03-05-2018, 08:52 AM
|
#9
|
|
بيانات اضافيه [
+
]
|
|
رقم العضوية : 1095
|
|
تاريخ التسجيل : Oct 2017
|
|
العمر : 49
|
|
أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
|
|
المشاركات :
12,670 [
+
] |
|
التقييم : 1432
|
|
|
لوني المفضل : Cadetblue
|
|
رد: تونس.. حب من أول رحلة
كنا في طريقنا نزولا من مقهى سيدي الشبعان وإطلالة المرسى الرائعة باتجاه أسواق سيدي بوسعيد .. عندما فوجئنا بدون سابق إنذار أو مقدمات .. بهبوب ريح صرصر عاتية .. رياح شديدة محملة بالحجارة والأتربة تهب باتجاه معاكس لنا.. حملنا الصغير وطلبنا من الكبار ان يغطوا أعينهم ولا يفتحوا أفواههم فالريح كانت بتلك القوة!
دقائق معدودة حتى استحالت الريح إلى أمطار غزيرة ! نحن في عز الصيف في نهايات أغسطس.. فكيف لها أن تمطر بتلك الغزارة بعد الأجواء الوديعة التي كانت تسود المكان قبل أقل من 10 دقائق!؟
كان المطر شديداً إلى حد أن الجميع بدأ يختبئ أمام المداخل المظللة ويحتمي بأي باب أو بروز من أي مبنى.. وصلنا إلى مدخل مطعم ووقفنا فيه مع مجموعة كبيرة من الناس بانتظار توقف المطر، وحالنا لا يسر -وكذلك حال الآخرين .. فالملابس غطتها الأتربة ثم نقعتها المياه فاستحالت إلى طين ملتصق بالأجسام .. وطبعا هبوب الهواء يزيد البرودة والانزعاج ..

أصحاب المحلات والبسطات فوجئوا مفاجأة صاعقة واخذوا بلملمة بضائعهم سريعا ..
بعد مرور فترة تطوع محمد بالذهاب لإحضار سيارته والدخول من هذا الزقاق الظاهر في الصورة.. وكنا ممتنين للغاية لما فعل .. فقد غاب لأقل من عشر دقائق وحضر إلى حيث نقف .. فدخلنا السيارة وملأناها ماء وطينا (آسفين يا ابو حميد) .. وبدانا نلتقط أنفاسنا ولا زال المطر يهطل بغزارة غريبة ..
شعرت بخيبة أمل كبيرة، فقد كنت أؤجل شراء التذكارات والهدايا إلى هذا المساء لأنني أردت أن اشتريها من سيدي بوسعيد واخذ محمد يحاول اقتراح الحلول بأن عبر عن استعداده بأن يأخذنا صباح الغد إلى هناك قبل المطار، لأراها في الصباح واشتري ما أريد.. طبعا كان هذا كرم أخلاقه المعتاد ولكن رفضنا لأن علينا التواجد في المطار في التاسعة والنصف تماماً.. وطريقنا تستغرق أكثر من ساعة.
أصبح هطول المطر خفيفاً جداً بوصولنا إلى قلب العاصمة تونس.. وهنا دخل محمد بنا إلى شارع الحبيب بورقيبة، والذي أصبح فيما بعد يعرف باسم شارع 14 يناير
هنا المشهد الشهير للرجل التونسي الطيب الذي شاهدناه جميعا على قنوات الأخبار .. هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية

طبعا الجولة كلها بالسيارة .. الشوارع فرغت تماماً من الناس والأجواء بدت كئيبة. تمنيت أننا سهرنا هنا يوما ولكن ربما المرة القادمة ان شاء الله ..
الساعة

الشارع فيه مباني جميلة وبعضها يعود لزمن قديم .. من بينها كنيسة ومسرح ولكن لم أعد أذكر هويتها بصراحة ...




خرجنا من تونس باتجاه الحمامات .. وفي الطريق توقف المطر تماماً وبدأ الجو يعود إلى ما كان عليه من صفاء وجمال.. وبالطبع ليس لأننا لا نحب أجواء المطر بل لأنه كان قوياً ومؤذيا بشكل غريب ..
عندها تذكرنا جميعا اننا نريد العشاء .. وطلبنا من محمد أن يأخذنا إلى مكان لطيف وقريب من الفندق .. فاختار مطعماً صغيرا وبسيطاً للأطباق الخفيفة.. كان موظفوه على وشك إغلاق الأبواب عندما وصلنا .. ولكنهم رحبوا بنا واستقبلونا رغم ذلك ..
أعتقد ، وللأسف لم أسجل هذه المعلومة، أن اسم المطعم هو الاصدقاء أو Friends لا أعرف ايهما رأيت .. وربما لم يكن كذلك .. وهو في نابل التي يقيم بها محمد قريبا من فندقنا. حينها كانت بطاريات الهواتف والكاميرا كلها نفدت ولم تكن معنا أي وسيلة للتصوير في المكان. على أي حال ... مش حاضحك عليكم، أنا أصلا ما بصور في المطاعم
تنوعت طلباتنا بين البيتزا والشاورما والبرغر.. والسعر كان أكثر من معقول لكن لا أذكره للأسف أما الطعم فهو جيد باستثناء الشاورما .. لاننا اعتدنا على مذاقها المختلف لدينا..
أوصلنا محمد مشكورا إلى الفندق وودعناه .. بعد أن رجوناه بأن لا يكلف نفسه عناء المجئ صباح الغد.. لكنه أصر أن يحرجنا بكرمه حتى اللحظة الأخيرة وأن يوصلنا بنفسه للمطار .. فاتفقنا على أن نتحرك من الفندق قبل الثامنة والنصف تفاديا لازدحام الطرق صباحاً.. وخلدنا إلى نوم عميق بعد أمسية مرهقة..
وإن كنتم تعتقدون أن آكشن الامطار في سيدي بو سعيد هو الأخير.. فلا تبتعدوا.. لا زالت هناك مواقف أخرى 
ضاع مني ففضلت أن أتركه لفترة كي أقبل على الكتابة دون تذمر أو استعجال..
على العموم نحن وصلنا إلى اليوم الأخير في رحلتنا، وهو يوم الرجوع إلى الوطن ومغادرة الخضراء الجميلة التي لم نر منها إلا لمحات بسيطة ..
كنا قد اتفقنا مع محمد على المغادرة في الثامنة والنصف، فأنهينا إجراءات المغادرة سريعاً وسط سلام حار من الموظفين واعتذارهم على سوء التفاهم في اليوم الأول - ووعد أحدهم بأن يبادروا باقتراح لتغيير تعليمات السباحة ..
بعد أمطار الأمس وعواصفه الشديدة، كان اليوم صحواً مشمساً للغاية.. فقضينا فترة الانتظار عند مدخل الفندق نلتقط الصور ونلاعب القطط ونودّع المكان ..
سيف يتوعد القطة على ما يبدو..

وصل محمد في موعده .. وليزيد من حرجنا إزاء كرمه الشديد .. أحضر معه علبة من الحلوى التونسية الشهيرة (المقروض التونسي) .. وهي تشبه إلى حد بعيد ما نسميه المقروطة في بلدنا - أساسها السميد والدقيق وحشوة من عجوة التمر ..
أما المفاجأة الأخرى هي أنه احضر لي مغناطيساً على شكل أحد أبواب سيدي بوسعيد! فبالأمس أخبرتهم أن أهم ما سأشتريه هو باب خشبي صغير كتذكار من سيدي بوسعيد، ومغناطيسات كتلك التي اجمعها من كل مكان.. ولكن الأمطار أفسدت كل المخططات .. إلا أن محمد لم يترك الأمر ينتهي هنا
مع ذلك طلبت المرور على المحلات القريبة من الفندق قبل الانطلاق، واشتريت بعض التذكارات الخفيفة قبل أن نتجه إلى المطار في رحلة قاربت الساعة..
موعد رحلتنا كان الحادية عشرة والنصف، ووصلنا في تمام التاسعة والنصف .. موعد مناسب تماماً. ودعنا محمد على وعد أن يزور أحدنا الآخر إن أتيحت الفرصة، ثم قرر زوجي صرف الدنانير التونسية إلى دولارات لأننا "لن نحتاجها"..
وقفنا في الطابور لإجراءات التشك إن .. إلا أنه كان يسير ببطء شديد جداً جداً.. بعد حوالي الساعة وصلنا إلى الكاونتر وأتممنا الإجراءات مع ابتسامات عريضة من الموظفين .. وتوجهنا فوراً إلى الجوازات.. ترددت قليلاً على مدخل الجوازات بسبب وجود عدد من العسكر الضخام عريضي المنكعين ولكنهم لم يتحدثوا إلى أحد فدخلنا بسلام آمنين .. ووقفنا في أحد الطوابير القليلة.
إن كان سير الطابور في السابق بطيئاً، فالبطء هنا كان قاتلاً.. أمامنا أقل من ساعة على إقلاع الرحلة.. ولكن ختم جواز واحد كان يستغرق أكثر من 10 دقائق. كان الوضع مماثلاً على كل الكاونترات، وجميع المسافرين يبدو عليهم الاستعجال فلم نطلب من أي منهم تجاوزه..
أصبحت الساعة 11 وربعاً عندما وصلنا أخيراً إلى نافذة الجوازات .. حيا زوجي الضابط وأعطاه الجوازات فبادره على الفور بسؤال :::: فهمنا منه كلمة معلوم وطابعة فقط...
النظرة على وجوهنا اثارت غضبه على ما يبدو.. فأعاد سؤاله بنبرة حادة مع رفع الجواز بطريقة مستفزة.. فانفعل زوجي طبعا وطلب منه أن يتحدث بوضوح لأنه لا يفهم ما يقول وطائرتنا على وشك الإقلاع . فهمنا أخيرا ان هناك ضريبة للمغادرة علينا دفعها وإلصاق طوابع على الجوازات على ما يبدو .. 30 دينار تونسي! لم نعرف عن ذلك ولم يخبرنا أحد به!
قال بأنه لا يأبه لذلك وعلينا الخروج من الصالة وتدبير الأمر والعودة إليه .. فطلبنا منه أن نتجاوز الدور عند عودتنا على الأقل..
لم تكن هناك فائدة من ذهابنا جميعاً.. فانطلق زوجي في رحلة الجري السريع للحصول على الطابعة الجبائية .. تأخر كثيراً وشعرت بأنني على وشك الاختناق.. فلم يكن من الوارد أن نتأخر يوما إضافيا بسبب ارتباطات العمل التي لا يمكن الاعتذار عنها ..وبدأت بلوم نفسي لأنني لم أعرف ذلك من قبل ..
عاد أبونا لاهثاً.. كان عليه إعادة صرف الدولارات إلى دينار تونسي ومن ثم شراء الطوابع .. ولدى دخوله صالة الجوازات من جديد.. رأى لوحة كبيرة واضحة تقول بأن على الأجانب دفع ضريبة المغادرة..
سألته كيف لم نر اللافتة عندما دخلنا .. فقال أنها كانت خلف مجموعة الرجال الذين وقفوا على المدخل بشكل مريب ولم نتمكن من رؤيتها !
عدنا إلى صاحبنا اللطيف، والذي لم يكن لطيفاً بأي حال وحبسنا أنفاسنا إلى أن ختم آخر جواز ! وهوووباااااااااااا .. انطلاق يا اولاد! اركضوا واتركوا أي فرد يتخلف عن الركب.. بيدبر حاله 
نسيت ان أخبركم بأن ذلك حدث الساعة الثانية عشر إلا عشر دقائق.. أي أن الطائرة بالحسابات الطبيعية أقلعت بالفعل. لم تكن هناك أية شاشات في صالة الجوازات ولم نسمع أي نداء أو غيره .. ولهذا كان لدينا أمل بأن الطائرة تنتظر عدداً من الركاب، من بينهم نحن
اعترضنا حاجز تفتيش.. اضطرنا حتى لخلع الأحذية.. ولأول مرة في حياتي تجاهلت الدور وتجاوزت بضع أشخاص دون اعتذار أو التفات وبعد الحاجز أشرت إلى الاولاد بعيني أن ينسوا موضوع لبس الأحذية من جديد فليس هذا وقتها 
واركض ياللي بتركض ... 
وبين متابعة اللافتات والشاشات لمعرفة مكان البوابة... وصلنا إلى بوابتنا ونحن في حال يرثى لها، لأفاجأ بكلمة retardés على شاشة فوق مدخل البوابة ...
نظرت إلى زوجي مستفهمة.. اليس معناها (تأخرت)؟ ,,, فبادلني النظرة بـ "جحرة" تعني "وانا شو بعرفني .. ثقافتي صيني" ... لم يكن هذا الوقت المناسب لأي حوار عائلي
دخلنا الصالة ووجدنا الجميع بالانتظار.. أعني وجدنا الرحلة تأجلت .. ساعة كاملة.. فتهاوينا على ما وجدنا من مقاعد وبدأنا بعدّ الأشخاص والأحذية والحقائب التي بقيت معنا ونحن نشعر بأن جبلاً ثقيلاً أزيح عن صدورنا..
ولكننا لم نكن نعرف ما ينتظرنا
|
|
|
|