منتديات رياض الأنس - عرض مشاركة واحدة - ذائقة نورانية رسائل الايمان
الموضوع: ذائقة نورانية رسائل الايمان
عرض مشاركة واحدة
قديم 11-03-2017, 11:53 AM   #8


السعيد غير متواجد حالياً

بيانات اضافيه [ + ]
 رقم العضوية : 1095
 تاريخ التسجيل :  Oct 2017
 العمر : 49
 أخر زيارة : 11-22-2018 (07:57 AM)
 المشاركات : 12,670 [ + ]
 التقييم :  1432
لوني المفضل : Cadetblue
افتراضي رد: رسائل الايمان



الوقت.. ذلك السر الرهيب! (6)




بالأمس نمت 12 ساعة متصلة بدون أى انقطاع.. وعندما استيقظت قبيل الفجر أخذت أدقق النظر فى الساعة لأتأكد من هذه الحقيقة أين يقع العقرب الصغير؟ وأين يقع العقرب الكبير؟ كنت أتصور أننى غفوت لمدة ساعة أو ساعتين. وهذه ليست تجربة فريدة فهذا يحدث لكل منا عندما يستيقظ فلا يعرف كم مر من الزمن إلا عندما ينظر فى الساعة. وعلى المستوى الشخصى المباشر فقد شعرت بالسعادة فلقد سرقت من الدنيا نصف يوم دون أن تستطيع أن تنال منى؟! وكذلك سرقت نصف يوم من عقوبة الحكومة لى بالسجن؟! ولكن هذه أبسط الدلالات. فالوقت.. أو الزمن هو سر الحياة الرهيب. وما يحدث فى حالة اليقظة أهم بكثير مما يحدث فى النوم. فأنت تقول أثناء سير الحياة (لقد سرقنا الوقت) عندما يمر الوقت بأسرع مما تشعر. فالأحرى أن نقول أن الإحساس بالوقت هو السر الرهيب. فقد تمضى عليك الدقيقة وكأنها دهر ثقيل طويل، وقد يمر اليوم وكأنه برهة، حسب الظروف المحيطة. فإذا كنت سعيدا ومتوافقا مع نفسك وأحوالك ومشغولا بعمل ما أو بشىء تحبه فالزمن يمر سريعا، ولكن فى الملمات والظروف الصعبة واللحظات الكريهة فإن الزمن يكاد يتوقف أو يتحول إلى حالة من البطىء الشديد. وهكذا فإن الزمن يتحول إلى مسألة داخلية خاصة أنت الذى تصنعها، وتشعر بها وفقا لشخصيتك وتفاعلك مع الظروف المحيطة بك.
والزمن حالة خاصة جدا من صنع الإنسان وقدراته المحدودة.. فنحن نقسم الزمن إلى ماضى وحاضر ومستقبل. فى حين أن الحاضر مسألة وهمية! أو تكاد! فالحاضر بعد لحظة يتحول إلى ماضى. فأنا الآن أكتب رسالة ولكن السطور الماضية تحولت إلى ماضى! وهذا السطر سيتحول إلى ماضى بمجرد الانتهاء منه! وكل كلمة بل وكل حرف تكتب تتحول إلى ماضى بمجرد كتابتها, فالحاضر مجرد ذبذبات مستمرة تتحول أولا بأول وبسرعة البرق إلى ماضى!!
وأنا أستعد لكتابة رسالة مطولة حول الوقت، ولكن حتى ذلك الحين أقول إن أهم ما فى هذا الموضوع (الوقت) ما يتعلق بالعقيدة. فهذا الإحساس الذاتى والزائف بالوقت يجعلنا نتراخى فى العمل للآخرة، ونغرق فى الدنيا, فنحن يتملكنا إحساس زائف أن الدنيا طويلة وزمنها ممتد بصورة رهيبة، وعندما يكون الطريق طويلا فإنه يكون مبلغ همك وعلمك أن تنتهى منه ولا تفكر فيما وراءه. إحساسنا الزائف بطول زمن الدنيا يجعلنا ننشغل بها وبأمورها على حساب الآخرة، فالآخرة جد بعيدة ولا نراها ولا نعرف متى نصل إليها، والمرء يتلهى بما هو محيط به وكأنه مستمر أبد الدهر. وقد أشار القرآن الكريم مرارا إلى هذا المعنى حتى لا يغتر الناس بالدنيا، ومن ذلك: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا - أى الساعة - لَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) أى أن الدنيا سيصبح تقديرها عند كل إنسان مجرد نصف اليوم.
وهناك أمور غيبية يجب أن نسلم بها إذا وردت فى القرآن الكريم أو السنة. ولكن ليس ذلك هذا الشعور بالزمن، لأننا يمكن أن نختبر هذه الحقيقة فى حياتنا. فإذا كان عمرك عشرين عاما فما هو إحساسك بما مضى من حياتك إلا مجرد برهة, ونفس الشعور سيكون لديك عندما تكون فى الثلاثين أو الستين.. إلخ.
بمجرد انتهاء الزمن يتحول إلى ذكرى وتتحول الذكرى إلى لحظة أو مجموعة من اللحظات. هذا مجرد إحساس ولكنه إحساس صادق. طبعا يمكن لإنسان أن يكتب مذكرات حياته فى مئات الصفحات، ولكن يبقى أن إحساسه بالعمر الماضى مجرد برهة.
ويمكنك أن تختبر هذا الإحساس الواقعى فى الرحلات الطويلة.. فإذا ركبت القطار مثلا من القاهرة إلى أسوان ولم تكن فى عربة النوم، فإنك ستشعر فى البداية أن هذا الوقت طويل لن ينتهى إلا بشق الأنفس (12 ساعة) ونفس الشعور إذا سافرت إلى الولايات المتحدة بالطائرة (12 ساعة) ولكنك بمجرد وصولك يتحول زمن الرحلة إلى برهة.
وأحيانا يشعر الإنسان بمرور الزمن بصورة صادمة مفاجئة، عندما يجد شعرا أبيض فى لحيته أو رأسه، أو عندما يرى نفسه وقد أصبح جدا له حفيد، أو عندما يجد صعوبة فى الصعود على السلالم!
فإذا أضفت لكل ذلك، أن العمر غير مضمون، وقد تكون نهايته قبل متوسط الأعمار المعروف فى بلدك، سيزداد الأمر قصرا. لذلك إذا تجردت لهنيهة من مشاغل الدنيا وفكرت هكذا ستدرك مقولة الإمام على بن أبى طالب أن الدنيا (عمرها قصير) وأن الجدوى الاقتصادية - بمفاهيم العصر - للخلود فى الجنة لا تقارن بلحظات الدنيا. فليكن شغلك الشاغل أن تحولها إلى مزرعة للآخرة. ولا تضيع الوقت كثيرا فيما لا جدوى حقيقية منه. ولنأخذ من الدنيا حاجتنا الإنسانية المادية والروحية بالحد الأدنى المعقول لتيسير الأمر فيها، ولقتل إحساسنا الزائف بطول وقتها، وأفضل تعبير عن هذه الحالة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كن فى الدنيا غريب أو عابر سبيل) وغريب هنا معناها عدم الانغماس فى الدنيا إلى حد نسيان الآخرة، فلا تندمج فى الأحداث المباشرة وتنس الحدث الأكبر والهدف البعيد. أما عابر السبيل فهو يأخذ ما يحتاجه من أكل وشرب واحتياجات إنسانية, كمسافر عندما يمر على واحة أو محطة استراحة ثم يمضى فى طريقه. والحديث ذو شأن ويحتاج كما ذكرت لرسالة أطول.


 
 توقيع : السعيد

سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلهَ إِلَّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتْوبُ إِلَيْكَ


رد مع اقتباس