منتديات رياض الأنس - عرض مشاركة واحدة - ذائقة نورانية رسائل الايمان
الموضوع: ذائقة نورانية رسائل الايمان
عرض مشاركة واحدة
قديم 11-07-2017, 09:25 AM   #24


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: رسائل الايمان



أنت بخير.. ما بكيت من خشية الله ( 17 )



أنت بخير طالما بكيت من خشية الله، فالله سبحانه وتعالى الرحيم بعباده والعليم والبصير والعادل والحكيم، يعلم أننا لا نراه فى الحياة الدنيا، لأن هذا يفوق إمكانيات البشر فالله عندما أظهر نفسه للجبل انهد وتحول إلى حطام، وأيضا لحكمة لا نعلمها. ولذلك فإنه جل شأنه أهدانا وسائل مادية ملموسة، لنتأكد من التواصل معه، ولنتأكد من حسن علاقتنا به والتواصل معه، ومن ذلك نعمة البكاء من خشية الله. فهى وسيلة مادية ملموسة يمكن للمؤمن من خلالها أن يطمئن على إيمانه وأنه فى الطريق الصحيح. وهو اختبار سهل للغاية فى مقدور أى مؤمن، شريطة أن يحدث ذلك منفردا وخاليا إلى الله، حيث تنتفى احتمالات الرياء والمظهرية والادعاء، فمع الأسف علمنا نماذج من الشخصيات تبكى علنا أمام الناس خلال حديث دينى دون أن تكون صادقة. وهو اختبار تلقائى بمعنى أنك لا تحضر نفسك له ولا تحدد له ساعة، ولا تستعد له، ولكنك تجد نفسك فجأة فاضت عيناك كالمطر المفاجىء فى ساعة صيف! فهذا البكاء من خشية الله يأتى بصورة تلقائية من خلال الانقطاع والتوفر الكامل للعبادة فى لحظات أو ساعات محددة، فى حالة من التركيز بعيدا عن المؤثرات والانشغالات الخارجية، وفى حالة التوجه المخلص بكلية روحك إليه, ولذلك فهذا البكاء من خشية الله يأتى عادة خلال الصلاة أو تلاوة القرآن خاصة بصوت عال، حيث تتعاون حاسة النظر مع حاسة السمع مع حاسة حركة الشفاه واللسان، أو خلال الدعاء الحار إلى الله، أو بمجرد التفكر فى حكمة الله وعظمته بينك وبين نفسك. وهذا ما ورد فى القرآن الكريم: (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا) (مريم: 58) وأيضا: (قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِنقَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا،وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُرَبِّنَا لَمَفْعُولاً،َيَخِرُّونَلِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا) (الإسراء: 107-109) ولاحظ تعبير (خروا - يخرون) فلم يقل سجدوا، بل سقطوا بوجوههم سريعا إلى الأرض فهو رد فعل وجدانى انفعالى تلقائى فى حالة الانجذاب المغناطيسى.
وفى أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ما جاء عن سبعة يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله منهم (رجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه)، (عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله وعين باتت تحرس فى سبيل الله).
وقد كان يسمع لرسول الله أزيز كأزيز المرجل وهو يصلى باكيا لله خاصة فى النوافل، وكان يبكى إذا استمع تلاوة للقرآن، وعندما كانوا يدعونه لصلاة الفجر كانوا يجدونه أحيانا غارقا فى البكاء بعد نزول آيات من الله عليه. كذلك ترقرقت عينا رسول الله أثناء دخوله لمكة (فى فتح مكة) وليس عيبا أن تبكى من خشية الله أمام إخوانك أو أمام الناس، فالأمر يحدث عفو الخاطر وبدون ترتيب, ولكننى ذكرت البكاء المنفرد كعلامة أو اختبار صادق تماما على حسن العلاقة بالله. فإذا كنت لم تتعرض لهذه الظاهرة أبدا فأنت فى مشكلة كبرى, وهذا معناه أنك لا تتعبد بصورة كافية ومركزة، وإذا مر أسبوع أو شهر أو أكثر دون أن تتعرض لهذه الظاهرة، فعليك أن تراجع نفسك, وتعيد ترتيب خريطة يومك, فهذا معناه أن الانشغال بأحداث الدنيا اليومية يشغل فكرك ووجدانك عن أصل وجودك وهدف هذا الوجود.
إن تفجر العيون بالبكاء حبا وخشية من الله, يوصلك لحالة من انشراح الصدر والطمأنينة, وهو نوع من الاغتسال الروحى الذى يعيد خلقك خلقا جديدا، وتشعر أن روحك خفيفة تكاد تحلق فى السماء، وتشعر بحالة غير عادية من الشفافية والسعادة الداخلية, تشعر وكأن كل هموم الدنيا قد أزيحت من على صدرك، وتشعر أنك تتنفس بحرية وبعمق غير مسبوق، لذلك قال أحد العارفين بالله: (ما زلت أسوق نفسى إلى الله وهى تبكى حتى سقتها إليه وهى تضحك). فالبكاء يؤدى إلى حالة من انشراح الصدر وهو من أبرز علامات الإيمان والصفاء النفسى: (فَمَنيُرِدِ اللّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ وَمَن يُرِدْ أَنيُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءكَذَلِكَ يَجْعَلُ اللّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ) (الأنعام: 125)، فمن علامات الكفر الشعور بضيق الصدر والاختناق وكأن الهواء قد فقد الأوكسجين أو قل فيه إلى حد كبير. وكما أن الكفر درجات فإن الإيمان أيضا درجات، والمؤمن الذى لا يزيد إيمانه كل يوم, فمعنى ذلك أن إيمانه ينقص فلا توجد حالة من الثبات. وأكبر خطر يتعرض له المؤمن أن يظن أنه قد وصل إلى بر الأمان بصورة نهائية وحاسمة، وهذا يعرضه للغرور والتعالى، لأن معركة الكفر والإيمان، الخير والشر، حزب الله وحزب الشيطان، تظل محتدمة داخل كل نفس وأيضا داخل المجتمع, حتى النفس الأخير للإنسان أو الدنيا ككل. ولذلك قال رسول الله: (الشرك أقرب إليك من شراك نعلك)، والاستزادة من الإيمان، أشبه بالاستزادة بالمزيد من المياه لإطفاء نار الذنوب، ولتمدك بقوة إضافية مستمرة لمواجهة طواغيت الأرض. نحن نريد أن نغير وجه العالم بأن نمكن لدين الله فى الأرض، وهذا يقتضى الانخلاع النفسى من هذه الدنيا والتبتل إلى الله (راجع سورة المزمل) لنعد أنفسنا لإصلاح الدنيا، وهى عملية متواصلة أشبه بشحن البطارية بصورة دورية، أو أشبه بمخازن السلاح التى يرجع إليها المجاهدون أثناء المعركة للتزود بالمزيد من الأسلحة والذخيرة. وهذه هى المعادلة الصعبة نحن فى قلب الدنيا ولسنا فيها. نحن نصلح الدنيا ولكننا غرباء عنها، نحن نريد إقامة العدل ولكننا مجرد عابرى سبيل.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس