09-08-2018, 07:15 AM
|
#5
|
|
بيانات اضافيه [
+
]
|
|
رقم العضوية : 1095
|
|
تاريخ التسجيل : Oct 2017
|
|
العمر : 49
|
|
أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
|
|
المشاركات :
12,670 [
+
] |
|
التقييم : 1432
|
|
|
لوني المفضل : Cadetblue
|
|
رد: الفقة الاسلامى 2
بسم الله الرحمن الرحيم
الفقة الاسلامى
الدرس : ( الخامس )
الموضوع : انواع الطلاق
حمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد الصادق الواعد الأمين، اللهمّ لا علم لنا إلا ما علَّمتنا إنَّك أنت العليم الحكيم ، اللهمّ علِّمنا ما ينفعنا ، وانْفعنا بما علَّمتنا، وزِدنا علمًا ، وأرِنا الحقّ حقًا وارزقنا اتِّباعه ، وأرِنا الباطل باطلاً وارزقنا اجْتِنابه ، واجْعلنا مِمَّن يستمعون القَوْل فيتَّبِعون أحْسَنَهُ ، وأدْخِلنا بِرَحمتِكَ في عبادك الصالحين. أنواع الطلاق :
1 ـ الطلاق الرجعي :
أيها الأخوة المؤمنون ، وصلنا في موضوع الطلاق إلى الطلاق السني ، والطلاق البِدْعي .
واليوم نتحدَّث إن شاء الله تعالى عن الطلاق الرجعي ، والطلاق البائن، فالطلاق الرجعي هو الذي يوقعُه الزوج على زوجته التي دخل بها حقيقة .
فعليه أن يكون دخل بالزوجة حقيقة وإلا الطلاق لا يقع ، أي دخل على زوجته دخولاً حقيقيًا ، أو طلّقها على مال ، أو كان الطلاق مكمِّلاً للثلاث كان طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه ، معنى رجعي أي يمكن تداركهُ ، يمكن أن يعود الزوج ، ويرجع إلى زوجته .
الطلاق الرجعي لا يمْنعُ الاستمتاع بالزوجة ، لأنّه لا يرفع عقْد الزواج ، أي طلّقها في طهْرٍ لم يمسَّها فيه ، لها الحقّ أن تتزيَّن وأن تتبرّج وأن تبدو بأجمل زينة ، هذا كلّه من حقّها وله الحقّ أن ينظر إليها ، الطلاق الرجعي لا يمنعُ الاستمتاع بالزوجة ، ولا يُزيل المُلْك ، ملْكُه عليها قائم ولا يؤثِّر في الحلّ ، لا يحلّ عقْد الزواج ، إلا أنَّه لا يترتَّب عليه أثرهُ ما دامت المطلَّقة في العدّة ، ما دامت المطلّقة في الحيضات الثلاث لا يظهر أثرهُ ، لا يظهر أثرهُ إلا بعد انقضاء العِدَّة ، فإذا انْقضَت العِدَّة ، ولم يُراجِعها بانَتْ منه بيْنونةً صغرى ، إذًا الطلاق الرجعي لا يمنعُ الاستمتاع بالزوجة ، وإن مات أحدهما ورثهُ الآخر ، مادامت العِدَّة لمْ تنْقض ، ونفقتها واجبة عليه ، فما دام العدّة قائمة والزواج قائم ؛ كلّ شيء قائم .
والرجعة حقّ للزوج مدّة العِدَّة ، إذا قال لها : راجعتُك ومسَّ يدها ، فقد راجعها ، وقد أنهى هذه الطَّلْقة ، وهو حقّ أثبتَهُ الشارعُ له ، ولهذا لا يملك إسقاطهُ ، فلو قال : لا رجعة لي كان له الحق في الرجوع ، أيْ كلامه لا يقدّم ولا يؤخِّر ، ، ولا يغيّر من الحقوق التي ثبَّتها الله عز وجل ، قال تعالى :
﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾
[ سورة البقرة : 228 ]
وإذا كانت الرجعة حقّاً له ، فلا يشترط رضا الزوجة وعلمها إن بانَت عنه ما دامتْ ضِمْن العِدَّة ، علمها ورضاها لا يشترط ، المقصود هو ، إذا ندم على فعلته ، وقال لها : راجعتكِ أو مسَّ يدها فقد راجعها و انتَهت الطَّلْقة .
ولا تحتاج إلى وليّ ، فجعل الله الحقّ للأزواج لقول الله عز وجل : ﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾
[ سورة البقرة : 228 ]
وتصحّ المراجعة بالقول مثل أن يقول : راجعتك ، مثل أن يضع يده على يدها ، وروى الشافعي أنّ المُراجعة لا تكون إلا بالقول الصريح للقائل عليه ، ولا تصحّ إلا باللّقاء.
قال أبو حنيفة : لا بأس للزَّوجة أن تتزيَّن لِزَوجها ، طبعًا المطلّقة طلاقًا رجعيًّا ، وتتطيَّب له ، وتتشوّق ، وتلبس الحليّ ، وتُبدي الجمال والكحل ولا يدخل عليها إلا أن تعلم بِدُخوله بِقَولٍ ، أو حركة من تَنَحْنُحٍ ، أو خفق نعْلٍ .
الطلاق الرجعي ينقص عدد الطلقات التي يملكها الرجل على زوجته ، فإن كانت الطلقة الأولى احْتَسَبَتْ ، وبقيَت له طلقتان ، وإن كانت له الثانية احتسبَتْ وبقِيَت له طلقة واحدة ، ومُراجعتها لا تمْحو الأثر ، فلو طلّقها في طُهْر لم يمسَّها فيه ، وبعد أسبوعين ندم على هذه التطليقة ، وقال لها : راجعْتُك ، فما انتهى كلّ شيء ، فهذه حُسِبَت طلقة ولو راجعها ، لو أنّه تراجع عن هذه الطلقة حُسبَت طلقة ، إنّ المراجعة لا تمحو الأثر ، وهذه حكمة بالغة لكي لا يصبح الطلاق لعبًا بين الأزواج .
مثلاً ، وإن كانت الثانية احْتسبَت وبقيَت له طلقة واحدة ، ومراجعتها لا تمحي هذا الأثر ، بل لو تركت حتى انْقضَت عِدَّتها من غير مراجعة وتزوَّجَت زوْجًا آخر ، ثمَّ عادَت إلى زوجها الأوّل ، عادَت إليه بما بقي لها من الطَّلقات ! فالطلقة هذه ثابتة ، شيء دقيق ، أنت قلتَ لها بِساعة غضب : طلّقتك ، وكانت في طُهْرٍ لم تمسَّها فيه ، وبعد ساعةٍ ندِمت ، وقلت لها : راجعتك ولمسْت يدها ، رجعَت واحْتُسبَت طلقةً ، فلو أنَّكَ طلَّقتها طلاقًا فيه بيْنونة صغرى وتزوَّجَتْ مكانك رجلاً آخر ثمّ طلَّقها ، وعُدْت إليها بقي لك عندها طلقتان ، احْتُسب الواحدة . 2 ـ الطلاق البائن :
أما الطلاق البائن فهو الطلاق المُكمّل للثلاث ، والطلاق قبل الدخول والطلاق على المال ؛ أي مخالعة ، وقبل الدخول مباشرةً ينفذ مرَّةً واحدة أو الطلاق المُكمِّل للثلاث .
والطلاق البائن إن شاء الله تعالى نأخذه في درس آخر ، وربّما أمكن إعطاؤهُ في هذا الدرس .
وهو ينقسم إلى بائن بَيْنونةً صُغرى ، وهو ما كان دون الثلاث ، وبائن بَينونة كبرى وهو المكمِّلُ للثلاث ، فإذا طلَّقها في طهْرٍ لمْ يمسَّها فيه ، ومضَتْ عِدَّتها كاملةً ثلاث حيضات ولم يراجعها ولم يمسَّها فهذه طلقة بانَت عنه ، لكن بيْنونة صغرى ، لا ترجع إليه إلا بعقْد جديد ، ومهْر جديد ، ورِضاءٍ منها ، لكن لا تحتاج إلى أن تُزوَّج بغيره ، هذه هي البينونة الصغرى .
الطلاق البائن بيْنونةً صغرى يُزيل قيْد الزّوْجيَّة بِمُجرّد صدوره ، وإذا كان مُزيلاً للرابطة الزوجيّة ، فإنّ المطلّقة تصير أجْنبيَّةً عن زوجها ، فلا يحلّ له الاستمتاع بها ، لا يستمتع بها إلا ضمن العِدَّة ، فإذا انْقضَت العِدَّة بانَتْ عنه بيْنونةً صغرى ، ولا يرثُ أحدهما الآخر إذا مات ، يحلّ بالطلاق البائن موعد مؤخَّر الصداق ، فنحن عندنا مهر مؤجّل ، ومهر معجَّل ، المؤجّل يحِلّ في حالتين ، أيّهما أبْعَد ، وأيّهما أقرب ، الطلاق أو الموت ، وللزّوج أن يعيد المطلّقة طلاقًا بيْنونةً صغرى إلى عصمته بِعَقْدٍ ومهْرٍ جديدَيْن دون أن تتزوَّج زوجًا آخر ، وإذا أعادها عادَت إليه بما بقيَ من الطَّلقات، عادَت إليه على تطليقة واحدة ، أو على تطليقتين ، فإذا كان طلَّقها واحدةً من قبْل ، فإنّه يملك عليها طلْقتَيْن بعد العَوْدة إلى عصمتِهِ ، وإذا كان طلَّقها طلْقتَين لا يملك عليها إلا طلْقةً واحدة .
وأما الطلاق البائن بَيْنونةً كبرى فيُزيل قَيْد الزَّوجيَّة تمامًا مثل طلاق البينونة الصغرى ويأخذ جميع أحكامه ، إلا أنّه لا يُحِلّ للرجل أن يعيد من أبانها بيْنونةً كبرى إلى عصمته ، إلا بعد أن تنكحَ زوْجًا آخر نكاحًا صحيحًا لا لبْسَ فيه ، ويدخل بها دون إرادة التحليل ، فإن طلَّقها فلا تحلّ له من بعدُ حتى تنكحَ زوجًا غيره ، فإن طلَّقها الطَّلقة الثالثة ، فلا تحلّ لزوجها الأوّل إلا بعد أن تتزوَّج آخر ، لقوله عليه الصلاة والسلام :
(( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يطلق امرأته ثلاثا فيتزوجها آخر فيغلق الباب ويرخي الستر، ثم يطلقها قبل أن يدخل بها فهل تحل للأول؟ قال: لا حتى تذوق عسيلته. وفي لفظ: حتى يجامعها ))
[البيهقي عن عائشة]
أي حتى يتمّ الزواج الحقيقيّ ، هذا فيما يتعلّق بالطلاق الرجعي والطلاق البائن البَينونة الكبرى أو الصغرى ، الصغرى ربطت نفسها ، وينعقد زواج جديد بِعَقد جديد ، ومهر جديد ، ورضاء الزوجة ، أما البينونة الكبرى فلا بد من الزواج من رجل آخر زواجًا صحيحًا لا تحليل فيه ، أما الطلاق الرجعي طلّقها في طهر لمْ يمسّها فيه، فإن راجعها في خلال العدَّة ثلاثة أطهار رجعت له من دون عقْد ومن دون مهْر ، وانتهى الأمر ، ولكنّها احْتُسبَت طلقةً ، ولو أنَّه طلّقها طلاقًا رجعيًا ، وبانَت عنه بيْنونة صغرى ، ثمّ تزوَّجَت برجل آخر ، ثمّ طلّقها ، فعادَت إليه عادَت إليه على طَلقتين ، فالطلاق لعِبٌ بالنار ، فلو قلت : طلّقتك ، وبعد ساعة راجعتها احْتُسِبَت طلْقة ، فالأفضل ، والأوْجه ، والأعقل ألا تلجأ إلى الطلاق إلا في حالات نصَّ عليها الشّرع أما أن يُتَّخَذ أداةً لِرَدع الزَّوجة فهذا لعبٌ بالنار ، ويوقع الرجل في شبهة الحرام ويبقى مُشوَّشًا ، ومُتْعبًا ، ويصبح متعباً بالفتاوى المتناقضة التي يجمعها من عامّة الناس . * * *
تحريم الدخول على النساء :
والآن إلى بعض الأحاديث الشريفة ؛ يقول عليه الصلاة والسلام :
((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ....))
[ متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
" طبعًا المقصود بالنساء الأجنبيّات ، أنا من خلال ملاحظتي أرى أنّ بعض الرجال أو بعض الشباب يكثر الدخول إلى بيت قبل التأكّد من أنّ هذا البيت مثلاً ليس فيه نساء ، سريع الدخول إلى البيوت ، قليل الاستئذان ، سريع القبول ، النبي الكريم قال : ((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ....))
[ متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
لأنّ أوّل شيء هناك تهمة ، فالإنسان قد يُتَّهَم وهو بريء ، وهناك شيء آخر ، قد يقعُ هو فريسة لهذه المخاطرة ، لأنّ النبي صلى اله عليه وسلم وهو الرؤوف الرحيم قال : (( ما خلا رجل بامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما ... ))
[أحمد عن عمر]
لماذا لم يقل : ما خلا كافر بكافرة ؟ ولماذا لم يقل ما خلا منافق بِمنافقة ؟ قال : ما خلا رجلٌ ، وهذه كلمة مطلقة ، وما دامت الكلمة نكرة ، وتنكيرها شمولي أيْ أيّ رجلٍ كائنًا من كان - مؤمن ، كافر ، فاسق ، عاص ، طائع - أيّ رجلٍ إذا خلا بامرأة كان الشيطان ثالثهما ، إياكم والدخول على النساء ، أحيانًا الإنسان يطرق باب أخيه ، أخوه له زوجة ، تقول له : أخوك غير موجود ، يقول لها : سأرتاح عندك قليلاً ثمّ أذهب ، تقول له : لا، هذا لا يجوز ، هذه زوجة الأخ امرأة أجنبية لا تحلّ لك أن تدخل عليها ، ولا أن تنظر إليها ، قيل يا رسول الله : الحمو ؟ فقال : الحمو الموت ..." أحيانًا تقول : النَّمِر الموت ، أي النَّمر يفضي بك إلى الموت ، فالحمو الموت أي يفضي خطره إلى الموت ، وربّما كان الموت أهْون ، حديث مقتضب وموجز ، و تكمن بلاغته صلى الله عليه وسلّم في إيجازه ، إياكم والدخول على النساء ، المقصود الأجنبيّات اللاتي لا تحلّ لك أن تراهنّ ، الإمام مالك رضي الله عنه توسَّع في هذا الحديث ، فمَنَعَ الدخول على النساء اللاتي لا يحلّ لك الزواج منهنّ خوْفَ ما قد يخطر في البال من تهمٍ بعيد ، نهى الابن على أن يدخل على زوجة أبيه ، لا تحلّ له، ولكن قطع الابن من أمّه أكبر بكثير من طبعه من زوجة أبيه .
السادة الأحناف نهَوا الرجال عن الاختلاء بالصِّهرة الشابة ، الكنَّة ، فهي محرّم الزواج منها ، ولك أن تنظر إليها ، ولكن في حضرة الابن يجوز ، ولكن في غيبة الابن فالأكمل والأولى ألا تخْلُوَ بها ، لذلك قال بعضهم : لا تبلغ أن تكون من المتّقين ، حتى تدع ما لا بأس به ، حذرًا ممَّا به بأس ، زوجة الأب لا ينبغي أن تخْلُوَ بها ، مع أنَّها لا تحلّ لك ، والصِّهرة الشابة زوجة الابن الشابة لا يقبل لك أن تخلُوَ بها، أما بحضور ابنك فهي زوجة ابنك ، ولك أن تحادثها ، وتجلس معها ، وتأكلا معًا، الإمام مالك توسَّع في فهْم هذا الحديث حتى وسَعهُ إلى دائرة تَحِلّ ، ولكن منعَ الخَلوَة من باب الكمال .
إياكم والدخول على النساء، هناك أشخاص سريع الدخول ، امرأة في غرفة لوحدها ولو أنّها مسنَّة لا يجوز الدخول عليها ، مثلاً زوجة أخي ، وأخي مسافر ، قد يحتاجون إلى أغراض ، فيذهب ويبقى ساعة عندهم ، يمكن لأحد الجيران ألا يعرف هذا ، يعرفون أنّ زوجها بالحج أو مسافر ، وجاء رجل فبقيّ ساعة ثمّ خرج ! ممكن أن تسبِّب سمعة سيّئة للبيت ، قال النبي الكريم : ((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ ....))
[ متفق عليه عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ]
هذا كمال المؤمن ، قٌال عليه الصلاة والسلام : " الإيمان عفّة عن المطامع، الإيمان عِفّة عن المحارم ..." الإنسان كلّما كان عفيفًا أكثر كلّما ارتفع في نظر الناس، هناك شهوَة ، هناك شهوتين مهلكتين ؛ النساء والمال ، (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ))
[الترمذي وابن ماجه عن أسامة ]
الورع :
الورع قال عليه الصلاة والسلام : لا ورعَ كالكفّ ..." ترك المحارم ورع ، وهذا حدّ ، وهو أحد أنواع الورع ، فأنت إذا سألتني ما الورع ؟ أقول لك : الاستقامة على أمر الله تعالى ، ترْك ما نهى الله عنه ، وهناك تعريف أرقى ؛ ترْك ما لا بأس به حذرًا ممَّا به بأس، هذا ترْك مضانّ التُّهم ، فالدخول مثلاً على زوجة الابن وهي وحدها في البيت ، هناك احتمال بالمئة خمسة أو بالمئة سبعة ، احتمال بسيط جدًّا ، فاحتمال أن يميل قلبه إلى أمّه هذا ينتفي كُليًّا ، أما زوجة أبيه فالاحتمال أكثر ، لذا الإمام مالك وسّع الدخول ، وهذا من كمال الورع ، أن تدع ما لا بأس به حذرًا ممّا به بأس ، أن تدع مضانّ المعصِيَة ، فتَرْك المعصيَة ورع ، وترك مضانّ المعصيّة ورع أرقى ، ترك ما يشغل القلب عن الله عز وجل هذا أرقى درجات الورع ، شيءٌ مباح ، لكنّك إذا اشتغلتَ به أبْعدك عن الله عز وجل ، وهذا أرقى درجات الورع ، أي القلب له عز وجل وما جعل الله عز وجل لرجل من قلبين في جوفه .
النهي عن محادثة النساء :
شيءٌ آخر ؛ يقول عليه الصلاة والسلام : إياكم ومحادثة النساء ، تجد شخصًا طليق اللّسان ، إذا كان عنده زبونة بالمحلّ يسوق الحديث من موضوع إلى موضوع ! هذا لا يجوز قال تعالى :
﴿ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾
[ سورة الأحزاب : 32]
نساءً ورجالاً ، كم سعر هذا القماش ؟ سعر هذا القماش المتر بعشرة ، أما هذا اليوم فمناسب ، وهذا اللون مناسب لك ، هذا كلّه كلام باطل ، إياكم ومحادثة النساء ، الواحد قد يكون طليق اللسان ، وقد يكون فصيحًا ، وقد يكون له ذكاءً ، وقد يكون له قدرة على إدارة حديث ممتع ولبق ، ولكن لا يظهر هذه البراعة على النساء ، فربّما أهلكهُ هذا الحديث : (( إياكم ومحادثة النساء ))
[ كنز العمال عن سعد بن مسعود]
أكثر الناس لهم جولات في الحديث مع أقربائهنّ ، بنت خالته ، بنت عمّته ، زبونة بالمحلّ ، وهو لا يدري أنّ هذا حجاباً بينه وبين الله تعالى ، لا يدري أنّه بهذه المحادثة قد ابتعد عن الله تعالى بعدًا كبيرًا ، لا يدري أنّه بهذه المحادثة قد سدّ الطريق إلى الله عز وجل : (( إياكم ومحادثة النساء فإنَّه لا يخلو رجل بامرأة ليس لها محرم إلا همّ بها))
[ كنز العمال عن سعد بن مسعود]
قال تعالى: ﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران: 14 ]
الصمت أحد أنواع العبادة الراقية :
الحديث الثالث ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام :
(( إياكم والفتن ، فإنّ وقْع اللّسان فيها مثل وقع السيف ))
[ ابن ماجة عن ابن عمر]
أحيانًا يكون هناك امرأة فلتانة ، قد تحكي كلمةً لا تبالي بها ، قد لا تعلّق عليها أهميّة ، هذه الكلمة خطيرة جدًّا ، كأن تقول : والله سمعتُ أنّه يريد الزواج عليها! وهو ما سمع ، مزاح فقط ! هذه الكلمة في هذه الفتنة ، الزوجة في بيت أهلها ، والزوج مزعوج ، وهي تتلقّف الأخبار بفارغ الصّبر ، تتلقّف شبح الخبر ، وهو ينتظر ردّ الفعل، وأعصابهُ متوتّرة ، يأتي إنسان خاليّ البال مرتاح ينقل كلمة غير دقيقة فإذا هي تُسبّب الطلاق ، هذا مثل ، فالإنسان بالفتنة تكون أعصابهُ متوتّرة لا يحتمل كلمة ، ويشبه الطالب بالامتحان ، قبل الفحص بِساعتين يقول لك : فلان أتى بالأسئلة ، وتكون هذه مزحة ، تجد أعصابه تضطرب ، وقد يجد أنّ موضوعًا ما درسه ، لذا المؤمن لا يلعب بأعصاب الناس ، فهناك حالات يحدث فيها توتّر شديد ، فهذا الذي يُشيع أخبارًا سيّئة في الحروب ، هذا مؤاخذ عند الله عز وجل ، وفي الأزمات الكبرى، وفي موضوع الطلاق ، وفي موضوع الفراق ، وموضوع خصومة شديدة ، مثل هذه الموضوعات الخطيرة الكلام فيها خطير ، لأنّ أعصاب الطَّرَفين متوتِّرة إلى أقصى الحدود ، وأيّ كلمة قد تخرب بنيانًا ، أو قد تقوّض دعائم الصلح ، لذا قال عليه الصلاة والسلام : (( إياكم والفتن ، فإنّ وقْع اللّسان فيها مثل وقع السيف ))
[ ابن ماجة عن ابن عمر]
أحيانًا خطبة ، عند أهل الزوجة وعند أهل الزوج حساسيّة بالغة أن تقول: الزوج بخيل ، أنت تمزح فقط ، ولكن هناك من يظنّها حقيقة فيتَّهمون بعضهم بالبخل، وينقل الكلام لأهل الزوجة ، فيقولون : لا نعطي البخيل !!! هذا وضع خطِر، أنت بالحاسّة السادسة تعلم أن هناك حالات يكون فيها الإنسان في أقصى درجات التوكّل ، الكلام قد يفضي إلى التهلكة ، الكلام قد يفصل علاقة شريفة ، قد يقطع خيرًا كثيرًا : (( إياكم والفتن ، فإنّ وقْع اللّسان فيها مثل وقع السيف ))
[ ابن ماجة عن ابن عمر]
أحدهم تزوّج امرأة ، فقال لي شخص : هذه المرأة ليْسَت من مُستواه ! هذه فقيرة وهو قصَدَ شيئًا ، وانفعل الزوج ، وحصل الطلاق ! أحيانًا الإنسان يحذّر أنيسه فيقول : لا نعرف الله أعلم ، هو يقصد موضوع الإرث ، وذاك فهم موضوعًا أخلاقيًّا فحدث الطلاق ، في الفتن المؤمن الراقي ، والمؤمن في حدّه الأدنى يلْزم الصَّمت .
أحيانًا تحصل خطبة ، ولا تتِمّ ، نريد أن نفهم لماذا فسِخَت الخطبة ؟ يمكن أن يكون لهذا الزوج وضعٌ خاص مثلاً ، وما ناسبتْهُ هذه الزوجة ، ولكن قد تناسب غيره ، لا ينبغي أن تلوك الحديث بين الناس ، أحد أنواع العبادة الراقية الصّمت . * * *
أمنية أربعة شباب في فناء الكعبة :
والآن إلى قصّة تابعيّ جليل ؛ هو عروة بن الزبير ، ما كانت شمس الأصيل تُلَملم خيوطها الذهبيّة عن بيت الله الحرام ، وتأذن للنَّسمات النبيلة بأن تتردَّد في رحابه الطاهرة ، حتى شرع الطائفون بالبيت من بقايا صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وكبار التابعين يعطّرون الأجواء بالتّهليل والتكبير ، ويقرعون الأرجاء بصالح الدعاء ، حتى أخذ الناس يتحلَّقون زمرًا زمرًا حول الكعبة المعظَّمة الرائدة وسط البيت في مهابة وجلال ، ويملؤون عيونهم من بهائها الأسمى ، ويُديرون أحاديث لا لغو فيها ولا تأثيم ، وبالقرب من الركن اليماني جلس أربعة فتيان ، صلاح الوجوه ، كرام الأحساب ، معطّري الأردان ، كأنّهم حمامات المسجد نَصاعةً ؛ هم عبد الله بن الزبير ، وأخوه مصعب بن الزبير ، وأخوهما عروَة بن الزبير ، وعبد الملك بن مروان، أربعة شباب في فناء الكعبة تحلّقوا قُبَيل الغروب ، وجلسوا ، ودار حديث الفتية الأبرار ثمّ ما لبث أن قال أحدهم : لِيَتَمَنَّى كُلّ منَّا على الله ما يحبّ ، فانطلق أخْيِلَتُهم تحلّق في عالم الغيب الرَّحب ، ومضَت أحلامهم تتوق في رِياض الأماني الخضْر ، ثمّ قال عبد الله بن الزبير : أمنيَّتي أن أملِكَ الحجاز ، وأن أنال الخلافة ، وقال أخوه مصعب: أما أنا فأتمنَّى أن أملِك العراقَين - الكوفة والبصرة - فلا يُنازعني فيهما منازع ، وقال عبد الملك بن مروان : إذا كنتما تقْنعان بذلك فأنا لا أقْنعُ إلا أن أملك الأرض كلّها ! وأن أنال الخلافة بعد معاوية بن أبي سفيان ، مَنْ بقيَ عروَة بن الزّبير ، وسكت عروة بن الزبير فلم يقل شيئًا ، فالْتفتوا إليه وقالوا : وأنت ماذا تتمنّى يا عروة ؟ قال : بارك الله لكم فيما تمنَّيْتم من أمر دنياكم ، أما أنا فأتمنَّى أن أكون عالمًا عاملاً يأخذ الناس عنِّي كتاب ربّهم وسنَّة نبيِّهم وأحكام دينهم ، وأن أفوز في الآخرة بِرِضا الله عز وجل ، وأن أحظى بِجَنّته ، قصّة واقعيّة ، أربعة شباب في فناء الكعبة ، تمنّى الأول أن يكون ملك الحجاز ، وتمنّى الثاني أن يكون ملِك العراق ، وتمنّى الثالث أن يكون خليفة المسلمين كلّهم ، وتمنّى الرابع أن يكون عالمًا بِكِتاب الله ، وسنّة نبيّه ، ربّنا عز وجل قال :
﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 20]
والشيء الثابت في العلم الدّيني أنّ الله عز وجل متكفّل أن يعطيّ كلّ مخلوق سُؤلهُ ، لكنّ الشرط أن يكون الطلب في صدق شديد ، إن كنت بطلبك صادقًا تصل إليه وربّ الكعبة ، فالذي وصلت إليه هو الذي أنت فيه سابق ، والذي لم تصل إليه هو الذي تمنَّيْتهُ ، فالتَّمَنِّي شيء ، والطّلب السابق شيء . قال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 19]
من سعى في طلب شيء ، وصلهُ وربّ الكعبة ، أحدكم يطلب من الله تعالى، إذا طلبت أن تختم كتاب الله ، والله لن تموت إلا بعد أن تفهم كتاب الله ، وإن طلبْت الدنيا تأتيك الدنيا ، إلا أنّ الله تعالى إذا كان يُحِبّ عبْدًا ، وطلبَ الدنيا ، وكانت الدنيا تؤذيه ، ربّما أخَّرها له فلعلَّه يُغَيِّر رأيَهُ ، قال تعالى : ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 18]
وقال تعالى : ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 19]
والآية الثالثة : ﴿ كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ﴾
[سورة الإسراء: 19]
ودار الزمان دورته ، فإذا بعبد الله بن الزبير يُبايَعُ له بالخلافة عقب موت يزيد ، فيَحكِمُ الحجاز والبصرة واليمن وخراسان والعراق ، هذا الطّفل الصغير صار رجلاً ، وحكمَ هذه البلاد ثمّ وثب عند الكعبة غير بعيد عن المكان الذي تمنّى فيه ما تمنّى ، وإذا بمصعب بن الزبير يتولّى إمْرة العراق من قِبَل أخيه عبد الله ، ويُكْتب هو الآخر دون ولايته أيضًا ، وإذا بعبد الملك بن مروان تؤول إليه الخلافة بعد موت أبيه ، وتجتمع عليه كلمة المسلمين بعد مَقْتَل عبد الله بن الزبير ، وأخيه مصعب على أيدي جنوده .
ثمّ وجدوه أعظم ملوك الدنيا في زمانه ، فماذا كان أمر عروَة بن الزبير ؟ كلّ واحد تمنّى أمنية . عروة بن الزبير نشأته و حياته :
ولد عروة في بيت من أعزّ البيوت شأنًا وأرفعها مقامًا ، أبوه الزبير بن العوّام حواري رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وأوّل من سلّ سيفًا في الإسلام ، وأحد العشرة المبشّرين بالجنّة ، هذا والدهُ .
وأمّه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها المُلقَّبة بذات النّطاقين ، وجدّه من أمّه أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه ، وجدّته من أبيه صفيّة بن عبد المطّلب عمّة رسول الله صلى الله عليه وسلّم ، وخالته عائشة بنت أبي بكر رضي الله عنها ، فقد نزل إلى قبرها حينما دُفنت بنفسه وسوّى عليها لحْدها بيَديه ، أفتظنّ بعد هذا الحسب حسبًا ؟ وأنّ فوق هذا الشَّرَف شرَفًا ؟ وحقّق عروَة أمنيته التي تمنّاها على الله عند الكعبة المعظّمة ، علامة صدق طلبه السعي ، أكبّ على طلب العلم ، وانقطع له ، واغْتنَم البقيّة الباقية من صحابة رسول الله ، فطفق يؤمّ بيوتهم ، ويصلّي خلفهم ، ويتتبّعُ مجالسهم ، حتى روى عن علي بن أبي طالب ، وعبد الرحمن بن عوف ، وزيد بن ثابت ، وأيّوب الأنصاري ، وأسامة بن زيد ، وسعيد بن زيد ، وأبي هريرة ، وعبد الله بن عباس ، والنعمان بن بشير ,
هم طلب العلم و هؤلاء طلبوا الخلافة والمُلْك ، هذا طلب العلم ، تتبَّع صحابة رسول الله ، صلّى خلفهم ، سألهم ، روى عنهم ، نقل عنهم ، وأخذ كثيرًا عن خالته عائشة أمّ المؤمنين ، حتى غدا أحد فقهاء المدينة السبعة الذين يفزع إليهم المؤمنين في دينهم ، ويتَّعظ بهم الولاة الصالحون على ما استرعاهم الله عز وجل من أمر العباد والبلاد ، من ذلك لمّا قدم عمر بن عبد العزيز المدينة واليًا عليها من قِبَل الوليد بن عبد الملِك ، جاءه الناس فسلّموا عليه ، فلمّا صلّى الظهر دعا عشرةً من فقهاء المدينة، وعلى رأسهم عروة بن الزبير فلمّا صاروا عنده رحَّب بهم وأكرمَ مجالسهم ، ثمّ حمِد الله عز وجل وأثنى عليه بما هو أهله ، ثمّ قال : إنّي دعوتكم لأمر تؤجرون عليه ، وتكونون لي فيه أعوانًا على الحقّ ، فأنا لا أريد أن أقطَع أمرًا إلا برأيِكم أي برأي من حضر منكم ، فإن رأيْتم أحدًا يتعدّى على أحد ، أو كان لعامل مظلمة فأسألكم أن تبلّغوني ذلك ، فدعا له عروة بن الزبير بخير ، ورجا له من الله السّداد والرّشاد ، وقد جمع عروة بن الزبير العلم إلى العمل ، فقد كان صوّاماً في الهواجر ، قوّامًا في العتمات ، رطب اللّسان دائمًا بذكر الله عز وجل ، وكان إلى ذلك ختيمًا لكتاب الله جلّ وعلا ، عاكفًا على تلاوته ، فكان يقرأ ربع القرآن كلّ نهارٍ نظراً في المصحف ، ثمّ يقوم به الليل تلاوةً عن ظهْر قلب ، ولم يُعْرف عنه ترْك ذلك منذ صدْر شبابه إلى يوم وفاته ، غير مرّة واحدة بِخَطب نزلَ به سيأتيكم نبأه بعد قليل .
كان عروة بن الزبير يجد في الصلاة راحة نفسه ، وقُرّة عينه ، وجنّة ربِّه فيُتقِنها ويتقن شعائرها أتمّ الإتقان ، ويُطيلها غاية الطول ، - طبعًا وحده - وروِيَ عنه أنّه رأى رجلا يصلّي صلاةً خفيفة ، فلمَّا فرغ من صلاته دعاه وقال له : يا بن أخي ، أما كانت لك عند ربّك جلّ وعلا حاجة ؟! والله إنّي لأسأل الله تبارك وتعالى كلّ شيءٍ حتى الملْح ! وأنا أدعوكم لذلك ، حياتنا كلّها مشاكل ، صلِّ وادْعُ الله في الصلاة حتى تحسّ أنّ ربّنا عز وجل سمعك ، وقد أدّى رغبتَك ، وكان عروة بن الزبير رضوان الله عليه سَخِيّ اليد ، سمْحًا ، جوادًا ، ومِمَّا أُثر عن جوده أنّه كان له بستان من أعظم بساتين المدينة ، عذب الماء ، ذليل الأشجار ، باسط النخيل ، وكان يُسَوِّر بستانه طوال العام لحماية أشجاره من أذى الماشيَة ، وعبث الصُّبْيَة ، حتى إذا آن أوان الرُّطَب وأيْنعت الثِّمار ، وطابَتْ واشْتَهَتْها النُّفوس كسر حائط البستان من أكثر من جهة ليُجيز للناس دخوله ! أما الآن فيقول له : انْتبه الفواكه مرشوشة بالمواد السامّة !! ولا تكون هناك مواد ولا شيء !!! أما ذاك فكان يكسر جدران البستان حتى يتيح للمارة الأكل منها ، والآن بأمريكا حتى يُحافظوا على سعر الفواكه يتْلفون قسمًا كبيرًا منها ، فأبناء الجيوش كانوا يذهبون إلى أماكن إتلاف هذه الفواكه ، لما أكلوا البرتقال خفّ البيع ، العام القادم سمّموا البرتقال حتى لا يأكل الطفل الفقير البرتقال من دون دراهم ، يشتريها أبوه من السوق فيبقى السعر مرتفعاً !! وُحُوشٌ فكان الناس يلمّون به ذاهبين آيبين ، ويأكلون من ثمره ما لذّ الأكل ، ويحملون ما طاب لهم الحمْل ، وكان كلّما دخل بستانه هذا ردّد قوله عز وجل :
﴿ وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا ﴾
[ سورة الكهف : 39 ]
قبل عشرين أو ثلاثين سنة هكذا قيل لي : يخرج الفلاّح من البستان ويضع سلّة تفاح بالطريق ، هذا مشمش ، وهذا تين ، وهذا تفاح ، فالناس في الطريق يأكلون ما يشتهون، الآن كيلو التوت بخمس عشرة ليرة ، وقد كان لا يُباع إطلاقًا ، التوت وقف مبذول للناس كلّهم، ولكن لمَّا بخل الناس شدَّد الله عليهم ، والآن في بعض القرى، وقد شاهدْت هذه بنفسي ، كلّما مرّ المارّ يسلّمونه فواكه ضيافةً ، والله عز وجل يُعطيهم ثمارًا فوق الحُسبان ، خيرات وبركات ، وتصدير وأسعار جودة ، أما أهل هذه القرية فلا تمرّ إلا وتأخذ فاكهةً مجَّانًا . امتحان الله عز وجل لعروة بن الزبير :
وفي سنة شاء الله جلّ وعزّ أن يمتحن عرْوَة بن الزبير امتحانًا لا يثبت له إلا ذوي الأفئدة التي عمّرها الله بالإيمان ، دعا خليفة المسلمين عروة بن الزبير لزيارته في دمشق فلبّى الدعوة ، وصحب معه ابنه الأكبر ، ولمَّا قدِم على الخليفة رحَّب بِمَقْدَمهِ أعظم ترحيب ، وأكرم وِفادته أوفى إكرام ، وبالغ في الحفاوة به ، ثمَّ شاء سبحانه وتعالى أن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن ، ذلك أنَّ ابن عروة دخل على اصْطبل الوليد لِيَتَفَرَّج جِياده الصافِنات فرَمَحَتْهُ دابَّة رمْحةً قاضِيَةً أوْدَتْ بِحَياتِهِ ، ولم يكد الأب المفجوع ينفض يديه من تراب قبر ولده حتى أصابتْ إحدى قدَمَيْه الآكلة - الغرغرينا- وأصبح معه الموات ، فتورَّمَتْ ساقُه ، وجعل الورم يشتدّ ويمْتدّ بِسُرعة مذهلة فاسْتدعى الخليفة لِضَيفِهِ الأطباء من كلّ جهة ، وحضَّهم على معالجته بأيَّة وسيلة ، لكنَّ الأطِبَّاء أجمعوا على أنَّه لا منْدوحة لِبَتْر ساق عروَة ، قبل أن يَسْرِيَ الورَم إلى جسَدِهِ كلّه ، ويكون سببًا في القضاء عليه ، ولم يجِد بُدًّا من الإذعان لذلك - انظر مقامه العالي ، أحيانًا المصائب تكون مصائب رفْع ، فالأنبياء مصائبهم كشف، والمؤمنون رفع ، وغير المؤمنين ردْع :
(( ما أصاب عبد مصيبة فما فوقها إلا بإحدى خلتين بذنب لم يكن الله ليغفر له إلا بتلك المصيبة أو بدرجة لم يكن الله ليبلغه إياها إلا بتلك المصيبة))
[ الديلمي عن ثوبان]
ولمَّا حضر الجرَّاح لِبَتْر الساق أحضَرَ معه مباضعه لِشَقّ اللَّحم ، ومناشيره لِنَشْر العظم ، قال الطبيب لعروة : أرى أن نسْقيك جرعةً من مُسْكر لكي لا تشعر بالآلام ، فقال : هيهات !- اسم فعل ماض- لا أستعين بِحَرام على ما أرجوهُ مِن عافِيَةٍ، فقال له : إذًا نسقيك مخدِّرًا ، فقال : لا أحبّ أن أُسلبَ عضْوًا من أعضائي دون أن أشْعرَ بِألمِهِ وأحْتسب بذلك ، فلمَّا همَّ الجراح بِقَطع الساق تقدَّم نحو عروة طائفة من الرجال ، فقال : ما هؤلاء ؟ فقال : جيءَ بهم لِيُمسِكوك فربَّما اشْتدّ عليك الألم فجذبْت قدمَكَ جذْبةً أضرَّتْ بك ، قال : رُدُّوهم لا حاجة لي بهم ، وإنِّي لأرجو أن أكْفيَكم ذلك بالذِّكْر والتَّسْبيح ، ثمَّ أقبلَ عليه الطبيب وقطع اللَّحم بالمِبضع ، ولمَّا بلغَ العظم وضع عليه المنشار وطفِقَ ينشرهُ به ، وعروَة يقول : لا إله إلا الله والله أكبر ، وما فتىء الجرَّاح ينشر وعروة يكبّر ويُهلِّل حتى بُتِرَتْ الساق بتْرًا ، ثمّ أغْليَت الزَّيت في مغارف الحديد ، وغُمِسَت فيه ساق عروة لإيقاف تدفّق الدِّماء ، وحسْم الجراح ، وأُغْمِيَت عليه إغماءةً طويلة حالَت دون أن يقرأ حصَّته من كتاب الله ذلك اليوم ، هذا هو الأمر القاهر الذي لم يقرأ فيه حصّته من كتاب الله ، وليس لسبب تافهٍ ، نعسان ، لك كمّية قرآن اقرأها ؛ حزب أو نصفه جزء اقرأها ، وكان هذا هو اليوم الوحيد الذي لم يقرأ فيه القرآن !! وكانت المرَّة الوحيدة التي فاتهُ فيها ذلك الخير ، ولمَّا صحا عروة دعا بقَدَمِهِ المبتورة فناولوه إيَّاها ، اسْمعوا الآن ؛ فجعلَ يُقبِّلُها بيَدِهِ ويقول : أما والذي حملني عليك يا قدمي في عتمات الليل إلى المساجد - انظروا هذا القسَم - إنَّه ليعْلمُ أنَّني ما مشْيتُ إلى حرامٍ قطّ ، وقد شقَّ على الوليد بن عبد الملك ما نزل بِضَيفه الكبير من النوازل ، فقد احْتسَب ابنه ، وفقَدَ ساقهُ في أيَّام معدودات فجعل يحتال لِتَعْزيَتِهِ وتصبيره على ما أصابه ، وصادف أن نزلَ بِدَار الخلافة جماعةٌ من بني عفْسٍ فيهم رجلٌ ضرير ، فسأله الوليد عن سبب كفّ بصره ، قال : يا أمير المؤمنين لم يكن في بني عفْس رجلٌ أوْفَرَ مِنِّي مالاً ، ولا أكثر أهلاً وولدًا ، والله إذا أعطى أدْهش وإذا أخذ أدْهش ، نزلْتُ مع مالي وعِيالي في بطْن واد من منازل قومي فطرقنا سيْلٌ لم نرَ مثلهُ قطّ ، فذهبَ السَّيل بما كان لي من مالٍ وأهل وولدٍ ، ولم يترك لي غير بعيرٍ واحد وطفلٍ صغير حديث الولادة !! وكان البعير صعبًا ففرّ مِنِّي ، فتركْتُ الصَّبيّ على الأرض ، ولَحِقْت بالبعير ، فلم أُجاوِز مكاني قليلاً حتى سمِعْت صَيْحة الطِّفل فالْتَفَتّ فإذا رأسهُ في فمِ ذئْبٍ يأكلهُ ، فبادرتُ إليه غير أنَّني لم أستطع إنقاذهُ إذْ كان قد أتى عليه ، ولحِقْت بالبعير فلمَّا دَنَوْت منه رماني بِرِجلهِ على وجهي رمْيةً حطَّمَتْ جبيني وذهبتْ بِبَصري ، وهكذا وجدْت نفسي في ليلة واحدة من غير أهل ولا ولد ولا مالٍ ولا بصر !!! فقال الوليد لِحاجِبِه انْطلق بهذا الرجل إلى ضَيْفنا عروة بن الزبير ، ولْيقصَّ عليه قصَّته لِيَعلمَ أنَّ في الناس من هو أعظمُ منه بلاءً ، ولمّا حُمِل عروة إلى المدينة، وأُدخل على أهله ، بادرَهم قائلاً لا يهُولنَّكم ما ترَوْن ! لقد وهبني الله عز وجل أربعةً من البنين ، ثمَّ أخذ منهم واحدًا وأبْقى ليَ ثلاثًا ، فله الحمد والشكر ، وأعطاني أربعة أطراف ثمَّ أخذ منها واحدًا وأبقى لي منها ثلاثة ، وَيْمُ الله لأن أخذ الله لي قليلاً فقد أبقى لي كثيرًا ، ولأن ابتلاني مرَّةً فلطالما عافاني مرَّات .
الصبر مؤشّر للإيمان ، إذا كان هناك إيمان كان هناك الصبر ، وإذا لم يكن الإيمان لم يكن الصَّبر ، الصّبر معرفة بالله عز وجل ، الأمر بيده وهو رحيم ، وحكيم ، وعليم، وعلامة المؤمن أنَّه راض ، ويقول : الحمد لله رب العالمين على أشدّ المصائب فكيف على أهونها ؟ إذا أصابتْه مصيبة قال : " الحمد لله ثلاثاً ، الحمد لله إذ لم تكن في ديني ، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها ، والحمد لله إذْ أُلْهِمتُ الصَّبْر عليها " مواقف الصحابة أو أصدقاؤهم من المصيبة ، إذا الواحد ساذج ورأى مؤمنًا أُصيب بِمُصيبة يقول : حتْمًا عمل معصيَة !! وهذه فظاظة بالتفسير، وسوء الظنّ بالأخ المسلم ، كبار الصحابة أصابتهم مصائب كبيرة ، وهذه مصائب رفْع وليْسَت مصائب ردْع ، فالعاصي له مصائب ردْع ، أما المؤمن فله مصائب رفْع قال تعالى : ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ*الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾
[سورة البقرة: 155-157]
فالإنسان بالمصيبة يظهر ، وبها ينحطّ .
أما أصحابه ماذا قالوا ؟
ولمَّا عرف أهل المدينة بِوُصول إمامهم وعالمهم عروة بن الزبير ، تسيلوا على بيته لِيُواسوه ويُعَزُّوه فكان من أحسن ما عُزِّيَ به كلمةً قالها إبراهيم بن محمّد بن طلحة ، قال له : " أبْشِرْ يا أبا عبد الله ، فقد سبقَكَ عضْوٌ من أعضائك ، وولدٌ من أبنائك إلى الجنَّة ، والكلّ يتْبَعُ البعض إن شاء الله تعالى ، ولقد أبقى الله لنا مِنك ما نحن فقراء إليه ، أبقى لنا منك علمك وفقْهك ورأيَك ، أما الطرف الذي سبقك إلى الجنَّة احْتسِبْهُ عند الله ".
|
|
|
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ
التعديل الأخير تم بواسطة السعيد ; 09-08-2018 الساعة 01:15 PM
|