منتديات رياض الأنس - عرض مشاركة واحدة - من براهين التوحيد في القرآن المجيد
عرض مشاركة واحدة
قديم 11-03-2018, 06:03 AM   #12


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: من براهين التوحيد في القرآن المجيد





البرهــان 85


من سورة الأنعام


{ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ

وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ

سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ *

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ

أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ

وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ *


ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ

خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ

وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ *


لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ

وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ *

قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ
فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا

وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ }

{ 100 - 104 }


يخبر تعالى: أنه مع إحسانه لعباده وتعرفه إليهم،

بآياته البينات، وحججه الواضحات

-أن المشركين به، من قريش وغيرهم،

جعلوا له شركاء، يدعونهم، ويعبدونهم،

من الجن والملائكة، الذين هم خلق من خلق الله،

ليس فيهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء،


فجعلوها شركاء لمن له الخلق والأمر،

وهو المنعم بسائر أصناف النعم، الدافع لجميع النقم،

وكذلك "خرق المشركون" أي: ائتفكوا، وافتروا من تلقاء أنفسهم لله،

بنين وبنات بغير علم منهم،

ومن أظلم ممن قال على الله بلا علم،

وافترى عليه أشنع النقص، الذي يجب تنزيه الله عنه؟!!.

ولهذا نزه نفسه عما افتراه عليه المشركون فقال:


{ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ }

فإنه تعالى، الموصوف بكل كمال،

المنزه عن كل نقص، وآفة وعيب.


{ بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ }

أي: خالقهما، ومتقن صنعتهما، على غير مثال سبق،

بأحسن خلق، ونظام وبهاء،

لا تقترح عقول أولي الألباب مثله، وليس له في خلقهما مشارك.


{ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ }

أي: كيف يكون لله الولد، وهو الإله السيد الصمد،

الذي لا صاحبة له أي: لا زوجة له،

وهو الغني عن مخلوقاته، وكلها فقيرة إليه،

مضطرة في جميع أحوالها إليه،

والولد لا بد أن يكون من جنس والده؛

والله خالق كل شيء

وليس شيء من المخلوقات مشابها لله بوجه من الوجوه.


ولما ذكر عموم خلقه للأشياء، ذكر إحاطة علمه بها فقال:

{ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }

وفي ذكر العلم بعد الخلق، إشارة إلى الدليل العقلي إلى ثبوت علمه،

وهو هذه المخلوقات، وما اشتملت عليه من النظام التام، والخلق الباهر،

فإن في ذلك دلالة على سعة علم الخالق، وكمال حكمته،


كما قال تعالى:

{ أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }


وكما قال تعالى:


{ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ }


ذلكم الذي خلق ما خلق، وقدر ما قدر.

{ اللَّهُ رَبُّكُمْ }أي: المألوه المعبود،

الذي يستحق نهاية الذل، ونهاية الحب، الرب،

الذي ربى جميع الخلق بالنعم،

وصرف عنهم صنوف النقم.


{ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ }

أي: إذا استقر وثبت، أنه الله الذي لا إله إلا هو،

فاصرفوا له جميع أنواع العبادة، وأخلصوها لله،

واقصدوا بها وجهه. فإن هذا هو المقصود من الخلق،

الذي خلقوا لأجله


{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }


{ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ }

أي: جميع الأشياء، تحت وكالة الله وتدبيره،

خلقا، وتدبيرا، وتصريفا.


ومن المعلوم أن الأمر المتصرف فيه يكون استقامته وتمامه، وكمال انتظامه،

بحسب حال الوكيل عليه. ووكالته تعالى على الأشياء،

ليست من جنس وكالة الخلق،

فإن وكالتهم وكالة نيابة، والوكيل فيها تابع لموكله.


وأما الباري، تبارك وتعالى، فوكالته من نفسه لنفسه،

متضمنة لكمال العلم، وحسن التدبير والإحسان فيه والعدل،

فلا يمكن لأحد أن يستدرك على الله،

ولا يرى في خلقه خللا ولا فطورا،

ولا في تدبيره نقصا وعيبا.




ومن وكالته: أنه تعالى توكل ببيان دينه،

وحفظه عن المزيلات والمغيرات،

وأنه تولى حفظ المؤمنين وعصمتهم عما يزيل إيمانهم ودينهم.


{ لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ } لعظمته، وجلاله وكماله،

أي: لا تحيط به الأبصار، وإن كانت تراه،

وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم،

فنفي الإدراك لا ينفي الرؤية، بل يثبتها بالمفهوم.

فإنه إذا نفى الإدراك، الذي هو أخص أوصاف الرؤية،

دل على أن الرؤية ثابتة.




فإنه لو أراد نفي الرؤية، لقال "لا تراه الأبصار" ونحو ذلك،

فعلم أنه ليس في الآية حجة لمذهب المعطلة،

الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة،

بل فيها ما يدل على نقيض قولهم.


{ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ }

أي: هو الذي أحاط علمه، بالظواهر والبواطن،

وسمعه بجميع الأصوات الظاهرة، والخفية،

وبصره بجميع المبصرات، صغارها، وكبارها،


ولهذا قال: { وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ }

الذي لطف علمه وخبرته،

ودق حتى أدرك السرائر والخفايا، والخبايا والبواطن.


ومن لطفه، أنه يسوق عبده إلى مصالح دينه،

ويوصلها إليه بالطرق التي لا يشعر بها العبد، ولا يسعى فيها،

ويوصله إلى السعادة الأبدية، والفلاح السرمدي،

من حيث لا يحتسب،

حتى أنه يقدر عليه الأمور التي يكرهها العبد، ويتألم منها،

ويدعو الله أن يزيلها،

لعلمه أن دينه أصلح، وأن كماله متوقف عليها،

فسبحان اللطيف لما يشاء،
الرحيم بالمؤمنين.


{ قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ

وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ }

لما بين تعالى من الآيات البينات، والأدلة الواضحات،

الدالة على الحق في جميع المطالب والمقاصد، نبه العباد عليها،

وأخبر أن هدايتهم وضدها لأنفسهم،

فقال: { قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ }

أي: آيات تبين الحق، وتجعله للقلب بمنزلة الشمس للأبصار،

لما اشتملت عليه من فصاحة اللفظ، وبيانه، ووضوحه،

ومطابقته للمعاني الجليلة، والحقائق الجميلة،

لأنها صادرة من الرب، الذي ربى خلقه، بصنوف نعمه الظاهرة والباطنة،

التي من أفضلها وأجلها، تبيين الآيات، وتوضيح المشكلات.


{ فَمَنْ أَبْصَرَ } بتلك الآيات، مواقع العبرة، وعمل بمقتضاها

{ فَلِنَفْسِهِ } فإن الله هو الغني الحميد.


{ وَمَنْ عَمِيَ } بأن بُصِّر فلم يتبصر، وزُجِر فلم ينزجر،


وبين له الحق، فما انقاد له ولا تواضع،

فإنما عماه مضرته عليه.



{ وَمَا أَنَا } أي الرسول

{ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } أحفظ أعمالكم وأرقبها على الدوام

إنما عليَّ البلاغ المبين وقد أديته،

وبلغت ما أنزل الله إليَّ، فهذه وظيفتي،

وما عدا ذلك فلست موظفا فيه


البرهــان 86


من سورة الأنعام


{ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا

وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا

وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ

فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ *

وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا

لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ }

{ 114 ، 115 }


أي: قل يا أيها الرسول

{ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا }

أحاكم إليه، وأتقيد بأوامره ونواهيه.

فإن غير الله محكوم عليه لا حاكم.

وكل تدبير وحكم للمخلوق

فإنه مشتمل على النقص، والعيب، والجور،



وإنما الذي يجب أن يتخذ حاكما،

فهو الله وحده لا شريك له،

الذي له الخلق والأمر.


{ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا }

أي: موضَّحا فيه الحلال والحرام، والأحكام الشرعية،

وأصول الدين وفروعه، الذي لا بيان فوق بيانه،

ولا برهان أجلى من برهانه، ولا أحسن منه حكما ولا أقوم قيلا،

لأن أحكامه مشتملة على الحكمة والرحمة.


وأهل الكتب السابقة، من اليهود والنصارى، يعترفون بذلك

{ ويَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ }


ولهذا، تواطأت الإخبارات { فَلَا } تشُكَّنَّ في ذلك

ولا { تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ }


ثم وصف تفصيلها فقال:

{ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا }


أي: صدقا في الأخبار، وعدلا في الأمر والنهي.

فلا أصدق من أخبار الله التي أودعها هذا الكتاب العزيز،

ولا أعدل من أوامره ونواهيه


{ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ }

[حيث حفظها وأحكمها بأعلى أنواع الصدق،

وبغاية الحق، فلا يمكن تغييرها،

ولا اقتراح أحسن منها]


{ وَهُوَ السَّمِيعُ }

لسائر الأصوات، باختلاف اللغات على تفنن الحاجات.


{ الْعَلِيمُ }

الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن،

والماضي والمستقبل.





البرهــان 87


من سورة الأنعام


{ وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ

وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ

وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }

{ 121 }


ويدخل تحت هذا المنهي عنه،

ما ذكر عليه اسم غير الله كالذي يذبح للأصنام، وآلهتهم،

فإن هذا مما أهل لغير الله به، المحرم بالنص عليه خصوصا.

ويدخل في ذلك، متروك التسمية، مما ذبح لله،

كالضحايا، والهدايا، أو للحم والأكل،

إذا كان الذابح متعمدا ترك التسمية، عند كثير من العلماء.


ويخرج من هذا العموم، الناسي بالنصوص الأخر،

الدالة على رفع الحرج عنه،

ويدخل في هذه الآية، ما مات بغير ذكاة من الميتات،

فإنها مما لم يذكر اسم الله عليه.


ونص الله عليها بخصوصها، في قوله:

{ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ } ولعلها سبب نزول الآية،

لقوله { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ } بغير علم.


فإن المشركين -حين سمعوا تحريم الله ورسوله الميتةَ، وتحليله للمذكاة،

وكانوا يستحلون أكل الميتة- قالوا -معاندة لله ورسوله،

ومجادلة بغير حجة ولا برهان-

أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون ما قتل الله؟

يعنون بذلك: الميتة.

وهذا رأي فاسد، لا يستند على حجة ولا دليل

بل يستند إلى آرائهم الفاسدة

التي لو كان الحق تبعا لها لفسدت السماوات والأرض، ومن فيهن.




فتبا لمن قدم هذه العقول على شرع الله وأحكامه،

الموافقة للمصالح العامة والمنافع الخاصة.


ولا يستغرب هذا منهم، فإن هذه الآراء وأشباهها،

صادرة عن وحي أوليائهم من الشياطين،


الذين يريدون أن يضلوا الخلق عن دينهم،

ويدعوهم ليكونوا من أصحاب السعير.





{ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ }
في شركهم وتحليلهم الحرام، وتحريمهم الحلال


{ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ }

لأنكم اتخذتموهم أولياء من دون الله،

ووافقتموهم على ما به فارقوا المسلمين،

فلذلك كان طريقكم، طريقهم.


ودلت هذه الآية الكريمة

على أن ما يقع في القلوب من الإلهامات والكشوف،

التي يكثر وقوعها عند الصوفية ونحوهم،

لا تدل –بمجردها على أنها حق،

ولا تصدق حتى تعرض على كتاب الله وسنة رسوله.


فإن شهدا لها بالقبول قبلت،

وإن ناقضتهما ردت،


وإن لم يعلم شيء من ذلك،

توقف فيها ولم تصدق ولم تكذب،


لأن الوحي والإلهام، يكون [من] الرحمن

ويكون من الشيطان،

فلا بد من التمييز بينهما والفرقان،

وبعدم التفريق بين الأمرين،

حصل من الغلط والضلال، ما لا يحصيه إلا الله.




البرهــان 88

من سورة الأنعام


{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ
وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ
رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ
وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا



قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا
إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ
إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ }


{ 128 }




يقول تعالى { وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا } أي: جميع الثقلين،

من الإنس والجن، من ضل منهم، ومن أضل غيره،


فيقول موبخا للجن الذين أضلوا الإنس،

وزينوا لهم الشر، وأزُّوهم إلى المعاصي:




{ يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ }

أي: من إضلالهم، وصدهم عن سبيل الله،

فكيف أقدمتم على محارمي،

وتجرأتم على معاندة رسلي؟


وقمتم محاربين لله، ساعين في صد عباد الله

عن سبيله إلى سبيل الجحيم؟


فاليوم حقت عليكم لعنتي،ووجبت لكم نقمتي


وسنزيدكم من العذاب بحسب كفركم، وإضلالكم لغيركم.


وليس لكم عذر به تعتذرون،
ولا ملجأ إليه تلجأون،


ولا شافع يشفع ولا دعاء يسمع،

فلا تسأل حينئذ عما يحل بهم من النكال،

والخزي والوبال،
ولهذا لم يذكر الله لهم اعتذارا،


وأما أولياؤهم من الإنس، فأبدوا عذرا غير مقبول فقالوا:

{ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ }

أي: تمتع كل من الجِنّي والإنسي بصاحبه، وانتفع به.


فالجنّي يستمتع بطاعة الإنسي له وعبادته،

وتعظيمه، واستعاذته به.


والإنسي يستمتع بنيل أغراضه،

وبلوغه بسبب خدمة الجِنّي له بعض شهواته،



فإن الإنسي يعبد الجِنّي، فيخدمه الجِنّي،


ويحصل له منه بعض الحوائج الدنيوية،

أي: حصل منا من الذنوب ما حصل،

ولا يمكن رد ذلك،




{ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا }

أي: وقد وصلنا المحل الذي نجازي فيه بالأعمال،

فافعل بنا الآن ما تشاء، واحكم فينا بما تريد،

فقد انقطعت حجتنا ولم يبق لنا عذر،

والأمر أمرك، والحكم حكمك.

وكأن في هذا الكلام منهم نوع تضرع وترقق،

ولكن في غير أوانه.


ولهذا حكم فيهم بحكمه العادل، الذي لا جور فيه،

فقال: { النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا }

ولما كان هذا الحكم من مقتضى حكمته وعلمه،

ختم الآية بقوله:

{ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ }

فكما أن علمه وسع الأشياء كلها وعمّها،

فحكمته الغائية شملت الأشياء وعمتها ووسعتها.





البرهــان 89

من سورة الأنعام



{ سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا

لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا

وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ

كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا

قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا

إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ *

قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ

فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ }

{ 148 ، 149 }


هذا إخبار من الله أن المشركين

سيحتجون على شركهم وتحريمهم ما أحل الله، بالقضاء والقدر،

ويجعلون مشيئة الله الشاملة لكل شيء من الخير والشر

حجة لهم في دفع اللوم عنهم.


وقد قالوا ما أخبر الله أنهم سيقولونه،

كما قال في الآية الأخرى:

{ وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا
لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ } الآية.


فأخبر تعالى أن هذة الحجة،


لم تزل الأمم المكذبة تدفع بها عنهم دعوة الرسل،

ويحتجون بها،

فلم تجد فيهم شيئا ولم تنفعهم،

فلم يزل هذا دأبهم حتى أهكلهم الله، وأذاقهم بأسه.


فلو كانت حجة صحيحة، لدفعت عنهم العقاب،

ولما أحل الله بهم العذاب،

لأنه لا يحل بأسه إلا بمن استحقه،


فعلم أنها حجة فاسدة، وشبهة كاسدة، من عدة أوجه:

منها:


ما ذكر الله من أنها لو كانت صحيحة،

لم تحل بهم العقوبة.


ومنها:

أن الحجة، لا بد أن تكون حجة مستندة إلى العلم والبرهان،


فأما إذا كانت مستندة إلى مجرد الظن والخرص،

الذي لا يغني من الحق شيئا، فإنها باطلة،


ولهذا قال:

{ قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا }

فلو كان لهم علم - وهم خصوم ألداء- لأخرجوه،

فلما لم يخرجوه علم أنه لا علم عندهم.


{ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ }

ومَنْ بنى حججه على الخرص والظن،

فهو مبطل خاسر،


فكيف إذا بناها على البغي والعناد والشر والفساد؟


ومنها:

أن الحجة لله البالغة، التي لم تبق لأحد عذرا،

التي اتفقت عليها الأنبياء والمرسلون،

والكتب الإلهية، والآثار النبوية،

والعقول الصحيحة، والفطر المستقيمة، والأخلاق القويمة،

فعلم بذلك أن كل ما خالف هذه الأدلة القاطعة باطل،

لأن نقيض الحق، لا يكون إلا باطلا.


ومنها:

أن الله تعالى أعطى كل مخلوق، قدرة، وإرادة،

يتمكن بها من فعل ما كلف به،

فلا أوجب الله على أحد ما لا يقدر على فعله،
ولا حرم على أحد ما لا يتمكن من تركه،

فالاحتجاج بعد هذا بالقضاء والقدر،

ظلم محض وعناد صرف.


ومنها:


أن الله تعالى لم يجبر العباد على أفعالهم،

بل جعل أفعالهم تبعا لاختيارهم،


فإن شاءوا فعلوا، وإن شاءوا كفوا.


وهذا أمر مشاهد لا ينكره إلا من كابر،وأنكر المحسوسات،


فإن كل أحد يفرق بين الحركة الاختيارية والحركة القسرية،



وإن كان الجميع داخلا في مشيئة الله،


ومندرجا تحت إرادته.


ومنها:

أن المحتجين على المعاصي بالقضاء والقدر يتناقضون في ذلك.


فإنهم لا يمكنهم أن يطردوا ذلك،


بل لو أساء إليهم مسيء بضرب أو أخذ مال أو نحو ذلك،


واحتج بالقضاء والقدر لما قبلوا منه هذا الاحتجاج،


ولغضبوا من ذلك أشد الغضب.



فيا عجبا كيف يحتجون به على معاصي الله ومساخطه.

ولا يرضون من أحد أن يحتج به في مقابلة مساخطهم؟"


ومنها:


أن احتجاجهم بالقضاء والقدر ليس مقصودا،

ويعلمون أنه ليس بحجة، وإنما المقصود منه دفع الحق،

ويرون أن الحق بمنزلة الصائل،


فهم يدفعونه بكل ما يخطر ببالهم من الكلام

وإن كانوا يعتقدونه خطأ


البرهــان 90


من سورة الأنعام



{ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ

أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا .....}

{ 151 }


يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:

{ قُلْ } لهؤلاء الذين حرموا ما أحل الله.

{ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ } تحريما عاما شاملا لكل أحد،

محتويا على سائر المحرمات، من المآكل والمشارب والأقوال والأفعال.


{ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا }

أي: لا قليلاً ولا كثيراً.


وحقيقة الشرك بالله:

أن يعبد المخلوق كما يعبد الله،
أو يعظم كما يعظم الله،
أو يصرف له نوع من خصائص الربوبية والإلهية،

وإذا ترك العبد الشرك كله صار موحداً،
مخلصاً لله في جميع أحواله،

فهذا حق الله على عباده،

أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا.



البرهــان 91

من سورة الأنعام

{ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ

أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ

يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ

لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ

أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا

قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ }

{ 158 }

يقول تعالى: هل ينظر هؤلاء الذين استمر ظلمهم وعنادهم،

{ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ } مقدمات العذاب، ومقدمات الآخرة بأن تأتيهم

{ الْمَلَائِكَةِ } لقبض أرواحهم، فإنهم إذا وصلوا إلى تلك الحال،

لم ينفعهم الإيمان ولا صالح الأعمال.

{ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ } لفصل القضاء بين العباد،

ومجازاة المحسنين والمسيئين.

{ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } الدالة على قرب الساعة.

{ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } الخارقة للعادة، التي يعلم بها أن الساعة قد دنت،

وأن القيامة قد اقتربت.

{ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ

أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا }

أي: إذا وجد بعض آيات الله لم ينفع الكافر إيمانه أن آمن،

ولا المؤمنَ المقصر أن يزداد خيرُه بعد ذلك،

بل ينفعه ما كان معه من الإيمان قبل ذلك،

وما كان له من الخير المرجوِّ قبل أن يأتي بعض الآيات.

والحكمة في هذا ظاهرة،

فإنه إنما كان الإيمان ينفع إذا كان إيمانا بالغيب،

وكان اختيارا من العبد،

فأما إذا وجدت الآيات صار الأمر شهادة،

ولم يبق للإيمان فائدة، لأنه يشبه الإيمان الضروري،

كإيمان الغريق والحريق ونحوهما،

ممن إذا رأى الموت، أقلع عما هو فيه

كما قال تعالى:

{ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ

وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ

فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا

سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ }



وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم

أن المراد ببعض آيات الله، طلوع الشمس من مغربها،

وأن الناس إذا رأوها، آمنوا، فلم ينفعهم إيمانهم،

ويُغلق حينئذ بابُ التوبة.

ولما كان هذا وعيدا للمكذبين بالرسول صلى الله عليه وسلم، منتظرا،

وهم ينتظرون بالنبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه

قوارع الدهر ومصائب الأمور،

قال:

{ قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ }

فستعلمون أينا أحق بالأمن.

وفي هذه الآية دليل لمذهب أهل السنة والجماعة

في إثبات الأفعال الاختيارية لله تعالى،

كالاستواء والنـزول، والإتيان لله تبارك وتعالى،

من غير تشبيه له بصفات المخلوقين.

وفي الكتاب والسنة من هذا شيء كثير،

وفيه أن من جملة أشراط الساعة طلوع الشمس من مغربها.

وأن الله تعالى حكيم قد جرت عادته وسنته،

أن الإيمان إنما ينفع إذا كان اختياريا لا اضطراريا، كما تقدم.

وأن الإنسان يكتسب الخير بإيمانه.

فالطاعة والبر والتقوى إنما تنفع وتنمو

إذا كان مع العبد الإيمان.

فإذا خلا القلب من الإيمان

لم ينفعه شيء من ذلك.


البرهان 92


من سورة الأنعام


{ قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ

دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا

وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ *

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي

لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ

وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ *

قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا

وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ

وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا

وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى

ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ

فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ }

{ 161 - 164 }


يأمر تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم،

أن يقول ويعلن بما هو عليه

من الهداية إلى الصراط المستقيم:

الدين المعتدل المتضمن للعقائد النافعة، والأعمال الصالحة،

والأمر بكل حسن، والنهي عن كل قبيح،

الذي عليه الأنبياء والمرسلون،


خصوصا إمام الحنفاء،

ووالد من بعث من بعد موته من الأنبياء،

خليل الرحمن إبراهيم عليه الصلاة والسلام،



وهو الدين الحنيف المائل عن كل دين غير مستقيم،

من أديان أهل الانحراف، كاليهود والنصارى والمشركين.


وهذا عموم،

ثم خصص من ذلك أشرف العبادات فقال:


{ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي } أي: ذبحي،

وذلك لشرف هاتين العبادتين وفضلهما،

ودلالتهما على محبة الله تعالى،

وإخلاص الدين له، والتقرب إليه بالقلب واللسان، والجوارح

وبالذبح الذي هو بذل ما تحبه النفس من المال،

لما هو أحب إليها وهو الله تعالى.


ومن أخلص في صلاته ونسكه،

استلزم ذلك إخلاصه لله في سائر أعماله.


وقوله: { وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي } أي:

ما آتيه في حياتي، وما يجريه الله عليَّ،

وما يقدر عليَّ في مماتي،


الجميع { لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ } في العبادة،

كما أنه ليس له شريك في الملك والتدبير،

وليس هذا الإخلاص لله ابتداعا مني،

وبدعا أتيته من تلقاء نفسي،


بل { بِذَلِكَ أُمِرْتُ } أمرا حتما، لا أخرج من التبعة إلا بامتثاله

{ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } من هذه الأمة.




{ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ } من المخلوقين

{ أَبْغِي رَبًّا } أي: يحسن ذلك ويليق بي،

أن أتخذ غيره، مربيا ومدبرا والله رب كل شيء،

فالخلق كلهم داخلون تحت ربوبيته، منقادون لأمره؟".

فتعين علي وعلى غيري،

أن يتخذ الله ربا، ويرضى به،

وألا يتعلق بأحد من المربوبين الفقراء العاجزين.


ثم رغب ورهب بذكر الجزاء فقال:

{ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } من خير وشر

{ إِلَّا عَلَيْهَا }


كما قال تعالى:

{ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا }



{ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } بل كل عليه وزر نفسه،

وإن كان أحد قد تسبب في ضلال غيره ووزره،

فإن عليه وزر التسبب

من غير أن ينقص من وزر المباشر شيء.


{ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ } يوم القيامة

{ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } من خير وشر،

ويجازيكم على ذلك، أوفى الجزاء.




















 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس