| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#21 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
تأملات فى الثلث الأخير من الليل (14)
تحلو مناجاة الله فى الثلث الأخير من الليل, كما هى هذه اللحظات الآن حيث السكون تام ومطبق ورائع، تشعر وكأن الزمن قد توقف، بل لا تشعر بأهمية الزمان، بل تشعر أنك خارج الزمان والمكان تسأل الله سبحانه وتعالى وتنتظر إشاراته، وإشاراته وعلامات فورية، نبضات من السكينة تغزو قلبك. حتى الطيور غفت وتوقفت تماما عن تغريدها، والحراس غلبهم النعاس، فأصبحت نداءاتهم قليلة ومتباعدة، وتوقفت تحرشات القطط بعضها ببعض. تضاءلت الدنيا إلى حد التلاشى والتفاهة، وكأنها مسرحية هابطة انتهت فلم تعد تذكر منها شيئا. وقد وصفها الله جل شأنه بأنها "لعب ولهو وزينة وتفاخر".. ولم تعد تفاهات السفهاء تقلقنى بل تدفع الابتسام إلى شفتى والسخرية فى أعماقى. بدأت الشهر الخامس عشر فى الكهف، ضاربا رقما قياسيا فى حياتى القصيرة، رغم أننى لم أهاب يوما السجون، إلا أن فى السجون معاناة بلا شك، وقد ترفق الله فأخذنى إليها بتدرج عجيب وكأنه مخطط له. فتاريخى مع السجون بدأ بأسبوع، وفى المرة الثانية استمر شهرا، وفى الثالثة استمر 4 شهور، وفى الرابعة 4 شهور أخرى، وفى الخامسة 9 شهور، وهذه المرة 15 شهرا حتى الآن، وذلك مع إسقاط الاحتجازات لمدة يوم فى الأقسام ومعسكرات الأمن المركزى فهذه لم أحصها. ولم أحصى الأيام التى أمضيتها أمام النيابة أو جلسات المحاكم فكل هذا ربما يعد من الترفيه!! مع ذلك لم أشعر حتى الآن أن هذه الفترة الحالية أطول من غيرها، فالإحساس بالزمن نسبى جدا وشخصى جدا، ونفسى جدا. وما أنجزته حتى الآن من العبادة والتلاوة والتفكر والبحث والدراسة والتأمل يكفينى لأحمد الله عليه، وأن السجن ليس فترة ضائعة أو ساقطة من العمر، بل لعلها تكون إحدى المنجيات فى يوم يفر فيه المرء من أمه وأبيه وأخيه وصاحبته وفصيلته التى تؤويه وبنيه. ما زلت أعيش وحيدا فى عنبر بأكمله, لا يوجد فيه سواى، وفناء للتريض لا يوجد فيه سواى، ولكننى كما ذكرت من قبل - والحمد لله - مع الله (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ) والحوار معه مستمرا طوال الليل والنهار من خلال الصلاة وتلاوة وحفظ القرآن الكريم, ومع الرسول صلى الله عليه وسلم فى رياض الصالحين أو البخارى ومسلم، ولكن الإنسان خلق اجتماعيا يعيش بين الناس حتى فى السجون إلا أنا، وكما ذكرت فأنا لم أحتج ولم أتبرم ولا أشكو من ذلك، وكما ذكرت من قبل طالما هفت نفسى - من كثرة ضيقى من الدنيا وألاعيبها - إلى الرهبانية، ولكننى أعلم أنها محرمة علينا فى الإسلام، إلا إذا فرضت علينا، فالجهاد هو رهبانية الإسلام، وأنا فى وضع يفوق الراهب الناسك فى دير منعزل فى الصحراء، لأن الدير يوجد به رفاق ومجتمع صغير، وحتى هذا غير متوفر لى، والعجيب أننى اعتدت على ذلك بقلب راض، أحيانا أشعر بالغربة حين أخرج من الكهف للعلاج أو لأى سبب آخر، فقد ألفت الكهف وألفنى، والواقع أننى لست وحيدا تماما عن مخلوقات الله، رغم وفاة (القط كيمو) منذ عدة شهور، فلا زلت محاطا بمجموعة لا بأس بها من مخلوقات الله التى هى أمم أمثالنا. وقد نجحت فى إقناع مصلحة السجون بعدم قطع الشجرة الوحيدة فى الفناء، وهى شجرة ضخمة عمرها أطول من عمر السجن، وربما أطول من تاريخ الاستبداد. وهى موئل العصافير والغربان والحمام. ولكن تم بناء سقف حديدى للفناء أحاط الشجرة بحيث أصبحت فروعها كلها خارج الفناء، ولا يوجد سوى جذعها، ومع ذلك فأصوات الطيور تصل إلى أذنى، فى سيمفونية ممتدة تبدأ قبيل الفجر حتى المغرب بارتفاعات وانخفاضات ذات مغزى، فالعصافير تتوقف ساعة القيلولة لتتيح لك الراحة والسكون، وأيضا بين المغرب والفجر تتوقف تماما. ورغم السقف الحديدى فإن به ثغرات تسمح بدخول بعض العصافير، بل تمكن عصفوران متزوجان من الاستيطان داخل الفناء، وبنيا عشا أو عشين بمنتهى المهارة فى ثغرات ألواح الحديد من الداخل، وتابعت كيف يبنيان العش بدأب غريب، فهما يجمعان الأعواد الجافة المتساقطة من الشجرة، وبعض الحشائش وبعض قطع البلاستيك (من أكياس البلاستيك) ويبنيان عش خمس نجوم فى مكان لا يمكن لأى عدو طائر أن يصل إليهما فيه. وبمجرد أن يفتح باب زنزانتى صباحا يدخلان ويطيران حولى لايقاظى ثم يخرجان ويقفان على الباب وكأنهما يتأكدان من استيقاظى، وهما يتحركان كزوجين سعيدين. والثغرات فى السقف الحديدى تسمح بدخول الحمام أو اليمام ولكنها لم تستوطن بعد! ولكن السقف الحديدى منع الهدهد، وكانت له زيارات شبه يومية لى. وكذلك الغربان ولكنها مستوطنة فى الشجرة من أعلى ولا أضيق بأصواتها، ولكنها تقوم أحيانا بحفلات طويلة من النعيق المستمر إذا حدثت بينها حالة وفاة. ويقول الحراس أنه عقب هذا يحملون الغراب الميت لدفنه فى مكان ما بعد الجنازة. انتهت الرسالة ولكن لم ينتهى الحديث عن باقى الأصدقاء والزوار الذين يؤنسون وحشتى، ولن أتحدث عن الذين عرضوا صداقتهم ورفضتها، فقد رفضت المعيشة المشتركة مع الفئران، والفأر مخلوق عجيب يجمع بين الذكاء والجبن كبعض البشر، وقد أحكمت إغلاق البلاعة لوقف هذه الصداقة، وقد أدى ذلك بالإضافة لإحكام عتبة الباب إلى رفض صداقة أخرى عرضتها الصراصير، ولذا أنصحكم بإحكام البلاعات وسد عتبات الأبواب.. وللحديث بقية مع مخلوقات الله وحشراته. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#22 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
القتل أحسن! (15)
وعد الله سبحانه وتعالى المؤمنين المجاهدين بالنصر (وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) وأيضا (إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ). وقد بشرت فى العديد من كتاباتى بإمكانية نصر المؤمنين فى كل جيل استنادا لهذه الآيات ومثلها كثير، وأيضا من خلال دروس السيرة النبوية، وأيضا من درس التاريخ القديم والمعاصر، والمؤمن المجاهد يجب أن يستهدف النصر ويسعى إليه بكل طاقته ويأخذ بكل أسبابه، ولذلك فإنى اعترض على مقولة (الإخوان المسلمين) على لسان المرشد الجديد وهى ليست جديدة (إننا لا نسعى للحكم) فهذا يخالف نصوص القرآن حول ضرورة السعى للتمكين لدين الله فى الأرض. و لا يجوز قول هذا الكلام على سبيل المناورة أو على سبيل الحق. فهذا الكلام لا يطمئن الطغاة، ولا يساعد - فى ذات الوقت - على حشد المؤمنين من أجل التغيير. مع العلم أنه قد لا يتحقق النصر الكامل فى بلد ما أو مكان ما فى زمن ما لأسباب عديدة أهمها عدم أخذ المؤمنين بأسباب النصر أو لأسباب خارجة عن إرادة المجاهدين, وقد أشار القرآن عدة مرات لهذا الاحتمال كما جاء فى الآية الكريمة: (وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ) (يونس: 46). أى إما ترى بعض الذى وعدنا به من نصرك عليهم يا محمد أو نتوفينك قبل ذلك ويكون حسابهم العسير فى الآخرة. إذن هناك نوعان من النصر فى الدنيا, النصر الناجز الكامل فى الدنيا بإقامة الدين الحق، أو النصر المعنوى بتقديم النموذج الصحيح وتسليم الراية لجيل صاعد. والمجاهد فى كلا الحالين يستهدف النصر الكامل ويترك العواقب لله، ولكنه لابد أن يكون ممتلئا باليقين، فهو لا يعرف الغيب ولكن يعرف شيئا واحدا وهو الصمود والصبر وتقديم المثل فى التضحية حتى يفتح الدرب لمن بعده على الأقل، وأن يتعامل على أساس أنه باع نفسه وجسده لله وحده. وهذه هى القيمة الأساسية فى الدنيا والآخرة. وقد كان صمود الحسين وآل الرسول فى موقعة كربلاء مثالا على هذا النوع من النصر المعنوى الذى يصنع القدوة للأجيال القادمة، وأتوقف اليوم عند واقعة عبد الله بن الزبير وأمه العظيمة أسماء بنت أبى بكر، وكانت الناس قد بايعت عبد الله بن الزبير فى بلاد الجزيرة العربية وانضمت إليه العراق، وفى المقابل سيطر الأمويون على الشام ومصر، وفى عهد عبد الملك بن مروان أرسل الحجاج بن يوسف الثقفى لتقويض سلطة عبد الله بن الزبير فى مكة. وتقول مصادر التاريخ أن الحجاج قتل مائة وعشرين ألف نفس وسجن ثلاثة وثلاثين ألفا من المسلمين لتثبيت حكم الأمويين. ولا وجه للمقارنة عبد الملك بن مروان وبين عبد الله بن الزبير ابن الصحابى الجليل الزبير بن العوام ابن صفية عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان الإمام علىّ بن أبى طالب قد اقنع الزبير بالانسحاب من موقعة الجمل عندما ذكره بقول رسول الله له (ستقاتل عليا وأنت ظالم)، وأثناء انسحابه من المعركة اندفع أحد المقاتلين وراءه وقتله وظن أن عليا سيسعد بذلك، فإذا علىّ يقول: من قتل ابن صفية (وصفية مجاهدة عظيمة وليست مجرد عمة الرسول) فقال القاتل: أنا وكأنه ينتظر جائزة، فبشره علىّ بالنار!! وعبد الله بن الزبير كان صواما قواما و لا يقارن بأبناء بنى أمية. فأصر على عدم التسليم حتى الموت، وتمكنت جيوش الحجاج من محاصرته فى الكعبة، بل وأخذ فى حادث نادر يقصف الكعبة بالمدفعية (المجانيق) وهو الأمر الذى حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة, وقد انفض كثير من أتباع عبد الله بن الزبير من حوله كما يحدث فى مثل هذه المواقف العصيبة. ودار حوار تاريخى معروف ولكننى اكتبه للشباب, بين عبد الله بن الزبير الذى ذهب يستشير أمه المجاهدة ذات النطاقين والتى كانت قد تجاوزت المائة من عمرها فقالت له: (أنت أعلم بنفسك يا بنى.. فإن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو، فأمضى له، فقد قتل عليه أصحابك، ولا تمكن من رقبتك غلمان بنى أمية، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت، أهلكت نفسك ومن معك، وإن قلت: كنت على حق، فلما وهن أصحابى ضعفت، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين، فلم بقاؤك فى الدنيا؟ القتل أحسن! فقال عبد الله: يا أماه أخاف إن قتلنى أهل الشام أن يمثلوا بى ويصلبونى. فقالت: (إن الشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها، فامضى على بصيرتك، واستعن بالله) فمضى إلى المواجهة الأخيرة وهى تدعو له: اللهم أرحم طول ذلك القيام فى الليل الطويل.. وبره بابيه وبى. اللهم قد سلمته لأمرك فيه، ورضيت بما قضيت، فأثبنى فيه ثواب الصابرين الشاكرين. وانتهى القتال باستشهاد عبد الله بن الزبير وقطعت رأسه وحملت إلى الحجاج الذى حملها معه للمدينة!! وصلبوا جثته لأيام فى الكعبة. ثم كانت هناك مواجهة رائعة لأسماء فى مواجهة الحجاج لا يتسع المقام لذكرها. المهم أن موقف أسماء هو الذى ألهم بعد 14 قرنا على سبيل المثال لا الحصر - أم الشهداء فى غزة - التى زفت ثلاثة من أبنائها للعمليات الاستشهادية. فإن المجاهدين وإن سعوا للتمكين لدين الله فى الأرض، إلا أنهم إن لم يتمكنوا فى عهد ما، وزمن ما، فإن صمودهم وصلابتهم وموتهم على الحق يلهم أجيالا قادمة من المجاهدين، وتحيا الأمم بهذه النماذج الفدائية التى تنير لها الطريق, فتذكر الإمام مالك وابن حنيفة وابن حنبل والحسين وعبد الله بن الزبير وأسماء ولا تذكر أسماء جلاديهم. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#23 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
عندما تنظر إلى السماء فأنت تنظر إلى الماضى ( 16 )
عودة مرة أخرى إلى القضاء والقدر، فهو مفتاح سكينة المؤمن واطمئنانه وأيضا مفتاح شجاعته وإقدامه، ومعادلة القضاء والقدر عسيرة على العقل إلى حد الاستحالة، لذلك فهو جزء لا يتجزأ من الإيمان بالغيب الذى نسلم به لأنه وردنا فى القرآن والسنة. وهو جزء من إيماننا بقدرة الله الكلية، فالإنسان يبات لا يعلم ماذا يكسب غدا، ولكن الله يعلم ما سيحدث غدا وما تخفى الصدور. ومعادلة القضاء والقدر: (أن الإنسان يملك تماما حرية اتخاذ قراراته وهو بذلك مسئول عنها، ولكن الله سبحانه وتعالى يعلم الغيب تماما، وعلمه لا ينفى عنك المسئولية ولذلك فأنت تحاسب على قراراتك). والمهم أن نسلم بهذه المعادلة رغم صعوبة حلها بعقلنا القاصر، ومع ذلك فهناك الكثير من الشواهد التى تقرب لعقولنا هذه المعادلة الصعبة على الفهم. فمسألة الماضى والحاضر والمستقبل، ثبت علميا أنها مقياس خاص بالإنسان على الأرض فى الحياة الدنيا. أما الله سبحانه وتعالى فليس لديه ماض وحاضر ومستقبل, فالكون كله ملك يمينه مكانا وزمانا. فقد ثبت علميا أن النجوم البعيدة التى نراها فى السماء ليست سوى صورا للماضى، وأن هذه النجوم قد تكون تحورت أو انفجرت ولا وجود لها الآن لأننا نراها بما يصدر عنها من أشعة، فإذا كانت هذه النجوم على بعد عدة سنوات ضوئية لأننا لا نراها إلا بعد وصول هذه الأشعة لنا وهذا يحتاج لوقت طويل يتجاوز عمر الإنسان بل عمر الأجيال، مثلا فإن نجم الشعرى وهو ألمع النجوم يبعد عن الأرض 9 سنوات ضوئية, والنجم الأحمر العملاق (الدبران) يبعد 68 سنة ضوئية، والضوء الذى نراه منه أنطلق من 68 سنة ضوئية، فنحن إذن نرى الماضى لا الحاضر!! فالسنة الضوئية = 6 تريليون ميل أى 6 آلاف مليار ميل (186 ألف ميل فى الثانية) = سنة أرضية. أما الشمس فلأنها قريبة جدا من الأرض (93 مليون ميل) فإن ضوءها يصلنا بعد 8 دقائق ضوئية أى أن الشمس أيضا من الماضى, ولكنه ماض قريب جدا!! وفى العام الماضى رصدت أجهزة الرصد الأمريكية والأوروبية انفجارا عمره 13 مليار سنة, أى استطاعت رصده بعد مرور هذه السنين, عندما وصل فيض أشعة الانفجار إلى مجال أجهزة الرصد!! وكانت نظرية النسبية لاينشتاين فتحا للتأمل فى هذه الحقائق العسيرة على العقل! فإذا تصورنا أن رائد فضاء سافر فى مركبة بسرعة الضوء وعاد إلى الأرض سيجد نفسه عاد بعد آلاف السنين رغم أن عمره لم يزد كثيرا. ولكن حتى الآن فإن العلم لم يتوصل إلى مركبة بسرعة الضوء, ولكن الافتراض لا يزال صحيحا من الناحية النظرية الزمنية. وعندما قام علماء الغرب بإرسال رسائل لاسلكية للفضاء بحثا عن مخلوقات حية فقد صممت لتصل إلى 25 ألف سنة ضوئية، وهذا يعنى أن الرد إذا كان هناك مخلوقات غير الجن! سيصلنا بعد 50 ألف سنة!! وتقول نظرية اينشتين: (كل شىء يجرى فى الكون يحمل زمنه معه، وكلما كانت سرعة جريه أكثر قل زمنه، فإذا صارت سرعة الشىء مثل سرعة الضوء، فإن الزمن فى ذلك ينعدم، وإذا زادت عن سرعة الضوء عاد الزمن بذلك الشىء إلى الوراء). وقد تقول أن هذه الحقائق لم تقربنا ولكنها زادت الأمر صعوبة! نعم إنها حقائق تدوخ العقل ولكن تقرب فكرة أساسية، أن مسالة الزمن أمر خاص بالإنسان لنقصه وقصر عمره، وأن تقسيمه الزمن إلى ماضى وحاضر ومستقبل مسألة خاصة به، أما بالنسبة لله عز وجل وهو الكمال المطلق والقدرة المطلقة والبقاء المطلق فقد تنزه عن الزمان والمكان. هذه الحقائق العلمية تساعدنا على التسليم لله وقدرته, وأن الاستخدام الحقيقى للعقل والعلم يصل بنا إلى أن هناك مستويات ومناطق دون إمكانياتنا العقلية. وأهمية هذه الحقائق العلمية أنها تكشف أن أمر الزمن وتقسيمه لماضى وحاضر ومستقبل مسألة قاصرة على مساحة ضيقة جدا من الكون (الأرض)، وأن ما نسميه غزو الفضاء حتى الآن أشبه بلعب طفل صغير على شاطىء المحيط فى حدود بضع أمتار, ونحن نسلم لله وبكل ما جاء فى القرآن لأن القرآن ينطق بإعجازه. وهذه معجزة سيدنا محمد حتى يوم الدين. ففى هذا الموضوع ذاته ذكر القرآن مرارا مسألة نسبية الزمن فقال: (وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ)، بل هناك مستويات للأزمنة, ففى يوم القيامة سيكون اليوم "مقداره خمسين ألف سنة"، ونسبية الزمن لم تكن أمرا معروفا ولا مطروقا منذ 14 قرنا، ناهيك عن العرب فى قلب الصحراء، ناهيك عن النبى الأمى: (وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ)، نظرية نسبية الزمن هى وليدة القرن العشرين الميلادى، وهى كما ذكرنا تقربنا من الفهم, ولكنها لن تحل هى ولا غيرها كل الألغاز، ولا كل أسرار الله. وحتى الآن لم يتوصل الإنسان إلى شىء مادى يتحرك إلا أقل من سرعة الضوء, والآية الكريمة فى سورة المعارج تقول: (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ- َاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلا ِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا(. ويقول د. أحمد شوقى إبراهيم: (أما الأرواح فهى لا مادية فيمكنها أن تتحرك أسرع من الضوء، وقد يكون هذه هو سر ما يراه الإنسان الحالم فى نومه من أحداث تحدث مستقبلا) لأنه نوع من الاتصال والتحرك الروحى. وصدق الله العظيم إذ يقول (وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) (الأنعام: 59). |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#24 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
أنت بخير.. ما بكيت من خشية الله ( 17 )
أنت بخير طالما بكيت من خشية الله، فالله سبحانه وتعالى الرحيم بعباده والعليم والبصير والعادل والحكيم، يعلم أننا لا نراه فى الحياة الدنيا، لأن هذا يفوق إمكانيات البشر فالله عندما أظهر نفسه للجبل انهد وتحول إلى حطام، وأيضا لحكمة لا نعلمها. ولذلك فإنه جل شأنه أهدانا وسائل مادية ملموسة، لنتأكد من التواصل معه، ولنتأكد من حسن علاقتنا به والتواصل معه، ومن ذلك نعمة البكاء من خشية الله. فهى وسيلة مادية ملموسة يمكن للمؤمن من خلالها أن يطمئن على إيمانه وأنه فى الطريق الصحيح. وهو اختبار سهل للغاية فى مقدور أى مؤمن، شريطة أن يحدث ذلك منفردا وخاليا إلى الله، حيث تنتفى احتمالات الرياء والمظهرية والادعاء، فمع الأسف علمنا نماذج من الشخصيات تبكى علنا أمام الناس خلال حديث دينى دون أن تكون صادقة. وهو اختبار تلقائى بمعنى أنك لا تحضر نفسك له ولا تحدد له ساعة، ولا تستعد له، ولكنك تجد نفسك فجأة فاضت عيناك كالمطر المفاجىء فى ساعة صيف! فهذا البكاء من خشية الله يأتى بصورة تلقائية من خلال الانقطاع والتوفر الكامل للعبادة فى لحظات أو ساعات محددة، فى حالة من التركيز بعيدا عن المؤثرات والانشغالات الخارجية، وفى حالة التوجه المخلص بكلية روحك إليه, ولذلك فهذا البكاء من خشية الله يأتى عادة خلال الصلاة أو تلاوة القرآن خاصة بصوت عال، حيث تتعاون حاسة النظر مع حاسة السمع مع حاسة حركة الشفاه واللسان، أو خلال الدعاء الحار إلى الله، أو بمجرد التفكر فى حكمة الله وعظمته بينك وبين نفسك. وهذا ما ورد فى القرآن الكريم: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) (مريم: 58) وأيضا: (قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِنقَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا،وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُرَبِّنَا لَمَفْعُولاً،َيَخِرُّونَلِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (الإسراء: 107-109) ولاحظ تعبير (خروا - يخرون) فلم يقل سجدوا، بل سقطوا بوجوههم سريعا إلى الأرض فهو رد فعل وجدانى انفعالى تلقائى فى حالة الانجذاب المغناطيسى. وفى أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء عن سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله منهم (رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)، (عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس فى سبيل الله). وقد كان يسمع لرسول الله أزيز كأزيز المرجل وهو يصلى باكيا لله خاصة فى النوافل، وكان يبكى إذا استمع تلاوة للقرآن، وعندما كانوا يدعونه لصلاة الفجر كانوا يجدونه أحيانا غارقا فى البكاء بعد نزول آيات من الله عليه. كذلك ترقرقت عينا رسول الله أثناء دخوله لمكة (فى فتح مكة) وليس عيبا أن تبكى من خشية الله أمام إخوانك أو أمام الناس، فالأمر يحدث عفو الخاطر وبدون ترتيب, ولكننى ذكرت البكاء المنفرد كعلامة أو اختبار صادق تماما على حسن العلاقة بالله. فإذا كنت لم تتعرض لهذه الظاهرة أبدا فأنت فى مشكلة كبرى, وهذا معناه أنك لا تتعبد بصورة كافية ومركزة، وإذا مر أسبوع أو شهر أو أكثر دون أن تتعرض لهذه الظاهرة، فعليك أن تراجع نفسك, وتعيد ترتيب خريطة يومك, فهذا معناه أن الانشغال بأحداث الدنيا اليومية يشغل فكرك ووجدانك عن أصل وجودك وهدف هذا الوجود. إن تفجر العيون بالبكاء حبا وخشية من الله, يوصلك لحالة من انشراح الصدر والطمأنينة, وهو نوع من الاغتسال الروحى الذى يعيد خلقك خلقا جديدا، وتشعر أن روحك خفيفة تكاد تحلق فى السماء، وتشعر بحالة غير عادية من الشفافية والسعادة الداخلية, تشعر وكأن كل هموم الدنيا قد أزيحت من على صدرك، وتشعر أنك تتنفس بحرية وبعمق غير مسبوق، لذلك قال أحد العارفين بالله: (ما زلت أسوق نفسى إلى الله وهى تبكى حتى سقتها إليه وهى تضحك). فالبكاء يؤدى إلى حالة من انشراح الصدر وهو من أبرز علامات الإيمان والصفاء النفسى: (فَمَنيُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَنيُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءكَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ) (الأنعام: 125)، فمن علامات الكفر الشعور بضيق الصدر والاختناق وكأن الهواء قد فقد الأوكسجين أو قل فيه إلى حد كبير. وكما أن الكفر درجات فإن الإيمان أيضا درجات، والمؤمن الذى لا يزيد إيمانه كل يوم, فمعنى ذلك أن إيمانه ينقص فلا توجد حالة من الثبات. وأكبر خطر يتعرض له المؤمن أن يظن أنه قد وصل إلى بر الأمان بصورة نهائية وحاسمة، وهذا يعرضه للغرور والتعالى، لأن معركة الكفر والإيمان، الخير والشر، حزب الله وحزب الشيطان، تظل محتدمة داخل كل نفس وأيضا داخل المجتمع, حتى النفس الأخير للإنسان أو الدنيا ككل. ولذلك قال رسول الله: (الشرك أقرب إليك من شراك نعلك)، والاستزادة من الإيمان، أشبه بالاستزادة بالمزيد من المياه لإطفاء نار الذنوب، ولتمدك بقوة إضافية مستمرة لمواجهة طواغيت الأرض. نحن نريد أن نغير وجه العالم بأن نمكن لدين الله فى الأرض، وهذا يقتضى الانخلاع النفسى من هذه الدنيا والتبتل إلى الله (راجع سورة المزمل) لنعد أنفسنا لإصلاح الدنيا، وهى عملية متواصلة أشبه بشحن البطارية بصورة دورية، أو أشبه بمخازن السلاح التى يرجع إليها المجاهدون أثناء المعركة للتزود بالمزيد من الأسلحة والذخيرة. وهذه هى المعادلة الصعبة نحن فى قلب الدنيا ولسنا فيها. نحن نصلح الدنيا ولكننا غرباء عنها، نحن نريد إقامة العدل ولكننا مجرد عابرى سبيل. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#25 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
لا تنسى أن الملائكة معك ( 18 )
كثيرا ما نتذكر الشيطان وأنه عدو لنا, وندرك وسوسته الشريرة ونحاول مقاومتها, ولكننا كثيرا ما ننسى حلفاءنا الملائكة، ويجب أن نتذكرهم دائما, لأنهم ذخيرتنا وقوتنا الاحتياطية وعمقنا الاستراتيجى فى مواجهة الشيطان. وتذكر الملائكة مهم لأنهم معين لنا وقوة دفع، وهذا ما يعطينا ثقة أكبر فى النفس ونحن نخوض معارك الخير. فمن رحمة الله علينا أن أمدنا بالملائكة طول الوقت وليس فى المعارك الحربية وحدها، وإن كانت الملائكة تتنزل بحشود وكثافة كبيرة فى معترك الجهاد القتالى ضد الأعداء، لأن معارج الجهاد المسلح هى أعلى مراتب الجهاد, ولذلك فإن الله سبحانه وتعالى يدعمنا بقوة أكبر فوق العادة، وعلى قدر نيتنا وعلى قدر إخلاصنا فى الجهاد فى سبيله وحده سبحانه وتعالى. فيمكن أن يمدنا (بِثَلاثَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُنزَلِينَ) (آل عمران: 124) أو (بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ) (آل عمران: 125) أو (بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ) (الأنفال: 9), والإيمان بالملائكة جزء لا يتجزأ من الإيمان (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ) (البقرة: 285). الإيمان بالملائكة جزء لا يتجزأ من الغيب، وكما نؤمن بالله دون أن نراه، فنحن نؤمن بالملائكة دون أن نراها. ونحن نشعر بوجودها وآثارها دون أن نراها أو نسمع لها صوتا. والشائع لدى المؤمنين هو الشعور بالملائكة فى زمن القتال، ويفسر مجاهدوا المقاومة كثيرا من الأحداث التى يتعرضون لها بمساندة الملائكة، عندما تحدث وقائع عجيبة وتبدو غير منطقية بحسابات العقل، وهو ما يسميه البعض كرامات المجاهدين فى ساحة الوغى. وإذا جلست إلى المجاهدين فى المقاومة اللبنانية بجنوب لبنان أو المجاهدين فى غزة تسمع منهم قصصا عجيبة عن توفيق الله. فهذا مجاهد يضطر لإخلاء خندق والانتقال لخندق آخر بسبب كثافة النحل، فيتعرض الخندق الأول للتدمير فور تركه. أو سيارة الإمداد التى تصل إلى المجاهدين فى أقل من الوقت الممكن بحساب أعلى سرعات للسيارة، أو المجاهد الذى يستخدم منصة الصواريخ عدة مرات رغم اكتشاف العدو لها الكترونيا، وتعرض المنصة للقصف المباشر مرارا دون جدوى فتظل سليمة وتعمل. أو المجاهد الذى حوصر بالأعداء من كل مكان فقرر الانسحاب، ثم يجد دبابة العدو واقفة تماما بجوار العبوة الناسفة فيفجرها ثم ينسحب سالما، وقد سمعت من أسرة شهيد فى غزة قصة عجيبة لها برهان، فبعد استشهاد المجاهد، ظهر فى الحلم لأخيه، وقال له أذهب إلى فلان للحصول منه على اللاب توب الذى أخذه ليصلحه، وبه معلومات مهمة لابد من إعادتها لقيادة المقاومة، ويذهب أخوه للشخص المعنى ويتأكد بالفعل من وجود اللاب توب لديه ويستعيده منه ويعطيه للمقاومة! وكل الأسرة كانت موجودة وشاهدة على هذه الواقعة. ولكن الأمر (دور الملائكة) لا يتوقف على ساحة القتال الجهادى، فالملائكة يلازمون المؤمنين على مدار الساعة، ولكن الناس لا تنتبه لذلك. فى إحدى جلساتى مع الشباب عندما ذكرت لهم هذه الآية من سورة فصلت تعجبوا، وقالوا أنهم لم ينتبهوا لهذه الآية رغم صلتهم الحميمة بالقرآن: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِى كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِى الآخِرَةِ) أى تقول لهم الملائكة: نحن نصراؤكم فى الحياة الدنيا بالتأييد وفى الآخرة بالشفاعة والتكريم. وتتنزل بمعنى تنزل عليهم الملائكة مرة بعد مرة قائلين: ألا تخافوا من شر ينزل بكم ولا تحزنوا على خير يفوتكم، وابشروا بالجنة التى وعدكم بها الأنبياء والمرسلون. والملائكة لا تتنزل هكذا المرة تلو المرة إلا على الذين استقاموا على الإيمان الصحيح بالعمل الصالح. والحقيقة فإننى لا أشعر بهذا المعنى بقوة إلا فى السجن الانفرادى, أشعر بطاقة جبارة تغزونى بين لحظة وأخرى تضخ علىّ زخات متواصلة من السكينة والاطمئنان, وأخشى أن أقول السعادة حتى لا أتهم بالمبالغة. وهذه الموجات تحدث حتى خارج أوقات الصلاة والتلاوة، وتحدث بدون مؤثر خارجى (كخبر سعيد تسمعه فى الزيارة) وتحدث دون أن تكون تفكر فى شىء ما، فربما تكون شارد الذهن فى موضوع تافه أو تقوم ببعض الأعمال المنزلية (الزنزانية!)، وهذا لا يعنى أن الملائكة لا تحف بك وأنت تصلى أو تتلو القرآن، ولكننى أبحث عن تفسير لهذه الموجات التى تحدث بعيدا عن هذه المؤثرات المفهومة (قراءة القرآن). فى الحبس الانفرادى الأول منذ 11 سنة كتبت فى مذكراتى أننى أشعر أن الزنزانة الصغيرة مزدحمة بالملائكة، وهو إحساس شعرت به ولكننى لم أر شيئا ولم أسمع شيئا. ولكنى فى ساعة صلاة الفجر كانت تحدث معى أحداث لطيفة كى أستيقظ، فمرة أسمع وأنا نائم هاتف يقول بصوت عال بصورة آمرة: قم، فأستيقظ والصوت يرن فى أذنى وبعد ثوان ينطلق آذان الفجر، وفى يوم آخر تأتى عصفورة على النافذة لتغرد بشكل مركز حتى أستيقظ فتتركنى. أما فى هذه المرة فلم أتعرض لهذه الظواهر، إلا مسألة موجات الطمأنينة الزاحفة التى تغزو قلبى بين وقت وآخر بدون مبرر ظاهر، وفى وقت أكون مشغولا بتوافه الأعمال (كغسيل طبق أو كتلميع جزمة!) أو شاردا فى موضوع أكثر تفاهة مما تتصور. الحديث عن الملائكة رغم أننا لم نراها بعد حديث جميل, ولكن الرسالة انتهت والكلام لم ينته فقد نعود إليه مرة أخرى إن شاء الله. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#26 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
الصبر مفتاح الفرج ( 19 )
نعم الصبر مفتاح الفرج فى الدنيا والآخرة. وهو عملية خاصة وبالغة الأهمية فى حياة المؤمن متمايزة عن الإيمان, وإن كانت جزء لا يتجزأ منه، ومتمايزة عن التقوى, وإن كانت جزأ لا يتجزأ منها، فهى صفة خاصة تحتاج إلى الرعاية والتنمية، وهى كما ذكرت من قبل منتهى الإيجابية، وليست صفة سلبية - كما يردد البعض - مرتبطة بالهوان والذلة والمسكنة، بل هى مرتبطة بالدوام على العبادة والعمل الصالح والجهاد. فالصبر يماثل ما يقول الرياضيون عن قوة الأحمال، وزيادة الأحمال فى الرياضة تعنى ارتفاع اللياقة البدنية، والقدرة على تحمل العدو أو السباحة لفترات طويلة، وهو أمر يحتاج إلى تدريب، حتى لا تتقطع أنفاس الرياضى بعد عدة أمتار. والنفس البشرية لا تختلف عن الجسد من هذه الزاوية، فهى تحتاج إلى مران وتدريب وتربية وتقويم. الصبر يعنى التمسك بالحق والطريق المستقيم والثبات عليه رغم المصاعب والعقبات والحواجز التى تواجه المؤمن فى الحياة، يعنى قوة التحمل وعدم استعجال النتائج فى الدنيا والآخرة. فالتمكين لدين الله فى الأرض ليس طريقا مفروشا بالورود, فدونه الصخور والهضاب والجبال الوعرة، والتمكين لدين الله فى الأرض أشبه بالسفر البعيد, والمسافر فى حاجة إلى دابة لتوصله إلى هدفه، والصبر هو هذه الدابة (جمل أو سيارة أو أتوبيس أو قطار.. إلخ) فقد يقول البعض للداعية يا أخى كلنا مؤمنون بالله ونسعى للآخرة.. ولكن هذا السعى لا يتحقق لمنتهاه إلا باستخدام وسيلة مواصلات! فبين التصديق بالله والنطق بالشهادتين وبين نقطة الانتصار مسافة لابد من قطعها, أما الإيمان بالله والانكماش على العبادة والعزلة عن المجتمع فهى لا تحتاج لكثير من الصبر، أما الانتقال من المحطة الأولى (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وإقامة الدين فى المجتمع فهو الذى يحتاج إلى الصبر، وهو ليس مجرد تحمل مرور الوقت، بل لابد أن يكون هذا الوقت مشغولا بالعمل الصالح المؤدى إلى المحطة النهائية وإخلاص النية لله فى عملية إقامة الدين فى الدنيا (إقامة الدولة الإسلامية) هو فى ذات الوقت الطريق إلى الجنة، سواء لحق المؤمن بلحظة الانتصار أو مات أو استشهد قبلها، وبالتالى فإن الصبر هو وسيلة الانتقال إلى جنة الخلد. وقد قرنت آيات القرآن الكريم بين الصبر ودخول الجنة فى ثمانى آيات, أما الصبر كصفة أساسية للمؤمنين فقد وردت فى القرآن 90 مرة. بل إن المدد بالملائكة مرهون بالتحلى بالصبر: {بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ} (آل عمران: 125), بل لقد قدمت بعض الآيات الصبر على الصلاة! {وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة: 45), بل كانت من أوائل الآيات التى نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم: {وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ} (المدثر: 7), {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلا} (المزمل: 10). ومن الآيات التى تمس شغاف القلوب: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا}(الطور: 48), ما أجمل وما أروع أن يكون الصابر المحتسب بأعين الله، فهل توجد حماية وحفظ ورعاية أكبر من ذلك، وهل توجد لغة حميمة أكثر من ذلك، من الخالق للمخلوق, والذين يتخلون عن الجهاد مكتفين بأداء العبادات فما حاجتهم للصبر، هل لمجرد القيام مبكرا لأداء صلاة الفجر؟ هل لتحمل الصيام فى رمضان بينما يقوى الصبية عليه؟! إن المكتفى بالعبادات ما يزال فى المحطة الأولى لا يكاد يتحرك منها. وبالتالى لا يحتاج وسيلة مواصلات (الصبر) للمحطة النهائية. ولا شك أن المؤمن يحتاج للصبر لتحمل ما يتعرض له من كوارث شخصية كموت عزيز أو نكبة مالية, ولكن كل ذلك يظل على حواف المحطة الأولى, فهذه الكوارث يتعرض لها المؤمن والكافر على السواء. ولكن الابتلاء الخاص بالمؤمنين هو الذى يتعرضون له فى طريقهم لنصرة الدين: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ}(الصف: 14) وهذا هو اختبار الصبر الحقيقى: {وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ} (الفرقان: 20), وقصة سيدنا يونس هى قصة الصبر: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ} (القلم: 48), حيث يوجه الله سيدنا محمد أن يصبر على قومه ولا يضيق بهم وأن يحتمل شكهم، وعنادهم، وكفرهم, وأن يصبر على مشاق الدعوة وعنائها وآلامها, ولا يتصرف كما تصرف يونس من قبل، إذ ضاق صدره بعناد قومه فخرج من بلده غاضبا على قومه هائما على وجهه، فعاقبه الله على تسرعه ثم تاب عليه ونجاه مما وقع فيه من ضيق. فالصبر مرتبط بشيئين: 1- أنه اختبار للإنسان على الابتلاء فى سبيل الله، فإذا لم يصبر فهو عمليا رفض البيعة مع الله، فكيف يحصل على سلعة الله الغالية (الجنة) ما الذى قدمه ثمنا لها؟! 2- أنه من سنن الله فى خلقه أن التغيير والإصلاح يحتاج إلى زمن، بل ينطبق ذلك حتى على قوانين الطبيعة: خلق السموات والأرض فى ستة أيام (أى ستة مراحل) وكل الظواهر الكونية مرتبطة بتفاعل يحتاج لزمن محدد. كذلك فإن إصلاح المجتمعات ليس نزهة قصيرة، بل يحتاج السنين والعقود من المعاناة والمكابدة. المهم أولا أن تتأكد أنك على الطريق المستقيم, وإذا كان الأمر كذلك, فليس أمامك سوى الصبر أى المتابعة والإصرار وتثبيت الأقدام حتى تصل للنهاية أو تموت أو تستشهد دونها. أعلم أن الصبر يشمل الصبر على العبادة وعلى الاستقامة الشخصية والخلق الحميد والعمل الصالح عموما، ولكن ليس هذا كافيا بدون الجهاد لإعلاء كلمة الله، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يكتف بافتتاح مدرسة للأخلاق الحميدة، ولكنه ربط ذلك بمحاربة الشرك، والظلم والطواغيت، ولقد عُذب الصحابة وعانوا ليسوا لأنهم على الأخلاق الحميدة، ولكن لأنهم حاربوا الطاغوت وسعوا لإقامة الدين، أى إقامة دولة إسلامية. والجهاد كما ذكرنا له ثلاث شعب: الجهاد بالكلمة وبالمال والقتال. والجهاد بالنفس يدخل تحت بندى جهاد الكلمة، وجهاد القتال. {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا}(الإنسان: 24). |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#27 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
تجربة مع الموت ( 20 )
أحمد الله سبحانه وتعالى أن بدأت فى التعافى من تجربة فريدة مع الموت استمرت قرابة ثلاث ليال. فإذا كنت قد قرأت الرسالة رقم 1 فقد كانت تصف الصومعة التى أعيش فيها, وهى علبة أسمنتية لا يوجد فيها نوافذ إلا فتحات تهوية صغيرة، وهى مع ذلك محتملة، وتعايشت معها, ورغم أن مسكنى على النيل مباشرة، ورغم أننى أعشق النيل، إلا أننى نادرا ما أنظر إليه، فطالما أنا فى البيت فأنا عادة منكب على كتبى أو أوراقى أو الكمبيوتر أو القنوات الإخبارية, وأنسى أن أمتع نظرى بجريان النيل, والاطمئنان على أنه ما يزال يسرى!! وبالتالى لا فرق كبير بين معظم وقتى فى منزلى، وهذه الصومعة الأسمنتية. ولكن الإنسان لا يستطيع الاستغناء عن الأكسجين! وفى موجة الحر الخانقة الأخيرة، تفاعل ارتفاع فى ضغط الدم مع شدة الحرارة والرطوبة، والنقص الحاد فى الأكسجين، على مدار 16 ساعة كل يوم، وهى فترة إغلاق الباب الذى هو المصدر الأساسى للأكسجين فى النهار، فدخلت فى حالة أقرب ما تكون إلى الغيبوبة المستمرة، حتى امتدت آثارها إلى فترات النهار، فتوقفت تقريبا عن تناول الطعام، والشراب عدا المياه، وفقدت قدرتى على التفكير أو التركيز فى أى شىء, حتى الصلاة أصبحت جلوسا, ثم رقودا, وأيضا بدون تركيز، توقفت عن قراءة القرآن, وأى قراءة, ودخلت فى حالة من النوم المتقطع والمتواصل، الذى هو أقرب إلى الإغماء منه إلى النوم، استيقظ لتناول جرعة مياه والسقوط مرة أخرى، الرؤى أضغاث أحلام بمعنى الكلمة. الشىء الوحيد الذى استطعت تذكره هو حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعناه: خذ من شبابك لهرمك، ومن صحتك لمرضك.. إلى آخر الحديث. والمعنى العميق لهذا الحديث أن الشباب يجب أن يستغل قوته وطاقته فى العبادة وعمل الخير، لأنه فى مرحلة الشيخوخة لن يستطيع أن يفعل بنفس القوة, حتى وإن رغب، لأن جسده لن يساعده، وحالة الجسد تؤثر على التركيز العقلى. كذلك فإن من يتمتع بالصحة يجب ألا يدخر وسعا فى إنفاق هذه الصحة فى سبيل الله, عبادة وجهاد وعملا للخير، لأنه عندما يمرض لن يستطيع حتى وإن رغب. إذن فالذى يبدد شبابه وصحته فى غير سبيل الله سيندم فى أخريات حياته أو عند المرض (المؤقت أو الطويل) لأنه سيكون كالغنى الذى بدد ثروته، وعندما احتاجها لتستره فى فقره، لم يجدها. فكل ما أنفقت من شبابك وصحتك فى سبيل الله فسيظل مدخرا عند الله، وسيشفع لك فى لحظات الشيخوخة والمرض فى الحياة قبل أن يشفع لك فى حساب الآخرة. فستأتى عليك لحظات (كتلك التى مررت بها فى هذه الأزمة والأزمات الصحية السابقة) لا تتمنى إلا أن تناجى الله عز وجل، ولكنك لن تقوى حتى على ذلك!! لن يقوى لسانك على المناجاة، ولن يقوى فمك على النطق, وستعجز حتى عن الإمساك بالمصحف لتقرأ، أو تقرأ ما تحفظ، وعندما تفتح محطة القرآن الكريم فإنك لن تتفاعل كالعادة مع آيات الله، وربما تستريح نفسيا لسماع كلام الله، ولكنك ستظل تسقط فى الغيبوبة أو (النوم) بينما محطة القرآن مفتوحة! ولكن ستظل عين الله تحرسك ببركة العبادة وعمل الخير التى أنفقتها فى صحتك وشبابك، فهذه ستكون بمنزلة المال المدخر الذى ينفع فى ساعة العسر! فى تجربة الموت هذه لم أقوى إلا أن أقول (يا رب) (يا رب) فحسب، وهو يعلم كل شىء، ويعلم ما تريد، وهو أرحم الراحمين، بل هو اللطيف الخبير حتى مع عباده العصاة، حتى مع الذين صدوا عن سبيله، لعلهم يرجعون! الله اللطيف يشفى البر والفاجر، التقى والعاصى، المؤمن والكافر، حتى يظل باب التوبة مفتوحا، ويظل أمامك خط الرجعة، فهل أنتم منتهون؟! ولا شك أن رحمة الله أشد على عباده المؤمنين، فيجعلهم صابرين على البلاء محتسبين، ويفتح لهم طاقات نوره حتى لا يجزعوا فى مرضهم, ولا يقنطوا من رحمة الله. ورغم كل ما مررت به فلم أكن جزعا، رغم أننى إذا أصابنى مكروه أشد فلن يسمعنى أحد، وسأموت فى صمت هذه العلبة الأسمنتية، ولكننى لم أنزعج من هذا الاحتمال، ولكننى سألت الله أن يخفف عنى سكرات الموت، وألا يؤخر عنى ملك الموت عندما يأتى موعده، فأراه وأطمئن به، وأن أمتلك القدرة على النطق بالشهادتين حتى وإن كانت بالنية دون القدرة على تحريك الشفاه. والدليل أننى كنت فى حالة أشبه بالاحتضار، أننى لم أبدأ فى التحسن إلا بعد جلسة من تنفس الأكسجين بالمستشفى ومحلول جلوكوز ربما تعاملت معه لأول مرة فى حياتى!! ولا أكتب هذه الكلمات أو أمليها لأثير أى قلق عنى فأنا بخير والحمد لله، ولكننى أكتب حمدا لله، وشكرا على نعمته، أن أطال فى عمرى ومدنى بالصحة كى أنفقهما أو ما تبقى منهما فى سبيله. وأن نتعظ من أن الموت أقرب إلينا مما نظن، وكى أوصى الشباب بإنفاق صحتهم فى الجهاد والعبادة، حيث نصح رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد الصحابة بهذا الدعاء أن يقوله عقب كل صلاة: (اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#28 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
لا تسبوا الحيوانات.. فأين نحن من شريعة الغاب؟ ( 21 )
من الأخطاء الشائعة جدا أن بعض المثقفين عندما يريدون أن يفحموا الحكومة أو يعارضوها بشدة فى تصرفاتها الهمجية، خاصة فى مجال الحريات أن يهتفوا قائلين: "هذه هى شريعة الغاب"!! وهذه إهانة كبرى للحيوانات ولشريعة غابتهم، فأين نحن من شريعة الغاب؟! إن الإنسان عندما ينحرف يكون أسوأ من الحيوانات بكثير. ولذلك قال الله سبحانه وتعالى فى محكم كتابه: (كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا) وقد كتبت دراسة حول هذا المعنى, ذكرت فيها أن بعض حيوانات الغابة تتغذى من لحوم حيوانات أضعف منها، وهذا ما يفعله الإنسان بدون استنكار حين يأكل الأنعام. ولكن كل نوع من الحيوانات لا يأكل من نفس نوعه، ولا يعتدى عليه، ولا يؤذيه ولا يحاربه ولا يعذبه كقاعدة عامة، وأضيف فى هذه الرسالة: أن كثير من علماء الطبيعة يؤكدون أن الأسود لا تقاتل بعضها بعضا، كما لا تهاجم الحيَّات بنات جنسها, وكذلك القردة فى أعماق الغابة لا تصب جام غضبها على بعضها. غير أن معظم المصائب التى تحل بالإنسان يتسبب فيها إخوته من الإنسانية (بلينى الأكبر). الإنسان هو الحيوان الوحيد الذى يسبب أذى لرفيقه. (لودو فيكو أريوستو). الحيوانات المتوحشة لا تقتل قط من أجل اللعب أو التسلية. فالإنسان هو الوحيد الذى يعتبر غيره من المخلوقات وموتها مصدر تسلية فى حد ذاته. (جيمس فرود) إن الإنسان هو ببساطة أكثر الحيوانات المفترسة رعبا، بل إنه بحق الحيوان الوحيد الذى يفترس أبناء نوعه بشكل منتظم. (بلن وليامز). ومثل هذه الأقوال لم تطلق على عواهنها, ولكن بعد دراسات ميدانية طويلة للحياة فى الغابات. وقد ثبت حدوث بعض المشاحنات والمعارك بين أبناء نفس النوع فى صراع جماعى حول الأرض، ولكن هذه المشاحنات والمعارك ليست متواترة وليست هى الأسلوب الأساسى لحل المشكلات داخل الجماعة، وإذا حدثت فإنها لا تؤدى عادة إلى قتلى أو جرحى مصابين بجروح بليغة مثل المعركة التى نشبت بين مجموعة من حيوان النمس ضد مجموعه أخرى فى صراع حول الأرض، وقد تخللت المعركة عدة هدنات, وانتهت المعركة دون قتيل واحد من الطرفين!! وهذا ما لا نعرفه فى حروب البشر أو صراعاتهم حول قطعه أرض, ولم يتمكن العلماء من إثبات أن الضوارى تقوم بتعذيب فريستها وتبتهج بمعاناتها, كذلك لم توجد أدلة ذات أهمية تؤكد أن القطط تمارس القسوة مع غيرها من القطط، ولا الثعالب مع الثعالب ولا الضباع مع الضباع. · لو تصرف الشهيد خالد سعيد كما يتصرف صغار وحيد القرن (الخرتيت) لربما تم إنقاذ حياة خالد. فقد اكتشف أحد الباحثين أن صغير وحيد القرن عندما يتعرض للخطر، يصرخ صراخا عاليا تكون نتيجته ليس اندفاع أمه فقط نحو نجدته بل اجتذاب كل حيوانات وحيد القرن على مدى السمع لنجدته. لماذا لا نتدرب على صرخة معينة يطلقها الذى يتعرض لهجوم من الشرطة كى يتحرك أهل الحى كلهم وفورا لإنقاذه؟ كيف يموت الإنسان بالضرب أمام عشرات الشهود, ولماذا لم يصرخ أحد الشهود لتجميع الناس فورا. فالمعادلة لها طرفان: صرخة الصغير واستجابة كل الخراتيت فورا!! ولنلحظ أن هذا الصغير كان يتعرض لخطر من حيوان من نوع آخر، فلا يمكن لأهل الخراتيت أن يقتلوا بعضهم البعض ولا أن يعتدوا على صغارهم. · فى الدراسة السابقة أشرت إلى أبحاث علمية تؤكد أن الحمار والثور والإنسان هم الحيوانات الأشهر فى عالم اغتصاب النساء!! وأن الأغلبية الساحقة من الحيوانات والحشرات لا تعرف هذه الجريمة، وأن العلاقات لا تقوم إلا بالتراضى (الزواج) ولكنى قرأت مؤخرا عن اكتشاف وقوع هذه الجريمة بشكل محدود فى نطاق الدرافيل، ولكن الباحث يقول إن هذه الحالات المحدودة لا تقارن بإحصاءات من تعرض نصف نساء إحدى المدن الأمريكية للاغتصاب أو محاولة اغتصاب. كما أن طفلة من كل ثلاث فى عموم الولايات المتحدة تتعرض لسوء المعاملة الجنسية! · وفى المقابل فإن الإخلاص فى الزواج حتى الموت ليس غريبا فى عالم الحيوان. فهذا معروف بين الأفيال، ويحرص الذكر على حماية أنثاه من اقتراب أى ذكر غريب، وفى هذا المناخ فإن البنات (إناث الأفيال الصغيرة) تسعى للزواج المبكر!! كذلك لاحظ أحد الباحثين أن أنثى وحيد القرن (الخرتيت) تظل وفية له حتى عندما يكون بعيدا عنها. وتضرب بعض الطيور أمثلة شهيرة على الوفاء. فالأوز والبجع والبط الصينى كلها رموز للإخلاص للحياة الزوجية، ويؤكد علماء الأحياء الميدانيون أن هذه حقيقة دقيقة ومؤكدة. وفى السيرك تزوج جوادان، وعاشا فى إسطبل واحد, ويوما ما توفى الزوج فأخذت الزوجة "تصهل باستمرار" وتوقفت عن الأكل والنوم، وحاول أصحاب السيرك تزويجها من حصان آخر فرفضت، عرضوها على الأطباء فلم يجدوها مصابة بأى مرض عضوى وأخذت الزوجة تزوى على مدار شهرين حتى ماتت. ولتحسين صورة الدرافيل لابد من الإشارة لذكر الدرفيل الذى حزن على وفاة زوجته, فامتنع عن الأكل 3 أيام حتى مات. وهذه حالات متكررة لمختلف الأنواع, والتى تحدث فى حالات الأسر ويمكن ملاحظتها بسهولة. كذلك بعض الحيوانات تمارس نظام تعدد الزوجات ولكن فى إطار من الإخلاص المتبادل بين الزوج وزوجاته، وعدم ممارسة أى علاقة خارج مؤسسة الزواج!! ***** صدق الله العظيم إذ يقول: (وَإِنَّ لَكُمْ فِى الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً) عندما تقرأ وتتعمق فى عالم الحيوان تكتشف أن وصم الإنسان السيئ أو المنحرف بأنه "حيوان" أو "كلب" ليس سبة، بل قد يكون مديحا له، فأين هو من وفاء الكلاب؟ وأين هو من الحيوان الذى يرعى حقوق أخيه الحيوان؟ بقيت بعض القصص من عالم الأفيال فى الرسالة القادمة إن شاء الله. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#29 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
أسرار الدعاء (22)
نحن نقترب حثيثا من شهر رمضان، وهو شهر الدعاء وشهر مناجاة الله، وإياك أن تنخدع من العنوان فتتصور أنه بإمكانى أو غيرى أن يكشف أسرار الدعاء, ولكننا نحوم حولها ونحاول الاقتراب من بعض معانيها، فنحن هنا فى لب الإيمان، فى مخ العبادة، فى العلاقة الخاصة بين المؤمن وربه, والتى لا يعرف وتيرتها الخاصة إلا الله عز وجل. فى القرآن الكريم أتوقف كثيرا عند حرقة الدعاء وحرارته لدى الرسل والأنبياء، فنوح يدعو ربه :(رَّبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا . إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلا فَاجِرًا كَفَّارًا) (نوح: 26 - 27). وموسى دعا ربه: (رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِى الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ) (يونس: 88). وروى عن سيدنا محمد أنه رفع يديه إلى السماء يوم بدر وقال: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد فى الأرض) حتى سقط الرداء عن منكبيه. فهل الله سبحانه وتعالى راعى معسكر الإيمان حتى لقد نسبه إلى نفسه (حزب الله) لا يعلم كل مخاطر الكفر والشرك، بل إن كثيرا من الأدعية المأثورة عن أولياء الله تتضمن القول: (إنه لا يخفى عليك، وإننا نعلم أنك تعلم) ولكن الدعاء هو مخ العبادة، نحن نتعبد إلى الله بالدعاء إليه، والتذلل إليه، وأن نوقن من خلال الدعاء رويدا رويدا، إننا لا نملك من أمرنا شيئا وأن الله بيده كل شىء (لا حول ولا قوة إلا بالله)، نعم نحن نأخذ بالأسباب ونتدبر الأمور كلها, ولكن النتائج غير مضمونة إطلاقا بدون أمر الله. السر الدينى فى الدعاء هو نفس سر القضاء والقدر الذى تحدثنا عنه من قبل. أن تعمل واجبك على أفضل وجه ممكن وتأخذ بالأسباب، ولكن الواقعة التى ستحدث معروفة سلفا عند الله ومكتوبة عنده. إن التعامل مع المعضلة الكبرى أن نعمل بما أمرنا به الله، ولا نحاول أن نفهم شيئا هو فوق قدرات البشر، وقد قرأت - على سبيل المثال - دراسة من ثلاثة مجلدات حول القضاء والقدر, وهى دراسة جادة ورصينة, ولكنها لم تقربنى من فهم الموضوع أكثر مما كنت قبل قراءتها, إذن نحن لا نعرف شيئا عن المشيئة الإلهية إلا أنها كلية وقادرة على كل شىء ونحن ندعو الله لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (ادْعُونِى أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: 60) (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186). ونحن ندعو الله كما ذكرت تأكيدا لمعنى أن الأمر كله بيديه، ونحن نؤكد هذا المعنى فى نفوسنا, وإلا فإن الله غنى عن العالمين. نحن ندعو الله لأننا من خلال الدعاء نتصل به مباشرة، ونعقد معه اجتماعا خاصا فى أى وقت من أطراف الليل أو أناء النهار، بينما لا تستطيع أن تفعل ذلك مع أى مخلوق بهذا اليسر, سواء أكان أعلى منك أو أدنى فى السلم الاجتماعى, وفى هذا اللقاء تبث لواعج قلبك وتبكى, وتنقل همومك إلى المتصرف فى الكون، تنقل شكواك ومظلمتك وطلبك لأحكم الحاكمين، فتستطيع أن تهدأ بعد ذلك وتواصل حياتك، بما فى ذلك محاولة التصدى لمعضلتك ومشكلتك التى دعوت ربك من أجلها. وإذا بكيت خلال الدعاء فاعلم أن نصف المشكلة قد حلت, لأن البكاء من علامات صدق التواصل، وأن طلبك أصبح مصدقا عليه بأعلى الأختام (دموع الصدق) فدموع الرياء لا تتسلل من العيون وأنت وحدك مع الله فى جوف الليل، أو خلال النهار, بل إن المشكلة كلها قد حلت، فطالما أن الطلب قد وصل إلى أحكم الحاكمين، فما وجه القلق إذن؟! نحن فى الدنيا نخشى من القاضى المرتشى أو الجاهل أو الخاضع لتعليمات الحاكم، وهذا هو وجه القلق الذى يعتريك بعد المرافعة الصادقة التى قمت بها أمام المحكمة، أما أمام محكمة الله عز وجل فلا وجه لهذا الأمر على الإطلاق. وبالتالى فإن الدعاء أمامه 3 احتمالات: 1- الاستجابة الفورية أو القريبة, وهذا يحدث كثيرا فى حياة المؤمنين. 2- الاستجابة الفورية أو القريبة، ولكنك لا تعلم أن ذلك قد حدث، وقد تعلم فيما بعد.. مثلا لطالما دعوت الله أن ينتقم من الظالمين، وقد تحدث لهم مصائب وأنت لا تعلمها. 3- عدم الاستجابة لأن الله يعد لك ما هو أفضل منها. لا أذكر أننى دعوت يوما على القضاة الذين حبسونى، لأننى كنت أدعوا على الذين أملوا عليهم الأحكام!! ولكن لا شك دعوت على الظالمين عموما، وفى إحدى مرات سجنى وجدت القاضى الذى حبسنى فى قضية سابقة محبوس معى ولكن فى قضية مخلة بالشرف، وهو الذى عرفنى بنفسه، فأنا عادة لا أتذكر شكل القضاة الذين حاكمونى لأنهم كثر!! وفى مرة ثانية مات رئيس المحكمة الذى حبسنى وأنا لم أمضى فترة العقوبة التى قررها، ذهب إلى المقابر وكان من المفترض أن يتولى موقع محافظ. ولا أدرى ماذا أصاب الآخرون؟ ولا شك أننى دعوت على من ظلمنى خلال فترة سجنى, وأنتم ترون الآن أن يوسف والى قد اختفى وهى أقصى عقوبة يمكن أن يحصل عليها فى ظل هذا النظام, بعد أن كان الأمين العام للحزب الحاكم والنائب الأوحد لرئيس الوزراء ووزير الزراعة. وأنا غير مشغول به بعد خروجه من السلطة, ولكن أذكر هذه الأمثلة للشباب كى يكفوا عن اليأس، ويعلموا أن التغيير ممكن بالاعتماد على الله، ففى معاركى ضد وزير الداخلية وضد والى لم يكن معى إلا الله عز وجل، ولطالما تعرضت لتقريع بعض الشخصيات العامة لأننى دخلت فى معارك أكبر من إمكانياتى، ولكن كيف كانت النتيجة؟ تمت إقالة وزير الداخلية، وتم ركن والى، وتمت محاكمة وسجن قيادات وزارة الزراعة. (اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب) متفق عليه. ومن أسرار الدعاء هذا الحديث الجميل: (من شغله ذكرى عن مسألتى أعطيته أفضل ما أعطى السائلين) البخارى. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#30 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
الغيرة.. ذلك المرض القاتل (23)
لا أقصد بالغيرة هنا ما يسمى الغيرة الزوجية، ولكن الغيرة العامة بين البشر بعضهم البعض، وبين رفاق العمل والجماعة، ورفاق الدراسة، ورفاق المهنة.. إلخ. والأمر المثير أنك لا تجد هذه الكلمة فى القرآن الكريم، ولكن تجد مضمونها، كأوضح ما يكون فى سورة يوسف, فأخوة يوسف وهم أبناء النبى يعقوب وصلت بهم الغيرة من يوسف لمجرد أنه أحب إلى أبيهم منهم، إلى التفكير فى قتله، ولكن أحدهم طرح فكرة إلقائه فى بئر، بحيث يمكن أن يلتقطه السيارة، وهو اقتراح لا يخلو من خطورة وقسوة وإجرام أيضا, ولكن صفة خطيرة بهذا التأثير كيف لم يسمها القرآن الكريم؟ فى رأيى أن ما نسميه نحن الغيرة لوصف هذه الحالة، هو الحسد الذى ورد فى سورة "الفلق". فالحسد فى الأساس هو تمنى الحاسد زوال نعمة المحسود، وقد انشغل كثير من المفسرين والناس بما يسمى أثر العين لدى الحاسد، حتى وإن كان ذلك صحيحا إلا أن الحسد لا يقتصر على مجرد التمنى, فقد يقترن بالعمل وحبك الدسائس لتحقيق الهدف، وهذا أخطر أشكال الحسد, وقد وصف بعض المفسرين حالة إخوة يوسف أنها حالة حسد, وهذا هو الحل السليم لمعضلة تسمية هذا المرض. وقد اعتبر القرآن الكريم أن هذه الحالة من عمل الشيطان، وهو عدو مضل مبين للإنسان، والمعضلة الكبرى أنه يوسوس ويحاول أن يكون منطقيا، ولا يظهر أمامك كما تراه فى رسم الكاريكاتير مثلا بوجه كريه وذيل.. إلخ. والوسوسة تلعب على الوقائع وتقول لك لماذا (فلان) هذا يتولى هذا المنصب دونك، ألست فى سنه؟ هل تم تعيينه قبلك؟! ما الذى ينقصك حتى تكون أنت مكانه؟! إذن فلنعد العدة للإطاحة به, وسنجد لدى الآخرين نفس المشاعر ولابد أن نستثمرها. حالة إخوة يوسف لم تكن بسبب المناصب أو المال، ولكنها المكانة الروحية، ووراثة النبوة، فحتى وراثة النبوة لا تخلو من غيرة، رغم أنها قرار إلهى!! لذلك فإن التنظيمات الإسلامية - بعد انقطاع النبوة - لا تخلو من هذا المرض, وهو أخطر الأمراض التى تهددها، لأنه صراع على المكانة الروحية, وليس مجرد المنصب أو المال، والقوة المعادية للتيار الإسلامى تستثمر هذا الشرخ لأنه حقيقى وله أساس، والمؤامرات الناجحة هى التى تعمل على أساس المشكلات الواقعية الموجودة. إن المؤمن يحتاج إلى أعلى درجة من التجرد (التقوى), ليقر بمبايعة فلان قائدا, وهو ما يعنى ضمنا أنه فى ظل الظروف الراهنة أنه أفضل الموجودين. وكل إنسان ضعيف النفس لا يقبل بهذا المعنى, أما المتقون فهم يقولون لأنفسهم أن اختيار فلان قائدا لا يلغى وجودنا وأهميتنا المتنوعة فى مسائل شتى، والقرارات ستكون بالشورى، وبدون الشورى لا يمكن أن تكون القرارات سليمة, أما الذين فى قلوبهم مرض، الفاشلون خاصة, أولئك الذين لا يملكون ملكات القيادة, وليس لديهم الاستعداد لبذل الجهد ليحسنوا من قدراتهم ويرفعوا من مستوى أدائهم، فيرون أنه بدلا من تحسين دورهم وأدائهم فى الجماعة وفى الحياة عموما، فإنه من الأسهل أن ينقصوا من دور الآخرين ويشوهوا صورتهم, أى أن الذى يجد فى البناء صعوبة، يرى الهدم أسهل، وإذا لم يكن لديه ما يعطيه بحيث يحصل على احترام الجميع، لماذا لا تتساوى الرؤوس وتصبح جميعا منخفضة. كارثة الحسد (الغيرة) ليس فى خطأ التطلع نحو الأفضل، وليس فى خطأ أن تسابق أخاك فى الخير وتسبقه، كارثة الحسد (الغيرة) أنك لا تريد أن تدخل فى هذا السباق، وتسعى لتحطيم أقدام المتسابق الذى يسبقك على أرض المنافسة، بدلا من تقوية عضلاتك لتسبقه. كارثة الحسد (الغيرة) فى اللجوء لوسائل غير مشروعة للتأثير على نتائج السباق الإنسانى, بل واستخدام وسائل دنيئة أخلاقيا لتحقيق الهدف غير المشروع. إذن لابد من الاعتراف بأن هناك نوعا من السباق أو المنافسة بين البشر فى المجالات الروحية المادية. الأفضل أن نعترف بذلك حتى نتعامل مع هذه الحقيقة بشكل صحى وسليم على أساس القاعدة القرآنية (وَفِى ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ) أى فى الخير المؤدى إلى الجنة. وأن يدرك الناس أن قدرات البشر متفاوتة, وهذا من معانى (وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ) (الأنعام: 165) فالمسألة ليست مجرد تفاوت فى الإمكانات المادية. وفى حالة تفاوت القدرات فإن الإنسان قد يحطم نفسه فى محاولته للقضاء على من يتصور أنه غريمه دون أن يصل إلى شىء. وأن الإنسان المؤمن السوى يدرك أن البذل فى سبيل الله مفتوح بغير حساب، وفى هذا يسبق كثير من الناس الذين لا نعيرهم اهتماما، مشاهير الفقهاء، الذين باعوا أنفسهم للدرهم والدينار، واشتروا الشهرة والبرامج التليفزيونية بقول الحق، أو عقدوا صلحا مبرما مع الجهات الأمنية لبتر بعض أساسيات الدين خلال أحاديثهم. ونعترف للأجهزة الأمنية بالذكاء فهى تخترق التنظيمات الإسلامية من خلال هذا الفالق (الحسد)، ومن يكون فلان؟! أليس أنت فلان وفلان أحق بالقيادة؟! أما المنشغلون بأهمية تحقيق النصر على حزب الشيطان فإن تجردهم (أو تقوى الله عندهم) هى التى تحميهم من هذا المنزلق التافه. نحن نسعى لنصر الله بغض النظر عن شخص القائد، فلكل شخص مثالبه، ولكن العمل الجماعى قادر على معالجة ذلك، المهم أن ترفع كتيبة حزب الله رايات النصر وتسلمها مرفوعة. |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| الايمان, رسائل |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 ) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| [بصمة أولى] رسائل لم تعد لتحرير...! | منال نور الهدى | رِيـاضُ فَلْسَفَةِ الفِكْرُ وَ الرَاْيُ وَ الرَأْيُ الآَخَر | 9 | 06-01-2021 10:31 PM |
| الايمان باليوم الاخر | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 10 | 09-06-2018 01:22 PM |
| حقائق الايمان والاعجاز | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 33 | 07-25-2018 12:51 PM |
| رسائل صباحية | حمزه الأعرج | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 3 | 05-05-2018 11:37 AM |
| ثمرات الايمان | الدنيا فناء | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 5 | 10-12-2016 08:24 PM |