(عندما مررت بحدود ثلاث دول في يوم واحد)
نسيت أن أذكر أنني بعد أن خرجت من الرياض بنصف ساعة سألتني ابنتي الصغيرة آلاء : بابا متى نوصل؟ .. يالله مساء خير، تونا يابنتي طالعين ما مداك تملين ، وحتى أوضح لها الأمر ليستوعبه عقلها الصغير قلت لها : الحين نحن يا بابا في الرياض وسوف نتجه إلى القصيم وبعدها حائل وبعدها الجوف وبعدها دومة الجندل وبعدها القريات وبعدها الحدود الأردنية وبعدها مدينة الأزرق ثم الزرقاء ثم منفذ جابر على الحدود السورية ثم دمشق ثم حمص ثم طرطوس ثم اللاذقية ثم كسب ثم الحدود التركية ثم يالداغ ثم أنطاكيا ثم كيرخان ، ثم إصلاحي ، ثم توركوغلو ثم كهرمان مرعش ثم قوقسن ثم بينار باشي ثم شاركشلا ثم سيفاس ثم يلديزلي ثم توكات ثم نكسار لأن فندقنا في نكسار ، ثم التفت إليها فوجدتها قد نامت!! ..
نعود لرحلتنا ، فقبل أن نصل إلى حائل اتصل بي أحد الاشخاص واخبرني أنه قريب لأحد أصدقائي وهو أبو ناصر (عضو معنا في المنتدى) وأن أبو ناصر كلفه ليبحث لنا عن سكن مناسب في القريات وسوف يعاود الاتصال بي مرة أخرى فشكرته على لطفه ، كما اتصل بي أبو ناصر ليطمأن وأخبرته بأن قريبه اتصل وسوف يحجز لنا شقة حتى نتوجه إليها مباشرة دون أن نضيع الوقت في البحث ، ثم عاد ذلك الأخ جزاه الله خيرا ليتصل بي صباح الأربعاء قبل وصولي إلى القريات بحوالي 400 كلم يخبرني بأنه حجز لي في شقق إسمها : الضيافة العربية ووصف لي مكانها وأنا أدعو الله أن يجزيه عني خير الجزاء .. توقفت قبل القريات في محطة لتعبئة الديزل فمنذ أن اشتريت سيارتي التي تعمل بوقود الديزل وأنا وسائقي الشاحنات سمن على عسل ونتجاذب أطراف الحديث عند ماكينة الديزل وإليكم هذه الصورة لتوضيح علاقة الصداقة بين سياراتي والشاحنات على الطريق :


وصلنا إلى القريات في الساعة الثامنة والنصف تقريبا من صباح يوم الأربعاء 7/7 وتوجهت مباشرة نحو شقق (الضيافة العربية) كي أستريح من عناء القيادة ويستريح الأهل ونأخذ قسطا من النوم الشقة مكونة من غرفتين نوم وصالة ومطبخ ودورة مياه أعزكم الله وقيمتها 220 ريال في اليوم ، دخلناها في الثامنة والنصف وخرجنا منها في الثالثة والنصف عصرا متوجهين نحو الحديثة حيث الحدود السعودية الأردنية وهذه صور لشقق الضيافة العربية من الداخل:



كان خروجنا من الحدود السعودية سريعا ميسرا وعندما وصلت إلى المنفذ الأردني أوقفت السيارة ونزلنا منها للدخول ومطابقة الجوازات للنساء لم يكن الإزدحام شديدا كما توقعت لكنني انتظرت ما يقرب من نصف ساعة حتى أتى دوري لختم الجوازات ، ونحن نقف في الطابور مر بجانبي رجلان وسمعتهما يتحدثان ويقول الأول : روح إنت حاول تسقط على الطابور خلنا نخلص بسرعة وخذ معك الجوازات ، ثم رأيت الرجل الثاني يذهب لمقدمة الصف ويتحدث مع أحد الواقفين ويقول : معليش إسمح لي أسقط عليك أنا رجال معي سرطان وشوف رجلي (رجله كان يضعها في كيس بلاستيك وهو يعرج) إذا هي عملية نصب لتجاوز الصف فحسبي الله ونعم الوكيل على مثل هؤلاء ، لكن الرجل في المقدمة كان ذكيا وقال للرجل : الحين معاك مرض السرطان الله يشفينا وياك وجاي تختم الجوازات بنفسك؟ ليه ما خليت أحد غيرك يقف في الصف ، تفاجأ الرجل بالإجابة ولكنه رد سريعا : اللي معي كلهم نساء ، المهم أنه أستطاع أن يقنع الأشخاص الواقفين في المقدمة ومرر جوازاته لتختم قبل الجميع ، أما أنا فلم أرد التدخل فلست أرغب في النقاش وإثارة الفوضى لأن الأمر سوف يؤدي إلى زيادة في التأخير وبعد أن ختمت جوازاتي تركت أهلي في صالة الانتظار وذهبت للتأمين على سيارتي ، كان مكتب التأمين غير منظم فلا يوجد سوى ثلاثة موظفين والصفوف متداخلة فلا يعرف أحد أين يقف ، وعندما وصل دروي وقدمت أستمارة السيارة للموظف دار بيننا هذا الحوار :
الموظف : شو نوع السيارة؟
أنا : سانج يونج رودس
الموظف : شو صناعة صيني يعني؟ هاي جيب ولا سيدان؟
أنا : الشركة صينية والصناعة كورية والمحرك ألماني وهي سيارة عائلية.
الموظف : شو هي الخلطة؟ ممكن أشوف السيارة على الطبيعة؟
أنا : تفضل
ثم خرج الموظف من مكتبه وتجاوز الصفوف التي تنتظر وذهب معي إلى حيث أوقفت سيارتي وأشرت إليها فهز رأسه وقال : عجيب ، عجيب ثم عاد إلى مكتبه وعدت خلفه
الموظف : شوف يا أخي ، رخصة السيارة مكتوب فيها 9 ركاب وهذه سوف يكون عليها تأمين 26 دينار بدلا من التأمين العادي وهو 11 دينار لكنني سوف أساعدك واسجلها كسيارة سيدان عادية وعندما تعود مرة أخرى لا تريهم الاستمارة وإنما أخرج لهم ورقة التأمين التي سوف أعطيك إياها فهمت؟
قلت : فهمت والله يجزاك خير ، ثم أخذ مني 14 دينار ، أحد عشر دينار قيمة التأمين وثلاثة دنانير وضعها في جيبه!
ناديت على الأهل وركبنا السيارة متوجهين إلى بوابة الدخول نحو الأراضي الأردنية بعد حوالي ساعة ونصف أمضيناها في المنفذ وعندما مددت يدي بالجوازات لرجل الجمارك استعداد لدخول الأردن تناول الجوازات وطلب مني العودة للجمارك مرة أخرى لتسجيل السيارة وحينها تذكرت نصيحة أخي مشرف بوابة تركيا عوض في أحد موضوعاته بضرورة تسجيل السيارة لدى الجمارك قبل الاتجاه نحو البوابة وكلفني هذا نصف ساعة أخرى من التأخير وبعدها دخلنا إلى الأردن ولله الحمد بعد ساعتين أمضيناها في المنفذ وكانت الساعة تشير إلى السادسة وعشرين دقيقة تقريبا ..
(الدخول إلى الأردن وبداية الطريق نحو الأزرق ومعالم وجهي في المرآة تشير إلى عبوس وتوتر سرعان ما زال بعد دقائق)
(سلطان يحاول أن يسجل أسماء المدن التي سوف نمر بها)
وصلنا مدينة الأزرق وهي أول مدينة تقابل القادم من السعودية ويوجد بها فنادق للراحة ومطاعم ومحلات على الطريق وتوقفنا لتناول الطعام في أحد المطاعم التي تقدم المشويات على الطريق وكان المطعم الذي وقع عليه اختياري مطعم أبو شادي (يوجد صور له في تقرير أخي أبو حكام في هذه البوابة) المطعم عبارة عن غرف عائلية مستقلة ومكيفة وبعد أن انهينا طعامنا واصلنا سيرنا نحو الحدود السورية (منفذ جابر)
(الشمس تدنو من الغروب ونحن خارجين من الأزرق وكانت الساعة تشير إلى السابعة وسبع وخمسين دقيقة مساء متوجهين نحو الزرقاء حيث سنفرق قبلها باتجاه منفذ جابر)
توقفت في محطة قبل حدود جابر لتعبئة سيارتي بالديزل حيث أنني كنت متخوف من نوعية الديزل في سوريا ، فلقد سمعت من أكثر من مصدر أن الديزل في سوريا يتم خلطه بمازوت التدفئة وهذا يعني أنني سوف أعود إلى الرياض محمولا أنا واسرتي على (سطحة) ولا أريد لتجربة (السطحة) في رحلتي للأمارات أن تتكرر والمرء من اتعظ بغيره .. أدينا صلاة المغرب والعشاء في المحطة وواصلنا نحو حدود جابر وكان الخروج من الأردن سريعا وسلسا أما الدخول إلى سوريا فأتركه إلى الحلقة القادمة لوجود كثير من التفاصيل والأحداث ..
(منفذ جابر ، إدفع ثم أسأل لماذا دفعت؟)
بداية أعتذر عن قلة الصور في هذا الجزء لأن أغلبه يدور في المنفذ والتصوير في المنافذ أمر يعرض مرتكبه للمسائلة القانونية فاعذورني ..
وصلنا إلى الحدود السورية من منفذ جابر وهنا وضعت أعصابي في ثلاجة واغلقتها بالمفتاح ، كنت قد تشبعت بتقارير الأعضاء الذين تحدثوا عن الدخول إلى سوريا لذلك لم أكن أهتم لأي أمر يحدث حتى ولو جاوز الخيال فالتهيئة النفسية مطلوبة .. ومثل ما يقول أخونا العاشق المسافر مشرف البوابة : أهم شيء الراحة النفسية ..
عند أول دخولي للحدود السورية من البوابة قادما من الأردن يوجد موظف يسجل رقم السيارة في ورقة صغيرة جدا مكتوبة بخط يد غير واضح ويعطيك إياها دون أن ينبس ببنت شفة (يا ويلك ويا سواد ليلك لو فقدت هذه الورقة أو احتقرتها أو لم تهتم لها).
وكنت قد قلت لأهلي أول ما دخلنا للمنفذ السوري : قد ننتهي من الإجراءات في نصف ساعة وقد ننتهي بعد خمس ساعات لذلك لا تجزعوا ولا تتضايقوا والجو جميل بارد والمساء عليل فإن طولت عليكم فاجلسوا ودعوا الأطفال يلعبوا وابتسموا قدر ما تستطيعون أن تبتسموا وكونوا هادئين ولا تستعجلوا فأمامنا طريق طويل فاقعدوا وإن حصل لكم أن (تقزقزوا) حب فقزقزوا ، وإن تأخرت عليكم فلا تنشغلوا أو تجزعوا فهنا تبدأ المتعة بالنسبة لي فتأملوا ، دراسة النفس البشرية هنا هي المطلب ُ ، فكاتب مثلي في هذا المكان يسعدُ ، يلاحظ ويتأمل وفي ذاكرته يسجلُ
آخر مرة دخلت فيها الحدود السورية عن طريق البر كانت عام 2004 وأنا قادم من بيروت وهذه هي المرة الثانية ، والشهادة لله أنني فوجئت بوجود مكان مكيف كبير ونوافذ متعددة ومقاعد للجلوس وشاشة تلفزيون ومكان نظيف والأزدحام ليس شديدا عكس ما أحمله عن المنفذ الذي بين لبنان وسوريا ، ثم قرأت لوحة في مكان ظاهر وواضح مكتوب فيها ما معناه : إذا تأخر ختم جواز سفرك لدى الموظف فاتصل بهذا الرقم ، فقلت في سري الحمد لله يوجد تقدم واهتمام بإنهاء الإجراءات بسرعة ..
جلس الأهل على المقاعد وبدأت أنا في تعبئة (الكروت) الخاصة بالتأشيرة وفيها الاسم ورقم الجواز والعنوان والغرض من الزيارة إلى آخره (لا أدري سبب التعلق بتعبئة هذا الاستمارات بعكس المنافذ في السعودية والأردن) ثم اتجهت إلى النافذة الخاصة (بالإخوة العرب) إذ يوجد نافذة للمواطنين ونافذة للأردنين ونافذة لنا نحن العرب ، كان أمامي اثنان يقفان في الصف ورغم ذلك انتهيت من ختم الجوازات بعد 45 دقيقة ، لماذا؟ أقول لكم لماذا ، لأن موظف الجوازات كان ينظر إلينا وننظر إليه وبجواره موظف آخر ينظر إليه وينظر إلينا ، الأجواء تعطيك إنطباع بان هناك ما يريب ، ثم أتى موظف آخر وبيده مجموعة من الجوازات أعطاها للموظف وانصرف وبدأ الموظف بختم تلك الجوازات التي أحضرت إليه بسرعة عجيبة ثم عاد ينظر إلينا ، ويبدو أن الإخوة الشباب الذين أمامي لم يكن لديهم استعداد للاستجابة لنظراته فأصبحت مباراة في التحدي بالنظرات ، هو ينظر إليهم وهم ينظرون إليه ونحن في الخلف ننظر مع الناظرين ، وجوازات تأتي وجوازات تذهب ونحن وقوفا حائرين ، وبعد مدة طالت للغاية تغلبت نظرات الشباب على نظرات موظف الجوازات فختم لهم بختم الدخول وأتى دوري وكنت أنتظر تلك النظرة لكنه ختم الجوازات بسرعة وناولني إياها فأخذتها باليمين وأنا أحمد الله رب العالمين ..
رغم قراءتي لكل ما كتب عن إجراءات الدخول إلى سوريا في المنتدى إلا أنك إذا وصلت فلا تنتظر أن تكون تلك الإجراءات التي قرأتها مطبقة ، فتغير الاجراءات في المنفذ السوري يتم بصورة متكررة ، أختام ورسوم وأوراق لا تدري من أين تبدأ ولا أين تنتهي فلا يوجد اجراءات واضحة سوى أن تسأل غيرك في المنفذ أو تتبع حدسك أو تتبع غيرك من المسافرين وتقلدهم في ما يفعلون ، وقفت عند مكتب التأمين وكان معي دولارات فطلب مني الموظف الدفع بالليرة السورية مبلغ 2500 ليرة ثم تحركت إلى النافذة المجاورة فطلب مني موظف آخر دفع 10 ريالات سعودية ثم تحركت إلى النافذة المجاورة فطلب مني موظف آخر دفع500 ليرة سورية وحتى هذه اللحظة لا أدري لماذا دفعت فلقد وجدت (قدامي) نوافذ عديدة فدفعت! ..
لا تنسى أن تختم تلك الورقة الصغيرة المكتوبة بخط اليد التي استلمتها أول ما دخلت من بوابة المنفذ ، لابد أن تختم تلك الورقة من موظف الجوازات الذي ختم لك ختم الدخول لأنك إن لم تفعل فسوف تكون (وقعتك سودة) وإن فعلت فسوف تكون وقعتك سودة ايضا ، ففي كلا الحالتين سوف تكون (وقعتك سودة) وتستطيع تبييضها ببعض الليرات.
بعد أن أنهيت كل الاجراءات اللازمة ولا أحد يسألني عن تلك الاجراءات فلن تستفيد شيئا لو أخبرتك بها ثم إنني لا أذكرها لأن رأسي دار من كثرة ما تنقلت بين النوافذ حتى انني من فرط حماستي ذهبت إلى نافذة عسكري ظننته موظف (فشخط) فيني قائلا : أنت تقف الآن أمام عسكري يؤدي واجبه العسكري! .. لم افهم ماذا يقصد سوى : غور من قدامي! ..
منذ أن خرجنا من الرياض وحتى دخولنا سوريا والوالدة أكثر ما كان يشغلها هو أن يطلب رجال الجمارك مني إنزال الحقائب من على (سطح) السيارة لتفتيشها وكانت تخشى علي من آلام الظهر عند حمل وإنزال تلك الحقائب في المنافذ للتفتيش في كل مرة ، لكن الحمد لله لم أضطر إلى إنزال الحقائب لا في الذهاب ولا في العودة وهذا بتوفيق الله ثم دعاء الوالدة ..
وصلت الآن إلى البوابة استعدادا لدخول الأراضي السورية قابلني رجل يلبس لباس الجيش وتذكرت حينها مقولة مشرفنا عوض في تقريره عن عدم إعطاء أي شخص الجوازات والموظف الوحيد المخول بالتدقيق في الجوازات هو الموظف الذي يقف تحت المظلة ، ولكن في ظلام الليل وبعد كل ذلك (المارثون) من يستطيع أن يتذكر تلك الوصايا؟بل من الذي يستطيع أن يرى أي مظلة؟ لو طلب مني عامل (بنجلاديشي) الجوازات لأعطيتها له طائعا مختارا فما بالك برجل يلبس لباس الجيش؟ .. المهم أعطيت الرجل جوازاتنا فقال لي : كم عددكم؟ فقلت : سبعة فبادرني قائلا : معك شي حلوان؟ في هذه اللحظة وبعد مجهود السفر والمنافذ العديدة التي يمر بها المسافر إلى تركيا لو طلب مني رجل ليس فقط حلوان بل حلويات من باتشي وآيسكريم من باسكن روبنز لأعطيته بشرط أن انتهي من هذا العذاب ، فأعطيته خمسين ليرة تحسبا لمثل هذه المواقف ، وصلت الآن بسيارتي إلى الموظف الذي يقف عند البوابة وبعدها تنتهي المعاناة فطلب الجوازات فأعطيته ، ثم طلب ورقة السيارة فأخرجت تلك الورقة الصغيرة المكتوبة بخط اليد التي استلمتها عند بوابة الدخول والتي ختمتها من موظف الجوازات وأعطيته إياها وأنا امدها إليه بكل فخر( تذكروا الوقعة السوداء) فقال لا ليست هذه الورقة الأخرى ( يادي الوقعة السوداء) فأعطيته دفتر (التربتيك) فقال لا ليست هذه (أصبحت الوقعة السوداء مؤكدة الآن) فأعطيته ورقة التأمين فقال لا ليست هذه ، هناك ورقة ألم تستلمها من الجوازات؟ فقلت هذا كل اللي معي وهنا دخلت في مرحلة جمود ذاتي يعني بالعامي (مرحلة البلادة وعدم الفهم) وأخذت أنظر إليه بصمت وهو يقول : سوف أخرجك على مسؤوليتي الخاصة ثم سجل رقم سيارتي ودخلت إلى سوريا أخيرا والساعة تشير إلى الحادية عشرة والنصف أو الثانية عشر منتصف الليل وحتى هذه اللحظة لا أدري ما تلك الورقة التي كان يعنيها الموظف؟ من يعرف فالرجاء أن يخبرني أو يخبر غيري مع أني اتصور ان الاجراءات سوف تتغير مرة أخرى فلا تتعب نفسك يا صديقي في محاولة التعرف عليها ، إذهب والله ييسر أمورك وتعامل مع الضغوط ببساطة وعفوية فأمامك طريق طويل حتى تركيا ..
أصبحنا الآن داخل سوريا أخيرا ، وكنت أريد الوصول إلى حمص للمبيت فيها ، نصحني بعض الإخوة وقرأت في بعض التقارير أن المبيت في كسب أفضل أو على الأقل في اللاذقية لكن من ذا الذي يضمن لي أن أكون في كامل وعي ونشاطي للقيادة حتى كسب والساعة تشير إلى الثانية عشر منتصف الليل؟ .. لذلك قدرت أن من الأفضل لي ولأسرتي ولراحتهم أن ننام في حمص وهكذا كان الأمر .. توقفت في أول محطة قابلتني لشراء بعض الوجبات الخفيفة والعصائر ثم المواصلة ، وكنت قد قرأت أيضا من في بعض الموضوعات في المنتدى أن المتوجه إلى حمص الأفضل له أن يأخذ طريق المطار حتى لا يضطر إلى الدخول في (زحمة) دمشق ، كنت أتتبع اللوحات التي تشير إلى المطار إلى أن تأتيني لوحة حمص ولكني بالخطأ دخلت إلى مفرق المطار وسرت مسافة إلى أن اتضح لي خطأ سيري فعدت أدراجي ودخلت إلى بداية طريق دمشق وهناك سألت عن حمص فدلني أحد كبار السن الذي كان يسير هو وزوجته بالقرب من حديقة على الشارع العام ، ووجدت طريق حمص فسلكته وكانت الساعة تشير تقريبا إلى الواحدة أو الواحدة والنصف بعد منتصف الليل ، وهنا أود أن أذكر أنني واثناء دخولي دمشق اعترضتني سيارة فيها شاب اقترب من نافذتي وصرخ : أتريدون شقق مفروشة؟ لدي شقق للعوائل ، توقف لأعطيك رقمي ، الحقيقة أنني تضايقت من مثل هذه الصفاقة والطريقة في الإعلان عن شقق وسط الطريق العام ..
عندما سلكت طريق حمص وبعد أن قطعت مسافة قصيرة إذا بجحافل الضباب تهجم على الطريق حتى أصبحت الرؤية تكاد تكون معدومة وأتذكر أن أقصى سرعة لي كانت 30 كلم في الساعة واستمر هذا الوضع لفترة طويلة قبل أن ينقشع الضباب لكنه كان منظرا أخاذا بالنسبة لأطفالي الذين بدأو في إخراج أيديهم من نافذة السيارة لتحسس الرطوبة والرذاذ البارد ..
قبل الوصول إلى حمص اتصلت بصديقي آخر الفرسان وقلت له : يا أبو مشاري هل تعرف سكن مناسب في حمص أتوجه إليه فورا فأعطاني جزاه الله خير رقم شيخ يملك شقق مفروشة لكن الشيخ يبدو أنه كان نائما في ذلك الوقت المتأخر من الليل فلم يجب على اتصالاتي المتكررة ، فتوكلت على الله وعقدت العزم على السكن في أول فندق يقابلني ، وصلت إلى أحد الدوارات في مدينة حمص فوجدت دورية للشرطة سألتهم هل يوجد فندق قريب من هنا؟ .. فأجابني الشرطي : يوجد فندق حمص الكبير وهو أربع نجوم من هذا الاتجاه ولكن يوجد فندق قريب نجمتين في هذا الشارع القريب إن أردت إسمه بيسان الجديد، فشكرته وتوجهت نحو بيسان لأن الغرض هو أخذ قسط من الراحة قبل مواصلة الطريق إلى تركيا ، وصلت إلى الفندق وكان على شارع دمشق وأمامه حديقة ومسجد ، تركت أهلي في السيارة ودخلت لأسأل عن إمكانية وجود غرف فوجدت غرفة واحدة عبارة عن جناح مكون من طابقين فأخذته بحوالي 3000 ليرة سورية بالخدمة والضريبة والإفطار (حوالي 240 ريال ، 64 دولار) لم يكن هناك وقت للمفاصلة والأخذ والرد لأنها آخر غرفة في الفندق وهذه بعض الصور للجناح أو الغرفة (لم أستطع تحديد هويتها بالضبط فلا هي بالجناح ولا هي بالغرفة) :




لا يوجد أي منظر تطل عليه نوافذ الغرفة لأنها في الدور الأرضي ، أما تعامل الموظفين فهو راقي للغاية وهم مثال على طيبة أهل حمص حتى أنني سألت موظف الاستقبال عن موعد الإفطار فقال لي لا تحمل هم ارتاحوا وناموا وعندما تستيقظوا سنضع لكم إفطاركم .. وسألته إن كنت أستطيع ترك سيارتي وفوقها أغراضي دون خوف فقال لا تخشى شيئا فلدينا حارس مهمته الجلوس على (الدكة) خارج الفندق ومراقبة سيارات النزلاء ، كان أذان الفجر يصدح من المسجد القريب من الفندق فصلينا ونمنا لنستيقظ وقت الظهر لمواصلة رحلتنا إلى تركيا ..
(منفذ كسب لا يوجد أحد)
استيقظت من نومي في الحادية عشرة ضحى يوم الخميس 8/7/2010م وفي البداية لم أعرف أين أنا؟ ولا كيف وصلت إلى هنا؟ ثم شيئا فشيئا بدأ الذهن يتعرف على المكان وأنني في فندق بيسان الجديد بحمص ، أيقظت أهلي استعدادا لمواصلة السير نحو خط النهاية حيث دخلنا في يومنا الثالث منذ أن انطلقنا من الرياض ولم نصل إلى الحدود التركية بعد ، خرجت لأحاسب الفندق وتم إعداد فطور خاص بنا حيث أن فترة الإفطار انتهت لكن إدارة الفندق مشكورة جهزت لنا إفطارا لا بأس به يتكون من الجبن والزيتون والبيض والعسل والشاي والقهوة فتناولنا إفطارنا على عجل ثم رأيت أنه لم يبق على أذان الظهر وقت طويل فاستأذنت من موظف الاستقبال في العودة إلى الغرفة مرة أخرى بعد أن سلمت المفتاح لأداء الصلاة ، دخل الأهل للغرفة لانتظار الأذان والصلاة وفضلت أن أنتظر في بهو الفندق لأتناول قهوتي إلى أن يحين موعد الأذان وهذه صور للفندق من الداخل تم تصويرها على عجالة :


كان أمامي جهاز التلفاز ورجل يتابع تسجيلا لدعاء القنوت في صلاة التراويح لمسجد من المساجد لا أدري أين يذاع من قناة إسلامية (لاحظوا أننا في نهاية رجب وبداية شهر شعبان) سلمت على الرجل فرد السلام وجلست أمام التلفاز أتابع الدعاء ، بعد قليل التفت إلى الرجل وقال : يا أخي لا أدري لماذا هذا التنطع والمبالغة والترتيل في الدعاء وكأن الإمام يقرأ من القرآن ولماذا هذا التباكي أثناء الدعاء والجفاف والقحط عند المرور بآيات الجنة والنار وهي التي ينبغي أن تدمع عندها العين رغبة في النعيم وخوفا من الجحيم ، لم يكن الرجل ملتحيا أو شيخا بل كان مواطن سوري عادي فبادرته قائلا : الأخ سائح؟ فقال لا وإنما أنا من دمشق حضرت لعمل وسوف أعود لدمشق مرة أخرى ، ثم تحدثنا في أمور عامة وأذن المؤذن لصلاة الظهر وأخبرت الأهل وجمعنا الظهر والعصر جمع تقديم ثم ركبنا السيارة متوجهين إلى طرطوس ثم اللاذقية ثم كسب حيث المنفذ الحدودي للدخول إلى تركيا ..
(الانطلاق من حمص والتوجه إلى طرطوس)
(سارة تتأمل الطريق بين حمص وطرطوس باهتمام)

أثناء سيري على الطريق وجدت محطة مزدحمة بالسيارت لدرجة أن السيارات تقف في صفوف متراصة فتذكرت نصيحة لا أدري هل قرأتها في موضوع في المنتدى كتبه ريح الشرق أو سمعتها من شخص تقول : بالنسبة للسيارات التي تعمل بالديزل إذا كنت في سوريا فلا تعبأ إلا من المحطات المزدحمة لأنها لا تغش الديزل وتخلطه بوقود التدفئة (حذرني الموظف في الوكالة التي اشتريت منها سيارتي أنني إذا عبأت ديزل من سوريا فإنني سوف اعيدها إلى الرياض محمولة على سطحة) وكان هذا التحذير أكثر أمر يشغل بالي ، كان مؤشر الوقود يشير إلى أقل من النصف وخشيت أن لا أجد في تركيا محطات قريبة من الحدود فتوكلت على الله وتوقفت عند هذه المحطة المزدحمة لكي أمليء الخزان وليكن ما يكون ، وفعلا تمت تعبأة الخزان ولم يحدث شيء للسيارة فحمدت الله وواصلت طريقي نحو كسب ، إسم المحطة هو : محطة القدموس وهي المحطة الوحيدة التي وجدتها مزدحمة بالسيارات ولا أدري ما الحكمة في ذلك رغم وجود محطات أخرى قبلها وبعدها ، نسيت أن أذكر أن الديزل يسمى في الأردن : سولار وفي سوريا مازوت وفي تركيا ديزل أو يورو ديزل لأنه يوجد فيما يبدو نوعين من الديزل ونصحني الإخوة بالديزل الأوروبي أو اليورو ديزل .. وبعد مدة وصلت إلى مشارف اللاذقية ..


عندما دخلت إلى اللاذقية وجدت الإزدحام شديدا فنحن في إجازة واللاذقية مصيف لأهل سوريا لأنها تقع على البحر واللوحات التي تشير إلى كسب غير واضحة لذلك اتبعت المثل الذي يقول : هين قرشك ولا تهين نفسك ، ولم أرد أن اتفلسف وأضيع الوقت في هذا الازدحام فتوقفت إلى جانب الطريق وأشرت إلى أحد (التكاسي) الموجودة بكثرة وسألته بكم توصلني إلى أول الطريق الموصل لكسب؟ .. فقال : 200 ليرة (16 ريال تقريبا ، 4 دولار) فقلت توكل على الله ، وتبعته إلى أن توقف وقال لي : من هون لا يمين ولا يسار دغري على كسب ، فانطلقت بالاتجاه الذي أشار إليه ..
( الطريق إلى كسب والحمد لله الذي قدر وكتب جعلنا الله ممن رضي عنهم وأحب)
وأخيرا وصلت إلى منفذ كسب وهاهي تركيا لا تبعد سوى أقل من كلم واحد عني ودخلت بسيارتي إلى المنفذ السوري وأنهيت إجراءاتي بسرعة قياسية ولم يكن المنفذ التركي يبعد سوى خطوات تستطيع قطعها سيرا على الاقدام ، واستغربت من قرب المنفذين من بعضهما البعض ..
(اللوحة الأولى في سوريا ومكتوب فيها رافقتكم السلامة والتي بعدها مباشرة في الصورة لوحة ترحب بالقادمين إلى تركيا ويلاحظ قرب المسافة)
أوقفت سيارتي في الحدود التركية ونزلت لأنهاء الاجراءات والتأمين على السيارة ولم يكن أمامي أحد في المنفذ ، يا سلام المنفذ خالي وغير مزدحم وبعد قليل حضر اثنان أحدهم سعودي لانهاء الاجراءات ايضا وتم ذلك بسلاسة وسرعة إلا أنني انتظرت ما يقرب من ثلث ساعة أمام شباك التأمين لأن سيارتي لم تكن من النوع المألوف في تركيا ولم تكن ماركتها مسجلة في الجهاز ( هذه هي الضريبة عندما تشتري سيارة غير منتشرة ولا معروفة على نطاق واسع) ثم أخيرا اخترقنا بوابة الخروج ودخلنا تركيا حيث بدأت المتعة الحقيقية ..
( بداية دخولنا إلى الأراضي التركية والساعة تشير إلى السادسة والنصف تقريبا من يوم الخميس، استغرقنا خمسة ساعات منذ ان تركنا فندق بيسان الجديد في حمص وحتى دخولنا الأراضي التركية والسبب أننا أكثرنا من التوقف في سوريا ) ..
كان أبو صهيب قد نبهني لشراء بطاقة شحن تركية من أول مدينة تقابلنا على الحدود وإسمها : يالاداغ (Yayladagi) وذلك لكي أتواصل معه عبر الهاتف وحتى لا يحسب على مبلغ لو استخدمت جوالي السعودي لكنني لم أستمع لإرشاداته ونصائحه (المسألة مسألة عناد) ..