| كَلِمةُ الإِدَارَة |
![]() |
![]() |
![]() |
![]() |
| جديد المواضيع |
| رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة ( يختص بالعقيدة والفقه الاسلامي على نهج أهل السنة والجماعة) |
الإهداءات |
![]() |
|
|
|
أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
#61 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( الخامس و الخمسون ) الموضوع :الايمان باليوم الاخر (12) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. عقدة التشابه بين المسلمين لمفهوم الشفاعة وبين مفهوم اليهود بالنسبة لعقائدهم: أيها الأخوة, في الدرس الماضي وصلنا في كتاب العقيدة إلى موضوع الشفاعة، وقد تحدثت كما ورد في هذا الكتاب، وأردت أن أزيد في هذا الموضوع توسيعاً وتعميقاً من خلال كتب أخرى، ومن خلال آيات، وأحاديث تغني الموضوع.بادئ ذي بدء، إن تعطيل قوانين الجزاء " وللجزاء له قوانين، هناك يوم الجزاء، ألا وهو يوم الدين"، بالنسبة لأتباع نبي ما, شيء غير مقبول، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ ( سورة الزلزلة الآية: 7-8) وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ: " قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا " (أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح) فَهِم الشفاعة بعض المسلمين فهماً سطحياً، ساذجاً، بمعنى أن الإنسان يفعل ما يشاء من المعاصي، والآثام، والموبقات، ثم يشفع له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقبله الله في عداد الصالحين، هذا الفهم الساذج غير مقبول لدى جميع العلماء، قديمهم وحديثهم، بل إن هذه العقيدة بمعنى أن الإنسان لن يُحاسَب على أعماله، ولن يُعمل بقوانين الجزاء، إن هذه العقيدة عقيدة اليهود، فقد قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ (سورة الأعراف الآية: 169) إنهم يأخذون بالتكاليف غير الصعبة، أما التكاليف الصعبة فيخالفونها، ويقولون: سيغفر لنا، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴾ ( سورة النساء الآية:123) والآية التي تتكرر مراراً في كتاب الله: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ (سورة الإسراء الآية: 15) بيان عقائد اليهود والرد الإلهي على هذا المفهوم الخاطئ: ومن عقائد اليهود: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ (سورة البقرة الآية: 80-81) وهذه آية أخرى تصف عقائد اليهود: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ( سورة آل عمران الآية:24) وفي آية أخرى, يقول الله تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾ (سورة البقرة الآية:111) وقال الله تعالى كذلك: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ ( سورة المائدة الآية:18) هذه كلها آيات قرآنية، ترينا كيف أن اليهود اعتقدوا بسذاجة أنهم لن يدخلوا النار، وإن دخلوها فلن تمسهم إلا أياماً معدودات؟ وسمى الله هذا غروراً وافتراءً، وأنه كلامٌ لا يقف على قدميه، بل يحتاج إلى برهان, قال تعالى: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ( سورة البقرة الآية: 111) ثم عقب الله تعالى فقال: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ (سورة البقرة الآية: 81) فمفهوم الشفاعة حق، وسوف أتحدث عنها بالتفصيل، ولكن المفهوم العام، مفهوم عامة الناس، مفهوم الجهلاء، مفهوم الغارقين في المعاصي والآثام، هؤلاء يتعلقون ببعض ما يعتقدون أنه من الشفاعة، ويعقدون الآمال على شفاعةٍ ما أنزل الله بها من سلطان، وهذه الحقائق وردت في كتاب الله بشكل أو بآخر في أماكن عدة. إذاً: لن تُعطل قوانين الجزاء يوم القيامة، وأن الذي يغتر بأنها تعطل، وأنها لن يُعمل بها فهو مغرور، وقد افترى على الله الكذب. مفهومي الشفاعة الحسنة و السيئة والفرق بينهما: لكن في القرآن الكريم, قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾ (سورة النساء الآية:85) هذه الآية, تعني أن الإنسان إذا أراد أن يجلب لمسلم خيراً, أو أن يدفع عنه ضراً, ويبتغي بعمله وجه الله، وكان هذا الخير في أمر جائز, ولم يأخذ عليه أجراً, ولم يكن هذا الأمر في حد من حدود الله، ولا في حقٍ من الحقوق الواجبة, هذه شفاعة حسنة يؤجر عليها المسلم في الدنيا, وهذا هو تعريف الشفاعة الحسنة, " عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ " (أخرجه البخاري عن أبي موسى عن أبيه) فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ, " أَنَّ مُغِيثًا كَانَ عَبْدًا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْفَعْ لِي إِلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا بَرِيرَةُ اتَّقِي اللَّهَ فَإِنَّهُ زَوْجُكِ وَأَبُو وَلَدِكِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْمُرُنِي بِذَلِكَ قَالَ لا إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ فَكَانَ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدِّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ أَلا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَبُغْضِهَا إِيَّاهُ " (أخرجه أبي داود عن ابن عباس في سننه) هذه الشفاعة الحسنة، فمن يشفع شفاعة حسنة في الدنيا يكنْ له نصيب منها، والنصيب لا حدود له يزاد بزيادة حجم الشفاعة، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها، ومن دل إنساناً على معصية، أو من حرم حقاً، أو من أدى إلى ظلم فإنّ كل ضرر يحصل بسبب شفاعة سيئة يكن لصاحبه كفل منها، وأصل الشفاعة في اللغة من الشفع، وهو الزوج. قال تعالى: ﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر﴾ ِ (سورة الفجر الآية:3) لأن الذي يشفع يصير مع المشفوع فيه زوجاً، والشفع في اللغة ضم واحد إلى واحد، أنت إذا شفعت إلى فلان، ضممت مكانتك ووجاهتك إليه، فلعل الخير يصيبه من هذه الشفاعة. ومِن معاني الشفاعة الحسنة الدعاء للمسلمين، والشفاعة السيئة الدعاء عليهم، ومن دعا لأخيه بظهر الغيب استجيب له، وقال الملَك: آمين، ولك مثل ذلك، وهذه المعاني مستفادة من قوله تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾ ( سورة النساء الآية:85) هذه المعاني مستنبطة من تفسير القرطبي لهذه الآية الكريمة. الفرق بين مفهوم اليهود لقوانين الجزاء وبين مفهوم الشفاعة في ديننا الإسلامي: نعود إلى الدرس الماضي، وقبل كل شيء، إن اليهود - كما قلت لكم - فهموا فهماً ساذجاً وسقيماً، فهموا أن قوانين الجزاء لن تقام عليهم يوم القيامة، وقالوا:﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ ( سورة البقرة الآية:80-81) أما الشفاعة في ديننا الحنيف، فهي داخلة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾ ( سورة النساء الآية:48) فالشفاعة حق، وهي من ضمن هذه الآية الكريمة، فلله تعالى أن يقبل دعوة من يشاء من عباده إذا دعاه سواء كان ذلك في الحياة الدنيا أو كان ذلك يوم القيامة، فأيما عبد سأل الله عزّ وجل لأخيه خيراً فالله سبحانه وتعالى قد يستجيب، وربما لا يستجيب، وهذا وفق حكمة بالغة, ذكرنا قوانين الشفاعة في الدرس الماضي وهي: 1- قبول الشفاعة إنما يدخل في باب الفضل الذي يكرم الله به عباده، والله ذو الفضل العظيم, مَن مِن العباد يستطيع أن يحدّ من فضل الله؟ قانون الشفاعة يدخل في باب الفضل الإلهي، الذي هو فضل عظيم، وفضل عميم. 2- فلا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به، أو جحوده، وإنكار ألوهيته، وربوبيته سبحانه وتعالى، وجميع الآيات في القرآن الكريم التي تنفي الشفاعة، إنما تنفي الشفاعة لأن الذين نُفيت في حقهم متلبسون بالكفر، والشرك، وإنكار الربوبية، وإنكار الألوهية، هؤلاء لا تنالهم شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا شفاعة من سواه، والآيات التي توضح هذا كثيرة، وربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ ( سورة البقرة الآية:48) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ ( سورة البقرة الآية:254) ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ (سورة غافر الآية:18) وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾ (سورة الزمر الآية:19) وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾ ( سورة المدثر الآية:39-48) وقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ (سورة الزلزلة الآية:1-8) 3- فإن قبول الشفاعة في غير الشرك بالله، أو جحوده منوط بمشيئة الله تعالى، فإنْ شاء قبلها، وإنْ شاء رَفَضها: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً * لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ﴾ (سورة مريم الآية:86-87) أي لا يملك الناس في ذلك اليوم أن تقبل شفاعة أحد فيهم، إلا من اتخذ منهم عند الرحمن عهداً، وذلك بالإيمان به، وبما جاء من عنده، فإنه قد ينال فضلاً من عند الله عزّ وجل لقبول الشفاعة فيه، والعفو عنه، والله أعلم, روى الشيخان البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا " (أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح) الذي مات مشركاً لا تناله شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، أما من مات لا يشرك بالله شيئاً فقد تناله شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام بنص هذا الحديث الذي رواه الشيخان. 4- فإن الشفاعة يوم القيامة لا تنفع إلا إذا كانت ممن أذن له الرحمن، ورضي له قولاً، قال تعالى في سورة طه: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾ (سورة طه الآية:109) أي يومئذٍ لا تنفع الشفاعة أحداً إلا شفاعة مَن أذن له الرحمن بالشفاعة، ورضي له قولاً، فإن شفاعته قد تنفع إنْ شاء الله، واستجاب لها، والآية الكريمة في سورة النجم: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾ (سورة النجم الآية:26) ما ورد في شرح الإمام المناوي حول مفهوم الحديث عن شفاعة النبي لأهل الكبائر: وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي " ( أخرجهما الترمذي وأبو داود عن أنس في سننهما) وقد شرح الإمام المناوي هذا الحديث, فقال: ثم يشفع الرسول من بعد أن يأذن الله له، وبعد انتهاء مدة العذاب يشفع في خروج العاصي من النار, وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر بعد دخولهم النار, فيقبل الله شفاعته فيهم, ويخرجهم منها وتكون الشفاعة إظهاراً لكرامة الشافع عند الله, عَنْ عِمْرَانَ ابْنِ حُصَيْنٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ " (أخرجه البخاري عن عمران ابن حصين في الصحيح) فإذا دخلوا النار، وأمضوا المدة الكافية، واستحقوا بعد ذلك الخروج منها، يأتي هذا الخروج على يد النبي عليه الصلاة والسلام، تكريماً له، وإظهاراً لفضله، وقال بعضهم: هذا هو المقام المحمود إذا رجعنا إلى النصوص الشرعية فإننا نراها تثبت الشفاعة العامة يوم القيامة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك ضمن الحدود المأذون بها، كما تفرض الشفاعات الجزئية لغيره صلوات الله عليه، والأحاديث الصحيحة في ثبوت الشفاعة كثيرة، منها ما رواه أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي " (أخرجهما الترمذي وأبو داود عن أنس في سننهما) شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لمن أحب أهل بيته: هناك أحاديث أخرى، يقول عليه الصلاة والسلام: " شفاعتي لأمتي من أحب أهل بيتي " ( ورد في الأثر) إنك إذا أحببت النبي عليه الصلاة والسلام، وأحببت أهل بيته الكرام، نالتك شفاعته، إذًا: هذا الحب يصل بينك وبينه، هذا الحب يأتيك من أنواره، ويأتيك من بركاته، ويأتيك من تجلياته، وهذا المعنى أثبته هذا الحديث الشريف: " شفاعتي لأمتي من أحب أهل بيتي " ( ورد في الأثر) و " شفاعتي يوم القيامة حقٌ، فمن لم يؤمن بها، لم يكن من أهلها " ( ورد في الأثر) وهذا الحديث أيضاً يوجب علينا أن نؤمن بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن وفق هذه الشروط التي ذكرناها. أقسام الشفاعة: 1- الشفاعة العظمى: وقد قسّم العلماء الشفاعة إلى أقسام عدة: 1- الشفاعة العظمى، وهي لجميع الخلائق لإراحتهم من هول الموقف، وتعجيل الحساب، ونحو ذلك، وهذا هو المقام المحمود، كما قلت قبل قليل، تدعون عقب الأذان: ( اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته ) ( دعاء مأثور) وقول الله عزّ وجل: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾ ( سورة الإسراء الآية:78-79) 2- الشفاعة لمن استحق بعض العذاب يخرج من النار بموجب العدل الإلهي: 2- الشفاعة الثانية: هي التي تُخرج بعض مَن استحقوا العذابَ مِن النار، بموجب العدل الإلهي، وتكون الشفاعة هذه لإظهار كرامة الشافع، ومنزلته عند ربه، تنفيذاً للإرادة الإلهية عقب دعائه، وطلبه من الله، ولا يخلو قبول الشفاعة أو رفضها مِن حكمة يعلمها الله تعالى، وتدخل الشفاعة في قانون فضله، أو قانون عدله. ملخص مفهوم الشفاعة لمن يستحقها: إذاً: من هذا الموضوع يتضح أن الشفاعة حق، وأنه من لم يؤمن بها فليس من أهلها، وأن الشفاعة لا تصيب إلا من مات غير مشرك بالله عزّ وجل، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا " (أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح) وتبين أيضاً أن الشفاعة بمعنى مِن معانيها, أنك إذا أحببت النبي عليه الصلاة والسلام، وأحببت أهل بيته الكرام، نالك منه أنواره، و تجلياته، وشعرت بسعادة لا توصف. وأما شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لأهل الكبائر, فتعني أن هؤلاء إذا استوجبوا دخول النار، ودخلوها يكون إخراجهم منها على يد النبي عليه الصلاة والسلام تبياناً لفضله، وإظهاراً لكرامته على الله عزّ وجل. الأدلة الواردة في الكتاب حول موضوع الشفاعة: وقد جمعت لكم بعض الآيات التي تتحدث عن الشفاعة بشكل عام، يقول الله عز وجل:﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 53) ﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾ (سورة الأنبياء الآية: 26-28) ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾ (سورة الشعراء الآية: 97-101) ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ (سورة الأنعام الآية: 51) ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ (سورة الأنعام الآية: 70) ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ ( سورة يونس الآية:3) ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ﴾ (سورة الزُمر الآية: 43) مواعظ وعبر من هذه الآية: الذي أريده أن نفهم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ (سورة فاطر الآية: 5) بمعنى لا تروا الدنيا بحجم فوق حجمها، ولا تروها شيئاً ثميناً، ولا تبذلوا من أجلها الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، ولا ترتكبوا المعاصي من أجلها، ولا تقصروا في واجباتكم الآخروية من أجلها، قد يأتي الشيطان، ويوهم الإنسان أن الله عزّ وجل لن يحاسبه على أعماله، فيطمئن الإنسان اطمئنانًا ساذجاً, قال تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (سورة إبراهيم الآية: 22) فالإنسان لا ينبغي أن يغتر بكلام الشيطان، فإن الشيطان قد يأتي عن يمين الإنسان, وعن شماله، فيضله عن طريق آية، وذلك بفهم خاطئ وساذج لها, وقاصر للشفاعة التي ثبتت بنص القرآن الكريم، ونص الأحاديث الشريفة، ولكن لمن مات لا يشرك بالله عزّ وجل. خطورة حمل الأمانة في عنق الإنسان إذا لم تنفذ: قال الله سبحانه وتعالى:﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾ (سورة الأحزاب الآية:72-73) فهذه الأمانة، بصرف النظر عن معانيها الدقيقة، هي شيء عظيم، لأن السموات والأرض والجبال أشفقن منها، وأبين أن يحملنها، وحملها الإنسان, وفي نهاية الآية تقول: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 73) بمعنى أن موقف الإنسان من الأمانة في هذه الآية, قد يضعه في زمرة المؤمنين، أو في زمرة المنافقين، أو في زمرة المشركين. وشيء آخر, هو أن هذه الأمانة جاء بعدها قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 72-73) فحينما لا يحملها الإنسان كما أراد الله عزّ وجل يكون ظلوماً جهولاً، ومتى لا يكون بحملها ظلوماً ولا جهولاً؟ إذا كان عالماً وعادلاً. يستثنى من لم يحمل الأمانة بظلم وجهل الإنسان الصالح الذي لم يخنها: فإذا عرف الإنسان اللهَ عزّ وجل، وعمل صالحاً, وفعلِ الخيرات، إذا كان كذلك فهو ليس ظلوماً ولا جهولاً، بل عالماً عادلاً، هذه الأمانة كما فسرها العلماء هي التكليف، ومعنى التكليف أن الإنسان أودع الله فيه هذا العقل ليهتدي به إلى الله عزّ وجل عن طريق الكون، وبعث الأنبياء، والرسل، وأنزل معهم الكتاب ليكون هذا الكتاب منهجاً لنا، ودستوراً، وتشريعاً يضبط أفعالنا، حتى نسعد في الدنيا والآخرة.يعني أن الله عزّ وجل وضع نفسك أمانة عندك، فإذا عرّفتها بربها، وإذا طهرتها من الدنس، وإذا زكيتها بالفضائل، فقد أسعدتها في الدنيا والآخرة. ينبغي على المسلم أن يكون واعياً حول مفهومه لبحث الشفاعة, هل سيدركها ؟ لذلك: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ ( سورة الأحزاب الآية:72) الذي أريد من هذا الموضوع، موضوع الشفاعة أن يقف الإنسان على الحدود الصحيحة لهذا الموضوع، فلا يكون إيمانه بالشفاعة مدعاة للاغترار بالله عزّ وجل، وترك طاعته، والقعود عن العمل الصالح، وخرق الاستقامة. الشيء الثاني, أن الذي يموت غير مشرك بالله عزّ وجل، هذا تناله شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وهل هذا الشرط سهل؟ هل تظنون أنه من السهل أن يموت الإنسان موحداً غير مشرك؟ فعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأصْغَرُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الأصْغَرُ قَالَ الرِّيَاءُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمُ اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً " (أخرجه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد في مسنده) هذا هو الشرك الخفي، فمن مات غير مشرك بالله عزّ وجل نالته شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام التي هي حق، ومن لم يؤمن بها لم يكن من أهلها. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#62 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( السادس و الخمسون ) الموضوع :الايمان باليوم الاخر (13) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ربما يسأل سائل: أيها الأخوة, نحن في الفصل الخامس من باب الإيمان باليوم الآخر، وربما يسأل أحدكم هذا السؤال: لماذا أَطلنا في موضوع الإيمان باليوم الآخر؟ الجواب: أن الإيمان باليوم الآخر ركن أساسي جداً من أركان الإيمان، لأنك إذا آمنت بالله واليوم الآخر استطعت أن تجيب عن أسئلة كثيرة جداً، وكل الاستفهامات، وكل الفجوات تتلاشى إذا آمنت باليوم الآخر، فإذا أغفلنا عن الإيمان باليوم الآخر تنشأ الأسئلة، والاستفهامات، وعلامات التعجب، وعلامات الحيرة على وجوه الناس، فلذلك حينما يؤمن الإنسان باليوم الآخر ينقل اهتماماته كلها إلى الدار الآخرة، فإذا نقلها كلها إلى الدار الآخرة بث الله في قلبه طمأنينة لا يعرفها إلا من ذاقها.إذا آمنت بالله واليوم الآخر, وقفت عند كل موقف, هل يرضى الله عن هذا الموقف؟ فإذا آمنت بالله واليوم الآخر ضبطت نشاطك كله، ضبطت طاقاتك، ضبطت قدراتك، ضبطت أموالك، فلذلك في أكثر الآيات التي تذكر أركان الإيمان, يأتي الإيمان باليوم الآخر مقرونًا بالإيمان بالله، هذا هو السبب في الإطالة في هذا الموضوع. ما معنى البعث حق ؟ بادئ ذي بدء، لقد أجمع أهل الملل والشرائع السماوية بحسب أصولها الصحيحة على أن البعث حق، فما معنى البعث حق؟ أي لا بد أن يبعثنا الله عزّ وجل، ومعنى حق: أنه محقق وقوعه لا شك فيه، والبعث - كما تعلمون - أمر جائز الوقوع عقلاً، وقد جاءت جميع الأخبار الربانية الصريحة والصحيحة والقاطعة، في جميع الأصول الصحيحة للأديان والشرائع السماوية بأن البعث من الأمور المقررة المقضي بها بقضاء الله وقدره، أي أن الله عزّ وجل لا بد أن يبعث عباده جميعاً ليحاسبهم عن كل ما اقترفوه من خير وشر. الدليل العقلي على البعث: فالبعث ممكن الوقوع عقلاً، والنقول الصحيحة تؤكد وقوعه، كما أن المفكرين الذين أعملوا فكرهم، وحكّموا عقولهم في الأمور يستنبطون بالدليل العقلي أن الإيمان باليوم الآخر له دليل نقلي، ودليل عقلي, بالدليل العقلي تعرف الله عزّ وجل، وهذا الذي عرفته يخبرك في كتابه القطعي الثبوت، القطعي الدلالة أنه لا بد من يوم يبعث الناس فيه ليحاسبوا على أعمالهم, وأقوى دليل عقلي على الإيمان باليوم الآخر أن هذه الحياة الدنيا فيها مظلوم وفيها ظالم، فيها فقير وفيها غني، فيها قوي وفيها ضعيف، فيها صحيح وفيها مريض، فيها معذب وفيها مرفه، وأن كثيراً من الناس يأتيهم الموت قبل أن ينالوا حقهم، وبما أن الخالق العظيم لا بد أن يكون عادلاً، ولا بد أن يكون حقاً، وهو الذي اسمه الحق، فلا بد أن يعطي كل ذي حقٍ حقه من خلال أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى, ولا بد من حياة الآخرة توزع فيها الحظوظ توزيع جزاء، بعد أن وُزِّعت في الدنيا توزيع ابتلاء, فالذي نلته في الدنيا، إنما نلته لكي تُمتحن به، و سيأتي يوم تجازى على عملك، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.منكرو البعث وهم على ثلاث فرق: 1- الفئة التي أنكرت وجود الخالق: هناك من أنكر البعث، ونعني بالبعث اليوم الآخر، وهم على ثلاث فرق: الفرقة الأولى: أنكرت الخالق، ومن باب أولى أنها تنكر اليوم الآخر، وربنا عزّ وجل وصف هؤلاء فقال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة الجاثية الآية:24-26) هذه الفرقة الأولى, أنكرت وجود الله عزّ وجل, وأنكرت بالتالي يوم الحساب واليوم الآخر، هذه الفرقة أنكرت بلا دليل، نظرية ساذجة بدائية، خلاصتها: أن الإنسان شكل من أشكال المادة المعقدة, الإنسان مادة معقدة، كيف أن الخشب مادة، والحديد مادة، والنبات مادة، إلا أنه أكثر تعقيداً؟ قال الله: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة الجاثية الآية:24-26) عدم تطبيق غالبية الناس لمنهج دينهم يعرضهم هذا على خطر على عقائدهم: أيها الأخوة، هذه العقيدة عقيدة الملحدين، قلما تجد في العالم الإسلامي من ينكر بلسانه أنه لا إله, ولكن معظم الناس لا أقول معظم المسلمين - حاشا لله - يتصرفون، ويتعاملون، ويأخذون، ويدفعون، وكأن الدنيا هي كل شيء، وليس بعدها شيء, قال الله:﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾ ( سورة الجاثية الآية: 24) تملك قرشاً فقيمتك قرش، لا تملك قرشاً فلا قيمة لك، هكذا يقول الناس: الدراهم مراهم، إنها مجرد كلمات مألوفة، لكن في الحقيقة لو تعمقنا في هذه الكلمات لوجدنا فيها إنكار ليوم آخر، يحاسب فيه الناس حساباً دقيقاً. فهذا الذي يأخذ ما ليس له، لو أنه آمن أن هناك يوماً آخر يحاسب فيه الإنسان حساباً عسيراً لما فعل هذا، هذا الذي يعتدي على أعراض الناس، هذا الذي يعتدي على أموالهم، هذا الذي يبني مجده على أنقاضهم، هذا الذي يبني غناه على فقرهم، لو عرف أن هناك إلهاً سيوقفه يوم القيامة، ويحاسبه عن كل درهم لما تجرأ على فعل ذلك، قال عز وجل: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (سورة فُصّلت الآية:40) النقطة الدقيقة: أن هناك أناس كثيرون يتصرفون، ويتحركون، وكأن الحياة الدنيا هي كل شيء، هذا تكذيب عملي, هناك تكذيب اعتقادي، وهناك تكذيب عملي، فالتكذيب العملي خطير جداً، لأنه في النهاية يحدث النتيجة التي يحدثها الإنكار اﻹعتقادي، فالإنكار الاعتقادي أن تقول: أنا لا أؤمن باليوم الآخر. 2- الفئة التي تعترف بوجود الخالق وتنكر البعث: الفرقة الثانية: يعترفون بوجود الخالق، ولكهم يشركون به، وينكرون البعث، قال تعالى يصف حالهم: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ (سورة ق الآية:2-3) مستحيل, شيء عجيب! أن يخلقنا الله مرة ثانية, أن يبعثنا من جديد !. 3- الفئة التي تعترف بوجود الخالق ولكنها تنكر الطبيعة المادية للبعث: الفرقة الثالثة: تعترف بوجود الخالق ووحدانيته، ولكنها تنكر البعث الجسدي، أي أن الآخرة حالات نفسية، ليس هناك حياة مادية ثابتة، دلهم عقلهم إلى هذا الاعتقاد, لا يجوز للعقل أن يحكم في الأمور اﻹعتقادية، والعقل ليس من إمكاناته، ولا من اختصاصه أن يثبت أو أن ينفي شيئاً في أمور العقيدة، ولا أن يثبث ولا أن ينفي شيئاً في العبادات، لأنه قد يضل, وقد يغفل، وقد يعطل، وقد يزور. فالعقيدة تثبت بالنقل من خلال الكتاب والسنة، والعبادات تثبت بالنقل، لكن العقل مفوض أن يفهم العقيدة، وأن يفهم العبادة، وأن يستنبط الأحكام التفصيلية من الأحكام الكلية, لذلك هؤلاء بعقولهم القاصرة نفوا أن تكون هناك حياة مادية جسدية بعد الموت. كيف رد البيان الإلهي على منكري البعث ؟ 1- بلفت نظر هؤلاء إلى خلق السموات والأرض: هذه الإنكارات الثلاثة إنكارات تافهة، لا تقف على قدميها، إنكارات ليست ذات أساس متين، ومع ذلك فالله سبحانه وتعالى ناقشهم في القرآن الكريم بأسلوب عجيب غريب، فكشف مصادر أوهامهم، وأظهر فساد تفكيرهم، وردهم بالحجة الدامغة، فهؤلاء الوجوديون الماديون، الذين ينفون الخالق واليوم الآخر، كيف ردّ الله عليهم؟ رد عليهم بأن لفت نظرهم إلى خلق السموات والأرض. يعد الإيمان باليوم الآخر بالنسبة لمنكري وجود الله عزّ وجل شيئاً ثانوياً، وربنا عزّ وجل ترك موضوع الإيمان باليوم الآخر، ولفت نظرهم إلى خلق السموات والأرض، فإذا أيقنت بأن السموات والأرض لا بد لها من خالق عظيم، عليم، حكيم، رحيم، لطيف، ثم إذا أخبرك هذا الخالق العظيم أنه لا بد من حياة أخرى، عندئذٍ يكون إيمانك باليوم الآخر إيماناً تصديقياً، بعد أن كان إيمانك بالله إيماناً تحقيقياً، والفرق كبير جداً بين الإيمان التحقيقي المبني على الحجة والاستدلال والبرهان والدليل القطعي، وبين الإيمان التصديقي المبني على التسليم لمن آمنت بوجوده. فالحقيقة الأولى، حقيقة وجود الخالق العظيم، الأحد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد. 2- بنفي العبث في الكون: الحقيقة الثانية، ارتباط وجود الله سبحانه وتعالى بقدرته القادرة، وعلمه المحيط بكل شيء، وصدق وعده ووعيده، وصفة عدله بين خلقه، وحكمته العظيمة التي منها أنه لم يخلق هذا الكون عبثاً: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (سورة المؤمنون الآية: 115) ومتى حصل التسليم بهاتين الحقيقتين, حقيقة وجود الخالق العظيم، وحقيقة أسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى, حصل العلم بأخبار الله الثابتة التي بلّغها الرسل المؤيدون بالمعجزات الباهرات، عندئذٍ وصلنا إلى الإيمان باليوم الآخر، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾ (سورة ق الآية: 5-6) ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية بيننا وبين أحدث مجرة اكتشفت قبل سنوات، تقدير أولي لعلماء الفلك أن هنالك مليون مجرّة، وفي كل مجرّة مليون مليون نجم، وأن سرعات هذه المجرات تقترب من سرعة الضوء، حيث إن هذه المجرات بأكملها تدور حول نقط وهمية في الفضاء الخارجي بسرعة تزيد عن مائتين وأربعين ألف كيلو متر بالثانية, قال الله: ﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴾ (سورة ق الآية: 5-11) وهكذا تبعثون يوم القيامة، وهذا الخالق العظيم قادر على أن يخلقكم كما خلق السموات والأرض, قال الله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾ ( سورة النازعات الآية: 27-28) أسئلة المتوهمين حول موضوع البعث والرد عليهم من القرآن: التوهم الأول, يقولون: بأن القدرة التي خلقت الإنسان تعجز عن إعادته مرة ثانية:هناك من توهم أن القدرة التي قدرت على ابتداء خلق الإنسان لا تقدر على إعادته كرة ثانية، وإن إعادة الخلق بعد فنائه أصعب من ابتدائه. الرد الإلهي على هذا التوهم: 1- بأن إعادة الخلق أو تكوينه شيء يسير على الله بل الإعادة أهون:الله سبحانه وتعالى رد على هؤلاء بأكثر من دليل وهم: الرد الأول: وهو أن هناك واقع التساوي بين الإعادة والبدء، بل إن الإعادة أهون، ومن هؤلاء الذين تكلموا في شأن الإسلام وأكثروا الوليد ين المغيرة وغيره, " فقال لهم أبي بن خلف: ألا ترون إلى ما يقول محمد: إن الله يبعث الأموات، ثم قال: واللات والعزى لأسيرن إليه ولأخاصمنه، وأخذ عظماً بالياً، فجعل يفتته بيده، ويقول يا محمد: أترى الله يحيي هذا بعد ما رم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم يحييه، ويبعثك، ويدخلك جهنم " ( ورد في الأثر ) فأنزل الله تعالى في إقامة الحجة على هؤلاء قوله في سورة يس: ﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾ (سورة يس الآية: 78-79) إذاً: من توهم أن الإعادة أصعب من البدء، فقد ردّ اللهُ عليه بهذه الآية. الرد الثاني من آية أخرى, قال عز وجل: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾ (سورة مريم الآية: 66-67 ) وهذا رد ثالث: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (سورة الروم الآية: 27) في حق البشر يحق لنا أن نقول: إن صنع الشيء مرة ثانية أهون مِن صنعه للمرة الأولى، لكن في حق الله عزّ وجل: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ( سورة يس الآية: 82) لذلك فسر بعضهم هذه الآية الكريمة: أنه كلما فكرت في ملكوت السموات والأرض، وعرفت طرفاً من عظمة الله عزّ وجل، بدا لك أن الإعادة أهونُ مما كنت تعرف من قبل: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ ( سورة الروم الآية: 27) 2- لفت نظرهم بأن خلق السموات والأرض أعظم من خلق الإنسان أو بعثه: الرد الثاني, أن خلق السموات والأرض أعظم من خلقهم، أو مِن بعثهم، أو مِن إعادة خلقهم, قال الله: ﴿أوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (سورة الأحقاف الآية: 33) التوهم الثاني, يقولون: بأن الخالق قد أصابه الإعياء بعد الخلق: التوهم الثاني, الذي ورد في القرآن الكريم أن بعضهم توهم أن خلق السموات والأرض، وخلق الأحياء قد أصاب الخالق بالإعياء, أي تعب, قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً ﴾ (سورة الإسراء الآية: 43) الرد الإلهي على هذا التوهم بكل بساطة ووضوح: وقد رد القرآن الكريم على هذا التوهم ببساطة ووضوح، فقال:﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ( سورة الأحقاف الآية: 33) وقال سبحانه: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ ( سورة ق الآية: 15) ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ ﴾ ( سورة يس الآية: 82) " عبدي خلقت لك السموات والأرض، ولم أعي بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟ " ( ورد في الأثر ) خلق المجرات أصعب أم خلق القمح, أم إنزال الأمطار, أم إنبات الأرض؟ هؤلاء المتشائمون الذين يصدقون ما يقولون، أن هناك تفجراً سكانياً في الأرض، وأن هناك كميات في الغذاء، وسوف تنقضي، وأن هناك مجاعة عظمى سوف تعاني منها البشرية، وأن الأمور تزداد تعقيداً، هؤلاء ما عرفوا الله: " وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطنّ عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي, وكنت عندي مذموماً، لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك " ( ورد في الأثر) عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: " يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلا مَنْ عَافَيْتُ فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ وَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي بِقُدْرَتِي غَفَرْتُ لَهُ وَلا أُبَالِ وَكُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُ فَسَلُونِي الْهُدَى أَهْدِكُمْ وَكُلُّكُمْ فَقِيرٌ إِلا مَنْ أَغْنَيْتُ فَسَلُونِي أَرْزُقْكُمْ وَلَوْ أَنَّ حَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَأُولاكُمْ وَأُخْرَاكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى قَلْبِ أَتْقَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي لَمْ يَزِيدُوا فِي مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَلَوْ أَنَّ حَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَأُولاكُمْ وَأُخْرَاكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا فَسَأَلَ كُلُّ سَائِلٍ مِنْهُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ وَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مَا سَأَلَ لَمْ يَنْقُصْنِي إِلا كَمَا لَوْ مَرَّ أَحَدُكُمْ عَلَى شَفَةِ الْبَحْرِ فَغَمَسَ إِبْرَةً ثُمَّ انْتَزَعَهَا ذَلِكَ لأنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ وَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أَشَاءُ عَطَائِي كَلامِي وَعَذَابِي كَلامِي إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ " (أخرجه الإمام أحمد عن أبي ذر في مسنده) التوهم الثالث, أن الإنسان بعد موته يفنى ولا أثر لجسده في الأرض: التوهم الثالث: أن من يموت مِن الناس يضل في الأرض، ينتهي، يفنى، هؤلاء الذين يموتون حرقاً، أو غرقاً، أو في الاختناق، أو الحروب، وتفنى جثثهم، ويصبحون كالرماد، أين هم؟ وبعضهم: يتوهم أن هؤلاء انتهوا, فمن يبعثهم؟ الجواب الإلهي: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾( سورة السجدة الآية: 10) ضللنا, أي دفنا في الأرض, وفنيت أجسامنا, وتفتت عظامنا, وأصبحت تراباً, وانتهى الأمر، قال تعالى: ﴿ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ ( سورة السجدة الآية: 10) في آية ثانية: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾ (سورة ق الآية: 4) فلا بد أن نبعثهم من جديد, قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ (سورة سبأ الآية: 3) بحث علمي له علاقة بالموضوع: أثبتت البحوث العلمية الكونيــة وجود سجل كوني كبير، تسجل فيـه الأعمال كلها، والأقوال، والخواطر، والوساوس، وكل عملٍ يصدر عنا بكل تفاصيله يسجل في الأثير, هذه الموجات الضوئية التي تخرج من منابعها، أو من الأجسام التي تعكس الضوء، وتسير عبر الفضاء الخارجي بسرعة الضوء، فلو تخيلنا أننا سرنا بمركبة بأسرع من الضوء، والتقطنا هذه الأمواج, لرأينا الآن معركة بدر الكبرى، ومعركة أحد، ومعركة الخندق، ومعركة القادسية، ومعركة اليرموك, هذا شيء يمكن أن يقع، وهو في علم البشر نظري، لكنه في علم الخالق عملي فالإنسان الآن تمكن من تسجيل الصورة مع الصوت, يقول لك: الحفلة سجلناها على شريط، فإذا كان الإنسان قادر على تسجيل حفلة بكل تفاصيله، وبكل ألوانها، و بكل أصواتها، أليس خالقنا العظيم بقادر على أن يأتي بنا يوم القيامة لنرى أعمالنا كلها مسجلة صوت وصورة؟ فصورة كل كائن من القرون الأولى، وأصواتهم مسجلة تسجيلاً كاملاً منذ أول وجوده حتى آخر وجوده، لحظة بلحظة، لا يضيع منها شيء صغيراً كان أو كبيراً. التوهم الرابع, يقولون: أنه ينبغي عدم التسليم للأشياء التي لا نراها بالحواس: التوهم الرابع: هو أن الأشياء التي لا يشاهدونها بالحواس ينبغي ألا يسلموا بها، وألا يصدقوا بها. الرد العلمي الذي يسلم للبيان الإلهي في الرد على هؤلاء: الإنسان في حياته المادية كثيراً ما يصدق بأشياء لا يراها، تركيب الذرة الكيميائي، التركيب كان استنتاجياً، ومنذ فترة بسيطة جداً، وعن طريق المجاهر الإلكترونية شاهدوا تركيب بعض الذرات عملياً وواقعياً، لكن قبل هذه المجاهر، تركيب الذرة كان استنتاجياً، يعني يعرف بطريق الاستنتاج، أما الآن فهو يعرف بطريق المشاهدة.الكهرباء لا نرى إلا آثارها، أما هي فلا نراها، ومع ذلك نؤمن بوجودها، وكذلك وجود الضوء، ووجود الحركة، ووجود الصوت، ووجود الحرارة. روح الإنسان لا نراها، نحكم على أي إنسان أنه حي من حركاته، ومن نطقه، ومن بيانه، ومن تفكيره، ومن تصرفاته، فإذا فقد الروح نحكم عليه أنه مات، هل رأينا الروح يوم كانت، ويوم خرجت؟ لا والله، فالإنسان في أثناء حياته له مواقف كثيرة، يؤمن بشيء دون أن يراه، يؤمن به استنتاجاً، فهؤلاء الذين لا يؤمنون إلا برؤية الأشياء، هؤلاء ضعاف العقول, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (سورة الحج الآية: 5-6) ومع ذلك ربنا سبحانه وتعالى، إكراماً لنا، وتبياناً لنا، ضرب لنا أمثلة من التاريخ فحادثة أهل الكهف، وكيف أن الله سبحانه وتعالى ضرب على آذانهم في الكهف سنين عدداً، ثلاثة قرون، وثلاثمئة عام، وتسع سنوات، حسب التقويم الهجري، فكيف بقي هؤلاء على ما هم عليه، ثم بعثوا؟ هذه أمثلة كي نعرف أن الله عزّ وجل قادر على كل شيء, قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ﴾ ( سورة الكهف الآية: 21) منها قصة عزيز, وهو رجل من بني إسرائيل، عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، يقول تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 259) ومنها إماتة ألوف من بني إسرائيل حين أمروا بالقتال، فخرجوا من ديارهم، فارين من مقابلة العدو حذر الموت، ثم بعد هذه الإماتة الجماعية، أحياهم الله، ليعلموا أن الفرار من القتال لا يحمي الإنسان من الموت، وليعلموا أن البعث حق, قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾ ( سورة البقرة الآية: 243) ومنها قصة إحياء قتيل بني إسرائيل في سورة البقرة, قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 73) ومنها معجزة سيدنا عيسى لما كان يحيي الموتى بإذن الله، إلى غير ذلك من الأمثلة التاريخية الثابتة. التوهم الخامس, يقولون: أن مراد الخالق في إبداع الحياة لا يتعدى حدودها: التوهم الخامس: هو أن مراد الخالق في إبداع الحياة لا يتعدى حدود هذه الحياة الأولى، وأن كل حكمته من الخلق تتم فيها، فينتهي مراده في هذه الدنيا، وتنتهي حكمته فيها، ولا حياة بعد الموت. الرد الإلهي على هؤلاء الجاحدين: رد الله عليهم، فقال: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 115) فهل من الممكن أن ننشئ جامعة تكلفنا ألف مليون، وبعد أن ينتهي بناؤها نفتحها عاماً دراسياً واحداً، ثم نأتي بالجرافات فنهدمها؟ ليس معقولاً، هذه بنيت لتبقى, قال تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ * فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾ ( سورة الدخان الآية: 34-38) ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ (سورة الدخان الآية: 39-40) التوهم السادس, يقولون: أن هذه الأخبار التي جاء بها الرسل غير صحيحة: التوهم السادس: أن هذه الأخبار التي جاء بها الرسل ليست صحيحة، إنها كاذبة، نوع من الجنون. الرد الإلهي على هؤلاء المنكرين: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾(سورة سبأ الآية: 7) هذا القول استهزاء, قال تعالى: ﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ ﴾ ( سورة سبأ الآية: 8) آية ثانية: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً ﴾ ( سورة الفرقان الآية: 21) إنهم لم يصدقوا الرسل، هذا الذي لم يصدق ما أتى به الرسل, قال تعالى: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ( سورة الأحقاف الآية: 17) هذه التوهمات حاشا لله أن يعتقدها أحد من المؤمنين، لكننا نستأنس حينما يرد الله عزّ وجل على هؤلاء المتوهمين، وعلى هؤلاء الظانين أن الله عزّ وجل لن يبعث عباده ليحاسبهم على أعمالهم. الرد الإلهي على هؤلاء المنكرين: إذا كان الطالب غير مستعد للمذاكرة، فهو يميل إلى تكذيب موعد المذاكرة، وكل إنسان إذا كان مقصراً، مخطئاً، مجرماً، كل إنسان له انحرافات في سلوكه، فهو أميل إلى أن يكذب بيوم الدين والدليل: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * ﴾ ( سورة المطففين الآية: 10-12) يخشى الحساب، يخشى العذاب، يخشى المسؤولية، يخشى التبعة، إذًا: فهو يكذّب بهذا اليوم, قال الله: ﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ (سورة المطففين الآية: 13) إن هؤلاء المكذبين بيوم الدين يرون دائماً هذه الغيبيات خرافات، هذا ما وراء الطبيعة، نحن واقعيون، نريد أن نتعامل مع الواقع، هذه تحليقاً، هذه أخيلة, قال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سورة المطففين الآية: 13-14) هؤلاء طمست ضرورة الإيمان في قلوبهم، وعمت عليهم الحقيقة, ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. آية ثانية, قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ *﴾ ( سورة الماعون الآية: 1-7) دع اليتيم، أي ضربه، في هذه الآية دقة بالغة، وأشد الأشخاص حاجة إلى العطف هو اليتيم، فإذا تخليت عن مساعدته فأنت مقصّر، فإذا آذيته كان ذلك أشد فظاعة، فربنا عزّ وجل جاء بمثل دقيق حاد, قال الله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾ (سورة الماعون الآية: 1-8) هذا الذي يكذب بالدين ألا يعرف أن الله سوف يحاسبه حساباً عسيراً, قال تعالى: ﴿ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ (سورة النحل الآية: 22-23) الكبر هو الذي حال بينهم، وبين الإيمان بيوم الدين، وإلى جانب الكِبر الفجور، والانغماس في الشهوات, قال تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ (سورة القيامة الآية: 5) يسأل مستهزئاً, قال تعالى: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ﴾ (سورة القيامة الآية: 6) متى يا أخانا؟ لأنه غارق في الفجور، فهو يستهزئ ويستنكر, قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾ (سورة المؤمنون الآية: 74) ليسوا مستقيمين، ولو أنهم استقاموا لآمنوا, قال تعالى: ﴿ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾ (سورة المؤمنون الآية: 75-77) خلاصة البحث: هذا الفصل عنوانه: عقائد الناس بالبعث والجزاء يوم القيامة والرد على المنكرين، كيف أن البرهان على يوم القيامة برهان عقلي، وبرهان نقلي؟ وكيف أن الشرائع السماوية كلها في نصوصها الصحيحة، وأصولها الثابتة تؤكد أنه لا بد من يوم يُبعث فيه الناس مرة ثانية، ليلاقوا نتائج أعمالهم؟ وكيف أن الناس في إنكار البعث ثلاث فرقٍ؟- فرقة أنكرتْ وجود الله واليوم الآخر. - فرقة أنكرتْ اليوم الآخر فقط، وآمنت بالله. - فرقة أنكرت اليوم الآخر بطبيعته المادية. وكيف أن الله سبحانه وتعالى ردّ على كل المتوهمين، الذين تاهوا في متاهات الأوهام الستة، تقاذفتهم كأمواج البحر العاتية, وردّ الله عليهم في آيات كثيرة نقضاً لأوهامهم، ودفعاً لأباطيلهم، عسى أن يعودوا لعقولهم، ولكن هيهات هيهات ؟. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#63 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( السابع و الخمسون ) الموضوع :مقدمات اليوم الاخر الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ماذا تعني كلمة الساعة في القرآن الكريم ؟ أيها الأخوة, مع الدرس الثاني والخمسين من دروس العقيدة، وقد أنهينا في الدرس الماضي موضوع وجوب الإيمان باليوم الآخر، وأسماء اليوم الآخر الواردة في القرآن الكريم، والآن إلى موضوع جديد، هو مقدمات اليوم الآخر. فالحديث عن اليوم الآخر يستدعي الكلام عن أمور تجري قبل هذا اليوم كمقدمات له، ونقتصر على عرض أهم هذه الأمور مما ثبت باليقين، ونعني باليقين, اليقينَ الإخباري، وأعلى نصٍ يقيني إخباري هو القرآن الكريم، فكل فكرة مدعمة بآية قرآنية تعد دليلاً قطعي الثبوت، وقطعي الدلالة على ما يذهب إليه مؤلف الكتاب. فالساعة: آثارها في الكون، ووقتها، وأماراتها، فالحياة الثانية بوضعها الكامل, وأنظمتها التامة لا تكون إلا بعد انتهاء سلسلة هذه الحياة الأولى، فلا بد أن تنتهي حتى تبدأ الحياة الثانية، وقد جاء التعبير القرآني عن وقت انتهاء هذه الحياة الأولى بلفظ الساعة، فكلمة الساعة إذا وردت في القرآن الكريم فتعني ساعةَ انتهاء الحياة الأولى، ومتى انتهت الحياة الأولى بدأت الحياة الآخرة، يقول الله عزّ وجل: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾ (سورة طه الآية:15) كلمة: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ ( سورة طه الآية:15) لا بد من هذا المعنى كي يستقيم الابتلاء، أن رجلاً له محل تجاري، وفي هذا المحل موظف، لو أن صاحب المحل كان أول الداخلين، وآخر الخارجين، وقبع وراء مكتبه، ووراء مكان وضع النقود، ثم سئل هذا السؤال: هل هذا الموظف الذي عندك أمين أم خائن؟ لا يعرف، أما إذا تغافل عنه، وخرج من المحل، وبقيت عينه على ما يجري في المحل أدرك نتيجة امتحانه لموظفه، فلا بد مِن أجل الامتحان من بعض التغافل،لا أقول: الغفلة, أقول: التغافل، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾ (سورة إبراهيم الآية:42) لا تحسبنه غافلاً، لأنه قد يبدو غافلاً، فيمد الكافر بالأموال، والبنين، والقوة، والصحة، والجمال، والذكاء، والعشيرة، والأهل، والزوجة، والمكانة, وهذا الإمداد يوهم الغافلين، والسذج، أن الله غافل، هذا ليس غفلة إنما هو تغافل، والتغافل لا بد منه ليتحقق الابتلاء, ربنا عزّ وجل قال: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ (سورة طه الآية:15) أَدقّ ما في الآية: ﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ ( سورة طه الآية:15) لأن الابتلاء لا يكون إلا بالتغافل، كما ورد في القرآن الكريم. أسئلة مطروحة لا بد من الإجابة عليها: 1- إذا انتهى نظام الحياة في الدنيا هل يبقى الكون بما فيه على وضعه ؟وهناك مجموعة أسئلة: السؤال الأول: إذا انتهى نظام هذه الحياة الأولى، فهل ستبقى الأرض، والشمس، والكواكب والنجوم على أوضاعها؟ يأتينا الجواب من الله عز وجل يقول: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (سورة الأنبياء الآية:104) ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ (سورة الانفطار الآية:1-5) هذا السؤال مهم، هذا النظام، هذه الأرض، هذه اليابسة، هذه البحار، هذه الجبال، هذه المجرات، هذه الكواكب، كلها سوف تنتهي وظيفتها، فمِن شروط أو مِن لوازم انتهاء الحياة انتهاء النظام الذي هي عليه الحياة في الدنيا. 2- متى الساعة: 1- أن وقت الساعة من أمور الغيب لا يعلمها إلا الله: السؤال الثاني: متى ينتهي نظام الحياة الأولى؟ أي متى الساعة؟ يأتينا الجواب الرباني مُبَيِّناً لنا أن وقتها من أمور الغيب، وقد أخفاها الله عن عباده لحكمة يعلمها، وكنت قد حدثتكم مِن قبل, أن الإمام مالكًا رأى في المنام ملك الموت، فقال له: يا ملَك الموت، كم بقي لي من عمري؟ فأشار ملك الموت - كما جاء في الرؤيا - هكذا، ومد أصابع يده، فازداد الإمام مالك قلقاً، يا تُرى خمس سنوات؟ أم خمسة أشهر؟ أم خمسة أسابيع؟ أم خمسة أيام؟ أم خمس ساعات؟ أم خمس دقائق؟ أم خمس ثوانٍ؟ فملك الموت أشار بيده، وكان الإمام ابن سيرين مِن المفسرين للأحلام، فذهب إليه إمام دار الهجرة الإمام مالك فقص عليه المنام، فقال ابن سيرين: يا إمام، إن ملك الموت, يقول لك: إن سؤالك من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله, قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (سورة الأعراف الآية:187) لذلك, في بعض المحاضرات التي ألقيت في بعض الأقطار العربية عن الإعجاز الرياضي للقرآن الكريم، رجم المحاضر بالغيب، فخرج بذلك عن نص القرآن، فمِن إجراء حسابات معقدة تبين له متى يوم القيامة بالتدقيق؟ فحينما نشر هذه المعلومة انسحب من القاعة معظم المشاهدين الحضور، لأنه لا يعلم الإنسان متى يوم القيامة بالتحديد والتفصيل، بل هذا مناقض لما ورد في الكتاب الكريم؟ قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (سورة الأعراف الآية:187) معنى: ﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ (سورة الأعراف الآية:187) أي متى وقت وصولها، وكأن الحياة شبهت بالسفينة، وانتهاء الرحلة هو عند الشاطئ، وعند الشاطئ ترسو السفينة، وتستقر، هذه صورة بلاغية، قال الله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ﴾ (سورة الأعراف الآية:187) ويبدو أنه من رحمة الله عزّ وجل علينا أن أخفى عنا ساعة النهاية، لو أن الإنسان يعلم متى يموت لشلت حركته، ولأصبحت أيامه المتبقية أياماً مِن نوع خاص لا تُحتمل، لذلك الإنسان يعيش في الأمل. 2- هناك دلالات لوقوع قربها بينها القرآن الكريم والسنة المطهرة: الشيء الثاني، حين الحديث عن الساعة, قلنا: هناك مجموعة نقاط: الساعة، آثارها في الكون، وقتها، أماراتها، فقُربُ الساعة بينه الله سبحانه وتعالى، وسيدنا عليّ يقول: (كلّ متوقع آتٍ، وكلُ آتٍ قريب) ( قول مأثور ) الآن بدأنا بالشتاء، والبيوت تستعد لاستقبال هذا الفصل، وتضع الفرش المتعلقة بهذا الفصل، تضع وسائل التدفئة، وما هي إلا زمن يسير حتى يأتي فصل الصيف، فكم استقبل كل واحد منا من فصول الشتاء، وفصول الصيف, وفصول الربيع, وفصول الخريف؟ وهكذا, قال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾ ( سورة القمر الآية:1-2) ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ ( سورة القمر الآية:1-2) ما دامت متحركًا، والنهاية ثابتة، فكل زمن يمضي اقتراب مِن هذه النهاية، وهذا شيء بَدَهي، واللهُ سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ﴾ (سورة الأحزاب الآية:63) وقلت لكم من قبل: " إنه من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت" ( ورد في الأثر) وقد جاء في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ما يشبه هذه المعاني، فقال عليه الصلاة والسلام: " بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ مشيراً صلى الله عليه وسلم بأصبعيه السبَّابة والوسطى الفرق بينهما قليل " ( أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما ) قَالَ شُعْبَةُ راوي الحديث: َسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ: كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى، أي كزيادة إصبع الوسطى على السبابة، وفي هذا إشارة إلى نسبة ما بقي من عمر الدنيا بالنظر إلى ما انصرف منها، وذلك على وجه التقريب. مواعظ وعبر: وهنا كلمة على هامش الموضوع, ما من شيء أثقل، وأثمن في حياتك من الوقت، فبالوقت ترقى إلى الله, إذا أردت التعامل مع ما في الحياة الدنيا، يجب أن تميز بين ما يتصل منها بالآخرة، وبين ما لا يتصل، قال بعض العلماء: كل ما لا يدخل معك إلى القبر فهو من الدنيا، كل شيء يقف على شفير القبر من الدنيا، كالأولاد فهو مِن الدنيا، كلهم يقفون على شفير القبر، إلا إذا ابتغيت في تربيتهم وجه الله سبحانه وتعالى," لذلك يقف رجلان جثياً بين يدي الله يوم القيامة, فيقول الله عزّ وجل لأحدهما: عبدي أعطيتك مالاً، فماذا صنعت فيه؟ فقال هذا العبد: يا ربّ، لم أنفق منه شيئاً على أحدٍ مخافة الفقر على أولادي من بعدي, قال: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين؟ إن الذي خشيته على أولادك مِن بعدك قد أنزلتُه بهم، وأما الثاني فقال: أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ فقال: يا ربّ، لقد أنفقتُه على كل محتاجٍ، ومسكين، لثقتي بأنك خيرُ حافظاً، وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله عزّ وجل: عبدي، أنا الحافظ لأولادك من بعدك " ( ورد في الأثر) فلذلك، موضوع الساعة موضوع انتهاءِ الحياة، ليسألْ أحدنا مثل هذا السؤال: هل بقي بقدر ما مضى من عُمُري ؟ من بلغ الأربعين فقد دخل أسواق الآخرة. الموت كالطابور لا يعرف الإنسان أين موقعه فيه ؟ لي صديق مؤمن، خرج من بلده إلى بلد عربي، ليعمل في التدريس الجامعي، مضى على خروجه عشرون يوماً، وقد وافته المنية هناك، وسنه لا يزيد عن أربعين عاماً، سبحان الله الموت منوع، يأتي بعد مرض عضال، أو يأتي بعد مرض طويل, يقول لك:13 سنة بهذا المرض، ثم وافته المنية, وقد يأتي من دون مرض، وهناك حوادث كثيرة، آوى إلى فراشه في منتصف الليل، لمست زوجته يده، فرأتها باردة، فاستيقظت فإذا هو ميت، وهو إلى جانبها، فمِن حكمة الله عزّ وجل أنَّ الموت إما أن يأتي بعد مرض طويل، أو مرضٍ خطير، وإما أن يأتي بلا مقدمات، والآية الدقيقة:﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (سورة الجمعة الآية:8) حدثني أخ عن والده، فقال: أصيب والدي بمرض خطير، فأخذ احتياطات مذهلة، نفذ تعليمات الأطباء بدقة متناهية، حرص على أن ينجو من هذا المرض بكل وسيلة، وافته المنية في حادث سيارة, وهو يظن الموت في هذا المرض، والقصة التي ذكرتها لكم كثيراً، وأعيدها على سبيل الفائدة، وهي قصة رمزية، سيدنا سليمان كان عنده رجل أمامه، وهو من المقربين له، دخل ملَك الموت عليه، فجعل ملك الموت يُحد النظر إلى هذا الرجل، فلما علِم هذا الرجل أن هذا ملك الموت, فزِعَ قلبه، وارتعدت فرائصه، وألحّ على سيدنا سليمان أن يأخذه إلى أقصى الدنيا، وسيدنا سليمان أوتي بساط الريح، كما تروي الكتب، فأركَبَه بساطَ الريح، ونقله إلى أقاصي الهند، وبعد أيام وافته المنية هناك, سيدنا سليمان التقى مع ملَك الموت ثانيةً، قال له: عجبت لك، لماذا كنتَ تُحدّ النظر إليه؟ قال: واللهِ أنا الذي أعجب، أنا معي أوامر بقبض روحه في الهند، فلما رأيته عندك ازداد عجبي، لماذا هذا هنا؟ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ (سورة الجمعة الآية:8) الحكمة الإلهية من إخبار النبي عليه الصلاة والسلام عن موضوع أشراط الساعة: أما أمارات الساعة، أيْ علاماتها، علامات قربها، ودنو ميعادها فهي كثيرة، هناك علامات كبرى، وعلامات صغرى، وهناك علامات موضوعة، وضعها بعض الوضّاعين، موضوع الساعة، وأشراطها فيها إضافات ليست منها, على كلٍ، كلمة لطيفة في هذا الموضوع، الأحاديث الصحيحة في أشراط الساعة ليست صريحة، والأحاديث الصريحة في أشراطها ليست صحيحة، أسماء مدن، وتفصيلات، وحوادث، وما دام هناك تصريحات دقيقة جداً فأغلب الظن أن هذا الحديث غير صحيح، وأما الحديث الصحيح ففيه إشاراتٌ كبرى كذلك، لن نخوض في موضوع أشراط الساعة كما ورد في الكتب التي تعتمد على الحديث الضعيف، أو الحديث الموضوع، فنبقى بالإشارات والعلامات الكبرى، وعلى كل فهناك موعظة، قال ربنا عزّ وجل: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾ (سورة الجِن الآية:26-27) معنى ذلك, أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما أخبرنا عن أشراط الساعة، كان في هذا الإخبار دليلاً قطعياً على نبوته، لأن هذا في علم الله، وقد أطلع الله عزّ وجل نبيه الكريم على بعض ما سيكون, تمكيناً للإيمان في قلوب المؤمنين، وتنبيهاً للضالين حتى يؤمنوا، وحجة على الجاحدين المعاندين، وبخاصة إذا مرت على الناس عصور بَعُدوا فيها عن عصر الرسالة المحمدية، وثمة حكمة بالغة حين أطْلع اللهُ عزّ وجل نبيَّه الكريم على بعض أشراط الساعة، وبعض علاماتها. من علامات الساعة أو أشراطها: 1- نزول عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام: فمن علامات الساعة، أو من أشراطها نزول سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام، له عودة في آخر الزمان، وقد ثبت نزول سيدنا عيسى بدلائل من القرآن الكريم، ودلائل من الحديث الشريف الصحيح المتواتر، فمن الآيات القرآنية الدالة على نزول سيدنا عيسى في آخر الزمان، وقبل قيام الساعة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾ (سورة النساء الآية:159) فهو لم يمت بعد، بل رفعه الله إليه. ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ (سورة النساء الآية:157-158) ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (سورة آل عمران الآية:55) ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الزمر الآية:42) فهذه وفاة نوم، لا وفاة موت، لأنّ الوفاة نوعان: وفاة نوم، ووفاة موت، أما وفاة الموت فلها آية تشير إليها, قال الله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (سورة السجدة الآية:11) أمّا: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ (سورة آل عمران الآية:55) فهذه وفاة نوم، قال الله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (سورة النساء الآية:157-158) ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾ (سورة النساء الآية:159) أيْ سيعود إلى الأرض، وسيؤمن به أهل الكتاب، على أنه نبيٌ من الأنبياء، من أُولي العزم الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم، ففي صحيح البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " وَالَّذِي نَفْسِي بِيـَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: " وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا" ( أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما واللفظ للبخاري ) الآية الثانية التي تشير إلى عودته عليه السلام, قوله تعالى في سورة الزخرف: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (سورة الزخرف الآية:61) ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ (سورة النساء الآية:157-158) الآية الثالثة, في سورة آل عمران: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (سورة آل عمران الآية:46) ومعنى كهلاً، أيْ لم يبلغ بعد الكهولة. 2- كثرة الجهل وقلة العلم وتبدل القيم وإسناد الأمر إلى غير أهله: ومِن أشراط الساعة, كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ " (أخرجه البخاري عن أنس رضي الله عنه في الصحيح ) أحيانًا الإنسان يجد معظمَ مَن يراهم في الطريق نساءً أينما دخل؟ أينما تحرك؟ وهناك حديث آخرعن أشراط الساعة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " إِذَا ضُيِّعَتِ الأمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِذَا أُسْنِدَ الأمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ " ( أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح) ومِن علامات قيام الساعة, أن يكون المعروف منكراً والمنكر معروفًا، " كيف بكم إذا أصبح المنكر معروفاً والمعروف منكراً؟ قالوا: أَوَ كائنٌ هذا يا رسول الله؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ " ( ورد في الأثر) وهذا أيضاً من دلائل, ومن أمارات, ومن علامات أشراط الساعة، والأشراط بمعنى واحد، وهي مِن الشيء الذي يأتي قبل شيء آخر. 3- عود أرض العرب مروجاً وأنهاراً: كما روى الإمام مسلم في صحيحه, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا " ( أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح واللفظ لمسلم ) هذا الحديث فيه إعجاز علمي، لأنك إذا دخلت إلى بلاد الغرب، وسألت أكابر علماء الجيولوجيا عن تاريخ الجزيرة العربية قبل آلاف السنين, لقالوا لك: كانت مروجاً وأنهاراً, الذي نعلمه من التاريخ القريب، أن بادية الشام، كان المرء يقطعها كلّها تحت ظلال الأشجار، وما نشوء تدمر في وسط البادية إلا دليلٌ على أن هذه العاصمة لدولة عظيمة كانت وسط الجنان والبساتين، والكشوفات الأثرية في الربع الخالي من الجزيرة العربية, تؤكد أن هناك مدناً ذات مجد، وازدهار طوتها يد الزمن إن صح التعبير، وغطتها الرمال، وما قامت هذه المدن إلا بسبب الخصوبة التي كانت منتشرة في الربع الخالي من الجزيرة العربية. كيف عرف هذا النبي الكريم هذا؟ والكشوف الآن لها أسباب, المستحاثات، الحفريات، التنقيب عن الآثار، بعض الصور من سفن الفضاء، هذا الذي يدل على أن هذه الأراضي القاحلة الصحراوية كانت مروجاً وأنهاراً، وقد سمعت أن بعض العلماء الأجانب الملحدين, حينما تأكدوا أن هذا القول قيل قبل ألف وخمسمئة عام أعلن إسلامه, يقول عليه الصلاة والسلام: " لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا " ( أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح واللفظ لمسلم ) إنّ بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام منقطعة النظير, (حَتَّى تَعُودَ)، أيْ كانت، كلام فيه إيجاز. أنا لا أحب أن أكثر الحديث عن أشراط الساعة، لكثرة الأحاديث الموضوعة في هذا الموضوع، لكن هذه الآيات قطعية الثبوت، وهذه الأحاديث كلها من صحيحي البخاري ومسلم، وهذان الكتابان أصحُ كتابين بعد كتاب الله عزّ وجل. وفي درس قادم إن شاء الله نتحدث عن البرزخ. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#64 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( الثامن و الخمسون ) الموضوع :اسباب الضلالات الاعتقادية الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما هو السبب في ضلال الإنسان في الأرض ؟ أيها الأخوة، وقد وصلنا إلى موضوع دقيق جداً، وهو أسباب الضلالات الاعتقادية، فقد انتشر في الأرض ضلال كبير، فإذا عرفنا أسبابه أمكننا تجنبه، فمعرفة السبب مهم جداً لتجنب النتيجة، فإذا كان في الأرض ضلال, فمِن أين أتى؟ وما أسبابه؟ وما علته؟ كيف كُرس هذا الضلال؟ كيف انتشر؟ هذا ما يدور حوله موضوع اليوم.الحقيقة، هناك ثلاثة أسباب كبرى للضلال: السبب الأول: الانحراف الفكري. السبب الثاني: الانحراف النفسي. السبب الثالث: الضعف النفسي. فهذه الأسباب الثلاثة الكبرى تؤدي إلى الضلال، الذي هو أخطر شيء في حياة الإنسان, أن يكون الإنسان فقيراً ومهتدياً فهو من الناجحين، أن يكون مريضاً ومهتدياً فهو من الفائزين، أما أن يكون ضالاً, فهذا الضلال مؤدّاه إلى النار، فالضلال هو الهلاك. ينبغي على المسلم أن يكون سلاحه الكتاب والسنة حتى يرجع إلى الصواب: فمن باب التذكير أننا في مطلع دروس العقيدة، حيث توضح لكم أن العقيدة الصحيحة لها مسالك، ولها مداخل، ولها طرق، ومِن هذه المسالك:1- مسلك اليقين الحسي، فأنا أعتقد أن الشمس ساطعة، لأنني أراها بعيني, فاليقين الحسي شيء بدهي واقعي لا سبيل إلى الزيغ عنه. 2- مسلك اليقين الاستنتاجي, اليقين العقلي. 3- مسلك اليقين الإخباري. 4- مسلك الإشراق الروحي، بشرط أن يوافق الأصول الشرعية للدين. الإنسان أحياناً تأتيه فكرة، يفكر في الموضوع، ويتوهم النتيجة، وقد يعتقد بهذه الفكرة أنها صحيحة، من دون أن يضعها على المحك، من دون أن يمتحنها، هل كان استنتاجه صحيحاً؟ هل أوصلته المقدمات التي وصل إليها إلى النتائج صحيحة؟ هذه الفكرة قد تروج في مجتمع ما، فكرة لم تُمحص، فكرة لم تخضع لمقاييس الشرع، فكرة لم تخضع لأصول الفهم، فكرة لم تخضع لمقاييس العقيدة الصحيحة، هذه الفكرة تروج وتنتشر، وفي النهاية تصبح بعد عشرات السنين عقيدة ضالة، يعتنقها أناس كثيرون. أخطر شيء في حياة المسلم أن تكون بعض معتقداته ضلالاً، أن يتوهم أن هذا الشيء حق، وهو في حقيقته باطل، أن يعتقد أنه صحيح، وهو غير صحيح, لذلك فالعقيدة أخطر شيء في حياة الإنسان، فإن صحت صح عمله، وإن فسدت فسد عمله, والعقيدة لا تؤخذ إلا من كتاب الله، القطعي الثبوت، القطعي الدلالة، ولا تؤخذ إلا مما تواتر من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، العقيدة فقط، والأحكام الشرعية تؤخذ من الأحاديث الآحاد، فأية فكرة ليس لها أصل في كتاب الله، أو ليس لها أصل في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام المتواترة، فهي فكرة ضالة بعيدة عن الواقع. من أسباب ضلال الانحراف الفكري: 1- أخذ الأشياء على ظواهرها من دون تمحيص علمي: ما منا واحد إلا ويتكلم، راقب نفسك، هذه الفكرة التي تقولها للناس ما مصدرها؟ ما الدليل عليها؟ هل هي صحيحة؟ أمعك عليها دليل من كتاب الله ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ من قال هذا؟ أما أن نأخذ الأشياء على عواهنها، إنسان تكلم، مثقف قال، كتاب قرئ، مقالة قرأت، واعتقدنا شيئاً مثلاً هذا الدواء يزيد في العمر كما يتخرصون، هناك آية قرآنية تنفي مثل هذه الأوهام: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ ( سورة الأعراف الآية:34) هذه المقالة التي قرأتها في هذه المجلة كلام باطل، وعقيدة ضالة، وفكرة واهمة، لأنها تناقض آية صريحة في كتاب الله. قد يقول لك قائل: إن الله عزّ وجل يدخل الناس الجنة بلا عمل، فاسمع قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ( سورة الحجر الآية: 92-93) ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (سورة النحل الآية: 32) فأية فكرة إياك أن تقبلها، ما لم تكن صحيحة وفق كتاب الله، والإنسان عليه أن يسأل أهل الذكر إن كان لا يعلم، هكذا قال الله عزّ وجل: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة الأنبياء الآية: 7) أنت عود نفسك، ولتعلم يقيناً أنه في العقيدة لا يجوز التقليد، لك أن تقلد الصالحين في أعمالهم، لك أن تقلد في الأعمال، الصالح يُقلد، العالم يُقلد، من قلد عالماً جاء يوم القيامة غانماً؟ لكن في العقيدة لا يقبل التقليد، لأنك إذا قلدت في العقيدة لا تملك البرهان، قد يأتي إنسان فيقنعك بعكسها، فالعقيدة يجب أن تؤخذ بالدليل القطعي الساطع, فالأشياء التي يجب أن تعتقد بها بالضرورة هي أخطر ما في الجانب العقدي في الإنسان. لذلك أحياناً الأفكار المنحرفة تروج بين البسطاء، وبين أنصاف المثقفين، وبين العامة، لأن هذا العامي لا يطالبك بالدليل، وليس في إمكانه أن يناقشك، ليس في مقدوره أن يسألك, من أين جئت بهذه الفكرة؟ هو يسكت, قد يأخذ الفكرة من قائلها، إذا كان القائل عظيماً، أو متكلماً، أو إذا كان وجيهاً، يأخذها على عواهنها، وهذا خطر كبير. 2- اعتبار العقل هو الميزان لا الشرع: قلت لكم: الدين بالنقل, وبالعقل الموافق للنقل، نحن بالنقل نعتقد، وبالنقل نفهم ما نعتقد، أما العقل هو قوة إدراكية لفهم ما جاءنا بالنقل عن الله عزّ وجل، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم, فلذلك, حينما يعتمد على العقل وحده، فإن العقل قد يضعف، وقد يضل العقل، وقد يتيه العقل، وقد يغلو العقل، وقد ينحرف العقل, فالله عزّ وجل وضع الشرع ميزاناً للعقل، ووضع العقل ميزاناً للكون قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ (سورة الرحمن الآية: 7) فالعقل ميزان، والشرع ميزان على الميزان، فالفكرة ينبغي أن تؤيدها الأدلة النقلية التي تتطابق مع المنطق والواقع. 3- التقليد الأعمى للآباء: من أسباب الضلال الفكري, التقليد أعمى, هذا مرض خطير، قال تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾ (سورة الزُخرُف الآية: 32) هذا يسميه علماء الاجتماع قوة الاستمرار، مجتمع نشأ على تقديس البقر مثلاً، كما هو الحال في الهند، حيث البقرة شيء مقدس, ومئات الألوف يموتون جوعاً، وأكبر قطيع من الأبقار في العالم في الهند، البقر لا يُذبح إلى أن يموت، وبعدها يُدفن، ويُقدس، فكيف انتشرت هذه الضلالات؟ بحكم التقليد، ورثت هذه المقدسات جيل عن جيل وتابعها. فالإنسان ينبغي أن يكون حر التفكير، أن يبني بنيانه الفكري على بينة، على أدلة، على واقع، فالتقليد الأعمى سبب خطير جداً من أسباب الضلالات، والكلام الشائع الآن بين الناس, هكذا تربينا، هكذا كان آباؤنا، هكذا فعلنا، من قال لك: إنّ الأمرَ كذلك؟. كنـت مرة في قرية، فيأتي البدوي إليها، وهو محتاج إلى ثمن علف لمواشيه، فيضطر إلى أن يبيع الصوف، الذي سوف ينبت على ظهور أغنامه في الموسم القادم بثمن بخس، يقول لك: بيع السلم, بيع السلم حق، لكن أن ينقلب بيع السلم إلى ربا فاحش، سعر رطل الصوف مثلاً 30، وتشتريه بـ 15ليرة, تدفع له مقدماً ثمن الرطل 15، لتأخذه في موسمه بهذا الثمن البخس, هذا أحد أنواع الربا، المظهر مظهر بيع سلم، أما الحقيقة فهو ربا, يقول لك: هكذا نشأنا، هكذا تربينا، وهكذا نفعل جميعاً. كل اعتقاد، أو كل سلوك، أو كل علاقة مالية، أو اجتماعية مبنية على سبب واه فهي ضلالة، أحياناً ينشأ في حياتنا الاجتماعية عادات مثل عادة الاختلاط، فإذا اعترضت على هذه العادة، قالوا: هكذا تربينا, هكذا نشأنا، فكل سلوك منحرف مرفوض، ولو أن الناس مشوا عليه أجيالاً تلو أجيال, قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ ( سورة البقرة الآية: 170) التقليد الأعمى أحد أسباب الضلال، فلا ينبغي أن تتابع الناس على ضلالهم، ولا أن ترث منهم ضلالة، ولا أن تنشأ كما نشؤوا، ولا أن تنحرف كما انحرفوا، ولا أن تزيغ كما زاغوا، الله سبحانه وتعالى يحاسبك وحدك يوم القيامة، حينما تأتيه فرداً، حيث لا مُعين لك ولا نصير, قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ (سورة الأنعام الآية: 94) 4- الغلو في تقديس الأشخاص: من أسباب الضلال الفكري, المبالغة في تقديس بعض الناس، فالإنسان له حجم، وأغلب الظن أن المعتقدات الباطلة قد تتأتى من إنسان عظمه الناس فوق ما ينبغي، هؤلاء الصالحون عندما يموتون يعظّمهم الناس، إلى درجة أنهم يُصبغون عليهم صفات فوق صفات البشر، يعزون كل خرافة، وكل شطحة، وكل انحراف إليهم، النبي صلى الله عليه وسلم، سيد الخلق، وإمام المرسلين، وسيد الأنبياء، وأعظم إنسان على وجه الأرض، ومع ذلك فله حجم، ومن ملامح حجمه صلى الله عليه وسلم, قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ (سورة الأعراف الآية: 188) فأي شخص يدعي الولاية، ويقول لك: أنا أملك لك نفعاً أو ضراً، فهذا ضلال، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، وهو سيد الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولياء والصالحين، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً, أفيكون قادراً على أن يملك لك النفع والضر من باب أولى؟ لا، إذا كنت أنا لا أستطيع أن أفعل هذا لنفسي، أفبإمكاني أن أفعله لكم؟ قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 188) حينما تعزو بعض الأعمال الخارقة لإنسان فهذا اعتقاد باطل, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ: " قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْد ِالْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا " (أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح) حجم آخر, قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 50) سيد المرسلين، سيد ولد آدم, ولا فخر، صاحب الخلق العظيم لا يعلم الغيب، فأي إنسان ادعى علم الغيب فهو كاذب، وهو منحرف، وهو ضال. قال تعالى: ﴿أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (سورة الأنعام الآية: 15) يزعمون هذا الولي لا تضره معصية، هذا ليس صحيحاً, هذا الكلام يتناقض مع كلام الواحد الديان، قل يا محمد لهم, قال تعالى: ﴿أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 15) لذلك, المبالغة في تقديس بعض العلماء من الناس، وأن تنسب كل انحراف أو فكرة ضالة، أو شطحة إليهم، فهذا كله من الضلال، هل يمكن أن يكون الولي فوق النبي ؟ هل يمكن أن نقبل أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء ؟ أعظم الأولياء دون آخر الأنبياء, هذا مقياس، فالإنسان لما يسمع قصصاً، وحكايات من هذا القبيل يجب عليه أن يُنقح، أن يمحص، أن يدقق، أن يحقق، أن يطلب الدليل، أن يقرأ كتاب الله، أنت إذا قرأت القرآن الكريم، واستمعت إلى تفسيره، وتابعت دروس التفسير، فمع مرور الأيام، والأسابيع، والأشهر، والسنوات تصير مؤهلاً لمعرفة حقيقة العقيدة، لأن كل شيء يجب أن نعتقد به، ورد ذكره في القرآن الكريم، وأظهره الله عز وجل جلياً واضحاً. فقراءة هذا الكتاب العظيم، الذي هو كتاب عقيدة، وكتاب أحكام، وكتاب سيّر، وكتاب مواعظ، وكتاب قصص حكيمة ذات عبرة بليغة، وكتاب آيات كونية، واضح لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لذلك, تجد كتاباً شهيراً جداً مثل تفسير آيات الأحكام, تفسير الآيات الكونية في القرآن, القصص في القرآن, مشاهد القيامة في القرآن, فهذا القرآن العظيم يمكن أن تُستنبط منه كتب كثيرة، كتب العقيدة تأخذ من القرآن، كتب قصص الأنبياء تأخذ من القرآن، وهكذا. 5- الاعتماد على الفلسفة وحدها: من أسباب الضلال أيضـاً, أن تعتمد على الفلسفة فقط, فالذين اعتمدوا على عقولهم وحدها وقعوا في التشبيه, يعني شبهوا الإله العظيم ببعض مخلوقاته, وهذا زيغ كبير في العقيدة، وبعضهم وقع في التعطيل، فعطل الصفات، أو عطل المجازات القرآنية التي وردت في حق الله عزّ وجل، هناك من عطلها، وهناك من جسدها، وكلاهما اعتماداً على عقله وحده فوقع في ضلال. ولو أن جميع الذين ضّلوا في عقائدهم بسبب تحكيم عقولهم في أمور الغيب، رجعوا إلى عقولهم ببصر نافذ، وإذعان للحق، واعتراف بالعجز, لقالوا: إن عقولنا محدودة بحدود المحسوسات، فلا يمكن أن نعرف بها وحدها، وبشكل مستقل صورة من صور الغيب، لنعترف أن عقل الإنسان مثل الميزان, له حدود قصوى, فلو وضعت فوقه طرداً وزنه خمسمئة كيلو لا نكسر الميزان، فهل تتهم أن هذا الميزان سيء؟ لا، إن هذا الميزان حينما صنع وضعت حدود طاقته لوزن أثقال لا يتجاوز خمسين كيلو، أما أكثر من ذلك فإن الميزان يتحطم وينكسر, كذلك هذا العقل، حينما وهبنــا الله إياه وضع بطريقة أنه يستخدم استخداماً رائعاً في الاستدلال الحسي، تستطيع بوساطته أن تأخذ من الواقع الحسي دليلا على شيء مغيب عنك, أبسط شيء أنك إذا رأيت المصباح الكهربائي متألقاً فهذا العقل يحكم بشكل قطعي على أن في الأسلاك كهرباء، ولو أنك لا تراها, هذه حدود دائرة العقل، أما عالم الأزل وعالم الأبد، وعالم ما قبل الحياة، وما بعد الموت فلا نستطيع في هذه المجالات أن نعتمد شيئاً محسوساً، ونتخذه أساساً للاستنتاج، فلذلك استخدام العقل وحده في المغيبات أحد أنواع الضلال. عندنا فلسفات تافهة، وناقصة تعتمد على الحس وحده، فكل شيء غير مادي، وغير حسي، إذاً: هو غير صحيح، هذه الفلسفة الوجودية المادية التي لا تعتمد إلا على الحس، كل شيء مغيب عنا ينكره المنكرون، ويجحده الجاحدون، هذه الفلسفات التافهة، والناقصة, إنما هي فلسفات تسبب الضلال الاعتقادي. من أسباب ضلال الانحراف النفسي: 1- اتباع الهوى والشهوات:إذا كان إنسان شهوانياً، يحب الاختلاط، هذا الإنسان حينما اتبع شهوته حدث في نفسه خلل، واختلال في توازنه، هذا الخلل كيف يرمم؟ يُرمم بالاعتقاد الفاسد، يقول لك: هذا الاختلاط لا بد منه من أجل تهذيب المشاعر، وتنقية الأجواء، وتلطيف الأجواء, يأتي بالاختلاط ليجعل منه طريقاً إلى سمو النفس، لأن تعلقه بالاختلاط هو انحراف في الشهوة، هذا الاختلال في نظر المنحرف يرمم بهذه الطريقة، والذي يأكل الربا تراه يعتقد أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 130) يقول لك: الذي حرمه الله عزّ وجل هذه الفوائد المركبة الكبيرة جداً، هذا فقط محرم، إذاً: فقد ضل عقله, كيف ضل عقله في فهم هذه الآية؟ لأنه منحرف في أكل الربا, هذه نقطة خطيرة جداً، والإنسان الذي يعاني من انحراف أخلاقي، أو واقع في معصية و مصر عليها, أو عنده زيغ عن الحق، هذا الانحراف الأخلاقي يدفعه إلى تخيل عقيدة فاسدة. الشخص الذي يغش يقول لك: يا أخي أنا عندي عيال، والعمل عبادة، ولا أقدر أن أضيع عيالي، فأنا مضطر أعمل ذلك، يستحل الغش ليبرر عمله السيء، والذي يأكل أموال الناس بالباطل، ويستحل ذلك ليغطي انحرافه السلوكي، فأربعة أخماس الضلال الاعتقادي سببه الانحراف الأخلاقي, هؤلاء المنحرفون أخلاقياً يتعلقون بعقائد ضالة وزائغة, لأن هذه العقائد الضالة الزائغة تغطي انحرافهم. المقيم على معصية، هذا يعتقد بمفهوم ساذج للشفاعة، لماذا؟ حتى يستعيد التوازن الذي اختل من جراء هذه المعصية، فلو أن طالباً أمضى العام الدراسي كله من دون دراسة، فهو يشعر بخلل داخلي في نفسه، فإذا سمع هذا الطالب مِن طالب آخر, أن الأستاذ يمكن أن يعطي الأسئلة في آخر العام مقابل مبلغ ضخم، الفكرة خرافة، تراه يصدقها, ويطمئن لها، ويتمسك بها، لأن هذه الفكرة الخرافية الضالة تعيد له التوازن الذي اختل بعدم الدراسة, قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ (سورة الماعون الآية: 1-2) آية أخرى, قال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (سورة القصص الآية: 50) إن لم يستجب، وإذا أصر على عقيدة ضالة، فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، هذه حقيقة مهمة جداً، أتمنى أن تكون هذه الآية دائماً في أذهانكم، أن الذي تناقشه إذا أصرّ على الضلال، أصر على الزيغ والانحراف، يجب أن تعلم علم اليقين أنه يدافع عن أخطائه، وعن انحرافه، ويدافع عن ضلاله السلوكي بالضلال الاعتقادي. هؤلاء الذين أباحوا لأنفسهم أن يفعلوا كل شيء، فالعقيدة التي تناسب هذا الانحراف الخطير هي أن ينكروا وجود الله عزّ وجل, وينكروا المسؤولية كلها, لذلك فإن العقيدة تضل، وتنحرف تماماً بنسبة انحراف السلوك، وكلما كانت زاوية الانحراف كبيرة, كلما كانت زاوية انحراف العقيدة كبيرة, فإذا كان الانحراف شاملاً كان الإلحاد شاملاً, قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾ (سورة الماعون الآية: 1-2) ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ (سورة القصص الآية: 50) هناك آية دقيقة جداً, ذكرناها في الدرس الماضي, قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ﴾ (سورة القيامة الآية: 5-6) هذا الفاجر المنحرف هو الذي ينكر، أو يسارع لإنكار يوم القيامة، وهذه آية ثانية: ﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ ( سورة المطففين الآية: 12) فالتكذيب بالعقيدة الصحيحة, سببها الانحراف الخطير. 2- أمراض القلب ويشمل الحسد والحقد والكبر والنوازع النفسية المتنوعة: 1- الحسد, أحد أسباب الضلال, فأنت حينما تستمع إلى الحقيقة من إنسان تحسده فإنك تردها عليه، وتصر على الباطل حسداً من عند النفس، لرد هذا الذي يقول لك: الحقيقة الصافية، وهذا يؤكد أحياناً كثيرة, أن الحسد يسبب الضلال الاعتقادي, قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾ (سورة البقرة الآية: 87) ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (سورة البقرة الآية: 109) 2- النوازع النفسية الرامية إلى تحقيق مطالبها بالشذوذ، فمثلاً أحد الناس يريد أن يبتغي الغنى السريع بأقرب وقت ممكن, لا يمكن أن يكون بالطرق المشروعة، يلجأ إلى الطرق غير المشروعة كالاحتكار، والاستغلال، والغش، وما شاكل ذلك، فالذي يستبيح الاحتكار، ويستبيح الغش، هو انحراف خطير، أراد به أن يصل إلى هدفه بأقرب وقت، فأعتقد ضلالاً أن بعض الأشياء المحرمة ليست محرمة، فوقع في الضلال أيضاً. 3- الكبر أيضاً, أحد أسباب الانحراف الاعتقادي، كأن يعتقد فكرة حمقاء، أو ساذجة، أو ضالة، أو زائغة، ولا يتراجع، بل يصر عليها بدافع الكبر، وهذا أيضاً أحد الأسباب الذي يسبب الهلاك. 4- وكذلك الأحقاد المتوارثة تسبب بعض الضلال الاعتقادي إذا كان بين المِلل والنِحل. من أسباب ضلال الضعف النفسي: 1- ضعف الإرادة:من أسباب ضلال الضعف النفسي, ضعف الإرادة, قال تعالى: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾ (سورة الزُخرُف الآية: 54) الإنسان أحياناً تضعف إرادته عن مجابهة الباطل، فيعتقد اعتقادًا باطلاً ابتغاء السلامة، وخوفاً من المضايقات، فهذا الضعف النفسي أدّى به إلى اعتقاد ضلالي، وهذا سبب أخير من أسباب الضلالات, وكما قلت قبل قليل: أخطر ما في حياة المسلم أن يكون معتقداً عقيدة ضالة وأسبابها. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#65 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( التاسع و الخمسون ) الموضوع :المكفرات الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من أنكر شيئاً من مسلمات الدين فقد كفر: أيها الأخوة, وصلنا في موضوعات العقيدة إلى موضوع دقيق، هو موضوع المكفرات، لأن المسلمين فيما بينهم قد يقعون في منزلق خطير، وهو أن الذي يخالفهم يكفرونه، فالتكفير شيء خطير جداً، فمن كفر مسلماً فقد كفر. لذلك يجب أن نعلم ما هي حدود الكفر؟ وما هي حدود الإيمان؟ وقبل الخوض في هذا الموضوع، لا بد من تقديم قصير، وقد شرحنا سابقاً أن الإسلام هو انقياد كلي للشريعة الإلهية، فالذي ينقاد بجوارحه، وحواسه، وكل حركاته، وسكناته، ويؤدي العبادات، ويطبق المنهج الرباني، هذا يسمى مسلماً، لأنه استسلم لهذا الشرع الحنيف، فإذا خرج عن هذا المنهج يُسمى فاسقاً، لأن فسق بمعنى خرج، أما الإيمان فشيء آخر، الإيمان تصديق أولاً، وإقبال على الله ثانياً، فحينما ينكر الإنسان أحد مسلمات العقائد التي يجب أن تُعلم بالضرورة فقد كفر، لذلك فإن الكفر كما تعلمون نقيض الإيمان، والكفر إذاً: هو عدم التصديق، ولو بشيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ووصل إلينا بطريق يقيني قاطع، والشيء الذي وصل إلينا بطريق يقيني قاطع، هذا إذا أنكرناه فقد كفرنا. الإمام الرازي في تفسيره الكبير يقول: الكفر هو عدم تصديق الرسول بشيء مما عُلم بالضرورة مجيئه به، أقول هذا الكلام مراراً، هناك مجموعة من العقائد يجب أن تُعلم بالضرورة، فالاعتقاد بها إيمان، وإنكارها كفران، والكفر هو إنكار عقيدة وصلت إلينا بطريق قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، فالإيمان لا يتم إلا بالتصديق بجميع ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، لأن جميع أركانه مع فروعها وِحْدة متماسكة تماسكاً تاماً، والإسلام كل لا يتجزأ، فيجب أن تؤمن بكل عقائد الإسلام إيماناً تاماً، فلو اختل شيء من هذه العقائد، ولم تؤمن به، بل أنكرته فهذا نوع من أنواع الكفر. دليل القرآن على من أنكر شيئاً من العقائد مما علم بالضرورة فقد كفر: ما الدليل على ذلك؟ الدليل قول الله عزّ وجل مخاطباً اليهود في سورة البقرة:﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ (سورة البقرة الآية: 85) إذاً: مجموعة العقائد التي يجب أن تُعلم بالضرورة تصديقها إيمان، وإنكارها كفران، وإنكار بعضها كفران، فالذي ينكر فريضة الصلوات الخمس، فهذا كافر، ومن ترك الصلاة تهاوناً لا يسمى كافراً، لكنه من أنكر فرضيتها، وقال: لِمَ الصلاة؟ ما فائدتها؟ هذه لا جدوى منها، من قال كذلك: فقد كفر، أو أنكر شيئاً من القرآن الكريم الثابت بالتواتر، أو اعتقد إباحة الزنا، وقد حرمه الله عزّ وجل، أو اعتقد إباحة الخمر، وقد حرمها الله عزّ وجل. النقيضان لا يجتمعان: هناك موضوع دقيق، هو من آمن بشيء فقد كفر بنقيضه، والشيئان النقيضان يعنيان أن أحدهما ينقض وجود الآخر، فالضوء ينقض الظلمة، والظلمة تنقض الضوء، إثبات الظلمة ينكر وجود الضوء، وإثبات الضوء ينكر وجود الظلمة، فالضوء والظلمة شيئان متناقضان، والإيمان والكفر شيئان متناقضان، فمن آمن بشيء فهو كافر بنقيضه، ومن كفر بشيء فهو مؤمن بنقيضه، هذه قاعدة مسلم بها، دليلها مِن كتاب الله، قول الله عزّ وجل:﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ (سورة البقرة الآية: 256) فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " (أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة والحسن في مسنده) الذي أُنزل على محمد هذا القرآن، وكل ما في القرآن يؤكد أنه لا إله إلا الله، فإذا اعتقدت أن الكاهن يعلم الغيب فهذا كفر، قال الله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾ (سورة الأنعام الآية: 59) ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾ ( سورة الكهف الآية: 26) إذاً: الإيمان بالشيء يقتضي الكفر بنقيضه. بحث المكفرات مأخوذ من أصول هذا الحديث: المكفرات لها أصول، هذه الأصول مأخوذة من حديثِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:" الإسْلامُ عَلانِيَةٌ وَالإيمَانُ فِي الْقَلْبِ قَالَ ثُمَّ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَالَ ثُمَّ يَقُولُ التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا " (أخرجه الإمام أحمد عن أنس في مسنده) نحن كبشر عاجزون عن أن نعلم ما في القلوب، فما في القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب، ونحن البشر نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، والحديث الشريف الشهير في هذا الموضوع معروف، " حينما عاتب النبي عليه الصلاة والسلام أحد أصحابه الكرام في بعض المعارك، حيث قتل رجلاً، وقبل أن يقتل شهد أنه لا إله إلا الله، قال: يا رسول الله، قالها: ليتقي القتل، فقال عليه الصلاة والسلام: " أشققت عن قلبه؟ " ( ورد في الأثر) أنواع المكفرات: 1- المكفرات الاعتقادية:ما دام الإيمان شيئًا وقر في القلب، وأقر به اللسان، وصدقه العمل، فهناك المكفرات الاعتقادية، وهناك المكفرات القولية، وهناك المكفرات العملية، وهذا يعني أن هناك اعتقاداً يكفر صاحبه، وأن هناك قولاً يكفر صاحبه، وأن هناك عملاً يكفر صاحبه, فإنكار الخالق جلّ وعلا كفر ما بعده كفر، وهذا يسمى أيضاً إلحادًا، وهو إنكار وجود الخالق، وإنكار صفات الكمال فيه, قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 180) من ينكر رحمته، أو حكمته، أو عدالته، أو لطفه، أو قدرته, فقد كفر، ومن أنكر وجوده, فقد كفر، ومن أنكر صفات الكمال فيه, فقد كفر، أو من وصفه بما هو منزه عنه, فقد كفر، ومَن قال: إنه غير محيط علماً بكل شيء, فقد كفر، ومن قال: إن الله لا يعلم ما سيكون, فقد كفر، و من نفى عنه كمال القدرة, أو كمال علمه، أو كمال عدله, فقد كفر، لذلك موضوع العقيدة أخطر موضوع في الدين، يجب أن تعلم علم اليقين ما ينبغي أن تعتقد به. من أنكر إرسال الأنبياء، أو بعث الرسل, فقد كفر، ومن كذبهم فيما نقلوا عن الله عزّ وجل, فقد كفر، ومن أنكر نبياً واحداً منهم, فقد كفر، ومن أنكر رسالة واحد منهم, فقد كفر أيضاً, ومن أنكر الأمور الغيبية التي نقلت لنا عن طريق الكتب السماوية القطعية الثبوت، القطعية الدلالة التي جاءتنا عن طريق التواتر, فقد كفر، فمن أنكر الملائكة, فقد كفر، لأن الله عزّ وجل في القرآن الكريم ذكر الملائكة، ومن أنكر الجنة, فقد كفر، ومن أنكر الكتب السماوية إجمالاً, فقد كفر، ومن أنكر بعض الكتب السماوية, فقد كفر, هذه بعض أنواع المكفرات الاعتقادية التي تتعلق بالإيمان بالله عزّ وجل، وبأسمائه الحسنى، وبأنبيائه، وبالغيبيات. أما ما يتعلق ببعض المكفرات بالأحكام الشرعية، من زعم أن الصلاة غير واجبة, فقد كفر، ومن أنكر تحريم المحرمات، وزعم أنها غير محرمة، كأنْ يزعم بعضهم أن الله عزّ وجل لم يحرم الخمر, فقد كفر, و من أنكر تحريم الزنا، أو أنكر تحريم الربا، أو عقوق الوالدين، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو القتل بغير الحق، أو اعتقد أن الزواج لا جدوى منه، والسفاح أفضل من الزواج, فهذا كافر. فأي شيء شرعه الله لنا بالدليل القاطع، ثم يزعم أحد إنكاره، فقد كفر, أصحاب الأهواء الشهوانيون الذين يعيشون للذاتهم، ولا يبالون كيفما اقتنصوا هذه اللذات، من طريق مشروع، أو من طريق محرم، هؤلاء بالنص الدقيق هم كفار. 2- المكفرات القولية: أما المكفرات القولية، من استهزأ بالدين، أو استهزأ بعقائده، أو سب الخالق جلّ وعلا مثلاً، وسب الرسل الكرام، وسب الكتب السماوية، وسب الدين، واعترض على عدالة الله عزّ وجل، واعترض على قضاء الله وقدره، هذا كله من المكفرات القولية، لكن هذه المكفرات القولية لا تكون مكفرات قولية إلا بشرط, أن تكون في حالة يؤاخذ فيها الرجل على إقراره، فلو كان مكرهاً، أو لو كان غائباً عن الوعي، فلا يكفر بهذه الأقوال، فلو كان كافراً أصلاً، وقال هذه الأقوال: فقد عبر عن كفره، ومن كان مسلماً، وقال مثل هذه الأقوال: فقد ارتد عن دينه، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ " (أخرجه ابن ماجة عن أبي ذر الغفاري في سننه) " أحد أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام كان في وضع صعب جداً، بين أيدي كفار مكة، وهم يعذبونه، فأكرَهوه على أن ينطق بكلمة الكفر، فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام, وأخبره الخبر خفَّف عنه، وقال: لا عليك فإن عادوا فعد " ( ورد في الأثر ) ونزل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ( سورة النحل الآية: 106) إن الأعمال تعبر عما في القلوب، والأقوال تعبر عما في القلوب، وإذا عبرت عما في قلبك بلسانك فهذه كلها مكفرات، تمزيق المصحف, هذا من المكفرات، إلقاؤه في القاذورات، السجود لصنم، هذا من المكفرات، من أتى فعلاً من هذه الأفعال، وثبَت أنه غير معذور، ولا مضطر، ولا مُكره، وليس جاهلاً بهذا، فهذا ينسحب عليه حكم الكفر. يتضح من هذه المكفرات, أن الإنسان لا يكفر إلا إذا صرح، أو قال، أو عمل عملاً من لوازم الكفر، أما أن نحكم به ظناً، فهذا من الكبائر، تكفير المسلم من الكبائر، مسلم قائم بواجباته، قائم بعباداته، يؤدي ما عليه، لأنه اختلف معك في الرأي في الفروع، لا في الأصول تكفره, هذا من الكبائر. الإمام الذهبي في كتاب الكبائر, عد تكفير المسلمين من الكبائر، لذلك, فإن هذا الموضوع له هدف, أن يعلم ما المكفرات الاعتقادية؟ وما المكفرات القولية؟ وما المكفرات العملية؟ من أجل ألاّ تتورط في اتهام الناس بالكفر، حتى لو اتهمتهم بالكفر في نفسك وقعت في الكبائر، الغيبة في بعض حدودها غيبة القلب، إذا اعتقدت أن هذا الذي أمامك ليس مؤمناً من دون دليل قطعي, فهذا كفر، وهو من الكبائر. أصناف أهل الكفر: 1- الكافرون الضالون: وقد صنف الكفار على أربعة أصناف: الصنف الأول: الكافرون الضالون، وهم الذين ينكرون الله بألسنتهم، لأنهم لا يعلمون وجوده في قلوبهم، وقد أشار كتاب الله عزّ وجل إلى هذا النوع في سورة الفاتحة فقال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ (سورة الفاتحة الآية: 6-7) ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ (سورة الرعد الآية: 19) 2- الكافرون الجاحدون: الصنف الثاني: الكافرون الجاحدون, وهم الذين ينكرون الله بألسنتهم، مع أنهم يعلمون وجوده في قلوبهم، ككفر بعض كفار قريش، وكفر بعض اليهود الذين عرفوا أن النبي محمداً عليه الصلاة والسلام هو رسول الله، ومع ذلك أنكروا رسالته، الذي يعرف في قلبه، ويُنكر بلسانه, هذا كافر جاحد. 3- الكافرون المعاندون: الصنف الثالث: الكافرون المعاندون, وهم الذين يعرفون الله في قلوبهم، ويعترفون به بألسنتهم، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (سورة لقمان الآية: 25) ومع ذلك فهم يعاندون في الإيمان برسله، واتباع شريعته، ويستكبرون عن عبادته، لأسباب كثيرة: منها الحسد والبغي، ومنها الكبر، ومنها الطمع، ومنها الرغبة في اتباع الشهوات، ونحو ذلك، وبعضهم قال: ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك يقيناً يخشى على مكانته، أو يخشى على مصالحه، أو يخشى على شهواته، فهؤلاء هم الكافرون المعاندون. 4- الكافرون المنافقون: الصنف الرابع: الكافرون المنافقون، الذين يتظاهرون بالاعتراف في ألسنتهم، وقلوبهم منكرة غير معترفة، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، الإيمان درجات، والكفر دركات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 90) ولقد قرر القرآن الكريم أن الكفار غير المعذورين بكفرهم هم من أهل النار في الدار الآخرة، وأنهم مخلدون في العذاب، وأن الله لا يغفر لهم كفرهم، وإشراكهم به، بخلاف غيرهم من عصاة المؤمنين، فقد تشملهم رحمة الله بالعفو والمغفرة، كرماً منه وفضلاً إذا شاء الله ذلك, قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾ ( سورة النساء الآية: 116) وقال الله تعالى في سورة آل عمران: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 91) خطورة البحث وأهميته: هذا الموضوع أردت أن أقرره لكم لخطورته: أولاً: من أجل أن تعرف حدود الإيمان، وكيف أن الإنسان إذا خرج عن هذه الحدود فقد وقع في الكفران؟ ثانياً: ومن أجل ألا تتورط في كبيرة، ألا وهي تكفير المسلمين المؤمنين الصادقين. بقي علينا في موضوع العقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، وهو الركن الخامس من أركان الإيمان. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#66 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( الستون ) الموضوع :الايمان بالقضاء و القدر (1) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أهمية القضاء والقدر في حياة الإنسان: أيها الأخوة, قد أنهينا بفضل الله وكرمه في الدروس السابقة الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالملائكة، والكتاب، والنبيين، ووصلنا إلى الإيمان بالقضاء والقدر، والقضاء والقدر كما تعلمون ركن من أركان الإيمان، بل إن سلوكك في الحياة يبنى على نوع فهمك للقضاء والقدر، فإذا توهم الإنسان أنه مجبور على أفعاله، وأنه لا اختيار له, وأنه كريشة في مهب الريح، وأن كل شيء قد انتهى، إذا توهم الإنسان ذلك شلت قدرته، وقعد، واستسلم، وصار إنساناً سلبياً، ليس هذا الفهم حقيقة القضاء والقدر, وإذا ظن الإنسان متوهماً أنه يخلق عمله، وأن بإمكانه أن يفعل كـذا وكذا، علا في الأرض، وطغى، وبغى، كذلك هذا الفهم بعيد عن حقيقة القضاء والقدر لذلك الشيء المهم جداً، وهو من العقائد التي يجب أن تعلم بالضرورة، أن تعرف حقيقة القضاء والقدر، هل أنت مخير بلا حدود؟ هل أنت مسير بلا شروط؟ كيف الحال؟ أرجو الله عزّ وجل أن يمكنني من توضيح بعض هذه الحقائق. تعريف القضاء والقدر لغة: كلمة القضاء والقدر، كثيراً ما تدور على الألسنة، نتحدث عنها كثيراً، بادئ ذي بدء ماذا تعني كلمة القضاء والقدر؟ قال علماء اللغة: القضاء بالمد، يعني بالألف الممدودة، مصدر قضى يقضي قضاء، وهو في معناه اللغوي الجامع: إتمام الشيء قولاً كان، أو فعلاً، أو إرادة، أو غير ذلك, فمثال القضاء في القول, قول الله تعالى في سورة الإسراء:﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾ (سورة الإسراء الآية:23) خلاصة قول الله عزّ وجل: ألا تعبدوا إلاّ إياه، إتمام القول، هذا هو المعنى الأول اللغوي للقضاء، أي أتم الله سبحانه نهيه عن عبادة غيره، ومثال القضاء في الفعل، قوله تعالى في سورة فصلت: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ ( سورة فصلت الآية: 12) يعني أتم خلقهن سبع سموات في يومين, ومثال القضاء في الإرادة قول الله عزّ وجل في سورة البقرة: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ (سورة البقرة الآية: 117) فإذا تمت إرادته تعالى في تكوين أمر، فإنما يأمره بـ (كن)، أمر تخليق، فيكون ذلك المراد. أما معنى القدَر, بفتح الدال هو تبيين كمية الشيء، وهو مصدر قدر، يقدُر بضم الدال, وقدِر بكسر الدال, وهو تعيين كمية الشيء، من المقدار، وأما قدر على الشيء بمعنى ملك قوة التصرف بما يريد منه، فمصدره قُدرَةً، وقَدارةً، وقُدُورَةً. تعريف القضاء والقدر شرعاً: القضاء عند علماء العقيدة: هو إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على وفق ما توجد عليه في وجودها الحالي، أراد الله خلق الكون فكان، هذه إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على وفق ما توجد عليه، أراد الله خلق الإنسان، فكان الإنسان، أراد الله خلق السموات والأرض، فكانت السموات والأرض.أما القدر: هو إيجاد الله الأشياء على مقاديرها المحدودة بالقضاء، أي التنفيذ، قضى الله أن يكون الإنسان ذا سمع، وبصر، وإرادة، وعقل، ونفس, فكان كما قدّر. والمعنى الآخر للقضاء والقدر، كما بينه علماء آخرون في العقيدة الإسلامية: القضاء هو الخلق الراجع إلى التكوين، والقدر هو التقدير، أي جعل الشيء بالإرادة على مقدار محدد قبل وجوده، ثم يكون وجوده. هذه التعاريف الشرعية للقضاء والقدر، تلتقي في مفهوم موحد ملخصه: القضاء والقدر إرادة الله أن يوجد الأشياء على وجه مخصوص، ثم إيجادها فعلاً على وفق المراد. قضى, بمعنى أراد أن يخلق الإنسان على وجه مخصوص، فقدر، فخلق الإنسان على هذا الوجه المخصوص، أراد أن يخلق السموات والأرض على وجه مخصوص، فخلق السموات والأرض على هذا الوجه المخصوص، أراد أن يكون الإنسان حراً، فكان الإنسان حراً، أراد أن يكون الإنسان ذا عقل، فكان الإنسان ذا عقل، أراد أن يكون الإنسان ذا شهوة، فكان الإنسان ذا شهوة، أراد أن يجمع الناس ليوم الحساب، فكان ذلك يوم الحساب. هذا أدق تعريف شرعي للقضاء والقدر، لهذا يجب الإيمان بالقضاء والقدر، يجب أن تعتقد بالقضاء والقدر، إذ هو من العقائد التي يجب أن تعلم بالضرورة، ومن قصر في فهم القضاء والقدر، انعكس هذا التقصير خللاً، وانحرافاً على سلوكه. الفهم المغلوط لموضوع القضاء والقدر يضل الإنسان عن الحق: شيء خطير، ربما كان تساهل الناس في المعاصي انعكاساً لفهمهم الخاطئ للقضاء والقدر، يعني أن يقول الإنسان الساذج: كاسات محدودة، في أماكن معدودة, لا تعترض فتنطرد، هذا فهم سقيم للقضاء والقدر، من هنا يتوهم الإنسان أن المعصية مقدرة عليه، شاء أم أبى، وأنه لا حيلة له في تجنبها، إذًا: يقعد, ولا يتوب، ولا يتحرك نحو الأفضل، ولا ينطلق إلى طاعة الله، ولا يسعى إلى كسب رضوانه، يقول لك: أنا لعله كُتب علي أن أكون شقياً، ولا حيلة لي في تغيير هذا القضاء والقدر، ربما كان انحراف الناس، وانغماسهم في المعاصي، وابتعادهم عن التوبة، وسيرهم في طريق هلاكهم، بسبب هذه العقيدة الزائغة التي ما أرادها الله عزّ وجل، والدليل قول الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 148) هذه عقيدة المشركين، عقيدة الجبر: ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء سلبه حرية الإرادة، وجعله ريشة في مهب الرياح، وكتب عليه أن يعصيه، ثم سيحاسبه على هذه المعاصي، وسيجعله في جهنم أبد الآبدين، هذه العقيدة عقيدة الجبر، إنها عقيدة زائغة، إنها عقيدة ضالة. والزيغ الأخير من يعتقد أن الإنسان يخلق أفعاله، كعقيدة المعتزلة الضالة، وأن الإنسان فوضه الله، الجبريون يقولون: أكرهه الله وأجبره, والمعتزلة يقولون: أعطاه الله القدرة، أو فوضه، فالإنسان يخلق أفعاله, إذًا: سيطغى، وسيبغي، وسيعصي، وسيتجبر، وسيقول: أنا أخلق أفعالي، وهذه عقيدة لا تقل خطراً. لذلك الحق، كما قيل: وسط بين الطرفين، بين الجبر، وبين التفويض، بين أن ترى نفسك مجبراً على فعل أي شيء، وبين أن تظن أنك قادر على أن تفعل كل شيء, لا هذه، ولا تلك، الحق وسط بين طرفين. لذلك من هنا جاءت خطورة هذه العقيدة, يجب وجوباً عينياً أن تطلب العلم، أيها الأخوة ليس فرض كفاية، إياكم أن تظنوا أن طلب العلم، ولاسيما العلم الذي لا بد من أن تعلمه هو فرض كفاية، العلم الذي يجب أن تعلمه هو الحد الأدنى من العلم، الذي يقيك الزلل، والخلل، والانحراف، هذا العلم فرض عين، كن من شئت، كن طبيباً، كن تاجراً، أي إنسان يجب أن يطلب العلم، ليقي نفسه الزلل، والخلل، والخطأ. وجوب الإيمان بالقضاء والقدر: فالقضاء والقدر من أركان العقيدة الإسلامية، " قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ " (أخرجه مسلم عن عمر في الصحيح) وهذا بفضل الله وتوفيقه, أمضينا في الإيمان بالله تسعة وخمسين درساً، الإيمان بالله, أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره. وعن عمر أيضاً رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " أخبرني عن الإيمَانُ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ وَالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ " (أخرجه البيهقي في شُعب الإيمان عن عمر) وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الإيمان بالقدر نظام التوحيد " (أخرجه الديلمي عن أبي هريرة) أنت توحد، تقول: لا إله إلا الله، لا حركة، ولا سكنة، ولا فعل، ولا قوة، ولا حدث، ولا رفع، ولا خفض، ولا إعطاء، ولا منع، ولا عز، ولا ذل إلا بالله، هذا هو التوحيد، نظام التوحيد القضاء والقدر، " الإيمان بالقدر نظام التوحيد " (أخرجه الديلمي عن أبي هريرة) وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال: " الإيمان بالقدر يُذهب الهم والحزن " ( ورد في الأثر ) هذا الذي وقع، لا بد من أن يقع، تعلقت إرادة الله أن يقع، إذن فلا بد أن يقع، ولو لم يقع لكان نقصاً في علم الله، وحكمته، وإرادته، إذا عرفت أن الذي بيده الأمر، له الأسماء الحسنى، عليم، حكيم، رحيم، لطيف، غني، عادل، من بيده كل شيء، من بيده ملكوت السموات والأرض، من بيده الأمر كله، هذه العقيدة وحدها تُشفي من آلاف الأمراض النفسية, قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾ (سورة هود الآية: 123) لذلك يقول الإمام علي كرّم الله وجهه: " لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً "، وقال علماء الأصول: إن الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، أن ترضى بمكروه القضاء فهذا دليل معرفتك بالله عزّ وجل, وقال عليه الصلاة والسلام: " لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ وَيُؤْمِنُ بِالْمَوْتِ وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ" (أخرجه الترمذي في سننه) موقف أهل السنة والجماعة من مسألة الاختيار والكسب: فإذا قلت: إن الإنسان ليس له إرادة، مسلوب الإرادة، ريشة في مهب الريح، علماً أن الإنسان مكلف, فهذا التكليف غير صحيح, كيف يصح التكليف والإنسان مجبر؟ كيف تحاسب إنساناً على فعل أجبرته أنت عليه؟ التكليف لا يصح، والاختيار لا يصح، وحمل الأمانة لا تصح إذا أجبرته, فإذا فوضته، ربما لا يكون الذي فوضته رحيماً، وقد يظلم الآخرين، إذا أعطيت إنساناً قوة كبيرة، وأطلقت يده، هذا قد يؤذي الآخرين، و قد يستطيل عليهم، ويعتدي عليهم، فالتفويض انحراف في العقيدة. الجبريون انحرفوا، فنفوا عن الإنسان إرادته الحرة، وكسبه للأفعال، واختياره، وتكليفه، والمعتزلة عزوا الفعل إلى الإنسان، ونسوا أن الله سبحانه وتعالى هو خالق الأفعال كلها، فقدْ وقف أهل السنة والجماعة موقفاً متوسطاً، فاختاروا الاحتمال الوسط، الذي ليس فيه شطط ولا انحراف، والذي لا يتنافى مع صحة التكليف، ومفهوم العدل والحكمة من جهة، كما لا يتنافى مع النصوص الشرعية من جهة أخرى، ووفقوا بين ذلك توفيقاً يقبله العقل، وتحتمله نصوص الشرع من دون تكلُّف. ملخص اعتقادهم, أن الإنسان مخلوق وهبه الله العقل، والإرادة الحرة، والقدرة المستعدة للتنفيذ في حدود الإمكان الموهوب له، ولكن عمل قدرة الإنسان في آثارها، إنما هو عمل الأسباب في مسبباتها، لا عمل المؤثرات الحقيقية، هذا سأوضحه بمثل دقيق، حيث إن المؤثر الحقيقي هو قدرة الله سبحانه وتعالى، فأفعال العباد مخلوقة لله تعالى، بالنظر للمؤثر الحقيقي، وهي أفعال العباد بالنظر لصور الأسباب الظاهرة، وقد وجه العباد إرادتهم إلى فعلها باختيارهم الحر، وبذلك يصح ابتلاؤهم، وامتحانهم، وبذلك يصح في العقل وفي العدل أن يترتب على أفعالهم المدح والثواب، أو الذم والعقاب. شيء دقيق جداً، هو أنك إذا أمرت إنساناً أن يفعل كذا، فهذا اعتراف منك أنه مخير، إذا قلت لموظف في محلك التجاري: تعال غداً في الساعة السابعة، ألا يعني هذا الأمر أنه بإمكانه أن يأتي أو لا يأتي؟ شيء بدهي، فمجرد الأمر يعني أن المأمور مخير، ومجرد النهي يعني أن المنهي مخير. موقف علماء العقيدة في مسألة التسيير والتخيير من منطلق بحث القضاء والقدر: 1- من واقع حال الإنسان: صفوة القول في هذا الموضوع، كما يقول علماء العقيدة: أننا يجب أن نبحث القضاء والقدر من زوايا ثلاث: 1- من واقع حال الإنسان. 2- من منطلق العقل السليم. 3- من منطلق النصوص الشرعية الصحيحة. لنأخذ حال الإنسان, يبدو لنا كما نشعر من أنفسنا، أن أموراً تجري في الحياة من دون أن يكون لإرادتنا دخل في ذلك، نحن ولدنا مثلاً في زمن معين، هذا الزمن لم يكن له علاقة باختيارنا، ولدنا من أب وأم معينين، ولدنا في ظرف معين، في بيئة معينة، كان جسمنا قوياً أو ضعيفاً، كان في صحتنا خلل أو استقامة، ولدنا من أب غني, الأمور كلها ميسورة، أو من أب فقير, شعرنا بالحرمان، هذا كله ليس لنا فيه حول، ولا طول، ولا اختيار، إذًا: فهناك أشياء في حياتنا نحن مسيرون فيها كل التسيير، وهناك أشياء أخرى نحن مخيرون فيها، فأن تأتي إلى هذا المسجد أو لا تأتي، أن تصلي أو لا تصلي، أن تطلق البصر في الحرام، أو أن تغض البصر عن محارم الله، أن تأخذ حقك فقط، أو أن تأخذ فوق هذا الحق، أن تعامل من حولك معاملة طيبة رحيمة، أو أن تعاملهم معاملة قاسية، أن تكون رحيماً أو قاسياً، عادلاً أو ظالماً، منصفاً أو مجحفاً، أن تكون خيراً أو بخيلاً, هذه كلها أعمال داخلة في دائرة الاختيار. نورد مثالاً على ذلك: هناك قفص فيه عصفور وعصفورة، فيه صحن للطعام، وإناء للماء، هذا العصفور بإمكانه أن يأكل أو لا يأكل، أن يشرب أو لا يشرب، بإمكانه أن يلاطف أنثاه أو أن ينقرها، لكن صاحب القفص، حمل هذا القفص وسار به، فحركة القفص ليست باختيار هذا العصفور، لو أن صاحب القفص غمسه في الماء، ليس باختياره ذلك، لو أنه وضعه في مهب رياح باردة، ليس له ذلك، فهذه الأشياء لا علاقة للعصفور بها، أما معاملته لأنثاه، وتناوله للطعام أو عدم تناوله، أن يرمي الإناء أو لا يرميه، فهذه الأعمال كلها باختيار العصفور، وسيحاسب عليها. فهناك دائرة تُحاسب عليها، هناك دائرة أنت فيها حر، وحريتك فيها ظاهرة، وسوف تحاسب عليها، وهذه الأعمال مكلف بها، وهناك دائرة أخرى لست محاسباً عليها، إنما أنت في هذا مسير، ولست مخيرًا. فواقع حال الإنسان، كل واحد منا بإمكانه أن يصلي أو لا يصلي، يحضر مجلس علم أو لا يحضر، أن يكون قاسياً مع والدته أو أن يكون لطيفاً، يعامل زوجته بالرحمة أو بالعنف، أن يكون كريماً أو بخيلاً، هذا كله باختياره، أما كونه صحيحَ الجسم، قلبه متين، صحته جيدة، ابن رجل غني، جاء من أب فقير، جاء من أسرة عالية النسب، من أسرة وضيعة النسب, هذه الأشياء كلها، لا علاقة له باختيارها. إذاً: أنت بحسب الواقع بين دائرتين، دائرة أنت مخير فيها، ومحاسب على كل أعمالك، ودائرة ثانية، أنت فيها مسير، هذا الواقع. 2- من منطلق العقل السليم: يقضي العقل بأن المسؤولية عن العمل لا بد أن تكون منوطة باستطاعة الإنسان على الفعل أو الترك، متى أكون مسؤولاً أمام أي جهة في الأرض؟ إذا كنتُ مخيراً، إذا كنت مستطيعاً أن آتي إلى المدرسة الساعة الثامنة، وجئت الساعة التاسعة، فأنا مسؤول عن هذا التأخر، أما إذا كان بعد المدرسة عن البيت 100 كم، فكيف أتخطى هذه المسافات في ربع ساعة؟ مستحيل، فالعقل يقول: لا بد أن تكون المسؤولية عن العمل منوطة باستطاعة الإنسان على الفعل أو الترك، أما من لا يملك هذه الاستطاعة فلا يصح أن تتوجه إليه المسؤولية أصلاً. هل أستطيع أن أحاسب مستخدماً على باب المستشفى عن فشل عملية جراحية؟ يجيبك أنا لا أحسن إجراء العملية الجراحية، أنا لا أستطيع أن أفتح البطن، تحاسب الطبيب المتعلم، الذي يملك الأدوات، وعنده علم، ومعه قدرة، ومعه أدوات, إذًا: مِن زاوية العقل، ومن زاوية الواقع أنت مخير، وهذا شيء نشعر به. لماذا يلقى القبض على المجرم؟ وإذا وقف المجرم أمام القاضي، وقال له سيدي: أنا مجبور على ذلك، فلا تؤاخذني، لقد قدّر الله علي أن أكون كذلك, هل يُقبل منه هذا الكلام؟ هل يصدر قرار بالعفو عنه لأنه قال: إنني مجبر؟ جاء إلى سيدنا عمر رجل شارب للخمر، فقال: أقيموا عليه الحد، فقال الرجل: والله يا أمير المؤمنين، إن الله قدّر عليّ ذلك، فقال رضي الله عنه: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، أنت مخيّر، ولست مجبرًا، إذًا: من زاوية المنطق والعقل، فالمسؤولية لا تصح إلا إذا كنت مخيراً، مستطيعاً، لذلك إذا أخذ ما وهب أسقط ما أوجب، المجنون لا يحاسب، والمكره لا يحاسب، فإذا أُكرِهت على فعلٍ ما، لا تحاسب عليه, عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ رفع عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ " (أخرجه ابن ماجة عن أبي ذر الغفاري في سننه) ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (سورة البقرة الآية: 173) إذا واجه سيل أحد الأشخاص، وهدم بيته، هل يُساق ليحاكم؟ لا، ليس له اختيار في الموضوع، داهم السيل بيتَه، وهُدم بيته، ومات فيه خمسة أطفال، أيُساق إلى المحكمة ليحاكم عن قتل الأطفال؟ أبداً، أما إذا قتل إنسان إنساناً آخر بمحض اختياره، أليس يحاسب على ذلك؟ هذه من زاوية العقل. 3- من زاوية النصوص الشرعية الصحيحة: في الدائرة التي أنت مسير فيها، اعلم علم اليقين أن كل ما يجري في حقك مسيرًا به، إنما هو لمصلحتك، وهي محض رحمة، ومحض فضل، أن تكون من أب فقير، فهذا لمصلحة إيمانك، وأن تكون بهذا الجسم العليل، فهذا لمصلحة إيمانك، وأن تكون من هذه الأسرة، فهذا لمصلحة إيمانك، كل شيء أنت مجبر عليه هو لمصلحتك، وأما الذي أنت فيه مخير، فإما أن تفعل ما هو خيّر، فتثاب على هذا العمل، وإما أن تفعل ما هو شر، فتجازى على هذا العمل. أوضحت النصوص الشرعية الإسلامية مذهب أهل السنة والجماعة، إذ أثبتت أن للإنسان كسباً اختيارياً، يحاسب عليه، ويعتبر مسؤولاً عنه، ويتوجه إليه التكليف الشرعي ضمن حدوده، وما ليس للإنسان فيه كسب اختياري، فلا مسؤولية عليه فيه، ولا يحاسب عليه، ولا يترتب له أو عليه ثواب ولا عقاب. من لوازم القضاء والقدر: منح الله سبحانه وتعالى الإنسان إرادة حرة، يكسب بها أعماله الاختيارية، ومنح الإنسان بالإضافة إلى ذلك سائر شروط امتحانه، من عقل يدرك به التكاليف الربانية، وقدرة ظاهرة على تنفيذ ما يكلفه من أعمال جسدية أو نفسية، وبذلك تكون مسؤوليته, وحين تختل الشروط اللازمة لامتحانه أو تكليفه ترتفع مسؤوليته.ولما توجهت إرادة الله لمنح الإنسان الإرادة الحرة، استحال في الوقت نفسه أن تتوجه لسلبه هذه الإرادة، وجعله مجبراً، نظراً إلى أنه يستحيل أن تتناقض إرادة الله عزّ وجل، فما دامت إرادة الله تعلقت أن يجعلك مختاراً، لن تكون هناك إرادة تناقض هذه الإرادة، تعلقت إرادة الله أن يجعلك مختاراً، فكنت كذلك. الأدلة من الكتاب على موضوع الإنسان مسير ومخير بآن واحد: بعض الآيات القرآنية تؤكد ما ينمو إليه هذا الكتاب، قال تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 225) كسبت قلوبكم, أنت لك كسب، تكسب العمل الطيب، وتكسب العمل السيء, قال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 5) ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 286) قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾ (سورة الطلاق الآية: 7) هذه الآيات كلها تؤكد الحقيقة الأساسية، في أن الإنسان مخير في دائرة، ومسير في دائرة أخرى قول الحسن بن علي رضي الله عنه حول مسألة القضاء والقدر: كتب الحسن البصري إلى الحسن بن عليٍ يسأله عن القضاء والقدر، فكتب الحسن بن علي إلى الحسن البصري ما نصه: " من لم يؤمن بقضاء الله وقدره، خيرِه وشره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على الله فقد فجر". دققوا، إذا قلت لإنسان: لماذا أنت في المعصية؟ يجيبك: إن الله قدر عليّ ذلك، إيّاك، هذا كلام كفر, هو الذي رتب لك أن تعصيه, هو الذي أمرك بالزنا, هو الذي أمرك بالسرقة, هو الذي أمرك بالكذب؟ قال تعالى رداً على هؤلاء وأمثالهم: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 28) " من لم يؤمن بقضاء الله وقدره، خيرِه وشره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على الله فقد فجر، وإن الله تعالى لا يطاع استكراهاً " أنت لست مكرهاً على الطاعة، لو أنك مكره لما كان لك ثواب، " إن الله تعالى لا يطاع استكراهاً، ولا تعصيه قهراً، ولا يُعصى بغلبة، لأنه تعالى مالكٌ لما مّلكهم، وقادر على ما أقدرهم، فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما عملوا، إن عملوا بالمعصية فلو شاء لحال بينهم وبين ما عملوا، فإن لم يفعل فليس هو الذي جبرهم على ذلك "، قولاً واحداً, إن الذي يعصي الله إنما يعصيه بمحض اختياره، " لو أنه أجبرهم على الطاعة لأسقط الثواب، ولو أنه أجبرهم على المعصية لأسقط العقاب " كلام واضح كالشمس, " لو أنه أجبرهم على الطاعة لأسقط الثواب، ولو أنه أجبرهم على المعصية لأسقط العقاب، ولو أهملهم لكان ذلك عجزاً في القدرة, فإن عملوا بالطاعة فله المنة والفضل, أعطاهم القوة على أن يطيعوه, هم أرادوا أن يطيعوه، أعطاهم القوة على ذلك, وإن عملوا بالمعصية فله الحجة عليهم, والسلام ". هذا ملخص الملخص, كلام الإمام الحسن بن علي يجيب عن سؤال حول القضاء والقدر للإمام الحسن البصري رحمهما الله تعالى. قول سيدنا علي رضي الله عنه رداً على سائل أساء الفهم للقضاء والقدر: سأل شيخ شامي الإمام علي رضي الله عنه بعد الانصراف من صفين قائلاً: أكان المسير إلى الشام بقضاء الله وقدره؟ فقال علي كرم الله وجهه: والذي فلق الحب، وبرأ النفس، ما وطئنا موطئاً، ولا هبطنا وادياً، ولا علونا تلة, أي مرتفعاً, إلا بقضاء الله وقدره.فقال الشيخ: عند الله أحتسب خطاي، ما أرى لي من الأجر شيئاً, مادام القضية كلها مرتبة، وأنا مسير, مالي أجر. فقال له: أيها الشيخ، عظم الله أجركم في مسيركم، وأنتم سائرون، وفي منصرفكم، وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مُكرهين، ولا إليه مضطرين. فقال الشيخ: كيف والقضاء والقدر ساقنا؟ هنا بيت القصيد، فقال الإمام علي كرم الله وجهه: ويحك، لعلك ظننت قضاء لازماً, أي إجباريًا، وقدراً حاسماً, لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والأمر والنهي، فلم تكن لائمة للمذنب، ولا محمدة للمحسن، ولما كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المسيء، ولا المسيء أولى بعقوبة الذنب من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان، وحزب الشيطان، وشهود الزور، أهل العمى عن الصواب, إن الله تعالى أَمر تخييراً، ونهى تحذيراً، وكلّف يسيراً، ولم يكلّف عسيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يُطع مُستكرهاً، ولم يرسل الرسل إلى خلقه لعباً، ولم يُنزل الكتب عبثاً، ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار. ملخص القول: هذا إن شاء الله, له توضيح في دروس قادمة، ولكن لا يستحسن للإنسان أن يخوض إلى أعماق هذا الموضوع، لأن النبي عليه الصلاة والسلام فيما روي عنه، قال فيما معناه: إذا ذُكر القضاء والقدر فأمسكوا, يجب أن تعلم أنك حر في دائرة، وأنك محاسب فيما أعطيت من حرية، وأنّ الشيء الذي لا حرية لك به لا تحاسب عنه، هذا ملخص قولنا ذلك.وسوف ننتقل إلى الآيات الدقيقة المتعلقة في هذا الموضوع، نظراً لأهميتها، فقد أُفردت في موضوع مستقل، وسوف نأخذها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#67 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( الواحد و الستون ) الموضوع :الايمان بالقضاء و القدر (2) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزالقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. المحاور التي تدور عليها الآيات حول موضوع القضاء والقدر: 1- محور هداية الناس جميعاً: أيها الأخوة، هناك خمس مجموعات من آيات القرآن الكريم تتعلق بالقضاء والقدر، تتمحور كل مجموعة حول محور, هذه المجموعات هي: المجموعة الأولى: بين الله فيها أن الله عزّ وجل أنه لو شاء لهدى الناس جميعاً, قال الله تعالى: ﴿ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾ ( سورة الرعد الآية: 31) وفي آية أخرى, قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ( سورة السجدة الآية: 13) وفي آية أخرى, قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ ( سورة هود الآية: 118) ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ ( سورة الأنعام الآية: 35) ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾ ( سورة يونس الآية: 99) قد يأتي سائل, ويسأل لماذا لم يشأ الله ذلك؟ هذه الآيات من الآيات المتشابهات التي تحتاج إلى تأويل, وتفسير, وتوضيح, يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ (سورة يونس الآية: 39) ويقول في آية أخرى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة النحل الآية: 43) قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (سورة السجدة الآية: 13) ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ( سورة يونس الآية:99) ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ( سورة هود الآية: 118) ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ (سورة المائدة الآية:48) أيها الأخوة، فهي كما قلت قبل قليل من الآيات المتشابهات، ومعنى المتشابهات، أيْ التي يجب أن تسأل عنها، لئلا يتبادر إلى ذهنك فهم سطحي ساذج محدود من أن الله عزّ وجل لم يشأ الهداية، أراد أن يجعل الناس ضالين مُضلين, قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ ( سورة السجدة الآية: 13) ما الذي حصل؟ هذه / لو / حرف امتناع لامتناع، أي امتنعت هداية الخلق لامتناع مشيئة الله, ليس هذا هو المعنى المراد, إذا تأملنا في واقع الأمر يتبين لنا احتمالات ثلاثة للمشيئة الربانية: الاحتمال الأول: أن تكون مشيئة الله هي جعل الناس مجبرين على سلوك طريق الهداية، دون أن يستطيعوا غير ذلك، لأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجبرهم على طاعته، وقادر على أن يجبر الناس على سلوك طريق الهدى. فشيء بسيط جداً, نسبة لقدرته جلّ وعلا، أن يجبر الناس على طاعته، كان ممكناً لمشيئة الله عزّ وجل أن تكون هكذا، ولكنها لم تكن. الاحتمال الثاني: ويُمكن أن تكون المشيئة في جعل الناس مجبرين على سلوك طريق الضلالة. الاحتمال الثالث: ويمكن أن تكون مشيئة الله عزّ وجل في أن يجعل الناس مخيرين، فمن شاء منهم اختار بإرادته الحرة طريق الخير، ومن شاء منهم اختار بإرادته الحرة طريق الشر. هناك ثلاث احتمالات لمشيئة الله عزّ وجل في هذا الموضوع, فالله سبحانه وتعالى لم يشأ أن يجبر عباده على طريق الطاعة، فإذا كان لم يشأ أن يجبر عباده على أن يسلكوا سبيل الطاعة, فهو كذلك لم يشأ أن يجبر عباده على سلوك سبيل المعصية, إذا لم يشأ أن يجبر عباده على طاعته، ليس معنى هذا أنه شاء أن يجبرهم على معصيته، لا, ليس هذا هو البديل، ليس هذا هو المقابل، ليس هذا هو الاستنباط العكسي، هذا فهم ساذج, بل شاء لهم أن تكون لهم مشيئة حرة يختارون بها طريق الهداية، أو طريق الضلال, أي شاء أن يجعلهم أحراراً في اختيارهم. إليكم بعض الأمثلة للتوضيح: أضرب بعض الأمثلة, الجامعة بإمكانها ضمن حدود قدرتها، أن تجعل جميع الطلاب ينجحون بعلامات تامة، شيء في منتهى البساطة، توزع على الطلاب أوراق الأسئلة، وأوراق الإجابة مطبوع عليها الإجابة الكاملة، وما على المدرس إلا أن يضع على كل ورقة مئة من مئة، يقول رئيس الجامعة: لو شئت لجعلت جميع الطلاب ينجحون نجاحاً ممتازاً، ولكن لو فعلت ذلك فأين قيمة الجامعة حينئذ؟ هل لهذا النجاح أي قيمة عند الطلاب؟ هل لهذا النجاح قيمة عند إدارة الجامعة؟ هل لهذا النجاح قيمة عند الناس؟ هل لهذه الشهادة التي يحملها خريجو الجامعة أية قيمة؟ فلو أجبـر ربنا سبحانه وتعالى عباده على طاعته لأصبح التكليف باطلاً، وأصبح الابتلاء باطلاً، وأصبح الامتحان باطلاً، وصار مجيئنا إلى الدنيا عبثاً، ولبطل الثواب، وسقط العقاب، وبطل الوعد والوعيد، وعطّلت نواميس الكون، وسقط الإنسان، وصار في مستوى الحيوان, قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾ (سورة الأحزاب الآية: 72) ولكننا لم نفعل، ومشيئتنا لم تكن كذلك، كان من الممكن أن تكون هذه مشيئتنا، لكن هذه المشيئة لم تتعلق بها حكمتنا, ليس من الحكمة أن نشاء ذلك, فإذا خفي على الإنسان هذا الكلام، هذا القرآن يحتاج إلى من يعلمك إياه، يحتاج إلى من يفسره لك, قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة النحل الآية: 43) إذا وزعنا مذياعاً ليس له إلا محطة واحدة، لم يكن للمستمع أيّ اختيار, أما إذا كان هناك عدة محطات، هذا استمع إلى قرآن، وهذا استمع إلى غناء، أصبح هناك اختيار، كشفت النفوس، أما بمحطة واحدة لم يعد هناك خيار, إذاً: ولو شئنا أن تكون الأنفس كلها مفطورة على سلوك سبيل الهداية فقط، لسلبناها منحة الاختيار، وقدرة الكسب، ولجعلناها أنفساً مجبرة لا اختيار لها، ولو جعلناها كذلك لكان من مقتضى الحكمة، أن نؤتي كل نفس هداها، لو أننا أردنا أن نسلبها حرية الاختيار، لكان مقتضى الحكمة أن نؤتي كل نفس هداها، ولكن تمت الحكمة بأن توهب هذه الأنفس الاختيار الحر، والقدرة على الكسب، ضمن دائرة التكليف فقد حق القول مني أن الذي يختار سبيل الشر، وطريق المعصية، فسوف يدخل النار, الاختيار فيه مسؤولية أنت حينما تجبر الإنسان على فعل معين، لن تستطيع أن تحاسبه إطلاقاً، أما إذا خيرته فعندئذٍ تأتي المسؤولية، ويأتي الحساب، ويأتي الجزاء, قال تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ ( سورة هود الآية:119) شاءت مشيئة الله عزّ وجل أن يكون الإنسان ذا مشيئةٍ حرة، إن اختار طريق الخير، سعد في الدنيا والآخرة، وإن اختار طريق الشر، دخل جهنم، وخلد بها إلى أبد الآبدين، قال تعالى: ﴿ولكن حق القول مني﴾ (سورة السجدة الآية: 13) لأنني منحت الإنسان مشيئة حرة, قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ (سورة السجدة الآية: 13) ما هي الحكمة في اختلاف الناس فيما بينهم طالما كانوا أحراراً في الاختيار ؟ الآية الثانية, قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ (سورة يونس الآية: 99) ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ ( سورة البقرة الآية:256) إذاً: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ( سورة القصص الآية:56) ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ( سورة البقرة الآية: 272) ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ ( سورة هود الآية: 86) ﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 107) ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾ ( سورة الغاشية الآية:22) ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ ( سورة الكهف الآية: 29) ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ (سورة هود الآية: 118) الأمر واضح كالشمس, لِمَ هم مختلفون؟ قد يتوقف الإنسان ويقول: يا ربي جلت حكمتك، لماذا أردت البشر أن يكونوا مختلفين في المذاهب والاتجاهات والنظريات والخصومات؟ الجواب: هذا هو الاختيار، لأنني منحتهم الاختيار، الاختلاف فيما بينهم نتيجة طبيعية لمنحهم حرية الاختيار، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ (سورة المائدة الآية: 48) لو أنّ الله سبحانه وتعالى أجبر عباده على طاعته، لأ لغي التكليف, وألغي الابتلاء، ولكن لم يشأ ذلك، لماذا؟ ﴿ليبلوكم ﴾ (سورة المائدة الآية: 48) ليمتحنكم و ليكشف خبايا نفوسكم، وليميز الخبيث من الطيب, قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ ( سورة العنكبوت الآية:2) ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (سورة العنكبوت الآية:3 ) إذًا: حرية الاختيار من أجل الابتلاء، ومن لوازم حرية الاختيار الاختلاف بين الناس، وحرية الاختيار تنفــي الإكراه في الدين، وحرية الاختيار تقتضي المسؤولية. 2- محور عقيدة أهل الشرك: وأما المجموعة الثانية: فقد أورد القرآن الكريم تعلل المشركين بمشيئة الله تعالى في إشراكهم، وفي عبادتهم لغير الله فاعتقدوا أنّ الله خلقهم مشركين، وأجبرهم على الشرك، هذه عقيدة أهل الشرك، هذه الآية التي سأتلوها عليكم تنفي عقيدة الجبر، التي تقول: إن الإنسان ريشة في مهب الرياح, يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ ( سورة الأنعام الآية: 148) ألا تستمعون لأكثر الناس يقولون: يا أخي هذا أضله الله، ما هذا الكلام؟ خلقه الله كافراً، خلقه مشركاً، خلقه ضالاً، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ ( سورة الأنعام الآية:148) ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ ( سورة الأنعام الآية:148) سمى ربنا سبحانه وتعالى هذه العقيدة كذباً, وسماها تكذيباً, وأوعد هؤلاء المكذبين أن يعاقبهم على هذا التكذيب, ما الدليل؟ ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ ( سورة الأنعام الآية:148) أيها الأخوة، لولا الدليل لقال من شاء: ما شاء, منهج البحث في الإسلام, إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مبتدعاً فالدليل, هؤلاء الذين يزعمون أن الله أجبرهم على الشرك, فربنا عزّ وجل يطالبهم بالدليل: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 148) سوف تأتيكم الحجة الداحضة لافتراءاتكم وكذبكم, قال تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 149) ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 148-149) لم تتعلق مشيئة الله أن يجبرك، ولكن مشيئته تعلقت بأن يجعلك مُخيّراً, مرة ثانية, هذه الآية محكمة، صريحة، واضحة في نفي الجبر عن الإنسان. أيها الأخوة, هاتان الآيتان تشكلان المجموعة الثانية المتعلقة بالقضاء والقدر، والتي هي صريحة أشد الصراحة في نفي الجبر عن الإنسان, وفي منحه حرية الاختيار، والدليل تتمة الآية الأولى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 149) هل معنى هذا أنه أجبركم؟ إنه إذا أجبركم بَطَلَ الثواب، وإن أجبركم كما تزعمون على المعصية والشرك لبطل العقاب، بل له الحجة البالغة عليكم لأنه خيَّركم, قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 148) 3- محور المشيئة الربانية: المجموعة الثالثة من الآيات المتعلقة بالقضاء والقدر, قوله تعالى في سورة الكهف: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾ ( سورة الكهف الآية: 29) الآية الثانية: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ (سورة الإنسان الآية: 29-31) ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾ (سورة الإنسان الآية: 29) أيها الإنسان, أنت مُخير، فإذا شئت طريق الحق, فطريق الحق مسلكه أمامك, قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ ( سورة الإنسان الآية: 30) لهذه الآية الكريمة معنيان: الأول: أن مشيئة الإنسان هي مشيئة اختيار، ولكن مشيئة الواحد القهار هي مشيئة فحص واختبار، فإذا شئت أنت طريق الجنة، يتفحص الله سبحانه وتعالى صدقك، وإمكاناتك، والثمن الذي تدفعه لهذه المشيئة، فإذا كان الثمن وافياً، والصدق كافياً، والأهلية تامة، شاء لك الذي شئته أنت، وإن لم تكن صادقاً في هذه المشيئة، ولم تدفع ثمن الهداية، ولم تؤد ما عليك من موجباتها، عندئذٍ مشيئة الله عزّ وجل، لا تشاء لك هذه المشيئة الكاذبة، وهذا هو المعنى الأول, قال تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ ( سورة الكهف الآية:29) المعنى الثاني, وهو الذي يرتبط بدرسنا أكثر: لكن هذه المشيئة الحرة التي مُنحتم إياها، والتي هي سبب سعادتكم، وسبب رقيكم في الآخرة، هذه المشيئة الحرة من خلق الله عزّ وجل، ولولا المشيئة الحرة لما ارتقيتم إلى الله عزّ وجل, ولما نعمتم في الجنة، ولما ارتقيتم إلى رب الأرض والسموات إلى الدرس القادم إن شاء الله: أيها الأخوة، بقي علينا مجموعتان مهمتان من الآيات القرآنية المتعلقة بالقضاء والقدر، وقد أنهينا منها ثلاث مجموعات في هذا الدرس، وسوف ننهي بقية هذه الآيات في الدرس القادم إن شاء الله تعالى وتفضل علينا بذلك.والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#68 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( الثانى و الستون ) الموضوع :الايمان بالقضاء و القدر (3) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تتمة محاور القرآن الكريم التي تتعلق بالقضاء والقدر: محورا الهدى والضلال:أيها الأخوة، وقد صنفت في الدرس السابق مجموعة من الآيات التي تتعلق بالقضاء والقدر في خمس مجموعات، وقد تم بفضل الله ورحمته توضيح معاني المجموعات الثلاثة الأولى، وبقي علينا اليوم المجموعة الرابعة والخامسة من آيات القضاء والقدر, قال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ( سورة فاطر الآية: 8) ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾ ( سورة الرعد الآية: 27) هذه الآيات من الآيات التي تحتاج إلى دقة في الفهم، فلو أن الإنسان فهمها فهماً محدوداً أو سريعاً، أو أخذها على ما يبدو له من معانيها، واعتقد أن الله سبحانه وتعالى هدى فلاناً، أو أضل فلاناً، وانتهى الأمر، وفلان لا حيلة له في هذا ولا في ذاك، هذا فهم خطير, لذلك الآيات المتشابهات آيات ينبغي أن يسأل عنها أهل العلم، وقد قال الله تعالى: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ ( سورة النحل الآية: 43) ليس للإنسان الحق أن يعتمد على فهمه وحده في فهم آيات القرآن الكريم، قد يكون فهمه محدوداً، أو معلوماته حول هذه الآية محدودة, فآيات الهدى والضلال هي: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ( سورة فاطر الآية: 8) فهمها يحتاج إلى دقة بالغة. الاستعمالات التي وردت في القرآن الكريم في معاني الهدى والضلال: لدى تتبع نصوص القرآن الكريم نلاحظ أنه قد ورد فيها استعمال الهداية والضلالة في أربعة معاني: المعنى الأول: الهداية بمعنى الدلالة، والإرشاد، والتعليم، والضلالة بمعنى الجهل بالحقيقة، والعمى عن طريقها، يقول ربنا سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 1-2) فهذا القرآن العظيم يدل المتقين على طريق سعادتهم. ويقول تعالى في آية أخرى في سورة الضحى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى ﴾ ( سورة الضحى الآية: 7) وجدك غافلاً عن طريق هداية الناس فهداك. آية ثالثة في سورة الحج, قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ ( سورة الحج الآية: 3-4) ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾ ( سورة الحج الآية: 4) من تولاه الشيطان فإنه يضله، أي يبقيه جاهلاً، يغطي عليه الحقائق، يسلك به طريق عذاب السعير. المعنى الثاني: الهداية بمعنى وجود الشيء والعثور عليه، والضلالة بمعنى الضياع، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ﴾ (سورة السجدة الآية: 10) معنى ضللنا في الأرض, أي ضعنا في الأرض تفتت أجزاؤنا، أنخلق خلقاً جديداً؟ قال الله عزّ وجل في آيات أخرى، يخاطب الكفار يوم القيامة: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾ ( سورة القصص الآية: 62) ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ (سورة غافر الآية: 73-74) أي ضاعوا عنا, لذلك حينما يُضل الله الإنسان، بمعنى أنه يبعده عن شركائه، هو لا يُضله عن ذاته، وإنما يضله عن شركائه، فحيثما وجدت أنّ الله عز وجل أضل فلاناً، أي أن فلاناً اعتمد على غير الله، وضع ثقته به، جعله إلهاً من دون الله، عندئذ في ساعات الشدة يبحث عنه فلا يجده، وهذا أمر معروف عند المؤمنين, بمجرد أن تضع ثقتك في مخلوق، وتنسى الله عزّ وجل، يضلك الله سبحانه وتعالى، أي يضلك عن هذا الشريك، تبحث عنه في الوقت العصيب فلا تجده، وهذا من رحمة الله عزّ وجل، ولو أنك وجدته في الوقت العصيب لعبدته من دون الله، وكان هذا طريق الهلاك، فالإنسان إذا اتكل على نفسه، أوكله الله إياها. هناك من يعتمد على علمه، فيقع في حماقة ما بعدها حماقة، هناك من يعتمد على قوته، فيفضحه الله عزّ وجل في أضعف خلقه، هناك من يعتمد على ماله، فتأتيه مصيبة لا علاقة لها بالمال إطلاقاً، لا تحلها الأموال الطائلة، هناك من يعتمد على مكانته، يتعامل مع إنسان لا يعرفه إطلاقاً، ولا يقيم له وزناً، فكل من اعتمد على غير الله عزّ وجل، ووضع ثقته فيه أضله الله عنه، هذا هو المعنى الثاني من معاني الضلالة. المعنى الثالث: تُستعمل كلمة الهدى، بمعنى أثبت الهداية وحكم بها، وتستعمل كلمة أضل، بمعنى أثبت الضلالة وحكم بها، فلان هداه الله، بمعنى أنه حكم عليه بالهداية، أضله الله حكم عليه بالضلالة، هذا هو المعنى الثالث من معاني الهداية والضلالة، مثلاً يقول الله عزّ وجل: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ ( سورة النساء الآية: 88) حكم بعض المؤمنين على بعض المنافقين بالإيمان، والله سبحانه وتعالى حكم عليهم بالضلالة, قال تعالى: ﴿ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾ ( سورة الحج الآية: 88) هذه الآية, تعني أن المؤمن ظن بهذا المنافق ظناً حسناً، فحكم عليه بالإيمان، والله سبحانه وتعالى لأعماله وبعده وعداوته، حكم عليه بالضلالة. آية أخرى تؤكد المعنى الثالث من معاني الهداية والضلالة, قوله تعالى: ﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾ ( سورة الروم الآية: 29) أي إن الذي ضلت نفسه عن الله عزّ وجل، حكم الله عليه بالضلالة، أنت إذا رأيت إنساناً تائهاً ضائعاً، تقول: هذا ضال، بمعنى أنك حكمت عليه بالضلال. مصير إرادة الإنسان أمام إرادة الله: هناك نقطة مهمة جداً في أمور العقيدة، هو أن الفعل بيد الله، فإذا عزي الفعل إلى الله عزّ وجل، بمعنى أنه سمح بحدوثه, أخذ الله سبحانه وتعالى منذ خلقنا على نفسه عهداً أن يعطينا سؤلنا، فكل إنسان أعطاه الله مشيئة حرة، هذه المشيئة الحرة، تحتاج إلى قدرة كي تتحقق، و القدرة هي قدرة الله عزّ وجل، فإذا أراد الإنسان بمشيئته الحرة أن يكون ضالاً، فلا بد بحكم الأمانة التي أوكلنا الله إياها، والتي هي التكليف، لا بد من أن يُمد الله الإنسان بقدرة يحقق بها اختياره. هذا هو المعنى الذي يستفاد من كلمة أضله الله، فإذا عُزيت الهداية والضلالة إلى الله عزّ وجل، فمن باب أن كل شيء لا يحدث إلا بأمره، ولا يحدث إلا بإرادته، وأنّ الله سبحانه وتعالى أراد أن نكون أحراراً في مشيئتنا، فإذا شاء أحدنا الهداية, هداه الله, بمعنى أنه وفقه للوصول إليها, وإذا شاء أحدنا الضلالة - لا سمح الله - أضله الله, بمعنى يسّر له، هذا هو المعنى الثالث من معاني الهداية والضلالة, قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ (سورة التوبة الآية: 115) قال الله سبحانه وتعالى: ﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 20) إذاً: لا يقع في الكون شيء إلا إذا أراد الله ذلك، وإذا أراد شيئاً لا بد من أن يقع, هناك ترابط دقيق بين إرادة الله في حدوث شيء وبين حدوثه، لذلك يؤمن المؤمن أن كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء لم يقع، لم يُرده الله، وأنّ كل ما أراده الله لا بد أن يقع، وأنّ إرادة الله متعلقة بحكمته، ومتعلقة بعلمه، ومتعلقة برحمته، ومتعلقة بعدالته. قال بعضهم توجيهاً آخر لهذه الآيات: هو أن إذا عزا الهدى والضلال إلى الله عزّ وجل فهذا هو الهدى الجزائي والضلال الجزائي, قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ( سورة الصف الآية: 5) اختاروا الضلالة، فجازاهم الله أن يكونوا بحالة الضلال، اختاروا الهداية فأكرمهم الله عزّ وجل بأن جعلهم مهتدين. لكم أن تقولوا: إن مدير المدرسة هو الذي رسب الطالب الكسول، ولكم أن تقولوا: لقد رسب هذا الطالب، فإذا عزوت فعل الرسوب إلى الطالب، فلأنه هو السبب، ولأن إهماله، وكسله، وتوانيه عن الاجتهاد هو الذي جعله يرسب، وإذا عزوت فعل الرسوب إلى الإدارة، فلأنها هي التي نفذت، وقررت وأقرت، ووافقت وفق مبادئ العدالة والرحمة، إذًا: يمكن أن تعزو الفعل إلى الله عزّ وجل، بمعنى أنه سمح بحدوثه، وأن كل فعل لا يقع إلا إذا أراده الله، وإذا عزوت الفعل إلى الإنسان فبمعنى أن هذا من كسبه، وهو المسؤول عن ذلك، والأمور لها مقدمات ولها نتائج، فمن سلك في المقدمات وصل إلى النتائج. هذا شيء بسيط جداً، فآيات الهدى والضلال يجب أن تُفهم على حقيقتها، أما أن تلتقي بإنسان، وتقول له: أخي لماذا لا تصلي؟ فيقول لك: الله ما هداني, ما الدليل؟ يقول: يهدي من يشاء، ويضل من يشاء, هذا هو الفهم الخطير الساذج المحدود الذي ما أراده الله عزّ وجل, لذلك يجب على الإنسان أن يتعلم المعاني الدقيقة التي جاءت في كتاب الله. الرد من الكتاب على من يزعم بأن الله هو الذي يضل الإنسان: ما أكثر الآيات في كتاب الله المتعلقة بالهدى والضلال، فالإنسان دائماً إذا فعل المعاصي والموبقات، وانحرف في سلوكه، وأخذ ما ليس له، واعتدى على أموال الناس، وعلى أعراضهم، يميل دائماً إلى أن يحمل فجوره على ربه، ويميل دائماً إلى أن يعزو هذه الضلالات إلى الله, يقول تعالى:﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 148) أين الدليل؟. أذكركم مرة ثانية بقول الإمام الحسن بن عليّ رضي الله عنه: ((من أنكر القضاء والقدر فقد كفر، ومن حمل ذنبه على الله فقد فجر, إنّ الله تعالى لا يُطاع استكراهاً، ولا يُعصى بغلبة، فإن العباد أطاعوه لم يحل بينهم وبين طاعتهم، وإن عصوه فليس هو الذي أجبرهم على المعصية، لو أجبرهم على الطاعة سقط الثواب, ولو أجبرهم على المعصية سقط العقاب، ولو تركهم هملاً لكان هذا عجزاً في القدرة، إنهم إذا أطاعوه فله المنةُ والفضل، وإن هم عصوه فعليهم الحجة الدامغة)). هذه عقيدة أهل السنة والجماعة في موضوع الاختيار والتسيير، الإنسان مخير أرادت مشيئة الله أن تكون ذا مشيئة أيها الإنسان، فالذي تفعله تحاسب عليه، لأنك مخير في فعله أو عدم فعله. ما معنى المصيبة وما هو الهدف منها ؟ شيء آخر متعلق بمعنى الضلالة والهداية, وهو قوله تعالى:﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ (سورة الحديد الآية: 22-23) هذه الآية دقيقة جداً, لأن بعض الناس يفهمونها فهماً مغلوطاً, فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ (سورة الحديد الآية: 22) المصيبة هنا نكرة، ومعنى التنكير هو الشمول، فكل أنواع المصائب على وجه الأرض من دون استثناء، مصيبة في المال، مصيبة في الصحة، مصيبة في الأولاد، مصيبة مادية، مصيبة معنوية، مصيبة طفيفة، مصيبة كبيرة، مصيبة فردية، مصيبة جماعية، الزلزال مصيبة، والفيضان مصيبة، والقحط مصيبة، والمرض مصيبة، والشقاق الزوجي مصيبة، والولد العاق مصيبة، وفقد المال مصيبة، والمرض الخطير مصيبة، والمرض الطفيف مصيبة، والهم والحزن مصيبة, قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ (سورة الحديد الآية: 22) آفة زراعية قضت على المحصول كله مصيبة، صقيع جاء لدقائق معدودة فقضى على موسم الفاكهة في هذه المنطقة كلها مصيبة, قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾ ( سورة القلم الآية: 19) فهذه كلها مصائب، بمعنى أنها تصيب الهدف، أصاب يصيب إصابة ومصيبة، فحينما سُميت مصيبة, لأنها تصيب مكان الداء, فالمتكبر قد تأتيه مصيبة تذل كبرياءه، والمبذر قد تأتيه مصيبة تفقره ليعرف قيمة المال، والذي يعتدي على أعراض الناس قد تأتيه مصيبة فيها عدوان على عرضه, فمعنى مصيبة، أنها محكمة، وأنها مسددة، وأنها صائبة، وأنها من يد خبيرة، عليمة، حكيمة، بصيرة، عادلة. ما الحكمة من هذه المصائب ؟ يغفل الإنسان أحياناً عن معنى المصيبة، يقول لك: مصائب, نعم كلها أصابت الهدف، كم من إنسان لولا هذه المصيبة لما توجه إلى القبلة, لولا هذه المصيبة لما كفّ عن أعماله السيئة, قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ (سورة الحديد الآية: 22) كل إنسان له عند الله صحيفة أعمال، كما لو أن الطبيب مر على المرضى في المستشفى، فكان على كل سرير لوحة فيها أحدث الفحوص, ضغطه، حرارته، نسبة الشحوم في الدم، نسبة بعض المواد في الدم، يلقي الطبيب على هذه الورقة، أو على هذا الكتاب، ويقرر العلاج المناسب, قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾ (سورة الحديد الآية: 22) فكل مصيبة وقعت في الأرض مبنية على حالة راهنة تلبست بها النفس، فقبل أن تقع المصيبة هناك حكيم قررها، هناك عليم قررها، هناك خبير سمح بها، هناك إله عادل أراد أن ينزلها، كل الشظايا عند الله عزّ وجل مصيبة، وليست طائشة، حادث مثلاً, كان في ساعة غفلة، الغفلة مقصودة، فربنا عزّ وجل يقول: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾ (سورة الحديد الآية: 22) نبرأها, أي قبل أن تقع المصيبة، هناك تعلقت إرادة الله عزّ وجل التي تعلقت بحكمته، ورحمته، وعدالته، وعلمه، وخبرته, قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾ (سورة الحديد الآية: 22) لأنه هو خالق الأكوان، لكن بعض العلماء قالوا: معنى يسير هنا، أي على رحمته، إذاً: المصيبة هنا بمعنى أنها أصابت الهدف، وأنه يسير على الله عزّ وجل أن ينزل بعباده مصيبة تمحق أموالهم من أجل أن يهتدوا إليه، لأنه أعدّ لهم في الآخرة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء لا توزيع جزاء: لو علمت علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى قد خلقك لحياة أبدية، وأن في هذه الحياة ما لا عين رأت، و لا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، عندئذ هانت عليك مصائب الدنيا.يقول سيدنا علي كرم الله وجهه لسيدنا الحسن: ((يا بني ما خير بعده النار بخير، وما شر بعده الجنة بشر، وكل نعيمٍ دون الجنة محقور، وكل بلاءٍ دون النار عافية))، و الحظوظ في الدنيا موزعة توزيع ابتلاء، فليس الغني مكرماً عند الله لأنه غني، وليس الفقير مهاناً عند الله لأنه فقير، إن حظ المال، وحظ العلم، وحظ الجاه، وحظ الصحة، وحظ الجمال، موزعة توزيعاً فيها حكمة، وعدالة حيث يبتلى كل إنسان بهذا الحظ، لكن هذه الحظوظ سوف تُوزع على البشر توزيعاً جزائياً يوم القيامة وإلى الأبد. درس الغد إن شاء الله: بقي علينا إن شاء الله تعالى درس أخير من دروس العقيدة حول ما تجري به المقادير الربانية، مما ظاهره شر وهو في حقيقة أمره خير، وبقي علينا مسؤولية الإنسان عن أعماله الإرادية، والتوكل والاعتماد على الله، وأثر الإيمان بالقضاء والقدر في حياة المؤمن، هذه الموضوعات كلها متممات. وهذا الدرس الذي سوف نتناوله إن شاء الله تعالى قريباً، وبعدها ننتقل إلى موضوعات أخرى. والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
|
|
#69 |
![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() ![]() |
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( الثالث و الستون ) الموضوع :الايمان بالقضاء و القدر (4) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. أفعال الله في الأرض تدل على حكمته: أيها الأخوة، مع الدرس الأخير من دروس العقيدة, كلنا يعلم أن الله سبحانه وتعالى حكيم، والحكمة من صفاته الفضلى، ومعنى أنه حكيم، أي أن أفعاله كلها حكيمة، إذاً: لا بد أن يكون قضاؤه وقدره حكيماً، والحكمة لا تكون إلا في الخير، فليس هناك حكمة في الشر, من هنا يأتي قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾ ( سورة آل عمران الآية:26) إيتاء الملك، ونزع الملك، والإعزاز والإذلال كله خير، لكن الفكرة هنا دقيقة جداً، قد يبدو لبعض الناس بحسب مقاييسهم الدنيوية, أو بحسب تصوراتهم، قد يبدو لهم أنه شر، والأمثلة على هذه الفكرة أكثر من أن تحصى، حينما يفتح بطن المريض لاستئصال الزائدة الدودية، منظر فتح البطن و المريض مخدر على طاولة العمليات، والدم ينزف منه، يبدو أن هذا العمل شر في حق المريض، ولكنه خير في نظر الطبيب، والعقلاء، وأهل العلم، وهذا مثل, وهناك آلاف الأمثلة، مِن هنا يأتي قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ ( سورة البقرة الآية:216) وما دام القضاء والقدر محض الحكمة، إذاً: فهو في جانب الخير، من هنا يأتي قول النبي عليه الصلاة والسلام: " الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن " ( ورد في الأثر) الشر خلق من مخلوقات الله يؤدب به من يستحق من عباده: ما هو الشر؟ كل شيء يقع على وجه الأرض، لا بد أن يكون الله قد أراده، وفي أي مكان وفي أي زمان في ملكوت الله، لا بد أن يكون الله قد أراده، لأن الأفعال كلها من خلْقِ الله، فأين الشر, إذاً؟ قال علماء التوحيد: الشر في النفوس فقط.مثلاً: هذا السارق، حينما تعلقت مشيئته الحرّة أن يسرق، هذا هو الشر، لكن الله سبحانه وتعالى يسوقه إلى من يستحق السرقة، فهو قد أخرج ما في نفسه مِن شر، ولكن هذا الذي يبدو للناس شراً قد وظف لصالح المسروق منه، فالظالم سوط الله ينتقم به، ثم ينتقم منه, لا يوجد شر أبداً في الكون، فهذا الذي يريد أن يؤذي فإن الشر هو تعلق إرادته بالأذى، لكن الله عزّ وجل يتولى توجيه هذا الشر إلى من يستحق الشر، ليكون شر الأول تأديباً للثاني، الدليل: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 129) قد يؤدب الله الزوجة المقصّرة بزوج ظالم، فهذا الزوج الظالم مِن أين جاء الشر في نفسه؟ جاء مِن البُعد عن الله عزّ وجل، لكنه هل تجاوز الحدود؟ لا، إنه سلط على امرأته، وهذا التسليط عليها في ظاهره شر، ولكن في باطنه خير. رب ضارة نافعة: لقد فسر بعض علماء التوحيد النعم الباطنة بالمصائب، حيث يبدو للناس أنها شر, قال الله عزّ وجل: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ ( سورة لقمان الآية: 20) فالنعم الظاهرة هي النعم التي نراها ونتعرف عليها جميعاً، وأما النعم الباطنة فهي المصائب، وكم من مصيبة انتهت إلى توبة, وكم من ذل انتهى إلى طاعة, وكم من فقر انتهى إلى أداء الصلاة, كل الذي يحصل في الكون محض خير على تفاوت في شكله، إما أن يكون ظاهره وباطنه خيراً محضاً، وإما أن يكون ظاهره بحسب مقاييس البشر، أو بحسب تصوراتهم شراً، وفي باطنه الخير المحض. فلو أن رجلاً جاءته الدنيا كما يشتهي من كل جانب، وهو في غفلة شديدة، وفي بُعد شديد، فلو مات على هذا الحال لاستحق جهنم خالداً مخلداً, أما إذا أصاب مرض عضال إنساناً غافلاً، و جعله يسحق سحقًا، فهذا المرض العضال إذا انتهى به إلى توبة نصوح، هو في ظاهره مرض، ولكنه في باطنه سلسلة ساقته إلى الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: " عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل " والمصائب هي السلاسل. ( ورد في الأثر) كان سيدنا عمر رضي الله عنه إذا أصابته مصيبة قال:((الحمد لله ثلاثاً: الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها)). فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى الْمَرِيضَ يَدْعُو لَهُ قَالَ أَذْهِبِ الْبَأسَ رَبَّ النَّاسِ وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا " ( ورد في الأثر) لا بد يوم القيامة أن يكشف الله لنا كل ما ساقه إلينا في الدنيا من محن، ومن أزمات، ومن خوف، ومن نقص في الأموال، ونقص في الثمرات، ونقص في الأولاد، لا بد أن نقول بكل جارحة، وبكل خلية, الحمد لله رب العالمين, قال تعالى: ﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (سورة يونس الآية: 10) النقمة بعدها نعمة إذا عرفنا كيف نتصرف معها ؟ إنّ الشر الوحيد في الوجود هو ما يصدر من المخلوق حينما يخالف أوامر الله عزّ وجل، ونواهيه، ووصاياه، الشر في النفوس، أما في الخير المادي فليس هناك إلا الخير، إما ظاهراً، وهو ما تعارف الناس على أنه خير، وإما باطناً، وهي النعم الباطنة، أي المصائب، هذه المصائب إذا أمكنك أن تفسرها تفسيراً صحيحاً، حُلت مشكلتك مع الله عزّ وجل، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاثٍ قَالَ لا يَمُوتُ أَحَدُكُمْ إِلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ" (أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله في الصحيح) وقد قيل: من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة، فمصيبته في نفسه أكبر، فيجب أن تعلم علم اليقين، أن ما يسوقه الله لعباده في الدنيا من مصائب هي محض خير، يراها الكافر شراً، ولكن المؤمن الذي يعرف الله عزّ وجل، يرى ما انطوى فيها من خير، لذلك: المؤمن حسن الظن بالله، فهذه المصائب قضية مدروسة دراسة عميقة, قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ﴾ ( سورة الحديد الآية: 22-23) وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ " (أخرجه الإمام أحمد عن أبي الدرداء في مسنده) الحكمة من هذه المصائب: 1- الابتلاء: الإيمان بالقدر نظام التوحيد, ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد, يجب أن نعلم علم اليقين أن المصائب التي يسوقها الله لعباده تنطوي على خير كبير، أول أنواع هذا الخير هو الابتلاء, مركبة ذات محرك قوي، لا تبدو قوة هذا المحرك في الطريق المنبسطة، ولا في الطريق الهابطة، لا تبدو قوته إلا في الصعود الشديد، لذلك مهمة الابتلاء فرز الناس، والكشف عن خباياهم، وامتحان نفوسهم, قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾ (سورة العنكبوت الآية: 2) مستحيل، لا بد من أن نُمتحن، لا بد أن نُبتلى، وقد خلقت الدنيا من أجل أن نُمتحن, قال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ ( سورة الملك الآية: 2) ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 30) ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 179) أول هدف كبير من أهداف المصائب الابتلاء، فهذا المؤمن على هذا الدخل الكبير، وعلى هذه المكانة، وعلى هذه الصحة، وعلى هذا البيت المريح، وعلى هذه الزوجة المطيعة، وعلى هؤلاء الأولاد الأبرار، محب لله عزّ وجل, ما مصير هذه المحبة إذا قلّ دخله، أو مرضت زوجته، أو فصل من عمله، أو أصيب بمرض شديد؟ لا بد أن تأتي المصيبة لتمتحن صدقك في الطلب، لا بد أن تأتي المصيبة لتكشف عن معدنك، فالناس معادن، لا بد أن تأتي المصيبة لتفرزك أمع المؤمنين أنت، أم مع غير المؤمنين؟. أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كلهم يحبونه، وكلهم طامع بمودته، وكلهم متعلق به، جاءت معركة الخندق، طوقهم الكفار، وأخلف اليهود عهدهم، وانكشف المؤمنون من ظهورهم، جاءهم الأعداء من كل حدب وصوب، حتى إن أحدهم قال: أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته؟ ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 11) ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 23) فكانت معركة الخندق وسيلة فعالة ودقيقة لكشف خبايا المؤمنين, ولكشف خبايا المنافقين، ثم أرسل الرياح الهوجاء، فقلبت قدور الكفار، واقتلعت خيامهم، ودخلت الريبة فيما بينهم, قال تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 25) أما في حنين فقد بلغ عدد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام عشرة آلاف أو يزيدون، فقالوا في أنفسهم أو بألسنتهم: لن نُغلَب اليوم من قلة، امتحنوا بالضعف، وامتحنوا بالقوة. يا أيها الأخوة, أنت ممتحن قبل الزواج، ممتحن بعد الزواج، ممتحن في الصحة، ممتحن في الفقر، ممتحن في الغنى، ممتحن في الأرض، ممتحن وأنت قوي, ممتحن وأنت ضعيف، قد تكون في عمل، ولك مكانة عالية، تمتَحن، فأحد حِكَم المصائب الابتلاء، أي الكشف عن حقيقة النفس، لا ليعلم الله، فالله عليم، ولكن لتعلم أيها المؤمن من أنت؟ وليعلم الناس من أنت ؟ قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ ( سورة الأنبياء الآية: 35) آية ثانية, قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ ( سورة البقرة الآية: 155) قد يصاب الإنسان بمصيبة طفيفة، فيسب الدين، وقد تأتي مصيبة تسحق الإنسان سحقاً، فيقول: الحمد لله رب العالمين, هذا امتحن, وهذا امتحن, هذا امتحن فكتب قوله, كما يقول الله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ ( سورة آل عمران الآية: 181) وهذا امتحن فكُتِب قوله، فإذا ابتُلينا بمصيبة، وقلنا: الحمد لله رب العالمين، فقد نجحنا في الامتحان، وبعدئذ يتولى الله عزّ وجل أن يذهبها عنا، لذلك أمر المؤمن دائماً خير، فعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عَجِبْتُ لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ لَيْسَ ذَلِكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا " (أخرجه مسلم عن صهيب في الصحيح) 2- التربية والتأديب: العلة الثانية للمصائب, التربية والتأديب، فقد تقتضي الحكمة أن يطّهر هذا المؤمن من هذا المرض النفسي، مثلاً مرض الكبر، فيبتليه بمصيبة من نوع التحجيم، يوضع في موقف حرج، فيضطر أن يسأل، أن يستعطف، هذا التحجيم إنما هو سبب الكبر، استوجب علاجاً، هذه هي التربية. قد يضيق على المشرك، فيعرف قيمة المال الذي يحتاجه الناس جداً، هو ينفقه بلا حساب، والناس في حاجة ماسّة إليه، يذيق الله هذا المشرك الضيق المادي، هذا علاج، وهذه تربية، وهذا تأديب. إذا كان هناك تقصير، وإذا كان هناك غلط، إذا كان هناك مخالفة، معصية، تجاوز، عدوان في الأموال، وفي غير الأموال، يأتي التأديب، فأنت يجب أن تفهم على الله عزّ وجل، هل هذه المصيبة من أجل أن تمتحن, أم من أجل التأديب؟ فقد تكون مستقيماً استقامة تامة، وأنت على علم يقيني بأنه لا انحراف، ولا خلل، ولا زلل، فلِمَ المصيبة؟ من أجل أن تمتحن, قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ ( سورة التوبة الآية: 25) أصبح هناك عجب، فنحن أقوياء، جاءت هوازن، وقذفت في قلوبهم الرعب، وتفرقوا شذر مذر, " فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَفِرَّ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِب ْ" (أخرجه البخاري في الصحيح) كنا إذا حمي الوطيس لذنا برسول الله صلى الله عليه وسلم. 3- الجزاء المعجل: أما العلة الثالثة للمصيبة, الجزاء المعجل، هذه حكمة الله العظيمة، فلو أن كل الجزاء في الآخرة، وكل الثواب في الآخرة، فلا شيء حينئذٍ في حياتنا يدفعنا إلى الطاعة، ولا شيء في حياتنا يخيفنا من المعصية, هذا الذي حدثتكم عنه يوم الجمعة، صاحب أكبر معمل حلويات في قطر عربي مجاور، صادراته اليومية طائرة محملة ببضاعة، تطير يومياً إلى أقطار مجاورة من دول النفط، ويأتيه دخل فوق الخيال، بلغ به الكبر أوجه، دخل معمله متفقداً، رأى عاملاً لا يحسن عجن العجين، فأخذ هذه القطعة من العجين, ووضعها على الأرض، وعركها بقدميه، وعلم عامله كيف يعجن العجين, أصاب قدميه مرض الموات (الغرغرين )، فقطعت قدماه، وهو الآن موجود في لندن، هذا جزاء معجل. شخص يقود سيارته في يوم ماطر من أيام الشتاء الشديدة، وجد كلباً قابعاً على طرف الزفت، على بعد أربعين سنتيمتراً تقريباً، وبما أن الزفت أكثر امتصاصاً للحرارة، نظراً لكون لونه أسودَ، فهي أكثر دفئاً من التراب, أراد هذا السائق أن يتسلى فانحرف بمركبته، وداس يدي هذا الجرو الصغير فقطعهما، وأطلق ضحكة، وكأنه فعل شيئاً عظيماً، قال لي من شهد هذه الحادثة، وكان يركب معه: والله الذي لا إله إلا هو، في يوم السبت التالي، بعد مضي سبعة أيام، وكان السائق وحده في سيارته، وفي المكان نفسه أصاب عجلة السيارة بعض العطب، رفع السيارة بالجهاز الرافع، وفكّ البراغي، وسحب العجلة، أصاب الجهاز الرافع خلل فوقعت السيارة فوق العجلة، والعجلة فوق يديه فقطعتهما، وبقيتا على اللحم، وحينما وصل إلى المستشفى كان لا بد من قطع اليدين، بعد أسبوع فقط، هذا الجزاء المعجل ردع لنا، وطبعاً الجزاء الكامل يوم القيامة ربنا عزّ وجل يكافئ المحسن، تشجيعاً للمحسنين، ويعاقب المسيء ردعاً للمسيئين، فترى المرابي، والذي يعتدي على أعراض الناس قد أصابه مرض خبيث، والذي يأكل مالاً حراماً، محق ماله، والذي يكذب، زلزلت مكانته، والخائن محتقر بين الناس, هذه العقوبات المعجلة هدفها ردع المسيئين، لكن الذي أريد أن أقوله لكم: إياكم أن تظنوا أن الذي لا يأتيه العقاب سينجو، فإنّ الله عزّ وجل لحكمة يريدها يختار بعض المذنبين في الدنيا، ويعجل لهم العقاب، وأما الذين بقوا في صحتهم ومكانتهم، وهم غارقون في المعاصي, ما شأنهم؟ قال تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ ( سورة يونس الآية: 46) لا بد أن ترى مصيرهم يوم القيامة, قال تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾ ( سورة الصافات الآية: 51-57) الآن الحبل مرخى، فقد يسيء المسيء ولا يعاقب، لحكمة أرادها الله عزّ وجل، وقد يسيء ويعاقب، لكن أغلب الظن أن الذي يعاقب فيه خير، علم الله أنه بهذا العقاب ربما تاب به، فعجل له التوبة، وأن الذي لا يعاقب أغلب الظن أنه ميؤوس منه، لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (سورة الأنعام الآية: 44) الكافر تأتيه ضربة واحدة قاصمة، والمؤمن تأتيه آلاف المصائب لترقى به, هذا التوجيه يتناسب مع رحمة الله، ومع حكمته، ومع عدالته. موعظة وعبرة: يا أيها الأخوة، يجب أن تعلموا علم اليقين أن أفعال الله كلها رحمة، وحكمة، وعدالة، وقدرة، أي أنه لا يوجد فعل عشوائي, قال تعالى:﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ ( سورة الأنبياء الآية: 16) ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ( سورة الأنبياء الآية: 47) سورة الزلزلة، لو نعقلها لحلت كل مشكلاتنا، خالق الكون العظيم يقول لكم: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ (سورة الزلزلة الآية: 7-8) ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ﴾ ( سورة فصلت الآية: 40) عندما يعقل الإنسان هذه الحقيقة, يستقيم حباً بذاته، إن لكل حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً سبب تخلف المسلمين عن مسؤولياتهم هو سوء الفهم للقضاء والقدر: أن الإنسان مسؤول عن أعماله الإرادية، فإذا رأيت إنساناً اقترف معصية يقول لك: إنه ترتيب الله، هكذا قدّر الله عليّ، فهذا إنسان أحمق وغبي إذا كان بحسن نية، وخبيث وكذاب إذا كان بسوء نية.أعمالك الاختيارية ما قدّرها عليك أحد، والله سبحانه وتعالى أعطاك مشيئة حرة، وامتحنك بها، أما أن تقول: إن الله قدّر عليّ شرب الخمر، أو اقتراف الزنا، أو أكل المال الحرام, لا, جاء شارب خمر مقيد إلى أمير المؤمنين, قال: أقيموا عليه الحد، قال: إن الله قدّر عليّ ذلك، قال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله, قال له: ويحك إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، فأنت مخير. الإنسان مسؤول إذا أهمل معالجة ابنه، لئلا ينتقل المرض من مرض بسيط إلى مرض خطير، إذا قال بعد ذلك: هذا ترتيب الله, لا, هذا تقصير, أمرك الله عزّ وجل بالتداوي, عندما يقصّر الإنسان في أموره، فلا تقل: هذا قضاء وقدر، بل قل: هذا جزاء التقصير، وهذا جزاء الإهمال. تختار صفقة سيئة جداً، أسعارها مرتفعة فتفلس منها، فيقول: هذا ما كتبه الله لي، ليس صحيحاً، فأين فكرك؟ أنت مخيّر، أما إذا جاء الإنسان مصاباً بعاهة ولادية، فقد كتب الله له ذلك، فالشيء الذي لا حيلة لك به، هذا الذي ينسب إلى القضاء والقدر، أما الشيء الذي ضمن دائرة الاختيار فأنت محاسب عنه ومسؤول، هذا الذي جعل المسلمون يتخلفون، فلو أن العدو احتل أرضنا, ماذا نقول؟ هكذا كتب الله لنا، وهل هذا الفهم للقضاء والقدر يرضي الله عزّ وجل, قال تعالى: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ (سورة محمد الآية: 4) امتحان لنا, قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 60) لذلك يأخذ بعض الناس على المسلم المحدود الساذج أنه يعزو أخطاءه كلها إلى القضاء والقدر، " من حمل ذنبه على الله فقد فجر، إن الله لا يطاع استكراهاً، ولا يُعصى بغلبة، فإذا أطاع العباد ربهم لم يحل بينهم وبين طاعته، وإن عصوه فليس هو الذي أجبرهم على ذلك، لو أنه أجبرهم على الطاعة لسقط الثواب، لو أنه أجبرهم على المعصية لسقط العقاب، لو أنه تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن أطاعوه فله المنة والفضل، وإن عصوه فعليهم الحجة البالغة " ( قول الحسن بن علي) مثلاً شخص نام على سطح لا سور له، فسقط ومات، يموت حينئذٍ عاصياً، قال النبي عليه الصلاة والسلام: " من كانت ناقته حروم فلا يخرج معنا في الجهاد " ( ورد في الأثر) والسبب لأنها ناقة خطيرة. هكذا ينبغي أن يكون الفهم للقضاء والقدر: شخص يأكل تفاحة من دون غسيل, يقول: سمِ الله, وكل، فما هذه السخافة ؟ ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: " من أكل التراب فقد أعان على قتل نفسه " ( ورد في الأثر) معنى من أكل التراب، أي أكل فاكهة غير مغسولة، أو عليها دواء، لأن الإيمان أن تأخذ بالأسباب، ثم تتوكل على رب الأرباب. فكل شيء يقع ضمن دائرة مسؤوليتك فأنت محاسب عليه, طبيب نسي أن يسأل المريض, هل يوجد عندك تحسس ضد الصدمة، أعطاه إبرة فجاءته الصدمة، وانتهى للموت، فيقول: انتهى أجله، ما هذا الكلام؟ يحاسب هذا الطبيب على أنه قاتل، لأن الإنسان محاسب على الشيء الذي وُكِّل أمره إلى اختياره، هذا هو الفهم الإسلامي للقضاء والقدر, أما متى تقول: هذا مكتوب علي؟ إذا كان الشيء خارجاً عن دائرة الاختيار، وإلاّ فأنت مقصر في عملك، في تجارتك، في زراعتك، في صناعتك، في وظيفتك، خذ بالأسباب، والذي يأتي بعد أخذك بالأسباب هو القضاء والقدر الذي ينبغي أن تستسلم له، فإذا جاءت الأمور على غير ما يجب أن تكون لا ينبغي أن تستسلم، يجب أن تنهض، يجب أن تصحح. أكثر المسلمين الجاهلين إذا أتت الأمور على غير ما ينبغي, يعزون هذا إلى القضاء والقدر ويجلسون، بينما سيدنا عمر رضي الله عنه سأل أناساً فقراء جداً: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله، أي قم وتحرّك، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, " قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ, أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ, قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ " (أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك في سننه) اعمل للمركبة صيانة، لا أن تقول: توكلنا على الله من دون صيانة ونسافر، فإذا كان هناك خلل يخشى من حادث، فهذا ليس توكلاً، وإنما عين الجهل، لذلك لا ينبغي أن نستغل القضاء والقدر للتحلل من المسؤوليات والواجبات، وكلما رأيت خللاً, تقول: هكذا أراد الله، وهذا ترتيبه ومشيئته، هذا الشيء الذي وكل إليك أنت محاسب عنه. ما يحصل بعد أن تأخذ بالأسباب فهو القضاء والقدر، ونحن مستسلمون له، أخذته إلى الطبيب، ونفذتَ التعليمات بحذافيرها، والشفاء تأخر، فهذا قضاء وقدر، لكن أهملت العلاج والمرض تفاقم، فتقول: هكذا كتب الله له، هذا كلام مرفوض. آخر حديث شريف في هذا الموضوع، عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عَجَبًا لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ " (أخرجه مسلم عن صهيب في الصحيح) والحمد لله رب العالمين |
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
|
![]() |
| مواقع النشر (المفضلة) |
| الكلمات الدليلية (Tags) |
| الاسلامية, العقيدة |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء : 0 , والزوار : 1 ) | |
| أدوات الموضوع | إبحث في الموضوع |
|
|
المواضيع المتشابهه
|
||||
| الموضوع | كاتب الموضوع | المنتدى | مشاركات | آخر مشاركة |
| و الناظر في هذه العقيدة ... | ناصح أمين | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 6 | 01-21-2019 07:21 AM |
| العقيدة الطحاوية | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 22 | 09-16-2018 02:18 PM |
| العقيدة الاسلامية - الجن والسحر | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 12 | 09-10-2018 01:29 PM |
| العقيدة و الاعجاز | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 39 | 08-07-2018 06:39 PM |
| العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة | السعيد | رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة | 41 | 07-07-2018 06:22 PM |