منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=5)
-   -   العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=9191)

السعيد 07-01-2018 06:02 AM

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الاول )

الموضوع : مفهوم الايمان (1)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
مقدمة :
أيها الأخوة الكرام، من سنوات عشر تقريباً: ألقيت في هذا المسجد المبارك دروسًا في العقيدة الإسلامية، وكان لها أثر طيب بفضل الله عز وجل، ثم بعد حين ألقيت سلسة دروس من كتاب العقيدة الطحاوية، وقد مضى على دروس العقيدة زمن طويل، والحاجة تشتد الآن إلى دروس أخرى في العقيدة، لأن العقيدة من أصول الدين، ولأن الدين أصول وفروع، والعقيدة أخطر شيء في الدين، فمن صحت عقيدته صح عمله، ومن فسدت عقيدته فسد عمله ، ولو لم يكن هناك من علاقة بين العقيدة وبين السلوك, فاعتقد ما شئت، ولكن ما من عقيدة إلا ولها منعكس على السلوك .
فلذلك: اعتمدت على الله عز وجل، وأردت أن أبدأ سلسلة من دروس العقيدة لها خصائص، من خصائصها: أنها تعتمد على الكتاب والسنة.
والنبي عليه الصلاة والسلام يقول:
(( تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ, لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا؛ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ رسوله))
[أخرجه مالك في الموطأ]
لا نريد عقيدة تأخذ من كتب الإغريق، ولا من أقيسة منطقية محضة، نريد عقيدة مأخوذةً من كتاب الله، ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم .
فنحن أمام سلسلة, أرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقني في شرح دقائق العقيدة الإسلامية، معتمداً على ما في الكتاب وما في السنة من آيات بينات واضحات، ومن أحاديث شريفة صحيحة .
ما الدليل من الكتاب على أن الناس رجلان؛ مؤمن وكافر؟ :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/01.jpg
أيها الأخوة، بادئ ذي بدء، الناس على اختلاف أجناسهم، وأعراقهم، وألوانهم، ومللهم, ونحلهم، وانتماءاتهم، ومذاهبهم، وطوائفهم، لا يزيدون على رجلين؛ مؤمن وكافر، وهناك أدلة كثيرة من الكتاب، فالله عز وجل يقول:

﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
[سورة الليل الآية: 5-10]
كأن الله سبحانه وتعالى جعل الناس فريقين لا ثالث لهما، إنسان صدق أنه مخلوق للجنة، وهذه العقيدة، بناء على عقيدته السليمة والصحيحة: اتقى أن يعصي الله، ومع اتقائه أن يعصي الله, بنى حياته على العطاء كثمن للجنة، فكان رد الإله عليه أنـه يسره لليسرى، قال تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾
الحسنة هي الجنة، وأبرز ما في العقيدة أننا مخلوقون للجنة، وأن الدنيا دار ندفع فيها ثمن الجنة، من خلال معرفتنا بالله وطاعتنـا له، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾
العقيدة الفاسدة أنه كذب بالجنة، وآمن بالدنيا فقط، لأنه آمن بالدنيا، ولم يتعدَ نظره إلى غيرها، ذلك مبلغهم من العلم، يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، لأنه آمن بالدنيا فقط، ليس بحاجة إلى طاعة الله، استغنى عن طاعة الله، ولما استغنى عن طاعة الله, بنى حياته على الأخذ لا على العطاء، وكان رد الإله عليه أنه يسره للعسرى . هذه حركة الإنسان :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْمُؤْمِنُ غِرٌّ كَرِيمٌ، وَالْفَاجِرُ خِبٌّ لَئِيمٌ))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
والآن: في آخر الزمان تمايز واضح جداً، كان هناك مئات الألوان بين الأبيض والأسود، الآن لونان صارخان، الآن مؤمن أو كافر، محسن أو مسيء، صادق أو كاذب, مخلص أو خائن، هناك تمايز بين الطرفين، ولي أو شيطان أو إباحي، رحماني أو شيطاني، من آهل الآخرة أو من أهل الدنيا، يخاف من الله أو يخاف ممن سواه، يسعى للآخرة أو يسعى للدنيا، هذا تمايز واضح كالشمس .
انظر إلى هذا المدح الرباني للمؤمن :
الله عز وجل في كتابه الكريم مدح المؤمنين أيّما مديح، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّداً وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 15]
يعني آمن بالآيات، لكن أعضاءه وجوارحه, أظهرت هذا الإيمان خشوعًا، وسجودًا وإنابة، وبكاء .
ما لوازم الكفر, وما لوازم الإيمان؟ :
يقول الله عز وجل:
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 18]
الحقيقة: أن خلاف المؤمن الكافر، لمَ لمْ يقل الله عز وجل: أفمن كان مؤمناً كمن كان كافراً؟ من لوازم الكفر الفسق، ومن لوازم الإيمان الاستقامة، ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا﴾
مستقيماً، كمن كان كافراً فاسقاً، ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾
من معاني الإسلام :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/02.jpg
المؤمنون ينتمون إلى جهة واحدة، انتماء المؤمنين إلى مجموع المؤمنين، لا تفرقة في ديننا :

﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾
[سورة البقرة الآية: 285]
في الحقيقة الدين واحد، والدين عند الله الإسلام، ولو قرأتم القرآن الكريم, لوجدتم أن كل الأنبياء من دون استثناء, وُصفوا في القرآن الكريم بأنهم مسلمون، الإسلام له معنى واسع ، وله معنى ضيق، المعنى الواسع: هو الاستسلام لله، إيماناً وطاعةً، والمعنى الضيق: أن تؤمن بالدين الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام، وبالقرآن الذي نزل عليه، وبالسنة التي جاء بها، أما كلمة الدين: فتعني الإسلام بمفهومه الواسع، فالله عز وجل يقول:
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾
[سورة آل عمران الآية: 19]
انظر إلى محتويات هذه الدائرة :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/03.jpg
إن الله يثني على المؤمنين:

﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
[سورة العصر الآية: 3]
ولكن الإيمان درجات، هناك إيمان لا يجدي، وهناك إيمان مُنْجٍ، وهناك إيمان مُسعد، تصور أن دائرة كبيرة جداً هي دائرة أهل الإيمان، فكل من آمن أن لهذا الكون إلهاً موجوداً، وواحداً, وكاملاً, فهو في هذه الدائرة، لكن إن لم يستقم على أمره, فلا ينفعه إيمانه، كإيمان إبليس تماماً:
﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ﴾
[سورة صاد الآية: 81]
آمن بالله رباً، وآمن به عزيزاً، وآمن به خالقاً، قال: خلقتني، وآمن يوم الآخر:
﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 14]
ما دام إبليس لم يطع الله عز وجل، واستنكف عن طاعته، فإيمانه لا يجدي، إذاً: مَا كلُّ من قال: الله خالق الأكوان ينجيه إيمانه، في هذه الدائرة الكبيرة دائرة صغيرة، هذا الذي آمن وعمل بإيمانه، آمن وعمل بمقتضيات إيمانه، آمن وحمله إيمانه على طاعة الله، هذا في الدائرة الثانية، وفي مركز الدائرة أنبياء الله عز وجل المعصومون، فإما أن يكون الإنسان خارج الدائرة، وهو الكافر والملحد، وإما أن يكون في دائرة الإيمان، لكن إيمانه لا ينجيه، وإما أن يكون في الدائرة الثانية، أي إيمانه ينجيه، وفي وسط هذه الدائرة الكبيرة مركز فيها أنبياء الله ورسله الذين هم قمم البشر، والقدوة للبشر، والذين عصمهم الله عز وجل، وأمرنا أن نأخذ عنهم .
من أيّ مادة في اللغة تشتق كلمة الإيمان؟ :
1-من الأمن :
أيها الأخوة، من أيّ مادة في اللغة تشتق كلمة الإيمان؟ من أمن، اطمأن، يعني ليس من طريق إلى أن تكون آمناً, مطمئناً, متوازناً, راضياً, متفائلاً, إلا أن تكون موصولاً بالله عز وجل، ذاكراً له، لقول الله عز وجل:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾
[سورة الرعد الآية: 28]
مستحيل، وألف ألف أَلف مستحيل أن تسعد وأنت معرض عن الله، لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
[سورة طه الآية: 124]
من المعلوم عند المؤمن :
ما من إنسان على وجه الأرض إلا ويتمنى السلامة والسعادة، وحينما يتحقق إذا كان موفقاً أن سلامة الإنسان في طاعة ربه، لأن أوامر الله عز وجل بمنزلة تعليمات الصانع، وما من جهة أجدر أن تتبع تعليماتها كالصانع، لأنه خبير، وقد قال الله عز وجل:
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾
[سورة فاطر الآية: 14]
فالمؤمن لا يسلم إلا بطاعة الله، ولا يسعد إلا بالقرب من الله . افتح هذا الملف واستنتج :
هذه الحياة بين أيديكم, قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
[سورة طه الآية: 124]
فقال بعض المفسرين: تساءل فما بال ملوك الأرض, والأرض كلها ملك لهم، ما بال أغنياء الأرض، والأموال بين أيديهم, والمعيشة الضنك لهؤلاء، وضيق القلب؟ الغافل عن الله, والعاصي لله، مهما كان قوياً أو غنياً في قلبه ضيق, فيما لو وزع على أهل بلد لكفاهم.
قال أحد العارفين بالله: الذي ترك الملك، كان ملكاً، وفر إلى الله عز وجل.
وقال بعضهم: لو يعلم الملوك ما نحن عليه, لقاتلونا عليها بالسيوف. الإيمان من الأمن.
لم المؤمن يتمتع بنعمة الأمن على غيره من بني جنسه؟ :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/04.jpg
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
[سورة الأنعام الآية: 81-82]
ما من إنسان على وجه الأرض يتمتع بنعمة الأمن حقيقة إلا المؤمن، لأنه أيقن أنه مع خالق السموات والأرض، وأن الله يراه، والذي يراك حين تقوم :
﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 219]
وأن الله سيكافئه، وأن الله يعده بجنة عرضها السموات والأرض، وأن الله يحفظه. من نعم الله على الإنسان :
تشتق كلمة الإيمان من الأمن، والأمن أكبر نعمة تسبغ على الإنسان، والدليل هذه الآية:
﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 81-82]
2-من التصديق :
تشتق كلمة الإيمان من التصديق، بمعنى:
﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 17]
أيْ: وما أنت بمصدق لنا، فإما أن نفهم الإيمان على أنه أمن, وراحة، وتوازن واستقرار، وسعادة, وسلامة، أو أن نفهم الإيمان على أنه تصديق لما جاء به الأنبياء والرسل.
المفهوم الشرعي للإيمان :
أيها الأخوة، أما المفهوم الشرعي للإيمان: فهو اعتقاد وإقرار وعمل، تعتقد أن لهذا الكون خالقاً ومربياً ومسيراً، وأنه موجود وكامل وواحد، وأن أسماءه حسنى وصفاته فضلى، وأنه خلق الإنسان ليسعده، وأن الدنيا دار فيها يتأهل الإنسان لجنة خلقه الله من أجلها، وأنه أرسل الأنبياء والرسل، وأنزل الكتب، وأنه خلق الملائكة، وأن كل شيء بفعله وقضائه وقدره ، هذا هو الإيمان .
فالإيمان اعتقاد، والإيمان اعتراف باللسان، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمد رسول، والإيمان سلوك، وأداء العبادات، وضبط الجوارح، وضبط الأعضاء، وضبط الدخل، وضبط الإنفاق، وضبط البيت، اعتقاد وإقرار وسلوك، لأن الكفر اعتقاد فاسد، وسلوك منحرف، هناك كفر اعتقادي، وهناك كفر كلامي، وهناك كفر سلوكي .
أتريد أن لا يضل عقلك وأن لا تشقى نفسك؟ لك ذلك :
أيها الأخوة، قال تعالى:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[سورة طه الآية: 123]
لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت، لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه : ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 38]
لا يخاف مما سيكون، ولا يندم على ما كان، هذه الآية غطت الزمان كله، أنت في هذه النقطة، لا تخشى مما هو آت، ولا تندم على ما فات، اجمع الآيتين، الذي يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت، فماذا بقي من سعادة الدنيا والآخرة؟ .
من أين جاءت حقائق الإيمان؟ :
أيها الأخوة، حقائق الإيمان جاءتنا عن طريق الوحي، نحن ديننا دين وحي، هناك من يصف الإسلام أنه تراث، الإسلام ليس تراثاً، إنه دين الله، هناك من يصف النبي بأنه عبقري، النبي نبي، لا ينبغي أن يطرح إلا على أنه نبي يوحى إليه، عندنا مسلَّمات، أساس ديننا الوحي ، وحي من السماء على إنسان معصوم بأحاديثه الشريفة، بيّن دقائق الوحي، وحي من خلال كتاب أنزل على قلب نبي معصوم، وبيان هذا النبي تفصيل لما في الكتاب، هذا هو أصل الدين ، لا هو ثقافة، ولا معطيات بيئة، ولا تفكير فلاسفة، ولا تنظير مصلحين، الدين وحي من السماء، وبيان من معصوم، الكتاب والسنة، وحي الله فيه الكليات، والسنة فيها التفصيلات.
ماذا ينتظر المؤمن إذا آمن بالله عز وجل؟ :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/05.jpg
1- أن ينصره الله على أعدائه :
أيها الأخوة, المؤمن هو الفائز، هو الناجح، هو الفالح، هو الموفق، هو المتفوق، هو الناجي، هو المعافى، هو المكافئ، ماذا ينتظر المؤمن إذا آمن بالله عز وجل؟ ينتظر المؤمن أن ينصره الله على أعدائه :
﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الروم الآية: 47]
2-أن يدافع عنه :
والمؤمن يدافع الله عنه :
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
[سورة الحج الآية: 38]
3-أن يكون وليه :
والمؤمن وليه الله :
﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
[سورة البقرة الآية: 257]
آية تركت أثراً في نفسي :
استمعت إلى آية قرآنية تركت في نفسي أثراً لا يوصف، الآية تقول:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 11]
وازن بين ابن له أب من أعلى مستوى، فهم، وعلم، وقدرة، وغنى، وحكمة، رباه أعلى تربية، ربى جسمه، وربى عقله، وربى نفسه، وربى ثقافته، فكان مثلاً أعلى، وتصور ابنًا شاردًا من مخفر إلى مخفر، ومن مكان إلى مكان، ومن سجن إلى سجن، ومن سقوط إلى سقوط، ومن فاحشة إلى فاحشة، الله عز وجل وعد المؤمنين أن ينصرهم على أعدائهم، ووعد المؤمنين أن يدافع عنهم. 4-أن يتولى هدايته :
والله سبحانه وتعالى يتولى هداية المؤمن :
﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة الحج الآية: 54]
5-أن لا يسلط الكافر عليه :
قد وعد الله المؤمنين بألاّ يسلط الكفار عليهم :
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾
[سورة النساء الآية: 141]
من أين الخلل؟ :
وازنوا بينكم وبين أنفسكم ، الوعد:
﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾
[سورة النساء الآية: 141]
إذا كانوا لهم علينا ألف سبيل وسبيل، والوعد أن ينصرنا على أعدائنا، فإذا انتصروا علينا فالخلل فينا، الوعد أن يدافع عنا، فإن لم يدافع عنا فالخلل فينا، الوعد أن يتولانا، فإن لم يتولنا فالخلل فينا، إيماننا ليس في المستوى الذي يستحق تحقيق وعود الله عز وجل.
6-وعده بالاستخلاف :
المؤمن وعده الله أن يستخلفه في الأرض :
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
[سورة النور الآية: 55]
وعدهم بالاستخلاف .
7-وعده بالتمكين :
﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾
[سورة النور الآية: 55]
وعدهم بالتمكن . 8-وعده بالتطمين :
﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾
[سورة النور الآية: 55]
وعدهم بالتطمين، والواقع المؤلم أنه لا استخلاف، ولا تمكين، ولا تطمين، إذاً: الإيمان الذي نحن عليه, ليس في المستوى الذي يستحق أن تتحقق وعود الله لنا.
9-وعده بالرزق الطيب :
وعد الله المؤمن بالرزق الطيب :
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة الأعراف الآية: 96]
10-وعده بالعزة :
وعد الله المؤمن بالعزة:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة المنافقون الآية: 8]
أما مشاهد الذل التي ترونها أحياناً من قبل أعداء المسلمين, فهذا شيء يتنافى مع حقيقة الإيمان، قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة المنافقون الآية: 8]
11-وعده بحياة طيبة :
وعد الله المؤمنين بحياة طيبة :
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
[سورة النحل الآية: 97]
هذه حقيقة الناس :
الناس رجلان؛ مؤمن وكافر، ومعنى الإيمان من الأمن، ومعنى الإيمان من التصديق، فالمؤمن يتمتع بأمن لا يتمتع به سواه، والمؤمن مصدق لما جاء به الأنبياء والمرسلون.
الإيمان بالمعنى الدقيق: اعتقاد، وإقرار، وعمل، وعود الله للمؤمنين في الدنيا تلوتها على مسامعكم .
هذا ما أعد الله للمؤمن في الآخرة :
فماذا عن وعود الله للمؤمن في الآخرة؟ قال:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً * خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً﴾
[سورة الكهف الآية: 107-108]
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ * خَالِدِينَ فِيهَا وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة لقمان الآية: 8-9]
بماذا يزيد الإيمان وبماذا ينقص؟ :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/06.jpg
أيها الأخوة، لأن الإيمان اعتقاد، ومن لوازم الاعتقاد: الإقبال على الله، والاتصال به، والتوكل عليه، والخشوع في الصلاة، ومحبته، والإخلاص له، الإيمان له مقتضيات، آمنت أن لهذا الكون إلهاً، من مقتضيات هذا الإيمان: أن تتجه إليه، وأن تقبل عليه، وأن تحبه، وأن تلتزم بأمره ونهيه، وأن تصلح شأن عباده، وأن تكون معطاءً خيّراً، لذلك الإيمان يزيد وينقص ، يبدو كحقائق لا يزيد ولا ينقص، الساعة الخامسة، هذه حقيقة ثابتة، لها معنى واحد، لكن الإيمان يزيد وينقص، بمعنى أنك في ساعة إقبال أو فتور، في حالة توكل أو عدم توكل، في حالة حب مع الله، أو في حالة قعود عن طاعة الله، فالإيمان يزيد وينقص، والدليل:

﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾
[سورة الأنفال الآية: 2]
طبعاً: الإيمان يزيد وينقص بالإقبال وعدم الإقبال، ويزيد وينقص بما تعرف عن الله عز وجل، فكل شيء عرفته عن الله فهو أكبر من ذلك، وهذا من معاني الله أكبر، يعني الله أكبر مما أعرف عنه، والأصل أن الله عز وجل لا يعرفه إلا الله، فكلما نمت معرفتك بالله عز وجل ازداد إيمانك، وكلما ازداد إقبالك على الله ازداد إيمانك، فالإيمان يزيد وينقص، قد يضعف الإيمان بالشبهات، وقد يضعف بالمعاصي، وقد يقطع المؤمن عن الله عز وجل بقواطع الذنوب، أو بقبائح العيوب، أو بشبهات لم يجد لها حلاً، فالإيمان في الأصل يزيد وينقص . إليكم هذه الأدلة من الكتاب على أن الإيمان يزيد وينقص :
الأدلة:
﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾
[سورة مريم الآية: 76]
﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آَمَنُوا إِيمَاناً﴾
[سورة المدثر الآية: 31]
﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾
[سورة الفتح الآية: 4]
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً﴾
[سورة آل عمران الآية: 173]
هذه من مسلَّمات العقيدة، أن الإيمان يزيد، يزيد كلما تأملت في آيات الدالة على عظمته، كلما اطلعت على خبايا هذا الكون, وأسرار هذا الكون، ودقة صنع الله عز وجل، كلما اطلعت على آياته الكونية والتكوينية والقرآنية ازددت إيماناً، وكلما أقبلت عليه أكثر ازددت إيماناً، ويضعف الإيمان بالشبهات التي لم تجد لها حلاً، أو لم تبحث عن حل لها، يضعف الإيمان بالمعاصي والمخالفات، فالإيمان يزيد وينقص . جدد إيمانك :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/07.jpg
الإيمان يحتاج إلى تجديد, لذلك: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
يزيد وينقص ويتجدد .



كيف نفهم هذا الحديث؟ :
عَنْ أَنَسٍ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ, وَوَلَدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
طبعاً: كلٌّ يدّعي أنه يحب الله أكثر من والديه، ومن ولده، ومن الناس أجمعين، ولكن هذا الحديث معناه عند التعارض، لو أن مصلحة بين يديك لا بد من نيلها إلا بمخالفة، فآثرت هذه المصلحة التي بين يديك على طاعة الله عز وجل، فأنت لا تحب الله أكثر من مصالحك, هنا يقول عليه الصلاة والسلام:
((لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَالِدِهِ, وَوَلَدِهِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ))
إذا اعتز الإنسان بأبيه، ولم يكن أبوه على حق, فإيمانه فيه خلل، إذا آثر أن يكون ابنه في مكان عالٍ، ولكن على حساب دينه فإيمانه فيه خلل . إليكم هذا الدليل من السنة على أن الإيمان يزيد وينقص :
ومن الدلائل من حديث النبي عليه الصلاة والسلام, على أن الإيمان يزيد وينقص, أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِ))
وهذا الحديث من أدق الأحاديث المتعلقة بالدافع الإنساني، أخيه يعني أخاه في الإنسانية ، الإسلام إنساني، وقد تجد بعض البلاد تعامل رعاياها معاملة راقية جداً، أما الشعوب الأخرى فيسحقونها، هذا ليس من شأن الإسلام إطلاقاً، الإسلام إنساني. ((حتَّى يُحِبَّ لأخِيهِ ما يُحبُّ لِنَفْسِ))
أخيه في الإنسانية، لأن المطلق على إطلاقه . هذا قول عمر بن عبد العزيز عن الإيمان :
لسيدنا عمر بن عبد العزيز قول رائع يقول: إن للإيمان فرائض, وشرائع, وسنناً، فمن استكملها استكمل الإيمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الإيمان .
الإيمان فيه عقيدة، وعبادة، وعبادة تعاملية، وفضائل، هرم العقيدة في أعلى هذا الهرم ، ثم العبادة، ثم التعامل، ثم الفضائل، فمن صحت عقيدته، وأتقنت عبادته، وسلم تعامله، وكرمت فضائله, فقد استكمل الإيمان، الإيمان يزيد .
انظر إلى أقوال الصحابة :
لقول سيدنا معاذ: اجلس بنا نؤمن ساعة .
سماع درس يزيدك إيماناً، الإطلاع على آية كونية يزيدك إيماناً، معرفة حديث رسول الله يزيدك إيماناً .
يقول ابن مسعود: اليقين الإيمان كله، الإيمان يقين، معلومات قطعية، حقيقة مقطوع بها، يؤيدها الواقع، عليها دليل .
ويقول ابن عمر: لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يدع ما حاك في صدره، ليس له اضطراب في الأفكار، ولا تردد، ولا ارتياب :
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾
[سورة الحجرات الآية: 15]
الريب يتناقض مع الإيمان، الشك يتناقض مع الإيمان، الوهم يتناقض مع الإيمان.
ويقول عمار رضي الله عنه: ثلاث مَن جمعهن فقد جمع الإيمان؛ الإنصاف من نفسه ، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار .
علامة المؤمن أنه منصف، بل ينصف الناس من نفسه، علامة المؤمن أنه إذا أخطأ يعتذر، ويقول: هذا خطأ مني، ينصف الناس من نفسه، من علامة الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من الإقتار .
وسيدنا عمر رضي الله عنه يقول: هلموا نزدد إيماناً، معناها دروس العلم، درس تفسير، درس حديث، درس عقيدة، درس سيرة، آيات كونية، سماع خطبة، قراءة كتاب، سماع شريط، هذا يزيدك إيماناً .
الآن الإقبال على الله، والاتصال به، وإتقان العبادة يزيدك إيماناً، الاطلاع على الشبهات، ولا تجد رغبةً في حلها يضعف إيمانك، الشكوك والشبهات والمعاصي والآثام تضعف الإيمان، والحقائق واليقينيات والطاعات تقوي الإيمان، فالإيمان يزداد وينقص، والإيمان يخلق في صدر أحدكم، يحتاج إلى تجديد.
وفي بعض الأحاديث:
((جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ))
ديننا دين وحي من السماء :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/08.jpg
أيها الأخوة، كما قلنا قبل قليل: الإيمان مصدره الوحي من السماء، نحن ديننا دين وحي من السماء، والوحي خطاب السماء إلى الأرض، وهناك أدلة لا تعد ولا تحصى على أن هذا القرآن الذي جاء به جبريل من عند الله عز وجل، ونزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم هو نفسه الذي بين أيدينا، دون أن يزيد حرفاً أو حركة، موضوع القراءات موضوع آخر، القراءات احتمال قراءة للرسم القرآني من دون تنقيط، فناداها مِن تحتِها، أو فناداها مَن تحتَها، هذا موضوع آخر، أما النص الذي نزل به جبريل على قلب محمد الأمين عليه أتم الصلاة والتسليم فهو الذي بين أيدينا، فديننا دين وحي، ولهذا البحث تفاصيل كثيرة.

إليكم هذه الأمثلة التي تشير على أن الدين الإسلامي وحي من السماء :
حينما تحدث الناس في عفة السيدة عائشة، لو أن الوحي من عند رسول الله، بعد ساعة جاءت آية وبرأتها، بقي هذا الاتهام أربعين يوماً، والنبي عليه الصلاة والسلام لا يملك أدلة إثبات، ولا أدلة نفي، إلى أن جاء الوحي، لو أن الوحي بيد رسول الله, لجاءت آية بعد خمس دقائق, برئت السيدة عائشة.
لو كان الوحي من عند رسول الله, لما ذكر آيات تعاتبه أحياناً، لو أن الوحي يأتيه وهو نائم, لظن أنه حلم، لكنه يأتيه جبريل وهو يقظان .
وفي بعض الأحاديث، في أشد أيام البرد يتصبب عرقاً، ولمّا ضمّه ضمةً كادت أضلاعه تختلف، ليس بقضية نائم، أو حلم، أو منام، وهو في أعلى درجات اليقظة, يأتيه جبريل .
أيها الأخوة، في صحيح مسلم, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ: ((بَيْنَمَا نَحْنُ جلوس عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ, إِذْ طَلَعَ عَلَيْنَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعَرِ، لَا يُرَى عَلَيْهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعْرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ، حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَسْنَدَ رُكْبَتَيْهِ إِلَى رُكْبَتَيْهِ، وَوَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخْبِرْنِي عَنْ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الْإِسْلَامُ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ إِنْ اسْتَطَعْتَ إِلَيْهِ سَبِيلًا، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَعَجِبْنَا لَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ، قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، قَالَ: صَدَقْتَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِحْسَانِ، قَالَ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ السَّاعَةِ، قَالَ: مَا الْمَسؤولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ، قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَاراتِهَا، قَالَ: أَنْ تَلِدَ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا، وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ، قَالَ: ثُمَّ انْطَلَقَ، فَلَبِثْتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عُمَرُ أَتَدْرِي مَنْ السَّائِلُ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: فَإِنَّهُ جِبْرِيلُ أَتَاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِينَكُمْ))
[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي في سننهم]
نحن ديننا وحي من السماء، أركان الإيمان، أركان الإسلام، الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، وعلامة الساعة أن تلد الأمة ربتها، يعني أم صالحة جداً تنجب فتاة، تتعلم هذه الفتاة، فإذا هي تصف أمها بأنه لا تعلم شيئاً، كأن هذه الأم ولدت ربتها، هذا في بعض معاني هذا الحديث.
ما أعلى درجات الإيمان؟ :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3333/09.jpg
الإيمان درجات، الإيمان كما قال عليه الصلاة والسلام، ففي الصحيحين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ))
أعلى مستوى الإيمان أن تكون موحداً، ألا ترى مع الله أحداً، ألا ترى جهة غير الله فاعلة في الكون : ﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾
[سورة هود الآية: 123]
﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾
[سورة الفتح الآية: 10]
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾
[سورة الزخرف الآية: 84]
﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 26]
ما أفضل درجات الإيمان وما أدناها؟ :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ، وَالْحَيَاءُ شُعْبَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ))
مشى إنسان في الطريق، فوجد شيئاً يؤذي المارة، فدفع هذا الشيء إلى طرف الطريق ، لماذا فعل هذا؟ إيمانه بالله، إنسان يركب مركبة، وهو في طريق سفر، وجد حجرًا كبيرًا، وقف، وأزاح الحجر إلى طرف الطريق، ما الذي دفعه لهذا العمل؟ إيمانه بالله، هؤلاء الذين يزيحون الحجارة من الطريق عباد الله عز وجل، وقد يسبب هذا الحجر حادثاُ مروعاً، إذاً أزاحه .
فالإيمان أعلى مستوى فيه أن توحد الله، وأن ترى يد الله فوق أيدي الخلق، وأن ترى الله عز وجل فعالا لما يريد، وأدنى مستوى أن تطعم هرة، أو أن تسقي هرة، أو أن تميط الأذى عن الطريق، هذا أيضاً من الإيمان، والحياء شعبة من الإيمان، والخُلق الحسن من الإيمان، الحياء واللطف والعفو هذه صفات المؤمنين . هذا الإيمان :
أيها الأخوة، الإيمان أن تؤمن بالله كما وصف نفسه، من غير تمثيل, ولا تأويل، ولا تعطيل، بل أن تنزه أسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى عما لا يليق بجلاله، بل أن تؤمن أن الله سبحانه وتعالى له أسماء وصفات كمّا علّمها النبي عليه الصلاة والسلام، ومصدر كل هذا العلم الوحي الكريم، لذلك وقع الوحي شديداً على النبي عليه الصلاة والسلام فقال له:
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾
[سورة المزمل الآية: 5]
كيف كان ينزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ :
يروي الإمام البخاري, عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا, أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
((يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ، فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِي الْمَلَكُ رَجُلًا، فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ))
قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ, وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا .
الصلصلة وقوع الحديد بعضه على بعض . ((وَهُوَ أَشَدّهُ عَلَي فَيَفْصِمُ عَنّي وَقَدْ وَعَيْتُ مَا قَالَ))
هذا شيء واضح وضوح الشمس.
وأخرج البخاري رحمه الله تعالى, في كتاب بدء الوحي, عن عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ, أَنَّهَا قَالَتْ: ((أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْمِ، وكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، وكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فيَتَحَنَّثُ فِيهِ -وَهُوَ التَّعَبُّدُ- اللَّيَالِيَ ذوات الْعَدَدِ، قَبْلَ أَنْ ينزع إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ, ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، حَتَّى جاءه الْحَقُّ، وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قلت: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ: قُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، قَالَ: فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ: -اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ-))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
هذا موقف السيدة خديجة بنت خويلد عندما علمت بأمر النبي :
أيها الأخوة، بعد أن جاء النبي عليه الصلاة والسلام الوحي وعاد إلى بيته، أخبر السيدة خديجة، التي كانت سكناً له، انتبه سيد الخلق، سيد ولد آدم، يأتيه الوحي, فيخبر زوجته ما جرى له، أناس كثيرون يرون نساءهم لا شيء، يخبر زوجته بأخطر حدث مر به، فينبغي أن تكون الزوجة محل خبرك، وأن تكون رفيقة في الطريق إلى الله عز وجل، أليس كذلك؟ أخبرها بما جرى.
الشيء الذي لا يصدق: أن هذه المرأة البطلة, يوم دخل النبي مكة فاتحاً, دعته بيوت مكة أن يبيت عندها، فقال: انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، وركز لواء النصر أمام قبرها, ليشعر العالم كله أن هذه المرأة التي في البيت لها نصيب من هذا النصر، لأنها كانت مثال المرأة التي أعانته على دعوته، وتنازلت عن حظوظها من أجل دعوته .
هذه المرأة، لم يأتِ الوحي بعد، ما جاء من الوحي إلا
﴿اِقْرَأْ﴾
قالت له السيدة خديجة: كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَ اللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ .
من أين جاءت بهذه القاعدة؟ لم يتنزل من الوحي إلا: ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
من أين جاءت بهذه القاعدة؟ هذه الفطرة . بشرى لك أيها الشاب الطائع لربك:
أقول لكم أيها الأخوة: شاب مستقيم, صادق، أمين، عفيف، يغض بصره عن محارم الله، لا يكذب، يعين على نوائب الدهر، يجب أن تعلموا علم اليقين: أن الله عز وجل لا يخزي هذا الشاب أبداً، فقير، غني، عنده بيت، ليس عنده بيت، ميسر له عمل، من دون عمل، ما دام إنساناً مستقيماً، صادقاً, أميناً، عفيفاً، يرجو رحمة الله عز وجل، لزوال الكون أهون على الله من أن يخيب ظن هذا الشاب، هذه قاعدة.
تقول هذه السيدة خديجة: كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَ اللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ .
ينبغي أن تطمئنوا أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[سورة الجاثية الآية: 21]
مستحيل، وألف ألْف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، ومستحيل، وألف ألف أَلف مستحيل أن تعصيه وتربح، ومستحيل أن يعامَل شاب مستقيم, عفيف, طاهر, صادق, أمين, كما يعامَل فاسق, عاص, غارق في لذاته وشهواته.
موقف فيه تقليد :
من أين جاءت السيدة خديجة بهذه الحقائق؟ من فطرتها، أنا هذا العبد الفقير تقليداً لهذا الموقف، إن رأيت شابًا مستقيمًا، يخشى الله، يحب الله، يسعى لخدمة الخلق, أقول له: أبشر، وليس عندي أي دليل على أن الله سيكرمه إلا حسن ظن بالله عز وجل، فقط أبشر، لن يضيعك الله عز وجل ما دمت مستقيماً على أمر الله، لن يضيعك الله عز وجل ما دمت خائفاً منه، لن يضيعك الله عز وجل ما دمت محسناً لخلقه، لن يضيعك الله عز وجل ما دمت موحداً له .
قف عند هذه الكلمة :
هذه كلمة ينبغي أن نقف عندها كثيراً،
((كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَ اللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ، وَتَكْسِبُ الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ))







.والحمد لله رب العالمين






السعيد 07-01-2018 06:06 AM

رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثانى )

الموضوع : مفهوم الايمان (2)







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
الصحابة كلهم عدول وعنهم نأخذ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثاني من دروس العقيدة، وكان محور الدرس الأول: مفهوم الإيمان, ولا زلنا في هذا الموضوع إن شاء الله تعالى .
أيها الأخوة الكرام, الصحابة الكرام أخذوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, وكانوا جميعاً عدولاً فيما نقلوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، لذلك يعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم والعصر الذي تلاه عصر التابعين، والعصر الذي تلا عصر التابعين هي العصور الثلاثة التي تعد عصوراً زاهية في تاريخ المسلمين، لذلك هذه القرون الثلاثة كما قال عليه الصلاة والسلام:
((خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم))
هؤلاء فهموا القرآن الكريم, وفهموا توجيهات النبي عليه أتم الصلاة والتسليم الفهم الصحيح، ولا يعقل أن يأتي أناس في آخر الزمان فيفهمون عكس فهمهم، فلذلك نحن فيما نختلف فيه أحياناً: نعود إلى فهم الصحابة الكرام لما جاء في القرآن الكريم، ونعود إلى فهم الصحابة الكرام لما جاء من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم . من مواقف الإيمان :
1-اتباع النبي :
أيها الأخوة الكرام, الموقف الأول من مواقف الإيمان: اتباع النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، بدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية: 31]
والصحابي الأول الذي قال عنه النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما طلعت شمس بعد نبي أفضل من أبي بكر))
هذا قال: إنما أنا متبع ولست بمبتدع .
بل إن الله سبحانه وتعالى أمر النبي عليه الصلاة والسلام أن يقول: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾
[سورة الأنعام الآية: 50]
وأمره أن يقول: ﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 50]
وأمره أن يقول: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة الزمر الآية: 13]
وأمره أن يقول: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً﴾
[سورة الجن الآية: 21]
وأمره أن يقول: ﴿لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً﴾
[سورة يونس الآية: 49]
فكلما عظم المنهج صغر الشخص، وكلما كبر الشخص صغر المنهج، فنحن معنا منهج من الله عز وجل؛ هو الكتاب والسنة، فأعظم إنسان في حياة المسلمين . ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾
أمرنا أن نتبعه، إذاً: اتباع النبي صلى الله عليه وسلم هو الإيمان، الإيمان أن تتبع النبي العدنان . 2- اتباع الصحابة الذين فهموا عن النبي بأعلى فهم وكانوا عدولاً في النقل عن رسولهم
مرحلة ثانية: علينا أن نتبع أصحابه الكرام الذين فهموا عنه أعلى فهم, وكانوا عدولاً في النقل عن رسولهم, وعن رسولنا صلى الله عليه وسلم، فقال تعالى:
﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 115]
يجب أن تعتقد :
ما أجمعت عليه الأمة أحد مصادر التشريع، لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
((لا تجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلاَلَةٍ))
لذلك يعد من العقيدة الإسلامية أن نعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم معصوم بمفرده، لأن الله عصمه، ولأن الله أمرنا أن نأخذ عنه، فكيف نأخذ عن غير المعصوم؟ مستحيل، عصمه وأمرنا أن نأخذ عنه، فهو لا يخطئ لا في أقواله، ولا في أفعاله، ولا في إقراره، ولا في مواقفه، ولا في صفاته، معصوم نأخذ عنه ما أمرنا, وننتهي عما عنه نهانا. دقق هنا :
يقول الله عز وجل:
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾
[سورة النور الآية: 54]
الآن دقق: لمَ لم يقل: قل أطيعوا الله ورسوله؟ فرق كبير بين أطيعوا الله ورسوله وبين: ((قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول))
يعني النبي عليه الصلاة والسلام يطاع استقلالاً من دون أن تربط أنره بآية، يطاع استقلالاً، لأن الله سبحانه وتعالى جعل كليات الدين في القرآن, وأوكل إلى النبي عليه الصلاة والسلام تفاصيل الدين، فهو مشرع، الشرع يستقى من كتاب الله, ويستقى من حديث رسول الله الصحيح . الحق لا يتعدد :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3334/01.jpg
ثم يقول الله عز وجل:

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 153]
الحق واحد لا يتعدد، أبداً، أما الباطل متعدد، لذلك أتت كلمة الصراط مفردة, وأتت كلمة السبل المنحرفة جمعاً . ﴿وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾
[سورة المائدة الآية: 16]
جمع: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾
الحق لا يتعدد, فإذا توهمت أن الحق متعدد, فالحق واحد, وما سواه باطل، لكن توهمت أن الثاني هو حق, الحق لا يتعدد، وينهانا الله عز وجل أن نختلف . أنواع الاختلاف :
قال:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 105]
أخواننا الكرام, عندنا اختلاف طبيعي حينما تقل المعلومات، اختلاف نقص المعلومات، وهذا اختلاف طبيعي، لا محمود ولا مذموم وصاحبه معذور، لكن هناك اختلاف قذر، بعد أن تأتي الحقائق، وبعد أن تتوضح معالم هذا الدين, من يختلف؟ فهو في نفسه مرض, قال تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾
[سورة الشورى الآية: 14]
كتابنا واحد، ونبينا واحد، وإلهنا واحد، والجنة حق، والنار حق، والآخرة حق، ونختلف؟ هذا اختلاف مصالح, واختلاف أهواء, واختلاف حظوظ، وهذا الاختلاف يعد من أكبر المعاصي:
﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 159]
لذلك: أي إنسان يحاول أن يشق صفوف المسلمين، وأن يقيم الفرقة بينهم، مهما ادعى لهذا الشق وتلك التفرقة من أهداف براقة:
﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾
من علامة الإخلاص :
أيها الأخوة, علامة إخلاصك: أنك تنتمي إلى مجموع المؤمنين، وعلامة ضعف إخلاصك: أنك تنتمي إلى فقاعة صغيرة، لا شك أن للأخ الكريم مسجد، شيء طبيعي، لكن انتماءه لمجموع المؤمنين، لا شك أن لكل واحد منا أم يحبها ويقدسها, لكن لا يستطيع أن يبخس أمهات الآخرين، يعني نحن تماماً كمدارس منهجها واحد، وكتابها واحد، والمدرسون في هذه المدارس لهم أساليب متنوعة في نقل هذه المعرفة للطلاب .
من مفاهيم الإيمان :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3334/02.jpg
أبرز ما في الإيمان الاتباع، في حقل الإيمان ما في تفرد، ولا في شذوذ, ولا في آراء شخصية، لأن الدين من عند الله، لأنه توقيفي، والإله كامل في وحيه، وكامل في تكليف النبي أن يشرح هذا القرآن الكريم، فلذلك: الدين لا يحتمل خطأ أبداً :

﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾
[سورة المائدة الآية: 3]
الدين لا يحتمل خطأ، فإما أن نعتقد جازمين, وهذا من لوازم الإيمان: أن القرآن كله حق، وأن حديث رسول الله الصحيح حق، وأن هذين المصدرين معصومان من الخطأ, هذا هو الإيمان، أنا في موضوع مفاهيم الإيمان .
أول مفاهيم الإيمان: الاعتقاد بعصمة مصدري هذا الدين؛ الكتاب والسنة الصحيحة، وثاني حقيقة من لوازم الإيمان: اتباع الكتاب والسنة .
ما المقصود: (فعليكم بسنتي في هذا الحديث)؟ :
ففي صحيح الترمذي عن العرباض بن سارية قال:
((وَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَلِيغَةً, ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ, وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ، فقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ الله! كَأَنّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدّعٍ, فَمَاذَا تَعْهَدُ إلَيْنَا؟ فقَالَ: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى الله, وَالسّمْعِ, وَالطّاعَةِ, وَإِنْ عَبْداً حَبَشِيّا, فَإِنّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي, فَسَيَرَى اخْتِلاَفاً كَثِيراً، فَعَلَيْكُم بِسُنّتِي -ومعنى سنتي: يعني أقوال النبي وأفعاله وإقراره وصفاته-, وَسُنّةِ الْخُلَفَاء الرّاشِدِينَ المَهْدِيّينَ تَمَسّكُوا بِهَا، وَعَضّوا عَلَيْهَا بِالنّوَاجذ, وَإِيّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأمُورِ، فَإِنّ كُلّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكلّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَة))
ما معنى هذا القول لابن مسعود؟ :
قال ابن مسعود: من كان مستناً فليستن بمن قد مات, فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة.
يعني الصحابي الذي مات, وقد رضي عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم, هذا مأمون من أن نفتن بأقواله، أما الحي قد يخطئ، وقد يجتهد، وترون وتسمعون كم من كتاب صدر, وفيه من الضلالات ما لا تعد ولا تحصى، فالأحياء يفتنون، أو يتوهمون، أو تأتيهم ضغوط، أو تأتيهم إغراءات، فكأن هذا الصحابي الجليل أدرك أن الشيء الذي مات عليه النبي هو السنة، أما المفتوح لغير المعصوم مظنة خطأ، مفتوح لغير معصوم .
اعرف قدر أجدادك :
أيها الأخوة, أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً, وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه .
((إن الله اختارني واختار لي أصحابا))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
أولئك قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.
((إذا ذكر أصحابي فأمسكوا))
مما يقتضيه الإيمان: أن تكف لسانك عن أن تخوض فيما يتناقله الناس، أو فيما يتوهمه الإنسان من أخطاء بعض الصحابة . لا اجتهاد في مورد النص :
وقال عمر: السنة ما سنه الله ورسوله، ولا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة .
السنة ما سنه الله ورسوله، أنت لاحظ هناك مشكلات كثيرة جداً, يعاني منها المسلمون، الصحابة الكرام هذه الموضوعات ما طرقوها أبداً، ولنضرب على ذلك مثل: خلق القرآن، هل بحث أصحاب النبي عليهم رضوان الله بموضوع خلق القرآن؟ كم كانت فتنة عمياء في العصور العباسية حينما جاء من يقول: إن القرآن مخلوق؟ هذا الموضوع بأكمله ما بحثه أصحاب رسول الله إطلاقاً .
وقال بعض الصحابة: لم يكن أحد أهيب لما لا يعلم من أبي بكر، ولم يكن بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر، وإن أبا بكر نزلت به قضية فلم يجد في كتاب الله منها أصلاً، ولا في السنة أثراً, فاجتهد برأيه, ثم قال: هذا رأيي فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني واستغفر الله .
الإمام أحمد بن حنبل, جاءه وفد من المغرب, ومعه 33 سؤالاً، أجاب عن 17 سئل والباقي؟ قال: لا أعلم، قال: الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم؟ قال: قولوا لهم: الإمام أحمد بن حنبل لا يعلم .
كلما كنت أكثر إيماناً, وأكثر ورعاً, تتهيب أن تقحم نفسك في موضوع لم تحط به علماً، لا تملك له دليلاً، فكلمة لا أدري وسام شرف لطالب العلم، وهذا الذي يتوهم أنه يعلم كل شيء لا يعلم شيئاً .
ما لوازم الإيمان؟ :
1- الاتباع :
من لوازم الإيمان الاتباع، اتباع من؟ اتباع المعصوم فيما أمر, والانتهاء عما عنه نهى وزجر، ثم اتباع أصحابه الذين شهد لهم بالفضل.
((فَعَلَيْكُم بِسُنّتِي, وَسُنّةِ الْخُلَفَاء الرّاشِدِينَ المَهْدِيّينَ تَمَسّكُوا بِهَا، وَعَضّوا عَلَيْهَا بِالنّوَاجذ))
[أخرجه أبو داود والترمذي في سننهما]
ومن نواقض الإيمان: الاختلاف . من مفاهيم الإيمان أيضاً :
الشيء الذي ينبغي أن يذكر في موضوع مفهوم الإيمان: أن الدين واحد، الدين لا يتعدد أبداً، الدين أن تخضع لله، الدين أن تطيع الله، الدين أن تصدق بوحي الله، الدين أن تكون محسناً، فالدين لا يتغير أبداً، لكن الشرائع تتغير، فالشريعة التي جاء بها موسى غير الشريعة التي جاء بها عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، وغير الشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، الشرائع متعلقة بالتطور، ومتعلقة بتعقب الحياة الاجتماعية، الدين واحد, والشرائع متبدلة :
﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾
[سورة آل عمران الآية: 19]
بالمعنى الواسع: أن تستسلم لله عز وجل، أن تخضع له، أن تطيعه، أن تحبه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾
من خصائص الإيمان :
أيها الأخوة, هذا الإيمان الذي محور هذا الدين العظيم له خصائص، من خصائصه: أنك إذا كنت مخلصاً, وهديت إلى الحق بتوفيق الله عز وجل, تشعر أن الحق لا يتعدد, ولا يمكن أن يتعدد الحق :
﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾
[سورة آل عمران الآية: 85]
لكن: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾
[سورة المائدة الآية: 48]
الشرعة والمنهج تتغير بتغير الأزمان، من نبي إلى آخر، بينما الدين هو عند الله الإسلام، يضاف إلى ذلك: أنه ما من نبي في القرآن الكريم إلا وصف بأنه مسلم، بمفهوم الإسلام الواسع، الاستسلام لله عز وجل, والأنبياء أخوة؛ أمهات شتى ودينهم واحد، كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه .
2- الابتعاد عن الغلو والتقصير :
من لوازم الإيمان: أن يبتعد عن الغلو وعن التقصير :
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾
[سورة النساء الآية: 171]
أن يبتعد عن الغلو وعن التقصير، الغلو في الدين؛ يعني أن تأخذ فرعاً من فروع الدين وتجعله أصلاً، أو أن تأخذ قضية جزئية وتجعلها قضية كبرى، أو أن تأخذ فصلاً وتجعله كتاباً، هذا هو الغلو، والغلو في الدين سبب تفرقة المسلمين، يعني كل إنسان يعتز بما عنده من الدين، ويزدري الفروع الأخرى، ويرى أن الدين كله هو اختصاصه, فهذه مشكلة كبيرة، هذه توقع الأمة في أزمات، وتوقع في مشادات، وفي خصومات, وتفتت شمل الأمة، وتضعف قوتها, وتذهب بريحها، فلا نغلو ولا نقصر . إليكم هذه الأمثلة التي تشير إلى قضية الغلو في الدين :
مضطر أن أضرب هذا المثل، خطيب في هذه البلدة, صعد المنبر, وقال: من يصرف مئة ليرة فقد أكل الربا، كيف؟ لأن النبي قال:
((يدا بيد وسواء بسواء))
فهذه المئة ليرة قطعة واحدة، استبدلها بأربع قطع, هذا غلو في الدين, ما أنزل الله به من سلطان، وصار هناك مشادة في هذا المسجد، يعني أوقعت الناس جميعاً في الربا، هذا غلو، وهناك أمثلة كثيرة جداً، يعني الإنسان حينما يغالي, و يريد أن يزدري دون أن يشعر، لا تبالغ، لا تغال, إن هذا الدين يسر, إن الله رفع عن هذه الأمة الحرج، إن الله رفع عن أمة سيدنا محمد الحرج، فحينما تأخذ الأمور بتشدد لا يحتمل، وبقسوة لا تقبل، وبفهم ضيق جداً.
يعني مثلاً النبي قال: البنت إذنها صمتها، إذا جاءك خاطب, وعرضته على ابنتك, فسكتت، فإذنها صمتها، في بعض المذاهب التي فيها غلو، لو أنها قالت: يا أبتِ أنا أوافق على الزواج من هذا الشاب، شاب جيد فيما أعلم، العقد باطل، لأنها تكلمت، أبلغ من السكوت كلامها، قبل منها السكوت فقط, فإن تكلمت فكلامها أبلغ . من الغلو :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3334/03.jpg
فتوى طُلِب مني البارحة أن أجيب عنها، أنه أنشئ صندوق عافية في محافظة, هذا عمل طيب، لكن في علماء قال: لا يجوز، لأن المريض لم يُملك المال، والله شيء عجيب، طيب: الإسلام ألا يجيز أن يوكل الإنسان إنساناً لدفع زكاة ماله؟ يجوز، فلو وكل صندوق العافية بإنفاق زكاة المسلمين، ثم إن الصندوق وكّل المريض بأن يعطي الأجرة للمستشفى، انتهت العملية .
أيام تشعر أن قضية الغلو في الدين عقبة أمام قبول الدين، هؤلاء المتشددون بلا مبرر، المتشددون بلا نص، أو بلا فهم مرن للنص، هؤلاء عبء على الأمة.
يعني: أحياناً خمسة أشخاص يجتمعون, يدفع كل إنسان ألف ليرة بالشهر, يعطون أول شهر لفلان خمسة آلاف, عنده مشكلة يحلها، قال: هذه حرام، والله لا أشعر أن هذه فيها حرمة إطلاقاً، لا فيها زيادة, ولا فيها ربا، ولا فيها حظ، عبارة عن تعاون، فالأشياء المألوفة جداً التي ليس فيها شبهة إطلاقاً، ولا تخالف أي نص فقهي، حينما نحرمها نكون قد غلونا :
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾
[سورة المائدة الآية: 77]
موقع خطر :
يوجد غلو أخطر بكثير والعياذ بالله، الزكاة فقط على الذهب والفضة, لأن النص هكذا، والذي عنده عشرون مليون دولار، ما في عليه زكاة، لأن هذا ورق، ألغيت الزكاة بهذه الطريقة، يعني هناك فهم -والعياذ بالله- لا يقبل إطلاقاً، فلذلك: الإيمان بين الغلو وبين التقصير، التساهل، عدم التدقيق، عدم الورع، عدم التطبيق.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 87-88]
موضوع الغلو والتقصير في السنة :
على موضوع الغلو والتقصير, في الصحيحين: عن عائشة رضي الله عنها, أن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, سألوا أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبادته في السر .
((جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا, فَقَالُوا: فأَيْنَ نَحْنُ مِنْ رسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وقَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ, وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ ولَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا, فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ, فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا, أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ, لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ, وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ, وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ, فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنّي))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ﴾
لا تغلوا ولا تقصروا، طبعاً هناك أمثلة كثيرة جداً على الغلو في الدين، لكن أبرز ما في هذه الأمثلة: أن تأخذ فرعاً صغيراً من فروع الدين, وتجعله أصلاً من أصوله، وتقاتل من أجله . من خصائص هذا الدين :
من خصائص هذا الدين العظيم: أن هذا الإيمان ينبغي أن يبتعد عن التشبيه والتعطيل, فالله سبحانه وتعالى قال:
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[سورة الشورى الآية: 11]
كل ما خطر ببالك فالله بخلاف ذلك، وبالمناسبة: قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
إذا أثبت الله لذاته العلية السمع والبصر, أنت لا ينبغي أن تنفي عن الله السمع والبصر، لا تعطل ولا تشبه، لذلك: في بالقرآن الكريم بعض الآيات القليلة التي تتحدث عن ذات الله عز وجل، نحن بين أن نفوض إلى الله معناه، أربع خمس آيات، ليس غير، بين أن نفوض لله معناها، يعني لها معنى يليق بكمال الله، أو أن نؤوّلها تأويلاً يليق بتأويل كماله أيضاً ، لكن ممنوع أن نشبه الذات العلية بشيء أخر، وممنوع أن نعطل صفة أثبتها الله لذاته، لذلك نحن فيما يتعلق بالذات الإلهية: لا نستطيع أن نضيف على القرآن, ولا على السنة شيئاً، نكتفي بما وصف الله ذاته العلية, وبما وصفه النبي، أما أن نخترع صفات ما أنزل الله بها من سلطان, هذا يتناقض مع مفهوم الإيمان . هذه الخطوط العريضة لخصائص الإيمان :
أنا أعطيكم الخطوط العريضة لخصائص الإيمان، الدين واحد, والشرائع متعددة, الآن: الغلو منهي عنه، والتقصير منهي عنه، تعطيل صفات أثبتها الله لذاته منهي عنها, وتشبيه الذات الإلهية.
يعني مرة واحد قال: إذا كان ثلث الليل الأخير, نزل ربكم إلى السماء الدنيا كما أنزل أنا، هذا شيء والعياذ بالله، لا تشبه ولا تعطل، وابتعد عن أن تشبه، أو عن أن تعطل، واكتف بما وصف الله صفاته العلية، والأكمل أن تفوض لله معنى هذه الآيات التي لا تزيد عن أصابع اليد المتعلقة بالذات الإلهية، العقل البشري لا يستطيع أن يحيط بالله عز وجل، يصل إليه ولا يحيط به .
3- أن لا تعتقد بالجبر :
الآن من لوازم الإيمان، ومفهومات الإيمان: ألا تعتقد أن الله أجبرك على أعمالك إطلاقاً، إذا اعتقدت بالجبر فعقيدتك فاسدة، لأنك إذا اعتقدت بالجبر, ألغيت الجنة, والنار, والثواب, والعقاب، ما ذنب هذا الذي أجبر على معصية في الدنيا أن يستحق جهنم؟ ما له ذنب ، فالذي يعتقد أن الله أجبر عباده على فعل المعاصي, من يعتقد هذا فهو فاسد العقيدة, الله عز وجل يقول:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 28]
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
[سورة الكهف الآية: 29]
﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 3]
﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾
[سورة البقرة الآية: 148]
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 148]
يعتقد المؤمن الصادق أن أفعاله مبعثها من اختياره، وأن فعلها من الله عز وجل, الفعل فعل الله، والباعث من اختيارك أنت، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾
[سورة البقرة الآية: 286]
الفعل فعل الله، والاختيار اختيار الإنسان، وأنت محاسب على اختيارك، لأنك لو اخترت الحق, والطريق الصحيح, لأعانك الله عليه, وهذا من قوله تعالى:
﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
[سورة الفاتحة الآية: 5]
أما إذا أصررت على عمل سيء, لأنك مخير, فإذا أصررت عليه, يمكنك الله منه من دون أن يكون على حساب أحد إطلاقاً .

الإيمان بين الترغيب والترهيب :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3334/04.jpg
المفهوم الصحيح للإيمان بين الأمن وبين اليأس, يعني أن تعبد الله رغباً ورهباً، أن ترجو رحمته، وأن تخشى عذابه، أي يكون في قلبك محبة وخوف وتعظيم، الإنسان لا يتحرك بالخوف فقط، كما أنه لا ينبغي أن يفهم الدين على أن الله سبحانه وتعالى لن يعذب أحداً، هؤلاء موجودون، يعني حسن ظن بالله غير صحيح, يعني نهى الله عنه، إنسان غرق بالمعاصي، يعني إنسان تارك الصلاة كلياً، ماله كله حرام، شارب خمر، يموت، تراه ابنته بالمنام وجهه يتألق نور، هذا كلام غير صحيح, أن تكون ساذجاً فتفهم أن الله لن يعذب أحداً، مع أن الله عز وجل يقول:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 92-93]
وبين أن تيأس من رحمة الله . ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ﴾
[سورة الزمر الآية: 53]
أن تعبده راجياً، وأن تعبده خائفاً، أن تعبده راغباً, وأن تعبده راهباً، رغباً ورهباً، راجياً وخائفاً، أن تذكر رحمته, وأن تذكر عذابه .
يا رب, أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك؟ قال: أحب عبادي إلي؛ تقي القلب, نقي اليدين, لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني وأحب من أجبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا ربي, إنك تعلم أنني أحبك, وأحب من يحبك, فكيف أحببك إلى خلقك؟ قال: ذكرهم بآلائي, ونعمائي, وبلائي، ذكرهم بآلائي كي يعظموني, وذكرهم بنعمائي كي يحبوني، وذكرهم ببلائي كي يخافوني.
أي لا بد من أن يجتمع في قلب المؤمن محبة وخوف وتعظيم، هكذا الإيمان، خوف ورجاء، أمل وخشية، طمع برحمة الله, وخوف من عقابه، وهذا كلام للدعاة، لا تجعل الخطبة كلها جهنم والنار والثعابين، طول بالك، وكل الحياة جنة، والله غفور رحيم، وافعل ما بدا لك، وشفاعتي لأهل الكبائر من أمتي أيضاً غلط، ينبغي أن توازن بين تخويف الناس بالنصوص والأدلة، وبين تطمينهم بالنصوص والأدلة، وكأن الخطيين ينبغي أن يتلازما في الدعوة إلى الله عز وجل؛ بين الأمن واليأس, بين الجبر وعدم الجبر, بين التشبيه والتعطيل, بين الغلو والتقصير, والدين واحد, والشرائع مختلفة .
نهاية المطاف :
أيها الأخوة, إن شاء الله مفهومات الإيمان دقيقة جداً, وسوف نأتي على موضوعات دقيقة جداً من موضوعات العقيدة، وأنا أقول وأكرر: أن أخطر شيء في هذا الدين هو العقيدة؛ إن صحت صح العمل، وما من انحراف في سلوك المسلم إلا بسبب ضعف في عقيدته, أو خطأ في عقيدته, فلو صحت العقيدة صح العمل، والعقيدة ميزان، والخطأ في الميزان لا يصحح، بينما الخطأ في السلوك يصحح، وزن الخطأ في الميزان لا يصحح, بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، فأفضل ألف مرة أن يكون الخطأ في السلوك, من أن يكون الخطأ في العقيدة.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن نتابع هذه الدروس في دروس قادمة .








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-01-2018 06:09 AM

رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثالث )

الموضوع : مقتضيات الايمان






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا, إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
من مقتضيات الإيمان :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الثالث من دروس العقيدة الإسلامية، الموضوع اليوم مقتضيات الإيمان، إذا كان إيمان المؤمن صحيحاً, فلهذا الإيمان مقتضيات, لا بد من أن تلازم الإيمان، فإذا ادعى أنه مؤمن، ولم يكن مطبقاً لمقتضيات الإيمان، فإيمانه ادعاء لا قيمة له إطلاقاً .
أيها الأخوة, من مقتضيات الإيمان: التصديق بكل ما جاء من عند الله، ولكن لهذا المقتضى شرح بسيط، أنت حينما نظرت في الكون, فوجدت أن في الكون حكمة، وعلماً، ورحمةً، وخبرةً، وقدرةً، وغنى، وأن هذا الكون لا بد له من خالق عظيم، وأن هذا الخالق العظيم أنزل على رسله الكتب, هذه الكتب من خالق الكون، فالذي خلق الأكوان هو الذي أنزل القرآن :
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 1]
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾
[سورة الكهف الآية: 1]
أنت متى تصدق بكل ما جاء في القرآن؟ بأنك آمنت بخالق الأكوان، وآمنت بأن هذا القرآن كلامه، فمن البديهي أن تصدق الله بكل ما يقول .
نقطة هامة :
أيها الأخوة, أن تأتي لإنسان لا يؤمن بعد بالله, ولا صدق بكل ما جاء بالقرآن, فهذا أسلوب في الدعوة غير صحيح، أنت حينما تدعوه بالإيمان بالله من خلال الكون، وحينما يؤمن إيماناً كما أراده الله عز وجل، ومن لوازم إيمانه: أن الله لم يدع خلقه بلا كتاب ومنهج ينبئهم, لماذا خلقهم؟ وماذا يريد منهم؟.
الآن: بعد أن تؤمن بالله موجوداً وواحداً وكاملاً، خالقاً مربياً ومسيراً، أسماؤه حسنى, وصفاته عُليا، بعد أن تؤمن, وأنه أرسل رسولاً، وأنزل كتباً، وأن الكتاب الذي بين يديك هو القرآن الكريم، دليله أنه كلام الله إعجازه، ودليل أن الذي جاء به رسول الله هو القرآن نفسه، لأنه معجز .
الآن: أي شيء تقرأه في القرآن الكريم, ينبغي أن تصدقه، وأي شيء يبينه لك النبي عليه أتم الصلاة والتسليم, ينبغي أن تصدقه، فالتصديق مرحلة تسبقها مراحل، رأيت عظمة الكون، وانتقلت منها إلى عظمة خالقها، ورأيت إعجاز القرآن، وانتقلت منه إلى الذي جاء به, الآن تصدق ما قاله الله في كتابه، وتصدق ما جاء به النبي في سنته .
إذاً: التصديق بكل ما جاء به القرآن الكريم، وبكل ما جاءت به السنة الصحيحة مرحلة لاحقة لمراحل عدة ينبغي أن تكون قبلها .
إن لم تكن مع أهل الحق فأنت مع أهل الباطل :
أيها الأخوة, الحقيقة: أن الأرض فيها حق وباطل، سوف نسمي هذين الشيئين المتقابلين، أو المتعاكسين الإثنينية، فيها حق وباطل، فيها خير وشر، فيها طاعة ومعصية، فيها إيمان وكفر، فالحقيقة الدقيقة: أنه إن لم تكن مع أهل الحق, فأنت مع أهل الباطل قطعاً، إن لم تستجب لله, فاعلم أنك تتبع هواك :
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
[سورة القصص الآية: 50]
يعني إن لم تكن هنا على هذا الخط الأول, فأنت على الخط الثاني قطعاً، لأنه ماذا بعد الحق إلا الضلال؟ طريق واحد لا ثاني له، وعن يمينه وادٍ سحيق، وعن يساره وادٍ سحيق، فإن لم تكن أنت على الطريق أنت أين؟ في أحد الواديين قطعاً، ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
ماذا بعد الحق إلا الضلال؟ : ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾
[سورة الجاثية الآية: 6]
ليس هناك خيارات، هناك خياران فقط؛ إن لم تكن على الحق فأنت متبع للهوى، إن لم تكن مع أهل الحق فأنت مع أهل الباطل، إن لم تتبع القرآن الكريم أنت تتبع الهوى . قف هنا :
﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾
[سورة التين الآية: 7-8]
يقول الله تعالى في الحديث القدسي:
((شتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني, وكذبني وما ينبغي له أن يكذبني، أما شتمه إياي فقوله: إن لي ولد, وأنا الله الأحد الصمد, لم ألد ولم أولد, ولم يكن لي كفواً أحد، وأما تكذبه إياي, وقوله: ليس يعيدني كما بدأني، وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته))
من لوازم الإيمان :
1-التصديق بما جاء في القرآن وما جاء في السنة الصحيحة
تصديقك بما جاء في القرآن من لوازم الإيمان، تصديقك بما جاء في القرآن, وما جاء في السنة الصحيحة, من لوازم الإيمان, ومقتضيات الإيمان، لذلك:
﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾
[سورة الشعراء الآية: 88-89]
القلب السليم: هو القلب الذي سلم من تصديق خبر يتناقض مع وحي الله، قد تظن القضية سهلة، لستَ مقتنعا بشيء جاء به القرآن، هذا كفر، لستَ مقتنعا بتوجيه نبوي بحديث صحيح، هذا كفر، إن لم تعتقد يقيناً أن الذي جاء به القرآن حق مطلق، وأن الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام فيما صح عنه حق مطلق، ففي الإيمان خلل، وهذا نوع من الكفر، ولكنه كفرٌ دون كفرٍ، أحيانا إنسان دون أن يشعر يقول لك: أنا لستُ مقتنعا بهذا الشيء، هذا الشيء فيه آية، هذا الشيء فيه حديث صحيح، إذا قال لك: لستُ مقتنعا بهذا الشيء، ومغطى بآية، لستُ مقتنعا بهذا الشيء، ومغطى بحديث, فهذا نوع من الكفر .
لكن كما قلت قبل قليل: لا بد من أن تؤمن بالله أولاً من خلال الثابت الأكبر وهو الكون، الكون مظهر لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، الكون تجسيد لأسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، فإذا آمنت بالله من خلال الكون، ثم آمنت بأن هذا القرآن كلامه من خلال إعجازه، ثم آمنت بأن الذي جاء بهذا القرآن المعجز هو رسوله, الآن ينبغي أن يصدق بكل ما جاء به القرآن، وبكل ما جاء به النبي العدنان، هذا اللازم الأول من لوازم الإيمان . 2- طاعة الله وطاعة رسوله :
المقتضى الثاني من مقتضيات الإيمان ومن لوازم الإيمان: طاعة الله عز وجل وطاعة رسوله، من أعجب العجب أن تعرفه ثم لا تحبه، ومن أعجب العجب أن تجبه ثم لا تطيعه .
تعصي الإله وأن تظهر حب ه ذاك لعمري في المقال شنيع
لـو كان حبك صادقاً لأطعت ه إن المحب لمن يحب يطيـع
لذلك: لا يعد عابداً لله من أطاعه ولم يحبه، ولا يعد عابداً لله من أحبه, ولم يطعه طاعة طوعية ممزوجة بمحبة قلبية، هذه العبادة.
هذه فطرة الإنسان :
أيها الأخوة، ما منا أحد على وجه الأرض إلا ويطلب السلامة والسعادة, إلا ويتمنى الفوز المطلق، النجاح، التفوق، التوفيق، التمييز، هذه فطرة الإنسان، الإنسان يحب أن يتناهى في الكمال، فيما يتصور طبعاً، لذلك الله عز وجل يقول:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً﴾
[سورة النساء الآية: 69]
إليكم هذه الآيات التي تشير إلى دعوة التلازم بين الإيمان والعمل الصالح ونحوه :
الفوز الأكبر أن تطيع الله عز وجل، إيمان بلا طاعة كلام فارغ، في مئتي آية في القرآن الكريم تلازمَ الإيمانُ مع العمل الصالح:
﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
[ سورة محمد الآية: 12]
﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾
[سورة فصلت الآية: 30]
تلازم الطاعة مع الإيمان، وتلازم العمل الصالح مع الدعوة إلى الله، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
[سورة فصلت الآية: 33]
لذلك: الله عز وجل ربط عطاءه بالعمل . ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾
[سورة الإسراء الآية: 19]
﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
المسلم حركي، أما الإسلام السكوني، جالس ببيته، لا يتحرك، لا يقدم شيء، لا يؤدي واجباته، يتابع الأخبار، يقيم الناس، فهذا ليس مؤمناً، الإيمان حركة . علام يرمز هذا الحديث؟ :
يقول عليه الصلاة والسلام فيما رواه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى, فقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ من يَأْبَى؟ قَالَ: مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ, وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
يعني حينما تعصي الله عز وجل كأنك ترفض دخول الجنة، وحينما تطيع الله عز وجل كأنك تدفع ثمن الجنة .
إذاً: من لوازم الإيمان الطاعة .
اعلم هذا الإيمان :
أنا مضطر أن أقول: هناك إيمان إبليسي، إبليس قال:
﴿ فَبِعِزَّتِكَ﴾
[سورة ص الآية: 81]
آمن بالله رباً، وآمن به عزيزاً، وقال: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 36]
آمن باليوم الآخر، وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾
[سورة الأعراف الآية: 12]
آمن به خالقاً، ولكنه إبليس عصى مستكبراً، إذاً: كل إنسان يؤمن ولا يطيع, فإيمانه إبليسي، يؤمن ولا يطيع، من لوازم الإيمان الطاعة، حجمك عند الله بحجم طاعتك له : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾
[سورة الحجرات الآية: 13]
لا يرفعك عند الله إلا طاعتك له:
سيدنا سعد, كان من أحب الأصحاب إلى النبي عليه الصلاة والسلام، كان إذا دخل عليه داعبه، يقول: هذا خالي، أروني خالاً مثل خالي، ما فدى النبي أحداً في حياته إلا سعد بن أبي وقاص.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ قَالَ:
((سَمِعْتُ عَلِيًّا يَقُول: مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ غَيْرِ سَعْدِ بْنِ مَالِكٍ, فَإِنَّهُ جَعَلَ يَقُولُ لَهُ يَوْمَ أُحُدٍ: ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي))
قال له عمر مرةً: يا سعد لا يغرنك أنه قد قيل: خال رسول الله، فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة إلا طاعتهم له، لا يرفعك عند الله إلا طاعتك.
أيها الأخوة, أما لو رفعت ألف شعار إسلامي، الآن في مدخل محل التجار: بسم الله الرحمن الرحيم، وبصدر المحل: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً، بمحل آخر: هو الرازق وأنا عبده، ارفع ألف شعار، وضع الآيات على جدران المحل، وضع المصحف بالسيارة تحت المرآة، معناها أنت مسلم، فإذا أطلقت بصرك في محارم الله, لا تنفعك كل هذه المظاهر، من لوازم الإيمان الطاعة, لذلك: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 71]
ليس الولي الذي يمشي على وجه الماء، ولا الذي يطير في الهواء، الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يراك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك.
3-أداء الفرائض :
من لوازم الإيمان: أداء الفرائض .
فإن القلب الذي عمر بالإيمان, تنطلق منه إشارات, لامتثال الأعمال الصالحة, والاجتهاد لأداء الفرائض، وأما من ادعى الإيمان بقلبه, دون القيام بالفرائض, فقد خدعه الشيطان .
في صحيح البخاري: من حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ, يَقُولُ:
((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ, وَبَيْنَهُمَا مُشَبَّهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ, فَمَنْ اتَّقَى الْمُشَبَّهَاتِ, اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ, وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ, كَرَاعٍ يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى, يُوشِكُ أَنْ يُوَاقِعَهُ, أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى, أَلَا إِنَّ حِمَى اللَّهِ فِي أَرْضِهِ مَحَارِمُهُ, أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً, إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ, وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ, أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ))
أداء الفرائض، ما عبد الله في الأرض بأفضل من أداء الفرائض . علام تشير هذه الأحاديث؟ :
روى الطبراني, عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال:
((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خمس من جاء بهن مع إيمان دخل الجنة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
((من حافظ على الصلوات الخمس على وضوئهن, وركوعهن, وسجودهن, ومواقيتهن, وصام رمضان، وحج البيت إن استطاع إليه سبيلاً، وأعطى الزكاة طيبة بها نفسه, وأدى الأمانة، قيل: يا نبي الله! وما أداء الأمانة؟ قال: الغسل من الجنابة, إن الله لم يأمن ابن آدم على شيء من دينه غيرها))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير]
من فعل هذه العبادات الخمس, فقد استوجب دخول الجنة، إذاً: من لوازم الإيمان أداء الفرائض.
((الصلاة عماد الدين, من أقامها فقد أقام الدين, ومن تركها فقد هدم الدين))
((بين الرجل والكفر ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر))
((الصلاة غرة الطاعات، ومعراج المؤمن إلى رب الأرض والسموات))
الصلاة هي الفرض المتكرر الذي لا يسقط بحال . 4-القيام بالواجبات والانتهاء عن المحرمات :
من لوازم الإيمان: القيام بالواجبات والانتهاء عن المحرمات, فلا يتم إيمان عبد إلا بقيامه بما أوجبه الله عليه، وانتهاءه عما حرمه الله عليه، طبقاً لما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام .
الفرائض معروفة: أقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، وحج البيت .
الواجبات: كل أمر أمرَ به النبي عليه الصلاة والسلام فهو واجب، لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
[سورة الحشر الآية: 7]
في الصحيحين: حَدَّثَنَا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ, فقَالَ القوم: مَا لَهُ, مَا لَهُ؟ فقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَرَبٌ مَا لَهُ, تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا, وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ, وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ, وَتَصِلُ الرَّحِمَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والنسائي في سننه]
إذاً: النبي الكريم أمر بصلة الرحم فهي واجب، أمر بعيادة المريض هو واجب, أمر بتلبية الدعوة، كل أمر في السنة يقتضي الوجوب، أنت كمؤمن من لوازم إيمانك: ينبغي أن تصدق الله بكل ما جاء به في القرآن، وأن تصدق النبي بكل ما جاء به في السنة, وينبغي بعد التصديق أن تطيع الله بالمعنى الواسع، ثم عليك أن تؤدي الفرائض الكبرى، ثم عليك أن تؤدي الواجبات التي وردت في السنة، أن تأتمر بما أمر، وأن تنتهي عما عنه نهى وزجر .
هذا نموذج من نماذج اللعب بدين الله :
لعن الرسول صلى الله عليه وسلم آكل الربا، وموكله، وشاهده، وكاتبه، والواشمة والمستوشمة، ومانع الصدقة، والمحلِلَ والمحَللَ له، يعني اللعب بدين الله، إذا طلق الإنسان زوجته طلاقاً بائناً بينونةً كبرى, لا تحل له إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره زواجاً طبيعياً، ثم يطلقها طلاقاً طبيعياً، أما أن نأتي بتيس لليلة واحدة، سمي التيس المستعار، أن نأتي بتيس لليلة واحدة يقارب هذه الزوجة، ويطلقها صباحاً, لتكون حلالاً لزوجها الأول, هذا لعنه رسول الله, لأنه لعب بدين الله .
العلم حرف, والتكرار ألف، هذا نموذج من نماذج اللعب بدين الله، لو أن إنسان أراد أن يسكن مع امرأة لا تحل له، مع امرأة أجنبية، ولتكن زوجة أخيه، يأتون بطفلة صغيرة رضيعة من أحد بيوت الحارة، وتأتي امرأة أخيه وترضعها، فإذا أرضعتها كانت أمها من الرضاع، يعقد على هذه الطفلة التي ترضع، إذاً هي زوجته، والتي أرضعتها أم زوجته, يطلقها بعد حين، تبقى محرمة أم الزوجة إلى الأبد، يسكن معها، هذا لعب بدين الله، هذا استخفاف بالشرع.
كثير في أشياء بدأت تحدث، أنا أرى أن منه زواج المسيار، مع أنه قضية خلافية، ما دام إحدى زوجات النبي عليه الصلاة والسلام قبيل وفاته: استأذنها أن تهب ليلتها لأختها عائشة لتحسن تمريضه، إذاً: قبلت هذه الزوجة أن تسقط حقها في المبيت مع رسول الله، الآن تقبل امرأة أن تتزوج زواج مسيار، لا نفقة، ولا مساكنة، لكن له زوجة مثلاً بالقاهرة، إذا في العام بكامله له سفرة للقاهرة, فعنده بيت وزوجة، من غير إنفاق، ولا مساكنة، ولا شيء، أسقطت حقها بالمبيت، وفي الإنفاق، هذا لعب بدين الله، طبعاً بهذه الطريقة أخرجنا الزواج عن مقاصده الشرعية.
يقدم لمسكين رغيف خبز, فيه خمسة آلاف ليرة، بعد أن يعطيه إياه, يقول له: أتعطيني إياه بـ25 ليرة؟ يعطيه إياه، ويكون قد استرد زكاة ماله، هذه الحيل الشرعية دليل الحمق والغباء والبعد عن الله عز وجل، لا أقول: هذه تتكرر، إنما كانت تقع فيما مضى.
لم يحب شخص أن يصلي الجمعة, وضع بفمه الثوم، من أكل الثوم فلا يقرب مصلانا ، انتهى، هذا لعب بدين الله، طبعاً نحن ذكرنا هنا التيس المستعار؛ المحلِل والمحللَ له .
5- المسارعة إلى التوبة :
المؤمن -كما قال عنه النبي عليه الصلاة والسلام- مذنب تواب، كل ابن آدم خطاء, وخير الخاطئين التوابون، والآية الكريمة:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 135]
إذاً: المؤمن يسارع إلى التوبة، المؤمن كثير التوبة، المؤمن يتوب من قريب، لا يسمح للذنب أن يتمادى، يتوب فور وقوعه بالذنب، إن المؤمن خلق مفتناً، تواباً، نسياً، إذا ذُكر ذكر.
من لوازم الإيمان: المسارعة إلى التوبة .
عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ:
((كُنْتُ رَجُلًا إِذَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا, نَفَعَنِي اللَّهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي, وَإِذَا حَدَّثَنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتَحْلَفْتُهُ, فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ قَالَ: وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ, وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ عَبْدٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا فَيُحْسِنُ الطُّهُورَ, ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ, ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ, إِلَّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ, ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ:
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ))
6- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :
من لوازم الإيمان: بعد أن صدق بما جاء به القرآن، وصدق بما جاء به النبي العدنان ، وبعد أن أطاع الله بكل ما أمر، وبعد أن أدى الفرائض، وأدى الواجبات، الآن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهي الفريضة السادسة .
أحياناً: يروق لبعض الصحفيين أن يقول: إنه ثمة سلطة تشريعية, وتنفيذية, وقضائية، وثمة السلطة الرابعة الصحافة، بيانًا لأهمية الصحافة .
هنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الفريضة السادسة، بل إن علة خيرية هذه الأمة: أن تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي اللحظة التي لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر فقدنا خيريتنا، أصبحنا كأية أمة خلقها الله عز وجل، الله عز وجل يقول:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾
[سورة التوبة الآية: 71]
ما هو المعروف؟ :
ما هو المعروف؟ تعريف المعروف دقيق، يعني الفطرة السليمة تعرفه ابتداء, الفطرة السليمة تعرفه بداهة، الفطرة السليمة تعرفه من دون تعليم، المعروف أن تكون زوجاً صالحاً, أن تكون بائعاً صادقاً، أن تكون صانعاً متقناً، أن تكون صادقاً إذا تكلمت، أن تكون أميناً إذا عوملت، أن تكون عفيفاً إذا ثارت شهوتك، هذا المعروف، ما تعارفت عليه الفطر السليمة، لذلك:
﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾
[سورة الشمس الآية: 7-8]
النفس الطيبة السليمة تعرف الخير بفطرتها، وتعرف الشر بفطرتها، إذا أحسنت تعرف أنها أحسنت، وإذا أساءت تعرف أنها أساءت .
بعض العلماء قال: الأمر بالمعروف دعوة للخروج من الشرك إلى الإسلام، ونهي عن المنكر, نهي عن عبادة الأوثان، هذا طبعاً تعريف ضيق، كل شيء يقربك إلى الله عز وجل فهو معروف، وكل شيء يبعدك عن الله عز وجل فهو منكر، كل شيء تعرفه الفطر السليمة معروف، كل شيء تنكره الفطر السليمة منكر . قف عند هذه الأحاديث :
((كيف بكم إن لم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر, قالوا: أوكائن هذا يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون، قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف، قالوا: أوكائن ذلك يا رسول الله؟ قال: وأشد منه سيكون, قالوا: وما أشد منه؟ قال: كيف بكم إذا أصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً))
-والله كان هذا-.
يكاد يصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً، لذلك في صحيح مسلم: عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: ((أَوَّلُ مَنْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ يَوْمَ الْعِيدِ قَبْلَ الصَّلَاةِ مَرْوَانُ, فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَةِ، فَقَالَ: قَدْ تُرِكَ مَا هُنَالِكَ، فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ: أَمَّا هَذَا فَقَدْ قَضَى مَا عَلَيْهِ, سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ, فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ, وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
إن لم تنكر المنكر بيدك, ولا بلسانك, ولا بقلبك, فاعلم علم اليقين: أنه ليس في قلبك حبة خردل من إيمان .
في رواية أخرى لهذا الحديث:
((وليس وراء ذلك حبة خردل من إيمان))
الدليل القرآني: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
[سورة العصر الآية: 1-3]
التواصي بالحق ربع النجاة، أتحبون أن تستمعوا إلى حديث يفسر لكم؟ لماذا حل بالمسلمين ما حل بهم؟.
هذا الحديث في مسند الإمام أحمد: عَنْ حُذَيْفَةَ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ, لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ, وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ, أَوْ ليوشكن الله عَلَيْكُمْ عقاباً منه, ثُمَّ تَدْعُونَهُ فَلَا يُسْتَجَيبُ لَكُمْ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
ألم يدع المسلمون في حرب العراق عشرين يوماً في كل الصلوات في المساجد، ولم يستجب لهم؟.
7- الدعوة إلى الله :
من لوازم الإيمان: الدعوة إلى الله, بالدليل القرآني:
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 108]
فإن لم تدع إلى الله على بصيرة, فأنت لست متبعاً لرسول الله، الآية الكريمة:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
[سورة فصلت الآية: 33]
يعني لا تجد على وجه الأرض إنساناً أفضل: ﴿مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
.
ومن كرم الله: أنه من دعا إلى هدى, كما قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح، الذي رواه الإمام مسلم عَنْ أَبِيهِ, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى, كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ تَبِعَهُ, لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا, وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلَالَةٍ, كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ, لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أوزارهم شَيْئًا))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما, ومالك في الموطأ]
ما هي التجارة الرابحة في القرآن الكريم؟ :
تفضل الله عليك، وهديت إنساناً إليه، أو كنت سبب هداية إنسان، هذا الذي كنت سبب هدايته, كل أعماله الصالحة إلى يوم القيامة، يعني تزوج امرأة صالحة بعد ما اهتدى، اختار امرأة صالحة، أنجب أولاد رباهم تربية إسلامية، والأولاد تزوجوا، كل أعمال هذا الذي اهتدى على يديك إلى يوم القيامة، كل أعماله وأعمال ذريته إلى يوم القيامة في صحيفة الذي هداه إلى الله، ما من عمل على وجه الأرض يفوق أن تكون سبباً في هداية إنسان، لأنه:
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾
[سورة المائدة الآية: 32]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الصف الآية: 10-11]
أربح تجارة، التجارة الآن يقول لك: أخذنا بالمئة عشرين، ممتاز، هناك شركات وزعت بالمئة سبعة، وخمسة، وأربعة، وثلاثة، وثمانية، وتسعة، عند الله بالمئة مليار، الإنسان قد يضع في فم زوجته لقمة, يراها يوم القيامة كجبل أحد . اعلم هذه الحقيقة :
مر النبي عليه الصلاة والسلام بقبر فقال:
((صاحب هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم, خير له من كل دنياكم))
هناك شركة في اليابان فيها أربعون ألف عامل، أرباحها تساوي الدخل القومي لدولة عددها خمسون مليونًا، شركة عمالها أربعون ألفًا، أرباحها السنوية تساوي الدخل القومي، كلمة دخل قومي مجموع كل الإنتاج لدولة فيها خمسون مليونًا، وهناك شركات عملاقة، شركات لها ميزانيات تفوق ميزانيات مجموعة دول .
قال: ((-هذا الميت- في القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفلكم, خير له من كل دنياكم))
اغتنم هذا الخير :
قال لعليّ:
((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا, خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح]
خمس قارات، الذي عنده حقول النفط كلها مثلاً، ما دخله هذا؟ يقول لك: ثلاثة ملايين برميل كل يوم، والبرميل 28 دولارا يومياً، لو أن واحد ملك كل حقول النفط في العالم، كم دخله اليومي؟!.
قال لعليّ: ((فَوَ اللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا, خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ))
رواية ثانية: ((خير لك من الدنيا وما فيها))
أعلى أنواع الإبل، فإذا أقنع إنسانٌ إنسانًا بالاستقامة، أقنعت إنسانًا أن يحضر معك درس الأحد، أو درس الجمعة، أقنعت امرأةً أن تتحجب، أقنعت إنسانًا ليصلي، هذه أكبر تجارة ، لذلك هذه صنعة الأنبياء.
أنا لا أستغرب أو أنا لا أعجب, أشد مما أعجب من إنسان لا يفكر أبداً أن يهدي الناس ، مع أن الإناء إذا امتلأ ينبغي أن يفيض على غيره، أنا لا أصدق أن مؤمنًا صادقًا لا يفكر بهداية أحد .
مرة أخ أنا معجب به جداً، لا يقرأ, ولا يكتب، ولا يحسن التكلم بكلمة، قال لي: اشتريت مئة شريط، ووزعتها على أقربائي، إعارة، قال لي: بعد سنة نصفهم أصبح في المسجد، هذا لا يملك أن يتكلم كلمة، لكن وجد أن يوزع، يعير . 8- موالاة المؤمنين والتبرؤ من الكافرين :
من لوازم الإيمان: مولاة المؤمنين والتبرؤ من الكافرين .
الولاء: الحب, والود, والمناصرة, والتأييد، أهم مقتضيات الإيمان: أن توالي المؤمنين ، وأن تتبرأ من الكفار والمشركين، أما إذا واليت الكفار فهذا ينقض إيمانك، أما إذا أعنتهم على المسلمين فهذا يجعلك مجرماً، أما إذا أعنتهم على قتلهم, هذا يجعلك في الدرك الأسفل من النار, لذلك: من لوازم الإيمان: مولاة المؤمنين والتبرؤ من الكفار والمشركين :
﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 55-56]
ولاؤك يعني محبتك، مناصرتك، تأييدك، تمنياتك بالنصر، ألمك لما يصيب المسلمون، هذا كله من لوازم الإيمان، تبرؤك وبغضك ونفورك من أهل الكفر والمعصية, هذا من لوازم الإيمان، أما إذا أحببت الكفار، وكرهت المؤمنين, فهذا من نواقض الإيمان، أما إذا أعنت الكفار، وخذلت المؤمنين, فهذا من الأعمال الكبيرة، أما إذا أعنتهم على قتل المؤمنين, فهذا من الأعمال الإجرامية، من لوازم الإيمان موالاة المؤمنين، ولو كانوا ضعافاً، ولو كانوا فقراء ، والتبرؤ من الكفار, ولو كانوا أقوياء وأغنياء، الله يقول: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
[سورة التوبة الآية: 71]
إن الله يحبنا أن نوالي بعضنا بعضاً، أن نتعاون، أن نتواصل، أن نتزاور، أن نتناصح ، أن نتبادل فيما بيننا، هذا الذي يحبنا الله من أجله, أما التبرؤ من الكفار. ففي قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 4]
ملخص الدرس :
1-من لوازم الإيمان: التصديق بما في القرآن الكريم، وما في السنة الصحيحة .
2- من لوازم الإيمان: مطلق الطاعة لله ورسوله .
3-من لوازم الإيمان: أداء الفرائض .
4- من لوازم الإيمان: أداء الواجبات .
5- من لوازم الإيمان: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
6- من لوازم الإيمان: الدعوة إلى الله .
7-من لوازم الإيمان: موالاة المؤمنين والبراءة من الكفار والمشركين .
من لم يفعل هذه فقد برئت منه ذمة الله، من فعل عكسها انتقض الإيمان في قلبه .
نهاية المطاف :
أيها الأخوة الكرام, العقيدة أخطر شيء في الدين: إن صحت صح العمل، وإن فسدت فسد العمل، العقيدة ميزان، والخطأ في الميزان لا يصحح، بينما مفردات الشريعة وزن, والخطأ في الوزن لا يتكرر.
يعني: إنسان وقع في شبهة، أو وقع في بدعة، أو وقع في عقيدة فاسدة, أن يتوب منها، لكن سهل جداً لو كان الخطأ سلوكيًا تتوب منه، التوبة من خطأ سلوكي سهلة جداً، أما التوبة من عقيدة فاسدة -والعياذ بالله- فصعبة جداً، لأن الذي فسدت عقيدته, يتوهم أنه على صواب وحده، وأن ما سواه مخطئ .








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-01-2018 06:11 AM

رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الرابع )

الموضوع : الربوبية







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
ما معنى رباني؟ :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس الرابع من دروس العقيدة, وموضوع الدرس اليوم الربوبية، لأن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 79]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3337/01.jpg
ومعنى ربانيين: أنكم مؤمنون برب العالمين، طائعون له، محبون له، متقربون إليه، فماذا يعني الإيمان برب العالمين؟ ماذا يعني الإيمان بالربوبية؟ لماذا اجتهد بعض العلماء, فقال: إن كلمة رب من أسماء الله الحسنى, بل هو اسم الله الأعظم؟.
أيها الأخوة, معنى أن تكون ربانياً، معنى أن تكون مؤمناً برب العالمين: أن تقر بأن الله عز وجل هو الفعال المطلق، هو الذي خلق ودبر، هو الذي يغير، هو الذي يسير، هو الذي يزيد، هو الذي ينقص، هو الذي يحيي، هو الذي يميت، هو الحكم، هو المشرع، هو الضار، هو النافع, لا فعال في الكون إلا الله، هذا معنى أن تكون ربانياً، وهذا معنى أن تؤمن برب العالمين, والله عز وجل يقول:
﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾
[سورة يونس الآية: 31]
﴿لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾
[سورة الأعراف الآية: 54]
ما معنى رب العالمين؟ :
معنى رب العالمين الحكاية، أو معنى رب العالمين على الإعراب: أنه خالق، وأن الأمر بيده، له الخلق والأمر.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3337/02.jpg
أيها الأخوة, معنى الرب أي المربي، من التربية، بل إن أقرب أسماء الله تعالى إلى الإنسان: اسم رب العالمين، هو الذي يربيك، هو الذي منحك نعمة الوجود، هو الذي يمدك بما تحتاج من هواء، وماء، وطعام، وشراب، وأهل، وأولاد، وعقل، وفكر، وتوازن، وأعضاء، منحك نعمة الوجود، ومنحك نعمة الإمداد، ثم دلك عليه، منحك نعمة الهدى والرشاد.
إذاً: الرب بمعنى المربي، من التربية والإصلاح، والرباني هو الذي يؤمن بهذا المربي، ويحب هذا المربي، ويخضع لهذا المربي، ويتصل بهذا المربي، ويخلص لهذا المربي ، ويتقرب إلى هذا المربي، هذا الرباني أمر إلهي، وكل أمر في القرآن يقتضي الوجوب:
﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 79]
قال ابن عباس: معنى ربانيين: أي حكماء علماء حلماء.
وقال الحسن: ربانيين؛ أي فقهاء، أي أهل عبادة وتقوى.
من معاني رب العالمين أنه المربي، ومن معاني الرب أيضاً أنه المالك، ماذا عبد المطلب؟ قال لأبرهة الأشرم, حينما أراد هدم الكعبة, قال: إني أنا رب الإبل، يعني مالك هذه الإبل، وإن للبيت رباً سيمنعك.
وأنا أطمئنكم، ذكرت هذا كثيراً، لا تقلقوا على هذا الدين، إنه دين الله الذي بيده كل شيء، هو الذي يحميه، ولولا أن هذا دين الله, لتلاشى من مئات السنين، ولكن ينبغي أن تقلق ما إذا سمح لك أو لم يسمح, أن تكون جندياً له.
الرب بمعنى المالك، ولكني أنا رب الإبل، وإن للبيت رباً سيمنعه، والرب بمعنى السيد ، حينما قال سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾
[سورة يوسف الآية: 50]
أي إلى سيدك، الرب هو المربي، والرب هو المالك، والرب هو السيد.
من مقتضيات أن تكون ربانياً مؤمناً برب العالمين :
1-أن تؤمن أنه لا خالق إلا الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3337/03.jpg
أيها الأخوة, ماذا يعني أن تكون ربانياً؟ وماذا يعني أن تؤمن برب العالمين؟ يجب أن تؤمن أنه لا خالق إلا الله، فكل من آمن أن أحداً غير الله, ينشئ شيئاً من العدم فهو كافر، لذلك قلما تسمع من مؤمن كلمة خلقتُ، وكثيراً ما تسمع من كافر كلمة خلقتُ، لأن الله عز وجل يقول:

﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَا يُوقِنُونَ﴾
[سورة الطور الآية: 35-36]
أول بديهيات أن تكون ربانياً، وأن تكون مؤمناً برب العالمين: أن تعتقد اعتقاداً جازماً أنه لا خالق إلا الله، طبعاً كل شيء في الكون يدل على الله.
وفي كل شي له آية تدل على أنه واحد
من القواسم المشتركة بين كل البشر :
أيها الأخوة, يقول الله عز وجل:
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 54]
أيها الأخوة, لكن أن تؤمن أن لهذا الكون خالقاً, هذا شيء يكاد يكون قاسماً مشتركاً بين كل البشر، بدليل أن الله عز وجل يقول:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 61]
إلى أي جهة يتجهون؟ إلى أن جهة ينصرفون؟.
إذاً: من مقتضيات أن تكون ربانياً، أو أنك تؤمن برب العالمين: أن تعتقد أنه لا خالق إلا الله، إلا أنك إذا رأيت فئةً شاذةً قليلةً, محدودة العدد في الأرض, تتوهم أنه لا إله, فاعلم علم اليقين: أنه كلام فيه مكابرة، بدليل أن الله عز وجل يقول: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾
[سورة النمل الآية: 14]
أيها الأخوة, حتى الذي ينكر وجود الله عز وجل, ينكر هذا الوجود إرضاءً لجهة أو لمصلحة، أما في أعماق أعماقه, فهو يؤمن بالفطرة أن لهذا الكون خالقاً:
﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾
[سورة طه الآية: 49]
جاء التعريف الدقيق لرب العالمين من موسى لفرعون، قال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾
[سورة طه الآية: 50]
يعني خلق وهدى. ما الدليل على أن الله خلق السموات والأرض؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3337/04.jpg
الآن: أدلة أن الله خلق السموات والأرض، طبعاً الإنسان وهبه الله قوة إدراكية، وهذه القوة الإدراكية تتعرف إلى الأشياء بالأدلة، فما دليل أن الله خلق السموات والأرض؟ قالوا: هناك دليل الفطرة، يعني أي إنسان من دون تعليم، من دون توجيه, يعرف ابتداءً أن لهذا الكون خالقاً عظيماً.

إليكم هذه الأمثلة التي تبرهن على أن الإيمان بالله موجود بالفطرة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3337/05.jpg
مرة حدثني أخ, قال لي: سافرت بحكم عملي إلى جهة، فإذا بعاصفة اقتلعت ما يزيد عن مئةً وخمسين بيتاً زراعياً، ومعنى أن يدمر بيتًا زراعيًا, أي أن مئات الألوف خسرها صاحبها ثمن البيت، وثمن الغطاء البلاستيكي، قال: التقيت مع أناس من مشارب مختلفة، ومن طوائف مختلفة، ومن أديان مختلفة، ومع ذلك فكلهم يقول: إن المسيء دمر بيته, إيمان فطري.
فإذاً: بالفطرة يقول الإنسان: يا الله.
حدثني أخ كريم, يركب طائرةً إلى بلد, يؤمن في مجموعه أن لا إله، فالإلحاد مذهب رسمي في هذه البلاد، ودخلت الطائرة في سحابة مكهربة، وكانت على وشك السقوط، وعلى متن الطائرة عدد كبير من الخبراء, الذين يؤمنون أنه لا إله، أقسم لي بالله, أن معظمهم قال: يا الله.

أدلة الإيمان بالله :
إذا ركب البحر، وكان على وشك الغرق، أو ركب طائرةً، وكان على وشك السقوط, لا يدعو إلا الله، واسأل إنساناً ينكر وجود الله, لو جاءه مرض خبيث, يقول: يا الله، هذا الإيمان الفطري, لا يحتاج إلى دليل، ولا إلى تعليم، ولا إلى إعجاز علمي في الكتاب والسنة، ولا إلى شيء، أنت مؤمن بالله فطرةً, والدليل:
﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾
[سورة النمل الآية: 62]
المضطر يقول: يا الله.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3337/06.jpg
العقل يقول: لا بد لكل شيء من خالق، العقل يقول لك، وهذا شيء مجمع عليه: إن النظام يحتاج إلى منظم، والتسيير يحتاج إلى مسير، والخلق يحتاج إلى خالق، والحكمة تحتاج إلى حكيم، والبعرة تدل على البعير، والماء يدل على الغدير، والأقدام تدل على المسير، أفسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدلان على الحكيم الخبير؟.
هذا الإيمان العقلي، هل أنت مصدق أنه في مستودع للحديد, جئنا بمتفجرات وفجرناها، وفي نهاية التفجير طائرة بوينج 777، هل تصدق هذه الحقيقة؟ هل تصدق انفجاراً حصل في مطبعة المحصلة قاموس لاروس الأحمر, والأبيض, والأسود, والصور, ودائرة المعارف، والفعل, والفاعل، واسم مكان، هل يعقل ذلك؟.
هذا الذي يعتقد أن هذا الكون لا إله له, يحتاج إلى مستشفى للأمراض العقلية، هذا الدليل الثاني، والدليل الثالث دليل الشرع، يقول الله عز وجل: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 10]
وأما الحس فحينما يجاب دعاء المضطرين, يزداد يقين المؤمنين، قالوا: إجابة الدعاء من الله عز وجل يقوي العقيدة، الله سمعك.
ما وراء هذا المثال :
حدثني أخ, كنت في سفر إلى الساحل، فإذا بمسجد رائع بني في مكان بعيد عن البيوت، وكأنه للمسافرين، صليت به فريضة الظهر، فإذا برجل يدعوني إلى غرفة في المسجد ، وهو مدير المسجد، من حديث لآخر, أخبرني أنه هو الذي أنشأ هذا المسجد، أقسم لي بالله, أنه حينما انتهى من الخدمة الإلزامية قبل عشرين عاماً تقريباً, أخذ من أخته سِوارين من الذهب وباعهما، واشترى بثمنهما بطاقة طائرة إلى الخليج، قال لي: وأنا على متن الطائرة، ولم تتحرك شفتاي، ولم أنطق بكلمة, إلا أن خاطراً جاء لي: لو أن الله أكرمني هناك, لعمرت لله مسجداً في بانياس، قال: أقمت مدة لا بأس بها، وقد أكرمني الله كثيراً, جئت إلى بلدي، أنظمة عمارة المساجد تقتضي أن يكون المسجد ضمن المدينة، ضمن منطقة سكنية، أما في الفلاة فلا ترخيص، هكذا الأنظمة النافذة، رد طلبه, فالتقى بمسؤول كبير في المحافظة، وذكر له مشكلته، يرفع الهاتف، يخبر رئيس البلدية، يقول له: غض البصر عن بناء هذا المسجد، وبعد حين تحققت، أقسم لي أنه ما تكلم بكلمة خاطر.
فأنت حين تدعو الله ولو بقلبك، قال تعالى:
﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 3]
ويستجيب الله لك, يزداد يقينك بالله عز وجل.
أول مقتضيات أن تكون ربانياً: أن تؤمن أنه لا خالق لهذا الكون إلا الله، والأدلة فطرية، وعقلية، وتشريعية، وحسية. 2- يجب أن تؤمن يقيناً أنه لا مالك ولا متصرف في الكون إلا الله :
الآن من مقتضيات الإيمان برب العالمين، ومن مقتضيات أن تكون ربانياً: يجب أن تؤمن يقيناً أنه لا مالك ولا متصرف في الكون إلا الله، استمع إلى الأخبار، قد تتوهم أن زيداً قصف، وأن عبيداً قتل، وأن فلاناً هدم، يجب أن تعلم علم اليقين: أنه لا فعال إلا الله، وأن كائناً من كان لا يستطيع أن يفعل شيئاً إلا إذا سمح الله، والله يخاطب سيد البشر بقوله:
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ﴾
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾
[سورة الأنفال الآية: 17]
هذا الإيمان.
ذكر الله عز وجل في القرآن الكريم أحد الأنبياء الكرام يقول: ﴿فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾
[سورة هود الآية: 55-56]
الآن دققوا: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾
[سورة هود الآية: 56]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3337/07.jpg
فوحيد القرن أيضاً دابة، والله عز وجل أخذ بناصيتها:
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 56]
هذا الإيمان، لذلك الإيمان أمن وسلام، الإيمان راحة، الإيمان شعور أن علاقتك بالله، وأن الله مطلع عليك، ويعلم كل شيء، وهو يعلم السر وأخفى.
﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 189]
﴿وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾
[سورة هود الآية: 123]
﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
[سورة الزمر الآية: 63]
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 128]
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾
[سورة الأعراف الآية: 188]
ما محور هذا الحديث؟ :
أيها الأخوة, في مسند الإمام أحمد بسند صحيح, عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ الْهُجَيْمِيِّ, عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَلْهُجَيْمٍ قَالَ:
((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَامَ تَدْعُو؟ قَالَ: أَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ؛ الَّذِي إِنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَ عَنْكَ, وَالَّذِي إِنْ ضَلَلْتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ دَعَوْتَهُ رَدَّ عَلَيْكَ, وَالَّذِي إِنْ أَصَابَتْكَ سَنَةٌ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَ عَلَيْكَ, قَالَ: قُلْتُ: فَأَوْصِنِي, قَالَ: لَا تَسُبَّنَّ أَحَدًا, وَلَا تَزْهَدَنَّ فِي الْمَعْرُوفِ, وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ وَأَنْتَ مُنْبَسِطٌ إِلَيْهِ وَجْهُكَ, وَلَوْ أَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِكَ فِي إِنَاءِ الْمُسْتَسْقِي, وَاتَّزِرْ إِلَى نِصْفِ السَّاقِ, فَإِنْ أَبَيْتَ فَإِلَى الْكَعْبَيْنِ, وَإِيَّاكَ وَإِسْبَالَ الْإِزَارِ, فَإِنَّ إِسْبَالَ الْإِزَارِ مِنْ الْمَخِيلَةِ, وَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُحِبُّ الْمَخِيلَةَ))
بالمناسبة: دخل أعرابي على رسول الله، وهو بين أصحابه, فقال: ((أيكم محمد؟))
ماذا تستنبط؟ يعني ما كان متميزاً على أصحابه.
وفي رواية: قال أحد أصحابه: ((ذاك الوضيء))
عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَلْهُجَيْمٍ قَالَ: ((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِلَامَ تَدْعُ؟ قَالَ: أَدْعُو إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ؛ الَّذِي إِنْ مَسَّكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كَشَفَ عَنْكَ -من هو الله؟ من إذا كان بك ضر فدعوته فكشفه عنك-, وَالَّذِي إِنْ ضَلَلْتَ بِأَرْضٍ قَفْرٍ دَعَوْتَهُ رَدَّ عَلَيْكَ, وَالَّذِي إِنْ أَصَابَتْكَ سَنَةٌ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَ عَلَيْكَ))
في المرض الشديد: يا رب اشفني فيشفيك، غابت عنك حاجة: يا رب اجمعني بها فيجمعك، في قحط: صلينا صلاة الاستسقاء فأمطر علينا السماء؛ هو وحده المالك والمتصرف.
3- أن تعتقد اعتقاداً قاطعاً أنه لا ضار ولا نافع على الحقيقة إلا الله :
الآن من لوازم أن تكون ربانياً، ومن لوازم أن تؤمن بالله رب العالمين: أن تعتقد اعتقاداً قاطعاً: أنه لا ضار ولا نافع على الحقيقة إلا الله، مهما رأيت من بطش الطغاة، ومهما رأيت من إكرام الكرماء, لا ضار ولا نافع إلا الله، من أسماء الله النافع، ومن أسماء الله الضار، ولكن علماء العقيدة لا يستحسنون أن تقول: الله ضار فقط، ينبغي أن تذكر هذين الاثنين معاً، الضار النافع، يضر لينفع، ويمنع ليعطي، ويخفض ليرفع، ويذل ليعز، فينبغي أن تعتقد اعتقاداً جازماً على وجه اليقين: أنه لا ضار ولا نافع على الحقيقة إلا الله، لذلك:
﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنْفَعُنَا وَلاَ يَضُرُّنَا﴾
بربكم إن كانت لك قضية, لا تحل إلا مع مدير مؤسسة, فهل تبذل ماء وجهك لحاجب على بابه أو لموظف صغير؟ أليس هذا من الحمق؟ القضية مع الله وحده, لذلك قال تعالى: ﴿قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا﴾
[سورة الأنعام الآية: 71]
اعتقاد باطل :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3337/08.jpg
ما يعتقده العوام من التمائم، التمائم حلقة توضع في الرقبة, لئلا يموت من يضعها في رقبته, قال الشاعر:

وتجلدي للشامتين أريهم أني بغيب الدهر لا أتضعضع
فرد عليه, فقال:
وإذا المنية أنشبت أظفارها ألفيت كل تميمة لا تنفـــع
أكثر أصحاب السيارات يضعون نعل حصان، أو حذاءً لطفل صغير، أو حدوة، أو نعلا قديمة، أو عجينة، ويتشاءمون من يوم الأربعاء، ومن صوت البوم، ومن القط الأسود، هذا كله اعتقادات جاهلية, ما أنزل الله بها من سلطان, تبيع وتشتري, دخل شخص فلم تتم البيعة قدمه شؤم، لا شؤم ولا طيرة، كل شيء تقدير الله عز وجل، حتى إن كلمة فلان محظوظ، مسكينة ابنتي حظها قليل، كلام ليس له معنى، هناك توفيق وتعسير، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾
[سورة الليل الآية: 5-10]
تيسير وتعسير، والتيسير سببه الإيمان بالحسنى، بالجنة، وأن يتقي أن يعصي الله، وأن يعطي مما أعطاه الله، رد الإله على هذا الإنسان, أنه ييسره لما خلقه له، وأما الذي يؤمن بالدنيا فقط، ويستغني عن طاعة الله، ويبني حياته على الأخذ, ييسر إلى هلاكه في الدنيا والآخرة.
اعلم هذا :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3337/09.jpg
أيها الأخوة, كلام قطعي، ما نزل بلاء إلا بذنب، ولكن الناس يقولون لك: استعمار، وإمبريالية، وماسونية, وشارون.
لا يخافن العبد إلا ذنبه, ولا يرجون إلا ربه.
ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، هذا كلام جامع مانع قاطع, قال تعالى:
﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 38]
الإيمان مريح، ولا سيما هذه الأيام؛ أيام القهر، أيام القتل، أيام القصف، أوقات الأسر ، أوقات الإفقار، أوقات الإذلال، أوقات الإضلال، أوقات القهر، في الأوقات العصيبة ينفع الإيمان.
ما موضوع هذه الأحاديث؟ :
أخرج الإمام أحمد بسند حسن عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْصَرَ عَلَى عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً أُرَاهُ, قَالَ:
((مِنْ صُفْرٍ، فَقَالَ: وَيْحَكَ مَا هَذِهِ؟ قَالَ: مِنْ الْوَاهِنَةِ، قَالَ: أَمَا إِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، انْبِذْهَا عَنْكَ، فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ, مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا))
أنا أمسك بهذه الحلقة, لئلا أصاب بهذا المرض, فقال عليه الصلاة والسلام: ((أَمَا إِنَّهَا لَا تَزِيدُكَ إِلَّا وَهْنًا، انْبِذْهَا عَنْكَ، فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْكَ, مَا أَفْلَحْتَ أَبَدًا))
عَنْ زَيْنَبَ امْرَأَةِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَتْ: ((كَانَ عَبْدُ اللَّهِ إِذَا جَاءَ مِنْ حَاجَةٍ, فَانْتَهَى إِلَى الْبَابِ تَنَحْنَحَ, وَبَزَقَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَهْجُمَ مِنَّا عَلَى شَيْءٍ يَكْرَهُهُ, قَالَتْ: وَإِنَّهُ جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَتَنَحْنَحَ, قَالَتْ: وَعِنْدِي عَجُوزٌ تَرْقِينِي مِنْ الْحُمْرَةِ, فَأَدْخَلْتُهَا تَحْتَ السَّرِيرِ, فَدَخَلَ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِي, فَرَأَى فِي عُنُقِي خَيْطًا, قَالَ: مَا هَذَا الْخَيْطُ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: خَيْطٌ أُرْقِيَ لِي فِيهِ.
-يعني يحفظني هذا الخيط، والله أنا أقول أحياناً لا سمح الله ولا قدر: لو أن الإنسان ما كان مستقيماً، ووضع مصحفاً, لا يحميه من عقاب الله، فكيف بخيط إذا وضعه، ولم يعمل به؟ لأنه رُبَّ تال للقرآن والقرآن يلعنه، وما آمن بالقرآن من استحل محارمه-.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3337/10.jpg
قَالَتْ: فَأَخَذَهُ فَقَطَعَهُ, ثُمَّ قَالَ: إِنَّ آلَ عَبْدِ اللَّهِ لَأَغْنِيَاءُ عَنْ الشِّرْكِ, سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ))

خرزة زرقاء, نعل, فرس, وحذاء طفل صغير, هذا كله من الشرك.
في السنة الصحيحة: عَنْ أَبِي بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ, قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ((حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ, وَالنَّاسُ فِي مَبِيتِهِمْ, فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولًا أَنْ لَا يَبْقَيَنَّ فِي رَقَبَةِ بَعِيرٍ قِلَادَةٌ مِنْ وَتَرٍ أَوْ قِلَادَةٌ إِلَّا قُطِعَتْ))
كانوا يضعون قلادة في عنق البعير لئلا يمرض، أو لئلا يموت، هذا من الشرك؛ التبرك بالأحجار, والأشجار, والقبور, والتماثيل, والأصنام, هذا كله من الشرك، العوام أحياناً يا شيخ محي الدين أريد ولدًا، الشيخ محي الدين لا يأتي بالولد، الله والباز, مَن هذا الباز؟ هذا كله شرك. أنواع الرقى في الإسلام :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3337/11.jpg
توضيحاً للحقيقة: الرقى نوعان: مشروعة وممنوعة، فالمشروعة ما كانت بالقرآن الكريم، إذا قرأ الإنسان القرآن الكريم, هذا من الرقى المشروعة، أو وضع آية في جيبه، هذا من الرقى المشروعة، أو أسماء الله الحسنى وصفاته الفضلى، أو ما صح عن الرسول صلى الله عليه وسلم من أدعية ومأثورات، هذا كله صحيح، أما الممنوعة فرقى الجاهلية، تعاويذ مجهولة، شبروش موبروش، أو كلام بغير العربية، أو بحروف مقطعة، أو بأرقام، أو بخطوط ، هذا كله بالحجب, تجدونها خطوطًا، وأرقامًا، وحروفًا، أو قرآنًا معكوسًا، حرف عكس حرف.
عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ:
((كُنَّا نَرْقِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ, فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ تَرَى فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ شِرْكٌ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
إنسان قرأ القرآن، دعا بدعاء النبي، وضع مصحفاً في جيبه، لا مانع، هذه رقى مشروعة، أما الرقى الممنوعة فبلغة أجنبية، بحروف، بتقاطيع، بصور عفاريت، أو بكلام غير مفهوم.
4- أن تعتقد أنه لا مشرع للخلق إلا الله وحده :
ومن لوازم أن تكون ربانياً مؤمناً برب العالمين: أن تعتقد أنه لا مشرع للخلق إلا الله وحده، من يحل الحلال؟ الله وحده, من يحرم الحرام؟ الله وحده, من يقول: هذا حق؟ الله وحده, من يقول: هذا باطل؟ الله وحده, من يقول: هذا خطأ؟ الله وحده, من يقول: هذا صواب؟ الله وحده.
معقول!!! :
في ندوة دينية، والمتكلم دعي لهذه الندوة, على أنه رجل دين، فقال أحدهم: قطع اليد سلوك عنيف لا يتناسب مع الحضارة الحديثة، إله يقول لك:
﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾
[سورة المائدة الآية: 38]
لذلك كنت أقول دائماً: خذوا دينكم عن الأرضيات لا عن الفضائيات، هناك انحرافات في الفكر، وأسبابها معروفة، الفضائية لها ممول، وله خط معين، وله هدف معين، قال تعالى:
﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾
[سورة الشورى الآية: 21]
الله وحده ما أحله فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، ما قال عنه باطل فهو باطل، ما قال عنه شرك فهو شرك.
قف عند هذه الآيات :
الآيات كثيرة أيها الأخوة, قال تعالى:
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 54]
﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾
[سورة الرعد الآية: 41]
﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 26]
﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 12]
﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾
[سورة النحل الآية: 89]
نقطة دقيقة :
هناك نقطة دقيقة في هذه الآية، قال تعالى:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾
[سورة التوبة الآية: 31]
رجل الدين لا يمكن أن يكون مشرعاً، لا يقبل منه أن ينطق بكلمة من دون دليل، نحن في حياتنا كمسلمين, رجل واحد كلامه هو الدليل، هو رسول الله، وما سوى رسول الله, يحتاج كلامه إلى دليل, مهما عظم شأنه، يقول لك إنسان: أنا أقول لك كذا، ينبغي أن تطيعني.
عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
((بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً, فَاسْتَعْمَلَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ, وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ, فَغَضِبَ, فَقَالَ: أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي؟ قَالُوا: بَلَى, قَالَ: فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا, فَجَمَعُوا, فَقَالَ: أَوْقِدُوا نَارًا؟ فَأَوْقَدُوهَا, فَقَالَ: ادْخُلُوهَا؟ فَهَمُّوا, وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا, وَيَقُولُونَ: فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ, فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ, فَسَكَنَ غَضَبُهُ, فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ, الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ))
الله يرضى عليك طلقها يا بني، لماذا؟ لم أحبها، مؤمنة, صالحة, طاهرة, محجبة، يحتجون بحجة سيدنا عمر, حين أمر ابنه أن يطلق زوجته فطلقها، إذا كان أبوك عمر فطلقها ، عمر عملاق الإسلام، عمر صحابي كبير، إذا قال لابنه: طلق امرأتك؛ فلسبب كبير، ولسبب وجيه، ولسبب ديني، أما كلما عنّ لأب خاطر, لم يعجب بزوجة ابنه, يقول له: طلقها, إنما الطاعة في معروف، الأبلغ من ذلك: أن الله حينما وصف معصية رسول الله, قال: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 12]
المعصية مقيدة في المعروف، هناك أمر تشريعي، وأمر تنظيمي، حتى النبي عليه الصلاة والسلام حينما عصاه الرماة في أُحد صلى عليهم, لمَ؟ لأنهم عصوا أمراً تنظيمياً، ولم يعصوا أمراً تشريعياً.
أصغ السمع إلى النبي في شرح هذه الآية :
قال تعالى:
﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾
[سورة التوبة الآية: 31]
الآن استمعوا إلى شرح النبي لهذه الآية:
في جامع الترمذي بسند حسن, عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ:
((أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ, فَقَالَ: يَا عَدِيُّ اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ, وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ: اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ, قَالَ: أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ, وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ, وَإِذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
إنسان يطيع قوياً، ويعصي الله، لو قلت له: أنت تعبده من دون الله, يقول: أعوذ بالله، أنا أعبده؟! أنت حينما أمرك بمعصية فعلتها، وأغضبت الله، وحينما أمرك بطاعة فلم تفعلها خوفاً منه، وحينما أمرك بمعصية ففعلتها، ولم تعبأ بأمر الله عز وجل، أو حينما نهاك عن طاعة فتركتها خوفاً منه، أنت بهذا تعبده من دون الله، هذه عبادته، لمجرد أن تطيع مخلوقاً، وتعصي خالقاً، فأنت تعبده من دون الله.
هناك أشخاص يتوهمون بسذاجة أنه يقول: هذا ربي، لا، لا أحد يقول: هذا ربي، لمجرد أن تطيعه وتسخط الله عز وجل، ولمجرد أن تعصي الله إرضاءً له, فأنت تعبده من دون الله.
منعطف خطير :
أيها الأخوة, كل ما شرع للناس أو رضي بتشريع مخالف لتشريع الله سبحانه وتعالى, داخلاً في وعيد الله وتهديده، أي إنسان مشرع أو يرضى بهذا التشريع، ليس بعيداً عنا أن بعض الأسر في بلاد الغرب, إذا اختصمت الزوجة مع زوجها, لا ترفع قضيتها لقاض مسلم في المركز الإسلامي، بل ترفع قضيتها لحاكم أمريكي, لماذا؟ لأن القانون الأمريكي يعطي المطلقة نصف أملاك زوجها، بينما الشريعة تعطي المطلقة مهرها فقط، فهذا الذي يحتكم لغير شرع الله, داخلاً في وعيد الله:
﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 44]
5-أن تعتقد أن كل شيء بقضاء وقدر :
شيء آخر من لوازم أن تكون ربانياً أو مؤمناً برب العالمين: أن تعتقد أن كل شيء بقضاء وقدر، كلمة لو ليس في قاموس المسلم، أحداث الحادي عشر من أيلول, وقعت بقضاء وقدر.
أشخاص كثيرون يقولون: لو لما تقع, لم تحدث حرب أفغانستان، ولا حرب العراق، كل شيء بقضاء وقدر، كل شيء وقع أراده الله لحكمة بالغة، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، وحكمته المطلقة متعلقة بالخير المطلق، زلزال، بركان، اجتياح، لكن قد يكون المقضي شراً، فأنت مكلف أن تدفعه وأن تقاومه.
إن كل شيء خلقناه بقدر، القضاء والقدر نظام التوحيد, كل شيء بقضاء من الله وقدره ، هذا الاعتقاد يريح النفوس، إنسان لم ينجب أطفالاً بقضاء من الله و قدره، يسعى، يعالج نفسه ، بعد كل المحاولات لم ينجح، هكذا يريد الله عز وجل.
6- أن تعلم علم اليقين أنه لا يعلم الغيب إلا الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3337/12.jpg
أيها الأخوة, ومن لوازم أن تكون ربانياً مؤمنًا برب العالمين: أن تعلم علم اليقين أنه لا يعلم الغيب إلا الله، فكل أنواع السحر, والشعوذة, وقراءة الفنجان, وقراءة حظك هذا الأسبوع, وبرج التيس, والثور، وهذه الأبراج كلها, هذا كله كفر.
من أتى كاهناً فصدقه فقد كفر، من أتى ساحراً فلم يصدقه, لن تقبل له صلاة أربعين صباحاً، ولا دعاء أربعين ليلة. لا يعلم الغيب إلا الله:
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 59]
بربكم. إذاً: لا تسقط من ورقة إلا هو يعلمها، والقنبلة أخطر، من باب أولى أن يعلمها، الأمر بيد الله عز وجل، هذا الكلام ليس فيه دعوة إلى الاستسلام، لا، القضاء والقدر, الشرير الذي ظاهره فيه شر يجب أن يقاوم، لكن ينبغي ألا تنهار معنوياتك، الأمر بيد الله عز وجل، قاوم، أما أن تستخذي فلا، يقول الله عز وجل:
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 139]
إذاً: من مقتضيات أن تكون ربانياً مؤمناً برب العالمين: أن تعتقد اعتقاداً جازماً أنه لا يعلم الغيب إلا الله، وحينما تعتقد هذا الاعتقاد, تلغي من حياتك مليون قصة لا أصل لها، و مليون توهم لا أصل له، لا يعلم الغيب إلا الله.
إليكم هذه الأدلة من الكتاب والسنة على أنه لا يعلم الغيب إلا الله :
والله عز وجل يقول:
﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة النمل الآية: 65]
وفي سورة الجن: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً﴾
[سورة الجن الآية: 26]
وفي صحيح البخاري: عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ؛ لَا يَعْلَمُ مَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ إِلَّا اللَّهُ, وَلَا يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ إِلَّا اللَّهُ, وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ, وَلَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِلَّا اللَّهُ, وَلَا يَعْلَمُ مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا اللَّهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
قصة :
يروى أن أحد كبار الأئمة؛ الإمام مالك, رأى في منامه ملك الموت, قال له: يا ملك الموت كم بقي لي؟ فأشار له ملك الموت بخمسة أصابع، فلما استيقظ الإمام مالك, ازداد اضطراباً، يا ترى خمس سنوات، أم خمسة أشهر، أم خمسة أسابيع، أم خمسة أيام، أم خمس ساعات، فسأل أحد من اشتهر بتعبير الرؤيا، الإمام ابن سيرين، فقال له: يا إمام, إن ملك الموت يقول لك: إن سؤالك هذا من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله، هذا الجواب.
قف هنا :
أيها الأخوة, لكن من يقول: إنهم عرفوا نوع الجنين ذكراً أو أنثى، هذا الكلام صحيح، لكن الله عز وجل يقول:
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾
[سورة لقمان الآية: 34]
لم يقل: ويعلم من في الأرحام، من أي ذكر أم أنثى، يوجد خمسة آلاف مليون مورث وجين في النوية, في الحوين, وفي البويضة، خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة لا يعلمها إلا الله.
من مفسدات العقيدة :
الآن: حينما تعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب, فقد فسدت عقيدتك، النبي لا يعلم إلا أن يعلمه الله، فإذا تكلم بما سيكون, هذا من إعلام الله له, كحديث قيام الساعة ، أما إنه يعلم الغيب, لولا أنه بشر, تجري عليه كل خصائص البشر, لما كان سيد البشر، لو كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب, لما خفيت عليه أمور كثيرة.
يروي الشيخان عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ, وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ, وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ, وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ, فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ, فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ))
ألم يأت النبي وفد، وطلبوا منه قراء القرآن الكريم، أعطاهم سبعين قارئاً، وذبحوهم في الطريق؟ معنى هذا أنه لا يعلم الغيب، لا يعلم إلا أن يُعلم، ويوجد قضايا كثيرة جداً أعلمه الله ، ويوجد قضايا لم يعلمه، هو بشر، لولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر, لما كان سيد البشر، كل من يعتقد أن بشراً كائناً من كان يعلم الغيب فقد كفر، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما ينبئنا بما سيكون من إعلام الله له: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾
[سورة الجن الآية: 26-27]
الرسول وحده، ما سوى الرسول لا يعلم الغيب إلا الله، بربكم أنتم تعيشون هذه المرحلة, هل كان يخطر ببال أحد أن تضرب أمريكا؟ أبداً، هذه الأحداث المتلاحقة التي جرت, هل كانت تخطر على بال أحد؟:
﴿لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾
[سورة النمل الآية: 65]
والآن: لا تقل: انتهينا، لا يعلم الغيب إلا الله، وقد تكون هذه الأحداث المريرة سبباً لخير كبير لا يعلمه إلا الله، التبصر بالكف, والرمل, والفنجان, والأبراج, والسحر, والكهانة, كله كفر, والعياذ بالله.
ملخص الدرس :
أيها الأخوة, هذا الدرس ملخص آية واحدة:
﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 79]
الرباني هكذا يعتقد، والرباني هكذا يفعل، أرجو الله سبحانه و تعالى أن ينفعنا بعلم العقيدة، هذا العلم أخطر علم في الدين، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعاً إلى توضيح الحقائق من منابعها الأصيلة من كتاب الله, ومما صح من سنة رسول الله.








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-01-2018 06:14 AM

رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الخامس )

الموضوع : توحيد الالوهية



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين . ماذا يقتضي الإيمان بالله؟ :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الخامس من دروس العقيدة، وقد كان موضوع الدرس السابق: كيف نؤمن بالله رب العالمين؟ كيف نؤمن بأن الله خالق السموات والأرض؟ كيف نؤمن بأن الله جل جلاله ممد السموات والأرض؟ هو الذي يعطي، هو الذي يمنع، هو الذي يرفع، هو الذي يخفض، هو صاحب الأسماء الحسنى، صاحب الصفات الفضلى.
الحديث عن وجود الله, وعن كماله, وعن وحدانيته, وعن ربوبيته، وعن أفعاله، مقتضى الإيمان برب العالمين، ولكن هذا الإيمان بأن الله خالقنا ومربينا ومسيرنا، وأنه إليه المصير، وأنه خلقنا إلى جنة عرضها السموات والأرض، وأن الأمر كله بيده، وأنه لا معطي إلا هو، ولا مانع، ولا رافع, ولا خافض، ولا معز, ولا مذل إلا هو سبحانه، هذا الإيمان ماذا يقتضي؟.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/01.jpg
هنا موضوع هذا الدرس، يقتضي أن نعبده، أن نتوجه إليه، أن نفرده بالعبادة, ألا نعبد إلا إياه, إياك نعبد وإياك نستعين، لذلك أن تعبد الله عز وجل وحده, أي أن تفرده بجميع أنواع العبادات الظاهرة والباطنة، بل ينبغي أن تعتقد يقيناً: أن الله وحده هو المستحق للعبادة، وهذا معنى لا إله إلا الله, لا معبود بحق إلا الله دائماً، هناك حقيقة لكن ما موقفك منها؟ ماذا فعلت من أجلها؟:

﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾
[سورة فصلت الآية: 6]
يقتضي إيمانك بالله خالقاً, ومربياً, ومسيراً, وواحداً في وجوده، واحداً في صفاته، واحداً في أسمائه، يقتضي إيمانك بكماله أن تعبده، أن تتوجه إليه، أن تفرده بالعبادة، أن تتوكل عليه، أن تستعين به، أن ترجوه، أن تسأله، أن تستغفره, لذلك من مقتضيات الإيمان بالله رب العالمين: أن تفرده بكل أنواع العبادات الظاهرة والباطنة، وأن الله وحده هو المستحق للعبادة.
أيها الأخوة الكرام, كلمة لا إله إلا الله تقتضي أن تعبده، وأن تؤمن بربوبيته، لا معنى أن تعبده دون أن تؤمن به، لكن إذا آمنت بربوبيته لا يعني أنك تعبده، إن آمنت بألوهيته أنه المستحق وحده للعبادة، هذا يقتضي أنك آمنت بربوبيته، أما العكس فغير صحيح.
لم خلق الله الخلق وأرسل الرسل؟ :
أيها الأخوة الكرام, من أجل هذا التوحيد في العبادة, خلق الله الخلق، وأرسل الرسل، وأنزل الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وإلى كافرين، إلى سعداء في الجنة عرضها السموات والأرض، وإلى أشقياء في نار لا ينتهي عذابها، وعلة خلقنا أن نعبده، لكن كلمة نعبده, قد يفهم الواحد منا: أنه ينبغي أن نطيعه، هذا صحيح، ينبغي أن نطيعه، ولكن الطاعة ليست هدفاً، إنما هي وسيلة للسعادة في الدنيا والآخرة، خلقنا لنسعد به، فأمرنا أن نعبده، وملخص الدين كله: تعرفه, فتعبده, فتسعد بعبادته في الدنيا والآخرة، لذلك العبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
ما فحوى هذه الآية؟ :
أيها الأخوة الكرام, تكاد تكون هذه الآية ضغطاً للدين كله, قال:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 25]
جميع الرسالات التي نزلت من السماء فحواها هو وحده المستحق للعبادة، لا معبود بحق إلا الله، ينبغي أن نعبده، في أكثر آيات القرآن آية متكررة على لسان كل الأنبياء:
﴿فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾
[سورة الأعراف الآية: 59]
ما معنى أن تفرده بالعبادة؟ :
أقدم لكم أيها الأخوة الكرام: ضرورة توحيده في العبادة، وتوحيده في الربوبية, قال تعالى:
﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آَللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أإله مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أإله مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أإله مَعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ * أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أإله مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أإله مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 59-64]
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/02.jpg
يقتضي إيمانك بالله رب العالمين: أن تفرده بالعبادة.
أيها الأخوة الكرام: معنى أن تفرده بالعبادة: أن تعتقد اعتقاداً جازماً, أنه ليس هناك شركاء له، ولا شفعاء، ولا وسطاء، ومن حق كل إنسان أن يهرع إلى ربه عز وجل، وأن ينكر من أقام نفسه وسيطاً بين الله وبين عباده، ليس بينك وبين ربك حجاب، أي مخلوق بإمكانه أن يعقد اتصالاً مع الله عز وجل، بإمكانه أن يدعوه، بإمكانه أن يستغفره، بإمكانه أن يتوب إليه، بإمكانه أن يتصل به.
هذا الذي قلته بهذه الدقائق, ينشعب إلى شعبتين، ينبغي أن تعرفه، وأن تتأكد من معرفتك له، ثم ينبغي أن تتوجه إليه، أليس في الإيمان تصديق وإقبال؟ أليس في الكفر تكذيب وإعراض؟ ينبغي أن تعرفه، وينبغي أن تتوجه إليه، فالمعرفة من مقتضياتها أن تتوجه إليه، وأي معرفة ليس معها توجه لا قيمة لها، ذلك لأن العلم في الإسلام ليس هدفاً بذاته.
ما ذكر سابقاً :
كما قلت في درس سابق، بل وفي دروس سابقة: إن إبليس أقرّ بربوبيته، وأقر بعزته ، وأقر بأنه خالق الأكوان، وأقر باليوم الآخر، ولكن هذه المعرفة التي لا ينبثق منها توجه إلى الله، وعبادة له، وإخلاص له, لا قيمة لها إطلاقاً، طبعاً هذه الحالة, حالة مرضية شائعة جداً.
﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 84-85]
﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 86-87]
﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 88-89]
أن تعتقد أن الله خالق الأكوان، وأن الأمر بيده، وأن صفاته عليا، وأن أسماءه حسنى, دون أن تتوجه إليه, لا قيمة لهذا الاعتقاد إطلاقاً، لأن العلم ما عمل به، فإن لم يعمل به كان الجهل أولى.
ماذا تقتضي العبودية لله؟ :
أيها الأخوة الكرام, شهد الله أن الإنسان إذا آمن حق الإيمان, حلت كل مشكلاته، تصبح علاقته بجهة واحدة، من جعل الهموم هماً واحداً, كفاه الله الهموم كلها، اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها، ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء.
تقتضي العبودية لله عز وجل, أن توقن أنه لا خالق لهذا العالم إلا الله، بيده الرزق، بيده الخير، بيده الشر، يحيي ويميت، مالك كل شيء، المعز والمذل، المعطي، الممسك، الصمد ، الذي يلجأ إليه في النازلات، المدبر، المصرف للمقادير في هذا الكون، هذا معنى أن تعبده، ينبغي أن يسبق عبادتك له, أن تؤمن بكل صفاته، وبكل أسمائه، وبكل أفعاله، وأن توحده.
ما علة وجودنا؟ :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/03.jpg
أيها الأخوة الكرام, الآن الحقيقة: أن العبادة علة وجودنا، قال تعالى:

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
أنت حينما تذهب إلى بلد من أجل أن تنال شهادة عليا، وأن كل آمالك معقودة على هذه الشهادة، بهذه الشهادة تعين بهذا المنصب، بهذا المنصب لك دخل بهذا الدخل، تتزوج، بهذا الزواج تشتري بيتًا، كل آمالك بالدنيا متعلقة بنيل هذه الشهادة، فإذا ذهبت إلى بلد لنيل هذه الشهادة, ماذا ينبغي أن تفعل؟ أدق أدق أدق جزئيات حركتك في هذا البلد مرتبطة بهذا الهدف الكبير، وهكذا المؤمن في الدنيا, أدق حركاته وسكناته مرتبط بعلة وجوده، علة وجودنا أن نعبده.
قف عند هذا الكلام :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/04.jpg
الكلمات الكبيرة أحياناً التي وردت في القرآن وفي السنة, لكثرة تداولها من دون فهم عميق, لا تأخذ المعنى الذي أراده الله عز وجل، مثلاً: يظن الإنسان أن العبادة هي الصوم والصلاة والحج والزكاة، لا، العبادة أن تعرفه أولاً، ثم أن تطيعه في كل ما أمر، وذكرت هذا في درس سابق، الطاعة أداء الفرائض، أداء الواجبات، الأمر بالمعروف، النهي عن المنكر، الدعوة إلى الله، هكذا يقتضي الإيمان، فلذلك لا يمكن أن نفهم العبادة فهماً ضيقاً، ينبغي أن نفهمها فهماً واسعاً، أن تعرفه أولاً، وأن تطيعه ثانياً، وأن تكون المحبة مع هذه الطاعة، ثم أن تسعد بقربه ثالثاً.
السعادة هي الثمرة، السعادة ثمرة جمالية، والمعرفة سبب، والطاعة أصل، الأصل أن تطيعه, لا طاعة إلا إذا عرفته، والثمرة إن أطعته، أنت في قمة السعادة، السلامة والسعادة مطلبان ثابتان لكل مخلوق على وجه الأرض، لا يوجد إنسان يتمنى ألاّ يَسلم، ما من واحد من بني البشر إلا ويتمنى أن يَسلم، وأن يسعد.
لذلك قالوا: العبادة غاية الحب، أعلى درجات الحب العبادة، غاية القرب العبادة، غاية الخضوع العبادة.
من تعريفات العبادة :
هناك تعريفات للعبادة منوعة، أنا ذكرت تعريفاً, يعد تعريفاً جامعاً شاملاً: طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، لكن بعضهم عرف العبادة فقال: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة.
عالم آخر يقول: العبادة هي طاعة الله بامتثال ما أمر على ألسنة الرسل.
أيها الأخوة الكرام, العبادة في القلب، وفي اللسان، وعلى الجوارح، ما وقر في القلب ، وأقر به اللسان، وصدقه العمل.
الآن: ما من حركة على وجه الأرض إلا وتتنقل بين الأحكام الشرعية التالية: بين واجب، ومستحب، وحرام، ومكروه، ومباح، ما من شيء تفعله منذ أن تستيقظ, حتى تؤوي إلى فراشك, إلا وهذه الأعمال ما بين واجب، فرض، وبين مستحب، وبين مباح، وبين مكروه ، وبين حرام، عندنا واجبات، مستحبات، مباحات، مكروهات، محرمات، في القلب، وعلى اللسان، وفي الجوارح، كم حالة؟ خمس عشرة.
وبعضهم قال: العبادة طاعته بفعل المأمور وترك المحظور.
وهذه حقيقة الدين، فعل المأمور، وترك المحظور، من هو الولي؟ ليس الولي الذي يطير في الهواء، ولا الذي يمشي على وجه الماء، ولكن الولي كل الولي الذي تجده عند الحلال والحرام، أن يراك حيث أمرك، وأن يفتقدك حيث نهاك:
﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾
[سورة النحل الآية: 36]
من لوازم العبادة :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/05.jpg
من لوازم عبادة الله اجتناب الطاغوت، عندك في الحياة الدنيا خاصة اسمها الإثنينية, يعني إيمان يقابله كفر، توحيد يقابله الشرك، طاعة تقابلها معصية، هناك إنسان رباني، وإنسان شيطاني، إنسان خيّر، وإنسان شرير، إنسان مستقيم، وإنسان منحرف، هذه إثنينية.
يجب أن نعلم إن لم تكن على الخط الأول, فأنت على الثاني قطعاً، قال تعالى:
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾
[سورة القصص الآية: 50]
لا يوجد حالة ثالثة، فلذلك أكثر الآيات التي تأمر بالعبادة تنهى عن الشرك:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ﴾
[سورة النساء الآية: 36]
ما الطاغوت؟ :
من لوازم العبادة: اجتناب الطاغوت، الطاغوت الشيطان، الطاغوت أي إنسان يدعوك إلى معصية, يدعوك إلى التفلت، يدعوك إلى استباحة الحرام، يدعوك إلى فعل المنكرات، لا يكفي أن تطيع الله، لو أنك جمعت بين طاعة الله وبين طاعة الشيطان لا تفلح إطلاقاً، أن تعبد وأن تجتنب.
يا معاذ, ما حق الله على عباده؟ قال: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً:
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
ما وراء هذا المثل :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/06.jpg
الخلاصة: أن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليكرمهم بعبادته، وليرفعهم إلى أعلى المستويات، لامتثالهم لأوامره، واجتنابهم لنواهيه، فكانت العبودية أعظم نسب ومقام في الأرض.
مثلاً: الآن في التعليم: هذا يحمل وثيقة إتمام مرحلة، هذه أقل شهادة، شهادة إعدادية، وهناك ثانوية علمية، وأدبية، العلمية أقوى، هناك اختصاص ليسانس، أو بكالوريوس، دبلوم عام، ودبلوم خاص، بعد هذا ماجستير، وبعد هذا دكتوراه، دكتوراه دولة، وماذا بعد هذا؟ جائزة نوبل، في بعض البلاد شهادة متميزة جداً، إن كان في بعض البلاد بورد، وفي بلاد إف أر أس، وفي بلاد أ ر ج، هذه الشهادات العليا، نحن في تسلسل العبودية, تسلسل مراتب الإنسان, أعلى مقام في الذروة, لا يرقى إلى هذا المقام، مقام أن تكون عبداً لله.
إليكم هذه الأدلة من الكتاب على أن أعلى مقام عند الله أن تكون عبداً له :
الدليل:
﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾
[سورة الإسراء الآية: 1]
هذا سيد الخلق، وحبيب الحق, سيد ولد آدم، الذي أقسم الله بعمره, فقال:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 72]
ناداه الله بأنه عبده: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾
[سورة الإسراء الآية: 1]
﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾
[سورة الجن الآية: 19]
﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾
[سورة النجم الآية: 10]
وهو في سدرة المنتهى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾
[سورة البقرة الآية: 23]
إذاً: العبودية لله أعلى مقام، كيف أن الآن في التاريخ الحديث, هناك قطب واحد؟ وكيف يكون أعلى منصب في الأرض من يتربع على رئاسة هذه الدولة العظمى؟ هذا أعلى منصب في العالم، للتقريب: أعلى مقام يناله إنسان أن يكون عبداً لله.
إليكم الدليل من السنة على أن أعلى مقام عند الله أن تكون عبداً له:
أيها الأخوة الكرام, كلما ازددت عبودية له رفعك إلى أعلى عليين، وكلما قلت: سلطت الأضواء على شخصك, هوت بك هذه الرغبة إلى أسفل سافلين، لذلك حينما خير سيدنا جبريل نبينا عليه الصلاة والسلام أن يكون ملكاً أو يكون عبداً، فقال: بل أكون عبداً لله .
أخرج ابن حبان في صحيحه, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:
((جلس جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر على السماء، فإذا ملك ينزل, فقال له جبريل: هذا الملك ما نزل منذ خلق قبل ساعة، فلما نزل, قال: يا محمد! أرسلني إليك ربك؛ أملكاً أجعلك أم عبداً رسولاً؟ فقال له جبريل: تواضع لربك يا محمد, فقال عليه الصلاة والسلام: لا بل عبداً ورسولاً))
أنت في أعلى مقام حينما تكون عبداً لله. متى يرفع الله شأن الإنسان؟ :
أيها الأخوة الكرام, ما من إنسان يخضع لله, يمرغ جبهته في أعتابه, يسأله، يتذلل إليه ، ينكسر على بابه, إلا أعزه الله، ورفع شأنه، يقول الملك الظاهر بيبرس: ما استقر ملكي حتى مات العز بن عبد السلام، عالم جليل، بقدر عبوديتك لله يرفعك الله، وبقدر أن تقول أنا، وأنا فعلت، وأنا تركت، وأن تنسى الله عز وجل، وأن تشهد عملك الكبير فيما تتوهم, فأنت في طريق الهلاك.
يا محمد, ماذا تريد أن تكون: نبياً عبداً أم نبياً ملكاً؟ قال:
((بل نبياً عبداً، أجوع يوماً فأذكره، وأشبع يوماً فأشكره))
ما من مؤمن ليس له صلة بالله، أحياناً يناجي ربه، أحياناً يتذلل إليه، أحياناً يعلن توبته له، هذه المناجاة، هذا الخضوع، هذا التذلل، هذا قمة العبودية لله عز وجل، هذا الذي وقف في وجه التتار, سجد لله, هو نور الدين الشهيد، قال: يا رب, من هو الكلب نور الدين حتى تنصره؟ انصر دينك، يا رب أنا لا شيء، أنا كذا، انصر دينك.
بقدر ما تتذلل له فيما بينك وبينه يرفع شأنك، ويعلي قدرك، ويعزك، ويقهر أعداءك، وبقدر ما تقول أنا يخذلك.
قف هنا :
قال المتنبي يمدح نفسه:
أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي وأسـمعت كلماتي من به صمم
أنام ملء جفوني عن شوارده ويسهر الخلق جراها ويختصم
وجاهل مده في جـهله ضحك حتى أتته يد صرافة وصــم

كان يمشي بين حلب وبصرى، خرج عليه أعداؤه فولى هارباً، هذا الذي نظر الأعمى إلى أدبه، هذا الذي قال:
الخيل والليل والبيداء تعرفني والسيف والقرطاس والقلم
قال له غلامه: ألم تقل هذه الأبيات؟ قال له: قتلتني قتلك الله، وعاد فقتل، إذا قلت الله: تولاك، وإذا قلت: أنا، تخلى عنك.
أكاد أقول لكم: هذه تجربتان؛ تجربة بدر، وتجربة حنين، والصحابة هم هم، في بدر افتقروا إلى الله فنصرهم، وفي حنين قالوا: لن نغلب من قلة فتخلى الله عنهم.
من المهلكات :
ملخص الملخص: إذا قلت: أنا، تخلى الله عنك، تقول: أنا ابن فلان، أنا أحمل دكتوراه, تخلى الله عنك، أنا عندي خبرات متراكمة، ماذا قال فرعون؟:
﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 51]
أهلكه الله، ماذا قال قارون؟: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾
[سورة القصص الآية: 78]
أهلك الله عز وجل قوم بلقيس: ﴿نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾
[سورة النمل الآية: 33]
تخلى الله عنهم، قال الشيطان: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾
[سورة الأعراف الآية: 12]
أهلكه الله عز وجل، أربع كلمات مهلكات: أنا، ونحن، ولي، وعندي، فلذلك حينما يتذلل الإنسان لله عز وجل، ويخضع له، ويتوب إليه، وينكسر على أعتابه، ويلزم طاعته, يعزه الله عز وجل.
أيها الأخوة, إذا أعزك الله, سخر لك أعداءك الألداء لخدمتك، وإذا أذل الله عبداً, يضربه أقرب الناس إليه.
من أدعية النبي :
أيها الأخوة, هذا دعاء من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام, أخرج الإمام أحمد بسند صحيح, عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَصَابَ أَحَدًا قَطُّ هَمٌّ وَلَا حَزَنٌ فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي عَبْدُكَ, وَابْنُ عَبْدِكَ, وَابْنُ أَمَتِكَ, نَاصِيَتِي بِيَدِكَ, مَاضٍ فِيَّ حُكْمُكَ, عَدْلٌ فِيَّ قَضَاؤُكَ, أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ, سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ, أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ, أو علمته أحداً من خلقك, أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ, أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ رَبِيعَ قَلْبِي, وَنُورَ صَدْرِي, وَجِلَاءَ حُزْنِي, وَذَهَابَ هَمِّي, إِلَّا أَذْهَبَ اللَّهُ هَمَّهُ, وَأَبْدَلَهُ مَكَانَ حزنه فَرَجًا, قَالوا: يا رسول الله! ينبغي لنا أن نتعلم هؤلاء الكلمات؟ قال: أجل ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والبزار في مسنده, والإمام أحمد في مسنده]
هذا الدعاء في منتهى العبودية لله عز وجل.
ما الفرق بين العباد والعبيد؟ :
الحديث القدسي الدقيق جداً الصحيح, الذي ورد في صحيح مسلم, عَنْ أَبِي ذَرٍّ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فِيمَا رَوَى عَنْ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى, أَنَّهُ قَالَ:
((يَا عِبَادِي, إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي, وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا.
-ليس هناك تشريف للإنسان أعلى من أن تنسب إلى ذات الله، يا عبادي، لذلك فرق كبير بين العباد والعبيد، العبيد جمع عبد القهر، بينما العباد جمع عبد الشكر، وكل إنسان مقهور من قبل الله عز وجل، مقهور بضربات قلبه، مقهور بسيولة دمه، مقهور بحركته، الإنسان فجأة يفقد حركته، أحياناً يفقد ذاكرته، أحيانًا يفقد حركة قلبه، يقال: سكتة قلبية، فكل إنسان مقهور، ولو كان ملحداً، فهذا العبد المقهور جمعه عبيد:
﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾
[سورة فصلت الآية: 46]
أما هذا العبد الذي تعرف إلى الله، وأقبل عليه, فهذا العبد جمعه عباد:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ﴾
[سورة الزمر الآية: 53]
بماذا ألزم الله نفسه في هذا الحديث؟ :
إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا.
-الإله العظيم، خالق الأكوان، من بيده كل شيء، ومن لا يستطيع أحد أن يسأله، لا يسأل عما يفعل-.
إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا.
-والشيء بالشيء يذكر, يقول مستشار دولة عظمى، هي قطب العالم: من يستطيع أن يلزمنا بتنفيذ عهودنا؟
الإله العظيم ألزم نفسه بالاستقامة:
﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة هود الآية: 56]
الإله العظيم ألزم نفسه بالاستقامة، وإنسان قوي عنده طائرات، عنده سلاح نووي، قال : من يستطيع أن يلزمنا بتنفيذ عهودنا.
فحينما الإنسان يسقط في الوحول, وينتهي على مزابل التاريخ, وحينما يرقى يدخل التاريخ.
إلى ماذا يفتقر الإنسان؟ :
قَالَ-: يَا عِبَادِي, إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي, وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا, يَا عِبَادِي, كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ.
-يعني نحن مفتقرون إلى هداية الله عز وجل.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/07.jpg
أخواننا الكرام, حقيقة دقيقة جداً: عين الإنسان هذه, إذا فحصها في درجات الرؤية, يعطونه حروفًا إلى أي جهة، آخر سطر، إذا عرف الصواب, يأخذ 12/10 أعلى درجة، فإذا كان الإنسان يتمتع ببصر حاد، بأعلى مستوى، ولم يكن ثمة نور, ما قيمة هذا البصر؟ صفر، ضع في غرفة مظلمة ظلاماً دامساً أعمى وبصيرًا ألا يستويان؟ معنى ذلك: أنه لا قيمة لهذه العين من دون نور, يتوسط بينها وبين الأشياء، بالمقابل: لا قيمة لهذا العقل إطلاقاً إن لم يكن هناك وحي يهتدي إليه.
مشكلة العالم الغربي يشقى ويشقي, يقول لك ببعض البلاد: قريبًا الثلاثين مليون مصاب بالإيدز، وسلسلة الشقاء تتفاقم، شقاء ما بعده شقاء، الإنسان استخدم عقله بعيداً عن وحي السماء, فلذلك: http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/08.jpg

﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ﴾
[سورة المدثر الآية: 18-22]
فلو استخدم الإنسان عقله من دون وحي السماء, لشقي وأشقى من حوله.
قَالَ-: يَا عِبَادِي, إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي, وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا, يَا عِبَادِي, كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ.
-نحن جميعاً مفتقرون إلى وحي السماء-.
يَا عِبَادِي, كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ.
-إذا لم تنزل أمطار لا ينبت نبات، ويموت الحيوان، ويموت الإنسان، بلاد فيها مجاعات بسبب الجفاف، وإذا نزلت الأمطار غزيرة كما أكرمنا الله بها في هذا الموسم, ترى الأرض كأنها مزدهرة-.
هذا الحديث جامع مانع للعبودية لله :
يَا عِبَادِي, كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ, يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا, فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ, يَا عِبَادِي, إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي, وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي, يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ, مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا, يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ, مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا, يَا عِبَادِي, لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ, قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي, فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ, مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ, يَا عِبَادِي, إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ, ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا, فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ, وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ, فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
هذا الحديث جامع مانع للعبودية لله، نحن مفتقرون إلى هدايته، وإلى رزقه، وإلى إكسائه، وإلى طاعته، وهو لا يظلم، وغني عنا إذا آمنا، وغني عنا إذا كفرنا.
من ألوان الشرك :
1- ألا تعتقد أن الله فعال في الأرض :
أيها الأخوة الكرام, الشرك ألوان، أحد أنواع الشرك: ألا تعتقد أن الله فعال في الأرض ، مع أن الله عز وجل يقول:
﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾
[سورة الزخرف الآية: 84]
2- أن تجعل لله أنداداً، أن تحبهم كحب الله تعالى :
من الشرك: أن تجعل لله أنداداً، أن تحبهم كحب الله تعالى، قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾
[سورة البقرة الآية: 165]
3- أن تطلب العزة مما سوى الله :
من ألوان الشرك: أن تطلب العزة مما سوى الله:
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾
[سورة مريم الآية: 81-82]
بتاريخنا المعاصر: كم جهة اعتمدت على جهة مما سوى الله اعتماداً كبيراً، ثم طعنتها بالظهر، التاريخ بين أيديكم:
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً * كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً﴾
[سورة مريم الآية: 81-82]
4- أن تستنصر بغير الله :
من ألوان الشرك: أن تستنصر بغير الله:
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آَلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ * لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ﴾
[سورة يس الآية: 74-75]
5- أن يفرح الإنسان، وأن يستبشر إذا ذكر الشركاء لله عز وجل
من ألوان الشرك: أن يفرح الإنسان، وأن يستبشر إذا ذكر الشركاء لله عز وجل.
﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 45]
الآن: قدم تفسيراً أرضيًا للأحداث يستبشر الناس، قدم تفسيراً توحيدياً, يعود بلائمة على المسلم، يتألم المسلم.
6- إذا ذكرت الله وحده نفر الناس :
من ألوان الشرك: أنك إذا ذكرت الله وحده نفر الناس، وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده:
﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُوراً﴾
[سورة الإسراء الآية: 46]
7- أن تحلل ما حرم الله، وأن تحرم ما أحل الله :
من ألوان الشرك: أن تحلل ما حرم الله، وأن تحرم ما أحل الله، أي أن تكون أنت المحلل والمحرم:
﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيباً فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 136]
هو يحلل ويحرم، أن تتخذ أنداداً تحبهم كحب الله، أن تطلب العزة مما سوى الله، أن تطلب النصر مما سوى الله، أن تستبشر إذا ذكر الشركاء لله عز وجل، ألا تستبشر، بل تشمئز إذا ذكر الله وحده، وأن تحلل وتحرم, هذا كله من ألوان الشرك بالله عز وجل.
ما هي الأسباب الكبيرة التي تحمل على الشرك وهو نقيض التوحيد؟ :
1- أن تعجب بعقلك، أو أن تتبع رأياً لا علاقة له بالوحي، أو أن تتبع هواك :
أيها الأخوة الكرام, ما هي الأسباب الكبيرة التي تحمل على الشرك وهو نقيض التوحيد؟.
أولاً: أن تعجب بعقلك، أو أن تتبع رأياً لا علاقة له بالوحي، أو أن تتبع هواك, هذه آفات ثلاث، أن تعجب بعقلك، وأن تعد العقل مرجعاً لكل شيء:
﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾
[سورة المدثر الآية: 18-19]
أن يحجب العقل عن وحي السماء، هو شيء كبير جداً، لكن لا قيمة للعين من دون ضوء، كما أنه لا قيمة للعقل من دون وحي، الضوء للعين كالوحي للعقل، فعقل بلا وحي ضال مضل، والعالم يتخبط في صراعات، وفي حروب، وفي تدمير، وفي شقاء، وفي رذيلة، وفي إباحية، لماذا؟ لأن العقل البشري استقل عن وحي السماء.
أكاد أقول لكم: إن ما تعانيه البشرية من مشكلات, بسبب عقل بلا وحي، وكل ما جاء به الإسلام من تقدم ومن خير, هو عقل يهتدي بالوحي، أنت كمسلم لك عقل يهتدي بالوحي، والكافر عقل بلا وحي، لذلك المؤمن الله عز وجل يكرمه بالحكمة:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية: 269]
والكافر أكبر عقاب له أن الله يتخلى عنه، فإذا هو يرتكب حماقات ما بعدها من حماقات، فحينما تعتقد أن عقلك هو كل شيء، وأنه وحده يعطيك الحل لكل مشكلة، وتستغني عن وحي السماء، فهذا أحد أكبر أسباب الشرك، فحينما تقبل رأياً يتناقض مع وحي السماء، أيضاً هذا أحد أكبر أسباب الشرك، وحينما تحكم الهوى والمصلحة تقع بالشرك، فالآراء والعقول والأهواء, هي سبب الشرك الذي هو المهلك:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾
[سورة النساء الآية: 48]
2- اتباع الشهوات، والخضوع للغرائز :
عندنا سبب آخر للوقوع بالشرك هو: اتباع الشهوات، والخضوع للغرائز، إما إنسان عنده ضلال بعقله، أو إنسان عنده انحراف بشهواته:
﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[سورة طه الآية: 123]
لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه. انظر إلى هذا التكامل بين الدرس السابق والدرس اليوم :
أيها الأخوة, الدرس السابق والدرس الحالي متكاملان, الدرس السابق من هو الله؟ هو الخالق, هو البارئ, هو المصور, أسماؤه حسنى:
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾
[سورة الإسراء الآية: 110]
الدرس السابق: من هو الله؟ الدرس الحالي: ما واجبنا تجاه هذا الإله العظيم؟ أن نعبده وحده، الدرس الماضي الحمد لله رب العالمين، الدرس الحالي لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، هذه كلمة التوحيد، هذه كلمة الإسلام الأولى، أن تفرده بالعبودية، أن تعبده وحده، وأن تأخذ مراده منك من خلال رسوله، لا إله إلا الله محمد رسول الله، أول كلمة العبودية لله وحده, ما قال الإله هو الله، هناك نفي, لا معبود بحق إلا الله, الكلمة الثانية مراد الله منك, تعرفه من خلال رسول الله.
نهاية المطاف :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3338/09.jpg
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً، وهذه الدروس من أدق دروس الإسلام، دروس العقيدة، إن صحت عقيدتنا صحت عملنا، وإن فسدت فسد عملنا, وأعيد وأكرر: العقيدة هي الميزان، ومفردات الدين هي الوزن، فالخطأ في الميزان لا يصحح ، بينما الخطأ في الوزن لا يتكرر، أخطر شيء أن يكون خطؤك بالميزان، هذه العقيدة.
أكثر المقصرين لا يرى أن الله وحده يتصرف، يرى شركاء لله عز وجل، لذلك يخاف من زيد وعبيد، يتمزق، لو أنه وحد لانتهت كل مشكلاته، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، فنحن حينما نقول: لا إله إلا الله, يعني لا معبود بحق إلا الله، أنت عرفت الله, من مقتضيات هذه المعرفة أن تعبده.
إنسان يكاد يموت من العطش, علم أن في هذا المكان نبع ماء، هل يتم واقفًا؟ مستحيل ، عندك معرفة، ومقتضى هذه المعرفة أن تتحرك نحو الحقيقة.
درس اليوم: مقتضى هذه المعرفة؛ أن أنتقل وأشرب من هذا الماء فأرتوي، درس اليوم العبادة، الدرس الماضي كان معرفة رب العالمين.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-01-2018 06:17 AM

رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( السادس )

الموضوع : شروط لااله الا الله (1)







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
درس اليوم :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السادس من دروس العقيدة الإسلامية.
تحدثنا في درس سابق عن معنى لا إله إلا الله، وتحدثنا في الدرس قبل السابق عن معنى رب العالمين، وكيف أن المؤمن يؤمن بالربوبية ويؤمن بالألوهية، واليوم الحديث عن شهادة لا إله إلا الله، وهي كلمة الإسلام الأولى، وقد جمعت في هذه الكلمة مبادئ العقيدة الأساسية بأكملها.
ما ملخص دعوة الأنبياء؟ :
أيها الأخوة الكرام, بادئ ذي بدء: أن الله سبحانه وتعالى لخص في القرآن الكريم دعوة جميع الأنبياء من دون استثناء، فقال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 25]
فالإسلام: عقيدة, وشريعة، إيمان, وعمل، العقيدة ملخصة بلا إله إلا الله، والعمل ملخص بالعبادة، لذلك قالوا: نهاية العلم لا إله إلا الله، ونهاية العمل عبادة الله، فمن عرف أنه لا إله إلا الله وعبده, فقد حقق المراد من وجوده، وحقق الهدف من خلقه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 25]
والعبادة كما تكلمت في دروس سابقة بالمفهوم الواسع لا بالمفهوم الضيق: غاية محبة الله، وغاية الخضوع له، وغاية التقرب إليه، وغاية التوكل عليه، طاعة طوعية, ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية، وهي علة وجودنا.
ما مضامين هذه الأمثلة؟ :
وللتوضيح نمثِّل: بتاجر يسافر إلى بلد أجنبي كي يعقد صفقة، ويعقد على هذه الصفقة كل الآمال، فإذا سافر إلى هذا البلد, كانت علة وجوده في هذا البلد, أن يعقد هذه الصفقة، وإلا لا معنى لوجوده، ولا معنى لتجشم مشاق السفر, ولا معنى لدفع نفقات السفر، علة وجوده أن يعقد هذه الصفقة، والطالب الموجود في بلد لينال الدكتوراه, علة وجوده تحصيل هذه الشهادة.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3339/01.jpg
أدق فكرة: أنك حينما تكون واعياً لعلة وجودك في أي مكان, تأتي حركتك صحيحة، بل إن أدق أدق الجزئيات في حركتك اليومية, ينبغي أن ترتبط بهدفك الكبير، كيف؟ ذكرت هذا سابقاً:
أنت في باريس من أجل نيل الدكتوراه, كل حركة من حركاتك متعلقة بهدفك، تبحث عن بيت قريب من الجامعة، تصاحب صديقاً يتقن الفرنسية، تشتري مجلة تتعلق باختصاصك ، تذهب إلى المعرض من أجل أن ترى الإنجازات العلمية مما تتعلق به دراستك، فكل حركة ، وكل سكنة متعلقة بهذا الهدف الكبير، فنحن في الأرض علة وجودنا عبادة الله، أي أن نعرفه، ثم نعبده، ثم نسعد بقربه.
الحقيقة الدقيقة: أن علة خلقنا أن نسعد، خلافاً لما يتوهم معظم الناس، ومعظم الناس يتوهم أن الله خلقنا ليعذبنا، يرى مصائب، وأمراضًا، وحروبًا، وفتنًا، ودمارًا، وقتلاً، واضطهادًا، فيتوهم خطأ كما يوسوس له الشيطان أن الله خلقنا ليعذبنا، تماماً كطالب في مدرسة قصر تقصيراً شديداً، فأنزلت به بعض العقوبات فقال: إن هذه المدرسة إنما أنشئت لتعذيب الطلاب، لا يا سيدي، إنما أنشئت لتعليم الطلاب، أنشئت لتهذيبهم، أنشئت ليكونوا قادة لأمة، أنشئت ليكونوا الطلاب علماء، أنشئت ليكونوا الطلاب أخلاقيين، هذه أهدافها الكبيرة، أما إذا قصر الطالب, أو سمح لنفسه أن يقصر، أو أن يعتدي على غيره, تنزل به العقوبات، ولكن ليس الأصل في هذه المؤسسة إيقاع العقوبات بالطلاب، الأصل: التعليم والتهذيب والتربية.
لم خلقنا الله؟ :
الله عز وجل قال:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
[سورة هود الآية: 119]
خلقهم ليرحمهم، خلقهم ليسعدهم، خلقهم لينعموا بجنة عرضها السموات والأرض:
﴿إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾
[سورة هود الآية: 119]
هذا هو الاتجاه الصحيح في الدين، ولو كنت في آخر الزمان، ولو رأيت المصائب تترا على المسلمين، ينبغي ألا تتزعزع عقيدتك من أن الله خلق عباده ليسعدهم، لكنهم عصوه ، لكنهم تفلتوا من منهجه.
من أركان التوحيد :
أيها الأخوة الكرام, كلمة التوحيد لا إله إلا الله فيها ركنان؛ فيها نفي لا إله، وفيها إثبات إلا الله.
لا إله، هذه لا نافية للجنس، كيف؟ لو أن جاراً لك طرق بابك ليلاً, قال لك: أعندك رغيف خبز؟ إذا قلت له: لا خبزٌ عندي، هذا شيء، وإن قلت له: لا خبزَ عندي شيء آخر، إذا قلت: لا خبزَ عندي, فـ لا هنا نافية للجنس، أي ليس عنده خبز، ولا كعك، ولا قمح، جنس القمح ومشتقاته ليست عنده، أما إذا قال: لا خبزٌ عندي، هذه لا يسميها النحاة لا الحجازية، تنفي المفرد، ولا تنفي الجنس، أي إذا قلنا: لا طالبٌ في الصف، بل طالبان، نفينا ماذا؟ المفرد أما: لا طالبَ في الصف، بل طالبة, نفينا الجنس، فهذه لا في: لا إله للجنس أم للمفرد؟ للجنس ، أي ليس في الكون إله إلا الله، لا معطي ولا مانع، ولا رازق، ولا خافض ولا رافع، ولا معز ولا مذل، ولا متصرف إلا الله، لا إله إلا الله، الله علم على الذات، صاحب الأسماء الحسنى، والصفات الفضلى، الله واجب الوجود، وما سواه ممكن الوجود، إذاً هناك نفي وإثبات ، لا إله إلا الله.
هذه الكلمة خفيفة على اللسان، لكنها ثقيلة في الميزان، خفيفة على اللسان، لا إله إلا الله, أما هي فثقيلة في الميزان، إذا أيقنت بمعناها الدقيق، وأنه لا معبود بحق إلا الله، ولا أحد يستحق العبودية إلا الله، لكنت في منجاة من هموم ساحقة لا تنتهي.
أيها الأخوة الكرام, أركان هذه الكلمة نفي وإثبات، لا إله إلا الله.
ما حق الله علينا وما حق العباد على الله؟ :
الحديث الذي تعرفونه، والذي أردده كثيراً، فعَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
((كُنْتُ رِدْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى حِمَارٍ, يُقَالُ لَهُ: عُفَيْرٌ, فَقَالَ: يَا مُعَاذُ, هَلْ تَدْرِي حَقَّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ, وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ, قَالَ: فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.
-الله له حق عليك؛ أن تعبده، أن تطيعه، أن تأتمر بأمره، أن تنتهي عما عنه نهاك، أن تتوكل عليه، أن تتوجه إليه، أن تثق به، أن تحبه، حق الله على عباده أن يعبدوه، فسأله مرة ثانية-:
ثُمَّ سَارَ سَاعَةً, ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ, قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, فَقَالَ: هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوهُ؟.
-والله لو لم يكن في السنة إلا هذا الحديث لكفى، هذا الحديث يملأ قلب المؤمن طمأنينة، ويملأ قلب المؤمن ثقة بالله عز وجل-.
قَالَ: حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ))
أنت معك ضمانة من الله ألا يعذبك إذا عبدته. أنت بين التولي والتخلي :
أيها الأخوة, وبشكل مختصر ما دمت تحت مظلة الله عز وجل فأنت في أمن وسلام، مختصر ما دمت تحت مظلة الله عز وجل فأنت في بحبوحة، مختصر ما دمت تحت مظلة الله عز وجل فأنت في حمى الله، لذلك إذا قلت: الله تولاك الله عز وجل، وإذا قلت: أنا تخلى الله عنك، وأنت بين التولي والتخلي, قل: أنا ولو كنت صحابياً لتخلى الله عنك، لن نغلب من قلة، تخلى الله عنهم:
﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾
[سورة التوبة الآية: 25]
في بدر قالوا: الله فتولاهم الله، هذا الامتحان تمتحن به كل يوم، تقول: أنا ابن عائلة، خير إن شاء الله، تقول: أنا معي شهادة عليا، أنا تاجر، ترتكب حماقة بالتجارة فتفلس، حينما تعزو قدراتك إلى ذاتك, فقد وقعت في الشرك الخفي، في أيّ مجال؛ إن كان في العمل الجراحي، إن كان بالدعوة إلى الله، إن كان بالخطابة، إن كان بالتدريس، إن كان بالصناعة.
قصة :
أخ من أخواننا, يكاد يكون الأول في إصلاح الحواسيب الصناعية، وقضاياه سهلة جداً ، متفوق تفوقاً كبيراً، مرة طلبه معمل فطلب مبلغاً، فصاحب المعمل بالغ في محاككته, فتضايق منه, قال له: هذا المبلغ لا آخذ أقل منه، أنا لست بحاجة إليك، أنت بحاجة إلي، وانصرف، بعد يوم اتصل به صاحب المعمل، وقال له: تعال وأصلح هذا الحاسب، قال لي: بالعادة ساعة وتحل معي المشكلة، مرت ساعة، ساعتان، ثلاث، أربع، ثماني ساعات، مضى النهار، والطريق مغلق، ثاني يوم، ثالث يوم، رابع يوم، خامس يوم، سادس يوم، سابع يوم، ولم يصلح، الطريق مغلق، قال له: أريد أن أغيب يوماً، قال لي: غبت يوماً وراجعت نفسي، أنا ماذا فعلت؟ ما الذي قلته, وليس فيه أدب مع الله, حتى أستحق هذا الإغلاق؟ تذكر أنه قال له : أنا لست بحاجة إليك، لكنك بحاجة إلي، اعتد، استغفر، واسترجع، وتاب، ودفع صدقة، فثاني في يوم ربع ساعة انحلت المشكلة، بأي مجال تقول: أنا يتخلى عنك، قل الله يتولاك، أنت بين التولي والتخلي.
متى يتولى الله العبد؟ :
أيها الأخوة، لمجرد أن تقول الله, وأن تعبده, فأنت في حمايته, وأنت في رعايته, وأنت تحت مظلته، وأنت لك معاملة متميزة، والله عز وجل يتولاك بالرعاية, والتوفيق, والتأييد, والنجاح، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة الأنفال الآية: 19]
معهم بالتوفيق، ومعهم بالتأييد، ومعهم بالنصر، ومعهم بالحفظ، يحفظك, ويؤيدك, و ينصرك, ويتولاك.
إذاً: هناك ضمان من الله أننا إذا عبدناه لن يعذبنا، لنا حق على الله بشرط أن نعبده ألاّ يعذبنا.
من شروط لا إله إلا الله :
1-العلم بها :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3339/02.jpg
أيها الأخوة: هذه أركانها, فما شروطها؟ الشرط الأول لكلمة لا إله إلا الله: العلم بها، لا يقبل الله من إنسان عقيدة بالتقليد، ولو كانت صحيحة، لأنك إذا قلدت في العقيدة تكون مقاومتك هشة، لا تصمد أمام إغراء وضغط، أقل إغراء يخرجك عن طاعة الله، وأقل ضغط يخرجك عن طاعة الله، أما إذا بنيت عقيدتك على علم, وعلى بحث, وعلى درس, وعلى دليل, وعلى فقه, هذا الإيمان المطلوب، الإيمان التقليدي مرفوض، بل لو أن الله قبل من عباده عقيدة بالتقليد, لكانت كل الفرق الضالة على حق، وناجية عند الله، أليس كذلك؟ ماذا يقولون يوم القيامة؟ يا رب سمعنا فلاناً يقول فصدقناه، نحن قلدناه، لا تقبل عقيدة التوحيد تقليداً، لا تقبل إلا تحقيقاً، لا تقبل إلا عن بحث ودرس، لا تقبل عن استسلام ساذج، لا تقبل إلا عن علم.

ما العلاقة في هذه الآية: -فاعلم أنه لا إله إلا الله- وبين:-واستغفر لذنبك- :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3339/03.jpg
والدليل:

﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾
[سورة محمد الآية: 19]
الحقيقة: يوجد علاقة رائعة بين قوله تعالى:
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله﴾
وبيــن: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾
من رأى شيئاً يسره فليحمد الله، ومن رأى غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، فليستغفر ربه ، هل ترى هذه الحقيقة؟ لا تدع يأساً، ولا حقداً، ولا قهراً، إن جاءت الأمور كما تتمنى فاحمد الله، وإن لم تأت كما تتمنى فاستغفر لذنبك، ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾
الأمر بيد الله عز وجل. وهم طرق في أذهان بعض المسلمين :
الآن يحلو لبعض المسلمين أن يقول: هناك مؤامرات كبيرة على المسلمين، الدول الغربية دول قوية جداً، ودول معها أسلحة مخيفة، ومعها الإعلام، ومعها الاقتصاد، ومعها أسلحة، ونحن ضعفاء، ماذا نفعل؟.
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾
الأمر بيد الله، لا بيد الغربيين، ولا بيد وحيد القرن، ولا بيد الموساد، ولا بيد الصهيونية العالمية، بيد الله عز وجل، وكلنا عباده، فإذا كنا نعاني من مشكلة كبيرة فلنستغفر لذنوبنا، لأنه ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، على مستوى أفراد, وعلى مستوى جماعات، ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة. ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ الله وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾
النقطة الدقيقة: أن عقيدة التوحيد لا تقبل تقليداً، لا تقبل إلا تحقيقاً وبحثاً ودرساً. قف عند هذا الموطن :
الدليل الثاني في صحيح مسلم: عَنْ عُثْمَانَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ))
ويوجد حديث آخر رواه عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
اليقين لا يحتمل الريب أبداً :
أيها الأخوة, أحياناً عندك عقيدة لا بأس بها، لكن لست متأكداً، لا يوجد يقين، قال الشاعر:
زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأموات قلت إليكما
أي لا يوجد آخرة:
إن صح قولهما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3339/04.jpg
هذا في ريب، اليقين لا يحتمل الريب أبداً، اليقين قطعي، يوجد وهم ثلاثين بالمئة، يوجد شك خمسين بالمئة، يوجد ظن ثمانين بالمئة، يوجد غلبة ظن تسعين بالمئة، هذا كله يتناقض مع الإيمان، الإيمان قطع بالمئة مليون، فلا يكفي أن أكون مؤمناً، ولكن لست متأكداً، ينبغي أن أكون مؤمناً يقيناً، يقيناً قطعياً، والدليل أن الله سبحانه وتعالى يقول:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية: 15]
لم يرتابوا: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 23]
باليقينيات. انظر إلى هذه الهجمة الشرسة ضد المسلمين اليوم :
قد تجد العالم كله يحارب المسلمين، أينما ذهبت إلى أي مكان بالأرض المسلم محارب, هل يتضعضع يقينك أن هذا الدين ليس دين حق؟ لا والله، هو الدين الحق، وهو الدين الذي سيظهره الله على الدين كله، ولو كره الكافرون، هذا هو الدين الحق، ولو أن أهل الأرض جميعاً حاربوه لأنه دين الحق يحارب.
متى يدخل العبد الجنة؟ :
وفي الحديث الصحيح الذي رواه الإمام مسلم: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ, فَنَفِدَتْ أَزْوَادُ الْقَوْمِ, فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ, لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا, إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
العلم واليقين.
أحياناً تسأل طالباً سؤالاً, يأتيك بالجواب الصحيح, قد تشعر كفاحص, أن هذا الجواب الصحيح رمية من غير رام، وقد تشعر أنه قالها صدفة، فتحاول أن تغالطه، فإذا كان غير متأكد سريعاً ما يتخلى، يتكلم كلاماً آخراً خطأ، معنى ذلك لا يكفي أن تأتي بالصحيح، ينبغي أن تكون متأكداً، كثيراً بالفحوص الشفهية يشعر الفاحص أن الطالب أجاب إجابة صحيحة، لكنه غير متأكد، مضطرب، فالأستاذ يسأله سؤالاً آخراً كيف؟ مباشرة يتخلى عن إجابته الصحيحة، وينحو منحى خطأ، معنى أجاب إجابة صحيحة، لكنه غير متأكد، غير متيقن، فلا يكفي أن تعلم أنه لا إله إلا الله، أن تقول: لا إله إلا الله، ولو كنت تحت سياط الجلادين، كسيدنا بلال الحبشي، كان يقول: أحَد أحَدٌ، وهو يتلقى التعذيب، أن تؤمن أنه لا إله إلا الله، وأمامك سبائك الذهب اللامعة, تقول: معاذ الله أن أخون ديني، وأن تقول: لا إله إلا الله, وأنت تحت سياط الجلادين اللاذعة، هذا الإيمان الذي يصمد أمام الإغراء تارة، وأمام الضغط تارة أخرى. 2- أن تكون مخلصاً في النطق بها :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3339/05.jpg
شروط هذه الكلمة كلمة التوحيد، كلمة الإسلام الأولى لا إله إلا الله: أن تكون مخلصاً في النطق بها، والإخلاص من أين يؤتى؟ من أين يشترى الإخلاص؟.
لو أن شخصاً, سأل طبيباً متفوقاً جداً, قال له: بربك لي عندك طلب صغير جداً، قال له: تفضل، قال له: علمني كيف أكتب الوصفة؟ تبسم الطبيب, قال له: كتابة الوصفة محصلة كتابة ثلاث وثلاثين سنة، بعد دراسة ثلاثاً وثلاثين سنة, تكتب للمريض وصفة صحيحة، فهذا الأخ طلب شيئاً بسيطاً جداً، فقط يتعلم كيف يكتب الوصفة، فالإخلاص محصلة إيمانك كله، محصلة جهاد نفسك وهواك، محصلة صلاتك، محصلة توحيدك وإيمانك بالربوبية، محصلة عملك الصالح، الإخلاص نهاية النهاية، الإخلاص كيف أن سعر العملة يقيد اقتصاد أمة، العملة سعرها يعبر عن اقتصاد أمة، النمو الاقتصادي, والتصنيع, والتجارة الرابحة, والتصدير، كل هذه العوامل ملخصة بسعر العملة، فلذلك محصلة دينك كله: إخلاصك لله عز وجل.
من علامة إخلاصك :
بالمناسبة: المخلص لا يتأثر بالمديح إيجاباً، ولا يتأثر بالذم سلباً، يبتغي وجه الله، ولا يعبأ، أمدح أم لم يمدح:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 9]
والمخلص لا يتغير عمله في خلوة عن جلوة، هو في الخلوة وفق منهج الله، ومع الناس وفق منهج الله، لا يتغير سلوكه بإقامة أو بسفر.
قال لي شخص: يوجد إنسان دينه جغرافي، أي في بلده منضبط، أما إذا سافر إلى بلاد أخرى لا ينضبط، فعلامة الإخلاص: ألاّ يتبدل عملك لا بالمكان, ولا بالزمان، ولا بالخلوة, ولا بالجلوة، ولا بالمديح, ولا بالذم، علامة إخلاصك: أنك إذا عملت عملاً يرضي الله, شعرت بالسكينة في قلبك، لأن الله أعاد عليك إخلاصك, سكينة ألقاها في قلبك.
من عدم الإخلاص :
من تعلم العلم ليجادل به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف وجوه الناس إليه, فليتجهز إلى النار.
أحياناً يتكلم أخوك كلاماً طيباً, أنت أصبحت بالتعتيم, فلا بد من أن تعارضه كي تثبت شخصيتك في المجلس، موضوع الحق لم يخطر في بالك إطلاقاً، موضوع أنه أنا موجود، فأكثر الاعتراضات تكون من إنسان غير مخلص.
قال سيدنا الصديق لسيدنا عمر: يا عمر ابسط يدك لأبايعك، قال له: أنا!؟ أي أرض تقلني, وأي سماء تظلني, إذا كنت أميراً على قوم فيهم أبو بكر، قال له: يا عمر أنت أقوى مني ، قال له: يا خليفة رسول الله أنت أفضل مني، فقال له عمر: قوتي على فضلك نتعاون.
من منعكسات الإخلاص :
أخواننا الكرام, الإخلاص له منعكسات رائعة، أحد منعكساته التعاون، أحد منعكساته التواضع، أحد منعكساته حمل هم المسلمين، أحد منعكساته أن المخلص يضحي بمصلحته الخاصة مقابل مصالح المسلمين العام، هذا المخلص.
أنواع العبادة :
قال تعالى:
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾
[سورة البينة الآية: 5]
العبادة نوعان؛ عبادة الجوارح، وعبادة القلب، عبادة الجوارح أن تصلي، وأن تصوم، وأن تحج، وأن تزكي، وأن تغض البصر، وعبادة القلب الإخلاص، الإخلاص ينفع معه كثير العمل وقليله، وعدم الإخلاص لا ينفع معه لا كثيره ولا قليله، الإنسان دون أن ينتبه, بفلتة لسان يشف عن عدم إخلاصه، إذا كانت له مكانة معينة في مجتمع، وظهر من بيته مخالفة شرعية, لا يتألم أن هناك مخالفة، ماذا يقول الناس عني فقط؟ لو أن هذه المخالفة ارتكبت دون أن يعلم الناس بها, فلا مشكلة عنده أبداً، المشكلة ماذا يقول الناس عني؟ هذا عدم إخلاص.
صلى إنسان خلف الإمام في الصف الأول، وأدرك التكبيرة الأولى أربعين عامًا في صلاة الفجر، فلما فاتته الصلاة في المسجد في أحد الأيام, تألم ألماً لا حدود له، قال: ماذا يقول الناس عني في هذا اليوم؟ معنى ذلك أن عمل أربعين عامًا لا قيمة له عند الله، فشتان بين أن تعمل للناس، وبين أن تعمل لله، اعمل لوجه واحد يكفك الوجوه كلها.
إليكم الدليل من السنة على أنه من شروط لا إله إلا الله الإخلاص :
أيها الأخوة, إضافة إلى الدليل القرآني على أن الإخلاص من شروط لا إله إلا الله, هناك دليل من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ففي حديث البخاري: فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ:
((قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَقَدْ ظَنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلُنِي عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَحَدٌ أَوَّلُ مِنْكَ, لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الْحَدِيثِ, أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ, مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ أَوْ نَفْسِهِ))
ورد أيضاً: أنه من قال: ((لا إله إلا الله بحقها دخل الجنة، قيل: وما حقها؟ قال: أن تحجزه عن محارم الله))
وفي صحيح الإمام مسلم: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح]
العلم، واليقين، والإخلاص، حتى تصح تكون هذه الكلمة محور عقيدتنا، ومحور إيماننا.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-01-2018 06:20 AM

رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( السابع )

الموضوع : شروط لااله الا الله (2)







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما الفرق بين حالة المؤمنين في عهد النبي وبين حالتهم في العصور المتأخرة؟ :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس السادس من دروس العقيدة الإسلامية، وقد بدأت في الدرس الماضي بفضل الله عز وجل بمعنى لا إله إلا الله, وذكرت بعضاً من شروطها، وها أنذا أتم الشروط، ولكن لا بد من كلمات في هذا الموضوع.
أخوتنا الكرام, قد تجد بوناً شاسعاً بين حالة المؤمنين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وبين حالتهم في العصور المتأخرة، أضع بين أيديكم هذا المثل:
قد يرتدي طبيب ثوباً أبيضَ، وقد يضع على عينيه نظارة، وقد يضع في جيبه ميزان حرارة، وقد يضع في عنقه سماعة قلب، هذا المظهر، لكن الحقيقة: أن هذا الطبيب أمضى ثلاثة وثلاثين عاماً في الدراسة، واجتاز امتحانات صعبة جداً، واجتاز امتحانات عملية، وله تجارب كثيرة، حتى إن مجموع هذه المعلومات، وتلك الخبرات، وهذه التجارب, شكّل إنساناً يعلم بدقائق عمل هذا الجسم.
الآن لو جاء إنسان لا يقرأ ولا يكتب، وارتدى ثوباً أبيضاً، ووضع على عينيه نظارة، ثم وضع في جيبه ميزان حرارة، ووضع في عنقه سماعة قلب، هل يعد هذا طبيباً؟ المظهر متقارب, أما البون فشاسع وكبير.
ما سبب فتح مشارق الأرض ومغاربها في عهد الصحابة؟ :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3340/01.jpg
أخوتنا الكرام, هذه الكلمة لا إله إلا الله التي لما آمن بها أصحاب رسول الله, فتحوا مشارق الدنيا ومغاربها، والأرض هيَ هي، كيف الآن لدينا دولة قوية جداً، وقبل سنوات كان يوجد دولتان قويتان جداً يملكان زمام القوة في العالم، وفي عهد النبي عليه الصلاة والسلام كان هناك دولتانِ قويتان قطبان الفرس والروم، والفرق بين قوة أصحاب رسول الله وهم قلةٌ قليلة عاشوا في الصحراء، وبين قوة هذه الدول الكبيرة في عهد النبي الفرق نفسه, لكن هذه الكلمة حينما فهمها أصحاب رسول الله فهماً كما ينبغي، وعملوا بها كما ينبغي، كانت نتائج فهمهم لها كبيرةً جداً.


ما معنى لا إله إلا الله, لا معبود بحق إلا الله؟ :
أيها الأخوة، لا تعتد بمن يقول: لا إله إلا الله بلسانه، لا تعتد بمن يقول: لا إله إلا الله ولم يؤمن بها قلبه، لا تعتد بمن يقول: لا إله إلا الله ولا ترى أثرها في عمله، يعني لا إله إلا الله: لا معبودٍ بحقٍ إلا الله، والمعبود هو الذي يعطي، وهو الذي يمنع, وهو الذي يخفض، وهو الذي يرفع، وهو الذي يعز, وهو الذي يذل، هذا المعبود, إن الله وحده يعطي ويمنع، ويخفض ويرفع، ويعز ويذل، إذاً: يجب أن تعبده وحده.
الآن: أي مسلم يبتغي أمراً بمعصية الله, لا يؤمن بهذه الكلمة أبداً.
كنت أقول دائماً: أن كلمة الله أكبر يقولها الإنسان في اليوم عشرات المرات، إذا أعجبه منظر قال: الله أكبر، إذا سأل عن السعر: الله أكبر، الله أكبر ما هذا السعر؟ نرددها عشرات المرات، لكن لو أنك أطعت زوجتك، ولم تطع ربك، لو أنك أرضيت زوجتك بمعصية ربك، لو أنك أرضيت أولادك بمعصية ربك، لو أنك أطعت مخلوقاٌ وعصيت خالقاً، لم تقل الله أكبر ولا مرة، ولو رددتها بلسانك ألف مرة، فالمشكلة لا مع كلمات تردد، بل مع مضامين يعتقد بها، لا مع كلمات مؤلفة من حروف تردد، ولكن مع مضامين.
لما أرسل خليفة المسلمين هارون الرشيد رسالة قال لنقفور الروم: من هارون الرشيد إلى كلب الروم، ما الذي حصل؟ إنه حاربهم، وانتصر عليهم، وانتزع منهم الجزية، قلّدها إنسان آخر لم تنجح القضية، ليست باللفظ، بل بالعمل.
تعمق في معنى هذه الكلمة :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3340/02.jpg
فنحن في الدرس الماضي بدأنا بالحديث عن شروط هذه الكلمة: كلمة لا إله إلا الله.
لو تعمقنا في معناها لحوصرنا, تنافق من أجل ماذا؟ من أجل أن تنال عند هذا القوي مكانةً، العز عند الله، الله عز وجل هو الذي يعز، فإن العزة لله جميعاً، لو أيقنت أن الله وحده يعز ووحده يذل, لما نافقت مع هذا الإنسان، لو آمنت أن الله وحده يرزق ووحده يقدر, لما كسبت رزقك بالحرام.


ما سبب وجود هذه الأمراض بين المسلمين اليوم؟ :
لو أردت أن تحلل كل ما يفعله المسلمون من انحرافات عن منهج الله, وجدت أنها بسبب ضعف توحيدهم، وبسبب ضعف إيمانهم بلا إله إلا الله، لا إله إلا الله، لا معبود بحقٍ إلا الله، ليس في الكون جهةٌ تستحق أن تعبد إلا الجهة التي تتصرف وحدها، وتعطي وحدها، وتمنع وحدها، وترفع وحدها، وتخفض وحدها.
أكاد أقول: إن معظم أمراض المسلمين من ضعف توحيدهم، إن معظم معاصي المسلمين من ضعف توحيدهم، إن معظم انحرافات المسلمين من ضعف توحيدهم، إن معظم المخاوف التي تأكل قلوب المسلمين من ضعف توحيدهم.
هذه كلمة التوحيد الأولى لا إله إلا الله، والله يمكن أن تتكلم عن هذه الكلمة سنوات، الإله الذي يمنح الحياة هو الله، والذي ينهي الحياة هو الله، التغى الجبن، التغى الخوف، الذي يمنحك الحياة هو الله وحده، والذي يأخذها منك هو الله وحده، من هنا تأتي الشجاعة، الذي يرزقك هو الله وحده، والذي يقتر عليك الرزق هو الله وحده، من هنا تأتي الاستقامة في كسب المال، الذي يعزك هو الله وحده، من هنا يلغى الرياء، ما في داع أن أمدح نفسي، ولا أن أنتزع إعجاب الناس، ولا أن أمضي الساعات الطويلة في الحديث عن نفسي، وعن مكانتي, وعن إمكاناتي، وعن إنفاقي, وعن مالي، حتى أكون في مكان مرموق في نظر الناس، تكاد تكون معظم أمراضنا بسبب ضعف التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، تكاد تكون معظم آلامنا بسبب ضعف التوحيد.
ما مطلب هذا الدليل من القرآن؟ :
الدليل:
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 213]
أخواننا الكرام, الشهوة إله، وسمعتك التي تحرص عليها إله، قد تعصي الله فيما بينك وبينه، وتتألم أشد الألم إذا علم الناس بهذه المعصية، معنى ذلك: أنك تعبد سمعتك من دون الله، الحديث عن لا إله إلا الله لا ينتهي، لكن الجهة الوحيدة التي ينبغي أن تطيعها، وأن تحبها، وأن تخلص لها، وأن تتوكل عليها، وأن تقبل عليها، وأن تسلم إليها مصيرك، هي الله عز وجل، هي الجهة الوحيدة، الجهة الصانعة. هذا ما قاله علماء النفس :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3340/03.jpg
أيها الأخوة, سمعت من بعض علماء النفس: أن أشد الناس ذكاءً، بل إن العباقرة من الناس, لم يستخدموا من طاقاتهم العقلية إلا النذر اليسير، أودع الله فيك إمكانات شيء لا يصدق، إمكانات كبيرة جداً، لكن الناس يعيشون على هامش الحياة، لو سألت ألف إنسان ما هدفك؟ يعيش بحكم أنه حي, والتعبير العامي عم ندفش، لماذا أنت في الحياة؟ ما هدفك؟ أهدافه غير واضحة، يسوقه التيار العام، تسوقه ما يفعله الناس في الخط العريض، أما أنه هدفه واضح, وسائل الهدف واضحة عنده، وقته ثمين جداً, يراقب نفسه, يحكم نفسه، ولا تحكمه، هذا إنسان يكاد يكون قليلاً.

من شروط لا اله إلا الله :
1-أن تكون صادقاً في قولها وفي العمل بها :
من شروط لا إله إلا الله: أن تكون صادقاً في قولها، وفي العمل بها، لأن هناك كلامًا لا معنى له.
قد تسأل ملحدًا: كيف صحتك؟ يقول لك: الحمد لله، هذا الملحد ينكر وجود الله، فكيف يحمد الله عز وجل؟! هذا الكلام ليس له معنى، هذا مثل كثيرٍ من الكلام يقوله الناس لا معنى له إطلاقاً، وأحياناً هذه الكلمة العظيمة التي هي كلمة الإسلام الأولى, قد يرددها الناس دون أن يفقهوا معناها، لا إله إلا الله ينبغي أن تكون صادقاً في قولها، وصادقاً في العمل بها، لو أجبرك قوي على معصية, وتقول أنت: لا إله إلا الله, صادقاً في قولها, لا يمكن أن تقبل، ولو كان التهديد في حياتك.
سيدنا بلال كان يقول: أحدٌ أحد، لو قلت: لا إله إلا الله صادقاً في قولها, لا يمكن أن تطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً، لو قلت: لا إله إلا الله صادقاً بها, لا يمكن أن تبتغي وسيلة غير شرعية إلى هدف مشروع، أما ما يقوله الناس: إن الغايات تبرر الوسائل، هذا كلام شيطاني، هذه في الحقيقة كلمات كثيرة جداً, جاءتنا من جهات تعادي الدين، نحن أخذناها دون أن نفهمها.
دع ما لقيصر لقيصر، وما لله للهِ، الدين لله، والوطن للجميع، يعني أن الدين علاقة شخصية فقط، لكن الدين لا ينبغي أن يأخذ به في نظم الحياة، يمكن أن يكون أي تشريع أرضي نابع من مصلحة فئةٍ معينة، أما الحياة فينبغي أن ينظمها الدين، ما هدف الجهاد؟ أن يكون الدين لله، ليخضع الناس لله في تشريعاتهم.
أيها الأخوة, الصدق أن تكون صادقاً في قولها, وأن تعتقد بها اعتقاداً جازماً، أن تعمل بها, يؤكد صدقك في قولها, أنك تعمل بها.
ما وراء هذا المثل :
أنا ذكرت هذا المثل مرات عديدة: لو أنك ذهبت إلى طبيب، وكنت ذكيا لبقاً اجتماعياً ، وعالجك، ووصف لك وصفة، وأنت فيما بينك وبين نفسك, تعتد بعلم هذا الطبيب، فصافحته ، وأثنيت عليه، وشكرته بحرارة، ودفعت له الأجر، وأخذت الوصفة، لكنك لم تشتر الدواء، ولم تعبأ بتوجيهاته، إنك تكذبه مع كل الاحترام والتبجيل الذي قدمته له، هذا التكذيب اسمه التكذيب العملي، مع كل الوقار والتبجيل الذي منحته لهذا الطبيب, لأنك لم تفكر أن تشتري الدواء الذي وصفه لك, فأنت تكذبه تكذيباً عملياً.
أنا أقول لكم أيها الأخوة: التكذيب اللفظي قلّما نجده في العالم الإسلامي، لا تجد إنساناً مسلماً يقول لك: ليس هناك آخرة، لكن لأن عمله لا يتناسب مع الآخرة إطلاقاً، لأن كسبه للمال لا يتناسب مع يوم الحساب، لأنه اختيار عمل في أصله لا يرضي الله, لا يتناسب مع الآخرة، لأن طريقة سلوكه لا تؤكد أنه يخاف الله عز وجل، فالكلام ليس له قيمة أبداً، ونحن في عصر ذهبي للكلام المنمق؛ كلمات رنانة، مشاعر طيبة، مشاعر الأسى والحزن في المناسبات الحزينة.
قصة :
توفيت قريبة أحد الأشخاص، وهي بخيلة جداً، وهو وريثها الوحيد، وتركت الملايين المملينة، طبعاً بحسب التقاليد: لبس الأسود، وأطل لحيته، وبدا وكأنه حزين، فجاء صديقه في أثناء التعزية, وقال له: تهانينا، هذه كلمة صدق، رقص قلبه بموتها، لكن هناك كلام، وهناك شكل، وهناك سلوك, ينبغي أن يأخذ به, لئلا يتهم أنه شامت بموت قريبته.
فيا أيها الأخوة, أن تقولها صادقاً بها، يؤكد صدق هذه الكلمة؛ كسبك للمال, إنفاقك للمال، بيتك, بناتك, زوجتك، علاقاتك, مناسبات أفراحك، مناسبات أحزانك لا سمح الله.
متى تكشف حقيقة الإنسان؟ :
أيها الأخوة, مسموح لك أن تقول ما شئت، لكن الله متكفل أن يحجمك، بدليل قوله تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 2]
فقضية أن تقول ما تشاء, قل ما شئت، لكن الله متكفل أن يحجم هذا الإنسان، أن يضعه بظرف يكشفه تماماً، أحياناً الإنسان يترفع عن أكل المال الحرام، يترفع عن مئة ليرة، ألف, خمسة آلاف، عشرة آلاف، عرض عليه مبلغ مليون، يقول: عندي أولاد، غير النغمة، عندي أولاد، هذه بلوى عامة، وهذا ماله حرام لا بد أن نأخذه منه، اختلف الوضع كله، مقاومته هشة.
الله عز وجل قال:
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 30]
مهما ادعيت أنك أنت بأعلى درجة، الله عز وجل يضع الإنسان بظرف، الظرف عجيب الظرف, يكشف حقيقة الإنسان. عملية فرز :
حدثني أخ من مصر, حينما وقع زلزال في القاهرة، الأطباء من دون زلزال مخلصون متفانون في خدمة المواطنين، ويعملون ليلاً ونهاراً، لما حدث الزلزال, عدد كبير منهم هرب إلى الإسكندرية، وعدد قليل بقي في المستشفيات, يعمل ليلاً ونهاراً لخدمة المصابين، ما الذي كشفهم؟ الزلزال، من الذي فرزهم؟ الزلزال، من الذي بين صالحهم من طالحهم؟ الزلزال، لذلك الله عز وجل قال: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 179]
عملية فرز، قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 2]
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 3]
ما الشاهد في هذا الحديث؟ :
النبي عليه الصلاة والسلام يقول في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري, عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ, قَالَ:
((يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ, قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, قَالَ: يَا مُعَاذُ, قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ, ثَلَاثًا, قَالَ: مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ, إِلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ, قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا أُخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: إِذًا يَتَّكِلُوا, وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا))
يشهد صادقاً من قلبه إلا حرّم الله عليه النار. من صفات الإيمان بلا إله إلا الله :
الآن: من صفات الإيمان بلا إله إلا الله: أن تقبل كل ما جاءك عن الله، الله عز وجل يقول:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونََ﴾
[سورة الصافات الآية: 35]

هؤلاء الذين يستحقون العذاب، الناس لا يقبلون تفسيراً للأحداث توحيدياً، يميلون إلى قبول التفسير الشركي الأرضي، نحن أمةٌ من أعلى مستوى, لكن يوجد مؤامرة كبيرة علينا، ماسونية, وصهيونية, واستعمار, وبوش, وشارون، ونحن لم نفعل أي شيء أبداً، التفسير التوحيدي الذي يضعك عند مسؤوليتك، والذي يجعل الكرة في ملعبك، والذي يدفعك أن تغير من سلوكك مرفوض، والتفسير الشركي مقبول، الإنسان يهرب من المسؤولية، يهرب من أن يكون هو المسؤول.
لو أن أباً قصر في تربية ابنه، وابنه فسد، أسأله فيقول: الزمن صعب، المدرسة فاسدة ، والطريق فاسد، والكتاب فاسد، والمناهج فاسدة، والشاشة فاسدة، والإنترنت، وأنت أين كنت ؟ يميل الأب المقصر أن يتهم كل الأطراف الأخرى عدا نفسه، هو غير مسؤول، إذًا: أن تقبَل عن الله عز وجل كل ما جاءك في كتاب الله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونََ﴾
[سورة الصافات الآية: 35]
هذه حقيقة الاستكبار على الله :
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَمِّهِ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, أَشْهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ, قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ, يَقُولُونَ: إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ, لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
إنسان يأبى أن يأتي إلى مجلس علم، أكبر من هذا بكثير, مع أنه طالب العلم، والذي يعلمه في الأجر سواء.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا, سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ))
[أخرجه الترمذي وأبو داود في سننهما]
الترحيب بطالب العلم لا نهاية له في الدين، لك عند الله مكانة كبيرة, حينما تجلس في مجلس علم، لكن هناك من يستكبر، هو أكبر من أن يكون طالب علم، من هذا الذي يدرس هو أفهم منه. المتكبر محجوب عن الله، مبغوض من قبل الخلق :
أخواننا الكرام, كنت أقول لكم: شخص جاءه ضيوف فجأةً، عشرون شخصاً، وليس عنده شيء، عنده كيلو لبن، وضع خمسة أمثاله ماء، ووضع بعض الملح والثلج، وقدم شراب عيران، هذا الكيلو من اللبن قبِل خمسة كيلو من الماء، وصار شراباً طيباً، لو وضعت في اللبن نقطة بترول لم يشرب، الكبر يفسد العمل، المتكبر محجوب عن الله، مبغوض من الخلق, قال تعالى:
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونََ﴾
[سورة الصافات الآية: 35]
انظر إلى هذا القول لأحد العلماء :
يقول أحد العلماء: والله لأن أكون ذنباً في الحق أفضل من أن أكون رأساً في الباطل.
وربّ أشعث أغبر ذي طمرين مدفوع بالأبواب, لو أقسم على الله لأبره.
الله له مقاييس رائعة جداً، الله عز وجل ينظر إلى قلوبنا، قد يأتي إنسان طالب علم, منيب إلى الله، مستقيم على أمره, خائفٌ منه، يكون أفضل من ألف ألف إنسان له سمعة وشهرة كبيرة.
من علامة الولاء والبراء :
الآن: الحب المماثل للبغض، يجب أن تحب الله، يجب أن تحب المؤمنين، يجب أن تحب أمتك الإسلامية على ما فيها من خلل، في إنسان يعتز بالكفر، يمدحهم, يثني على تخطيطهم، يثني على قوتهم، يثني على بطشهم، على ثرواتهم، ويقول: هذه أمة متخلفة، كل إنسان واقعي، في تقصير كبير.
يا سلمان, لا تبغضني فتفارق دينك، سيدنا سلمان قال: يا رسول الله! كيف نبغضك وبك هدانا الله؟ قال: يا سلمان, تبغض العرب فتبغضني.
أي هذه الأمة التي شرفها الله بهذا الدين, الآن مقصرة، الآن كبى جوادها، الآن في محنة، لكن ينبغي ألا تتخلى عنها.
إذا واحد له أب, أحسن تربيته, قدم له روحه, وجعله إنسان مرموق، والأب ليس متعلماً، ممكن أن يقول الابن: هذا أبي متخلف لا يطاق، حديثه صعب وممل، يعيد القصة مئة مرة، ولكن لولاه لكنت أنت من الأشخاص السيئين، لما ينسى الإنسان أصله، وينسى منشأه، وينسى أمته، ويلتصق بالأجانب، بأعداء الله، ويكونوا أذكياء أكثر، وعندهم نظام، وعندهم تفوق، وعندهم شيء جميل، المؤمن انتماؤه للمؤمنين، لا أقول: نحن في الأوج، لا, عندنا مشاكل لا تعد ولا تحصى، لكن من علامة إيمانك: أنك تلتصق بأمتك، أصلحها، أرشدها، خذ بيدها، ساهم في حل مشكلتها، خفف عنها الأعباء، أحمل همومها، ابتعد عنها، انسلخ منها، أراقبها عن بعد، أحتقرها، أمجد أعداءها، أنا مسلم، ينبغي أن تحب الله ورسوله، وأن تحب المؤمنين، الأبلغ من ذلك: ينبغي أن تحب المؤمن، ولو نالك منه أذى، وينبغي أن تبغض الكافر، ولو نالك منه خير.
لذلك ورد في بعض الأدعية: أن يا رب لا تجعل لي خيراً على يد كافر.
لعلك تحبه, ولعلك تمجده، ولعلك تثني عليه دون أن تشعر.
وبالمناسبة: إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق.
إنسان لا يصلي، ماله حرام، لبق، ذكي، معه شهادة عليا، أين بقيت الصلاة, وماله الحرام، وكذبه، ونفاقه؟ إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق، فكيف إذا مدح الكافر؟ لكن الحمد لله, أعانونا على أن نكفر بهم، رأينا قيمهم في العراق، رأينا حريتهم، وديمقراطيتهم، وعدالتهم، ورحمتهم بالحيوان، أما الإنسان فلا يرحمونه.
ما الفرق بين حلاوة الإيمان وبين حقائق الإيمان؟ :
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ؛ مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا, وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ, كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ))
لذلك هناك حقائق الإيمان، وهناك حلاوة الإيمان، حقائق الإيمان: المعلومات التي بين أيدي المسلمين، لكن حلاوة الإيمان: هذه السفينة التي يلقيها الله في قلب المؤمن، يعني أنه بصراحة إن لم تقل: أنا أسعد الناس, فهناك ضعف في إيمانك.
مرتً زرت أخًا, توفي رحمه الله، كان بالحج، فزرته، قال كلمة رائعة، قال لي: والله ليس في الأرض من هو أسعد مني, إلا أن يكون أتقى مني، وصل إلى شيء ثمين. 2-الانقياد التام لله عز وجل :
الآن من شروط لا إله إلا الله: الانقياد التام لله عز وجل:
﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 54]
أنيبوا إلى ربكم، أي قضية في الدين خاضعة للمناقشة عند الإنسان. مؤتمر عقد في لوس أنجلوس :
مرة كنت في مؤتمر, عقد في لوس أنجلوس، قام أحد الخطباء فقال: هنا في هذه البلاد, ليس هناك شيء مقدس، وليس هناك شيء غير قابلٍ للبحث، كل شيء يبحث، وكل شيء يُكشف خطؤه وصوابه، وقد يرفض، لا يوجد مسلَّمات.
مرة اضطر أولو الأمر في بلاد الحجاز, أن يستخدموا فريقًا خبيرًا في السير، لعُقَد السير المستعصية في مِنى, وفي عرفات، فالفريق أجنبي، لحل أزمة السير في مشاعر الحج، فالخبراء درسوا، وأخذوا إحصاءات، وراقبوا عن كثب، وصوروا، ودرسوا، واجتمعوا، وقرروا، وقدموا تقريرًا، فكان التقرير أن يكون الحج على خمس دورات في العام، كل شهرين حج، هم في واد، والمناسك في واد، فالمؤمن يستسلم لله، يقبل هذه الشريعة.
من الأخبار :
يأتي إنسان متفلسف يقول: قطع اليد همجية.
مرة سمعت برنامجاً إخبارياً من إذاعة بعيدة جداً، والله الذي سمعته لا يصدق، إنهم مدهشون أن إنساناً فرضاً يحمل مليون ريال في كيس، ويمشي في الطريق، سابقاً طبعاً إنسان يقود شاحنة فيها رواتب محافظة, تبعد ألفي كيلو متر عن مركز العاصمة، وهو آمن، قطارات مصفحة مع مرافقة مسلحة، وتسرق، الشيء الذي يرونه لا يصدقونه.
أنا سمعت أخبارًا, قبل هذه الأيام, قبل عشرين عاماً، صراف العملة كل ماله في صندوق مكشوف، يؤذن المؤذن, فيذهب إلى الصلاة، يضع قماشًا فوق العملة، في أي مكان في العالم توجد هذه؟.
الإمام الشافعي سئل:
يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت بربع دينار؟
وديت؛ أي ديتها خمسمئة دينار ذهبي.
فأجاب الإمام الشافعي: عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
لما كانت أمينة كانت سليمة، فلما خانت هانت، يعني تقطع في ربع دينار، إذا قطعت خطأً, ديتها خمسمئة دينار عسجدا، أي بحدود خمسة ملايين، دية يد قطعت خطاً بحادث، أما إذا سرقت ثلاثة دراهم تقطع.
عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
3- أن تكفر بالطواغيت :
أخواننا الكرام, آخر شرط من شروط لا إله إلا الله: أن تكفر بالطواغيت, من هوي الكفرة حشر معهم، ولا ينفعه عمله شيئاً، أنت قلبك ممتلئ تعظيماً لله ولرسوله وللصادقين من المؤمنين، تعظيماً لهذا القرآن لهذا المنهج، لو شققت عن صدر واحد من ضعاف المؤمنين, لوجدته مُلِئَ تعظيماً بالشركة الفلانية، سوني، ما هذه الشركة؟ بالسيارات الماركة المعينة، يعظم صنعة الإنسان، ولا يعظم صنعة الواحد الديان، هناك إتقان بالصنعة عال جداً، لكن الله عز وجل قال:
﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 7]
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3340/04.jpg
فينبغي أن يملأ قلبك خلق الله عز وجل, آياته الدالة على عظمته، الشمس والقمر، والليل والنهار، هذا الطعام الذي تأكله كل يوم: من صنعه؟ من صممه؟.
سمعت عن البطيخ, أن سبعة وتسعين بالمئة منه ماء، وثلاثة بالمئة مواد أخرى، كيف جمد هذا الماء؟ وله قشرة صلبة, وشكل بيضوي، وينتقل عبر مئات الكيلو مترات بشاحنة كبيرة، وكله فوق بعضه بعضاً، وينضج خلال تسعين يوماً، ليغطي فصل الصيف، تصميم من هذا؟ الله عز وجل، المؤمن يتفكر بآيات الله, يقول الله عز وجل: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
[سورة البقرة الآية: 256]
أي يبدو أنه مستحيل أن تؤمن بالله قبل أن تكفر بالطاغوت، لا يجتمع إيمان بالله وإيمان بالطواغيت، فلذلك المؤمن الصادق يكفر بالطاغوت، الطواغيت كل من دعاك إلى معصية، كل من دعاك إلى الدنيا، صغراء عنده, لا يعظمهم, لا يعبأ بهم، ولا يخشى بطشهم، ولا يطمع في ما عندهم.
أمر الحجاج بقتل أحد التابعين، قال له: والله لو علمت أنك تستطيع أن تميتني, لما عبدت غيرك، لكنك لا تستطيع، هذا المؤمن يعتز بالله عز وجل.
أيها الأخوة, في صحيح مسلم: عَنْ أَبِي مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: ((سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَكَفَرَ بِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ, حَرُمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
خاتمة القول :
انتهتْ في هذا الدرس الثاني شروط لا إله إلا الله، وهي بين أيديكم، فأرجو الله سبحانه وتعالى أن ننتفع بها، وأن نكون في المستوى الذي أن ينبغي نفعله, كي ننجو من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-01-2018 06:23 AM

رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( الثامن )

الموضوع : نواقض الاسلام (1)







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
موضوع الدرس اليوم :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثامن من دروس العقيدة الإسلامية, وصلنا في موضوعات العقيدة إلى موضوعٍ ينبغي أن ندقق في فهمه، ألا وهو نواقض الإسلام، لو أن إنساناً معه ورقة مالية بمليون أو بمئة مليون، وهي ورقةٌ مزورة، الأَولى أن يعلم أو لا يعلم؟ الأولى أن يعلم، لماذا؟ من أجل ألا يبني آمالاً من دون أسباب، من أجل ألا يبني أحلاماً من دون أسس، فالحقيقة المرة دائماً وأبداً هي أفضل ألف مرة من الوهم المريح.
الحقيقة: كل واحد من المسلمين راضٍ عن إيمانه، لكنه ليس راضياً عن رزقه، والأولى ألا ترضى على ما تتوهم ما هو إيمان، فلذلك باب نواقض الإسلام بابٌ خطيرٌ وأساسيٌ في العقيدة الإسلامية، فالشرك ينقض الإسلام، وقد قال الله عز وجل:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 106]
احفظ هذه المعادلة :
لو تصورنا أن عقيدة التوحيد راسخة في الإنسان، هناك آلاف الأمراض يشفى منها، أمراض القلق، وأمراض الخوف، وأمراض النفاق، وأمراض الخنوع والخضوع، هذه الصفات التي تزري بالإنسان, والتي تحبط به عن أن يكون عزيزاً، كل هذه الأمراض بسبب ضعف التوحيد، لأن الإنسان إذا أيقن أن الذي وهبه الحياة, لا يمكن أن يسمح لأحد أن يأخذها منه إلا الذي وهبه إياها، وأن الله سبحانه وتعالى تكفل بأرزاق العباد، وكلمة الحق لا تقطع رزقاً، ولا تقرب أجلاً، لذلك تقوى شخصيته ويتفاءل ويطمئن إلى عهد الله عز وجل، فالصحة النفسية تساوي التوحيد، والأمراض النفسية تساوي الشرك:
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 106]
متى يحبط العمل؟ :
قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 65]

إذا أشركت يحبط العمل، كيف؟ لو كان العملُ مقبولاً عند الناس، لكنك لم تقدم عليه ابتغاء وجه الله، بل ابتغاء أن يرضى الناس عنك، إذاً هذا شرك، بل ابتغاء السمعة، إذاً هذا شرك، ابتغاء الثناء العطر هذا شرك، ابتغاء أن تعلو في الأرض هذا شرك، فهذا العمل على أنه عمل عظيم, لا وزن له في الآخرة.
يا رب قرأت القرآن في سبيلك، فيقال له: كذبت، قرأت القرآن ليقال: قارئ، وقد قيل: يا رب علمت العلم في سبيلك، فيقال له يوم القيامة: كذبت، علمت العلم ليقال: عالم، وقد قيل: يا رب قاتلت في سبيلك، فيقال له: كذبت، قاتلت ليقال عنك شجاع، وقد قيل، هكذا فحوى الحديث.
إذاً: إذا أشرك الإنسان حبط عمله، يعني سقطت قيمة العمل، لا قيمة له، هذا إذا كان عملاً عظيماً.
المعنى الآخر للإحباط: أن الإنسان حينما يشرك, يصبح عمله ساكناً، يرتكب أبشع الأعمال، يسلك أضيق الطرق، ينحط انحطاطاً لا حدود له، فإحباط العمل إما بذهاب قيمته أو بهبوط مستواه: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 65]
من المعلوم :
ومعلوم إليكم: أن الله سبحانه وتعالى لا يغفر أن يشرك به، هناك ذنبٌ يغفر، وهناك ذنبٌ لا يغفر، وهناك ذنبٌ لا يترك، ما كان بينك وبين العباد لا يترك، وما كان بينك وبين الله يغفر، وما كان شركاً لا يغفر إلا أن تتوب:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ﴾
[سورة النساء الآية: 48]
الحق واحد والباطل متعدد :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3341/01.jpg
الحقيقة: الشرك أنواع، أنواع منوعة, الباطل متعدد، أما الحق واحد:

﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾
[سورة الأنعام الآية: 153]
السبل جاءت جمعاً، أما الصراط المستقيم فجاء مفردا، يخرجهم من الظلمات جمع, إلى النور مفرد، الحق لا يتعدد.
بالمناسبة: من السهل جداً أن تستوعب الحق، لأنه واحد، ويكفي أن تستوعبه ليكون ميزاناً لك، لكن من المستحيل، ومن أشد أنواع الاستحالات، مستحيل وألف مستحيل أن تستطيع في عمر محدود أن تستوعب الباطل، الباطل لتعدده وكثرته لا يستوعب، فمن سلك في هذا الطريق فهو طريق مسدود، من أجل أن تستوعب عقيدة فئة ضالة تحتاج إلى أعوام مديدة ، فلو أردت أن تستوعب كل الضلالات, لا تكفي أعمار أمة لاستيعابها، ففرق كبير بين أن تستوعب الحق فيكون مقياساً تقيس به كل شيء، وبين أن تخوض في الباطل فتمضي الأعمار ، ولا تصل إلى مبتغاك. من أنواع الشرك :
1- أن تجعل لله شريكاً في الملك والتصرف :
أيها الأخوة, هناك من يؤمن بالله، ولكن يجعل لله شريكاً في التصرف, في الملك, وفي التصرف؛ أي خلقاً, وحياةً, ورزقاً, وموتاً, وضراً, ونفعاً.
يعني نحن في هذه الأحداث: لمجرد أن تعتقد أن وحيد القرن بإمكانه أن يدمر أمة كما فعل في العراق، لمجرد أن تعتقد أن الله لا علاقة له بهذا، إلا أن هذا القوي دمر أمة, هذا الكلام هو عين الشرك، حينما تعتقد أن لهذا الكون مالكاً غير الله، وحينما تعتقد أن لهذا الكون متسلطاً غير الله، فهذا الشرك بعينه.
أحد أنواع الشرك: أن تعتقد أن لهذا الكون مالكاً غير الله، وأن لهذا الكون متصرفاً غير الله، هذا شرك دون أن تشعر، حينما تستمع إلى الأخبار، وقد تكون الأخبار قاسية جداً، شعب مسلم يدمر، حينما تتوهم أن الله لا علاقة له بهذا، ولكن هذا القوي الجبار استطاع أن يفعل هذا، هذا هو الشرك بعينه.
من نتائج الشرك :
الشرك من نتائجه: الانقباض, الضيق, والقلق، ثم الإحباط، الشرك أن تؤمن بالله، وأن تؤمن مع إيمانك بالله: أن في الأرض أقوياء يفعلون ما يريدون، ويدمرون ما يشاؤون، ويفقرون ويغنون، فالخلق بيد الله، والحياة بيد الله، والرزق بيد الله، والموت بيد الله، والضر بيد الله، والنفع بيد الله، هذا هو الإيمان، مع الإيمان راحة نفسية، مع الشرك عذاب نفسي، والدليل:
﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾
[سورة الشعراء الآية: 213]
أحد أكبر أسباب العذاب النفسي: أن تدعو مع الله إلهاً آخر. قف هنا :
يقول النبي عليه الصلاة والسلام, فيما يرويه عن ربه, في الحديث الصحيح الذي رواه الإمام البخاري: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
((كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكَذِّبَنِي, وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَشْتُمَنِي, أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: إِنِّي لَا أُعِيدُهُ كَمَا بَدَأْتُهُ, وَلَيْسَ آخِرُ الْخَلْقِ بِأَعَزَّ عَلَيَّ مِنْ أَوَّلِهِ, وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا, وَأَنَا اللَّهُ الْأَحَدُ الصَّمَدُ, لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ, وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ))
الآن كلام الناس دون أن يشعروا: الدهر قلب لي ظهر المجن، ما هو الدهر؟ الدهر إله ، الآخر يقول: سخر القدر منك، ثالث يقول: دارت الأيام عليه، كلمة أيام لا معنى لها، وكلمة دهر لا معنى لها، وكلمة فلان ليس له حظ لا معنى لها، لا حظ ولا قدر بالمفهوم الشركي، ولا دهر إلا الله، فأنت حينما تعتقد أن في الأرض شيئاً ظاهراً أو مخفياً، هو الذي يفعل كل شيء, والله لا علاقة له بذلك، فهذا عين الشرك أيضاً. 2-من يصف نفسه بصفات هي لله عز وجل :
الآن هناك نوع آخر من الشرك: من يصف نفسه بصفات هي لله عز وجل، ماذا قال فرعون؟:
﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾
[سورة النازعات الآية: 24]
﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾
[سورة القصص الآية: 38]
من الأقوال التي نعتقد فيها الشرك :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3341/02.jpg
وبعضهم قال: عقب سنوات القحط، وعقب التوهم الساذج, أن بالإمكان أن تنزل الأمطار بطريقة أو بأخرى، فقال: استغنينا عن رحمة السماء، هذا شرك، فإذا أقمنا سداً لا نستغني عن رحمة السماء، لأن مياه السد من السماء، فحينما تدعي أنك فعلت شيئاً هو فعل الله عز وجل, من هو الرزاق؟ هو الله.
حينما شحت الأمطار في هذه البلاد في سنوات مضت, والمياه الجوفية هبطت وكادت تغور, والمزروعات هددت والقلق عم، والناس جأروا بالدعاء، ألا تستطيع جهة أرضية أن تستصدر قراراً بإنزال الماء، من الذي يهب الحياة؟ من الذي يهب أسباب الحياة؟ الله عز وجل تفضل علينا في هذا العام بأمطار عالية النسب، بمستويات في التهاطل, تكاد تصل إلى الضعف في معظم المناطق، لولا أن الله تفضل علينا ماذا نفعل؟:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾
[سورة الملك الآية: 30]
ما قيمة هذه المدينة دون ماء؟ والله عز وجل يرينا في بعض المناطق أثر الجفاف وانعدام الأمطار، يموت النبات، ويموت الحيوان، يرحل الإنسان.
مرت أيام كنا مهددين بكأس الماء، من ثلاثة وثلاثين متراً في الثانية إلى نصف متر مياه عين الفيجة، حينما تقول: أنا بهذا السد أستغني عن رحمة السماء، وأنا ربكم الأعلى كما قال فرعون، وبيدي أن أعطي وأن أمنع، هذا نوع آخر من الشرك، أي أن تلبس لبوساً ليس لك. عاقبة المستكبر على الله :
ورد في بعض الأحاديث الشريفة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((قَالَ اللَّهُ تعالى: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي, وَالْعِزَّةُ إِزَارِي, فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا, قذفتهِ فِي النَّارِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود في سننه]
وأنا أسأل الله أن يلهم أعداءنا أن يتكبروا، وهم يتكبرون، لأن تكبرهم سينتهي إلى أن يقصمهم الله عز وجل.
قيل قبل أسابيع: من يستطيع في العالم أن يجبرنا على أن نفي بعهودنا ومواثيقنا؟ الحقيقة لا أحد، ما أهلك الله قوماً إلا وذكرهم أنه أهلك من هم أشد منهم قوة إلا عاداً، لما أهلكها قال:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾
[سورة فصلت الآية: 15]
ما كان فوق عاد إلا الله.
حديث آخر: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي, وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي, فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا, قَذَفْتُهُ فِي النَّارِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود وابن ماجه في سننهما، وأحمد في مسنده]
حديث ثالث:
((الكبرياء ردائي, فمن نازعني في ردائي قصمته))

3-أن تعبد غير الله :
هناك شرك من نوع آخر: شرك من يعبد غير الله، بأي لون من ألوان العبادة، لئلا نتوهم أننا لا نعبد غير الله.
قد يقول قائل: من منا يقول: أنا أعبد غير الله؟ لا أحد يقول، ولكن حينما تطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً شئت أم أبيت، علمت أم لم تعلم، أنت تعبد هذا الإنسان، إذا أطعت إنساناً وعصيت خالقاً, فهذا نوع من العبادة، قال تعالى:
﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 64]
﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾
[سورة الزمر الآية: 65 - 66]
متى يدخل العبد في الشرك حسب نص هذا الحديث؟ :
أيها الأخوة, ورد في صحيح مسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ:
((سمعت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ, مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
أنا أبتغي وجه الله، وأبتغي السمعة بين الناس، دخل الشرك، أنا أبتغي وجه الله, لكن كنت أتوقع من هذا المريض الذي أجريت له عملية ناجحة, أن يكتب كلمة في إحدى الصحف, يثني على مهارتي في إجراء العملية، الإنسان أحياناً يعمل عملاً، ثم يستجدي مديحاً، لو أنه سكت لكان أحسن له، إذا قدم لك إنسان شيئاً، وهذا الإنسان الذي قدم له الشيء بقي ساكتاً ينبهه: كيف وجدت هذه الهدية؟ هل أعجبتك؟ هو يسألك أن تثني عليه، دون أن يشعر الإنسان ، كلما عمل عملاً يحب أن يظهر، هذا مما يجرح إخلاص العمل:
﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً﴾
[سورة الإنسان الآية: 9]
مقياس دقيق :
المقياس الذي أقوله لكم دائماً: إذا ازداد عملك بالثناء، وقلَّ بعدم الثناء, فهناك مشكلةٌ في الإخلاص، وأن عملك إذا ازداد أمام الناس، وضعف بينك وبين الله، هذا مؤشر آخر، ليس في صالحك، وأنك إذا عملت عملاً صالحاً، ولم تشعر بشيء إطلاقاً, أيضاً هذا مؤشر ثالث.
ما العبرة من هذا الحديث؟ :
في حديث آخر: عن أبي الدرداء, يقول عليه الصلاة والسلام فيما يرويه عن ربه:
((يا بن آدم, مهما عبدتني ورجوتني, ولم تشرك بي شيئاً, غفرت لك على ما كان منك، وإن استقبلتني بملء السماء والأرض خطايا وذنوباً, استقبلتك بملئهن من المغفرة, وأغفر لك ولا أبالي))
العبرة ألا تشرك.
أيها الأخوة, هذه بعض أنواع الشرك؛ أن تجعل لله شريكاً في الملك والتصرف, أو أن تتخذ لنفسك صفات كصفات الله، أو أن تطيع مخلوقاً وتعصي خالقاً، هذه أنواع الشرك، وكل نوع في آيات واضحة جلية وفي أحاديث واضحة جلية. مصطلحات فيها شرك :
أخواننا الكرام, هذه المصطلحات في الإسلام ينبغي أن تكون واضحةً في أذهاننا، الشيء المألوف: أن المصطلح إذا كثر ترداده ضعف مدلوله الشرك، أي قد يشرك الإنسان وهو في المسجد، مثلاً: إذا شعر أن الشيخ راضٍ عنه، وهو يفعل الموبقات فيما بينه وبين نفسه، هذا شرك، ماذا يفعل الشيخ؟ هل يستطيع أن يمنع الله منك؟
والي البصرة قال للحسن البصري بعد أن جاءه توجيه من يزيد: إن نفذ هذا التوجيه أغضب الله، وإن لم ينفذ هذا التوجيه أغضب يزيد، فقال له الحسن البصري: إن الله يمنعك من يزيد، لكن يزيد لا يمنعك من الله.
حينما يبتسم لك إنسان فتطمئن، وأنت مع الله على غير ما يرام هذا شرك، حينما تتوهم أنه يكفي أن يرضى عنك والداك، وأنت لا تتقيد بأمر الله إطلاقاً، هذا نوع من الشرك، ترضي ما سوى الله، ترجو ما سوى الله, تطمئن لوعد ما سوى الله، تخاف من وعيد ما سوى الله، هذا شرك.
من أنواع الكفر :
1-كفر التكذيب :
أيها الأخوة, أما الكفر فهناك كفر التكذيب:
﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 184]
تكذيب الرسول أحد أنواع الكفر، الكفر تكذيب, الشرك مع الإيمان في شريك، الكفر تكذيب.
يقول عليه الصلاة والسلام كما ورد في الصحيحين عَنْ أَبِي مُوسَى, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ, كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى قَوْمًا فَقَالَ: يَا قَوْمِ إِنِّي رَأَيْتُ الْجَيْشَ بِعَيْنَيَّ, وَإِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْعُرْيَانُ, فَالنَّجَاءَ, فَأَطَاعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ قَوْمِهِ فَأَدْلَجُوا, فَانْطَلَقُوا عَلَى مَهَلِهِمْ فَنَجَوْا, وَكَذَّبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ, فَأَصْبَحُوا مَكَانَهُمْ, فَصَبَّحَهُمْ الْجَيْشُ فَأَهْلَكَهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ, فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ أَطَاعَنِي فَاتَّبَعَ مَا جِئْتُ بِهِ, وَمَثَلُ مَنْ عَصَانِي وَكَذَّبَ بِمَا جِئْتُ بِهِ مِنْ الْحَقِّ))
النبي جاء بالقرآن، والقرآن يصف أهل النيران، والقرآن يصف أهل الجنان، إن صدقت نجوت، وإن لم تصدق لا أحد يجبرك أن تصدق، لكن ادفع الثمن، هذا متى يخشى؟ عند مغادرة الدنيا: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾
[سورة الفجر الآية: 24]
﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾
[سورة الفجر الآية:24]
خيارك مع الإيمان خيار وقت :
أخواننا الكرام, خيارك مع الإيمان خيار وقت، أكثر كفار الأرض الذي قال: أنا ربكم الأعلى, حينما أدركه الغرق قال: آمنت بالذي آمنت به آل إسرائيل، يجب أن تعتقد أن كفار الأرض من دون استثناء, عندما يأتيهم الموت, يصدقون بما جاء به الأنبياء، ولكنهم صدقوا بعد فوات الأوان، ما قيمة الإيمان في غير أوانه؟ لا قيمة له، والدليل:
﴿لَا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آَمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً﴾
[سورة الأنعام الآية: 158]
2-كفر الإباء والاستكبار :
هناك كفر الإباء والاستكبار، هو قانع أن هذا هو الحق، ولكن مكانته الاجتماعية، ومنصبه الرسمي، ودرجته العلمية, تأبى أن يصلي في مكتبه، تأبى أن يخضع للدين، تأبى أن ينصاع لأهل الحق، هو أكبر من ذلك، هذا كفر الاستكبار، من زعيم الاستكبار؟ إبليس، هو الذي عصى استكباراً:
﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً﴾
[سورة الإسراء الآية: 61]
﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾
[سورة ص الآية: 75]
إبليس ما جحد أمر الله، ولا قابله بالإنكار بل قال: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾
[سورة الأعراف الآية: 14]
ولكن الذي أهلكه استكباره، أبى أن يسجد لآدم، أبى واستكبر، لذلك معصية الاستكبار يصعب أن يتوب الإنسان منها، لكن معصية الغلبة من السهل جداً أن تتوب منها.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾
[سورة البقرة الآية: 34]
من مواطن الكبر :
في صحيح مسلم: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ))
نقطة من البترول إذا وضعتها في مئة كيلو من الحليب تفسدها، واللبن قد تمزجه بخمسة أضعافه ماء, فيكون شراباً سائغاً للإنسان، فالكبر آفة الآفات.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, أن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ, فقَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً, قَالَ: إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ, الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
هذه الكلمة التي يقولها الناس دائماً, تقال في هذا الموطن، لا في موطن أنك تملأُ عينيك من الحرام، فإذا عوتبت على ذلك قلت: إن الله جميل يحب الجمال، هذه الكلمة لا تناسب هذا الموقف، هذه معصية، أما حينما تعتني بثيابك، وتعتني بنظافة بيتك، وتكون أنيقاً، ولك مظهر حسن، إن سُئلت: لمَ تفعل هذا فالدنيا فانية؟ قل له: إن الله جميل يحب الجمال.
أيها الأخوة, أما الكبر: فبطر الحق وغمط النفس، البطر: رد الحق، بمجرد أن ترفع امرأة مسلمة دعوى تفريق أمام قاض غير مسلم في بلد أجنبي, لتأخذ نصف ثروة زوجها، مع أن الشرع يعطيها المهر فقط، حينما ترد الحق, لا تريد حكم الله في هذا الموضوع، تريد تشريعاً أرضياً، هذا بطر الحق وغمط النفس، لا يحتمل أن يكون إنساناً متفوقاً، يطعن به، لا يحب أن يمدح أحد أمامه، هو محور العالم.
من علامات قيام الساعة :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3341/03.jpg
ومن علامات قيام الساعة:

((إذا رأيت شحاً مطاعاً, وهوى متبعاً
-أي مادية مفرطة، حرص على المال شديد.
واحد فقير جداً, أصيب بمرض في يديه, بسبب تيار كهربائي, فدل على طبيب, لعله يجري له عملية جراحية، لكنه لا يملك ثمن المعالجة, ففي محسن تبرع له بمبلغ, زار هذا الطبيب, قال له: هل يمكن أن تجرى عملية لما أنا فيه؟ قال له: لا، هذه العملية يحسنها طبيبٌ مقيم في بريطانيا، ربما أتى إلى القطر في الصيف، قال له: شكراً, كم تريد؟ سبعمئة ليرة، أقسم بالله على سؤال وجواب ومبلغ أخذه من محسن، هذه مادية شديدة جداً, تعالج، وخرج، نسي أن يسأل ماذا يأكل؟ أصبحت معالجة جديدة.
هناك مادية شديدة الآن، المادية الشديدة عبر عنها النبي بالشح المطاع، والهوى المتبع، الجنس كل شيء في حياة الناس-.
وإعجاب كل ذي رأي برأيه الكبر: -كل واحد محور العالم يقول: أنا لا أرى ذلك من حضرتك.
يقولون هذا عندنا غير جائز قلت: فمن أنتم حتى يكون لكم عند؟
يقول: أنا لا أرى ذلك، ويكون فيه نص شرعي، يكون هناك آية قرآنية، بكل بساطة يرفض الآية، يرفض الحديث، يرفض كلام للنبي عليه الصلاة والسلام اعتزازًا بالنفس-. توجيه نبوي :
إذا رأيتم شحاً مطاعًا، وهوىً متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه -إذا بلغت هذا الزمان, هناك توجيه نبوي: -فالزم بيتك -وليس معناها ألا تخرج أبداً، أي من بيتك إلى عملك، أي ارجع إلى البيت، بيتك جنتك، المؤمن جنته بيته, اعتن بأولادك، خالط المؤمنين فقط- فالزم بيتك، وأمسك لسانك -لا تخض في أحاديث لا تعنيك- وخذ ما تعرف ودع ما تنكر، ودع عنك أمر العامة، وعليك بخاصة نفسك))
أخوانك في المسجد، جيرانك المخلصين، أقرباءك الأوفياء، زملاءك الطاهرين، هؤلاء من زميل، إلى جار، إلى قريب، إلى أخ في المسجد، هذا معنى خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة، الإنسان الآن لغم، لا نعرف متى ينفجر؟ . ما معنى هذا الحديث؟ :
وفي حديث آخر عن الكبر: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ))
[أخرجه مسلم في الصحيح، والترمذي وأبو داود وابن ماجه في سننهم، وأحمد في مسنده]
إياكم أن تظنوا أنه لا يدخله أبداً، بمعنى لا يبقى فيها الإنسان، قد يبقى ملايين السنين إلى أن يطهر، إذا كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ, أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال:
((لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ, وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ كبر))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
3-كفر الإعراض :
هذا كفر التكذيب، وكفر الاستكبار، الآن هناك كفر الإعراض، لا كذب ولا استكبر، الأستاذ يلقي الدرس، وهو ملء السمع والبصر، لو فرضنا أستاذ ضخم الهيئة, وصوته نحاسي ، يرن رناً، والطالب ينشغل عن سماع المحاضرة برسومات فارغة على ورق، ما احتقر، ولا استكبر، ولا كذب عليه، ولكن مشغول عنه، هذا اسمه كفر الإعراض، أعرض:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾
[سورة طه الآية: 124]
السعادة في القلب وليست في المال:
قبل أن آتي إليكم, كنت عند أخ كريم في زيارة حدثني وهو عندي صادق, قال: زار رجل في هذا البلد، وهو يعلم علم اليقين: أنه يملك على ما يزيد عن أربعة مليارات, شكا له بيته، شكا له أولاده، قال: أسافر إلى هذا المكان فلا أرتاح, سافرت إلى سويسرا, إلى أمريكا, لا تعجبني زوجتي، لا يعجبني أولادي، قال لي: والله بركت من شدة الشكوى.
جاءته امرأةٌ محجبة تطلب مساعدة ألف ليرة في الشهر، ذهب إلى بيتها في قرية من قرى دمشق، ليس معقولا، البيت تحت درج، بيت مستحيل أن يسكن، تقول: الحمد لله نحن سعداء، والله ينقصنا أجرة البيت ألف ليرة، لها زوج دخله يكفي للطعام والشراب, فقال لرئيس الجمعية الخيرية: أعطها ألفين، قالت: لا، يكفينا ألف، إنسان يسكن تحت الدرج وهو سعيد، وإنسان يتكلم بأربعة مليارات، وهو شقي:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
[سورة طه الآية: 124]

مستحيل وألف مستحيل أن تعرض عن الله وتسعد, ولو كنت غنياً، ولو كنت قوياً, وأساساً العلماء سألوا: ما بال الأغنياء والملوك؟ قال: ضيق القلب في قلبه, قلق, وخوف, ما لو يوزع على أهل بلدٍ إلا كفاهم. ما موضع الشاهد في هذا الحديث؟ :
يروي البخاري رحمه الله في صحيحه, عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ, وَالنَّاسُ مَعَهُ, إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ, فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَذَهَبَ وَاحِدٌ, قَالَ:
((فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا, وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ, وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا, فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ, وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ, وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ))
أنت حينما تأوي إلى الله يقبلك الله، وحينما تقول: الله, يتولاك الله، وحينما تلجأ إلى الله, يجيبك الله عز وجل، فالمعرض أعرض الله عنه. واقعة :
قال لي أخ صديق: سافر إلى بلد بعيد بمركبته، والمؤذن يؤذن, وبإمكانه أن يصلي طبعاً يوم جمعة, فأعرض عن الصلاة، دخل إلى استراحة ليرتاح قليلاً، ثم تابع السفر، نسي في الاستراحة أوراقه الرسمية، سار مئة وثمانين كيلو مترًا، واضطر أن يرجع مئة وثمانين كيلو مترًا ليأخذ أوراقه.
أنت حينما تقتطع من وقتك وقتاً لعبادة الله عز وجل, يحفظ لك وقتك، كيف أنك تؤدي زكاة مالك، أيضاً ينبغي أن تؤدي زكاة وقتك، أداء العبادات, وحضور مجالس العلم، واقتطع وقتاً من وقتك الثمين لعمل صالح, هذا زكاة وقتك، عندئذ يحفظ الله لك وقتك، عندئذ يحفظ الله لك وقتك.
قد يمرض الابن، من طبيب إلى طبيب، من تحليل إلى تحليل، إلى إيكو، بعد ذلك يشفى، يكون قد ذهب أربعون أو خمسون ساعة، وعشرة آلاف ليرة، وكان من الممكن أن لا يمرض الإبن، فإذا ضن الإنسان بوقته لعبادة ربه، أو ضن بوقته لطلب العلم، ضن بوقته لعمل صالح, قد يتلف وقته بشكل مزعج.
حديث الختام :
عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ, وَالنَّاسُ مَعَهُ, إِذْ أَقْبَلَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ, فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَذَهَبَ وَاحِدٌ, قَالَ:
((فَوَقَفَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الْحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيهَا, وَأَمَّا الْآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُمْ, وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبًا, فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمْ عَنْ النَّفَرِ الثَّلَاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللَّهِ فَآوَاهُ اللَّهُ, وَأَمَّا الْآخَرُ فَاسْتَحْيَا فَاسْتَحْيَا اللَّهُ مِنْهُ, وَأَمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللَّهُ عَنْهُ))
أيها الأخوة, في درس قادم إن شاء الله, ننتقل إلى كفر الشك، بقية أنواع الكفر من كفر الجحود أيضاً.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-01-2018 06:25 AM

رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( التاسع )

الموضوع : نواقض الاسلام (2)





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما ذكر سابقاً :
أيها الأخوة المؤمنون, مع الدرس التاسع من دروس العقيدة، وقد كان موضوع الدرس الماضي نواقض الإسلام، وتحدثت بفضل الله تعالى عن أن الشرك أول ناقض للإسلام، وهو أنواع منوعة، هناك من يشرك في عبادة الله إلهاً آخراً، هناك من يصف نفسه بما لا ينبغي أن يصفها به، وهذا نوع من الشرك، والكفر أيضاً من نواقض الإسلام، فهناك كفر التكذيب، وهناك كفر الاستكبار، وهناك كفر الإعراض، ووصلنا إلى كفر الشك.
من خصائص هذا الدين :
من خصائص هذا الدين أنه يقيني، ودرجات الصحة تتراوح بين اليقين القطعي, وبين غلبة الظن، والظن، والشك، والوهم، من وهم إلى شك إلى ظن إلى غلبة ظن إلى قطع.
أعلى مستويات اليقين القطع مئة بالمئة، لأن الدين دين الله، ولأن الدين من عند الله، و لأن الله كماله مطلق, لا يقبل دين الله عز وجل أن يكون فيه خلل، أي شيء يمكن أن يكون فيه خلل إلا دين الله عز وجل:
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾
[سورة المائدة الآية: 3]
هذه نعمة لا تعدلها نعمة، أنت مع الحق الصرف، أنت مع الحق المطلق، دين الله عز وجل من عند خالق السموات والأرض.
من بديهيات الإيمان :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3342/01.jpg
قد يصدر قاض من بني البشر ألف حكم عدلاً، خمسة أحكام منها لم يكن الحكم فيها دقيقاً، هو عند الناس جميعاً قاض عادل، فكل أحكام بني البشر أحكام نسبية، أما لو أن الله عز وجل ظلم مخلوقاً من آدم إلى يوم القيامة، مخلوقًا واحدًا، ولأن أسماء الله وصفاته مطلقة لا يعد عدلاً، الإله له شأن، والعباد لهم شأن، شأن العباد أن أحكامهم نسبية، لكن شأن الله عز وجل أن أحكامه قطعية مطلقة، والله في أفعاله عدل ورحيم.
أيها الأخوة, قضية الإيمان لا تحتمل الشك، قضية الإيمان لا تحتمل النسبية، أي الله عز وجل واحد ربما، لا يوجد ربما، الله عز و جل رحيم إلى حد ما، لا يوجد إلى حد ما، هذه عبارات الناس؛ إلى حد ما، وبما، ولعله كذلك، هذه تصح مع البشر، أما مع خالق البشر فديننا كله يقين، فالذي لا يجزم بصدق هذا القرآن وثبوته أنه من الواحد الديان، والذي لا يعتقد أن كلام النبي الذي قاله فعلاً حق لا يساوره شك فليس مؤمناً، وهذا من بديهيات الإيمان.
هل يوجد في حياة المسلم ظنيات؟ :
﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 9]
يوجد شك، أي لم يكفروا كفراً قطعياً، ولم يكذبوا تكذيباً قطعياً: ﴿وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾
[سورة هود الآية: 62]
ليس في حياة المسلم ظنيات. ابحث عن اليقينيات :
أيها الأخوة, مسلمون كثيرون مترددون، هل أنت مؤمن إيماناً قطعياً أن هذا الدين حق ؟ هل أنت مؤمن أن هذه المعصية سوف تعاقب عليها؟ هل أنت مؤمن أن هناك آخرة؟ هل أنت مؤمن أن هناك جنة ونار؟ فكيف تفعل فعلاً يستوجب النار؟ معنى ذلك أنك لست متأكداً، لا يوجد حل وسط، بالدين لا يوجد حل وسط، إما أن تؤمن بكل ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام من كتاب ومن سنة، أو أن إيمانك ببعض ما جاء به وعدم إيمانك بالبعض الآخر ليس ديناً، ولا ينطوي على إيمان دقيق، ولا يمكن أن تقطف ثمار الدين بهذه الطريقة، لذلك قال بعض الشعراء وأظنه المعري:

زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تبعث الأموات قــلت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما

أي هناك من يتندر، ويقول: أخي إن كان هناك جنة فنحن عملنا لها، وإذا لم يكن ثمة جنة, فنحن كسبنا في الدنيا سمعة طيبة، هذا ليس إيماناً، لا يمكن أن يقبل إيمان بهذه الطريقة، هذا إيمان الشك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾
[سورة الحجرات الآية: 15]
لذلك ابحث عن اليقينيات. قصة فيها مغزى :
قصة قديمة من عشر سنوات، مرة قال لي شخص: أنا أتمنى أن أحضر درسك، لكن أخاف أن يأخذوا اسمي، قلت له: الإله الذي تعبده إن لم تكن واثقاً أنه يحميك لا تعبده، أنت في حمى الله عز وجل، أنت في طاعته، أنت في طلب العلم، أنت فيما يرضيه، ويسلمك لغيره، أهكذا تظن بالله عز وجل؟ وأنت في قمة الطاعة يسلمك إلى أعدائه؟ هذا مستحيل.
أيها الأخوة, كفر الشك أن تكون متردداً في قبول بعض الحقائق الإيمانية أو بعض الإخبارات الربانية.
سألني سائل :
سألني أخ, قال لي: يوجد سؤال كبير جداً سُئِلته وأنا في مجلس، ولم أستطع أن أجيب عليه، قلت: ما هو؟ قال: يقول الله عز وجل:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾
[سورة الفيل الآية: 1]
ما أحد رأى هذا الذي حدث، أي بشكل دقيق: من منكم رأى ما فعل أبرهة بالكعبة؟ ما أحد رأى ذلك، ما معنى هذه الآية؟ قلت له: معنى هذه الآية: أنه كمؤمن ينبغي أن تستقبل خبر الله عز وجل الذي أخبرك به، وكأنك تراه بعينيك، يقتضي إيمانك بالله أنه إذا أخبرك عن شيء تستقبل هذا الشيء، وكأنك تراه بعينك.
هذا الصحابي وصل إلى ذروة الإيمان :
أحد أصحاب رسول الله قال للنبي عليه الصلاة و السلام: أصبحت وكأني أرى أهل النار يتعذبون، وأهل الجنة يتنعمون.
الله عز وجل أخبرنا عن نعيم أهل الجنة، وعن عذاب أهل النار، فقال: كأنني أرى أهل النار يعذبون، وأرى أهل الجنة يتنعمون.
يقاس على ذلك إنسان ماله حرام، وهو يتنعم بدنيا عريضة؛ بيت فخم، ومركبات، ومكانة، وولائم، وإنفاق، المؤمن الصادق يرى أن هذا المال سوف يتلف، وكأنه يعلم الغيب، هو لا يعلم الغيب أبداً، لكن يعلم قوانين الله عز وجل، المتكبر سوف يذله الله، هو لا يعلم الغيب، ولكنه يعلم قوانين الله عز وجل، أي مثلاً إذا كنت عالم فيزياء، وأنشِئ بناء، ولم يترك فيه فواصل تمدد، ماذا تتنبأ لهذا البناء في فصل الصيف؟ أن يتصدع، هذا ليس علماً بالغيب، ولكن علم بالقوانين، ما دام البناء أنشئ، ولم يؤخذ بفواصل التمدد، لم يؤخذ بقانون تمدد المعادن, فلا بد من أن تتصدع أركان هذا البناء.
نحن في صحن هذا المسجد، بلِّط هذا الصحن ببلاط متلاصق إلى أقصى درجة، في الصيف تكسر هذا البلاط، وانتفخ، فسألت: فقال: بفعل التمدد، لم تترك فواصل، مع أنه حجر، وآخر شيء يتمدد هو الحجر، الذي يعلم قوانين التمدد، ثم يتنبأ بانهيار بناء, لم يؤخذ في أثناء بنائه لهذه القوانين، هذا ليس علماً بالغيب، ولكنه علم بالقوانين، أما حينما أرى إنساناً غارقاً في المعصية أقول: أمامه حياة ضنك، هذا ليس علماً بالغيب، أما حينما أرى شاباً مستقيماً يخشى الله عز وجل, أتنبأ له بكل مستقبل زاهر، وليس علماً بالغيب، ولكنه علم بالقوانين، فلذلك يجب أن تؤمن أن قوانين الله عز وجل كالقوانين الفيزيائية شاملة ومطّردة.
من سنن الله في عباده :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3342/02.jpg
أيها الأخوة, أكبر ضمانة لك كلام الله، أكبر ضمانة لأي شاب مستقيم:

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
[سورة النحل الآية: 97]
أكبر تهديد للعصاة: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾
[سورة طه الآية: 124]
أكبر عطاء من الله للذي يتبع هدى الله عز وجل: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[سورة طه الآية: 123]
لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 38]
ما الذي يُثَبت المؤمن؟ القرآن، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾
[سورة إبراهيم الآية: 27]
أنت معك آية لصالحك: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾
[سورة التوبة الآية: 51]
هذه البشارة لك أيها المؤمن: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾
[سورة سبأ الآية: 17]
رجل له ثقة بالله :
مرة أخ استيقظ صباحاً، فإذا ابنته مشلولة، فصرخت الزوجة بويلها، هو رجل مؤمن، وشاب مؤمن، ومنضبط انضباطًا تامًّا، أعرفه, ولا أزكي على الله أحداً، فصرخ، وقال: هذا المرض ما كان الله ليبتليني به، له ثقة بالله عز وجل، ثم اكتشف بعد حين, أن هناك مرضاً مشابهاً تماماً لمرض شلل الأطفال يزول بعد يومين، وبعد يومين شفيت ابنته من هذا المرض ، المؤمن له ثقة بالله عز وجل, هناك ابتلاء لا شك، لكن يوجد بلاء ماحق، والمؤمن يطمئن إلى أن الله يحفظه.
سمعت كثيراً من أناس كسبوا مالاً حلالاً محدوداً، ولم يتركوا لأولادهم شيئاً، وكانوا كلما عوتبوا على ذلك: لمَ لمْ تترك لأولادك شيئاً؟ لمَ لمْ تدع لأولادك شيئاً؟ يقول: الله يحفظهم.
شيء خطير :
مر معي بالأثر القدسي قولاً:
((إن الله يوقف عبداً يوم القيامة يقول له: يا عبدي, أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ يقول: يا ربي لم أنفق منه شيئاً مخافة الفقر على أولادي من بعدي، فيقول الله له: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين؟ إن الذي خشيته على أولادك من بعدك قد أنزلته بهم، ويسأل عبداً آخراً يقول له: يا عبدي, أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ فيقول: يا ربي أنفقته على كل محتاج ومسكين, لثقتي بأنك خير حافظاً, وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله لهذا العبد: عبدي أنا الحافظ لأولادك من بعدك))
إذا كان دخل الإنسان حلالاً، أطعم أولاده الطعام الحلال، الله عز وجل يتولى أولاده من بعده، وتجد أناساً كثيرين اتقوا ربهم في كسب أموالهم، وأطعموا أهلهم اللقمة الحلال، أولادهم من بعدهم في أعلى مقام، تولاهم الله بالحفظ والرعاية. ﴿وَاللهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
من التنبؤات :
أيها الأخوة، أقسم بالله مرة ثانية: إنني أتنبأ لكل شاب مستقيم يحب الله، ويخشاه، ويطيع أمره، ويتجنب معصيته، ويخطب وده بمستقبل في الدنيا باهر، ليس معنى كلامي أنه سيكون مليونيراً؟ لا، سيعيش حياة طيبة، وقد تعيش حياة طيبة بدخل محدود، وقد تكون أسعد الناس في بيت متر متواضع، وقد تكون أسعد الأزواج بزوجة عادية, وليست بارعة الجمال، لكن الله إذا ألقى السكينة على قلب المؤمن, سعد بها ولو فَقَدَ كل شيء، وإذا حجب عنه السكينة, شقي بها ولو ملك كل شيء.
من أنواع الكفر :
أيها الأخوة, هذا الدين لا يحتاج إلى التردد، ولا إلى الشك، ولا إلى الارتياب، من خصائص هذا الدين أنه يقيني قطعي، لذلك هناك كفر اسمه كفر الشك، لست متأكداً، متردد، وهناك كفر آخر هو كفر الجحود: وهو أن يجحد الإنسان ما أنزله الله جملة، أو أن يجحد شيئاً مما هو معلوم بالضرورة.
ابتعد عن هذا الوهم :
مرة أحاور إنساناً، قال لي مسلم: قطع اليد غير معقول هذا، هذا عمل همجي، يوجد آية قرآنية، في كل ثلاثين ثانية ترتكب في أمريكا من عام خمسة وستين جريمة قتل، أو سرقة ، أو اغتصاب، وثمة بلاد، لم تكن متحضرة كثيراً, لكن أقيم هذا الحد في هذه البلاد, هل تصدق يوم كان مطبقاً تماماً: أن الصراف يدع صندوق العملات الأجنبية بالملايين، يضع فوقها قماشًا، ويذهب ليصلي في الحرم، وهو آمن؟.
يوجد قصص سمعت بها في هذا البلد الذي يطبق حد السرقة، والله تكاد لا تصدق، يمكن أن تحمل رواتب محافظة في الجنوب الجنوب قبيل اليمن على سيارة شاحنة مكشوفة، كلها أكياس فيها مئات الملايين، هكذا في الطريق، بأوربا قطارات مصفحة، وحراسة مشددة، وطائرة هيلوكبتر، وشرطة، وتسرق، ما هذا الحد؟ أنت حينما تجحد حكماً شرعياً، قضية غض البصر, الله عز وجل ما كلفنا ما لا نطيق:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾
[سورة البقرة الآية: 286]
حينما تتوهم أن هناك حكمًا شرعيًا مستحيل التطبيق فوق طاقة البشر، معنى ذلك: أن الله ليس خبيراً بعباده، كلفهم ما لا يطيقون، أو لا يعلم ما سيكون من عصر فتن, وانحراف, وتفلت أخلاقي، لا:
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾
[سورة البقرة الآية: 286]
أيّ أمر كلفنا الله به, هو في وسعك أن تطبقه قطعاً، هذا اليقين، الجحود أن تجحد حكماً شرعياً.
ما هو كفر الجحود؟ :
هناك شخص يقول: لو وضع ماله في بيته فهو مقتول حتماً، أما إذا وضعه في مصرف ربوي فهو آمن، الله عز وجل كأنه إله في السماء لا في الأرض، مفهوم هذا الكلام لأنك خفت من الله، وخفت أن تضع مالك في بنك ربوي، في مصرف ربوي، فقد اقتحم بيتك وانتهت حياتك، والذي وضعه في فائدة ربوية ينام ناعم البال، آمناً مطمئناً، هكذا يعامل الله عباده؟:
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ﴾
[سورة السجدة الآية: 18]
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
[سورة الجاثية الآية: 21]
يجب أن تفسر الأمور تفسيراً توحيدياً، بالإسلام لا يوجد شك، لا يوجد ريب، لا يوجد تردد، لا يوجد إلى حد ما، لا يوجد نوعاً ما، لا يوجد معقول, لكن لا أدري مبلغ هذا من الصحة، هذا كله مرفوض بالدين، أما كفر الجحود أن تجحد شيئاً علم من الدين بالضرورة.
ما مضمون هذه الآية؟ :
قال تعالى:
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 14]
هذه الآية دقيقة جداً تؤكد الإيمان الفطري، أنت حينما تجحد شيئاً عُلم من الدين بالضرورة, أنت في الحقيقة مؤمن به، لكنك تجحده لمصلحة، أو لمكسب، أو لرفعة في الدنيا، ثمة مثل واضح جداً أضربه دائماً:
إنسان يعمل عتالاً، وعنده دابة، فلما ماتت انقطع دخله كلياً، أصبح بلا دخل، خطرت في باله فكرة أن يدفنها، وبنى عليها بناء متواضعاً، ثم نصب قبة، وسماها ولياً من أولياء الله الصالحين، فأقبل الناس عليه بالهدايا, والذبائح، والدجاج، والسمن، وما إلى ذلك، فعاش في بحبوحة ما بعدها من بحبوحة، هل يمكن أن يقر أن في هذا المكان دفن دابة، وقد دفنها بنفسه؟ ، أي قناعته أنها دابة أشد من قناعة الذي يحاوره، لأنه دفنها بنفسه، لذلك المندفع لا يناقش:
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾
[سورة النمل الآية: 14]
من مخلفات الكذب :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3342/03.jpg
أيها الأخوة، آلاف آلافِ البشر يتكلمون كلاماً بصوت مرتفع، وهم لا يصدقون أنفسهم ، وهم يكذبون، لو ألغي الكذب من حياتنا فقط لكنا في حال غير هذا الحال، أكثر المواقف والكلمات ليست واقعية.
مرة قلت لكم: إن إنسانًا فقيرًا جداً, له قريبة تملك ملايين مملينة، هو وريثها الوحيد، فلما توفيت أطال لحيته، وارتدى قميصاً أسود، وأظهر أنه حزين جداً، فجاء الناس ليعزوه، له صديق ذكي، لما صافحه في التعزية قال له: مبارك، هنيئاً، هذا الصدق، والباقي كله كذب، لأنه اغتنى بموت هذه القريبة، فإذاً: لو ألغي الكذب من حياتنا لكنا في حال غير هذا الحال، الكذب فقط.
المؤمن قد يخطئ، وقد تزل قدمه، ولكن لا يكذب، يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الكذب والخيانة، لا يمكن لمؤمن أن يكذب أو يخون، فإذا خان أو كذب لم يبق مؤمناً، انتهى دينه كله:
﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً﴾
[سورة النمل الآية: 14]
لأنه يأتيه دخل كبير من هذا الكذب، أي منتفع؛ المنتفع لا يناقش، والغبي لا يناقش، و القوي لا يناقش، وقد يجتمعون في واحد: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾
[سورة النمل الآية: 14]
وقال تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 33]
ما موضوع هذه الأحاديث؟ :
وفي الحديث الصحيح: عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ:
((قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: الْبَغْيَ مَنْ بَطِرَ الحق أَوْ قَالَ: سَفِهَ الْحَقَّ وَغَمَطَ النَّاسَ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
وفي رواية أخرى: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
بطر الحق؛ أي رده وجحوده، إنكاره، تكذيبه.
وفي صحيح مسلم: عن أبي هريرة رضي الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:
((سيكون في آخر أمتي أناسي يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم، فإياكم وإياهم))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
وعَنْ نَافِعٍ قَالَ: ((كَانَ لِابْنِ عُمَرَ صَدِيقٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُكَاتِبُهُ, فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: أنه بَلَغَنِي أَنَّكَ تَكَلَّمْتَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْقَدَرِ, فَإِيَّاكَ أَنْ تَكْتُبَ إِلَيَّ, فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: إِنَّهُ سَيَكُونُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ يُكَذِّبُونَ بِالْقَدَرِ))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
من نواقض الإسلام :
1-الشرك والكفر :
أيها الأخوة, الشرك من نواقض الإسلام، والكفر من نواقض الإسلام, والكفر أنواع: كفر الجحود، وكفر الشك، وكفر الإعراض، وكفر الاستكبار، وكفر التكذيب.
2-الردة :
ومن نواقض الإسلام الردة، قال الله عز وجل:
﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 217]
ما تعريف المرتد؟ :
أخواننا الكرام, تعريف المرتد: هو من ترك دين الإسلام، وهو عاقل مختار غير مكره إلى دين آخر، أو إلى غير دين كالإلحاد.
الإنسان عندما ينحرف بحثاً عن توازن نفسي, يعتقد عقيدة فاسدة, كي تغطي هذا الانحراف، لكن أية عقيدة تغطي له جرائمه كلها؟ الإلحاد، العقيدة التي تغطي جرائم الإنسان كلها, أن يبني مجده على أنقاض الآخرين، أن يبني غناه على إفقارهم، أن يبني حياته على موتهم، أن يبني عزه على إذلالهم، أن يبني أمنه على خوفهم، هذا يحتاج إلى عقيدة كي تغطي هذا كله، وليس من عقيدة تغطي هذا كله إلا الإلحاد، فلذلك يرتد عن الدين.
أو أنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة, أي أنكر بديهيات الدين.
ما معنى هذه الجملة من تعريف المرتد: ما هو معلوم من الدين بالضرورة؟ :
ما معنى ما هو معلوم من الدين بالضرورة؟ أي مثل طريف ذكرته مرة: إنسان مظلي, فقد يجهل شكل المظلة؛ بيضوي, مستطيل, مربع دائري، المظلة مطوية، وقد يجهل نوع القماش؛ خيوط طبيعية، صناعية، حرير بلدي، صناعي، وقد يجهل عدد الحبال، وقد يجهل أشياء كثيرة، لكن شيئاً واحداً لو جهله نزل ميتاً، طريقة فتح المظلة يجب أن تعلم بالضرورة.
يوجد بالدين أشياء كثيرة قد تجهلها، ولا يعنيك من جهلها شيئاً، وقد تصل إلى الجنة مع أنك تجهلها، إنسان فرضاً زواجه ناجح جداً، ولم يفكر بالطلاق في حياته، لو أنه جهل أحكام الطلاق لا يتأثر، إنسان موظف له دخل محدود يعيش به, لو جهل أحكام المضاربة لا يتأثر، لكن الفرائض والمحرمات هذه ينبغي أن تعلم بالضرورة، الأحكام الفقهية المتعلقة باختصاصه ومهنته, ينبغي أن تعلم بالضرورة.
فهناك الدين أشياء, ينبغي أن تعلم بالضرورة، من أنكرها، أو ردها، أو كذبها, فقد ارتد عن الدين، الصلاة هل هناك صلاة بالدين؟ هذا مرتد، الصلاة، الزكاة، الصوم، أو عمل عملاً نقيضاً للدين، قال قولاً لا يحتمل التأويل.
نقطة هامة :
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/3342/04.jpg
أخواننا الكرام, الحقيقة أن الإنسان مخير، قال تعالى:

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
[سورة البقرة الآية: 256]
لكنك إذا دخلت في دين الله، ثم أردت أن تعتدي عليه, لتشويه صورته, ونقض تعاليمه، وكشف نقاط ضعف المسلمين, هذا عدوان على أقدس شيء في حياة الأمة، يوجب الحد، الدخول اختياري، أما الخروج من أجل أن تعتدي على هذا الدين، وأن تنشر ما يناقضه ، وأن تسفه أفكاره، وأن تحقر أعلامه, هذا عدوان على الدين، لكن لو ارتد إنسان فيما بينه وبين نفسه، ولم ينطق بكلمة، ولم يتصرف بتصرف, هل يناله عقاب الارتداد؟ لا.
الارتداد عقابه رد على عدوانه على الدين، إذا فيما بينه وبين نفسه لم يقتنع بأشياء كثيرة، وبقي صامتاً، ولم ينطق بكلمة، ولم يفسد على أحد دينه، ولم يهاجم الدين إطلاقاً، ولم يفعل شيئاً، كيف نكشفه نحن هذا؟ لا يكشف، الله عز و جل يستره, فلعله يتوب مما هو فيه. أنواع الارتداد :
1-ارتداد اعتقادي :
هناك ارتداد عقائدي، ردة الاعتقاد، مثلاً: من اعتقد أن هذا القرآن ليس كلام الله، من اعتقد أن هذا الحديث وهو صحيح، وأجمع العلماء على صحته، ليس كلام النبي، ولو قاله النبي فليس صحيحاً، هذا ارتداد، لكن الارتداد الاعتقادي لا يكشف.
2-ارتداد أقوال :
عندنا ارتداد أقوال، من حلف بغير ملة الإسلام كاذباً.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
((قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ حلف فقال: إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ, فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ, وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فلن يرجع إِلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا))
[أخرجه النسائي وأبو داود في سننهما]
من أمثلة الارتداد الاعتقادي والقولي :
كنا في الارتداد الاعتقادي، أي بعد أن آمن ارتد، بعد أن آمن انتكس، بعد أن آمن قال: هذا شيء لا أقبله أبداً، فيوجد ارتداد اعتقادي، ويوجد ارتداد قولي، لو أنه قال: إني بريء من الإسلام, فإن كان كاذباً فهو كما قال، وإن كان صادقاً, لم يعد إلى الإسلام سالماً، من سبّ الله تعالى، أو سبّ القرآن، أو الرسول، أو أحداً من أنبياء الله فقد كفر سواء أكان مازحاً، أو جاداً ، أو مستهزئاً، كفر وارتد.
من رمى أم المؤمنين عائشة، وصدق ما قيل فيها، مع أن الله برأها بالقرآن الكريم, فقد ارتد عن دين الإسلام، من طعن في الدين، هاجم الإسلام وطعن في الدين، أو دعا إلى مبدأ إلحادي أو كفري, فهو مرتد عن هذا الدين.
3-ردة الأفعال :
أما ردة الأفعال: فقد أجمع العلماء على أن مما يوجب كفر المسلم؛ إلقاء المصحف أو جزء منه، أو تدقيقه بالقدر، ومثله كتب الحديث القدسي والنبوي، وكذا من استخف بالقرآن.
من الارتداد أيضاً :
يوجد مقالات تستخف بالقرآن، من سجد من المسلمين لصنم, أو لشمس, أو قمر, أو أتى بقول, أو فعل صريح, يدل على استهزائه بالدين, فقد ارتد عن دين الإسلام، من هرب من المسلمين إلى دار الكفر، واحتمى بهم، وناصرهم، وتآمر على المسلمين, فقد ارتد عن دين الإسلام:
﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾
[سورة المائدة الآية: 51]
من أمثلة الارتداد الفعلي :
وهذا حديث خطير جداً, ورد في معجم الطبراني، وهو في السلسلة الصحيحة:
((برئت الذمة ممن أقام مع المشركين في ديارهم))
لمجرد أن تنوي الإقامة الدائمة مع المشركين فهذا نوع من الارتداد، ارتداد الأفعال، من حارب الشريعة الإسلامية، واستبدلها بالقوانين البشرية تعطيلاً لهذه الأحكام فقد كفر: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾
[سورة المائدة الآية: 44]
ما حكم المرتد؟ :
أخواننا الكرام, الشرع واقعي، والشرع رحيم، المرتد يستتاب, فإن تاب ورجع إلى الإسلام, فلا شيء عليه، وإمام المسلمين ينبغي أن يفرز لهذا المرتد عالماً جليلاً, يقنعه إذا كان ارتداده عن اعتقاد بريء من المصلحة، فالمرتد يستتاب، وتجري له مناظرة, كي يعود عن خطئه، وإلا يقام عليه الحد.
نهاية المطاف :
بقي ناقض آخر من نواقض الإسلام: وهو النفاق، وسوف يكون الحديث عنه إن شاء الله تعالى في درس قادم.
هذه من أساسيات الدين أن تعرف ما الإيمان؟ ما هي مقتضيات الإيمان؟ ما هي نواقض الإيمان؟ ما هي نواقض الإسلام؟ ما هو الشرك؟ ما هو الكفر؟ ما هو الارتداد؟ ما هو النفاق؟ هذه من أساسيات الدين, وينبغي أن تكون معلومة بالضرورة.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-01-2018 06:27 AM

رد: العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية من مفهوم القران والسنة

الدرس : ( العاشر )

الموضوع : نواقض الاسلام (3)







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما ذكر آنفاً :
أيها الأخوة الكرام، مع الدرس العاشر من دروس العقيدة، ولا زلنا في موضوع نواقض الإسلام.
قلت لكم في درس سابق: إن الإنسان راضٍ عن عقله, وعن إيمانه، لكنه ليس راضياً عن رزقه، والبطولة أن تواجه حقيقة مرة، وهو أن الإيمان الذي أنت عليه لا يكفي، أو لا ينبغي لهذا الإيمان أن يحجزك عن محارم الله، فلذلك قد يقع من الإنسان ما ينقض إيمانه، وما ينقض إسلامه، وهو لا يدري.
وقد ذكرت في درس سابق: أن الإنسان قد يكفر كفراً اعتقادياً، وقد يكفر كفراً عملياً، وقد يكفر كفراً قولياً.
من البنود التي تنقض الإيمان وتنقض الإسلام :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3343/01.jpg
أيها الأخوة, ننتقل اليوم إلى بند أخير من البنود التي تنقض الإيمان وتنقض الإسلام، هذا البند الأخير خطورته أنه شائع، وخطورته أنه خفي عن معظم الناس: إنه النفاق.
أيها الأخوة، في أدق تعريفات النفاق: أن يظهر الإنسان للمسلمين إيمانه، وهو في الحقيقة كافر مكذب، مصلحته أن يرضي المسلمين، هو كافر ومكذب، لكنه يعيش في بيئة إسلامية، وهذه البيئة صارمة، إذاً يظهر ما يرضيهم، ويخفي كفره وجحوده.
الآن النفاق في العقيدة كفر، غير أن صاحبه لا يعامل معاملة الكافرين لعدم إظهار كفره، لماذا قال الله عز وجل:
﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً﴾
[سورة النساء الآية: 145]
لأنه أبطن كفره، وأظهر إيمانه, فحسب على المسلمين، وأخذ كل ميزات المسلمين، وفي الحقيقة أبطن كفره وجحوده، فكان مع الكافرين، فلما كان معهم أخذ أيضاً ميزاتهم، يظن نفسه ذكياً، أخذ ميزات الكافرين، وأخذ ميزات المسلمين، لذلك هو في الدرك الأسفل من النار. ما معنى هذه الآية؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3343/02.jpg
مرة قلت: المسلم المؤمن واضح، واضح إيمانه، التعامل معه سهل، لأن الكتاب والسنة تحكمانه، صادق، أمين، عفيف، هدفه الآخرة، لا تأخذه في الله لومة لائم، الدنيا كلها لا تعدل عنده جناح بعوضة إذا حجبته عن الله عز وجل، المؤمن واضح، واضح جداً، والشيء المؤسف أن الكافر واضح، ولم يؤمن بالدين أصلاً، لم يعتقد بالدين، الدين يراه أفيون الشعوب ، الدين يراه تواكل، هو قد يستنبط من مجتمع المسلمين أخطاء كثيرة؛ تواكل، تقصير، عدم إتقان، خصومات، فهذه الأخطاء في مجموعها تجعله يعتد بكفره، أو تجعله يفتن بكفره، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾
[سورة الممتحنة الآية: 5]
الكافر واضح، يقول لك: أنا لا أؤمن إلا بالدنيا، الدنيا هي كل شيء، والمال هو كل شيء، وتحقيق شهواتي هو كل شيء. شخصية مجهولة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3343/03.jpg
مرة قال لي أحدهم من بلد أجنبي، وهو مندوب شركة، حدثته عن الدين قليلاً، فقال: هذه الموضوعات لا تعنيني إطلاقاً، ولا ألتفت إليها، يعنيني في حياتي أشياء ثلاثة؛ امرأة جميلة، وبيت واسع، وسيارة فارهة، والكافر واضح، والتعامل معه سهل مكشوف، والكافر بإعلان كفره، وإظهار معصيته, لا يغش أحداً، فكل مسلم يتقيه، فصار المؤمن واضحًا والكافر واضحًا.
أيها الأخوة, أما هذا الإنسان الثالث المنافق, فالبلاء كله منه، يتكلم كما تقول، يتكلم بكلامك، ويأتي معك إلى المسجد، ويصلي إذا كان في مجموع المسلمين، ويظهر إيمانه، ويبطن كفره وعدوانه، يتكلم بما تعرف، فإذا غبت عنه طعن فيك، هذا عليم اللسان، جاهل القلب، لذلك يقولون: نحن لا نخشى على الدين من أعدائه، بل نخشى على الدين من أدعيائه.
قف عند هذه الكلمة :
أقول لكم كلمة دقيقة جداً: الطرف الآخر أيقن أنه لا يستطيع أن يواجه الدين، لكنه يستطيع أن يفجره من داخله، الأسلوب الوحيد المتبع من قبل أعداء الدين: أن يصطنعوا جماعة إسلامية ترفع شعارات الدين، وتفعل عكس ما يأمر الدين، فهذه الجماعات الإسلامية التي تخالف أحكام الدين الصريحة، وترفع شعاراته بشكل صارخ, هي أخطر الفئات على الدين، لأنها تشوه صورة الدين.
ما حكم النفاق في العقيدة؟ :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3343/04.jpg
ذكرت مرة: أنك إذا رأيت إنساناً, يعتنق دينًا أرضيًّا, لا علاقة له بدين السماء، ورأيته قذراً، يتسول، ذا هيئة مزرية، هل تفكر لثانية واحدة أن تقرأ كتاباً عن دينه؟ لا، مستحيل، لأن مظهره القميء غير المعقول حجبك عن دينه، وأحيانا يحجب المسلم الإسلام عن دينه إذا كذب، أو إن لم يتقن عمله، أو إن أخلف وعده، أو إن نافق، أو إن سار في طريق ملتو، ومسلم آخر كالبللور الشفاف الصافي, يشف لك عن دينه، إنسان يقربك، وإنسان يبعدك، إنسان يجذبك، وإنسان ينفرك، النفاق في العقيدة كفر، غير أن صاحبه لا يعامل معاملة الكافرين، لأنه لا يظهر كفره، قال تعالى:

﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾
[سورة المنافقون الآية: 1]
كاذبون في هذه الشهادة.
أنواع النفاق :
1-النفاق الاعتقادي :
الله عز وجل يقول:
﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ﴾
[سورة المنافقون الآية: 3]
هذا النفاق الاعتقادي، يعتقد أن هذا الدين خرافة، هذا الدين لا شيء، هذا الدين من صنع أشخاص أذكياء، المنافق يعد النبي ذكياً عبقرياً، لا يعده رسولاً معه وحي من السماء، هذا النفاق الاعتقادي هو الكفر بعينه، لكن النفاق العلمي غير النفاق الاعتقادي، نحن في الكفر؛ هناك كفر اعتقادي، وهناك كفر قولي، وهناك كفر عملي.
2-النفاق العملي :
أيها الأخوة, أما في النفاق العملي: فأن يخون الأمانة، أن يكذب، أو يخلف الوعد، هذا نفاق عملي، لا يعد المنافق النفاق العملي كافراً، بل يعد عاصياً.
إنسان ضعفت نفسه فأخذ ما ليس له، ضعفت نفسه فأخلف وعده، ضعفت نفسه فكذب، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، هذه الصفات تجعل صاحبها عاصياً فاسقاً، ولا تجعله كافراً.
من صفات المنافقين :
1- الفساد في الأرض :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3343/05.jpg
الآن صفات المنافقين: هناك ملمح لطيف، وهو أنني حينما أتحدث عن صفات المنافقين, ليست القضية أن ألمح لزيد أو لعمر إطلاقاً، ولكن القضية تخصني أنا، أي إن هذه صفات المنافقين، فإذا كنت متصفاً بإحدى هذه الحالات, فحالتي خطيرة تستدعي المعالجة، إذاً ينبغي أن أسارع إلى تطهير نفسي من هذه الصفة.
من صفات المنافقين: أن المنافق يفسد في الأرض، هذه الفتاة خلقها الله على فطرة سليمة، خلقها الله والحياء يشملها، خلقها الله عز وجل ورغبتها أن تكون زوجة، فهذا الذي يفسد فتاة, يخرجها عن طهرها، يخرجها عن عفتها، يخرجها عن طاعتها لله، ماذا فعل بها؟ أفسدها، هذا مثل صارخ، المنافق ديدنه الإفساد، يفسد النفوس، يفسد العلاقات، يفسد البيئة، الإفساد إخراج الشيء عن أصل فطرته، إخراج الشيء عن خصائصه، قال تعالى:
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 11]
هو يفسد، يدعو إلى الاختلاط، ومع الاختلاط الفساد، يدعو إلى كشف الحجاب، ومع كشف الحجاب الفساد، يدعو إلى أن يخوض الإنسان في الدنيا مع الخائضين، ينبغي أن تعيش شبابك، طبعاً المنافق يختار عبارات مقبولة عند الجهلة، ينبغي أن تعيش شبابك، ينبغي أن تختبر الواقع، ينبغي أن تتفاعل معه، يا أخي تعلموا السحر ولا تعملوا به، هذا كلام المنافقين، يدعو إلى الفساد، يدعو إلى الاختلاط، يدعو إلى تبرج المرأة، يقول لك: هي نصف المجتمع، من حقها أن تظهر مفاتنها، هذا ما تعتز به، أنت حينما تمنعها من أن تظهر مفاتنها إنك تقمعها، كلام الجاهل يطرب له، لكن الذي أتاه الله العلم يراه كلاماً إبليسياً، يراه كلاماً مخرباً للعلاقات، يحب أن يكون هناك اختلاط في الحياة الاجتماعية، وما أدراك ما الاختلاط؟ وماذا يؤدي الاختلاط؟ . مأساة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3343/06.jpg
أقول لكم هذه الكلمة: ما من مأساة كبيرة أو صغيرة، عامة أو خاصة تهلك الإنسان, إلا بسبب خروج عن منهج الله، وما من خروج عن منهج الله إلا بسبب الجهل.
العبد الفقير من خلال هذه الدعوة التي أكرمنا الله بها، ما من حكم شرعي يحرم شيئاً, واللهِ الذي لا إله إلا هو إلا وعندي عشرات، بل مئات القصص التي وقعت في هذا المجتمع، والتي هي بسبب هذه المعصية.
عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ: أَفَرَأَيْتَ الْحَمْوَ؟ قَالَ: الْحَمْوُ الْمَوْتُ))
[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي في سننه]
أخو الزوج، والله في جعبتي عشرات، بل بضع عشرات القصص التي تهز أركان المجتمع, بسبب أن المسلم لم يأخذ بهذا الحديث، وما من حكم شرعي خولف, إلا وجرَّ مآسٍ لا تعد ولا تحصى، الإفساد في الأرض.
أعمال فنية يقوم بها المنافق :
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 11-12]
أحيانا يقول لك: مطعم، ليس هناك أي حكم شرعي يمنع أن يكون عندك مطعم، كلام طيب، يقول لك: أكل حلال، أنا أطعم الناس أكلاً حلالاً، لكن المطعم أضواؤه خافتة، وفي حي راقٍ جداً، وكل إنسان معه فتاة, يحب أن يجلس معها جلسة طويلة، وأن يفعل أشياء لا ترضي الناس في الطريق, يأخذها لهذا المطعم، فالإعلان مطعم، أما الحقيقة فهو بؤرة للفساد، فهذا مثل، إن في تجارته، إن في حركته، إن في أعماله، يقول لك: سياحة، أحياناً مجموعات، أكثر المعاصي والآثام تقترف في هذه المجموعات، كلمات براقة، فن، ساعة فن، ساعة سياحة، ساعة سلوك عصري، سلوك واقعي، ساعة التعبير عن الحياة بكل معانيها، هو كله فساد في الأرض. كيف يرى المنافق المؤمن حسب نص هذه الآية؟ :
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية: 13]
المنافقون يرون المؤمنين سفهاء، يعني محدودين، تفكيرهم محصور في المسجد، وكلمة الله، ما رأوا جمال الحياة، ما اطلعوا على بهجة الحياة، لم يستمتعوا بالحياة، محدودون، مغلقون، تفكيرهم مغلق، هؤلاء سفهاء معقدون، متزمتون، ديدنهم الله، الحياة فيها أشياء جميلة، فيها شهوات، فيها اختلاط، فيها أشياء تبهج النفس، هذا كلامهم، قالوا: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية: 13]
انظر إلى هذا الرد الإلهي لهذه الرؤية :
يقول الله عز وجل:
﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 13]
﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ﴾
[سورة البقرة الآية: 130]
ما مِن إنسان يعرض عن الدين إلا وهو يحتقر نفسه، قد تعرض عن أشياء كثيرة لأنك تحتقرها، ولكن لمجرد أن تعرض عن الدين فإنك تحتقر نفسك:
﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 33]
هذا الذي يصبو إلى التي لا تحل له, هو عند الله جاهل، لأنه خسر الآخرة، خسر الأبد، خسر اتصاله بالله، خسر قربه من الله، لما عصى أبعد عن الله عز وجل. 2- خداع المؤمنين بإظهار الإيمان إذا قابلوهم ثم إظهار الكفر إذا خلوا
الصفة الثانية: خداع المؤمنين بإظهار الإيمان إذا قابلوهم، ثم إظهار الكفر إذا خلو بأوليائهم.
والله أحياناً تسمع كلمات من شخص معسولة؛ أهلاً وسهلاً، ومرحباً، نوّر البيت, تباركنا، ليست هذه الحياة، محدودون، مساكين، لم يروا شيئاً، الآن فقط مدحك، قال لك: نوّر البيت، تباركنا فيك، لذلك يقول الله عز وجل:
﴿لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ * اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 14-15]
هذه الصفة الثانية. 3- الإعراض عن التحاكم إلى شرع الله وصد الناس عن الحكم بما أنزل الله
الصفة الثالثة: الإعراض عن التحاكم إلى شرع الله، وصد الناس عن الحكم بما أنزل الله، أحياناً قضية من القضايا بالقوانين فيها مكسب كبير، أما بالشرع فما لها مكسب، فالمنافق يأتي طواعية إلى الحكم الوضعي، ويحتكم إليه، هو في الشرع ظالم، وهذا يظهر كثيراً في قضايا الطلاق في الجاليات الإسلامية، ترفع أمرها لا إلى قاضٍ مسلم، لأن القاضي المسلم يحكم لها بالمهر فقط، ترفع أمرها إلى قاضٍ غير مسلم, ليحكم لها بنصف ثروة زوجها، لا يحتكم إلى شرع الله، بل يحتكم إلى نظام وضعي:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آَمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيداً * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً﴾
[سورة النساء الآية: 60-61]
أيّ إنسان يحتكم إلى غير شرع الله فهو منافق، أي إنسان يحتكم إلى غير شرع الله تحقيقاً لمصالحه فهو منافق. قاعدة عامة :
يروي ابن جرير بسنده إلى عامر الشعبي قال: كانت بين رجل ممن يزعم أنه مسلم، وبين رجل من اليهود خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك, أو قال: إلى النبي، وقد علم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأخذ الرشوة في الحكم، فاختلفا، فاتفقا على أن يأتيا كاهناً في جهينة، قال: فنزلت الآية:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ ءَامَنُوا﴾
قاعدة عامة: حينما تحتكم إلى نظام غير شرع الله عز وجل, فهذه صفة قد تتلبس بها النفس، وهي النفاق. 4- يأمر بالمنكر وينهى عن المعروف :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3343/07.jpg
المنافق من صفاته: أنه يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف، قال تعالى:

﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾
[سورة التوبة الآية: 67]
معنى: بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ: من صنف واحد، ملة الكفر واحدة، الكافر هو الكافر، في أي زمان، وفي أي مكان, يأمر بالمنكر، وينهى عن المعروف.
وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ؛ أي بخلاء لا ينفقون، وينهون عن أن تنفق، فعندنا فاسد مفسد لا ينفق، وينهاك أن تنفق.

قصة قرابة :
حدثني أخ قبل أشهر عن قصة, جرت مع أحد أقربائه، رجل في الستين في بحبوحة، أراد أن يتقرب إلى الله بدفع مبلغ مليون ليرة لإنشاء مسجد، حال الإنسان إذا اقترب من الوفاة، وشارف على ترك الدنيا, أن يعمل عملاً يلقى الله به، الرجل حي يرزق، الذي حدثني هذه القصة، هم أقرباء له، دفع المليون، له زوجة، وبنت طبيبة، وولدان، الأربعة رفعوا قضية، واتهموه بالسفه، وشهدوا جميعاً شهادة زور أن أباهم مجنون، الزوجة والبنت والابن، فحكم بإرجاع المبلغ، حكم أنه سفيه، والمبلغ استرد من الجمعية التي دفعه إليها، وانتهى الأمر، والذي روى لي القصة حي يرزق، خلال ستة أشهر الأربعة ماتوا، بأشكال عديدة؛ واحد في حادث، والبقية بأمراض عضالة، وبقي هو وحده حياً، والمبلغ استدره، وأنفقه مرة ثانية.
أيها الأخوة, إياك أن تفتري على إنسان محسن لا ينفق، ويمنعك أن تنفق.
درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم ينفق بعد مماتك :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/3343/08.jpg
أيها الأخوة, بحكم عملي في الدعوة, عندي عدد لا بأس به من الوصايا، والله الذي لا إله إلا هو, لم تنفذ منها وصية واحدة، واحد ترك ثلاث بنايات، وأوصى بمئة ألف، لم تنفذ هذه الوصية، لذلك: درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم ينفق بعد مماتك، لماذا هو خير؟ لأنه لن ينفق بعد مماتك،

﴿يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾
ينفقون على شهواتهم وحظوظ أنفسهم ملايين مملينة، أما إذا دعوا إلى إنفاق مبلغ بسيط لإنسان يعاني ما يعاني, ادعوا أنه لم يوجد سيولة معهم، إن أنفقوه أَنفقوه إسرافاً وتبذيراً، وإن أَمسكوه أمسكُوه بخلاً وتقتيراً، لذلك قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾
[سورة البقرة الآية: 195]
إن لم تنفقوا. 5-يتخذ الكافر ولياً :
الصفة الخامسة: من صفات المنافقين أنهم: ﴿يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
[سورة النساء الآية: 139]
قد يكون الشخص محترمًا بمقياس الأرض؛ غني، قوي، ذو مكانة، ذو منصب، فالمنافق يعد هذا الإنسان مستشاراً له، يعده وليه، أنا لا أخالفه أبداً، انظر إلى وضعه كيف هو ، لو ما كان يفهم لما كان بهذه المكانة، يتخذ الكافر ولياً، يوليه أمره، ولياً يرجع إليه، ولياً يستشيره، ولياً يهتدي بتوجيهاته، ولياً ينفذ تعليماته، ولا يعبأ بتوجيهات رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً * الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾
[سورة النساء الآية: 138-139]
هذا هو المؤمن :
أيها الأخوة, المؤمن يعتز بحاجب مؤمن، ولا يعتز بأكبر شخصية غير مؤمنة، يعتز بحاجب، هو أخي في الله هذا.
سيدنا الصديق, لما اشترى بلالاً من سيده, قال له سيده صفوان بن أمية: واللهِ لو دفعت به درهما لبعتكه، فقال له الصديق: واللهِ لو طلبت به مئة ألف لأعطيتك، هذا أخي، وضع يده تحت إبطه، وقال: هذا أخي حقاً.
كَانَ عُمَرُ يَقُولُ:
((أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي بِلَالًا))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
لعلك لا تعلم :
عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ:
((خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِبَلَ بَدْرٍ، فَلَمَّا كَانَ بِحَرَّةِ الْوَبَرَةِ, أَدْرَكَهُ رَجُلٌ قَدْ كَانَ يُذْكَرُ مِنْهُ جولة وَنَجْدَةٌ، فَفَرِحَ أَصْحَابُ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ رَأَوْهُ، فَلَمَّا أَدْرَكَهُ قَالَ: يا ِرَسُولِ اللَّهِ! جِئْتُ ِأَتَّبِعَكَ لأُصِيبَ مَعَكَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَارْجِعْ فَلَنْ أَسْتَعِينَ بِمُشْرِكٍ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
اختلف رجلان على قطعة جبن، استعانوا بالثعلب، الثعلب رفع شعار العدل، جاء بميزان، وضع ثلثين وثلثًا، فلما رجحت كفة الثلثين أكل نصفها، فرجحت كفة الثلث، فأكل نصفها إلى أن أكل الجبن كله، هذا حكمه.
لما استعان المسلمون بغير المسلمين لحلِّ خلافاتهم ما الذي حصل؟ راحت كل الثروات، فإذا نقضوا عهد الله وعهد رسوله, سلط الله عليهم عدواً يأخذ ما في أيديهم.
قف عند هذه الأحاديث :
أيها الأخوة، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ, عَنْ جَدِّهِ قَالَ:
((أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَهُوَ يُرِيدُ غَزْوًا لنا, وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، وَلَمْ نُسْلِمْ، فَقُلْنَا: إِنَّا نَسْتَحْيِي أَنْ يَشْهَدَ قَوْمُنَا مَشْهَدًا لَا نَشْهَدُهُ مَعَهُمْ، قَالَ: أَوَ أَسْلَمْتُمَا؟ قُلْنَا: لَا، قَالَ: إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ، قَالَ: فَأَسْلَمْنَا، وَشَهِدْنَا مَعَهُ، فَقَتَلْتُ رَجُلًا، وَضَرَبَنِي ضَرْبَةً، فتَزَوَّجْتُ بِابْنَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، فَكَانَتْ تَقُولُ: لَا عَدِمْتَ رَجُلًا وَشَّحَكَ هَذَا الْوِشَاحَ، فَأَقُولُ: لَا عَدِمْتِ رَجُلًا عَجَّلَ أَبَاكِ إلى النَّارَ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والإمام أحمد في مسنده]
عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ:
((كَانَ مُحَمَّدٌ أَحَبَّ رَجُلٍ إلي من النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا تَنَبَّأَ وَخَرَجَ إِلَى الْمَدِينَةِ, شَهِدَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ الْمَوْسِمَ وَهُوَ كَافِرٌ، فَوَجَدَ حُلَّةً لِذِي يَزَنَ تُبَاعُ، فَاشْتَرَاهَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا, لِيُهْدِيَهَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَدِمَ بِهَا عَلَيْهِ الْمَدِينَةَ، فَأَرَادَهُ عَلَى قَبْضِهَا هَدِيَّةً، فَأَبَى، قَالَ: إِنَّا لَا نَقْبَلُ شَيْئًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ، وَلَكِنْ إِنْ شِئْتَ أَخَذْنَاهَا بِالثَّمَنِ، فَأَعْطَيْتُهُ حِينَ أَبَى عَلَيَّ الْهَدِيَّةَ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير, والإمام أحمد في مسنده]
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
((أنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ لَحِقَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَاتِلَ مَعَهُ، فَقَالَ: ارْجِعْ، فَقَالَ: إِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِمُشْرِكٍ))
[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والترمذي في سننهما]
إذاً المنافقون:
﴿يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
نهاية المطاف :
المنافقون يعادون المؤمنين بإيمانهم، ويوالون الكافرين بكفرهم، قال تعالى:
﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾
[سورة المجادلة الآية: 22]
لا تجد مؤمناً يؤمن بالله واليوم الآخر يودّ من حاد الله ورسوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾
[سورة البروج الآية: 8-9]
أنت حينما تبذل مودتك للكافر فأنت منافق، لا سمح الله ولا قدر: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ * إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 109-111]
عَنْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ، وَمَنَعَ لِلَّهِ، وَأَحَبَّ لِلَّهِ، وَأَبْغَضَ لِلَّهِ، وَأَنْكَحَ لِلَّهِ, فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الإيمان))
[أخرجه الحاكم في مستدركه]
والحمد لله رب العالمين


الساعة الآن 06:55 PM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.