منتديات رياض الأنس - عرض مشاركة واحدة - تونس.. حب من أول رحلة
عرض مشاركة واحدة
قديم 03-04-2018, 04:45 PM   #1


الصورة الرمزية السعيد
السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي تونس.. حب من أول رحلة



سم الله الرحمن الرحيم

تونس.. تلك الجميلة الخضراء القابعة كدرّة تتوسط تاجاً.. فهي تتربع وسط دول إفريقيا العربية، شبه ضائعة على الخريطة بين جاراتها الأكبر مساحة.. إلا أنها تجاريهنّ عراقة وجمالاً وتاريخاً مشرفاً وحاضراً واعداً..

كانت تونس واحدة من البلاد التي أتشوّق لزيارتها.. ولو فتح المجال لأذكر الأسباب لضاقت بي الصفحات، ولكنّ هناك علاقة حب طويلة الأمد بين فلسطين وتونس، وبين شعبي البلدين.. ورغم أني لم أسمع عن تونس ممّن زاروها أبداً، ولا أعرف أحداً سافر إليها وحدّثني عنها ليزيدني لها شوقاً، إلا أنني كنت أتحرى اليوم الذي أتجول فيه بين بيوتها البيضاء وناسها الطيبين..

سنحت الفرصة أخيراً وقمنا بإجازة عائلية، قصيرة وسريعة جداً، إلى تونس الرائعة في أغسطس الماضي.. وسأحاول في هذا التقرير أن ألقي الضوء على وجهة سياحية لا تحظى بما تستحق من تعريف في بلادنا العربية .. فرغم الفترة القصيرة والظروف التي عاكست برنامجنا، كانت تلك من أجمل الرحلات التي قمت بها مع عائلتي.. وأصبح في قائمة ذكرياتنا الجميلة بلد رائع وأصدقاء في غاية الطيبة، ووجهة مدهشة سنعود إليها كلما سنحت الفرصة.

أعود قريباً بإذن الله مع التفاصيل وحتى اكتمال الجزء الأول -قريباً- تفضلوا كوب الشاي التونسي بالصنوبر ...





نبدأ الحكاية ولا بد أن نعود إلى البداية. كما قلت أنني رغبت دوماً بزيارة تونس (والمغرب التي لا زالت على قائمة الأمنيات).. ولكن كان العائق، كالمعتاد، طلب التأشيرة من حملة الجوازات الأردنية، وكنت قد سألت عدداً من زملائي ومعارفي كثيري الأسفار عن مدى صعوبة الحصول عليها فأخبرني أحدهم بأن التأشيرة التونسية كانت الوحيدة التي لم يتمكن من الحصول عليها رغم سفره إلى ما يقارب 50 بلداً حول العالم.

المشكلة الثانية كانت الاضطرابات التي سادت فترة الثورة وما بعدها بقليل، ثم الأعمال الإرهابية التي استهدفت السياح وآخرها في شهر مارس الماضي على ما أذكر .. وهي بالتأكيد أضرت بالاقتصاد التونسي والسياحة ضررا شديداً.

ولكن حلمي في زيارة تونس عاد إلى مقدمة الأمنيات عندما أعفي المواطنون الأردنيون من تأشيرة الدخول إلى تونس ، وهكذا لم يتبقّ سوى إيجاد وقت مناسب بين زحمة الأعمال والمدارس ..وإقناع زوجي بتجربة جديدة!



- تونس؟؟ إيش فيها شي مميز تونس؟

- ما بعرف، بس هي حلوة، و..

- نروح لآخر الدنيا عشانها حلوة؟ والاولاد .. ؟

- أعطيني يومين بس.



طبعا هذا الحوار الذي دار بيني وبين زوجي، ثلاث مرات يومياً على الأقل، وفي كل مرة كان يبدي رفضاً وتحفظاً على الفكرة. فإذا اصطحبنا أطفالنا معنا لا بد أن نجد فعاليات تناسبهم وإلا أرهقهم الملل وأرهقنا "الزنّ"..



بدأت من حيث يجب أن أنطلق، بتحديد الوقت المناسب للحجوزات أصلا، وكنا قد تأخرنا كثيرا في اتخاذ قرار الإجازة. فما بين ضغط عملي وعمل زوجي، وهي أعمال حرة لا موعد لها ولا إجازات، وبين بدء الدراسة في 23 أغسطس، كان لدينا 3 أيام فقط! قررت تعطيل الأولاد يومين أو ثلاثة في بداية المدارس، وهو أمر لا أفعله عادة، وحددت الفترة بين 20 - 25 أغسطس.. قصيرة جدا ولكنها كل ما نملك من وقت !



عدت لإقناع أبو زيد، والذي يمازحه الكثيرون باسم "سيدي بوزيد" على غرار البلدة التونسية التي شهدت انطلاقة الثورة . "ما عندك فضول تشوف سيدي بوزيد؟" .. "انت بس اعطيني برنامج يناسب الأولاد وأوعدك إني أفكر بالموضوع"..




تفكر؟؟ انا فكرت وقررت خلاص يا سيدي.. هي بس "حتة" البرستيج قبل ما تدفع




وقع اختياري المبدئي على الطيران التركي. لا يوجد طيران مباشر من عمّان إلى تونس، ولهذا كان لا بد من الاختيار بين خيارات محدودة أفضلها التركي، يليها الطيران المصري.. في نفس الوقت قررت الإقامة في مدينة الحمامات التونسية .. لسبب واحد هو أن تكون هناك خطة بديلة في حال لم نجد أية أنشطة نقوم بها، فنقضي الوقت في السباحة والأكل والجلوس في الشمس..



بقي البرنامج، والذي كان بالفعل أمراً مرهقاً.. فالمنتدى لم يسعفني كثيراً في بحثي عن أنشطة في تونس العاصمة وما حولها، كما أن معظم المواقع الأجنبية والمنتديات السياحية تركز على جزيرة جربة والقيراون، ووقتنا لا يتّسع لكل تلك التنقلات. جلست مع نفسي جلسة مصارحة وتساءلت: " ماذا تريدين من تونس؟" .. لوهلة، فكرت أن أغير الوجهة إلى تركيا لأتجنب الإحراج والخسائر بلا داع، إلا أنني تذكرت أن ما أريده بالفعل هو زيارة سيدي بو سعيد، البلدة التونسية الصغيرة المطلة على البحر.. والتي تكتسي كل بيوتها بالأبيض والأزرق في منظر لم أنساه منذ رأيته في صور قديمة تعود إلى طفولتي.







عزمت على الثبات على رأيي، صليت الاستخارة وعدت إلى جهازي الذي أصبح معسكراً دائماً للبحث والتنقيب عن أنشطة تناسب العائلة. سألت أحد مشرفي المنتدى عن بعض المعلومات وحينها تذكرت فجأة أن أحد أعضاء المنتدى، واسمه محمد، كان قد أضافني لصفحته في موقع "فيسبوك" بعد أن قرأ تقريري عن رحلة ماليزيا. تذكرت أنه تونسي ولا زال في قائمة الأصدقاء.. فأرسلت له على الفور أستفسر عن بعض الأمور التي لم أجد لها جواباً في المواقع الإلكترونية.. وكانت تلك البداية الحقيقية لرحلة لن ننساها.



ساعدني محمد، مشكوراً، في وضع تصوّر أوضح للمسافات والتكلفة وغيرها، بل وفي حجز بعض الفعاليات مسبقاً، كما سأذكر لكم في سياق التقرير ان شاء الله.. وبهذا تمكنت من تقديم برنامج مبدئي يناسب أربعة ايام من الأنشطة المتنوعة لزوجي، والذي لا زال متردداً في الموافق



- أسعار التذاكر بدأت ترتفع ..

- خليني أفكر

- نحجز بعدين نفكر، شو رأيك؟ مقاعد الطيران التركي بدأت تنفد..

- انت دائماً متهورة، أعطيني يوم بس أفكر وأقرر..

- الفنادق .. الـ...

لا فائدة.. زوجي هو العنصر الحكيم في العائلة ولا يمكن أن يصدر قراراً دون دراسة جدوى وتفكير مطول. أعطاني الموافقة أخيراً، دون حماس في البداية، لكنني قلت له أن الأولاد سيستمتعون -على الأقل- بالسباحة وحسب، فوافقني الرأي وطلب مني البدء بترتيب الحجوزات

طبعا طارت المقاعد على الطيران التركي وطارت معها أسعار الطيران المصري.. بالكاد وجدت مقاعد بسعر 420 دينار (حوالي 2200 ريال/درهم) للشخص الواحد، مع ترانزيت بسيط في القاهرة. "أغلى من ماليزيا!"، كان هذا تعليق زوجي على سعر التذكرة فأخبرته بأننا تأخرنا بسبب ما يتمتع به من حب للتأني .. فليس الانتظار دوماً هو الخيار الصحيح.. ما علينا، بو طبيع ما يجوز عن طبعه

المرحلة الثانية كانت حجز الفندق، وبالطبع كانت الغرف تتلاشى أمام عينيّ والأسعار ترتفع سريعاً، فهو موسم الصيف. معظم الفنادق حجوزاتها غير مستردة، ولهذا لم أتمكن من اختيار فندق قبل الحصول على الضوء الأخضر ..



وقع الاختيار في النهاية على فندق سنتيدو السلطان Sentido Le Sultan، رغم أنني كنت معجبة جدا جداااا بفندق راديسون بلو الحمامات...كان الفيصل في القرار هو السعر، فغرف راديسون أغلى بكثير ونحن دفعنا حتى الآن ما يقارب 10 آلاف ريال للتذاكر فقط..

للأمانة، اخترت فندق سنتيدو بناء على صور الغرف لأني أعجبت بالديكور والألوان. حجزنا غرفة عائلية لأربعة أشخاص، شاملة كل الوجبات والمشروبات all inclusive، وهو خيارنا المفضل عند الذهاب في إجازة استرخاء صيفية. أما بركة السباحة والمرافق الأخرى فقد بدت لي شبيهة بغيرها من الفنادق الأخرى في الحمامات.





كما تلاحظون، الغرفة تقريبا عبارة عن غرفتين يفصل بينهما باب سحاب.. تتسع لأربعة أشخاص كبار.


سعر الغرفة لخمس ليال كان حوالي 1200 دينار أردني (6 آلاف درهم/ريال) تقريباً، تم خصمها فوراً عند الحجز.

وكما أخبرتكم سابقاً، أعددت بعض الحجوزات، طبعت بعض المعلومات، وبقيت على اتصال مستمر مع محمد، والذي أصرّ إصراراً تاماً على أن يأتي للمطار لاصطحابنا بسيارته إلى الفندق. المسافة من مطار قرطاج الدولي في تونس إلى مدينة الحمامات حوالي 80 كيلومتر، وكنت أحاول اتخاذ قرار بشأن استئجار سيارة أو تاكسي من المطار، عندما قال لي أنه قادم إلى المطار في كل الأحوال حتى وإن لم نوافق على عرضه لتوصيلنا! وافقنا على عرضه خجلين من كرم شخص لا يعرفنا إلا عن طريق الإنترنت، ولكن بعد ان عرفنا محمد وعائلته أدركنا أن التوصيلة كانت جانباً بسيطاً جداً من كرمهم الذي غمرونا به من قبل وصولنا وحتى لحظة مغادرتنا!

بعد الانتهاء من الحجوزات والاستعدادات الأخرى، بقيت 4 أو 5 أيام على موعد السفر انشغلنا خلالها بالعمل وشؤون أخرى. وكلما عرف أحدهم أننا سنذهب في إجازتنا السريعة إلى تونس، رمقني بنفس النظرة يتبعها السؤال :"شغل؟" .. "لا والله سياحة".. "حدا بيروح على تونس؟!!" ..


أرهقتني تلك النظرة السلبية لبلد لا يعرفه الكثيرون عندنا ، ودعوت الله أن تخيب ظنونهم وتصدق توقعاتي بأننا سنقضي إجازة جميلة في بلد طيب.


كلما سمعت اسم تونس، عادت بي الذاكرة إلى أوائل الثمانينات، حيث كنت طفلة صغيرة و سكنت مع أسرتي بيتا صغيراً في شارع تونس بمنطقة حولّي في الكويت. ورغم أننا تركنا الكويت قبل 30 عاماً تماماً، إلا أنني لا أنسى معالم الشارع الذي كنت أرى فيه عالمي الكبير.. شارع تونس.

قبل السفر بقليل أرسل لي محمد رقم هاتفه لأتصل به بمجرد وصولنا، وسألني عن عدد الحقائب والأفراد ليقرر أي سيارة تناسبنا، فأسرته كلها الآن تعرف عن زيارتنا وتشاركه الترتيب للأمر!


آخر الترتيبات كان صرف العملة الأردنية إلى التونسية، ولم تكن مهمة سهلة فقد اضطررنا لزيارة أكثر من محل صرافة للحصول على مبلغ يكفينا يوما أو يومين، وحملنا البقية دولارات. الدينار الأردني يساوي حوالي 3 دنانير تونسية (2.8 تقريبا) ..





تغيرت العملة التونسية بعد الثورة عام 2011، وأصبحت تحمل صوراً لأعلام تونس وشخصياتها التاريخية .. وهذه بعض صور العملة الجديدة










جاء يوم السفر: الأطفال في قمة الحماس، وأنا في قمة التوتر. غادرنا المنزل في الثالثة صباحاً لأن موعد الطائرة في السادسة، وانتهينا من الإجراءات سريعاً قبل الصعود إلى الطائرة في موعدها. كانت الرحلة عموماً سلسة لم تشهد أية مشاكل والحمدلله، وفترة الترانزيت أقل من ساعة ونص.

وصلنا إلى تونس في الموعد تماماً، العاشرة والنصف صباحاً بتوقيتها الذي يتأخر عن توقيتنا في الأردن ساعتين. وجدنا طوابير هائلة على كاونترات الجوازات في المطار، والجميع يملأ استمارات ببيانات القادمين، فملأنا 5 استمارات على عددنا، ولكن التقدم بطيء جداً




فجأة فتح أحد الموظفين نافذة ونادى على زوجي وسأله : "من أين؟" فأجابه على الفور وإذا بالموظف ينادينا من بين العشرات لنختم جوازاتنا لديه . لا أعرف السبب حقيقة ولكني كنت ممتنة لهذه النقلة السريعة من قاعة الجوازات المزدحمة إلى ما بعدها، وسررت أكثر بوصول حقائبنا الثلاثة دون ضياع أي منها.

خرجنا أخيراً إلى منطقة استقبال القادمين، وخرج زوجي مع الأولاد سريعاً إلى الهواء الطلق، فقد قضينا حوالي 9 ساعات بين المطارات والطائرات وكنا بحاجة إلى هواء نقي وشيء من الحركة. في هذه الأثناء توجهت إلى كشك شركة أوريدو ooredoo للهواتف المتحركة لشراء بطاقة هاتف.


- "8 دينارات"

- بس؟؟

- ها؟؟

- آسفة، تفضلي ..

اشتريت خطاً به دقائق اتصال وحزمة إنترنت، للأسف لا أذكر تفاصيلها ولكنها كفتني وزيادة خلال 6 أيام الإقامة وسعرها طبعا ممتاز.

خرجت لألتقي الأولاد ووالدهم، وأنعشني الهواء العليل.. كانت الأردن حينها تتعرض لموجة حرارة غير مسبوقة، سبقتها موجة غبار لم نعهدها من قبل، فكان الجو في تونس، وإن مال إلى الحرارة في بعض الأوقات، تغييراً رحّبنا به جميعا

اتصلنا بمحمد الذي كان على بعد أمتار منا فقط، وحضر للقائنا مع خطيبته التي أصبحت على الفور صديقة عزيزة لي ولابنتي . كانت لحظة من اللحظات النادرة في الحياة، والتي تشعر فيها بالألفة مع أشخاص تراهم لأول مرة. الأطفال طبعا انسجموا على الفور وأثقلوا رأسي مضيفينا العزيزين بالأسئلة والتعليقات والكلام، حتى قبل أن نصل إلى السيارة .


 
 توقيع : السعيد



رد مع اقتباس