منتديات رياض الأنس - عرض مشاركة واحدة - بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار
عرض مشاركة واحدة
قديم 11-12-2018, 09:11 AM   #10


الصورة الرمزية السعيد
السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار





واعلم أن استعمال " لو "
يختلف باختلاف ما قصد بها.

فإن استعملت في هذه الحال
التي لا يمكن استدراك الفائت فيها
فإنها تفتح على العبد عمل الشيطان،
كما تقدم.

وكذلك لو استعملت في تمني الشر والمعاصي
فإنها مذمومة،
وصاحبها آثم،
ولو لم يباشر المعصية.
فإنه تمنى حصولها.




وهذا الأصل الذي ذكره النبي صلى الله عليه وسلم
- وهو الأمر بالحرص على الأمور النافعة،
ومن لازمه اجتناب الأمور الضارة مع الاستعانة بالله


يشمل استعماله والأمر به في الأمور الجزئية
المختصة بالعبد ومتعلقاته،

ويشمل الأمور الكلية المتعلقة بعموم الأمة.

فعليهم جميعاً أن يحرصوا على الأمور النافعة.
وهي المصالح الكلية والاستعداد لأعدائهم
بكل مستطاع مما يناسب الوقت،
من القوة المعنوية والمادية،


ويبذلوا غاية مقدورهم في ذلك،
مستعينين بالله على تحقيقه وتكميله،
ودفع جميع ما يضاد ذلك.
وشرح هذه الجملة يطول وتفاصيلها معروفة.







وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم
في هذا الحديث بين الإيمان بالقضاء والقدر،
والعمل بالأسباب النافعة،
وهذان الأصلان دلّ عليهما الكتاب والسنة
في مواضع كثيرة.
ولا يتم الدين إلا بهما.

بل لا تتم الأمور المقصودة كلها إلا بهما،
لأن قوله "احرص على ما ينفعك"
أمر بكل سبب ديني ودنيوي،
بل أمر بالجد والاجتهاد فيه والحرص لعيه،
نية وهمة، فعلاً وتدبيراً.



وقوله: "واستعن بالله"

إيمان بالقضاء والقدر،
وأمر بالتوكل على الله
الذي هو الاعتماد التام
على حوله وقوته تعالى
في جلب المصالح ودفع المضار،

مع الثقة التامة بالله في نجاح ذلك.

فالمتبع للرسول صلى الله عليه وسلم
يتعين عليه أن يتوكل على الله
في أمر دينه ودنياه،
وأن يقوم بكل سبب نافع
بحسب قدرته وعلمه ومعرفته
والله المستعان.




الحديث الثالث عشر


عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

"المؤمن للمؤمن كالبنيان يَشُدُّ بعضُه بعضاً
وشبَّك بين أصابعه"
متفق عليه.


هذا حديث عظيم،
فيه الخبر من النبي صلى الله عليه وسلم
عن المؤمنين أنهم على هذا الوصف.

ويتضمن
الحثّ منه على مراعاة هذا الأصل.
وأن يكونوا إخواناً متراحمين متحابين متعاطفين،
يحب كل منهم للآخر ما يحب لنفسه،
ويسعى في ذلك،

وأن عليهم مراعاة المصالح الكلية الجامعة
لمصالحهم كلهم،

وأن يكونوا على هذا الوصف
فإن البنيان المجموع من أساسات وحيطان محيطة كلية
وحيطان تحيط بالمنازل المختصة،
وما تتضمنه من سقوف وأبواب ومصالح ومنافع.

كل نوع من ذلك لا يقوم بمفرده
حتى ينضم بعضها إلى بعض.


كذلك المسلمون يجب أن يكونوا كذلك.
فيراعوا قيام دينهم وشرائعه
وما يقوِّم ذلك ويقويه،
ويزيل موانعه وعوارضه.





فالفروض العينية:

يقوم بها كل مكلف،
لا يسع مكلفاً قادراً تركها أو الإخلال بها.


وفروض الكفايات:

يجعل في كل فرض منها من يقوم به من المسلمين،
بحيث تحصل بهم الكفاية،
ويتم بهم المقصود المطلوب.

قال تعالى في الجهاد:

{ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً
فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ
لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ
وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ }[1]،

وقال تعالى:

{ وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ
وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ
وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ }[2]


وأمر تعالى بالتعاون على البر والتقوى
فالمسلمون قصدهم ومطلوبهم واحد،
وهو قيام مصالح دينهم ودنياهم
التي لا يتم الدين إلا بها.

وكل طائفة تسعى في تحقيق مهمتها
بحسب ما يناسبها ويناسب الوقت والحال.

ولا يتم لهم ذلك إلا بعقد المشاورات
والبحث عن المصالح الكلية.
وبأي وسيلة تدرك،
وكيفية الطرق إلى سلوكها،
وإعانة كل طائفة للأخرى
في رأيها وقولها وفعلها
وفي دفع المعارضات والمعوقات عنها،






فمنهم طائفة
تتعلم.

وطائفة
تُعلِّم،

ومنهم طائفة
تخرج إلى الجهاد
بعد تعلمها لفنون الحرب.
ومنهم طائفة ترابط،
وتحافظ على الثغور[1]،
ومسالك الأعداء.

ومنهم طائفة
تشتغل بالصناعات
المخرجة للأسلحة المناسبة لكل زمان بحسبه.

ومنهم طائفة
تشتغل بالحراثة والزراعة
والتجارة والمكاسب المتنوعة،
والسعي في الأسباب الاقتصادية،

ومنهم طائفة
تشتغل بدرس السياسة
وأمور الحرب والسلم،
وما ينبغي عمله مع الأعداء
مما يعود إلى مصلحة الإسلام والمسلمين،

وترجيح أعلى المصالح على أدناها،
ودفع أعلى المضار بالنزول إلى أدناها،
والموازنة بين الأمور،
معرفة حقيقة المصالح والمضار ومراتبها.


وبالجملة،

يسعون كلهم لتحقيق مصالح دينهم ودنياهم،
متساعدين متساندين،
يرون الغاية واحدة،
وإن تباينت الطرق،
والمقصود واحد،
وإن تعددت الوسائل إليه.





فما أنفع العمل بهذا الحديث العظيم
الذين أرشد فيه هذا النبي الكريم أمته
إلى أن يكونوا كالبنيان
يشد بعضه بعضاً،

وكالجسد الواحد
إذا اشتكى منه عضو
تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.


ولهذا حث الشارع على كل ما يقوي هذا الأمر،
وما يوجب المحبة بين المؤمنين،
وما به يتم التعاون على المنافع،

ونهى عن التفرق والتعادي،
وتشتيت الكلمة

في نصوص كثيرة
حتى عُدَّ هذا أصلاً عظيماً
من أصول الدين
تجب مراعاته واعتباره وترجيحه
على غيره والسعي إليه بكل ممكن.


فنسأل الله تعالى
أن يحقق للمسلمين هذا الأصل
ويؤلف بين قلوبهم،
ويجعلهم يداً واحدة
على من ناوأهم وعاداهم
.. إنه كريم.



الحديث الرابع عشر

عن أبي موسى رضي الله عنه
"أن النبي صلى الله عليه وسلم
كان إذا أتاه سائل أو طالب حاجة،

قال:
"اشفعوا فلتؤجروا،
ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء"
متفق عليه.


وهذا الحديث متضمن لأصل كبير،
وفائدة عظيمة،

وهو أنه ينبغي للعبد أن يسعى في أمور الخير
سواء أثمرت مقاصدها ونتائجها
أو حصل بعضها،
أو لم يتم منها شيء.

وذلك كالشفاعة لأصحاب الحاجات
عند الملوك والكبراء،
ومن تعلقت حاجاتهم بهم

فإن كثيراً من الناس يمتنع من السعي فيها
إذا لم يعلم قبول شفاعته.
فيفوّت على نفسه خيراً كثيراً من الله،
ومعروفاً عند أخيه المسلم.

فلهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه
أن يساعدوا أصحاب الحاجة بالشفاعة لهم عنده
ليتعجلوا الأجر عند الله،

لقوله:
"اشفعوا تؤجروا"

فإن الشفاعة الحسنة محبوبة لله،
ومرضية له.

قال تعالى:
{ مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً
يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا }[1]


ومع تعجله للأجر الحاضر
فإنه أيضاً يتعجل الإحسان
وفعل المعروف مع أخيه،
ويكون له بذلك عنده يد.



فلعل شفاعته تكون سبباً لتحصيل مراده
من المشفوع له أو لبعضه،
كما هو الواقع.

فالسعي في أمور الخير والمعروف
التي يحتمل أن تحصل
أو لا تحصل خير عاجل،


وتعويد للنفوس على الإعانة على الخير،
وتمهيد للقيام بالشفاعات
التي يتحقق أو يُظن قبولها.






 
 توقيع : السعيد



رد مع اقتباس