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]

لذلك لا تشتكي إلا لله. ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة يوسف الآية : 86 ]
ويعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم، سيدنا حذيفة يقول: إياكم وخشوع النفاق، قيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع.
سيدنا عمر رأى رجلاً طأطأ رقبته في الصلاة، فقال: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب.
سمع سيدنا عمر رجلاً علا صياحه في الحرم أثناء الطواف لأنه وجد لوزة، فسأل من صاحب هذه اللوزة؟ من صاحب هذه اللوزة؟ قال له: كلها يا صاحب الورع الكاذب، كُلْها وخلصنا.
السيدة عائشة رأت شباباً يتماوتون في مشيتهم، فقالت لأصحابها: من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء النساك، قالت: رحم الله عمراً ما رأيت أزهد منه، كان إذا سار أسرع، وإذا أطعم أشبع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، رحم الله عمراً ما رأيت أزهد منه.
الفضيل يقول: يكره أن يرى الرجل في خشوعٍ أكثر مما في قلبه، أي أظهر خشوعاً ليس في قلبه، هذا مكروه. الخشوع افتقارٌ إلى الله عز وجل :
سيدنا حذيفة يقول: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، صلاة بلا خشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، أي التطورات السلبية في العالم الإسلامي صلاة بلا خشوع ثم ترك الصلاة، لأن الصلاة بلا خشوع صلاة مملة.
﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 45 ]
أي صعبةً. ﴿ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]

قال بعض العلماء: من خشع قلبه لم يقترب الشيطان منه، الخشوع افتقارٌ إلى الله عز وجل، وأنت بين التولي والتخلي، تفتقر يتولاك، يحميك، يؤيدك، يوفقك، ينصرك، يحفظك، تقول: أنا ابن فلان، أنا أحمل هذه الشهادة، عندي خبرات، عندي أموال لا تأكلها النيران، يتخلى عنك.
والله مرة أخ أحسبه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً، غلط غلطة مع ربه، قال: الدراهم مراهم، هذه غلطة كبيرة، هذا شرك، اُتهم اُتهاماً هو بريء منه، بقي في المنفردة أربعة وستين يوماً، قال لي: الخاطر يأتيني كل دقيقة: الدراهم مراهم؟ تفضل حل هذه، البطولة أن تفتقر إلى الله لا أن تعتد بما عندك.
فالصحابة الكرام في بدر افتقروا إلى الله فانتصروا، هم هم ومعهم رسول الله في حنين قالوا: ((ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]
اعتدوا بالعدد فتخلى الله عنهم، هذا ملخص الملخص تفتقر يتولاك، تقول: أنا يتخلى عنك، فقبل أن تقوم بعمل، قبل أن تجري عملية جراحية، قبل أن تلقي درساً، قبل أن تقابل مسؤولاً، قل: يا رب إني التجأت إليك، إني تبرأت من علمي، ومن قوتي، والتجأت إلى علمك وقوتك يا رب العالمين.








والحمد لله رب العالمين


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدليلية (Tags)
الاسلامية-, التربية, الوصول, القبول, سبل, وعلامات


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 2 )
 
أدوات الموضوع إبحث في الموضوع
إبحث في الموضوع:

البحث المتقدم

ضوابط المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG]متاحة
كود HTML معطلة



المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 12 09-22-2018 08:42 PM
التربية الإسلامية - الموت السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 5 09-06-2018 08:30 PM
التربية الاسلامية - مدارج السالكين السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 101 07-21-2018 03:54 PM
التربية الإسلامية -علم القلوب السعيد رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة 54 07-18-2018 11:42 AM
اشياء تمنع الرجل من الوصول الى النجاح منال نور الهدى رِيَاض الأسرَة وَالطِفَل وَ أنَاقَة حَواء وآدَم 4 07-14-2014 11:00 AM


الساعة الآن 03:03 AM