( سمك وماء ويوم مزدحم إلى المساء)
الأربعاء 14/7/2010م
اقترح دليلنا في الشمال التركي أبو صهيب أن نتناول السمك في بحيرة (آلموس) Almus ولأنه كان يتبع الأرصاد الجوية يوما بيوم فلقد أشار علينا بأن يكون وصولنا إلى البحيرة بعد أن تخف حرارة الشمس ويكون الجو لطيفا لذلك تواعدنا أبو صهيب وماجد القطري وأنا على أن نلتقي في الساعة الثالثة وخمس وأربعين دقيقة تماما عند محطة نوري لأنها على طريقنا باتجاه بحيرة آلموس ..
عندما ذكر أبو صهيب السمك وضعت ميزانية في مخيلتي لا تقل عن 500 ريال لأن الطعام البحري ليس رخيصا فكيف إن كان المطعم بإطلالة على البحيرة المشهورة في ولاية توكات بأسرها؟ ..
بعد أن أفطرت أنا والأهل نظرت في ساعتي فوجدت أن عقاربها تشير إلى التاسعة صباحا فماذا نفعل حتى يحين موعدنا مع ماجد القطري وأبو صهيب؟ خفت أن أذهب بعيدا إلى مدينة (توكات) على سبيل المثال فأتاخر عن الموعد ، لذلك آثرنا الجلوس في الفندق والاسترخاء حتى يحين موعدنا ، ولكن بعد ساعتين من التململ والملل والسأم والفراغ قفزت إلى ذهني فكرة زيارة البحيرة القريبة من نكسار والتي لا تبعد سوى 7 كيلومترات ولا قت هذه الفكرة القبول من جميع الأطراف فركبنا السيارة وخرجنا من الفندق متوجيهن إلى البحيرة :
(عند الخروج من الفندق وكان الجو شبه غائم إلى غائم جزئي مع فرصة مهيأة لهطول أمطار رعدية على المناطق الشمالية والشمالية الغربية من شبه الجزيرة العربية .. آسف خرجت عن الموضوع)
وقبل الخروج من المدينة طرأ على بالي سؤال وهو ماذا لو جاع الأطفال ونحن بيننا وبين وقت الغذاء في مطعم السمك بألموس وقت لا يقل عن ستة ساعات؟ حينها لمحت مطعم للفطائر كنت قد ابتعت منه بعض الفطائر في اليوم السابق وهو قريب من الفندق فتوجهت إليه وأوقفت سيارتي لأطلب بعضا من الفطائر نأخذها معنا ونتسلى بها في حالة أصابنا الجوع وهذه صورة المحل :
( لا أدري لماذا كل ما ذهبت إلى مكان وجدت إسمه على إسم ولدي سلطان؟ إسم سلطان منتشر بكثرة في تركيا )
( هذه المرة عرفت ماذا أطلب لأنه بالأمس لم انتبه إلى الصور فأشرت إلى قائمة الطعام كيفما اتفق والدنيا حظوظ )
وصلنا إلى البحيرة وكانت الشمس ساطعة بعد أن كانت غائمة فجلسنا في السيارة نراقب البحيرة ثم جاءت غيمة حجبت شعاع الشمس فأخرجت زولية أخونا العضو في المنتدى (آخر الفرسان) التي اهداني إياها منذ سنوات ثم أخرجنا (ترامس ) الشاي والقهوة التي أهداني إياها أخي وصديقي وتاج رأسي (دهميد) أحد مؤسسي هذا الموقع وجلسنا على العشب نتأمل في قطيع الأبقار الذي ورد إلى البحيرة ليشرب فيما كانت هناك أسرة تركية على الطرف الآخر من البحيرة تقضي نزهة ممتعة :
جلسنا ما شاء الله لنا أن نجلس ثم نظرت إلى الساعة فإذا هي تشير إلى الثانية ظهرا فاقترحت أن نعود إلى الفندق كي يذهب الأبناء إلى دورة المياه ثم نكون قريبين من محطة نوري للإنطلاق خلف أبو صهيب وماجد القطري القادمين من أكوش والتوجه إلى مطعم السمك الواقع على طرف بحيرة آلموس ، وصلنا إلى المحطة قبل الموعد بربع ساعة وما هي إلا دقائق وصل بعدها أبو صهيب وأخبرني أن ماجد القطري سيصل خلال دقائق وانتظرت أبو صهيب حتى ينتهي من تعبئة سيارته بالغاز
(سيارة أبو صهيب الهوندا تتوقف للتزود بالغاز)
حانت مني التفاتة فإذا محطة أخرى أمام محطة نوري يوجد في مدخلها أنابيب موضوعة بطريقة تسمح بدخول السيارة إليها والتعرض إلى دفقات مركزة وسريعة من المياه التي تغسل ما علق في السيارة من طين أو أوساخ ، وهذه الخدمة مجانية تقدمها المحطة لعابري السبيل فلم أصدق خبر ودخلت بسيارتي كي تتعرض إلى هذا الكرم الحاتمي التركي .. ماهذا؟ كل شيء في الشمال التركي ببلاش ، الغسيل ببلاش والفواكه التي تقطفها من الطريق ببلاش والماء في مكان ببلاش والضيافة ببلاش والشاي ببلاش .. إنها أرض البلاش! وهذه صور الغسيل المجاني :
(يا سلام على الغسيل المجاني ، وبعدها تترك المجال للهواء كي يجفف سيارتك دون عناء )
كانت الغيوم قد بدأت تبدد شمس نكسار ونحن نقف بانتظار وصول ماجد القطري ولم تمضي دقائق إلا وأبو عبد الله ماجد قادم باتجاهنا فانطلقنا على بركة الله نحوا الطريق إلى آلموس ، ولقد أخذ بنا أبو صهيب طريقا مختصرا قال أنه يختصر ما يقرب من 40 إلى 50 كيلو مترا وبدلا من أن نتجه إلى مدينة توكات على بعد 56 كلم ثم نتوجه لى آلموس على بعد 30 كلم فسوف نتخذ طريق جبلي طوله 40 كلم ينزل بنا مباشرة إلى بيحرة آلموس عدى عن المناظر الخلابة التي سوف نراها أثناء الطريق وهكذا كان :
(ابنتا أبو صهيب وبناتي الثلاث وابني سلطان وابن ماجد القطري محمد في لقطة تذكارية وواضح التأثر بالبرودة بسبب الارتفاع عن سطح الأرض)
( ماجد القطري وأنا وابنائنا ويظهر في الصورة الأبن الأكبر لماجد القطري عبد الله )
سلكنا طرقا متعرجة لكن الطريق لا بأس به وإن كانت والدتي قد تخوفت منه في البداية لكن الأمور تسهلت ، كانت سيارة أبو صهيب في الأمام وسيارة ماجد القطري خلفها وسيارتي خلفهما ولاحظت أمر سرني وابهجني وهو توقف ماجد القطري كلما مرت بنا عائلة تركية من المزارعين كي يهديها بعض التمر وكتب عن العقيدة باللغة التركية وكانوا يأخذونها مسرورين فجزى الله أبو عبد الله ماجد القطري على هذا العمل وهذا الاهتمام وهذه البادرة الجميلة
وصلنا إلى البحيرة وظهرت أمامنا على حقيقتها وحجمها واتساعها وجمالها الآسر ، كم هو جميل منظر الماء الممتد بين الجبال يبهج النفس ويجعلها تلهج بالتسبيح والتكبير والتهليل فما أحسن صنع الله الذي أتقن كل شيء سبحانه وتعالى :
ووصلنا إلى البحيرة في حوالي الساعة الرابعة وأربعين دقيقة ثم توقفنا عند المطعم الذي اختاره لنا أبو صهيب لرخص أسعاره وجودة السمك الذي يقدمه وجلسته ذات الإطلالة الجميلة على البحيرة :
(ماجد القطري في صورة تجمعه بإبنه عبد الله والإبن الأصغر خفيف الدم محمد الله يحفظهم جميعا)
(حديث ودي مع الموظفين والذين هم في نفس الوقت أبناء صاحب المطعم)
(أحواض تربية السمك تستخرج طازجة لتقدم للزبون)
(السمك محضر بالفخار بطريقة مبتكرة حيث يوضع عليه طبقة من الجبن فتصبح السمكة مثل فطيرة البيتزا وكل صحن فخار يوجد فيه سمكتان من الحجم المتوسط )
كان حسابي أنا وعائلتي لخمسة اطباق (عشرة سمكات) مع المشروب الغازي والسلطة والخبز والماء والشاي 50 ليرة تركية (125 ريالا سعوديا ، 33 دولار) فهل ما أكلناه سمك أم ساندويتش فلافل؟ أفي علم أم حلم؟ هل يوجد بلد في هذا الوقت والزمان تأكل فيه سمك وملحقاته من سلطات ومشروب وخبز وماء وشاي وأنت تنظر إلى البحيرة وتتمتع بالجو اللطيف ويلعب أطفالك في الألعاب البسيطة الموجودة بالجوار وتطلق نظرك إلى آخر ما يصل له من حدود البحيرة وسيارتك بالقرب منك كل هذا بـ 125 ريال؟ .. أحتاج إلى أحد (يقرصني) حتى اتأكد أنني لا أحلم .. وجبة سمك يا ناس بمائة وخمسة وعشرين ريال؟ .. لن أتزحزج عن زيارة الشمال التركي كل عام بل أنني سوف اكون من رجال الأعمال وأصحاب الدخول العالية لو قضيت بضعة سنوات في هذا الرخص .. آكل من ثمار الأشجار واشرب من ماء الينابيع وأتناول السمك الطازج بتراب الفلوس وأصرف أقل مما أصرفه يوميا وأنا جالس في بيتي وبين أهلي وعشيرتي .. الشمال التركي في ولاية توكات وما حولها أعتبره ملك السياحة الاقتصادية .. فهنيئا لحزب (البتلة ) هذا الإنجاز والاكتشاف لمنجم لا يقدر بثمن من الأكل والشرب ببلاش! ومنذ هذه اللحظة أعلن أنني جندي من جنود حزب البتلة وشعاره : إصرف أقل واستمتع أكثر .. وسوف أسطر الصفحات تلو الصفحات في تأليف المراجع في كيفية إتقان هذا الفن ومنها هذه الكتب :
1- أكل السمك بأقل من ثمن الحسك.
2- اللطائف في تذوق البقلاوة والقطائف.
3- إطعام العشيرة بقيمة الليرة.
4- إغاثة اللهفان في طبخ الكباب بالباذنجان.
5- تعريف المسافرات بسعر أرخص الوجبات.
6- الحفظ والتحفيظ في فن إستنزاع التخفيض.
وغيرها من الكتب والمؤلفات وسوف تكون معظم الروايات بسند متصل إلى أبو صهيب ، هذا عدى عن الروايات المتواترة التي يرويها زوار ذلك القطر الصديق ممن عايشوا وشاهدوا السياحة الاقتصادية في البلاد التركية ..
بعد أن قضينا وقتا جميلا معنويا وماديا و(بطنيا) وأنا الذي كنت أحضر مبلغ وقدره لدفع وجبة السمك فإذا بي أدفع قيمة ستة وجبات هامبورجر ولكن هيهات بين السمك والهامبورجر .. كنت أسمع عن أخو البلاش ولكنني رأيت البلاش بعيني في توكات! .. انطلقنا من المطعم باتجاه مدينة توكات التي تبعد ما يقرب من 30 كلم عن بحيرة آلموس ..
(عمائر سكنية بالقرب من بحيرة آلموس)
(قوارب لنقل السمك من محاضنه في البحيرة للمطاعم ويوجد أيضا تأجير للقوارب للقيام بنزهة في البحيرة عندما يكون الجو مناسب)
كان ذهابنا لتوكات لهدفين : الأول التعرف عليها وقضاء بعض الوقت في مقهى جميل هناك والأمر الثاني : السؤال عن محل بقلاوة أهداها العضو في زاد المسافر السفير 15 لأبو صهيب في زيارة خاطفة فإذا حب هذه البقلاوة يتغلغل في قلب أبو صهيب فيقف على أطلال محلات البقلاوة في توكات ليسأل عن المحل صاحب الصندوق الأخضر ونحن نسير خلفه وإذا به يتحفنا بعقد إتفاقية وتخفيض 15 بالمائة لأعضاء زاد المسافر بمجرد ذكر كلمة السر : حسن عاشور مسافر.. فتنفتح أبواب التخفيض كما أنفتحت لعلي باب المغارة بالعبارة المشهورة : إفتح يا سمسم ..
أوقفنا سياراتنا في المواقف ثم انطلقنا باتجاه المقهى التاريخي الذي دلنا عليه أبو صهيب وهناك أمضينا أمسية ممتعة أخبرني فيها حسن عاشور عن المغارة ونصحني بزيارتها في الغد وهذا ما كان وجرى وصار ، بعدها عدنا إلى نكسار وواصل الإخوة ماجد القطري وحسن عاشور سيرهم إلى أكوش بعد يوم حافل للغاية من الصباح وحتى المساء فلله الحمد والفضل والثناء الحسن ..
(إيقاف السيارة في مواقف وسط المدينة للذهاب إلى مقهى الخان)
( مسجد اثري بالقرب من المواقف)
(وسط مدينة توكات في المساء)
(لوحة على مدخل مقهى الخان توضح بعض المعلومات عنه)
(المقهى من الداخل والمعذرة على التصوير الغير جيد لكن الهدف هو وضعكم في الأجواء قدر الإمكان)