ومنها:
ما عليه يوسف من الجمال الظاهر والباطن،
.فإن جماله الظاهر،
أوجب للمرأة التي هو في بيتها ما أوجب،
وللنساء اللاتي جمعتهن
حين لُمنها على ذلك أن قطعن أيديهن
وقلن { مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ }
وأما جماله الباطن،
فهو العفة العظيمة عن المعصية،
مع وجود الدواعي الكثيرة لوقوعها،
وشهادة امرأة العزيز والنسوة بعد ذلك ببراءته،
ولهذا قالت امرأة العزيز:
{ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ }
وقالت بعد ذلك:
{ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ
أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ
وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ }
وقالت النسوة:
{ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ }
ومنها:
أن يوسف عليه السلام اختار السجن على المعصية،
فهكذا ينبغي للعبد إذا ابتلي بين أمرين
- إما فعل معصية، وإما عقوبة دنيوية -
أن يختار العقوبة الدنيوية
على مواقعة الذنب الموجب للعقوبة الشديدة
في الدنيا والآخرة،
ولهذا من علامات الإيمان،
أن يكره العبد أن يعود في الكفر،
بعد أن أنقذه الله منه،
كما يكره أن يلقى في النار.
ومنها:
أنه ينبغي للعبد أن يلتجئ إلى الله،
ويحتمي بحماه عند وجود أسباب المعصية،
ويتبرأ من حوله وقوته،
لقول يوسف عليه السلام:
{ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ
أَصْبُ إِلَيْهِنَّ
وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ }
ومنها:
أن العلم والعقل يدعوان صاحبهما إلى الخير،
وينهيانه عن الشر،
وأن الجهل يدعو صاحبه إلى موافقة هوى النفس،
وإن كان معصية ضارا لصاحبه.
ومنها:
أنه كما على العبد عبودية لله في الرخاء،
فعليه عبودية له في الشدة،
فــ "يوسف" عليه السلام
لم يزل يدعو إلى الله،
فلما دخل السجن، استمر على ذلك،
ودعا الفتيين إلى التوحيد،
ونهاهما عن الشرك،
ومن فطنته عليه السلام
أنه لما رأى فيهما قابلية لدعوته،
حيث ظنا فيه الظن الحسن وقالا له:
{ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ }
وأتياه لأن يعبر لهما رؤياهما،
فرآهما متشوفين لتعبيرها عنده
- رأى ذلك فرصة فانتهزها،
فدعاهما إلى الله تعالى
قبل أن يعبر رؤياهما
ليكون أنجح لمقصوده،
وأقرب لحصول مطلوبه،
وبين لهما أولا،
أن الذي أوصله إلى الحال التي رأياه فيها
من الكمال والعلم،
إيمانه وتوحيده،
وتركه ملة من لا يؤمن بالله واليوم الآخر،
وهذا دعاء لهما بالحال،
ثم دعاهما بالمقال،
وبين فساد الشرك وبرهن عليه،
وحقيقة التوحيد وبرهن عليه.
ومنها:
أنه يبدأ بالأهم فالأهم،
وأنه إذا سئل المفتي،
وكان السائل حاجته في غير سؤاله أشد
أنه ينبغي له أن يعلمه ما يحتاج إليه
قبل أن يجيب سؤاله،
فإن هذا علامة على نصح المعلم وفطنته،
وحسن إرشاده وتعليمه،
فإن يوسف - لما سأله الفتيان عن الرؤيا -
قدم لهما قبل تعبيرها
دعوتهما إلى الله وحده لا شريك له.
ومنها:
أن من وقع في مكروه وشدة،
لا بأس أن يستعين بمن له قدرة على تخليصه،
أو الإخبار بحاله،
وأن هذا لا يكون شكوى للمخلوق،
فإن هذا من الأمور العادية
التي جرى العرف باستعانة الناس بعضهم ببعض،
ولهذا قال يوسف
للذي ظن أنه ناج من الفتيين:
{ اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ }
ومنها:
أنه ينبغي ويتأكد على المعلم
استعمال الإخلاص التام في تعليمه
وأن لا يجعل تعليمه وسيلة لمعاوضة أحد
في مال أو جاه أو نفع،
وأن لا يمتنع من التعليم، أو لا ينصح فيه،
إذا لم يفعل السائل ما كلفه به المعلم،
فإن يوسف عليه السلام قد قال،
ووصى أحد الفتيين أن يذكره عند ربه،
فلم يذكره ونسي،
فلما بدت حاجتهم إلى سؤال يوسف
أرسلوا ذلك الفتى،
وجاءه سائلا مستفتيا عن تلك الرؤيا،
فلم يعنفه يوسف، ولا وبخه،
لتركه ذكره
بل أجابه عن سؤاله
جوابا تاما من كل وجه.
ومنها:
أنه ينبغي للمسئول
أن يدل السائل على أمر ينفعه مما يتعلق بسؤاله،
ويرشده إلى الطريق التي ينتفع بها في دينه ودنياه،
فإن هذا من كمال نصحه وفطنته،
وحسن إرشاده،
فإن يوسف عليه السلام
لم يقتصر على تعبير رؤيا الملك،
بل دلهم - مع ذلك -
على ما يصنعون في تلك السنين المخصبات
من كثرة الزرع،
وكثرة جبايته.
ومنها:
أنه لا يلام الإنسان
على السعي في دفع التهمة عن نفسه،
وطلب البراءة لها،
بل يحمد على ذلك،
كما امتنع يوسف عن الخروج من السجن
حتى تتبين لهم براءته
بحال النسوة اللاتي قطعن أيديهن،
ومنها:
فضيلة العلم ،
علم الأحكام والشرع،
وعلم تعبير الرؤيا،
وعلم التدبير والتربية؛
وأنه أفضل من الصورة الظاهرة،
ولو بلغت في الحسن جمال يوسف،
فإن يوسف - بسبب جماله -
حصلت له تلك المحنة والسجن،
وبسبب علمه حصل له العز والرفعة
والتمكين في الأرض،
فإن كل خير في الدنيا والآخرة
من آثار العلم وموجباته.
ومنها:
أن علم التعبير من العلوم الشرعية،
وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه،
وأن تعبير الـمَرائي داخل في الفتوى،
لقوله للفتيين:
{ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ }
وقال الملك:
{ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ }
وقال الفتى ليوسف:
{ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ } الآيات،
.فلا يجوز الإقدام
على تعبير الرؤيا
من غير علم.
ومنها:
أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في نفسه
من صفات الكمال من علم أو عمل،
إذا كان في ذلك مصلحة،
ولم يقصد به العبد الرياء،
وسلم من الكذب،
لقول يوسف:
{ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ
إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ }
وكذلك لا تذم الولاية،
إذا كان المتولي فيها يقوم بما يقدر عليه
من حقوق الله وحقوق عباده،
وأنه لا بأس بطلبها،
إذا كان أعظم كفاءة من غيره،
وإنما الذي يذم،
إذا لم يكن فيه كفاية،
أو كان موجودا غيره مثله،
أو أعلى منه،
أو لم يرد بها إقامة أمر الله،
فبهذه الأمور،
ينهى عن طلبها،
والتعرض لها.
ومنها:
أن الله واسع الجود والكرم،
يجود على عبده بخير الدنيا والآخرة،
وأن خير الآخرة له سببان:
الإيمان والتقوى،
وأنه خير من ثواب الدنيا وملكها،
وأن العبد ينبغي له أن يدعو نفسه،
ويشوقها لثواب الله،
ولا يدعها تحزن إذا رأت أهل الدنيا ولذاتها،
وهي غير قادرة عليها،
بل يسليها بثواب الله الأخروي،
وفضله العظيم
لقوله تعالى:
{ وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ
لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ }
ومنها:
أن جباية الأرزاق
- إذا أريد بها التوسعة على الناس
من غير ضرر يلحقهم -
لا بأس بها،
لأن يوسف أمرهم بجباية الأرزاق والأطعمة
في السنين المخصبات،
للاستعداد للسنين المجدبة،
وأن هذا غير مناقض للتوكل على الله،
بل يتوكل العبد على الله،
ويعمل بالأسباب التي تنفعه في دينه ودنياه.
ومنها:
حسن تدبير يوسف لما تولى خزائن الأرض،
حتى كثرت عندهم الغلات جدا
حتى صار أهل الأقطار
يقصدون مصر لطلب الميرة منها،
لعلمهم بوفورها فيها،
وحتى إنه كان لا يكيل لأحد
إلا مقدار الحاجة الخاصة أو أقل،
لا يزيد كل قادم على كيل بعير وحمله.
ومنها:
مشروعية الضيافة،
وأنها من سنن المرسلين،
وإكرام الضيف لقول يوسف لإخوته
{ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ
وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ }
ومنها:
أن سوء الظن مع وجود القرائن الدالة عليه
غير ممنوع ولا محرم،
فإن يعقوب قال لأولاده
بعد ما امتنع من إرسال يوسف معهم
حتى عالجوه أشد المعالجة،
ثم قال لهم بعد ما أتوه،
وزعموا أن الذئب أكله
{ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا }
وقال لهم في الأخ الآخر:
{ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ
إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ }
ثم لما احتبسه يوسف عنده،
وجاء إخوته لأبيهم قال لهم:
{ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا }
فهم في الأخيرة
- وإن لم يكونوا مفرطين -
فقد جرى منهم ما أوجب لأبيهم أن قال ما قال،
من غير إثم عليه ولا حرج.