| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#31 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : ( التاسع و العشرون ) الموضوع :التربية الاجتماعية ( 16 ) الامر بالمعروف الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الأخوة الكرام مع الدرس التاسع والعشرين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، ولعلّنا في هذا الدرس ننهي التربية الاجتماعيّة وننتقل بعدها إلى موضوعٍ آخر. الفريضة السادسة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: اليوم الموضوع الأخير من مسؤوليّة الآباء في تربية أولادهم التربية الاجتماعيّة غرس روح الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند الأولاد. الشيء الذي يلفت النظر أنّ علماء كثيرين سمّوا هذه الفريضة الفَريضة السادسة، كيف أنّ هناك صلاةً، وصياماً، وحجاً، وزكاةً، وشهادةً، هناك أمرٌ بالمعروف ونهيٌ عن المنكر، وفي اللحظة التي يتخلّى المسلمون عن هذه الفريضة السادسة يستحِقُّ عقاب الله عزَّ وجلَّ، حتى أنّ بعض العلماء يقول إنّ قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) ﴾ ( سورة الأنفال ) أي أنّ الصالحين إذا تخلَّوا عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصابتهم الفتنة، والسبب تقاعُسُهم عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. نذكر مثلاً يقرِّب الحقيقة، أرض كُلُّها مستنقعات، وفي هذه المستنقعات بعوض، وحشرات، ومياه آسنة، وتفسُّخ، وحشائش متفسِّخة، وروائح كريهة، وتوجد بقعة خضراء غير مبتلّة وفيها حشائش خضراء نضرة، هذه البقعة ينبغي أن تتوسّع وينبغي أن تتقلَّص مساحة المستنقعات، فحينما لا ننمي هذه المساحة الخضراء تنمو مساحة المستنقعات، وقد تطغى المستنقعات على هذه المساحة الخضراء الصغيرة. لذلك يجب أن نعتقد كلُّنا كباراً وصغاراً، آباءً وأبناءً، أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو عِلَّة خيريَّة هذه الأمّة، حينما قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آَمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110) ﴾ ( سورة آل عمران ) ما علّة هذه الخيريّة ؟ تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر. التواصي بالحقِّ أحد أركان النجاة: لاحظ لو كان في البيت مسلمٌ واحد، وإسلامه حقيقي، وكلّما رأى منكراً نبّه إليه ففي الأعمِّ الأغلب ينضبط كلَّ البيت، أو وجود موظف مسلم في دائرة ما وكلَّما رأى منكراً نبّه إليه بشكل لطيف وحكيم، فيصبح كلَّ من أراد فعل المنكر يحسب حساباً لهذا المسلم الذي سوف يبدي ملاحظة بأدب. التواصي بالحقِّ أحد أركان النجاة، أي أن الإنسان لو رأى منكراً فلم يتمعَّر وجهه استحقَّ بلاء الله عزَّ وجلَّ، وقد ورد في الآثار النبويّة: (( أن الله تعالى أوحى إلى جبريل أن اخسف بقرية كذا وكذا قال: يا رب إن فيهم فلاناً العابد، قال: به فابدأ، إنه لم يتمعر وجهه فيّ يوماً قط )) [رواه البيهقي عن جابر رضي الله عنه ] الآية التي تعرفونها جميعاً: ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117) ﴾ ( سورة هود ) إذا كانوا صالحين يهلكهم الله عزَّ وجلَّ لأنّه صالح، أمّا إذا كانوا مصلحين فينجون من عذاب الله. أنت ابن وتعمل مع والدك، وقد يرتكب الوالد خطأً في البيع والشراء، والله لم يكلِّفك أن تكون فظاً أو غليظاً ولكن بأدب جمّ قل له: يا أبتِ هذا العمل حرام ولا يجوز فعله، يجوز أن لا يلقي لكلامك بالاً، أو ربما ينهرك، ولكن مرة تلو المرة يحسب لك حساب، فإذا لم يتواجد إنسان يدافع عن الحق، تستحقُّ الأمّة كلُّها عذاب الله عزَّ وجلَّ. على المؤمن أن يربّي أولاده على الأمر بالمعروف والنهي عن المنك ما معنى قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (7) ﴾ ( سورة محمد ) هذا هو المعنى، أي أنّك حارسٌ لدين الله، إذا رأيت منكراً اجتماعياً، أو منكراً بالعلاقات الاجتماعيّة، أو بالعلاقات الماليّة، أو رأيت منكراً باحتفالات معيّنة، ونبّهت له بلطف وبأدب وبحكمة بالغة، معنى ذلك أنّك نصرت دين الله عزَّ وجلَّ، لقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ ﴾ ( سورة محمد الآية: 7 ) آخر فكرة نذكرها هي أنّ المؤمن ينبغي أن يربّي أولاده على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (110) ﴾ ( سورة آل عمران ) هناك آية أخرى يقول الله تعالى فيها: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71) ﴾ ( سورة التوبة ) ما معنى بعضهم أولياء بعض ؟ أي يتناصحون، ويتعاونون، ويسدي بعضهم لبعضٍ كلَّ الخير، هكذا المجتمع المؤمن. مبايعة الصحابة للرسول الكريم: ورد في الحديث الشريف: (( دَخَلْنَا عَلَى عُبَادَةَ بـْنِ الصَّامِتِ وَهُوَ مَرِيضٌ قُلْنَا: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، حَدِّثْ بِحَدِيثٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِ سَمِعْتَهُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: دَعَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَايَعْنَاهُ فَقـَالَ فِيمَا أَخَذَ عَلَيْنَا: أَنْ بَايَعَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي مَنْشَطِنَا، وَمَكْرَهِنَا، وَعُسْرِنَا، وَيُسْرِنَا، وَأَثَرَةً عَلَيْنَا، وَأَنْ لا نُنَازِعَ الأَمْرَ أَهْلَهُ إِلا أَنْ تَرَوْا كُفْراً بَوَاحاً عِنْدَكُمْ مِنَ اللَّهِ فِيهِ بُرْهَانٌ )) [ البخاري عَنْ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيــَّةَ] على السمع والطاعة في العسر واليسر، أحياناً تجد أخاً ما دام فارغاً من الأعمال ونشيطاً ويمتلك المال تجده يرتاد بيوت الله، ولكن ولأتفه سبب ولأقلِّ مشكلة تنشأ تجده قد اختفى، ويقول لك: مهموماً اتركني وحيداً، أما الصحابي الكريم قال: بايعنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على السمع والطاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره. في حال نشاطك وفي حال مشكلة ألمّت بك، في حال عسرك، وفي حال يسرك، وعلى أثرةٍ علينا أي على أن نؤثر أخواننا، فالمؤمن دائماً ينطلق من إيثار أخيه في كلِّ شيء، وألا نُنازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان، وعلى أن نقول الحق أينما كُنّا، وألا نخاف في الله لومة لائم. هكذا كانت بيعة أصحاب رسول الله. المعنى الموسّع للهجرة: أيّها الأخوة هناك آية كريمة دقيقة جداً ونحن في أمسِّ الحاجة إليها، يقول الله عزَّ وجلَّ: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) ﴾ ( سورة الأنفال ) ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾ الهجرة تعني مطلق الحركة، أي أنّك آمنت ولك مصلحة لا ترضي الله فينبغي عليك أن تتركها، وأنت آمنت ولك من الرفقاء من لا يرضي الله أن تبقى معهم فيجب أن تهجرهم، وأنت آمنت وتعيش وسط مجتمع فاسد يجب أن تبتعد عنه، فأنا أقول لكم المعنى الموسّع للهجرة، فهي حركة فلا تظلّ ساكناً، فقد آمنت فلا بدَّ من التحرُّك نحو الحقِّ ومن التحرُّك في هجرة الباطل. ﴿ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا ﴾ أي أن تعاون أخوانك فأنت عضو نافع في الجماعة، فكن إيجابياً خيّراً ومعطاءً، دائماً تبحث عن إنسان تخدمه ابتغاء مرضاة الله. ﴿ أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ﴾ آمن، وهاجر، وجاهد بماله ونفسه، وآوى، ونصر، قال: أولئك بعضهم أولياء بعض. ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا ﴾ إذا لم يأخذ موقفاً فهذا لم يقدِّم شيئاً، وهو إنسان وعضو مشلول، إنسان سلبي، إنسان هارب من الحياة، بل إنسان انعزالي وقد نمت فيه الروح الفرديَّة الطاغية. ﴿ وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ ائتمار الكفار على إضعاف المسلمين وإيقاع العداوة والبغضاء فيما بينهم: الآن دققوا في الآية التي بعدها قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73) ﴾ ( سورة الأنفال ) هم يتعاونون ضدّكم، ويأتمرون على إفقاركم، ويتعاونون على إفساد العلاقة بينكم، ويتعاونون على إضعافكم وعلى إيقاع العداوة والبغضاء فيما بينكم، يخططون ويعملون ليلاً ونهاراً للإيقاع بالمسلمين، ولتفتيت وحدة المسلمين، ولإيقاع العداوة بين المسلمين، يعملون ليلاً ونهاراً لإفقار المسلمين، ولأخذ الأموال من بين أيديهم، وذلك بنقل الكتل النقديَّة الكبرى من بلاد المسلمين إلى بلاد الغرب، ويفتعلون كلّ الأزمات من أجل أن تنقل هذه الأموال، ومن أجل أن يعيشوا وحدهم ونفتقر نحن فقد قال تعالى في الآية الكريمة: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (73) ﴾ ( سورة الأنفال ) الآن أعيروني انتباهكم فقد قال تعالى بعد المقطع الأوّل من الآية ﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾ يوجد هاء في كلمة تفعلوه، هذه الهاء على أيّ شيءٍ تعود ؟ هذه الآية تعود على الآية السابقة: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ (72) ﴾ ( سورة الأنفال ) أي إذا لم تتعاونوا هم يتعاونون عليكم ﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ الحدّ الأدنى للإسلام أن تنطق بالحق: يقول أحدهم لك: لا أستطيع أن أربّي أولادي، أحياناً أصدِّقه فهناك أكثر من خمسين مفسدة في الطريق، وأينما ذهب مفاسد، فهناك المناظر المثيرة، والأفلام الساقطة، والمجلاَّت الداعرة، فأكثر المجتمعات غرقت في الانحراف عندما تخلّى المسلمون عن التعاون والتناصر والتناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، دخل الفساد إلى كلِّ بيت ويسميه العلماء غزو ثقافي. غزو ثقافي أي أنّك لا تملك شيئاً، فالفكر الملحد العلماني والاتجاه الإباحي يصل إلى كلّ بيت، ﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾ تفعلوا ماذا ؟ التعاون والتناصر أن يكون أحدكم ولياً للآخر، الجهاد بالمال، إنفاق المال، جهاد النفس والهوى، الإيمان، الهجرة ﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ ﴾ إلا تفعلوا هذا كلّهُ ﴿ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ أي تنتشر المخدِّرات، وتنتشر بيوت الدعارة، وينتشر المنكر، بل يؤمر بالمنكر وينهى عن المعروف. القضيّة قضيّة بالغة الخطورة، فإذا المسلم لم ينصر الإسلام ولم يؤيِّد الدين ولم يأمر بالمعروف ولم ينصح، فالحدّ الأدنى أن تنطق بالحق، فهذه الفتاة التي تمشي في الطريق أليس لها أبٌ أو أخٌ أو عمٌ أو خالٌ ؟ وهي مسلمة، فكيف سمح لها أن تمشي هكذا ؟!! ألا يوجد في رأس أبيها نخوة أو برأس أخيها أو خالها أو عمّها. أردتُ من هذه الآية ﴿ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ﴾ أحياناً يبحـث الإنسان عن شيء محسِّن لحياته، ولكن هناك أشياء مصيريّة لو لم تفعلها لانتهت حياتك ؛ نحو الفرائض، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ليسا شيئاً تحسينياً ولكنهما شيء أساسي إن لم نفعله تنامت دوائر الباطل وحاصرت دوائر الحق وقضت عليه، ونحن ـ والحمد لله ـ في أعظم بلد إسلامي وهذا ليس كلامي بل كلام سيّد الأنبياء والمرسلين: (( إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فاتبعته بصري فإذا هو نور ساطع فعمد به إلى الشام ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام )) [الطبراني والحاكم وتمام وابن عساكر عن ابن عمر] (( عليكم بالشام )) [ ابن عساكر عن أبي هريرة] لا يوجد إنسان إلا ويعرف نعمة هذه البلدة، بمجالس العلم فيها، وبصلاح أهلها، ومع ذلك نشكو الفساد، فكيف لو ذهبت إلى بيروت ؟ أو إلى أي بلد آخر فستجد شيئاً غير معقول على الإطلاق، مثلاً في قبرص تجد امرأة تدخل للمحل التجاري بلباس السباحة، لا يوجد حياء على الإطلاق. المبادئ الهدّامة والنظريّات الملحدة والاتجاه العلماني ينتشر لأنّه مؤيِّد للشهوات: أيُّها الأخوة يجب عليك أن تربي أولادك على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإذا فعلت هذا تنامت دوائر الحق على حساب دوائر الباطل، وكم أتمنى أن تتناصح الأسر، فإذا وجد بكل أسرة شاب مؤمن فأقول له: إنّ لك مهمّة خطيرة في البيت، عليك أن ترعى أخواتك بناتاً وذكوراً، من كان أصغر منك عليك بالإحسان واللطف، والأكبر منك بالإقناع الهادئ، يجب إن كنت في أسرة أن تجرّها كلّها إلى المسجد، وتأتي بها كلّها، ولو كنت تعمل في دائرة من الدوائر فأخوانك الموظفون قم بتنبيههم إلى عظمة هذا الدين وبيّن لهم فضل الإسلام، ونبههم إلى سعادة المؤمن حينما يستقيم على أمر الله، نبّههم ولا تظلّ ساكتاً: (( بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً )) [البخاري عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو] هذا هو محور درسنا اليوم يجب أن تُرسِّخ عادة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نفوس أولادك، وأنت في الأساس ينبغي أن تفعل هذا. هناك تعبير حديث أسمعه وأقرؤه كثيراً، فنحن كلُّنا في بحر وفي قارب واحد، فأي خطر يصيب هذا القارب سيصيب المجموع، والنبي عليه الصلاة والسلام عبَّر عن هذا المعنى بأعلى مثل قال: (( مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا ؛ كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلاهَا، وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكـَانَ الَّذِينَ فِي أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا: لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا فِي نَصِيبِنَا خَرْقاً وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعاً )) [البخاري عن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمـَا] هذا التعبير " نحـن في سفينةٍ واحدة "، فمن يريد القيام بعمل طائش كأن يخرق مكاناً بالسفينة حتى يستجلب الماء لنفسه من غير تعب إن أخذنا على يده نجونا جميعاً، وإن تركناه هلكنا جميعاً، فالباطل ينتشر وقد قال الله عزَّ وجلَّ: ﴿ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) ﴾ ( سورة إبراهيم ) الباطل يتنامى ويتوسّع، فالمبادئ الهدّامة والنظريّات الملحدة والاتجاه العلماني والفكر الإباحي ينتشر لأنّه مؤيِّد للشهوات، والإنسان حينما تُلبّي فكرة ما شهواته تجده يؤمن بها إيمان تملُّق لا إيمان قناعة. إذا كثر الخبث يستحقُّ القوم الهلاك: يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ داود وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) ﴾ ( سورة المائدة ) في الآية الثانية لماذا لعنهم الله عزَّ وجلَّ ؟﴿ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79) ﴾ ( سورة المائدة ) استحقوا لعنة الله، أي أن أي أمّة إذا لم تتناهَ عن المنكر تستحقُّ لعنة الله عزَّ وجلَّ لذلك كما قلت في بداية الدرس حينما وصف الله جلَّ جلاله أمّتنا بأنّها خير أمّة لأنّها تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، حديثٌ آخر: (( اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَوْمِهِ وَهُوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ وَهُوَ يَقُولُ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ الْيَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ. وَعَقَدَ بِيَدَيْهِ عَشَرَةً قَالَتْ زَيْنَبُ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ: إِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ )) [ابن ماجه عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ رٍ رَضِي اللَّه عَنْهَا] إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فسيتوسّع الخبث، وإذا كثر الخبث يستحقُّ القوم الهلاك كما قال عليه الصلاة والسلام. (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْهُ ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلا يُسْتَجَابُ لَكُمْ )) [الترمذي عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ رَضِي اللَّه عَنْه] الحديث التالي يدفع على الاستقامة: أحياناً أسمع أدعية رائعة جداً، وصوتاً وصياحاً، وفصاحة وسجعاً، وأدعية منتقاة ومختارة، ولكن ليس هناك استجابة لأنّ النبيّ الكريم قال: (( أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة )) [الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنه] أي أن تخلص في عملك مـع عدم الغش ولا الكذب ولا التدليس ولا الإيهام وأن يكون بيعك بيعاً شرعياً، إذا ربحك شرعي ومالك حلال اشتريت به طعاماً والطعام طيّب وأكلته فأصبحت مستجاب الدعوة، هذا هو معنى الحديث. صدِقوني أيها الأخوة ما من حديثٍ يدفع على الاستقامة كهذا الحديث، فإذا كان بعملك مخالفات شرعيّة كالغش والكذب والاحتقار والتدليس والإيهام والجهالة وفيه شبهة، أصبح ربحك من العمل فيه شبهة، فإذا اشتريت به طعاماً فالطعام ليس طيّباً وعندئذ لا تستجاب دعوتك، أما إذا كنت مستقيماً بعملك ولا سيّما بكسب المال، أصبح مالك حلالاً وطعامك طيّباً ومستجاب الدعوة. (( دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَفْتُ فِي وَجْهِهِ أَنْ قَدْ حَفَزَهُ شَيْءٌ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ خـَرَجَ فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَداً فَدَنَوْتُ مِنَ الْحُجُرَاتِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجـَلَّ يَقُولُ: مُرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَدْعُونِي فَلا أُجِيبُكُمْ وَتَسْأَلُونِي فَلا أُعْطِيكُمْ وَتَسْتَنْصِرُونِي فَلا أَنْصُرُكُمْ )) [أحمد عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهـَا] هذا شيء خطير، والعلماء معهم الحق أن يقولوا الأمر بالمعروف والنهيُ عن المنكر هو الفريضة السادسة. كيف تُصلّي، كيـف تصوم، كيف تَحُجّ البيت، كيف تشهد أنّ لا إله إلا الله إذا لم تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ! فلا تخجل فهذا الخجل شيطاني والناس يسمون المنافق لبقاً أو مرناً، وهذا نفاق وخجل لا يرضي الله عزَّ وجلَّ، فكن جريئاً. بعض القواعد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: نحن يكفينا أنّ الله سبحانه وتعالى يقول في محكم القرآن الكريم: ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104) ﴾ ( سورة آل عمران ) ﴿ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ ﴾ هو الدين ﴿ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ﴾﴿ وَلْتَكُنْ ﴾ اللام لام الأمر. أيها الأخوة الآن بعض القواعد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: 1ـ عليك تطبيق ما تقوله حتى يستمع الناس إليك: لا تصدِّق أن يسمع لك إنسان كلمة أو حرفاً إن لم تكن أنت سبّاقاً إلى تطبيق ما تقول، وهذا هو أول شرط. إذا أنت لم تكن مطبّقاً لما تقول فالأفضل أن تسكت لأنّك إذا تكلَّمت سخر الناس منك واستهزؤوا بدعوتك وشهَّروا بك، ولم تزدهم عن الدين إلا بُعداً، يا طبيب طُبَّ لنفسك. لا تنهَ عن خُلُقٍ وتأتي مثلـه عارٌ عليك إذا فعلت عظيم فهناك يُسمع ما تقول ويُرتجى بالقول منك ويَنفعُ التعلي *** الشرط الأول قبل أن تطبِّق ما تقول إيّاك أن تقول كلمة، يروى ـ قصّة مشهورة ـ أنّ شيخاً جليلاً له تلميذ من كبار أغنياء البلدة وعند هذا التلميذ عبد، فعندما زار الشيخ تلميذه وكان التلميذ قد دعا شيخه إلى طعام، قال العبد لشيخ سيِّده: يا سيّدي لو لفتّ نظر سيّدي كي يُعتقني، فقال له الشيخ: خيراً إن شاء الله، مضى شهر وشهران وثلاثة أشهر ولم يعتقه سيّده، والدليل أنّ الشيخ لم يقل للسيّد كلمة واحدة، فزار الشيخ تلميذه مرّةً ثانية، فتقدّم هذا العبد بأدبٍ جم إلى الشيخ وقال: يا سيّدي لو لفتّ نظر سيّدي كي يُعتقني فأنت عنده ذو قدرٍ عظيم، فقال له: خيراً إن شاء الله يا ولدي، كذلك مضى ثلاثة شهور ولم يعتقه والدليل ما تكلَّم الشيخ، وفي المرّة الثالثة زاره وقال لهذا العبد: إن شاء الله آن الأوان وطلب من سيّده أن يُعتقه فأعتقه، ظلّ سؤال كبير في ذهن هذا العبد فقال للشيخ: يا سيدي كلمة وتسعة أشهر وأنا أنتظر، وما دام بكلمة من فمك يعتقُني فلِمَ أخّرت هذا ؟!! قال له: يا ولدي لقد أتعبتني كثيراً، فإنني قد وفّرت من مصروف البيت مبلغاً أعتقت به عبداً قبل أن أطلب من سيِّدك أن يُعتقك. أن تبحث عن المال من خلال الدين فهذا لعبٌ بدين الله عزَّ وجلَّ: لا تأمر بالمعروف وتنهَ عن المنكر قبل أن تكون سبّاقاً إلى ما تقول، إذا كنت سبّاقا فلكلامك فعل السحر، إذا كنت سبّاقاً فإنّك تستطيع أن تؤثِّر في الآخرين، أما أن تتخذ الدعوة إلى الله حرفة لترتزق منها فهذا أسوأ شيء تفعله، قال الإمام الشافعي:" والله لئن أرتزِق بالرقص أهون من أن أرتزِق بالدين ". إيّاك أن تلعب بدين الله، إذا أردتّ المال فابحث عنه من مصادره فهناك زراعة، وصناعة، وتجارة، أو أي عمل آخر، فإذا أردت المال فابحث عنه من مصادره المشروعة أمّا أن تبحث عن المال من خلال الدين فهذا لعبٌ بدين الله عزَّ وجلَّ فقد قال تعالى: ﴿ وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (20) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ (21)﴾ ( سورة يس ) أول شيء قال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) ﴾ ( سورة الصف ) أدلة من القرآن والسنة على ضرورة تطبيق ما تقوله: قال تعالى: ﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) ﴾ ( سورة البقرة ) (( يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يـَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُ بَطْنِهِ فَيَدُورُ بِهَا كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِالرَّحَى فَيَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهـْلُ النَّارِ فَيَقُولُونَ يَا فُلانُ مَا لَكَ أَلَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ فَيَقُولُ بَلَى قَدْ كُنْتُ آمُرُ بِالْمَعْرُوفِ وَلا آتِيهِ وَأَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ )) [مسلم عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ] (( رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالاً تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ. فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ، مَنْ هَؤُلاءِ ؟ قَالَ: هَؤُلاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا يَعْقِلُونَ )) [أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه] قبل أن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فعدَّ للمليون هل أنت في مستوى هذا الأمر ؟ هل أنت في مستوى هذا النهي ؟ (( أوحى الله إلى عيسى بن مريم: عظ نفسك بحكمتي فإن انتفعت فعظ الناس، وإلا فاستحيى منى )) [رواه الديلمي عن أبى موسى] كان سيّدنا عمر إذا أراد إنفاذ أمرٍ جمع أهله وخاصّته وقال: إنّي قد أمرت الناس بكذا ونهيّتُهم عن كذا، والناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا، وأيمُ الله لأوتينّ بواحد وقع فيما نهيتُ الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه منّي. كانت القرابة من عمر مصيبة، فمصيبةٌ كبرى أن تكون قريب عمر، لأنّك إذا فعلت شيئاً مخالفاً لأمره عُوقبت مرّتين، مرّةً لأنّك قريبه ومرّةً لأنّك خالفت الأمر. 2ـ أن يكون المنكر الذي تنهى عنه مجمعاً على إنكاره: أول شرط أن تكون مطبّقاً لما تقول والشرط الثاني أن يكون المنكر الذي تنهى عنه مجمعاً على إنكاره. أي أنت شافعي وأحد الأخوة الأحناف صلّى على مذهبه فتقوم بإنهائه بالمعروف وتنهاه عن المنكر ؟ فهذه القضيّة قضيّة خلافيّة في المذاهب، فلا تنه إلا عن المنكر المجمع على إنكاره، فليست القضيّة مِزاجيَّة وكل شيء لم يعجبك تنهى عنه، فما دام هذا الشيء مغطّى بأحد المذاهب فلا شيء في ذلك، شيء قد أجمع العلماء على صحَّته فهو صحيح، ولا تخترع أنت المنكر، فالمنكر هو المنكر المجمع على إنكاره. لو قصر في الصلاة فهو حنفي والقصر في الصلاة واجب، فلو قلت: هذا ذاهب إلى نزهة وليس في سفر ؟ فليس على مزاجك فمطلق السفر عند الأحناف يجب فيه القصر. فما دام العمل على المذهب المعتمد وعلى رأس المذهب إمام كبير عدَّ القصر في الصلاة في السفر واجباً، وهو قصر فلا شيء عليه ولا يدخل هذا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فاختلاف المذاهب ليس له علاقة بذلك. لا تنكر إلا المنكر المتَّفق على أنّه منكر، الربا متّفق عليه، إطلاق البصر في الحرام متّفق عليه، الكذب متّفق عليه، أما قضيّةٌ خلافيّة بين المذاهب نقول فيها: نتعاون فيما اتفقنا، ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا. 3ـ أن يكون المُنكِر للمنكر متدرِّجاً في إنكار المنكر: الآن أن يكون المُنكِر للمنكر متدرِّجاً في إنكار المنكر،أي أن يكون هناك حكمة، إذا ارتكب صديق أمامك عشرة منكرات فذكره باثنين فقط، لأن العشرة دفعة واحدة يقول لك ما هذا الدين الذي تعتنقه، المفروض أن تكون حكيماً بإنكار المنكر، فدائماً عندنا قاعدة: إذا نتج عن إنكار المنكر فتنةٌ أشدُّ وأخطر من المنكر الذي تنهى عنه فأصبح الإنكار غلطاً وأنت بهذا لست حكيماً، وأحياناً إنكار المنكر يجرّ إلى كارثة، فالله عزَّ وجلَّ لم يكلِّفك فوق ما تطيق، فإذا أنكرت المنكر فعليك أن تنكره بحكمة، وبالتدرُّج. 4ـ أن تكون لطيفاً رفيقاً حسن الخُلُق في إنكار المنكر: شيء أخير بإنكار المنكر قال: أن تكون لطيفاً رفيقاً حسن الخُلُق. (( من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف )) [رواه البيهقي عن عمرو بن شعيب رَضِي اللَّه عَنْه] أنا لا يؤلمني شيء أكثر ممن ينهر طفلاً في المسجد بقسوة، فأنت المفروض أن يحبَّك الطفل، ممكن أن تنهاه عن عمل، فالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم عندما رأى صحابياً يركض في المسجد ليلحق الركعة مع رسول الله قال له: (( زادك الله حرصاً ولا تعُد. )) [رواه البخاري عن موسى بن إسماعيل عن همام] يجب عليك أن تختار أجمل عبارة من أجل أن تُنكر بها منكراً رأيته في المسجد، لا أن تكون فظاً غليظ القلب، فالنبي الكريم على ما فيه من الكمال، وعلى أنّه نبيُّ هذه الأمّة وهو الرسول الأمين، وسيِّد الأنبياء والمرسلين، والمعصوم الذي يوحى إليه، والمؤيّد بالمعجزات، النبي الكريم على كلّ هذه الخصائص الفريدة خاطبه ربه فقال تعالى:﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159)﴾ ( سورة آل عمران ) ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾ فما بال الآخرين ؟!! (( إِنَّ الرِّفْقَ لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلا شَانَهُ )) [مسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْها] أنا ضد العنف، كن لطيفاً وأمر بالمعروف وانهَ عن المنكر ولكن بأدب وباحترام وبترفُّق وبتدرُّج وبحكمة ومن دون فظاظة ولا قسوة ومن دون نهر، ومن دون سُباب. (( يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ )) [البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْها] بعض الأحاديث الشريفة عن الرفق واللين في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أنت حين تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر يجب أن تكون رفيقاً ولطيفاً ومؤنساً. (( قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلاً مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوباً مِنْ مَاءٍ فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ )) [البخاري عَنْ أبي هريرة رَضِي اللَّه عَنْه] هل هناك عملٌ فيه تحدٍّ وغلظة وفظاظة وقلّة ذوق كأن يبول في المسجد أمام الصحابة ومع ذلك حلم النبيّ وَسِعَه وقال للصحابة: دعوه. الذي قال للنبي: (( يَا رَسُولَ اللهِ ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا ؟ فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ وَقَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيباً، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ ؟ قَالَ: لاَ وَاللهِ جَعَلَنِي اللهُ فِدَاكَ، قَالَ: وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ )) [البخاري عَنْ أبي هريرة رَضِي اللَّه عَنْه] بالمنطق، فخرج من عنده وما شيءٌ أبغض إليه من الزنا. (( بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ فَقُلْتُ: يَرْحَمـُكَ اللَّهُ فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ فَقُلْــتُ: وَا ثُكـْلَ أُمِّيَاهْ مَا شَأْنُكــُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكـَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي مَا رَأَيْتُ مُعَلِّماً قَبْلَهُ وَلا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيماً مِنْهُ فَوَ اللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلا ضَرَبَنِي وَلا شَتَمَنِي قَالَ: إِنَّ هَذِهِ الصَّلاةَ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّم )) [البخاري عَنْ مُعَاوِيَةَ ابْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ رَضِي اللَّه عَنْه] هكذا النبي اللهمّ صلِّ عليه، فلم يكفِ هذا الصحابي أن شمّت العاطس ولكنّه تكلّم في الصلاة، ولكن النبيّ وجّهه بلطف. دخل واعظٌ على أبي جعفر المنصور أغلظ عليه في الكلام ولكن ظهر أنّ أبا جعفر المنصور أكثر فهماً منه فقال له: يا هذا ارفُق بي، أرسل الله سبحانه من هو خيرٌ منك إلى من هو شرٌ مني ـ أي أنّك لست موسى وأنا لست فرعون ـ فقال الله تعالى له: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) ﴾ ( سورة طه) ظهر أنَّ المنصور أي الموعوظ أكثر فهماً وعقلاً من الواعظ. على الإنسان أن يوطِّن نفسه على الصبر على من يؤذيه إذا أمر بالمعروف ونهى عن المنكر: شيء آخر، عندما يأمر الإنسان بالمعروف وينهى عن المنكر يجب أن يوَطِّن نفسه على المتاعب ؟ لذلك قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214)﴾ ( سورة البقرة ) وقال تعالى: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) ﴾ ( سورة لقمان ) من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحينما تأمر بالمعروف هناك من يُعاديك، وحينما تنهى عن المنكر هناك من يُعاديك، فيجب أن توطِّن نفسك على أن تصبر على من يؤذيك إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر. ﴿ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ ﴾ (( أشدُّ الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه إن كان دينه صُلباً اشتدَّ بلاؤه، وإن كان في دينه رِقَّةٌ ابتلاه الله على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة. )) [ متفق عليه عَنْ سعد بن أبي وقاص رَضِي اللَّه عَنْه] الإنسان يُبتلى على قدر دينه والبلاء ينتهي بالإنسان إلى الطهارة التامّة: الإنسان يُبتلى على قدر دينه، والبلاء ينتهي بالإنسان إلى الطهارة التامّة، من مغادرة الدنيا إلى الجنّة مباشرةً. (( حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ )) [ مسلم عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِي اللَّه عَنْه] بقيـت فقرةٌ واحدة في الدرس، يُروى أنّ أبا غياث الزاهد كان في بُخارى فدخل المدينة ليزور أخاً له وكان غِلمان الأمير معهم المُغنّون والملاهي يخرجون من داره وكان يوم ضيافة الأمير، فلمّا رآهم الزاهد: قال: يا نفسُ وقع أمرٌ إن سكتِّ عليه فأنت شريكةٌ فيه، فرفع رأسه إلى السماء واستعان بالله وأخذ العصا فحمل عليهم حملةً واحدة، فولوا منهزمين مدبرين إلى دار السلطان، وقصّوا على الأمير ما حدث، فدعا به وقال له: أما عَلِمتَ أنّه من يخرُج على السلطان يتغذَّ في السجن ؟ فقال له أبو غياث: أما علمت أنّه من يخرُج على الرحمن يتعشَّ في النيرانِ ؟ فقال له: من وَّلاك الحسبة ؟! قال: الذي ولاك الإمارة، فقال الأمير: ولاني الخليفة، فقال أبو غياث: أنا ولاني ربُّ الخليفة، فقال الأمير: ولّيتُك الحُسبة بسمرقند، قال: عزلت نفسي عنها، قال الأمير: العجـب في أمرك تحتسِبُ حين لم تؤمر، وتمتنع حينما تؤمر !! قال: لأنّك إن وليتني عزلتني، وإذا ولاني ربي لن ليعزلني أحد، فقال الأمير: سل حاجتك، قال: حاجتي أن ترُدَّ عليّ شبابي، قال: ليس ذلك لي، فهل لك من حاجة أُخرى ؟ قال: أن تكتُب إلى مالك خازن النار ألا يُعذِّبني، فقال: ليس ذلك لي، فهل لك من حاجة أخرى ؟ قال: أن تكتُب إلى رضوان خادم الجنان أن يدخُلني إلى الجنّة، ـ ما هذه الطلبات !! ـ قال: ليس ذلك لي، قال أبو غياث: فإنّها مع الربِّ الذي هو مالك الحوائج كلِّها ولا أسأله حاجةً إلا أجابني إليها، فأخلى الأمير سبيله وتخلَّص منه. الأمر بالمعروف من أخطر الأوامر التي تأتي بعد الفرائض: بالطبع يوجد في تاريخنا الإسلامي كثير من القصص تؤكِّد أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان فريضة سادسة، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يُلهمنا الحكمة. (( كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ )) [ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا] زوجتك، بناتك، أولادك، أولاد أخيك، وأولاد أختك، فأنت خالهم أو عمّهم، شريكك بالعمل، زميلك بالوظيفة بجوارك في العمل وهو رجلٌ صالح ولكنّه مقصِّر فلا يصلّي مثلاً، فأنت مكلَّف أن تأمره بالمعروف وأن تنهاه عن المنكر، وأن تنَشّئَ أولادك على ذلك، فإذا أمرنا بالمعروف ونهينا عن المنكر توسَّعت دوائر الحق على حساب دوائر الباطل، أما إذا تقاعسنا نستحقُّ عندئذِ لعنة الله، وندعوه فلا يستجيب لنا، وقد ذكرنا في النصوص التي هي كثيرة الدقة، فقضيّة الأمر بالمعروف هي من أخطر الأوامر التي تأتي بعد الفرائض. مرّة ثانية الأمر بالمعروف يحتاج إلى تطبيق أولاً، وثانياً إلى حكمة وإلى تدرُّج وإلى تلطُّف، ويحتاج إلى أن تعتقد أنّك إذا رأيت في إنكار هذا المنكر فتنةٌ أشدَّ من المنكر ينبغي أن تصمت، لأنّه يجب عليك أن تختار أهون الشرّين. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#32 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : (الثلاثون ) الموضوع :التربية الاجتماعية ( 17 ) ادب الاستئذان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الأخوة الكرام مع الدرس الثلاثين من دروس تربية الأولاد في الإسلام، نحن في هذا الدرس مع مسؤولية الآباء عن تربية أولادهم التربية الجنسية. على الآباء أن يعلموا أبناءهم الاستئذان: من أدب الإسلام أن الله سبحانه وتعالى أمر في كتابه الكريم أن نعلِّم أولادنا أدب الاستئذان، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (58) وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (59) ﴾ ( سورة النور ) أي أن الطفل جعله الله عزَّ وجَّل كالصفحة البيضاء فإذا ربي تربية أخلاقيةً ولم ير ما ينبغي أن يعلمه بعد حين طويل ينشأ طاهر النفس سليم الصدر، فلو أن الآباء والأمهات تساهلوا في أمر غرفة النوم، لو أن الطفل دخلَ خطأً فرأى والديه في وضعٍ لا يفهمه أبداً ربما تحدث إلى أصدقائه ربما أثيرت مشكلات وتعليقات وكأن مخدع الزوجيَّة ليس مقدساً، لذلك على الآباء أن يكونوا دقيقين جداً في موضوع تعليم أبنائهم الاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة ؛ من قبل صلاة الفجر، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء، أي أن الأطفال لا ينبغي أن يدخلوا على آبائهم وأمهاتهم إلى غرف نومهم في هذه الأوقات إلا من بعد استئذان حقيقي لا شكلي، الاستئذان الشكلي ينقر الباب ويدخل، والاستئذان الحقيقي ينقر وينتظر الجواب أدخل ؟؟ والأحوط أن يكون مقفلاً في هذه الأوقات الثلاثة، بحيث لو حدث خطأ الباب مقفل، هذا من أدب الإسلام. الطفل بعيد جداً عن ما بين الرجل وامرأته وهذه الغريزة التي أودعها الله فيه لا تستيقظ إلا بعد سن البلوغ فلماذا هذه التساؤلات وتلك الإحراجات وهذه التعليقات ؟!! من آداب الإسلام التي يجب علينا أن نعلمها لأولادنا: 1ـ أن نعلِّم أولادنا أدب الاستئذان: أول أدب من آداب الإسلام أنه أمرنا أن نعلِّم أولادنا أدب الاستئذان، فواجب على كل أب مسلم وأم مسلمة أن تعلم بناتها والأب أن يعلم أبناءه، أنه لا ينبغي أن يدخل على والديه في هذه الأوقات الثلاثة إلا بعد استئذان حقيقي، إلى أن يسمع الجواب عن سؤاله: أدخل ؟ الجواب: ادخل أو انتظر والأحوط أن يكون الباب مرتجاً. 2ـ أن نعلِّم أولادنا آداب النظر: الأدب الثاني هو آداب النظر، كلكم يعلم أيها الأخوة أن المحارم على أصناف ثلاثة، في رأس القائمة الزوجة، هذه الزوجة ليس هناك قيد أو شرط، لكن الأم والبنت والأخت والعمة والخالة وبنت الأخ وبنت الأخت هذه المحارم محارم النسب قال الله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ(23)﴾ ( سورة "النساء: أية " 23 ") المحارم على ثلاثة مستويات ؛ الزوجة ومحارم النسب ومحارم المصاهرة: هناك محارم بسبب المصاهرة مثل زوجة الأب قال الله تعالى: ﴿ وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آَبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً (22) ﴾ (سورة النساء ) زوجة الابن قال الله تعالى: ﴿ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً (23) ﴾ (سورة النساء ) أم الزوجة قال الله تعالى: ﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ (23) ﴾ (سورة النساء" أية 23" ) بنت الزوجة قال تعالى: ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ (23) ﴾ (سورة النساء ) هذه المحارم أيها الأخوة على ثلاثة مستويات ؛ المستوى الأول هو الزوجة لا يوجد حرج إلا الحيض والدبر، هذا محرم تحريماً قطعياً ما سوى ذلك الأمور مباحة. أما محارم النسب هنا الخطأ يتوهم المتوهمون أو الجهلاء أنه من الممكن أن تنظر إلى المحارم من دون قيد أو شرط، فهناك ألف قيد وشرط، فلا ينبغي أن تنظر إلى محارم النسب أو أمك أو ابنتك أو أختك أو بنت أخيك أو بنت أختك أو عمتك أو خالتك، لا ينبغي أن تنظر إلى هذه المحارم إلا بثياب الخدمة كما قال الفقهاء، وثياب الخدمة هو ثوب يكشف العنق والساعد والساق، أي نصف كم مسموح وتحت الركبة أعلى الصدر هذه ثياب الخدمة، أما هذا التبذُّل الذي يوجد في بيوت المسلمين من أن الأخت تظهر أمام أخيها بثياب النوم غير الساترة بثياب فاضحة أو بثياب متبذِّلة هذا لا يجوز أبداً. للآية التالية ثلاثة معانٍ دقيقة جداً هي: علماء التفسير حينما فسَّروا قوله تعالى: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) ﴾ ( سورة النور) هذه الـ "من": من للتبعيض، ولهذه الآية ثلاثة معانٍ دقيقة جداً. 1ـ غضُّ البصر عن بعض النساء الأخريات الأجنبيات: المعنى الأول: لك أن تنظر إلى بعض النساء وهنَّ المحارم، إذاً غضُّ البصر عن بعض النساء الأخريات الأجنبيات. 2ـ ينبغي أن تنظر إلى المحارم بعض النظر لا أن تدقق في التفاصيل: المعنى الثاني: إنك إن نظرت إلى المحارم ينبغي أن تنظر بعض النظر، لا أن تدقق في التفاصيل، لا أن تتبع الخطوط، لا أن تنظر نظرةً مريبة، فالإنسان ينظر إلى أمه، وأخته، وابنته، ولكن نظرة إجمالية دون تدقيق في التفاصيل هذا قوله تعالى ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ لك أن تنظر إلى هذه المحارم ولكن دون النظر الذي يمكن أن يكون للزوجة مثلاً، لك أن تنظر إلى زوجتك بأية طريقة وبأية تفاصيل، أما أن تنظر إلى محارمك من النسب بتفاصيل ودقائق هذا أيضاً منهيٌ عنه بنصِّ الآية الكريمة. 3ـ أن ينظر النظرة الأولى إلى امرأة أجنبية فجأة ودون قصد: المعنى الثالث للآية ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ لو أن الإنسان رأى فجأةً امرأةً أجنبيةً في منعطف نظر إليها النظرة الأولى. إذاً المعنى الثالث هو التبعيض الزمني، والتبعيض الكيفي، والتبعيض النوعي، هناك نوع من النساء لك أن تنظر إليهم، وهناك نوع لا ينبغي أن تنظر إليهم، فهناك تبعيض نوعي، وتبعيض كيفي، وتبعيض زمني، هذا معنى الآية ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ﴾ لحكمةٍ بالغةٍ أرادها الله عزَّ وجلَّ أنه جعل حفظ الفرج مؤخراً عن غضِّ البصر من أجل أن نفهمَ أن طريق حفظ الفرج هو غضّ البصر، لكن المحرمات بسبب المصاهرة هنا يوجد حرج آخر أي أن زوجة الأب الشابَّة لا ينبغي أن يخلو بها ابن هذا الزوج الشاب، وزوجة الابن الشابَّة لا ينبغي أن يخلو بها والد الزوج، محارم المصاهرة يختلفنَ عن محارم النسب، محارم المصاهرة يضاف إلى أحكام محارم النسب أنه لا يجوز الخلوة بهنَّ، لكن إذا كان هناك نفسٌ مريضة وخطر من أن يحدث فساد لا يجوز أن يخلو الشاب بأخته النسبية إذا كانت عنده حالة مرضية ونفس منحرفة مريضة، ينبغي ألا يُسمح لهذا الشاب المنحرف المريض أن يخلو بمحارم النسب، لكن الأصل أنه لا ينبغي أن يخلو الإنسان بمحارم المصاهرة. (( قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِي بِنْتِ حَمْزَةَ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَب )) [البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا ] أي أن الأم من الرضاعة والأخت من الرضاعة وبقيَّة المحارم من الرضاعة لهنَّ حكم محارم النسب في حرمة الزواج وفي إبداء الزينة. آداب النظر إلى المخطوبة: من مسؤولية الآباء في تربية أولادهم التربيّة الجنسية أدب النظر إلى المخطوبة. 1ـ الإسلام أمر أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته: أولاً الإسلام أمر أن ينظر الخاطب إلى مخطوبته. (( عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا )) [الترمذي عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ] أحياناً تجد شاباً يقول لك: أنا أريدها صاحبة دين فقط ولا أريد أن أنظر إليها، هذا كلام غير واقعي. هناك حالات كثيرة، أنا مطلع عليها، رفض أن ينظر إليها، ولم يقم أي وزنٍ للنّاحية الجمالية فلما عُقدَ العقدُ وتمَّ الدخولُ ندب حظه وبدأ يُهينها ويصفها بصفاتٍ لا تليق بها وبدأ يعكِّر صفوه وصفوها، الأولَى أن تنظر إليها بدلَ أن تجرح كرامتها، فهي في أهلها معززّةٌ مكرمةٌ أنت خطبتها واشترطت الدين فقط ولم تتبع السنة فوقعت في ندمٍ شديد، وهذا الندم انعكس كلاماً قاسياً وتجريحاً وندباً للحظ، الأولى أن لا تفعلَ هذا، الأولى أن تنظرَ إليها وأن تخطب التي تحصِّنك وتكون أغضَّ لبصرك من أن تشترط شرطاً واحداً وهو الدين ثم تهدر كرامتها وتجرح كبرياءها، المرأة لها كرامة غالية جداً وليست سلعةً تباع وتشترى وليست بضاعةً. (( عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ خَطَبَ امْرَأَةً فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: انْظُرْ إِلَيْهَا فَإِنَّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَكُمَا )) [الترمذي عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ] 2ـ لا يجوز للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته إلا بعد أن يعزم على الزواج منها: في الأعم الأغلب وفي رأي الجمهور لا يجوز للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته إلا إلى وجهها وكفيها بعد أن يعزم على الزواج منها. ما الذي يحدث الآن ؟ أول شيء يريد أن ينظر إليها، فعلى الزواج لم تتفقوا، وكذلك على البيت، وهناك مئة من البنود المختلف عليها، ومئة قضيّة معلَّقة، أما حينما تُذلل كلّ العقبات، كأن يتحدد البيت وكذلك المهر وتمَّت الموافقة، والسؤال تمّ، والدراسة تمّت، والاستقصاء تمّ، وكلّ شيء قد تمّ، بقيت عقبةٌ واحدة وهي أن ينظر إليها، أما أن نجعل النظر إليها بادئ ذي بدء فهل هي سلعة ؟!! أول شيء يريد أن ينظر إلى هذه المخطوبة، فأنت مثلاً على سفر، والأهل لا يُزوِّجون على سفر، فموضوع السفر موضوع معلّق فقم بحلّه أولاً ثم انظر إليها، الأهل لا يزوّجون هذه البنت إلا في بيتٍ مستقّل مثلاً، فحل هذا الموضوع أولاً ثم اطلب النظر إليها، موضوع البيت معلّق، وموضوع السفر معلّق، وهناك موضوعات كثيرة جداً معلّقة وتبدأ بالنظر !!! هذا لا يجوز، النظر ينبغي أن يكون آخر مرحلة في مرحلة الخطوبة. 3ـ ليس لأب الخاطب الحق في أن يرى المخطوبة أو تدخُل على الخاطب هي وأمُّها: قد يأتي ليخطب مع أبيه، فما علاقة الأب بها وهي أجنبية عنه ؟ فالخاطب وحده له أن ينظر إلى مخطوبته، وليس للأب الحق في أن يراها، أو تدخُل على الخاطب هي وأمُّها، وأمُّها أجنبيّة عنه. 4ـ يجوز تكرار النظر إذا دعت الحاجة حتى تنطبع الصورة الحسيّة في الذهن: يجوز تكرار النظر إذا دعت الحاجة حتى تنطبع الصورة الحسيّة في الذهن، وفي الأعمِّ الأغلب تجد أنّ الشاب المؤمن حيي يقول لك: والله لم أرها. فقد وضع نظره في الأرض واستحيا أن ينظر إليها، ويقول والله لست متأكِّداً منها. فنقول له: انظر إليها مرّةً ثانيّة، لك أن تنظر إليه مرّةً ثانيةً وثالثةً. 5ـ يجوز أن تحدثه ويحدثها وأن ينظر لوجهها وكفيها ولا يجوز أن يصافحها: ويجوز أن تُحدِّثه وأن يُحدِّثها، ولا يجوز أن يصافحها لأنّها أجنبيّة عنه، وأن ينظر إلى وجهها وكفّيها، وفي بعض الآراء الضعيفة: يجوز أن ينظر إلى أكثر من وجهها وكفّيها أي إلى شعرها. 6ـ لا يجوز أن يجتمعا إلا بوجـود أحد محارم المخطوبة: لا يجوز أن يجتمعا إلا بوجـود أحد محارم المخطوبة لأنّ الإسلام يحرِّم الخلوة بالمرأة الأجنبيّة، وهذه المخطوبة إلى الآن امرأةٌ أجنبيّة، فإذا جاء هو وأمّه فليست هناك مشكلة. (( لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ ولا تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ )) [ البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهمَا ] أما خطوبة المتفلّتين من منهج الله يأتيهم الخاطب مرّاتٍ عديدة، ويخرج معها مرّاتٍ عديدة ليمتحن أخلاقها، ويمتحن طريقتها في الحياة، فتتصنَّع له ويتصنَّعُ لها ثم تقعُ الطامَّة الكبرى، ويختفي الخطيب، ويندب الأب حظّه، ويلطم وجهه، ويصرخ بويله، وبعد حين يكبر بطنها، لأنّهم قبل ذلك قالوا لك: هو خطيبها، الإسلام شديد الوضوح والحدود، وحدوده ليست قيوداً إنما هي حدود تضمن لك سلامتك. صلاح البال يحتاج إلى إقامة أوامر الله عزَّ وجلَّ: أيها الأخوة الكرام صلاح البال عُطف على الهدى فقد قال تعالى: ﴿ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ (5) ﴾ ( سورة محمد ) صلاح البال معطوف على الهدى، وكلُّكم يعلم أنّ العطف يقتضي المشاركة، أي شيء عظيم جداً وثمين جداً أن يتمتّع الإنسان بصلاح باله وصلاح البال يحتاج إلى إقامة أوامر الله عزَّ وجلَّ. أنا لا أقول كلاماً أنطلق به من الخيال، والله هناك مآسٍ اجتماعيّة جمة، فأخواننا القضاة يعرفون من الملفّات التي في محاكمهم الشيء الكثير، وأقول لكم بشكلٍ دقيق وعلى الإطلاق ما من مأساةٍ في المجتمع البشري إلا بسبب خروجٍ عن منهج الله، وما من خروجٍ عن منهج الله إلا بسبب الجهل. يقولون لك: فتِّش عن المرأة، ضبّاط الأمن الجنائي إذا رأوا جريمة من الجرائم عندهم القاعدة الذهبيّة وهي: فتِّش عن المرأة، ولكنّي قمت بتعديل هذه القاعدة: فتِّش عن المعصية، إذا واجهت مشكلة، أو قضيّة، أو انهيار بيت الزوجيّة، أو فضيحة، أو انحراف فتاة ففتش عن المعصيّة، ترى أنّ كلَّ المشكلات وراء معصية، والمعصية وراء الجهل، والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يفعله عدوُّه به. (( النظرة سهمٌ من سهام إبليس، من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه )) [ الطبرانيُّ والحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ] لعلَّكم تعجبون من كثرة إلحاح الدعاة إلى الله على قضيّة غضِّ البصر، الحقيقة غضُّ البصر مدرسة، لأنّ معظم الشرور مبدؤها من النظر، دائماً الإنسان عنده نقطتا ضعف ؛ فهو ضعيفُ أمام المال، وضعيفٌ أمام النساء، العفَّة عن المال، والعفَّةُ عن النساء يجعلان المؤمن في حصنٍ حصين، والإنسان لا يسقط إلا من قبل امرأةٍ، أو من قبل مبلغٍ من المال يسيل له اللُعاب، يسقط من هذين الإغراءين، فلذلك ترى أنّ معظم الأحكام الشرعيَّة تناولت موضوع النساء وموضوع كسب المال بالأحكام التفصيليّة، لذلك حينما تأتي آيةٌ في كتاب الله تأمر المؤمنين بغضِّ البصر، فمعنى ذلك أن هذا الأمر متعلِّق بسلامتك وبمصيرك. حفاظاً على عفَّة الإنسان بدأ الله عزَّ وجلَّ بأسباب الانحراف: كنت أضرب هذا المثل، لو دخلنا محطة للوقود وفيها مكان للوحة إعلانات فيمكننا أن نكتب في الإعلان ألف عبارة، وألف نموذج، ولكن ما العبارة التي تتعلَّق بمصير هذه المحطّة أو بسلامتها ؟ عبارة: ممنوع التدخين، مثلاً قد تنطلق شرارة من إنسانٍ يدخِّن فتحترق هذه المحطّة كلها، فحينما نستغلّ هذه اللوحة بكتابة هذا الإعلان فمعنى ذلك أنّ هذا الإعلان متعلِّق بسلامة ومصير هذه المحطّة. حينما تجد في القرآن الكريم آية تأمرك بغضِّ البصر معنى ذلك أنّ هذا الأمر متعلّق بسلامتك وبمصيرك لأن موضوع النظر هام جداً، فإذا شبَّهنا الشهوة الجنسيّة بصخرةٍ كبيرةٍ عاتيةٍ مستقرّةٍ في رأس جبل، فما علاقة النظرة بهذه الشهوة ؟ النظرة هي التي تدفع هذه الصخرة من مكانها الذي تستقرُّ به، إذا دفعتها خرجت هذه الشهوة من سيطرتك، فهذه الصخرة لا تستقرُّ إلا في أعماق الوادي، وأنت مخيَّر أن تُزحزحها عن مكانها أو أن تبقيها في مكانها، لكنك إذا زحزحتها انتهى اختيارك فلا تستقر إلا في أعماق الوادي. لذلك حفاظاً على عفَّة الإنسان بدأ الله عزَّ وجلَّ بأسباب الانحراف، لذلك أكثر الآيات ـ والشيء الذي يلفت النظر ـ أنّه ليس هناك نهيٌ عن الزنى أبداً، لكنّ هناك نهيٌ عن الاقتراب من الزنى، أي أنّك إذا دفعت الصخرة فقدتَ السيطرة على حركتها فلا تستقرّ إلا في أعماق الوادي، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( النظرة سهمٌ من سهام إبليس، من تركها من مخافتي أبدلته إيماناً يجد حلاوته في قلبه )) [ الطبرانيُّ والحاكم عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ] (( ما من مسلم ينظر إلى امرأة أول رمقة ثم يغض بصره إلا أحدث الله له عبادة يجد حلاوتها في قلبه )) [الطبراني وابن مردويه والبيهقي عن أبي أمامة] أنت في النهار الواحد تتصل بالله خمس مرّات، لكنَّك إذا سرت في طريقٍ كُلَّما وقعت عينك على امرأةٍ وغضضت البصر عنها ترقى إلى الله عزَّ وجلَّ، والدنيا مؤقّتة والله هو المسعد، فعندما يغضَّ الإنسان بصره عن محارم الله فالله على كلِّ شيء قدير، فهو قدير على أن يجعل بيتك جنّةً من جنان الأرض لا باتساع مساحته، ولا بفخامة فرشه، ولا بتحفه الثمينة، ولكن بهذا الوفاق الزوجيّ وهذا الحبَّ بين الزوجين، هذا الوفاق الزوجي أساسه طاعة الله عزَّ وجلّ. من أقام بيته على قواعد الدين أورثه الله حلاوةً في بيته: حينما يطلـق الإنسان بصره في محارم الله يدفع الثمن باهظاً في حياته الزوجيّة، لذلك فالسعادة الزوجيّة بيد الله، والشقاء الزوجي بيد الله، فمن أقام بيته على قواعد الدين أورثه الله حلاوةً في بيته. (( اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنّة اُصدقوا إذا حدّثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدّوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضُّوا أبصاركم، وكُفّوا أيديَكم )) [أحمد وابن حبان والطبراني والحاكم والبيهقي عن عبادة بن الصامت] وفي حديثٍ آخر: (( كتب على ابن آدم نصيبه من الزنى مدرك لا محالة فالعينان زناهما النظر والأذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطا والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه )) [مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه] معنى نصيبه من الزنى أنّه إذا زنى كُتب عليه عقاب الزنى، أي نصيبه من هذا الذنب، مدرِكٌ ذلك لا محالة، فهناك زنى بالعين، وزنى باللسان، وزنى بالآذان، وزنى بالرجل، وكلُّ أنواع الزنى لا محالة سيُعاقب الإنسان عليها في الدنيا وفي الآخرة. لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن نظر الفجاءة قال عليه الصلاة والسلام: (( اصرف بصرك )) [مسلم عن جرير بن عبد الله] أي الأولى لك والثانية عليك، الحقيقة أنّ غضَّ البصر وحجاب المرأة يجعلان المجتمع نظيفاً والقلوب نقيةً والحياة صافيةً، وكلِّ إنسان ينصرف إلى بناء مستقبله، وفي الوقت المناسب يدخل عالم الزواج، وهذا العالم إذا دخلته في الوقت المناسب وكُنت قبله عفيفاً فمن كرم الله على الإنسان أن يمتِّعه بهذا الجانب من متع الحياة إلى أمدٍ طويل، إلى أن ينتهي به الأجل، أما إذا استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، ولعن الله الذوّاقين والذوّاقات، يقول عليه الصلاة والسلام: (( ثلاثةٌ لا ترى أعيُنهم النار: عينٌ حرست في سبيل الله، وعينٌ بكت من خشية الله، وعينٌ كفَّت عن محارم الله )) [الطبراني عن معاوية بن حيدة] لذلك الصفة التي تلفت النظر في الشاب المؤمن هي غضُّ بصره وأجمل ما في الشاب عِفَّته وأجمل ما في الفتاة حياؤها. أدب نظر الرجُل إلى الرجل: أجمل ما في الشاب عفَّته: ((العدل حسن ولكن في الإمام أحسن، والسخاء حسن ولكن في الأغنياء أحسن، والورع حسن ولكن في العلماء أحسن، والصبر حسن ولكن في الفقراء أحسن، والتوبة حسن ولكن في الشباب أحسن، والحياء حسن ولكن في النساء أحسن )) [الديلمي عن علي رضي الله عنه] كلُّ أحاديث غضِّ البصر تعني غضَّ البصر عن المرأة الأجنبيّة، لكنّ أدب نظر الرجُل إلى الرجل فقد قال: لا يجوز أن ينظر الرجُلُ إلى الرجلٍ فيما بين سُرَّته إلى ركبته، سواءٌ أكان هذا الرجل المنظور قريباً أم بعيداً، مسلماً أم كافراً، الرجل للرجل من سُرَّته إلى ركبته هذه المسافة وتلك المساحة من جسد الرجل لا يجوزُ أن ينظُرَ إليها رجلٌ آخر مسلم، كافر، قريب، أو بعيد، وفي حديثٍ آخر يقول عليه الصلاة والسلام: (( لا ينظُرُ الرجلُ إلى عورة الرجلِ، ولا المرأةُ إلى عورةُ المرأةِ )) [ مسلم عن أبي سعيد الخدري] (( وما بين السُرَّة والركبة عورة )) [الطبراني والحاكم وتعقب عن عبد الله بن جعفر ] (( وغَطِّ فخذك فإنّ الفخذ عورة )) [ الترمذي وأبو داود وأحمد عن جرهد] وفي الحديث: (( الفخذُ عورة )) [ الترمذيّ عن جرهد] لا في الرياضة، ولا في السباحة، ولا في التدريب، ولا في الحمام لأنّه لا طاعةً لمخلوقٍ في معصية الخالق. هناك في مصر لاعبٌ للكرة وهو من أمهر لاعبي الكرة، اعتزل اللعب واتجه اتجاهاً دينياً رائعاً، ويبدو أنّ هناك مباراة دوليّة وتعلِّق الدولة عليها أملاً كبيراً في النجاح وهذا اللاعب من عوامل نجاحها، فجاء وزير الشباب إلى بيته راجياً منه أن يعود إلى الملعب وهو قد اتجه اتجاهاً دينيّاً، فقال للوزير: أنا ألعب بشرط أن أرتدي السروال الطويل، فقال له: كما تُريد، ثم سار هذا التقليد بين معظم اللاعبين لأنّ الفخذ عورة، وكلّ شيء له حلٌ. جواز نظر الطبيب إلى موضع المرض من المرأة: أما أدب نظر المرأة إلى المرأة لا يجوز أن تنظر المرأةُ إلى المرأةِ ما بين سُرَّتها إلى ركبتها، سواءً أكانت المرأة المنظورة قريبةً أم بعيدةً، مسلمةً أو كافرة، أيضاً هذه عورة المرأة بالنسبة إلى المرأة. معلوم لديكم أننا لو تساهلنا في عورة الرجل إلى الرجل، والمرأة إلى المرأة ربما وصلنا إلى شذوذين في العلاقات، اكتفاء الرجال بالرجال والنساء بالنساء، وهذا مما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم وجعله من علامات قيام الساعة، فقضيّة الرجل للرجل من مضاعفات التساهل في هذا يصير هناك علاقة شاذّة، والمرأة للمرأة من مضاعفات التفريط في الأدب النبوي علاقات شاذّة، ومن علامات قيام الساعة كما صحَّ في الأحاديث: اكتفاءُ الرجال بالرجال، والنساء بالنساء. أيها الأخوة الملاحظ أنّ الأب ولو كان مقصِّراً، ولو كان شارداً عن الله عزَّ وجلَّ إذا شعر بأنّ ابنه بدأ ينحرف يغلي دمه، فالمشكلة أنّ الآباء يتساهلون في البدايات فإذا اكتشفوا الانحراف خرجوا عن طورهم، فهذا السلوك خاطئ، والأولى أن تبدأ برعاية الأولاد في سنٍ مبكِّرة، وأن تحفظ أخلاقهم حفظاً دقيقاً وأن تراقبهم وأن تحول بينهم وبين أسباب الانحراف. لكن النظر للأجنبيّة ـ وهذا من أدب الإسلام ـ يجوز أن ينظر الطبيبُ، لكن أيُّ طبيب ؟ إذا كان هناك طبيبة فالأفضل أن تذهب إلى الطبيبة، ليس هناك طبيبة نذهب إلى طبيبٍ مسلم، أما أن نختار طبيباً غير مسلمٍ بادئ ذي بدء فهذا مخالفٌ للحكم الشرعي، فتبدأ بالطبيبة، ثم بالطبيب، وفي الحالات النادرة والقصوى يمكن أن تلجأ إلى طبيبٍ غير مسلم إذا لم تجد الطبيب المسلم، والطبيب المسلم إن لم تجد الطبيبة المسلمة. على كلٍ أن ينظر الطبيب إلى موضع المرض من المرأة جائز، وهناك أزواج متعنّتون جاهلون يرفضون أن يأخذوا زوجاتهم إلى الطبيب بدعوى الغيرة على عرضهم وهذا كلامٌ مردود، فلست أشدَّ غيرة من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وللحياة قيمةٌ ثمينةٌ جداً ينبغي أن نحافظ عليها لأنّها رأس مال الإنسان، لا أن نفرِّط بها من أجل دعوى الغيرة على العرض فهذا كلامٌ فيه جهلٌ كبير. جواز النظر بقصد المحاكمة والشهادة: الملاحظ أيّها الأخوة أنّ الطبيب المسلم ـ سبحان الله ـ تشعر بعفّته وبالاحتياطات التي يأخذها إلى درجة رائعة جداً، فتجد عنده الملاءات البيضاء فلا ينظر إلا لمكان المرض فقط وبالحدود الدنيا، ويؤثر السؤال والجواب على النظر، وإذا اضطرّ أن يجس العضو يضع الملاءات البيضاء ويبالغ في العفّة هذا هو الطبيب المسلم، الذي يخشى الله عزَّ وجلَّ. النظر بقصد المداواة يجوز، والنظر بقصد الخطبة يجوز فلك أن تنظر إليها، والنظر بقصد المحاكمة والشهادة يجوز. يروى أنّ موسى بن إسحاق قاضي الريّ والأهواز في القرن الثالث الهجري كان ينظر في قضايا الناس، وكان بين المتقاضيين امرأةٌ ادَّعت على زوجها أنَّ عليه خمسمئة دينار مهراً لها، فأنكر الزوج أنّ لها في ذمَّته شيئاً، فقال له القاضي: هاتِ شهودك، فقال: قد أحضرتهم، فدعا القاضي أحد الشهود وقال: انظر إلى الزوجة لتشير إليها في شهادتك، فقام الشاهد وقال للزوجة: قومي، فقال الزوج: ماذا تريد منها ؟! قال: أريد أن أنظر إلى امرأتك وهي مسفرةٌ لتصِحَّ عنده معرفته بها، فكره الرجل أن تضطّر زوجته إلى الكشف عن وجهها أمام الناس فصاح: إني أُشهد القاضي أنّ لزوجتي في ذمَّتي هذا المهر الذي تدّعيه، ولن أسمح لها أن تسفر عن وجهها، كبر عليه أن ترفع الحجاب ويرى الشاهد وجهها ليقول هذه حقاً لها عنده خمسمئة دينار، فلما سمعت الزوجة ذلك أكبرت في زوجها أن يضِنَّ بوجهها على رؤية الشهود، وأن يصونها عن أعين الناس، فصاحت للقاضي: إنّي أٌشهدك أنّي قد وهبت له هذا المهر وأبرأته منه في الدنيا والآخرة. كان هناك الشرف، الآن تجد الرجل جالساً في الشرفة والزوجة بثياب متبذِّلة وتقوم بنشر الثياب المغسولة والطريق مزدحم بالمارَّة، والأنظار كلُّها نحو الشرفة، والزوج يجلس مرتاحاً تماماً ولا شيء عليه. من علامات قيام الساعة أن تنزع المروءة من رؤوس الرجال أي النخوة، وأن يذهب الحياء من وجوه النساء، وأن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء، لا رحمة في قلوب الأمراء، ولا حياء في وجوه النساء، ولا نخوة في رؤوس الرجال. فقال القاضي لمن حوله: اكتبوا هذا في مكارم الأخلاق. على الآباء أن يُجنِّبوا أولادهم الإثارات الجنسيّة: بقي شيءٌ أخير في موضوع مسؤوليّة الآباء عن تربية أولادهم التربية الجنسيّة أنّ على الآباء أن يُجنِّبوا أولادهم الإثارات الجنسيّة، أي أنّ كلَّ شيء يثير هذه الغريزة يبعده عن ابنه، فالأب قد لا ينتبه إلى أنّ هذا الابن إذا أثير ماذا يفعل ؟ ليس أمامه إلا الانحراف، إما الانحراف مع ذاته أو الانحراف مع الآخرين، لأنّ هذا الضغط لا بدَّ له من أن يُفرَّغ، الإثارة تجعل هناك توتُراً عصبياً، وهذا التوتر كيف يصرَّف ؟ إما بالانحراف مع ذاته أو بالانحراف مع الآخرين، والأب لا يدري ماذا يفعل. أقول لكم كلمة أتحرّج أن أقولها دائماً لكن الآن أقولها لكم وهي: عندما تركَّب هذه الصحون، إذا فوجئ الأب أنّ ابنه على ابنته، ذكر لي أحد الأخوة أنّ هذا بدأ يحدث في هذه البلدة كثيراً، من جرّاء هذه البرامج التي تبثّ خصيصاً للعالم الإسلاميّ كي تمزِّق الأسرة، وكي تفرَّغ القيم، وكي تنحلَّ الأخلاق، فالإنسان حينما يأتي بالمنكر باختياره ينبغي أن يتحمّل النتائج، والنتائج قد لا تحتملها أعصاب الإنسان، فقد استوقفني مرَّة أحدهم قد دلّوه على هذا المسجد فذكر لي مشكلة بين ابنه وابنته أسفرت عن حمل وكاد يبكي وهو يذكر لي ذلك. الذي يفعله الناس بدافع التحضُّر والاطلاع على ما في الحضارة هو عبارة عن انغماس في أحطَّ أنواع الانحرافات، فالآباء المؤمنون عليهم أن يُجنِّبوا أولادهم الإثارات الجنسيّة، فكيف أنّ هناك في الدولة مقصاً للرقيب، فيجب كذلك أن يكون عند كلَّ أب مقصٌ للرقابة، فالمجلات والجرائد التي تخصَّ الأم دائماً قد تحتوي على بعض الصور و الأشياء التي تثير الشهوة وعلى الأب أن يراقب ما في بيته ؟ ماذا يقرأ الأولاد ؟ وإلى ماذا يستمعون ؟ وماذا يشاهدون ؟ لا بدَّ من رقابة. لا بدَّ من رقابة داخليّة وخارجيّة لأن كل راعٍ مسؤول عن رعيته: لا بدَّ من رقابة داخليّة، ولا بدَّ من رقابةٍ خارجيّة، لا بدَّ من أن تراقب ماذا يجري في البيت لأنّك مسؤول وكلَّ راعٍ مسؤولٌ عن رعيّته، ولا بدَّ من أن تراقب ماذا يفعل أولادك خارج البيت، قال النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى ؟ قَالَ فَمَنْ ؟!!)) [متفق عليه عن أبي سعيد رضي الله عنه] هل من الممكن أن يكون هناك في باريس إنسان يهودي، يقبع في دارٍ للأزياء ويرسم خطوط الألبسة الفاضحة، ونساء المسلمين ينصعن إلى هذا المصمم، ويطبِّقن خطوطه بحذافيرها بدعوى السير مع أحدث الأزياء، أحياناً يعتبون بقولهم: إنّ الله لا يستجيب لدعائنا، أين السلوك الطيّب ؟!! فقد قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186) ﴾ ( سورة البقرة ) أرجو الله سبحانه وتعالى أن تكون هذه الدروس مترجمةً عند الأخوة الكرام إلى توجيهات لأولادهم، إلى حرص، وإلى اهتمام، وإلى مجالس تلقى عليهم الحقائق، فالأب حينما يرى أولاده في المستوى الذي يريد يسعد أيَّما سعادة. ليس أمامي في ختام هذا الدرس إلا أن أدعو الله سبحانه وتعالى أن يهبنا من أزواجنا وذريّتنا قرَّة أعين، وأن يجعلنا للمتقين إماماً. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#33 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
جوزيت كل خير وبورك فيك
تحية |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#34 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
تسلمين اختى افراح
|
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#35 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : ( الواحد و الثلاثون ) الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 1 - : التربية بالقدوة - 1 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام سأبدأ في هذا الدرس إن شاء الله وبتوفيقه إن شاء الله تعالى سلسلة من الدروس تكمل دروس تربية الأولاد في الإسلام . تربية الأولاد ينبغي أن تتضاعف في عصرنا الحالي عن العصور السابقة لكثرة المعوقات : قبل سنوات عدة سبق أنني ألقيت ثلاثين درساً في تربية الأولاد وهذه الدروس والفضل لله عز وجل لاقت قبولاً حسناً في الأوساط الإسلامية وأذيعت في عدد ليس بالقليل من الإذاعات ولمرات عديدة . السلسلة السابقة كانت حول مضمون التربية ، فهناك التربية الإيمانية والتربية الخلقية والتربية العقلية والتربية الجسمية والتربية النفسية والتربية الاجتماعية والتربية الجنسية هذه عناوين السلسلة السابقة ، الآن في سلسلة أخرى تكمل السلسلة السابقة وهي وسائل التربية الفعالة وهذه الحقائق يحتاجها كل أب ويحتاجها كل معلم وقبل أن أدلي ببعض التفاصيل لابد من تذكيركم بالحقيقة الخطيرة وهي أن الإنسان مهما بلغ من نجاحات في الحياة الدنيا إن لم يكن ابنه كما يتمنى وكما يطمح فهو أشقى الناس يؤكد هذا المعنى قوله تعالى : ﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)﴾ (سورة طه : الآية 117) بحسب قواعد اللغة "ولا يخرجنكما من الجنة فتشقيا" في القرآن إيجاز بليغ شقاء الزوج شقاء حكمي للزوجة ، ويقاس على هذه الآية أن شقاء الابن شقاء حكمي للأب ، لن تجد أباً يسعد إذا كان ابنه منحرفاً . يا أيها الأخوة من أجل أن يكون أبناؤنا استمراراً لنا ، ومن أجل أن نسعد بتربية أولادنا ، من أجل أن تقر أعيننا بهم ، من أجل أن تكون الأسرة الإسلامية متماسكة ، من أجل أن تنام قرير العين إن رأيت ابنك صالحاً ، والله الذي لا إله إلا هو يدخل على قلب الأب من السعادة والطمأنينة ما لا يوصف إن رأى ابنه صالحاً ، شيء دقيق ، والحقيقة إذا كان في العصور السابقة ينبغي أن نربي أولادنا ففي هذا العصر الاهتمام بتربية الأولاد ينبغي أن يتضاعف إلى ألف ضعف لكثرة المعوقات ولكثرة الصوارف ، يعني مئات الأبواب التي تصرف الابن عن طاعة الله ، الفتن كلها يقِظَة ، أينما نظرت ، إذا اشتريت جريدة أو مجلة أو نظرت إلى الشاشة أو سرت في الطريق أو استمعت إلى قصة تجد أن الفتن يقظة ، والشبهات مستعرة ، والشهوات في أوج اتقادها ، وقد ينجو الإنسان لكن نجاة الواحد منا لا تكفي إلا إذا نجا معه أولاده . مستقبلنا بتربية أولادنا : أيها الأخوة الكرام ، والله الذي لا إله إلا هو لا أجد موضوعاً ينبغي أن يهتم به المسلمون كتربية الأولاد ، ذلك أن الأولاد ـ وهذه حقيقة خطيرة جداً ـ الأولاد الآن أولاد المسلمين هم الورقة الرابحة الوحيدة في أيدينا ، يعني بشكل واقعي وبلا مجاملات وبلا مبالغات لم يبقَ في أيدينا إلا أولادنا ، فحينما نعتني بهم معنى ذلك أننا نبني مستقبلنا ، حينما نعتني بهم معنى ذلك أننا ننتبه إلى مستقبلنا ، مستقبلنا بتربية أولادنا ، ومن منا يصدق أنه بالإمكان أن تصل إلى الجنان من خلال تربية أولادك ، طريق إلى الجنة سالك وأنت في البيت هذا الكلام أقوله وسوف آتي بتفاصيل إن شاء الله تعالى . كنت قبل يومين أو قبل عدة أيام في بيروت ألقيت محاضرة في هذا الموضوع ، هذه المحاضرة هي التي دفعتني إلى أن أتمم هذه السلسلة ، قلت لهم : ـ وهذه عبارة أرددها كثيراً ـ مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطمح أن يكون ابنك صالحاً وأنت لست بصالح ، الطفل من خصائصه أنه يتعلم بالفكرة ، يتعلم بالصورة ، لا يستطيع الطفل أن يفرق بين المبدأ وبين الشخص ، الإنسان المتفوق الواعي المثقف عنده إمكانية أن يفرق بين المبدأ وبين معتنقي المبدأ ، لكن الطفل لا يستطيع ، يعني أبوه في أعلى مكان ، أما أن يقول : الإسلام عظيم لكن أبي مقصر ، هذه لا يستطيعها الطفل ، يرى أن أبيه هو الإسلام ، فإذا فعل الأب معصيةً فهذه مشروعة ، لذلك لا يمكن أن تطمح أن يكون ابنك صالحاً إن لم تكن أنت صالحاً ، ومن السخف والغباء والسذاجة أن يحرص الأب أن يكون ابنه مستقيماً وديّناً وصالحاً وهو ليس كذلك ، ومن السخف والغباء والسذاجة أن تحرص الأم على أن تكون ابنتها إنسانةً طيبةً طاهرةً عفيفةً وهي ليست كذلك ، لذلك لا يمكن أن تُقْدِم على وسائل التربية إلا أن تكون أنت قدوة . كنت أروي قصة وهي أن إنساناً سافر إلى بلاد الغرب ، ورأى فتاةً تعلق بها أشد التعلق ، فاستأذن والده أن يتزوجها ، فكان الجواب قاسياً جداً إن تزوجتها فلست ابني ، ثم خطر في بال هذا الشاب الذي تعلق بهذه الفتاة تعلقاً شديداً أن يغير رأي والده ، يا أبتِ لو أنها أسلمت أتسمح لي بالزواج منها ؟ قال له : أسمح لك ، فأخبرها أن العقبة الوحيدة في الزواج أن تسلمي ، سألته : كيف أسلم ؟ اشترى لها كتباً باللغة الأجنبية عن الإسلام والقرآن ورسول الله والسيرة وما إلى ذلك ، كتب عديدة ، ودفعها إليها ، هي ذكية جداً اشترطت عليه أن تبتعد عنه أربعة أشهر كي تستوعب هذه الكتب ، وكي تقرأها بعيداً عن ضغوطه ، فحصل فراق أربعة أشهر ، هذا الشاب عد هذه المدة لا بالأشهر ولا بالأسابيع ولا بالأيام ولا بالساعات ولا بالدقائق بل بالثواني إلى أن مضت هذه الأشهر الأربعة فالتقى بها ، وكان الخبر الذي أفقده توازنه أنني أسلمت والإسلام حق لكنني لن أتزوجك لأنك لست مسلماً . الأب هو السقف والقدوة : قد تجد أباً ليس مسلماً ، اسمه إسلامي ، وكنيته إسلامية ، وأبوه مسلم ، وأمه مسلمة ، لكن بالتعامل اليومي ليس مسلماً ، كيف يطمح هذا الأب أن يكون ابنه مسلماً تقياً ورعاً نقياً طاهراً عفيفاً وهو ليس كذلك ؟ لذلك الأب هو السقف ، ولا يمكن إلا في حالات نادرة جداً ـ وهذه ليست قاعدة في حالات نادرة ـ يفوق الابن أباه حتى في التدين ، هذه الحالات لا تعد قاعدةً ، القاعدة أن الأب هو السقف . ما لم تكن أنت قدوةً لابنك ، ما لم تكن أنت صادقاً لن يكون ابنك صادقاً ، ما لم تكن أنت عفيفاً لن يكون ابنك عفيفاً ، ما لم تغض أنت بصرك عن محارم الله لن يغض ابنك بصره عن محارم الله ، ما لم تكن أميناً لن يكون ابنك أميناً ، وفي فكرة هي أن الآباء يتصورون بسذاجة أن أولادهم لا يعلمون ، والله من خلال بعض التجارب الابن ولو رأيته صغيراً لا ينتبه إلى كل شيء ولكنه في الحقيقة غير ذلك . حدثني أخ مقيم في أمريكا سأل ابنه : هل نظفت أسنانك ؟ فسكت ، سأله ثانيةً فسكت ، سأله ثالثةً قال له : نعم ولا باللغة الإنكليزية ، قال له : كيف ؟ قال له : أنا أنظفها دائماً اليوم لا ، فعنفه الأب لماذا تكذب علي ؟ ـ إجابته لا تصدق ـ قال له : كلينتون يكذب في موضوع مونيكا ، الابن الصغير في المرحلة الابتدائية يتابع الأخبار ، هو كذب حينما أدلى بتصريحات غير صحيحة . بنت ترى أمها تكذب على أبيها ، ابن يرى من أبيه كذباً في البيع والشراء ، أحياناً يكون ابنك في المحل والبضاعة مثلاً ليست من أصل معين ، من منشأ آخر ، وليس عليها المنشأ ، الشاري يسأل عن منشأ البضاعة ، يقول له : هذه بضاعة إنكليزية أو فرنسية ، وهي ليست كذلك ، الابن ينتبه . الحقيقة الإنسان أيها الأخوة ماذا أقول ؟ لو كان في الدرجة السفلى من السلم الاجتماعي في حالة خطيرة جداً أن يسقط من عين نفسه ، الإنسان حينما يكذب أو حينما يتناقض أو حينما يخالف منهج الله أو حينما لا يكون كاملاً يسقط من عين نفسه ، في الدرجة الثانية الإنسان حينما يسقط من عين أهله يعني زوجته وأولاده ، قد تجد متاعب خارج البيت ، قد تجد صعوبات ، قد تجد خصومات ، قد تجد أعداء ، قد تجد مناوئين ، أما أن تسقط من عين زوجتك ومن عين أولادك هذه مشكلة كبيرة . أنا والله كل يوم تقريباً ، أو كل أسبوع ، أو كل عدة أيام تأتيني مشكلة أن أبي فعل كذا ، الأب ساقط من عين ابنه ، قال لي : أبي شهواني ، يعني طلق أمه وتزوج امرأةً بعيدةً عن الدين ، متفلتة ، تلبس ثياباً فاضحة ، وهو بالستين ، واستغنى عن كل أولاده ، واستغنى عن زوجته ، واستغنى عن مكانته ، وهذه المرأة تأخذ منه كل أمواله ، وتبقي أهله بلا طعام ، والله ما رأيت مصيبة أكبر من أن يسقط الإنسان من عين أولاده ، وجدت الابن ناقماً نقمةً شديدة لا توصف على أبيه . أثر القدوة في البيت : إذاً أول وسيلة فعالة من وسائل تربية الأولاد أن تبقى ساكتاً أن تبقى صامتاً وأن تكون قدوةً حينما سئلت السيدة عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت : (( كان خلقه القرآن .)) [ مسلم عن عائشة رضي الله عنها] يقولون الكون قرآن صامت ، والقرآن كون ناطق ، والنبي عليه الصلاة والسلام قرآن يمشي ، قرآن متحرك ، إذا أردت أن تربي أولادك كن أنت قدوةً لهم ، كن أنت صادقاً ، كن أنت عفيفاً ، كن أنت أميناً ، والابن يدرك ويعلم . والله بعض الأطفال الذين تربوا في أسر إسلامية متمسكة بالدين هو في سن قبل التكليف بكثير تراه يغض بصره عن امرأة لا يحل للكبير أن يراها ، سلوك رائع جداً ، في عفة وهو صغير لأنه يرى أباه يغض بصره ، وقد تجد فتاة عمرها سنوات تحب أن تضع الحجاب وأن تصلي ولو صلاةً شكلية ، هذا أثر القدوة في البيت . أيها الآباء ، أيها المتزوجون ، أيها الناس الذين تطمحون إلى ابن صالح كن أنت صالحاً ، لذلك كنت أقول سابقاً يمكن أن تكون أكبر داعية إلى الله وأنت صامت ، هذه الدعوة الصامتة بليغة جداً ، دعوة بالمواقف ، بل ـ وأنا لا أبالغ ـ كل مؤمن شاء أم أبى ، علم أو لم يعلم ، انتبه أو لم ينتبه ، داعية مؤمن صادق ، هذا لا يكذب ، هذا لا يغش ، هذا لا يأكل مالاً حراماً ، هذا عفيف ، هذا أمين ، فالمؤمن مظنة ، صلاح المؤمن ينبغي أن يكون قبلة الأنظار ، طبعاً الأبيات المشهورة : يا أيها الرجل الـــمعلم غيره هــــلا لنفسك كان ذا التعليـم تصف الدواء لذي السقام ولذي الضنى كي ما يصح به وأنت سقيم ابدأ بنفسك فانهها عن غـيها فإذا انتـــهت عنه فأنت حكيـم *** النبي قدوة لنا في العبادة : هذا أول درس ، أكبر وسيلة فعالة ، أكبر وسيلة مؤثرة لتربية أولادك أن تكون أنت قدوةً لهم ، ليس هناك من موقف يدعو إلى الاشمئزاز ، إذا كان الأب يدخن ثم علم خفيةً أن ابنه يدخن فأقام عليه النكير ، الدخان سيئ أم جيد ؟ سيئ ، لماذا أنت تدخن أيها الأب ؟ مادمت تدخن فهو من صفات الرجولة عند ابنك ، أراد أن يشعر بنفسه أنه رجل فدخن تقليداً لك ، هذه المشكلة ، فلذلك لن يكون الابن في الأعم الأغلب أو في الوضع الطبيعي فوق أبيه ، بل دونه ، فالأب هو السقف ، فكلما رفعت سقفك أنت رفعت مستوى تربية أولادك . لذلك السيدة عائشة رضي الله عنها حينما سئلت عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم قالت : (( كان خلقه القرآن .)) [ مسلم عن عائشة رضي الله عنها] ثم أن النبي عليه الصلاة والسلام تحدث عن نفسه فقال : ((أدبني ربي فأحسن تأديبي .)) [رواه العسكري عن علي رضي الله عنه] ما هذا الأدب يا رسول الله ؟ أخ كريم كان له محل جانب المسجد قال لي : دخل عدة أطفال ، ودخل طفلان من سمتهما الحسن ومن أدبهما ومن وقوفهما المؤدب ومن غض بصرهما عن امرأة كانت في المحل بدا أن هذين الطفلين من طلاب المسجد ، والفرق واضح جداً بين طلاب متفلتين ، عيون زائغة ، تعليقات لاذعة ، مزاح رخيص ، وقاحة ، وبين طالب تأدب بأدب الإسلام . صدقوا أيها الأخوة أن الأدب الإسلامي يجعل للإنسان قيمة عند الله وعند الناس . أيها الأخوة ، النبي قدوة لنا ، قدوة في العبادة ، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقوم من الليل حتى تتورم قدماه ، ولما قيل له : أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال : أفلا أكون عبداً شكوراً . السيدة عائشة حينما سئلت عن عمله قالت : (( كان عمله ديمةً .)) [متفق عليه عن علقمة] لا يوجد نوبات ، نوبة طاعة ثم تفلت ، معظم الناس تأتيه نوبات ، يحضر مجلس علم ، يُسَرُّ يومين ثلاثة أو أسبوعين ثلاثة ثم يغط ، تأتيه نوبة بعد شهرين ثلاثة ، كان عمله ديمةً مستمراً : (( أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ .)) [مسلم عن عائشة رضي الله عنها] وكان يقول : (( أرحنا بالصلاة يا بلال .)) [رواه أبو داود وأحمد عن سالم بن أبي الجعد] وقد جعلت قرة عينه صلى الله عليه و سلم في الصلاة . بعض الآيات القرآنية عن تعبد النبي الكريم : كان في العبادة في أعلى مستوى ، قال تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلاً (2)نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (3)أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً (4)إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (5)﴾ ( سورة طه ) وقال : ﴿ وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً (79)﴾ ( سورة الإسراء : الآية 79 ) وقال : ﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (25)وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلاً طَوِيلاً (26)﴾ ( سورة الإنسان : الآية 25-26) كان قدوة في عبادته وأنا أقول لكم أيها الأخوة : حينما يرى الابن أباه يصلي صلاة متقنة ، وصلاة في وقتها ، يتوضأ ويحسن الوضوء ، يجهر بالصلاة الجهرية ، يصلي مع أولاده ، هذا البيت فيه صلاة ، قال تعالى : ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)﴾ ( سورة طه : الآية 132) كأن الله يطمئن أهل البيت التي تقام فيه الصلوات الخمس لا نسألك رزقاً نحن نرزقكم . أحد أسباب زيادة الرزق الصلاة في البيت : أحد أسباب زيادة الرزق الصلاة في البيت ، لكن النبي علمنا ، أحياناً أنا أصلي الفرض وركعتي السنة ولا أصلي الوتر ، الوتر يصلى في البيت ، اجعل الفرائض في المسجد والسنن الروافد في البيت ، صار البيت ليس قبراً ، ليس فندقاً ، ليس مكاناً للنوم والأكل ، صار مكاناً للعبادة . إذاً كان قدوةً في العبادة ، يعني أب يغض بصره ، أب يصلي وقته ، أب لا يكذب ولا يغتاب ، هذا الأب قدوة ، لو لم ينصح ابنه وصل إلى الهدف . النبي عليه الصلاة والسلام كان قدوةً في الكرم : ((ما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام شيئاً إلا أعطاه ، ولقد جاءه رجل فأعطاه غَنماً بين جبَلين ، فرجع إلى قومه فقال : يا قوم أسلِمُوا ، فإن محمداً يعطي عطاءَ من لا يخشى الفقر.. )) [مسلم عن أنس بن مالك] كان قدوةً في الزهد : (( دخل عليه سيدنا عمر فرآه مضطجعاً على حصير أثر في خده الشريف فبكى ، قال : لِمَ تبكي يا عمر ؟ قال : رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ، قال : يا عمر إنما هي نبوة وليست ملكاً ، يا عمر أفي شك أنت يا عمر ألا ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا .)) [أحمد وأبو يعلى عن أنس بن مالك ] كان مثلاً أعلى في الزهد ، لذلك المبالغة في الترف تبعد عن الله عز وجل ولو كانت مباحة ، همه الأول الطعام ، همه الأول ينام ، همه الأول أن يكون في مكان جميل ، همه الأول أن يتمتع في الحياة : (( إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين .)) [أحمد عن معاذ] يتنعم لكن لا يقصد التنعم ، الله لا يحرمك شيئاً ، لا تحرم هذه الدنيا لكن لا تجعلها قبلةً لك ، اجعلها وسيلة ولا تجعلها غاية ، لذلك العلماء فرقوا بين أن تكون الدنيا بيديك وأن تكون في قلبك ، في القلب مشكلة في اليدين ليست مشكلة . سئل فقال : ((مالي وللدنيا ، ما أََنا والدنيا إِلا كَرَاكِبٍ استَظَلَّ تحت شجرة ، ثم راحَ وتَركها.)) [الترمذي عن عبد الله بن مسعود] مالي وللدنيا ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها . أحد أخواننا توفي قبل أيام ، وقفت على القبر ، أكل طعاماً ظهراً ، ثم جاءته أزمة عند العصر كان في القبر ، ساعتين فقط ، معنى هذا الإنسان بساعتين يكون شخصاً يمشي ، يصبح نعوة ، يصير خبراً . قال : ((مالي وللدنيا ، ما أََنا والدنيا إِلا كَرَاكِبٍ استَظَلَّ تحت شجرة ، ثم راحَ وتَركها.)) [الترمذي عن عبد الله بن مسعود] أشكال الفقر : قال عليه الصلاة والسلام : (( اللهم اجعل رزق آل محمد كفافاً .)) [ابن عساكر عن أبي هريرة] إذا سألت شخصاً ما : كيف وضعك المالي ؟ وقال لي : مستورة ، أقول له : معنى هذا أصابتك دعوة النبي ، معنى كفاف غير الفقر ، أي حاجاتك مؤمنة ، مغطاة ، والآن ليس سهلاً أن تكون أمورك مؤمنة ، ليس من السهل أن يكون دخلك يغطي حاجاتك ، هذه نعمة كبيرة ، إن صحت هذه نعمة كبيرة ، وكنت في هذا المقام أقول : هناك فقر الكسل وهذا مذموم ، كسول ، إرجائي ، لا يوجد همة ، هذا فقر الكسل ، ويوجد فقر القدر ، ويوجد فقر الإنفاق ، فقر الإنفاق بطولة ، ماذا أبقيت يا أبا بكر ؟ قال : الله ورسوله ، أنفق كل ماله فصار فقيراً لكن فقر إنفاق ، ويوجد فقر القدر ، إنسان معه عاهة هذا صاحبه معذور ، وفقر الكسل صاحبه مذموم ، وعلمنا القرآن الكريم : ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131)﴾ ( سورة طه : الآية 131) النبي الكريم كان في خدمة أصحابه وكان مثلاً أعلى لهم : كان قدوة في التواضع ، قال : (( من حمل سلعته فقد برئ من الكبر )) [القضاعي والديلمي عن أبي أمامة] كان يجلس مع الضعيف والفقير ، يصغي إلى المرأة الضعيفة ، يكنس داره ، يخصف نعله ، كان في خدمة أهله ، كان يقف لأي إنسان إذا سأله في الطريق ، جاءه عدي ابن حاتم لا يدري أنبي هو أم ملك ؟ فلما انطلق به إلى البيت قال : استوقفته امرأة فوقف معها طويلاً تكلمه في حاجتها ، فقلت : والله ما هذا بملك إنما هو نبي يقبل عذر المعتذر ، إذا إنسان صافحه لا يسحب يده منه إلا أن يسحبها من صافحه ، كان يجلس جلسة العبد يقول : (( إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد )) [ابن ماجة عن أبي مسعود] كان في خدمة أصحابه ، وكان قدوة في الحلم : (( شَدّ أعربيٌّ بُردَه حتى أثّر في عاتقه ، ثم أغلظ له القول بأن قال له : يا محمد مُرْ لي من مال الله الذي عندك ! فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ثم ضحك ، ثم أمر له بعطاء . )) [متفق عليه عن أنس رضي الله عنه] كان قدوةً في العفو : ما تظنون أني فاعل بكم ؟ قالوا : أخ كريم وابن أخ كريم ، قال : اذهبوا فأنتم الطلقاء . كان شجاعاً : (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ النَّاسِ ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ وَلَقَدْ فَزِعَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَانْطَلَقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوْتِ ، فَاسْتَقْبَلَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَبَقَ النَّاسَ إِلَى الصَّوْتِ وَهُوَ يَقُولُ : لَنْ تُرَاعُوا لَنْ تُرَاعُوا . )) [البخاري عن أنس رضي الله عنه] سبقهم إلى استطلاع الخطر ، وكان إذا حمي الوطيس ما كان من أحد أقرب إلى العدو منه من شدة شجاعته ، وكنا إذا حمي الوطيس لذنا برسول الله وقال : (( أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب )) [ ابن حبان عن أبي إسحاق ] أنا أسوق لكم هذه المثل كي تعلموا أن اتباع أصحابه له وأنهم أحبوه وفدوه بأرواحهم لا لأنه ألقى عليهم مواعظ فقط بل لأنه كان معهم ، وكان مثلاً أعلى ، وكان قدوةً لهم ، قال الله عز وجل :﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ (21)﴾ ( سورة الأحزاب : الآية 21) قصة من السيرة النبوية عن حكمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم : أيها الأخوة ، النبي عليه الصلاة والسلام واجه مشكلة ، آخر معركة كانت معركة حنين ، وزع الغنائم : (( لما أعطي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ما أعطي من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب ، ولم يكن في الأنصار منها شيء ـ وزعها على حديثي عهد بالإسلام ولم يعطِ الأنصار منها شيئاً اعتماداً على إيمانهم ـ وَجَدَ هذا الحي من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت فيهم القَالَةُ ، حتى قال قائلهم : لقي واللّه رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قومه ، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال : يا رسول اللّه ، إن هذا الحي من الأنصار قد وَجَدُوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت ، قسمت في قومك ، وأعطيت عطايا عظاماً في قبائل العرب ، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء . قال : فأين أنت من ذلك يا سعد ؟ ـ ما موقفك أنت ناقم أم معهم ؟ ـ قال : يا رسول اللّه ، ما أنا إلا من قومي ـ متألم أيضاً ـ قال : فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة . فخرج سعد فجمع الأنصار في تلك الحظيرة ، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا . وجاء آخرون فردهم فلما اجتمعوا له أتاه سعد فقال : لقد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار ـ والله هذه القصة رويتها مئات المرات بل عشرات مئات المرات فيها دقة بالغة ـ فأتاهم رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فحمد اللّه ، وأثني عليه ـ هنا الآن تصور إنسان على قمة المجتمع المسلم ، نبي الأمة ، بل هو سيد الأنبياء ورسول هذه الأمة ، بل هو سيد الرسل ، بل هو سيد ولد آدم قاطبةً ، بل إنه الإنسان الأول الذي أقسم الله بعمره ، وبعد أن دانت له الجزيرة العربية من أقصاها لأقصاها ، يعني أقوى إنسان بالمفهوم المادي يأتيه قوم ينتقضونه في توزيع الغنائم ماذا يفعل الأقوياء في مثل هذا الموقف ؟ والله هناك أقوياء يلغون وجودهم ، يوجد في التاريخ البشري أناس وجهوا بعض النقد فألغي وجودهم نهائياً ، كان من الممكن أن يلغي وجودهم لكنه لم يفعل ، وكان من الممكن أن يهملهم ، وكان من الممكن أن يهدر كرامتهم ، لو قال كلمة واحدة عنهم منافقون انتهوا ، هو رسول الله وكان من الممكن أن يعاتبهم لصالحه ، كان من الممكن أن يلغي وجودهم ، وكان من الممكن أن يهدر كرامتهم ، ما الذي فعله وهو في أوج قوته وقد انتقدوه ؟ الذي فعله أنه ذكرهم بفضلهم عليه ـ ثم قال : يا معشر الأنصار ، مقَالَةٌ بلغتني عنكم ، وَجِدَةٌ وجدتموها علي في أنفسكم ؟ ألم آتكم ضلالاً فهداكم اللّه ؟ ـ ما قال فهديتكم ، رأيتم إلى أدبه الرفيع ـ وعالة فأغناكم اللّه ؟ وأعداء فألف اللّه بين قلوبكم ؟ قالوا : بلى ، اللّه ورسوله أمَنُّ وأفْضَلُ ، ثم قال : ألا تجيبوني يا معشر الأنصار ؟ قالوا : بماذا نجيبك يا رسول اللّه ؟ للّه ورسوله المن والفضل . قال : أما واللّه لو شئتم لقلتم ، فصَدَقْتُمْ ولصُدِّقْتُمْ : أتيتنا مُكَذَّبًا فصدقناك ، ومخذولاً فنصرناك ، وطريداً فآويناك ، وعائلاً فآسَيْنَاك ـ لو قلتم هذا لكنتم صادقين ولصدقكم الناس ـ أوَجَدْتُمْ يا معشر الأنصار في أنفسكم في لَعَاعَةٍ من الدنيا تَألفَّتُ بها قوماً ليُسْلِمُوا ، ووَكَلْتُكم إلى إسلامكم ؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير ، وترجعوا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم ؟ فو الذي نفس محمد بيده ، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ، ولو سلك الناس شِعْبًا ، وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار ، اللّهم ارحم الأنصار ، وأبناء الأنصار ، وأبناء أبناء الأنصار . فبكى القوم حتى أخْضَلُوا لِحَاهُم وقالوا : رضينا برسول اللّه صلى الله عليه وسلم قَسْمًا وحظاً ، ثم انصرف رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، وتفرقوا .)) [رواه ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري] هذه القصة توضع أين ؟ مع حكمته أم مع وفائه أم مع تواضعه أم مع حسن سياسته ؟ فعلاً شيء رائع ، فلذلك لأنه كان قدوةً الصحابة انصاعوا له . النبي الكريم قدوة لنا في الثبات على المبدأ : أنا لا أنسى هذا الموقف ، حينما جاءت غنائم كسرى يروى أن رجلين لو وقفا حول الغنائم ورفع كل منهما رمحه لما رأى الأول الثاني لكثرتها ، كنوز كسرى كل ما في قصر كسرى من ذهب ، ومن فضة ، ومن ألماس ، جيء به إلى المدينة أكوام ، سيدنا عمر نظر إلى هؤلاء الذين جاءوا بهذه الغنائم شيء ثمين جداً فقال : سبحان الله إنهم أمناء . فأجابه سيدنا علي : يا أمير المؤمنين أعجبت من أمانتهم لقد عففت فعفوا ولو وقعت لوقعوا . لا يوجد في هذا الدرس قضية خطيرة إلا القدوة ، كن قدوة لأولادك ، لاحظ أنهم يراقبونك ، يرون حركاتك وسكناتك ونظراتك وكلامك فينبغي أن تكون قدوةً لأولادك . الثبات على المبدأ ، كان قدوةً في الثبات على المبدأ ، واجه مصاعب كثيرة حتى أنهم عرضوا عليه أن يزوجوه أجمل فتاة ، وأن يجعلوه أميراً عليهم ، وأن يعطوه مالاً حتى يغدو أغناهم ، فقال : (( والله يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه .)) [السيرة النبوية] أيها الأخوة ، لما قال أحدهم وهو أبو سفيان : ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً ، يعني بالله عليكم إنسان على مشارف القتل ، أحد الصحابة بعد قليل سيُقتَل ، سأله أبو سفيان قال له : أتحب أن يكون محمّد مكانك ؟ هذا الصحابي الجليل أظنه خبيباً قال : لا والله ، والله ما أحب أن أكون في أهلي وفي ولدي ـ في أهلي مع زوجته وأولاده ـ وعندي عافية الدنيا ونعيمها ـ البيت مكيف وفيه ورود وكل ما لذ وطاب في المطبخ يعني للتقريب ـ ما أحب أن أكون في أهلي وفي ولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها ويصاب رسول الله بشوكة . عندئذ قال أبو سفيان : ما رأيت أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً . نحن فقدنا الحب يا أخوان ، كل شيء يوجد عندنا لكن لا يوجد حب ، خصومات في الأسرة بين أخوين ، بين جماعتين ، بين داعيتين ، بين عالمين ، شيء مؤلم جداً ، بأسنا بيننا ، ممزقون ، لأن البغض له قانون قانونه قوله تعالى : ﴿ فَنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (14)﴾ ( سورة المائدة : الآية 14) (( والذي نفس محمد بيده ما توادّ اثنان ففرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما . )) [أحمد عن ابن عمر] الرسول قدوة لنا ووجهنا إلى أن نكون قدوةً لأولادنا : أيها الأخوة ، موضوع القدوة موضوعان ، الأول : كان عليه الصلاة والسلام قدوة لنا ، الثاني : وجهنا إلى أن نكون قدوةً لأولادنا ، فالقسم الأول استغرقه هذا الدرس ، القسم الثاني إن شاء الله في درس قادم ، وبعدها ننتقل إلى التربية بالعادة ، والتربية بالتلقين ، والتربية بالعقاب ، والتربية بالموعظة ، موضوعات كبيرة جداً لو تأملناها لكان منهجاً للآباء في تربية أولادهم ، لكن التربية في القدوة تقع على رأس القائمة لذلك بدأت بها يكفي أن تكون قدوةً وانتهى الأمر . أنت لاحظ بيت تقام به الصلوات ، الأطفال الصغار يقلدون آباءهم دون أن يشعروا ، دخل موجه تربوي إلى مدرسة ابتدائية ـ هذه طرفة ـ في منطقة حدودية فسأل طالباً : أنت حينما تكبر يا بني ماذا تحب أن تكون ؟ الجواب التقليدي : طبيب ، ضابط ، طيار ، قال له : مهرب أستاذ . هذه المشكلة ، هكذا يرى الطفل ، هذا عمل والده ، فلذلك أنت حينما تكون في مستوى راقٍ جداً تجد أن الابن يطمح إلى أن يكون مثل أبيه ، فلا تطمح في نهاية المطاف ولن تستطيع أن تنال ابناً صالحاً وأنت لست بصالح ، لا تطمح ولن تستطيع أن تنتظر من ابنك أن يكون صادقاً وأنت لست صادقاً ، لا تطمح ولا تنتظر أن يكون ابنك عفيفاً وأنت لست بعفيف ، فإذا كنت صادقاً في تربية أولادك ، حريصاً على تأدبهم بآداب الإسلام ، حريصاً على أداء العبادات كن أنت قدوةً لهم وانتهى الأمر . الدرس القادم إن شاء الله سوف يكون حول توجيهات النبي في القدوة أذكر توجيهاً واحداً كمثال : كان في بيت أقربائه امرأة قالت لابنها : تعال خذ ، فقال : ماذا أردت أن تعطيه ؟ قالت : تمرةً ، قال: أما إنك لو لم تفعلي لكتب عليك كذبة . لا تنسوا عالم الحديث الذي انتقل من المدينة إلى البصرة ليأخذ حديثاً عن رجل سمعه من رسول الله ، رآه يوهم فرسه أن في ثوبه طعاماً حتى أقبلت الفرس ، كذب على الفرس فعاد إلى المدينة ولم يسأله سؤالاً واحداً ، الذي يكذب على فرسه ليس أميناً على حديث رسول الله . جاء صحابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام مهاجراً ، وفرح به النبي ، قال : يا رسول الله أمسَكوني في الطريق فقلت لهم : إن أطلقتموني والله لن أقاتلكم أبداً فأطلقوه ، الصحابي نسي بعد سنوات في غزوة انخرط بها فقال له النبي : ارجع ألم تعاهدهم . فالنبي قدوة في كل شيء . والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#36 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : ( الثانى و الثلاثون ) الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 2 - : التربية بالقدوة - 2 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الأخوة، عدت إلى سلسلة أخرى من سلسلة دروس تربية الأولاد في الإسلام نظراً لأهمية هذا الموضوع وانطلاقاً من أن أولادنا بالتعبير الحديث هم الورقة الرابحة الوحيدة التي في أيدينا. الحياة والحركة أقوى من أي فكر نظري: إن أولادنا هم المستقبل فإن أردنا مستقبلاً يتميز عن حاضرنا فلنعتنِ بأولادنا، لأن هذا الموضوع ـ والفضل لله وحده ـ راج رواجاً كبيراً وتناقلته أكثر من جهة بالقبول، فأردت أن أتابع هذه السلسلة، فأنا في سلسلة ثانية من سلسلة تربية الأولاد في الإسلام. أعيد وأذكر أن السلسلة الأولى هي أهداف التربية لابدّ من أن نربي أولادنا تربيةً إيمانية وتربيةً أخلاقية وتربية عقلية وتربيةً جسمية وتربيةً اجتماعية وتربية جنسية هذا مضمون السلسلة الأولى من تربية الأولاد في الإسلام. والله لا أقول هذا إلا للبيان عدد من الإذاعات في العالم العربي والإسلامي أذاعت هذه السلسة عشرات المرات، وتلقاه الناس بالقبول، وهذا من فضل الله علينا جميعاً. السلسلة الثانية أيها الأخوة وسائل التربية، أول وسيلة أن تكون أنت قدوةً، وأقول بملء فمي لا تطمح أن يكون ابنك صالحاً إن لم تكن صالحاً، لا تطمح أن يكون ابنك صادقاً إن لم تكن صادقاً، لا تطمح أن يكون ابنك عفيفاً إن لم تكن عفيفاً، لا تطمح أن يكون ابنك أميناً إن لم تكن أميناً، تكاد هذه الوسيلة تكون أخطر وسيلة، أن تكون أنت قدوةً لأن الأطفال يتعلمون بعيونهم لا بآذانهم، موقف فيه كذب يلغي ألف محاضرة، موقف فيه خيانة يلغي ألف محاضرة في الأمانة هذه المشكلة. كأن الحياة والحركة في الحياة أقوى من أي فكر نظري، فيكفي أن يدرك الابن أن في دخل والده حراماً، وأن في بيعه كذباً، وأن في معاملاته انحرافاً، وهو والده، إذاً إذا انحرف الابن أصبح مغطى. توجيهات النبي في القدوة: في الدرس الماضي أيها الأخوة، بينت لكم كيف أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قدوةً، تحدثت عن سيرة النبي العملية، الآن في موضوع القدوة توجيهات النبي في القدوة، الدرس الماضي سلوك النبي في القدوة، كان قدوةً في عبادته، وفي رحمته، وفي عدله، وفي علمه، وفي حسن معاشرته لمن حوله، أما اليوم هديه في أن نكون قدوةً لمن حولنا. (( دَعَتْنِي أُمِّي يَوْماً وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ ؟ قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْراً، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئاً كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ )) [أحمد وأبو داود عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ] لي قريبة توفيت رحمها الله جاءها ابنها من أمريكا ومعه أولاده، أحد أولاده أحدث جلبةً وضجيجاً كثيراً، قالت له: اسكت وفي المساء سآخذك إلى مكان جميل، فسكت وفي المساء لم تأخذه، طفل صغير قال لجدته: أنت كاذبة. طفل يدرك فيا أيها الأخوة عد إلى المليون قبل أن تكذب أمام ابنك، وعد إلى المليار قبل أن تكذب أمام الله، لكن لن تطمح أن يكون ابنك صادقاً إذا كان في الحديث كذب، والإنسان أحياناً يكون ابنه معه في المحل التجاري، وهذه مشكلة، والابن يراقب، يعرف كيف اشتريت هذه البضاعة، وكم رأسمالها ؟ فحتى يبيع الأب هذه البضاعة يقوم بحلف الأيمان الكاذبة أمام ابنه، سقط الأب من عين ابنه. والله أيها الأخوة، لأن يسقط أحدنا من السماء إلى الأرض فتتحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله، لا تكذب، الله عز وجل هو الرزاق ذو القوة المتين، يرزقك وأنت صادق لا تكذب. أحد أخواننا الكرام يبيع قطع سيارات، قال لي: إحدى هذه القطع بقيت عندي سبع سنوات، وثمنها كبير، وأنا أرحلها من ميزانية إلى ميزانية، ضقت ذرعاً بها، جاءني من يطلبها، وأنا على السلم لآتيه بها قال لي: أصلية ـ وهي ليست أصلية ـ قلت: لا والله قال: سآخذها. كلمة لا والله أصبح البيع شرعياً، حديث آخر: (( عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّ أَبَاهُ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَاماً، فَقَالَ: أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَهُ ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْهُ)) [البخاري ومسلم عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ] في رواية قال عليه الصلاة والسلام: (( أفعلت هذا بولدك كلهم ؟ قال: لا، قال: اتقوا الله واعدلوا في أولادكم )) [البخاري ومسلم عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ] الله رحيم وكل شيء فيه عنف يبغضه الله عز وجل: قد يتوهم الأب أنه إذا أعطى البار أكثر كافأه على بره، إن أعطيت البار أكثر زدت العاق عقوقاً، أما إن عدلت بينهما قربت العاق إليك، بر ابنك اجعل جزاءه عند الله وأنت اعدل بين أولادك لا تفرق بين بار وغير بار، اتقوا الله واعدلوا في أولادكم، وفي رواية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يا بشير ألك ولد سوى هذا ؟ قال: نعم، قال: أكلهم وهبت له مثل ذلك ؟ قال: لا، قال: فلا تشهدني إذاً فإني لا أشهد على جور )) [مسلم عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ] وفي رواية: (( أشهد على هذا غيري، ثم قال عليه الصلاة والسلام: أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا إِلَيْكَ فِي الْبِرِّ سَوَاءً ؟ قَالَ: بَلَى، قَالَ: فَلَا إِذاً )) [مسلم عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ] أنت حينما تعدل ترسخ مفهوم العدل عند أولادك، وأنت حينما ترحم ترسخ مفهوم الرحمة عند أولادك، وأنت حينما تصدق ترسخ مفهوم الصدق عند أولادك. (( قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِساً فَقَالَ الْأَقْرَعُ إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنْ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَداً فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ مَنْ لَا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ )) [ متفق عليه عن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] صدقوا أيها الأخوة أن الابن الذي تربى بين أبوين رحيمين، أشرباه الرحمة مع الحليب، هذا الابن إذا كبر لا يقسو أبداً، تجد أناساً ليسوا ملتزمين بأوامر الله، لكنهم شربوا الرحمة مع حليب أمهاتهم، تجد البيت كله رحمة، مودة، عطفاً، بذلاً، تضحية، إيثاراً، هذا البيت فيه رحمة، الأم رحمت والأب رحم وكل شيء فيه عنف يبغضه الله عز وجل. (( يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ وَمَا لَا يُعْطِي عَلَى مَا سِوَاهُ )) [ متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ ] أحد أكبر علامات الإيمان الرحمة في القلب وأحد أكبر مؤشرات النفاق قسوة القلب: إذا وجدت رحمة في البيت لا يوجد قسوة، لا يوجد ضرب، لا يوجد صوت مرتفع، لا يوجد إذلال، البيت الذي فيه رحمة الأولاد ينشؤون على الرحمة، هذا شيء واضح في الحياة العملية، تجد إنساناً لا يرحم أبداً يتلذذ في أن يوقع أشد الأذى في الناس، تجد إنساناً آخراً لا يستطيع أن يؤذي أحداً هذا نشأ في بيت فيه رحمة لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( من لا يرحم لا يُرحم. )) [البخاري ومسلم عَنْ أبي هريرة] وقال: (( جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: تُقَبِّلُونَ الصِّبْيَانَ فَمَا نُقَبِّلُهُمْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَوَ أَمْلِكُ لَكَ أَنْ نَزَعَ اللَّهُ مِنْ قَلْبِكَ الرَّحْمَةَ )) [ متفق عليه عَنْ عَائِشَةَ ] يعني ماذا أملك لك إن نزع الله الرحمة من قلبك ؟ مرة ثانية أحد أكبر علامات إيمانك الرحمة في قلبك وأحد أكبر مؤشرات النفاق قسوة القلب دائماً المنافق والكافر قلبه قاسٍ كالحجر لا يرحم. قبل أن أقرأ الحديث ابنك حينما يرى أنك تحبه وترحمه وتعطف عليه يلتصق بك، وحينما يرى منك قسوةً ونفوراً وإبعاداً له عنك ينفر منك، فلذلك لأن تخسر الدنيا وتربح إنساناً أفضل عند الله من أن تربح الدنيا وتخسر إنساناً، الأب العاقل الموفق يربح أولاده، لا يربح أولاده بمحاضرة يلقيها بل يربح أولاده بقلب مفعم بالرحمة، حينما يرحمهم، حينما يسدي لهم كل ما يحتاجونه، حينما يجهد في العمل كي يكرمهم. والله أعرف أحد أخواننا الكرام أولاده يقفون أمامه والله كجندي أمام أعلى رتبة من شدة إحسانه إليهم، أنا أقول لك دائماً: الآخرون أنت لهم وغيرك لهم، أما أولادك من لهم غيرك ؟ من لهم غيرك يطعمهم ما يشتهون ؟ من لهم غيرك يلبسهم ما يحبون ؟ من لهم غيرك يأخذهم إلى نزهة ؟ فأنت حينما تؤمن بالله الإيمان الحقيقي كل أفعالك مكتوبة عند الله أعمالاً صالحة. (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَعَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ فِيهِمَا، فَنَزَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَطَعَ كَلَامَهُ فَحَمَلَهُمَا ثُمَّ عَادَ إِلَى الْمِنْبَرِ، ثُمَّ قَالَ: صَدَقَ اللَّهُ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ، رَأَيْتُ هَذَيْنِ يَعْثُرَانِ فِي قَمِيصَيْهِمَا فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْتُ كَلَامِي فَحَمَلْتُهُمَا )) [رواه الترمذي عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ] كل أعمال أولادك بعد موتك في صحيفتك: أحياناً بعض الأشخاص الأقوياء يقومون بفعل تمثيلي، أما هذا حقيقي، يعني رحمة حقيقية. (( بينما كان عليه الصلاة والسلام يصلي بالناس إذ جاءه الحسين فركب عنقه وهو ساجد، فأطال السجود بالناس حتى ظنوا أنه قد حدث أمر، فلما قضى صلاته قالوا: لقد أطلت يا رسول الله السجود حتى ظننا أنه قد حدث أمر ؟ فقال: إن ابني قد ارتحلني ـ أي جعلني راحلة ـ فركب على ظهري فكرهت أن أعجله حتى يقضي حاجته)) [النسائي والحاكم عن عبد الله بن شداد] المؤمن إذا دخل بيته صدقوني أيها الأخوة وأنا لكم ناصح أمين إذا دخلت البيت ولم يكن عند دخولك عيد فأنت لست أباً ناجحاً، عيد إذا دخلت البيت، يجب أن يرقص الأطفال من الفرح، ويوجد آباء ـ والعياذ بالله ـ إذا خرج الأب الحمد لله تنفَّس أهله الصعداء، متعب، قاسي، كلام، سباب، ضرب، إهانة. إذا كنت أباً ناجحاً إذا دخلت إلى البيت يجب أن يكون في بيتك عيد، لأنك واحد من أهل البيت، كان يكنس داره، ويرفو ثوبه، ويخسف نعله، ويصغي الإناء للهرة، وكان يحلب شاته، وكان في مهنة أهله. لك عمل، لك رتبة عالية، لك منصب رفيع، أما في البيت أنت واحد منهم. (( دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يمشى على أربع، وعلى ظهره الحسن والحسين وهو يقول: نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما )) [ابن عدي وابن عساكر عن جابر رضي الله عنه] يعني إنسان سيد الخلق وحبيب الحق، يدير أكبر دعوة في العالم، يجابه ملوك الأرض، يجابه قريش، يغزو، يحل مشكلات، إذا دخل بيته يمشي على يديه وركبتيه ويدعو الحسن والحسين ليركبا على ظهره، ويقول وهو يمشي: (( نعم الجمل جملكما ونعم العدلان أنتما )) [ابن عدي وابن عساكر عن جابر رضي الله عنه] قلدوا رسول الله: (( من كان له صبي فليتصاب له )) [ ابن عساكر عن معاوية ] هناك باب في الجنة لمن يدخل السرور على الأطفال، الأطفال أحباب الله، هذا الطفل بريء وذاتي وصافٍ حينما يشرب الحنان والعطف والمودة والحب منك، إذا كبر هذا الطفل وصار إنساناً عظيماً في صحيفتك، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ (21)﴾ ( سورة الطور) يعني كل أعمال أولادك بعد موتك في صحيفتك. حاجة الطفل إلى الحنان والابتسامة حاجة أساسية: قال عليه الصلاة والسلام: (( إِنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ فِي صَلَاتِي كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ)) [ متفق عليه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ ] وفي بعض الأحاديث الصحيحة: (( مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ)) [متفق عليه عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] كان عليه الصلاة والسلام يقول: مرحباً، السلام عليكم يا صبيان، من تواضعه الشديد، نحن في العيد نستقبل أخوتنا الكرام في القاعة وكل أب معه ابنه له هدايا وحلوى، جاء طفل صغير وحده، قلت له: أنت وحدك أم مع أبيك ؟ قال: وحدي، قلت له: من هو أستاذك ؟ وهو يمشي في الطريق علم أن هنا هدايا وحلوى فدخل، قلت له: من أستاذك ؟ قال: الشيخ راتب أستاذي. طفل يحب الإحسان لا شك، يوجد طالب آخر جاء مع أبيه أيضاً أكرمته، قال لي والده أنه حدث أمه بعد أن وصلا إلى البيت، قال لها: لقد أحببت هذا الشيخ يا أمي. الطفل تملك قلبه بهدية، تملك قلبه بابتسامة، تملك قلبه بقبلة أحياناً، إنسان أحياناً لا ينتبه يقبل ولداً ولا يقبل الثاني وقع في الظلم، أحياناً يبش لولد ويقطب للثاني وقع في الظلم اعدل حتى في القبل، اعدل حتى في الابتسامة، اعدل حتى في الضم، من المهم جداً أن يضم الإنسان ابنه إلى صدره، تعدها شيئاً سهلاً، يوجد آباء لا يفعلون هذا، يشتهي الطفل أن يضمه أي إنسان ـ انتبه إلى هذه النقطة وفهمك كفاية ـ لما الابن يجلس في حضن والده ويقبله ويضمه ويشمه يحقق له حاجة أساسية، حاجة إلى قلب يحبه، حاجة إلى إنسان يحتويه فإذا كان الأب قاسي القلب وابتعد عن أولاده أنا لا أظن السوء بل أخشى أن هذا الطفل يشعر بحاجة دائماً إلى من يعطف عليه، فيرمي نفسه في أحضان إنسان منحرف. أمثلة عن محبة النبي الكريم للصغار: والله أيها الأخوة، أنا حينما أستمع من بعض الأخوة الكرام إلى قصص عن تماسك الأسرة والله أقدر هذه الأسرة، يوجد أسر متماسكة فيها حب، فيها ود، فيها عطف، فيها تضحية، ويوجد أسر ـ والعياذ بالله ـ متعادية، خصومات، ومشاكسات، وقطيعة، وسباب، فأنت بطولتك أن تجعل من بيتك جنة ولو كان الأكل متواضعاً، ولو كان البيت صغيراً قد يغدو جنة وأنت لا تشعر، من محبة النبي للصغار: (( أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ إِذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرِ جَاءُوا بِهِ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا أَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مَدِينَتِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صَاعِنَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي مُدِّنَا، اللَّهُمَّ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ عَبْدُكَ وَخَلِيلُكَ وَنَبِيُّكَ وَإِنِّي عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ، وَإِنَّهُ دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَإِنِّي أَدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ مَا دَعَاكَ لِمَكَّةَ وَمِثْلِهِ مَعَهُ، قَالَ ثُمَّ يَدْعُو أَصْغَرَ وَلِيدٍ لَهُ فَيُعْطِيهِ ذَلِكَ الثَّمَرَ)) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] أنت كبير قد تصبر عن الفاكهة أسبوعاً أما الطفل متعلق بالفاكهة، فأنت حينما تأتي له بفاكهة أنت كأب رحيم كأنك أنت الذي أكلت، وأنت كأم كأنك أنتِ التي أكلتِ، فكان عليه الصلاة والسلام ـ وهذا من توجيهه ـ يعطي الفاكهة لأصغر طفل في المجلس ولا يأكلها. (( أُتِيَ بِشَرَابٍ فَشَرِبَ مِنْهُ وَعَنْ يَمِينِهِ غُلَامٌ وَعَنْ يَسَارِهِ الْأَشْيَاخُ، فَقَالَ لِلْغُلَامِ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ أُعْطِيَ هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ الْغُلَامُ: لَا وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَداً، قَالَ فَتَلَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَدِهِ )) [مسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ] الإسلام فيه نظام، أنا جالس إلى يمينك من حقي أن أشرب بعدك قبل الأشياخ أرأيت إلى هذا النظام ؟ النظام رائع، بالدخول، بالتيمن، دخل إلى المسجد دخل برجله اليمنى، أثناء توزيع الضيافة بدأ من اليمين، هذا النظام مريح. تذكير أولادنا بشمائل النبي وقصص أصحابه حتى يصبحوا قدوة لهم: أيها الأخوة، النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وقراءة القرآن..)) [أبو نصر عبد الكريم الشيرازي وابن النجار عن علي] هذا توجيه نبوي، الآن أطفالنا وأطفال المسلمين من هم قدوتهم ؟ لاعبو الكرة، الفنانون قدوتهم، قدوتهم الرسوم المتحركة، قدوتهم هذه التماثيل الصغيرة التي تأتينا صورها من اليابان أو من أمريكا، لكن ألا يليق بالمسلمين أن يكون هؤلاء الصحابة الشباب قدوةً لأولادنا، من يعلمهم ذلك ؟ كم أباً من بين مئة أب يجلس مع أولاده ليعلمهم سير أصحاب رسول الله، أو ليقرأ معهم قصة صحابي جليل ؟ الطفل في سن مبكرة يتعلق بمثل شئت أم أبيت، يتعلق بمثل، فالمفروض أن تعلم أنت ابنك حب رسول الله، الآن قد يفهم الحديث فهماً مضحكاً يا بني أحبَّ رسول الله، لا ليس هذا الموضع، أن تذكر له شمائله، أخلاقه، محبته لأمته، نظافته، صدقه، أمانته، عفافه، ينبغي أن تذكر له شمائل النبي حتى يحب النبي وينبغي أن تذكر قصص أصحابه الكرام. أنا درست كتاباً عدة مرات " صور من حياة الصحابة "، المؤلف رحمه الله ألَّف هذا الكتاب وهو في أعلى مستوى، حتى أنه كتاب مقرر في عدد من البلاد الإسلامية للتعليم الإعدادي والثانوي، فإذا كان في البيت " صور من حياة الصحابة " وكل يوم قرأ قصة صحابي وهو سبعة أجزاء أنت بهذا تكون قد نفذت وصية رسول الله. (( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وقراءة القرآن)) [أبو نصر عبد الكريم الشيرازي وابن النجار عن علي] قال سعد بن أبي وقاص: كنا نعلم أولادنا مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم كما نعلمهم السورة من القرآن. محاورة النبي الكريم للفقراء: مرة ذكرت في خطبة أن النبي عليه الصلاة والسلام عائد من غزوة ذات الرقاع، من شدة المشقة التي ألمت بالمسلمين، ومن شدة الآلام والدماء التي سالت منهم، لفوا أرجلهم بالرقاع فسميت غزوة ذات الرقاع، في طريق العودة كان النبي عليه الصلاة والسلام في مؤخرة الركب ليطمئن على جيشه، التقى بشاب فقير جداً اسمه سيدنا جابر، توفي أبوه في معركة أحد وترك له أخوات عدة، فالنبي عليه الصلاة والسلام رأى جمله ضعيفاً لذلك كان في مؤخرة الركب فسأله عن جمله، قال: هو ضعيف يا رسول الله، فقال: انزل عنه أناخه ثم وخزه النبي عليه الصلاة والسلام بقضيب كان معه، فعاد جملاً نشيطاً لعله من أنشط الجمال، في أثناء السير النبي عليه الصلاة والسلام سأل سيدنا جابراً قال: يا جابر أتبيعني هذا الجمل ؟ قال: بل أهبه لك يا رسول الله، قال: لا بعني إياه، قال: أبيعك إياه، قال: كم تريد ؟ قال: كم تدفع به ؟ قال له: أدفع درهماً، قال: إذاً يغبنني رسول الله ـ فمن غير المعقول أن يدفع به درهماً ـ قال له: درهمان، ومازال يرفع السعر حتى اشتراه منه بأوقية ذهب، وتم البيع واشترط سيدنا جابر أن ينتفع بالجمل إلى المدينة. انظر قواعد البيع صار في مجلس بيع، وانتهى بسعر معين، واشترط أن يكون قبض المبلغ في المدينة وتسليم الجمل. قال: يا جابر أأنت متزوج ؟ قال: نعم، قال: بكراً تزوجت أم ثيباً ؟ قال: بل ثيباً، قال: هلا تزوجت بكراً ؟ قال: توفي والدي وترك لي سبع أخوات أردت أن أتزوج امرأةً تجمعهم ـ يعني امرأة ناضجة همها إدارة منزلها ورعاية أخوات زوجها ـ قال: نِعْمَ ما فعلت. حديث طويل لطيف، سيد الخلق وحبيب الحق النبي عليه الصلاة والسلام يحاور شاباً فقيراً، قال له: الآن حينما نعود إلى المدينة تكون زوجتك قد نفضت نمارقها ودهنت أطفالها، قال له: يا رسول الله ليس عندي نمارق، قال: سيكون لك إن شاء الله نمارق. كان من عادة النبي إذا كان في غزوة أن يقيم يوماً قبل الدخول إلى المدينة لتستعد كل امرأة كي تستقبل زوجها. المؤمن الصادق أكبر عقاب له أن يحجب عن الله عز وجل: أيها الأخوة الكرام، لو لم يكن هناك كتاب ولا سنة لكانت سيرة النبي عليه الصلاة والسلام وحدها بما يشبه الكتاب والسنة لأنها منهج، طبعاً أية أمة تعتني بسيرة عظمائها لكن عظيمنا هو رسول الله، سيد الخلق وحبيب الحق، وهو القدوة والمثل، فلذلك حينما نقرأ سيرة النبي عليه الصلاة والسلام نتعلم منه الشيء الكثير، مثلاً من منا يعمل في منصب قيادي ؟ مدير مؤسسة، مدير مدرسة، مدير مستشفى وعنده موظفون، لو أن واحداً منهم أساء ماذا يفعل ؟ النبي ماذا فعل عندما أساء بعض المصلين ؟ دخل إلى المسجد وأحدث جلبة وضجيجياً فلما انتهى النبي عليه الصلاة والسلام من صلاته قال له: (( زادك الله حرصاً ولا تعد.)) [عبد الرزاق وأحمد والبخاري وأبو داود والنسائي وابن حبان عن أبى بكرة] كيف وجهه ؟ ذكر بعض إيجابياته ثم ذكر خطأه هذا منهجه، حينما تريد أن تعالج إنساناً يعمل معك وقد ارتكب خطأً ينبغي أن تذكر ميزاته حتى يطمئن إلى عدلك، هذا الموظف أمين لكنه يتأخر إن أردت أن تعالج تأخره ينبغي أن تذكر له أنه أمين وأنا معجب بأمانتك لكن التأخر مشكلة، عندما سمع أنك معجب بأمانته اطمأن وشعر أنك منصف لذلك يمكن أن يستجيب إلى توجيهك، أما إذا أنكرت كل ميزاته فلن يستمع إليك عندها. أبناء كثيرون يشتكون إلي أن له مليون ميزة، الأب لا يتكلم إلا عن سيئاته ويتعامى عن كل ميزاته، هذا أكبر خطأ في تربية الأولاد، ابنك عفيف، حصّل علامات عالية، صادق، ارتكب خطأ وهو صادق ذكره أنه صادق، ذكره أنه متفوق، ذكره أنه يحب أخوته، فكل ميزة من ميزات ابنك يجب أن تذكرها له مسبقاً فإذا جاء التوجيه السلبي قبل منك هذا التوجيه. الحقيقة أخواننا الكرام سهل جداً أن تتطرف، أن تكون قاسياً جداً، أو أن تكون ليناً أيضاً القضية سهلة، المواقف المتطرفة سهلة لا تحتاج إلى تفكير، غضبت ضربته ضرباً مبرحاً هؤلاء هم الجهلة، أرخيت له الحبل، هذه أسوأ تربية، أما حينما تضبط أعصابك فإذا أخطأ أعرض عنه، ينبغي أن يكون إعراضك عنه أكبر عقاب له، لذلك قالوا: من أطاع عصاك فقد عصاك، الذي يخاف أن تضربه هو لا يحبك، ينبغي أن يخاف أن تعرض عنه، مقياس مكانتك عند ابنك ليس أن يخاف أن تضربه، يجب أن يخاف أن تعرض عنه، وكلما المودة والمحبة والمكانة والهيبة كانت عند الأب موجودة يكفي أن يعرض عنه حتى يحترق وحتى يبكي بكاءً شديداً، فلذلك لا تُعوّد أولادك أن تضربهم، عوّد أولادك أن أشد عقاب تعاقبهم به هو إعراضك عنهم، بل إن الله سبحانه وتعالى ذكر هذا قال تعالى: ﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ﴾ ( سورة المطففين: الآية 15) أكبر عقاب هو الحجاب أحياناً الله كيف يعاقب المؤمن ؟ يبقى في مكانته الاجتماعية، بصحته وأولاده في البيت، ليس عنده مشكلة لكن الله يعاقبه، يعاقبه بأن حجبه عنه، المؤمن الصادق أكبر عقاب له أن يحجب عن الله عز وجل. الأم التي تعتني بأولادها قريبة من الله عز وجل لأنها تعبد الله فيما أقامها: تروي بعض الكتب أن شاباً له شيخ أنبأه أنه يا بني لكل سيئة عقاب، يبدو أنه ارتكب خطأً وغلبته نفسه مرة فارتكب معصية، فبحسب كلام شيخه إذاً لا بد من عقاب أليم، هو ينتظر العقاب الأليم مضى يومان وثلاثة وأربعة لا يوجد شيء، ففي صلاته ناجى ربه قائلاً: يا رب لقد عصيتك ولم تعاقبني، فقال بعض علماء القلوب ـ هكذا يروون ـ وقع في قلبه أن: يا عبدي لقد عاقبتك ولم تدرِ، ألم أحرمك لذة مناجاتي ؟ إذا عندك حساسية ولك عند الله مكانة يمكن أكبر عقاب تعاقب به أن يحجبك عنه، وأكبر عقاب يعاقب الأب ابنه المقصر أن يعرض عنه فقط، أكبر عقاب نزل بالصحابة الثلاثة الذين خلفوا هو القطيعة، قال تعالى: ﴿ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ (118) ﴾ ( سورة التوبة: الآية 118) عندما تربي ابنك تربية عالية أكبر عقاب أن تعرض عنه، أما إذا كنت دائماً تضربه هذا الضرب كسر بالتعبير العامي، لم يعد لك هيبة، أَلِفَ الضرب وتعوَّد عليه: من يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت إيلام *** يوجد آباء يقولون لك والله بحياتي ما ضربت ابناً ولا بنتاً أبداً، عنده حكمة، وله هيبته، وله مركزه في البيت، ومحسن، ومنصف، ويربي أولاده، لا يحتاج إلى ضربهم إطلاقاً.أخواننا الكرام أنا لا أنكر أن المجتمع فاسد والطفل يتعلم في المدرسة أشياء سيئة جداً أحياناً، وفي الطريق يستمع إلى كلمات بذيئة جداً، وأينما التفت هناك معصية، والآن الجهد ينبغي أن يكون كبيراً جداً في تربية الأولاد، لكن حينما يرى الطفل بيته جنة، يوجد ود ومحبة، يوجد عطف، يوجد طعام يؤكل، يوجد أم تعتني بأولادها، الأم التي تعتني بأولادها هي قريبة من الله عز وجل لأنها تعبد الله فيما أقامها، يوجد بيوت فيها إهمال شديد، فالطفل يلتصق بصديق غني، لا يوجد طعام جاهز في الصباح، الأم نائمة لا ترغب أن تستيقظ لتعتني بأولادها، فالبيت مقفر، أحياناً في أيام الشتاء الباردة لا يوجد مدفأة معدة البيت بارد جداً، يريد أن يتوضأ ويصلي ويأكل ويلبس وأمه نائمة، أما إذا كانت الأم تعتني بأولادها، المدفأة قد اشتعلت، والبيت دافئ، والطعام جاهز، والثياب جاهزة ونظيفة، هذا الابن عندها يلتصق بأمه وأبيه. على المعلم أن يكون قدوةً كالأب والأم: أنا أقول لكم أحياناً تعطي محاضرات لا قيمة لها تقول له: أنا أمك، وأنا أبوك، أنت أبوه فعلاً بحسب قيد النفوس فلان بن فلان، أما حينما يرى عطف الأب ورحمته وحلمه وعطاءه وكذلك الأم يلتصق هذا الابن بأمه وأبيه، سبحان الله الجنة أبوابها تبدأ من البيت، ممكن أن تسلك طريق الجنة وأنت في البيت، كل إنسان له بيت وزوجة وأولاد، فعليه أن يأخذ بيد أولاده إلى الله، أن يكون قدوةً لهم، أن يصلي معهم فرضاً، أن يشعر أن هذا البيت بيت مسلم، الطفل يحب هذا، لاحظ الأطفال الصغار قبل الوعي يقلدون آباءهم وأمهاتهم في الصلاة، يقلدون آباءهم وأمهاتهم في الحجاب، أحياناً تجد خاطب جديد دخل وجلس مع أخته الطفل لا يحتمل ذلك بحسب البرمجة أن هذا كيف نظر إلى أخته ؟ طفل حينما ينشأ في بيت فيه عفة، فيه صلاة، فيه ذكر، فيه قرآن، فيه صدق، فيه عطف، يكون وضعه مختلف. أخواننا الكرام، تتميماً لموضوع القدوة هناك عدة أشخاص ينبغي أن يكونوا قدوة في حياة الطفل كالمعلم، الحديث عن الأب والأم الآن أما المعلم له دور خطير، فإذا كان المعلم يرتكب أخطاء كثيرة أو يعلو صوته أو يسب الطلاب أو يدخن أو يمزح مع أصدقائه مزاحاً رخيصاً على مسمع من الطلاب هنا يوجد مشكلة كبيرة جداً. كما أن الأب ينبغي أن يكون قدوةً المعلم ينبغي أن يكون قدوةً، من أروع ما ذكر في هذا المقام أن سيدنا عمر رضي الله عنه كان إذا أراد إنفاذ أمر جمع أهله وخاصته وقال: إني قد أمرت الناس بكذا ونهيتهم عن كذا، والناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا، وأيم الله لا أوتين في واحد وقع فيما نهيت الناس عنه إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني، فصارت القرابة من عمر مصيبة، يعني أكبر مصيبة أن تكون قريباً لعمر لأن العقاب مضاعف. ماذا نستنبط من هذه القصة ؟ أهم ولد عندك الكبير، الكبير حينما يستقيم يَستقيم أخوته الصغار، أما الكبير إذا انحرف والأب أهمل الكبير يتعلم الصغار من الكبير كل شيء سيئ، يجب أن تحسن تربية الكبير لأنه قدوة للصغار، فالمعلم قدوة، ينبغي أن تختار المدرسة الأصلح التي فيها معلم أجود وأكمل. مهمة الأب الأولى أن يعتني بتربية الكبير وأن يختار لابنه المعلم الجيد: المعلم حينما لا يكون قدوة يسيء إلى الطلاب إساءة كبيرة جداً، والأخ الأكبر حينما لا يكون قدوةً، والأخت الكبرى حينما تكون متفلتة لا تستطيع الأم أن تربي بناتها الصغار على الآداب الإسلامية. إذاً الآن مهمة الأب الأولى أن يعتني بتربية الكبير وتربية الكبيرة، وأن يختار لابنه المعلم الجيد، والشيء الذي يؤلم أشد الألم ما رواه البخاري ومسلم: (( يُجَاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُلْقَى فِي النَّارِ، فَتَنْدَلِقُ أَقْتَابُهُ فِي النَّارِ فَيَدُورُ كَمَا يَدُورُ الْحِمَارُ بِرَحَاهُ، فَيَجْتَمِعُ أَهْلُ النَّارِ عَلَيْهِ فَيَقُولُونَ: أَيْ فُلَانُ مَا شَأْنُكَ ؟ أَلَيْسَ كُنْتَ تَأْمُرُنَا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَانَا عَنْ الْمُنْكَرِ ؟ قَالَ: كُنْتُ آمُرُكُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَلَا آتِيهِ، وَأَنْهَاكُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَآتِيهِ )) [متفق عليه عن أسامة بن زيد رضي الله عنه] الأقتاب: الأمعاء. (( مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ قُلْتُ: مَا هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ أُمَّتِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا يَعْقِلُونَ )) [ أحمد عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه] قال تعالى: ﴿ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3) ﴾ ( سورة الصف: الآية 3 ) لابدّ أن تكون في أعلى مستوى من القدوة الحسنة حتى تكون تربيتك لأولادك فعالة وناجحة: القضية قضية صدق مع الذات، أنت أب قدوة، أنت مُمَكن في هذه الأسرة فينبغي أن تكون في موضع كامل من الصدق والأمانة والعفاف، أما إذا كان في إطلاق بصر، تعليقات غير معقولة، تهجم، مزاح سيئ، كلام فيه كذب أمام الصغار، أعود وأقول الذي بدأته في هذا الدرس لا تطمح أن يكون ابنك صالحاً إن لم تكن صالحاً، لا تطمح أن يكون ابنك عفيفاً إن لم تكن عفيفاً، لا تطمح أن يكون ابنك أميناً إن لم تكن أنت أميناً، هذه الحقيقة الأساسية وأرجو الله سبحانه وتعالى أن يترجَم هذا الدرس إلى سلوك، وكل واحد منا إما أخ أكبر لإخوته الصغار، وإما أب، وإما سيغدو أباً إن شاء الله، فلا بد من أن تكون في أعلى مستوى من القدوة الحسنة حتى تكون تربيتك لأولادك تربية فعالة ناجحة. أنت لاحظ أكثر الناس إن تحدثوا عن آبائهم والله أنا أحياناً أترنم، يقول لك: أنا والدي رحمه الله كان يصلي الفجر، والدي رحمه الله ما كان يكذب أبداً، كان يعطف علينا، كان يوفق بين المتشاكسين، فتجد الابن لخمسين عاماً بعد وفاة أبيه يتحدث عن أبيه. أنا التقيت في ماليزيا بعريف المؤتمر، يتكلم اللغة الفصحى بشكل رائع وهو ماليزي، فالتقيت به وهو أستاذ في الجامعة قال لي: كان طموح والدي أن أتقن لغة القرآن، طموح والده الأول أن يتقن لغة القرآن والحقيقة كأنه مولود في بلاد عربية، كان عريف مؤتمر بأعلى درجة من الفصاحة والذكاء والبديهة، قال: رحمه الله كان يطمح أن أتقن لغة القرآن. الابن حينما يرى من أبيه الكمال تجده طوال حياته يحدث عن أبيه، والعياذ بالله يوجد أطفال أو شباب يتحدثون عن آبائهم أسوأ حديث، الأب ليس صالحاً، منذ يومين أهمل زوجته وبناته وأولاده وبحث عن واحدة في عمر بناته لكن بشكل سيئ جداً، غير منضبطة، وثيابها فاضحة، هذا سقط أمام أولاده وبناته وزوجته ومن حوله، البطولة أن تكون أنت قدوةً لابنك، نحن في طريق مجموعة وسائل فعالة في تربية الأولاد لكن لا أكتمكم أن أكبر وسيلة فعالة في هذه السلسلة هو أن تكون قدوةً لأولادك. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#37 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : ( الثالث و الثلاثون ) الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 3 - : التربية بالعادة - 1 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الأخوة تحدثنا عن أهداف التربية الإسلامية، تربية الأولاد في الإسلام، وبينت أن مضامين التربية الإسلامية التربية الأخلاقية والإيمانية والجسمية والعقلية والنفسية والاجتماعية والجنسية، وبدأنا قبل درسين في سلسلة جديدة حول وسائل التربية فتحدثت في درس سابق عن توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام في شأن القدوة وكنت قبلها قد ذكرت أنماطاً من قدوة النبي عليه الصلاة والسلام. توافق فطرة الإنسان مع منهج الله: اليوم ننتقل إلى وسيلة فعالة من وسائل تربية الأولاد في الإسلام إنها التربية بالعادة، العادات مهمة جداً، لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ (30) ﴾ ( سورة الروم ) أكبر معين لأي أب ولأي معلم أن فطرة الإنسان متوافقة تماماً مع منهج الله، أي أنت لا ترتاح إلا إذا أطعت الله، ولا ترتاح إلا إذا كنت صادقاً، لا ترتاح إلا إذا كنت أميناً، لا ترتاح إلا إذا كنت محسناً، لا ترتاح إلا إذا كنت منصفاً، فطرة الإنسان، جبلته، برمجته، توليفه، خصائصه متوافقة تماماً مع منهج الله، الإنسان حينما يتوب إلى الله يجد نفسه، ينسجم مع نفسه، ينسجم مع الكون، ينسجم مع كل المخلوقات: ﴿ فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (30) ﴾ ( سورة الروم ) طبعاً قبل هذه الكلمات: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً (30) ﴾ ( سورة الروم ) أي أن تقيم وجهك للدين حنيفاً: أن تشد بكل طاقاتك إلى الله، هذا العمل يتوافق مع فطرتك ومع جبلتك ومع خصائصك ومع فطرتك، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ )) [متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] هكذا مصمم تحب العدل، الصبغة أن تكون عادلاً أما الفطرة أن تحب العدل، أن تحب العدل شيء وأن تكون عادلاً شيء آخر، أن تحب الرحيم شيء وأن تكون رحيماً شيء آخر، حينما تتصل بالله تكون رحيماً أما حينما تولد تُولد على حب الرحمة، لذلك اجمع ألف إنسان من شتى المشارب والمذاهب والاتجاهات والالتزام أسمعهم قصة فيها رحمة كلهم يتأثرون، كلهم يحبون هذا الكلام، لذلك كل مولود يولد على الفطرة صفحة بيضاء لا خير فيها ولا شر، إلا أنها مبرمجة على حب الخير، على حب العدل، على حب الرحمة، على حب الإنصاف. الإنسان حينما يعود إلى دينه يعود إلى فطرته: لذلك الإنسان حينما لا ينصف يشعر بكآبة، حينما لا يرحم يشعر بصغر، وأكبر مرض في العالم الآن مرض الكآبة لأن الناس خرجوا عن فطرتهم، خرجوا عن مبادئ فطرتهم، عذبتهم أنفسهم، ائت بأرقى سيارة مصنوعة في أرقى بلد في العالم، أحدث موديل وأعلى مواصفات، الآن يوجد مركبات سعرها تقريباً يصل إلى أكثر من عشرين مليوناً، امش بها في طريق وعر لا تحتمل تفقد كل ميزاتها لأنها مصممة للطريق المعبد، ارتفاع هيكل السيارة عن الأرض، طبيعة الضواغط، طبيعة المكابح، طبيعة المحرك، كلها مصممة لطريق معبد، فإن سرت بها في طريق معبد قطفت كل ثمارها وميزاتها، أما إذا سرت فيها في طريق وعر كسرتها ولم تفلح لا في سرعة ولا في راحة ولا في هدوء بال، أما الوعر يحتاج إلى مدرعة، أي يحتاج إلى مجنزرة، فأنت مصمم أن تؤمن بالله، مصمم أن تكون صادقاً، أميناً، عفيفاً، نافعاً، منصفاً، هذا تمهيد أيها الأب أو أيها المعلم، أنت حينما تلفت نظر ابنك إلى قواعد الدين تلفته إلى طبيعته، تلفته إلى خصائصه، تلفته إلى برمجته، تلفته إلى توليفه، لذلك الراحة النفسية التي يجدها المؤمن بعد أن يصطلح مع الله لا توصف، لماذا لا توصف ؟ لأنه انسجم مع نفسه، تصور أنك تريد أن تفتح باباً بالمطرقة، تحتاج إلى جهد كبير ومضن وأصوات وإقلاق وإزعاج، أما هذا الباب مصمم أن يفتح بمفتاح صغير، إن كان معك هذا المفتاح بنعومة، بيسر، بلا صوت، بلا ضجيج، بلا شكوى الجيران تفتح الباب وتدخل، فأنت حينما تعود إلى دينك تعود إلى فطرتك، حينما تعود إلى دينك تعود إلى طبيعتك، إلى ما فطرك الله عليه، إذاً أكبر عامل يعين المعلم والأب على تربية ابنه أن الإنسان في أصل فطرته حينما يولد يُولد على الفطرة. الحياء والإنصاف والخلق الكبير أكبر تقدمة تعطيها لابنك: يقول عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: (( لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ )) [الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ] كل يوم لو تصدق بصاع من بر: (( لَأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ وَلَدَهُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِصَاعٍ )) [الترمذي عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ] لأن تأديب الابن يقطف ثماره المجتمع كله. قبل فترة جاء طفل من طرف إنسان يحمل ألبسة أعطيته الحساب، بعد دقيقة طرق الباب ثانية وقال لي: يوجد خطأ المبلغ يزيد أربعمئة ليرة، يوجد خمسمئة ظننتها مئة، أكبرته إكباراً، أكرمته إكراماً، هذا شيء جميل أنه طفل، يوجد خطأ بأربعمئة ليرة عاد وطرق الباب ودفع الباقي، فأنت عندما تربي ابنك على الأمانة والصدق تكون قدمت خدمة للمجتمع بأكمله، هؤلاء الذين يسرقون يسببون متاعبَ في المجتمع، هؤلاء الذين ينحرفون، هؤلاء الذين يعتدون يسببون متاعبَ لمجموع الناس، أما حينما تربي ابناً صالحاً لعل أي إنسان عامله يقول جزى الله أباه على هذه التربية، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام أيضاً: (( مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَداً أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ )) [ الترمذي عَنْ أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ] أكبر شيء تقدمه لابنك أن خلقه كبير، عنده حياء، عنده رحمة، عنده إنصاف، وفي حديث ثالث يقول عليه الصلاة والسلام: ((علموا أولادكم وأهليكم الخير وأدبوهم )). [ابن المنذر والحاكم عن علي كرم الله وجهه] هذا يحتاج إلى جهد، يحتاج إلى وقت، يحتاج إلى علم، ينبغي أن يكون الأب متعلماً، ينبغي أن يكون الأب مؤمناً، ينبغي أن يكون الأب مستقيماً، ينبغي أن يكون الأب متفرغاً، ينبغي أن يقتطع من وقته الثمين وقتاً لتربية أولاده، والله كنت البارحة في عقد قران العريس سافر إلى أمريكا ليتابع تعليمه في الطب أثنى عليه أكثر الخطباء، هو من أخواننا الكرام، فقلت لهم في كلمة ألقيتها: حينما كنت في أمريكا قلت لإخوتنا المغتربين لو جمعت أكبر ثروة في الأرض، وبلغت أعلى منصب، ونلت أعلى درجة علمية، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس. المشكلة الأولى للأخوة المغتربين أولادهم، نقلت لهم كلمة قالها بعض العلماء في مؤتمر عقد هناك في ديتروي قال: إن لم تضمن أن يكون ابن ابْن ابنك مسلماً لا يجوز أن تبقى في هذه البلاد، فقال لي أحدهم بعد أن انتهى الحفل: أولادنا ليسوا مسلمين الآن، أنت تقول إن لم تضمن أن يكون ابن ابْن ابنك، الابن الحالي ليس ملتزماً ولا قانعاً ولا معتزاً بأمته ولا بدينه ولا بوطنه: (( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وقراءة القرآن.)) [أبو نصر عبد الكريم الشيرازي وابن النجار عن علي] الصديق هو العامل المؤثر الأول في حياة ابنك: إذاً التربية بالعادة أنت معك يسمونها بالعادة سرعة ابتدائية، يوجد معك دعم من الله عز وجل، أن هذا الطفل الذي بين يديك فطرته سليمة وفطرته تتوافق مع الدين، فطرته تتوافق مع خوفه من الله، أنت ليس عليك إلا أن تصقل هذه الفطرة، أن تشحذ هذه الموهبة، أن تفجر هذه الطاقة، النقطة الدقيقة جداً أخواننا وقد لا تصدق، العامل المؤثر الأول في حياة ابنك لست أنت وليست الأم وليس الأخ إنه الصديق، فقبل أن تشرع في تربية أولادك يجب أن تعلم من هو صديق ابنك، في بعض التجارب أو الإحصاءات تبين أن الذي يتعلمه الابن من صديقه يزيد عن ستين بالمئة من مجموع ما يتعلمه، الأب والأم والأخوة الأربعين بالمئة أما الصديق ستين بالمئة، لذلك كيف عرف النبي هذه الحقيقة ؟ يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام الترمذي: (( الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِل )) [ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] يجب أن تبحث عن أصدقاء ابنك كما تبحث عن ابنك، لأن أكبر مغذٍ في العادات والقيم والسلوك هو صديق ابنك، وحينما توفق إلى صديق لابنك في مستوى رفيع فقد ضمنت لابنك الاستقامة والسداد. البيئة أخطر شيء على الابن: قضية البيئة مهمة جداً وللبيئة يوجد حديث: ((كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ ـ أي عابد ـ فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْساً فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَقَالَ: لَا، فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مئة، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ، فَقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مئة نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَقَالَ: نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ، انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاساً يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ، وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ )) [البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] معنى هذا وهذا كلام دقيق والحديث صحيح ومن أصح الصحيح في الصحاح، معنى ذلك أنك لن تستطيع أن تعبد الله إلا إذا كنت مع المتقين: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) ﴾ ( سورة التوبة ) أخطر شيء على الابن البيئة، أحياناً تجد ابناً أخلاقه عالية جداً لأن أهله وبيته وبيت عمه وبيت خالته أسرة منضبطة حتى بفروعها، فأينما ذهب لا يوجد كلمة سيئة، لا يوجد عمل فاحش، لا يوجد تعليقات جنسية منحرفة، كل الكلام منضبط ويوجد أدب وحياء ولا يوجد اختلاط، وقد تجد طفلاً آخرَ عجيباً أي يفعل المنكرات القبيحة وكأنه لا يفعل شيئاً لأنه هكذا نشأ في بيئته، لذلك قال له: (( انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاساً يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدْ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلَا تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ )) [البخاري عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ] للحديث الطويل تتمة مغزاه هكذا ؛ أي ما لم تكن مع المؤمنين، ما لم تكن من رواد بيوت الله الحرام، ما لم يكن أصدقاؤك مؤمنين، ما لم يكن الذين تسهر معهم من أهل الصلاح، ما لم تكن نزهاتك مع المؤمنين، ما لم تكن مجالسك مع المؤمنين، الإنسان الفاسق الفاجر تماماً كالفاكهة الفاسدة، دع تفاحة فاسدة في كم كبير من التفاح هذه التفاحة الواحدة الفاسدة يمكن أن تفسد كل من حولها. من الأفضل ألا تعنف ولدك أمام أخواته البنات و أمام أصدقائه: الجاحظ من كبار الأدباء، له كتاب يذكر في هذا الكتاب نصيحة عقبة بن أبي سفيان لما دفع ولده إلى المؤدب ـ إلى المعلم ـ قال: ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بنيّ إصلاح نفسك، ليكن إصلاح نفسك أولاً أو ليكن أول ما تبدأ به إصلاح نفسك، قال: فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت والقبيح عندهم ما استقبحت، وعلمهم سير الحكماء وأخلاق الأدباء وتهددهم بي، الأم و الأب الموفقان في تربية أولادهما الأم دائماً تخوف أولادها بالأب، تجعل له هيبة، الأم الحمقاء تتطاول على زوجها أمام أولادها، لم يبق في البيت من يهاب، أما الأم العاقلة و لو يوجد خطأ من قبل زوجها تتهيب زوجها كثيراً أمام أولادها كي تحتمي و كي تتوعدهم به، أما إذا تطاولت عليه في حضرة أبنائه فقد وقعت مشكلة كبيرة، أتمنى والله أيها الأخوة أن لا يكون هناك مشاحنة بين الزوجين أمام الأولاد، ولا يكون هناك مهاترات، ولا يكون هناك نوع من التطاول، لأن هذا يفقد دور الأب والأم معاً، فكلما كان الانسجام بين الأبوين أمام الأولاد رائعاً كانت سلطة الأم والأب على أولادهما رائعة، بالمناسبة أيضاً يوجد آباء لا ينتبهون، قد يعنف ابنه أمام أخواته البنات فيهزؤون به طوال الأسبوع، والأشد من هذا أن يعنف ابنه أمام أصدقائه، إنك تسحقه دون أن تدري، فالأولى ألا تعنفه لا أمام أخواته البنات ولا أمام أصدقائه، مهما يكن تعنيفك شديداً إن كان فيما بينك وبينه يقبله منك، أحد العلماء سأل إنساناً قضى في السجن سنوات طويلة فقال له: ما أشد ما مر بكم في هذا السجن ؟ فقال: ما فقدناه من تربية أبنائنا، والله أعلم قصصاً كثيرة أيها الأخوة عن أناس دخلوا السجون، أي أخطؤوا فدخلوا السجون فخرجوا من السجون وأولادهم في أشد أنواع الانحراف، الأم وحدها لا تستطيع أن تضبط أولادها لأنها في البيت لذلك لما سئلوا: ما أشد ما مر بكم في هذا السجن ؟ فقالوا: ما فقدناه من تربية أبنائنا. من وصية ابن سيناء في تربية الولد أن يكون مع الصبي في مكتبه صبية حسنة آدابهم، مرضية عاداتهم، لأن الصبي عن الصبي ألقن، وهو عنه آخذ وبه آنس، أخطر جهة في حياة ابنك صديقه، أخطر منك، أخطر جهة في حياة ابنتك صديقتها، أخطر من أمها، أخطر جهة يمكن أن تفعل فعلاً لا يوصف في حياة الطفل صديقه لذلك إذا كان هناك صديق صالح وزار ابنك يجب أن يُستقبل وأن يُرحب به وأن يفسح له المجال ليجلس معه، لا تتبرم بأصدقاء ابنك، الصداقة لا بد منها، يوجد أمهات والعياذ بالله اطرده، مباشرةً تطرد صديق ابنها وبقسوة، إذا جئت مرة ثانية سأكسر قدمك، أم حمقاء تحطم ابنها وتفضحه أمام صديقه، والآن حر أن يختار أي صديق آخر لكن طبعاً أصبح بالتهريب، صديق تهريب وليس صديقاً نظامياً، أنت ابحث عن صديق صحيح أخلاقه عالية له أب، له أم، له بيت علم واسمح لابنك أن يجلس معه، واسمح لابنك أن يختلط معه، لأنه لا بد من صديق شئت أم أبيت. التناقض مع نصوص القرآن والسنة عند اليأس من إصلاح الصغار: أيها الأخوة النقطة الدقيقة أن الإنسان يمكن أن يلقن كل خير، هذا كلام العوام "أن الإتاية عوجاء"، هذه آية أم حديث ؟ لا آية ولا حديث هذا كلام الشيطان، هذا كلام التيئيس، هذا كلام إبليس، هذا كلام الجاهل، هذا كلام الكسول، لا يوجد أمل، يوجد أمل كبير، و الله أناس في أشد حالات الانحراف الآن أولياء لله، لو لم يكن هناك من أمل في إصلاح الابن لا يوجد هناك داع للتربية، لا يوجد داع للتعليم، لا داع، أكبر ميزانية بمعظم البلدان ميزانية وزارة التربية، أكبر عدد موظفين في أي دولة إما الجيش أو التربية، لأن تربية الجيل من أجل إصلاحه، لماذا أنزل الله الكتب ؟ لإصلاح الناس، لماذا بعث الله الأنبياء ؟ لإصلاح الناس، فأنت حينما تقول لا يوجد أمل، عندما تيئس الناس من إصلاح الصغار معنى ذلك أنت تتناقض مع نصوص القرآن والسنة. يقول أحد العلماء: الصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة، فإن عُوِّدَ الشر، وأُهمِل إهمال البهائم شقي وهلك، وصيانته بأن يؤدبه ويهذبه ويعلمه محاسن الأخلاق، أحياناً يتعثر طالب بدراسته وخلال شهر والده بغير حكمة يخرجه من المدرسة، دعه يعمل عملاً بمحل تجاري، أعرف إنسانة توفيت لها ابن رسب في الشهادة الثانوية أول سنة، هي مصرة أن يكون طبيباً، رسب مرة ثانية، مصرة أن يكون طبيباً، رسب مرة ثالثة، ومصرة أن يكون طبيباً، رسب مرة رابعة، وهي مصرة أن يكون طبيباً، نجح في المرة الخامسة وهو الآن طبيب أسنان، أربع سنوات ولم تيئس، نحن إذا أخذ عدداً من الأصفار وشكوى من المدرسة يخرجونه، يوجد ظاهرة اسمها التسريب نصف الطلاب يخرجون من المدارس إلى أعمال حرة، طبعاً كدخل لا يوجد دخل من العلم، ولكن العلم له فائدة كبيرة جداً غير الدخل، نحن الآن أمام أداة فعالة من أدوات تربية الأولاد في الإسلام هي أداة العادة، لكن الحقيقة العادة لها خصائص عند الكبار ولها خصائص عند الصغار، ابنك بالحادي عشر، بكالوريا، سنة أولى جامعة له ترتيب ثان، ابنك بالحضانة والابتدائي له ترتيب آخر، سوف نقتصر في هذا الدرس عن منهج العادة عند الكبار. تربية الأولاد عن طريق العادة له شروط: 1ـ يجب ربط العادات والتقاليد بالعقيدة وبالأمر والنهي: أولاً: الربط بالعقيدة، يجب أن تربط العادات والتقاليد بالعقيدة، مثلاً لماذا لم يوافق الأب على عرس مختلط ؟ يجب أن تجيبه، هذه عادات تتناقض مع منهج الله، هذه الآية، هذا الحديث، لماذا فرضاً لا يخطب الإنسان فتاة سنة أو سنتان يألفها وتألفه، يخرج معها وتخرج معه ثم بعد ذلك يكون العقد ؟ هناك عادات الآن سيئة جداً فيجب أن تبين له علاقة هذه العادة بمنهج الله عز وجل، فالشاب لا يقنع أن هذا حرام، هذا الحرام من دون تعليل عقلي، من دون تعليل علمي، من دون تعليل واقعي، من دون تعليل فطري، من دون تعليل نقلي لا تعمل، كلما كان الأب أقدر على إقناع ابنه بالعادات الإسلامية، مثلاً يوجد وليمة مكانين أحدهما للنساء والآخر للرجال، لِمَ لا يكونون معاً هم أقرباء ؟ يجب أن تبين له الحمو الموت، يوجد تعليلات رائعة جداً، الشاب أن تقول له حرام وكفى، وهذه لا أفعلها وكفى هذا لا يكفي، فلا بد من ربط العادات التي تعوده عليها بالعقيدة، بالأمر، بالنهي، بالقرآن، بالسنة، فكلما تمكنت أن هذه حرام، أذكر مرة قال لي أخ أنه اشترى سمكاً من مسمكة مباشرة، الذي باعه إياها شرع في تنظيف السمك، والسمك لا يزال يتحرك، فالأب نهاه بقسوة، قال له البائع: لا يتوقفون عن الحركة قبل ساعة ونصف، قال له: أنتظر ساعة ونصفاً، لأنه يوجد توجيه إلهي: ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا (36) ﴾ ( سورة الحج ) نهى عن تعذيب الحيوان، هذه السمكة لا يزال فيها حياة تفتح لها بطنها، تنزع أحشاءها، كل موقف يكون له تعليل، دليل، توجيه قرآني، توجيه نبوي، فالأب الذي آتاه الله إيماناً وعلماً فكلما فعل شيئاً أنكره أولاده ينبغي أن يبين لهم، فلا بد من ربط هذه العادات التي تفعلها، أو التي تلزمه أن يفعلها، أو التي ينكرها الابن، ينبغي أن تربطها بالعقيدة وبالأمر وبالنهي، يقول الله عز وجل: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) ﴾ ( سورة المائدة) من أحسن حكماً لقوم يوقنون ؟ آيات من الذكر الحكيم تبين أن تلقين العادات يحتاج إلى ربطها بالعقيدة وبالأمر والنهي: أيها الأخوة، إذاً استخدام تلقين العادات مع الكبار يحتاج إلى ربطها بالعقائد وبالأمر والنهي، وأكبر دليل: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) ﴾ ( سورة المائدة) وقال: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (7) ﴾ ( سورة الحشر ) وقال: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65) ﴾ ( سورة النساء) 2ـ لابدّ من تعرية الباطل: الشيء الثاني: لا بد من تعرية الباطل، الباطل بيده وسائل نشر كبيرة جداً، الباطل بيده صحف، بيده مجلات، بيده إعلان، بيده أحياناً محطات فضائية، فالطفل أحياناً يؤخذ بما يقال، هناك دعوة إلى التفلت، دعوة إلى التحلل، دعوة إلى اعتبار الدين شيئاً من التراث، ولا يعد منهجاً صالحاً لكل زمان، فأنت ما لم تعر الباطل أمام ابنك، ما لم تظهر الأخطاء الجسيمة في الاعتقاد، الأخطاء الجسيمة في السلوك، لن تستطيع أن تصرفه عن أهل الباطل، في عصر الباطل قوى قوية جداً، قوى البغي كلها مع الباطل أو تأتمر بأمر الباطل، والذين عندهم الحق ضعفاء في هذا العصر، الباطل معه وسائل كبيرة جداً، معه وسائل فعالة، الآن أخطر شيء في العالم هو الإعلام، انتبهت الدول العظمى للإعلام، ممكن أن تغسل عقول شعوب بأكملها عن طريق الإعلام، وتلاحظون كيف تزور الحقائق وكيف تتكلم بالباطل، فأنت تكون سلبياً، هو يسمع كما تسمع، ويرى كما ترى، ويلتقي مع أصدقائه، فلا بد من توعيته بخطورة الباطل وأكبر دليل على ذلك: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى (256) ﴾ ( سورة البقرة ) أي مستحيل أن تؤمن بالله قبل أن تكفر بالطاغوت، الأب الواعي يا بابا يوجد اختلاط، يوجد سهرات مختلطة، يوجد نوادٍ، يوجد رحلات فيها سباحة مع كشف العورات، يوجد سباحة مختلطة يعدها الشاب مظهر حضاري، شيء طبيعي جداً، فالأب ما لم يبين له أن هذا له أخطار قد تدمر أسَراً بأكملها، قد تشتت أسَراً، قد تُطلَّق نساء من خلال الاختلاط، لا بد من تعرية الباطل، بالمناسبة الأجانب لهم الفضل في شيء واحد أنهم أعانونا على أن نكفر بهم، قبل الأحداث الأخيرة الباطل خطف أبصار العالم كله، بكلمات براقة جميلة، حقوق الإنسان، الديمقراطية، الحرية، الرفق بالحيوان، فالناس مأخوذون، فلما استُفِزوا انقلبوا إلى وحوش، إذاً هم أعانونا على أن نكفر بهم، لأنه قبل أن نكفر بهم لا يمكن أن نؤمن بالله، فالأب الواعي مع ابنه الشاب يجب أن يعري الباطل أمامه، ليس هناك سعادة هناك حياة مادية محضة، والإنسان يلهث أمام هدف متحرك لا يستقر على حال، وأن الإنسان الذي بني وربي في بيوت الانحراف إنسان بلا هدف، إنسان ليس فيه خير لا لوطنه ولا لأمته ولا لدينه، طبعاً فهمكم كفاية ولكن لا بد من تعرية الباطل. 3ـ لابدّ من أن تحمله على تغيير بيئته: الشيء الثالث و الأخير في تربية الأولاد عن طريق العادة: أولاً أن تربطها بالعقيدة والأمر والنهي، وثانياً: أن تعري الباطل، وثالثاً: أن تحمله على تغيير بيئته. الابن مادام في بيئة سيئة مع رفقاء سوء لا يوجد أمل بالهداية أبداً، فينبغي أن تغير له البيئة، وأن تهيئ له أصدقاء مؤمنين موثوقاً بدينهم، موثوقاً بأمانتهم، موثوقاً بصلاحهم، هؤلاء يحرصون على أن يكون ابنك معهم في أعلى مستوى. التلقين والتعويد مع الصغار وسيلة فعالة جداً لترسيخ الحق: أيها الأخوة الكرام، إن شاء الله في درس قادم سأتحدث عن العادة مع الصغار، العادة مع الصغار تحتاج إلى تلقين وإلى تعويد فقط، الكبير يحتاج إلى ربط بالعقيدة والمنهج والكتاب والسنة، وإلى تعرية الباطل، وإلى تغيير البيئة، أما الصغير يحتاج إلى تلقين وتعويد، والتلقين والتعويد مع الصغار وسيلة فعالة جداً لترسيخ الحق، وهذا كله تجني ثماره حينما ترى ابنك يصلي قيام الليل، وحينما ترى ابنك يغض بصره عن محارم الله، وحينما تأتي الأخبار من كل حدب وصوب تثني على ابنك، وعلى شهامته، وعلى ورعه، وعلى دعوته إلى الله، حينما ترى ابنك عالماً جليلاً يدخل على قلبك من السعادة ما تنسى به كل جهد بذلته، والله البارحة كنت بعقد قران، يوجد عالِمان جليلان هما ابنان لعالم جليل توفي في هذه البلدة الطيبة، والله ما رأيت عملاً أعظم، لأن هذا العالم الذي توفي ترك هذين العالمين، شيء عظيم جداً أن يكون اسمك مستمراً من بعد موتك، فأنت حينما ترى ابنك صالحاً، ورعاً، مستقيماً، منصفاً، محباً، متفوقاً في عمله، يدخل على قلبك من السعادة والله ما لا يوصف. والله مرة قلت لأحد الآباء يشكو أن ابنه يكثر المجيء إلى المسجد قلت له: والله لو تعلم كم هو الخير الذي سيأتيك من ابنك هذا لفعلت الشيء الذي لا يوصف، ابنك صالح، ابنك من رواد المسجد، ابنك ورع، ابنك أمين، صادق، فيا أيها الأب إن أردت أن تسعد حقيقة اهتم بابنك صغيراً، يحتاج إلى وقت وإلى جهد وإلى إنفاق مال وإلى حلم وإلى صبر لكن بعد أن ترى ابنك صالحاً يصلي، يصوم، يحسن لله، هو استمرار لك تنسى كل تعبك. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#38 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : ( الرابع و الثلاثون ) الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 4 - : التربية بالعادة - 2 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الأخوة، لازلنا في دروس تربية الأولاد في الإسلام وفي السلسلة الثانية المتعلقة بوسائل التربية الفعالة. العقل أثمن شيء أودعه الله في الإنسان: تحدثنا من قبل عن وسيلة القدوة من خلال أن النبي عليه الصلاة والسلام كان قدوةً لأصحابه وأسوةً لهم، ومن خلال توجيهاته الشريفة في أن يكون كل أب أو كل معلم أو كل أم قدوةً لابنه. ثم انتقلنا في الدرس الذي بعده إلى أداة العادة، التربية بالعادة، وقد فرقنا بين تربية الصغار وتربية الكبار، تربية الكبار تحدثت عن أن التلقين والتعويد ينبغي أن يرتبط بالعقيدة، الحقيقة أن الإنسان حينما تصح عقيدته مليون جزئية في حياته ترتبط بعقيدته، العقيدة كلية والجزئيات لا تعد ولا تحصى، ميزة المؤمن أن عقيدته الواضحة إيمانه بالله، إيمانه بالملائكة، إيمانه بالكتب، إيمانه بالرسل، إيمانه باليوم الآخر، إيمانه بالقضاء والقدر خيره وشره من الله تعالى، هذه كليات العقيدة يمكن أن ترتبط بالآلاف بل بمئات الألوف من جزئيات حياته، لذلك الشاب نمى عقله. العقل أيها الأخوة، أثمن شيء أودعه الله في الإنسان، انظر إلى منجزاته المادية ستمئة راكب يركبون طائرة يأكلون ويشربون ويتابعون الأخبار ويأخذون من الشراب ويرتاحون وينامون وهم في الجو، ما تقطعه الطائرة في الساعة لا يقطعه الإنسان قبل مئات السنين في أشهر، إذاً الطائرة من إنجاز العقل البشري، الإنجازات لا تعد ولا تحصى هذا العقل حينما توجه إلى صنع آلات تريح صاحبه قدم إنجازات لا تصدق، من منا يصدق أنك عن طريق الفاكس يمكن أن ترسل رسالة إلى طرف الدنيا في ثانية واحدة، عن طريق هذا الجهاز المحمول يمكن أن تتصل بالعالم، هذا من إنجاز العقل، لو أن العقل توجه إلى الدار الآخرة كيف يكون ؟ والعقل البشري فيه من الطاقات ما لا يصدق والعباقرة لم يستخدموا من عقولهم إلا النذر اليسير. أعظم ما في الدين الإسلامي التناغم والانسجام بين العقل والنقل: أن تتجاهل العقل هذا شيء مستحيل، والشيء الثابت أيها الأخوة أن الحق فيما يبدو هو دائرة تتقاطع فيها خطوط العقل والنقل، والفطرة والواقع، ولكن سأضيف لكل كلمة صفة، دائرة تتقاطع فيها خطوط النقل الصحيح والعقل الصريح والفطرة السليمة والواقع الموضوعي، مبدئياً لا بد من توافق العقل مع النقل، لابد لأن النقل وحي الله عز وجل ولأن العقل جهاز أودعه الله في الإنسان وما دام العقل والنقل فرعين لأصل واحد فلا بد من أن يكونا متشابهين متطابقين، لذلك لا تخشى أن يأتي في الشرع حكم شرعي والعقل لا يؤيده، لا تخشى ذلك بل إن بعض العلماء يرى أن تطابق العقل مع النقل أمر حتمي، بل إن أعظم ما في الدين الإسلامي هذا التناغم والانسجام بين العقل والنقل، لماذا في بعض الأديان الأخرى يقولون الإيمان فوق العقل ؟ لأن المقولات التي بين أيديهم ليست معقولة إطلاقاً فكيف حلوا هذه المشكلة ؟ حلوها بأن فصلوا العقل عن النقل. بل إن كل العلماء الذين حاربوا الكنيسة في العصور الوسطى حاربوها من أجل أن يتحرر عقلهم من ضغطها، الإسلام ليس كذلك، مواءمة العقل والنقل في الإسلام شيء رائع جداً، مواءمة العقل مع النقل. بالمناسبة أنت يمكن أن يكون إيمانك بالله قوي جداً لدرجة أنك لا تحتاج إلى تعليل لأمر الله، أعلى درجة في الإيمان أن تستسلم لأمر الله، حينما حرَّم الله الخنزير أنت لأنك آمنت بالله إيماناً من مستوى رفيع لا تحتاج إلى تعليل لهذا التحريم، أنت لاحظ نفسك مع طبيب متفوق جداً، يحمل أعلى الشهادات، هناك من يثني عليه في كل وسط، إن دخلت إليه وقال: لا تأكل الملح، تستسلم مباشرةً، وقد لا تسأله لماذا ؟ أنت مع إنسان تثق بعلمه لا تسأله، فلو أن إيمانك بالله الإيمان الصحيح المتين المبني على بحث وتأمل في الكون، لو أنك آمنت بعلمه المطلق وحكمته المطلقة ورحمته المطلقة ثم أمرك أن تجتنب هذا الشيء، لذلك قال بعض العلماء: علة أي أمر أنه أمر، علة الأمر لماذا حرمه الله ؟ الجواب لأن الله حرمه فقط. ولم أجد أروع من كلمة قالها عالم أمريكي التقى بعالم مسلم، طرح موضوع لحم الخنزير فهذا المسلم ـ جزاه الله خيراً ـ أفاض بالحديث عن مضار لحم الخنزير، بعد ساعة من الزمن قال له الأمريكي: يا دكتور كان يكفيك أن تقول لي إن الله حرمه، نحن عبيد لله هذا التحريم من خالق الأكوان، من الواحد الديان، من العليم، من الخبير، من الحكيم، من القوي، نحن حينما ندعو إلى الله نحتاج إلى أن نعلل، نحتاج إلى أن نأتي ببرهان، والدليل والحكمة هذه يحتاجها الدعاة لكن العباد لا يحتاجونها. ارتفاع مستوى التعبد في الأوامر الشعائرية و انخفاضه في الأوامر التعاملية الواضحة: أيها الأخوة، كلما اتضحت حكمة الأمر الإلهي ضعف فيه التعبد، وكلما غابت عنا حكمة الأمر الإلهي ارتفعت فيه نسبة التعبد، حينما يأمرنا النبي عليه الصلاة والسلام ألا نسرف في طعامنا وشرابنا، هذه الحقيقة يعلمها الأذكياء جميعاً والذين يحرصون على صحتهم والذين يحرصون على سلامة أجهزتهم، لذلك تجد إنساناً لا ينتمي إلى الدين بصلة ومع ذلك يأكل باعتدال، الأمر بعدم الإسراف واضح جداً، حكمته واضحة جداً، لذلك نصيب التعبد فيه ضعيف، أما حينما تكلف أن تطوف حول البيت سبعة أشواط والازدحام لا يحتمل وفي وقت واحد، وأن تذهب إلى عرفات في وقت واحد، هذه أوامر تعبدية العقل لا يستطيع تفسيرها، هنا يرتفع مستوى التعبد في أمر شعائري، في الأوامر الشعائرية يرتفع مستوى التعبد في الأوامر التعاملية الواضحة ينخفض مستوى التعبد. لذلك شيء طبيعي جداً أن تجد أحياناً تناقضاً بين مصلحتك وبين الأحكام الشرعية، إنسان أخذ قرضاً، اشترى بيتاً، ووفى الأقساط على أنها من ثمن البيت، يقول لك: أين المشكلة ؟ قلت له: على مستوى فردي لا يوجد مشكلة، بالعكس أنت حللت مشكلتك عن طريق القرض الربوي، أما على مستوى أمة حينما نسمح للمال أن يلد المال، ارتفعت الأسعار، وتجمعت الأموال بأيدٍ قليلة، وحرمت منها الكثرة الكثيرة، لذلك قد لا تصدق أن كل ما يعانيه أهل الأرض الآن من التفاوت الطبقي، واحد يملك مليوناً، ومليون لا يملكون واحداً، واحد يكاد يموت من التخمة، وواحد يكاد يموت من الفقر، واحد يسكن في بيت ثمنه مئات الملايين، بالقاهرة أشير إلى بيت نظرت إليه قال: ثمنه ألف مليون ليرة سورية، عشرين مليون دولار تسكنه راقصة، ومئات الألوف من الشباب لا يجدون غرفةً يتزوجون بها. يا أيها الأخوة، الإنسان ينبغي أن يستسلم لله، أما كداعية أنت بحاجة إلى تعليل كي تقنع الناس، بحاجة إلى تفسير، بحاجة إلى بيان الحكمة، هذا الشاب الذي تفتح عقله ونمت نفسه لا بد من أن تقنعه، وهنا تكمن بطولة الداعية في أن يقنع الشباب، مرة سألني أحدهم سؤالاً قال: يقول عليه الصلاة والسلام فيما معناه: أن الشياطين تقيد في رمضان، قال لي: لِمَ قيدها الله في رمضان ثم أطلقها بعد رمضان ؟ ليته قيدها طوال العام، كلام منطقي قلت له: من قال أن الله قيدها ؟ قال: الحديث، قلت له: معنى الحديث ليس كذلك، معنى الحديث أن المؤمن حينما يستقيم في رمضان يبطل عمل الشياطين، وكأنها مقيدة تقييداً حكمياً، لو أن محلاً فتح فيه ملهيات ولم يدخله إنسان، المحل بحكم المغلق، ما كان لله عز وجل أن يضل عباده، لكن استقامة المؤمن في رمضان تقيد الشيطان، حينما تأتي بالدليل يقول لك أحدهم: (( وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ )) [مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] ظاهر الحديث ارتكب أي ذنب وإلا أنت هالك، ليس هذا معنى الحديث، معنى الحديث أن الإنسان حينما يذنب ولا يشعر أنه أذنب فهو ميت، لو لم تذنبوا بمعنى لو لم تحسوا بذنوبكم، أنت ملتهٍ تأكل المال الحرام، تطلق بصرك في النظر إلى المحرمات، تتكلم كما تشاء، تغتاب كما تشاء، تجلس في أي مكان تملأ عينيك من محاسن النساء، غيبة ونميمة، تقول: ماذا فعلت ؟ أنا مستقيم، حينما تذنب ولا تشعر أنك مذنب فأنت ميت، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم وأتى بقوم يذنبون فيستغفرون فيستغفر الله لهم. ربط الأمور الدينية بالمنطق السليم والعقل السليم: علامة المؤمن أنه إذا أذنب لا ينام الليل من شدة قلقه، من شدة خوفه من الله عز وجل، فالكبار أيها الأخوة يحتاجون إلى أن تربط الأمور الدينية بالمنطق السليم، بالعقل السليم، بالحكمة الراجحة، فكلمة (هكذا) من مربي ليس هذا من الحكمة إطلاقاً، هناك دعاة منفرون هكذا جاء في النص، مرة كنت في أمريكا، في مؤتمر في درس ديني جاءتني رسالة من امرأة تقول لي: أنا قرأت أن النبي عليه الصلاة والسلام قد حرَّم المصافحة، لكني في حرج شديد، وأنا أعمل طبيبة في مستشفى، والأطباء يأتون لا يعرفون أمر الدين، يمدون أيديهم لأصافحهم فلا أصافحهم، فتنشأ مشكلة، ما حكم المصافحة في الإسلام ؟ طبعاً يوجد جواب شرعي، كلمة واحدة المصافحة محرمة شرعاً لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( إني لا أصافح النساء.)) [أحمد والترمذي والنسائي وابن سعد والطبراني والبيهقي عن أميمة بنت رقيقة] وانتهى الأمر، يوجد جواب آخر مقنع قلت لها: المرأة في الإسلام كالملكة، كيف أن ملكة بريطانية لا يصافحها إلا سبعة رجال بحكم القانون البريطاني لعلو مقامها، سبعة رجال يسمح لهم أن يصافحوها، والباقي سلام من بعيد، وكذلك المرأة المسلمة لعلو مقامها لا يسمح أن يصافحها إلا سبعة رجال هم محارمها في القرآن الكريم، شعرت بنشوة أن المرأة المسلمة شيء مهم جداً، وهكذا ذكرت هذه التفاصيل كي أذكركم بأن ربط الجزئيات في العقيدة مهم جداً لا أفعل هذا لأن الله عز وجل حرم هذا. أكثر الناس يستثمر ماله بنسب ثابتة، يأكل الربا دون أن يشعر، مادام النسبة ثابتة لا يوجد حسابات، ولا يوجد جرد ولا أرباح، على الألف مبلغ كذا في الشهر هذا ربا. مناهج أساسية في توجيه الكبار: 1ـ ربط الجزئيات في العقيدة: حينما تتعرف إلى الشرع، إلى العقيدة السليمة والمنهج السليم، كل جزئيات حياتك تربطها بهذه العقيدة وهذا المنهج، عندما تكون عقيدتك سليمة لا تسمح لنفسك أبداً أن تقرأ في المجلة حظك هذا الأسبوع، مجرد قراءتها فيه إثم كبير. (( مَنْ أَتَى كَاهِناً أَوْ عَرَّافاً فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ )) [ مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] أما من كانت عقيدته سيئة جداً يمكن أن يدفع ثمناً باهظاً لضعفه في العقيدة، فتاة من أسرة غنية عندها سائق، رآها متعلقة بالأبراج، فذهب إلى المجلة ودفع لها مبلغاً كبيراً حتى كتبت في برج هذه الفتاة أن في حياتها سائقاً إذا تزوجته كانت أسعد النساء، ضحك عليها وتزوجها بهذه الطريقة، أما حينما تكون العقيدة سليمة لا تقبل أن تقرأ حظك هذا الأسبوع، ولا تقبل أن تقرأ شيئاً يخالف صحة العقيدة. 2ـ تعرية المنكر: إذاً ربط الجزئيات في العقيدة منهج أساسي في توجيه الكبار، ثم تعرية المنكر، المنكر يجب أن يتعرى، مادام هناك منكر له شأن، وله مقام، ويخطف أبصار الناس، فالطريق إلى الله ليس سالكاً هذه قاعدة. من فضل الله بعد أحداث الحادي عشر من أيلول الغرب تعرى، صار وحشاً في نظر كل الشعوب، وحشيته ظهرت، ظلمه ظهر، كيله بمليون مكيال ظهر، كل شيء واضح لذلك قال تعالى: ﴿ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256) ﴾ ( سورة البقرة ) إذاً الشاب حينما تتفتح مداركه يرى منجزات الغرب، الغرب له أساليب في غسل العقول والأدمغة عجيبة، لا بد من أن تعري هذا الغرب، لا بد من أن تعري هذه الحضارة المادية التي لا ترحم، قلة قليلة يستمتعون بمنجزات الحضارة والكثرة الكثيرة شقية بها. 3ـ تغيير البيئة الاجتماعية للشاب اليافع: الشيء الآخر لا بد من تغيير البيئة الاجتماعية للشاب اليافع، أخطر شيء على الشاب اليافع أصدقاؤه، الأب الموفق في تربية أولاده يحرص على معرفة أصدقاء ابنه حرصاً لا حدود له، لأن الابن يستقي من أصدقائه الشيء الكثير دون أن يشعر. منهج التلقين والتعويد للصغار: الآن ننتقل إلى منهج التلقين والتعويد للصغار، الصغار لا يحتاجون إلى ربط في العقيدة ولا يحتاجون إلى تعرية المنكر ولا يحتاجون إلى تغيير البيئة، بيئتهم ليس بمقدورهم تغييرها، الصغار يربون بالتلقين، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام أمر المربين أن يلقنوا أولادهم كلمة لا إله إلا الله بما روى الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله.)) [الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما] الطفل حينما ينشأ في جو أغانٍ، جو تمثيليات، جو موبقات، الطفل ليس عنده إدراك ليميز الخير من الشر، الطفل يقلد، لذلك أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، الطفل الصغير لا يفهم الأفكار بل يقلد ما يرى، لذلك أخطر شيء عند الصغير الصورة، والعالم الغربي كشف هذه الحقيقة، أنا قد أحطم الدين أمام الطفل بمنظر امرأة مسلمة لكنها تهمل أولادها، ومنظر آخر لامرأة متفلتة تعتني بأولادها انتهى الدين عنده، لا تحتاج إلى مناقشة. مرة استمعت إلى قصة فيها كلمة واحدة لكن هذه الكلمة كالسم في الدسم، أن امرأة وقعت في الفاحشة، والذي ارتكب معها الفاحشة وعدها بالزواج، فلما لم يفِ بوعده طالبته بتنفيذ وعده، فقال لها: ليس معي مال لأطلبكِ للزواج، أعطني مفتاح صندوق الحديد لوالدكِ حتى آخذ منه مئتي ألف أقدمه مهراً لكِ، هذا الوحش أراد أن يضيف إلى الفاحشة التي ارتكبها السرقة، حتى الآن لا يوجد مشكلة في القصة، أعطته مفتاح من تحت الملاية فقط هذه الكلمة، كلمة واحدة في القصة ماذا تشعر ؟ أن هذه ترتدي زياً إسلامياً، هكذا أخلاقها وهكذا خيانتها لأبيها، طبعاً قصة باطلة، لكن أحياناً الطفل من كلمة من صورة يأخذ فكرة. التلقين قد يكون صوراً أو أفكاراً أو كلمات إسلامية: أيها الأخوة، الطفل يتعلم بالصورة، معلمه إذا دخن أمامه حالاً الدخان مشروع بطولة، معلمه قدوة له، أبوه إذا ارتدى ثياباً مبتذلة في البيت هذا هو الأصل، لم يعد هناك داعٍ للمناقشة، حينما يتجول الأب في بيته بثياب مبتذلة جداً، بثياب داخلية مبتذلة، عند ابنه الصغير هذا هو الصواب، لذلك القرآن الكريم نبه أن الأطفال لا ينبغي أن يدخلوا على آبائهم وأمهاتهم وقت الظهيرة وبعد صلاة العشاء إلا بالاستئذان، لئلا يقع الطفل في مشكلة، والآباء الذين لا ينتبهون لما يجري بينهم وبين زوجاتهم ربما ترك هذا أثراً سيئاً جداً في مستقبل الابن الصغير. إذاً أول شيء التلقين والتعويد، التلقين قد تلقنه بكلمة، وقد تلقنه بصورة، والصور من التلقين، قد تلقنه بكلمة مسموعة، وقد تلقنه بصورة مرئية، يفهم كل شيء من دون حوار، من دون مناقشة لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( افتحوا على صبيانكم أول كلمة بلا إله إلا الله.)) [الحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما] لمجرد أن يرى الابن أباه يصلي في البيت خمس صلوات هذا من التلقين، أنا أوسِّع معنى التلقين، لا تفهموا التلقين يا ابني قل كذا، لا، قد يلقن كلاماً، وقد يلقن صورةً، الأب يصلي، الأم تصلي، حينما تتحجب الأم عن أصدقاء زوجها هذا تلقين رأى، يوجد قصص لطيفة أنه حينما يخطب شاب بنتاً في بيت، حينما تجلس معه على مرأى من أخواتها الصغار، أو أخوتها الصغار يحتجون كيف تجلس أختنا فلانة مع فلان، لأنه يعرف أنه يوجد حجاب في البيت، هذا حادث طارئ، شاب ليس من أهل البيت يجلس مع أخته معنى التلقين نجح. يكفي أن يكون بيتك مسلماً، يكفي أن تصلي أمام ابنك، يكفي أن تتحجب زوجتك عن الغريب، يكفي أن يذكر الله في البيت، يكفي أن يرى تلقيناً صوراً وأفكاراً وكلمات إسلامية، هذا الذي يكلف الأب به. التلقين جانب نظري والتعويد جانب عملي: الآن التعويد، يقول عليه الصلاة والسلام: (( مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ )) [أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ] دائماً عندنا قاعدة أن الأحكام الشرعية يكلف بها الشاب والشابة بعد البلوغ، لكن لا يعقل أن تسمح لابنتك أو ابنك أن يفطر، وفي رمضان السنة السادسة عشرة تأمرها بالصيام مستحيل، لا بد من أن تعود أولادك على أداء العبادات في وقت مبكر، قبل خمس سنوات من التكليف، سماه العلماء التكليف التأديبي لا التكليف الشرعي، طفلة صغيرة جداً حينما ترتدي ثياباً فاضحةً هي ليست بعورة، عمرها سنتان أو ثلاث أو أربع سنوات جسمها ليس بعورة، أما حينما تألف أن ترتدي ثياباً فاضحة كأنك تلقنها أن هذه الثياب لا شيء فيها، وهي في سن صغيرة ينبغي أن ترتدي الثياب الكاملة التي إذا كبرت ترى أن هذه الثياب الكاملة، الأمور دقيقة جداً. ثياب ابنتك تلقين لها حينما تصلي وهي صغيرة جداً لم تبلغ الخامسة من عمرها هذا تلقين، الصلاة تلقن بها، التلقين جانب نظري، أنت ما تكلمت لكن أريتها صورة إسلامية، والتعويد جانب عملي، ما الذي يمنع الأب أن لا يصلي إلا ومعه أولاده، عودهم خمس سنوات، عودهم الصلاة تلقيناً: (( مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْرٍ وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ )) [أحمد عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ] الآن الحلال والحرام، الطفل يرى مع رفيقه لعبة يحبها، يأخذها ويضعها في جيبه، لا تسميه سارقاً أنت، هو ما سرق لكن لا يعرف ما هو الحلال والحرام، أعجبته هذه اللعبة، وضعها في جيبه، وجاء إلى البيت، أنت رأيتها معه، الآن يجب أن تلقنه أن هذا الشيء الذي ليس لك حرام أن تأخذه، لأن الله حرم ذلك، أتحب أن يفعل معك رفيقك هذا ؟ تحتاج إلى جهد لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( مروا أولادكم بامتثال الأوامر واجتناب النواهي فذلك وقاية لهم ولكم من النار )) [عن ابن عباس رضي الله عنهما] أحياناً طفل يأكل من رأس القصعة يجب أن تنبهه كُلْ مما يليك، نهى النبي على أن يأكل الطفل من رأس القصعة، رأى النبي طفلاً تطيش يده في القصعة فنهاه. رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الآخر: أنا أتعجب هناك أطفال يرتكبون أخطاء كبيرة جداً، من ينزعج منهم ؟ إذا كنت مع أولادك في بيت، أنت ضيف، يحطمون الحاجات، يتلفون الأشياء، يضعون بقايا الطعام في أماكن غير مناسبة، فصاحب البيت يضجر، هذا من تقصير الأب والأم، يجب أن تعوده كيف تضع الأوساخ في سلة المهملات، أن تعوده أن لا يصعد بحذائه على الكراسي الفخمة الطفل لا يعلم، فالابن يحتاج إلى تلقين، وإلى تعويد، التلقين نظري والتعويد عملي، أذن المؤذن يجب أن تقول له حينما يؤذن المؤذن: هناك أذكار علمنا النبي أن نقولها، حينما تقولها أنت لقنته، حينما تطالبه أن يقولها عودته وهكذا، وفي بعض الأحاديث يقول عليه الصلاة والسلام: (( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وقراءة القرآن..)) [أبو نصر عبد الكريم الشيرازي وابن النجار عن علي] أخواننا الكرام، الطفل في سن معين لا يرى إلا الذي أمامه، فالذي أمامه أبوه وأمه، أو أخوته الكبار إذا حدثوه عن رسول الله، إذا حدثوه عن رحمته، إذا حدثوه عن حبه للصغار، إذا حدثوه عن رعايته لهم، فالنبي يقول: (( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم...)) [أبو نصر عبد الكريم الشيرازي وابن النجار عن علي] عندنا حقيقة كبرى هي الله عز وجل، عندنا حقيقة بشرية كبرى هي رسول الله لذلك كلمتا الإسلام لا إله إلا الله محمد رسول الله، لا إله إلا الله كلمة التوحيد، محمد رسول الله شهادة الرسالة، في إنسان واحد كامل الكمال البشري الذي ينتظر الله أن نجعله قدوة لنا لذلك قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ (21) ﴾ ( سورة الأحزاب) أنا أقول لك دائماً من هو الشخص العظيم في نظرك أقل لك من أنت ؟ المؤمن الصادق الشخصية العظيمة التي يتصورها دائماً، والتي يسعى أن يقلدها دائماً، والتي يسعى أن يمشي على منهجها هي رسول الله، إن كنت ترجو الله واليوم الآخر لك برسول الله أسوة حسنة. القرآن الكريم أفصح كلام على الإطلاق وبعد فصاحته تأتي فصاحة النبي الكريم: يجب بحسب ما أرى أن كلمة رسول الله في اليوم ترددها مئات المرات لأولادك، النبي فعل كذا يا بني، النبي كان حليماً، النبي دخل إلى البيت ففعل كذا، نام على جنبه الأيمن، استيقظ فسبح الله عز وجل، دخل إلى الخلاء فقال هذا الدعاء، هكذا يحب النبي، في كتاب الأذكار للنووي أذكار النبي عليه الصلاة والسلام، لكن تحتاج إلى وقت، مشكلة المسلمين دنياهم أخذتهم، مشكلاتهم سحقتهم، أعمالهم استغرقت أوقاتهم، والعمل الذي يستغرق كل وقتك خسارة كبيرة، والله أحياناً أعجب بإخوة جاءهم عرض راتب ضخم جداً في بلد بعيد، نظر أولاده بلا أب، زوجته بلا زوج، فآثر أن يبقى إلى جانب زوجته وأولاده على دخل كبير، يشترطون عدم حضور الزوجة والأولاد، هؤلاء لا يقبلون مسلماً مع زوجته وأولاده، يحرمونه زوجته وأولاده سنتين بأكملهما، فلذلك الإنسان حينما يؤثر أن يبقى مع أهله وأولاده هذا دليل عقله ودليل إيمانه ودليل توفيقه. (( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وقراءة القرآن..)) [أبو نصر عبد الكريم الشيرازي وابن النجار عن علي] أتمنى على كل أب أن يقتني كتاباً عن الصحابة الكرام، ويوجد كتب رائعة جميلة جداً، ما الذي يمنع أن تقرأ على أولادك قصة كل يوم ؟ تقرأ بنصف ساعة لكن فيها معاني من الكمال والسمو والبطولة، الطفل يحب البطولة، وكل صحابي يمثل نموذجاً، فأنت إذا قرأت على أولادك كل يوم قصة صحابي هؤلاء قدوته. (( أدبوا أولادكم على ثلاث خصال: حب نبيكم وحب آل بيته وقراءة القرآن..)) [أبو نصر عبد الكريم الشيرازي وابن النجار عن علي] مرة كنا في الجامعة دخل علينا أستاذ من كبار الأساتذة لا علاقة له بالدين إطلاقاً ولا بالقرآن إطلاقاً، ولكنه أستاذ لغة، قال: إن أردتم للغتكم أن تقوى فاقرؤوا كل يوم عشر صفحات من القرآن قراءة جهرية، لا يوجد إنسان يقرأ القرآن إلا ويستقيم لسانه دون أن يشعر، لأن القرآن الكريم أفصح كلام على الإطلاق، أفصح كلام في اللغة العربية على الإطلاق، ويأتي بعد فصاحته فصاحة النبي عليه الصلاة والسلام، فكل مسلم حينما يقرأ القرآن وحينما يقرأ سنة النبي تتراكم عنده العبارات البليغة الأدبية. الطفل الذي يقرأ القرآن ضمنت له أسلوباً رائعاً: أحياناً ترى إنساناً عادياً يقرأ القرآن، انتهت حرب في مكان معين يقول لك: في السودان وضعت الحرب أوزارها، جاء بعبارة القرآن، هناك الكثير من العبارات القرآنية التي يستخدمها الناس دون أن يشعروا، وجئت على قَدَر يا موسى، إذا كان من غير ميعاد، فأنت حينما تقرأ القرآن تتراكم عندك عبارات فصيحة حينما تستخدمها، لذلك أنا أنصح الأخوة الكرام الذين يتمنون أن يقوى أسلوبهم أن يقرؤوا القرآن، وكل عبارة في القرآن يمكن أن يستخدمها في خطابه أو في كتابته يجب أن يختزنها، القرآن أفصح كلام على الإطلاق لأنه كلام الله عز وجل قال الله تعالى: ﴿ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) ﴾ ( سورة الشعراء ) لذلك الطفل الذي يقرأ القرآن ضمنت له أسلوباً رائعاً، يوجد كلمات عامية موغلة في العامية موغلة أين القلم بابا ؟ (شحوكة)، ما هذه (شحوكة) ؟ كلمات ليس لها معنى، مزعجة، قبيحة، أحياناً بابا فلان ضربلك تلفون، (ضربلك) ما هذه ؟ اتصل بك، بين (ضربلك) وبين (اتصل بك) يوجد فرق كبير، أنا أقول حتى الأب والأم إذا تكلما في اللغة لا أقول فصحى، بل الفصحى الميسرة، يوجد لغة فصحى ميسرة إذا الأب مثقف والأم مثقفة وتكلما بلغة فصحى ميسرة يكونان عوناً لأولادهما في تعلم اللغة الفصحى. الآن يوجد مشكلة، تأتي بطالب يحمل ليسانس أو دبلوم أو ماجستير لا يستطيع أن يقرأ صفحة من القرآن بلا أخطاء أبداً، مع أنه كلام الله عز وجل ويوجد أخطاء فاحشة، مذيع سورة يس وهي سورة ياسين، الضعف في القرآن مخيف رجل أحب أن يتفاصح قال: ولست أبالي حين أُقتَلُ مسلماً على أي جنب ألقى بالله مصرعي *** إلى جهنم ذهب، أما هو البيت في فرق حركة واحدة.ولست أبالي حين أُقتَلُ مسلماً على أي جنب ألقى بالله مصرعي *** ذهب إلى الجنة، اللغة دقيقة جداً. الولد الصالح استمرار لأبيه: يقول لك أنا ـ من باب التفاصح ـ تَجَارُب، ما التَجَارُب ؟ العدوى بالجرب، صوابها التَجَارِب، إذا قلت التَجَارُب أي العدوى بالجرب، طبيب يقول لك: أنا أَخِصائي في أمراض الدم، الأَخصائي هو الذي يخصي فقط، ينبغي أن يقول اختصاصي، اللغة العربية دقيقة جداً، يقول: أنا مُوَلع، المولع هو الثور الأحمر، ينبغي أن يقول: مُوْلَع لا مُوَلَّع. هناك أخطاء شائعة كثيرة جداً يقع فيها معظم الناس دون أن يشعروا، أنا أقول لكم أيها الأخوة قضية تربية الصغار أعظم عمل على الإطلاق، أكبر شهادة يحملها الأب أن يكون أولاده صالحين لذلك: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.)) [مسلم عن أبي هريرة] من هذه الثلاثة ولد صالح يدعو له، الولد الصالح استمرار، مرة توفي رحمه الله خطيب الجامع الأموي، رجل صالح وجريء ومستقيم، ولا أزكي على الله أحداً، فالتعزية أقيمت في الجامع الأموي، وجاء الناس إلى هذا المسجد زرافات ووحدانا، في اليوم الثالث كنت حاضراً، بعد أن انتهت التعزية أسمعونا إحدى خطبه مسجلة، ثم قام ابنه وألقى خطبةً رائعة جداً، أكبرته إكباراً عالياً لأنه ترك خطيباً، ترك ابناً عالماً، وهذه علامة طيبة أن ترى ابن العالم عالماً، لأن هذه رأى نوعان ؛ رأى قلبية، ونظرية، رأيت الشمس ساطعةً، ما إعراب (ساطعةً) ؟ حال، رأيت العلم نافعاً، (نافعاً) مفعول به ثان، رأى القلبية تنصب مفعولين به، بينما رأى البصرية تنصب مفعول به واحد، فإذا كان في اسم منصوب ثان صار حالاً. روت كتب التاريخ والأدب أن المفضل بن زيد رأى مرةً ابن امرأة من الأعراب فأعجب لمنظره، فسألها عنه فقالت: إذا أتم خمس سنوات أسلمته إلى المؤدب، فحفظ القرآن فتلاه، وعلمه الشعر فرواه، ورغب في مفاخر قومه، ولقن مآثر آبائه وأجداده، فلما بلغ الحلم حملته على أعناق الخيل فتمرس وتفرس ولبس السلاح ومشى بين بيوت الحي وأصغى إلى صوت الصارخ. التشجيع والترغيب أفضل من الترهيب: التربية الإسلامية تصنع أبطالاً، كان الشباب قديماً في كفهم حفنة من الطحين، ويركبون جواداً، ويحملون سيفاً إلى ساحة الجهاد، سيدنا أسامة كان قائد جيش تحت إمرته كبار الصحابة وهو لا يزيد عن ثمانية عشر عاماً، الآن ترى الشاب يحمل البيبسي والهمبرغر وذاهب إلى الملعب، هذه عوض عن هذه، اختلف الأمر بين أن يربى الشاب على الفتوة والفروسية والنجدة والمروءة والشجاعة والقيم. أرجو الله سبحانه وتعالى أن يلهم الآباء أن يعتنوا بأولادهم، أنا أقول لعل هذه السلسلة باعثها كلمة بدأت بها الدرس الأول في هذه السلسلة، أنني فيما أعتقد أن الورقة الرابحة الوحيدة التي بقيت في أيدينا هي أولادنا، وأولادنا يعنون المستقبل، فإن أدبناهم وهذبناهم ملكنا المستقبل، وإن تركناهم على ما هم عليه وعلى التأثر بما يحيط بهم أوردناهم موارد التهلكة. إذاً الصغير أيها الأخوة الأكارم تلقين وتعويد، التلقين نظري والتعويد عملي، لا تتوهم أن التلقين كلام فقط، ثياب الأب المحتشمة في البيت تلقين، صلاته تلقين، ذكره تلقين، تلاوته لكتاب الله تلقين، غضه البصر عن امرأة زائرة في البيت تلقين، حجاب زوجته عن أصدقائه تلقين، التعويد عملي قم صلِّ معي يا بني، التعويد عملي والتلقين نظري، والطفل الصغير يلقَّن ويعوَّد، وحينما ترى ملامح الصلاح على ابنك الصغير يدخل على قلبك من السعادة ما لا يعلمه إلا الله. شيء أخير أن التشجيع أفضل من الترهيب، هناك آباء تعطي تعليمات، وكل مخالفة يوجد ضرب، لا بالعكس اعمل تعليمات إيجابية، وكل تطبيق لهذه التعليمات يوجد مكافأة، وشتان بين المكافأة والضرب، اسلك أسلوب التشجيع لا التعنيف يقول عليه الصلاة والسلام: (( علموا، ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف )) [ الجامع الصغير بسند ضعيف عن أبي هريرة ] والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#39 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : ( الخامس و الثلاثون ) الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 5 - : التربية بالموعظة - 1 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الأخوة الكرام، لازلنا في سلسلة من دروس تربية الأولاد في الإسلام، بل لازلنا في السلسة الثانية التي تتعلق بالوسائل الفعالة التي يمكن أن تربي بها ابنك إن كنت أباً أو تلميذك إن كنت معلماً. كلمة (موعظة) لا تبدو محببة إلى الناس أحياناً مع أنها جاءت في القرآن الكريم: تحدثنا عن التربية بالقدوة، ثم تحدثنا عن التربية بالتلقين والتعويد، وها نحن أولاء ننتقل إلى أسلوب ثالث هو التربية بالموعظة، ولكن قبل أن أتابع الحديث لا بد من وقفة عند كلمة الموعظة. أيها الأخوة، لا تبدو هذه الكلمة محببة إلى الناس أحياناً مع أنها جاءت في القرآن الكريم قال تعالى: ﴿ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (63) ﴾ ( سورة النساء: الآية 63) وقال: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ (13) ﴾ ( سورة لقمان) ما الذي جعل هذه الكلمة تفقد بريقها في هذا العصر ؟ ولماذا كانت كلمةً رائعةً جداً في نصوص القرآن الكريم وفي السنة المطهرة ؟ السبب بسيط. للكلمة الصادقة شأن كبير لأن الأنبياء جاؤوا بها: أيها الأخوة، الأنبياء جاؤوا بالكلمة الصادقة، الطغاة جاؤوا بطائرات وصواريخ وقنابل نووية وأقمار صناعية وحاملات طائرات ومدمرات، الطغاة جاؤوا بأسلحة فتاكة فرضوا بها إرادتهم على بقية الشعوب، الأنبياء بماذا جاؤوا ؟ بشكل مختصر جاؤوا بمخترعات ؟ لا، جاؤوا بالكلمة لكن بالكلمة الصادقة، بالكلمة التي تعبر عن واقع، بالكلمة التي تعبر عن معاناة، بالكلمة التي تعبر عن تجربة، جاؤوا بكلمة مفعمة بالصدق، جاؤوا بكلمة مفعمة بالصدق والإخلاص، جاؤوا بكلمة ليس بينها وبين واقع المتكلم أية مسافة، المسافة منعدمة بين كلمة الواعظ وبين واقع الواعظ، لذلك كان لهذه الكلمة شأن كبير، والله عز وجل يقول: ﴿ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا (25) ﴾ ( سورة إبراهيم) بالمقابل يقول عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالاً يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ )) [البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] حينما قالت السيدة عائشة عن أختها صفية وكانت قصيرةً إنها قصيرة، قال: (( لقد قلت كلمةً لو مزجت بمياه البحر لمزجته. )) [أبو داود عن عائشة رضي الله عنها] الأنبياء جاؤوا بالكلمة فقط، ولكن هذه الكلمة مشحونة بكم هائل من الصدق، من الإخلاص، من الواقعية، لذلك بالكلمة قلبوا وجه التاريخ، بالكلمة غيروا المفهومات في العالم، بالكلمة نشروا الفضيلة في شتى بقاع الأرض، الآن لعل الناس كفروا بالكلمة أصلاً لأنه يوجد حالات جديدة، الكلام عكس الواقع، الكلام في واد والواقع في واد، الذي يعظ لا يتعظ، والذي يلقي مواعظه لا يتأثر بها، والذي يأمر لا يأتمر، والذي ينهى لا ينتهي، نشأت حالة يمكن أن نسميها انفصال شخصية، في موقف معلن وموقف حقيقي، في شيء تفعله في خلوتك لا تفعله في جلوتك، في شيء تكنه في مكنونك لا تبوح به في كلامك، هذه الازدواجية سقطت معها الموعظة، لذلك أي متكلم في أي مكان، في الجامعة، في المسجد، في درس، في محاضرة، يقول لك: أنا لا أعظ، وكأنه يستحي بأن يعظ، أنا لا أعظكم أنا أتكلم بالواقع، أنا أتكلم بتفكير مفتوح، أنا أتكلم بتفكير مسموع. فقدان الموعظة مدلولها القرآني في عصر النفاق والازدواجية والكذب والتزوير: لأن كلمة الموعظة فقدت مدلولها، طبعاً هذه حقيقة، في اللغة الكلمة كالكائن الحي تولد وتنمو وتترعرع وتشيخ وتموت، وقد تولد في حالة وتنتقل إلى حالة، من منكم يطرب لكلمة استعمار ؟ لا أحد، لأن كلمة استعمار معناها أن قوة غاشمة احتلت أرضاً ونهبت الثروات وقهرت الأمة وأذلتها وجعلت أعزة أهلها أذلة، هذا معنى كلمة استعمار، لكن الله عز وجل قال: ﴿ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا (61) ﴾ ( سورة هود) الاستعمار يعني إعمار الأرض، أرض فيها منشآت، فيها مستشفيات، فيها معاهد، فيها جامعات، فيها طرق، فيها أبنية سكنية جميلة، فيها حدائق، فيها متنزهات، هذا معنى الاستعمار لغوياً، لكن هذه الكلمة ولدت رائعة، ثم أخذت مفهومات أخرى فأصبحت منفرة كذلك كلمة عصابة، النبي عليه الصلاة والسلام في معركة بدر رفع يديه إلى السماء داعياً ربه قال: (( اللَّهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدُ فِي الْأَرْضِ )) [مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه] العصابة في أصل اللغة جماعة الخير، أما هي الآن جماعة اللصوص، اختلف المعنى، ما معنى كلمة جرثومة ؟ أصل الشيء، شاعر كبير يمدح خليفة عظيماً يقول له: أنت جرثومة الدين والإسلام والحسب، لو أن الخليفة فهم معناها كما نفهمها اليوم لقطع رأسه فقبلها كمديح، الجرثومة أصل الشيء. الكلمة أحياناً تولد وتنمو وتترعرع ثم تهرم وتشيخ وتموت، أنا فيما أرى ـ مع التحفظ ـ كلمة الموعظة كلمة قرآنية ونبوية ورائعة وعظيمة، وهي التي جاء بها الأنبياء، ولكن لأن الناس في هذا العصر، في عصر النفاق والازدواجية والكذب والتزوير فقدت الموعظة مدلولها القرآني، لذلك ينبغي أن نعود إلى المدلول القرآني. أنا أقول لكم أشياء كثيرة، كلمة (إن شاء الله) فقدت مدلولها القرآني، يعني أنت حينما تريد أن لا تأتي تقول إن شاء الله، وحينما تريد أن لا تدفع ما عليك تقول تعال الخميس أدفع لك إن شاء الله، لكن معناه القرآني ليس كذلك، أنت حينما تكون جازماً في تلبية الدعوة أو في دفع ما عليك تقول إن شاء الله لأن الإنسان لا يملك الغيب، قيل من عد غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت، هذه مقدمة لا بد منها لموضوع الموعظة. الصدق المطابق بين الأقوال والأفعال يعيد للموعظة ألقها و حيويتها: الحقيقة الله عز وجل يقول: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ (13) ﴾ ( سورة لقمان) أنا أستمع إلى أخوة كرام يعتزون بآبائهم يقول لي: أبي وعظني مرةً يا بني إياك أن تفعل هذا، الموعظة كلمة لكنها مشحونة بطاقة من الإخلاص والحب، لذلك الموعظة يجب أن نعيد لها ألقها، أن نعيد لها حيويتها، عن طريق الصدق المطابق بين الأقوال والأفعال، النبي عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ (46) ﴾ ( سورة سبأ) قال: ﴿ قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ (34) ﴾ ( سورة هود إذاً الموعظة يقابلها كلمة النصح، والدين النصيحة، قيل: لمن يا رسول الله ؟ (( الدِّينُ النَّصِيحَةُ قُلْنَا لِمَنْ قَالَ لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)) [متفق عليه عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ] جمع الدين في كلمة واحدة النصيحة: كلمة مضغوطة، جمع الدين في كلمة واحدة النصيحة، تنصح إذا بعت، تنصح إذا اشتريت، تنصح إذا تكلمت، تنصح إذا تحركت، في كل حركاتك وسكناتك أنت ناصح أمين، إني لكم ناصح أمين هذه صفة الأنبياء، لذلك من الأسماء المتداولة نصوح صيغة مبالغة لاسم الفاعل نصح، ناصح نصوح. ﴿ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) ﴾ ( سورة الأعراف) القدوة أن تفعل شيئاً مطابقاً لقولك هذا أول درس، التلقين أن تلقن الصغير وأن تعوده على طاعة الله، أما الموعظة إلقاء كلام يسمى نصيحة، يسمى توجيهاً، يسمى إرشاداً، يسمى موعظة، تقدم حقائق أو خبرات أو حِكماً إلى من حولك، الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) ﴾ ( سورة ق) لذلك يوم القيامة أهل النار وهم في النار يقولون: ﴿ لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) ﴾ ( سورة الملك) كلمة صادقة يمكن أن تغير مجرى حياة إنسان: مرة أخ من أخواننا قبل أن يهتدي إلى الله جاء به قريبه إلى درس علم، إلى هذا الدرس في جامع الحاجبية، قصة قديمة جداً، أقسم لي بالله بعد أن اهتدى إلى الله أنه حضر الدرس ولم يسمع منه كلمة واحدة، الدرس في واد وهو في واد آخر. ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) ﴾ ( سورة ق) إلقاء السمع طريق الهداية أحياناً، لا تزهد بالموعظة لعلها تفت الصخر، لعلها تقلب إنساناً رأساً على عقب، يروى أن بشر الحافي أحد العارفين بالله كان تائهاً وشارداً، وكان قاطع طريق، وكان سارقاً، سبب هدايته رجل طرق بابه، فتح غلامه، قال له: قل لسيدك إن كان سيداً فليفعل ما يشاء، وإن كان عبداً فما هكذا تفعل العبيد، قال له: يا سيدي بالباب رجل يقول لك كذا، خرج فلم يجده فتبعه حافياً وكانت هدايته على يده. أحياناً كلمة تغير مجرى حياة إنسان لكن كلمة صادقة، والله عندي عشرات القصص حول إنسان سبب هدايته نصيحة صادقة، أمام الناس فضيحة، لكن بينك وبينه نصيحة، إذا تكلمت بكلام صادق مخلص واضح مدلل بالأدلة من قلب حاضر بإخلاص شديد ربما فعلت هذه النصيحة فعلها الكبير لذلك قال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) ﴾ ( سورة ق) وقال: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) ﴾ ( سورة الذاريات) فقدان الأمة خيريتها لتركها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: لذلك هذه الأمة لماذا فقدت خيريتها ؟ هي بقناعتي أمة كأية أمة، وليس لها أي ميزة، لأن هؤلاء الذين قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه بماذا أجابهم الله ؟ قال: ﴿ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ (18) ﴾ ( سورة المائدة) نحن إذا عذبنا بذنوبنا إذاً نحن أمة كأية أمة شاردة عن الله عز وجل لذلك قال تعالى: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) ﴾ ( سورة الذاريات) لذلك هذه الأمة خيريتها من قوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (110) ﴾ ( سورة آل عمران) العلماء قالوا: علة خيريتها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، فإذا آمن الإنسان بالدنيا ولم يؤمن بالآخرة، وإذا آمن الإنسان بزيد أو عبيد ولم يؤمن بالله رب العالمين، وثم لم يأمر بالمعروف ولم ينهَ عن المنكر، علة الخيرية انتهت، علة الخيرية أخذت، إذاً فقدنا خيريتنا، شيء جميل أن نعتز بهذه الآية، هناك آيتان كبيرتان: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ(110) ﴾ ( سورة آل عمران) وأيضاً: ﴿ وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْل الله جميعاً (103) ﴾ ( سورة آل عمران) معنى ذلك فقدنا خيريتنا لأننا تركنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أمة محمد عليه الصلاة والسلام تقسم إلى قسمين ؛ أمة التبليغ وأمة الاستجابة: قسم العلماء أمة محمد عليه أتم الصلاة والتسليم إلى أمتين أمة التبليغ وأمة الاستجابة، الأمة التي استجابت هي خير أمة أخرجت للناس والأمة التي لم تستجب تبلغ، فإما أن تستجيب وإما أن لا تستجيب، قال تعالى: ﴿ وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (55) ﴾ ( سورة الذاريات) وقال: ﴿ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (3) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (4) ﴾ ( سورة عبس) وقال أيضاً: ﴿ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (8) ﴾ ( سورة ق) وقال: ﴿ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) ﴾ ( سورة هود) قال تعالى: ﴿ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ (232) ﴾ ( سورة البقرة) عليك أن تعظ لأن الساكت عن الحق شيطان أخرس: كيف تتعظ ؟ ما سبب اتعاظك ؟ إذا كنت مؤمناً بالله واليوم الآخر، لذلك الذي لا يتعظ، ولا يتأثر، ولا يتحرك، ولا يعبأ، ولا يبالي، لأنه لم يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، آمَنَ بالدنيا، وآمن بالأشخاص، وآمن بالشركاء، وهذه الصفة الجامعة المانعة لأهل الفساد، لم يؤمن بالله لكنه آمن بأشخاص أقوياء، لم يؤمن بالآخرة ولكنه آمن بالدنيا فقط. لا تستغرب أن أباً يجلس مع أولاده ويقدم لهم حقائق، كنت سأقول مواعظ بدلتها بحقائق لأنني أشعر أن هذه الكلمة الآن ضعيف تأثيرها، أما حينما تجلس إلى إنسان وتحدثه بحقيقة، وقد يتوقف على فهم الحقيقة سعادته، ونجاحه، وسلامته، إذاً ينبغي أن تعظ لا تسكت، لذلك قالوا: الساكت عن الحق شيطان أخرس. يروى أن أحد حكام مصر خديوي كان دخل في حرب مع دولة، أظنها السودان، قصة قديمة قبل خمسين أو ستين عاماً، والحرب اشتدت، بلغه أنه إذا قُرئ كتاب ( صحيح البخاري) ينتصر، فاستدعى شيخ الأزهر وقال له: ماذا نفعل ؟ قال: لا بد من قراءة كتاب ( صحيح البخاري)، فاختار شيخ الأزهر عشرة علماء كبار ليقرؤوا (صحيح البخاري) فلعل الله سبحانه وتعالى ينصر المسلمين، قُرئ (صحيح البخاري)، والمعارك تزداد سوءاً، والخطر يزداد اقتراباً، فجاء الخديوي إلى الأزهر غاضباً فقال: إما أن هذا الكتاب الذي بين أيديكم ليس (صحيح البخاري) وإما أنكم لستم علماء، فقال له أحد الأشخاص: أنت السبب، ما سبق أن إنساناً تجرأ وقال للخديوي أنت السبب، فاضطرب الخديوي وخرج من الأزهر إلى قصره، هؤلاء العلماء الذين سمعوا ما قاله هذا الشخص أقاموا عليه النكير، بمعنى أنك أهلكتنا بهذه الكلمة، ماذا عليك لو بقيت ساكتاً، بعد ساعتين استدعي هذا الذي تكلم، وودعوه على أنه ميت مقتول، فلما استدعاه الخديوي قال له: أعد علي ما قلت، قال له: أنت السبب، قال: ولمَ ؟ قال: لأن النبي عليه الصلاة والسلام في صحيح البخاري يقول: إن لم تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر يدعُ صلحاؤكم فلا يستجاب لكم. كره بالحديث، قال له: ماذا أفعل ؟ قال: أغلق أماكن اللهو، أغلق حوانيت بيع الخمر، أغلق الملاهي، قال له: هكذا تريد أوروبا، قال له: ما ذنب علماء الأزهر وما ذنب صحيح البخاري إذاً ؟ المنكرات قائمة، لذلك يروى أنه استجاب له. أساليب الموعظة: 1ـ أول أسلوب في الموعظة أسلوب فيه مودة واسمه النداء الإقناعي أو التحذيري: أنت لا تعرف أحياناً كلمة بأدب، صالحة، صادقة، قد تفعل المستحيل، أول شيء بالموعظة يوجد أسلوب فيه مودة اسمه النداء الإقناعي أو التحذيري: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ (13) ﴾ ( سورة لقمان) لا تقلل من كلمة يا بُنَيَّ، يا أخي، يا حبيبي، يا بَنِيَّ، يا ابنتي، يا زوجتي، إذا بدأت بالنداء النداء يقرب القلب، لذلك الله استخدم النداء في آيات كثيرة جداً، قال تعالى: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ (53) ﴾ ( سورة الزمر) وقال: ﴿ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (56) ﴾ ( سورة العنكبوت) وقال أيضاً: ﴿ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42) ﴾ ( سورة هود) وقال تعالى: ﴿ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً (5) ﴾ ( سورة يوسف) وقال: ﴿ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) ﴾ ( سورة البقرة) أسلوب النداء يسهل دخول الموعظة إلى النفس: أرأيت إلى أسلوب الموعظة أن يبدأ بالنداء إما تحذيراً أو إقناعاً، يا بني إن الله اصطفى لكم الدين إقناع، يا بني لا تقصص رؤياك على أخوتك، يا بني اركب معنا، يا بني لا تشرك بالله. لذلك الواعظ، الأب، المعلم، الموجه، إن استخدم كلمات النداء المحببة يدخل إلى قلوب المستمعين، الآن أكثر الدعاة أيها الأخوة الأحباب، أيها الأخوة الأكارم، أيها الأخوة المؤمنون، هذا الكلام يسهل دخول الموعظة إلى النفس، سوف نسميه النداء الإقناعي أو التحذيري. ﴿ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42) ﴾ ( سورة آل عمران) وقال: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32) ﴾ ( سورة الأحزاب ) في القرآن نداء للأقوام إما فردي أو جماعي: أنت لاحظ الأب الشكور يكثر من النداءات نداء إقناعي أو نداء تحذيري، بالقرآن في نداء للأقوام، قال تعالى: ﴿ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ (54) ( سورة البقرة) وقال: ﴿ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (20) ﴾ ( سورة المائدة) وقال: ﴿ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (38) ﴾ ( سورة غافر) يوجد نداء فردي ونداء جماعي. ﴿ يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ (30) ﴾ ( سورة الأحقاف) الجن حينما خاطب صلحاؤهم عامتهم. الله تعالى وجَّه نداءً إلى المؤمنين في القرآن وكذلك إلى أهل الكتاب: الآن الله سبحانه وتعالى خاطب المؤمنين بثلاثمئة آية: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ (153)﴾ ( سورة البقرة) وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ (102) ﴾ ( سورة آل عمران) وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ (24) ﴾ ( سورة الأنفال) القرآن فيه نداء إلى أهل الكتاب: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ (64) ﴾ ( سورة آل عمران) وقال: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ (15) ﴾ ( سورة المائدة ) وقال: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (68) ﴾ ( سورة المائدة ) توجيه الله سبحانه النداء في القرآن إلى الناس جميعاً: خاطب الناس أجمعين: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) ﴾ ( سورة البقرة) وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (174)﴾ ( سورة النساء) وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) ﴾ ( سورة الحج) هذا أسلوب النداء الإقناعي أو النداء التحذيري، هذا النداء الإقناعي أو التحذيري يجعل مودة بين المتكلم والمستمع، والأب ينبغي أن يكثر من النداء الأبوي يا بني، يا ابنتي، ويخاطب أيضاً زوجته. الله تعالى لم يخاطب الكفار إطلاقاً في القرآن إلا في آية واحدة يوم القيامة: لكن لو لاحظتم لم يخاطب الكفار ولا بآية في القرآن الكريم، خاطب المؤمنين بثلاثمئة آية، خاطب أهل الكتاب، خاطب الناس عامةً، خاطب الأقوام، خاطب الأفراد، خاطب الأنبياء، لكن القرآن الكريم لم يخاطب الكفار إطلاقاً إلا في آية واحدة يوم القيامة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ (7) ﴾ ( سورة التحريم لأنهم ليسوا أهلاً أن يخاطبهم الله عز وجل، قياساً على هذه الحقيقة يوجد شخص مجرم لمجرد أن تخاطبه فأنت تحترمه، هو أقل من أن تخاطبه، هو أحقر من أن تخاطبه، والدليل على ذلك قول الله عز وجل: ﴿ الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ (65) ﴾ ( سورة يس) الكذاب الدجال لا يخاطَب، يعاقب فقط. 2ـ الأسلوب الثاني في الموعظة هو الأسلوب القصصي: بالموعظة عندنا أسلوب آخر هو الأسلوب القصصي، والله أيها الأخوة، أنا ما وجدت أسلوباً أفعل في النفس كأسلوب القصة، أنا أذكر أن إنساناً اتصل بي من مدينة اسمها لوس أنجلوس في أمريكا لا أعرفه قال لي: أنا اسمي فلان، قال: أنا لي عمل لا يرضي الله عز وجل من أشد الأعمال سوءاً، قلت: ما هو ؟ كان يعمل في تصنيع الأفلام الإباحية، قال لي: لكن تبت بسبب شريط لك استمعت إليه خمسين مرة، لما ذهبت إلى هناك بعد عام التقيت به في واشنطن، قلت له: ما هي النقطة في الشريط التي فعلت فيك فعل التوبة ؟ قال لي: قصة رويتها لنا. القصة أفعل أسلوب في التأثير و أفعل أسلوب في الإفساد: القصة لها تأثير أيها الأخوة لأن القصة تتغلغل في خطوط دفاع الإنسان، كل إنسان يوجد عنده قناعات، وعنده أفكار، وعنده تصورات، وهذه الأفكار والقناعات والتصورات عبارة عن سدود لا يسمح لإنسان أن يخترقها، إلا القصة تستطيع أن تخترق هذه السدود وهذه الحدود اختراق تسلل، لذلك كما أنها أفعل أسلوب في التأثير فهي أيضاً أفعل أسلوب في الإفساد، أنت ممكن أن توصل إلى إنسان معين فكرة لا يمكن أن يقبلها مباشرةً أبداً، مستحيل أن يقبلها، أما من خلال قصة يقبلها. الإنسان إذا قرأ القصة وتأثر بها، تسلسلت وراء خطوط دفاعه، لذلك يمكن أن تصلح إنساناً بقصة ويمكن أن تفسده بقصة، الله عز وجل خالق الأكوان المربي الحكيم قال: ﴿ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ (3) ﴾ ( سورة يس) معنى أحسن القصص بالمقابل في أسوأ القصص، كما أن هناك قصصاً جيدة هناك قصص سيئة، قال تعالى: ﴿ تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا (101) ﴾ ( سورة الأعراف) وقال: ﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ (120) ﴾ ( سورة هود) الله تعالى قصّ على سيد الخلق قصة نبي دونه ليزداد قلبه ثبوتاً: سيد الخلق إذا قص الله عليه قصة نبي دونه يزداد قلبه ثبوتاً. ﴿ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) ﴾ ( سورة الأعراف) وقال: ﴿ وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) ﴾ ( سورة طه) وقال: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) ﴾ ( سورة الذاريات) وقال: ﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ (17) فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ (18) ﴾ ( سورة البروج) إذاً القصة أيها الأخوة ـ أنا مضطر أن أقول هذه الكلمة ـ هناك آلاف القصص تعرفها لكنك تعرف القصة الأخيرة منها، وهذا خطأ كبير أن ترويها لأنها غير متناسبة، لا تروِ قصة إلا إذا عرفتها من بدايتها حتى نهايتها، تجد عظمة الله، عدل الله، رحمة الله، حكمة الله عز وجل. قصص تروي عدل الله عز وجل: مرة استوقفني إنسان قال لي: يوجد رجل نزل إلى محله التجاري، تراشق اثنان بالرصاص، جاءته رصاصة طائشة، فدخلت في عموده الفقري فشلته فوراً، قال لي: ما ذنبه ؟ هذه قصة من آخر فصل، قال لي: جاء ليرتزق، جاء ليفتح محله التجاري، عنده أولاد، لكني لا أعلم الجواب أنا مؤمن بعدل الله، مؤمن بحكمة الله، مؤمن برحمة الله، أما هذه القصة لا أملك تفسيرها، أخ كريم يسكن تحت هذا الرجل الذي أصابته رصاصة وشلته، بعد عشرين يوماً من حديث إلى حديث قال لي: والله لنا جار مغتصب بيت أولاد أخيه، وما تركوا طريقاً ليستميلوه كي يرجع لهم البيت ولم يقبل، حتى وسطوا أحد علماء دمشق، توفي رحمه الله، استدعاه وقال له: يا بني هذا البيت لأولاد أخيك وهم أيتام، وهم في أمس الحاجة إليه، رفض أن يعطيه إياهم بتعنت، يقول لهم الشيخ: يا بني هذا عمكم لا تشتكوا عليه في القضاء، اشكوه إلى الله، هو نفسه في اليوم التالي نزل إلى محله التجاري في الساعة التاسعة تقريباً، استمع إلى إطلاق رصاص، مد رأسه ليرى فجاءت رصاصة طائشة شلته فوراً. ألم يقل لهم اشكوه إلى الله عز وجل، هذه القصة عرفنا بدايتها ونهايتها، هذه عندما تُروَى تظهر عدل الله عز وجل. سمعت قصة من أخ رجوته أن يرويها لي لكن لم تأتِني بعد، لكن يمكن أن أدلي لكم بمختصرها: رجل على شيء من المال تبرع بمليون ليرة واشترى أرضاً ليقام عليها مسجد ودفع مليون ثاني، له زوجة، وله بنتان وثلاثة أولاد، اتفقوا جميعاً على أن يقيموا عليه دعوى في القضاء على أنه سفيه، ورتبوا شهادات كلها كاذبة، زوجته ادعت أنه فقير وأنه لا يعطيها، والابن ادعى والبنت، فالقاضي صدق هؤلاء، كلها شهادات متوافقة، فأصدر قراراً باسترداد المبلغين، القصة وقعت قريباً لا تصدق، كل ما عدا الأب خلال أربعة أشهر كانوا تحت التراب بين حادث سيارة وبين مرض خبيث وعاد المال له. قصص تبين أن بطش الله شديد: أحياناً الله يبطش، قال تعالى: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) ﴾ ( سورة البروج) رجوته أن يأتيني بها بالتفصيل، فإذا جاءتني أرويها لكم بشكل مفصل، شيء لا يصدق، شباب في مقتبل العمر له ابن طبيب والثاني مهندس والأم والبنات تآمروا جميعاً على اتهامه بالسفه، والقاضي رأى الروايات كلها متقاربة فحكم باسترداد المبلغين، والله سبحانه وتعالى دمرهم جميعاً. ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) ﴾ ( سورة البروج) على كل أنا أتمنى على كل أخ له دعوة إلى الله في قصص أحياناً تفعل فعل السحر، اكتبها واروها بشكل دقيق. والله جاءني اتصال هاتفي من ألمانيا قبل أيام إنسان قاتل استطاع بشكل عجيب أن ينجو من عقوبة القتل بألمانيا، لا يوجد دليل، لكن كل من حوله يعلمون أنه قتل زوجته، انتقل إلى بيت جديد، في البيت يوجد شجرة يبدو أنها تعيق حركة أهل البيت، في البيت صحن مثل فتحة سماوية، جاء بمنشار كهربائي، داخل في الشجرة رصاصة من الحرب العالمية الثانية، المنشار الكهربائي دفع الرصاصة بعنف إلى صدره ودخلت في قلبه فقتلته فوراً، الرصاصة استقرت في هذه الشجرة منذ عام ألف وتسعمئة وأربعين، كل من حوله يعلم أنه هو الذي قتل زوجته لكن لا يوجد دليل قوي، ظنوا أنه موت طبيعي وهو ظن أنه نجا، انتقل إلى بيت والبيت فيه شجرة فيها رصاصة مستقرة منذ الحرب العالمية الثانية: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ (12) ﴾ ( سورة البروج) الإنسان ينبغي أن يتعظ، والله أيها الأخوة لو لم يكن هناك كتاب ولا سنة لكانت أفعال الله، لو تتبعتها في هدوء وبتقصٍ وتأمل لوجدتها كتاباً وسنة. 3ـ الأسلوب الثالث الوصايا: الأسلوب الثالث الوصايا أن تقدم وصية، يعني أنا أَلِفت أن أقرأ لكبار العلماء وصية لبناته أو وصية لأولاده، فيمكن النداء الإقناعي والتحذيري، والقصة، والوصايا والتوجيهات التي يمكن أن تكون حقائق ثابتة من بعدك.اعتماد التنوع بين مخاطبة القلب والعقل أو الجمع بينهما في نص واحد: أيها الأخوة، كلما ارتقى الإنسان ينبغي أن تأتي مع مواعظه أدلة مقنعة قطعية عقلية واقعية نقلية فطرية، يوجد أدلة فطرية، يوجد أدلة واقعية، يوجد أدلة نقلية، يوجد أدلة عقلية، كلما أكثرت من الأدلة النقلية والعقلية والواقعية والفطرية كلما كانت موعظتك أقوى، وكلما ابتعدت عن الخرافة والتهويل والتضخيم والمبالغة تكون الموعظة أقوى، وكلما وافقت بين مخاطبة العقل ومخاطبة القلب كانت الموعظة أولى، ينبغي أن تخاطب العقل تارةً والقلب تارةً أخرى لكن الله سبحانه وتعالى في آية واحدة خاطب القلب والعقل معاً بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) ﴾ ( سورة الانفطار) ما غرك بربك الكريم خاطب قلبه، الذي خلق فسواك فعدلك خاطب عقله، الإنسان عقل يدرك، وقلب يحب، ولا يعقل أن تكتفي بمخاطبة عقله، كما أنه لا يعقل أن تكتفي بمخاطبة قلبه، لا بد من أن تجمع بين مخاطبة العقل ومخاطبة القلب، إذاً من أساليب الموعظة أن تستخدم النداء الإقناعي أو النداء التحذيري، وأن تستخدم القصة بكل فصولها، وأن تكون واقعية، ثم أن تستخدم أسلوب الوصية، ومع كل هذه الأساليب ينبغي أن تعتمد الدليل والتعليل، وكلما كان الدليل أقوى ومتنوعاً من نقلي إلى عقلي إلى فطري إلى واقعي كان التأثير أقوى، وأن تعتمد التنوع بين مخاطبة القلب والعقل أو الجمع بينهما في نص واحد كما فعل القرآن الكريم. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#40 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم التربية الإسلامية - تربيةالأولاد في الإسلام الدرس : ( السادس و الثلاثون ) الموضوع : وسائل تربية الأولاد - 6 - : التربية بالموعظة - 2 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في سلسلة تربية الأولاد في الإسلام، ولا زلنا في القسم الثاني وهو الوسائل الفعالة في تربية الأولاد. القصة سلاح فعال وخطير ولها تأثير متعاكس: بدأنا هذه الوسائل بالقدوة، ثم بالتلقين والتعويد، ثم بالموعظة، وكان الدرس الأول في الموعظة النداء الإقناعي، والنداء التحذيري، ونداء الأفراد، ونداء الجماعات، ونداء الرجال، ونداء النساء، ونداء الناس عامة، ثم تحدثنا عن أسلوب القصة، وكيف أن القصة من أفعل وسائل التربية، ذلك أنها تعرض قضية الإنسان في ارتفاعه، وانحطاطه، وتماسك المجتمع في تألقه، وتخلفه، وتبين حقيقة النفس البشرية من خلال تفاعلها مع الأحداث، وكيف أن القصة من أنجع الأساليب التربوية في إقناع الإنسان بشيء ما، كما أنها من أخطر الوسائل التي يستخدمها أهل الكفر والإعراض، ببث الرزيلة والانحراف والعقيدة السيئة بين الناس، ذلك أن الإنسان أمام القصة تسقط خطوط دفاعه، فأفكار القصة تتسلل إلى الإنسان من دون أن يشعر، وقيم القصة تتسلل إلى القارئ من دون أن يشعر، فإذا أردت أن تهدم مبدأ فدع مهاجمته مباشرةً واسلك سبيل قصة تعرض نماذج سيئةً جداً في أصحاب هذا المبدأ، إذاً هي سلاح فعال، وسلاح خطير، وللقصة تأثير متعاكس، ويكفي أن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى (111) ﴾ ( سورة يوسف ) يكفي أن الله سبحانه وتعالى بين أن سيد الخلق وحبيب الحق يزداد قلبه ثبوتاً بسماع قصة نبي دونه، حيث يقول: ﴿ وَكُلّاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ (120) ﴾ ( سورة هود) التوجيه القرآني المصحوب بأدوات التوكيد: أيها الأخوة الكرام لا زلنا في الأساليب التي بيَّنها الله سبحانه وتعالى في الموعظة الآن ننطلق إلى موضوع الدرس الجديد، التوجيه القرآني المصحوب بأدوات التوكيد، أنت حينما تؤكد إنك حريص شديداً على أن تقنع المستمع. ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) ﴾ ( سورة النحل) وقال: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) ﴾ ( سورة النحل) ماذا تفيد (إن) ؟ تفيد التوكيد. ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69) ﴾ ( سورة العنكبوت) وقال: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ (36) ﴾ ( سورة الأنفال) (إن) تفيد التوكيد، الله عز وجل غني عن أن يؤكد لنا، القوي لا يحتاج إلى توكيد يبطش، يسحق، يدمر، لكن الرحيم يقنع ويؤكد، أنت حينما تحرص على ابنك حرصاً لا حدود له تقنعه بالفضيلة، تقنعه بالحق وتؤكد له ذلك. ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ (52) ﴾ ( سورة الزمر) قضية التوكيد أحد أساليب القرآن الكريم: أيها الأخوة الكرام قضية التوكيد أحد أساليب القرآن الكريم، الآن الاستفهام الإنكاري. ﴿ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (31) أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (32) أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (34) أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ (36) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ (37) أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (38) أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (39) ﴾ ( سورة الطور) من أساليب القرآن الكريم في الموعظة النداء: أحد أساليب التأثير الاستفهام الإنكاري، لو قلت لواحد محترم جداً هل سرقت هذه الساعة، ماذا ينبغي أن يقول ؟ لا، أيعقل أن أسرقها ! أتعتقد أني سرقتها ! أيليق بي أن آخذها ! من شدة التأثر لا تقبل أن تقول لا، لا بد من أن تستخدم أسلوب الاستفهام الإنكاري، لو قرأتم آيات القرآن الكريم لوجدتم كيف أن الله وهو خالق الإنسان يخاطب هذا الإنسان، مرةً بنداء. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا (8) ﴾ ( سورة التحريم) وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (21) ﴾ ( سورة البقرة) وقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) ﴾ ( سورة الانفطار) أساليب أخرى للقرآن الكريم في الموعظة: مرةً عن طريق القصة، ومرة عن طريق الوصية والموعظة، ومرة عن طريق النداء، وعن طريق التوكيد، وعن طريق الاستفهام الإنكاري، أنت قد لا تنتبه، الذي يلقي المواعظ بشكل رهيب من دون تنوع، من دون تطوير، من دون أساليب بلاغية لا يؤثر. ﴿ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (40) أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (41) أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (42) أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (43) ﴾ ( سورة الطور) هذه أساليب القرآن الكريم في الموعظة، أسلوب الاستفهام الإنكاري هناك أسلوب آخر أسلوب الإقناع، بالدليل العقلي، يقول الله عز وجل: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) ﴾ ( سورة آل عمران) عدم نجاح الدعوة إلا إذا خاطبت الإنسان بكل جوانبه: أنت ينبغي أن تخاطب القلب تارةً، وينبغي أن تخاطب العقل تارةً أخرى، والأعظم من ذلك أن تخاطب القلب والعقل معاً، فالله تعالى يخاطب القلب بقوله: ﴿ يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) ﴾ ( سورة الانفطار) ويخاطب العقل بقوله: ﴿ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) ﴾ ( سورة الانفطار) أية دعوة أيها الأخوة تخاطب القلب وحده فهي دعوة عرجاء، وأية دعوة تخاطب العقل وحدة فهي دعوة عرجاء، لأن الإنسان عقل يدرك وقلب يحب، ولن تستطيع أن تحدث فيه تأثيراً إلا إذا اتجهت إلى عقله تارةً وإلى قلبه تارةً أخرى، والدعوة لا تنجح إلا أن تخاطب الإنسان بكل جوانبه، الإنسان مادة، الإنسان جسم، ينبغي أن يأكل، حينما تتجاهل حاجاته المادية لا يمشي معك إلى الله، ينبغي ألا تتجاهل حاجاته المادية إلى الطعام، إلى الشراب، إلى الزواج، إلى الكساء، إلى المأوى، لذلك حينما تبني الإنسان ينبغي أن تبنيه بناء متوازناً، أن يسعى لإصلاح دنياه وأن يعمل لآخرته، لماذا النبي عليه الصلاة والسلام لم يقبل إلا من واحد أن يأخذ ماله كله، من الصديق رضي الله عنه، لم يقبل من عمر، لأن المال قوام الحياة، فحينما لا تهتم بالمال إطلاقاً تصاب بأزمة قد لا تنجو منها، فالنبي قال: "لكن عافيتك أوسع لي ". ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا (22) ﴾ ( سورة الأنبياء) آيات الله في خلقه: الآن يخاطب عقلنا بالدليل. ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) ﴾ ( سورة الأنبياء) وقال: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) ﴾ ( سورة الذاريات) هل فكرتم مرةً أن المحاصيل تنضج في يوم واحد، لو أن المحاصيل تنضج كالفواكه على ثلاثة أشهر ماذا يحدث ؟ عندك خمسين دونم قمح، يجب أن تتجه إلى سنبلةٍ سنبلة تجثها إن نضجت تقطعها، إن لم تنضج تتركها هذا شيء مستحيل، رأيت إلى رحمة الله، المحاصيل القمح الشعير الحمص العدس ينضج في وقت واحد، ويحصد مرة واحدة، أما البطيخ، حقل البطيخ يستمر إنتاجه تسعين يوماً طول الصيف، هذا البطيخ لو دخلت إلى حقل بطيخ لوجدت كل الثمار في لون واحد، أين التي تقطعها ؟ يعني حسب الطريقة التقليدية يجب أن تنبطح إلى جانبها وأن تحملها، هذا مستحيل، جعل الله لك علامة للبطيخ، حلزون بعد مأخذها بخمسة سنتيمتر يمسكه الفلاح ويضغطه فإذا انكسر البطيخة ناضجة إذا لم ينكسر فالبطيخة لم تنضج بعد، الله قال: ﴿ وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) ﴾ ( سورة النحل) الفواكه كالتفاح الدراق الإجاص الكرز التوت ينضج تباعاً خلال شهر أو شهرين، شيء آخر هذه الفواكه مبرمجة تبدأ بالكرز، بعده اللوز، بعده الإجاص، بعده الدراق، بعده التفاح، بعده العنب، على مدار الصيف الفواكه مبرمجة ونضجها مبرمج، تدخل إلى حقل بندورة، أو ليس حقلاً، تدخل إلى بيت محمي تجد آلاف الثمرات الخضراء، أما الحمراء كأنها تقول لك أنا نضجت تعال خذني، فكل صاحب بيت محمي يملأ تقريباً صندوقين باليوم من هذا الحقل بسهولة، هي لونها حمراء تناديك أنني جاهزة للقطاف، والباقي أخضر. تعلق معظم ما نعيش به بالوهم: الله تعالى قال: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) ﴾ ( سورة الذاريات) تذهب إلى فنلندا الحرارة سبعين تحت الصفر، ترتدي قفازات، ترتدي جوارب صوف، ترتدي أجهزة داخلية صوفية، ترتدي معطفاً ثقيلاً، ترتدي قطعة قماش صوفية، ترتدي قبعة صوفية، ماذا تفعل بعينيك ؟ إنهم على تماس مع سبعين تحت الصفر، وفي العين ماء لا بد من أن يتجمد هذا الماء فيفقد الإنسان البصر، من وضع في ماء العين مادة مضادة للتجمد ؟ من ؟ الله جل جلاله، لكن الشيء بالشيء يذكر سمعت قصة لها دلالة كبيرة جداً، قال: رياضي من أبطال كرة القدم يجول بلاد العالم ويشترك في مباريات دولية، لكن هذا الرياضي لا يمكن أن ينام صيفاً أو شتاءً أو ربيعاً أو خريفاً إلا في غرفة مفتوحة النوافذ، لا يستطيع، لا يمكن أن تغمض له عين في غرفة مغلقة نوافذها، في مباراة في فنلندا ودرجة الحرارة 69 تحت الصفر، والفنادق هناك نوافذها لا تفتح يسمونها نوافذ بلور، فجاء هذا اللاعب لا يمكن أن ينام، الفندق ليس عنده حل، برد شديد، ففكر أنه لا بد من أن أكسر هذا الزجاج حتى أنام، وفي الصباح أدفع ثمن البلور، ليس عنده حل ثاني، فجاء بحذائه وضرب به النافذة فانكسر البلور، ونام نوماً عميقاً كعادته، فلما استيقظ وجد أن النافذة فيها لوحان من البلور، فكسر واحداً منهما، معنى ذلك أن الوهم أحياناً يفعل فعله بالإنسان، هو لما كسر البلور توهم أن النافذة مفتوحة فنام، أما عملياً كسر القسم الأول، القسم الثاني لم يكسر، إذاً الجو ما تغير، ومعظم ما نعيش به متعلق بالوهم. الإنسان يؤمن بالله عن طريق خلقه ويعبده عن طريق قرآنه: إذاً التوجيه القرآني المصحوب بالإقناع بالأدلة: ﴿ وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) ﴾ ( سورة الذاريات) الإنسان عاقل، والإنسان كائن مفكر، تتجاهل العقل ؟ لا، هناك توجيه قرآني في الموعظة أساسه شمولية الإسلام. ﴿ لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (177) ﴾ ( سورة البقرة) يعني الإسلام شامل، التقى بي إنسان قبل يومين أو ثلاثة، قال لي: أنا من الجهة الفلانية هل أنا مخطئ في أنني ولدت في هذا المكان ؟ قلت له: لا، الانتماء التاريخي لا قيمة له عند الله إطلاقاً، القضية وما فيها أن الله خلقنا وهذا الكون يدل عليه، ويشير إليه، هذا الكون يؤكد أن له خالقاً مربياً مسيراً، إلهاً موجوداً وواحداً وكاملاً، هذا الكون يدعوك أن تؤمن أن لهذا الكون إلهاً، أما كتاب الله يدعوك إلى أن تعرف إرادة الله، ماذا يريد منك ؟ المنهج في القرآن، والدليل في الكون، تؤمن بالله عن طريق خلقه وتعبده عن طريق قرآنه، فأي إنسان تعرف على الله واستقام على أمره يبلغ أعلى مرتبة عنده، بصرف النظر عن انتمائه التاريخي أو عن مكان ولادته، هذه كلها جاهلية، عنعنات جاهلية. التنوع في التوجيهات القرآنية: الآن هناك توجيه قرآني تصاحبه قواعد التشريع، في توجيه قرآني تصاحبه أدلة عقلية، في توجيه قرآني تصاحبه عموميات الإسلام، عالمية الإسلام، في توجيه قرآني تصاحبه أحكام شرعية، يقول الله عز وجل: ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً (58) ﴾ ( سورة النساء) وقال: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾ ( سورة آل عمران) في خطاب قرآني يشعرنا بالمساواة: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ (159) ﴾ ( سورة الحجرات ) أساليب القرآن متعددة والذي يُوفق في توجيه الناس ينبغي أن يستخدم هذه الأساليب: أيها الأخوة الكرام إذاً القرآن فيه تنويع، فيه نداء والنداء فيه مودة ﴿ يا بني ﴾ ﴿ يا أيها الذين أمنوا ﴾ ﴿ يا أيها الناس اعبدوا ربكم ﴾ في نداء، القرآن فيه وصايا: ﴿ وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) ﴾ ( سورة لقمان) القرآن فيه توجيه معين، القرآن فيه استفهام إنكاري، فيه توكيد، فيه بيان تشريعي، فيه بيان شمولية، أساليب القرآن متعددة، والذي يوفق في توجيه الناس ينبغي أن يستخدم هذه الأساليب، أما توجيه النبي عليه الصلاة والسلام قال: (( الدِّينُ النَّصِيحَةُ )) [ مسلم عن تميم الداري ] ورد في صحيح مسلم عن تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ)) [ مسلم عن تميم الداري ] أيعقل أن يعرف الدين بكلمة واحدة، الدين النصيحة، إن لم تنصح فلست ديناً، الشاردون عن الله ينصح لمصلحتهم، يعني قصة أرويها دائماً للطرفة أردت أن أشتري ستارة لغرفة في البيت، دخلت إلى أحد المحلات وقد دُللت عليه، قلت له: أريد ستارة من أجل غرفة الضيوف، قال لي: لا تكون الستارة رائعة إلا أن يكون عرضها ضعف عرض الغرفة مع زيادة متر، كلام مقنع، حتى تأتي جميلة متداخلة، حتى تشعر بالجمال يجب أن يكون عرض الستارة ضعف عرض الغرفة زائد متر، أعجبني ثوب على الرف قلت: أريد من هذا الثوب، فقاسه فإذا هو أقل من الضعف بمتر، الغرفة ثلاثة أمتار، والثوب الذي اخترته خمسة أمتار، قال لي هذا المطرز على الفرد يأتي أجمل، رأساً فبرك قاعدة جديدة، الإنسان ينطق عن الهوى دائماً مصلحته، ينبغي أن يبيع هذا الثوب، بعد ما عمل محاضرة ماذا ينبغي أن تكون عليه الستارة، ضعف عرض الغرفة زائد متر فالثوب الذي اخترته أقل من الضعف بمتر، ففي قاعدة جديدة فبركها فوراً، قال لي هذا المطرز على الفرد يأتي أجمل. الدين النصيحة: إذاً: الدين النصيحة، اسأل إنساناً يبيع أقمشة أو ألبسة، قل له: أنت اختر لي اللون المناسب، يختار لك اللون الكاسد عنده، إذاً ليس النصيحة، على هذا المستوى ليس النصيحة، الدين النصيحة، إن لم تنصح المسلمين فلست مؤمناً، الدين النصيحة لله، يعني انصح الناس أن يتبعوا منهج الله، ولكتابه، وانصح الناس أن يطبقوا القرآن، ولرسوله، وانصح الناس أن يتبعوا سنة النبي العدنان، ولأئمة المسلمين، انصح أئمة المسلمين، ليس الشرط أن تنصحهم بغلظة، قال أحدهم لأحد الأمراء: سأعظك بغلظة، قال له: ولمَ الغلظة يا أخي ؟ لقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل موسى إلى فرعون، لا أنت موسى ولا أنا فرعون، فقال له: ﴿ فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى(44) ﴾ ( سورة طه ) ولمَ الغلظة ؟ من قال لك أن النصيحة ينبغي أن تكون قاسية، من قال لك أن النصيحة ينبغي أن تكون فيها غلظة، سيد الخلق وحبيب الحق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكمل الخلق قاطبة، وأرحمهم، وأكرمهم، وأحلمهم، وأعدلهم، وأنصفهم، وأجملهم، وأفصحهم، خلقت مبرأ من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء، ويوحى إليه وهو سيد الخلق، وسيد ولد آدم، وأوتي القرآن، وبلغ سدرة المنتهى، وأقسم الله بعمره، ولم يخاطبه باسمه إطلاقاً، لا يوجد يا محمد بالقرآن، يوجد يا موسى، يا عيسى، يا زكريا، لا يوجد يا محمد، تجد يا أيها النبي، يا أيها الرسول، ومع كل هذه الميزات قال له: ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ (159) ﴾ ( سورة آل عمران) معالجة القضية من أسبابها لا من نتائجها و هذا من توجيه النبي الكريم: إن كان شخص لا هو نبي ولا رسول، ولا يوحى إليه، ولم يؤت قرآناً، ولم يؤت معجزة، ولم يؤت فصاحةً، ولا كمالاً، ولا جمالاً، وغليظ، ما هذه ؟ (( من أمر بمعروف فليكن أمره بمعروف.)) [الديلمي عن ابن عمرو] ((عليك بالرفق إن الرفق لا يكون في شي إلا زانه ولا يُنْزَع من شي إلا شانه.)) [رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها] إنسان دخل بستان أنصاري ليأكل، هذا الأنصاري ألقى عليه القبض وقيده وساقه إلى النبي وقد أحرز إنجازاً كبيراً، ألقى القبض عليه وساقه إلى النبي، هذا دخل بستاني من دون إذن، وأكل من فاكهة بستاني فهو سارق، قال له النبي: (( ما علمته إذ كان جاهلاً ولا أطعمته إذا كان ساغباً ـ أي جائعاً.)) [أبو داود والنسائي وابن ماجة عن عباد بن شرحبيل] والله هذه القصة تفعل فعل السحر في نفسي، علمنا النبي أن نعالج القضية من أسبابها لا من نتائجها، وقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه يودع أحد نوابه على بعض أقاليم الدولة فقال له: "ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب ؟ قال: أقطع يده ـ هذا هو الشرع ـ قال إذاً: إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، اشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية ". ما أروع هذا الكلام، النبي يعالج المشكلة من أسبابها لا من نتائجها، يقول لك أبٌ ابني يسرق مني، طبعاً هذا عمل سيئ جداً، لكن يجب أن يفكر الأب لماذا ! لعلي مقصر في تأمين حاجاته، أنا لا أقول لك يُسمح للابن أن يأخذ من أبيه من دون علمه، مستحيل، لكن دائماً فكر بأسباب المشكلة ولا تفكر بمعالجتها من نتائجها، قال عليه الصلاة والسلام: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ، قُلْنَا: لِمَنْ ؟ قَالَ: لِلَّهِ وَلِكِتَابِهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ.)) [ مسلم عن تميم الداري ] اتباع النبي عليه الصلاة والسلام أسلوب الحوار في الموعظة: روى الشيخان قال: (( بايعت رسول صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم )) [ متفق عليه عن الجليل بن عبد الله رضي الله عنه ] ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( من دل على خير فله مثل أجر فاعله )) [مسلم عن أبي مسعود الأنصاري] والله شيء جميل، الذي فعله ينال أجراً، والذي دله على الخير ينال مثل أجره، يعني إن لم تملك مالاً لكن دللت غنياً على مساعدة فقير فلك مثل أجر الغني، إن لم تملك علماً فدللت طالب علم على عالم مخلص ورع فلك أجر مثل هذا الطالب، إن لم تكن طبيباً ودللت مريضاً على طبيبٍ مؤمن لك مثل أجر الطبيب، حديث آخر: (( من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئاً )). [ مسلم عن أبي هريرة] أيها الأخوة، هذا كله من توجيهات النبي عليه الصلاة والسلام. الآن نأتي على بعض الأمثلة لهذه القواعد في الموعظة، القصص في القرآن كثيرة جداً، وأطول قصة في القرآن هي قصة يوسف عليه السلام، ومن براعة القصة أو من إحكامها أن الله ذكر مغزاها صراحة ذكر فقال: ﴿ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ(21) ﴾ ( سورة يوسف ) الآن في أسلوب اتبعه النبي عليه الصلاة والسلام في الموعظة أسلوب الحوار، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (( أتدرون من المسلم قالوا: الله ورسوله أعلم، قال المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، ثم قال: أتدرون من المؤمن، قالوا الله ورسوله أعلم قال: المؤمن من أمنه المؤمنون على أنفسهم وأموالهم، أتدرون من المهاجر ؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال المهاجر من هجر السوء فاجتنبه )) [أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص] سؤال وجواب، ببعض الجلسات الخاصة الحوار ممتع، الحوار يجذب القلوب، إياك أن تكون المتكلم الوحيد، الكلام مناوبة لا مناهبة فإذا كنت في مجلس، في سهرة، في ندوة، في لقاء، في وليمة، في مناسبة، اجعل الكلام حوراً بين الحاضرين، الحوار يجمع القلوب، أما التفرد بإلقاء الكلمة يدفع إلى السقم. القسم فيه تعظيم للموضوع: يقول عليه الصلاة والسلام من أساليب الحوار: (( أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات، هل يبقى من درنه شيء ؟ قالوا: لا. قال: فكذلك مثل الصلوات الخمس، يمحو الله بهن الخطايا )) [البخاري عن أبي هريرة] حوار آخر: (( أتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ ؟ قالوا: المفْلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع. قال: إن المفْلسَ مَنْ يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقذفَ هذا وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فَنيَتْ حَسَناتُهُ قبل أن يُقْضى ما عليه، أُخِذَ من خطاياهم فطُرِحَتْ عليه، ثم يُطْرَحُ في النار )) [ مسلم والترمذي عن أبي هريرة ] الآن في موعظة بالقسم أحياناً يكون في مشكلة كبيرة يقول: والذي نفس محمد بيده، والله الذي لا إله إلا هو، القسم فيه تعظيم للموضوع. (( والذي نفسي بيده، لا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حتَّى تحابُّوا، أوْلا أدُلُّكُمْ على شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحابَبْتُمْ؟ أفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ )) [مسلم عن أبي هريرة ] (( والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن ! ـ قسم وتكرار ـ قيل: من يا رَسُول اللَّهِ؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه ؛ أي شروره )) [متفق عليه عن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ] استخدام النبي عليه الصلاة والسلام الدعابة في موعظته: أحياناً كان عليه الصلاة والسلام يستخدم الدعابة في موعظته يعني: (( روِّحوا القلوبَ ساعة، فإنّها إذا أُكرِهت عمِيت )) [الخطيب والسمعاني عن علي] المؤمن ظله خفيف، عنده روح دعابة، حديثه لبق ومحبب، يحبه الناس ويحبون استماع حديثه، لا تكن ثقيلاً، إن وعظت فاقتصد في الموعظة، يقال اجلس إلى الطعام وأنت تشتهيه، وقم عنه وأنت تشتهيه، وأنا أقول للدعاة ابدؤوا بالموعظة والناس يشتهون موعظتكم وقفوا والناس يشتهون أن تتابعوا، إذاً كان عليه الصلاة والسلام يستخدم الدعابة أحياناً. (( إن رجلاً جاء إلى رسول الله صلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يستحمله بعيراً من الصدقة ليحمل عليه متاع بيته، فقال عليه الصلاة والسلام: إني حاملك على ولد الناقة، فقال الرجل: يا رسول الله ماذا أصنع بولد الناقة، فقال عليه الصلاة والسلام: وهل تلد الإبل إلا النوق ؟)) [ أبو داود والترمذي عن أنس رضي الله ] مهما كان الجمل كبيراً هو ولد الناقة، يعني أفهمه النبي الكريم عن طريق هذه المداعبة أن الجمل مهما كان كبيراً هو في الأصل ولد الناقة، يعني في حديث والله أنا ما قرأته على أخوتي في أحد الخطب مخافة ألا يصدقوه مع أنه في الصحاح، سيدنا ابن مسعود دخل على رسول الله في المسجد فرآه يصلي فاقتدى به، طبعاً يصلي النبي وحده، افتتح بالبقرة، يقول أنه مئة آية ويركع بعدها، وكمل إلى أن انتهت البقرة، قال الآن يركع بدأ بآل عمران، إلى أن انتهت آل عمران، الآن يركع، بدأ بالنساء إلى أن انتهت النساء ثم ركع، فبقي بالركوع بقدر ما قرأ في القيام، ثم في السجود حتى انسحب قبل أن يسلم ما تحمل، هذا إذا صلى وحده كان هكذا، أما إذا صلى بأصحابه: (( كان أخف الناس صلاةً في تمام.)) [مسلم عن أنس رضي الله عنه] تحدث النبي الكريم عن هموم الناس: كنت أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم فكانت صلاته قصداً، وحده صل ما شئت، في أعلى درجات السعادة، في قمة السرور، أما مع الناس فيهم الضعيف، فيهم المريض، فيهم الصغير، فيهم المرأة، فيهم الشيخ الكبير كان إذا صلى بالناس كان أخف الناس صلاةً في تمام، أما إذا صلى وحده البقرة وآل عمران والنساء ويركع ويسجد بمقدار ما وقف وركع. (( كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يتخوَّلنا بالموعظة مخافةَ السآمة علينا.)) [الترمذي والبخاري عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه] كان إذا جلس مع أصحابه تحدث بحديثهم، تجد أحياناً شخص يُظهر هيمنة وهيبة لا يتكلم إلا بالدين، قالوا: والله في موجة فيضانات، قال: هذا شيء لا يعنيني، في ارتفاع حرارة مفاجئ، في أسعار مرتفعة، كان عليه الصلاة والسلام يتحدث عن هموم الناس، إذا أنت كنت داعية موفقاً وهناك مشكلة تقض مضاجع الناس ينبغي أن تستمع إليهم، وأن تدلي بدلوك في هذا الموضوع، كان عليه الصلاة والسلام يتخولنا بالموعظة مخافة السآمة، وكان إذا وعظ عليه الصلاة والسلام مهيمناً في موعظته، طبعاً لصدقه وإخلاصه وغزارة أفكاره وتركيز أفكاره. قال وعظنا النبي عليه الصلاة والسلام موعظة احترقت منها الجلود، وذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا هذه موعظة مودع يا رسول الله فماذا تعهد إلينا، قال: ((أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة وإن تأمر عليكم عبد، وإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة)) [أحمد والترمذي وأبو داود من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه] إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر: ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (67) ﴾ ( سورة الزمر ) (( ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده يحركها يقبل بها ويدبر، يمجد الرب نفسه، أنا الجبار، أنا المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز،أنا الكريم، فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر حتى قلنا إنه ساقط به وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم )) [أحمد ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما] الموعظة بضرب المثل : من صدقه وانفعاله وحرصه وإخلاصه كان إذا تكلم ملك زمام الحاضرين. قال عمر بن ذر لأبيه: يا أبتِ مالك إذا تكلمت أبكيت الناس، وإذا تكلم غيرك لم يبكهم، فقال: يا بني ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة. كلام دقيق، أحياناً تكون نائحة مستأجَرة، الآن امرأة فقدت زوجها، وتحبه حباً جماً، تَبكي بكاءً يُبكي كل من حضر، أما إذا امرأة ليس لها علاقة بالموضوع إطلاقاً لكن يجب أن تتباكى أمامها ذوقاً، أو مستأجرة، فبكاء هذه غير بكاء هذه. قال له: يا بني ليست النائحة الثكلى مثل النائحة المستأجرة. (( مَنْ تَعَلّمَ صَرْفَ الْكَلاَمِ لِيَسِبِيَ بِهِ قُلَوبَ الرّجَالِ أو النّاسِ لَمْ يَقْبَلِ الله مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفاً وَلا عَدْلاً )) [أبو داود عن أي هريرة ] إذا الهدف أن تنتزع إعجاب الحاضرين أنت لست بمؤمن ولا داعية إذا كان هذا هو الهدف، الموعظة بضرب المثل: (( مَثَلُ المُؤْمِنِ الّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الأتْرَجّةِ رِيحُهَا طَيّبٌ وَطَعْمُهَا طَيّبٌ، وَمَثَلُ المُؤْمِنِ الّذِي لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التّمْرَةِ طَعْمُهَا طَيّبٌ وَلا رِيحَ لَهَا، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الرّيْحَانَةِ رِبْحُهَا طَيّبٌ وَطَعْمُهَا مُرّ، وَمَثَلُ الْفَاجِرِ الّذِي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الْحَنْظَلةِ طعْمُهَا مُرّ وَلا رِيحَ لَها، وَمَثَلُ جَلِيسِ الصّالِحِ كَمَثَلِ صَاحِبِ المِسْكِ أَنْ لَمْ يُصِبْكَ مِنْهُ شَيْء أَصَابَكَ مِنْ رِيحِهِ، وَمَثَلُ جَلِيسِ السّوءِ كَمَثَلِ صَاحِب الكِبرِ إِنْ لَمْ يُصِبُكَ مِنْ سَوَادِهِ أَصَابَكَ مِنْ دُخَانِهِ )) [أبو داود عن أنس رضي الله عنه ] الموعظة بالمثل، الموعظة بتحريك اليد، أحياناً الحديث الناجح في معه حركات يد، وحركات رائعة فيها تمثيل رائع. (( كافل اليتيم له أو لغيره، أنا وهو كهاتين في الجنة )) [مسلم عن أبي هريرة ] الموعظة أنواع: هناك أحاديث كثيرة فيها إشارة: (( يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به، قال: قل ربي الله ثم استقم، قال: يا رسول الله ما أخوف ما تخاف عليّ ؟ فأخذ عليه الصلاة والسلام بلسان نفسه وقال هذا )) [الترمذي عن سفيان بن عبد الله البجلي رضي الله عنه] (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يرى بها بأسا فيهوي بها في نار جهنم سبعين خريفاً )) [(الترمذي وابن ماجه والحاكم عن أبى هريرة] هناك موعظة بالرسم، رسم النبي مستطيلاً وقال: هذا أجل الإنسان ورسم خطاً خارجاً عنه وقال: هذا أمله، ورسم خطوطاً عرضية قال: هذه حوادث الدهر، حوادث الدنيا، في موعظة بالفعل التطبيقي. (( جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا رسول الله كيف الطهور ؟ ـ الوضوء ـ فدعا النبي بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثاً حتى استوفى ثم قال: فمن زاد على هذا أو نقص فقد تعدى وظلم.)) [أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده] ومرة توضأ أمام أصحابه، قال: ((من توضأ مثل وضوئي هذا ثم قام فصلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء غفر له ما تقدم من ذنبه.)) [عبد الرزاق، والنسائي عن عثمان] الآن الموعظة بانتهاز المناسبة: مرّ النبي بشاة ميتة فقال لأصحابه: (( أترون هذه هينة على صاحبها ؟ فو الذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه على صاحبها.)) [ابن ماجة عن سهل بن سعد] ما لها قيمة إطلاقاً، مرةً رأى امرأةً تقبل ابنها وهي تخبز على التنور، قال: (( أترون هذه طارحةً ولدها في النار لَلَّهُ أرحمُ من عباده من هذه بولدها.)) [البخاري ومسلم عن عمر] هذه موعظة مع المناسبة، في موعظة مع الالتفات للأهم. (( رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة يا رسول الله ؟ ـ هذا اسمه أن ترد الإحراج بإحراج مثله ـ قال: وماذا أعددت لها ؟.)) [البخاري عن أنس أساليب أخرى للنبي عليه الصلاة والسلام في الموعظة: يروى أن أبا حنيفة النعمان رحمه الله تعالى دخل على المنصور وكان عنده قاضٍ من أعدائه، فالقاضي انتهزها مناسبةً كي يوقع بين المنصور وبين أبي حنيفة، قال: يا إمام جئتنا، إذا أمرني الخليفة بقتل امرئ أأقتله أم أتريث ـ الخليفة جالس، إن قال له: لا ترد على الخليفة، يقطع رأسه، وإن قال له: اقتله، سقط من عين الله ـ قال له: الخليفة على الحق أم على الباطل ؟ قال له: على الحق، قال له: كن مع الحق، فلما خرج قال: أراد أن يقيدني فربطته، هذا أسلوب، قال له: متى الساعة، أثناء الخطبة، قال له: وماذا أعددت لها ؟ هذا أسلوب. هناك موعظة بأن تظهر الشيء المحرم: (( أَخَذَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم ذَهَبًا بِيَمِينِهِ وَحَرِيرًا بِشِمَالِهِ، فَقَالَ: هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌ لإِنَاثِهَا.)) [مسند البزار عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه] هذه بعض أساليب النبي عليه الصلاة والسلام في الموعظة، منوعة جداً، إن أردت أن تعظ، وأن تؤثر، وأن تشكل موقفاً، وأن تحمل على فعل، وأن تبعد عن فعل، فاستخدم الأساليب التي اتبعها النبي عليه الصلاة والسلام، أنا أسميها أيها الأخوة سنة النبي الدعوية، النبي له سنة افعل ولا تفعل، له سنة في الدعوة إلى الله هكذا كان يفعل، وما من داعية، وما من أب، وما من معلم يقلد النبي في سنته الدعوية إلا ينجح ويتألق، وما من داعية، أو معلم، أو أب يخالف منهج النبي بالدعوة إلى الله إلا ويثير حوله جدلاً كبيراً. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| التربية, الإسلام, الإسلامية, تربيةالأولاد, في |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 6 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 6 ) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| التربية الإسلامية تسهم في تنمية القيم الروحية | منال نور الهدى | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 2 | 11-03-2018 09:55 AM |
| التربية الاسلامية - الاخلاق المذمومة | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 12 | 09-22-2018 08:42 PM |
| التربية الإسلامية - الموت | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 5 | 09-06-2018 08:30 PM |
| التربية الاسلامية - مدارج السالكين | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 101 | 07-21-2018 03:54 PM |
| التربية الإسلامية -علم القلوب | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 54 | 07-18-2018 11:42 AM |