منتديات رياض الأنس - عرض مشاركة واحدة - سلسلة قصص رواها الصحابة
عرض مشاركة واحدة
قديم 11-08-2018, 07:09 AM   #5


الصورة الرمزية السعيد
السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: سلسلة قصص رواها الصحابة





سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(لا تغُرّنّك المظاهر)







جلس المعلم العظيم صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه أمام مسجده صلى الله عليه وسلم ، فمرَّ رجل من أشراف الناس، فسلم، فرد الرسول الكريم السلام بأحسن منه، كان الرجل يلبس غلالة رقيقة جديدة تشف عما تحتها من ثوب جميل، كان يملأ العين وينبئ عن نعمة يتقلب فيها، فنظر إليه رجل من المسلمين نظرة تنِمُّ عن إعجاب ورغبة في أن يكون مثله غنياً، موسراً، وأن يكون في مثل مكانته شرفاً وسؤدداً..

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتابع نظرات هذا الرجل ومتابعته للمارِّ حتى جاوزهم، وغاب عن أنظارهم، فالتفت إلى الرجل فقال له: (( ما رأيك في هذا؟)).
لقد تبعت نظراتُ الرجل ونفسهُ ذاك الذي مرَّ، وتمنى أن يكون مثله جاهاً وثراء، فرأيه إذاً معروف، وإجابته لن تكون سوى الإطراء والمديح.. وهكذا كان فقد قال المسؤول للنبي الكريم ما يحس به ويعتقده: هذا والله لجدير أن يجاب طلبه في كل مايريد، فإن خطب إلى قوم كان لهم الشرف أن يزوجوه، وهل يجدون خيراً منه محتداً، وأكثر أموالاً وأشرف مكانة؟!! إنهم يرتفعون مكانة إن أصهر إليهم، فقربهم إليه.
وهو جدير أيضاً إن سار في حاجة أن تُقضى، فإن منزلته كبيرة وجاهه عظيم، ولا ينبغي أن يرد، وهل يرد أمثاله عن الشفاعة؟

لم يحِرْ رسول الله صلى الله عليه وسلم جواباً، ولم يعلق على رأي المسؤول، فهو صلى الله عليه وسلم لا يحب الجدال والمراء، فالله تعالى كفل للمبتعدين عن الجدال – ولو كانوا أصحاب حق – قصراً رائعاً في منتصف الجنة وأعلاها مكاناً، والجدال يورث في النفس الألم، وفي القلب الكمد، ويتعب صاحبه دون طائل..

ومر رجل آخر مشيته على الأرض خفيفة، ليس فيها تصنع ولا خيلاء، ثيابه بسيطة لكنها نظيفة – فالمسلم نظيف – هيئته تدل على فقر مستور ينأى بصاحبه أن يمد يده للناس، يتخذ من العفاف سمتاً، يحسبه الناس غنياً من التعفف..

فالتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من سأله آنفاً، فقال: (( ما رأيك في هذا؟))، لم يملأ عينه كما فعل الرجل السابق، فكانت نظراته إليه تختلف عن الآخر، بل إنها كانت عن النقيض منها!
فقال: هذا رجل من فقراء المسلمين!! مغمور لا يهتم به أحد، ولا يلقى إليه بالاً، وأي فائدة يجنيها المرء إن صاحبه، وخالطه؟
هذا جدير إن خطب أن يرد، فلا يُزوّج، فزوجته ستعيش معه في حال سيئة، وضنك واضح، لا جاه له يحتمي به الآخرون، ولا مكانة تشفع له عندهم، ولن يسمع أحد قوله أو ينصت إليه..
حكم على الرجلين أحكاماً تتسم بالسطحية، والنظرة المادية، أخِذ بظاهر الأول وعاف حالَ الثاني، ونسي أن الله لا ينظر إلى صور الناس وأجسادهم، بل إلى قلوبهم وأعمالهم، ونسي أيضاً أن الفخر والخيلاء صفة المتكبرين الفارغين، الذين يرون لأنفسهم ما لا يرونه للآخرين، ونسي كذلك أنه كم من أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَّه، قوام، صوام .. يرى الدنيا فانية، والحياة إلى زوال.
وكثير من الناس تغرهم البهارج، وتسحرهم الأعراض، فيغفلون عن الجوهر، وينساقون وراء كل ما يلمع، ويبرق، يشدهم سرابها، ويستهويهم خُلّبُها..

وهنا يعيد الرسول الكريم الأمور إلى نصابها، ويقوِّم الأحكام الخاطئة، وينبه الضائعين عن النهج السليم، ويهديهم إلى الصراط المستقيم، فيقول: (( هذَا خَيْرٌ منْ مِلْءِ الَأْرْضِ مِثْلِ هذَا ))
(( إن هذا الفقير الذي أنفت أن تكون مثله في تواضعه وتقواه وصفاته الحميدة التي لم تتبدّ لك لقصر نظرتك خير من ملء الأرض مثل ذلك الرجل الذي أخذ عليك لبّك فأعماك عن الحقيقة )).

فالإنسان يحكم بعين بصيرته على الأمور لا بعين بصره.




سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(انت أخي في الله)







كانت المعركة بين المسلمين والكافرين لا تهدأ، فهؤلاء يدعون إلى الله سبحانه وتعالى، وأولئك يرفضون هذه الدعوة الكريمة، لأنها تمس مصالحهم، وتعيد ما اغتصبوه إلى أهل الحق.
ففي مكة، قبل الهجرة كانت كل قبيلة تعذب من آمن من أبنائها ومواليها، وتنكل بهم وتحرض القبائل الأخرى على إيذاء المسلمين من أبنائها، أما رؤوس الشرك فقد كانوا شياطين الإنس، تؤزهم على المسلمين أزاً، .. أمثال ذلك: أبو جهل، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، والأخنس بن شريق .. فقُتِل من هؤلاء من قتل في بدر ومات من مات بغيظهم، لم ينالوا خيراً، وكانت النار مأواهم.

وحين هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ومعه المسلمون بدأ الصدام المسلح بين الفريقين، المسلمين وأعداء الله، ولما كان النصر في كفة المسلمين وضعفت تجارة المشركين، لم يجدوا بداً من مهادنة المسلمين والصلح معهم، وهذا ما كان في صلح الحديبية.
فقد صارت رئاسة قريش إلى أبي سفيان بن حرب الذي أسلم بعد فتح مكة، وكان تاجراً مرموقاً يحمل أموال قريش في قوافل تجارية إلى بلاد الشام، وقد يمر وهو ذاهب إليها أو عائد منها على مدينة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم .
رآه مرة في المدينة سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي في نفر.
وما أدراك ما سلمان؟ إنه الرجل الذي كان يعيش في ترف وأبهة ورغد، وأبوه صاحب نار المجوس، تجبى إليه الأموال ويغدق الملوك عليه الهبات والعطايا، ولو كان سلمان من أهل الدنيا لنال منها أكثر ما ينال فتى من عز وسؤدد!! ولكه عاف الدنيا ومفاتنها، وساح في بلاد الله يبحث عن الحقيقة، وعن الدين القويم، فتنقل في الشام ثم الحجاز حتى وصل إلى يثرب قبل هجرة المصطفى r إليها، خرج من بلاده (فارس) سيداً، ووصل إلى الحجاز عبداً مملوكاً، فقد غشه من حمله إليها وأسرَه وباعه كما يباع العبيد، ولكنه رضي بذلك لأنه علم أنه وصل إلى منبع النور، وكهف الهداية، ولقي فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ورفع الله سلمان بالإسلام حتى قال عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( سلمان منا آل البيت )).

وصهيب! وما أدراك ما صهيب؟ كان أحد الموالي في مكة يصنع الرماح والسهام، حداداً ماهراً، ونبالاً دقيق الرمي.. جمع من مهنته هذه مالاً وفيراً.. آمن بالدعوة في بدايتها، وحين أذن الله عزّ وجل لرسوله صلى الله عليه وسلم وللمسلمين بالهجرة أخبأ ماله في مكان بعيد عن العيون، وترك داره وهو يعلم أن المشركين سيغتصبونها، تركها وانطلق نحو المدينة .. وحين علم به المشركون تبعوه، فلما أحس بهم ارتفع على نشز من الأرض وسدد إليهم سهمه قائلاً: تعلمون يا معشر قريش دقة تصويبي، فلا أخطئ أحدأً، ولن تصلوا إليّ حتى تنفدَ سهامي وأقتل منكم بعددها.. كانوا يعلمون ذلك،
فقالوا: ما لنا في نفسك من أرب، لكن جئتنا فقيرا معدوماً فاغتنيت، فأعطنا ما اكتسبته منا ندعك.. وهذا ليس من حقهم، وإنهم عادون ظالمون، لقد نال هذا المال بكد يمينه، وعرق جبينه، فعلام يتقوَّلون؟ وبم يحتجون؟ لكن الظلم ظلمات يوم القيامة .. فليأخذوا المال ما دام صاحبه ينجو منهم .. دلهم على مخبئه، فتركوه.. وانطلقوا إلى المال..
قال أحدهم: أصدقتموه؟!
فقال ثانٍ: نصدّقُه، إن أصحاب محمد لا يكذبون.
ووصل صهيب إلى المدينة، فاستقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم مبتسماً يقول: (( ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع )).

وبلال!! ما أدراك ما بلال؟ كان عبداً لأمية بن خلف مقرباً منه، يعتمد عليه في تجارته، فبلال ذكي ألمعي، حين حوى قلبه نور الإيمان، وصدّق الرسول الكريم غضب منه مولاه، وأمره بالعودة إلى عبادة الحجر الذي لا يضر ولا ينفع، وأنى لمن تنَشٌّق عبير الإيمان أن يعود إلى عفن الضلال، وكريهة الكفر؟! أبى، فنكل به على الرمضاء، وأذاقه مُرَّ العذاب، وبلال ثابت صامد، يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أحد أحد، فرد صمد، فلما مرَّ به الصديق رضي الله عنه اشتراه بماله وأعتقه،
فكان الفاروق عمر يقول إذا رأى بلالاً: سيدنا أعتق سيدنا،
وصار مؤذنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم يصدق بالحق ويعلن التوحيد.

رأى هؤلاء المؤمنون أبا سفيان في المدينة فقالوا: ما أخذتْ سيوفُ الله من عدو الله مأخذها، كانوا يودون في المعارك السابقة أن يكونوا قد قتلوه، وتخلصوا من عقبة كأداء في طريق المسلمين.
سمعهم الصدِّيق رضي الله عنه يقولون ذلك، فقال لهم – وهو المرهف، ذو الشعور السامي والذوق الرفيع - : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟! ولعل الصدِّيق أحس أن أبا سفيان سمع مقالتهم تلك، وهو في مدينتهم، وفي صلحهم، ورأى أن مثل هذا الكلام لا يقال إلا في ساحة الحرب، أما في السلام فلا ..
وأتى الصدِّيق رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان، وقال له: يا رسول الله لعلهم إذا سمعوا مني ما قلته في حق أبي سفيان من لوم وعتاب قد أغضبهم، وأساء إليهم، فما كان من المعلم العظيم إلا أن نبه الصدِّيق على جلال قدره ومكانته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( لعلك أغضبتَهم لئن كنتَ أغضبتَهم لقد أغضبتَ ربَّك )).. فما ينبغي أن يوبخ المسلم أخاه انتصاراً للمشركين .. وهؤلاء النفر عباد الله وخلاصة المؤمنين وأول من نصر الدعوة وجاهد في سبيلها.
فانطلق الصديق إليهم مسرعاً وهم ما يزالون في مكانهم الذي تركهم فيه فقال: يا إخوتاه – والمسلم أخو المسلم – أغضبتكم؟
قالوا له بلسان المحب: لا! أيها الصديق، ما أغضبتنا، يغفر الله لك!!

لقد رباهم الإسلام على الصفح والمغفرة والحب في الله، ورباهم على الأخوة في الله، نسأل الله أن يحشرنا معهم في زمرة عباده الصالحين.




سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(أويس القرني)





يا أمير المؤمنين، هذا مدد من المسلمين قادم إلى المدينة من اليمن يريدون القتال في سبيل الله، وقد جهَّزوا أنفسهم للسفر إلى العراق، ليكونوا في الجند الذين استعدوا لفتح إيران وما وراء النهرين، وهم ينتظرون الإذن منك للسفر.

قال الفاروق عمر: دعهم ينتظرون قليلاً كي أودعهم، ثم إني أريد أن أسألهم عن أويس بن عامر.
يا أمير المؤمنين، إنني لفي عجب مما تصنع، أفكلما جاء مدد من اليمن سألتهم عن أويس بن عامر هذا! فما شأنه يرحمك الله.
سترى ذلك – إن شاء الله – حين أراه وأكلمه وأعرف خبره.

قال عبد الله بن عمر لصاحب أبيه: تلَبَّث يسيراً حتى ينقضي عجبك، فأمير المؤمنين لا يفعل أمراً إلا إذا كان مهماً، أو له فيه الخير والبركة.
قال الرجل لعبد الله: أوتعرف أنت يا عبد الله، لمَ يسأل أمير المؤمنين عن هذا الرجل كلما جاء مدد من اليمن.
قال عبد الله: لا، ولم أسأل والدي عن الأمر، فهو إن أراد أن يذكره لي ذكره دون أن أسأله إياه، ولعلنا ندرك السبب إن رأى بغيَته وحدَّثه..
وانطلق الثلاثة إلى معسكر المسلمين من أهل اليمن خارج المدينة، وسلَّم أمير المؤمنين على جمع المجاهدين، وذكّرهم بالجهاد، وحضّهم عليه وبيّنَ أنه ذروة سنام الإسلام، وبه يعلو شأنه، ثم نادى: أفيكم أويس بن عامر؟
قال أحدهم: - وكان شاباً – لبيك يا أمير المؤمنين.
قال عمر: أأنت هو؟
قال: نعم يا أمير المؤمنين، أنا من هتفت باسمه.
قال عمر: أانت من قبيلة مراد؟
قال: أجل، من قبيلة مراد.
قال عمر: أمن بطن قَرَن؟
قال: من بطن قَرَن يا أمير المؤمنين.
قال عمر: أكان بك بَرَصٌ فبرأتَ منه إلا موضع درهم؟
قال: قد كان بي برص فشفاني الله منه إلا موضع درهم لم يزل في جسمي يذكّرني بفضل الله عليّ ومنّته، إذ أذهب عني الأذى وعافاني وجمَّلني في أعين الناس ،فله الحمد والشكر على نعمائه يا أمير المؤمنين.
قال عمر: ألك والدة لا تزال حيّة ترزق وأنت بها بارٌّ؟
قال: نعم، أسأل الله أن يطيل عمرها ويحسِّن عملها، ويكتب لي ثواب البر بها، فتحت قدميها جنتي.
قال عمر: أنت يا أويس على خير عميم وفضل عظيم.
قال: بشَّرك الله بالخير – يا أمير المؤمنين – فمن دلّك عليَّ وعرَّفك بي فسألتَ عني، واجتهدتَ أن تراني؟
قال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
(( يأتي عليكم أويس بن عامر، مع أمداد أهل اليمن، من مرادٍ، ثم من قَرَن، كان به برص، فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة، هو بها برُّ، لو أقسم على الله لأبرَّه، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل )).
سمع الجمع هذا الحديث، فضج المكان بالتهليل والتكبير، والصلاة على سيدهم وحبيبهم محمد عليه الصلاة والسلام.

يا الله، ما أروع حبَّ النبي الكريم أمّتَه! وما أسعدهم بانتمائهم إليه! إنهم يشعرون بوجوده، وهو في جوار ربه، ويعيشون معه بأرواحهم وقلوبهم، ويرون في كل آنٍ ولحظةٍ عظيم فضله، وجلال قربه.
قال أويس: والله إني لأحب الله ورسوله، وأتمنى لقاءَهما.
قال عمر: صدقتَ يا أويس، وما حدَّثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا إلا لعلمه بذاك وأنك من أهل الله وخاصته، وقد مدحك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: (( إن خير التابعين رجلٌ يقال له: أويس، وله والدة، وكان به بياض، فمُروه فليستغفر لكم )).
قال أويس: وكيف أستغفر لك يا أمير المؤمنين، وأنت أفضل مني، وصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن أوائل العشرة المبشرين بالجنة. أنت الصاحب، وأنا التابع، فما استغفاري لك يرحمك الله؟!
قال عمر: رحمك الله يا أويس، فمن يدّعي أنه خير من إخوانه؟! ومن يزعم أن المستغفر، أو الداعي، أفضل من المستغفَر له أو المدعوِّ له؟
إنني استأذنت رسول الله في العمرة، فأذن لي وقال: (( لا تنسنا يا أخيَّ من دعائك )) فقال كلمة ما يسرُّني أن لي بها الدنيا.
قال أويس – وقد اغرورقت عيناه بالدموع لهذا الفضل العظيم الذي حباه إياه الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحيٌ يوحى -: وما فائدة دعائي يا أمير المؤمنين؟!
قال عمر: هذا إرشاد لنا – يا أويس – إلى الازدياد من الخير واغتنام دعاء مَنْ تُرجى إجابته، وأنت مستجاب الدعوة، فلا تحرمنا دعاءك يا أخي.
رفع أويس يديه إلى السماء، وتوجّه بوجهه وقلبه إلى مالك الملك وملك الملوك، وسكب العبرات أمامه وتذلل أمام عتباته، ونادى بلسان الحال والمقام ربّه، واستغفر لعمر وللمسلمين..
يا رب، يا عظيماً بنفسه، يا كريماً بعطائه، يا رحيماً بخلقه، إليك نشكو ضعفنا، وقلّة حيلتنا، وهواننا على الناس، أنت رب المستضعفين، وأنت ربنا لذنا بجنابك، ولجأنا إلى رحابك، فلا ترّدنا خائبين، يا رب العالمين..
إذا كان أمير المؤمنين عمر الفاروق خليفة المسلمين الذي أذلّ الروم، ومرّغ رؤوس الفرس، ونشر الإسلام شرقا وغربا يحتاج إلى الاستغفار ويسأل الصالحين أن يستغفروا له!، فماذا يقول معشر الغثاء الذين هانوا وذلوا أمام أعدائهم، وأضاعوا كرامتهم وقبلوا الدنيَّة في حياتهم؟ رحماك يارب، هيِّء لنا من أمرنا رشدا ..
قال له عمر: أين تريد؟
قال أويس: أريد الكوفة
قال عمر: ألا أكتب لك إلى عاملها فيكرم وفادتك، ويكفيك مؤونتك؟
قال أويس: لأن أكون في عامة الناس أحبُّ إلي من أن أكون سريَّاً يشار إليه بالبنان. وانطلق أويس مع اليمانيين إلى الكوفة حامياً للثغور، مجاهداً في سبيل الله، يحيا حياة المساكين ويرضى من الدنيا لفانية بما يسُدُّ الرمق، فهو يريد أن يخرج منها خفيفاً، لا له ولا عليه.
ومرت سنوات على هذا اللقاء، وجاء موسم الحج، فوفد أهل الكوفة على عمر رضي الله عنه، وفيه رجل كان غنياً موسراً، يرى من أويس عزلة عن الناس، ورضىً بالكفاف من الحياة – ينشغل بنفسه عن تفاهات الحياة – فكان هذا الرجل يسخر من أويس ويبخسه حقّه.
فقال عمر: هل هنا أحد من القرنيين؟
قال الرجل: أجل يا أمير المؤمنين، أنا منهم.
فسأل عمر عن أويس، فكان ردُّ الرجل ردَّ مَنْ يجهل مكانة الصالحين ولا يأبه إلا للوجهاء من الناس أصحابِ المال الوافر، والغنى الظاهر، فأعاده عمر إلى صوابه وردَّدَ على مسامعه وصفَ الرسول الكريم صلوات الله عليه لأويس، وأمره إن عاد إلى الكوفة أن يلتمس استغفار أويس له..
وعاد الرجل إلى الكوفة والتمس أويساً فلقيه، واعتذر إليه عما بدر منه وقال له: استغفر لي يا أخي.
قال أويس: أنت أحدث عهداً بسفر صالحٍ، فقد رجعت من الحج وعُدتَ مغفورا لك دون ذنوب كيوم ولدتك أمك، فأنت أحق أن تستغفر لي.
فأبى الرجل أن يفارق أويساً إلا أن يستغفر له.
قال أويس حين رأى تحوّلا في نظرةِ الرجل إليه: ألقيت عمر أمير المؤمنين فأخبرك بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ؟
قال الرجل: نعم..
فاستغفر أويس له، ودعا له خيراً.
وفطن الناس إلى مكانة أويس، وقد جهد أن لا يفطَنوا إلى ذلك، فخرج عنهم كي لا ينشغل بهم عن خالقه سبحانه.

روى عبد الله بن مسلم قال:
غزونا أذربيجان زمن عمر بن الخطاب، ومعنا أويس القرني، فلما رجعنا مرض علينا، فحملناه، فلم يستمسك، فمات، فنزلنا، فإذا قبر محفور، وماء مسكوب، وكفنٌ وحنوط، فغسلناه، وكفنّاه وصلينا عليه، ودفناه، فقال بعضنا لبعض: لو رجعنا، فعلَّمنا قبره، فإذا لا قبر ولا أثر.






سلسلة قصص رواها الصحابة رضوان الله عليهم

(الصاحب الناصح)





قال سلمان الفارسي رضي الله عنه: لأزورَنَّ أخي وصاحبي أبا الدرداء ((عويمراً الأنصاري))، فلقد تأخرت عنه أياماً وأسابيع، لا أدري ما يفعل الآن، وقد آخى النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينه، فما ينبغي لي أن أقطع أخي أو أغيب عنه كثيراً ..

ثم قال: ما أجمل الأخوَّة في الله وأطيبَ اللقاء في حبه، إنها المحبة التي لا شبهة فيها ولا مراء، حب لا تشوبه شائبة ولا يعكر صفوه مصالح الدنيا ومراميها الدنيئة.

أنا ذاهب إليه أرجو رضا الله وبره.. ألم يذهب رجل إلى قرية فيها أخ له يزوره فيها، فأرسل الله تعالى على مدرجه ملكاً يسأله سبب سيره إليها: ((هل لك عليه من نعمة تربها؟)) فقال للملك: إنما أزوره حباً في الله، فقال له الملك داعياً: ((أحبك الله الذي أحببته لأجله)).

اللهم إن المسلمين جميعاً إخوتي وأحبتي، دربهم دربي، وطريقهم طريقي، فاكتب لنا السعادة جميعاً واكلأنا بعين رعايتك الحانية يا رب العالمين.

واستأذن للدخول إلى الدار فأجابته أم الدرداء: حللت أهلاً ونزلت سهلاً، إن أخاك أبا الدرداء في حاجة له وسيعود سريعاً، البيت بيتك يا سلمان، وقدّمت بين يديه الماء البارد وقليلاً من التمر.. ورحبت به أيما ترحيب.. قال لها وقد نظر إليها فرآها متبذلة، قد تركت ثياب الزينة، وعهده بالنساء يتجملن لأزواجهن ويتزيّن راغبات في أن تقع عيون بعولتهن على كل جميل فيهن.

ولعلك أيها الأخ القارئ تتعجب إذا نظرتُ إليها وأنت تعلم أن من التقوى غض البصر وعدم النظر إلى النساء؟! هذا صحيح، فأنت تعلم أنني كنت من هؤلاء، أهلِ العفة والشرف، وسيزول عجبك حين تعلم أن الحجاب لم يكن قد فرض على نساء المسلمين إذ ذاك، وأن الآية الكريمة في سورة النور : { قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ...} لم تكن نزلت بعد، وأنني وزوجَها متآخيان، ثم إن الإسلام هذَّب نفوسنا وصقل أرواحنا فلم نعد نهتم إلا بكل طهر وفضيلة، وعفة ومروءة، على هذا أنشأنا الإسلام وعليه ربانا.

قلت لها: لم – يا أخية – أراك معرضة عما تحبه النساء من زينة وتجمل واعتناء بالمظهر؟
ردت بحياء وخفر: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا.

وكان جوابها القصير الحيِيُّ أبلغ من مقالة مدبجة وقصيدة مطولة، فأبو الدرداء إذاً راغب عن الدنيا وملذاتها، منصرف إلى عبادة الله، يصوم النهار ويقوم الليل.. هذا من حقه، ولكن لا ينبغي له أن يظلم زوجته فيغمطها حقها ويحجب عنها حظها من حياتها..

وجاء أبو الدرداء، فاعتنق صاحبه سلمان وسلم عليه مرحباً به منبسطة أساريره سعيداً بلقائه، وسأله عن أحواله وطول غيابه، فلما اطمأن بهما المقام كانت أم الدرداء قد صنعت لهما الطعام، فقدمه زوجها لسلمان قائلاً: كل، فإني صائم..

قال ذلك معتقداً أن الأخوة تسمح أن لا يؤاكل ضيفه، وأن بإمكانه أن يظل صائما، وعرف سلمان رغبة أخيه في الصوم، لكنه كان قد أضمر أن يُعرِّفه حقوق زوجته عليه، وحقوق ضيفه عليه فقال: إذا نزل الصائم على أخيه فقدم له الطعام وجب عليه أن يفطر إكراماً لضائفه، فما تقول في مُضيف يمتنع عن طعام قدمه لضيفه؟ .. ما أنا بآكل حتى تأكل.. فأكل أبو الدرداء محتسباً ثوابه عند الله تعالى، فلما أديا مع المسلمين صلاة العشاء الآخرة وأويا إلى البيت، أوى سلمان إلى فراشه، وقام أبو الدرداء إلى قيامه.

فأمره سلمان أن ينام، وعزم عليه أن يأوي إلى أهله، ففعل أبو الدرداء ذلك ناوياً أن يشكوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أيحق لسلمان بما له من حق الأخوة والقِرى أن يمنعه العبادة والصيام والقيام، فلما كان من آخر الليل أيقظ سلمان أخاه أبا الدرداء، فصليا جميعاً فلما أذِن الفجر بانبلاجٍ وانطلقا إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سلمان له ناصحاً ومذكراً :

((إن لربك عليك حقاً)) : ومن حقه أن تعبده، فتصوم وتقوم.

((وإن لنفسك عليك حقاً)) : ومن حقها أن تأكل، وتنام، وتستريح.

((ولأهلك عليك حقاً)) : ومن حقها أن تهتم بها فتلاعبها، وتداعبها.

((فأعط كل ذي حق حقه)) : وهكذا الإسلام دين الحق والصدق والعدل.

فلما انتهت الصلاة عرض أبو الدرداء ما فعله سلمان معه وما قاله، والرسول صلى الله عليه وسلم يصغي إليه ويتابع حديثه، ووجهه الوضاء يلمع، وفهمه الشريف يفتَرُّ بابتسامة تُنمي عن إعجابه بفقه سلمان، ومعرفته دينه، فهذه سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام، فهو يفطر ويصوم، وينام ويقوم، ويتزوج النساء، فمن رغب عن سنته فليس منه.

إن الإسلام دين الواقعية، ودين الحياة الطبيعية، وإن المنبتّ لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى..

وينظر أبو الدرداء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسمع منه: (( عويمر: سلمان أفقه منك، لقد أوتي سلمان علماً )).


 
 توقيع : السعيد



رد مع اقتباس