منتديات رياض الأنس - عرض مشاركة واحدة - من براهين التوحيد في القرآن المجيد
عرض مشاركة واحدة
قديم 11-03-2018, 06:14 AM   #14


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: من براهين التوحيد في القرآن المجيد





البرهان 100



من سورة الأعراف





{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ

فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ

إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }.

{ 59 }



لما ذكر تعالى من أدلة توحيده جملة صالحة،

أيد ذلك بذكر ما جرى للأنبياء الداعين إلى توحيده

مع أممهم المنكرين لذلك،

وكيف أيد اللّه أهل التوحيد،

وأهلك من عاندهم ولم يَنْقَدْ لهم،

وكيف اتفقت دعوة المرسلين على دين واحد ومعتقد واحد،



فقال عن نوح - أول المرسلين -:

{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ }

يدعوهم إلى عبادة اللّه وحده، حين كانوا يعبدون الأوثان


{ فَقَالَ } لهم: { يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ } أي: وحده



{ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ }

لأنه الخالق الرازق المدبِّر لجميع الأمور،

وما سواه مخلوق مدبَّر، ليس له من الأمر شيء،




ثم خوفهم إن لم يطيعوه عذاب اللّه، فقال:

{ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ }

وهذا من نصحه عليه الصلاة والسلام وشفقته عليهم،

حيث خاف عليهم العذاب الأبدي، والشقاء السرمدي،

كإخوانه من المرسلين الذين يشفقون على الخلق

أعظم من شفقة آبائهم وأمهاتهم،



فلما قال لهم هذه المقالة، ردوا عليه أقبح رد.


{ قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ } أي: الرؤساء الأغنياء المتبوعون

الذين قد جرت العادة باستكبارهم على الحق، وعدم انقيادهم للرسل،


{ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ }

فلم يكفهم - قبحهم اللّه - أنهم لم ينقادوا له،

بل استكبروا عن الانقياد له، وقدحوا فيه أعظم قدح،

ونسبوه إلى الضلال،

ولم يكتفوا بمجرد الضلال حتى جعلوه ضلالا مبينا واضحا لكل أحد.


وهذا من أعظم أنواع المكابرة،

التي لا تروج على أضعف الناس عقلا،


وإنما هذا الوصف منطبق على قوم نوح،



الذين جاءوا إلى أصنام قد صوروها ونحتوها بأيديهم،

من الجمادات التي لا تسمع ولا تبصر،

ولا تغني عنهم شيئا،

فنـزلوها منـزلة فاطر السماوات،

وصرفوا لها ما أمكنهم من أنواع القربات،

فلولا أن لهم أذهانا تقوم بها حجة اللّه عليهم

لحكم عليهم بأن المجانين أهدى منهم،

بل هم أهدى منهم وأعقل،





البرهان 101



من سورة الأعراف



{ وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا

قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ }

{ 65 }


وقوله تعالى :

{ قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ

وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا

فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ *

قال قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ

أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ

مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ

فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ }

{ 70 ، 71 }


أي: { و } أرسلنا { إِلَى عَادٍ } الأولى، الذين كانوا في أرض اليمن

{ أَخَاهُمْ } في النسب

{ هُودًا } عليه السلام،

يدعوهم إلى التوحيد

وينهاهم عن الشرك والطغيان في الأرض.

فـ { قَالَ } لهم:

{ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ }

سخطه وعذابه، إن أقمتم على ما أنتم عليه،

فلم يستجيبوا ولا انقادوا.



{ قَالُوا } متعجبين من دعوته، ومخبرين له أنهم من المحال أن يطيعوه:

{ أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا }

قبحهم اللّه،

جعلوا الأمر الذي هو أوجب الواجبات وأكمل الأمور،

من الأمور التي لا يعارضون بها ما وجدوا عليه آباءهم،

فقدموا ما عليه الآباء الضالون

من الشرك وعبادة الأصنام،


على ما دعت إليه الرسل

من توحيد اللّه وحده لا شريك له،


وكذبوا نبيهم، وقالوا:

{ فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ }

وهذا استفتاح منهم على أنفسهم.



فقَالَ لهم هود عليه السلام:

{ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ }

أي: لا بد من وقوعه، فإنه قد انعقدت أسبابه، وحان وقت الهلاك.


{ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ }

أي: كيف تجادلون على أمور، لا حقائق لها،

وعلى أصنام سميتوها آلهة،

وهي لا شيء من الآلهة فيها، ولا مثقال ذرة


و{ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ }

فإنها لو كانت صحيحة لأنزل اللّه بها سلطانا،

فعدم إنزاله له دليل على بطلانها،

فإنه ما من مطلوب ومقصود - وخصوصا الأمور الكبار -

إلا وقد بين اللّه فيها من الحجج، ما يدل عليها،

ومن السلطان، ما لا تخفى معه.


{ فَانْتَظِرُوا } ما يقع بكم من العقاب، الذي وعدتكم به

{ إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ } وفرق بين الانتظارين،

انتظار من يخشى وقوع العقاب،

ومن يرجو من اللّه النصر والثواب.


البرهان 102



من سورة الأعراف


{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا

لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ

وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ *

أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ *

أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ *
أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ

فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ْ}


{ 96 - 99 ْ}



لما ذكر تعالى أن المكذبين للرسل يبتلون بالضراء موعظة وإنذارا،

وبالسراء استدراجا ومكرا،

ذكر أن أهل القرى لو آمنوا بقلوبهم إيمانا صادقا صدقته الأعمال،

واستعملوا تقوى اللّه تعالى ظاهرا وباطنا بترك جميع ما حرم اللّه،

لفتح عليهم بركات السماء والأرض،

فأرسل السماء عليهم مدرارا،

وأنبت لهم من الأرض ما به يعيشون وتعيش بهائمهم،

في أخصب عيش وأغزر رزق،

من غير عناء ولا تعب، ولا كد ولا نصب،

ولكنهم لم يؤمنوا ويتقوا


{ فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ْ}

بالعقوبات والبلايا ونزع البركات، وكثرة الآفات،

وهي بعض جزاء أعمالهم،

وإلا فلو آخذهم بجميع ما كسبوا، ما ترك عليها من دابة.


{ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ

لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ْ}


{ أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى ْ} أي: المكذبة، بقرينة السياق

{ أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ْ} أي: عذابنا الشديد

{ بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ ْ} أي: في غفلتهم، وغرتهم وراحتهم.


{ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ ْ}

أي: أي شيء يؤمنهم من ذلك، وهم قد فعلوا أسبابه،

وارتكبوا من الجرائم العظيمة، ما يوجب بعضه الهلاك؟!



{ أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ْ} حيث يستدرجهم من حيث لا يعلمون،

ويملي لهم، إن كيده متين،


{ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ ْ}

فإن من أمن من عذاب اللّه، فهو لم يصدق بالجزاء على الأعمال،

ولا آمن بالرسل حقيقة الإيمان.



وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ،

على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنا على ما معه من الإيمان.


بل لا يزال خائفا وجلا أن يبتلى ببلية تسلب ما معه من الإيمان،

وأن لا يزال داعيا بقوله:

{ يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ْ}

وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يخلصه من الشر، عند وقوع الفتن،

فإن العبد - ولو بلغت به الحال ما بلغت -

فليس على يقين من السلامة.



البرهان 103



من سورة الأعراف



{ وَٱتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَّهُ خُوَارٌ

أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ
وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً

ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَـٰلِمِينَ }
[ 148 ]

{ وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلا جَسَدًا }


صاغه السامري وألقى عليه قبضة من أثر الرسول فصار

{ لَهُ خُوَارٌ } وصوت، فعبدوه واتخذوه إلها.


وقال { هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فنسي } موسى، وذهب يطلبه،


وهذا من سفههم، وقلة بصيرتهم،

كيف اشتبه عليهم رب الأرض والسماوات،

بعجل من أنقص المخلوقات؟"


ولهذا قال مبينا أنه ليس فيه من الصفات الذاتية ولا الفعلية،

ما يوجب أن يكون إلها

{أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ } أي: وعدم الكلام نقص عظيم،

فهم أكمل حالة من هذا الحيوان أو الجماد، الذي لا يتكلم


{ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلا } أي: لا يدلهم طريقا دينيا،

ولا يحصل لهم مصلحة دنيوية،


لأن من المتقرر في العقول والفطر،

أن اتخاذ إله لا يتكلم ولا ينفع ولا يضر

من أبطل الباطل، وأسمج السفه،


ولهذا قال: { اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ }

حيث وضعوا العبادة في غير موضعها،

وأشركوا باللّه ما لم ينـزل به سلطانا،



وفيها دليل على أن من أنكر كلام اللّه،

فقد أنكر خصائص إلهية اللّه تعالى،

لأن اللّه ذكر أن عدم الكلام دليل

على عدم صلاحية الذي لا يتكلم للإلهية.

البرهان 104


من سورة الأعراف




{ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلْعِجْلَ

سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مّن رَّبّهِمْ

وَذِلَّةٌ فِى ٱلْحَيوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَكَذٰلِكَ نَجْزِى ٱلْمُفْتَرِينَ }


[ 152]



قال اللّه تعالى مبينا حال أهل العجل الذين عبدوه:

{إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ } أي: إلهاً

{سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا }

كما أغضبوا ربهم واستهانوا بأمره.


{ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ }

فكل مفتر على اللّه، كاذب على شرعه، متقول عليه ما لم يقل،

فإن له نصيبا من الغضب من اللّه، والذل في الحياة الدنيا،


وقد نالهم غضب اللّه، حيث أمرهم أن يقتلوا أنفسهم،

وأنه لا يرضى اللّه عنهم إلا بذلك،

فقتل بعضهم بعضا، وانجلت المعركة عن كثير من القتلى

ثم تاب اللّه عليهم بعد ذلك.


البرهان 105



من سورة الأعراف


{ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ

وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ

أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ

قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا

أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ *

أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ

وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ

أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ *

وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ }.

{172 -174 }



يقول تعالى: { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ }

أي: أخرج من أصلابهم ذريتهم،

وجعلهم يتناسلون ويتوالدون قرنا بعد قرن.


{ و } حين أخرجهم من بطون أمهاتهم وأصلاب آبائهم

{ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ }

أي: قررهم بإثبات ربوبيته، بما أودعه في فطرهم من الإقرار،

بأنه ربهم وخالقهم ومليكهم.


قالوا: بلى قد أقررنا بذلك،

فإن اللّه تعالى فطر عباده على الدين الحنيف القيم.

فكل أحد فهو مفطور على ذلك،

ولكن الفطرة قد تغير وتبدل بما يطرأ عليها من العقائد الفاسدة،


ولهذا { قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ }

أي: إنما امتحناكم حتى أقررتم بما تقرر عندكم،

من أن اللّه تعالى ربكم، خشية أن تنكروا يوم القيامة،

فلا تقروا بشيء من ذلك، وتزعمون أن حجة اللّه ما قامت عليكم،

ولا عندكم بها علم، بل أنتم غافلون عنها لاهون.


فاليوم قد انقطعت حجتكم،

وثبتت الحجة البالغة للّه عليكم.


أو تحتجون أيضا بحجة أخرى، فتقولون:

{ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ }

فحذونا حذوهم، وتبعناهم في باطلهم.


{ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ }

فقد أودع اللّه في فطركم، ما يدلكم على أن ما مع آبائكم باطل،

وأن الحق ما جاءت به الرسل،

وهذا يقاوم ما وجدتم عليه آباءكم، ويعلو عليه.



نعم قد يعرض للعبد من أقوال آبائه الضالين،

ومذاهبهم الفاسدة ما يظنه هو الحق،

وما ذاك إلا لإعراضه، عن حجج اللّه وبيناته،

وآياته الأفقية والنفسية،

فإعراضه عن ذلك، وإقباله على ما قاله المبطلون،

ربما صيره بحالة يفضل بها الباطل على الحق،

هذا هو الصواب في تفسير هذه الآيات.



وقد قيل: إن هذا يوم أخذ اللّه الميثاق على ذرية آدم،

حين استخرجهم من ظهره وأشهدهم على أنفسهم،

فشهدوا بذلك، فاحتج عليهم بما أقروا به في ذلك الوقت

على ظلمهم في كفرهم، وعنادهم في الدنيا والآخرة،

ولكن ليس في الآية ما يدل على هذا، ولا له مناسبة،

ولا تقتضيه حكمة اللّه تعالى، والواقع شاهد بذلك.


فإن هذا العهد والميثاق الذي ذكروا

أنه حين أخرج اللّه ذرية آدم من ظهره، حين كانوا في عالم كالذر،

لا يذكره أحد، ولا يخطر ببال آدمي،

فكيف يحتج اللّه عليهم بأمر ليس عندهم به خبر،

ولا له عين ولا أثر؟"


ولهذا لما كان هذا أمرا واضحا جليا، قال تعالى:

{ وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ } أي: نبينها ونوضحها،

{ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } إلى ما أودع اللّه في فطرهم،

وإلى ما عاهدوا اللّه عليه، فيرتدعون عن القبائح.




البرهان 106




من سورة الأعراف


{ وَلِلَّهِ الأسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا

وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ

سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }.

{180 }


هذا بيان لعظيم جلاله وسعة أوصافه،

بأن له الأسماء الحسنى، أي: له كل اسم حسن،

وضابطه: أنه كل اسم دال على صفة كمال عظيمة،

وبذلك كانت حسنى،

فإنها لو دلت على غير صفة، بل كانت علما محضا لم تكن حسنى،

وكذلك لو دلت على صفة ليست بصفة كمال،

بل إما صفة نقص أو صفة منقسمة إلى المدح والقدح،

لم تكن حسنى،


فكل اسم من أسمائه دال على جميع الصفة التي اشتق منها،

مستغرق لجميع معناها.


وذلك نحو (العليم ) الدال على أن له علما محيطا عاما لجميع الأشياء،

فلا يخرج عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.

و ( كالرحيم ) الدال على أن له رحمة عظيمة، واسعة لكل شيء.

و ( كالقدير ) الدال على أن له قدرة عامة، لا يعجزها شيء، ونحو ذلك.


ومن تمام كونها "حسنى" أنه لا يدعى إلا بها،

ولذلك قال: { فَادْعُوهُ بِهَا }

وهذا شامل لدعاء العبادة، ودعاء المسألة،

فيدعى في كل مطلوب بما يناسب ذلك المطلوب،

فيقول الداعي مثلا اللّهم اغفر لي وارحمني،

إنك أنت الغفور الرحيم،

وتب عَلَيَّ يا تواب،

وارزقني يا رزاق،

والطف بي يا لطيف ونحو ذلك.


وقوله: { وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ
سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }

أي: عقوبة وعذابا على إلحادهم في أسمائه،

وحقيقة الإلحاد الميل بها عما جعلت له،

إما بأن يسمى بها من لا يستحقها،

كتسمية المشركين بها لآلهتهم،


وإما بنفي معانيها وتحريفها،

وأن يجعل لها معنى ما أراده اللّه ولا رسوله،

وإما أن يشبه بها غيرها،


فالواجب أن يحذر الإلحاد فيها، ويحذر الملحدون فيها،

وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم

( أن للّه تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة )


البرهان 107


من سورة الأعراف




{ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلا مَا شَاءَ اللَّهُ

وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ
لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ

إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }

{ 188 }



{ قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا }

فإني فقير مدبر، لا يأتيني خير إلا من اللّه،

ولا يدفع عني الشر إلا هو،

وليس لي من العلم إلا ما علمني اللّه تعالى.



{ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ

لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ }


أي: لفعلت الأسباب التي أعلم أنها تنتج لي المصالح والمنافع،

ولحذرت من كل ما يفضي إلى سوء ومكروه،

لعلمي بالأشياء قبل كونها، وعلمي بما تفضي إليه.



ولكني - لعدم علمي - قد ينالني ما ينالني من السوء،

وقد يفوتني ما يفوتني من مصالح الدنيا ومنافعها،

فهذا أدل دليل على

أني لا علم لي بالغيب.



{ إِنْ أَنَا إِلا نَذِيرٌ } أنذر العقوبات الدينية والدنيوية والأخروية،

وأبين الأعمال المفضية إلى ذلك، وأحذر منها.



{ وَبَشِيرٌ } بالثواب العاجل والآجل،

ببيان الأعمال الموصلة إليه والترغيب فيها،

ولكن ليس كل أحد يقبل هذه البشارة والنذارة،

وإنما ينتفع بذلك ويقبله المؤمنون،




وهذه الآيات الكريمات،

مبينة جهل من يقصد النبي صلى الله عليه وسلم

ويدعوه لحصول نفع أو دفع ضر.


فإنه ليس بيده شيء من الأمر،

ولا ينفع من لم ينفعه اللّه،

ولا يدفع الضر عمن لم يدفعه اللّه عنه،

ولا له من العلم إلا ما علمه اللّه تعالى،



وإنما ينفع من قَبِل ما أرسل به من البشارة والنذارة،

وعمل بذلك،


فهذا نفعه صلى الله عليه وسلم،

الذي فاق نفع الآباء والأمهات،

والأخلاء والإخوان بما حث العباد على كل خير،

وحذرهم عن كل شر،

وبينه لهم غاية البيان والإيضاح.

البرهان 108



من سورة الأعراف


{ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ

وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا

فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ

فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ *

فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا

فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ *

أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ *

وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ *

وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ

سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ }.





{ 189-193 }



أي: { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ }

أيها الرجال والنساء، المنتشرون في الأرض على كثرتكم وتفرقكم.

{ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ } وهو آدم أبو البشر صلى الله عليه وسلم.

{ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا }

أي: خلق من آدم زوجته حواء لأجل أن يسكن إليها

لأنها إذا كانت منه حصل بينهما من المناسبة والموافقة

ما يقتضي سكون أحدهما إلى الآخر،

فانقاد كل منهما إلى صاحبه بزمام الشهوة.


{ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا } أي: تجللها مجامعا لها

قدَّر الباري أن يوجد من تلك الشهوة وذلك الجماع النسل،

[وحينئذ] حَمَلَتْ حَمْلا خَفِيفًا،

وذلك في ابتداء الحمل، لا تحس به الأنثى، ولا يثقلها.


{ فَلَمَّا } استمرت به و { أَثْقَلَتْ } به حين كبر في بطنها،

فحينئذ صار في قلوبهما الشفقة على الولد،

وعلى خروجه حيا صحيحا، سالما لا آفة فيه [كذلك]


فدعوا { اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا } ولدا

{ صَالِحًا } أي: صالح الخلقة تامها، لا نقص فيه

{ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ }.


{ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا } على وفق ما طلبا، وتمت عليهما النعمة فيه


{ جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا }

أي: جعلا للّه شركاء في ذلك الولد الذي انفرد اللّه بإيجاده والنعمة به،

وأقرَّ به أعين والديه،

فَعَبَّدَاه لغير اللّه.

إما أن يسمياه بعبد غير اللّه كـ "عبد الحارث" و "عبد الكعبة" ونحو ذلك،

أو يشركا باللّه في العبادة،


بعدما منَّ اللّه عليهما بما منَّ من النعم التي لا يحصيها أحد من العباد.


وهذا انتقال من النوع إلى الجنس،

فإن أول الكلام في آدم وحواء، ثم انتقل إلى الكلام في الجنس،

ولا شك أن هذا موجود في الذرية كثيرا،

فلذلك قررهم اللّه على بطلان الشرك،


وأنهم في ذلك ظالمون أشد الظلم،

سواء كان الشرك في الأقوال، أم في الأفعال،


فإن الخالق لهم من نفس واحدة،

الذي خلق منها زوجها وجعل لهم من أنفسهم أزواجا،

ثم جعل بينهم من المودة والرحمة ما يسكن بعضهم إلى بعض،

ويألفه ويلتذ به، ثم هداهم إلى ما به تحصل الشهوة واللذة والأولاد والنسل.


ثم أوجد الذرية في بطون الأمهات، وقتا موقوتا،

تتشوف إليه نفوسهم، ويدعون اللّه أن يخرجه سويا صحيحا،

فأتم اللّه عليهم النعمة وأنالهم مطلوبهم.


أفلا يستحق أن يعبدوه،

ولا يشركوا به في عبادته أحدا،

ويخلصوا له الدين.


ولكن الأمر جاء على العكس،

فأشركوا باللّه من لا

{ يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ }.

{ وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ } أي: لعابديها

{ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ }.


فإذا كانت لا تخلق شيئا،

ولا مثقال ذرة،

بل هي مخلوقة،

ولا تستطيع أن تدفع المكروه عن من يعبدها،

بل ولا عن أنفسها،

فكيف تتخذ مع اللّه آلهة؟

إن هذا إلا أظلم الظلم، وأسفه السفه.


وإن تدعوا أيها المشركون هذه الأصنام، التي عبدتم من دون اللّه

{ إِلَى الْهُدَى لا يَتَّبِعُوكُمْ

سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ }.


فصار الإنسان أحسن حالة منها،


لأنها لا تسمع،

ولا تبصر،

ولا تهدِي ولا تُهدى،


وكل هذا إذا تصوره اللبيب العاقل تصورا مجردا،

جزم ببطلان إلهيتها، وسفاهة من عبدها.




البرهان 109


من سورة الأعراف


{ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ

عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ

فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ *

أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا

أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا

قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ *

إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ

الَّذِي نـزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ }.

{194 - 196 }



وهذا من نوع التحدي للمشركين العابدين للأوثان،

يقول تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ }

أي:

لا فرق بينكم وبينهم،

فكلكم عبيد للّه مملوكون،


فإن كنتم كما تزعمون صادقين في أنها تستحق من العبادة شيئا



{ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ }

فإن استجابوا لكم وحصلوا مطلوبكم،

وإلا تبين أنكم كاذبون في هذه الدعوى،

مفترون على اللّه أعظم الفرية،

وهذا لا يحتاج إلى التبيين فيه،

فإنكم إذا نظرتم إليها

وجدتم صورتها دالة على أنه ليس لديها من النفع شيء،

فليس لها أرجل تمشي بها،

ولا أيد تبطش بها،

ولا أعين تبصر بها،

ولا آذان تسمع بها،


فهي عادمة لجميع الآلات والقوى الموجودة في الإنسان.


فإذا كانت لا تجيبكم إذا دعوتموها،

وهي عباد أمثالكم،

بل أنتم أكمل منها وأقوى على كثير من الأشياء،

فلأي شيء عبدتموها.



{ قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلا تُنْظِرُونِ }

أي: اجتمعوا أنتم وشركاؤكم على إيقاع السوء والمكروه بي،

من غير إمهال ولا إنظار

فإنكم غير بالغين لشيء من المكروه بي.



{ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ }

الذي يتولاني فيجلب لي المنافع ويدفع عني المضار.



{ الَّذِي نـزلَ الْكِتَابَ } الذي فيه الهدى والشفاء والنور،

وهو من توليته وتربيته لعباده الخاصة الدينية.



{ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ }

الذين صلحت نياتهم وأعمالهم وأقوالهم،



كما قال تعالى:

{ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ }



فالمؤمنون الصالحون - لما تولوا ربهم بالإيمان والتقوى،

ولم يتولوا غيره ممن لا ينفع ولا يضر -

تولاهم اللّه ولطف بهم وأعانهم

على ما فيه الخير والمصلحة لهم، في دينهم ودنياهم،

ودفع عنهم بإيمانهم كل مكروه،



كما قال تعالى:

{إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا }.




















 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس