منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   ريآض سيرة الصحآبة رضوآن الله عليهم أجمعين (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=47)
-   -   سيرة الصحابيات الجليلات (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=9549)

السعيد 09-04-2018 08:40 AM

سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( الاول )


الموضوع : عائشة بنت ابى بكر


خطبتها من النبى




الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
إليكم حديث السيدة خولة بنت حكيم وهي تحدثنا عن خطبة السيدة عائشة للنبي :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس العاشر من دروس سيَر الصحابيِّات الجليلات رضوان الله عليهن أجمعين، ومع أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع الزوجة الثالثة، وهي من أحب الزوجات إلى قلبه الشريف؛ إنها السيدة عائشة رضي الله عنها .
أيها الأخوة الكرام, مر بنا من قبل أن خولة بنت حكيم، اقترحت على رسول الله صلى الله عليه وسلم, أن يتزوَّج عائشة بنت أبي بكر، إن فَعَلَ هذا, تمتَّنت هذه الصلة بينه وبين أحب الخلق إليه؛ إنه سيدنا الصديق رضي الله عنه .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5581/01.jpg
والحقيقة: أن الزواج يقرِّب، الزواج أحد أكبر وسائل التقارب بين الأسر، لأن علاقة النسب، وعلاقة الزواج، هي من أقدس العلاقات على الإطلاق, قال تعالى:

﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً﴾
[سورة النساء الآية: 21]
﴿ميثاقاً غليظاً﴾
قالوا: هذا الميثاق الغليظ هو عقد الزواج الذي هو أقدس عقدٍ على الإطلاق.
الآن: ندع الحديث للسيدة خولة بنت حكيم تحدثنا عن هذه الخطبة.
تقول: (دخلت بيت أبي بكر, فوجدت أم رومان، -أي أم عائشة- فقلت لها: ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ فقالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخطب له عائشة .
-فأقول لكم بصراحة: إذا سخَّر الله إنساناً ليكون شفيعاً بين زوجين، يدخل على قلب الأسرتين كل السرور، ففرحة من أفراح الدنيا الكبيرة أن الله سبحانه وتعالى سخَّر لابنتك شاباً مؤمناً، الشاب المؤمن إن أحبها أكرمها، وإن لم يحبها لم يظلمها، من نِعَم الله الكبرى أن يمنحك الله زوجاً لابنتك من ذوي الخلق، من ذوي الحسب، من ذوي التديُّن الصحيح، هذه نعمةٌ كبرى .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5581/02.jpg
لذلك كل من يُسهم في التوفيق بين زوجين، أو يسهم في إنشاء زواجٍ ميمون، مبارك ، إسلامي، له عند الله أجرٌ كبير, قال عليه الصلاة والسلام:

((مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
فهذه الأسرة التي تقوم على التفاهم، والمودة، وإنجاب الأولاد، وتربية الأولاد, الذين يُرجى أن يكونوا الأولاد عناصر طيِّبة في المجتمع، كل هذا المشروع الضخم، في صحيفة من سعى بزواج الزوج بالزوجة .
مرة حدثني أخ فقال: نحن الآن خمسة وثمانون شخصاً، أساسهم زوج وزوجة، طبعاً أنجبوا أولاداً، وزوَّجوا أولادهم، كما أنجبوا بنات، وزوجوا بناتهم، الأولاد والبنات، وأولاد الأولاد، وأولاد البنات، وأصهار بنات الأولاد، وأصهار بنات البنات، عددهم خمسة وثمانون شخصاً, إذا كانت أسرةٌ صالحةٌ، أب راقٍ، تربية عالية، انضباط، التزام، النساء كلهن محجَّبات ، الأصهار كلهم ديِّنون, فمن بصحيفته كل هذا الخير؟ الذي كان له شفاعة حسنة بهذا الزواج, من هنا قال عليه الصلاة والسلام:
((من أفضل الشفاعة أن تشفع بين اثنين في نكاح))
لا تقل كما يقول الشياطين: امش بجنازة ولا تمش بزواج .
ورد بالأثر: أنه من مشى بتزويج رجلٍ بامرأةٍ, كان له بكل كلمةٍ قالها، وبكل خطوةٍ خطاها, عبادة سنةٍ قام ليلها، وصام نهارها, لا تزهد أن تكون شفيعاً بين زوجين، لا تزهد أن تسعى لإقناع زوجٍ بشابةٍ مؤمنة، لا تزهد أن تسعى بإقناع شابةٍ مؤمنةٍ بزوجٍ طاهر، لا تقل: ليس لي علاقة، الأفضل لي ألا أتدخل, هذا كلام الشيطان . ((الْمُسْلِمُ إِذَا كَانَ مُخَالِطًا النَّاسَ, وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ, خَيْرٌ مِنَ الْمُسْلِمِ الَّذِي لا يُخَالِطُ النَّاسَ, وَلا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
الحياة دار ابتلاء، اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله- .
قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخطب له عائشة, فقالت: وَدِدْتُ, -والله شيء جميل، سيد الخلق، فإذا الإنسان جاءه صهر دكتور، يظل يعيدها مليون مرة، صهرنا دكتور, خير إن شاء الله، صهرنا مهندس، صهرنا عنده معمل، انظر إلى الأب والأم إذا زوَّجوا ابنتهم من شخص مهم, فهذا شيء جدير بالتنويه والاهتمام، لا يفتؤون يتحدثون عن شهاداته، وعن علمه، وعن أخلاقه، وعن مستقبله المرتقب, إذاً: شيء كبير جداً أن يكون النبي صهراً لهذه الأسرة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5581/03.jpg
لذلك العلماء قالوا: طالب العلم كفؤٌ لأي فتاة, طالب العلم يعرف ما له وما عليه- .
قالت: وددت، انتظري أبا بكرٍ فإنه آتٍ, وجاء أبو بكر، فقلت له: يا أبا بكر, ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم لأخطب له عائشة , -تصوروا ماذا قال؟- قال الصديق رضي الله عنه: وهل تصلح له؟ -رأى مقامه أكبر بكثير من أن تكون عائشة الصغيرة زوجته، إنما هي بنت أخيه- .
فرجعت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقلت له ما قال أبو بكر, فقال عليه الصلاة والسلام: ((ارْجِعِي إِلَيْهِ فَقُولِي لَهُ: أَنَا أَخُوكَ وَأَنْتَ أَخِي فِي الإِسْلامِ, وَابْنَتُكَ تَصْلُحُ لِي فَرَجَعَتْ))
[أخرجه أحمد في مسنده]
فأتيت أبا بكرٍ فذكرت له ذلك، -فبرزت مشكلة ترفع مقام سيدنا الصديق للأوج- قال : انتظريني حتى أرجع .
قالت أم رومان توضِّح الموقف لخولة: إن المطعم بن عدي كان قد ذكر عائشة على ابنه زبير، ولا والله ما وعد أبو بكرٍ شيئاً قط فأخلف .
ذكر المطعم بن عدي أنه يرغب في أن يزوِّج ابنه زبير من عائشة، -سيدنا الصديق ما أقر ولا نفى، ولكن سكوته شبه وعد، فلا يقدر أن يبت في الأمر، للوفاء بالوعد، الزبير بن المُطعم بن عدي هل يوزن مع رسول الله؟ الوفاء والعهد هو الدين، فأنا أتصور أن سيدنا الصديق كاد يتمزَّق إن فاتته فرصة زواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بعائشة، أو لم يخطر في باله أبداً أن يخطب النبي عليه الصلاة والسلام ابنته عائشة, طبعاً كل أب إذا جاءه شاب جيد, وأعلن عن رغبته, فمن الممكن أن ترحب وبالترحيب يصير شبه وعد، لا يستطيع أن يقول: نعم للنبي, حتى يُنهي هذه المشكلة- فذهب من توِّه إلى المطعم بن عدي .
دخل أبو بكر على مطعم وعنده امرأته أم زبير، وكانت مشركةً، فقالت العجوز: يا بن أبي قحافة, لعلنا إن زوَّجنا ابننا من ابنتك, أن تصبئه وتدخله في دينك الذي أنت عليه .
-نحن عندنا مشكلة معك، نخاف أن نزوِّج ابننا من ابنتك, فتصبئه معك وتدخله في دينك، هذا كلام الزوجة, سيدنا الصديق لم يرد عليها إطلاقاً- بل التفت إلى زوجها المُطعم فقال: ما تقول هذه؟ هل حقاً تخاف إن زوَّجت ابنك ابنتي أن يدخل معي في الإسلام؟ فقال: إنها تقول كذلك, -أي أيدها، ووافقها، واعتمد قولها- .
فخرج أبو بكرٍ رضي الله عنه, وقد شعر بارتياحٍ لما أحلَّه الله من وعده، وعاد إلى بيته فقال لخولة: ادعِي لي رسول الله .
-يبدو أن هناك تقليداً في الحياة العربية أن الخاطب لا بد من أن يأتي إلى بيت المخطوبة هكذا، انظر إلى الموقف الأخلاقي: ((لا إِيمَانَ لِمَنْ لا أَمَانَةَ لَهُ, وَلا دِينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَهُ))
[أخرجه أحمد عن أنس بن مالك في مسنده]
أنا قرأت عن الصحابيِّات الجليلات كثيراً، لكن لفت نظري إحدى الصحابيات، عندها خمسة أولاد، وقد خطبها النبي صلى الله عليه وسلم، أيَّة امرأةٍ أتيح لها أن تكون أم المؤمنين فترفض؟ أية امرأةٍ يمكن أن تكون السيدة الأولى في المجتمع فترفض؟ .
قالت: يا رسول الله, عندي أولادٌ خمسة, أخاف إن رعيتُ مصالحهم أن أقصر في حقك ، وأخاف إن رعيتُك أن أقصِّر في حقِّهم، فأنا لا بدَّ ظالمة واعتذرت, فقال عليه الصلاة والسلام: ((يرحمك الله, إن خير نساء, ركبن أعجاز الإبل, صالح نساء قريش, أحناه على ولد في صغر, وأرعاه على بعل بذات يد))
[أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن عباس في مسنده]
ما هذه المواقف؟ فسيدة يتاح لها أن تكون السيدة الأولى، يتاح لها أن تكون أم المؤمنين ، يتاح لها أن تكون زوجة رسول الله، فتحتار لا بد من أن أظلم زوجي أو أولادي، فأرادت أن ترعى أولادها، وقد فوَّتت حظها من أن تكون أمّ المؤمنين، هذه الجنة لمثل هؤلاء.
امرأة في الطريق رأت عالماً أزهرياً, قالت له: يا سيدي, أيحق للنبي عليه الصلاة والسلام أن يقول عنا: ناقصات عقلٍ ودين؟ هذا العالم الأزهري فطن, قال لها: والله ما له حق ، لكن هذا الكلام ليس لكُنَّ، هذا الكلام للصحابيات, أما أنتن فلا عقل ولا دين .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5581/04.jpg
شيء لا يصدَّق: لأنها رعت أولادها تنازع رسول الله دخول الجنة، لذلك أنا حينما أرى أماً تهتم بأولادها؛ بطعامهم، بصحتهم، بلباسهم، بترتيب غرفتهم، بمراعاة حاجتهم، بمراقبتهم، بالعناية بأخلاقهم, إلى أن يصبحوا شباباً من الدرجة الأولى، هذه أم في أعلى المقامات، لذلك الإسلام فيه صلاة, وحج, وصوم, وزكاة، وتكاليف كثيرة، لكن أعلى شيء في الإسلام ذروة سنام الإسلام، يعني أن أعلى نقطة في سنام الإسلام: الجهاد، يقول عليه الصلاة والسلام:

((انصرفي أيتها المرأة, وأعلمي من وراءك من النساء, أن حسن تبعل إحداكن لزوجها, وطلبها مرضاته, واتباعها موافقته, يعدل ذلك كله))
أي الجهاد في سبيل الله .
لا أعتقد أن امرأةً من بين ألف امرأةٍ تعي هذا الحديث، والنبي لا ينطق عن الهوى, إن هو إلا وحيٌ يوحى، وها أنا أضرب مثلاً ولا أعرف:
لو أن امرأةٍ, ثابرت على قيام الليل، وصلَّت ما شاء لها أن تصلي، وقرأت القرآن، واستغفرت، وذكرت الله، وفي الساعة السادسة صباحاً تعبت، فألقت رأسها على الوسادة لتنام، وأولادها ينبغي أن يستيقظوا بعد قليل، وأن يأكلوا، وأن يرتدوا ثيابهم، فأهملتهم, وقالت لهم: قوموا وحدكم، كلوا واشربوا, واذهبوا إلى مدارسكم، فأنا بالمقياس الديني الحقيقي أنّ هذه امرأةٌ ما عبدت ربها؛ لأنها أهملت أولادها .
ولو استيقظت قبل شروق الشمس بنصف ساعة، وصلت الفجر، واهتمت بأولادها، فهيَّأت لهم الطعام، وراقبت ارتداءهم ثيابهم، وراقبت أعمالهم، وأرسلتهم إلى المدرسة، وبعدها ألقت رأسها على الوسادة, فإنها عند الله أفضل ألف مرة من هذه التي عبدت وأهملت .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5581/05.jpg
كل إنسان يعبد الله فيما أقامه، شيء خطير أقوله: كل إنسان ينبغي أن يعبد الله فيما أقامه، أقام هذه المرأة زوجةً, فأعلى عبادةً لها, أن ترعى حق زوجها وأولادها، أقامك غنياً, أرقى عبادةً لك أن تنفق هذا المال في سبيل الحق، أقامك قوياً, أقوى عبادةٍ لك, أن تنصف المظلوم، أقامك أميراً, عليك أن تعدل، أقامك عالماً, عليك أن تُلقي العلم بسخاء من دون تردد، كل إنسان ينبغي أن يعبد الله فيما أقامه الله .
فلو فرضنا مدير ناحية, يقوم الليل, ويذكر, ويقرأ القرآن، وأهمل عمله، لكان أولى له أن يسهر, ليحل مشكلات الناس، وأن ينصف بينهم، ويتابع قضاياهم، فهناك سارق، وهناك إنسان منحرف، وتلك عصابة فساد، إذا تتبَّع مهام عمله وأدَّاها على خير ما يكون، فهو يعبد الله، فيجب أن تعبد الله فيما أقامك .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5581/06.jpg
يجب أن تعبده في الظرف الذي وضعك فيه؛ عندك ضيف، عبادة الله أن تُكرم هذا الضيف، تهيئ له منامه، طعامه، شرابه، الأب مريض؛ عبادة الله أن تمرِّض أباك، أن ترعاه، عندك ابن يحضّر للامتحان؛ عبادة الله أن تعتني بابنك أثناء الامتحان، عندك زوجة مريضة، يجب أن تعبد الله فيما أقامك, وفي الظرف الذي وضعك فيه، فأنت بذلك أديت المهمة على ما ينبغي- .
فقال لخولة: ادعي لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمضت خولة إلى الرسول الكريم فدعته، فجاء بيت صديقه أبي بكر، فأنكحه عائشة, وهي يومئذٍ بنت ست سنين أو سبع, -طبعاً لم يقع زواج لكن جرى عقد- وكان صداقها خمسمئة درهم .
ولا يذكر التاريخ عنها إذ ذاك, إلا أنها خطبت لزبير بن مطعم، وأبوها أبو بكر بن قحافة، وأمها أم رومان بنت عمير بن عامر من بني الحارث بن غنم بن كنان . إليكم النسب الذي كانت تحويه السيدة عائشة :
قال: (عُرفَ قومُ عائشة، وهم بنو تميم بالكرم، والشجاعة، والأمانة، وسداد الرأي، كما كانوا مضرب المثل في البر بنسائهم، والترفُّق بهن، وحسن معاملتهن) .
فهناك أسر عريقة, عندهم الزوجة مكرمة, الكنة شابة مكرمة، تعامل كبنت من بنات الأسرة، وهناك أسر خسيسة, تقسو في معاملة زوجة ابنها قسوةً لا حدود لها، وكأنها خادمة، وكأنها إنسانة أجيرة، فالإنسان كلما ارتقى، كلما ارتقت معاملته .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5581/07.jpg
وهذه كلمة حق أقولها لكم: في الإسلام مقياس لو طبَّقه الناس لما وجدت أية مشكلة, عامل الناس كما تحب أن يعاملوك، عامل زوجة ابنك، كما تحب أن تعامل ابنتك, هذا مقياس ، لا يخيب أبداً، أنا أذكر طرفة لكنها واقعة:
امرأة اشترى ابنها آلة كهربائية مريحة لزوجته، وهو يسكن مع أمه، فأقامت عليه النكير، أقامت الدنيا على رأسه، لماذا هذا الإسراف؟ لا يحق لهذه المرأة هذه الغسالة، وفي اليوم نفسه, اشترى صهرها لزوجته غسالة مشابهة، أثنت عليه: الله يرضى على فلان، ريّح لي ابنتي, أرأيتم إلى هذا التناقض؟ لو أن الإنسان خرج عارياً, وهذا أمر بشعٌ جداً، والله أهون من أن يتناقض كلامه وسلوكه .
مرة كنت في محل تجاري, شاب في الصف الثامن, بائع أقمشة، فحمله صاحب المحل أثواباّ؛ أول ثوب، وثاني ثوب، وثالث ثوب، ورابع ثوب, حتى لم يستطع الحمل، قال له : لا أقدر, قاله له: أنت شاب, فلا تقل لا أقدر, وبالوقت نفسه, حمل ابنه ثوباً واحداً, فقال له: احترس على ظهرك, أرأيت إلى هذه العنصرية, فقد خاف على ظهر ابنه من ثوب واحد، أما الأجير حمله ما علمتم .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5581/08.jpg
وها أنذا أقول لكم هذه الكلمة: لن تكون مؤمناً إلا إذا عاملت الغريب كما تعامل ابنك، ولن تكون مؤمناً إلا إذا عاملت زوجة ابنك كما تعامل ابنتك, هذا هو الإيمان، أما تلك التفرقة فهي مرذولة حقاً، العالم الآن سيخرج من جلده من الأقوياء الذين يكيلون بمكيالين، تجد عندهم تساهلاً ما بعده تساهل، وقسوة ما بعدها قسوة, فأبشع شيء في الإنسان التناقض، والتناقض لا يحتمل, ولكنها شريعة الغاب .
سيدنا الصديق رضي الله عنه صدِّيق، والصديقية المرتبة التي تلي النبوة، رتبة الأنبياء أعلى شيء, رسول ، نبي ، ثم صديق، ولي, مؤمن، مسلم، ثم هناك خط أحمر، ثم يتلوه هلاك، إن سيد الأنبياء والمرسلين رسول الله، رسول، أولو العزم، رسل من غير أولي العزم، أنبياء، صديقون، أولياء، مؤمنون، مسلمون، هذه المراتب في الإسلام .
قالوا: سيدنا الصديق له شهرةٌ ذائعة في دماثة الخُلق، وحسن العشرة، وقد أجمع مؤرخو الإسلام على أنه كان أنسب قريشٍ لقريش، وأعلم الناس بها، وبما كان فيها من خيرٍ وشر، وكان رجلاً تاجراً ذا خلقٍ معروف، يأتيه رجال قومه, ويحكّمونه في أمورهم لعلمه، وخبرته، وحسن مجالسته، ومن نعم الله الكُبرى عليك أن يكون الذين حولك على شاكلتك http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5581/09.jpg
أن يكون الذين يجالسونك يجانسونك, وأكبر عقاب يعاقب به الإنسان, أن يعيش بين أناسٍ دونه بكثير، هو في واد, وهم في واد، هو في مستوى، وهم في مستوى آخر.
أخواننا الكرام, لقد درسنا سيرة سيدنا الصديق في هذا المسجد، فشيء جميـل أن تتصوروا عظمة هذا الإنسان في تواضعه، أدبه، شوقه إلى الله، ورعه، يقول عليه الصلاة والسلام:
((ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة إلا أخي أبا بكر))
((ما نفعني مالٌ قط ما نفعني مال أبي بكر, قيل: فبكى أبو بكر, قال: يا رسول الله, وهل أنا ومالي إلا لك؟))
فإذا أردت أن تكون مؤمناً من الطراز الأول, اجعل هذا الصحابي الجليل قدوةً لك, كان يحلب الشياه لجيرانه، فلما تسلَّم الخلافة, ظن الجيران أنه لن يتابع هذه الخدمة، طُرق الباب، افتحي يا بنيتي, من الطارق؟ قالت لأمها: جاء حالب الشاة, بعد أن تسلَّم الخلافة .
سيدنا الصديق يمشي على قدميه, وهو خليفة المسلمين، وسيدنا أسامة بن زيد، عمره سبعة عشر عاماً, يركب الناقة، قال: ((والله يا خليفة رسول الله, لتركبن أو لأنزلن, قال: والله لا ركبتُ ولا نزلتَ، وما عليَّ أن تُغبّر قدماي ساعةً في سبيل الله))
خاتمة القول :
أيها الأخوة, إن شاء الله سنتابع سيرة هذه الصحابية الجليلة، التي هي من أذكى نساء النبي، وقد روت عن رسول الله ألفي حديث، لو كانت رجلاً, لكانت من كبار العلماء، عالمةً، فقيهةً، راوية للحديث، وكانت من أحبِّ الزوجات إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وهذه السيدة المصون أيضاً, قدوةٌ لكل امرأةٍ, تطمح أن تكون ذات شأنٍ عند الله عز وجل .
الحديث عن زوجات النبي حديث ممتع، لأنه يتناول كمال النساء، والإنسان يشعر بسعادة, حينما يستمع إلى مواقف كاملة، ويشعر بالأسى والحزن, حينما يرى الإنسان يهبط, الخسة، والدناءة، والخيانة الزوجية، والتطاول على الزوج، وإهمال الأولاد، والبذاءة في اللسان، والقسوة في الكلام، والزينة لغير الزوج، وإهمال الزوج، فهذا واقع النساء، في الطرقات جميلة, لكن البيوت جحيم، الطرقات كل شيء فيها، أما السلف الصالح الطرقات خاوية, ولا شيء فيها مما يفسد الأخلاق إطلاقاً، أما البيوت فكانت جنَّات، الآن أصبحت البيوت جحيماً، لأن هذه المرأة التي تبرز مفاتنها, تعتدي على من في الطريق, وتسيء إلى علاقة الزوج بزوجته .

السعيد 09-04-2018 08:44 AM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( الثانى )


الموضوع : عائشة بنت ابى بكر



هجرة الرسول ولحاقها بة بعد الهجرة

حمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . سؤال قد يرد :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الحادي عشر من دروس سير الصحابيِّات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن أجمعين، ومع أمهات المؤمنين، زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، ومع الزوجة الثالثة السيدة عائشة بنت أبي بكرٍ رضي الله عنهما .
أيها الأخوة الكرام, قد يسأل أحدكم: هذا الفارق الكبير في السن بين السيدة عائشة وبين رسول الله صلى الله عليه وسلَّم, كيف تزوَّج النبي امرأةً في سن أمه, ثم كيف تزوج امرأةً في سن ابنته؟ الأمور التي لا يدلي الشرع فيها بحكمٍ ترجع إلى الأعراف .
فأنت إذا قلت: أنا أكلت اللحم, ماذا تقصد؟ لحم الضأن أو لحم البقر، لأنك إذا أكلت سمكاً تقول: أكلت سمكاً, فإذا إنسان حلف بالطلاق ألّا يأكل لحماً، فهل بإمكانه أن يأكل سمكاً؟ نعم بإمكانه، مع أن السمك لحم، لكن العرف هو أن اللحم هو لحم الضأن أو البقر, والسمك شيءٌ آخر، ففي الموضوعات التي لم يكن هناك حكمٌ شرعي, يعود الأمر إلى العرف .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5582/01.jpg
هذا موضوع طويل في أصول الفقه، بابٌ كبير، فأحد المصادر التشريعية العرف, فهو الذي يحكم القضايا التي ليس فيها حكم شرعي .
لو أن في زواج الرسول صلى الله عليه وسلَّم من السيدة عائشة أيُّ مأخذٍ في أعراف العرب وقتها, لأُخِذ على النبي صلى الله عليه وسلَّم هذا الزواج، بل إن البيئة وقتها تسمح بأن تأخذ امرأةً في سن أمك، وتسمح بأن تأخذ امرأةً في سن ابنتك, ولكن السيدة عائشة لها دور كبير جداً في موضوع الفقه .
فقال بعض العلماء:
((إن ربع الأحكام الشرعيَّة عُلِم منها))
إن ربع الأحكام الشرعية التي عرفناها من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم, إنما عُرِفَت من أحاديث روتها السيدة عائشة رضي الله عنها، فامرأة النبي، زوجة النبي، أم المؤمنين, لها دورٌ خطيرٌ جداً في الدعوة؛ لأنها يمكن أن تختص بالنساء، تعلمون أن النساء يسألن النبي عليه الصلاة والسلام عن موضوعاتٍ تخصُّ حالَهن، وأفضل إنسانة تعبِّر عن الأحكام الشرعية المتعلِّقة بالمرأة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، إذاً: لها دورٌ في الدعوة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5582/02.jpg
ويقول العلماء أيضاً: ما رأوا أحداً أعلم بمعاني القرآن, وأحكام الحلال والحرام, من السيدة عائشة، وما رأى العلماء أحداً أعلم بالفرائض, والطب, والشعر, والنسب, من السيدة عائشة, مع أنها صغيرة, إلا أنها كانت شيئاً نادراً في الذكاء، وشيئاً نادراً في الحفظ، وشيئاً نادراً في الوفاء للنبي عليه الصلاة والسلام .
إذاً: فليعلم القارئ حقاً ويطمئن, أن زوجات النبي صلى الله عليه وسلَّم قد اختارهنّ الله جلَّ جلاله له، لما سيكون لهن من دورٍ في الدعوة مستقبلاً .
فهذا الذي يفكر أن النبي تزوج زوجةً في سن ابنته، أو امرأةً في سن أمه، هذا لا يعرف من هو النبي, فالنبي عليه الصلاة والسلام بقي مع السيدة خديجة, وهي في سن أمه, ربع قرنٍ، وكان بإمكانه أن يتزوَّج أجمل فتيات مكة، فهو بعيدٌ جداً عن هذا الذي يفكِّر فيه أعداء الإسلام .
أيها الأخوة الكرام, السيدة عائشة روت عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ألفي حديث ومئتين وعشرة أحاديث، وحفظت القرآن الكريم كلَّه في حياة النبي .
إذاً: من يقول: إن هناك فارقاً في السن, هذا الفارق في السن, كان مألوفاً في عصر النبي، ولو كان هناك مطعنٌ في هذا الموضوع, لما سكت أعداء النبي، ولجعلوا من هذه القضية قضيةً كبيرةً جداً . إليكم بعض الصفات التي كانت تتمتع بها السيدة عائشة كما ذكرها الذاكرون :
من صفات هذه الزوجة الطاهرة على صغر سنها: أنّها كانت ناميةً ذلك النمو السريع الذي تنموه نساء العرب، وكانت متوقِّدة الذهن، نيِّرة الفكر، شديدة الملاحظة، وهي وإن كانت صغيرة السن, لكنّها كبيرة العقل .
نحن تعلَّمنا في الجامعة أن للإنسان عمرين؛ عمر زمني، وعمر عقلي، وقد يبتعدان عن بعضهما، قد تجد إنساناً عمره الزمني عشر سنوات، أما عمره العقلي فخمسة عشر عاماً، وقد تجد إنساناً عمره الزمني عشرون عاماً؛ وعمره العقلي خمسة عشر عاماً، فالعقل لا ينمو مع نمو الجسم, بل له نموّه الخاص .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5582/03.jpg
فالسيدة عائشة رضي الله عنها على صغر سنها, نمت نمواً سريعاً, وعلى صغر سنها, كانت متوقِّدة الذهن، نيرة الفكر، شديدة الملاحظة، فهي وإن كانت صغيرة السن, لكنها كبيرة العقل، أي لها دور في الدعوة الاًسلامية .
تروي كتب السيرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوج امرأةً فيما بعد، قال لها ضرَّاتها: إذا التقيت بالنبي فقولي له: أعوذ بالله منك, فلما دخل عليها النبي, قالت: أعوذ بالله منك, فماذا قال لها؟ قال:
((الْحَقِي بِأَهْلِكِ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
رفضها، هل يعقل أن تكون زوجة رسول الله بهذا الإدراك؟ فهي مبلِّغة عن رسول الله ، تبلِّغ عنه الشرع، شيءٌ خطيرٌ جداً أن تكون زوجة النبي عليه الصلاة والسلام محدودة التفكير، لأنها تنقل عنه، وربما نقلت عنه الشيء الذي ما أراده النبي عليه الصلاة والسلام .
إذاً: هناك حكمةٌ إلهيةٌ بالغة من أن الله سبحانه وتعالى هيَّأ لرسوله الكريم هذه الزوجة العاقلة، المتقدة في الذهن, والذكاء, والفطنة، كثيرة الملاحظة، ذات النفسيَّة الطيِّبة .
يقولون: ولو لم تكن السيدة عائشة رضي الله عنها في تلك السن التي صحبت بها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وهي السن التي يكون فيه الإنسان أفرغ بالاً، وأشد استعداداً لتلقي العلم، لما تهيَّأ لها ذلك .
فالعلم شيءٌ أساسيٌ في حياة المؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام كل شيءٍ يقوله ينبغي أن ينقل عنه، وأفضل امرأةٍ تنقل عنه زوجته، إذاً: فلنطمئن أنّ الله سبحانه وتعالى اختارها على علمٍ لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم.
أقوال العلماء التي جمعت عن هذه السيدة الجليلة :
قال الإمام الزُهري:
((لو جُمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين، وعلم جميع النساء, لكان علم عائشة أفضل))
والحقيقة: أن الشيء الذي يدهش العقول، أو الشيء الذي يلفت النظر, أن تكون المرأة على درجة عالية جداً؛ من الفهم, والعلم, والفقه، فالمرأة عند الناس امرأة، لكن المرأة التي تتمتَّع بعقلٍ راجح، وإدراكٍ عميق، وفهمٍ دقيق، وحفظٍ شديد, هذه امرأةٌ نادرةٌ جداً، وامرأةٌ مؤهَّلةٌ لأن تكون زوجة لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
عطاء بن أبي رباح يقول: ((كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأياً في العامة))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5582/04.jpg
والحقيقة: مِن مُتَع الحياة أن تعيش مع الذكي، ومن البلاء الشديد أن تعيش مع المحدود, تكاد تخرج من جلدك، سمعتم مرةً مني أن الإمام أبا حنيفة رضي الله عنه, بينما كان يلقي درساً على أخوانه حول صلاة الفجر، وفيما قرأت كانت رجله تؤلمه، وبينه وبين تلاميذه مُباسطة، ليس هناك كلفة، ولعذرٍ فيه كان يمد رجله، دخل رجل طويل القامة، عريض المنكبين، حسن الهيئة، يرتدي عمامةً وجُبةً، وجلس في مجلس هذا الإمام العظيم .
فأبو حنيفة رضي الله عنه, ظنَّه عالماً كبيراً، فاستحيا منه ورفع رجله، أي أن بينه وبين أخوانه ليس هناك كلفة، أما هذا فضيف غريب لعلَّه ينتقده، فلما انتهى الدرس, سأله هذا الرجل: يا إمام, كيف نصلي الصبح إذا طلعت الشمس قبل الفجر؟ فقال له: عندئذٍ يمد أبو حنيفة رجله .
لذلك فأنا أرى أن من إكرام الله لرسول الله, أنه قيَّض له أصحاباً على مستوى عالٍ من الفطنة، والوفاء، والذكاء، والحُب، والتضحية، والإخلاص، وكلَّما ارتقى مقامك عند الله, هيَّأ الله لك أُناساً قريبين منك، كلَّما ارتقى مقامك عند الله, هيَّأ الله لك أُناساً يفهمون عليك، يفهمون عليك بالإشارة، يقدِّرون ما أنت فيه، يعرفون قدرك حق المعرفة، يعرفون أهدافك النبيلة .
وقال أبو موسى الأشعري: ((ما أشكل علينا أمرٌ, فسألنا عنه عائشة، إلا وجدنا عندها فيه علماً))
وقال مسروق: ((رأيت مشيخة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الأكابر يسألونها عن الفرائض))
وقال عروة: ((ما رأيت أحداً أعلم بفقهٍ ولا طبٍ ولا بشعرٍ من عائشة))
وقال أبو الزناد: ((ما كان ينزل بها شيءٌ إلا أنشدت فيه شعراً))
أيها الأخوة, أردت من هذه المقدمة أن تعلموا أن عائشة أم المؤمنين، اختارها الله عزَّ وجل لنبيِّه الكريم، لتكون زوجته, وأمينة سرِّه, وراويةً عنه . متى دخل النبي على السيدة عائشة ؟
كلكم يعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام عقد عليها, وهو في مكة قبل الهجرة، ثم هاجر عليه الصلاة والسلام إلى المدينة، واستقبله الأنصار، وهم محيطون به، متقلِّدي سيوفهم ، وهنا حدِّث ولا حرج, عن سرور أهل المدينة، فكان يوم تحوِّله إليهم يوماً سعيداً، لم ُيرَوْا فرحين فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
فكلكم تحضرون عقود قران، وموالد بمناسبة ذكرى مولد الرسول عليه الصلاة والسلام، ونشيد طلع البدر علينا, يمكن ألا يكون واحد من الأخوة الحاضرين, إلّا سمعه مئات المرَّات, إن لم نقل أكثر .
والعبد الفقير لما كنت في المدينة المنورة في إحدى العُمرات، وقفت قبالة مسجد قِباء ، فهناك ميدان في وسطه نُصب تذكاري، مكتوب عليه: طلع البدر علينا، أيْ في هذا المكان, في مكان مسجد قباء، وقباء في ظاهر المدينة, خرج الأنصار من المدينة، ليستقبلوا رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وفي هذا المكان بالذات أنشدوا: طلع البدر علينا, كأنني أسمع هذا النشيد لأول مرة، وله وقعٌ في هذا المكان لا يوصف، في المكان الذي وقف فيه الأنصار, ينتظرون النبي عليه الصلاة والسلام، وحينما أطل عليهم, قالوا:
طلع البدر علينا من ثنيِّات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
وفي الصحيحين: عن أبي بكرٍ رضي الله عنه في حديث الهجرة، قال: ((وخرج الناس حين قدمنا المدينة في الطرق, وعلى البيوت، والغِلمان, والخدم, يقولون: الله أكبر جاء رسول الله، الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء رسول الله، وكان الأنصار قد اجتمعوا, فمشوا حول ناقته صلى الله عليه وسلَّم، لا يزال أحدهم ينازع صاحبه زمام الناقة شُحَّاً على كرامة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتعظيماً له، وكلَّما مرَّ بدارٍ من دور الأنصار, دعوه إلى المنزل، فيقول عليه الصلاة والسلام: دعوها فإنها مأمورة, فإنما أنزل حيث أنزلني الله, ونزلت في بيت أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه))
ولقد كنت في تركيا قبل سنة تقريباً، وصلَّيت الجمعة في مسجد أبي أيوب الأنصاري في مدينة استانبول، هذا الصحابي الجليل أين مات؟ مات في أقصى الشمال، وله مسجدٌ والله منوَّر, تشعر فيه بروحانية عجيبة، فلما انتهت الصلاة, زرت مقام هذا الصحابي الجليل وقرأت الفاتحة، وتأثرت تأثراً كبيراً، ولكن الذي أدهشني أن كل زوَّار المقام, حينما يخرجون من هذا المقام, لا يديرون ظهورهم إليه، تأدُّباً معه، فهذا الصحابي الجليل الذي أكرمه الله بأن يكون مُضيف النبي عليه الصلاة والسلام، له قصصٌ رائعةٌ جداً .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5582/05.jpg
فهو لم يستطع أن ينام في الدور الذي فوق رسول الله، فبيته طابقان، والنبي عليه الصلاة والسلام, رأى في الطابق الأرضي, أسهل لزوَّاره, ومن يأتيه، وسمح لأبي أيوب أن ينام في الطابق العلوي، من شدة أدب هذا الصحابي الجليل, لم يستطع أن ينام في الطابق الذي فوق رسول الله، وكان في حرجٍ شديد، ومرةً قدر الماء انكسر، فخاف أن ينزل على النبي قطرةُ ماء، فجاء باللحاف الذي لا يملك غيره في الشتاء، فوضعه فوق الماء، كي يمنع نزول الماء على رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا هو الصحابي الجليل أبو أيوب الأنصاري, الذي حظي بضيافة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
ولما استقر عليه الصلاة والسلام في المدينة، أين كانت عائشة؟ كانت في مكة، ولما يدخل بها رسول الله صلى الله عليه وسلم .
يجب أن نعلم علماً دقيقاً: أن العقد على عائشة سبق الدخول بسنوات، فإذا قلنا: صغيرة، وبينها وبين النبي فرقٌ كبير، فإن العقد شيء والدخول شيءٌ آخر، عقد عليها بمكة، ولم يدخل بها إلا في المدينة، ولما استقر عليه الصلاة والسلام بالمدينة، أرسل زيد بن حارثة وأبا رافع إلى مكة, ليأتيا بمن خلَّف من أهله، وأرسل معهما عبد الله بن أريقط, يدلهما على الطريق، فقدما بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودة زوجِه، وأم أيمن حاضنته في صغره، وابنها أسامة بن زيد، وأما زينب فمنعها زوجها أبو العاص بن الربيع، وخرج مع الجميع عبد الله بن أبي بكر بأم عائشة زوج أبيه، وأختيه عائشة وأسماء زوج الزبير بن العوام، وكانت حاملاً بابنها عبد الله بن الزبير، وهو أول مولود للمهاجرين في المدينة، وصحبهم من مكة طلحة بن عُبيد الله .
وبعد أن استقر النبي بالمدينة، وانتهى ضجيج الهجرة، وانتهت المطاردة، أرسل هؤلاء الصحابة ليأتوا بأهله؛ أتوا بفاطمة، وأم كلثوم، وسودة، وأم أيمن، وابنها أسامة بن زيد ، أما زينب فمنعها زوجها من الهجرة .
والنبي عليه الصلاة والسلام يهيِّئ الدور لزوجته سودة, ولزوجته عائشة, ليستقبل فيها أهله .
وفي أيامنا هذه: تجد شخصاً عادياً جداً, يسألك عن مكان سكنى ابنته المخطوبة، أين ستسكنها؟ غرفةٌ صغيرةٌ جداً ملحقةٌ بالمسجد, هذه الغرفة بيت عائشة، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وكانت هذه الغرفة الصغيرة التي لا تتسع لصلاته ونوم زوجته معاً، إما أن يصلي فتنزاح جانباً، وإما أن يناما معاً، أما أن يصلي هو وتنام هي, فالغرفة لا تتسع لهما، هذا بيت رسول الله .
وصلت هذه السيدة الجليلة إلى المدينة مع أمها أم رومان، وأختها أسماء، وأخيها عبد الله، واستقروا في دار الوالد الصديق رضي الله عنه، ولم تمضِ أشهر معدودات, حتى تكلَّم الصديق رضي الله عنه إلى النبي عليه الصلاة والسلام في إتمام الزواج الذي عقده بمكة .
فالنبي عقد بمكة قبل سنوات من الهجرة، وبعد الهجرة بأمد طويل استقدم أهله، وبعد هذا الاستقدام, بقيت في بيت أبيها، فلما كلَّم الصديق رسول الله في شأن إتمام الزواج، سارع النبي عليه الصلاة والسلام، وسارعت نساء الأنصار إلى منزل الصديق, لتهيئة هذه العروس الشابَّة لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم . ما هو الموقف الذي سجله التاريخ لأم عائشة ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5582/06.jpg
أجمل موقف وقفته أم السيدة عائشة رضي الله عنها، حينما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلَّم، ومعها ابنتها العروس السيدة عائشة, بعد أن هُيئت له، دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم, وهو في دار أبي بكر, وقالت:

((يا رسول الله هؤلاء أهلك، بارك الله لك فيهن وبارك لهن فيك))
وهذا أجمل دعاءٍ يُلقى في عقود القِران .
والزواج المبارك هو الذي يكون مبنياً على طاعة الله، وعلى تطبيق منهج رسول الله ، والله عزَّ وجل يلقي الحب بين الزوجين، والألفة والمودَّة، وينجب من هذين الزوجين الذرِّية الطيبة الصالحة، فالزواج شيء جميل جداً، والزواج له ثمرة؛ وثمرته أولاد أبرار، والإنسان حينما يموت ينقطع عمله، أما إن كان له ولد صالح، فهذا الولد الصالح ينفع الناس من بعده، وكل أعماله في صحيفة أبيه .

إليكم بنية البيت الذي أسكن النبي زوجه عائشة :
أيها الأخوة, وتنقضي ليلة الزفاف المباركة في دار أبي بكرٍ رضي الله عنه، ثم يتحوَّل النبي عليه الصلاة والسلام بأهله إلى البيت الجديد، ما كان هذا البيت سوى حجرةٍ من الحُجرات, التي شُيِّدت حول مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم من اللبن, وسعف النخيل، وقد فُرش بحصير، ووضع فيه فراشٌ، وبعض ملحقاته، وأوانٍ بسيطة للشراب والطعام، وهذا كلُّ بيت رسول الله .
وفي هذا البيت المتواضع, بدأت حياة العروس الكريمة عائشة رضي الله عنها، وبدأت الحياة الزوجية الحافلة بالمكرُمات والخيرات، مكرُمات النبوة, وخيرات الرسالة .
وأنا أعلم أن هناك بيوتاً فخمةً جداً لكن لا سعادة فيها، وهناك بيوت متواضعة جداً فيها سعادة زوجية تامة، السعادة الزوجية أساسها طاعة الله، والشقاء الزوجي أساسه معصية الله عزَّ وجل .
الخاتمة :
أيها الأخوة, هذه العروس الصغيرة على صغر سنها, إلا أنها احتلَّت مكانها المرموق في بيت النبوة، وحياة رسول الله، وتاريخ الدعوة، والتاريخ الإسلامي .
الحقيقة التي لا ريب فيها: أنه يُشهد لهذه الزوجة, أنها كانت في أعلى مستوى من العلـم والمعرفة في شؤون الدين، وعلى جانبٍ عظيم من الدراية لأسرار الأحكام الشرعية، ولها منزلة رفيعة من التقوى والورع، بالإضافة إلى معرفتها بالأمور الاجتماعيَّة والسياسية، لذلك فاعلم أخي الكريم: الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا, المرأة الصالحة .
وحينما قال الله عز وجل: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5582/07.jpg

﴿رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[سورة البقرة الآية: 201 ]
قال العلماء: حسنة الدنيا هي المرأة الصالحة .
وأنا أرجو الله سبحانه وتعالى لكل أخوتنا الشباب، الذين لم يقدموا على الزواج بعد، فماذا يمنعهم أن يكون دعاؤهم لله عزَّ وجل: اللهمَّ ارزقنا زوجة صالحة, الزوجة الصالحة أحد أسباب النجاح في الحياة، فحينما تطلب امرأة صالحة، تتوافر فيها الشروط، تكون قد حققت أحد جوانب السعادة في حياتك الدنيا .
في درسٍ آخر إن شاء الله, ننتقل إلى هذه الزوجة الطاهرة مع ضرَّاتها، وكيف أن الحياة الزوجية جزءٌ من حياة الإنسان الطيبة؟ قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾
[سورة النحل الآية: 97]
والمرأة الصالحة جزءٌ من الحياة الطيبة .

السعيد 09-04-2018 08:47 AM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( الثالث )


الموضوع : السيدة سودة بنت زمعة






الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
لمحة عن حياة سودة بنت زمعة من حيث : إسلامها, هجرتها, وفاتها :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس التاسع من دروس الصحابيات الجليلات، مع أمهات المؤمنين، مع زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الثانية، التي كانت بعد خديجة وقبل عائشة، مع أم المؤمنين سودة بنت زُمعة، هذه الزوجة التي تزوَّجها النبي عليه الصلاة والسلام لحكمةٍ سوف نقف عليها من خلال سيرتها .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5589/01.jpg
هذه الزوجة الطاهرة أسلمت بمكة قديماً، وهاجرت هي وزوجها إلى الحبشة، وينبغي أن نتصور: ما معنى أن يترك الإنسان بلده التي ولد فيه؟ ما معنى أن يدع الإنسان مسقط رأسه ؛ لسببٍ بسيط، لمضايقةٍ يسيرة، لضغطٍ خفيف أم لشيءٍ لا يحتمل، شيءٍ لا يطاق؟ .
أيها الأخوة, الصحابة الكرام الذين أسلموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ذكوراً وإناثاً، في أول الدعوة الإسلامية, لهم عند الله مقامٌ كبير، لأنهم تحمَّلوا، وتحملوا الشيء الكثير ، حتى إن الهجرة إلى الحبشة, كانت متنفَّساً لهم, من شدة الضغط الذي تحمَّلوه .
لو أن أحدنا سأل نفسه هذا السؤال: هل تحمَّل واحد بالمليار مما تحمَّله الصحابة؟ تدخل إلى المسجد؛ تصلي، وتحضر درس علم، وتقرأ القرآن، وتعود إلى بيتك آمناً، تصلي قيام الليل إذا شئت، لا أحد يعترضك، تفعل في بيتك ما تشاء، لا أحد يأخذ عليك أنك مسلم، ماذا ذاق المسلمون في جنب ما ذاق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم؟ .
أسلمت بمكة قديماً، وهاجرت هي وزوجها إلى الحبشة، ومات زوجها هناك، وقد ورد أنه ما عُبد الله في الأرض بأفضل من جبر الخواطر، الإنسان أحياناً يتزوج امرأةً لجمالها، وقد يتزوّجها لمالها، وقد يتزوجها لدينها، وقد يتزوجها جبراً لخاطرها .
هذه الزوجة الطاهرة روت عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم أحاديث كثيرة، وروى عنها ابن عباس، وتوفيت رضي الله عنها في آخر زمان عمر بن الخطاب .

إليكم قصة زواجها من رسول الله عليه الصلاة والسلام :
فمن التي خطبتها لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم؟ خطبتها خولة بنت حكيم، المرأة نفسُها التي خطبت السيدة خديجة لرسول الله .
يروي الإمام الطبري في تاريخه أنّ خولة بنت حكيم, قالت:

((يا رسول الله ألا تتزوج؟ النبي عليه الصلاة والسلام يقول: من أفضل الشفاعة أن تشفع بين اثنين في نكاح))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5589/02.jpg
أخواننا الكرام, الزواج جبر، فتاة، طاهرةٌ، عفيفةٌ, تنتظر زوجاً، تنتظر أن يطرق بابها خاطب، هكذا خلقها الله عزَّ وجل، جعل فيها دافع الأمومة, أقوى دافعٍ في الجنس البشري, دافع الأمومة, الفتاة أحياناً بخلاف ما تتصورون، طلبها للزواج ليس كطلب الزوج للزواج، شهوة الرجل حسيَّة, لكن المرأة رغبتها في الزواج أن تكون أماً، أن يخطبها خاطب، إذاً: هي مرغوبٌ فيها، إذاً: هي مطلوبة، لذلك:

((من أفضل الشفاعة أن تشفع بين اثنين في نكاح))
جميل جداً أن تتعرَّف إلى أخوانك، هذا الأخ عنده بنات، فإن رأيت شابًا مؤمناً مستقيماً، طاهراً عفيفاً، دللته على امرأةٍ طيبةٍ طاهرةٍ عفيفة, هذا أعظم عملٍ تفعله,
((من أفضل الشفاعة أن تشفع بين اثنين في نكاح))
قال تعالى:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾
[سورة النساء الآية: 85]
قالت هذا الكلام بعد وفاة السيدة خديجة بثلاث سنوات، معنى ذلك النبي عاش وحيداً، والأزواج يعرفون؛ المرأة سكنٌ لزوجها، ومن أصعب الحالات أن يفقد الرجل زوجته، والنبي عليه الصلاة والسلام بموت السيدة خديجة فقد الدَعم الداخلي، وبموت عمِّه أبي طالب فَقَدَ الدَعم الخارجي، إذاً: ذاق النبي الوحدة، ذاق الوحشة، ذاق موت النصير، ذاق موت القريب، ذاق موت أحب الناس إليه .
((إن الدنيا دار التواء لا دار استواء ، منزل ترحٍ لا منزل فرح، من عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء ، قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى))
فقال عليه الصلاة والسلام:
((ومن؟ قالت: إن شئت بكراً, وإن شئت ثيِّباً، قال: فمن البكر؟ قالت: ابنة أحب خلق الله إليك، عائشة بنت أبي بكر، قال: ومن الثيِّب؟ قالت: سودة بنت زُمعة, قد آمنت بك، واتبعتك على ما أنت عليه .
-نقطة دقيقة: الإنسان يتزوج، هذه الزوجة أقرب الناس إليك، إن لم تكن على شاكلتك ، إن لم تؤمن بما تؤمن، إن لم توقِّر ما توقِّر، إن لم ترجو ما ترجو، إن لم تكن على الشكل الذي يرضيك، كيف تعيش معها؟ فهذا الذي يذهب إلى بلاد الغرب، ويقترن بامرأة راق له شكلُها، لكن أهلها طباعهم، عاداتهم، تقاليدهم، قيمهم، مبادئهم، ديانتهم، فكيف تستطيع العيش معها؟ .
فما من علاقة أقرب من الزوج إلى زوجته، يسمونها علاقة حميمة، أي أنها علاقة من أعلى درجات العلاقات، أيعقل أن تكون زوجتك على غير شاكلتك، تؤمن بما لا تؤمن، أو تكفر بما تؤمن، تحب ما لا تحب، ترضى بما لا يرضيك؟ مستحيل- .

قال: فاذهبي فاذكريها علي, -أي اخطبيها لي- .
فجاءت فدخلت بيت أبي بكر, قالت: ثم خرجت, فدخلت على سودة, فقالت: أي سودة, ماذا أدخل الله عليكِ من الخير والبركة؟

http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5589/03.jpg
-فقياساً على ذلك إذا كان طالب العلم إنسانًا ملتزمًا، مؤمنًا يحب الله ورسوله، يخشى الله، يُرضي الله، يتحرَّى الدخل الحلال، إنفاقه حلال، جوارحه مضبوطة، هذا إذا خطب, ينبغي ألا يتردد في الموافقة عليه، هذا مكسبٌ كبير، طالب العلم كفءٌ لأيَّة فتاةٍ على الإطلاق- .


قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يخطبكِ عليه، فقالت: وددت، -أي تمنيت، أرأيت هذا الأدب أيضاً؟ في إنسان تعرض عليه شيء يتأبَّى، ومن الداخل يذوب شوقاً إليه، لكنه يتأبَّى لكبرٍ فيه- قالت: وددت, ادخلي على أبي, فاذكري له ذلك .
قالت: وهو شيخٌ كبير، فدخلت عليه، فحييته بتحية الجاهلية، ثم قلت: إن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب, أرسلني أخطب عليه سودة، قال: كفءٌ كريم .

-نقطة دقيقة: جاءته الرسالة، لو أن الناس يعلمون عنه شيئاً في الجاهلية قبل الإسلام لذكروه بصوتٍ عالٍ، الأنبياء معصومون قبل النبوة، لا يستطيع أحدٌ أن يتكلَّم عنهم كلمة-

قال : كفءٌ كريم، فماذا تقول صاحبته, أي مخطوبته؟ قالت: تحب ذلك، قال: ادعيها لي، فدُعيت له .
قال أبوها: أي سودة، زعمت هذه أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب, أرسل يخطبكِ ، وهو كفء كريم، أفتحبين أن أزوِّجْكِهِ؟ قالت: نعم، قال: فادعيه لي، فدعته، فجاء فزوجه .

-طبعاً صاحب الحاجة هو الذي يأتي، هذا أدب أيضاً-
جاء النبي عليه الصلاة والسلام إلى أبيها، وخطبها منه، وتزوجها))
ما ذكره ابن كثير والإمام أحمد بشأن موضوع زواج السيدة سودة من رسول الله :
يروي الحافظ ابن كثير, والإمام أحمد في المسند, محاورةً جرت في هذا الموضوع، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ:
((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِهِ, يُقَالُ لَهَا: سَوْدَةُ, وَكَانَتْ مُصْبِيَةً,
-أي لها صبيان-
كَانَ لَهَا خَمْسَةُ صِبْيَةٍ أَوْ سِتَّةٌ مِنْ بَعْلٍ لَهَا مَاتَ,
-هناك من يدَّعي، ومن يتهم النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان مغرماً بالنساء، هذه امرأةٌ متقدمةٌ في السن، مُصْبِيَة-
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا يَمْنَعُكِ مِنِّي؟ قَالَتْ: وَاللَّهِ يَا نَبِيَّ اللَّهِ, مَا يَمْنَعُنِي مِنْكَ أَنْ لَا تَكُونَ أَحَبَّ الْبَرِيَّةِ إِلَيَّ, وَلَكِنِّي أُكْرِمُكَ أَنْ يَضْغُوَ هَؤُلَاءِ الصِّبْيَةَ عِنْدَ رَأْسِكَ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً,
-أي أن يمنعوا راحتك، خمسة أولاد، كان قدوةً عليه الصلاة والسلام، امرأةٌ مسنَّة يتزوجها، وعندها خمسة أولاد، هي نفسها خافت أن تزعج النبي عليه الصلاة والسلام، هي نفسها خافت أن يكون أولادها عبئاً على النبي عليه الصلاة والسلام-
قَالَ: فَهَلْ مَنَعَكِ مِنِّي شَيْءٌ غَيْرُ ذَلِكَ؟ قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ, قَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَرْحَمُكِ اللَّهُ, إِنَّ خَيْرَ نِسَاءٍ رَكِبْنَ أَعْجَازَ الْإِبِلِ, صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرٍ, وَأَرْعَاهُ عَلَى بَعْلٍ بِذَاتِ يَدٍ))
[أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن عباس في مسنده]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5589/04.jpg
فالإنسان إذا تقدَّم في السن تكثُر حاجاته، لذلك الزوجات الطاهرات المخلصات: هنَّ اللواتي يضاعفن من خدمة أزواجهن, إذا تقدَّمت بهم العمر، طبعاً حينما يكون شاباً يخدمنه خدمةً عالية، أما إذا تقدَّمت به السن ضعفت الخدمة، فقال عليه الصلاة والسلام:

((إِنَّ خَيْرَ نِسَاءٍ رَكِبْنَ أَعْجَازَ الْإِبِلِ, صَالِحُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ أَحْنَاهُ عَلَى وَلَدٍ فِي صِغَرٍ, وَأَرْعَاهُ عَلَى بَعْلٍ بِذَاتِ يَدٍ))
[أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن عباس في مسنده]
أي خير النساء من جمعت بين رعاية أولادها ورعاية زوجها .
هناك مشكلتان في بيوت المسلمين؛ الأولى أن الزوجة تعتني بزوجها عنايةً فائقة, وتهمل أولادها، تدعهم في الطُرقات، ثيابهم غير نظيفة، أعمالهم غير مرتَّبة، دراستهم متخلِّفة ، لكنها تعتني بزوجها, لأنه مصدر سعادتها، هذا مرض .
المرض الثاني: تعتني الزوجة بأولادها على حساب زوجها، تهمله, تهمل طعامه، وشرابه، وثيابه، كل همها لأولادها، هذا خطأ, وهذا خطأ، هذا تطرُّف وذاك تطرُّف، خير النساء من جمعت بين رعاية أولادها ورعاية زوجها، وقد لا تصدقون أن المرأة التي تحسن تبعُّل زوجها هذا العمل, يعدل الجهاد في سبيل الله، ولكن من هي هذه المرأة التي تتفهَّم هذا الحديث الصحيح الذي رواه النبي عليه الصلاة والسلام:

((انصرفي أيتها المرأة, وأعلمي من وراءك من النساء, أن حسن تبعل إحداكن لزوجها, وطلبها مرضاته, واتباعها موافقته, يعدل ذلك كله))
أي الجهاد في سبيل الله .

ما قاله كتاب السيرة عن خولة بنت حكيم :
كُتَّاب السيرة يقولون: خولة بنت حكيم, لم تكن تستطيع أن تكون جريئةً إلى هذا الحد، لأنها تدخَّلت في أخصَّ خصوصيَّات النبي عليه الصلاة والسلام، تدخَّلت في حياته الشخصيَّة، لولا أنها رأت من الوَحشة التي خيَّمت على بيت النبي, بوفاة الزوجة الصديقة العزيزة الغالية
بصراحة: الزوجة الصادقة، الوفيَّة، الصالحة, موتها يهدُّ أركان البيت، والزوج الصالح الوفي, موته يهدُّ أركان البيت، فالنبي عليه الصلاة والسلام ذاق فقد الزوجة ثلاث سنوات، لأن الله جعله أسوةً حسنة, أذاقه كل شيء؛ أذاقه موت الولد، أذاقه فقد الزوجة، أذاقه زوجةً تكبره بخمسة عشر عاماً، أذاقه زوجةً صغيرة، أذاقه هجرةً من بلده إلى بلدٍ آخر، أذاقه موت أبيه، أذاقه موت أمه، حينما قال الله عزَّ وجل:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 21]
لولا أن الله أذاقه كل شيء, لما كان أسوةً لنا في كل شيء، أذاقه الفقر:
((هل عندكم شيء؟ قالوا: لا, قال: فإني صائم))
أذاقه الغنى:
((لمن هذا الوادي؟ قال: هو لك، قال: أشهد أنك رسول الله))
أذاقه القهر في الطائف:
((إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي))
أذاقه النصر في فتح مكة:
((ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخٌ كريم, وابن عمٍ كريم, قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء))
النبي عليه الصلاة والسلام تحمَّل من قريش أشدَّ الأذى، ولا سيما بعد وفاة عمه أبي طالب، وبعد وفاة زوجته السيدة خديجة، الزوجة سكن .
أدركت هذه الصحابية الجليلة ما يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلَّم من الشدائد والهموم، فأرادت أن تخفف عنه بعد ذلك بإيجاد أنيسٍ في بيته .
أخواننا الكرام, هناك تعليق لطيف، هذا الذي يستخف بزوجته، ويحلف عليها بالطلاق لأتفه الأسباب، أو يطردها من البيت، أو يعاملها معاملةً قاسية، أو يسب أباها وأمها، أو يهينها ، ماذا يفعل هذا الإنسان؟ يكفر بنعمة الزوجة, يكفر بأشد النعم لصوقاً بالزوج .
هذه المرأة التي تستخف بزوجها، يحلف عليها يمينًا فتنقضه، يأمرها فلا تطيعه، يهددها فتتحدَّاه، هذه امرأةٌ أيضاً تكفر بنعمة الزوج:

((أَيُّمَا امْرَأَةٍ سَأَلَتْ زَوْجَهَا الطَّلاقَ فِي غَيْرِ مَا بَأْسٍ, فَحَرَامٌ عَلَيْهَا رَائِحَةُ الْجَنَّةِ))
[أخرجه الإمام أحمد عن ثوبان في مسنده]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5589/05.jpg

((لا ينظر الله إلى امرأةٍ لا تشكر لزوجها, وهي لا تستغني عنه))

((إني أكره المرأة تخرج من بيتها تشتكي على زوجها))
فالمرأة إذا رعت نعمة الزوج، والزوج إذا رعى نعمة الزوجة, كانت حياتهما سعيدة، لذلك أنا من خلال ما يُعرض علي من قضايا, ومشكلات بين الزوجين، أعجب أشدَّ العجب، يحلف عليها يميناً بالطلاق, ألاّ تزور أختها، لا يحلو لها إلا أن تكسر يمينه، وتتحدَّاه، وتزور أختها، تجلس عندها ساعة، وقع الطلاق، يتحرَّك الزوج من شيخٍ إلى شيخ من أجل فتوى، ماذا أفعل؟ .
لهذه الدرجة زوجك هينٌ عليكٍ، حلف عليكٍ ألاّ تزوري أختكِ، ماذا يمنع أن تنفذي أمره؟ ماذا يمنع أن تمتنعي عن زيارة أختكِ؟ الشيء العجيب بين كل مئة يمين طلاقٍ طلاقٌ مقيَّد غير مُطلق، أي يقول: إن فعلت كذا فأنتِ طالق، بين كل مئة طلاق تسعة وتسعين بالمئة من النساء اللواتي يحلف أزواجهن عليهن يمين طلاق ينقضنه، هذا كفرٌ بنعمة الزوج .
لماذا جعل الله الطلاق بيد الرجل؟ لأن المرأة عاطفيَّة، لسببٍ تافهٍ تطلب الطلاق، لكن الزوج يجب أن يفكِّر في الطلاق, بعد دراسة طويلة جداً، وبعد بحث .


انظر إلى هذه المعاملة الراقية التي كانت تتعامل بها السيدة سودة مع زوجها النبي :
تتم الخطبة، ويعقد الزواج، ويروي الطبري عن هذا الزواج الشيء الكثير، تُزَّف العروس الوقور إلى أحبِّ الناس إليها، لتخفِّف آلام الفُرقة عن نفسه الشريفة، ولتملأ بيته أُنساً بعد وحشة، ولتحمل معه بعض أعباء الحياة، ولتقوم ببعض ما كانت تقوم به الزوجة الراحلة العزيزة خديجة، لقد كانت أم المؤمنين سودة ذات روحٍ مرحةٍ مشرقة .
فالأمر قصير، الدُعابة، واللطف، والطُرفة، والوجه الطليق، والبسمة، والمرح في البيت مطلوب جداً، فهناك أب إذا دخل على أولاده وعلى أهله كان عندهم عيد؛ يهَللون، يفرحون، يتنافسون ليصلوا إليه، وهناك أبٌ إذا دخل البيت كان عبئاً على أهل البيت .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5589/06.jpg
قال: كانت هذه السيدة, ذات روحٍ مرحةٍ مشرقة، تسخِّر نفسها الراضية المرضية لإرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم, وإدخال السرور على نفسه الكريمة .

-الحقيقة: الملاحظ أن المرأة غير المنضبطة، أن المرأة غير الملتزمة، أن المرأة المُنقطعة عن الله، أسوأ ما عندها لزوجها؛ الكلام القاسي، والنظرة المتجفِّية، والهيئة التي لا ترضي، إهمال شأنه، إهمال ثيابه، إهمال زينتها، قسوة كلامها، إهمال شؤون زوجها، فإذا أرادت أن تلتقي بالآخرين؛ تلطَّفت، وتزيَّنت، وتعطَّرت، ولبست أحسن ثيابها، وكانت لطيفةً إلى أعلى درجة، هذه امرأةٌ لا يحبها الله عزَّ وجل، لأن أسوأ ما فيها لزوجها، وأحسن ما فيها لغير زوجها .
كانت هذه الزوجة الوفيَّة سودة، تحاول أن تدخل على قلب النبي صلى الله عليه وسلَّم السرور، فكانت تغتنم كل مناسبة لتضحكه وتسرَّه، لعلَّها بذلك تقدِّم بعض الواجبات التي أنيطت بالزوجات نحو أزواجهن وأرباب بيوتهن- .
من أمثلة ذلك: ما رواه ابن سعدٍ عن الأعمش عن إبراهيم, قال:

قالت سودة لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم: صلَّيت خلفك الليلة، فركعت بي حتى أمسكت بأنفي مخافة أن يقطُر الدم، يبدو أن النبي أطال الركوع, فضحك النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت تضحكه بالشيء أحياناً))
انظر ما قال كتاب السيرة عن هذه السيدة :
قال بعض كُتَّاب السيرة: ربما كانت هذه الزوجة المسعدة لزوجها تمازحه بكلماتٍ، ويعظها بكلمات .
من ذلك ما رواه ابن المبارك أن سودة, قالت: يا رسول الله! إذا متنا صلى لنا عثمان بن مظعون, حتى تأتينا أنت، فقال لها: لو تعلمين علم الموت يا بنت زمعة, لعلمت أنه أشد مما تقدرين عليه))
أي نوع من أنواع الدعابة، نوع من أنواع الطرافة بين الزوج وزوجته .
وقال بعض كُتَّاب السيرة: كانت رضي الله عنها مع حبها للمرح والمزاح, كريمة جوادة ، لا يأتيها مالٌ إلا سارعت بإنفاقه على أهل ذي الحاجة


http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5589/07.jpg
فقد روي بسندٍ صحيح عن محمدِ بن سيرين, أن عمر بعث إلى سودة بغرارةٍ من دراهم, فقالت:

((ما هذه؟ قالوا: دراهم، قالت: في غرارةٍ مثل التمر، ففرَّقتها))
أيها الأخوة, مما يؤثر عن هذه الزوجة الفاضلة، أنها كانت حريصةً كل الحرص على إرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وتكريمه، فكانت إذا مازحته, لم تُقَلل ذلك من هيبتها له, وتوقيرها إياه شيئاً .
بالمناسبة: أنا لا أتمنى أن ترفع الكلفة بين الزوجين أبداً، إنْ رُفعت كلياً شقي الزوجان، لا بدَّ من حدٍ أدنى من الكلفة بين الزوجين، أما إذا رفعت الكلفة, واستباح كل طرفٍ أن يكثر المزاح مع الطرف الآخر, حيث يقلل من هيبته، كانت مشكلة .
والحقيقة: المزاح كالملح في الطعام، إذا زاد عن حده انقلب إلى ضده، فالذي يمزح ينبغي أن يمسك بميزانٍ دقيقٍ جداً، إنه إن أكثر المزاح, فقد هيبته، وهناك مزاح يجرح، ومزاح فيه إهانة، ومزاح مؤلم، هناك مزاح، لكنه قليل ونادر؛ لا يؤذي أبداً، ولا يجرح، ولا يُهين، ولا يحجِّم، ولا يخجل، هذا هو المزاح المسموح به، هناك من يمزح مع زوجته بالانتقاص من شكلها، بإبراز عيوبها، بتكبير عيوبها، بالتعريض بأهلها، هذا ليس مزاحاً، بل هذا هدمٌ للعلاقات بين الزوجين .


إليكم حديث السيدة عائشة عن السيدة سودة :
في صفة لطيفة بهذه الزوجة، أنها كانت إذا أخطأت عادت سريعاً إلى صوابها، تقول السيدة عائشة:
((إذا أصابتها الحِدَّة, فاءت سريعاً, فتصلح نفسها مما نابها))
وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
((مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَيَّ, أَنْ أَكُونَ فِي مِسْلَاخِهَا مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ, مِنْ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ, قَالَتْ: فَلَمَّا كَبِرَتْ, جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ, قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِي مِنْكَ لِعَائِشَةَ, فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
أي حينما تخطئ تسارع إلى الإصلاح .

ما الذي كان يسعد السيدة سودة, وما الذي فعلته حتى ترضي عنها رسول الله ؟
أيها الأخوة, هناك نقطة دقيقة جداً في هذا الزواج، كان رضاها برسول الله صلى الله عليه وسلم زوجاً, يغمرها سعادةً وهناءً، فلا تراها إلا وبهجة السرور تعلو وجهها الكريم، كان يسعدها أن ترى النبي صلى الله عليه وسلَّم, يبتسم من مشيتها المُتمايلة من ثِقل جسمها، فوق ما كان يأنس عليه الصلاة والسلام إلى ملاحة نفسها وخفة ظلها، حينما تسمعه عباراتٍ من مزاحها، فكانت إذا مشت أمامه, تمايلت يمنةً ويسرة، فكان عليه الصلاة والسلام يتبسَّم من مشيتها, وظلَّت هذه الزوجة الصالحة بهذه النفس الرضيَّة, تقوم على بيت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم طيلة وجودها في مكة .
وبعد أن هاجر النبي إلى المدينة هاجرت هي أيضاً إليها، وبقيت هي الراعية لبيت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في دار الهجرة، إلى أن جاءت عائشة بنت أبي بكرٍ زوجةً للرسول وأُماً للمؤمنين .
طبعاً لمجرَّد أن تكون المرأة زوجةً لرسول الله، هذا شرفٌ عظيم، وهذا مقامٌ كريم، وهذه مرتبةٌ عالية, تتقطَّع دون بلوغها أعناق الطامحين، فشيء كبير جداً: أن تكون امرأةٌ أُم المؤمنين، أن تكون امرأةٌ زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
أيها الأخوة, لكن هذه المرأة المسنَّة الكبيرة، التي عندها خمسة صبية، كانت تعلم أنها لا تُرضي النبي بشكلها، لكنها ارتقت إلى مستوىً رفيع تطمح إليه، بحكمتها ولذكائها أفسحت للعروس الشابَّة, -السيدة عائشة- المكان الأول في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وحرصت أشد الحرص أن تتحرَّى مرضاة العروس الجديدة، وأن تقوم على خدمتها، وأن تسهر على راحتها .
أرأيت إلى هذا الوفاء؟ هذه حكمة، هي نالت مبتغاها من زواجها من النبي؛ أصبحت أم المؤمنين، أصبحت زوجة رسولٍ كريم، هذه الشابَّة التي تزوَّجها تحتاج إلى رعاية، تحتاج إلى عناية، اعتنت بها، وخدمتها، وأرشدتها، وعلَّمتها، وبيَّنت لها كي تُرضي رسول الله، وكي تُرضي عائشة رسول الله، وكي يرضى رسول الله عن سودة بهذه الخدمة .
ثم خصَّ عليه الصلاة والسلام كل زوجةٍ ببيتٍ خاص، ولمَّا وفدت زوجاتٌ أُخريات على بيوتات النبي فيهن حفصة، وزينب، وأم سلمة، وسواهن، لم تتردَّد أم المؤمنين سودة في إيثار عائشة بإخلاصها، ومودتها، وإن لم تظهر ضيقاً بتلك الزوجات .
تجد امرأة متقدِّمة في السن، لم تنجب أولاداً، زوجها محروم من الأولاد، فأراد زوجها أن يتزوج امرأةً تنجب له أولاداً، دون أن يضحي بها، دون أن يتخلَى عنها، هي في مكانتها الرفيعة العليَّة، هناك زوجاتٌ لا يرضَين بذلك، ويبتعدن عن أزواجهن، ويعشن وحدهن، هل هذا هو العقل؟ هذا موقف .
فقد دنا منها النبي عليه الصلاة والسلام، فبكت، قالت:

((يا رسول الله! هل غمصت عليَّ في الإسلام؟
-أي هل أخطأت في الإسلام؟-
قال: اللهمَّ لا، قالت: يا رسول الله! يومي لعائشة في رضاك،
-أي أنا أريد أن أبقى زوجةً لك، أريد أن أحظى هذا الشرف العظيم, ولا مأرب لي في الرجال, أريد أن أبقى معك لأنظر إلى وجهك-
فو الله ما بي ما تريد النساء, ولكني أحب أن يبعثني الله في نسائك يوم القيامة))
أي أنا كل مطلبي أن أنظر إليك، أن أكحِّل عيني بمرآك، وأن أكون زوجتك هكذا إلى يوم القيامة, لأحظى بهذا الشرف، فهي شعرت أنها عبء، وأنها تحول بينه وبين سعادته، وأنه تزوجها جبراً لخاطرها، وأنها مصبية, وحينما توهَّمت: أنها إذا تركت رسول الله, تسعده بتركها, ندمت، قالت: لا, أنا أبقى معك, ولكن يومي لعائشة .
والنبي بالعدل، كلكم يعلم أن التعدد من شروطه العدل التام بين الزوجات، العدل في الإنفاق، والعدل في السُكنى، والعدل في المبيت، أما حينما هي تسامح عن طيب خاطر, قالت : يومي لعائشة، وهكذا حافظت أم المؤمنين سودة على ودِّها لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم ، وعلى قُربها منه، وعلى صحبته في الدنيا والآخرة .


خاتمة الدرس :
أيها الأخوة, فالعقل بالمرأة شيء رائع جداً، امرأة حكيمة عاقلة، تعرف حدودها، تعرف حجمها، تعرف إمكاناتها، لا تكن عبئاً على زوجها، همها إرضاء زوجها، همها إدخال السرور على قلبه، هكذا كانت السيدة سودة بنت زُمعة أم المؤمنين رضي الله عنها وأرضاها، وجعلها قدوةً لنساء المسلمين .

السعيد 09-04-2018 08:56 AM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( الرابع )


الموضوع : عائشة بنت ابى بكر







غيرتها من ضرائرها وغيرتهن منها




الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
إليكم الحديث عن موضوع الغيرة :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثاني عشر من سير الصحابيِّات الجليلات، ومع أمهات المؤمنين رضوان الله تعالى عليهنَّ أجمعين، ومع الدرس الثالث من دروس السيدة عائشة رضي الله عنها.
لقد احتلَّت السيدة عائشة رضي الله عنها مكانةً كبيرةً في بيت النبي، مما جعل أنظـار الصحابة تتجه بإعجابٍ, وإكبارٍ, واحترامٍ, وإجلالٍ, نحو بيت أم المؤمنين السيدة عائشة، لما خصَّها الله تعالى من الفضائل والمُكرُمات, مما أثار غيرة ضرائرها, أمهات المؤمنين رضي الله عنهن أجمعين .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5756/01.jpg
ما الغيرة؟ خصيصة في النفس البشريَّة, أودعت فيها, لصالح النفس، الإنسان إذا كانت الغيرة التي في نفسه تدفعه إلى الفضائل، وهي في الأصل حياديَّة، يمكن أن تدفعك إلى أن تنافس أخاك في شأن الآخرة، أو يمكن أن تدفعك الغيرة إلى أن تنافسه في شأن الدنيا، إذا نافسته في شأن الآخرة كانت غيرةً محمودة، وإن نافسته في شأن الدنيا كانت غيرة مذمومة، هي حياديَّة يمكن أن تستخدمها سلماً ترقى به، أو دركاتٍ تهوي بها .
فالغيرة أمر فطري في كل إنسان، هي في النساء أوضح، لكن لها حالات طبيعيَّة, ولها حالات مرضيَّة، الحالات الطبيعيَّة لصالح الإنسان، كم من إنسانٍ حفظ كتاب الله, لأنه أصابته الغيرة من حافظٍ آخر، كم من إنسان سلك طريق الإيمان, لأنه أصابته الغيرة من قريبٍ، أو صديقٍ، أو جارٍ, تفوَّق عليه في الإيمان .
أنا أضرب لكم مثلاً واضحاً جداً: كنت أُدعى كل عام لميتمٍ من أشهر مياتم دمشق، هذا الميتم إدارته تدعو كبار أغنياء الشام، ويقام حفل عشاء في رمضان، وتلقى الكلمات تحث هؤلاء الأغنياء على البذل والتضحية، كنت أكلَّف كل عام بأن ألقي كلمة أحث بها الأخوة المؤمنين، الذين امتنَّ الله عليهم بوفرة المال .
طبعاً حينما نفتح باب التبرُّعات يقول فلان: أنا أدفع مئة ألف, يقول زميله: أنا أدفع مئتين في ربع ساعةٍ أو أقل, يجتمع ستة أو سبعة ملايين، وفي العام الماضي ارتأت إدارة الحفل أن توزع على الأخوة المدعوين استمارة ورقية، كل واحد يكتب كم يتبرَّع من دون إعلام, فكان المبلغ ثمانمئة ألف، فالفرق واضح جداً، والإنسان أحياناً يندفع للعمل الصالح بدافع الغيرة، هذه غيرة لصالح الإنسان .
أنا أؤكد لكم: أنه ما من واحد من الأخوة الحاضرين، إلا اندفع إلى عملٍ صالح، أو إلى طاعةٍ لله، أو إلى إقبالٍ على الله، أو إلى تفوقٍ في العلم, بدافع غيرةٍ أصابته من أخٍ قريبٍ له، صديقٍ، جار، فالغيرة خصيصة من خصائص النفس البشرية حيادية, إن استخدمتها في أمر الآخرة, كانت سلَّماً ترقى به، وإن استخدمتها في أمر الدنيا, كانت دركاتٍ تهوي بها، فإذا غرت من أخيك في جمع المال، ونافسته في جمع المال، وضيَّعت دينك وآخرتك, كانت هذه الغيرة في غير موضعها, قال تعالى:
﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَد﴾
[سورة البلد الآية: 6-7]
﴿وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
[سورة الزخرف الآية: 32]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5756/02.jpg
يجمعون المال بدافع الغيرة من بعضهم بعضاً، فكل خاصةٍ في الإنسان، كل خاصةٍ على الإطلاق هي حياديَّة، يمكن أن توظِّفها في الحق, ويمكن أن توظفها في الباطل، يمكن أن توظفها في أمر الآخرة فترقى، ويمكن أن توظِّفها في أمر الدنيا فتهلك .
إذاً: الغيرة موجودة بكل إنسان، أما إذا انصبَّت في شأن الدنيا أصبحت حسداً، وإن انصبَّت على أمر الآخرة كانت غبطةً، قد تجد إنساناً تفوَّق عليك, فتغبطه وتسعى سعيه، تغبطه وتقتفي أثره، تغبطه وتنافسه، هذه منافسة محمودة, قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 26]
﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾
[سورة الصافات الآية: 61]
المرأة تغار، ولو أنها كانت لا تغار, لسقطت من عين زوجها، لماذا يحبها زوجها؟ لأنها تغار عليه، لا تحتمل أن يميل إلى امرأةٍ أخرى، هذه خاصَّة، الأزواج أحياناً يتألَّمون من غيرة زوجاتهم، أما لو تصوروا العكس, أنه ذهب، وسهر، وخالط، ولم تتكلَّم ولا كلمة، يشعر أنها لا تحبه، وقد تخرج من قلبه، فالغيرة صفةٌ متمكنة في بني الإنسان, وهي في النساء أوضح، فلها وضعٌ طبيعي, ولها وضعٌ مرضي .
الوضع المرضي أن امرأةً تعرف زوجها؛ مؤمناً، مستقيماً، لا يحيد لا يمنةً ولا يسرةً, ومع ذلك إذا اتصلت به امرأةٌ على الهاتف, لا يقر لها قرار، هذه غيرة مرضيَّة ينبغي أن تُعالج لتبرأ منها .
المكانة التي احتلتها السيدة عائشة في قلب النبي :
أيها الأخوة, حينما جاءت هذه السيدة الفاضلة إلى بيت النبي في المدينـة، الصحابة الكرام عرفوا أنها بنت السيد الصديق رضي الله عنه، وهو من أحب الناس إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وكانت شابةً ذكيةً، على مستوى رفيعٍ جداً من العقل والفهم، اتجهت أنظار الصحابة إلى هذا البيت الثالث, بيت السيدة عائشة .
أمهات المؤمنين وقعن في الغيرة، وهذا الشيء من طبيعة المرأة، والنبي عليه الصلاة والسلام عبَّر عن هذه الحقيقة, فقال:
((اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ, فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ))
[أخرجه أبو داود عن السيدة عائشة في سننه]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5756/03.jpg
أنت مكلَّف أن تعدل بين الزوجات، هذا العدل التام، أما العدل المُطلق ليس في وسعــك، ولا في طاقتك، ولن تستطيعه .
في صحيح البخاري يروي لنا هشامٌ عن أبيه رضي الله عنه, قال:
((كان الناس يتحرَّون بهداياهم يوم عائشة .
-فهي زوجة جديدة, أدخلت على قلب النبي السرور، بعد أن ماتت زوجته الوفيَّة السيدة خديجة، وجاءت من مكة إلى المدينة، وسكنت في غرفةٍ من غُرف المسجد، فصارت الأنظار تتجه إلى هذا البيت- فقال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5756/04.jpg
فكان الناس يتحرَّون بهداياهم يوم عائشة، قالت عائشة: فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة, فقلن: يا أم سلمة, والله إن الناس يتحرَّون بهداياهم يوم عائشة، وإنا نريد الخير كما تريده عائشة، فمري النبي صلى الله عليه وسلَّم, أن يأمر الناس أن يُهدوا إليه, حيث ما كان، أو حيث ما دار .
-أنا أقول لكم هذه الكلمة: الإنسان لأنه بشر، تجري عليه كل خصائص البشر، فإذا انتصر على نفسه يرقى .
نساء النبي عليه الصلاة والسلام كل منهن امرأةٌ مستقيمة، لكنها تحكمها خصائص النساء .
مرَّة أهدت السيدة صفيَّة, أهدت إلى النبي طبق طعامٍ طيِّب، السيدة عائشة ما تمكَّنت أن تخفي غيرتها، فأمسكت الطبق وكسرته، فالنبي عرف طبيعة المرأة فورد عنه:
((غضبت أمكم, غضبت أمكم))
فأحياناً الإنسان لا ينبغي أن يُطالب زوجته أن تكون مثله, هو رجل، وله إدراكٌ واسع ، وله طبيعةٌ خاصة، وهي لها طبيعة خاصة, هكذا فطرها الله عليها- .
فذكرت أم سلمة ذلك للنبي، قالت: فأعرض عني، فلما عاد إلي, ذكرت له ذلك, فأعرض عني، فلما كانت الثالثة ذكرت له, فقال: يا أم سلمة, لا تؤذيني في عائشة .
-وهنا في نقطة دقيقة، الله عزَّ وجل قال: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
[سورة النساء الآية: 32]
في الكون عدلٌ مطلق، وربنا حكمته مطلقة، وأفعاله كلها حكيمة، فأنت إذا رأيت أن الله سبحانه وتعالى أعطى إنساناً شيئاً, ينبغي ألّا تحقد وألا تحسد, لكن لك أن تغبط، ولك أن تسير في الطريق الذي سار فيه, صدق القائل:
ملك الملوك إذا وهب قم لاتسألَنَّ عن السبب
الله يعطي من يشـاء فقف على حـدِّ الأدب

يا أم سلمة, لا تؤذيني في عائشة, فإنه والله ما نزل عليَّ الوحي, وأنا في لحاف امرأةٍ منكن غيرها)) فيبدو أن هذه الزوجة الطاهرة, كانت من أقرب الزوجات إلى الله عزَّ وجل، ومن أعلمهن بكتاب الله .
فقد تجد شخصاً اجتهد, وبذل وقته, وماله, وجهده في سبيل الله، والله عزَّ وجل رفع ذكره، أعلى شأنه، أنت ينبغي أن تسلك سبيله لا أن تحسده، ينبغي أن تسلك سبيله لا أن تحاول أن تنتقص منه، لا أن تحاول أن تسفِّه آراءه، إن رأيت في إنسان ميزة, فقل: إن الله يعطي من يشاء، فقف على حد الأدب .
ثم إن أمهات المؤمنين حاولن محاولةً ثانية مع السيدة فاطمة رضي الله عنها، أن تكلِّم أباها النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الخصوص، فلم تُجدِ محاولتها شيئاً .
فقد روى مسلمٌ في صحيحه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلَّم, قالت: ((أرسل أزواج النبي صلى الله عليه وسلَّم فاطمة بنت رسول الله إلى رسول الله، فاستأذنت عليه وهو مضطجعٌ، فأذن لها، فقالت: يا رسول الله, إن أزواجك أرسلنني إليك, يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة, وأنا ساكتة، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلَّم: أي بنيَّة! ألستِ تحبين ما أحب؟.
-طبعاً، فلا يمكن إلا أن يعدل النبي بين زوجاته، لأن النبي مرةً قال له أعرابي: اعدل يا محمد, فقال له النبي صلى الله عليه وسلَّم: ((ويحك من يعدل إذا لم أعدل؟))
[أخرجه البخاري عن أبي سعيد في الصحيح]
لكن الله عزَّ وجل ما كلَّفنا فوق ما نطيق، الإنسان صاحب الفطنة، وصاحب الأدب الجَم، وصاحب الخُلق الرفيع، هذا تميل إليه دون أن تشعر، هذه سنة الله في خلقه, جبلت النفوس على حب من أحسن إليها, وبغض من أساء إليها .
مثلاً: شخص دائماً ينتقدك، يحاول أن يعارضك، يحاول أن يطعن في تصرفاتك، فهل ينتظر منك أن توده مودة عالية؟ بينما إنسان آخر أديب جداً، لطيف جداً، في خدمتك دائماً، فشيء من طبيعة البشر أن تميل إلى هذا المحسن الأديب الذي يتحرَّى راحتك، والإنسان الثاني الذي يتهجَّم عليك, فنفسك تنفر منه بشكل طبيعي، لذلك فالنفس لها قوانين، أنت كإنسان مكلَّف أن تعدل العدل التام، أما العدل المطلق, فهذا لا تستطيعه لا أنت ولا غيرك، لأن النفوس جبلت على حب الكمال، على حب الجمال، على حب النوال .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5756/05.jpg
الإنسان يحب الجمال, والكمال, والنوال، الذي يعطيك تحبه، والذي تـراه كاملاً تحبه ، والذي منحه الله شكلاً جميلاً تحبه .
فأحياناً يكون شخص عنده ابن له تألُّق، تجد الأب يميل إليه أكثر من أخوته، لكنه مكلَّف أن يعطي أولاده بالسواء، مكلَّف أن يمنحهم العطف بالسواء، لأن هذا القلب بيد الله عزَّ وجل، وقد عبَّر عن ذلك النبي عليه الصلاة والسلام:
((اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ, فَلا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلا أَمْلِكُ))
[أخرجه أبو داود عن السيدة عائشة في سننه]
أي بنيَّة! ألستِ تحبين ما أحب؟ قالت: بلا, قال: فأحبي هذه, -أي عائشة .
فأنا أقف عند هذه النقطة قليلاً؛ مثلاً: شاب له أب، هذا الشاب يتهجّم على أبيه، يبدو سوء أدب من هذا الشاب، ومحاسبة شديدة، وعدم احترام، وابن ثانٍ في غاية الأدب، والإخلاص، والاحترام، والتلبية، أينتظر الأول الأقل أدباً، والأقل خدمةً من الأب, أن يحبه محبة رائعة؟ هذا الشيء مضحك، الأب إنسان ويميل إلى حيث يرى الفضل، والأدب، والعطف، والرحمة، والخدمة، فأنت لا تطالب الناس أن يحبوك محبةً لا تساوي عملك .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5756/06.jpg
وهذا إنسان بعقله قصور، الذي ينتظر من الناس أن يمحضوه حبهم، وإخلاصهم، وتفانيهم, وهو يسيء إليهم، هذا شيء مستحيل، هذه طبيعة النفس البشريَّة، إن أردت أن تنعقد حولك القلوب فأحسن إليهم، والإنسان الكامل يملك القلوب، بينما الإنسان القوي يملك الرقاب، وشتَّان بين أن تملك القلوب وبين أن تملك الرقاب، بونٌ شاسع بين الحالتين .
فمثلاً: زوج قاسٍ، يحب نفسه، أينتظر من زوجته أن تموت في حبه؟ لا لن تموت في حبك، ولن تهتمَّ بك، إن لم تهتم بها فلن تهتم بك، إن لم ترع حقوقها فلن ترعى حقوقك، فكن واقعياً، كن منطقياً- .
فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فرجعت إلى أزواج النبي, فأخبرتهن بالذي قاله، وبالذي قال لها النبي صلى الله عليه وسلَّم، فقلن لها: ما نراكِ أغنيتِ عنا من شيء، فارجعي إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم, فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة, فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبداً .
-النبي يتصرف بالعدل المطلق، بالعدل التام بين زوجاته, لكن أين قلبه يميل؟ هذه لا يملكها أحد- .
ثم أرسلن زينب بنت جحشِ زوج النبي صلى الله عليه وسلَّم، وكانت تضاهي عائشة عند رسول الله في الحظوة والمنزلة، فتكلَّمت في ذلك, فلم تُجْدِ في كلامها شيئاً, ثم قال عليه الصلاة والسلام معلناً مكانة زوجه عائشة: ((إنها ابنة أبي بكر))
أرأيتم إلى هذا الوفاء؟ فالإنسان أحياناً يتألَّم أشد الألم حينما يمحض كل إخلاصه، وكل حبه، وكل خدمته لإنسان, ثم ينسى له هذا الإنسان ذلك كله، أما النبي فهو أوفى الأوفياء ، ما من إنسان أعطى النبي عليه الصلاة والسلام كل اهتمامه كسيدنا الصديق، وهذه ابنته، فلأنها بنت أبي بكر لها عند النبي حظوةٌ خاصَّة .
ما هو السبب الذي دفع ضرائر عائشة للغيرة منها, وهل كانت تغار عائشة منهن, وما هي العبرة من وجود مشكلات في بيت النبي ؟
أيها الأخوة, السيدة عائشة أيضاً تغار من أمهات المؤمنين، كانت أمهات المؤمنين يغرن على رسول الله من عائشة، وكانت عائشة بينهن أشدهن غيرةً عليه منهن، وعذرها أنها أول من تفتَّح قلبها لحب النبي صلى الله عليه وسلَّم بعد خديجة، حيث كانت خطبتها بعد وفاة خديجة رضي الله عنها، وأنها أصغرهنَّ سناً، وما تزوَّج عليه الصلاة والسلام بِكراً غيرها, فلديها أسباب لِتزهو على ضرَّاتها؛ أصغرهن سناً، وبنت أحب الخلق إليه، وكانت الوحيدة بينهن بِكراً من بين أزواج النبي عليه الصلاة والسلام.
فهذا الدرس له معنى، بكل بيت مشكلة، والنبي بشر, قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾
[سورة الكهف الآية: 110]
طرق رجل باب سيدنا عمر, ليشكو له زوجته، فسمع صياحاً، فولَّى هارباً، سيدنا عمر سمع الباب يطرق, ثم توقَّف الطرق, فخرج فرأى أعرابياً، فدعاه, رجع، لمَ طرقت وانصرفت ؟ قال له: جئتك أشكو مما أنت منه تشكو .
أخواننا الكرام, إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترح لا منزل فرح, فمن عرفها لم يفرح لرخاء ولم يحزن لشقاء .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5756/07.jpg
الدنيا مركَّبة على المشكلات، مركبة على بعض النقص رحمةً بالإنسان، تصور لو أن الدنيا جاءتك كما تريد, لكرهت لقاء الله، لكن ما الذي يدعونا إلى أن نشتاق إلى لقاء الله عزَّ وجل؟ فالدنيا المتعبة التي لا تستقيم لإنسان إطلاقاً، إن جاءت من جهة, تذهب من جهة، إن منحت المال, فليس عندك من الأولاد, ما يستأهلون هذا المال، وإن جاءك الأولاد الأبرار قد لا تجد المال الكافي لهم، وإن حظيت بزوجةٍ صالحةٍ لا تُنجب، وإن أنجبت قد يكون أولادها على غير ما تريد، وإن كان الأولاد على ما تريد, هناك علَّةٌ في الصحة، فما من إنسان اكتملت دنياه، ولو أنها اكتملت, لكره الناس لقاء الله عزَّ وجل، فأحد الأسباب في أن الإنسان يتمنى لقاء الله أن الدنيا متعبة .
رأى النبي عليه الصلاة والسلام جنازة فقال: ((مستريح ومستراح منه, فقالوا: ما المستريح وما المستراح منه؟ قال: أما العبد المؤمن يستريح من نصب الدنيا وأذاها, والعبد الفاجر يستريح منه؛ العباد, والبلاد, والشجر, والدواب))
[أخرجه النسائي عن أبي قتادة في سننه]
ليس في الدنيا شيء أثمن على الإطلاق من أن يموت أحدنا على الإيمان، وينجو من فتنة الدنيا, فتنة المال، فتنة النساء، فتنة العلاقات الاجتماعية، فتنٌ لا تعدُّ ولا تحصى، فكما ورد في الحديث القدسي:
((وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن, وأنا أحب أن أرحمه, إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها؛ سقماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبةً في ماله, أو ولده, حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء, شدَّدت عليه سكرات الموت, حتى يلقاني كيوم ولدته أمه))
ولقد كانت الغيرة تنتاب عائشة إذا علمت أن النبي صلى الله عليه وسلَّم سيتزوج بعدها، ها هي تغار من زواج النبي من حفصة بنت عمر بن الخطاب، وكانت تضيق بيوم سودة التي كانت زوجة النبي الكريم في مكة، فلما علمت بأن النبي عليه الصلاة والسلام قد تزوَّج حفصة, سكتت على مضضٍ وغيرة، واحتارت ماذا تفعل؟ إذ كانت تعلم مكانة أبيها عمر عند النبي، فهو بعد أبي بكر في المنزلة والحظوة عنده صلى الله عليه وسلَّم, فجاءت حفصة لتكون ضرّة أخرى .
هناك نقطة دقيقة جداً: لو لم تحدث مشكلات في بيت النبي، كيف يكون قدوةً لنا؟ لو لم يكن أية مشكلة في بيته إطلاقاً, فلأمر يلتبس عندنا؛ الغيرة مشكلة، تنافس زوجاته مشكلة، لو أن النبي عليه الصلاة والسلام سارت حياته في البيت بشكلٍ مثاليٍ مُطلق، كيف يقف الموقف الكامل من مشكلةٍ تنشأ في بيت المسلمين؟ إذاً: النبي مشرِّع .
أوضح مثل على ذلك: ((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ من اثْنَتينِ فَقَالَ لَهُ ذُو اليَدَينِ: أَقُصِرَتْ الصَّلاَةُ أَمَّ نَسِيتَ يَا رَسُولَ الله؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَصَدَقَ ذُو اليَدَينِ؟ فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ، فَقَامَ رَسُولُ الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى اثنَتينِ أُخرَيَينِ, ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ مِثلَ سُجودِهِ أَوْ أَطولَ, ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ, ثُمَّ سَجَدَ مِثلَ سُجودِهِ أَوْ أَطولَ))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة في سننه]
لولا أن الله أنساني كي أصلي الظهر ركعتين، كيف أسن لكم سجود السهو؟ إذاً: ما يحصل في بيت النبي من مشكلات مخرج لنا من مشكلاتنا، فالله عزَّ وجل قال: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ﴾
[سورة التحريم الآية: 4]
هذا شيء ثابت بالقرآن, قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 32]
والنبي خيَّر زوجاته بين أن يخترنه أو يخترن الدنيا, قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 28]
معنى ذلك: أن القرآن أثبت أن هناك مشكلات في بيت النبي، وإزاء هذه المشكلات, وقف النبي منها موقفاً كاملاً، قدوةً لنا نحن المؤمنين .
لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام بعد محاولاتٍ كثيرة من زوجاته الطاهرات، وما نشب بينهنَّ من غيرة، أخذ موقفاً حازماً فاعتزل نساءه كلَّهن .
مضى شهرٌ بأكمله في شغلٍ عنهن، وهن في شغلٍ به، فمنهن من روَّعها الهجر، ومنهنَّ من كانت ترقبه في عُزلته، دون أن تجرؤ واحدةٍ منهنَّ أن تخاطبه في أمرها، حتى إذا استكمل الهجر شهراً بتمامه, عاد عليه الصلاة والسلام إلى نسائه مكتفياً بتأديبهن بذلك الإنذار ، لئلا يعُدن إلى مثل ما فعلت بعض أزواجه .
فهذه المنافسة بين زوجاته الطاهرات، وهذه الغيرة الحادة، هذا مما يضعف صفاء النبي عليه الصلاة والسلام، فاتخذ هذا الموقف، وتركهن جميعاً شهراً بأكمله، فلما انتهى الشهر, بدأ ببيت عائشة فدخله، واستقبلته في عتابٍ رقيق، قالت:
((يا رسول الله, بأبي أنت وأمي, قلت كلمةً لم ألقيِ لها بالاً, فغضبت علي .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5756/08.jpg
-هذا يفيدنا لو أنّ إنساناً نشب خلاف بينه وبين زوجته, يعوِّد نفسه أن يكون لطيفاً، وتعوِّد الزوجة نفسها أن تعتذر، والاعتذار أحياناً يذيب المشكلة
انظر لهذا الموقف: يا رسول الله, بأبي أنت وأمي, قلت كلمةً لم ألقي لها بالاً فغضبت علي, ثم أقبل على أهله, -وهي مستطردة في قولها- أقسمتَ أن تهجرنا شهراً, ولمَّا يمض منه غير تسعٍ وعشرين, تقول هذا مداعبةً له، فقال عليه الصلاة والسلام: نعم, الشهر يكون تسعةً وعشرين))
[أخرجه البخاري عن أم سلمة في الصحيح]
فمن اللطف أن يكون هناك كلام لطيف جداً بين الزوجين، مداعبة بالقول، كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته بسَّاماً ضحاكاً، كان إذا دخل البيت واحد من أهل البيت، يقول عن النساء: ((فإنهن المؤنسات الغاليات))
فأنا أرى أن من أعقل الرجال الذي عنده مودة، ولطف، ونفس هنيَّة، وأن تكون كلمات معسولة من الزوج, ومن الزوجة، والعمر لا يحتمل خصومات طويلة .
طبعاً: كان الحديث عن المشكلات التي جرت في بيت النبي وهو حديثٌ يطول، لكن النبي بشر، ولولا أنه تجري عليه كل خصائص البشر, لما كان سيد البشر .
وأنا أعتقد أن الإنسان المؤمن الموفَّق هو الذي يؤتى الحكمة في معاملة زوجته، يسعد بها وتسعد به، العمر قصير لا يحتمل خصومات مديدة، فالنبي أدَّبهُنَّ شهراً، لكن تجد إنساناً يؤدِّب أهله سنة، سنتين، ثلاثة، لكنّه أدبهُنَّ شهراً, وانتهى الأمر .
وأنا أتمنى على كل زوج أن يضع حداً للخصومة، إذا كانت هناك مشكلة, وعلى أثرها خرجت من البيت، فينبغي أن تعود، وكأن شيئاً لم يكن، هذه وصيَّة ثمينة جداً، عوِّد نفسك عليها.
أما هذا الامتداد بالخصومة؛ أسبوعاً وأسبوعين، وشهراً وشهرين، وسنة وسنتين، وكل واحد راكب رأسه، وكل واحد متعنِّت، فشقيت وأشقيت، مهما كنت أنت الأقوى, شقيتَ مع زوجتك .
فالنبي عليه الصلاة والسلام كان قدوةً لنا في حسن معاشرته زوجاته، وكما قلت لكم من قبل: آياتٌ كريمةٌ وكثيرةٌ تبيِّن أن النبي عليه الصلاة والسلام عانى من الزوجات، والمرأة امرأة, ولها طبيعةٌ خاصة، تغار أشد الغيرة، وتحرص على الدنيا أشد الحرص، وتريد أن يكون زوجها لها، فما من زوج إلّا إذا زار أهله، فإذا قدَّم هديَّة لأهله, تنشأ مشكلة؛ لأن هذا الزوج لها وحدها، أما هو فله أم، وله أخوات، وله أخوة، هذه مشكلات تعالج بالحكمة، تعالج بالعدل، تعالج باللين، بالموعظة الحسنة، أما المواقف العنيفة؛ رأساً طلَّق، رأساً ضرب، والضرب أحياناً يترك ندبة في النفس لا تندمل أبداً .
أرجو الله سبحانه وتعالى أن نتابع هذا الموضوع في درسٍ قادم .




السعيد 09-04-2018 08:59 AM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( الرابع )


الموضوع : عائشة بنت ابى بكر



حادثة الافك




الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
ما هو هدف المنافقين في اتهام زوجة النبي عائشة بالفاحشة ؟
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثالث عشر من دروس سير الصحابيَّات الجليلات رضوان الله عليهن أجمعين، ومع زوجات النبي أمهات المؤمنين، ومع السيدة عائشة رضي الله عنها، ننتقل اليوم إلى حديث الإفك .
أيها الأخوة, حديث الإفك من أخطر ما واجه رسول الله صلى الله عليه وسلَّم من الأهوال والصعاب, فالمنافقون كانوا يقصدون من ورائه إلى محاربة النبي صلى الله عليه وسلَّم بإساءة سمعته .
أنت أحياناً تحارب إنساناً عن طريق مقاومته، وأحياناً تحارب إنساناً عن طريق تشويــه سمعته، فحديث الإفك بشكلٍ أو بآخر محاولةٌ من المنافقين لتشويه سمعة النبي عليه الصلاة والسلام، ومع تشويه سمعة النبي, القصد البعيد تشويه هذا الدين الحنيف .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5809/01.jpg
المعركة بين الحق والباطل معركةٌ أزليةٌ أبديَّة، فكل واحد له ولاء, أهل الإيمان يوالون المؤمنين، وأهل الفسق والفجور يوالون بعضهم بعضاً، فينبغي أن يعرف الإنسان هو مع من؟ هذا الذي يوالي المؤمنين, ويتبرَّأ من الكفار والمنافقين، مؤمنٌ ورب الكعبة, أما الذي له ولاءٌ لغير المؤمنين, هذا في إيمانه ضعف .
لذلك: فالمنافقون أرادوا أن يشوِّهوا هذا الدين, عن طريق تشويه سمعة النبي عليه الصلاة والسلام من خلال اتهام زوجته بالفاحشة .
متى جاء حديث الإفك؟ بعد أن قال عبد الله بن أُبَيّ بن سلول للنبي وأصحابه: سمِّن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزُّ منها الأذل, يقصد الأعز هو ومن معه، والأذل يقصد به النبي عليه الصلاة والسلام والمهاجرين .
أيها الأخوة, قال هذا المنافق رئيس المنافقين: ماذا فعلتم بأنفسكم؛ أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالك؟ أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم, لتحوَّلوا إلى غير بلادكم .
عملية تهجير، فالهدف البعيد جداً من حديث الإفك, تهجير المهاجرين إلى بلادٍ أخرى ، عن طريق تشويه سمعة الدين، من خلال تشويه سمعة النبي، من خلال اتهام زوجته الطاهرة بالفاحشة, قال تعالى:

﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً * وَأَكِيدُ كَيْداً﴾
[سورة الطارق الآية: 15-16]
فماذا يعنينا من هذا الموضوع؟ أنت كمؤمن وطِّن نفسك أن هناك من يناوئك، هناك من يطعن في نزاهتك، هناك من يريد أن يشوِّه سمعتك، الدنيا دار ابتلاء وليست دار جزاء، والإنسان يرقى على قدر ما يُبتلى به .
إليكم خبر حادثة اﻹفك كما ورد في كتب الصحاح :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5809/02.jpg
أيها الأخوة الكرام, خبر حديث الإفك ورد في الصحاح، تقول السيدة عائشة رضوان الله عليها:

((كان رسول الله صلى الله عليه وسلَّم إذا أراد سفراً, أقرع بين نسائه، فأيَّتهن خرج سهمها, خرج بها معه، فلمَّا كانت غزوة بني المصطلق, أقرع بين نسائه كما كان يصنع، فخرج سهمي عليهن, فخرج بي رسول الله .
-هناك حكمةٌ بالغة من اصطحاب الزوجة في السفر, يعرفها المتزوجون، النبي عليه الصلاة والسلام في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، وفي صفاته مشرِّع، فكان إذا أراد سفراً, حتى ولو كان السفر غزوةً, أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها، صحبها معه- .
قالت السيدة عائشة: وكان النساء إذ ذاك إنما يأكُلن العُلَق, -والعلق ما فيه بلغةٌ من الطعام، أي طعامهن قليل، إذاً: أوزانهن خفيفة- لم يهبجن اللحم فيثقلن, -أي أن نساء الصحابة كنَّ نحيلات- وكنت إذا رُحِّل بعيري, جلست في هودجي، ثم يأتي القوم الذين يرحِّلون هودجي في بعيري يحملونني، فيأخذون بأسفل الهودج، فيرفعونه على ظهر البعير، فيشدونه بحباله، ثم يأخذون برأس البعير, فينطلقون بي .
-كلام واضح؛ كان هناك هودج تجلس فيه، يرفعه رجلان، يضعانه فوق ظهر الجمل، يربطانه، ثم يأخذان بخطام البعير، ويقودان هذا البعير في مسيرة الجيش- .
قالت السيدة عائشة: فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلَّم من سفره، وجَّه قافلاً حتى إذا كان قريباً من المدينة، نزل منزلاً فبات فيه بعض الليل، ثم أذَّن في الناس بالرحيل، فلما ارتحل الناس, خرجت لبعض حاجتي .
-ذكرت هذا من قبل: أن هناك عشرات الاحتمالات التي كان من الممكن ألّا يقع حديث الإفك.
أريد أن أعلمكم أن الأحداث التي وقعت في عهد النبي أحداثٌ مقصودةٌ لذاتها، لم يقع حدثٌ صدفةً، بل كل حدث مركَّز مقصود لذاته، ليقف النبي الموقف الكامل، فيكون موقفه تشريعاً- .
فقالت هذه السيدة الجليلة: ثم أذَّن في الناس بالرحيل، فلما ارتحل الناس, خرجتُ لبعض حاجتي، وفي عنقي عقدٌ لي .
-لو أنها لم تشعر بحاجةٍ إلى قضاء الحاجة لما خرجت، ولم يكن حديث الإفك, قال تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ﴾
[سورة النور الآية: 11]
قالت: خرجت لبعض حاجتي, وفي عنقي عقدٌ لي، فلما فرغت، انسل من عنقي ولا أدري, -انقطع خيط العقد, فوقع في الأرض، لو كان الخيط ثخيناً أو متيناً لما انقطع، لو لم ينقطع هذا الخيط, لما كان حديث الإفك، لو لم تشعر بحاجةٍ إلى قضاء الحاجة, لما كان حديث الإفك- فلما رجعتُ إلى الرحل, ذهبتُ ألتمسه في عنقي, فلم أجده، وقد أخذ الناس في الرحيل, فرجعت ألتمسه حتى وجدته، وجاؤوا خلاف القوم الذين كانوا يرحِّلون لي البعير، فأخذوا الهودج, وهم يظنون أني فيه, كما كنت أصنع .
-وزنها خفيف جداً لم ينتبهوا، فلو انتبهوا لما كان حديث الإفك, لو أنها تبحث عن العقد في مكانٍ قريب, لما كان حديث الإفك، لو أنهم رأوا شخصاً من بعيد, لتفقَّدوها وذهبوا إليها, ولما كان حديث الإفك، معنى ذلك الحدث مقصود لذاته .
أحياناً تقع معك مشكلة؛ لو لم أسافر لما كانت، لو لم أسلك هذا الطريق لما كانت، لو لم أركب هذه المركبة لما كانت، لو لم تظهر لي حاجة للسفر لما كانت, فلذلك:

((لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ, وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإِيمَانِ, حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ, وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ))
[أخرجه أحمد في مسنده]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5809/03.jpg
شيءٌ مريحٌ جداً أن تقول: إذا شاء الله أمراً فعله,

((فَلا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا, وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ, فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]

أي أنك أيها الأخ حينما تكون مؤمناً, تلغي من قاموسك كلمة (لو)، فكأنها غير موجودة، الشدة النفسيَّة تأتي من الندم؛ فلا ندمَ، ولا تمنيَ، ولا حسرةَ، ولا حزنَ، كل هذه المعاني غير موجودة، فهذا حديث مهم جداً، أحياناً التعليم عن طريق الأفعال أقوى من الأقوال ، لغة العمل أبلغ من لغة القول .
كان من الممكن ألا يقع هذا الحديث، لأكثر من عشرين سبب، لكن الأحداث التي وقعت في عهد النبي, أحداثٌ مقصودةٌ لذاتها لتكون تشريعاً، ولتكون السيدة عائشة قدوةً لكل امرأةٍ في الأرض أصيبت بسمعتها- .
قالت: فأخذوا الهودج, وهم يظنون أني فيه كما أصنع، فاحتملوه، فشدوه على البعير، ولم يشكوا أني فيه، ورجعتُ إلى العسكر, وما فيه داعٍ ولا مجيب، قد انطلق الناس.
-معنى ذلك: أنها ابتعدت، فلما رجعت مكان الهودج, رأت الناس قد ارتحلوا، لا سميع ولا مجيب, ولا قريب- .
قالت: فتلففت بجلبابي, ثم اضطجعتُ في مكاني الذي ذهبت إليه، وعرفت أن قد لو افتقدوني رجعوا إلي, فو الله إني لمضطجعة, إذ مرَّ بي صفوان بن المعطَّل السُلَمِيّ .
-أنا أريد أن أزيد من قناعة الأخ الكريم؛ أن كل شيءٍ وقع أراده الله, لحكمةٍ بالغةٍ بالغة: يجب أن تعلموا علم اليقين أن كل شيءٍ وقع أراده الله، وأن كل شيءٍ أراده الله وقع، وأن إرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، وأن حكمته المطلقة متعلِّقةٌ بالخير المطلق .
هذا الصحابي الجليل مرَّ بها, وكانت مضطجعةً, قد تلففتْ بجلبابها في مكانها الـذي تركوها فيه، وقد كان تخلَّف عن العسكر لبعض حاجته .
نشأت له حاجة, فتخلَّف عن العسكر، فلو لم تنشأ له حاجة, لما تخلَّف عن العسكر, ولما كان حديث الإفك، لو لم يتأخر, لافتقدوها بعد حين، رجعوا إلى المكان فوجدوها, فحملوها وانطلقوا، فلم يكن هناك حديث إفك- .
قالت: فلم يبت مع الناس في العسكر، فلما رأى سوادي, -لم يُر منها شيء، ملفَّفةً بجلبابها- أقبل حتى وقف عليَّ فعرفني, وقد كان يراني قبل أن يُضرب علينا الحجاب، فلما رآني قال: إنا لله وإنا إليه راجعون, أظعينة رسول الله؟ وأنا متلفِّفةٌ بثيابي، قال: فما خلفكِ رحمك الله؟ قالت: فما كلَّمته ثم قرَّب البعير حتى أركبني، حتى قال لي: اركبي رحمك الله واستأخر عني، قالت: فركبت, وجاء فأخذ برأس البعير, فانطلق بي سريعاً, يطلب الناس .
-هل يستطيع هذا الصحابي الجليل أن يفعل غير هذا الذي فعل؟ صحابي جليل يرى أم المؤمنين، يرى زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، يرى ظعينة رسول الله متخلِّفةً عن الركب وحدها، متلفِّفةً بثيابها، هل يستطيع أن يتركها ويمضي؟ مستحيل- .
قالت: فو الله ما أدركنا الناس، وما افتقدت حتى أصبحت ونزل الناس، فلما اطمأنوا ، طلع الرجل يقودني، فقال: أهل الإفك ما قالوا؟ -رأوا زوجة رسول الله على بعير صفوان بن المعطَّل السلَمي- فارتجَّ العسكر، فو الله ما أعلم بشيءٍ من ذلك، ثم قدمنا المدينة, فلم أمكث أن اشتكيت شكوى شديدة، ولا يبلغني شيءٌ من ذلك، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم, وإلى أبويَّ، ولا يذكران لي من ذلك قليلاً ولا كثيراً .
-فلماذا لم يذكر النبي لها قليلاً ولا كثيراً, ولا أباها ولا أمها؟ لثقتهم الكبيرة بأنها طاهرة، فأصعب شيء أن تتهم إنساناً بريئاً، شيءٌ لا يحتمل، ظلمٌ شديد أن تفتري على إنسانٍ افتراءً لا أصل له- .
قالت: إلّا أني قد أنكرت من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم بعض لطفه بي، إن كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي، فلم يفعل ذلك في شكواي تلك, فأنكرت منه، كان إذا دخل عليّ, وأمي تمرِّضني, قال: كيف تيكم, ولا يزيد على ذلك؟ أما من قبل كان إذا دخـل عليَّ وأنا مريضة, يقول: كيف عويش ؟ .
-عويش من ألفاظ التحبُّب لاسم عائشة، فهناك أسماء يُتحبب بها بتعديلها، تصغيرها، أو اختصارها، أو ترخيمها، كان عليه الصلاة والسلام يقول: كيف عويش؟ أما الآن يقول: كيف تيكم؟- .
قالت: أنكرت منه ذلك، حتى وجدت في نفسي مما رأيت من جفائه عني, فقلت له: يا رسول الله, لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرَّضتني، قال: لا عليك اذهبي إن شئتِ, فانتقلت إلى أمي, ولا أعلم بشيءٍ مما كان، حتى نقهت من وجعي بعد بضعٍ وعشرين ليلة .
قالت: وكنا قوماً عرباً لا نتخذ في بيوتنا هذه الكُنُف التي تتخذها الأعاجم، نعافها ونكرهها، وإنما كنا نخرج في فُسَح المدينة، وإنما كان النساء يخرجن كل ليلةٍ في حوائجهن ، فخرجت لبعض حاجتي, ومعي أم مسطحٍ بنت رهمٍ بن المطلب، وكانت أمها بنت صخرٍ بن عامرٍ خالة أبي بكر .
قالت: فو الله إنها لتمشي معي إذ عثرت في مرطها, -أي في كسائها- فقالت: تعس مسطح .
-الآن أول خبر يصل إلى عائشة، هيَ ماذا رأت؟ رأت النبي يجافيها، ولكن ليس جفاء مطلقاً بل جفاء نسبياً، كيف عويش؟ سابقاً، كيف تيكم؟ فالإنسان الحسَّاس الذي عنده مشاعر رقيقة, يشعر بأدق التغيُّرات، فاستأذنت النبي أن تنتقل إلى بيت أهلها فأذن لها، وهي في طريق قضاء حاجتها, قالت لها هذه المرأة: تعس مسطح- .
قلت: بئس لعمر الله ما قلت لرجلٍ من المهاجرين قد شهد بدراً, -هي لا تعلم ماذا حدث؟
صحابي جليل رأى أم المؤمنين في الطريق، أركبها على جمله، وقادها إلى الركب-.
قالت: أو ما بلغك الخبر يا بنت أبي بكر؟ قلت: وما الخبر؟ فأخبرتي بالذي كان من قول أهل الإفك .
-اتهمت بالفاحشة مع صفوان بن المعطَّل السلَمي, يمكن أن يُلغى حديث الإفك، ولكن الله أراده، دليلٌ هذا قولُ الله عزَّ وجل:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ﴾
[سورة النور الآية: 11]
قس على هذا أيها الأخ الكريم، قس على هذا الحديث أنه إذا أصابك شيءٌ تكرهه، اقرأ قوله تعالى:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 216]
الله عزَّ وجل لطيفٌ لما يشاء؛ فالله عزَّ وجل ينقل الإنسان من حال إلى حال، من مستوى إلى مستوى، من منزلة إلى منزلة، من مقام إلى مقام، يؤدِّب، يهذِّب، يشجِّع، يقوي، يعين، يعطي خبرات عميقة، ما الإنسان الناضج؟ مجموعة خبرات، كل خبرة تعني أن فيها مأساة، هناك مشكلة، وهناك خبرة مؤلمة ألمَّت به .
مرَّة قال سيدنا موسى بالمناجاة: يا رب لا تُبقِ لي عدواً، قال: يا موسى هذه ليست لي, ليست لله عزَّ وجل، أليس هناك أعداءٌ لله عزَّ وجل، فوطِّن نفسك أنك لا تجد إنساناً إلا وله أعداء، لأن معركة الحق والباطل معركةٌ أزليةٌ أبديَّة، إن كنتَ مع أهل الحق فأهل الكفر والفسوق يعادونك، وإن كنت مع أهل الإيمان فأهل الكفر يعادونك- .
قالت: وقد كان هذا؟! -استفهام إنكاري- قالت: نعم, والله لقد كان, -هذا الذي حصل.
هذه الكلمة التي ألقيت على مسامع السيدة عائشة كأنها قنبلة- قالت: فو الله ما زلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدِّع كبدي .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5809/04.jpg
-فأصعب شيءٍ على المرأة الشريفة الطاهرة أن تتهم بشرفها، أصعب شيءٍ على الإطلاق, أن تتهم المرأة العفيفة الطاهرة بشرفها- .
قالت: وقلتِ لأمي: هل علمت أمي بهذا الخبر, يغفر الله لكِ, تحدث الناس بما تحدثوا به، وبلغك ما بلغك, ولا تذكرين لي من ذلك شيئاً, قالت: أي بنيتي! خفِّضي الشأن, فو الله قلَّما كانت امرأةٌ حسناء عند رجلٍ يحبها، لها ضرائر, إلا أكثرن عليها .
-أي هذا شيءٌ طبيعي، معنى ذلك أن هناك حسداً، أحياناً الإنسان يُحسد، فالحسود يلقي بالتهم جزافاً, ليشفي صدره من محسوده- .
قالت: وقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في الناس يخطبهم, ولا أعلم بذلك, ثم قال:
أيها الناس ما بال رجالٍ يؤذونني في أهلي, ويقولون عليهن غير الحق، والله ما علمت منهن إلا خيراً، ويقولون ذلك لرجلٍ, -أي صفوان بن المعطَّل السلَمي- والله ما علمت منه إلا خيراً، وما دخل بيتاً من بيوتي إلا وهو معي .
-تألَّم النبي عليه الصلاة والسلام، لقد آذوه أشد الأذى، آذوه في عرضه- .
قالت: وكان قد كَبُرَ ذلك عند عبد الله بن أبي سلول في رجالٍ من الخزرج مع الذي قال مسطح .
-أي صار في أناس من الصحابة تألموا أشد الألم لهذا الحديث، وأناسٌ آخرون تساهلوا قليلاً، ومنافقون كُثُر شمتوا، وفرحوا، وأحبوا أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا- .
قالت: ثم دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم وعندي أبوايَ، وعندي امرأةٌ من الأنصار، وأنا أبكي وهي تبكي معي، فجلس وحمِدَ الله وأثنى علي, ثم قال: يا عائشة, إنه قد كان ما بلغك من قول الناس, فاتقي الله، إن كنتِ اقترفتِ سوءاً مما يقول الناس, فتوبي إلى الله, فإن الله يقبل التوبة عن عباده .
قالت: فو الله ما هو إلا أن قال ذلك, تقلَّص دمعي, حتى ما أحس منه شيئاً، وانتظرت أبويَّ أن يجيبا رسول الله، فلم يتكلَّما .
قالت: وايم الله لأنا كنت أحقَر في نفسي، وأصغر شأناً من أن ينزِّل الله عزَّ وجل فيَّ قرآناً, يُقرأ به في المساجد, ويصلَّى به، ولكنني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في نومه شيئاً, يكذب الله به عني, لما يعلم من براءتي، أو يُخبر خبراً، فأما قرآنٌ ينزل فيَّ, فو الله لنفسي كانت أحقر عندي من ذلك .
-تصوَّرتْ أن الله يبرِّئها بمنام يراه النبي عليه الصلاة والسلام، بطريقة أو بأخرى، أما أن ينزل وحي، قرآن يُتلى إلى يوم القيامة في براءة هذه السيدة المصون, قالت: والله كنت أحقر في نفسي من أن ينزل قرآنٌ فيَّ- .
قالت: فلما لم أرَ أبويَّ يتكلَّمان, قلت: ألا تجيبان رسول الله؟ فقالا لي: والله ما ندري بماذا نجيبه؟ .
-شيء مسكت، تهمة كبيرة جداً لامرأةٍ طاهرةٍ عفيفة، زوجها رسول الله، أبوها أبو بكر، أمها أم رومان، قِمم، والتهمة كبيرة، فأية امرأةٍ إلى يوم القيامة, اتُهمت كما اتهمت السيدة عائشة, ففي هذه السيدة المصون أسوةٌ حسنة- .
قالت: وايم الله ما أعلم أهل بيتٍ دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكرٍ في تلك الأيام.
-الحياة فيها متاعب كثيرة، فأحياناً هناك متاعب لا يعلمها إلا الله تصيب الإنسان, إن أشد الناس بلاءً؛ الأنبياء، ثم الأمثل, فالأمثل .
الإنسان يُبتلى على قدر إيمانه، فإن كان قوي الإيمان اشتد بلاؤه، وهذا البلاء يرفع درجاته عند الله عزَّ وجل- .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5809/05.jpg
فلما قال لها النبي الكريم: يا عائشة, إنه قد كان ما بلغك من قول الناس, فاتقي الله ، وإن كنتِ اقترفتِ سوءاً مما يقول الناس, فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده .
قالت: فو الله ما هو إلا أن قال ذلك, حتى تقلَّص دمعي، هنا استعبرت فبكيت، ثم قلت : والله لا أتوب إلى الله مما ذكرت أبداً، والله لئن أقررت بما يقول الناس, والله يعلم أني بريئةٌ منه, تصدقونني عندئذٍ، لأقولن ما لم يكن، ولئن أنا أنكرت ما تقولون, لا تصدقونني .
قالت: ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره، ولكنني أقول كما قال أبو يوسف: فصبرٌ جميل, والله المستعان على ما تصفون .
-أخواننا الكرام, كنت أقول لكم دائماً: الحُزن خلاَّق، المصائب أحياناً تصنع الرجال وتصنع النساء، المصائب مِحَك، الإنسان حينما يمرُّ بظروف صعبة, يصبح رجلاً بالمعنى الكبير، والمرأة حين تمرُّ بظروف صعبة تصبح أماً كبيرةً, قال تعالى:

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 18]
قالت: والله ما برح رسول الله مجلسه, حتى تغشَّاه من الله ما كان يتغشَّاه، فسُجي بثوبه، ووضعت وسادةٍ من أدمٍ تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت, فو الله ما فزِعت كثيراً ولا باليت، وقد عرفت أني بريئة، وأن الله غير ظالمي، وأما أبوايَ فو الذي نفس عائشة بيده ما سُرِّي عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم, حتى ظننت أن نفسيهما ستخرجان فَرَقاً من أن يأتي من الله تحقيق ما قاله الناس .
-هي مطمئنة لأنها بريئة، أما أبوها وأمها في قلقٍ شديدٍ جداً، فلربما يُثَبِّتُ الوحي ما قاله الناس- .
قالت: ثم سُرِّيَ عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فجلس, وإنه ليتحدر منه مثل الجُمان في يومٍ شاتٍ، فجعل يمسح العرق عن جبينه, ويقول: أبشري يا عائشة, لقد أنزل الله براءتك .
-الإنسان أحياناً كثيرة ما له إلا الله، سمعت كلمة من أحد الأخوة, يقول: الحمد لله على وجود الله، الله يعلم الحقيقة، إذا كان قلبك سليماً، وإذا كنت مستقيماً، وإذا كنت بريئاً, فلا تخشَ أحداً، الله عزَّ وجل سوف يبرِّئك- .
قالت: فقلت: بحمد الله وذنبكم, ثم خرج إلى الناس فخطبهم، وتلا عليهم ما أنزل الله عزَّ وجل من القرآن فيَّ .
-لدينا تعليق على هذه الرواية-: أن السيدة أم رومان لما نزلت براءة السيدة عائشة قالت لابنتها السيدة عائشة: يا بنيتي, قومي إلى رسول الله فاشكريه, قالت: والله لا أقوم إلا لله, فتبسَّم النبي عليه الصلاة والسلام, وقال: عرفت الحق لأهله))


.

الآيات التي نزلت بشأن براءة أم المؤمنين من التهمة التي لصقت بها :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5809/06.jpg
أيها الأخوة, آيات براءة الصديقة بنت الصديق، الطاهرة المؤمنة, قوله تعالى:

﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[سورة النور الآية: 11]
بيَّنتُ لكم من قبل أن التوحيد لا يُلغي المسؤوليَّة، إذا عزوتَ هذا إلى الله, فليس معنـى ذلك أن الذي روَّج هذا الحديث لن يُحاسب, قال تعالى:
﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[سورة النور الآية: 11]
يقول الله عزَّ وجل:
﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً﴾
[سورة النور الآية: 12]

علامة الإيمان أن تُحسن الظن بأخوانك, قال تعالى:

﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ * وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
[سورة النور الآية: 12-14]

أيها الأخوة, رضي الله عن هذه السيدة الحصينة العفيفة التي امتحنها الله عزَّ وجل في أعز ما تملك، وصبرت، واحتسبت، فأنزل الله براءتها .


ماذا نستنبط من هذه القصة ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5809/07.jpg
أيها الأخوة, يمكن أن يستنبط من هذه القصَّة: أن الله هو الحق، وأنه لا بدَّ من أن يحقَّ الحق، فإن كنت واثقاً من براءتك واستقامتك, فالله سبحانه وتعالى يتولَّى الدفاع عنك, ولكن إيَّاك أن تجلس مجلساً فيه مظنة اتهامٍ لك، وتلوم الناس إذا اتهموك، لا تضع نفسك موضع التهمة, وتلوم الناس إذا اتهموك، كان عليه الصلاة والسلام يمشي مع زوجته صفيَّة فرأى صحابيين جليلين, قال:

((هذه زوجتي صفيَّة))
تعلَّم من هذه الواقعة: أن تكون واضحاً إلى أبعد الحدود، وقد قيل: البيان يطرد الشيطان .
عوِّد نفسك أن تفعل شيئاً, لا يمكن أن يفسَّر إلا تفسيراً واحداً، الشيء الذي يمكن أن يفسَّر تفسيرين, ابتعد عنه، وإذا تلبَّست به؛ وضِّح قصدك ومرادك، فلو أن الناس اتبعوا النبي عليه الصلاة والسلام فيما قال:

((هذه زوجتي صفيَّة))
لقطعوا كل لسانٍ يريد اتهاماً للآخرين, فمثلاً: إنسان مسافر، يوكِّل أخا زوجته أن يتفقَّد أخته، هناك جيران يرون أن جارهم قد سافر، وأن شاباً يدخل على بيته في غيبته، ماذا يقولون؟ قد يتهمونك، يجب أن تُعلم جيرانك أنك مسافر، وأنك وكَّلت أخا زوجتك أن يتفقَّد شؤونها، وضِّح .
فلو أنك دخلت لمحل صديقك، والمحل فارغ، والصديق غائب، إذ ذهبَ لبعض شأنه وقال لك: انتظرن, معك خمسمئة ليرة, أردت أن تفكَّها، فتحت الدرج ووضعتها, وأخذت خمس مئات، وقد دخل صديقك، لا تبق ساكتاً, بل قل له: سأصرف الخمسمائة, والأولى ألّا تفعلها في غيبته، لو نقص صندوقه خمسمئة، يأتي الشيطان بوسوسته: رأيت صديقي يمد يده إلى الدرج, عوِّد نفسك ألّا تفعل شيئاً له تفسيران، عوِّد نفسك أن توضِّح، أن تبيِّن، البيان يطرد الشيطان .
مرَّة أذكر حادثة وقعت في محل تجاري، صاحب المحل معروف بالصلاح، وبالمحل غرفة داخليَّة, وعنده تاجر من حلب, تاجر له قيمته, وله زيه الديني، جاءت امرأةٌ، رحَّب بها صاحب المحل ترحيباً أكثر من كونها زبونة تشتري، أنا من حسن ظني بأخي وصديقي, قلت: لعلَّها أخته, الشيخ الحلبي تغيَّر لونه، فقلت له: لعلها أخته, فلما ذهبت سألته, فقال: هي أختي, فيجب أن يبلِّغ .
أما أن تضع نفسك موضع التُهمة, ثم تلوم الناس إذا اتهموك، هذا ليس من الدين في شيء, هناك علاقات الجوار، والعلاقات الأسريَّة، والعلاقات مع الشركاء، دائماً وضِّح ، وبيِّن ، ودقِّق، وإلا هناك أشخاص يلوكون سمعتك دون أن تشعر، وهناك فتن قد تجري في المدينة يروِّج لها المنافقون، وهذا الحديث درسٌ بليغٌ للمؤمنين .
أول استنباط: إذا أراد الله شيئاً وقع .
الاستنباط الثاني: إذا كنت على حق، فالله عزَّ وجل سوف يتولَّى تبرئتك .
الاستنباط الثالث: لا ينبغي أن تضع نفسك موضع التهمة، ثم تلوم الناس إذا اتهموك .



السعيد 09-04-2018 09:02 AM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( الخامس )


الموضوع : عائشة بنت ابى بكر



ورعها وزهدها و مكانتها العلمية




الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
ما كتب في كتاب حلية الأولياء عن السيدة عائشة :
أيها الأخوة الكرام, مع سير الصحابيّات الجليلات رضوان الله عليهنَّ أجمعين، ومع سير زوجات النبي صلى الله عليه وسلَّم، ونحن في سيرة السيدة عائشة رضي الله عنها، وقد وصلنا إلى فصلٍ عن ورعها وتقواها .
أيها الأخوة, عَقَدَ الحافظ أبو نُعيم ترجمةً لأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في كتابه (حِلية الأولياء)، قال في مستهلِّ هذا الكتاب: إن عائشة زوج رسول الله صلى الله عليه وسلَّم من الأولياء .
ولكن يجب أن تعلموا, أن كل واحدٍ منكم يجب أن يكون ولياً، لأن تعريف الولاية في القرآن الكريم:

﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 62-63]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5810/01.jpg
تعريفٌ بسيطٌ، جامعٌ, مانع، كل من عرف الله، واتقى أن يعصيه, فهو وليٌ لله، وأعظم ثمرة ينالها وليُّ الله, قال تعالى:

﴿لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 62]
الماضي مغطَّى ولا هم يحزنون، والمستقبل مغطى لا خوفٌ عليهم, قال تعالى:
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 62]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5810/02.jpg
الماضي مغطى بعدم الحزن على ما فاتك من الدنيا، والمستقبل مغطَّى بعدم الخوف، والإنسان دائماً يحزن على ما مضى, ويخاف مما سيأتي، الآية الكريمة:

﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
[سورة طه الآية: 123]
لا يضل عقله, ولا تشقى نفسه, قال تعالى:
﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 38]
أعظم ثمار الإيمان: ألّا يضل عقلك، وألّا تشقى نفسك، وألّا تندم على ما فات، وألّا تخشى مما هو آت, قال تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5810/03.jpg
﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
[سورة يونس الآية: 62]
ابتغوا الرفعة عند الله، لا يليق بك أيها الإنسان أن تكون لغير الله، يجب أن تكون محسوباً على الله لا على عبد الله، أجل على الله، أنت وليُّ الله، يجب أن تكون علاقتك بالله طيبةٌ جداً، يجب أن تكون قريباً من الله .
السيدة عائشة كما قال عنها الحافظ أبو نُعيم: والصديقة بنت الصديق، والعتيقة بنت العتيق، وحبيبة الحبيب، وأليفَهُ القريب، سيد المرسلين، والمبرَّأة من العيوب، والمعرَّاة من ارتياب القلوب، كانت للدنيا قالية، وعن سرورها لاهية، وعلى فقد أليفها باكية، المبرَّأة في الكتاب, هذه أوصافٌ جامعة مانعة للسيدة عائشة رضي الله عنها .
أيها الأخوة الكرام, هذا الدرس يعطينا حقيقةً خطيرة: أن المرأة كالرجل، يمكن أن تصل إلى أعلى المراتب في الإيمان، ويمكن أن تكون قمةً في معرفة الله، والسيدة عائشة من هذا القبيل، المرأة كالرجل تماماً مساويةٌ له في التكليف, والتشريف, والمسؤوليَّة .

ما قيل عن حب النبي لعائشة وما قيل عنها :
كان أحد الصحابة إذا حدَّث عن عائشة يقول:
((حدَّثتني الصديقة بنت الصديق، وحبيبة حبيب الله))
فالإنسان يحب الرفعة، يحب الكمال، هل تعلم أنه ما من مرتبةٍ علـى الإطلاق أعلى من أن تكون مع الله، أن تكون حبيب الله، أن تكون وليَّ الله، أن تكون مقرَّباً إلى الله، أن تكون في عين الله، أن تكون مصافياً لله, هذه مرتبةٌ لا يعرفها إلا من ذاقها .
قال أنسٌ رضي الله عنه:

((أول حبٍ كان في الإسلام حب النبي صلى الله عليه وســلَّم لعائشة رضي الله عنها))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5810/04.jpg
فيجب أن تعلم أنه ما من شيء أودعه الله عزَّ وجل في الإنسان إلا جعل له قناة نظيفة، فأن تحب زوجتك هذا مما يرضي الله، علاقتك بالأنثى بالعصر الحالي مليون علاقة محرَّمة، مليون علاقة مشبوهة، مليون علاقة آثمة، مليون علاقة تحجبك عن الله, إلا علاقة الزواج؛ هذه علاقةٌ يرضى الله عنها، هذه علاقة كلَّما تمتَّنت اقتربتَ من الله .
كانت هذه السيدة الجليلة تسأل النبي عليه الصلاة والسلام:

((كيف حبك لي؟ فكان عليه الصلاة والسلام يقول: كعقدة الحبل, فكنت أقول من حينٍ إلى آخر: يا رسول الله, كيف العقدة؟ فيقول عليه الصلاة والسلام: على حالها))
إذاً: أن تمتِّن علاقتك بزوجتك فهذا من منهج الله، أن ترحمها هذا من منهج الله، أن تحبها هذا من منهج الله .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5810/05.jpg
ولعلَّ الله سبحانه وتعالى حينما أعطى المرأة هذا الشكل المحبَّب، وهذه الوداعة، وهذا اللطف، وهذه الرقَّة, أراد منك أن تحبها الحب الذي يرضى الله عنك، الحب الذي يثمر أولاداً أطهاراً، الحب الذي يؤسِّس أسرةً، فالحب يتوهَّمه الناس فقط عند الكفار، فقط عند الفَسَقَة، الحب بأعلى مستوياته في رحاب الإيمان، وكان النبي عليه الصلاة والسلام يحب السيدة عائشة حباً شديداً، وهو أول حبٍ في الإسلام, حب مشروع, الإنسان حينما يبحث عن الحرام يشعر بالكآبة، يشعر بالخزي والعار .
امرأةٌ تعمل في الفن في فرنسا سألوها: ما شعوركِ وأنتِ على خشبة المسرح؟ قالت: شعور الخزي والعار، وهذا شعور كل أنثى تعرض مفاتنها على الجمهور، إن الحب يجب أن يبقى بين الزوجين, وفي غرفٍ مغلَّقة .
هذا الحب المشروع في الإسلام بينك وبين زوجتك، وكلما تمتَّنت العلاقة بينكما رضي الله عنكما .
هذه المرأة الصحابيَّة الجليلة التي كان ولدها على وشك الموت، فجاء زوجها في المساء، سألها عن حال الولد, فقالت:

((يا أبا طلحة إنه في أهدأ حال, وعنت أنه قد مات, لأنه هادئ، تزيَّنت له، وأصاب منها، وفي الصباح قالت له: لو أن الجيران أعاروك عاريةً ثـم استرجعوها منك، أتغضب؟ قال: لا, قالت: هكذا فعل الله معنا, أعطانا هذا الغلام ثم استردَّه, ثم ذكر أبو طلحة هذا الأمر للنبي عليه الصلاة والسلام، فقال عليه الصلاة والسلام:
((بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا))
[أخرجه أحمد في مسنده]
وقد تروي الكتب أنه تزوج, وأنجب عشرةً من الحُفَّاظ، هما أنجبا ولداً, وهذا الولد أنجب عشرة حفاظٍ لكتاب الله .
إذاً: ما من شيء أودعه الله عزَّ وجل في الإنسان إلا جعل له قناة نظيفة، في الإسلام ليس هناك حرمان، لكن أقدس حب أن تحب زوجتك .
مرَّة كنا في الجامعة أحد الأساتذة الكبار, أحيل إلى التقاعد، أقيمت له حفلةٌ كبيرةٌ جداً لوداعه, أنا أذكر أنه بعد أن سمع كلمات التكريم والوداع, قام وقال هذه الكلمة، قال: كل إنسانٍ لا يشعر بحاجةٍ إلى أن يُحِب، كما أنه لا يشعر بحاجةٍ إلى أن يُحَب، ليس من بني البشر .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5810/06.jpg
إذا كنت من بني البشر, يجب أن تشعر بحاجةٍ إلى أن تُحِب، وينبغي أن تشعر بحاجةٍ إلى أن تُحَب، ماذا نحب؟ نحب زوجاتنا، ونحب أولادنا, ونحب أعمالنا، ونحب الحقيقة ، وأعلى أنواع الحب: أن تحب الله جل جلاله، أي هذا أعلى حب، أي حبِ آخر يتناقص، أي حبٍ آخر ينقطع بالموت، لكن حب الله جلَّ جلاله أبديٌ سرمدي .
وتعليق سريع: الحب الذي ينشأ في الحرام يتناقص، والحب الذي ينشأ في رحاب الإيمان يتنامى، فإذا كنت مؤمناً فحبك لأهلك يتنامى .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5810/07.jpg
وقال ابن عباسٍ رضي الله عنهما لأم المؤمنين:

((كنتِ أحبَّ نساء النبي صلى الله عليـه وسلَّم إليه، ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يحب إلا طيِّباً .
-أي أن مقام النبي عليه الصلاة والسلام ماذا يليق به أن يحب؟ أيحب امرأةً لجمالها فقط؟ بل أن يحبها لكمالها، ولعلمها، ولخلقها، ولمحبتها لله عزَّ وجل، حب النبي مؤشِّر كبير جداً، هل يعقل أن يحب النبي إلا طيباً؟- .
وقال: هلكت قِلادتكِ بالأبواء, فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يلتقطها، وبعدها لم يجد ماءً للوضوء, فأنزل الله عزَّ وجل:

﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً﴾
[سورة النساء الآية: 43]
-وهذه الآية التي سمحت للمسلم بالتيمم- قال: كان بسببك وبركتك ما أنزل الله تعالى لهذه الأمة من الرخصة, وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات، فليس مسجدٍ يُذكر الله فيه إلا وشأنك يتلى فيه آناء الله وأطراف النهار .
-فهل من السهولة أن يذكر الله في كتابه الكريم، الذي نقرؤه متعبدين إلى أبد الآبدين, أن يذكر فيه اسم صحابي، أو أن ينوِّه القرآن بامرأةٍ في القرآن الكريم؟ .
قد يقول أحدكم: أي صحابي ذُكر اسمه في القرآن الكريم؟ صحابي واحد هو سيدنا زيد، لكن لماذا ذُكر اسمه؟ لأنه كان متبنَّى النبي عليه الصلاة والسلام، واسمه زيد بن محمد، فلما أراد الله عزَّ وجل أن يبطل هذه العادة, عادة التبني, وبدأ بالنبي عليه الصلاة والسلام، فخسر هذا الاسم زيد بن محمد، فعوَّضه الله خيراً من هذا, حين ذكر اسمه في القرآن، في كتاب الله يتلى إلى يوم القيامة، اسمه في القرآن الكريم, قال تعالى:

﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾
[سورة الأحزاب الآية: 37]
قالت: يا بن عباس, دعني منك, ومن تزكيتك، فو الله لوددت أني كنت نَسياً منسيا))

معنى ذلك: أن المخلص لا يلتفت إلى مديح الناس، ومديح الناس لا يملأ قلبه، المخلص يريد الله عزَّ وجل، أن يكون الله راضياً عنه، أما الناس فلا يعبأ كثيراً بمدحهم وبتوقيرهم .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5810/08.jpg
هناك مرض نفسي يصيب بعض الناس, وهو استجداء المديح, أي إذا أنت لم تمدحه فإنه يذكّرك بشيء من أجل أن تمدحه، إذا أنت لم تثنِ عليه يلفت نظرك لشيء، فإذا كان قد دعاك إلى طعام يسألك: أما أحببت الأكل؟ لتقول له: أعوذ بالله أكل ممتاز، الله يعطيك العافية, أو يسألك مثلاً: كيف كانت هذه المحاضرة؟ كيف وجدت هذا الدرس؟ ما رأيك بهذا الكتاب؟ إذا أنت لم تثنِ عليه, فقد يواجهك بمشكلة، هذا مرض اسمه: استجداء المديح .
أما الإنسان إذا كان مخلصاً لله عزَّ وجل, فإنه فوق هذا بكثير، دعك يا بن عباس من هذه التزكية, فو الله لوددت أني كنت نسياً منسيا .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5810/09.jpg
فالإنسان يحب أشياء ثلاثة؛ يحب بقاء وجوده: عن طريق الطعام والشراب، ويحب بقاء نوعه: عن طريق الزواج, ويحب بقاء ذكره: عن طريق تأكيد الذات، فكل واحد من بني البشر هكذا فُطِر؛ يحب أن يبقى ذكره، يحب أن يؤكِّد ذاته، يحب أن يكون له أهميةٌ كبيرة، لكن هذه الأشياء الثلاثة يمكن أن تحقق في الخير، فإذا قرأت القرآن، وتعلَّمت القرآن، وعلَّمت القرآن، واقتربت من الواحد الديَّان, يرفع الله ذِكرك, قال تعالى:

﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[سورة الشرح الآية: 1-4]
وكل مؤمن له من هذه الآية نصيب, قال تعالى:
﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾
[سورة الشرح الآية: 4]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5810/10.jpg
أنت بالطعام والشراب تحافظ على وجودك، وبالزواج تحافظ على نوعك، وبالعمل الصالح، ومعرفة الله، والاستقامة على أمره, يرفع الله لك ذكرك بين الناس، دون أن يكون هذا الرفع بطريقٍ غير مشروع .
عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها قالت:

((رأيتك يا رسول الله واضعاً يدك على معرِفة فرسٍ, -أي على عرف الفرس- وأنت قائمٌ تكلِّم دِحْيَةَ الكَلبي, فقال عليه الصلاة والسلام: أوقد رأيته؟ قالت: نعم, قال : فإنه جبريل وهو يقرئكِ السلام .
-أحياناً إنسان يمدحه عِلية القوم, فيزهو بهذا المديح، وأحياناً يمدحه الساقطون والساقطات، وهذا مديحٌ لا قيمة له، فالعبرة من الذي يمدحك؟ من الذي أنت عنده كبير؟ من الذي ترقى عنده؟ المؤمن له عند الله مقعد صدق, قال تعالى:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
[سورة القمر الآية: 54-55]
فلما قال لها: وهو يقرئك السلام, قالت: وعليه السلام, ورحمة الله, وجزاه الله خيراً من زائر، فنعم الصاحب, ونعم الداخل))
ماذا عن زهد عائشة وإنفاقها في سبيل الله ؟
أما زهد هذه السيدة الجليلة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم: فعن القاسم بن محمد قال:
((كانت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها, تصوم حتى يزلقها الصوم))
أي يجهدها.
وعن ابن المنكدر, عن أم ذَرَّ, وكانت صاحبة عائشة، قالت:

((بعث إليها بمالٍ أراه ثمانين أو مئة ألفٍ, فدعت بطبقٍ، وهي يومئذٍ صائمة, فجلست تقسم بين الناس، فأمست وما عندها من ذلك درهمٌ واحد .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5810/11.jpg
-أهل بيت النبي على شاكلة النبي، أهل بيت النبي جزءٌ من الدعوة، فالناس لا يصدقونك إذا كنت أنت في واد, وأهلك في وادٍ آخر, ولم تهتم بتربيتهم، أهل بيت النبي جزءٌ من الدعــوة، وهناك سؤال كبير: إذا لم تستطع أن تربي أهلك, هذا المنهج غير واقعي، وإن كان بالإمكان أن تفعل فلم تفعل, فأنت مقصِّر، فما جوابك؟ ما من جواب، لذلك:

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 33 ]
تولَّى الله بنفسه تطهير أهل بيت النبي, لأنهم جزءٌ من الدعوة، أنت متى تثق بإنسان؟ إن رأيته في حياته الخاصة مستقيماً، إن رأيته يقول ما يفعل، ويفعل ما يقول، فإذا لم تكن هناك مسافة أبداً بين القول والعمل ترقى بذلك، لذلك يعد أهل بيت النبي جزءاً من الدعوة إلى الله، إذا كان هناك تقصير أو خلل, فالدعوة عرجت -.
فلما أمست قالت: يا جارية أين فطوري؟ فجاءتها بخبزٍ وزيت، مئة ألف وزَّعتها وهي صائمة، ولم تبقِ منها شيئاً، فجاءت بخبزٍ وزيت، قالت لها أم ذر: أما استطعت مما قسمت اليوم, أن تشتري لنا لحماً بدرهمٍ, نفطر عليه؟))

قال تعالى:
﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾
[سورة الحشر الآية: 9]
وقال عروة:
((لقد رأيت عائشة رضي الله عنها تقسم سبعين ألفاً, وإنها لترقع جيب دِرعها))
النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((يا عائشة, إِذَا أَرَدْتِ اللُّحُوقَ بِي, فَلْيَكْفِكِ مِنَ الدُّنْيَا كَزَادِ الرَّاكِبِ, وَإِيَّاكِ وَمُجَالَسَةَ الأَغْنِيَاءِ, وَلا تَسْتَخْلِقِي ثَوْبًا حَتَّى تُرَقِّعِيهِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
وعن عروة أيضاً:
((أن معاوية بعث إلى عائشة رضي الله عنها بمئة ألفٍ، فو الله ما غابت الشمس عن ذلك اليوم حتى فرَّقتها، قالت لها مولاتها: لو اشتريت لنا من هذه الدراهم بدرهمٍ لحماً, قالت: لو قلتِ قبل أن أفرِّقها لفعلت))
هذا من زهد هذه السيدة, طبعاً من النادر أن ترى امرأةً زاهدة، بل إن شأن النساء أن يحمِلن أزواجهن على ما لا يطيقون، لذلك حين قال الله عزَّ وجل:
﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾
[سورة التغابن الآية: 14]
قال علماء التفسير: هذه عداوة مآل وليست عداوة حال, بمعنى أن الرجل حينما يأتيه ملك الموت، ويستحق العذاب على ما أكل من أموالٍ حرام، وأن زوجته كانت هي السبب, دفعته إلى أكل المال الحرام، عندئذٍ تنشأ عداوةٌ متأخِّرة بينه وبين زوجته، لولاها لما كان في النار، لذلك: أعظم النساء بركةً على زوجها أقلَّهنً مؤنةً .
أعظم امرأةٍ هي التي لا تكلِّف زوجها ما لا يطيق، لا تحمله على معصية، لا تحمله أن يجهد في كسب الرِزق، لا تحمله على أن يأكل مالاً حراماً، هذه هي المرأة الصالحة، لا التي تضغط على زوجها, حتى يهيِّئ لها مسكناً فخماً، وأثاثاً راقياً تتباهى به، وزوجها يتقلَّب في النار، لا .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5810/12.jpg
زوجة طلبت من زوجها بعض الأشياء الغالية, فقال لها: أيتها المرأة إن في الجنة من الحور العين ما لو أطلت إحداهن على الأرض, لغلب نور وجهها ضوء الشمس والقمر، فلأن أضحي بكِ من أجلهن أهون من أن أضحي بهنَّ من أجلك .
المؤمن لا يستجيب لطلبٍ يغضب الله، أو يبعده عن الله .
عن عبد الرحمن بن القاسم أنه قال: أهدى معاوية لعائشة ثياباً وورِقاً,أي فضةً, وأشياء توضع في أسطوانتها, الأسطوانة خزانة الثياب, فلما خرجت عائشة, نظرت إليه فبكت, ثم قالت: لكن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم لم يكن يجد هذا، ثم فرّقته ولم يبقَ منه شيء, وعندها ضيف، فلما أفطرت، وكانت تصوم من بعد رسول الله، أفطرت على خبزٍ وزيت، فقالت المرأة: يا أم المؤمنين, لو أمرتِ بدرهمٍ من الذي أهدي إليكِ, فاشتري لنا به لحماً فنأكله ، فقالت عائشة رضي الله عنها: كلي فو الله ما بقي عندنا منه شيء, هكذا إنفاقها، وهكذا زهدها .
فالنساء في زماننا, يبالغن في تزيين البيت، فيأتي ملك الموت، فيذهبن إلى الآخرة صَفِرات اليدين .

مكانتها العلمية :
روى هشام بن عروة عن أبيه, قال:
((ما رأيت أحداً من الناس أعلم بالقرآن، ولا بفريضةٍ، ولا بحلالٍ وحرام، ولا بشعرٍ، ولا بحديثٍ، ولا بنسبٍ, من عائشة رضي الله عنها))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5810/13.jpg
كانت متفوقةً في هذه العلوم، والحقيقة بيني وبينكم: ليس في المرأة شيءٌ أروع من أن تكون عالمة، جمعت المَجد من كــل أطرافه، هي محبَّبة، ومؤنسة، وغالية، ورقيقة، فإذا كانت عالمة، فقيهة، تحفظ كتاب الله، تعرف الحق من الباطل، الحلال من الحرام، الخير من الشر، ما ينبغي وما لا ينبغي، تربي أولادها تربيةً راقية، لذلك إذا علَّمت فتاةً علَّمت أسرةً .
فأنا لا أكتمكم أن في جامعنا عدداً كبيراً من أخوةٍ كرام, سبب هدايتهم زوجاتهم اللواتي عرفن الله قبل الزواج، فحملن أزواجهن على طاعة الله، وهذه نعمةٌ كبرى، وليس في المرأة شيءٌ أبشع من الجَهل، وليس شيءٌ في المرأة أبشع من أن تتباهى بما عندها، وما عند زوجها، وتكسر قلب أقرانها، وتستعلي عليهنَّ, شيطانة ولو أنها تدَّعي أنها مسلمة.
كان عروة يقول:

(( يا أماه, كيف أعجب من فقهك؛ إنك زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وابنة أبي بكر؟!))
أي لا يليق بالإنسان أن يكون هو عالم وزوجته جاهلة، هو في أعلى درجة من العلم ، وزوجته في أدنى درجة من الجهل .
حدثني أخ فقال لي: رجل عنده مكتبة قيمة جداً، وعنده كتاب نادر، رجوناه رجاءً حاراً أن نستعيره منه ليلةً واحدة, فلم يرضَ أبداً, أقسم بالله بعد موته, أنه رأى الكتاب في حاوية القمامة .
أحياناً تجد الزوج متعلِّماً, وعنده مكتبة قيِّمة، وله زوجة لا ترى هذه الكتب إلا عبئاً, يجب أن يلقى في سلة المهملات, جاهلة، فالحقيقة الرائعة: أن الإنسان جميل أن يكون له زوجة، وتكون زوجته رفيقته، وإذا كان هو متعلِّماً، ويطلب العلم الشرعي، وزوجته كذلك، تصبح إضافةً إلى أنها زوجته, فهي رفيقته .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5810/14.jpg
فأنت لاحظ نفسك، تجلس مع أخ مؤمن ساعتين, أو ثلاثاً, أو أربعاً, أو خمساً, فلا تمل منه، لماذا؟ لأنه على شاكلتك, يقدِّر ما تقدِّر، يحب ما تحب، يعظِّم ما تعظِّم، يكره ما تكره ، بينكما انسجام، ومن الممكن أن تجلس مع إنسان عشر ساعات, ولا تمل من حديثه، إذا كان على شاكلتك، وكان في مستوى ثقافتك، في مستوى إيمانك، في مستوى تفكيرك، في مستوى قيَمك، ولكن إنساناً آخر قد لا تستطيع أن تحدثه كلمة واحدة، قد لا تستطيع أن تجلس معه ولا ربع ساعة، فما من قواسم مشتركة بينكما .
فالإنسان إذا تزوج، فهذه الزوجة يعرفها كلياً بعد حين، انتهت أيام الخطبة، ويمكن أن تكون المكالمة ثلاث ساعات حين الخطبة، لكن بعد سنتين انتهى كل هذا، فإن لم تكن هذه الزوجة على شاكلة زوجها، فلن تكون محببةً إليه، لذلك اهتم أيها المؤمن بتعليم زوجتك العلم الشرعي، كي تغدو رفيقةً لك, فضلاً عن أنها زوجةً لك، كما أنها عالمة .
وقد عجب منها بعض الصحابة حينما علموا أنها كانت عالمةً بالطب .
قالت:

((إن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كان يسقم في آخر عمره, فكانت تقدم عليه الوفود من كل وجهٍ، فتنعت له, -أي تصف له الأدوية- فكنت أعالجه، فمن ثمَّ علمت أساليب الطب))
فكانت بارعةً بالطب .
وقال أبو موسى:

((ما أشكل علينا أمرٌ, فسألنا عنه عائشة، إلا وجدنا عندها فيه علماً))
وقال بعض العلماء:
((لو اجتمع علم عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين، وعلم جميع النساء، لكان علم عائشة أفضل))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5810/15.jpg
فالنبي اللهمَّ صلِّ عليه, علَّمنا أن نقدِّر زوجاتنا، هل تصدِّقون أنه استشار أم سلمة في موقفٍ عصيب في صلح الحديبية, وأشارت عليه أن يتحلَّل هو من إحرامه, وأن يحلق، فيقلِّده الصحابة عندئذ؟ وهذا الذي حصل، لذلك قال تعالى في معرض ذكر النساء:

﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾
[ سورة الطلاق الآية: 6]
تناصحوا ليأمر كلٌ منكم الطرف الآخر بما هو خير، أي تأمرها وتأمرك، تنصحها وتنصحك .
وقال أبو الزناد:

((ما رأيت أحداً أروى للشعر من عروة، فقيل له: ما أرواك؟ قال: روايتي من عائشة))
وقال عطاء بن رباح:
((كانت عائشة أفقه الناس، وأعلم الناس، وأحسن الناس رأياً في العامَّة))
وقال مسروق:
((رأيت مشيخة أصحاب رسول الله الأكابر, يسألونها عن الفرائض))
من خصوصيات السيدة عائشة :
ما الأمور التي امتازت بها عائشة رضي الله عنها؟ .
قالت عائشة:

((فضِّلت بعشرٍ، فذكرت من هذه العشر؛ مجيء جبريل بصوتها, -أي أن جبريل جاء بصوتها, لأن صوتها يؤنس رسول الله صلى الله عليه وسلَّم- ولم ينكح بكراً, ولا امرأة, أبواها مهاجران غيري, وأنزل الله براءتي من السماء، وكان عليه الصلاة والسلام ينزل عليه الوحي وهو معي، وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه, وقُبض بين سَحْري ونحري في بيتي, وفي ليلتي، ودفن في بيتي))
هذا مما اختصت به هذه السيدة الجليلة .

من افتراءات أعداء الإسلام في التاريخ :
نحن في تاريخنا الإسلامي موقعة اسمها: موقعة الجمل, والسيدة عائشة كانت طرفاً فيها، وهناك أقوال كثيرة ما أنزل الله بها من سلطان، هناك افتراءاتٌ عديدة، هناك مبالغاتٌ سخيفة، لكن فيْصل هذا الموضوع ما ورد:
أن قتلة عثمان رضي الله عنه خافوا أن يتفق عليٌ رضي الله عنه مع طلحة والزبيـــر وعائشة على إمساك القتلة، فحملوا على عسكر طلحة، فَظَنَّوا أن علياً حمل عليه ، فحملوا دفاعاً عن أنفسهم، فظن عليٌ أنهم حملوا عليه، فحمل دفاعاً عن نفسه .
هذان السطران لهما قيمةٌ كبيرة جداً في التاريخ، وهذا يحدث دائماً بين فريقين، يأتي فريق ثالث يضرب هؤلاء ويضرب هؤلاء، يظن هؤلاء أن هؤلاء حملوا عليهم، فيدافعوا عن أنفسهم، ويظن هؤلاء أن هؤلاء حملوا عليهم، فيدافعوا عن أنفسهم, والفريقان بريئون جداً من نيَّة القتل ونية الفتنة، وهذا الذي حدث، معركة الجمل حجمها صغيرٌ جداً، أعداء الإسلام كبَّروها جداً، وأضافوا عليها ما ليس منها، أرادوا تشويه سمعة المسلمين .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5810/16.jpg
أي جرى سوء تفاهم، والأطراف كلهم اجتهدوا، والمجتهد له أجرٌ إذا أخطأ، لكن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا .
معركة الجمل وقعت, ولكن حجمها الحقيقي أقل بألف مرة من حجمها الذي في الكُتُب، لأن أعداء الدين يريدون أن يشوِّهوا سمعة الصدر الأول من الإسلام، وهذه الحقيقة, قال تعالى:

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 7]
اسألوا علماء التاريخ، اسألوا المحققين، اسألوا المُنصفين، اسألوا الذين محَّصوا هـذه الروايات، أكثرها مبالغٌ فيه, وما أنزل الله به من سلطان .
كان عليٌ كرَّم الله وجهه يوقِّر أم المؤمنين عائشة، ويجلُّها، وكان دائماً يُذِّكر بمقامها السامي الكريم .
وقد قال عمَّار بن ياسر: سمعت علياً كرَّم الله وجهه يقول على المنبر: إنها لزوجة نبينا صلى الله عليه وسلَّم في الدنيا والآخرة, ويعني عائشة, وكانت عائشة تجلُّ علياً وتوقِّره.
وكل ما كان بين الصحابة من الخلاف, لم يكن سبباً للعداوة، والكراهية، والبغضاء فيما بينهم، بل كانت نتيجة اجتهاداتٍ قد أعذر الله بعضهم بعضاً، رضي الله تعالى عنهم جميعاً, وحشرنا في زمرتهم .
لا يليق بممرِّض أن يقيِّم طبيبين كبيرين, اختلفا في وجهات النظر، لا يليق بجنديٍ غِر أن يقيَّم قائدي جيشين, اختلفا في وجهات النظر، فنحن لسنا أهلاً أن نقيِّم الفريقين، قال عليه الصلاة والسلام: إذا ذُكِرَ أصحابي فأمسكوا .
موقعة الجمل حجمها صغيرٌ جداً جداً، بالغ بها أعداء الإسلام، ضخَّموها تضخيماً غير معقول، وأصل هذا التضخيم أن فريقاً ثالثاً لعب دور الفتنة .
أنا سمعت عن حرب أهليَّة -انتهت والحمد لله- في بلد مجاور سنوات طويلة، كلَّما وقِّعت هدنةٌ بين الفريقين, جاء فريق ثالث وضرب الفريقين، فتشتعل وهكذا، فهذا أسلوب قذر وقديم، فريقٌ ثالث ليس في صالحه أن يتفق الفريقان، فكلَّما عُقدت هدنةٌ بينهما ضرب الأول وضرب الثاني، يظن الأول أن الثاني نقض العهد فيحمل عليه، والأول كذلك .
فإذا أردت أن تعطي تفسيراً دقيقاً جامعاً مانعاً لهذه الموقعة: فهذا هو حجمها، فريقٌ منحرفٌ هجينٌ, أراد أن يوقع الفتنة بين الفريقين، والإنسان محاسبٌ على نيَّته، واجتهاده إذا أخطأ فيه, فله أجر .

الخاتمة :
وفي درسٍ قادمٍ إن شاء الله, ننتقل إلى أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنها .

السعيد 09-04-2018 09:05 AM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( السادس )


الموضوع :حفصة بنت سيدنا عمر ابن الخطاب


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
متى ولدت السيدة حفصة بنت عمر بن الخطاب, ومتى تزوجها النبي, وعمن روت, ومتى توفيت؟
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الرابع عشر من دروس سير الصحابيَّات الجليلات رضوان الله تعالى عنهم أجمعين، ومع أهل بيت النبي، ومع نساء النبي، ومع الزوجة الرابعة، من زوجات النبي عليه الصلاة والسلام، وهي أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطَّاب .
هي صوامةٌ, قوَّامة, لوامة، وارثة الصحيفة الجامعة لكتاب الله عزَّ وجل، أودعت في بيتها، هي حفصة بنت أمير المؤمنين عمر بن الخطّاب، ولدت قبل البعثة بخمسة أعوام، وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلَّم بعد ثلاث سنوات من الهجرة، بعد عائشة، وروت عن النبي صلى الله عليه وسلم, وعن أبيها، وروى عنها أخوها عبد الله بن عمر أحاديث كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال:
((إن الله اختارني، واختار لي أصحابي))
وأهل بيت النبي جزءٌ من الدعوة، فلذلك الزوجة التي اختارها الله, لتكون زوجة رسول الله, هذه ستنقل عنه، وكلام النبي شرع، النبي مشرعٌ في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، فأخطر إنسانٍ في حياته, هو الذي يروي عنه، لأن الذي يُروى عنه شرع نتعبد الله به إلى يوم القيامة .
فلذلك حينما تزوج النبي عليه الصلاة والسلام امرأةً، وقد قيل لها إذا دخل عليكِ قولي: أعوذ بالله منك، -لم تستعمل عقلها، لم تفكر فيما تقول- فلما دخل عليها النبي عليه الصلاة والسلام، قالت: أعوذ بالله منك, قال:
((الْحَقِي بِأَهْلِكِ))
[أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح]
لماذا؟ لأنها ستروي عنه، أين عقلها؟ أين إدراكها؟ أين حكمتها؟ أيقال للنبي عليه الصلاة والسلام أعوذ بالله منك؟ فلذلك زوجات النبي ينبغي أن يكُن في أعلى مستوى، لأنهن سينقلن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقواله, ويتحدثن عن أفعاله, وعن إقراره، وهذا كله شرعٌ نعبد الله به .
فهذه حفصة رضي الله عنها بنت عمر بن الخطاب عملاق الإسلام، توفيت أول ما بويع معاوية بالخلافة، أي ولادتها قبل البعثة بخمس سنوات، ووفاتها عند بيعة معاوية بن أبي سفيان .
من هو زوجها السابق, وكيف كانت وفاته, وما هي الغزوات التي شهدها هذا الصحابي, وكم كان عمر السيدة حفصة حينما توفي زوجها الأول؟
أيها الأخوة, كان النبي عليه الصلاة والسلام قد تزوجها بعد انقضاء عدتها، من زوجها المهاجر خُنيس بن حذافة السهمي، الذي توفي من آثار جراحةٍ, أصابته يوم أُحد، وكان رضي الله عنه من السابقين في الإسلام، هاجر إلى أرض الحبشة, فراراً بدينه، وعاد إلى المدينة، وهاجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تأييداً له ونصراً، هذا زوج حفصة السابق .
الحقيقة هذه الصحابية الجليلة, كانت زوجةً صالحة، ولا تنسوا أن الدنيا كلها متاع, وخير متاعها المرأة الصالحة، التي إذا نظرت إليها سرَّتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك، ودودةٌ ستِّيرة، هكذا قال عليه الصلاة والسلام .
فكانت حفصة زوجةٌ صالحةً للصحابي الجليل، وأن تكون الزوجة صالحة يكفيها هذا لدخول الجنة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام, قال:
((انصرفي أيتها المرأة, وأعلمي من وراءك من النساء, أن حسن تبعل إحداكن لزوجها, وطلبها مرضاته, واتباعها موافقته, يعدل ذلك كله))
والجهاد كما تعلمون ذروة سنام الإسلام، فالمرأة التي تتعهد أمر زوجها وأولادها, هي امرأةٌ تستحق دخول الجنة، ودين المرأة يسير, إذا صلَّت خمسها، وصامت شهرها، وأطاعت زوجها، وحفظت نفسها، دخلت جنة ربها .
هذا خُنيس رضي الله عنه من أصحاب الهجرتين، هاجر إلى الحبشة كما قلت قبل قليل فراراً بدينه، وهاجر إلى المدينة نصرةً لنبيِّه عليه الصلاة والسلام، شهد بدراً، وهؤلاء الذين شهدوا بدراً, النبي عليه الصلاة ولسلام أثنى عليهم ثناءً كبيراً:
((اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ))
[أخرجه البخاري عن علي في الصحيح]
لأنهم نصروا هذا الدين، الإنسان أحياناً إما أن يستفيد من الدين، وإما أن يُفيد الدين، إما أن يكون محمولاً، وإما أن يكون حاملاً، إما أن يكون إيجابياً، وإما أن يكون سلبياً، إما أن يأخذ، وإما أن يعطي، هؤلاء الذين يعطون؛ من وقتهم، وجهدهم، ومالهم، وأرواحهم، هؤلاء لهم حسابٌ آخر، هؤلاء الذين يحملون، هؤلاء الذي يفتحون، هؤلاء الذين يُعطون كل ما آتاهم الله عز وجل في سبيل نصر هذا الدين، هؤلاء ليسوا سواءً مع المنتفعين، فهذا الصحابي الجليل شهد بدراً, قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾
[سورة آل عمران الآية: 123]
ضعاف، ليس عندهم سلاح، ولا مال، ولا تجمُّعات، لأنهم افتقروا إلى الله عز وجل نصرهم، ثم شهد أحداً، فأصابته جراحةٌ, توفي على أثرها، وترك من ورائه زوجةً, هي حفصة بنت عمر, شابةٌ في ريعان الشباب، فترمَّلت ولها عشرون عاماً .

كيف كانت حالة سيدنا عمر حينما توفي زوج ابنته, وماذا فعل حينما تطاولت الأيام على ابنته ولم يأتها خاطب, وما هي البشرى التي زفت لسيدنا عمر ولابنته ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5583/02.jpg
أيها الأخوة, تألم عمر أشد الألم، الإنسان لا يعرف مكانة الولد ذكراً كان أو أثنى إلا إذا كان أباً، والله سبحانه وتعالى كأنني أتصور أنه أرادنا أن نعرفه من خلال نظام الأبوَّة، ما هذا الأب؟ كله رحمة، كله حرص، كله عطف، كله اهتمام بأولاده، فالأب أب، لما توفي زوجها وترمَّلت تألم أشد الألم، اسأل الآباء: ما الذي يسعدهم؟ أن يروا أولادهم بخير، لو أعطيته ملء الدنيا ذهباً لا يساوي أن يكون ابنه قرة عينٍ له .
أحياناً الإنسان يرى أولاده بخير على استقامة، يرى بناته بخير على تفاهم مع أزواجهم، هذه الدنيا كلها للأب، لذلك ربنا عز وجل جعل مكافأة الأب الذي يربي أولاده مكافأةً عجالةً قبل مكافأة الآخرة, قال تعالى:
﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾
[سورة الفرقان الآية: 74]
فأحياناً أقول لبعض الآباء: هذا ابنك الصالح، والله إن أموال الدنيا كلها لا تعدله، لأنها سيخلفك من بعدك، وكل أعماله في صحيفتك .
لذلك الإنسان عليه أن يعتني بأولاده عناية لا حدود لها، لأنهم استمرار له، وأنا أذَكِّر الشباب، أنا أقف وقفة متأنية، كل إنسان أحياناً يتفاعل مع الحياة، في نهاية المطاف, يستنبط حقائق ، يستنبط حكم، يستنبط أشياء مهمة جداً، لو شققت على صدره, يقول لك: لا أتمنى إلا شيئاً واحداً أن أعود شاباً لأستفيد من هذه الخبرات .
الآن إذا شاب في مقتبل عمره, سمع من رجل خلاصة تجاربه هذه الحقائق، شيء ثمين جداً, معاناة أربعين سنة, تقدم لك في كلمة، هذه الحكمة، تجارب إنسانية مكثَّفة جداً، تستفيد منها، فما أروع الشاب الذي يستفيد من خبرة الشيوخ، وما أروع الشيخ الذي فيه توقُّد حماس الشباب، الشاب والشيخ يتكاملان، أعني بالشيخ الكبير بالسن، هذا الكبير في السن, يملك حكم، خبرات، عارك الحياة، وتفاعل مع الحياة، واستنبط حقائق، هي كلمات، تضغط في كلمات، لكنها تعبر عن تجارب سنوات وسنوات، فالشاب الموفق، إن استمع من إنسان مخلص، أي أنه خبر الحياة, وخبر حقائق الأمور، افعل كذا ولا تفعل .
أنا أقول لكم: الشاب إذا كان أقبل على الزواج، لا شيء يسعده في الدنيا, كأن تكون زوجته وأولاده قرة عين الله، وهذا يحتاج إلى جهد كبير .
سيدنا عمر تألَّم أشد الألم، لأن ابنته في ريعان الشباب ترمَّلت, ولها عشرون عاماً, وأوجعه أن يرى ملامح الترمُّل تغتال شبابه .
النبي أذاقه الله كل شيء، أذاقه تطليق بناته، أذاقه موت الولد، أذاقه الهجرة، فسيدنا عمر أذاقه الله ترمل ابنته، وأصبح يشعر بانقباضٍ في نفسه, كلما رأى ابنته الشابة, تعاني من عُزلة الترمل، لأن هذه المرأة وهذا الرجل صمما على الزواج، الزوج يسكن إلى زوجته، والزوجة تسكن إلى زوجها، يتألفان، يأنسان ببعضهما، فلذلك تألم سيدنا عمر، وهي التي كانت في حياة زوجها, تنعُم بالسعادة الزوجية .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5583/03.jpg
بالمناسبة هناك من يتوهَّم أن السعادة الزوجية بالمال، المودة التي بين الزوجين سبب السعادة الزوجية، لو أطعمها أخشن الطعام، لو أسكنها بأصغر بيت، العبرة أن تكون هناك المودة والحب، مع الحب يغدو الطعام الخشن طيباً، ومع الحب يغدو البيت الضيق واسعاً، ومع النَكَد والبُغض, يغدو البيت الكبير كوخاً, والطعام الطيب خشناً .
أخذ يفكِّر بعد انقضاء عدتها في أمرها؛ من سيكون زوجاً لابنته؟ الآن معظم الآباء يقلقهم شيءٌ واحد، أن يكون أبنائهم وبناتهم في حالة طيبة، فسعيهم لتزويج بناتهم، وتزويج أولادهم, هذا عمل طيِّب، وكنت أقول لكم: الأبوة الصالحة سبب للجنة، والبنوة الصالحة سبب للجنة، والأمومة الصالحة سبب للجنة .
ومرت الأيام متتابعة، وما من خاطبٍ لها، أحياناً الإنسان ابنته، سبعة عشر، ثمانية عشر، تسعة عشر، عشرون، واحد وعشرون، اثنان وعشرون، أربعة وعشرون، ستة وعشرون, ولا يوجد ولا خاطب، يصير هناك قلق شديد، قد يتوهم أنها فاتها قطار الزواج، ثم يأتي زوجٌ يجبر كسرها, ويسكن روعها, ويملأها سعادةً، فالإنسان ليستسلم لأمر الله عز وجل ولا يلِج.
مرت الأيام متتابعة, وما من خاطبٍ لها، وهو غير عالمٍ بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخذت من اهتمامه، فأسر إلى أبي بكر الصديق أنه يريد أن يُخَطِّبَها، على علاقةٍ متينةٍ جداً، كل الأخ بالمسجد له أخ قريب منه كثير، قريب من عقليته، من أخلاقه، من قيمه، من متانة إيمانه، وأنا أتمنى على كل أخ في المسجد, أن يؤاخي أخاً في لله، يتفقده، يعاونه، يسأله، يستشيره، يأخذ بيده، يعاونه أحياناً، الأخ في الله أثمن شيءٍ في الوجود، والمؤمن لا يعيش وحده في الحياة .
علماء النفس يقولون: إذا الإنسان تكلم عن همه يرتاح، أحد أنواع المعالجات يجلس عالم النفس، أو الطبيب النفسي إلى المريض, يقول: حدثني, لمجرد أن يتكلَّم المريض يرتاح، فالبوح, هذا يسمى بوح, إذا الإنسان يثق بشخص, وشكا له همه، وضع سليم جداً, حتى إنه قيل: من اشتكى إلى مؤمنٍ, فكأنما اشتكى إلى الله، ومن اشتكى إلى كافرٍ, فكأنما اشتكى على الله, إذا الإنسان له صديق حميم، مخلص، واعي، كتوم، وبثه مشكلته يرتاح .
في شيء ثاني: الإنسان إذا عانى من مشكلة, هو تحت ضغط شديد، هذا الضغط الشديد يحجب عنه الرؤية الصحيحة، لو شكا همه لأخ مؤمن، هذا الأخ المؤمن لا يخضع لهذا الضغط الشديد، رؤيته صحيحة، فقد يشير عليك موقفاً لا تعرفه أنت، قد يشير عليك موقف غاب عن ذهنك، لذلك الله عز وجل أمر النبي وهو سيد الخلق أن يشاور أصحابه, قال تعالى:
﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 159]
أنا أقول: أن كل أخٍ من أخواننا, أتمنى عليه أن يصطفي من أخوانه واحداً, يثق بإخلاصه، ورجاحة عقله، وحكمته، وليبثًّه شكواه، أحياناً تأتي نصيحة رائعة جداً، يأتي رأي سديد ، يأتي توجيه ما خطر في باله إطلاقاً، لذلك الجماعة رحمة والفرقة عذاب،
((فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِد,ِ وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ أَبْعَد))
[أخرجه أحمد في مسنده]
إن أنت استشرت الرجال استعرت عقولهم، إنسان عنده عقل راجح، حكمة بالغة، خبرات متراكمة بالحياة, اسأله، والعباقرة دائماً, والموفقون في حياتهم, يستشيرون، استشر، فلذلك ورد عن النبي الكريم أنه:
((ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5583/04.jpg
الاستخارة لله، والاستشارة لأولي الخبرة من المؤمنين، عوِّد نفسك أستخير الله، وأستشير أصحاب الخبرة من المؤمنين قبل أن أُقدم على أي عمل .
ولما تطاولت الأيام عليه, وابنته الشابة الأيم التي يؤلمها الترمُّل عرضها، نحن في حياتنا عار كبير, أنْ يعرض الإنسان ابنته على الزواج، مع أن سيدنا شعيب, قال لسيدنا موسى:
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾
[سورة القصص الآية: 27]
فهذا من السنة، لكن عاداتنا لا تسمح بذلك، عادتنا عار أن تعرض ابنتك على شاب، مباشرةً يتوهَّم أنها كاسدة، أو فيها عيب، أو فيها مشكلة، قال تعالى:
﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾
[سورة القصص الآية: 27]
فنشأ من تفاعل الإسلام مع التقاليد والعادات والأمم الأخرى، نشأ عادات وتقاليد جديدة ليست من الإسلام في شيء، فمثلاً: ما قولكم أن تقول امرأةٌ لزوجها: افعل ما تشاء، ولكن إياك أن تتزوج عليَّ؟ تسمح له بالزنا، ولا تقبل أن يكون لها ضرة، هل هذه مسلمة بالمعنى الدقيق؟.
مرة استمعت إلى برنامج يسألون عالمة في مصر عن رأيها في التعدد، وهي امرأة، قالت: ليس لي رأيٌ في هذا إطلاقاً، لأن الله سمح به، هذا أقوى جواب .
ولما تطاولت الأيام عليه، وعلى ابنته الشابة المترملة, عرضها على أبي بكر، فلم يجبه بشيء، وعرضها على عثمان, فقال: (بدا لي اليوم ألا أتزوج)، فوجد عليهما, أي حمل عليهما بنفسه، وشكا حاله إلى النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله, عرضت ابنتي على أبي بكر فرفض، وعلى عثمان فرفض، فقال النبي الكريم:
((يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هو خيرٌ من حفصة))
وهو لا يدري ما يعنيه قول النبي, ثم خطبها النبي عليه الصلاة والسلام، فزوجه عمر رضي الله عنه ابنته حفصة، ونال شرف مصاهرة النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يرى أنه قد قارب المنزلة التي بلغها أبو بكر، أبو بكر زوجه ابنته، وعمر زوجه ابنته، وهذا شرف لا يدانيه شرف، أن الإنسان يكون صهرًا للنبي، أو يكون النبي صهره .
تحققت فرحة عمر وابنته حفصة، وبارك الصحابة يد رسول الله صلى الله عليه وسلَّم, وهي تمتد لتكرِّم عمر بن الخطاب بشرف المصاهرة منه عليه الصلاة والسلام، ومسحت حفصة آلام الترمُّل، وجبر الله كسرها .
ما سبب إعراض أبي بكر عن زواج حفصة, وهل اعتذر لعمر بشأن ذلك, وماذا نستنبط من هذا الموقف ؟
الآن لقي عمر أبا بكر، تعودوا مهما بدا لك الشيء غير معقول، وفي إساءة، التمس لأخيك عذراً، فلما التقى سيدنا عمر بسيدنا أبي بكر, اعتذر أبو بكرٍ, وقال:
((لا تجد عليه يا أبا حفصة، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ذكر حفصة، فلم أكن لأُفشي سره، ولو تركها لتزوجتها))
لماذا لم يجبه؟ لأن الرسول ذكر حفصة أمامه، خاف الأمر لا يتم، فظل ساكتاً، غير معقول أن يطلبها، قال له: أَكَدَ .
هذا الشيء مهم، إذا أنت حملت على أخيك, التمس له عذر، هو موقفه الصحيح, يبين لك، سيدنا عمر عرض ابنته على سيدنا الصديق لم يجبه، فتألم، سيدنا الصديق سمع من النبي أنه يريد الزواج من حفصة، لكن النبي أسر له سر، هذا السر لا يفشى، وأخطر شيء في خطبة، أخفوا الخطبة, وأعلنوا النكاح، هذه السنة، فسكت سيدنا الصديق, إذا أجابه خان رسول الله، وإذا أفشى سر النبي, أخطأ خطأ كبير، فسكت، كم من مرة الإنسان يحمل على أخيه, ولو عرف الحقيقة, لذاب خجلاً منه، لذلك النبي علمنا:
((التمس لأخيك عذراً، ولو سبعين مرة))
سبعين مرة التمس له عذر، مرة قلت لكم: أن سيدنا رسول الله قبل معركة بدر, قال:
((لا تقتلوا عمي العباس))
فالعباس بمكة، مشرك، صحابي جليل, فكر ملياً، هذا عمه، لأنه تعصب, فقال: أحدنا يقتل أباه وأخاه, وينهانا عن قتل عمه .
طبعاً أنا ذكرت قصة في خطبة قبل أسبوعين, أن سيدنا العباس خلاف ما يتوهَّم البعض، سيدنا العباس كان مسلماً، وكان عين النبي، والدليل: لما الحجاج بن علاق السلمي أشاع في مكة أن سيدنا محمد أُسر، وسيؤتى به إلى مكة ليقتل, شلت حركته، وأرسل إلى الحجاج قائلاً: إن الله أجل وأكرم من أن يكون هذا الخبر صحيحاً .
هذا يؤكد إسلامه, وهو في مكة، فلما كُشفت الحقيقة، سيدنا العباس مسلم، وكان عين النبي في مكة، فلو أن النبي قال: إنه أسلم, لا تقتلوه، فبذلك كشفه, وانتهى دوره، لو العباس لم يشارك قريش في المعركة، كشف نفسه, وانتهى دوره، لو النبي سكت, قتل، لا بد من أن يقول النبي:
((لا تقتلوا عمي العباس))
من دون أي تفصيل، التمس له عذر .
يقول هذا الصحابي الجليل: والله بقيت عشر سنوات, وأنا أتصدق, رجاء أن يغفر الله لي سوء ظني برسول الله .
أعيدها مرة ثانية: أحياناً تسيء الظن بأخيك، ثم تنكشف الحقيقة، تذوب كالشمعة خجلاً من الله، هو في أعلى درجة من الكمال، وأنت لا تعرف، فلا تتسرع .

قصص نقتبس منها العبر :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5583/05.jpg
فقد سمعت قصة: أب عنده خمسة بنات، يبدو في واحدة لا تصلح أن تكون زوجة, شكلها أقل مما ينبغي بكثير، فكأن الأب والأم خططوا أن هذه لكبرتهم، ولم يتورعوا أن يقولوا لها هذا الكلام، وعندها أربع أخوات متزوجات، هذه الأخت مستحيل أحد يخطبها، ثم جاءها خاطب بزَّ كل الأصهار؛ غنى، وأدب، ودين، وأكرمها إكراماً منقطع النظير .
فالإنسان أحياناً يقشعر جلده من حكمة الله عز وجل، هذه الكسيرة جبرها الله عزوجل، ورد:
((أنا مع المنكسرة قلوبهم))
((الحزانى في كنف الله))
((إن الله يحب كل قلب حزين))
((الحزانى معرضون للرحمة))
إذا كنت حزينًا فإن الله معك، إذا كنت مظلومًا فإن الله معك، إذا كان بين زوجين، بين شريكين، بين صديقين شيء, فالله مع المظلوم، ومع الصادق، ومع البريء، مع سليم الصدر، وليس مع الطرف الآخر، فهذه الفتاة التي لم يتوقع أبوها إطلاقاً أن يأتيها من يتزوجها لدمامةٍ صارخةٍ في شكلها، وقد تركت لتخدم أمها وأباها، في المستقبل جاءها أفضل من كل أزواج أخواتها، قال: كن لِما لا ترجو أرجى منك لما ترجو، سيدنا موسى قال:
﴿إِنِّي آَنَسْتُ نَاراً لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾
[سورة طه الآية: 10]
ذهب ليأتي بقبسٍ من النار, فناجاه الله عز وجل، لا تعلم أنت أين الخير؟ قد يأتيك الخير كله من جهة لا تعجبك، وقد يأتيك الشر كله من جهةٍ هي ملء السمع والبصر .
أنا أقول مُطمئنًا الأزواج جميعاً: زواجك أخطر حدث بحياتك، وقد اختيرت لك الزوجة بعناية فائقة من الله عز وجل، وهذه هدية الله لك، ودائماً وأبداً تلقَّى هذه الهدية بالقبول، فلعل الله سبحانه وتعالى, يهبك منك الخير الكثير .
إنسان دخل على زوجته ما أعجبته أبداً, فهام على وجهه في المدينة عشرين عاماً, من شدة الألم، عاد بعد هذه المدة، وصلى في المسجد، فرأى درس علم, وآلاف مؤلفة متحلقين حول شاب، سأل عنه: قال: هذا مالك بن أنس، الأب اسمه أنس، هو ابنه من هذه المرأة التي لم تعجبه ، هي حينما رأته تألَّم منها, قالت: يا أبا فلان, قد يكون الخير كامناً في الشر، أي إذا رأيتني شراً قد يكون الخير كامناً فيه، أنت عليك أن تستقيم, وعلى الله الباقي, هو يختار لك أفضل شيء, قال تعالى:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 216]
خطب أحدُهم فتاة, فرآها رائعة، بعد العرس, وجد أن رِجلا أطول من رِجل، لبست ثياب طويلة، والحذاء متفاوت، مفصَّل خصوصي فلم يظهر شيء، والثياب فضفاضة طويلة، فوافق، بعد ما اكتشف الأهل, أنها عرجاء, أقاموا النكير، فهذا الشاب قال: واللهِ لا أطلِّقها، أنا رضيت بها ، وأسكت الجميع، والله سمعت أن الله آتاه رزقاً يفوق حد الخيال، وهو من أسعد الناس بها .
الحياة الزوجية لها أسرار، لها صفات ظاهرة, وفيها حقائق، الصفات الظاهرة؛ المنزل الواسع، الدخل الكبير، الشكل الرائع، هذه الصفات الظاهرة لكن فيها أسرار, إذا كان هذا البيت رحماني، سلوك الزوج والزوجة فيما يرضي الله, يبتغيان وجه الله عز وجل، الله عز وجل يتجلى برحمته على هذا البيت, فإذا هو جنة على وجه الأرض، والصفات متواضعة جداً، وأحياناً الصفات رائعة جداً, لكنها جحيم .
كم كان عدد زوجات النبي حينما دخلت حفصة على بيته المبارك, وما هو موقف السيدة عائشة من هذا الزواج؟
حظيت هذه الزوجة الطيبة الطاهرة بالشرف الرفيع الذي حظيت بها سابقتها عائشة بنت أبي بكر الصديق، وتبوَّأت المنزلة الكريمة بين أمهات المؤمنين، وأي شرفٍ أعظم من هذا الشرف, أن تكون زوجة سيد الخلق، دخلت حفصة بيت النبي ثالثة الزوجات في بيوته عليه الصلاة والسلام، فقد جاءت بعد سودة، وعائشة، الثالثة من الأحياء الآن، أما الرابعة بمجموع الزوجات؛ السيدة خديجة، سودة، عائشة، حفصة .
السيدة سودة رحبت بها راضية، لا تنافسها، تحدثنا عن السيدة سودة، أما عائشة فحارت ماذا تصنع مع هذه الزوجة الشابة؟ هذه منافسة, أحياناً الإنسان لا يتألم من شخص لا ينافسه، المشكلة مع من ينافسه، فالسيدة عائشة بنت أبي بكر شابة، والسيدة حفصة بنت عمر شابة، وهذه الغيرة أودعها الله في النساء لصالح الأزواج .
وقد يقول قائل: لمَ لم تكن زوجات النبي كالدمى في البيت؟ لكانوا أراحوه ، مثل هذه الدمى ، ولا مشكلة، ولا طلب، ولا سؤال، ولا غيرة، ولا مؤامرة، لكن شاءت حكمة الله عز وجل أن يكون بيت النبي كبيت أي مسلم، فيه مشكلات، ليقف موقف الكامل ليعلمنا .
فالآن في عندنا مشكلة؛ هناك زوجتان شابتان، إحداهما بنت أبي بكر, والثانية بنت عمر ، يتنافسان على حب النبي عليه الصلاة والسلام, وعلى امتلاك قلبه .
عائشة سكتت أمام هذا الزواج المفاجئ، من أين أتت هذه الزوجة الآن؟ فشيء صعب، ملكت قلب النبي، فأتت أخرى ونافستها، وهي التي كانت تضيق بيوم ضرتها سودة التي ما اكترثت لها كثيراً، كيف يكون الحال اليوم حينما تقتطع حفصة من أيامها مع رسول الله ثلثها؟.
في واحد جاءت امرأته إلى سيدنا عمر, قالت له:
((يا أمير المؤمنين, إن زوجي صوامٌ قوَّام، يظهر أنه ما انتبه لها, قال: بارك الله لكِ في زوجك، ما شاء الله, فقال له سيدنا علي: إنها تشكو زوجها, قال له: هكذا فهمت، إذاً: اقض بينهما))
سيدنا علي, لو أن إنسان أخذ أربعة، لها حق يوم واحد من الأربعة، فهذا المستغرق في طاعة الله وعبادته, من حقه ثلاثة أيام لله، ويوم لهذه الزوجة، فحكم لها يوماً من أربعة أيام، فهو حكم رائع جداً .

ما هو سبب هذا الود المتقارب بين عائشة وحفصة, وماذا فعل سيدنا عمر حينما علم بذلك ؟
أيها الأخوة, ثم تضاءلت غيرة عائشة من حفصة, لما رأت النساء يتوافدن على بيت النبي, زوجاتٍ أخريات؛ زينب، وأم سلمة، جويرية، وصفية, فلما كثرت الضرات, خفَّت عليها مشكلتها من حفصة .
زواج النبي له حكمة كبيرة جداً؛ هو أبعد ما يكون عن رغبته في المرأة، لكنه ألَّف قلب عمر من زواجه من حفصة، ألف قلوب أصحابه الكبار، وألف القبائل، وألف الأطراف الأخرى، فزواجه زواج مصلحة عليه الصلاة والسلام .
لكن عائشة صافتها الود، حدث غريب، أن ضرتين متنافستين يتفقان، سيدنا عمر تنبَّه، تنبه لهذا التقارب غير المألوف بين المرأة وضرتها، وجد مؤامرة السيدة عائشة والسيدة حفصة على وفاق، وعلى وئام، في محبة، وتعاون, على خلاف المألوف، فلما شَمَّ عمر من تقاربهما أن من ورائه ما يشبه أن يكون حلفاً داخلياً تجاه تزايد زوجات رسول الله، أخذ عمر يحذر ابنته من مسايرة صاحبتها، وليس لها مثل حظها من حب رسول الله، ولا من مكانتها في قلبه .
فسيدنا عمر أدرك أن السيدة عائشة بنت أحب الناس إليه، انظر إلى تواضع سيدنا عمر ، لم يخطر في باله أن ينافس سيدنا الصديق، قال لها مرة:
((يا حفصة, أين أنتِ من عائشة، وأين أبوكِ من أبيها؟))
لا أنتِ مثلها، ولا أنا مثل سيدنا الصديق، فأنتِ لستِ بمستواها، لو أنك تآمرتِ أو اتفقت معها على شيء, قد يرضى الله عنها, ويغضب عليكِ، أنت لستِ بمستواها، قال لها:
((يا حفصة, أين أنتِ من عائشة، وأين أبوكِ من أبيها؟))
لماذا زجر سيدنا عمر ابنته حفصة وعلا صوته عليها ؟
سمع سيدنا عمر يوماً من زوجته, أن ابنته حفصة, تراجع رسول الله بالكلام, أي ترد, فمضى إليها غاضباً، فما إن دخل عليها، سألها عما قد سمع عنها، وهي صادقة, أجابته بأنه قد حصل، فعلا صوته عليها وزجرها، وقال لها:
((تعلمين أني أحذركِ عقوبة الله، وغضب رسوله يا بُنية، لا يغرنَّك هذه التي أعجبها حسنها، وحب رسول الله إياها، والله لقد علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, لولا أنا لطلقك))
أي أبقاك عنده من أجلي .
هذه الزوجة, كانت صاحبة جرأة أدبية، جريئة، ومتكلمة، وفصيحة، ولو كانت بين يدي رسول الله، فكلكم يعلم أنه مرفوعة الكلفة بين الزوجين, لا يوجد حواجز إطلاقاً، فالواحد منا يكون خارج بيته له مكانته وشأنه, لكن في البيت هو أحد أفراد الأسرة، العلاقات الحميمة بين الزوجين تذيب الحواجز الضخمة، في مودة، وفي طمع، وفي أيام كلمة زائدة أحياناً، فالنبي لولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر, لما كان سيد البشر .
روى ابن سعدٍ في الطبقات من حديث الحديبية وبيعة الرضوان: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر عند حفصة أصحابه الذين بايعوه تحت الشجرة، فقال:
((لا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا
[أخرجه مسلم في الصحيح]
-ألم يقل الله:
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾
[سورة الفتح الآية: 18]
فقالت حفصة: بلى, يا رسول الله! فانتهرها، فتلت عليه الآية الكريمة:
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾
[سورة مريم الآية: 71]
سيدخل الذين بايعوا النبي تحت الشجرة، فقال عليه الصلاة والسلام:
﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 72]
فهي مناقشة لطيفة جداً، لا يكن الرجل جمادًا، ذكر النبي الحقيقة, فقالت له: لكن في آية:

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾
[سورة مريم الآية:71]
طبعاً تعلمون أن ورود النار غير دخولها، بحكمةٍ أرادها الله كل مؤمن يمشي على الصراط، ويرى النار، ويرى مكانه في النار, لو لم يكن مؤمناً، كي تتضاعف سعادته في الجنة، لكن لا يتأثَّر، ولا بوهجها، هذا معنى:

﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾
[سورة مريم الآية: 71]
فذكرت هذه الآية, فرد عليها النبي، سيدنا عمر, عد هذه مراجعة، هذا تطاول .

إليكم سبب نزول هذه الآية من سورة التحريم :
حادثة أخرى حصلت مع حفصة, كانت سبباً في طلاقها طلاقاً رجعياً، طلقة واحدة، الحقيقة: أن الطلقة الواحدة:
﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾
[سورة الطلاق الآية: 2]
قال العلماء: هذه الآية سياقها في سورة الطلاق، من اتقى الله في تطليق امرأته, جعل الله له مخرجاً إلى إرجاعها، فالنبي أدبها بطلقة واحدة، هي عندها جرأة أدبية، لأنها أفشت سر رسول الله، أفشت سراً استكتمها إياه رسول الله .
إحدى النساء في الجاهلية, لها وصية رائعة لابنتها، قالت: يا بنيتي, لا تفشي له سراً، ولا تعصي له أمراً، إنكِ إن أفشيتِ سره أوغرتِ صدره .
القصة: أن النبي عليها الصلاة والسلام, خلا مرة بمارية القبطية في بيت حفصة، تألَّمت حفصة أشد الألم من هذه الضرة، لم يتزوجها بعد، فمارية جاءته هدية من المقوقس، وبكت أمامه ، فلما بكت أراد النبي أن يسترضيها, فقال:
((ألا ترضين أن أحرمها على نفسي فلا أقربها؟ قالت : بلى، فحرمها على نفسه، وقال لها: لا تذكري ذلك لأحد))
جاءته مارية من عند المقوقس هديةً له، فلما رأتها حفصة, بكت منها غيرةً, حرمها على نفسه، إرضاءً لها، وتطيباً لقلبها، وقال لها:
((لا تذكري ذلك لأحد، فرضيت حفصة بذلك، وسعدت ليلتها بقرب النبي عليه الصلاة والسلام، حتى إذا أصبحت الغداة, لم تستطع كتمان هذا السر، فنبَّأت بها عائشة، وقالت لها: البارحة جاء عندي النبي صلى الله عليه وسلم، وبكيت أمامه فحرمها على نفسه، فأنزل الله قوله الكريم, معلماً ومرشداً، وهادياً ومؤدباً, لحفصة خاصة, وللنساء عامة:
﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾
[سورة التحريم الآية: 3]
لم تقدِّر حفصة رضي الله عنها, وهي تذيع السر لعائشة, عواقب هذا الإفشاء، فيقال, ليس على التأكيد: إنه طلقها طلاقاً رجعياً, طلقة واحدة تأديباً لها، بلغ ذلك عمر، كما تروي الرواية, حسا التراب على وجهه من شدة ألمه، اسود وجهه أمام رسول الله، وقال: وما يعبأ الله بعمر وابنته بعدها، -هو اعتبر نفسه, حقق مكسبًا كبيرًا جداً, بتزويج ابنته من رسول الله، فصار النبي صهره- .
فنزل جبريل عليه السلام من الغدِ على النبي عليه الصلاة والسلام, فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمةً بعمر))
لمكانة عمر عند الله .
وفي رواية أخرى, أن جبريل قال:
((أرجع حفصة, فإنها صوامةٌ قوامة، وإنها زوجتك في الجنة))
غيرة المرأة جزء من طبيعتها، فإذا الإنسان شعر بالبرد, هل نؤاخذه؟ طبيعي، الدنيا شتاء، والجو بارد جداً، فبرد، إذا شعر بالحر, هل نؤاخذه؟ غيرة المرأة طبيعيٌ جداً، شعورها بالبرد والحر كغيرتها .

ماذا فعل النبي مع أهل بيته بعد هذه الحادثة, وهل الخبر الذي شاع بأن النبي طلق زوجاته صحيح, وما هو الحوار الذي جرى بين النبي وعمر؟
بعد هذا الحادث, اعتزل النبي نساءه شهرًا، وأدَّبهن، وشاع الخبر أن النبي طلق نساءه، ولم يكن أحد من الصحابة, يجرؤ على الكلام معه في ذلك، حتى إن عمر استأذن عدة مرات ليدخل عليه، فلم يؤذن له، فذهب مسرعاً إلى بيت ابنته حفصة, فوجدها تبكي، فقال :(لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قد طلقكِ، إنه كان قد طلقكِ مرة، ثم راجعكِ من أجلي، فإن كان طلقكِ مرة أخرى, لا أكلمك أبداً، هكذا ورد في السيرة .
ثم ذهب ثالثةً يستأذن النبي، فأذن له، فدخل عمر والنبي متكئٌ على حصير, قد أثر في جنبه, فقال:
((يا رسول الله! أطلقت نساءك؟ فرفع النبي رأسه إلي، وقال: لا، فقلت: الله أكبر ، -النبي له مهابة كبيرة جداً، فالصحابة الكبار هؤلاء أقرب الناس إليه:
((أبو بكر وعمر مني بمنزلة السمع والبصر من الرأس))
ومع ذلك لم يجرؤ أحدٌ أن يسأله- قال سيدنا عمر من شدة فرحه, قال: لو رأيتنا يا رسول الله, وكنا معشر قريش قوماً نغلب النساء، فلما قدمنا المدينة, وجدنا قوماً تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا, يتعلمن من نسائهم، فغضبت على امرأتي يوماً, فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني, فقالت: ما تنكر أن أراجعك, فو الله إن أزواج النبي ليراجعنه، وتهجره إحداهن اليوم إلى الليل؟ فقلت: قد خاب من فعل ذلك منكن وخسرت، أفتأمن إحداكن أن يغضب الله عليها بغضب رسول الله، إذاً: هي قد هلكت، هذا كلام سيدنا عمر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم .
تبسَّم النبي لهذا القول، وأعجبه، فقلت: يا رسول الله, قد دخلت على حفصة, فقلت لها: لا يغرنَّك أن كانت جاريتك, أي عائشة, لأنها كانت أصغر منها, هي أوسم وأحب إلى النبي منكِ ، فتبسم عليه الصلاة والسلام مرةً ثانية, فقلت: أستأنس يا رسول الله؟ أي أجلس، فقال: نعم، فجلست, فرفعت رأسي في البيت، والله ما رأيت في البيت شيئاً يرد البصر، فقال: رسول الله ينام على الحصير, -البيت فارغ، فراش غرفة، والله لا أعتقد أن هذا مبالغة، يمكن أن تكون مساحته مترًا في مترين، ولا فراش فيه .
لما دخل سيدنا عدي عنده, قال:
((أعطاني وسادةٍ من أدمٍ محشوةً ليفاً, وقال: اجلس عليها ، قلت: بل أنت، قال: بل أنت، قال: فجلست عليها, وجلس هو على الأرض))
أي أن في بيته لا يوجد إلا وسادة واحدة- .
قال له: رسول الله ينام على الحصير, وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير, فاستوى النبي جالساً, وقال: أَوَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا بْنَ الْخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا .
-وفي رواية:
((إنها نبوةٌ وليست ملكاً))
وفي رواية:
((أما ترضى أن تكون الدنيا لهم والآخرة لنا؟))
فقلت: استغفر لي يا رسول الله))

هذا الحوار الحميم بين النبي وبين سيدنا عمر .
وكان عليه الصلاة والسلام: أقسم ألا يدخل عليهن شهراً, من شدة ما وجده عليهن, حتى عاتبها الله عز وجل:
﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾
[سورة التحريم الآية: 4]
المقصود عائشة وحفصة, قال تعالى:
﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾
[سورة التحريم الآية: 4]
هذه الآية لها معنى عميق، أي أن أي إنسان فكر يعمل شيء ضد الدين، ليعرف من هو الطرف الآخر؟ .
طبعاً ثم جاءت الآية:
﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجاً خَيْراً مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَاراً﴾
[سورة التحريم الآية: 5]
ملخص هذه القصة :
ملخص هذه القصة: أن الذي جرى في بيت النبي, يجري في بيوت المؤمنين، والنبي وقف الموقف الكامل، لاحظتم؛ في شدة، وفي لين، وفي رحمة، وفي عطف، وفي حكمة، وفي منافسة شريفة، وفي طباع أنثوية طبيعية، هذا كله نتعلَّمه في بيت النبي عليه الصلاة والسلام .
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علمنا, وأن يلهمنا الخير .

السعيد 09-04-2018 09:07 AM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( السابع )


الموضوع : هند بنت ابى امية ام سلمة



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
من هي أم سلمة, ومتى تزوجها النبي, وكم كان عمرها, ومتى توفيت ؟
أيها الأخوة الكرام, لازلنا مع سير الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن، ولازلنا من زوجات النبي الطاهرات، واليوم مع أم المؤمنين هند بنت أبي أميَّة -أم سلمة- الطاهرة، المعمِّرة، المهاجرة، التي كانت تعدُّ من فقهاء الصحابيات .
هي أم سلمة هند بنت أميَّة بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مُرَّة المخزومية, السيدة المحجَّبة الطاهرة، بنت عم خالد بن الوليد - سيف الله- وبنت عم أبي جهل بن هشام - عدو الله- وشتَّان بين الاثنين، كانت قبل النبي صلى الله عليه وسلَّم عند أخيه من الرضاعة أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، الرجل الصالح .
تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام سنة أربعٍ من الهجرة، وكانت من أجمل النساء، وأشرفهن نسباً، وأوفرهن عقلاً، كان عمرها قريباً من خمسٍ وثلاثين سنة، ولدت في مكة قبل البعثة بنحو سبع عشرة سنة، وكانت آخر من مات من أمهات المؤمنين، فتوفِّيت سنة إحدى وستين من الهجرة، وعاشت نحواً من تسعين سنة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5584/01.jpg
هذه حظوظ؛ إنسان يعمِّر طويلاً، إنسان يوهب جمالاً أخَّاذاً، إنسان يوهب عقلاً راجحاً، إنسان يعطى صحةً جيدةً، إنسان يعطى مالاً وفيراً, هذه حظوظ الدنيا .
ولكن قبل أن أتابع الحديث عن حظوظ الدنيا, يجب أن نعلم أن كل إنسان من دون استثناء ممتحنٌ امتحانين، ممتحنٌ فيما وهبه الله، وممتحنٌ فيما حرمه الله، وبإمكانه أن ينجح في كلا الامتحانين، ممتحن فيما أُعطيت، وممتحن فيما سُلِبَ منك .
فالمرأة التي برعت في جمالها ممتحنةٌ بجمالها، والتي نصيبها من الجمال قليل ممتحنةٌ بنصيبها القليل، والإنسان الذي أوتي مالاً وفيراً ممتحنٌ بهذا المال الوفير، والذي أوتي مالاً قليلاً ممتحنٌ بهذا المال القليل، والذي أوتي قوةً ممتحنٌ بقوته، والذي أوتي ضعفاً ممتحنٌ بضعفه، يجب أن نعلم علم اليقين أنك ممتحنٌ دائماً؛ ممتحنٌ فيما آتاك، وممتحنٌ فيما حُرمت منه.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5584/02.jpg
والحياة الدنيا قصيرة، وتمضي كلمح البصر، فالذي نجح في امتحان الضعف, سعد في الجنة إلى أبد الآبدين، والذي رسب في امتحان القوة, شقي في جهنم إلى أبد الآبدين .
والمرأة التي نجحت في امتحان الدمامة, سعدت إلى أبد الآبدين، وأبدلت جمالاً أخَّاذاً، والتي رسبت في امتحان الجمال, شقيت إلى أبد الآبدين، فهذه الدنيا لا تعني شيئاً، محدودةٌ قصيرة، سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، العبرة أن تنجح في الامتحان .
قد ينجح الفقير؛ فيصبر، ويتعفف، ويتجمَّل، ويشكر الله على ما قدَّر عليه، وتمضي السنوات سريعاً, وينتقل إلى الدار الآخرة، فإذا هو في جنةٍ عرضها السموات والأرض, ينعم بها إلى أبد الآبدين, والذي أوتي الملايين المُمَلْيَنة، ورسب في امتحان الغنى، تمضي السنوات سريعةً، وما هي إلا لحظاتٌ حتى يجد نفسه تحت أطباق الثرى، وقد استحق العذاب إلى أبد الآبدين .
وقد ينجح الغني في الغنى، وقد يسقط الفقير في الفقر, وقد تنجح الجميلة في الجمال، وقد تسقط الدميمة في الدمامة، وقد ينجح الذكي في الذكاء، ويسقط الغبي في الغباء، أنت ممتحنٌ مرتين؛ ممتحنٌ فيما أعطيت، وممتحنٌ فيما سًلب منك .
كان أبوها أحد أجواد العرب، وكان يلقَّب بزاد الراكب، فلا يسافر معه أحدٌ من الناس إلا كفاه مؤنته وأغناه .
أنا أريد أن أستنبط حقائق أنتفع بها: أم سلمة رضي الله عنها صحابيةٌ جليلة، وأمٌ للمؤمنين عظيمة، وزوجةٌ نفسية، عاقلةً, ذكيةٌ, جميلة، مضت إلى ربها، لها عند الله مكانة، لا يرفعها مدحنا ولا يخفضها ذمنا، ولكن نحن ما علاقتنا بهذا الكلام؟ ما نصيبنا من هذه القصَّة؟.
نصيبنا أنك ممتحنٌ مرتين، ممتحنٌ فيما أُعطيت، وممتحنٌ فيما سُلب منك، وبإمكانك أن تنجح في كلا الامتحانين، والدنيا سريعة الزوال، وشيكة الانتقال، والعبرة بالجنَّة التي فيها ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

أم سلمة كم هجرة هاجرت في سبيل الله, ولماذا هاجرت, ومن أول من هاجر إلى الحبشة من النساء ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5584/03.jpg
أم سلمة رضي الله عنها, هاجرت في سبيل الله هجرتين، نحن عشنا في زمن المرأة لا تشارك الرجل في العمل الطيِّب، وفي الإيمان، وفي الانتماء إلى دين عظيم، وفي الدفاع عن هذا الدين، كأنها من سَقَطِ المتاع عند حال المسلمين في التخلُّف، المسلمون حينما تخلّفوا كانت المرأة من سقط المتاع، أما هي في الإسلام بطلة، هي في الإسلام مساويةٌ للرجل تماماً؛ في التكليف والتشريف والمسؤوليَّة .
فامرأةٌ تهاجر من مكة المكرَّمة إلى الحبشة، وتهاجر من مكة المكرَّمة إلى المدينة، لماذا تهاجر؟ لأنها أبت أن تخضع لضغط الكفار، هي أول من هاجر إلى الحبشة من النساء، قال تعالى :

﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 195]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5584/04.jpg
إنها امرأةٌ ذات شرفٍ في أهلها، وذات نسبٍ طيبٍ، ومنبتٍ كريم في قومها، وهي ابنة أحد كُرَماء العرب وأجودهم .
فأنا أنصح أنك إذا أقدمت على الزواج، لا ينبغي أن تخطب الفتاة, بل ينبغي أن تخطب أهلها، في أي بيتٍ نشأت؟ من الذي ربَّاها؟ ما القيَم التي استقتها حينما كانت طفلة؟ ما العلم الذي أحاط بها؟ هذا شيءٌ مهمٌ جداً .
تجود هذه المرأة العظيمة بنفسها في سبيل إيمانها وإسلامها، فتخرج مهاجرةً فراراً بدينها .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5584/05.jpg
أخواننا الكرام, بحكم الحياة المعاصرة؛ الحياة سهلة، السفر سهل، طائرات، سيَّارات، قطارات، السفر متعة الآن، لكن ربما لا ننتبه إلى أن السفر قديماً كان مظنَّة هلاك، كيف إذا الإنسان دخل الحرب الآن، احتمال أن يموت بالمئة خمسين، كما يقال: يضع روحه على كفه، والسفر قديماً كان مظنة هلاك، تصور إنسان يركب ناقةً، وينطلق من المدينة المنوَّرة إلى البصرة، يبقى شهرين في الطريق وحده على الناقة، وفي الطريق قُطَّاع طُرق، وجوع شديد، وفقد الماء، ووحوش ضارية، ووحشة شديدة، السفر عند الأقدمين مظنَّة هلاك، فأجرُ المرأة حينما تسافر فراراً بدينها, حينما كان السفر مظنة هلاك, غير أجرها وقت أصبح السفر متعةً من متع الحياة، فلذلك هذه المرأة جادت بنفسها في سبيل إيمانها وإسلامها، فخرجت مهاجرة فراراً بدينها إلى الحبشة، وتتعرَّض لمشاق السفر، وكُربة الغربة.
قال ابن هشام: كان أول من خرج من المسلمين إلى الحبشة مهاجراً من بني مخزوم أبو سلمة بن عبد الأسد، معه امرأته أم سلمة بنت أبي أمية، وولدت له بأرض الحبشة زينب بنت أبي سلمة .


أصغ السمع لأم سلمة وهي تروي لنا قصة هجرتها إلى الحبشة :
أم سلمة تروي حديث هجرتها إلى الحبشة, قالت: خرجنا حتى قدمنا على النجاشي، ثم إنهما قدَّما هدايا إلى النجاشي فقبلها, طبعاً حينما سافرت أم سلمة إلى الحبشة مع أبي سلمة، وعلمت قريشٌ بهذه الهجرة، أرسلت من يوغر صدر النجاشي على هؤلاء المهاجرين، فقالوا:
((أيها الملك, إنه قد ضوى إلى بلدك غلمانٌ سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدينٍ ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك, فيهم أشراف قومهم من آبائهم، وأعمامهم، وعشائرهم, لتردَّهم إليهم، فهم أبصر بهم، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه .
قالت: ثم أرسل النجاشي إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فدعاهم، فلما جاؤوا قال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحدٍ من هذه المِلَل؟ -هؤلاء الرجلان؛ أحدهما عمرو بن العاص، وكان من دهاة العرب- .
قالت أم سلمة: فكان الذي كلَّمه جعفر بن أبي طالب رضوان الله عليه .
-الإنسان إذا كان إيمانه قوياً, يؤتى طلاقة لسان، يؤتى فصاحةً، يؤتى قوة حجةٍ، يؤتى موقفاً متماسكاً، هذا من بركات الإيمان، والإنسان حينما تنحرف خطواته نحو الشهوات؛ تضعف شخصيته، وينهار من الداخل، ويسقط في يده- .
فسيدنا جعفر بن أبي طالب قال: أيها الملك, كنا قوماً أهل جاهليَّة؛ نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، حتى بعث الله فينا رجلاً, نعرف أمانته، وصدقه، وعفافه، ونسبه، فدعانا إلى الله لنعبده, ونوحِّده، ونخلع ما كنا نعبد من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا أن نعبد الله وحده، وأن لا نشرك به شيئاً, فعدى علينا قومنا فعذَّبونا، وفتنونا عن ديننا، وقهرونا وظلمونا، وحالوا بيننا وبين ديننا، فخرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نُظْلَم عندك، كلامٌ ما بعده كلام .
قال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله شيء؟ .
قال جعفر: نعم .
قال: فاقرأه علي .
قالت: فقرأ عليه صدراً من سورة مريم .
قالت: فبكى والله النجاشي حتى أخضلَّ لحيته، وبكت أساقفته حين سمعوا ما تلا عليهم ، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاةٍ واحدة، انطلقا فلا والله لا أسلمهم إليكما، ولا يكادون، -هكذا تروي أم سلمة رضي الله عنها حديث الحبشة الطويل، كما أخرجه الإمام أحمد في المسند، وهو موجود بشكل مطوَّل في كتب السيرة- .
ثم عادا إليه في اليوم التالي وقالا له: إنهما يقولان في عيسى بن مريم كلاماً تنكره, ثم استدعاهم مرة ثانية، وقال: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ تلا عليه الآيات الكريمة، فسُرَّ النجاشي .
ثم إن المهاجرين إلى الحبشة, بلغهم أن أهل مكة أسلموا جميعاً, -خبر غير صحيح- حتى أقبلوا فرحين مسرورين، تركوا الحبشة، وعادوا إلى مكة بناءً على هذا الخبر السار، فلما دنوا من مكة, بلغهم أن ما كانوا تحدثوا به من إسلام أهل مكة, كان باطلاً لا أساس له، فلم يدخل منهم أحدٌ مكة إلا بجوار مشرك، أو مُسْتَخْفٍ عن أعين المشركين .
وتعود أم سلمة رضي الله عنها مع زوجها إلى مكة مستخفيةً عن أنظار الظالمين، وتمضي معه فيها أيام الصبر، والمصابرة في سبيل الله))
فأحياناً الإنسان قد يعاني بعض المتاعب بسبب إيمانه، قد يعاني بعض المتاعب بسبب إسلامه، قد يعاني بعض المتاعب بسبب استقامته، قد يعاني بعض المتاعب بسبب ورعه، هناك من يعجب فيقول: هو أطاع الله، فلماذا عانى من هذه المتاعب؟ ما الجواب؟ .
كان يبيع الخمر، فترك بيع الخمر، فانخفض الدخل إلى الرُبع، لماذا هكذا؟ الإنسان يتوهَّم أحياناً أنه حينما ترك بيع الخمر تضاعفت غلَّته، لو أنه وقف هذا الموقف الصُلب، قوَّاه الله عزَّ وجل، فلماذا يفعل الله بعباده المؤمنين الذين آثروا طاعته، وآثروا رضوانه، لماذا يعذَّبون أحياناً؟ لماذا يتحملون الشدائد أحياناً؟ .
الجواب بسيط جداً: نحن في زمن ابتلاء، الله جل جلاله يريد أن يجعلنا ندفع ثمن طاعته؛ ليكون هذا الثمن وسام شرفٍ لنا يوم القيامة، كان من الممكن إنسان يبيع الخمر، فلما تاب عن بيع الخمر، في اليوم نفسه تُضَاعف غلَّته، عندئذٍ لم يدفع ثمن هذه الطاعة، ولا شعر بلذَّتها، ولا شعر أنه آثر طاعة الله عزَّ وجل، ولا شعر أنه آثر رضوان الله عزَّ وجل، لكن بعد حين, يفتح الله له من الخير ما شاء، لا بدَّ من فترة تدفع ثمن طاعتك .
فتصور أصحاب النبي عليهم رضوان الله عليهم، جاؤوا إلى الحياة الدنيا، رأوا رسول الله فآمنوا به، والله عزَّ وجل قادر على أن يجعل كل أعداء هذا الدين في قارة ثانية، كل أعداء الدين حصراً؛ أبو جهل، أبو لهب، كل إنسان يعارض هذا الدين وُلِدَ في أمريكا، في العالَم الجديد، والنبي نشأ، جاءته الرسالة، حوله أصحابه، آمنوا به وأحبوه، لا معارك، ولا مشكلات، ولا هجرة، ولا شيء، فأين ثمن الجنة؟ .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5584/06.jpg
أنا تأكيدي على هذه النقطة: حينما تعاني بعض المتاعب لأنك مستقيم، حينما ترفض هذا العمل، وهذا العمل، وهذا العمل، أعمال فيها شبهات، فيها دخل حرام، وربما لا تجد عملاً ، ولا تجد في جيبك درهماً واحداً، ما الحكمة من ذلك؟ أقول لك: هذا امتحان لا يطول، لكن لا بدَّ منه، هذا امتحانٌ من أجل أن تدفع ثمن طاعتك، هذه الضائقة الماديَّة التي تعاني منها, لأنك رفضت كل هذه الدخول المشبوهة، هذا وسام شرفٍ لك يوم القيامة، بها تدخل الجنة، بها تستحق الجنة، فأنت لا تمنع نفسك من أن تنال وسام شرف طاعة الله عزَّ وجل .
أحياناً الإنسان يطيع الله عزَّ وجل وكل من حوله يهزؤون منه، يصبح أضحوكة، يعلِّقون عليه تعليقات سخيفة، يغضّون من شأنه، يطعنون بعقله, لأنه أطاع الله عزَّ وجل، وقد يبلغه ذلك، وقد يتألَّم أشد الألم، لماذا سمح الله لهم أن يفعلوا هذا معه؟ هو الله جل جلاله يحمله على أن يدفع ثمن طاعته، إذا دفع ثمن طاعته، كانت سبب دخوله الجنة، ووسام شرفٍ له يوم القيامة .
أردت من هذا التعليق أن نفهم, لماذا عانى أصحاب النبي ما عانوا؟ الآن إذا واحد من أخواننا الحاضرين درس، وعانى من الدراسة ما عانى، وسهر إلى أنصاف الليالي، ونام على الكتاب، وراجع الكُتب، ولخَّص الكتب، وذاكر أصدقاءه بالكتب، ودخل امتحانات صعبة، ومرَّة نجح، ومرَّة ما نجح، إلى أن نال أعلى شهادة، لأنه بذل فيها جهداً كبيراً، ووقتاً مديداً، وعرقاً مُتَصبباً، يسعد بهذه الشهادة إلى آخر حياته، ويقول مترنِّماً: هذه الشهادة ما أخذتها إلا بشق الأنفس، وما نلت هذه الدرجة العلميَّة, إلا بعد جهدٍ جهيد، وكدٍ مضني، يسعد .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5584/07.jpg
لو أعطوه شهادة فخريَّة مثلاً، لو أعطي الأسئلة، ونال درجاتٍ عالية، ولم يبذل جهداً إطلاقاً، والله هو أول من يحتقر نفسه، فكلَّما سمعت، أو قرأت، أو شاهدت، أو عاينت أن إنساناً, لأنه أطاع الله, يعاني من أزمة مالية، لأنه أطاع الله, يعاني من أزمة اجتماعيَّة، لأنه أطاع الله, يعاني أزمة نفسيَّة، لأنه أطاع الله, ضاقت به السُبُل، هو الله جلَّ جلاله, يحمله على دفع ثمن الجنة بهذه الطريقة، بعد حين يفرِّج عنه .
لو أن أحدكم قال لي: هذا الكلام ما دليله في القرآن؟ الجواب أن الله سبحانه وتعالى يقول:

﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾
[سورة التوبة الآية: 28]
حينما مُنِعَ المشركون أن يدخلوا مكة المكرَّمة، بارت تجارة مكة، ولم يعد هناك سياحة، وقلَّ كثيراً رواج البضاعة, قال تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾
[سورة التوبة الآية: 28]
معنى هذا؛ أنه لا بدَّ أن يحمل الله هؤلاء الذين نفَّذوا أمر الله على دفع ثمن طاعتهم، لكن إلى حين, قال تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
[سورة التوبة الآية: 28]
فإذا جاءتك متاعب بسبب استقامتك، بسبب طاعتك، بسبب اتجاهك الصحيح، بسبب وضوحك، بسبب تمسُّكك بالقيَم الصحيحة، بسبب خوفك من الله، إذا ركلت بقدمك الثروة الطائلة، والمكانة العليَّة، والأشياء الثمينة ورعاً وخوفاً، فهذا وسام شرفٍ تضعه على صدرك يوم القيامة، هذا تفسير ما عانى منه الصحابة الكرام في عهد رسول الله، وبعد عهد رسول الله ، هؤلاء الصحابة الكرام حملوا الإسلام، ونحن الإسلام يحملنا.
هذه قصة أم سلمة في هجرتها إلى الحبشة .


قصة هجرتها إلى المدينة :
أيها الأخوة, أما هجرتها إلى المدينة فشيءٌ لا يصدَّق، تقول أم سلمة:
((لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة, رحَّل بعيراً له، وحملني، وحمل معي ابني سلمة، ثم خرج يقود بعيره، فلما رآه رجالٌ من بني المغيرة قاموا إليه, فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها, -بنو المغيرة من؟ قوم أم سلمة- أرأيت صاحبتنا هذه لا نتركك تسير بها في البلاد, -ممنوعة من المغادرة- ونزعوا خطام البعير من يده، وأخذوني، فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد, -من هم بنو عبد الأسد؟ قومه- وأهووا إلى سلمة, أخذوا سلمة, وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها, ما دمتم قد أخذتم هذه المرأة من زوجها, ومعها ابنها، فتجاذبوا سلمة حتى خلعوا يده، وانطلق بنو عبد الأسد, ورهط أبي سلمة، وحبسني بني المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة حتى لحق بالمدينة، ففرِّق بيني وبين زوجي وابني, فكنت أخرج كل غداةٍ, أجلس بالأبطح, فما أزال أبكي حتى أمسي، سبعاً أو قريبها, حتى مرَّ بي رجل من بني عمي، فرأى ما في وجهي من البكاء ، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة, فرقتم بينها وبين زوجها، وبينها وبين ابنها؟ فقالا: الحقِي بزوجك إن شئتِ, وردَّ عليَّ بنو عبد الأسد عند ذلك, -أي أعطوها ابنها-, فرحَّلت بعيري .
-امرأة وحدها تركب بعيراً، ومعها ابنها، تنطلق من مكة إلى المدينة، الآن خمس ساعات، أما وقتها اثنا عشر يوماً، ليلا ونهارًا، وفي الصحراء، والذي ذهب من مكة إلى المدينة بالسيارة, يعرف ما معنى أن تمشي امرأةٌ وحدها على بعير أربعمئة وثمانين كيلو متر تقريباً؟- .
فرحَّلت بعيري، ووضعت ابني في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي من أحدٍ من خَلق الله، فكنت أبلُغ من لقيت، حتى إذا كنت بالتنعيم, لقيت عثمان بن طلحة، أخا بني عبد الدار, فقال: أين ذاهبةٌ يا بنة أبي أمية؟ قالت: أريد زوجي بالمدينة، فقال: هل معكِ أحد؟ فقلت: لا والله إلا الله، وابني هذا .
-انظر الشوق إلى رسول الله، الحقيقة الخروج غير مشروع، بالأحكام الفقهيَّة غير مشروع، لكن هذا الأمر في بداية الإسلام، امرأةٌ آمنت برسول الله، والنبي في المدينة، وأصحابه في المدينة، وزوجها في المدينة، فأرادت أن تخاطر- .
فقال: والله ما لكِ من منزلٍ, فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يقودني، فو الله ما صحبت رجلاً من العرب أراه أكرم منه .
-الآن دقق في قول النبي الكريم:

((خِيَارُكُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُمْ فِي الإِسْلامِ إِذَا فَقُهُوا))
[أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح]
خاطب النبي رجلاً قال له:
((أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ وَالتَّحَنُّثُ التَّعَبُّدُ))
[أخرجه مسلم عن عروة بن الزبير في الصحيح]
إذا نزل المنزل أناخ بي، ثم تنحَّى إلى شجرةٍ بعيدة، فاضطَجع تحتها، فإذا دنا الرواح, قام إلى بعيري, فقدَّمه إلي ورحَّله، ثم استأخر بعيداً كي أركبه، فإذا ركبت، واستويت على بعيري, أتى فأخذ بخطامه, فقادني حتى نزلت .
قالت: فلم يزل يصنع بي ذلك, حتى قدم بي المدينة، فلما نظر إلى قريةٍ .
-أحياناً في بعض الزيارات إلى المدينة, نركب السيارة، ويؤشِّر عدَّادها إلى مئةٍ وخمسين، أو إلى مئةٍ وثمانين، ونقول: ما أطول هذا الطريق؟ ساعاتٌ كثيرة، أما إذا سرنا على سرعة مئة، لا بدَّ من ست ساعات كي تصل إليها، وقد تجد هذه الساعات الست, تعني ستة شهور، فكيف بامرأةٍ تركب بعيرها، وتسير من مكة إلى المدينة، مسافة قريباً من خمسمئة كيلو متر؟- .
فلم يزل يصنع بي هذا, حتى قدم بي المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عبد عوف بقباء قال: إن زوجكِ في هذه القرية، وكان أبو سلمة نازلاً بها .
فيستقبل أبو سلمة أم سلمة وابنها معه بكل بهجةٍ وسرور، وتلتقي الأسرة المهاجرة بعد تفرُّق وتشتُّت وأهوال، ويلتئم شمل أسرة أبي سلمة في المدينة بكل طمأنينةٍ وأمان، وتحيا فيها الحياة الطيبة المباركة كأعز أسرةٍ وأكرمها))


.

إليكم قصة وفاة أبي سلمة, والحديث الذي جرى بينه وبين زوجه في اللحظات الأخيرة من حياته :
أيها الأخوة, ولما استقرَّت أسرة أبو سلمة في المدينة, عكفت زوجته على رعاية صغارها وتربيتهم ، وتفرَّغ أبو سلمة للدعوة إلى الله تعالى في المدينة، وللجهاد مع رسول الله, دفاعاً عن هذا الدين العظيم .
وعندما خرج النبي الكريم في غزوة ذي العشيرة، وهي الغزوة التي وادع فيها بني مُدلج، اختار عليه الصلاة والسلام من بين أصحابه أبا سلمة, فاستعمله على المدينة, وشهد أبو سلمة غزوة بدرٍ، وكان أحد جند الإسلام الأولين كما كان في مكة أحد السابقين، وينال بهذا شرفاً على شرف، ثم يشهد أُحُدًا، ويبلي فيه بلاءً عظيماً، إلى أن رمي بسهمٍ في عضده، مكث بعد ذلك يداويه, حتى ظنَّ أنه قد التأم، وبرئ من جرحه .
ثم إنَّه نفَّذ أمراً للنبي عليه الصلاة والسلام، فأرسله النبي على رأس سريةٍ، فأحاط بهم في إسفار الفجر على غير أُهْبَةٍ منهم لتوقّع هجومٍ، وقاد معركةً ظافرةً، ثم قفل راجعاً إلى المدينة, يصحبه النصر ورايات بهجته، والغنائم التي ظفر بها، وقد أعاد بعض ما فات على المسلمين يوم أُحد، ما فاتهم من هيبةٍ ورهبة .
رجع أبو سلمة إلى المدينة، انفض جرحه الذي أصابه إلى أحد، فأخلد إلى فراشه, تمرِّضه أم سلمة، إلى أن حضره الأجل، فدعت له رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فجاءه وهو على فراش الموت، وبقي إلى جانبه, يدعو له الله تعالى أن يجزيه خير الجزاء على ما أبلى في سبيله، ويمضي أبو سلمة إلى جوار الله عزَّ وجل، وقلبه يخفق بدعواتٍ إلى الله، بأن يخلِف عنه في أهله خيراً، فقد قال عند وفاته:

((اللهمَّ اخلفن في أهلي بخير))
روى ابن سعدٍ عن أم سلمة أنها قالت لأبي سلمة:
((بلغني أنه ليس امرأةٌ يموت زوجها, وهو من أهل الجنة، ثم لم تتزوج, إلا جمع الله بينهما في الجنة, فتعال أعاهدك ألا تتزوج بعدي, وألا أتزوج بعدك, فقال: أتطيعينني؟ قالت: نعم, قال: إذا متُّ تزوجي، اللهمَّ ارزق أم سلمة بعدي رجلاً خيراً مني لا يحزنها ولا يؤذيها))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5584/08.jpg
في تعليق لطيف لمؤلِّف الكتاب، يقول: من هذه المحاورة التي جرت بين الزوجين, تستخلص إدراكين مختلفين كل الاختلاف من حيث المضمون، ومتفقين معاً من حيث الهدف، أما الاختلاف, فإن الأول يتَّجه نحو التيتُّم على الزوج الراحل، والترمُّل من بعده أمد الحياة، وأن الثاني يتجه نحو محو الآثار بعد انقضاء العدَّة, بالزواج من رجل, يأمل أن يكون خيراً منه .
الزوج الصالح يرى أن سعادته تتحقَّق في هناءة زوجته في دنياه، وبعد مماته، فإن كان هناؤها يتحقَّق بالزواج برجلٍ صالحٍ بعده فذلك غايته، وهذا ما كان يأمله أبو سلمة, أن تحيا من بعده حياةً طيبةً كريمة، وقد حقَّق الله تعالى له أمله، ما الذي حصل؟ .
قالت: فلما مات, قلت: من خيرٌ من أبي سلمة؟ لا أحد، فزوجها في نظرها أعلى رجل ، أبو سلمة كان بطل، النبي ولاه على المدينة، رسول الله يوليه على المدينة في غيبته، أي أنه نائب رسول الله، قال لها: تزوجي بعدي، اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلاً خيراً مني، لا يحزنها، ولا يؤذيها, هو أراد لها الهناء، وهي أرادت له الوفاء، أرأيتم إلى هذا؟! .
لي صديق زار شخص معه مرض في قلبه، الرجل اشترى بيت وزيَّنه، واعتنى فيه عناية كبيرة جداً، إلى درجة أنه أصبح ملفِت النظر، فلما شعر أنه على وشك الموت، وأن هذه الزوجة ربما بعد أن يموت تتزوج رجلاً، فيأتي هذا الرجل ليستمتع بهذا البيت الفخم الجميل دون أن يبذل جهداً في تحصيله، فبثَّ شكواه إلى صديقه، قال له: أخشى ما أخشاه أنني إذا مت أن هذه المرأة, وقد سبَّها, أن تتزوج من بعدي، فيأتي رجل غريب ينعم بهذا البيت، هو في حال، وهي في حال .
هذا زواج أهل الدنيا؛ زواج دناءة، زواج حسد، زواج بغضاء، زواج أثرة لا مؤاثرة ؛ أما هذا الزواج, فهي تعاهده على ألا تتزوج من بعده، وهو يقول لها: تزوجي بعدي، اللهم ارزق أم سلمة بعدي رجلاً خيراً مني .


إلى درس آخر إن شاء الله :
أيها الأخوة, فما لبثت أن جاء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم فذكر الخطبة إلى ابنها، فقالت:
((أردُّ على رسول الله، أو أتقدم عليه بعيالي، وكانت ذات أولادٍ من أبي سلمة))
فهذه قصة إن شاء الله نرجئها إلى درسٍ قادم؛ كيف تمَّ الزواج بينها وبين النبي عليه الصلاة والسلام, وهي من أعقل زوجات النبي، وقد أشارت عليه يوم الحديبية إشارةً استجاب لها النبي، وقد وقف النبي موقفاً كاملاً حينما أصغى إلى نصيحة زوجته، قال تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5584/09.jpg
﴿وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ﴾
[سورة الطلاق الآية: 6]
فهذا الذي يستشير زوجته أحياناً، يجد منها بعض الآراء الصائبة، أنت لست ملزم أن تطبِّق رأيها دائماً، أما إذا سألتها قد تجد في رأيها صواباً أحياناً، لا تكن متعنِّتاً، هذا الذي قال: خالفهن دائماً، هذا كلام غير صحيح، ولا أصل له .
فالنبي استجاب لنصيحة أم سلمة يوم الحديبية، ولنا مع هذه الصحابية الجليلة التي هي أم المؤمنين، وهي من أعقل نساء النبي، ومن أكثرهن فقهاً، ومن أقربهن إلى نفس النبي، لنا متابعةٌ لهذه القصة إن شاء الله .

نقطة مهمة جداً :
أريد أن أصل إلى أن هذا الرجل المشرك, الذي قادها وحدها في الصحراء اثني عشرَ يوماً، وكان في أعلى درجات العفَّة، كان يبتعد كثيراً كي تنزل، ثم يقرِّب الجمل, ويبتعد كثيراً كي تصعد، هذه الشهامة, وهذه المروءة، لذلك ماذا قال النبي؟ قال:
((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق))
الحقيقة يجب أن نستفيد من هذه القصَّة، وأن نجعل منها قدوةً، فعنترة الشاعر الجاهلي قال:
وأغضُّ طرفي إن بدت لي جار تي حتى يواري جارتي مأواها
الآن يستعملون المناظير المقرِّبة، أليس كذلك؟ هذا وضع الجاهلية الجديد، لذلك:
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 59]
وقد لقي المسلمون ذلك الغي .

السعيد 09-04-2018 09:11 AM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( الثامن )


الموضوع : زينب بنت جحش


الحكمة من زواجها والغاء عادة التبنى



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
السيرة الذاتية لزينب بنت جحش :
أيها الأخوة المؤمنون, مع سير الصحابيِّات الجليلات رضوان الله عنهن أجمعين، ومع أم المؤمنين السيدة زينب بنت جحش .
هي زينب بنت جحشٍ أم المؤمنين، وأمها أميمة بنت عبد المطلب, عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولدت في مكة قبل البعثة بسبع عشرة سنة، وكانت من المهاجرات الأوَل ، وأسلمت قديماً، هذه الصحابية الجليلة أم المؤمنين، زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانت عند زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم .
أيها الأخوة, كلمة المولى من أندر الألفاظ في اللغة، ففي اللغة العربية هناك أسماء لها معنيان متعاكسان، فالمولى هو السيد والعبد معاً، تقول: يا مولاي، تخاطب الله عز وجل، وقد تخاطب عبداً عندك, فتقول له: يا مولاي، فالمولى هو السيد والعبد .
كانت عند زيد بن حارثة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم طلقها، وتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام بنَص القرآن الكريم، الزوجة الوحيدة التي أمر الله النبي عليه الصلاة والسلام أن يتزوَّجها، وبسببها نزلت آية الحجاب، وقد نزل فيها قوله تعالى:

﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾
[سورة الأحزاب الآية: 37]
وتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولها من العمر خمس وثلاثون سنة .
أما الروايات التالفة، الساقطة، المُزوَّرة، المفتراة, التي وردت في بعض التفاسير: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي في الطريق، فرأى باباً مفتوحاً، فنظر إلى داخله، فإذا امرأةٌ حسناء, تغتسل عاريةً، وشعرها وصل إلى أسفل ظهرها، فوقعت في نفسه، فهذه روايةٌ من وضع الزنادقة، لا أصل لها، روايةٌ ساقطةٌ تالفة، إن قرأتموها في كتابٍ, اعتمد على رواياتٍ تالفة, فانبذوا هذه الرواية .
كانت هذه الزوجة الكريمة، أول نسائه صلى الله عليه وسلم وفاةً بعده، صلى عليها عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعنها .

لماذا أمر الله نبيه أن يتزوج زوجة متبناه, وما هي علة تحريم التبني ؟
أما قصة زواجها من زيد وطلاقها فكما وردت في كتب السيرة، قال تعالى:
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾
[سورة الأحزاب الآية: 37]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5849/01.jpg
فالله عز وجل أمر النبي أن يتزوَّج زينب زوجة متبنَّاه، فأبطل الله عز وجل بها عادةً جاهليةً، وهي عادة التبني، كان الرجل يتبنى طفلاً، وينسبه إليه، وهو ليس ابنه، هذا الابن أجنبيٌ في هذا البيت، وبحسب الفطرة البشرية الأخ في البيت لا يشتهي أخته، والأب في البيت لا يشتهي ابنته، أما لو تبنى رجل فتاةً صغيرة، وكبرت هذه الفتاة، فهي عند صاحب البيت مشتهاة .
لو تبنى رجلٌ طفلاً صغيراً، ثم شب هذا الطفل، وفي البيت فتاةٌ في ريعان الصبا، ربما وقعت الفاحشة داخل البيت, دون أن يعلم أحد، لأن الطفل المتبنى، أو الطفلة المتبنَّاة، إذا شبَّت، وكبُرت، وأينعت، ليست من أحد أفراد الأسرة, إنها امرأةٌ غريبة، وإن هذا الابن شابٌ غريب، ربما وقعت الفاحشة في البيت .
لذلك أراد الله جل جلاله من خلال هذه القصة، أن يبطل عادةً جاهليةً هي عادة التبني ، وقد دفع النبي عليه الصلاة والسلام ثمن إبطال هذه العادة دفع غالياً، لأنه شيءٌ مألوف، شيءٌ دخل في صميم العادات والتقاليد، كيف يتزوَّج الإنسان زوجة ابنه المتبنى؟ شيءٌ لا يحتمل، وهذا معنى قول الله عز وجل:

﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 37]
من أمثلة القرآن على تحريم عادة التبني :
كان زيد بن حارثة مولىً لخديجة رضي الله عنها، فلما تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام وهبته له، صار زيد غلاماً لرسول الله .
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا:

((أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, مَا كُنَّا نَدْعُوهُ إِلَّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ, حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ: ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
أصبح اسمه: زيد بن حارثة، وقد علم أبوه أنه عند محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فأتاه هو وأخوه كعب لفدائه، كان غلامًا عند خديجة، فلما تزوج بها النبي وهبته إياه، فهو عنده، فلما علم أبوه وعمه أن زيداً عند محمدٍ صلى الله عليه وسلم، جاؤوا النبي عليه الصلاة والسلام فقالا:
((يا بن عبد المطلب، يا بن سيد قومه، أنتم أهل حرم الله، تفكون العاني، وتطعمون الأسير، جئناك في ولدنا عندك، فامنن علينا، وأحسن في فدائه, فقال عليه الصلاة والسلام: ادعوه فخيروه، فإن اختاركم, فهو لكم بغير فداء, وإن اختارني, فو الله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداءً .
-هل في الأرض كلها شاب أو صبي, يؤثر رجلاً على أبيه وعمه، أو على أبيه وأمه؟ ماذا تلقَّى من محمدٍ عليه الصلاة والسلام؛ من معاملة طيبة، من إكرام بالغ، من رحمة واسعة ، من لطف بالغ، حتى آثر النبي على أمه وأبيه؟!- .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5849/02.jpg
قال: فدعاه, فقال: هل تعرف هؤلاء؟ -لعلهما ادعيا أنهما أقرباؤه- قال: نعم, هذا أبي، وهذا عمي, فقال عليه الصلاة والسلام: فأنا من قد علمت, ورأيت صحبتي لك, فاخترني أو اخترهما, فقال زيد: ما أنا بالذي أختار عليك أحداً، أنت مني بمكان الأب والعم, -عندئذٍ كاد أبوه ينفجر- فقال: ويحك يا زيد, أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك, وعمك, وأهل بيتك ؟ فقال زيد: لقد رأيت من هذا الرجل شيئاً، ما أنا بالذي أختار عليه أحداً .
-أيها الأخوة, الإنسان أحياناً يتساءل، النبي عليه الصلاة والسلام عنده زيد، وهو غلامه، ويعلم أن له أباً، وأماً، وأهلاً، وهو سيد الخلق، هو أكمل خلق الله، فكيف يسمح النبي لنفسه أن يبقي عنده زيد؟ .
الجواب: النبي عليه الصلاة والسلام يعرف من هو؟ يعرف أن رحمته أكبر من رحمة أبيه وأمه، يعرف أن السعادة كلها عنده، يعرف أن خير الدنيا والآخرة في صحبته، ما تركه عنده قسراً، والدليل: لما جاء أبوه وعمه, يدفعان مالاً وفيراً ليفتديانه, اختار زيد رسول الله، إذاً: هو واثقٌ من نفسه، واثق أن صحبة زيد لرسول الله أفضل له من كل شيء؛ من أمه وأبيه-.
فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام هذا الموقف الوفي، -والنبي عليه الصلاة السلام سيد الأوفياء- أخرجه إلى الحِجر, -إلى حجر إسماعيل- أمسكه بيده, وقال : اشهدوا أن زيداً ابني، يرثني وأرثه .
فلما رأى ذلك أبوه وعمه, طابت أنفسهما وانصرفا))


.
ومن هذه اللحظة: دعي زيد بن محمد، حتى جاء الإسلام، وجاءت البعثة؛ بعثة النبي العدنان، صار اسمه زيد بن محمد، وليس في القرآن الكريم كله اسم صحابيٍ إلا زيد، لأنه خسر نسبه إلى النبي بعد أن أبطل الله عادة التبني، كان اسمه بين كل الصحابة زيد بن محمد، فلما أبطل الله عادة التبنّي، عوَّضه خيراً من هذا الاسم، فجعل اسمه في القرآن الكريم:

﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾
[سورة الأحزاب الآية: 37]
لم يرد في القرآن كله اسم صحابيٍ إلا زيد .
إليكم قصة زواج زينب من زيد وطلاقها منه :
أما قصة زواجه من زينب فقد حكتها زينب نفسها، قالت:
((خطبني عدة رجالٍ من قريش، فأرسلت أختي إلى رسول الله أستشيره .
فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: أين هي ممن يعلمها كتاب الله وسنة نبيها؟.
قالت: ومن هو يا رسول الله؟ .
فقال عليه الصلاة والسلام: زيد بن حارثة .
قال: فغضبت أختها غضباً شديداً .
قالت: يا رسول الله! أتزوج ابنة عمتك مولاك؟ .
-ليس هناك تناسب، وهذه العادة الجاهلية سارية المفعول حتى الآن، زينب من قريش، وقريش من أعظم قبائل العرب، تسكن في مكة، وهي سيدة القبائل، وهي بنت عمَّته، يزوجها لعبدٍ أسود؟! يزوجها لمولاه؟! .
حينما داس بدويٌ من فزاره إزار جبلة بن الأيهم ملك الغساسنة, ضربه ضربةً هشمت أنفه، فشكاه إلى عمر رضي الله عنه، قال له:

أرضِ الفتى لا بد من إرضائه ما زال ظفرك عالقاً بدمائه
أو يهشمن الآن أنـــــفك وتنــــال ما فعلته كفك

جبلة ملك الغساسنة، قال:
كيف ذاك يا أمير، هو س وقةٌ، وأنــا عرشٌ وتاج؟
كيف ترضى أن يخر النجم أرضًا؟

قال له:
نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها أقمنا فوقها صرحاً جديداً
وتساوى الناس أحراراً لديناً وعبيداً

قيَم جديدة، قيم الجاهلية تحت الأقدام, قال:
كان وهماً ما جرى في خلدي أنني عنــــدك أقوى وأعز
أنا مرتـــــــدٌ إذا أكرهتني

قال:
عنق المرتد بالســيف تحز عالمٌ نبنيـــه، كل صدعٍ فيه
بشبا السيف يداوى وأعز الن اس بالعبد بالصعـلوك تساوى

زيد من أرومة قريش، وهو عبدٌ أسود، هذه قيمٌ جاهلية، سيدنا عمر خرج, وهو خليفة المسلمين، إلى ظاهر المدينة, لاستقبال سيدنا بلال الحبشي .
سيدنا الصديق وضع يده في إبط بلال, وقال:

((هذا أخي حقاً))
كان أصحاب النبي عليهم رضوان الله, إذا ذكروا سيدنا الصديق, قالوا:
((هو سيدنا وأعتق سيدنا))
يعنون بلالاً، هذا هو الإسلام .
عبد؛ أبيض، أسود، ملون، هذه قيمٌ جاهليةٌ تحت الأقدام- .
النبي عليه الصلاة والسلام قال لابنة عمته زينب, قال: أزوجك زيد بن حارثة .
أختها غضبت وقالت: يا رسول الله! أتزوج ابنة عمتك مولاك؟! .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5849/03.jpg
وقالت زينب: وجاءتني فأعلمتني، فغضبت أشد من غضبها, فقلت: أشد من قولها، فأنزل الله عز وجل قوله تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
-اسمحوا لي أن أقول لكم: هناك درجة في الإيمان إذا وضعت قضيةً, قضى بها القرآن، أو قضى بها النبي العدنان، إذا وضعتها على بساط البحث, فأنت لست مؤمناً .
شيءٌ بت به الشرع، شيءٌ محرمٌ بنص القرآن الكريم، شيءٌ حلالٌ بنص القرآن الكريم، إن أردت أنت أن تحلل أو تحرم، ولم تقبل حكم الله عزَّ وجل فلست مؤمناً, قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
قالت: فأرسلت إلى النبي عليه الصلاة والسلام, فقلت: إني أستغفر الله، وأطيع الله ورسوله، افعل يا رسول الله ما رأيت، فزوجني رسول الله زيد .
-الموقف لطيف، المؤمن إذا غلط تجده يدعو: أنا أستغفرك يا رب، يا رب سامحني, أنا تبت إليك .
بالمناسبة خصوص السبب شيء، والعموم؛ عموم القصد شيءٌ آخر، لعل هذه الآية نزلت في زينب، ولكن الآية نصَّها عام، فأي مؤمنٍ وضع قضيةً, قطع بها الشرع على بساط البحث, ليس مؤمناً, قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 36]
في ندوة أذيعت على الهواء مباشرة، سُئلت عالمةٌ كبيرة في مصر عن رأيها في التعدد, قالت: ما كان لي أن أدلي برأيي، وقد سمح الله به, هذا المؤمن .
لكن يبدو أن زينب ليست معصومة، ما تحمَّلت أن يكون زيدٌ زوجها، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ:

((لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةَ
﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ﴾
فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ, جَاءَ زَيْدٌ يَشْكُو, فَهَمَّ بِطَلَاقِهَا, فَاسْتَأْمَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ, وَاتَّقِ اللَّهَ))

[أخرجه الترمذي في سننه]
تألم زيد، فأراد أن يطلقها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: فقال: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَك، فقال زيد: أنا أطلقها، قالت: فطلقني، فلما انقضت عدتي, لم أعلم إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرني، لأن الآية الكريمة:
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا﴾
[سورة الأحزاب الآية: 37]
فالنبي تنفيذاً لأمر الله عز وجل ذكرها، وتزوج النبي امرأة زيدٍ بعده، وانتفى ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه, من أن الذي يتبنَّى غيره يصير ابنه، لا .
فالعوام يقولون أحياناً: إن شاء الله مثل أخي، لا هذا ليس أخاكِ، فهذا أجنبي، وهذا قد يشتهيكِ، وهذا قد تزله قدمه معكِ، وقد يغريكِ، هذا كلام باطل ليس له أصل .
فكان زواجه من امرأة متبنَّاه بعد طلاقها, وانتهاء عدتها، تأكيداً لإبطال التبنِّي الذي ساد الجاهلية، لذلك قال الله تعالى:

﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 4]
الولد الذي يُتَبَنَّى ليس ابناً، إذا وجد الرجل لقيطًا, ماذا يفعل؟ يمكن أنْ يكون في البيت ، لكن ليس ابنه، فهو لقيط، يمكن أنْ يرعاه، ويقدم له كل مساعدة، يطببه، يعلمه، أما إذا بلغ, فلا بدَّ أن يعزله عن أهل البيت، فلا تمنع الآية العمل الصالح، أن تأخذ طفلا يتيما بلا أب ولا أم فترعاه، هذا موضوع ثان، أما أن يكون هذا المتبنى ابناً فهو ليس ابنك .
إليكم هذا الخبر الذي ورد في طبقات ابن سعد :
وفي خبر تزويجها عند ابن سعدٍ:
((فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدث عند عائشة، إذ أخذته غشيةٌ فسري عنه، وهو يبتسم، ويقول: من يذهب إلى زينب ويبشِّرها، وتلا قوله تعالى:
﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 37]
قالت عائشة: فأخذني ما قرب وما بعد, لما يبلغنا من جمالها))
أصابتها الغيرة, وأخرى هي أعظم وأشرف، ما صنع لها؛ زوجها الله من السماء .
فهي المرأة الوحيدة التي زوَّجها الله عز وجل، وكانت تقول مفتخرةً:

((لقد زوجكم أولياؤكم, وزوجني رب العزة))
وقالت عنها عائشة:
((يرحم الله زينب, لقد نالت في الدنيا الشرف الذي لا يبلغه شرف، إن الله زوجها, ونطق بها القرآن، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أسرعكن لحوقا بي أطولكن يدا))
فبشرها بسرعة لحوقها به، وهي زوجته في الجنَّة، وأول زوجاته لحوقاً به زينب .

ماذا نستنبط من هذه الآيات ؟
الآن نريد أن نستشف الحكم الشرعي المستنبط من هذه القصة، قال تعالى:
﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 4]
فمثلاً هذا كأس ماء، لو أنك قلت شيئاً آخر، يبقى ماءً لا يتغير شيء، تغيير الاسم لا يغير حقيقة الشيء، قال تعالى:
﴿ومَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ * ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 4-5]
الآية الثانية:
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 37]
فقد كان النبي بهذا مشرعاً، أمره الله عز وجل، وفي هذا الأمر إحراجٌ شديدٌ له صلى الله عليه وسلم .
فنحن الآن نرتدي ثيابًا جميعاً، لا يقبل ولا يعقل أنْ يمشي الإنسان بلا ثياب, خرج عن التقاليد والعادات، والذوق العام، فالقيم راسخة، والتقاليد راسخة، والأعراف راسخة، وهذا المتبنَّى ابن، وهذه زوجته، أن يقول الله عز وجل لنبيه المرسل: تزوج ابنة متبنَّاك، شيء فوق طاقة الاحتمال, ولكن النبي كان مشرعاً بهذا .
إذاً: نزلت هذه الآيات الكريمة لإبطال حكم التبنِّي، الذي ساد شيوعه في الجاهلية وصدر الإسلام .
كما نزل قوله تعالى:

﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 40]
وثمة حكمة ثانية: لحكمةٍ بالغةٍ بالغة لم يكن من ذرية النبي من الأحياء ولدٌ ذكر؛ لئلا يقول: أنا وريث النبوة، محمدٌ أبي، لئلا تقع منازعات، لئلا تقع خصومات، لئلا يكون قدوةً غير صالحةٍ لأتباع النبي عليهم رضوان الله، لئلا تنشأ مشكلة, قال تعالى:
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 40]
لا حقيقةً، ولا تبنِّياً أبداً, قال تعالى:
﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 40]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5849/04.jpg
ولحكمة بالغةٍ والله أعلم: أن أباه وأمه توفِّيا قبل أن يُبعث، لو أن أباه حي يرزق، فسيقول: هذا ابني، أنا ربيته، هذه تربيتي، لا، هذه تربية الله عز وجل، لو أن أمه حيةٌ ترزق لقالت: هذه تربيتي، أنا ربيته هكذا، ليس له أبٌ ولا أمٌ، ولا ولدٌ ذكرٌ من بعده، لأن الله سبحانه وتعالى اصطنعه لنفسه, قال تعالى:

﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾
[سورة طه الآية: 41]
لأن الله سبحانه وتعالى اصطفاه ليكون سيد الخلق, وحبيب الحق، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي علمه, قال تعالى:
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 40]

طبعاً بعد هذه الحادثة, هناك نهيٌ قطعي عن أن يقال: زيد بن محمد، اسمه زيد بن حارثة .
قال كُتَّاب السيرة: إنه صلى الله عليه وسلم لم يعش له ولدٌ ذكرٌ, حتى بلغ الحُلُم، فجميع أولاده الذكور, ماتوا جميعاً صغارًا إلا بناته, فقد عِشْنَ وتزوَّجن، ومات له ثلاث بناتٍ منهن في حياته؛ هي زينب، ورقية، وأم كلثوم، وأما فاطمة فماتت بعده بستة أشهر، وأما أولاده الذكور الذين ماتوا, وهم صغار هم؛ القاسم, والطَيِّب، والطاهر، وهم من خديجة، وإبراهيم, وهو من ماريا القبطية .
إذن أذاقه الله موت الولد في حياته :

((إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يُرْضِي رَبَّنا، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُون))
[أخرجه البخاري في الصحيح]

من هذا يتبيَّن: أن الله لم يشأ أن يكون لرسوله صلى الله عليه وسلم، أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام أبا أحدٍ من الرجال، لما خصه سبحانه وتعالى بخاتم الأنبياء والمرسلين، ولئلا يدعي أحدٌ من بعده من أبنائه وراثة النبوة بداعي النبوة، لذلك حرم الله تحريماً قدرياً وشرعياً أن يكون للنبي عليه الصلاة والسلام ولدٌ من بعده، أو أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام أباً لأحدٍ من الرجال, قال تعالى:

﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 40]
سمَّاه العلماء: تحريم تشريعي, وتحريم قدري، أي أن الله عز وجل ما سمح لأحد أولاده أن يبلُغ الحُلم في حياته، ماتوا صغاراً، تحريم قدري، وتحريم شرعي, قال تعالى:
﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 40]
وقال علماء السيرة: ولتأكيد إبطال حكم التبني عموماً للناس وخصوصاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم، زوَّجه الله تعالى زوجة زيدٍ الذي كان قد تبنَّاه، وذلك أن الله قد حرم على الآباء زوجات أبنائهم، والولد المتبنَّى ليس بابنٍ على الحقيقة .
فنحن من يستطيع أن يتزوج زوجة ابنه؟ مستحيل، فلما أمر الله النبي أن يتزوج زوجة زيد، هذا إعلان صارخ أن زيدًا ليس ابنه، بدليل أن الله أمر النبي بزواجه من زوجة زيد، ولو كان ابنه, لكان مستحيلا أن يتم هذا الزواج .

الوليمة التي قدمها النبي في زواجه من زينب :
كانت هذه السيدة المصون زينب, تفتخر أمام ضرَّاتها، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ:
((فَكَانَتْ زَيْنَبُ تَفْخَرُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ, وَزَوَّجَنِي اللَّهُ تَعَالَى مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
وكانت وليمة العرس حافلة؛ ذبح النبي صلى الله عليه وسلم شاةً، وأمر صلى الله عليه وسلم أنس بن مالك, أن يدعو الناس إلى الوليمة, فترادفوا أفواجاً أفواجاً, يأكل فوجٌ فيخرج، ثم يدخل فوجٌ آخر، حتى أكلوا كلهم، وجلس جماعةٌ منهم يتحدَّثون في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم, ورسول الله جالسٌ، فلما فرغ النبي عليه الصلاة والسلام, أي أنهم فرغوا من الطعام، والصحابة مستأنسون، استمروا في جلوسهم, وحديثهم مع النبي, فقال الله عز وجل في هذا الموطن: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5849/05.jpg
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 53]
فالإنسان أحياناً يستأنس, لكن هذا الذي تستأنس به مَجهود، مُتعب، أمضى ساعاتٍ طويلة في العمل المُضني، أنت مستأنس, أما هو متعب، فلا بد أن يلاحظ ذلك، فالإنسان الكامل ظله خفيف، هؤلاء مع رسول الله, وهو سيد الخلق، فاستأنسوا، وكان في حرج، والبيت ضيِّق، وزينب في مكان صعب، فلذلك قال تعالى:
﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 53]
الخاتمة :
أيها الأخوة الكرام, موضوعٌ آخر متعلقٌ بهذه السيدة الكريمة زينب، فبمناسبة هذه القصة, نزلت آية الحجاب، وهذا موضوع الدرس القادم إن شاء الله تعالى .
ولو أردنا أن نستنبط من هذه القصة بعض المواعظ: أن أي كلمة يقولها العوام: أن فلانة كأختي، أو فلان كأخي، فهذا مرفوضٌ شرعاً، ومرفوضٌ واقعاً، ومرفوضٌ عقلاً، الإنسان بفطرته السليمة؛ لا يشتهي أخته، ولا يشتهي أمه، ولا يشتهي ابنته، أما إذا تبنى طفل ، فهذا الطفل إذا كبر, فهو أجنبي, يشتهي من في البيت من النساء، لذلك مفسدة عظيمة جدًا أن ينشأ أجنبيٌ في بيت، ويعامل كأنه أحد أفراد البيت، وكل أنواع الفساد الأسري, أساسه هذا, لذلك استأصل الله عز وجل هذه العادة وأبطلها، والنبي عليه الصلاة والسلام هو الذي كُلِّف بهذا, حينما تزوَّج زوجة متبنَّاه سيدنا زيد .


السعيد 09-04-2018 09:14 AM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( التاسع )


الموضوع : جويرة بنت الحارث



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
>متى ولدت جويرية بنت الحارث, ومن هو زوجها, ومن هم الذين رووا عنها من أحاديث
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثامن عشر من دروس سير الصحابيات رضوان الله عليهن أجمعين، ومع أمهات المؤمنين، ومع السيدة جويرية بنت الحارث، قال ابن عباس: كان اسم جويرية: برّة, فسماها النبي صلى الله عليه وسلم جويرية، ولدت قبل البعثة بنحو ثلاثة أعوام تقريباً، تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام وهي ابنة عشرين سنة في سنة خمس للهجرة، أو سنة ست على اختلاف بين المؤرخين، وكان أبوها الحارث سيداً مطاعاً، قَدِمَ على النبي صلى الله عليه وسلم، وأسلم، وروى عنها عبد الله بن عباس، وعبيد بن السابق، وأبو أيوب، ومجاهد، وعبد الله ابن شداد أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
ما هي الأسباب التي دفعت النبي إلى الزواج من السيدة جويرية بنت الحارث ؟
تعود أسباب زواج النبي صلى الله عليه وسلم من هذه السيدة جويرية إلى غزوة بني المصطلق، وتسمى بغزوة المريسيع، فقد ذكر ابن إسحاق وبعض علماء التفسير, أنها كانت في العام السادس من الهجرة، والصحيح الذي عليه المحققون أنها كانت في العام الخامس للهجرة، كما ذكرت قبل قليل على اختلاف بين المؤرخين .
سببها:

((بلغ النبي صلى الله عليه وسلم من أن بني المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار، فلما سمع النبي عليه الصلاة والسلام بهم, خرج إليهم حتى لقيهم على ماء, يقال له: المريسيع، فتزاحم الناس واقتتلوا, فهزم الله بني المصطلق .
-ماذا نستنتج؟ المسلمون في أيام ضعفهم, كانت حركاتهم ردودَ أفعال، أما المسلمون في قوتهم, فحركاتهم أفعال، وشتان بين أنه كلما اعتدى عليك أحد؛ تتحرك, تستنكر, تشجب, تتألم تشكو, وبين أن تبدأ أنت خصمك، من الذي ينتصر دائماً؟ هو الذي يفرض على خصمه الوقت والزمان للمعركة، نرجو الله سبحانه وتعالى أن يستعيد المسلمون قوتهم, كي يتحركوا بفعل لا برد فعل، وثمة فرق كبير بين أن تتحرك بفعل، وبين أن تتحرك برد فعل، فالنبي عليه الصلاة والسلام شعر أن بني المصطلق تتجمع، وتتهيَّأُ، وتكيد له، فماذا فعل؟- بدأهم- وقالوا في شؤون الحرب: إن الهجوم أفضل وسائل الدفاع، أيْ أن تبدأ أنت، والله سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
[سورة الأنفال الآية:60]
(ما استطعتم) كما يقول المفسرون: تفيد استنفاد الجهد، لا بذل بعض الجهد .
الشيء الدقيق: أن الله سبحانه وتعالى حينما يرى من عباده المؤمنين أنهم أعدوا العدة، وآمنوا به، وأنه هو الفعال، والفرق بين إمكاناتهم وإمكانات عدوهم يغطيه الله عز وجل، إلا أن الشيء الذي يجب أن نقوله: إن الإعداد، واقتناء السلاح, هدفه القرآني ليس أن تستعمله، بل أن ترهب به، قال تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾
[سورة الأنفال الآية:60]
الآن الدول النووية هل تستخدم السلاح؟ أبداً، لكنها مرغوبة الجانب، السلاح في نظر القرآن, يجب أن تتملكه, كي تكون مرهوب الجانب، وكي تتحرك بفعل لا برد فعل، فالمسلمون حينما يضعفون يتحركون دائماً بردود أفعال، أما حينما كانوا في أوج قوتهم، وفي أوج نصر الله لهم, تحركوا بأفعال، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾
[سورة الحج الآية: 40]
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[سورة غافر الآية: 51]
والآية الدقيقة جداً هي:
﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾
[سورة الصافات الآية: 173]
إن لم تغلب, فابحث في مصداقية جنديتك لله، إن لم تغلب, فأنت لست جندياً لله، لو كنت جندياً لله, لا يمكن أن تغلب، بل إن بعض العلماء يقول: إن الذي يدعو إلى الله، ولا ينجح في دعوته، ويعزو ذلك إلى ظروف صعبة، وإلى قوى تعادي الحق, ليس له بها أن يقابلها، نقول: أنت تكذب، واللهُ تعالى يقول:
﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[سورة غافر الآية: 51]
فالنبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يبدأهم ما داموا قد أعدوا، وتمنَّعوا، وتهيَّؤوا، وكادوا، وائتمروا، وقد كانت هذه الغزوة بعد ما استقر أمر الإسلام في المدينة، وتوفرت لأبنائه أسباب القوة, فتحرك اليهود والمنافقون على حد سواء على مناوءة الإسلام، ونبيه، ودعوته, بأسلوب المكر والخداع، وهذا حالهم من قديم .
-أيها الأخوة, يلفت النظر أن الإنسان أحياناً حينما يكون ضعيفاً لا أحد يحسده، ولا أحد يكيد له، أما إذا قوي، وارتفع شأنه، وصلب عوده، ومكنه الله عز وجل, عندئذ يكثر حساده، ويكثر أعداؤه حسداً .
وأنا أقول دائماً: هناك ثلاثة أنواع من الاختلاف؛ هنالك اختلاف طبيعي أساسه نقص المعلومات، هذا الاختلاف يحل بالمعلومات الصحيحة، وهناك اختلاف سببه الحسد والبغي، قال تعالى:

﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾
[سورة آل عمران الآية: 19]
والاختلاف الثالث اختلاف محمود، اختلاف التنافس ضمن مجموعة المؤمنين، أراد مؤمن أن يتفوق في تفسير القرآن، وآخر في الحديث، وثالث في الفقه، وغيره في الدعوة إلى الله ، وغيره في التسليك إلى الله، ومؤمن في أعمال البر، ومؤمن في علم الفرائض، ومؤمن في علم التجويد، هذا تنافس حميد .
عندنا تنافس طبيعي, لا يذم ولا يمدح، أساسه نقص المعلومات، وهناك اختلاف أساسه الحسد والغي، واختلاف أساسه المنافسة الشريفة، فالأول لا يمدح ولا يذم، والثاني مذموم، والثالث حميد .
لذلك لما قوي شأن المسلمين كاد المنافقون، وتعاونوا مع اليهود، فلما هزم اليهود التحق المنافقون بالمسلمين، لأنهم مع القوي دائماً، المنافق غير المؤمن، ليس له مبدأ، مصلحته هي المبدأ، إلهه هو الهوى، فأينما تميل الكفة, يميل معها دائماً- .
ثم ظهر ذلك جلياً في غزوة بني المصطلق، فإن الأنباء أتت نبي الله صلى الله عليه وسلم بأن هذه القبيلة تجمع له، وتستعد لقتاله، فسارع النبي، وسارع المسلمون, ليطفؤوا الفتنة قبل اندلاعها، وخرج النبي هذه المرة مع المنافقين, الذين لم يعتادوا الخروج معه قبلاً، واغتروا بانتصاراته وغنائمه, ليصيبوا من ذلك سمعة ومالاً، -أين الغنائم؟ إن كانت مع المؤمنين فهم مع المؤمنين .
الآن هناك نمط شائع؛ إنسان اختلف مع إنسان، كيف تحل هذه المشكلة؟ اختلف معه على بيت مستأجر، هذا الطرف الثاني مستأجر، والقانون يحميه، يقول لك: أريد الشرع، يريد حكم الله، وحالك أنت لست منفذاً شيئاً من حكم الله عز وجل، والآن يريد حكم الله، ترك القانون، ولجأ إلى العلماء .
تأتي قضية ثانية ليس له في الشرع نصيب منها، والقانون معه، نحن دولة لنا أنظمة، وقوانين، ومحاكم، وأنا أريد المحكمة، لماذا مرة المحكمة، ومرة الشرع؟ هو يبحث عن مصلحته ، يبحث عن أهوائه، يبحث عن مكاسبه، فهذا الذي يحكم الشرع تارة، والقانون تارة, ليس مع هذا ، ولا مع ذاك، ولكن مع مصلحته، وهذا أساساً مكشوف- .
حينما وصل النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام إلى بني المصطلق, أمر عمر بن الخطاب أن يعرض الإسلام على القوم، فإن أسلموا فهم منّا، ونحن منهم، لهم ما لنا، وعليهم ما علينا، وانتهى الأمر، فنادى عمر فيهم, قولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله, تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم، ولو قالوها بألسنتهم .
أبى الفريقان، وتراموا، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه, فحملوا عليهم حملة رجل واحد, فلم يفلت من المشركين أحد، إذ وقعوا أسرى بعد ما قتل منهم عشرة أشخاص، ولم يستشهد من المسلمين إلا رجل واحد قتل خطأ، وسقطت القبيلة بما تملك في أيدي المسلمين، -وهنا التعليق: رأى النبي عليه الصلاة والسلام أن يعامل المهزومين بإحسان .
المؤمن دائماً قدوته النبي، قلبه مليء بالرحمة لكل الخلق، بل إنه يستمد هذا من أن الله سبحانه وتعالى لا يغضب على عباده العصاة والكفار، بل يغضب من عملهم، فإذا رجعوا كانوا أحبابه .
كنت أقول هذا دائماً: دخل عمير بن وهب على النبي، وقد جاء ليقتله، وسيفه على عاتقه ، وقد شعر عمر بن الخطاب أنه جاء يريد شراً، أدخله على النبي بعد أن قيده بحمالة سيفه، وقال :

((يا رسول الله! هذا عدو الله عمير بن وهب, جاء يريد شراً، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: يا عمر أطلقه، وابتعد عنه، -والقصة معروفة- وأسلم عمير، وخرج من عند النبي، -ماذا يقول عمر هنا؟- دخل عمير على رسول الله، والخنزير أحب إليّ منه، وخرج من عنده، وهو أحب إليّ من بعض أولادي))
ليس هناك عند المسلم عداوة دائمة، ولا عداوة شخصية، هناك عداوة عمل، يكره من الكافر كفره، يكره من المنافق نفاقه، يكره من العاصي معصيته، يكره من المنحرف انحرافه، يكره من المنغمس في الملذات, انغماسه في الملذات، ولا شيء آخر، أساساً إذا رجع العبد إلى الله, نادى منادٍ في السموات والأرض, أن هنؤوا فلاناً, فقد اصطلح مع الله، بل إن كل واحد منكم, حينما يتوب إلى الله توبة نصوحاً, يشعره الله عز وجل، ويلقي في روعه, أنه قد عفا عنه، ولا شيء بينك وبين الله إلا الودّ والحب .
فهؤلاء عباد الله هزمهم، ماذا فعل النبي؟ أراد أن يرحمهم، وكانت هذه سنته صلى الله عليه وسلم في أعدائه المنكسرين، لكن لو لاحظنا الحروب الحديثة إذا انتصرت دولة على دولة تسحقها، وتذلها، خمسمائة طفل يموتون كل عام في العراق، لا يرحمونهم، الحروب الحديثة حروب تشقي، حروب إبادة، حروب تنطلق من قلب كالصخر، أما الحروب الإسلامية فتنطلق من رحمة، النبي انتصر عليهم، ولكن أراد أن يرحمهم- .
قال ابن هشام: لما انصرف النبي عليه الصلاة والسلام من غزوة بني المصطلق، ومعه جويرية بنت الحارث، وكان بذات الجيش دفع جويرية إلى رجل من الأنصار، وأمره بالاحتفاظ بها, لكونها بنت سيد قومها، وكان هذا قبل توزيع الغنائم، وقدم النبي عليه الصلاة والسلام المدينة, فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء ابنته، أبوها سيد قومه, أخذها ليجلب قومه، فلما كان بالعقيق, نظر أبوها إلى الإبل التي جاء بها, ليفدي ابنته, فرغب في بعيرين منها، فغيبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أتى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: يا محمد, لقد أصبتم ابنتي، وهذا فداؤها، فقال عليه الصلاة والسلام: أين البعيران اللذان غيبتهما في العقيق في شعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: أشهد أنك رسول الله، لأن هذا الذي فعلته لا يعلمه أحد إلا الله .
في الطريق غيب ناقتين، أعجبه منهما سمنهما, فغيبهما في بعض الشعب، وجاء النبي بقطيع من الإبل، وقال: هذه فداء ابنتي، أسلم أبوها فوراً، وقال: أشهد ألا إله إلا الله, وأنك رسول الله، فو الله ما اطلع على ذلك إلا الله، أسلم الحارث، وأسلم معه ابنان له، وناس من قومه، وأرسل البعيرين فجاء بهما .
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير, عن عمه عروة بن الزبير, عن خالته عائشة, قالت: لما قسم النبي عليه الصلاة والسلام سبايا بني المصطلق, وقعت جويرية بالسهم لحارث بن قيس بن شماس، أو لابن عم لها, فكاتبته على نفسها, دائماً ابنة سيد القوم لها عزة وكرامة، فكاتبته أن تعطيه شيئاً من المال على أن يعتقها، فأتت رسول الله, تستعينه في كتابتها، فلو تعينني على أن أدفع المال لهذا الذي كنت نصيبه لعله يعتقني .
قالت عائشة: فلما دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم, قلت:

((يا رسول الله, جويرية بنت الحارث سيد قومه، قالت: يا رسول الله, قد أصابني من البلايا ما لا يخفى عنك، وكاتبتي على نفسي, فأعني على كتابي، فلما رأى النبي عليه الصلاة والسلام أنها هذه المرأة بنت سيد قومها الحارث, الذي جمع الجموع لقتاله, تسترحمه وتستنجد بها, -للتخلص من الرق والعبودية, حفاظاً على كرامته، وكرامة أبيها، وقومها، وهو الرؤوف الرحيم، وأنه لا بدّ أن يستجيب لأمرها ، ويلبي طلبها .
وقد فعل هذا ببنت حاتم الطائي، جاءت مع السبايا, فلما استعرضهم النبي وقفت, فقالت:

((يا رسول الله, لقد هلك الوالد، وغاب الوافد، وأنا بنت حاتم الطائي, فأطلقني، سألها: ومن الوافد؟ قالت: عدي، قال: الفارّ من الله ورسوله، وتركها .
في اليوم الثاني قالت له كما قالت في اليوم الأول، وسألها ثانية: من هو الوافد؟ قالت: عدي، قال: الفارّ من الله ورسوله .
في اليوم الثالث سكتت، أشار إليها سيدنا علي أن تسأله ثالثة، فلما سمع منها النبي قالت: أنا بنت حاتم الطائي، فقال عليه الصلاة والسلام: إن أباها كان يحب مكارم الأخلاق، أطلق سراحها وأكرمها, حتى أقنعت أخاها أن يلتحق بالنبي .
-الذي يلفت نظري أن النبي عليه الصلاة والسلام ينقلب أعداؤه الألداء بلقاء واحد إلى أحباب- قالت: الحق بهذا الرجل إن يكن نبياً, تكن من أتباعه، وإن يكن ملكاً تنل منه، وتبع عدي نبي الله، وصار من أصحاب رسول الله))

طبعاً رسول الله كان بإمكانه أن يطلق سراحها، أن يطلقها بلا فداء، وهو ضامن، -ماذا فعل؟- فقال عليه الصلاة والسلام: أو خير من ذلك، أتحبين شيئاً خيرًا من ذلك؟ قالت: ماذا؟ قال: أؤدي عنك كتابك، وأتزوجك، قالت: نعم، ففعل ذلك .
فبلغ الناس أنه قد تزوجها فقالوا: أصهار رسول الله عندنا، أطلقوا سراحهم جميعاً، لذلك قالوا: أعتق الله بها مئة من أهل بيت قومها، فما كانت امرأة مباركة على قومها كهذه المرأة))


هذا الذي يغيب عن بعض المستشرقين أن النبي عليه الصلاة والسلام يتزوج تأليفاً للقلوب، يتزوج لمصلحة إيمانية راجحة، يتزوج لمصلحة إن صحّ التعبير دعوية كبيرة .
في رواية ثانية رواها الذهبي في سير أعلام النبلاء, يقول:

((إن النبي عليه الصلاة والسلام سبى جويرية، فجاء أبوها, فقال: يا محمد، أصبتم ابنتي، وهذا فداؤها، وإن ابنتي لا يسبى مثلها، فأنا أكرم من ذلك, فخلِّ سبيلها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أريت إن خيرتها أليس قد أحسنت؟ فقال أبوها: بلى، فلما سألها قالت: اخترت الله ورسوله))
هذا ماذا يذكرنا؟ لما جاء والد سيدنا زيد ليفديه من الرق، قال له: هناك أفضل، خيِّره، فإن أرادكم لا أريد عليه شيئًا، فلما خيروه, اختار الله ورسوله .
الآن دقق، ما هذه المعاملة التي تلقاها سيدنا زيد حتى اختار النبي, وفضله على أبيه, وعمه, وأمه, وهذه ماذا لقيت من النبي عليه الصلاة والسلام, حتى اختارته على أن تعود إلى أبيها وأمها؟ .
ما هي العبادات الشعائرية التي كانت تمارسها السيدة جويرية وتجتهد فيها, ومتى توفيت, ومن صلى عليها يوم وفاتها, وكم كان عمرها ؟
أيها الأخوة, عاشت جويرية في بيت النبي صلى الله عليه وسلم، وهي أم المؤمنين، وهذا منصب رفيع، في كل الدول يقال: السيدة الأولى، زوجة الملك تعد السيدة الأولى، فهذه كانت أسيرة، لكنها بنت سيد قومها، فتزوجها النبي، وتألف قلب قومها، وأطلق سراحهم جميعاً، وأسلموا جميعاً، هذه حكمته صلى الله عليه وسلم .
هذه الصحابية الجليلة كانت خير مثل, يحتذى في رعايتها لزوجها، وحسن عشرتها معه ، لقد كانت كثيرة الاجتهاد بالعبادة لله تعالى .
الحقيقة: للنبي قول رائع قال:

((إن الله اختارني واختار لي أصحابي))
ويقاس على ذلك: واختار له زوجاته، فهذه الصحابية الجليلة أم المؤمنين, كانت كثيرة الاجتهاد بالعبادة, والإكثار من ذكر الله تعالى، والصوم، وفعل الخيرات، ففي صحيح البخاري, في كتاب الصوم, عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا, قالت:
((أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ, وَهِيَ صَائِمَةٌ, فَقَالَ: أَصُمْتِ أَمْسِ؟ قَالَتْ: لَا, قَالَ: تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا, قَالَتْ: لَا, قَالَ: فَأَفْطِرِي))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
هذا حكم شرعي، لا يجوز أن تفرد يوم الجمعة بالصيام، لأنه يوم عيد، وعندنا حكم ثان ، يوم الجمعة ليس لتدبير أمور المنزل، والتنظيف، وغسل الملابس، وتنظيف الفرش, لا، يوم الجمعة, يوم عيد، فيجب أن تفرح به، يجب أن تحتفل به، يجب أن تجلس مع أهلك وأولادك، يجب أن تكون معهم لتأنس بهم، يوم راحة من العمل، لذلك أنا أتمنى على كل أخ كريم يحل مشكلاته الأسبوعية يوم الخميس، أما يوم الجمعة فليبق لأهله، وأولاده، ولطاعة ربه، هذا هو الأكمل، فالنبي رفض أن تصوم جويرية يوم الجمعة وحده .
لا تنسوا أن كلمة رضي الله عن أصحاب رسول الله, هذا رضى تقريري، وهناك رضا دعائي، نقول: الإمام الغزالي رضي الله عنه، الإمام الشافعي رضي الله عنه، هذا رضى دعائي، أما رضاء الله عز وجل عن أصحاب رسوله الكرام, فهو رضا تقريري، لقد رضي الله عن المؤمنين، فامرأة من أسيرة إلى السيدة الأولى، من أسيرة إلى أم المؤمنين، من أسيرة إلى راوية الحديث عن رسول الله .
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ, قَالَتْ:

((أَتَى عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُدْوَةً, وَأَنَا أُسَبِّحُ, ثُمَّ انْطَلَقَ لِحَاجَةٍ, ثُمَّ رَجَعَ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ, فَقَالَ: مَا زِلْتِ قَاعِدَةً, قُلْتُ: نَعَمْ, فَقَالَ: أَلَا أُعَلِّمُكِ كَلِمَاتٍ لَوْ عُدِلْنَ بِهِنَّ عَدَلَتْهُنَّ, أَوْ لَوْ وُزِنَّ بِهِنَّ وَزَنَتْهُنَّ, يَعْنِي بِجَمِيعِ مَا سَبَّحَتْ, سُبْحَانَ اللَّهِ عَدَدَ خَلْقِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, سُبْحَانَ اللَّهِ زِنَةَ عَرْشِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, سُبْحَانَ اللَّهِ رِضَا نَفْسِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ, سُبْحَانَ اللَّهِ مِدَادَ كَلِمَاتِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ))
[أخرجه أحمد في السند]
هذا من أذكار النبي عليه الصلاة والسلام، أراد عليه الصلاة والسلام أن يدلها على الأفضل، فأوصاها بهذا الذكر الجميل .
عاشت جويرية أم المؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم راضية مرضية إلى أن استقر الأمر لمعاوية ابن أبي سفيان، توفيت في المدينة بعد منتصف القرن الأول من الهجرة, سنة ست وخمسين على الأرجح، وصلى عليها مروان بن الحكم أمير المدينة، وقد بلغت سبعين سنة، وقيل: توفيت سنة خمسين, وهي بنت خمس وستين, والله تعالى أعلم .

الخاتمة :
أيها الأخوة, حينما ندرس سيرة الصحابيات الجليلات, نريد أن نجعل من هؤلاء النسوة الطاهرات قدوة لنا، ولبناتنا، ولنسائنا، لذلك لماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام:
((أدبوا أولادكم على حب نبيكم، وحب آل بيته))
كيف تؤدب أولادك على حب آل البيت؟ بأن تروي لهم سيرة أصحاب رسول الله، وسير أهل بيته، ليكن هؤلاء النسوة الطاهرات قدوة لبناتنا، وإلا فهناك قدوة من نوع آخر، والعياذ بالله، انحلال، تفلت، خيانة، تبذل، كشف للعورات، لا مبالاة، سقوط، فإن لم نجعل من الصحابيات الجليلات قدوة لبناتنا, اتخذنا قدوة من نوع آخر .
فمن مهمات الأب: أن يربي أولاده على حب النبي، وحب آل بيته، والابن لا ينشأ على حب آل البيت إلا إذا استمع إلى قصص هؤلاء النسوة اللواتي هنّ قمم بين النساء في معرفة الله، وطاعته، ومحبته، والحفاظ على مودة الزوج, ورعاية حق الزوج والأولاد .
أرجو الله عز وجل أن ينفعنا بما علمنا، وأن يزيدنا علماً .


السعيد 09-04-2018 09:17 AM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( العاشر )


الموضوع : صفية بنت حيى بن اخطب



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
لمحة مختصرة عن حياة السيدة صفية بنت حيي بن أخطب :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس التاسع عشر من دروس الصحابيات الجليلات، ومع أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب، هي صفية بنت حيي من ذرية نبي الله هارون، كانت صفية رضي الله عنها شريفة عاقلة, ذات حسب وجمال، ودين وتقوى، وذات حلم ووقار، لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((إن الله اختارني، واختار لي أصحابي))
فمن باب أولى أن يختار له زوجاته، وزوجات النبي عليه الصلاة والسلام جزء من دعوة الله عز وجل، فحينما تكون زوجة الإنسان حصيفة، وعاقلة، وتبلغ عنه بشكل دقيق, فهذا جزء من الدعوة، لذلك تولى الله بذاته تطهير أهل بيت النبي، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 33]
تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام سنة سبع من الهجرة، وكان عمرها سبع عشرة سنة يوم تزوجها صلى الله عليه وسلم، ولدت رضي الله عنها بعد البعثة بثلاثة أعوام بين قومها يهود خيبر، ولا تنسوا أن زواج النبي عليه الصلاة والسلام زواج حكمة ومصلحة، وزواج تأليف قلوب ، وزواج دعوة إلى الله عز وجل .
لقد أسلمت بعد زواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك أنها كانت من سبايا خيبر، وقد جعل مهرها عتقها، تزوجها عليه الصلاة والسلام راغبة مختارة، ولم يكرهها على الإسلام، لأن الله عز وجل يقول:

﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
[سورة البقرة الآية: 256]
وقد دخلت في دين الله طواعية، لذلك عدت من أمهات المؤمنين رضوان الله تعالى عليهن، أقامت مدة على دينها, ثم أعلنت إسلامها, ففرح النبي صلى الله عليه وسلم بهذا كثيراً، وفي حديث أنس رضي الله عنه:
((أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخذ صفية بنت حيي, قال لها: هل لك فيّ؟ قالت: يا رسول الله! قد كنت أتمنى ذلك في الشرك، فكيف إذا أمكنني الله منه في الإسلام؟))
وفي صحيح البخاري عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ:
((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَ صَفِيَّةَ, وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا))
فهذه الرواية توضح: أن إسلامها كان قبل زواجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد روت عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث عديدة، روى عنها ابن أخيها كنانة، ويزيد، وعلي، ومسلم بن صفوان، وإسحاق بن عبد الله بن الحارث .
لماذا ينبغي أن تكون زوجة رسول الله عاقلة, حصيفة, عفيفة, طاهرة؟ لأنها ستبلغ عنه، النبي طلق امرأة واحدة, رآها ضعيفة العقل، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:

((أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَنَا مِنْهَا, قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ, فَقَالَ لَهَا: لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ الْحَقِي بِأَهْلِكِ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
والإنسان من سعادته في الدنيا أن تكون زوجته صالحة عاقلة، لأن الزوجة المؤمنة ستيرة وعاقلة, ستعين زوجها، والمرأة كما تعلمون لها دور خطير في معونة زوجها على صلاح أمره .
ما هي الأحداث التي جرت في السنة السابعة للهجرة, وكيف تم إسلام صفية وزواجها من النبي ؟
لمّا انتهت السنة السادسة للهجرة بأحداثها المليئة بالخيرات والبركات، وأقبلت السنة السابعة بما تحمله من خطوب جسام، وبزغ هلال المحرم من أول العام، فتهيأ النبي صلى الله عليه وسلم لمعركة حاسمة, تقطع دابر المكر اليهودي من أرض الحجاز, الذي كشف لثامه في معركة الخندق .
في معركة الخندق اتضح أن اليهود ماكرون خائنون، وأنهم يكيدون للنبي عليه الصلاة والسلام، وما معركة الخندق عنكم ببعيد، يوم نقض اليهود عهدهم، وجاء أهل الشرك في الجزيرة, يحيطون بالمدينة, ليستأصلوا شقفة الإسلام، وكانت معركة الخندق معركة حياة أو موت ، معركة وجود أو عدم وجود، والله سبحانه وتعالى نصر النبي عليه الصلاة والسلام, وانكشفت نوايا اليهود الشريرة، وانكشف مكرهم وخداعهم، وهذا ديدنهم منذ قديم الأزمان .
خرج النبي صلى الله عليه وسلم في النصف الثاني من المحرم إلى خيبر, وهي مدينة كبيرة, ذات حصون ومزارع وقلاع، تقع على بعد مئة ميل شمال المدينة المنورة، من أكبر مدن الحجاز، ومن أشدها حصانة، وقوة, ومناعة، وكان مع النبي صلى الله عليه وسلم ألف وأربعمائة مقاتل، ما بين فارس وراجل .
فلما أشرف النبي صلى الله عليه وسلم على خيبر قال لأصحابه: قفوا، وكان عليه الصلاة والسلام إذا غزا قوماً لم يغز عليهم حتى يصبح، فلما أصبح رآه عمّال خيبر، وقد خرجوا بمساحيهم، وفؤوسهم، ومكاتلهم, يقصدون مزارعهم، فلما رأوه صاحوا:

((محمد والخميس، ثم ولوا هاربين، فقال عليه الصلاة والسلام: الله أكبر, خربت خيبر، إنّا إذا نزلنا بساحة قوم, فساء صباح المنذرين))
ثم سار النبي عليه الصلاة والسلام, يفتح عقول خيبر وحصونها واحدًا تلو الآخر، حتى إن حصن ابن أبي الحقيق فتحه، وجيء بسبايا الحصن، وفيهم صفية بنت حيي، إذاً: صفية سبية من سبايا أحد حصون خيبر، ومعها ابنة عم لها, جاء بهما بلال رضي الله عنه, فمرّ بهما على قتلى يهود الحصن، فلما رأتهم المرأة التي مع صفية, صكت وجهها، وصاحت, وحثت التراب على وجهها، فقال عليه الصلاة والسلام لبلال:
((أنزعت الرحمة من قلبك حين تمر بالمرأتين على قتلاهما؟))
أرأيتم إلى رحمة النبي عليه الصلاة والسلام، حتى في الأسيرة، أسيرة أعدائه، كبر عليه أن يرى امرأة ضعيفة قتلى قومها أمامها، فعنف بلالاً فقال: أنزعت الرحمة من قلبك, حينما تمر بالمرأة على قتلى قومها، وقال لبلال أيضاً، وكان صفية رأت قبل ذلك .
هنا هذه السبية بنت حيي زعيم اليهود, رأت في المنام أن القمر وقع في حجرها، وفي رواية: رأت الشمس نزلت حتى وقعت على صدرها، فذكرت ذلك لأمها، فلطمت وجهها, وقالت: إنك لتمدين عنقك إلى أن تكوني عند ملك العرب، هذه الرؤيا التي رأتها هذه السبية بشرت بمستقبلها، هي زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأت القمر قد وقع في حجرها، أو رأت الشمس نزلت فوقعت على صدرها .
فلم يزل الأثر على وجهها، لطم أمها لها بقي فترة طويلة، حتى أتي بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلما سألها عنه أخبرته، فكبرت في نفسه صلى الله عليه وسلم حين سمع منها هذه البشارة التي زفها الله إليها .
يعني أحياناً الإنسان يرى رؤيا واضحة جداً, هذه الرؤيا الواضحة هي من عند الله عز وجل، والرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح أو ترى له، الرؤيا الصالحة طريقة أو هي إعلام الله عز وجل لهذا الإنسان، يعلمه بشيء ما، فربنا عز وجل بشرّ هذه المرأة الصالحة التي جعلها من نسل يهودي بأن زوجها رسول الله، ومن خلال هذه الرؤيا التي رأتها, أدركت أمها معنى هذه الرؤيا، فلطمت وجهها، وصكته، وقالت: إنك تمدين عينيك إلى أن تكوني عند ملك العرب، ولم يبق أثر لطم أمها على وجهها .
فحينما رآها النبي عليه الصلاة والسلام، وسمع منها هذه البشارة التي زفها الله تعالى إليها, واسى آلامها، وخفف من مصابها، وأعلمها أن الله تعالى حقق رؤياها .
الآن لما صار النبي عليه الصلاة والسلام على ستة أميال من خيبر, يريد أن يعرس بها, فأبت عليه، فوجد في نفسه, فلما كان بالصهباء، وهو على بريد من خيبر, نزل بها هناك, فمشطتها أم سليم، وعطرتها، وكانت صفية من أضوء ما يكون من النساء، فدخل صلى الله عليه وسلم على أهله، فلما أصبحت سألتها عمّا قال لها، فقالت: قال لي:

((ما حملك على الامتناع من النزول أولاً؟ فقالت: خشيت عليك من قرب اليهود، فزادها ذلك عنده منزلة ومكانة))
يعني أرادت أن يبتعد كثيراً عن ديار اليهود, لئلا يغدروه، فكانت حريصة عليه حرصاً شديداً، هذا الذي ذكره كتاب السيرة .
وفي طريق العودة إلى المدينة, تهيأ الركب لملاقاة الأهل والأخوة، فاستقبل القوم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالترحاب والإكرام، وكانت بشائر الانتصارات تزف إليهم حيناً بعد حين .
وقد ذكر ابن سعد من طريق عطاء بن يسار, قال:

((لما قدمت صفية من خيبر, أنزلت في بيت الحارث بن نعمان، فسمع نساء الأنصار, فجئن ينظرن إلى جمالها، وجاءت عائشة متنقبة، فلما خرجت, خرج النبي صلى الله عليه وسلم على أثرها, فقال لها: كيف رأيت يا عائشة؟ قالت : رأيت يهودية، فقال صلى الله عليه وسلم: لا تقول ذلك، فإنها أسلمت، وحسن إسلامها))
أنا استنبط من هذا: أن الإنسان يكون له انتماء معين، له مشكلة معينة، وبعد أن يتوب إلى الله، ويسلم، وبعد أن يستغفر, ينتهي الماضي، فكلما كنت أقرب إلى الله نسيت الماضي، وكلما كنت تتحرك بحركة غير صحيحة, يثير ماضيك عندك الشيء الكثير، فإذا كان الإنسان تائهاً أو شارداً، وتاب إلى الله توبة نصوحاً, فينقسم الناسُ قسمين: قسم يريد أن يركز على ماضيه، وقسم يركز على حاضره، كلما كنت أقرب إلى الله عز وجل تركز على الحاضر، وكلما كنت أبعد عن منهج الله تركز على الماضي، وهذا الشيء يبعث في النفس الألم، كان الإنسان شاردًا ومخطئًا، ثم تاب، وأسلم وحسن إسلامه، وارتقى إلى الله عز وجل, لماذا تذكره بهذا الماضي؟ لا بدّ أنك تريد أن تثبطه، أن تضعفه، أن تذكره بما اقترفت يداه .
لذلك سيدنا يوسف عليه السلام علمنا من خلال القرآن لما التقى بأخوانه, قال:

﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾
[سورة يوسف الآية: 100]
السجن ليس فيه خطر على بقاء الإنسان، الخطر بالجب، يعني لو أنك أردت أن تذكر أيهما أخطر وضعه في الجب أم وضعه في السجن؟ وضعه في الجب مظنة هلاك، لكن وضعه في السجن مظنة سلامة، هو يتذكر فضل الله عليه إذ أخرجه من السجن، ولم يقل: إذ أخرجه من الجب، لأنه إن قال: إذ أحسن بي إذ أخرجني من الجب, يخاطب أخوته, ذكرهم بجريمتهم، لأنه عليه الصلاة والسلام كان قمة في الكمال .
فإذا كان للإنسان عمل، وتاب منه، فالكمال ألا نذكره له إطلاقاً، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام, وقف موقفاً أبلغ من ذلك, لما جاءه عكرمة مسلماً, وجه أصحابه الكرام, فقال: جاءكم عكرمة مسلماً، فإياكم أن تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي، ولا يبلغه .
فالمؤمن يقرب ولا يبعد، لا يحمر الوجوه، لا يحرج الناس، في شخص عنده رغبة في إحراج الناس, دائماً يذكرهم بعمل أخطؤوا فيه سابقاً، سيدنا عمر جاءه رجل, وقال: يا أمير المؤمنين, إن أختي وقعت في معصية، وأقيم عليها الحد، وجاء الآن من يخطبها, أفأذكر ذلك لمن خطبها؟ قال له: والله لو ذكرته لقتلتك، إذا تاب الإنسان من شيء, ينبغي أن تطوى صفحة.
فقال صلى الله عليه وسلم:

((لا تقولي ذلك إنها أسلمت، وحسن إسلامها))
وقال الحافظ أبو نعيم في كتابه حلية الأولياء عقب ذكره لصفية:
((ومنهن التقية الذاكرة, ذات العين الباكية, صفية الصافية زوجة النبي صلى الله عليه وسلم))
بالمناسبة ليس في الإسلام عداوة ثابتة، الله جلّ جلاله في الأصل لا يبغض عباده، بل يبغض أفعالهم، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، فالله لا يبغض عبده، بل يبغض فعل عبده، بدليل أن الإنسان مجرد أن يتوب إلى الله, ينتهي الأمر .
سيدنا عمر رضي الله عنه, لما دخل عمير بن وهب, جاء ليقتل النبي عليه الصلاة والسلام، وأدرك بحدسه، وهو عملاق الإسلام, أن هذا عدو الله، جاء يريد شراً، فكتفه بحمالة سيفه، وساقه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقال:

((يا رسول الله! هذا عمير جاء يريد شراً، سيدنا رسول الله قال له: ابتعد عنه، وأطلق سراحه، وقال: ادن مني يا عمير، -بقلب كبير، وعطف شديد, وقد جاء ليقتله- قال: سلِّمْ علينا، فقال: أنعمت صباحاً يا محمد، قال له: سلّم بسلام الإسلام، -بغلظة ما بعدها غلظة- ليس بعيدَ عهدٍ بسلام الجاهلية، ما الذي جاء بك يا عمير؟ قال: جئت أفك ابني من الأسر، قال له: وهذه السيف التي على عاتقك؟ قال: قاتلها الله من سيوف، وهل نفعتنا يوم بدر؟ قال له: ألم تقل لصفوان: لولا أولاد صغار, أخشى عليهم العنت، وديون لا أطيق سدادها, لذهبت وقتلت محمداً، وأرحتكم منه؟ فوقف، وقال: أشهد أنك رسول الله، إن هذا الذي قلته لصفوان, لا يعلمه أحد إلا الله، وأنت رسوله، وأسلم .
-الشاهد أن سيدنا عمر- قال: دخل عمير على رسول الله، والخنزير أحب إليّ منه، وخرج من عنده، وهو أحبّ إليّ من بعض أولادي))

هذه عظمة الإسلام, ليس هناك عداوة دائمة، والمسلم لا يكره غير المسلم، بل يكره فعله فقط، يكره انحرافه، يكره تقصيره، يكره عدوانه، لا يكره ذاته، لأنه عبد لله شارد .
حال المسلم مع غير المسلم, كحال الطبيب مع المريض، هناك مرض جلدي، المرض مقزز، لكن هل يحقد الطبيب على المريض المصاب بمرض جلدي؟ لا, بل يشفق عليه، وكل مؤمن بلغ مرتبة عالية في قلبه رحمة، فإن رأى إنسانًا شاردًا منحرفًا, يشفق عليه، ولا يحقد عليه، وهذا الدين لا يبنى على الحقد، ولا على الكراهية، بل يبنى على المحبة، ويبنى على محبة الخلق كلهم .
إذاً: هذه بنت حيي ابن أخطب, قال عنها كتاب السيرة:

((التقية الزكية، ذات العين الباكية ، صفية الصافية، زوجة النبي صلى الله عليه وسلم))
إليكم هذا الموقف من السيدة صفية مع ضرائرها :
الآن وقفات مع هذه الزوجة الصالحة، قال:
((لاحظت صفية, وهي بين أمهات المؤمنين, أنها شريكتهم برسول الله، لذلك أثارت شراكتها الجديدة حفيظتهم، -وتلك سنة الله في النساء، وغيرة المرأة ميزة فيها، ولولا أنها تغار عليك لما أحببتها، لا تضجروا من غيرة النساء، فلولا أنها تغار عليك لما أحببتها، تحبها لأنها تغار عليك، وتحرص عليك، إلا أن هناك غيرة مرضية، وهذه حالات قليلة، هناك غيرة سوية، كل امرأة تحب أن يكون زوجها لها وحدها، وهناك نساء غيرتهن مرضية، يعني يتوهمن أشياء لم تقع، ولن تقع، فهذه تحتاج إلى معالجة، فالمرأة هي المرأة- .
لاحظت صفية هذا الأثر في نفوس بعض ضرائرها, فقدمت لهن بعض الحلي من الذهب, كرمز لمودتها لهن، كما قدمت ذلك لفاطمة بنت محمد))

وهذا أسلوب ذكي جداً، الإنسان أحياناً يحقق بعض أهدافه بكلمة طيبة, أو بهدية مخلصة, من أجل أن المركب يسير .

ماذا فعل النبي حينما سمع من السيدة صفية الكلام المؤذي الذي توصل من عائشة وحفصة
أيها الأخوة, هذه الزوجة الذكية, اكتشفت أن الخطر لا يأتيها, إلا من زوجتين, تقتربان منها في السن والجمال؛ السيدة عائشة، والسيدة حفصة .
فمرة بلغها عن حفصة وعائشة كلام، فذكرت ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام، يعني آلمها قول حفصة وعائشة فيها، فقال عليه الصلاة والسلام:

((ألا قلت لهما: وكيف تكونان خيراً مني, وزوجي محمد، وأبي هارون، وعمي موسى؟ فنزل قول النبي عليه الصلاة والسلام برداً وسلاماً على قلبها))
وكان لها من رسول الله صلى الله عليه وسلم رعاية خاصة, حيث يشعر بغربة صفية ، يعني بقية نساؤه قرشيات بين قومهن، أما هي فغريبة، ولأنها غريبة, فلها معاملة خاصة، ولها عطف خاص، ولها رعاية خاصة، وهذا أيضاً من حسن السياسة، ومن الحكمة في التعامل .
أحيانا يكون الشخص مقيمًا في مدينة أقربائه، وأخوانه، وأعمامه، وأخواله، أما الشخص الغريب الوحيد, فليس له أحد، وهذا يحتاج إلى معاملة طيبة جداً، وإلى رعاية خاصة, كي ينسى أنه غريب .
روى أبو نعيم عن أنس, قال:

((بلغ صفية أن حفصة قالت لها: بنت يهودي، فبكت، فدخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تبكي, فقال: ما شأنك؟ قالت: قالت لي حفصة: إنك بنت يهودي، فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: إنك لبنت نبي، وإن عمك لنبي، وإنك لتحتَ نبي ، فبم تفخر عليك؟ ثم قال: اتق الله يا حفصة، وكانت صفية؛ عاقلة, فاضلة, حليمة, لا تأبه بكل تلك المضايقات))
هنا سؤال: الله عز وجل له حكمة بالغة، قد يخرج من صلب إنسان لئيم أحمق, امرأة صالحة، قد يأتي من نسل رجل مجرم, إنسان ولي، فالله عز وجل يخلط، معنى يخلط, قد يخرج الحي من الميت، والميت من الحي، وقد تجد من نسل عالم جليل, تائهًا شاردًا، قد تجد من نسل رجل شارد, وليًّا لله عز وجل، فهذه صفاته أن تكون من نساء رسول الله عليه الصلاة والسلام عقل، وذكاء، وحكمة، وأدب، وخجل، وتواضع، ورأت أن قمراً وقع في حجرها، فلما ذكرت ذلك لأمها, لطمتها على وجهها .
تروي كتب السيرة أن بعض زوجاته آذتها بلسانها, فقاطعها النبي شهرين للتي آذتها، كان يرعاها رعاية خاصة .


روايات عدة ذكرت بشأن صفية بنت حيي بن أخطب :
كان لهذه السيدة المصون مواقف جليلة, وتصرفات نبيلة, تنبئ عن كبر عقلها، وعظيم إخلاصها .
والحقيقة: أروع ما في المرأة عقلها، المألوف أن المرأة تزهو بجمالها أو بأنوثتها، أما حينما يضاف إلى جمالها عقل راجح, فتكون شيئًا نادرًا جداً، فما أروع العقل بالمرأة، وقد قال رجلٌ لزوجته:

((إن في خلقي سوءاً، فقالت له: إن أسوأ منك خلقاً من حاجك إلى سوء الخلق))
روى زيد بن أسلم قال:
((اجتمع نساء النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه، فقالت صفية بنت حيي: إني والله يا رسول الله! لوددت أن الذي بك بي، فغمزن أزواجه ببصرهن، فقال عليه الصلاة والسلام: مضمضنّ، -أي اغسلن أفواهكن- فقلنا: من أي شيء؟ فقال عليه الصلاة والسلام: من تغامزكن، وإنها والله لصادقة))
قال كتاب السيرة:
((أعظم بهذا من شهادة لها من رسول الله صلى الله عليه وسلم))
وروى أبو نعيم أيضاً عن عبد الله بن عبيدة:
((أن نفراً اجتمعوا في حجرة صفية بنت حيي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا الله، وتلوا القرآن، وسجدوا، فنادتهم صفية رضي الله عنها: هذا السجود، وتلاوة القرآن، فأين البكاء؟ أين الخشوع؟ وما كان الله ليسمح لامرأة أن تكون زوجة النبي, إلا أن تكون قمة في الكمال، وقمة في الفهم والقرب))
وقد روى ابن حجر عن أبي عمر, قال:
((كانت صفية رضي الله عنها عاقلة فاضلة))
روي أن جارية لها أتت عمر, فقالت:
((إن صفية تحب السبت، وتصل اليهود، فبعث إليها عمر, فسألها عن ذلك، فقالت: أما السبت فإني لم أحبه منذ أبدلني الله به الجمعة، وأما اليهود فإن لي فيهم رحماً، فأنا أصلها، فلم يجب عمر، ثم قال للجارية، أو قالت هي: ما حملك على ذلك؟ قالت: الشيطان، فقالت: اذهبي فأنت حرة))
يعني أرادت أن توغر صدر عمر عليها، وهي بهذا تتخلق بخلق النبي صلى الله عليه وسلم, الذي كان يعفو عمن ظلمه، ويحسن إلى من أساء إليه .

خاتمة القول :
أيها الأخوة, الحقيقة: أن رواية هذه البطولات عن الصحابيات الجليلات, وفي مقدمتهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم, يعلمن الشيء الكثير، يعلمنا أن المرأة كالرجل، يمكن أن تحقق بطولة، ويمكن أن تكون في أعلى مرتبة عند الله عز وجل، وأن أي نظرة إلى المرأة, توهم أنها دون الرجل، وأن مجالها البيت, والطبخ, والأشياء التي يفعلها النساء عادة, هذه نظرة جاهلية للمرأة، لذلك أنا أتمنى على كل أب عنده بنات, أن يلقي في روعهن, أنهن يمكن أن يكن بطلات، فالمرأة التي ترعى حق زوجها وأولادها كالمجاهدة في سبيل الله،
((اعلمي أيتها المرأة، وأعلمي من دونك من النساء, أن حسن تبعل المرأة زوجها, يعدل الجهاد في سبيل الله))
والإنسان إذا جاءته بنت أو بنتان, فأحسن تربيتهما, فالنبي كفله في الجنة، قالوا:
((واحدة , قال: واحدة))
في بيت ليس فيه بنات إلا ما ندر، فأي بيت فيه بنت, يمكن أن يكون هذا البيت مرحوماً ، وأي رجل جاءته بنت, فرباها تربية صالحة, يمكن أن تكون هذه الفتاة الصالحة, سببًا لدخول الجنة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال:
((أكرموا النساء، فو الله ما أكرمهن إلا كريم، ولا أهانهن إلا لئيم، يغلبن كل كريم، ويغلبهن لئيم، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً))

آفراح 09-04-2018 11:14 AM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
جوزيت كل خير وبورك فيك
تحية

السعيد 09-04-2018 12:56 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
تسلمين اختى الكريمة افراح

السعيد 09-04-2018 12:59 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( الحادى العاشر )


الموضوع : رملة بنت ابى سفيان




الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
من هي أم حبيبة, ومع من هاجرت إلى الحبشة, وما هي الماسأة التي وقعت فيها في تلك الديار ؟
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس العشرين من دروس الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن أجمعين، ومع زوجات النبي أمهات المؤمنين، ومع السيدة حبيبة بنت أبي سفيان، وهي رملة بنت أبي سفيان زوج النبي صلى الله عليه وسلم، أسلمت قديماً، وهاجرت إلى الحبشة مع زوجها عبيد الله بن جحش، ولها مأساة كبيرة جداً، حدث عنها أخواها الخليفة معاوية بن أبي سفيان، وعنبسة، وابن أخيها عبد الله بن عتبة، وعروة بن الزبير .
كان لأم المؤمنين أم حبيبة مكانة عالية, وحرمة فائقة، ولمكانتها قيل لأخيها معاوية: أنت خال المؤمنين، لأن أخته أم المؤمنين، وهو أخوها، فكان معاوية يدعى خالَ المؤمنين لمكانتها العلية عند المسلمين .
يعني قبل أن أتابع الحديث, المرأة تستطيع أن تصل عند الله إلى أعلى مكانة، ولا تمنعها أنوثتها أن تكون ولية لله، ولا يمنعها كأنثى أن تكون عالية القدر عند الله، ولا يمنعها أن تسبق آلاف الرجال، هذه حقيقة .
أما نحن فعندنا فكر جاهلي، أن هذا امرأة، لا، هناك نساء صحابيات جليلات فُقْنَ الرجال، بربكم هل تصدقون امرأة ترى زوجها مقتولاً في ساحة المعركة، ثم ترى أخاها مقتولاً، ثم ترى أباها مقتولاً، ثم ترى ابنها مقتولاً، وتقول: ما فعل رسول الله؟ لم تطمئن حتى وقعت عينها على شخص النبي، فلما رأته معافًى سليماً, قالت: يا رسول الله! كل مصيبة بعدك جلل، أية امرأة هذه؟‍ فالمرأة إذا عرفت ربها، واستقامت على أمره، وأدت مهمتها التي أناطها الله بها تسبق الرجال .
أنا أتمنى أن زوجتك في البيت تعطيها نفَسًا قويًا، تعطيها معنويات عالية، بإمكانها أن تتفوق، بإمكانها أن تكون في أعلى مقام،
((اعلم أيتها المرأة, وأعلم من دونك من النساء, أن حسن تبعل المرأة زوجها, يعدل الجهاد في سبيل الله))
متاح لكل امرأة أن تكون بطلة، متاح لكل امرأة أن تدخل الجنة من أي أبوابها، متاح لكل امرأة أن تسابق الرجال، امرأة زاحمت النبي عليه الصلاة والسلام هكذا تروي بعض الأحاديث:
((أول من يمسك بحلق الجنة أنا، فإذا امرأة تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي، قلت من هذه يا جبريل؟ قال: هي امرأة مات زوجها, وترك لها أولاداً, فأبت الزواج من أجلهن))
تنازع رسول الله في دخول الجنة، فالمرأة مساوية للرجل تماماً في التكليف والتشريف, والمسؤولية، إلا أن خصائصها غير خصائصه، خصائصها مناسبة لأنوثتها، وللمهمة التي أنيطت بها، وخصائص الرجل مناسبة لرجولته, وللمهمة التي أنيطت به، وهذا العصر خلط الأوراق، أنت يمكنك أن تقوم برحلة على متن (تراكس), مستحيل، وتسخر سيارة سياحية من أجل بناء، هذا الذي يحصل، خلطنا الأوراق، وتشبهت النساء بالرجال، والرجال بالنساء .
أصبحت المرأة في غير موقعها مفسدة، موقعها مقدس، موقعها أم، موقعها زوجة، موقعها أخت، أصبحت ممتهنة، أصبحت سلعة من السلع، أنت إذا أردت أن تروج أي سلعة, تضع عليها امرأة شبه عارية، حتى إن مرة عدد كبير من نساء بريطانيا, قمن بمظاهرة, يحتجن بها, على أن المرأة, امتهنت إلى درجة, أنها سلعة من السلع، لا تروج بضاعة في العالم كله إلا عن طريق المرأة، صورة مغرية لامرأة مع البضاعة، أما المرأة المسلمة فإنها ملكة .
أعجبني من رجل سألته امرأة: لماذا يمنع أن نصافح الرجال؟ هو أجابها إجابة ليست شرعية، ولكنها إجابة حكيمة، قال لها: لأن الملكة في بريطانيا لا يصافحها إلا سبعة رجال بالقانون البريطاني، ونساء المسلمات ملكات لا يصافحهن إلا سبعة رجال بالقانون الرباني .
لما اشتد الأذى على المسلمين من المشركين في مكة، وأذن النبي عليه الصلاة والسلام للمسلمين المستضعفين بالهجرة فراراً بدينهم إلى الحبشة, هاجرت أم حبيبة مع زوجها عبيد الله مع من هاجر من الصحابة إلى الحبشة، وتحملت هذه الزوجة الكثير مما تحمله الصحابة من أجل إسلامهم .
أنتم قبضتم الثمن، أما الصحابة فقد دفعوا الثمن، أنتم حملكم الإسلام، نشأتم في بلد إسلامي، المساجد مفتوحة، الصلاة لا شيء عليك بها، تصلي في البيت، وفي المسجد، والدروس قائمة، والخطب قائمة، وهناك مكتبة إسلامية، ولك أن تفعل ما تشاء، أما الصحابة فكانوا إذا صلوا يقتلون، ففرّوا بدينهم إلى الحبشة, ليقيموا شعائر الله، هم دفعوا الثمن, ونحن قبضنا الثمن، هم حملوا الإسلام، ونحن حَمَلَنا الإسلام .
تحملت أذى قومها، وتحملت هجر أهلها، والغربة عن وطنها وديارها، كل ذلك لتحيي حياة الإيمان والإسلام بعيداً عن الشرك والعصيان، وحينما استقرت في الحبشة آمنة مطمئنة, فاجأتها محنة شديدة وعصيبة، تلك المحنة هي ردة زوجها عن الإسلام، وتنصره بعد أن هداه الله للإسلام، إنها محنة منكرة، الناس يدخلون في دين الله أفواجاً، والنجاشي أعلن إسلامه، وأسلم كبار البطارقة، وهذه زوجها تنصر، وشرب الخمر وعاقرها حتى مات من شرب الخمر، هل هناك محنة أقصى من هذه المحنة؟ أقرب رجل إلى المرأة زوجها، زوجها أصبح يعاقر الخمر، من البطولة إلى معاقرة الخمر .
بماذا كلف رسول الله النجاشي, ومن وكلت أم حبيبة في تزويجها, وما موقف والدها من هذا الزواج ؟
أخرج ابن سعد عن ابن عمر بن سعيد الأموي, قال: قالت أم حبيبة:
((رأيت في المنام كأن زوجي عبيد الله بأسوأ صورة ففزعت، فأصبحت فإذا به قد ترك دينه، فأخبرته بالمنام فلم يحفل به، وأكبّ على الخمر حتى مات من شرب الخمر، فأتاني آت في نومي, فقال: يا أم المؤمنين))
ربنا جلّ جلاله أحياناً, يدعم الإنسان برؤيا صادقة، كلمة (يا أم المؤمنين) أي ستغدو زوجة النبي عليه الصلاة والسلام .
فما هو إلا أن انقضت عدتي، فما شعرت إلا برسول النجاشي يستأذن لي، فإذا هي جارية يقال لها أبرهة, فقالت:
((إن الملك يقول لك: وكِّلِي من يزوجك؟ فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص بن أمية فوكلته، فأعطيت أبرهة على بشارته سوارين من فضة، فلما كان العشي, أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب, ومن هناك من المسلمين, فحضروا، وخطب النجاشي، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، وتشهد، ثم قال:
أما بعد؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إليّ أن أزوجه أم حبيبة، فأجبت، وقد أصدقتها عنه أربعمائة دينار، ثم سكب الدنانير، ثم خطب خالد بن سعيد, فقال: قد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله, وزوجته أم حبيبة، وقبض الدنانير، وصنع لهم النجاشي طعاماً .
-أخواننا الكرام, صدقوا أنه ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه، والله أعرف شبابًا مؤمنين مستقيمين ورعين كلُّ الطرق أمامهم مسدودة، ولا يوجد أمل أن يتزوج، هناك من طَرَقَ بيته، وعرض عليه ابنته مع بيت وفرش، ومع مبلغ لتأمين حاجاته ، هذا شيء دائم، فما من إنسان يعف عن الحرام ابتغاء وجه الله, إلا وله من الله معين، إلا وله من الله نصير، العبرة أن تكون مطيعاً لله، البطولة أن تطيعه ولا تعبأ بما سوى ذلك، فإذا كان الله معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك- .
قالت أم حبيبة: فلما وصل إليّ المال أعطيت أبرهة منه خمسين ديناراً, فرددتها إليّ، وقالت: إن الملك عزم عليّ بذلك، -يعني يبدو أنها صادقة- أبلغت الملك أنها أعطتها سوارين من فضة، فزجرها، وقال: أرجعي كل ذلك، وردت عليّ ما كنت أعطيتها أولاً، ثم جاءتني من الغد؛ بعود من الطيب، وورس، وعنبر، فقدمت به معي على رسول الله .
-قدمت لها هدية هذه الجارية- ولما بلغ أبا سفيان والدها، وكان مشركاً, أن النبي صلى الله عليه وسلم نكح ابنته, قال: هو الفحل لا يجدع أنفه))

أي أنه الكفء الكريم الذي لا يعاب ولا يرد .
كم هي عالية أخلاق النبي، حتى إن هذا من أكبر أعدائه، ناصبه العداء عشرين عاماً ، وحاربه ثلاث مرات؛ في بدر، وأحد، والخندق، ومع ذلك ماذا قال عنه؟ قال: إنه الكفء الكريم الذي لا يعاب ولا يرد، معنى ذلك لو أن المشركين وجدوا على النبي مأخذاً واحداً, لملؤوا الدنيا صياحاً، لكنه هو الكريم, ابن الكريم، الصادق، الأمين، الورع، هذا قبل البعثة، اسمه الأمين أساساً .
أحد الرجال مغرر به، مغسول دماغه, يقول: إن كل مال الكفار يجب أن نأخذه عنوة ، فلما قرأ أن النبي ترك في فراشه عليَ بن أبي طالب, ليردّ الأمانات إلى أهلها، وكلهم مشركون، معنى ذلك أن تفكيره غلط، إذا كنت تريد أن تبني إسلامك على العدوان, فهذا الإسلام منبوذ، فالنبي عليه الصلاة والسلام، وهو نبي الأمة، وهو المشرع, حينما هاجر, ترك علي بن أبي طالب في سريره, ليردّ الأمانات إلى أهلها .
سيدنا أبو العاصي لما أسلم, كل ما معه من تجارة ضخمة لكفار قريش, صودرت في المدينة، وعرضوا عليه الإسلام، فإذا أسلم صارت له، قال:
((والله لا أبدأ إسلامي بهذا، فعاد إلى مكة، وأعطى كل ذي حق حقه، ثم أعلن إسلامه))
إياك أن تخلط الدين بالدنيا، إياك أن تأخذ الدنيا، وتعللها بالدين، هذا لا يخفى على الناس .

متى عادت أم حبيبة إلى وطنها, وكيف استقبل النبي المهاجرين بعد طول هذه الغربة, وكيف كان استقباله لأم حبيبة وكذلك زوجاته ؟

عادت هذه المهاجرة عقب فتح النبي خيبر، يعني بقي هؤلاء الصحابة في الحبشة ثلاثة عشر عاماً؛ يصلون، ويصومون، ويعبدون الله عز وجل، كم هي الحوادث صعبة, إنسان مبعد عن أهله ثلاثة عشر عاماً، ولم يكن ذنبه إلا أن يقول: ربي الله .
عادوا مع جعفر بن أبي طالب ومن معه، وقد سرّ النبي عليه الصلاة والسلام أيما سرور بمجيء هؤلاء الصحابة بعد غياب طويل، ومعهم الزوجة الصابرة, الطاهرة الكريمة، إنهم خرجوا من مكة فارين بدينهم من الشرك، واليوم يعودون، وأمر الإسلام يعلو، وسلطانه يمتد، فلا خوف من ظلم، ولا إرهاب، وعندما حلّوا بالمدينة, استقبلهم النبي عليه الصلاة والسلام مسروراً مبتهجًا، وهو يقول: والله لا أدري بأيِّهم أفرح؛ بفتح خيبر، أم بقدوم جعفر؟.
هناك إشارة لطيفة لا بأس من ذكرها: عن أبي موسى الشعري, قال:
((كان أناس يقولون لنا: سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس، وكانت مع مهاجري الحبشة على حفصة زوج النبي زائرة، فدخل عمر على حفصة، وأسماء عندها، فقال حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: هذه أسماء بنت عميس، قال عمر: الحبشية، هذه البحرية، قالت أسماء: نعم، قال عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله منكم فغضبت, وقالت: كلا، والله كنتم مع رسول الله؛ يطعم جائعكم، ويرشد جاهلكم، وكنا في أرض العداء البغضاء، وذلك في الله، وفي رسول الله، وايم الله لا أطعم طعاماً، ولا أشرب شراباً, حتى أذكر ما قلت لرسول الله، وقالت له: والله لا أكذب، ولا أزيغ، ولا أزيد عليه، -أنت قلت: سبقناكم بالهجرة، أنا سأذهب إلى النبي ، وأنقل ما قلته لي، فإن أقر قولك قبلته، وإن لم يقره, سأنقله إليك دون زيادة- .
فلما جاءت النبي صلى الله عليه وسلم قالت: يا نبي الله, إن عمر قال كذا وكذا، فقال عليه الصلاة والسلام: ماذا قلت له؟ قالت: قلت له كذا وكذا، فقال عليه الصلاة والسلام: ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان))
أنتم هاجرتم مرتين مرة إلى الحبشة، ومرة إلى المدينة، اعتزاز الإنسان بإيمانه، سيدنا عمر قال كلمة: نحن سبقناكم بالهجرة، والنبي عليه الصلاة والسلام جبار الخواطر، من عظمة هذا النبي العظيم؛ أن كل صحابي من صحابته, كان يظن أنه أقرب الناس له، هذه بطولة، الصغار أحياناً يخصون بعض الناس باهتمامهم، يقربون لهم بعض الأشخاص، ويهملون الباقين، هذا شيء من الفجاجة في قيادة الدعوة، أنت للكل .
مرة إنسان بعيد عن الدين بعد السماء عن الأرض في فرنسا، نجح في الانتخابات، فألقى خطابًا في أربع كلمات، قال: أنا أشكر من انتخبني، وأحترم من لم ينتخبني، وأنا لكل الفرنسيين، وهذا إنسان كافر، ليس فيه دين .
فالنبي صلى الله عليه وسلم سيد الخلق، وحبيب الحق، هو لكل المؤمنين، بعطفه، ومحبته، ووفائه, وقربه، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام قال:
((لن يمضي وقت على هؤلاء المهاجرين العادين, حتى اكتسبوا ما فاتهم من علم القرآن والسنة طوال غيابهم، ثم انتسبوا في مواكب الجهاد مع من سبقوهم بإحسان، وقد أشركهم النبي في مغانم خيبر))
هذا له معنى عميق، يعني كأنهم حضروا غزوة خيبر، أشرك النبي من هاجر إلى الحبشة في مغانم خيبر مع أهل الحديبية .
وما أن وصلت أم حبيبة رضوان الله عليه إلى المدينة بعد تلك الغربة الطويلة والأعجوبة المريرة, حتى استقبلها النبي عليه الصلاة والسلام بالسرور والبهجة، وأنزلها إحدى حجراته بجوار زوجاته الأخريات، واحتفل نساء المدينة بدخول أم حبيبة بنت سفيان بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهنَّ يحملن إليها التحيات، والتبريكات، والتهاني، والأمنيات بهذا الزواج المبارك، وقد أولم خالها عثمان بن عفان وليمة حافلة, نحر فيها الذبائح، وأطعم الناس اللحم فرحًا وبهجة بهذا الزواج الميمون، واستقبل أمهات المؤمنين هذه الشريكة الكريمة بالإكرام والترحاب، ومن بينهن صفية العروس الجديدة التي لم يمض على عرسها أيام معدودات، لأنها جاءت من خيبر، وقد أبدت السيدة عائشة استعداداً لاستقبال الزوجة الجديدة التي لم تثر فيها حفيظة الغيرة حين رأتها، وقد قاربت سن الأربعين، وتعيش أم حبيبة بجوار صواحبها الضرائر بكل سعادة وأمان .
ما هو سبب مجيء أبي سفيان إلى المدينة, وهل حقق مراده عند ابنته لهذا السبب الذي جيء من أجله, ومتى أسلم أبو سفيان, وهل سرت ابنته في ذلك؟
حضر أبو سفيان إلى المدينة، صلح الحديبية فيه شرط، وهو في ظاهره لصالح قريش، أما في الحقيقة فقد انقلب عليهم، فمن خرج من المسلمين إلى مكة مرتداً خذوه، أما من جاءنا منكم مسلماً نرده، ليس هناك تكافؤ، فهذا الشرط لم يقبله سيدنا عمر، وقال:
((علام نعطي الدنية في ديننا؟ قال له سيدنا الصديق: الزم حجرك، هو رسول الله، -هذا الشرط من غرائب الصدف، فهو في ظاهره مهانة، أما عملياً فهؤلاء الذين جاؤوا, وردَّهم النبي, شكَّلوا عصابة, قطعوا الطريق على أهل مكة، فضجرت تجارتهم، لأن الطريق غير آمن- فجاء أبو سفيان إلى النبي يرجوه، ويتوسل إليه أن يلغي هذا الشرط
-أيّ واحد أسلم من عندنا فاقبلوه، ليس هناك مانع- فالنبي لم يرض، -هذا هو سبب مجيء أبي سفيان إلى المدينة- .
لقد حضر أبو سفيان والد أم حبيبة المدينة, يطلب من النبي عليه الصلاة والسلام أن يمد في أجل الهدنة التي تمت المصالحة عليها في الحديبية, فيأبى عليه النبي هذا الطلب، أراد أبو سفيان أن يستعين على تحقيق الطلب بابنته زوجة النبي، فدخل دار أم حبيبة، وفوجئت به يدخل بيتها، وما رأته من خمسة عشر عاماً، ولم تكن قد رأته منذ أن هاجرت إلى الحبشة، فلاقته بالحيرة، فلا تدري أترده لكونه مشركاً، أم تستقبله لكونه أباً؟ وأدرك أبو سفيان ما تعانيه ابنته، فأعفاها من أن تأذن له بالجلوس، وتقدم من تلقاء نفسه, ليجلس على فراش رسول الله، فما راعه إلا وابنته, تجذب الفراش من تحته, لئلا يجلس عليه، فسألها بدهشة: يا بنية, أرغبتِ بهذا الفراش عني أم بي عنه؟ فقالت: بل هو فراش رسول الله، وأنت امرؤ نجس مشرك، فقال: يا بنية, لقد أصابك بعدي شرٌّ، وخرج من بيتها خائب الرجاء .
وبعد أن خرج أبو سفيان من بيت ابنته, توجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وقد علم من أمر ابنته ما علم، فكلمه أبو سفيان في العهد فلم يجبه بشيء، فأجابه علي فقال: ويحك يا أبا سفيان، والله لقد عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر ما نستطيع أن نكلمه به، -له هيبة كبيرة، صلى الله عليه وسلم- فقال أبو سفيان: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد اشتدت عليَّ فانصحني, قال: والله لا أعلم لك شيئاً يغني عنك، ولكنك سيد بني كنانة، فقم فأجر بين الناس، -أي أن الناس بمكة بجواري، أي بحمايتي- ثم الحق بأرضك، -يعني أجر أهل مكة- قال: أو ترى هذا مغنياً عني شيئا، قال: لا والله، لا أظنه مغنياً عنك شيئاً، ولكنني لا أجد لك غير ذلك، -طلب من النبي فرفض، سيدنا الصديق رفض، سيدنا عمر رفض، سيدنا علي قال شيئاً لا يقدم ولا يؤخر: أجر أهل مكة- .
فذهب أبو سفيان حتى وقف في مسجد النبي، والناس مجتمعون للصلاة, فقال: أيها الناس، إني قد أجرت بين الناس، ثم ركب بعيره فانطلق، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يجبه بشيء، ولم يردّ عليه الصحابة بكلمة، فلما قدم على قريش, أخبرهم بما جرى معه، وأنه جاء علياً, فوجده ألين القوم، وقال عليّ شيئًا صنعته، فو الله لا أدري هل يغني هذا شيئاً أم لا؟ قالوا : وبم أشار عليك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس ففعلت، قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا، قالوا: ويلك والله إذا زاد الرجل أن لعب بك، فما يغني عنك ما قلت، قال: لا والله ما وجدت غير ذلك، يعني عاد خائباً، ما حقق شيئاً .
-الحقيقة: أم حبيبة لما نقضت قريش عهدها مع رسول الله, لم يكن من أم حبيبة لأبيها وأخيها أي عون أو مساعدة, إلا أنها تدعو الله بالهداية لأبيها وقومها، ولعل نساء النبي عليه الصلاة والسلام راقبنها، وهي في موقفها ذاك الحرج، ترى جيش رسول الله يتأهب, ليأخذ قومها على غرة، ومكة لا تزال في حيرة من الأمر، وأبوها يحمل إلى قريش خيبة الرجاء، والحقيقة هذا موقف صعب، أبوها وقومها وزوجها النبي، وكما يقول كتاب السيرة: لا تراهم أغلى عليها من المسلمين، وهي التي هجرت أهلها وقومها ثلاثة عشر عاماً في الحبشة فرارًا بدينها من أذاهم- .
ولما تم فتح مكة، وطارت البشرى إلى أهل المدينة بنصر الله والفتح، وما تسامع الناس بما كان من لقاء النبي بأبي سفيان، وقد أجاره العباس، وكلام النبي صلى الله عليه وسلم معه, حيث قال: ويحك يا أبا سفيان, ألم يأنِ لك أن تعلم أنه لا إله إلا الله؟ قال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي؛ ما أحلمك، وما أكرمك، وما أوصلك، وما أحكمك، -وأبو سفيان زعيم قريش، وأحد أكبر قادتها, يرى أن النبي في أعلى مكان من الحكمة، والكرم، والرحمة، والصلة- قال : بأبي أنت وأمي؛ ما أحلمك، وما أكرمك، وما أحكمك، وما أوصلك، والله إني لظننت أنه لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى شيئاً عنّا .
-حسب اعتقاده لا إله إلا الله- فقال عليه الصلاة والسلام: ويحك يا أبا سفيان, أم يأنِ لك أن تعلم أني رسول الله؟ قال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي؛ ما أحلمك، وما أكرمك، وما أوصلك، أما هذه فو الله إنه لفي النفس منها حتى الآن شيء .
فزجره العباس على مقالته هذه زجراً قاسياً، وقال: ما لبث أبو سفيان إلا أن أعلن إسلامه، أسلم في وقت متأخر جداً بعد أن حارب النبي عشرين عاماً، وبعد أن كان لا بدّ له أن يسلم فأسلم .
-الآن في بعض الصحابة كانوا حكيمين جداً- قال: فالتمس العباس من النبي, أن يكرم الرجل بشيء يرضي كبريائه، فأجابه النبي عليه الصلاة والسلام: نعم، وقال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل بيت الله الحرام فهو آمن، هذا كرمه.
طارت أصداء هذا الحدث الجلل المبارك, حتى بلغ سمع أم حبيبة، فرحتْ فرحاً شديداً ، وشكرت الله تعالى أن حقق لها أمنيتها ورجاءها في إسلام أبيها وقومها, وكانت رضي الله عنها, قد رأت أنه قد أزيح عن كاهلها عبء الحزن, على عدم إسلام أبيها وقومها، وقد اعتبر يوم الفتح, يوم فتح لفرحتها، وسرورها، وسعادتها, بنجاة أبيها من الخلود في النار))

بعض الأخوة الكرام, عندهم حرقة على أوليائهم، وعلى آبائهم، أنا أكبرهم عليها كثيراً، الأب عمره ستون سنة لا يصلي، وبعيد عن الدين، وابنه متألم, يرى أباه هكذا .

وفاتها :
أيها الأخوة, قبل وفاتها أرسلت إلى عائشة كما روى ذلك ابن سعد عنها, قالت:
((دعتني أم حبيبة عند موتها, فقالت: قد كان يكون بيننا ما يكون من الضرائر, فتحللي من ذلك، فحللتها من ذلك, واستغفرت لها، فقالت لي: سررتِني سرّك الله))
إذا أخطأ إنسان مع أخيه، وقال له: سامحني، فليس هناك ألطف من الاعتذار، كان بين عائشة وبين أم حبيبة ما كان بين الضرائر، وهذا الشيء مألوف، قبل وفاتها طلبت المعذرة من السيدة عائشة، وأرسلت بمثل ذلك إلى باقي ضرائرها، وتوفيت رضي الله عنها سنة أربع وأربعين، ودفنت بالبقيع .

مرة كنت في العمرة، والفندق مطل على البقيع، والطابق عال، انظر إلى البقيع, كل أصحاب النبي فيه أعلام؛ سيدنا عثمان، والسيدة عائشة، وزوجات النبي، وبنات النبي، شيء لا يصدق، النبي عليه الصلاة والسلام كان عصره عصر الأبطال، قال:
((إن الله اختارني واختار لي أصحابي))
أيها الأخوة, إنّ أبواب البطولة مفتحة على مصارعيها في كل مكان وزمان، إله الصحابة هو إلهنا، والوسائل هي نفسها، والطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق، ومتاح لك أن تكون بطلاً في كل عصر، الشرع أمرك، والقرآن بين يديك، والسنة بين يديك، وبإمكانك أن تصل إلى الله بطاعته, والإحسان إلى خلقه، والولاء لله ورسوله، هذا ولاء أم حبيبة عجيب ، أبوها يدخل بيتها, تسحب من تحته الفراش، وتقول: هذا فراش رسول الله، وأنت نجس مشرك، ما هذا الولاء؟ في أعماقها دعاء إلى الله بهداية أبيها وقومها، هذا الموقف الأكمل، إذا أنت واليت إنسانًا فاسقًا منحرفًا فموالاتك له طعن في إيمانك، ولاؤك للمؤمنين، ودعاؤك لمن حولك من أقربائك، الولاء للمؤمنين والدعاء للشاردين، أما الولاء للشاردين والقسوة على المؤمنين, فلا .
الله عز وجل وصف المؤمنين بأنهم أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين، الناس بالعكس، على المؤمنين قساة جداً، أما أمام الأقوياء فضعاف جداً، يقسو على المؤمنين لاعتقاده لا ناصر لهم في هذه الدنيا، ويستخزي أمام الكافرين ويخنع لهم، أما المؤمن يذل للمؤمن، ويكون عزيزاً أمام الكافر، ومن جلس إلى غني, فتضعضع له, ذهب ثلثا دينه .

السعيد 09-04-2018 01:01 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( الثانى العاشر )


الموضوع : ماريا القبطية



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
من هي ماريا القبطية, وكيف أسلمت, وفي أي عام من الهجرة أنجبت إبراهيم ؟
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الحادي والعشرين من دروس صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل من دروس صحابيات رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومع أمهات المؤمنين زوجاته الطاهرات، ومع مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ماريا القبطية أم إبراهيم .
ماريا بنت شمعون، أهداها له المقوقس القبطي صاحب الإسكندرية ومصر، أسلمت على يدي حاطب بن أبي بلتعة، وهو رسولُ رسولِ الله إلى المقوقس, هذا الذي ارتكب خيانة عظمى، وأنهضه النبي، وأخذ بيده، وصلح حاله، وهذه هي البطولة، قد يخطئ الإنسان فتسحقه ، أن تسحقه ليست بطولة، أما أن تأخذ بيده, وأن تصلحه, وأن يعود إنساناً عظيماً, هذه هي البطولة.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5586/01.jpg
حاطب بن أبي بلتعة قبل فتح مكة, أرسل إلى قريش أن محمداً سيغزوكم, فخذوا حذركم، جاء الوحي إلى النبي عليه الصلاة والسلام بما فعل حاطب، فأرسل علي بن أبي طالب مع صاحب له إلى موضع, يقال له: الروضة بين مكة والمدينة, ليأخذ الكتاب من امرأة أعطاها حاطب الكتاب لتوصله إلى قريش، وهذا الذي فعله حاطب في كل المقاييس خيانة عظمى، فجاء به النبي, فقال عمر:
((يا رسول الله, دعني أضرب عنق هذا المنافق .
-استمعوا أيها الأخوة إلى جواب النبي- قال له: لا, يا عمر، إنه شهد بدرًا، -لم يهدر النبي له عملاً- قال: يا حاطب, ما حملك على ما فعلت؟ قال: والله يا رسول الله ما كفرت، ولا ارتدت، وإني لست لصيقاً بقريش، أردت أن يكون لي يد عند قريش، فاغفر لي ذلك, -ماذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام؟- قال: إني صدقته فصدقوه، ولا تقولوا فيه إلا خيراً))
أنهضه من كبوته، أعانه على نفسه، أعطاه فرصة ليصلح نفسه .
أقول لكم مرة ثانية : الإنسان قد يخطئ، البطولة لا أن تسحقه، لا أن تقصمه, لا أن تنهي وجوده، البطولة أن تصلحه، لذلك رويت لكم سابقاً قصة هنا موطن الاستشهاد بها، إمام أحد المساجد في دمشق قبل سبعين أو ثمانين عامًا, رأى النبي عليه الصلاة والسلام في المنام ، وقال له: قل لفلان: إنه رفيقي في الجنة، الذي رأى الرؤيا خطيب مسجد الورد في ساروجا ، وهذا الذي معه البشارة, له بائع بسيط جداً في طرف المسجد، هذا الخطيب تأثر، هذه البشارة لي أم له؟ له، طرق بابه، وقال: يا فلان, لك عندي بشارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لا أقولها لك إلا إذا أنبأتني بما فعلت مع ربك، طبعاً تمنع فاستحلفه، قال: والله تزوجت امرأة, وبعد خمسة أشهر من زواجنا, كانت على وشك الولادة، معنى ذلك: أن هذا الولد ليس ابنه، وأنها زلت قدمها، وأخطأت، وارتكبت خطيئة، قال له: بإمكاني أن أسحقها، وأن أفضحها، أو أن أطلقها، ولكنني رجوت الله أن يصلحها على يدي، علمت أنها تابت توبة النصوح، جئت بالقابلة، وولدتها، وأخذت الطفل الصغير، ودخلت المسجد بعد أن نوى الإمام الصلاة، ووضعته في طرف المسجد، وصليت مع الإمام، فلما انتهت الصلاة, بكى الطفل, فتحلق الناس حوله، جئتهم مستغرباً، قلت: خير، قالوا: تعال انظر، إنه طفل في زاوية المسجد ، قال: آتوني أنا أكفله، أرجعه إلى أمه، أمام الجيران سمعة الأم جيدة، لذلك إمام هذا المسجد رأى النبي عليه الصلاة والسلام قال: قل لفلان: إنه رفيقي في الجنة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5586/02.jpg
أنت من الممكن أن تسحق إنسانًا، وأن تفضحه، وأن تقصمه، وأنْ تنهي وجوده، هذا شيء سهل, لكن البطولة أن تصلحه .
الآن في نقطة دقيقة جداً: عندك أمين مستودع خانك، اختلس بضاعة، أنت غفرت له ، لكن هل تبقيه في هذا العمل؟ لا، تنقله إلى عمل آخر، لا علاقة له بالبضاعة، النبي عليه الصلاة والسلام من أجل أن يرفع معنويات حاطب، من أجل أن يجعله كما كان صحابياً جليلاً ، من أجل أن يأخذ بيده, كلفه بعمل من جنس خيانته، أرسله رسولاً له إلى مصر، إلى المقوقس، هذا هو حاطب بن أبي بلتعة .
فماريا القبطية أسلمت على يد حاطب، وهو قادم بها من مصر إلى المدينة، حين عرض عليها الإسلام، وكانت مولاة النبي عليه الصلاة والسلام، وضرب عليها الحجاب، ولدت له إبراهيم الذي عاش قرابة سنتين، وكانت ولادته في ذي الحجة سنة ثمان للهجرة، وكانت أمها رومية، ولها أخت قدمت معها اسمها سيرين، أهداها النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا حسان بن ثابت، وأسلمت مع أختها أيضاً .
من هو الصحابي الذي أرسله النبي إلى المقوقس عظيم مصر, وما هو الحوار الذي دار بينهما, وما الهدايا التي أرسلها المقوقس إلى النبي ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5586/03.jpg
ما قصة ماريا؟ بعد أن تم للنبي عليه الصلاة والسلام معاهدة الحديبية، وما أعده من دعائم, لاستتباب الدولة الإسلامية الفتية، وتقوية هيبتها في النفوس، كان صلى الله عليه وسلم في الوقت نفسه, يتحسس الموقف الدولي، ويتفهم أوضاعه، وفي ضوء ذلك أخذ النبي عليه الصلاة والسلام, يوجه الرسل والسفراء لتبليغ الإسلام إلى ملوك الأرض، لأن رسالة الإسلام عامة لكل البشر، قال تعالى:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 107]
من أولئك الملوك الذين أرسل إليهم النبي عليه الصلاة والسلام رسالة, يحثه فيها على الإسلام, المقوقس عظيم مصر، جاء في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه يدعوه فيه إلى الإسلام، هذا المقوقس كان من الأقباط, جاء به حاطب حتى دخل مصراً فلم يجده هناك، فذهب إلى الإسكندرية، فأخبر أنه في مجلس مشرف على البحر، ركب حاطب سفينة، وحاذى مجلسه، وأشار بالكتاب إليه، فلما رآه المقوقس أمر بإحضاره بين يديه، فلما جيء به, نظر في الكتاب، وفضه، وقرأه .
الآن دققوا في الحوار الذي جرى بين حاطب وبين المقوقس، بعد قراءة الكتاب دار الحوار التالي:
قال لحاطب:
((يا حاطب, ما منع نبيك إن كان نبياً أن يدعو على من خالفه؟ قال له حاطب: ألست تشهد أن عيسى بن مريم رسول الله، فما له حيث أخذه قومه، فأرادوا أن يقتلوه ، ألا يكون قد دعا عليهم أن يهلكهم الله عز وجل حتى رفعه الله إليه؟ .
-هذه فطنة ، حتى استطاع أن يرجع له الكرة- قال: أحسنت، أنت حكيم من عند حكيم ، -أخطر شيء: الرسول، لأنه يمثل المرسل، وشرف الرسول من شرف المرسل- ثم قال له حاطب: إنه كان من قبلك يزعم أنه الرب الأعلى - يعني فرعون - فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به، ثم انتقم منه، -لأنه قد ورد أن الظالم سوط الله ينتقم به، ثم ينتقم منه، وقد الله عز وجل:
﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 129]
﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾
[سورة القصص الآية: 4-6]
قال له: فانتقم به، ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر غيرك بك، -وقد قرأت دعاء يهز أعماق الإنسان:
((يا رب, لا تجعلني عبرة لأحد من خلقك، لا تجعلني قصة تتلى في المحافل، لا تجعلني مأساة, يتعظ الناس بها، اجعلني أتعظ لا أن يتعظ بي، اجعلني أعتبر، لا أن يعتبر بي، اجعلني أشاهد، لا أن يشاهدني الناس، وأنا في مأساة))
احفظ الله يحفظك- .
قال له: إن هذا النبي دعا الناس، فكان أشد عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منهم النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى عليهما السلام إلا كبشارة عيسى بمحمد، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعاء أهل التوراة إلى الإنجيل، وكل نبي أدرك قوماً فهم أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدرك هذا النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، بل نأمرك به .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5586/04.jpg
-إنسان من الصحراء ليس معه دكتوراه شرف أولى، لا يتقن أربع أو خمس لغات، لا يحمل شهادات عليا، ما خرج من معهد دبلوماسي، من الصحراء، لكن الإيمان يفجر العبقريات ، هو يخاطب ملكًا، كيف أصلحه النبي؟ كيف ارتكب خيانة عظمى، وهو الآن رسولُ رسولِ الله بهذا الفقه، وهذه الحجة، والحكمة ؟- .
فقال له المقوقس: إني نظرت في أمر هذا النبي, فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكذاب، ووجدت معه آلة النبوة بإخراج الخبء، أي المستور والأخبار بالنجوى، وسأنظر، ثم أخذ الكتاب، وجعله في حق من عاج، وختم عليه، ودفعه إلى جاريته، وأرسل المقوقس إلى حاطب, فقال: القبط لا يطاوعني في اتباع نبيكم .
-أنا عملي غالٍ عليّ، إذا اتبعتكم فقدتُ عملي، لذلك لا أحب أن تعلم بمحاورتي تلك، لا أحب أن يعلم بهذه المحاورة أحد، نبيك على حق، ورجل مرسل، وليس بكذاب، ولا كاهن، ولا مشعوذ، يأمر بالخير، وينهى عن الشر، ولكن القبط لا يتبعونني إن آمنت بهذا النبي- ولا أحب أن يعلم أحد بمحاورتي إياك، وأنا أضن بملكي أن أفارقه، وسيظهر في البلاد نبيك، وينزل بساحتنا هذه أصحابه من بعده، -يعني النهاية لهم- .
أعطاه مئة دينار وخمسة أثواب، وأهدى المقوقس إلى النبي عليه الصلاة والسلام ماريا القبطية، -موضوع درسنا اليوم- وأختها سيرين، وغلاماً اسمه: مأبور، وبغلة شهباء، وأهدى له حماراً أشهب، كان أغلى شيء حمار أشهب، يقال له: يعفور، وفرساً، وأهدى إليه عسلاً من عسل بنهة، قرية في قرى مصر، يعني هذه الهدية, وأبقني على حالي))

هذا موقف مصلحي، مصلحته أن يبقى على رأس ملكه .
ما مضمون الكتاب الذي حمله حاطب إلى النبي من المقوقس, وماذا أخذ النبي من الهدايا التي أرسلت إليه من المقوقس ؟
فلما عاد حاطب قافلاً, زوده المقوقس بكتاب للنبي عليه الصلاة والسلام, قال فيه المقوقس:
((بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد بن عبد الله من مقوقس عظيم القبط, سلام عليك، أما بعد:
فقد قرأت كتابك، وفهمت ما فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبياً قد بقي، وكنت أظن أنه يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك، وبعثت إليك بجاريتين لهما مكان في القبط عظيم، وبثياب، وأهديت لك بغلة كي تركبها, والسلام عليك))
.
موقف مصلحي، هذه هدية، أنت عندك، ونحن عندنا، فلما قدم حاطب المدينة، وعرض الهدايا على النبي صلى الله عليه وسلم قبلها، ونقل إليه كلام المقوقس، وناوله الكتاب, فقال صلى الله عليه وسلم:
((ضنَّ بملكه، ولا بقاء لملكه))
vzhttp://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5586/05.jpg
من آثر دنياه على آخرته خسرهما معاً ، ومن آثر آخرته على دنياه ربحهما معاً، لماذا الإيمان؟ من أجل أن تتخذ القرار الحكيم، من أجل أن تعرف الواحد الديان، من أجل أن تفوز بالدنيا والآخرة، اختار الدنيا, واختار النبي عليه الصلاة والسلام ماريا فاكتفى بها، ووهب أختها لشاعره حسان بن ثابت .

كيف استقبلت ماريا القبطية حياتها الجديدة حينما حلت مولاة للنبي, وما هي الأمنية التي كانت في خواطرها, وما الخطب الجلل الذي أصاب فؤاد أم إبراهيم ؟
طار النبأ إلى بيوت النبي أن اختارها لنفسه، وكانت شابة، وقد أنزلها في منزل الحارث قرب المسجد، وقد حاولت عائشة وضرائرها التعرف على هذه الجارية عن بعد، فعلمت عائشة باهتمام النبي بها، ولكنها لا تقدر على معارضة النبي، أو الإنكار عليه، لكنها راحت ترقب من بعيد مظاهر اهتمام النبي بهذه الجارية المصرية .
استقبلت ماريا حياتها الجديدة بنفس مشرقة مبتهجة، حيث حلّت مولاة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، مولاته ملك يمينه، وليست زوجته، وإنه لشرف عظيم، وزادها غبطة وسروراً: أن ضرب عليها الحجاب كشأن أمهات المؤمنين، وانصرفت بكليتها للاهتمام بالنبي صلى الله عليه وسلم التي تراه صنو المسيح, التي كانت تدين بدينه قبل إسلامه، فأي كرامة قد حظيت بها, حين قدمها قدر الله من بلاد القبط, لتكون أقرب المقربات, بقرابة الولاء للنبي عليه الصلاة والسلام .
مرة دخلت إلى بيت أحد الدعاة, كتب آية بخط جميل جداً في صدر المجلس، والله لما قرأتها اقشعر جلدي:
﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾
[سورة النساء الآية: 113]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5586/06.jpg
إذا أكرم الله عز وجل إنسانًا بالعلم، وعرفه بذاته، وعرف سرّ وجوده، وغاية وجوده ، وعرف حقيقة الحياة, والكون، وحقيقة الإنسان، وأن أثمن شيء هو العمل الصالح، وأن الحياة فانية زائلة، وأن الجنة هي الحياة الحقيقية، هذا الذي يعلم هذه الحقائق أغنى الأغنياء, لقد أعطى الله جلّ جلاله الذين يحيهم العلم والحكمة، أما الذين لا يحبهم فأعطاهم المال, قال تعالى:
﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 76]
أعطى المال لمن لا يحب، أعطى الملك لمن لا يحب، لفرعون, فقال: أنا ربكم الأعلى، أما الذين يحبهم, فماذا أعطاهم؟ العلم والحكمة :
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة القصص الآية: 14]
لأن العلم حارس، أن تمتلك الحكمة, فأنت أغنى الأغنياء، أقوى الأقوياء، أسعد السعداء، أكرم الكرماء، فبالحكمة يصلح الفاسد، وبالحمق يفسد الصالح .
كانت هذه المولاة مشغوفة برسول الله، كما كانت هاجر مولاة إبراهيم مشغوفة بإبراهيم، وكانت ماريا أم ولد النبي عليه الصلاة والسلام، فقد آتاه الله منها ولداً اسمه إبراهيم تيمناً بأبيه إبراهيم، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:
((أنا دَعْوَةُ أَبِي إِبْرَاهِيمَ, وَبُشْرَى عِيسَى, وَرَأَتْ أُمِّي أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهَا نُورٌ أَضَاءَتْ مِنْهَا قُصُورُ الشَّامِ))
وقد علمت ماريا الشيء الكثير عن هاجر التي سبقتها بقرون إلى بلاد الحجاز، بلاد الله الآمنة المباركة الطيبة، فتاقت نفسها لزيارة تلك الأماكن المقدسة, لتحيي في نفسها معالم الوفاء والإخلاص، وألفت أن تخلو بنفسها, لتجمع صور الماضي بواقع الحاضر، وكيف أن هاجر عند نبي الله إبراهيم، وماريا عند نبي الله محمد، وكيف أن هاجر لها ابن اسمه إسماعيل، وهي لها ابن اسمه إبراهيم؟ .
كانت رضي الله عنها تواقة, لتكون أم ولد, ليكون لها شرف الذرية من محمد, كما كان لهاجر شرف الذرية من إبراهيم عليه السلام .
تمضي الأيام طاوية ذكريات الأمل المتجدد في نفس ماريا, حتى أذن لها الله بالحمل من رسول الله صلى الله عليه وسلم, فحملت بإبراهيم، وقد حقق الله لها أمنيتها, فولدت ابن رسول الله الذي سماه باسم أبيه الكبير إبراهيم عليه السلام، نالت بذلك بغيتها، وتحققت رغبتها ، وكانت لها بذلك الحظوة الكبيرة عند النبي صلى الله عليه وسلم, حيث أصبحت أم ولده الذي أعتقها من الرق، وسمت منزلتها, لتكون في مصاف أمهات المؤمنين، فيا لها من مكانة عالية.
سعدت هذه الزوجة الطاهرة أن تهب لنبي الله عليه السلام الولد من بعد خديجة التي لم يبق من أولاده إلا فاطمة رضي الله عنها، فقد تزوج النبي عليه الصلاة والسلام قبل ماريا بالكثير, غير أنهن لم ينجبن الأولاد .
تقول أم المؤمنين عائشة:
((ما غرت على امرأة إلا دون ما غرت على ماريا، ذلك أنها كانت أسيرة عند رسول الله، وأنزلها أول ما قدم بها بيت للحارث بن النعمان, فكانت جارتنا، فكان عامة الليل والنهار عندها, فجزعت، وكان عليه الصلاة والسلام يؤثرها ويحبها))
وفي رواية: ثم رزقه الله منها الولد، وحرمنا منه، ولكن ماريا لم تطل سعادتها سوى عامين، بل أقل, حيث قدر الله تعالى ألاّ يكون رسوله صلى الله عليه وسلم أبا أحد من رجالكم، فكانت الفاجعة الأليمة أن توفى الله ولدها الوحيد إبراهيم، فقضى إبراهيم نحبه، وبقيت أمه من بعده ثكلى أبد الحياة .
يعني لحكمة بالغة جداً: لم يبق من ذرية النبي ذكور، هذا ابن النبي، وليس معصوماً، فإذا أخطأ انتقلت البغضاء إلى أبيه، وهذه مشكلة كبيرة جداً، لذلك لحكمة أرادها الله لم يكن من ذرية النبي الذكور، بل كنّ كلهن إناثًا .
بلغ إبراهيم قرابة العامين من عمره فمرض, فطار فؤاد أمه عليه، فأرسلت إلى سيرين خالة إبراهيم, لتقوم على تمريضه، وطلب الدواء له، وتمضي الأيام, والطفل لم تظهر عليه بوادر الشفاء، فخافت عليه أكثر فأكثر، حتى إذا اشتد عليه المرض, أرسلت إلى أبيه النبي، فجاء ليرى ولده، قال أنس: لقد رأيته, وهو يجود بنفسه، بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدمعت عينا النبي, فقال:
((إِنَّ الْعَيْنَ لتَدْمَعُ, وَالْقَلْبَ ليَحْزَنُ, وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يرضي رَبُّنَا, وَإِنَّا على فِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5586/07.jpg
تعليق لطيف: حينما يصاب الإنسان بمصيبة ليس ممنوعاً أن يتألم، وإلا ليس من بني البشر، الممنوع أن يعترض، الممنوع أن يرفض، الممنوع أن يتهم الله عز وجل، هذا هو الممنوع، أما كل واحد منا إذا مات ابنه يتألم، إذا خسر عمله يتألم، إذا أصابه مرض يتألم، فالألم لا تؤاخذ عليه، ولكن الذي تؤاخذ عليه ألا تفهم الحكمة، أن تعترض، أن ترفض، فالنبي قال:
((إِنَّ الْعَيْنَ لتَدْمَعُ, وَالْقَلْبَ ليَحْزَنُ, وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يرضي رَبُّنَا, وَإِنَّا على فِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ))
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
((مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5586/08.jpg
وهذا درس لنا جميعاً، مقامك عند الله, بقدر رحمتك لأولادك، وأنا والله أتمنى أن يكون كل بيت من بيوت المسلمين جنة، والإنسان قد يعيش في جنة بين أهله وأولاده من دون مال كثير، إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم, فسعوهم بأخلاقكم، الابتسامة، واللطف، والمودة، والدعابة أحياناً، والمعاونة، والاعتذار، هذه تخلق جوًّا رائعًا، فلذلك نجاح الإنسان في زواجه نجاح كبير جداً, أحد أسباب نجاحه في حياته العملية .
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
((قَدِمَ نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالُوا: أَتُقَبِّلُونَ صِبْيَانَكُمْ؟ فَقَالُوا: نَعَمْ, فَقَالُوا: لَكِنَّا وَاللَّهِ مَا نُقَبِّلُ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: لا أَمْلِكُ إِنْ كَانَ اللَّهُ نَزَعَ مِنْكُمْ الرَّحْمَةَ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]
كان إبراهيم ابن النبي مسترضعاً في عوالي المدينة، وكان النبي ينطلق مع أصحابه, فيدخل البيت الذي فيه ابنه إبراهيم، وكان ظئره يعني زوج مرضعته قيناً حداداً، والبيت كله دخان، فيأخذه فيقبله، ثم يرجع، من شدة رحمته بأولاده, وعطفه عليهم, وحبه لهم .
ما هي الظاهرة الكونية التي حصلت حينما شاع خبر وفاة إبراهيم, وماذا قال الناس عنها, وما هو الموقف الذي وقفه النبي من جراء هذه الظاهرة ؟
لما شاع خبر وفاة إبراهيم, حصل كسوف للشمس، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال عليه الصلاة والسلام, وهذا هو الموقف العلمي، أنا قبل سنتين كنت في عمرة، وأنا في مكة المكرمة, سمعت خبرًا تكرر كثيراً: أن في المدينة أنوارًا ساطعة إلى السماء، هذه أنوار النبي، فلما قدمت المدينة في أحد الأيام بين المغرب والعشاء, كان ثمة درس علم جيد جداً، فجلست مع الدرس، فانتهى الدرس, فقال المتكلم العالم الجليل: أنبأني أمير المدينة أن هناك مشروعُ تزيينٍ للمدينة عن طريق أشعة الليزر، ترسل هذه الأشعة إلى الفضاء بشكل حزم, تراها عن بُعد مئتي كيلو متر، دائماً ليكن موقفك علمياً، طبعاً أيّ إنسان إذا مات ابنه، والشمس كسفت, يعني لمصلحة مكانته بين أخوانه، طبعاً كسفت لموت ابني، هذه تزيد مكانته كثيراً، لكن النبي أمين على هذا الدين، أمين على الحقيقة، هذه ليست حقيقة، جمع أصحابه وقال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5586/09.jpg
((إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ, لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ, وَلَا لِحَيَاتِه,ِ فَإِذَا رَأَيْتُمْ فَصَلُّوا وَادْعُوا اللَّهَ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
هذا الموقف العلمي، وما في دعوة تنجح إلا إذا كان الموقف علمياً، تعريف العلم: الوصف المطابق للواقع مع الدليل، فإذا ابتعد الوصف عن الواقع, صار جهلاً، لذلك قالوا من بعض التعاريف المعقدة للعلم: علاقة بين شيئين مقطوع بها، تطابق الواقع، وعليها دليل، لو أن هذه العلاقة ليس مقطوعًا بها, لكانت ظناً، أو شكاً، أو وهماً، الصحة في الوهم ثلاثون بالمئة، والصحة في الشك خمسون بالمئة، والصحة في الظن ثمانون بالمئة، أما القطع فمئة بالمئة، علاقة بين شيئين مقطوع بصحتها تطابق الواقع، فإن لم تطابق الواقع كانت جهلاً، عليها دليل، فإن لم تأت بدليل كانت تقليداً، فالعلم ليس جهلاً، ولا تقليداً، ولا وهماً، ولا شكاً، ولا ظناً، العلم قطعي مطابق للواقع عليه الدليل، ولولا الدليل لقال: من شاء ما شاء، وإن هذا العلم دين, فانظروا عمن تأخذون دينكم، والعلم والدين يتطابقان حتماً، لأن الدين وحي من عند الله، والعلم قوانين مستنبطة من خلق الله, والمصدر واحد .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/5586/10.jpg
لذلك أحد كبار العلماء قال: لا بدّ من تطابق صحيح المنقول مع صريح المعقول، قد يتعارض النقل الضعيف، أو النقل الموضوع، أو التفسير المغلوط للمنقول مع العلم، أو قد يتعارض النقل الصحيح مع نظرية لم تثبت صحتها، أما صريح المعقول فلا بدّ أن يطابق صحيح المنقول قولاً واحداً .
وبقيت ماريا صابرة راضية بقضاء الله وقدره, حتى نزل بها الخطب الجلل، ألا وهو وفاة النبي عليه الصلاة والسلام، فأنساها ذلك حزنها على ابنها إبراهيم، وبقيت على العهد التي كانت عليه في حياته, حتى جاءها أجلها في عهد عمر سنة ستة عشر للهجرة رضي الله عنها وأرضاها .
ما هي الوصية التي أوصى النبي بها قومه بشأن مصر ؟
وقد حفظ الصحابة لماريا مقامها كما حفظوا وصية رسول الله في قومها، عَنْ أَبِي ذَرٍّ, قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ, وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ, فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا, فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا, فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا, أَوْ قَالَ: ذِمَّةً وَصِهْرًا))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
وجاء في معجم البلدان لياقوت الحموي: أن الحسن بن علي رضي الله عنه, كلمه معاوية بن أبي سفيان لأهل حفن، وهي قرية من قرى مصر, في هذه القرية ولدت ماريا، لما جاء عبادة بن الصامت إلى مصر وفتحها, أعفى هذه القرية من كل خراج عليها, إكراماً لزوجة نبيهم عليه الصلاة والسلام .
الخاتمة :
أيها الأخوة, هناك دروس كثيرة جداً تعلمنها، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أرحم بالعيال من كل إنسان، وأنت رحمتك بعيالك بقدر إيمانك، هناك أباء يعيشون لأولادهم، وهناك أمهات يعشن لأولادهن، وأن أكبر شهادة ينالها الرجل والمرأة أولاده الصالحون، والولد استمرار والولد صدقة جارية .

السعيد 09-04-2018 01:05 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( الثالث العاشر )


الموضوع : زينب بنت خزيمة



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
متى ولدت زينب بنت خزيمة, ومن كان زوجها السابق, ومتى تزوجها النبي, وكم مكثت في بيت النبي, وكم كان عمرها حينما توفيت ؟
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثاني والعشرين من دروس الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، ومع أهل بيت النبي, زوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين، ومع الزوجة الرزينة: زينب بنت خزيمة, العفيفة, الكريمة, التي كانت أم المساكين، لأنها كانت تطعمهم، وتتصدق عليهم .
هي زينب بنت خزيمة أم المؤمنين, زوج النبي عليه أتم الصلاة والتسليم، ولدت قبل البعثة في مكة بثلاث عشرة سنة، وكانت زوجة عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب الذي استشهد في غزوة بدر، فخطبها النبي عليه الصلاة والسلام بعد انقضاء عدتها إلى نفسه، فجعلت أمرها إليه، فتزوجها في رمضان سنة ثلاث من الهجرة بعد حفصة، أقامت عند النبي ثمانية أشهر، وتوفيت في شهر ربيع الآخر سنة أربع للهجرة، وعاشت ثلاثين سنة، رضي الله عنها وأرضاها .
أولاً: هناك تعليق على عمر الإنسان، هناك عمر مديد، وهناك عمر قصير، ثلاثون سنة، والحقيقة أن العمر الزمني هو أتفه أعمار الإنسان، ولا قيمة له إطلاقاً، هناك العمر الإيماني، هناك عمر ممتلئ بالأعمال الصالحة، النبي عليه الصلاة والسلام عاش ثلاثاً وستين عاماً، في هذه الأعوام أقسم الله جلّ جلاله بعمره، قال:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 72]
ما هذا العمر الذي حقق فيه نشر الخير، والعدل، والفضيلة، والسعادة, في كل أرجاء الدنيا؟ يعني الله عز وجل حينما يخاطب النبي يقول:
﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾
[سورة الضحى الآية: 1-3]
إنّ الله جلّ جلاله يتودد إلى هذا النبي الكريم، ماذا فعل هذا الإنسان النبي؟ عاش ثلاثة وستين عاماً، فالإنسان يقاس عمره بعمله الصالح، وحجمك عند الله بحجم عملك الصالح .
أنا أتمنى على كل أخ أن يسأل هذا السؤال: ماذا قدمت للآخرة؟ أما أكلنا، وشربنا، وسكنا، وتزوجنا، وأنجبنا، وعملنا، وكسبنا الأموال، ثم غادرنا الدنيا, فهذا شأن الناس كلهم، هذا شأن الناس جميعاً في كل بقاع الأرض، أما ماذا قدمت، هل تركت علماً؟ هل تركت مشروعاً خيرياً؟ هل لك بصمات في الحياة الإسلامية؟ هل دعوت إلى الله؟ هل لك عمل طيب؟ هل لك حرفة أتقنتها، ونفعت بها المسلمين؟ هل ربيت أولاداً تربية صالحة؟ هل ربيت بناتك تربية إيمانية إسلامية؟ هل لك زوجة أخذت بيدها إلى الله عز وجل؟ ماذا فعلت؟ هذا السؤال يجب ألا يغيب عن أذهاننا جميعاً: ماذا قدمت للآخرة؟ .
فهذه عاشت ثلاثين عاماً، وعاشت مع رسول الله ثمانية أشهر، تذكرون أن سيدنا زيد الخير, لما جاء النبي عليه الصلاة والسلام, رحب به, وقال:

((من الرجل؟ قال: أنا زيد الخيل، قال: بل أنت زيد الخير، قال له: والله يا زيد ما وصف لي رجل, فرأيته إلا رأيته دون ما وصف, إلا أنت يا زيد، لله درك، -أخذه إلى البيت، وقدم له وسادة, ليتكئ عليها، عمر إيمانه ساعة- قال: والله يا رسول الله, لا أتكئ بحضرتك، قال: يا رسول الله, أعطني ثلاثمئة فارس, لأغزو بهم الروم، قال له: لله درك يا زيد، أي رجل أنت, وغادر النبي إلى بلده، وفي الطريق توفي))
صحابي جليل بنواياه الطيبة، وبرغبته في نشر الحق, وصل إلى ما وصل إليه في ثلاثة أيام، هناك شيء يسمى حرق مراحل، الزمن لا قيمة له إطلاقاً، سحرة فرعون أناس جاؤوا ليبطلوا عمل سيدنا موسى، هم سحرة عندهم أساليب، وعندهم أنابيب مطاطية, فيها زئبق, وضعوها على سطح ساخن، فالزئبق تمدد, فتلونت هذه الأنابيب, كأنها أفاع تسعى، أما حينما ألقى عصاه, فإذا هي ثعبان مبين، هناك عرفوا أن هذا نبي، وليس بساحر, قال تعالى:
﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾
[سورة طه الآية: 70-72]
يعني تصور فرعون، وما أدراك ما فرعون؟ فرعون الطاغية، فرعون البطاش, يقول له إنسان من أتباعه:
﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾
[سورة طه الآية: 72-73]
أين المراحل؟ دقائق من سحرة إلى صديقين، أتفه أعمار الإنسان عمره الزمني، لكن أعظم أعماره عمره الإيماني المفعم بالأعمال الصالحة، وحجمك عند الله بحجم عملك الصالح، العمل الصالح الذي لا علاقة له بمصلحتك، ولا ببيتك، ولا بكسب مالك، ولا بمكانتك، هناك من يعمل عملاً خالصاً، هذا المرأة التي سقت الكلب في الصحراء لا تبتغي سمعة، ولا جاهاً، ولا مكانة، ولا خبراً ينشر، قال النبي عليه الصلاة والسلام:
((غفر الله لها))
لأنها سقت هذا الكلب، لأن عملها خالص لوجه الله .
الإخلاص شيء عظيم، أعمال قليلة مع الإخلاص أعظم من أعمال كثيرة من دون إخلاص، أقامت عند النبي ثمانية أشهر، وقد توفيت، وعاشت ثلاثين سنة رضي الله عنها وأرضاها .


لماذا لم يذكر كتب التاريخ عن هذه السيدة إلا القليل, وبماذا كانت تلقب ؟
أيها الأخوة, إلا أن الكتب فقيرة جداً بالحديث عن هذه الزوجة, لقصر مدة عيشها مع رسول الله، لكن هناك تعليق ثان: هذا سيدنا عمر رضي الله عنه, عملاق الإسلام, لما جاءه رسول أحد قواده في نهاوند, وقال له:
((مات خلق كثير أنت لا تعرفهم، ماذا قال سيدنا عمر؟ قال: وما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم))
أيام إنسان يبتغي السمعة والشهرة والتألق، وأن يعلو نجمه في سماء الأدب أو العلم, هذا أيضاً من الدنيا، النبي عليه الصلاة والسلام وصف المؤمنين الصادقين, بأنهم أتقياء أخفياء, إذا حضروا لم يعرفوا، وإذا غابوا لم يفتقدوا، فالإنسان إذا ما حصل نصيب من الشهرة, ليكن له عند الله شهرة .
دخل رجل على النبي صلى الله عليه وسلم, فوقف له، ورحب به أشدّ الترحيب، وقال له :

((أهلاً بمن خبرني جبريل بقدومه، قال: أو مثلي؟ قال: نعم يا أخي، خامل في الأرض, عَلَم في السماء))
يمكن أن يكون الموظف الصغير، معه شهادة متواضعة، ودخله محدود، ويسكن في بيت صغير في طرف المدينة، ولا أحد يعرفه، لكن الله يعرفه، لأنه مخلص .
لم يمض على زواجه صلى الله عليه وسلم من حفصة إلا أشهر معدودة, حتى أرسل النبي إلى زينب بنت خزيمة, يخطبها إلى نفسه، وما أن يصل الخبر الجليل إلى زينب المهاجرة الصابرة التي أفجعها موت زوجها .
يعني بالتعبير اليومي كان النبي جبار الخواطر، في بعض الصفات ليست جميلة، كانت متأخرة في الجمال، زوجها استشهد في معركة أحد، فالنبي عليه الصلاة والسلام منحها هذا الشرف، وهي أرملة الآن .
وحينما خطبها النبي قالت له: إني جعلت أمر نفسي إليك، يعني وهبت نفسها للنبي، وهذا زيادة في التعبير عن بالغ الرضا والامتنان، وعن عميق السرور الذي غمر قلبها الوديع، فتزوجها النبي عليه الصلاة والسلام .
أحياناً يبحث الإنسان عن شكل، عن قياسات، عن لون، لكن أحياناً الزوجة المؤمنة تملأ البيت سعادة، ألم يقل النبي عليه الصلاة والسلام:

((من تزوج المرأة لجمالها, أذله الله، من تزوجها لحسبها, زاده الله دناءة، من تزوجها لمالها, أفقره الله، فعليك بذات الدين تربت يداك))
تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان من السنة الثالثة للهجرة، ولم تمكث عنده إلا أشهر، ثم توفيت رضي الله عنها .
أَقَلَّتْ كتب السيرة والتاريخ من ذكر أخبار أم المؤمنين زينب بنت خزيمة، ويعود السبب إلى ذلك الزمن اليسير الذي أقامت عند النبي عليه الصلاة والسلام .
في رواية لم تمكث إلا شهرين فقط، وفي رواية أخرى أنها أقامت عنده ثمانية أشهر، ولعلها أمضت هذه الفترة في المرض، والله تعالى أعلم .
إلا أن هذه الزوجة الطاهرة اسمها في كتب السيرة: أم المساكين، لكثرة معروفها، لعلكم ترزقون بضعفائكم، لعلكم تنصرون بفقرائكم، اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني مع المساكين .


وقفات أمام هذه القصص, وأمام هذه المشاهد القرآنية :
ورد في بعض الأحاديث:
((الحزانى في كنف الله، إن الله يحب كل قلب حزين، الحزانى معرضون للرحمة))
تجد الرجل ملء السمع والبصر، بلباس أنيق جداً، وشكل رائع جداً، بيته فخم، قال الله عز وجل:
﴿فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾
[سورة التوبة الآية: 55]
تجد بيته فخمًا، لكنه قطعة من الجحيم، وثمة بيت متواضع قطعة من الجنة .
هنا أذكر قصة من ثلاثين سنة، حيث دخلت إلى بيت, يمكن بالجادة الأولى من فوق، ليس فيه بلاط، كله إسمنت، أثاث بسيط لدرجة غير معقولة، بل هو أرخص أنواع الأثاث، والبيت نظيف، أنا شعرت أن هذا البيت فيه سعادة، فيه أنس، فيه تفاهم، فيه حب، طفل أنيق مرتب، جلست على الأرض متكئًا على وسادة من إسفنج، على بساط بسيط، ليس في البيت شيء، لكنه محفوف بالسرور والسعادة .
ومرة أخ من أخواننا الكرام، وهو طالب علم من بلد إسلامي بعيد, قال لي: هل من الممكن أن تزورنا في رمضان؟ فقلت له: حباً وكرامة، البيت متواضع إلى درجة غير معقولة أيضاً، آخر جادة، هناك سرور وتجليات، وشعور بالأنس لا يوصف .
اللهم أحيني مسكيناً، وأمتني مسكيناً، واحشرني مع المساكين، ليس مع الفقراء، ليس مع المتخلفين عقلياً، لا, بل مع إنسان مفتقر إلى الله، من هو المسكين؟ المفتقر إلى الله، العبد لله، المتواضع، المحب لله ورسوله, هذا هو المسكين، طبعاً هناك جبابرة، وأقوياء، وطغاة، وهناك مساكين، الأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم، والأنبياء ملكوا القلوب بكمالهم، والناس جميعاً أتباع قوي أو نبي، أتباع القوي يقهرون، وأتباع النبي يتكاملون، سلاحهم كمالهم، وهؤلاء سلاحهم قوتهم .
أوضح مثل: اذهب إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، وقفْ أمامه، وانظر إلى الألوف المؤلفة، بالملايين من شتى بقاع الأرض، العرب أقلية، من إندونيسيا، من ماليزيا، من باكستان، من الهند، من الفلبين، من تركيا، ومن مصر، ومن بلادنا، كل هؤلاء يقفون أمام النبي بتواضع، وبكاء، وخشوع، ماذا فعل النبي؟ ماذا أعطاهم؟ ملك القلوب بكماله، بتواضعه، بمحبته لله، لذلك فإما أن تملك القلوب بكمالك، وإما أن تملك الرقاب بقوتك، وهنيئاً لمن ملك القلوب بكماله .
طبعاً ليس هناك تفاصيل عن أعمالها الصالحة، هي في التاريخ أمُّ المساكين، وقد قال عز وجل:

﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
قد يدعى الإنسان إلى حفل من أعلى مستوى، وأحياناً يدعى إلى حفل متواضع جداً، أنا أقول لكم: تلبية حفلات الكبراء من الدنيا، وتلبية حفلات المؤمنين المتواضعة من عمل الآخرة، والنبي الكريم يقول:
((لَوْ دُعِيتُ إِلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْتُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
لو دعاك إنسان إلى مكان بعيد بطرف المدينة إلى كأس شاي, فتذهب بنفس طيبة، بنفس صادقة، بنفس مخلصة، فالله عز وجل يكافئك، وأحيانا تدعى إلى حفل فخم جداً، لكن ليس هناك سرور، لأنه مصحوبٌ بالتباهي، والكبر، والغطرسة، والاستعلاء، لذلك المساكين هم المؤمنون، اللهم أحيني مسكيناً، المؤمنون المتواضعون المفتقرون إلى الله عز وجل, هؤلاء كن معهم، واصبر نفسك معهم، يأمر الله النبي:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
فإما أن تصبر نفسك مع المؤمنين، وإما أنك تريد زينة الحياة الدنيا, قال تعالى:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
عيينة بن حصن الفزاري، وكان رئيس قومه، دخل على النبي الكريم, فوجد عنده سلمان الفارسي، وصهيبًا الرومي، وبلالا الحبشي، وغيرهم من ضعفاء الصحابة، وعليهم ثياب خلقة بالية، وقد عرقوا فيها، فقال عيينة:
((إن لنا شرفاً، فإذا دخلنا عليك, فأخرج هؤلاء، فإنهم يؤذوننا، واجعل لنا مجلساً، ولهم مجلساً، فنزل قوله تعالى:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
المؤمن له عند الله مكان كبير، ومقام عظيم, قال تعالى:
﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
أي لا تتجاوزهم، ولا تزدريهم, قال تعالى:
﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
لا تطع من أعرض عن القرآن، واتبع هوى نفسه, قال تعالى:
﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
أي ضائعاً، هذه آية مهمة جداً:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
قد تأتي إلى المسجد، وتجلس على الأرض، وقد تتعب من الجلوس على الأرض، وقد تكون مدعواً إلى حفلة بالمجتمع المخملي كما يقولون، فتؤثر بيت الله ودرس علم على هذه الحفلة ، فأنت ممن تنطبق عليهم هذه الآية:
﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً﴾
[سورة الكهف الآية: 28]
ليس غريباً لمن يصحب النبي عليه الصلاة والسلام أن ينشأ على حب المساكين، والتقرب إليهم، والإحسان لهم .

السعيد 09-04-2018 01:07 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( الرابع العاشر )


الموضوع : ميمونة بنت الحارث



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
من هم أقرباء ميمونة بنت الحارث, ومتى تزوجها النبي, ومن وكلت في عقد زواجها, وهل روت عن النبي, وممن روى عنها؟
ننتقل إلى زوجة أخرى من زوجات النبي، وهو الدرس الثالث والعشرون، وموضوع اليوم: أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأخت أم الفضل زوجة العباس، وخالة عبد الله بن عباس, وخالة خالد بن الوليد، وكان اسمها (برة), فسماها النبي (ميمونة) .
من عادة النبي صلى الله عليه وسلم أنْ يعطي أجمل الأسماء، وكان يأمرنا أن نخاطب الإنسان بأحب الأسماء إليه، لأن ثمة أسماء ليس محببة كثيراً، فمعلم المدرسة, أو مدير في دائرة, من علامات نجاحه في عمله, يخاطب موظفيهم بأحب الأسماء إليهم، وهناك أسماء أحياناً تثير الضحك، له اسم، وله كنية، كنيته تثير الضحك، نناديه باسمه، اسمه يثير الضحك, نناديه بكنيته، هذا من أدب النبي صلى الله عليه وسلم .
أحيانا بالعكس: اسم عدوان مثلاً، عدوان سلام، يا سيد سلام، نادِ الإنسان بأحب الأسماء إليه، وإذا ناديته باسمه وغضب, فقل له: الله عز وجل ما ذكر إنساناً بكنيته إلا أبا لهب، لأن اسمه عبد العزى، ولو أن الله عز جل قال: عبد العزى, لرأوه إلهاً، فالله عز وجل ذكره بكنيته فقط، أما أحبابه فقال: يا يحيى، يا زكريا، يا عيسى، إلا أن القرآن كله ليس فيه خطاب للنبي باسمه, إلا بألقابه النبوية والرسالة، يا أيها النبي، يا أيها الرسول، وقد ورد اسم محمد، ولكن في معرض الخبر، محمد رسول الله، أما كخطاب فهذا مما انفرد به النبي صلى الله عليه وسلم .
فميمونة بنت الحارث زوج النبي, تزوجها النبي عليه الصلاة والسلام في ذي القعدة سنة سبع, لما اعتمر عمرة القضاء، وبنى بها عقب مرجعه من العمرة في مكان بين مكة والمدينة، وكان الذي تولى تزويجها العباس رضي الله عنه بتوكيل منها، وكان قد أرسل صلى الله عليه وسلم جعفراً ليخطبها له، فأذن للعباس فزوجها منه، روت عن النبي أحاديث كثيرة، روى عنها ابن أختها عبد الله بن عباس، وابن أختها الأخرى عبد الله بن شداد، وابن أختها عبد الرحمن بن السائب، وابن أختها الأخرى يزيد بن الصم، وآخرون كمولاها عطاء بن يسار ، وكريب مولى ابن عباس، وكثيرون .
ما الخبر الذي روجه المشركون في مكة, وماذا فعل النبي حينما علم بذلك, ومتى تم عقد بناء النبي على زوجه ميمونة ؟
كلكم يعلم أن في الحديبية, حينما منع المشركون رسول الله والمؤمنون من أن يؤدوا العمرة، واتفقوا على صلح الحديبية، على أن يرجعوا هذا العام، ويأتوا في العام التالي، فهذه العمرة سُمِّيت عمرة القضاء .
أحب أهل مكة أن يعزوا أنفسهم، فأخلوا مكة، وتركوها لرسول الله في العام المقبل، فأشاعوا وأذاعوا في أرجاء مكة, أن المسلمين يعانون عسرة وجهداً، دائماً الكافر يتلقى الأخبار السيئة للمؤمنين براحة، ويتلقى الأخبار الطيبة بانزعاج .
بالمناسبة يمكن أن يكون هذا مقياسًا كبيرًا لإيمانك، إذا أصاب أخاك المؤمن خيرٌ ارتحت له, فهذه علامة إيمانك، وإذا تضايقت فهي علامة النفاق، المنافق إن تصبك حسنة تسؤه، وإن تصبك سيئة يفرح بها، هذا المنافق .
فأنت انظر مع أخوانك، أخ لك أخذ شهادة عليا، صار دكتور، أتتضايق أم تفرح؟ أخوك تزوج، واشترى بيتًا، أو احتل منصباً رفيعاً، له مكانة، فهذا مكسب لك، نحن عندنا قاعدة: المؤمنون كلهم لواحد، والواحد للمجموع، كل مؤمن لمؤمن، والمؤمن للجميع .
وقف أهل مكة عند دار الندوة, لينظروا إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإلى أصحابه, كيف أصابهم الجهد، وأنهكتهم العسرة، هناك معلومات مبنية دائماً على التباعد, والأوهام, والأخطاء، معلومات سيئة جداً عن أحوال المؤمنين، فالمشركون أرادوا أن ينظروا إلى أوضاعهم الصعبة، وعلم النبي بالخبر, فقال لأصحابه الكرام:
((أرملوا بالبيت, ليرى المشركون قوتكم، ولما دخل صلى الله عليه وسلم اضطبع بردائه، -يعني أخرج كتفه اليمنى, هذا الاضطباع بالحج والعمرة- أخرج عرضه اليمنى، ثم قال: رحم الله امرءاً أراهم اليوم من نفسه قوة، ثم استلم الركن، وأخذ يهرول، ويهرول أصحابه معه، فكان ذلك إظهاراً لقوتهم، وتكذيباً لإشاعات المشركين .
-هذا منه حكم شرعي، فأنت لا ينبغي أن تقف موقفَ ضعفٍ أمام كافر، لا ينبغي أن تتضعضع لإنسان كافر، وتتذلل أمامه، يجب أن تظهر بأعلى مظهر، لأن لله العزة ولرسوله وللمؤمنين، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، ابتغ الحوائج بعزة الأنفس، فإن الحوائج تجري بالمقادير، كافر بعيد عن الدين, رأى مؤمنًا يتذلل أمامه، يقول: هذا دين, نحن على حق، وليس هم، لأنك أنت حينما تذللت أمامه, ضعفت مركز الدين، أنت سفير للمؤمنين، لما تضعضعت أمامه, ضعضعت مركزك، وضعضعت مركز الدين أمامه، وفتنت الكافر، وأقنعته أننا أناس صغار, ضعفاء مسحوقون، وأنت قوي وفهمٌ، رحم الله امرءاً أراهم اليوم من نفسه قوة .
أيها الأخوة, يمكن أن تشكو لمؤمن، فإن فعلت ذلك, فإنك تشتكي إلى الله، أما إذا اشتكيت لكافر, فكأنما اشتكيت على الله، أما أن تشكو الناس إلى الله, فهذا ضعف التوحيد، أما أن تشكو نفسك إلى الله, فهذا محض الإيمان- .
لما دخل النبي مكة, أمسك ابن رواحة خطام ناقة النبي، وقال:
خلوا بني الكفار عن سبيله خلوا فكل الخير في رسوله
يا رب إنـي مؤمن بقيـله أعرف حق الله في قبولـه
وأقام النبي عليه الصلاة والسلام في مكة ثلاث ليال بعد العمرة، وكان العباس قد زوجه ميمونة بمكة، وكان لها من العمر ست وعشرون عاماً، فعقد عليها بمكة بعد تحلله من عمرته، وبنى بها في طريق عودته إلى المدينة، وفي هذه العمرة نزل قوله تعالى:

﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾

[سورة الفتح الآية: 27]
-يقول كتاب السيرة: ما بقي أحد من المسلمين إلا وقد أيقن يومئذ أن يوم النصر الأكبر كاد قريباً وشيكاً، لأن بعد عمرة الحديبية عمرة القضاء، بعدها فتح مكة, قال تعالى:
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾
[سورة الفتح الآية: 1]
الناس في نشوة، هذه المعاني من العزة, والنصر, والفتح، وميمونة رضي الله عنها في نشوة سرورها، وفرحها، وابتهاجها بزواجها من رسول الله، ليست قضية زواج أن تكون امرأة زوجة رسول الله، شيء صعب أن يتصوره الإنسان .
أنا في الحج الماضي أمام قبر النبي, هذا أعظم إنسان في الكون، سيد الخلق، قمة المجتمع البشري كمالاً، وعلماً، وخلقاً، وأدباً، ومعرفة بالله، فكيف بامرأة تكون زوجته؟ .
بالمناسبة إذا كان لامرأة زوج مؤمن وضايقته, فلها عند الله عقاب أليم، لأن العلماء قالوا في قوله تعالى:

﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾

[سورة الأحزاب الآية:30]
ممكن أن تأتي زوجة النبي فاحشة؟ مستحيل، فما معنى الآية؟ العلماء قالوا: زوجة النبي لو أنه ضايقته قليلاً، أو قصرت في حقه، أو حملته ما لا يطيق، أو أنها طالبته بالدنيا, لكان هذا عند الله فاحشة .
السيدة خديجة أين وجه عظمتها؟ أنها كانت أكبر معين للنبي، كثير من النساء إذا أحب زوجها أن يؤلف كتابًا لا تريحه، النساء الجاهلات عداوات الكتاب، ثمة عداوة مستحكمة بينها وبين الكتاب، لا تسمح لزوجها أن يكون متألقاً .
أحيانا تجد مؤلفًا يقول: أهدي الكتاب لزوجتي، التي كانت السبب، إنها كانت أكبر عونٍ على كتابته، لأن التأليف يحتاج إلى صفاء، وهدوء، وتفرغ، فتسعى بكل جهدها إلى أن يكون زوجها في راحة، فلذلك الآية دقيقة:
﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾
[سورة الأحزاب الآية:30]
إذا أساءت إلى النبي قليلاً, فكأنما أتت الفاحشة، أمّا هنّ فمنزهات، هنّ العفيفات الطاهرات, منزهات عن أن يأتين الفاحشة، لكن الفاحشة في هذه الآية معناها: إذا أسأن إلى النبي, ولو إساءة طفيفة، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام عن سيدنا الصديق:
((ما ساءني قط فاعرفوا له ذلك))
((سدوا علي كل خوخة إلا خوخة أبي بكر))
((وما طلعت شمس على رجل بعد نبي أفضل من أبي بكر))
وعندما وصلت إلى المدينة, استقبلتها نساء النبي بالترحاب, والتهاني, والتبريكات))

مكة بلده الذي أُخرِج منه، وائتمر أهلها على قتله، وكادت له، وحاربته ثلاثة حروب صعبة، ثم أكرمه الله عز وجل، ودخل مكة منتصراً فاتحاً، العبرة بالنهاية، والعاقبة للمتقين، الأمور تدور، يصعد أناس، ويسقط أناس آخرون، وفي النهاية لا تستقر إلا على تكريم المؤمن.
ما هو الشرف الذي نالته السيدة ميمونة, وهل أذنت للسيدة عائشة في مطلبها, وهل كانت من المعمرات في الدنيا, ومتى توفيت, وأين دفنت؟
دخلت أم المؤمنين ميمونة بيت النبي، وقد اغتنمت من الدنيا نعمة الإيمان والإسلام, والشرف العظيم أن أصبحت زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وبقيت ميمونة تحظى بالقرب من رسول الله كثيراً، حتى إذا اشتد المرض برسول الله, نزل في بيتها، ثم استأذنتها عائشة بإذن من النبي صلى الله عليه وسلم, لينتقل إلى بيتها, ليمرض حيث أحب في بيت عائشة، فحينما مرض أول مرحلة كانت في بيت ميمونة، والمرحلة الثانية في بيت عائشة، ومقامه الشريف الآن هو بيت عائشة، مكان دفنه الآن هذا بيت عائشة، وهذه نعمة من أجلِّ النعم أن قبر النبي ثابت، وقبور الآخرين لعله هنا، هنا قبر سيدنا يحيى في الأموي، ليس هناك شيء ثابت، أما لكرامة النبي عند الله كان قبره ثابتًا، ليس فيه مشكلة إطلاقاً .
فلما انتقل عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى, عاشت ميمونة رضي الله عنها حياتها بعد النبي, في نشر سنته بين الصحابة والتابعين، حيث روى عنها كثير من الصحابة والتابعين أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، كما رووا عن سائر أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، وفي عام الواحد والخمسين, توفيت السيدة ميمونة، ولها ثمانون سنة .
عاشت زينب بنت خزيمة ثلاثين عاماً، وهذه عاشت ثمانين عاماً .
قال عطاء:
((توفيت ميمونة في المكان الذي بنى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج هو وابن عباس إليها, فدفنوها في موضع قبتها, الذي كان فيه عرسها رضي الله عنها وأرضاها))
سكنت بمكان قريب البقيع في الحج، هذا البقيع كل الصحابة فيه، كبار الصحابة زوجات النبي، بنات النبي في هذه المقبرة، النبي عليه الصلاة والسلام ربى رجالاً أبطالا ونساءً .


السعيد 09-04-2018 01:11 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات - بنات النبى الكريم

الدرس : ( الخامس العاشر )


الموضوع : زينب الكبرى - 1





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
مقدمة عامة :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس الثالث والعشرين من سير الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن أجمعين، ومع بنات النبي صلى الله عليه وسلم، ومع ابنته البكر السيدة زينب الكبرى، كما توصف في كتب السيرة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6180/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، فإذا خص الله عز وجل مؤمنًا بالبنات فقط, فلا ينبغي أن يتألم, لأن البنت ريحانة، وكما كان يفعل النبي عليه الصلاة والسلام حينما جاءته فاطمة, ضمها وشمها وقال:

((ريحانة أشمها, وعلى الله رزقها))
وأي بيت من بيوتكم إذا كان فيه بنت, فلربما كانت سبباً لدخول أبيها الجنة .
وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((مَنْ ابْتُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ الْبَنَاتِ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ, كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ يَقُولُ, سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((مَنْ كَانَ لَهُ ثَلَاثُ بَنَاتٍ فَصَبَرَ عَلَيْهِنَّ, وَأَطْعَمَهُنَّ, وَسَقَاهُنَّ, وَكَسَاهُنَّ مِنْ جِدَتِهِ, كُنَّ لَهُ حِجَابًا مِنْ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ))
[أخرجه ابن ماجه في سننه]
إنه كلام النبي، لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، بنت واحدة إذا أحسنت تربيتها, عرفتها بربها، عرفتها دينها، ربيتها على الخلق، والعفاف، والحشمة، والتستر، بينت لها أحكام الشرع، فأنت في الطريق إلى الجنة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6180/02.jpg
كان عليه الصلاة والسلام أبا البنات، قد يقول قائل: ما الحكمة في أن الله عز وجل لم يرزقه ذكوراً كبروا وأعانوه على الدعوة؟ .
النبي عليه الصلاة والسلام أراده الله أن يعتمد عليه وحده؛ لأن الأب أحياناً يعتمد على ابنه، ولكن النبي ليس هناك أب وأم يدلان عليه بفضليهما، نشأ يتيماً، وليس له ابن ذكر يعينه على متاعب الحياة, قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى﴾
[سورة الضحى الآية: 6-8]
فلم يعيش للنبي صلى الله عليه وسلم من أولاده ولا ذكر واحد، بل جميعهم ماتوا صغاراً.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6180/03.jpg
بالمناسبة أخواننا الكرام، الذي يعاني أن أولاده جميعاً إناث, فله في النبي أسوة حسنة، الذي يعاني من أب صعب, فله في سيدنا إبراهيم أسوة حسنة، الذي يعاني من ابن سيء, فله في سيدنا نوح أسوة حسنة، والمرأة التي تعاني من زوج, لها في السيدة آسيا أسوة حسنة، والزوج الذي يعاني من زوجته, له في سيدنا لوط أسوة حسنة، فالله عز وجل جعل في الأنبياء والمرسلين نماذج، فأي نموذجاً تعاني منه, لك في بعض الأنبياء والمرسلين أسوة حسنة، هذه الأسوة تملأ قلبك رضى عن الله عز وجل .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6180/04.jpg
يقول بعض كاتبات السيرة: لكأن الله جل جلاله أراد أن يعتمد الرجل الذي يصطفيه نبياً على احتمال أبوة الإناث، أبو البنات عليه عبء ثقيل، وكان صلى الله عليه وسلم في أبوته لبنات أربع, قدوة صالحة للمؤمنين, ورسالته التي أعزت الأنوثة، وقررت لها من الحقوق ما لا تطمح إلى مثله نساء العصر الحديث .
أنا سمعت من أخ صادق, يعمل في مركز في أمريكا, أن أربع أستاذات جامعيات منه انتدبن، وزرن الشرق الأوسط، زرن سوريا، ومصر، والمملكة العربية السعودية، فيما أذكر ليدرسن حالة المرأة المسلمة التي يتوهمون أنها مضطهدة، ويتوهمون أنها لم تنل حقوقها، فطفن في هذه البلاد طولاً وعرضاً، وشمالاً وجنوباً، ثم فوجئن أنه ما من امرأة في العالم مكرمة كما هي المرأة المسلمة .
الشيء الذي لا يُصدق: أن هؤلاء النسوة الأربع، الأستاذات في الجامعة, اللواتي أتين ليتفحصن حال المرأة المسلمة, أسلمن جميعاً، وعدن إلى بلدهن مسلمات .
المرأة الآن في أمريكا, إن لم تعمل ثماني ساعات وساعتين قيادة سيارة عمل, ربما تموت من الجوع, أما أية امرأة من نساء المؤمنين, سيدة منزل، تعيش في بحبوحة، وفي راحة ، وفي تكريم، وكأنها ملكة في مملكة صغيرة .
إليكم الحديث عن زينب بنت النبي من حيث سيرتها الذاتية مجملة :
البنت الأولى؛ السيدة زينب الكبرى، هي زينب بنت محمد صلى الله عليه وسلم، أسلمت وهاجرت قبل الإسلام، زوجها أبوها قبل الإسلام بست سنين، طبعاً تزوجها ابن خالتها أبو العاص، فولدت له أمامة التي تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وولدت له علي بن أبي العاص، ومات صبياً .
وعن أم سلمة, زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم, أرسل إليها أبو العاص بن الربيع, أن خذي أماناً من أبيك فخرجت, فأطلت رأسها من باب حجرتها، والنبي في المسجد يصلي الصبح بالناس، فقالت:
((أيها الناس، إني زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني قد أجرت أبا العاص، فلما فرغ النبي صلى الله عليه من الصلاة, قال:
((يا أيها الناس, إنه لا علم لي بهذا حتى سمعتموه, ألا وإنه يجير على المسلمين أدناهم))
هذه ومضة من سيرة هذه الصحابية الجليلة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد حين سوف نطلع على ملابساتها .
قبِلَ النبي وأصحابه جيرتها، وأجاروا أبا العاص زوجها، وأعطوه بضاعته، وسوف ترون بعد قليل, هذا الموقف الرائع الذي وقفه أبو العاص, حينما كان بيده أموال أهل مكة، لو أسلم لصارت كل هذه الأموال غنيمة للمسلمين، ولكنه أبى أن يبدأ إسلامه باغتصاب أموال الناس، ولهذه القصة تفاصيل تأتي بعدها .
أيها الأخوة، حينما أجاب النبي عليه الصلاة والسلام ابنته إلى طلبها, سألت أباها أيضاً أن يرد عليه متاعه، وأمرها ألاّ يقربها ما دام مشركاً، لأنه طلقها منه، طبعاً طلقها منه، وأرسلها إلى أبيها في المدينة، وكان في تجارة إلى الشام، عاد من الشام إلى مكة، ومعه تجارة عريضة، فألقت سرية من سرايا النبي القبض عليه، وساقته مع البضائع إلى المدينة، فأجارته زينب، وهي مطلقته، وقَبِلَ النبي طلبها، وقال: ((يا بنيتي لا يصل إليك، لأنه لا يحل لك))
عاد أبو العاص إلى مكة، وأدى إلى كل ذي حق حقه، ثم رجع مسلماً مهاجراً، فرد عليه النبي زوجته بذاك النكاح الأول .
طبعاً القصة لها تفاصيل نأخذها بعد قليل . إليكم الحديث عن زينب من حيث: زواجها, أولادها, مكانتها عند أبيها :
يقول كتاب السيرة: لقد كان لزينب في نفس أبيها محمد صلى الله عليه وسلم أثر كبير، فكان يحبها كثيراً، لكونها ولده البكر التي أطلت على زوجين حبيبين كريمين، فأضفت عليهما معالم الأبوة والأمومة .
رأتها خديجة ثمرةً يانعة من شجرة مباركة طيبة، إنها ابنة محمد صلى الله عليه وسلم, الزوج العظيم، الذي لم تعلم الدنيا مثيلاً له خُلقاً وأدباً، فرعتها أحسن رعاية .
أنا أقول لكم: مُتاح لكم تصلوا إلى أعلى درجات الجنة من خلال البيت فقط، اعتنِ بأولادك، اعتنِ بهم، متن علاقتك بأهل البيت، ربِّهم تربية صالحة، اجعل هذه الأسرة بوتقة، كل أفراد الأسرة ينصهرون بها .
أنا بصراحة أكبر كل أسرة متماسكة، وأتألم أشد الألم من أسرة متفككة, من أسرة متقاطعة، متدابرة، متنافسة، وإنّ أحد أكبر أسباب سعادة الإنسان أسرته المتماسكة، فشبت زينب على كريم الخلق .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6180/05.jpg
بصراحة مرة ثانية: إذا أراد أحدكم أن يتزوج, اختر الأهل قبل الفتاة، لأن الفتاة نسخة صادقة عن أهلها، في أي بيت نشأت؟ هل هذا البيت بيت علم؟ هل هذا البيت بيت خلق؟ هل هذا البيت بيت نظام؟ هل هذا البيت بيت حياء؟ هل هذا البيت بيت ملائكي أم بيت شيطاني؟ هل أفراد هذا البيت متفاهمون, متماسكون, متعاونون؟ هل هناك قيم تحكم هذا البيت؟ فقبل أن تعجبك فتاة في الطريق, ابحث عن البيت الذي نشأت فيه، وهذا من سعادة الشاب الذي يقبل على الزواج .
حتى إذا شبت على كريم الخلق، وبلغت مبلغ الفتيات, الطاهرات, النقيات، كان لها في حساب هذه الأم العظيمة ما تراه لابنتها الشابة .

مضى زمن يسير على بلوغ زينب مبلغ النساء، وقد ورد في الأثر: ((أن ثلاثة لا ينبغي أن تتأخر؛ الأيم إذا جاء من يخطبها، والصلاة إذا حضر وقتها، والميت إذا مات))
فتقدم أبو العاص ابن خالتها لخطبتها, النبي عليه الصلاة والسلام وافق على هذا الصهر، قال: ((إنه نعم الصهر الكفء))
هذا وفاء منه صلى الله عليه وسلم، طبعاً بعد حين شارك المشركين في بعض الغزوات، وقع أسيراً، فلما استعرض النبي الأسرى, وقعت عينه على صهره، فقال: ((والله ما ذممناه صهراً))
والآن جاء ليقاتل، وهو مشرك .
طبعاً الزواج تم قبل البعثة، ابن خالتها كفء لها، أما بعد البعثة فتلكأ في إسلامه، وأبى أن يسلم، فطلقها النبي منه، وكانت بعض الغزوات, فشارك في هذه الغزوة، ووقع أسيراً، استعرض النبي الأسرى, فرآه أمامه، قال: ((والله ما ذممناه صهراً))
مع أن النبي عليه الصلاة والسلام أعجب به، ووافق عليه، إلا أن النبي قرر أن للفتاة الحق أن تختار زوجها، فاستأذنها، فقال: ((أي بنيتي زينب، إن ابن خالتك أبا العاص بن الربيع جاء لخطبتك، فما كان منها إلا أن سكتت إعلاناً منها على القبول))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6180/06.jpg
النبي سيد الخلق, حينما خُطبت ابنته استأذنها، فلذلك أيّ أب يجبر ابنته على الزواج، وهي كارهة، أو غاضبة، فهذا الزواج لا يقع، لأن موافقة الفتاة أحد شروط الزواج، لذلك كلكم يرى في عقود القران، يقف كاتب المحكمة، ويذهب إلى الغرفة الثانية, ليسمع بأذنه موافقة الفتاة على تزويجها من الشاب الخاطب .
تمت الخطبة، وأذيع الخبر في مكة، فما كان من أهلها إلا أن باركوا هذه الخطبة بالثناء العاطر، والمدح الجميل للخاطب والمخطوبة, ولأهلهما، وبادر شباب قريش يغبطون أبا العاص بهذه القرابة الكريمة من محمد صلى الله عليه وسلم، الذي سيصبح له صهراً صالحاً، ويكون والد زوجته عماً كريماً .
العم أب، والذي يقول دائماً، وقد قيل: لك آباء ثلاثة؛ أب أنجبك، وأب زوّجك، وأب دلَّك على الله، الأب الذي أنجب أبوك النسبي، والأب الذي زوجك هو والد زوجتك، رعاها إلى أن أصبحت بهذا السن، هذا أب، فكل شاب يسيء إلى عمه يتنكر لمبادئ الأخلاق .
لك أب أنجبك، وأب زوجك، وأب دلك على الله، طبعاً الأب الأول ينتهي فضله بنهاية الحياة، والأب الثاني ينتهي فضله بنهاية الزواج، أما الأب الذي دلك على الله دلّك على الجنة، فما دمت في الجنة ففضله مستمر، لذلك الإنسان عليه أن يسعى للدعوة إلى الله، فالخير الذي يأتي من الدعوة إلى الله لا يعلمه إلا الله .
ويتم عقد الزواج، ويستعد أهل الزوج لاستقبال الزوجة الكريمة, ويحين موعد الزواج، وتردد في أرجاء مكة أصداء العرس، وتُنحر الذبائح، وتُقام الولائم فرحة وبهجة بهذا الزواج المبارك .
ترون أنتم بأعينكم أن الزواج مشروع، لذلك يعلنه الناس، ويطلقون أبواق سياراتهم ، أما العلاقة المشبوهة فهذه وصمة عار في حق الإنسان .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6180/07.jpg
لي صديق طرق بابه فجراً، فتح الباب, رأى شبه سلة, فيها طفل وُلد لتوه، لا يوجد أحد، أخذ هذا الطفل إلى دار التوليد، وضع في الحاضنة, ذكر لي هذه القصة، قلت: سبحان الله ، لو كان هذا الطفل من زواج شرعي, لفرح الأهل، ويقيمون الولائم، وتأتي التهاني، وتأتي الهدايا، لأنه جاء من طريق مشروع، أما الطفل اللقيط فإنه يكون ثمرة لجريمة الزنا .
لذلك كم يوجد في الحاويات من أطفال ولدوا لتوهم؟ هذه الظاهرة تنتشر في بعض البلاد، لأن الزواج غير شرعي، ماذا يُفعل بهذا الطفل؟ يُلقى في الحاوية، أما الطفل الذي يأتي من أم وأب, فيوضع في أجمل مكان بالغرفة، في سرير، وفي عناية فائقة .
وفي بيت الزوجية, تحل زينب مكرمة معززة، ويهنأ لها العيش في ظل زواج فاضل كريم .
أحياناً الإنسان يطلب زوجة مؤمنة، فضل الإيمان على الجمال، فيها جمال، ولكن أقل مما كان يتمنى، يقول: أنا آثرت الدين، ألم يقل النبي الكريم: ((فعليك بذات الدين تربت يداك))
الكلام جيد، إلا أنه أحياناً يتبرم, وأحياناً يسمعها كلمات قاسية جداً .
أنا أقول لهذا الزوج: لو أبقيتها عند أهلها معززة مكرمة خير لك من أن تقول: أنا بطل، وسآخذ امرأة صالحة، هذه عند أهلها معززة مكرمة، أما حينما جئت بها إلى بيتك، وأسمعتها كلمات قاسية، فإن لم تكن أهلاً للزواج من فتاة مؤمنة, قد يكون شكلها أقل مما تتمنى، أنت لا تصلح لهذا العمل البطولي، فإذا آثر الإنسان دين فتاة, فينبغي أن لا يتكلم كلمة واحدة طوال حياته، ليكون أجره عند الله عظيماً.
طبعاً أبو العاص, فاز بهذه الزوجة الصالحة الكريمة، وفاز بالسعادة الزوجية التي وجدها في زينب، فكان كلما آن الأوان للسفر, يشتد عليه الفراق، حتى كان كثيراً ما ينشد في سفره, وهو بعيداً عنها, صدق القائل: ذكرت زينب لما ورقـت أرم فقلت سقيا لشخص يسكن الحرم
بنت الأمين جزاها الله صالحة وكل بعل سيثني بالذي عـلــم

لقد منَّ الله على أبي العاص بولدين، الأول علي بن أبي العاص، والثاني أمامة بنت أبي العاص، وهي التي قد تزوجها علي بن أبي طالب بعد وفاة فاطمة رضي الله عنها . ما موقف زينب من دعوة أبيها, وما موقف زوجها من هذه الدعوة ؟
الآن دخلنا في تفاصيل حياة السيدة زينب الكبرى بنت النبي عليه الصلاة والسلام.
لقد كانت تعلم زينب أنه سيكون لأبيها محمد صلى الله عليه وسلم شأن عظيم، من أين؟ علمت هذا من أخلاقه، من صفائه، من رحمته، من وفائه، من كرمه، لأنها ترى من أبيها من الصفات الحميدة، والأخلاق الكريمة، والصفاء النادر، والسمت الحسن الذي يختفي وراءه ينبوع الحكمة المتفجرة على لسانه الصادق، وقوله الحق، وعمله الصالح، وأمانته الفذة، ونهجه المستقيم، حتى غدا بين رجال قريش, بل والعرب من خلفهم, غدا الرجل الأمثل، والأكمل والأعظم، فلا تسمع بصفة حميدة إلا وجدتها في أبيها، ولا بخلق كريم، أو سجية حسنة, إلا وقد عرفتها في أبيها, من حين وعت عليه أباً, يحنو عليها ويرعاها، هذا الخلق يؤهل أباها ليكون شخصاً عظيماً، لذلك لم تُفاجأ زينب بخبر الوحي .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6180/08.jpg
ذات صباح سعت زينب مبكرة إلى بيت أبيها, لأن أبا العاص كان على سفر، فالتقت عند الباب بأمها, عائدة من زيارة عاجلة لابن عمها ورقة بن نوفل، ولم يسبق لزينب أن رأت أمها على مثل هذه الحالة المضطربة، واللهفة, والاهتمام, والاشتغال، وقد راعها أن قد مرت بها, فلم تكد تراها، بل اندفعت لا تلوي على شيء نحو مخدع زوجها, حيث تلبثت .
هناك فترة غير قصيرة قبل أن تخرج إلى بناتها، وقد عاودها هدوءها، وأصغت زينب إلى أمها، وهي تحدثها حديثاً عجباً عن نزول الوحي على أبيها محمد صلى الله عليه وسلم، وهو يتعبد بغار حراء، فأخذت بما سمعت, حتى لم تحر جواباً، ذلك أن الأمر كان من الخطر والجلال, حيث قصر عقلها عن إدراكه، وأعياها أن تبلغ مداه، ولبثت زينب في مكانها ساكتة واجمة, حتى ردها إلى يقظتها, صوت أختها فاطمة .
تقول فاطمة:
((أو ما يسرك يا أختي أنك بنت نبي هذه الأمة؟ أجابت: أجل والله يا فاطمة ، وأي فتاة لا يزيدها ذلك الشرف الذي ما بعده شرف، لكنه الذي سمعت، وسمعت من قول خالي ورقة, قال: ليُكَذَّبَنّ أبي، وليُؤذَيَنّ أبي، وليُخرَجَّن أبي، وليقاتلنّ أبي .
-لما التجأت السيدة خديجة إلى ابن عمها ورقة, تحدثه بما جرى للنبي من نزول الوحي، قال لها:
((ليكذبن، وليؤذين، وليخرجن، وليقاتلن))
فكرت فاطمة ملياً، وقد عزَّ عليها أن يُؤذى أبوها، ثم رفعت وجهها، وقالت لأختها: هو والله كما قالت أمي لأبي: الله يرعانا يا أبا القاسم، أبشر يا بن العم، واثبت, فو الله لا يخزيك الله أبداً، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق .
-الآن ما علاقتنا بهذا النص؟ الواحد منكم إذا كان صادقاً, عفيفاً, أميناً, يؤدي عباداته كاملة، وأنا أقول لكم بالقياس المتواضع: والله لا يخزيك الله أبداً .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6180/09.jpg
إذا كنت مع الله صادقاً, أميناً, عفيفاً، تتحرى الحلال، تضبط أعضاءك، تضبط حواسك، تضبط بيتك، إذا كنت شاباً مستقيماً أبشر، فو الله ما يخزيك الله أبداً, هذا علاقتنا بهذا النص- .
وابتسمت زينب، وكذلك فعلت فاطمة، وإن أحست كلتاهما أن لهذا الأمر ما بعده، وعاد زوجها أبو العاص، وملأ سمعه شائعات المشركين, قد تناقلتها الركبان, عن ظهور محمد بن عبد الله بدين جديد .
أخذ ابنته زينب أن محمداً نبي، رجع من السفر, فسمع بالنبوة والوحي, فاستقبلته وأخبرته بالنبأ اليقين، ولكنه خيب أملها, حين ردد مزاعم المشركين، وقفت أمامه قبل أن يتم كلامه, وقالت: والله ما كنت لأكذب أبي، وإنه والله لكما, عرفت أنت وقومك, إنه صادق أمين، أيْ أنّ أبي نبي، صارت مشكلة بينها وبين زوجها .
ثم قالت: والله إني قد آمنت بما جاء وأسلمت، وكذلك آمنت أمي وأخواتي، وعلي بن عم أبي، وأبو بكر، وأسلم من قومك ابن عمك عثمان، وابن خالك الزبير بن العوام بن خويلد، وكما آمن به وصدقه ابن خالك ورقة بن نوفل، الذي توفاه الله منذ عهد قريب، فليس لك إلا أن تؤمن وتسلم، فلم يجبها بشيء، ثم خرج من بيتها, وتوجه إلى الكعبة .
ولما عاد قال لها: لقيت أباك اليوم في الكعبة، ودعاني إلى الإسلام، ثم لم يزد، وكانت ملامح وجهه من الوجوم، وترنح صوته ما يغني زينب عن سؤاله: بمَ أجبته؟ -يعني هل أسلمت؟ لم تسأله؟ وضعه يبين أنه لم يسلم- .
وقد قال لها ذات يوم, وهي تدعوه إلى الإيمان والإسلام: والله ما أبوك عندي بمتهم، وليس أحب إلي من أن أسلك معه يا حبيبة في شعب واحد، ولكنني أكره أن يُقال: إن زوجك خذل قومه، وكفر بآبائه إرضاء لامرأته .
-أخذها عصبية- وتمثل بموقف أبي طالب، وإن محمداً صلى الله عليه وسلم عنده أحب إليه من والده, لم يساوره في صدقه أدنى ريب، فتندت عيناها بالدموع حزناً عليه، وإن كانت لترجو اليوم الذي يخلع عن كاهله, رجز الجاهلية وشركها)) إنّ من سعادة الإنسان, أن يكون هو مؤمناً، وأن تكون زوجته مؤمنة، ومن سعادة المؤمنة, أن تكون هي مؤمنة، وأن يكون زوجها مؤمناً، ولهذه القصة تتمة إن شاء الله, نأخذها في درس قادم .


السعيد 09-04-2018 01:14 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات - بنات النبى الكريم

الدرس : ( السادس العاشر )


الموضوع : زينب الكبرى - 2






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
ما هي الأحداث التي جرت للنبي بعد وفاة زوجته وعمه
ماذا صنع النبي, ولماذا لم تهاجر زينب مع أخوتها إلى دار الهجرة ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6181/01.jpg
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الرابع والعشرين من دروس سير الصحابيِّات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن أجمعين، ومع الصحابية الجليلة؛ السيدة زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
في عام الحزن: هلكت السيدة خديجة رضي الله عنها، وأبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلَّم، كُتَّاب السيرة سمّوا هذا العام: عام الحزن، والحزن خصائص الحياة الدنيا, ((إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عُقبى))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6181/02.jpg
الحزن خلاَّق، الحزن يفجِّر الطاقات، الحزن يكشف القيَم، الحزانى في كنف الله, ((إن الله تعالى يحب كل قلب حزين))
الإنسان إذا قرأ قوله تعالى:﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 155-157]
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
[سورة البقرة الآية: 155-157]
أيها الأخوة, الإنسان بالحُزن يُكشف معدِنه، بالحزن يظهر إيمانه، بالحزن ينكشف صبره ، بالحزن تتفجَّر طاقاته، بالحزن يتقرَّب من ربه .
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، هو قدوةٌ لنا، في عامٍ واحد؛ توفِّيت زوجته السيدة خديجة، السيدة خديجة عاشت معه خمساً وعشرين سنة، خمس عشرة سنة قبل البعثة، وعشر سنوات بعد البعثة، كانت خلالها المرأة الطاهرة النقية، الزوجة الوفية المخلصة، التي بذلت في سبيل الدعوة كل غالٍ ورخيص، بذلت كل ما تملك؛ من ثروةٍ مادية، ومكانةٍ اجتماعية، وهيبةٍ معنوية، وشرفٍ شامخ، وعزٍ وبذخ، كانت من خلال كل ذلك, تقدم للنبي عليه الصلاة والسلام العطاء كل العطاء من قلبها ونفسها, وهي راضية .
السيدة خديجة مثال الزوجة التي تقف وراء زوجها معاونةً، داعمةً، صابرةً، لذلك عليه الصلاة والسلام وفاءً منه لها, حينما فتح مكة قال:
((انصبوا لي خيمةً عند قبر خديجة))
ونصب على قبرها لواء النصر، لأنها لم تكحِّل عينيها بفرحة النصر، فحينما نصب هذا اللواء على قبرها، ونصب خيمة إلى جانب قبرها إشعاراً بأن لها فضلاً على هذه الدعوة، قال تعالى:﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾
[سورة النصر الآية: 1-3]
لما هلك أبو طالب, نالت قريش من النبي عليه الصلاة والسلام من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش، وبالغ في إيذاء النبي، فدخل عليه الصلاة والسلام بيته، فقامت إليه إحدى بناته وهي تبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلَّم يقول لها: ((لا تبكِ يا بنية فإن الله مانع أباكِ))
وقال عليه الصلاة والسلام: ((ما نالت مني قريشاً شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب))
النبي قدوة, ذاق الفقر، دخل بيته, فقال: ((هل عندكم شيء؟ فقالوا: لا, ولا شيء, قال: فإني صائم))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6181/03.jpg
ذاق الغنى؛ ((لمن هذا الوادي من الغنم يا رسول الله؟ قال: هو لك، قال: أتهزأ بي؟ قال: والله هو لك))
ذاق النصر في فتح مكة، دخلها مطأطئ الرأس, متواضعاً لله عزَّ وجل، ذاق القهر في الطائف, ((إن لم تكن ساخطا علي فلا أبالي))
ذاق المرض، ذاق الصحة، ذاق موت الولد, ((إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ, وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ, وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا, وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ))
[أخرجه البخاري عن أنس في الصحيح]
وذاق موت الزوجة، وذاق تطليق البنات، طُلِّقت بنتاه مبالغةً في إيذائه، وذاق الهجرة، وذاق المرض، وذاق الإخراج من بلده، كل شيءٍ ذاقه، ووقف الموقف الكامل من كل الظروف الصعبة التي مرَّ بها، لذلك كان قدوةً لنا وأسوةً، وما لا يتم الفرض إلا به فهو فرض، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وما تتم السنة إلا به فهو سنة، وحينما قال الله عزَّ وجل:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 21]
معرفة سيرة النبي العملية فرض عينٍ، لنحقق هذا الأمر بأن يكون النبي أسوةٌ حسنة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6181/04.jpg
أصبحت زينب رضي الله عنها ذات يومٍ، ومكَّة من أدناها إلى أقصاها, تتحدث عن مطاردة قريشٍ لأبيها النبي عليه الصلاة والسلام، وولاء البنت لأبيها معروف عند كل أب .
النبي عليه الصلاة والسلام ترك مكة مهاجراً إلى يثرب، وليس معه سوى صاحبه الصديق أبي بكرٍ رضي الله عنه، زينب كانت مضطربة؛ خائفةً على أبيها أياماً وأياماً، حتى جاءها خبر وصوله إلى يثرب، فزال عنها كربُها، وسرًّت بسلامة أبيها صلى الله عليه وسلَّم، ووصوله إلى دار مأمنه في الهجرة .
ولم تمضِ إلا أشهرٌ معدودات حتى أرسل النبي عليه الصلاة والسلام إلى أختيها فاطمة وأم كلثوم من يحملها إليه في دار الهجرة http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6181/05.jpg
وكانت رقيَّة قد هاجرت كذلك من قبل، وبقيت زينب وحدها في مكة مع زوجها أبي العاص بن الربيع الذي لم يسلم، إذ لم يكن الإسلام قد فرَّق بينهما, أي لم ينزل الحكم الشرعي الذي يفرِّق بين الزوجة المسلمة والزوج الكافر, فبقيت في مكة, وقد غادرها الأهل، وتنتظر وقت اللحاق بأبيها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في دار الهجرة .
هل حققت قريش مرادها من النبي في استئصاله من دار الهجرة, وهل كان أبو العاص من جملة الأسرى الذين كانوا بين يدي النبي, وبماذا عهد له النبي؟
أيها الأخوة, لمَّا علمت زينت لما حصل لأبي سفيان، وتعرُّض قافلته من قِبَل الصحابة، ورأت قريشٌ أن تقاتل النبي عليه الصلاة والسلام، ولم تمضِ إلا أيامٌ قليلة حتى خرجت قريشٌ بخيلها وخُيلائها، تقصد النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، ناويةً استئصالهم من دار هجرتهم, غير أن قريش لم تصل إلى قصدها، وذاقت كؤوس المنايا في بدر، وكانت بدر تلطيخاً لها في الوحل، وأعزَّ الله الإيمان والإسلام، وخذل أهل الكفر, والشرك, والطغيان، وانتقل خبر الانتصار العظيم قبل وصول الفلول المنهزمة إلى مكة .
طبعاً فرحت زينب فرحاً شديداً بانتصار أبيها النبي وأصحابه، حتى قامت لله عزَّ وجل شاكرةً لهذا النصر المؤزَّر .
حين جاءت فلول الجيش مهزومةً، علمت أن زوجها كان من جملة الأسرى, تصور زينب في مكة، غافلها زوجها، وانضمَّ إلى جيشه, ليحارب النبي وهو عمه، وقع أسيراً، وقد كنت ذكرت لكم من قبل أن النبي عليه الصلاة والسلام, حينما استعرض الأسرى، مرَّ به، فقال عليه الصلاة والسلام وفاءً منه بحق القرابة، قال:
((والله ما ذممناه صهراً))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6181/06.jpg
هو الآن مقاتل ومشرك، أما كزوج ما ذممناه، الدليل أن زوجي ابنتيه اللذين طلَّقا زوجتيهما، أبو العاص لم يفعل ما فعلاه، وأبى أن يطلِّق زوجته، مع أنه جاءه ضغطٌ شديد, ليطلِّق زوجته نكايةً بالنبي عليه الصلاة والسلام، لكنه لم يفعل .
أنا سمعت قصة: أنه ذات مرَّة في الجاهلية, جاء أبو جهل إلى بيت النبي قبل البعثة, فسأل ابنته فاطمة: أين أبوكِ؟ قالت: لا أدري، فلطمها، بلغ أبا سفيان ذلك, فحمل فاطمة رضي الله عنها، واقتصَّ من أبي جهلٍ إكراماً لها, فلما بلغ النبي عليه الصلاة والسلام هذا الحدث, رفع يديه إلى السماء, وقال: ((يا رب لا تنسها لأبي سفيان))
النبي كان وفي إلى درجة مذهلة، في أحد الصحابة نزع عن كتفه ريشة، رفع النبي يديه عليه الصلاة والسلام, وقال: ((جزاك الله خيراً))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6181/07.jpg
فأجمل صفة بالإنسان الوفاء, صدق القائل: أعلِّمه الرماية كل يـومٍ فلما اشتدَّ ساعده رمانـي
وكم علَّمته نظم القوافي فلما قال قافيةً هجانــي
أجمل صفة في النبي عليه الصلاة والسلام الوفاء، هذا الذي ارتكب معه خيانةً عُظمى، خيانة عُظمى في كل المقاييس؛ القديمة, والحديثة، والدينية, والوطنيَّة، حاطب بن أبي بلتعة, أرسل كتابًا إلى قريش: ((أن محمداً سيغزوكم فخذوا حذركم، -خيانة عُظمى- فلما قال له سيدنا عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، قال: لا يا عمر, إنه شهد بدراً، -لم ينسَ له شهود بدر- وقال: تعال يا حاطب, لمَ فعلت هذا؟ قال: والله يا رسول الله, ما كفرت ولا ارتددت، كنت لصيقاً في قريش، أردت أن أجعل من هذا, أن يكون هذا يداً لي بيضاء عندهم, أحمي بها أولادي وأهلي ومالي، فقال عليه الصلاة والسلام:
((إني صدقته فصدِّقوه, ولا تقولوا فيه إلا خيراً))
وفاء النبي عليه الصلاة والسلام شيء لا يوصف، وفاؤه لمن أرضعته، وفاؤه لمن ربَّته، وفاؤه لكل من ساهم, وقدَّم له شيء، فالله عزَّ وجل يقول:﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾
[سورة البقرة الآية: 237]
فأسوأ صفة في الإنسان اللؤم، اللؤم أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يردُّه، لذلك: يا رب لا تجعل حوائجنا إلا إليك .
طبعاً يبدو أن أهل أبي العاص بن الربيع أغنياء، لكن زينت تحب زوجها، وزوجها لم يُسلم بعد، فهذا الحب بين الزوجين هو من خلق الله, قال تعالى:﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
[سورة الروم الآية: 21]
الحب بين الزوجين من خلق الله, قال تعالى:﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
[سورة الروم الآية: 21]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6181/08.jpg
زوجها مأسور عند أبيها، وأهل زوجها أغنياء, مستعدون أن يقدِّموا أعلى فديةٍ لإنقاذ ابنهم، ماذا فعلت زينب مع زوجها الذي لم يرضَ أن يسلم، وبقي على كفره؟ أرادت أن تلقِّنه درساً إيجابياً لا درساً سلبياً، درساً يحرِّك مشاعره، أرسلت في فدائه بشيءٍ ثمينٍ جداً؛ قلادةٍ قدَّمها النبي عليه الصلاة والسلام لأمها خديجة يوم عُرسها، وخديجة قدَّمت هذه القلادة لابنتها زينب، وزينب أرسلت هذه القلادة لأبيها, كي تكون فداءً لزوجها .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6181/09.jpg
النبي عليه الصلاة والسلام, تفقَّد الأسرى واحداً وَاحداً، وإذا به يصادف صهره أبا العاص، فينظر إليه النبي عليه الصلاة والسلام نظرة الرفق والأسى عليه .
فالعم أب؛ لك أبٌ أنجبك، ولك أبٌ زوجك، ولك أبٌ دلَّك على الله, الأب الذي أنجبك هو الأب النَسَبي، أما الأب الذي زوجك؛ أي أن هذه الزوجة ربَّاها لك عمك ثمانية عشرَ عاماً، كم مرة عالجها؟ وكم مرة سهر من أجلها؟ وكم مرة اعتنى بها؟ وكم مرة دفعها إليها الدراهم؟ وكم مرة جاء لها بكل حاجاتها؟ وبعد أن نضجت، وأصبحت فتاةً ملء السمع والبصر، يتنكَّر الزوج لعمِّه, والله هذا منتهى اللؤم، عمك أي والد زوجتك, والدك من بعض المعاني .
فلما استعرض النبي الأسرى فإذا بصهره بين الأسرى، فطأطأ أبو العاص رأسه حياءً وخجلاً، وهو لا يدري ما هو صانعٌ فيه، وقال:
((والله ما ذممناه صهراً))
روى أبو إسحاق عن عائشة رضي الله عنها قالت: ((لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في فداء أبي العاص بن الربيع بمالٍ، وبعثت فيه بقلادةٍ لها, كانت خديجة رضي الله عنها أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى بها، قالت: فلما رآها النبي عليه الصلاة والسلام رقَّ لها رِقَّةً شديدةً وبكى, وَقَالَ: إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا, وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا, فَقَالُوا: نَعَمْ))
[أخرجه أبو داود في سننه]
أي إذا شئتم, ترك أمر ابنته لأصحابه، ترك أمر فداء صهره لأصحابه، هذا منتهى التواضع، منتهى الشعور أنه واحدٌ من أصحابه، والرأي رأي الجميع، قال: ((إِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تُطْلِقُوا لَهَا أَسِيرَهَا, وَتَرُدُّوا عَلَيْهَا الَّذِي لَهَا, قالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه, وردوا عليه الذي لها))
وكان عليه الصلاة والسلام قد أخذ عليه عهداً أن يُخَلِّي سبيل زينب إليه, لأنه هو كافر بقي على كفره، ونزل التشريع أنه لا يجوز لامرأةٍ مسلمة أن تكون تحت كافر, أخذ عليه العهد أن يخلي سبيل زينب إليه .
من هما الصحابيان اللذان كلفهما النبي أن يصحبا زينب إليه, ومن أوصلها إليهما, وماذا جرى معها في طريقها إليهما, وماذا فعل النبي حينما علم بذلك, وهل سر النبي بمجيئها إليه ؟
أيها الأخوة, ولمَّا خرج أبو العاص إلى مكة, وفَّى بعهده، وخلَّى سبيل زوجته لتهاجر إلى أبيها، َكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ عَلَيْهِ أَوْ وَعَدَهُ, أَنْ يُخَلِّيَ سَبِيلَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ, وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ, فَقَالَ: ((كُونَا بِبَطْنِ يَأْجَجَ, حَتَّى تَمُرَّ بِكُمَا زَيْنَبُ فَتَصْحَبَاهَا, حَتَّى تَأْتِيَا بِهَا))
فخرجا مكانهما بعد بدرٍ بشهر، فلما قدم أبو العاص مكة, أمرها باللحوق بأبيها وفاءً لعهده, كان أخلاقيًا، إنه مشرك، لكنه أخلاقي .
فلما فرغت بنت رسول الله من جهازها, قدَّم لها حموها كنانة بن الربيع أخو زوجها، كلَّفوا أخا زوجها أن يأخذها من بيتها إلى بعد ثمانية أميال من مكة، لتذهب مع الصحابيين إلى رسول الله، قدَّما لها بعيراً ركبته، وأخذ أخ زوجه قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهاراً يقود بها على هودجٍ لها، وأخذت زينب, تنظر إلى جبال مكة وهضابها مودعةً لها، ولعلَّها لا تعود إليها أبداً.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6181/10.jpg
النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أيام الربيع, جاء رجل من مكة, وصف له جبال مكة الخضراء في الربيع، فبكى النبي شوقاً لمكة, وقال:
((يا أُصَيل لا تشوقنا))
في الحجة الأخيرة, كان ثمة أمطار كثيرة، أنا أول مرة أرى جبال مكة خضراء، والطريق بين مكة والمدينة أخضر، طبعاً كان الحج في أيام الربيع عقب موسم أمطار جيد، فالبلاد في الربيع جميلة جداً, صدق القائل:
دنيا معاشٍ للورى حتى إذا حلَّ الربيع فإنما هي منظرٌ
فالنبي انهمرت دمعةٌ على خذه, وقال: ((يا أُصَيل لا تشوقنا))
الهجرة صعبة، إذا الإنسان ترك بلده, واقتلع من جذوره، عندما خرج النبي من مكة, قال: ((اللّهُمَّ إِنَّكَ أخْرَجْتَني مِنْ أَحَبَّ الْبِقَاعِ إِلَيَّ, فَأَسْكِنِّ في أَحَبِّ الْبِلاَدِ إلَيْك))
فقالوا: مكة أحب البلاد إلى النبي، والمدينة أحب البلاد إلى الله .
ما الذي حصل؟ ودَّعت جبال مكة، وكانت ترجو أن يخرج معها زوجها مسلماً مهاجراً إلى الله تعالى ورسوله، ولكن خيَّب رجاءها، وما أرادت أن تَمُنَّ عليه في سعيها عند أبيها بإطلاق سراحه .
هناك امرأة إذا كانت أغنى من زوجها قليلاً, تقول له: لولاي ما صرت، إذا كان ساكنًا في بيتها تقول له: هذا بيتي، أنت ليس لك بيت، المرأة غير المؤمنة, لو تفوَّقت على زوجها قليلاً, لملأت سمعه مِنَّةً وكلاماً لا يُحتمل، فمع أنها هي السبب في إطلاق سراحه، وقدَّمت قِلادتها الثمينة ، وأطلق النبي سراحه إكراماً لابنته، ولم تمنَّ عليه، وبقي مشركاً، كانت تتمنَّى أن تذهب إلى المدينة مع زوجها، ليلتئم الشمل .
يبدو أن أهل مكة, علموا أن بنت رسول الله, ستلتحق بأبيها، وعقب معركة بدر، والدماء لا تزال ساخنة، والجراح عميقة، والألم شديد, فخرجوا في طلبها، حتى أدركوها بذي طوى، فكان أول من سبق إليها هبَّار بن الأسود، فروَّعها بالرمح, وهي في هودجها، وكانت حاملاً, فلما ريعت, طرحت ذا بطنها, وبرك حموها كنانة، ونثر كنانته، ثم قال:
والله لا يدنو مني رجلٌ إلا وضعت فيه سهماً، فتباعد الناس عنه, وأتى أبو سفيان، وكان حكيماً في جُلَّةٍ من قريش, فقال: ((أيها الرجل, كفَّ عناَّ نبلك حتى نُكَلِّمك، فكفَّ، فقال أبو سفيان: إنك لم تصب, -أي ما أصبت في هذا العمل- خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانيةً، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد، فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانيةً على رؤوس الناس من بين أظهرنا, أن ذلك ذلٌ أصابنا عن مصيبتنا التي كانت، وأن هذا منا ضعفٌ ووهنٌ، ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها حاجة، وما لنا من ثأرٍ نثأره منها، ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الأصوات، وتحدَّث الناس أن قد رددناها، فَسُلَّها سراً، وألحقها بأبيها، ففعل .
أقامت ليالي حتى إذا هدأت الأصوات، خرج بها ليلاً, حتى أسلماها لزيد بن حارثة وصاحبه، فقدما على النبي صلى الله عليه وسلَّم .
ولما وصلت زينت إلى أبيها رسول الله, استقبلها استقبالاً حاراً، وهتف الناس بهجةً بوصولها بسلام، وما إن استراحت من عناء السفر, أَخبرت أباها بما فعلها الرهط من قريش معها, -وفي روايةٍ:
((أنها أصيبت بجرحٍ من رمحه فنزفت وألقت حملها))
أرسل النبي عليه الصلاة والسلام سريَّةً, لمعاقبة هبَّار وصاحبه، وتقيم زينب بقرب النبي عليه الصلاة والسلام، وأَنِسَت بأخواتها في المدينة)) . إليكم قصة إسلام أبي العاص زوج زينب بنت النبي :
أيها الأخوة, حتى كان العام السادس من الهجرة إلى أن وقع أبو العاص في أسر الصحابة, بعد أن تعرَّضت قافلته بسبعين ومئة من الصحابة، فأخذوا قافلته، وأسروا أناساً كثيرين منهم أبو العاص، فجاؤوا بهم إلى المدينة .
أبو العاص له تجارة من الشام إلى مكة، خرج مئة وسبعون من الصحابة الكرام, طبعاً في حالة حرب بينهما, أسروا هذه القافلة، وأخذوها إلى النبي عليه الصلاة والسلام، لكن أبا العاص فر منهم، واستجار بزوجته زينب .
طبعاً دخلت زينب، أطلَّت برأسها من إحدى حُجَر النبي على أصحاب رسول الله, وفيهم النبي يصلي فيهم، وقالت:
((إني أجرت أبا العاص، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: أنا أسمع معكم -ليس هناك اتفاق بينهم- والنبي عليه الصلاة والسلام أمضى جوار ابنته زينب لأبي العاص .
-الصحابة أقنعوه, إذا أسلمت, هذه القافلة الكبيرة جداً, تصبح غنائم حرب، هي لقريش، الأموال أموال استثمار, إن صحَّ التعبير, فهذه أموال قريش- فقالوا: إذا أسلمت تنقلب هذه البضاعة كلها غنائم، -فقال أبو العاص كلمة رائعة- قال: والله ما أبدأ إسلامي بهذا، فقال عليه الصلاة والسلام: إن هذا الرجل منا قد علمتم أصبتم له مالا، فإن تحسنوا وتردوا عليه الذي له فإنا نحب ذلك, وإن أبيتم, فهو فيء الله الذي أفاءه عليكم, فأنتم أحق به, فقالوا: يا رسول الله, بل نرده عليه، فردوه عليه .
حتى إن الرجل ليأتي بالدلو، ويأتي الرجل بالشَنَّةِ, -وهو السقاء البالي- رجعت له كل أمواله، ثم حمل هذا إلى مكة, فأدى إلى كل ذي حقٍ حقه, ومن كان أبضع معه بضاعةً, أعطاه بضاعته، والذي أعطاه بضاعةً أعطاه بضاعةً, ثم قال: يا معشر قريش, هل بقي لأحدٍ منكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا: لا, فجزاك الله خيراً، فقد وجدناك وفياً كريماً، قال: إذاً: فأنا أشهد أنه لا إله إلا الله, وأن محمداً عبده ورسوله .
-متى وقَّت إسلامه؟ بعد أن ردَّ الأموال إلى أصحابها, أعلن إسلامه، لمَ أعلن إسلامه؟ لأنه تلَّقى من عمه معاملة طيبة جداً- .
قال: والله ما منعني من أن أسلم, وأنا عنده, إلا مخافة أن تظنوا, إنما أردت أن آكل أموالكم، فلما أدَّها الله إليكم, وفرغت منها, أسلمت .
ثم خرج حتى قدم على النبي صلى الله عليه وسلَّم، وكان ذلك سنة سبعٍ، فاستقبله عليه الصلاة والسلام استقبال المهاجرين إلى الله تعالى ورسوله، وردَّ عليه صلى الله عليه وسلَّم زينب على النكاح الأول، لم يحدث شيئاً من شرطٍ أو غيره, -هي زوجته وهو زوجها, وانتهى الأمر .
قصَّة مؤثرة جداً، فيها أحكام، فيها كمال، فيها وفاء، فيها رحمة, فيها إحسان، فيها عواطف زوجيَّة، فيها عواطف أسرية، فيها موقف عم, موقف أب، موقف زوج، موقف زوجة-.
وبهذا تحقَّق للسيدة زينب رجاؤها بإسلام زوجها أبو العاص بن الربيع، ويعود الحبيبان الكريمان إلى الحياة الزوجيَّة الآمنة المطمئنة، ويجتمع الشمل بعد فراقٍ طويل))
لذلك قالوا: ((مِنْ أَفْضَلِ الشَّفَاعَةِ أَنْ يُشَفَّعَ بَيْنَ الاثْنَيْنِ فِي النِّكَاحِ))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6181/11.jpg
وأنا أقول لكم: لا يقل عن هذا العمل, أن تشفع بين اثنين في نكاح، وأن توفِّق بين زوجين بينهما مشكلة، بينهما قطيعة، بينهما بغضاء، بينهما عداوة، إذا وفَّقت بين الزوجين أسعدتهما ، وأسعدت أولادهما، لذلك هذا الذي ينسحب من كل عمل صالح, إنسان ما عرف سرَّ وجوده .
مرَّة قلت لكم: أحد أخواننا الكرام, شكا زوجته إلى أخيها، فقال له: طلِّقها, كلمة واحدة، الله عزَّ وجل قال:﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾
[سورة النساء الآية: 35]
إنّ الله عزَّ وجل يريد الإصلاح، يريد التوفيق, لذلك الآية الكريمة الدقيقة:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾
[سورة الأنفال الآية: 1]
المؤمن أحد أهم أعماله؛ أنه يصلح دائماً بين المتخاصمين، ولاسيما إذا كانا زوجين .
كم هي مدة الفترة التي عاشها أبو العاص مع زوجته زينب بعد إسلامه ؟
أيها الأخوة, وبعد مضي عامٍ واحد من اجتماع شمل الزوجين اللذين جمع بينهما الإسلام والإيمان, والهجرة, كان الرحيل المهيب، فقد توفِّيت زينب، بعدما عاش زوجها معها عاماً واحدًا .
أيها الأخوة, ثمة عمر قصير، لكنه غني، وهناك عمر طويل، لكنه فقير، هناك علماء أجلاء عاشوا أقل من خمسين سنة، الذي فتح الصين، وأوصل الإسلام إلى هناك, مات في السادسة والثلاثين، والشافعي مات دون الخمسين، والإمام النووي مات دون الخمسين، أي في السابعة والأربعين، ولكنه ترك أعمالاً, لا يعلمها إلا الله، فالعبرة بغنى العمر لا بامتداده، وأثمن عمر على الإطلاق عمر النبي، لذلك أقسم الله جلَّ جلاله بهذا العمر, فقال:
﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾
[سورة الحجر الآية: 72]
والإنسان كلَّما ازداد إيمانه، وأجرى الله على يديه الخير, يزداد عمره قيمةً، وكل إنسان له عمر، العبرة بمحتوى العمر لا بامتداده، الامتداد ليس له قيمة أبداً، أتفه شيءٍ في العمر امتداده، وأثمن شيءٍ في العمر مضمونه؛ ماذا فعل؟ .
سيدنا الصديق, يعد المؤسس الثاني لهذا الدين العظيم، فقد ارتدَّت العرب بعد وفاة النبي، من الذي ثبَّت كيان هذا الدين؟ سيدنا الصديق .
سيدنا عمر فتوحاته في مصر والشام، فكل إنسان ماذا ترك؟ هذا سؤال كبير، اسأل نفسك هذا السؤال: ماذا قدَّمت للإسلام؟ قدمت علمُا، قدمت عملاً، قدمت مشروعًا خيريًا، قدمت منهجًا، أصلحت ذات البين، حللت مشكلة لمسلمين، ماذا قدمت؟ حجمك عند الله بحجم عملك الصالح .
فالسيدة زينب, أسرعت في إيمانها بأبيها، وتمنَّت من كل قلبها, لو آمن معها زوجها http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6181/12.jpg
ولكن الله في النهاية, حقَّق لها هذا الأمل، وهذا معنى ثانٍ، واقعك الآن سيء, لك طموحات ما تحقَّقت، من يدريك أن الله سبحانه وتعالى يمكن في المستقبل أن يحقق لك طموحك؟ كانت أعلى أمنية لها, أن ترى زوجها في المدينة معها، جاءت وحدها إلى المدينة، زوجها أرجع الأموال لأصحابها، ثم أعلن إسلامه، والتحق بزوجته، فحقَّق الله لها حلمها .
الشيء الثاني: الأخلاقي لا تستطيع أن تأسره إلا بالأخلاق، فالنبي عرف أن هذا الإنسان أخلاقي، لكنَّه مشرك، أثنى عليه لما كان أسيراً، أطلقه من إساره، قَبل إجارة ابنته له، ثم ردَّ له أمواله، هذه الأعمال الطيِّبة تراكمت حتى حملته على أن يُسلم .
فأحياناً ألف عمل ذكي, مخلص, حكيم, تشد إنسانًا لك، تصرُّف واحد أحمق يبعده عنك، الإنسان أحياناً يخسر أخاه بكلمة، ويربحه بجهد كبير، بجهد دؤوب، وبأعمال متلاحقة يربحه، ويخسره بكلمة .
فالإنسان يكون دقيقًا في كلامه، دقيقًا في معاملته، يدرس كل تصرفاته، وإلا يخسر أصدقاءه بثمن قليل .
أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علَّمنا، وأن يلهمنا الخير .

السعيد 09-04-2018 01:17 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات - بنات النبى الكريم

الدرس : ( السابع العاشر )


الموضوع : رقية ذات الهجرتين



الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً، وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
لمحة قصيرة عن سيرة رقية بنت النبي :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الخامس والعشرين من دروس سير الصحابيات الجليلات ، ومع بنات رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصحابية الجليلة رُقية ذات الهجرتين .
هي رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمها خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، ولدت بعد زينب، وأسلمت مع أمها خديجة وأخواتها، هاجرت الهجرتين إلى الحبشة أولاً، وإلى المدينة المنورة ثانياً، من تزوجها؟ http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6179/01.jpg
تزوجها عُتبة بن أبي لهب، فلما أنزلت آية:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾
[سورة المسد الآية: 1]
قال أبوه له:
((رأسي من رأسك حرام, إن لم تطلِّق ابنته، ففارقها قبل الدخول .
-فقد ذاق النبي صلى الله عليه وسلم مأساة تطليق البنت، طلاق المرأة كسرها، وكسرٌ لأبيها وأمها، النبي عليه الصلاة والسلام حينما جعله الله أسوةٌ حسنة للمؤمنين إلى نهاية الدوران، كان كاملاً في كل موقف، ذاق ألم فقد الولد، ذاق ألم تطليق البنت، ذاق ألم أن يفشو في المدينة حديثٌ لا يليق بالسيدة عائشة زوجة رسول الله، ذاق ذلك، ذاق الفقر، وذاق الغنى، وذاق القهر، وذاق النصر، وذاق الصحة، وذاق المرض، كل شيءٍ أذاقه الله عز وجل، ووقف الموقف الكامل، ليكون عليه الصلاة والسلام أسوةً حسنة- .
فقال له أبو لهب: رأسي من رأسك حرام, إن لم تطلق ابنته فطلقها، -من تزوجها بعد عُتبة بن أبي لهب؟ عثمان بن عفان, قال تعالى:
﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾
[سورة محمد الآية: 38]
أحياناً يقع ظلمٌ بين الزوجين، الله سبحانه وتعالى يغني كلاً من سعته، بل إن الطرف المظلوم هو المكرَّم عند الله عز وجل، اجعل نصيبك الله في كل شيء، كن في طاعته، واجعل نصيبك رضوان الله عز وجل، وأنت الفائز، والعاقبة لك، على كلٍ آية:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾
[سورة المسد الآية: 1]
فيها إعجاز، أبو لهب حي يرزق، وجاءت الآية تقول:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾
[سورة المسد الآية: 1]
وهو ذكي، أعملَ عقله، لو أنه ذهب إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعد نزول هذه الآية ، وقال له: أشهد أن لا إله إلا الله, وأنك رسول الله، نفاقاً لو قالها، لأبطل هذه الآية، هناك أبلغ من ذلك، يقول الله عز وجل:
﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾
[سورة البقرة الآية: 142]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6179/02.jpg
هؤلاء وصفوا بأنهم سفهاء، وأنهم سيقولون هذا, وعقولهم في رؤوسهم، لو أنهم سكتوا لأبطلوا هذه الآية، أبو لهب يحتاج إلى أن يذهب، وأن يعلن إسلامه، ليبطل هذه الآية، هؤلاء لو سكتوا، وإنّ الله عز وجل إرادته طليقة، بيده كل شيء، لو أعطاك الاختيار، قادرٌ أن يسلبه منك في أيَّة لحظة,
((إن الله تعالى إذا أحب إنفاذ أمر سلب كل ذي لب لبَّه))
لا ينفعك مع الله ذكاؤك، ولا عقلك، ولا حسن تدبيرك، يؤتى الحذِر من مأمنه، ينفعك مع الله استقامتك، ينفعك مع الله توبتك، ينفعك مع الله إنابتك، هذا الذي ينفعك، لو كنت أذكى الأذكياء وأراد الله أن يؤدِّبك، سلب منك العقل .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6179/03.jpg
لذلك هناك أشخاصٌ, يتميزون بالذكاء، يرتكبون حماقاتٍ ما بعدها حماقات، اعتدوا بذكائهم, فحجب الله عنهم ذكاءهم، اعتدوا بقوتهم, فحجب الله عنهم قوتهم، اعتدوا بمالهم, حجب الله عنهم طريقة الانتفاع بمالهم- .
فارقها قبل أن يدخل بها، ثم تزوجها عثمان بن عفان، وولدت له عبد الله، وبه كان يُكَنَّى ، وبلغ ست سنين، ثم توفي، وتوفيت رضي الله عنها ورسول الله صلى الله عليه وسلم ببدرٍ، وكانت قد أصابتها الحصبة))

وأجل الإنسان بيد الله، لا يدري متى يأتيه؟ .

إليكم هجرتها إلى الحبشة مع زوجها عثمان بن عفان, والعبر التي يمكن أن نستفيدها من هذه الهجرة ؟
أيها الأخوة, الآن ندخل في موضوع الهجرة الأولى: لقد كانت الهجرة الأولى إلى الحبشة, رخصةً من الله تعالى للمستضعفين في مكة، من المسلمين الذي أوذوا، واضطهدوا من أجل إسلامهم .
قال ابن إسحاق:
((لما رأى النبي عليه الصلاة والسلام ما يصيب أصحابه من البلاء، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدقٍ، حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه .
-ماذا يستنبط من هذا الأمر؟ يستنبط من هذا الأمر رحمة النبي عليه الصلاة والسلام، هو في مَنَعَة، مكانته في بني هاشم، وعمه أبو طالب، تمنعه من أن ينال بأذى، لكن رحمته بأصحابه، وحرصه عليهم، وشفقته عليهم، حملته على أن يعطيهم هذه الرخصة .
أنبِّه إلى نقطة دقيقة، أرجو أن تكون واضحة: الإنسان يحب أن يكون الناس كلهم حوله، هذه شهوة، لذلك سمح لهم أن يغادروا مكة، وأن يعيشوا في بلاد الحبشة، وهم بعيدون عنه، طبعاً تبعد عنه خدماتهم, وولاؤهم, ومحبتهم، لكن رحمته صلى الله عليه وسلم كانت غالبةً .
شيءٌ آخر: أحياناً إنسان يغرر بإنسان، وهو في مكان أمين، هذا منتهى اللؤم، أن تورِّط إنسان, وأن تضعه في مكان تصعب الحياة فيه، وأنت معافى في مكان مرتاح فيه، النبي عليه الصلاة والسلام كان في المعمعة، وكان وسط المعركة، وكان في بؤرة المتاعب، ونجَّا أصحابه من هذه المتاعب, هناك من يفعل العكس، هو في مأمن، هو في بحبوحة، هو في مكان مريح، هو في وسائل الحياة المريحة، والذين غرر بهم, يعانون من الآلام ما لا يطاق، أهذا هو الوفاء؟ أهذه هي الرحمة؟ .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6179/04.jpg
هو في معمعة المشكلات، وقد أرسل أصحابه إلى الحبشة ليرتاحوا من العذاب، من الاضطهاد، من التنكيل، وهو عليه الصلاة والسلام لا يقدر أن يمنعهم، هو أيضاً ضعيف، لماذا كان ضعيفاً عليه الصلاة والسلام؟ لمَ لمْ يجعله الله ملكاً؟ فإذا أعطى أمر، ملايين مملينة تنفذ هذا الأمر، جعله ضعيفاً، حينما جاء بالرسالة، يستطيع أحد الناس أن يتهمه, ويقول: هذا ساحر, وقالوا: ساحر ، وقالوا: مجنون, قال تعالى:
﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾
[سورة القلم الآية: 2]
وقالوا : كاهن, وقالوا: مصاب بمرض يحتاج إلى طبيب، وقالوا: شاعر، والذين قالوا عنه: مجنون، وساحر، وكاهن، وشاعر، ناموا في بيوتهم مرتاحين، ما أحد تعرض لهم بالأذى، لأنه كان ضعيفاً، والحكمة في كونِ النبي ضعيفاً, ليكون الإيمان به حقيقةً، إيمانًا تحت الضغط، ليكون الإيمان به ثميناً، أما إذا كان الإنسان قويًا, فأنت بالطبع تعلن ولاءك له خوفاً منه، وتعلن ولاءك له طمعاً فيما عنده، أما إذا كان ضعيفًا, لم يكن قادراً على أن يحمي نفسه، ولا أصحابه، فإذا آمنت به، فإيمانك صحيحٌ مئةً في المئة، لا تعتريه شائبة، لأنك لا ترجوه ولا تخافه, قال تعالى:
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى﴾
[سورة الأنعام الآية: 50 ]
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً﴾
[سورة الجن الآية: 21 ]
أحبه أصحابه، تعلَّقوا به، فدوه بأرواحهم، وأموالهم، وأولادهم، ويقول لهم كل يوم:
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً﴾
[سورة الجن الآية: 21]
الأبلغ من ذلك, قال تعالى:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً﴾
[سورة الأعراف الآية: 188]
ويقول لهم:
﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 50]
﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾
[سورة الأعراف الآية: 188]
إنسان يقول للناس, قال تعالى:
﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً﴾
[سورة الجن الآية: 21]
﴿وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 50]
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
[سورة الزمر الآية: 13]
والناس يتعلَّقون به، هذا هو الإيمان الصحيح، الإنسان أحياناً يميل لكي يؤمن بقوي، والقوي عنده أشياء كثيرة, يعطيك إيَّاها، يعطيك أمناً أحياناً، يقول لك: أنا من جماعة فلان، فتمشي بالعرض، يعطيك أمناً، يعطيك مالاً، يعطيك شأناً، أما حينما تؤمن بإنسان مغمور, لا يعرفه أحد، ولا يستطيع أن يفعل شيئاً، معنى هذا: أن إيمانك به صحيح، إيمانك به صادق، فهذا الذي يمكن أن يقال في هذا المقام:
((لو خرجتم إلى أرض الحبشة, فإن بها ملكاً, لا يظلم عنده أحد، وهي أرض صدقٍ, حتى يجعل الله لكم فرجاً مما أنتم فيه))
فأكثر الذين يجتمع الناس حولهم، لا يحبون أن يغادرهم أحد، كلما كثُر سوادهم علا شأنهم، وكلما كثُر أتباعهم تمكَّنت مكانتهم، فلذلك هؤلاء الذين يحبون أن يجتمع الناس حولهم، لا يوافقون على أن يغادرهم أحد، أما النبي عليه الصلاة والسلام فقلبه كقلب الأم، رحمته بأصحابه جعلته يسمح لهم أن يغادروا مكة إلى الحبشة، ويعيشون بعيدين عنه- .
فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة, مخافة الفتنة، وفراراً إلى الله تعالى بدينهم، فكانت أول هجرةٍ في الإسلام، وكان أول من خرج من المسلمين عثمان بن عفان، ومعه زوجته رُقية، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولعظيم شأن الهجرة عند الله تعالى، أنزل فيها قرآنا يُتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً * إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً * فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً﴾
[سورة النساء الآية: 97-99]
أيها الأخوة, وقعت الفُرقة بين رُقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين عُتبة بن أبي جهل ذلك قبل الدخول عليها للسبب الذي ذكر، تقدَّم عثمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخطبها، وينال شرف المصاهرة العزيزة، ويتقبَّل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم هذا الخاطب الكريم، الذي كان أول من أسلم على يدي أبي بكر الصديق، ويزداد هذا الصحابي الجليل شرفاً على شرف حينما يكون صهراً لرسول الله صلى الله عليه وسلم .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6179/05.jpg
قيل: لم ير زوجان قط أجمل ولا أبهى من رُقية وعثمان، كانا زوجين سعيدين، غير أن فرحة العروسين لم تكتمل، -لماذا؟- لأن عشيرة عثمان بن عفان رضي الله عنه, حينما علمت أنه آمن بمحمد قاطعته، وحينما علمت أنه تزوَّج ابنته, ازدادت عداءً له، -وهذا شأن الحق والباطل إلى يوم القيامة، معركةٌ أزليةٌ أبدية بين الحق والباطل، أساسها الولاء، أهل الحق يوالون الحق، وأهل الباطل يوالون الباطل، فهذا الإنسان له مكانة عليَّة في قومه، فلما آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام, خسر من حوله، وهذا امتحان .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6179/06.jpg
في صحابي جليل اسمه: مصعب بن عمير، كان ابناً مدللاً لأسرةٍ سريةٍ جداً في مكة، فكانت حياته خيالية؛ يأكل أطيب الطعام، ويرتدي أجمل الثياب، وله مكانة، وله مال، فهو شاب، وله وسامة، وله أناقة في ثيابه، حياته ناعمةٌ جداً، فلما أسلم, قاطعه أهله، وحرموه كل شيء، هذه محنة، هذا امتحان .
أنت طالب جنة عرضها السموات والأرض إلى أبد الآبدين، لا يمكن من أن تمتحن، لا بدَّ أن تمتحن، الامتحان أساسي، وطِّنوا أنفسكم، كلما كان طلبكم أعلى كان الامتحان محققاً، أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين؟ قال: لن تمكن قبل أن تبتلى, قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 142]
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
[سورة العنكبوت الآية: 2]
سلعة الله غالية، ومن طلبها بثمنٍ بخسٍ حُرم منها، عليك أن تؤدِّي الثمن- .
سيدنا عثمان حينما أسلم, خرج عن مشورة عشيرته، لذلك حقد عليه رجال عشيرته ونساؤها، وأخذوا يدبِّرون الكيد له ولزوجته، وحقدت قريش عليه، وأخذت موقفاً عدائياً منه، لأنه هجر دين قومه، وباع من حوله بدينه .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6179/07.jpg
لمَّا أخذت قريش في إعداد الأذى لكل من أسلم، وتقرب من محمدٍ صلى الله عليه وسلم، تشاور المسلمون فيما يتخذونه من تدابير شتَّى، لمواجهة حملات هؤلاء الأعداء، التي تستهدف تعذيب من أسلم أشد العذاب، فقد كان بلال يوضع على الرمل المُحرق، يوضع الحجر فوق صدره، ويقول: أحد أحد، -لذلك ما كان ثمة متنفَّس، وما كان في طريق للخلاص إلا الهجرة- .
أيها الأخوة, استجاب المسلمون لرغبة النبي عليه الصلاة والسلام في الهجرة إلى الحبشة ، وتسلل عددٌ منهم من مكة صوب الساحل، كي تقلَّهم سفينتان كانتا متجهتين صوب الجنوب، لو أن أهل قريش علموا بهجرة هؤلاء لمنعوهم، حتى مغادرة البلد تحتاج إلى موافقة، فكان هناك صعوبة كبيرة في التسلل إلى الحبشة دون أن يعترضهم معترض .
أول من ركب في هاتين السفينتين: سيدنا عثمان بن عفان، وامرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو حذيفة وامرأته سهلة، والزبير، ومصعب، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة، وامرأته أم سلمة، وعثمان بن مظعون، وعامر بن ربيعة، وامرأته ليلى .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6179/08.jpg
المرأة في الإسلام لها شأن كبير، هي كالرجل تماماً، من حيث التكليف، والتشريف، والمسؤولية، فهذا الذي يتوهَّم أن المرأة دونه بكثير، هذه نظرة جاهلية، الصحابيات الجليلات كُن عوناً لأزواجهن على طاعة الله- .
أمّر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون، -وهذا هو التنظيم الدقيق في الحياة الاجتماعية، التنظيم حضارة,
((إذا كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم))
أي نزهة, ليس فيها أمير, تقع فيها مشكلات لا تنتهي، كل واحد له مزاج، كل واحد له رأي، فحتى في الحج, إذا لم تكن فيه قيادة حكيمة للفوج، تنشأ مشكلات لا تنتهي، هذا النظام الذي أمر به النبي:
((إذا كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم))
أمره نافذ- ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المهاجرون منفردين أو مع أهليهم، حتى اجتمعوا بأرض الحبشة بضعةً وثمانين مهاجراً، عدا أبنائهم الصغار الذين خرجوا معهم أو ولدوا هناك، بضعةٌ وثمانون مسلماً, تركوا مكة المكرمة، وفيهم كبار الصحابة))

هو أنك مع الله, في بلدك، في بلدٍ بعيد، في بلدٍ قريب، في بلدٍ بارد، في بلدٍ حار، في قريةٍ صغيرةٍ، في مدينةٍ كبيرة، في بلادٍ جميلة، في بلادٍ غير جميلة، الله معك، وهذا من عظمة الإسلام,
((اتَّقِ اللَّهِ حَيْثُمَا كُنْتَ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
لكن أضع بين أيديكم بعض الحالات:
امرأةٌ محجبة في بلد، فإذا ركبت الطائرة، وغادرت هذا البلد إلى بلدٍ آخر، خلعت الحجاب ، وسافرت بأبهى زينة، أهذا إيمان؟ أبداً، هذا سلوك اجتماعي فقط، يوم كانت في بلدها، كانت مقهورةً بالنظام الاجتماعي، تخاف على سلامتها، تتحجَّب، فإذا ركبت الطائرة, هي في الطائرة, تخلع كل ثيابها، وتبدو في أجمل ثياب، لا قيمة لهذا الحجاب إطلاقاً .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6179/09.jpg
أي شيءٍ تفعله، فإذا سمحت لك فرصةً, تتخلى منه, فهو قهر، هو ضغط، المؤمن يعبد الله أينما كان، أينما ذهب، كقول أحد العلماء:
((بستاني في صدري, ماذا يفعل أحد أعدائي بي؟ إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟))
تجد المؤمن مستقيمًا في بلده، وفي السفر، وبالطريق، وفي الطائرة يتغيَّر، وثمة إنسان تحت ضغط, إذا رفع عنه الضغط, تفلَّت، إذًا: فهذا الذي يفعله في بلده ليس ديناً، إنما هو قهر .
لذلك أنا أتمنى على كل أخواننا الكرام ألا يلجؤوا مع أولادهم إلى القمع، أعرف رجلا والله لا أزكِّي على الله أحداً، لكن أعلمه صالحاً، لكن ما سلك مع بناته سلوك الإقناع والتعليم، سلك معهن سلوك الإجبار، أجبرهن على الحجاب، فلما توفي, خرجن سافراتٍ, كاسياتٍ, عاريات، فالبطولة أن تربي أولادك بطريقةٍ, لو غبت عنهم، لو غادرت الدنيا إلى الآخرة, أن يبقوا على العهد.
أعرف صديقًا لي, توفي بحادث، وله دعوةٌ في بيته طيبة، توفي بحادث، وترك زوجةً وثلاثة أولاد، الزوجة تركها في العشرين من عمرها، مضى على موته، أو هذا الحادث عشرون عامًا، وما تغير شيء في البيت, مما كان على عهده، له التزامه، انضباط البيت، لا يوجد اختلاط، لا توجد أجهزة لهو، البيت هوَ هو، إنسان يموت، ويخلف زوجة في العشرين وأولاد، ونظام البيت نظام إسلامي, لا يتغير فيه شيءٌ إطلاقاً، هذه البطولة، البطولة أن تدع أثراً يطبق بعد غيبتك .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6179/10.jpg
أما إن أطاعك من حولك في حضورك، وعصوك في غيابك, هذه ليست طاعة, الذي يخاف من قوتك, هذا لا يحبك، وهذا ليس مطيعاً لك، بل هو يحب نفسه، أطاعك لسلامة نفسه، أطاعك حباً بذاته، أما العبرة أن تطاع عن قناعة، لذلك:
((علموا ولا تعنفوا, فإن المعلم خيرٌ من المعنف))
حاول أن تُقنع، لا أن تقمع، حاول أن تقنع، لا أن تُجبر، سيد المرسلين، سيد الخلق, قال له:
﴿لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ﴾
[سورة الأنعام الآية: 66 ]
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾
[سورة هود الآية: 86]
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ﴾
[سورة البقرة الآية: 272]
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾
[سورة القصص الآية: 56]
الله عز وجل بين له, قال تعالى:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾
[سورة البقرة الآية: 256]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6179/11.jpg
فبطولتك في تربية أولادك أن تقنعهم، لا أن تقمعهم، أن تأخذ بيدهم إلى الله، لا أن تجبرهم على شيءٍ ليسوا قانعين فيه .
رجل حضر درسًا أو درسي علم، فوجد الحجاب حقًّا، فألزم زوجته بالحجاب دون أن يقنعها، إما أن تضعي على رأسكِ هذا المنديل أو أطلقكِ، فهو له مكان عمل في بلد بعيد، يقول: هي في الطريق من دمشق إلى بيروت، وهي تبكي، لأنها وضعت الحجاب قهراً .
رجل حكيم نصحه أن تعود إلى ما كانت عليه، وأن يقنعها بالحجاب خلال ستة أشهر، وهذا الذي حدث، أقنعها، عاملها أطيب معاملة، بيَّن لها عظمة الشرع، بين لها ما عند الله من عطاء كبير إذا هي أطاعت ربها عز وجل، بين لها أن المرأة تؤذي من حولها إذا أظهرت مفاتنها ، إذا هي تطلب الحجاب منه طواعيةً، هذه البطولة أن تحمل من حولك على أن يختاروا طاعة الله ، لا أن تكرههم على طاعة الله، أن تقنعهم، أن تبيِّن لهم، حتى يختاروا هم طاعة الله، إذا اختاروا هم طاعة الله, ارتقوا بهذا الاختيار, أما إذا أكرهتهم لم تنفعهم، بل كرَّهتهم في الدين .
ومن الناس من يجبر أبناءه على الصلاة، فتجد هذا الابن يصلي، لكنه يكره الصلاة كما يكره الموت، أما إذا تلطَّف به، وشجَّعه، وكافأه، وأقنعه، فإذا صلى هذا الابن, فهذه صلاة جيدة جداً ، هذه صلاة ناتجة عن قناعته، فلذلك أقنع ولا تقمع، بيِّن ولا تكره http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6179/12.jpg
علِّم ولا تعنِّف .
هناك نقطة ثانية في الموضوع دقيقة جداً: هي أن الإنسان ولِد في مكان، وهذا المكان محبَّب له جداً، والدليل:
﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾
[سورة النساء الآية: 66]
كل واحد بلده محبَّب له، مسقط رأسه محبَّب إليه، لكن الإنسان مخلوق للجنة، فإذا منعه بلده أن يطيع الله عزَّ وجل, ماذا عليه أن يفعل؟ يجب أن يغادر إلى بلدٍ, يطيع الله فيه، لأنك أنت مخلوق لعبادة الله، والدليل:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
[سورة الذاريات الآية: 56]
علَّة وجودك على وجه الأرض أن تعبد الله، فإذا كنت في مكان، وحيل بينك وبين عبادة الله, وجب عليك أن تغادره إلى مكانٍ, تعبد الله فيه، مكان فيه ذل، وفيه قهر، المكان الذي تعبد الله فيه هو الجنة، والمكان الذي تُقهر فيه هو جهنم، فلذلك آية الهجرة دقيقة جداً، لكن والعياذ بالله الآن هناك هجرة في سبيل الشيطان، الناس يهاجرون من بلدٍ يقيمون فيه شعائر الإسلام، فيه دروس العلم، وشعائر الدين، وفيه روحانية، ومع ذلك فهناك مَن يَدَعْ كل هذه الميزات, من أجل الدرهم والدينار .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6179/13.jpg
حدَّثني أخ كريم, كان في بلد في أوروبا، قال لي: دخلت إلى مسجد في فرانكفورت لأصلي، على مقربةٍ منه حديقة، أنا ظننتها حديقة عادية كأي حديقة، فلما وصل إلى هذه الحديقة، فإذا بالناس كما خلقهم الله، من دون شيء، رجالاً، ونساءً, وأولاداً، ويمارسون كل الفواحش علانيةً.
فأنت في بلد فيه بقية حياء، فيه بقية خجل، فيه بقية دين، فيه ترابط أسري، لذلك المصيبة الكبيرة, أن تهاجر من بلدٍ, تقام فيه شعائر الدين إلى بلدٍ متفلِّت، هذه هجرةٌ عكسيَّة، هجرةٌ في سبيل الشيطان .
حدثني أخ أقام في بلد أجنبي، قال لي: حينما عدت إلى دمشق، وسمعت الأذان, اقشعرَّ جلدي، هذه نعمة الأذان, لا يعرفها إلا من فَقَدَها، المقت، الكُفر، الحانات، الملاهي، دور سينما، نساء متفلِّتات، دور بغاء، هذه بلاد الغرب، نحن عندنا هنا مساجد، كل مئة متر مسجد، دروس صباحاً، وظهراً، ومساءً، نحن في نعمة كبيرة جداً, لا يعرفها إلا من فقدها، هذه النعمة نعمة مجالس العلم, هذه نعمةٌ عظيمة .
فالمسلمون في الحبشة, قاموا بواجباتهم الدينيَّة، ودعوا إلى الله، صار في دعوة هناك أيضاً، والدليل: أن النجاشي ملك الحبشة, أسلم ممن أسلم، وصلَّى النبي عليه صلاة الغائب، يُعد النجاشي من التابعين، لم ير رسول الله، لكنه يعد تابعياً جليلاً، والنبي صلَّى عليه صلاة الغائب، وحينما قدِمَ وفد النجاشي, خدمهم النبي بنفسه، ما هذا الإكرام؟ بنفسه ، نكفيك ذلك، قال:
((لا أحب أن أكافئهم كما أكرموا أصحابي))
أيها الأخوة, هذه الهجرة إلى الحبشة هجرةٌ مباركة، فأنت بحاجة أحياناً إلى جو مريح تعبد الله فيه، الاضطراب الشديد، والفتن، والخصومات، والقمع، هذا جو متوتِّر, لا يعينك على معرفة الله، فلذلك أحياناً يختار الله عزَّ وجل لبعض المؤمنين مكانًا بعيدًا عن المدينة، فالإنسان بحاجة إلى خلوة مع الله http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6179/14.jpg
فالنبي كان يخلو مع ربه الليالي ذوات العدد، أما أنت كمؤمن فمكلَّف أن يكون لك خلوة مع الله عزَّ وجل، فهؤلاء الصحابة الكبار الذين عاشوا في بلاد الحبشة، في ظل ملكها، وفي دعةٍ وراحة، هؤلاء بنوا إيمانهم .
وبالمناسبة أخواننا الكرام, شباب ومتزوجون، الإنسان قبل الزواج، فيما قبل الزواج, هناك ميزات لا يعلمها إلا المتزوج, أنت خفيف، لا يوجد معك أحد، ليس هناك ارتباط، ممكن تصلي، تقرأ قرآن، تحضر دروس علم، تتفوَّق بالدين، وقت بناء الإيمان، لكن الزواج كما ورد:
(( مجبنةٌ مبخلةٌ مشغلة))
فإذا واحد قبل أن يتزوج ليستغل هذه الفرصة:
((اغتنم خمسا قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك))
فكل سن له جمال، ما قبل الزواج أنت متفرِّغ، يمكن أنْ تسهر، تقرأ، تدرس، لا يوجد إنسان يسألك: أين أنت؟ أما المتزوج: أين أنت إلى الآن؟ أين ذاهب؟ لا تذهب إلى هذا الدرس، اقعد، عندك عقبات، أما الأعزب فهو طليق, يحضر كل دروس العلم، لا أحد يحاسبه أساساً، أما عندما يتزوج فيجب أن يوفِّق بين حقوق الزوجة وبين حقوق الله عزَّ وجل .
ما الخبر الذي فوجئ به عثمان وزوجه رقية حينما وصلا إلى مكة, ومتى هاجرت رقية مع زوجها إلى المدينة, ولم لم يحضر عثمان غزوة بدر, وما الخبر الذي فوجئ به النبي بعد عودته من بدر؟
أخواننا الكرام, توهَّم بعض الصحابة الكرام، وهم في بلاد الحبشة, أن قريش رجعتْ إلى رشدها، وأنها تقبلَّت هذا الدين العظيم، فكان هذا الوهم دافعاً لبعض أصحاب رسول الله أن يعودوا إلى مكة، من هؤلاء سيدنا عثمان، وابنة النبي عليه الصلاة والسلام رقيَّة، استقلا سفينةً، وعادا بها إلى مكة، فإذا الحقيقة عكس ذلك، كان أصحاب النبي المستضعفون, يذوقون ألوان العذاب على يد كفار قريش .
عادت رقيَّة رضي الله عنها مع زوجها عثمان إلى مكة، وفوجئا بهذه الحقيقة المُرَّة، ثم فوجئت أن أمها خديجة قد توفَّاها الله عزَّ وجل، فلاذت بأبيها، ورأت ما يفعله كفار قريش من تنكيلٍ بأصحاب رسول الله، ثم أذن الله للنبي عليه الصلاة والسلام بالهجرة إلى المدينة المنورة .
هاجرت رقيَّة مع زوجها عثمان إلى المدينة، وفي المدينة وضعت ابنها عبد الله بن عثمان, عندما وضعت ابنها عبد الله بن عثمان في المدينة, أُصيبت بمرض الحصبة، فأقام زوجها عثمان رضي الله عنه إلى جانبها يمرِّضها ويرعاها, ولمَّا استنفر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه لغزوة بدر .
-الآن في غزوة، في جهاد، والجهاد ذروة سنام الإسلام، وسيدنا عثمان زوجته مريضة ، أمره النبي أن يبقى إلى جانب زوجته، تمريض الزوجة من خلال هذه الحادثة, يعدل الجهاد في سبيل الله، أرأيت إلى العلاقات الأسريَّة ما أقواها في الإسلام؟ .
الشيء الأغرب: أن سيدنا عثمان لم يشهد هذه الغزوة، غزوة مشرَّفة، أعزَّ الله بها الإسلام والمسلمين، وانتصروا فيها، وقد فات عثمان رضي الله عنه شرف هذه الغزوة- فلما وُزِّعت الغنائم, عُد له سهمٌ كما لو كان مشاركاً في هذه الغزوة، -أرأيتم إلى العمل الطيب؟ هو يمرِّض زوجته في المدينة، وعُدَّ عند رسول الله من المجاهدين، لذلك عندما قال النبي لامرأةٍ:
((انصرفي أيتها المرأة, وأعلمي من ورائك من النساء, أن حسن تبعل إحداكن لزوجها, وطلبها مرضاته, واتباعها موافقته, يعدل ذلك كله))
وبالمقابل حسن رعاية الزوج لزوجته, يعدل الجهاد في سبيل الله، عُدَّ مع المجاهدين، ونال نصيب الغنائم كما لو كان مجاهداً- .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6179/15.jpg
ثم عاد النبي عليه الصلاة والسلام من معركة بدر منتصراً عزيزاً، ففوجئ بوفاة ابنته رقيَّة، لذلك حينما أُخبر بوفاتها رضي الله عنها بكى، ودمعت عيناه الشريفتان على فراقها، ثم ذهب مع ابنته فاطمة, لزيارة قبر ابنته رقيَّة، فقعدت فاطمة بقرب القبر تبكي، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يمسح عن عينيها بطرف ثوبه، يخفف من أحزانها، طبعاً هذه ابنته، ولا بدَّ أن يزور قبرها، وأن يدعو لها، لكن هذه القصة ذكرتني بقصة ثانية:
امرأةٌ في أدنى درجة اجتماعيَّة, كانت تقمُّ المسجد، أي تنظفه, أي بحسب السلم الاجتماعي هذه مرتبة دنيا، وقد يكون هذا العامل في التنظيفات مستقيمًا، قد يكون أرقى عند الله من إنسان له شأن كبير، الأمور عند الله بمقياس آخر، بمقياس الإخلاص، بمقياس الاستقامة، فهذه المرأة التي تقُم المسجد ماتت، لضعف شأنها، ولهوانها على الناس, رأوا أنه لا ينبغي أن يُخبر النبي بموتها، فالصحابة الكرام اجتهدوا أن هذه المرأة التي تقُم المسجد, ليس لها أي دور، ليست من المكانة حيث إن النبي يبلَّغ عن وفاتها، ما بُلِّغ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
((أَنَّ أَسْوَدَ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً, كَانَ يَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ, يَقُمُّ الْمَسْجِدَ فَمَاتَ, وَلَمْ يَعْلَمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَوْتِهِ, فَذَكَرَهُ ذَاتَ يَوْمٍ, فَقَالَ: مَا فَعَلَ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ؟ قَالُوا: مَاتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, قَالَ: أَفَلَا آذَنْتُمُونِي؟ فَقَالُوا: إِنَّهُ كَانَ كَذَا وَكَذَا قِصَّتُهُ, قَالَ: فَحَقَرُوا شَأْنَهُ, قَالَ: فَدُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ, فَأَتَى قَبْرَهُ, فَصَلَّى عَلَيْهِ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]
خجلوا، فذهب إلى قبرها، ودعا لها، فليست ابنته فقط، ذهب إلى امرأة, تقم المسجد فقط ، وهي في المرتبة الدنيا في السُلَّم الاجتماعي، فالقضية قضية مبادئ، قضية قيَم، قضية مشاعر .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6179/16.jpg
أيها الأخوة, فالإنسان ينبغي أن يعلم علم اليقين: أن هذا الدين العظيم ما وصل إلى أطراف الدنيا إلا بهذه القيَم، وحينما فُهم الدين عبادات، وصلوات، ورقص أحياناً، وغناء أحياناً، ومظاهر، والدين في واد، وحياة الناس في واد، عندئذٍ أصبحت كلمة المسلمين ليست هي العُليا، رفرفت راياتهم في الخافقين, حينما فهموا الدين قيَماً، أما حينما فهموه طقوس، الآن الدين طقوس، أي أن فلان يصلي, إنه صاحب دين، أما أمين غير أمين، صادق غير صادق، مقياس الدين عند الناس أنه يصلي فقط، أما مقياس الدين عند الله عزَّ وجل، أو عند رسول الله، اسمعوا هذا الحديث:
((هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟ هَلْ تَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟ قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ وَلا مَتَاعَ, قَالَ: إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي, مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصِيَامٍ وَصَلاةٍ وَزَكَاةٍ, وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ عِرْضَ هَذَا, وَقَذَفَ هَذَا, وَأَكَلَ مَالَ هَذَا, فَيُقْعَدُ, فَيَقْتَصُّ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ, فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَايَا, أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ, فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ, ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ))
[أخرجه أحمد في مسنده]
هذا هو الفهم الصحيح للدين، وأرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بما علَّمنا .

السعيد 09-04-2018 01:20 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات - بنات النبى الكريم

الدرس : ( الثامن العاشر )


الموضوع : ام كلثوم




الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . لمحة مختصرة عن حياة أم كلثوم بنت النبي :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السادس والعشرين من سير الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن أجمعين، والصحابية اليوم هي الابنة الثالثة لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، هي أم كلثوم، ولدت هذه الابنة الطاهرة بعد رقية، وأسلمت مع أمها خديجة وأخواتها .
أيها الأخوة, قبل المضي في الحديث عن هذه الابنة الطاهرة, يجب أن نعلم هذه الحقيقة، حينما قال الله عز وجل:
﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾
[سورة البلد الآية: 1-3]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/01.jpg
نظام الأبوة، ونظام البنوة، أن ينحدر البشر من آباء وأمهات، وأن يودع الله في الآباء رحمة تفوق كل تصور، وأن تكون هذه العلاقة علاقة مدهشة، علاقة الأب بابنه، وعلاقة الأم بابنها، وعلاقة الابن بأبيه، والابن بأمه، هذه العلاقة تعرفنا بالله عز وجل، تعرفنا برحمة الله .
في حياة الإنسان إنسان واحد, يتمنى أن يكون خيراً منه، إنه أبوه، لا يوجد أب على وجه الأرض يحسد ابنه، لو كان الأب مستخدماً وابنه وزيراً يفتخر به، الأب الفقير يتمنى أن يكون ابنه غنياً، الأب غير المتعلم يتمنى لابنه أن يكون أعلم العلماء، الأب المستضعف يتمنى أن يكون ابنه أقوى الأقوياء، والأب أحياناً، وفي أغلب الأحيان، وفي بعض الأحيان لا يحتاج إلى ابنه، لنأخذ مثلاً: أب غني وقوي، ولا يحتاج إلى ابنه إطلاقاً، لا حاجة مادية ولا معنوية، ومع ذلك لا يسعد الأب إلا أن يكون ابنه في بحبوحة، وفي كفاية، وفي سعادة، وفي استقرار، وفي سمعة طيبة، إذاً: نظام الأبوة يعرفنا بالله عز وجل .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/02.jpg
أيها الأخوة، قلب الأم وحده يعرفك بالله، تتعب لتستريح، تشقى لتسعد، تجوع لتشبع، تعرى لتلبس، الأم أحياناً تحرم نفسها أطيب الطعام، وتطعمه ابنها، إذا كانت رحمة الأمهات هكذا, فكيف رحمة خالق الأرض والسموات؟ قال تعالى:

﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 154]
أن تعرف الله، أن تعرف رحمته، أنه خلق الخلق ليسعدهم، خلقهم لجنة عرضها السموات والأرض، إذا ساق لهم بعض الشدائد من أجل أن يعالجهم، لا أنه جعل الحياة الدنيا متعبة هكذا، قال تعالى:
﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾
[سورة البلد الآية: 1-3]
يعني من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله، نظام الأبوة .
فابنة النبي عليه الصلاة والسلام السيدة فاطمة حينما بُشر بها، بعض الصحابة ما كانوا مرتاحين لهذه البشارة، فلما نظر إليهم, قال عليه الصلاة والسلام: ((ريحانة أشمها، وعلى الله رزقها))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/03.jpg
وهناك بعض الروايات:
((أنه ضمها وشمها، وقال: ريحانة أشمها, وعلى الله رزقها))
.
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ((أَنَّ عَلِيًّا ذَكَرَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ, فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: إِنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي, يُؤْذِينِي مَا أذَاهَا, وَيُنْصِبُنِي مَا أَنْصَبَهَا))
[أخرجه الترمذي في سننه]
وهذه السيدة أم كلثوم، هذه أيضاً ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, يعني ما الذي يخفف متاعب الحياة؟ الأسرة، أتمنى من كل أخ أن يحكم بناء أسرته؛ لأنه مهما تكن الحياة قاسية، مهما تكن متعبة، إذا دخل الإنسان إلى بيته المتماسك، الذي فيه ود، الذي فيه حب، والذي فيه تضحية، والذي فيه مؤاثرة، والذي فيه تقدير، إذا دخل إلى بيته, نسي كل متاعب الدنيا، فإذا كان البيت جحيماً، إذا كان البيت مشحوناً بالبغضاء، بالكراهية، بالمنافسة، بإزعاج الطرف الآخر، هذا بيت قطعة من الجحيم، الإنسان يفر من متاعب الحياة إلى بيته http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/04.jpg
فإذا كان بيته جحيم إلى أين يذهب؟ .
أعجب أشد العجب من إنسان لا يقيم قيمة للود الزوجي، للود بين أفراد الأسرة، بالابتسامة، بالسلام، بالدعابة, بالهدية, بغض البصر، بالمسامحة، تنمو العلاقات، أما بالتدقيق والمعاتبة, والانتقاد، والسخرية، تنمو الأحقاد، وإذا أردت إن صح التعبير التصميم الإلهي للأسرة:
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[سورة الروم الآية: 21]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/05.jpg
فإن لم تكن هذه المودة والرحمة بين الزوجين، فالحالة مرضية جداً، وتقتضي المعالجة .
فهذه السيدة أم كلثوم يسميها بعض الخطباء: كوكب الإسلام، بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمها خديجة، أم المؤمنين الكبرى رضي الله تعالى عنها، ولدت بعد رقية، وأسلمت مع أمها خديجة وأخواتها .
ماذا قال الله عز وجل عن امرأة نوح وامرأة لوط؟ قال:
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾
[سورة التحريم الآية: 10]
إياك أن تفكر أنهما خانتا زوجيهما خيانة فراش، أبداً، بل خيانة دعوة, بالمقابل أسعد شيء للزوج؛ أن تكون زوجته، وأولاده، وبناته على ولاء له، شيء جميل جداً، يعني أحياناً الزوجة، مع مضي الزمن تُمل، أما إذا كانت الزوجة, لها ولاء تجاه زوجها، لها مشاركة، لها دعم، لها مساندة، هذه ليست زوجة فقط، إنها زوجة وصديقة، زوجة ورفيقة, زوجة وزميلة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/06.jpg
أقول لكم: الزوج السعيد هو الذي يستطيع أن يرفع مستوى زوجته إلى مستواه، بحيث يعيش معها كصديقين حميمين، كرفيقين، كزميلين .
لفت نظري أنها أسلمت مع أمها خديجة، سيدنا الرسول عيه الصلاة والسلام ذاق من أهوال الدعوة ما ذاق، لكن زوجته أول من آمن به، وأكبر دعم له، والله وقفت معه كالجبل .
قبل أشهر كما أعتقد, أمضينا فترة طويلة مع خديجة رضي الله عنها، تكاد الدعوة الإسلامية تقوم على جهدها، وعلى دعمها، وعلى صبرها، وعلى صمودها إن صح التعبير، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح مكة، لم ينس فضل خديجة، قال:
((انصبوا لي خيمة عند قبر خديجة، وغرز اللواء عند قبرها))
تزوجها عتيبة بن أبي لهب قبل البعثة، ولم يدخل عليها، كما أن أخاه عتبة تزوج رقية، وعتيبة تزوج أم كلثوم، ولم يدخلا عليهما، وكان ذلك بعد البعثة, فلما نزل قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾
[سورة المسد الآية: 1]
قال أبو لهب لابنيه: رأسي من رأسكما حرام, حتى تطلقا ابنتيه, فطلقتا قبل الدخول عليهما .
النبي عليه الصلاة والسلام حينما جعله الله أسوة حسنة، قال تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 21]
كل شيء ذاقه، حتى تطليق البنات ذاقه، وموت الولد ذاقه، والفقر ذاقه، والغنى ذاقه، والقهر ذاقه، والنصر ذاقه، والهجرة ذاقها, والإخراج من بلده ذاقه، ذاق كل شيء، ووقف وقفة كاملة مع كل شيء, فاستحق أن يكون سيد الخلق, ولولا أن النبي بشر، تجري عليه كل خصائص البشر، لما كان سيد البشر .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/07.jpg
أما زوج زينب، دعي الدعوة نفسها, لتطليق ابنة محمد, فلم يفعل، فلما وقع أسيراً عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، نظر إليه, فقال:

((والله ما ذممناه صهراً))
كان حراً، هناك شخص إمعة، هناك شخص قراره بيد والدته، طلق فيطلق، افعل يفعل، اترك يترك، الوالدة على العين والرأس، والوالدة يُحسن إليها بلا حدود، أما أن تأمرك بمعصية فتستجيب، فلست حراً، قالت له: ((إما أن تكفر بمحمد, وإما أن أدع الطعام حتى أموت, قال: والله يا أمي, لو أن لك مائة نفس, فخرجت واحدَةً واحدةً, ما كفرت بمحمد، فكلي إن شئت، أو لا تأكلي))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/08.jpg
الزوجة لها حق، والأم لها حق، أما أن تنساق مع الزوجة, وتنسى حق أمك، شذوذ, أما أن تنسى حق الزوجة, وتنساق مع أمك، أيضاً شذوذ, أعط كل ذي حق حقه، أما الأصل في هذا الموضوع:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾
[سورة الإسراء الآية: 23]
العبادة لله وحده، والإحسان للوالدين، أما إذا أطعت والدك في معصية, فأنت عبدته من دون الله، العبادة لله، والإحسان للوالدين .
وأنا لا أنطلق من فراغ، أخوان كثيرون يسألونني، أمه أمرته بتطليق زوجته، أبوه رفض أن يسمح له بالزواج من فلانة؛ لأنها محجبة، معاملة قاسية جداً، أنت مكلف أن تحسن إلي الأب والأم من دون حدود، من دون قيود، إلى أقصى حد، أما أن تطيعهما في معصية الله فمستحيل, قال تعالى:
﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
[سورة لقمان الآية: 15]
ثم تزوجها سيدنا عثمان بعد وفاة أختها رقية سنة ثلاث للهجرة، ولم تلد له، وبقيت عنده إلى سنة تسع، حيث توفيت رضي الله عنها في شهر شعبان .
الآن عامة الناس تزوج زوجة ماتت، أخذ أختها، ماذا يقول الناس: ما هذا؟ ماذا قال النبي؟ قال:
((لو كنَّ عشراً لزوجتهن عثمان))
أرأيت هذا الكمال؟ .
وهناك شخص، لديه ظروف مادية صعبة، يقول: قدَمُ هذه الزوجة شؤم، كلام شياطين، زوجة طاهرة بريئة، ليس لها علاقة، إذا طرأتْ مشكلة، إذا كان هناك رواج، ثم صار كساد، قَدَمُ الزوجة سيء، لا ليس سيئاً، ليس له علاقة، ما دامت الزوجة مستقيمة, فهذا الكلام ليس له علاقة .
التشاؤم من رقم، من بيت، من يوم، دخل زبون عقد صفقة، دخل صديق طارت الصفقة, كلام ليس له معنى إطلاقاً، كلام شياطين، ليوقع العداوة والبغضاء بين الناس، والحقيقة هذه السيدة الجليلة السيدة أم كلثوم عاشت بين أكرم أبوين على الإطلاق .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/09.jpg
العوام لهم كلمة تعجبني، الإنسان حينما يتزوجُ, فإنه يتزوج الأهل؛ لأن البنت نسخة طبق الأصل عن أمها وعن أبيها، فبيت العلم، بيت الخلق, بيت الوقار، بيت الحياء، بيت الأصالة، بيت النسب، ابحث عن الأهل .
طبعاً أم كلثوم ورقية ابنتا رسول الله صلى الله عليه وسلم, واجهتا مصيراً واحداً في سبيل الإسلام .
صحابي جليل اسمه: مصعب بن عمير، كان ابن أسرة غنية جداً، وكان مضرب المثل في أناقته، وثيابه الفاخرة، كان فتى أنيقاً، فيه غنى ظاهرٌ، فلما أسلم, حُرم كل هذا الغنى، حرمه أهله كل شيء، هذا الحرام وسام شرف .
أقيس على هذه الحادثة، لأن البعثة الإسلامية ظهرت، ولأن الله عز وجل أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾
[سورة المسد الآية: 1]
طلقتا منهما، وهذا درس لنا، إذا خسِرْت بسبب دينك، بسبب منهجك, بسبب استقامتك ، بسبب مبادئك، بسبب أهدافك النبيلة، بسبب هويتك الواضحة, خسرت شيء من الدنيا، خسارة هذا الشيء, وسام شرف لك .
إياك أن تعد هذا خسارة، افتخر بكل شيء ضاع منك, بسبب مبدئك, لأن هذا في ميزان حسناتك يوم القيامة .
هناك نقطة دقيقة جداً سأوضحها لكم: إنسان عنده مطعم, يبيع الخمر، تاب إلى الله، أليس الله قادراً من لحظة توبته أن يضاعف له غلته؟ أليس قادراً؟ ما الذي يحدث؟ الغلة تهبط إلى الربع، لماذا؟ ليدفع المؤمن ثمن طاعته، لتكون هذه الخسارة المؤقتة في ميزان حسناته يوم القيامة، أما لمجرد أنه تاب, تضاعفت غلته، يتوب آلاف المنحرفين لا حباً بالله ولا طمعاً بالجنة ، ولكن رغبة في مضاعفة الغلة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/10.jpg
سمعت بمطعم في حلب، كتب لوحة: ممنوع شرب الخمر بأمر الرب، والرزق على الله.
فلا بد أن تدفع ثمن طاعتك، كل مؤمن يصطلح مع الله، ويوم يعاهده على الطاعة, تنشأ له مشكلات ضمن الأسرة، من أقرب الناس إليه، من أمه وأبيه، من زوجته، من أولاده أحياناً, كان من الممكن ألاّ تكون، لكن هذا المؤمن لا يرقى إلى الله عز وجل، كيف يرقى؟ بدفع هذا الثمن باهظاً، الله عز وجل يريد أن تدفع الثمن، ليكون هذا الثمن في ميزان حسناتك يوم القيامة، فمرحباً بكل شيء متعب إذا كان في سبيل الله .
مرةً أخ من أخواننا, كان يسهم في بناء مسجد، نشأ إشكال, فطُلب للجهات الرسمية، فبلغته ذلك، قال لي: الجنة تحتاج إلى ثمن، وهذا من ثمن الجنة .
هو يعمل في بناء المساجد، وله باع طويل، وله أعمال طيبة، ولكن ما رأيته انزعج أبداً، قال: الجنة لها ثمن، وهذا من ثمن الجنة، وطِّن نفسك على دفع ثمن الجنة، ألا إن سلعة الله غالية .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/11.jpg
إذا أخذ طبيب أعلى شهادة، وذاق الأمرين حتى أخذ الشهادة، وسنوات لم ينم الليل، ومنهج فوق طاقة البشر، والأستاذ صعب، قد يكون عنصريًا، وكلفه ما لا يطيق، واصل الليل بالنهار، فإذا نال هذه الشهادة، يشعر بنشوة يصعب أن تصور .
إذا ساق الله عز وجل لرجل بعض الشدائد لأنه مسلم، أما إذا قصر الرجل مع ربه، ارتكب معصية، الله أتلف له ماله، أطلق بصره، هذه عقوبات، لا أتحدث عن هذا، أنا أتحدث عن مصيبة, كانت بسبب مبدئك، بسبب التزامك، بسبب هويتك, مصيبة بهذا السبب، هذا وسام شرف، وهذا ثمن الجنة،
((ألا إن سلعة الله غالية))
النبي عليه الصلاة والسلام شجت وجنته، وكُسرت ثنيته في أُحُد، وسال الدم من وجهه في الطائف, أليس الله قادرًا على نصره؟ كيف سمح لهؤلاء السفهاء أن ينالوا منه, وأن يشتموه، وأن يسخروا منه، وأن يكذبوه؟ جاءه جبريل: لو شئت لأطبقت عليهم الجبلين، قال: ((لا يا أخي، اللهم اهد قومي, فإنهم لا يعلمون))
هذا هو الكمال البشري .
عاشت أم كلثوم رضي الله عنها إلى جانب أمها خديجة التي وقفت موقف الجبال الرواسي, الذي عنده ابنة, وكان مسلمًا ومؤمنًا، وما صدق النبي, فهذه مشكلة كبيرة جداً، لأنّ النبي يقول: ((من جاءه بنتان, فأحسن تربيتهما, فأنا كفيله في الجنة))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/12.jpg
كل بيت فيه بنت، العناية بهذه البنت، والعناية بدينها, وبصلاتها, وبحجابها، وبعلمها ، وبفقهها، وبقرآنها، ثم تزويجها لشاب مؤمن, هذا طريق للجنة .
ضمنت الجنة بهذه البنت، فالذي أعجب منه أشد العجب, أن يتبرم الزوج إذا بُشر بالأنثى.
لي صديق, جاءه سبع بنات، أول بنت لاقت ترحابًا كبيرًا، ثاني بنت أعطى هدية للأم ثمينة، لأنها أنجبت بنتًا، البنت الثالثة هدية أثمن، الرابعة أثمن، كلما أنجبت له بنتاً, يأتيها بهدية ثمينة، لأنها هدية الله، البنت هدية الله .
أحياناً يأتيك ابن ينسيك الحياة كلها، وتأتي البنت بعطفها، وحنانها، وإخلاصها، وقد يأتيها زوج راق جداً, فيصير أقرب لك من ابنك، أنت استسلم، وعد هذا المولود هدية من الله، والهدية اعتنِ بها كثيرا .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/13.jpg
عاشت أم كلثوم إلى جانب أمها خديجة التي وقفت موقف الجبال الرواسي, لتأييد زوجها النبي صلى الله عليه وسلم .
هل ذاقت أم كلثوم ألم الحصار الظالم الذي ضرب عليها وعلى المسلمين من قبل قريش, وما هي أسباب الحصار ؟
أيها الأخوة, السيدة أم كلثوم ذاقت ألم الحصار، كان هناك حصار على المسلمين، والإنسان هو الإنسان، الآن هناك حصار على بعض الدول الإسلامية, ستمئة ألف طفل يموتون كل عام، أعلى راتب يساوي صحن بيض، تضخم نقدي مزمن، الحصار هو الحصار، عَنْ أَنَسٍ قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ, وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ, وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ, وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ, وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ, وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ, يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ, إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
ذاقا مع أمهما بجانب النبي صلى الله عليه وسلم ضيق الحصار، حتى إنهما أكلوا أخشن الطعام، لسد رمق الجوع القاتلة، وأقاموا على ذلك ثلاث سنين بلا طعام, حتى إن بعض الصحابة, أكلوا أوراق الشجر، وهذا حتى يصل الإسلام إليك إلى الشام http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/14.jpg
أنت متمتع بمساجد مفتوحة، أحياناً مكيفة، مراوح، تكبير صوت، لا أحد يضايقك، لا سؤال، ولا جواب، كل بيوت الله مفتحة، الدروس على قدم وساق، هذا الإسلام مدفوع ثمنه، من دفع ثمنه؟ الصحابة الكرام، أنت الآن مستهلك، أنت الآن منتفع، أما الصحابة فقد دفعوا الثمن، ثلاث سنوات أكلوا أوراق الشجر، والكافر هو الكافر لا يتغير، الكفر هو الكفر، والإيمان هو الإيمان، ومعركة الحق والباطل أزلية أبدية .
الطعام الذي يصل إليهم, يصلهم سراً بكميات قليلة جداً، وكان عليه الصلاة والسلام يتولى توزيعه بنفسه بالعدالة، الآن تذهب مساعدات للمنكوبين، الذين يحتاجون لهذه المساعدات لا تصل إليهم، وقد تصل إلى أعدائهم, فكان عليه الصلاة والسلام يوزع هذا الطعام القليل بنفسه على أصحابه .
أما أسباب الحصار: لما رأت قريش أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نزلوا بلداً, أصابوا به أمناً وقراراً، وأن النجاشي منع من لجأ إليه منهم، وأن عمر قد أسلم، وأصبح الإسلام يفشو في القبائل, اجتمعوا وائتمروا على أن يكتبوا كتاباً, يتعاقدون فيه على بني هاشم وبني عبد المطلب؛ على ألاّ ينكحوا إليهم، ولا ينكحوهم، ولا يبيعوهم شيئاً، ولا يبتاعوا منهم، فلما اجتمعوا لذلك, كتبوا في صحيفة، ثم تعاهدوا، وتواثقوا على ذلك، ثم علقوا الصحيفة في جوف الكعبة توكيداً على أنفسهم، فذاق النبي المقاطعة الاقتصادية، ذاق ألم الحصار هو وأهله .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/15.jpg
أم كلثوم كانت تحت هذا الحصار، نجت أختها زينب، وأختها رقية في الحبشة، وزينب مع زوجها .
وقد رق بعض أشراف قريش لآل هاشم، وآل المطلب، كانوا مستضعفين، يقول أحدهم: النبي مجنون، وينام في بيته آمناً، النبي كان مستضعفاً, يمر النبي على آل ياسر، وهم يُعذبون، ماذا كان يقول لهم؟
((صبراً آل ياسر))
الآن كلمة محمد ترتج لها الدنيا، أما حينما بدأ بالدعوة كان ضعيفاً، ولحكمة بالغة بالغةٍ, أرادها الله جعله ضعيفاً، لماذا؟ ليكون الإيمان به حقيقياً، لو كان قوياً وآمنوا به مائة ألف وتسعة وتسعون ألفًا كاذبون خوفاً أو طمعاً، أما إذا كان ضعيفاً, فالإيمان به حقيقي .
أقول لكم هذا دائماً: الأقوياءُ ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء ملكوا الرقاب بقوتهم، والأنبياء بكمالهم، والنبي كان مستضعفاً، وقالوا عنه: مجنون، قالوا عنه: ساحر ، قالوا عنه: كذاب، قالوا عنه: كاهن، قالوا عنه: شاعر, ألقوا عليه التراب . في أي عام توفيت السيدة خديجة وأبو طالب, وهل نال النبي الأذى من بني قومه بعد وفاتهما ؟
أيها الأخوة, هذه الفتاة الطاهرة الابنة البارة أم كلثوم, حزنت كما حزن أبوها في السنة العاشرة للهجرة، هذه السنة سماها المؤرخون: عام الحزن، فقد النبي دَعامتَيْن، سند داخلي، وسند خارجي، ماتت زوجته خديجة، يُضاف إلى آلامه صلى الله عليه وسلم فقد الزوجة .
ذاق موت الزوجة صلى الله عليه وسلم، ذاق موت الولد، ذاق تطليق البنات، ذاق الهجرة، ذاق الفقر، قال:
((لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ, وَمَا يُخَافُ أَحَدٌ, وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ, وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ, وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ, وَمَا لِي وَلِبِلَالٍ طَعَامٌ, يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ, إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ))
[أخرجه الترمذي عن أنس في سننه]
يعني إذا الواحد خاف قليلاً, وهو يدعو إلى الله عز وجل, له في النبي أسوة حسنة، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق .
عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ, قَالَ:
((قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً, قَالَ: الْأَنْبِيَاءُ, ثُمَّ الْأَمْثَلُ, فَالْأَمْثَلُ, فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ, فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا, اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ, وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ, ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ, فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ, حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
هناك صحابية لها زوج, ما ذاق مرةً مصيبة، فشكت في إيمانه، فذهبت إلى النبي عليه الصلاة والسلام, كي تسأله أن يسمح لها أن تفارقه، هذا ليس مؤمناً، سار معها في الطريق، فوقع، فتعثر، فجُرحت قدمه، قالت: ((ارجع فقد قضيت حاجتي))
المؤمن من خصائص الإيمان: الابتلاء، قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
[سورة المؤمنون الآية: 30]
قيل للإمام الشافعي:
((أندعو الله بالابتلاء أم بالتمكين؟ فقال: لن تُمكن قبل أن تُبتلى))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/16.jpg
فهذه السيدة خديجة, ماتت بعد خمس وعشرين عاماً في صحبة النبي عليه الصلاة والسلام، تزوجها في الأربعين، بإضافة خمس وعشرين، ينتج خمس وستون، هو عمره خمسون سنة .
الآن إذا جاوزته بسنة, يقول لك: قلبي غير مطمئن، سنة واحدة، بنت عالم، وبنت أصل، وفهم، يقول لك: كبيرة، يندب حظه دائماً، خمس عشرة سنة زيادة عنه، اللهم صلِّ عليه .
إذا تزوج الرجل امرأة وماتت، وتزوج الثانية، يرضي الثانية، ويذم الأولى، أما النبي عليه الصلاة والسلام, فكان وفياً لهذه الزوجة وفاء يفوق التصور .
مرةً من باب المداعبة, قالت له السيدة عائشة: ((ألم يبدلك الله خيراً منها؟ قال: لا والله ، لا والله، لا والله))
أقسم ثلاثة أيمان .
السيدة عائشة جميلة جداً، شابة في مُقتبل الحياة، والتي كانت عنده في عمر أمه تقريباً ، إذا تزوجت المرأة في الخامسة عشر, تنجب ولد أصغر منها بخمسة عشر، معناها في عمر أمه تماماً .
بعد أن ماتت هذه السيدة الجليلة، التي هي السند الداخلي، مات عمه أبو طالب الذي هو السند الخارجي، فالدعم الداخلي انهار، والدعم الخارجي انهار، لذلك سمى كتاب السيرة العام العاشر للهجرة: عام الحزن .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/17.jpg
لما مات أبو طالب، نالت قريش من رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبو طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش, فنثر على رأسه التراب، فدخل البني صلى الله عليه وسلم بيته، والتراب على رأسه، فقامت أم كلثوم تغسل عنه التراب، وهي تبكي، فقال عليه الصلاة والسلام:
((لا تبكي يا بنية، إن الله مانع أباك))
ثقته بالله عظيمة جداً، هذا يتجلى في الهجرة، سراقة وراءه، مائة ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً، الناقة ثمنها يقدر بمائة وخمسين ألفًا، أو بمئتي ألف، ضرب مائة، مليونين، لمن يأتي به حياً أو ميتاً، وسراقة وراءه جاء ليقتله، ويأخذ الجائزة، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: ((كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى؟))
أنت ملاحق، مهدور دمك، ثقة النبي بالنصر, شيء لا يصدق، يعني سأصل، وسأنشئ دولة، وسأحارب، وسآتي بكنوز كسرى, وفي عهد سيدنا عمر جاءت كنوز كسرى، وجاء سوار كسرى، وتاج كسرى، وقميص كسرى، أين سراقة؟ جاء سراقة، سيدنا عمر ألبسه سواري كسرى وتاجه، وقال: ((َبخ بخٍ، أُعَيْرابي من بني مدلج, يلبس سواري كسرى))
بالمنظور المعاصر الآن دولة في جنوب إفريقيا صغيرة جداً، لا تعرفها على الخريطة، ولا تعرف عاصمتها، والفقر مدقع، ومواطن من مواطنيها, يجلس في البيت الأبيض مكان صاحبه، أيضاً نفس المقياس, أُعَيْرابي من بني مدلج, يلبس سواري كسرى .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/18.jpg
أتمنى على كل مؤمن, أن تكون معنوياته عالية، لن يتخلى الله عن المؤمنين أبداً، ولكنه يمتحنهم، لا يتخلى عنهم، بل يمتحنهم .
قال ابن إسحاق كاتب السيرة الشهيرة: ((إن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد، فتتابعت على النبي صلى الله عليه وسلم المصائب بموت خديجة, وكانت له وزير صدق عن الإسلام، يشكو إليها، وبموت عمه أبي طالب، وكان له عضداً, وحرزاً في أمره, ومنعة، وناصراً على قومه، وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين))
كيف استقبل النبي أهل بيته حينما وصلوا إليه في المدينة, وما سبب رفض أبي بكر الزواج من حفصة بنت عمر, ولماذا لقب عثمان بن عفان بذي النورين ؟
هاجر النبي كما تعلمون مع صاحبه أبي بكر، وبعد حين أرسل من يأتيه بأم كلثوم وبفاطمة .
ترك النبي عليه الصلاة والسلام أم كلثوم وفاطمة عند زوجته الثانية سودة بنت زمعة التي تزوجها بعد خديجة، وبعد أن وصل إلى المدينة، واستقر فيها, أرسل بعض أصحابه, لاصطحاب أهل بيته من مكة، مع أهل أبي بكر, الذين استبقاهم هناك .
أيها الأخوة، حينما وصلت بنات البني صلى الله عليه وسلم أم كلثوم وفاطمة، تصحبهما زوجة النبي عليه الصلاة والسلام سودة بنت زمعة، ومعهن بنات أبي بكر الصديق أسماء وعائشة، حتى استقبلهن نساء الأنصار بالحفاوة والترحاب، ويستقبل النبي صلى الله عليه وسلم ابنتيه وزوجه بكل شوق وحنان .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/19.jpg
هذه الفطرة، جمع شمل الأسرة، بلاد إسلامية غنية جداً, لا تسمح للإنسان بالإقامة مع زوجته فيها، تتركه سنة بلا زوجة، وأعداء الدين يجمعون الأسر، ونحن نفرق بين الأسر، جمع شمل الأسرة من منهج الله عز وجل، وليس منا من فرق، فاجتمع الشمل، جاءت الزوجة والبنت الأولى والثانية إلى المدينة .
أيها الأخوة، في المدينة كان النبي عليه الصلاة والسلام مع ابنتيه السيدة فاطمة والسيدة أم كلثوم، وحدث حدثاً لطيفاً: سيدنا عمر له ابنة اسمها حفصة، توفي زوجها خنيس بن حذافة يوم بدر، وانتهت عدتها، فعرضها على أبي بكر فرفض، وعرضها على عثمان فرفض، فخاب أمله، وتألم أشد الألم، ولكنه لم يعلم ما ادخره الله له ولابنته حفصة من الشرف العظيم والمكانة الرفيعة، ماذا حدث؟ شكا سيدنا عمر إلى النبي هذه المشكلة, فقال عليه الصلاة والسلام: ((يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة))
ما الذي حدث؟ تزوج النبي حفصة، وتزوج عثمان ابنته، هذا من باب التقليد، أحياناً لا يكون الوفاق بين الزوجين، أدعو للزوجين هكذا: الله يبعث لك أحسن منها، ويبعث لك أحسن منه، وهذا يكون أحياناً، فهذا الذي رفض, يأتي إنسان أفضل، وهذه التي رفضت, يأتي الخاطب أفضل، قال له: ((يتزوج حفصة من هو خير من عثمان، ويتزوج عثمان من هي خير من حفصة))
لقي أبو بكر عمر, فقال: ((لا تجد علي, فإن رسول الله ذكر حفصة، سيتزوجها- والنبي قال:
((أخفوا الخطبة))
ما أحب أن يفشي سر رسول الله، فاعتذر، ماذا فهم سيدنا عمر؟ أنه اعتذر إباءً، لا, معنى ذلك أنّ البيان يطرد الشيطان- .
فلم أكن لأفشي سر رسول الله -اعتذاري كان, لأنني لم أرد أن أفشي سر رسول الله ، ولو تركها لتزوجتها، أنا لي الشرف أن تكون ابنتك زوجتي، أرأيت إلى التوضيح ما أجمله؟!.-
تزوج النبي عليه الصلاة والسلام حفصة بعد عائشة)) فلمح عليه الصلاة والسلام في حديثه هذا, أنه سيزوج عثمان إحدى بناته .
هناك رواية لأبي هريرة رضي الله عنه؛ أن النبي عليه الصلاة والسلام, قال: ((أتاني جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تزوج عثمان أم كلثوم على مثل صداق رقية، وعلى مثل صحبته ، وتحل أم كلثوم زوجة كريمة مبجلة عند عثمان بن عفان))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6182/20.jpg
أخواننا الكرام، المرأة ما أكرمها إلا كريم، ولا أهانها إلا لئيم، وكان أصحاب النبي مثلاً عليا في تكريم المرأة .
فكانت زوجة كريمة مبجلة عند عثمان بعد أختها رقية، ويحظى عثمان رضي الله عنه بهذا اللقب (ذي النورين)، لأنه تزوج ابنتي رسول الله عليه الصلاة والسلام، حيث كان زوجاً لابنتي رسول الله على التوالي، وقد كان زواجه من أم كلثوم لثلاث سنوات خلون من الهجرة، وعاشت أم كلثوم عند عثمان ست سنوات ولم تلد له، وكانت وفاتها رضي الله عنها سنة تسع للهجرة، وقال البني عليه الصلاة والسلام: ((لو كن عشراً لزوجتهن عثمان))
ولما وضعت أم كلثوم في قبرها, جلس النبي عليه الصلاة والسلام على قبرها, وعيناه تدمعان حزناً على ابنته الغالية العزيزة، فرضي الله تعالى عن السيدة الكريمة أم كلثوم، كما قال بعض الخطباء: ((كوكب الإسلام))

السعيد 09-04-2018 01:22 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات - بنات النبى الكريم

الدرس : ( التاسع العاشر )


الموضوع : فاطمة الزهراء - 1





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . إليكم الحديث عن السيدة فاطمة الزهراء من حيث: نسبها, زواجها, أولادها, مكانتها عند أبيها :
أيها الأخوة المؤمنون، مع الدرس السابع والعشرين من سير الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عنهن أجمعين، ومع بنات النبي صلى الله عليه وسلم، ومع الابنة الرابعة السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها وأرضاها .
هي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، أمُّها خديجة أمُّ المؤمنين، كانت أصغر بنات النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت سيدة النساء في زمنها، وقد ذكر النبي عليه الصلاة والسلام أنه كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا أربع، والسيدة فاطمة رضي الله عنها إحدى هؤلاء الأربع، وعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6183/01.jpg
ولدت قبل البعثة بقليل، تزوجها الإمام علي كرم الله وجهه في ذي القعدة من سنة اثنتين بعد وقعة بدر، لها من الأولاد الحسن، والحسين، والمحسن، وأم كلثوم، وزينب، أبناء علي بن أبي طالب، وكان عليه الصلاة والسلام يحبها، ويكرمها، ويسرُّ إليها، ومناقبها غزيرة، وكانت رضي الله عنها صابرة، دينة، خيرة، قانعة، شاكرة لله عز وجل، وقد غضب لها النبي عليه الصلاة والسلام, لما بلغه أن أبا الحسن هم ولم يفعل بما رآه سائغاً من خطبة بنت أبي جهل.
فَعَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ:
((إِنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ, فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ, فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَتْ: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ, وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحٌ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ, فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ, يَقُولُ:
أَمَّا بَعْدُ, أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي, وَإِنَّ فَاطِمَةَ بَضْعَةٌ مِنِّي, وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسُوءَهَا, وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ, فَتَرَكَ عَلِيٌّ الْخِطْبَةَ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]
فترك علي رضي الله عنه الخطبة رعاية لها .
الحديث عن السيدة فاطمة يطول، حديث مسعد، فهي سيدة عصرها, هي إحدى أربع نساء كملن في العالمين، والمرأة إذا كملت شيء لا يوصف، المرأة إذا كملت تكون قرة عين لمن حولها . إليكم بعض الأحاديث التي وردت عن النبي بشأن مكانة السيدة فاطمة بنت النبي
أيها الأخوة, صح في السيرة، وفي سير أعلام النبلاء, وسنن الترمذي, عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾
فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ, فَدَعَا فَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ, وَعَلِيٌّ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَجَلَّلَهُ بِكِسَاءٍ, ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي, فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا, قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ, وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ)) وعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ لِعَليٍّ وَفَاطِمَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ: ((أَنَا حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبْتُمْ, وَسِلْمٌ لِمَنْ سَالَمْتُمْ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6183/02.jpg
والحقيقة من كرامة النبي عند الله؛ أن جعل له أهل بيت أطهار، ومن كرامة النبي عند الله أن الله اختاره، واختار له أصحابه، ومن كرامة المؤمن الآن؛ أن يكون حوله مؤمنون على شاكلته، يعرفون قدره، يعرفون علمه، يعرفون خلقه، يعرفون ورعه، يعرفون محبته لله عز وجل، إذا أحاطك الله بمن يقدرك، ويعرف قيمتك, فهذه نعمة من نعم الله الكبرى، وأكبر عقاب يُعاقب به الإنسان, أن يكون الذي معه مناقضاً له، أن يكون الزوج صالحاً, والمرأة سيئة، وأن تكون الزوجة صالحة, وزوجها يعصي الله عز وجل, أكبر عقاب تُعاقب به أن تكون أنت في واد، ومن حولك في واد آخر، فمن تكريم الله لك أن يجعل الذين حولك على شاكلتك، وكلما ارتقى الإنسان, يكرمه الله بأن يقيض له كرماء صالحين، وما أخلص عبد لله عز وجل إلا جعل قلوب المؤمنين, تهفو إليه بالمودة والرحمة .
ترى الأخوة المؤمنين بينهم اللطف، والمودة، والاحترام المتبادل، والزيارات، والبذل ، والتضحية، وترى أسرًا في المحاكم, والخصومات، والشتائم, والسباب، والبغضاء، والشحناء، هؤلاء بهائم، أما الإنسان فهو مخلوق راق جداً .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6183/03.jpg
نزع أحد الصحابة عن النبي ريشة عن ردائه، فرفع النبي يديه إلى السماء, وقال:
((اللهم أكرم من نزعها))
وكانت تعظم عنده النعمة مهما دقت .
وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ, إِلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ))
[أخرجه أحمد في مسنده]
وعَنْ جُمَيْعِ بْنِ عُمَيْرٍ التَّيْمِيِّ, قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَمَّتِي عَلَى عَائِشَةَ فَسُئِلَتْ:
((أَيُّ النَّاسِ كَانَ أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: فَاطِمَةُ, فَقِيلَ: مِنْ الرِّجَالِ؟ قَالَتْ: زَوْجُهَا، إِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُ صَوَّامًا قَوَّامًا))
[أخرجه الترمذي في سننه]
هل شاركت فاطمة معاناة أبيها أثناء نشر دعوته بين أبناء قومه, وماذا قال علماء السيرة عنها؟
أيها الأخوة, السيدة فاطمة الزهراء كانت واحدة زمانها، وعظيمة دهرها، لما تهيأ لها من الكثير من مشاهد النبوة والوحي، فقد صحبت أباها من نعومة أظفارها إلى أن فارقها النبي صلى الله عليه وسلم, يوم التحق بالرفيق الأعلى، على مدى ربع قرن .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6183/04.jpg
أيها الأخوة, فقد كانت مع النبي، وشهدت كل أحداث الدعوة، شهدت معاناة النبي في مكة، شهدت الهجرة، شهدت الغزوات، كل المعاناة التي عاناها النبي كانت إلى جانبه، كانت معه، كانت ترى بعينيها تطور البعثة من حال إلى حال، لذلك كانت رضي الله عنها شديدة الحزن على أبيها عليه الصلاة والسلام، فهي لم تعرفه إلا نبياً مرسلاً من عند الله تعالى، وهي دون الرابعة من عمرها، فلم تكد تعي على الدنيا إلا ويملأ سمعها أحداث تبليغ الدعوة ونشرها، وبثها بين جموع قريش، لازمت النبي، وشهدت كل شيء، شاركته في كل شيء، عانت كل شيء، لذلك قال علماء السيرة: كانت أشد عزماً من أخواتها، وأكثر وعياً لما جرى, ويجري من أحداث, واكبت دعوة التوحيد والإيمان .
أيها الأخوة الكرام، لهذا احتلت فاطمة الزهراء تلك المكانة العظيمة، ليس عند أبيها فحسب، بل عند جميع المؤمنين والمؤمنات .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6183/05.jpg
أيها الأخوة, ذكر هذه السيدة الجليلة, يعطر المجالس، الكمال رائع في المرأة الوفية، المرأة المحبة، المرأة خفيفة المؤنة، كثيرة البركة، المرأة التي تسعى لإسعاد زوجها، المرأة التي ترضى من زوجها كل قليل، المرأة التي تحب الله، هذه امرأة كما يقول بعضهم: أندر من الكبريت الأحمر .
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام لم يزوجها إلا لرجل كفء لها، والكفاءة في الزواج مهمة جداً، أحياناً فتاة تحفظ كتاب الله ,فلا ينبغي أن تُزوج لشاب شارد, لا يعرف قيمة دينها، ولا قيمة ورعها، آباء كثيرون تزل أقدامهم حين لا يزوجون بناتهم لمن كان كفئًا لهن .
فهذه السيدة رضي الله عنها لها من البلاء في الإسلام ما كان لها، ولها من التضحية في سبيل الله ما كان لها، ولها من معايشة الدعوة الإسلامية من بدايتها مثل ما لها .
من كان زوجها؟ ربيب النبي عليه الصلاة والسلام الذي رباه، وحامل لوائه، وناصره على أعدائه، علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ولا غرابة أن الله تعالى يباهي جميع خلقه بفاطمة ابنة حبيبه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بما حباها من تلك الخصال والصفاء . الأحاديث التي وردت عن النبي بشأن إكرامه لفاطمة وأنها أكثر الناس شبهاً به :
ورد في الترمذي في سننه من كتاب الفضائل عَنْ حُذَيْفَةَ, قَالَ:
((سَأَلَتْنِي أُمِّي مَتَى عَهْدُكَ (تَعْنِي بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؟ فَقُلْتُ: مَا لِي بِهِ عَهْدٌ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا فَنَالَتْ مِنِّي, فَقُلْتُ لَهَا: دَعِينِي آتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَأُصَلِّيَ مَعَهُ الْمَغْرِبَ, وَأَسْأَلُهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي وَلَكِ, فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْمَغْرِبَ, فَصَلَّى حَتَّى صَلَّى الْعِشَاءَ, ثُمَّ انْفَتَلَ فَتَبِعْتُهُ فَسَمِعَ صَوْتِي, فَقَالَ: مَنْ هَذَا، حُذَيْفَةُ؟ قُلْتُ: نَعَمْ, قَالَ: مَا حَاجَتُكَ, غَفَرَ اللَّهُ لَكَ وَلِأُمِّكَ؟ قَالَ: إِنَّ هَذَا مَلَكٌ, لَمْ يَنْزِلْ الْأَرْضَ قَطُّ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ, اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيَّ, وَيُبَشِّرَنِي بِأَنَّ فَاطِمَةَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ, وَأَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
من هو الإنسان العظيم؟ الذي له عند الله مكان عظيم, قال تعالى:
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
[سورة القمر الآية: 54-55]
إن كان لك عند الله مقعد صدق، فهذه هي الجنة، وهذا هو الفوز العظيم، وهذا هو الفلاح، وهذا هو النجاح، وهذا هو التفوق، وهذه هي السعادة، أن تكون لك حظوة عند الله .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6183/06.jpg
وفي الحديث الصحيح عند الترمذي, عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
قال كتاب السيرة فيما نُقل:
((إن هذه السيدة الجليلة كانت كثيرة الشبه بأبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم))
يعني أكثر بناته شبهاً به السيدة فاطمة رضي الله عنها .
وعَنْ عَائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ, عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا, أَنَّهَا قَالَتْ: ((مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ سَمْتًا وَهَدْيًا وَدَلًّا, وَقَالَ الْحَسَنُ حَدِيثًا وَكَلَامًا, وَلَمْ يَذْكُرْ الْحَسَنُ السَّمْتَ وَالْهَدْيَ وَالدَّلَّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فَاطِمَةَ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهَا, كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ, قَامَ إِلَيْهَا, فَأَخَذَ بِيَدِهَا, وَقَبَّلَهَا, وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ, وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا, قَامَتْ إِلَيْهِ, فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ, فَقَبَّلَتْهُ, وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا))
[أخرجه أبو داود في سننه]
بربكم أنتم آباء، أحياناً تأتيكم بناتكم زائرات، تدخل البنت أهلاً أبي، الأب جالس مرتاح ولا يتحرك:
((كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ, قَامَ إِلَيْهَا, فَأَخَذَ بِيَدِهَا, وَقَبَّلَهَا, وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ))
طبقوا هذا: ((كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ, قَامَ إِلَيْهَا, فَأَخَذَ بِيَدِهَا, وَقَبَّلَهَا, وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ, وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا, قَامَتْ إِلَيْهِ, فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ, فَقَبَّلَتْهُ, وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6183/07.jpg
الحياة كلها مودة، أجمل ما في الحياة المودة والحب، والاحترام المتبادل، والوفاء، والتضحية، فالإنسان حين يعيش حياة الود، حياة الحب، حياة الكرم، هذا إنسان سعيد .
مرة رأى أخ بيتاً مناسباً, فقال: ممكن أن نرى البيت يا أستاذ، قلت: لا مانع، فذهبنا نرى البيت, دخلنا إلى غرفة, وجدنا صبيًا في الخامسة عشر مضطجعًا على قفاه، ورجل فوق رجل, يشاهد مسلسلا، ولم يتحرك، ولم يغير مجلسه، ولم ينظر إلينا، هذه التربية، هذه تربية المسلسلات .
أما تربية سيد الأنام: ((كَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ, قَامَ إِلَيْهَا, فَأَخَذَ بِيَدِهَا, وَقَبَّلَهَا, وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ, وَكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا, قَامَتْ إِلَيْهِ, فَأَخَذَتْ بِيَدِهِ, فَقَبَّلَتْهُ, وَأَجْلَسَتْهُ فِي مَجْلِسِهَا))
لقد كان لفاطمة رضي الله عنها, ولزوجها علي كرم الله وجهه, وابنيها الحسن والحسين مكانة عظيمة .
ففي سنن الترمذي, عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ, فَدَعَا فَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ, وَعَلِيٌّ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَجَلَّلَهُ بِكِسَاءٍ, ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي, فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ, وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا, قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ, وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6183/08.jpg
أخواننا الكرام، صدقوا أن الله جل جلاله إذا حباك بأهل صالحين، أهل أعفة، أتقياء، أنقياء, فهذه نعمة لا تعدلها نعمة .
أنا أقول لكم: كثير هم الرجال الذين يكفرون نعمة الزوجة الصالحة، زوجة عفيفة، قنوعة، تخدم زوجها، يبحث عن بعض الأخطاء، ويكبرها، وينشئ مشكلة، هذا إنسان جاهل، وكثيرات هن الزوجات اللواتي حباهن الله بأزواج صالحين، مستقيمين، تبحث عن بعض نقاط الضعف فتكبرها، المرأة أحياناً تكفر بنعمة الزوج، والزوجة أحياناً يكفر بنعمة الزوجة الصالحة، فهناك زوج صالح، وهناك زوجة صالحة .
مرة ملِك من ملوك قرطبة, وهو ابن عباد، كان يمشي في حديقته، فرأى بركة ماء، وقد هبت الريح على صفحة الماء, فجعلت منها كالزرد، فقال:
نسج الريح على الماء زرد ............................
ولم يستطع أن يكمل البيت، وكانت وراءه جارية، قالت له:
.......................... يا له درعاً منيــعاً لو جمد
فأُعجِب بهذه الجارية، وتزوجها، وجعلها السيدة الأولى، وأكرمها إكراماً ما بعده إكرام ، اشتهت مرةً حياة الفقر، كيف كانت تدوس في الطين؟ فطلبت منه أن تعيش يوماً واحدًا حياتها السابقة، فجاء بالمسك، والعنبر، وماء الورد, فجبلها وجعلها طيناً، وقال: دوسي فيه, هذا هو الطين, ثم جاء ابن تاشفين من شمال أفريقيا, قضى على ملوك طوائف، وأودعه في السجن، وافتقر، فكانت هذه الجارية زوجته, تقول له مرةً: لم أر منك خيراً قط، قال لها: ولا يوم الطين؟ فاستحيت .
لماذا ذكر السيدة فاطمة يملأ القلوب سعادة؟ من وفائها، من تواضعها, من حرصها على سعادة زوجها، من حرصها على راحته، من حرصها على عدم الضغط عليه .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6183/09.jpg
الآن تضغط الزوجة، تضغط حتى يأكل زوجها الحرام، ويسرق حتى يخلص من شكواها .
قال رجل لامرأته: لقد هلكت من كثرة شكواك وهمومك، فقالت له: إذًا: يوم أشكو به, ويوم أريحك، فكانت في يوم راحته, تقول له: غدا أوجع رأسك، فالإنسان بكماله، فالإنسان بأخلاقه، الإنسان بمحبته .
الآن: كم من إنسان تموت زوجته، إذا فكر في الزواج, قامت بناته عليه بالنكير، السيدة فاطمة لما توفيت أمها السيدة خديجة, رأت أن أباها بحاجة إلى زوجة، فلما تزوج فرحت ، وكانت أكبر معين .
تقول البنت: نحن نخدمك، هم لا يفهمون، الإنسان بحاجة إلى امرأة، وليس إلى بنت، هناك خصوصيات للإنسان لا تحلها البنت، فلذلك البنت الوفية لا تقف حجر عثرة أمام زواج والدها إذا كان بحاجة إلى زوجة .
كيف كانت علاقة السيدة فاطمة مع زوجات أبيها ؟
لما تقدمت خولة بنت الحكيم, تخطب للنبي صلى الله عليه وسلم لتزوجه, لم تكن لفاطمة وأخوتها من معارضة، بل كن جميعاً راغبات راضيات عن زواج أبيهن، الذي أضناه الحزن على فراق أمهن خديجة، ولما جاءت خولة, قالت:
((أفلا أخطب عليك؟ قال صلى الله عليه وسلم: بلى، ثم قال: فإنكن معشر النساء أرفق بذلك))
خطبت خولة عليه سودة بنت زمعة، وعائشة بنت أبي بكر، فتزوجهما، فبنى بسودة بمكة، ثم بعائشة بالمدينة .
الآن في التعبير الدارج بنت الحماة مخيفة، حماية ثانية، السيدة فاطمة كانت من أرفق النساء بزوجات أبيها، إذا العلاقة طيبة بين البنت وزوجة والدها، هذا شيء مثالي .
فعاشت فاطمة مع زوجتي أبيها بكل حب وحسن عشرة، بل كان يزيد في سرورها رؤية أبيها سعيداً في زواجه هذا .
الآن بنت الزوج دائماً ضد خالتها، امرأة أبيها، ضدها على طول مهما فعلت، فكانت فاطمة رضي الله عنها تتظافر مع عائشة في الأمور التي كانت تراها فيها محقة, وهي أكبر عون لزوجة أبيها .
أعرف أن زوجة الأب لا يحبها أولاد الأب، أحد أخواننا ذكره الله بخير, قال: لي خالة, إذا ذكرتُ اسمها ثلاث مرات, أبكي من محبتي لها، عاملتنا معاملة أحن من أمنا .
لمَ هذه القاعدة الثابتة: أن امرأة الأب ضد أولاد زوجها؟ الإيمان يصنع المعجزات، فإذا كانت المرأة مؤمنة, فلا تعامل أولاد زوجها إلا كأولادها، فالسيدة فاطمة لم تكن كبقية النساء بهذه العداوة الثابتة مع زوجة أبيها، بل على العكس، كانت تتعاون مع السيدة عائشة إن كانت محقة في تعاونها.
أما موقفها من أزواج أبيها, فقد كانت أكثر انسجاماً، واحتراماً، وتوقيراً، ولا شك أنها في ذلك تقوم بواجبها تجاه حق أبيها .
إذا كان الأب متزوجًا، وكل يوم عنده مشكلة لا يرتاح، أما عنده ابنته من زوجته السابقة في البيت فلا مشكلة، فيه انسجام، فيه مودة، وفيه تعاون, كل يوم حياة لا تُطاق، فالقاعدة الأساسية: ما الذي يسعد أباها؟ أن يدخل البيت مرتاحًا، فما كانت تختلق مشكلة إطلاقاً، بل كانت أكبر معوان لزوجات أبيها .
موقفها دائماً كان توقير زوجاته، والإحسان إليهن، والتأدب معهن، ولم يكن منها رضي الله عنها أي تصرف يثير غضب إحداهن، فقد كانت أكبر تعقلاً لما يحصل لبنات جنسها.
سمعت من يومين قصة امرأة لا تنجب، وزوجها جيد جداً، وهو متألم بعدم إنجابها، ويتمنى الولد، ولكن بمحبته لها, فهو ساكت، خرجت وخطبت له، وفاجأته بزوجة جيدة، هي خطبتها، قال: والله عشنا معاً أكثر من خمسة عشر عامًا، لم تحدث مشكلة في البيت, عقل راجح، زوج وفيّ، زوج جيد، فالحياة إذا بنيت على الإيمان شيء رائع .
امرأة صالحة جداً، تزوجها رجل، قال لها: بزماني كنت أفكر في الزواج من امرأة، ثم تركت الزواج منها، قالت لي: إذا تزوجتني, أسلم وأتزوج، وأحفظ القرآن، فلما علمت زوجته الدينة أن هذه المرأة إذا تزوجها تسلم، وتتحجب، وتحفظ القرآن, قالت: بالله عليك تزوجها اليوم ، وجاء بها إلى البيت .
المرأة إذا كان دينها أصليًا, إذا كان دينها نابعاً منها، ليس ضغطاً، ليس قهراً، إذا كان دينها نابعاً منها, تفعل المعجزات، تفعل الأعاجيب, لأنها رأت أن هذه المرأة إذا تزوجها زوجها, دخلت بالإسلام، وتحجبت، وحفظت كتاب الله، هذا كسب كبير جداً . إليكم بيان خطبتها وزواجها بشكل تفصيلي :
سيدنا علي لم يكن ليتقدم لخطبة فاطمة من أبيها إلا على وجل شديد لما يعلم ما لها من المكانة العظيمة عنده صلى الله عليه وسلم، وما لها من الحب الكبير في نفسه الشريفة، فكان يتحين الفرص المواتية ليتقدم إليه بهذا الطلب الغالي، وطال انتظار علي سنين عددًا، حتى إذا خامره الرجاء في تحقيق رغبته بعد دخول النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة، أمسك أيضاً ، لأنه لا يملك مهرها, فقير، وليس في يده مال، ثم زاد إحجامه, حينما بلغه أن الصحابيين الجليلين خطباها .
سيدنا أبو بكر خطبها، سيدنا عمر خطبها، هو فقير, لا يملك نقيرًا ولا قطميرًا، إلا أنه ابن عمها، وحين شعر الصحابة برغبة علي في خطبة فاطمة, شجعه على مراده بعض أصحاب رسول الله، وأخذ يزيده في الترغيب بما له من قرابة النسب، ومنزلة أبويه من قلبه الشريف، أبوه أبو طالب، وأمه فاطمة بنت أسد، وكانت أول هاشمية تلد هاشمي، وكانت للنبي صلى الله عليه وسلم حين كفله عمه أبو طالب أماً بعد أمه .
يوجد مداخلات، قرابة شديدة، مكانة عالية، فوقف علياً رضي الله عنه ملياً يفكر، هو بحق أجدر الناس بفاطمة بنت رسول الله، إنه كان قد تربى، وعاش في حجر النبي، ولم يفارقه ، فزاد هذا في أمله، فتشجع, وطلب من النبي فاطمة .
قال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6183/10.jpg

((فما راعه إلا أن التفت إليه صلى الله عليه وسلم, وسأله مترفقاً, هل عندك شيء ؟ -يعني هل عندك مهر لفاطمة؟- فأجابه علي كرم الله وجهه: لا, يا رسول الله، فذكره النبي صلى الله عليه وسلم بأنه أصاب يوم بدر درعاً, فقال له: فأين درعك التي أعطيتك يوم كذا؟ فأجاب علي رضي الله عنه: هي عندي يا رسول الله، قال له: فأعطها درعك -هذا المهر، لا غيره، ليس خاتم ثمنه ثمانمائة ألف, إنه درع فقط .
لذلك عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((أَعْظَمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مؤنَةً))
[أخرجه أحمد في مسنده]
الآن ماذا ستلبسونها؟ شرط، الذهب وألماس, وشهر العسل في فنيسيا, هكذا طلبات الناس، بيت معين، مساحة معينة، بشارع معين، شهر عسل بمكان معين .
قال: ثم بيعت الدرع بأربعمائة وسبعين درهماً، فجهزت بها عروسه، وعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم زواج علي على ابنته فاطمة رضي الله عنهما، وأسكنها صلى الله عليه وسلم قريباً من بيته- .
وقال صلى الله عليه وسلم لعلي قبل ليلة الزفاف: لا تحدث شيئاً حتى تلقاني, فدعا بإناء, فتوضأ منه، ثم أفرغه على فاطمة وعلي، وقال: اللهم بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك لهما في نسلهما))
أيها الأخوة, وتم زواجهما على بركة الله تعالى، وكان عمر العروس فاطمة يوم زواجها من علي بن أبي طالب ثمانية عشر عاماً، وكان علي زوجها ستة وعشرين عاماً، فكانا قريبين من أحلام أمثالهما، غير أنهما كانا منصرفين إلى ما هو أسمى من كل ذلك، إنهما تابعا السير في سبيل نشر الدعوة .
ما العمل الذي كانت تقوم به فاطمة حينما يكون زوجها غائباً عن البيت, وكيف كانت تستقبله حينما يأتي إليها ؟
فهذا علي رضي الله عنه ينصرف مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته، وهذه فاطمة تستمر في نهجها بين نسوة الأنصار، والمهاجرين، وفتياتهم، تبث فيهم روح الدعوة الإسلامية المنفتحة، الممتدة في ربوع الحجاز، وكان زوجها علي بن أبي طالب لا يفارق رسول الله صلى الله عليه وسلم أبداً .
الآن إذا تأخر الرجل قليلاً في السهرة, يُقام النكير على هذا الشيخ, الذي شغل زوجها قليلاً, ما أروع امرأة في مستوى زوجها! ما أروع امرأة في مستوى الدعوة! ما أروع امرأة تحمل هموم المسلمين! ما أروع امرأة تعرف قيمة زوجها! .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6183/11.jpg
كان زوجها علي بن أبي طالب لا يفارق رسول الله أبداً, إلا ما كان في غزوة تبوك حين استخلفه في المدينة، فعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ: ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, خَرَجَ إِلَى تَبُوكَ, وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا, فَقَالَ: أَتُخَلِّفُنِي فِي الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءِ؟ قَالَ: أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيٌّ بَعْدِي))
[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]
وكان رضي الله عنه, كلما رجع إلى بيته من غزوة غزاها, أو سرية قادها, وجد زوجته بانتظاره .
أحياناً يأتي الزوج متعبًا، العمل شاق، والعمل خارج البيت متعب، هموم، ضغوط، مشكلات، فهي تأتي تستقبله باللؤم، بالتقريع، بالضغط الداخلي، ماذا يحصل لهذا الزوج؟ ضغط من الداخل، وضغط من الخارج, أما المرأة الصالحة فتنسي زوجها هموم العمل، تنسيه ضغوط الحياة، تستقبله، تؤنسه، تحترمه .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6183/12.jpg
عَنْ أَنَسٍ قَالَ:
((مَاتَ ابْنٌ لِأَبِي طَلْحَةَ مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ, فَقَالَتْ لِأَهْلِهَا: لَا تُحَدِّثُوا أَبَا طَلْحَةَ بِابْنِهِ, حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ, قَالَ: فَجَاءَ فَقَرَّبَتْ إِلَيْهِ عَشَاءً, فَأَكَلَ وَشَرِبَ, فَقَالَ: ثُمَّ تَصَنَّعَتْ لَهُ أَحْسَنَ مَا كَانَ تَصَنَّعُ قَبْلَ ذَلِكَ, فَوَقَعَ بِهَا, فَلَمَّا رَأَتْ أَنَّهُ قَدْ شَبِعَ وَأَصَابَ مِنْهَا, قَالَتْ: يَا أَبَا طَلْحَةَ, أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَعَارُوا عَارِيَتَهُمْ أَهْلَ بَيْتٍ, فَطَلَبُوا عَارِيَتَهُمْ, أَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ؟ قَالَ: لَا, قَالَتْ: فَاحْتَسِبْ ابْنَكَ, قَالَ: فَغَضِبَ, وَقَالَ: تَرَكْتِنِي, حَتَّى تَلَطَّخْتُ, ثُمَّ أَخْبَرْتِنِي بِابْنِي, فَانْطَلَقَ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَأَخْبَرَهُ بِمَا كَانَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي غَابِرِ لَيْلَتِكُمَا, قَالَ: فَحَمَلَتْ, قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ, وَهِيَ مَعَهُ, وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, إِذَا أَتَى الْمَدِينَةَ مِنْ سَفَرٍ, لَا يَطْرُقُهَا طُرُوقًا, فَدَنَوْا مِنْ الْمَدِينَةِ, فَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ, فَاحْتُبِسَ عَلَيْهَا أَبُو طَلْحَةَ, وَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: يَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: إِنَّكَ لَتَعْلَمُ يَا رَبِّ, إِنَّهُ يُعْجِبُنِي أَنْ أَخْرُجَ مَعَ رَسُولِكَ إِذَا خَرَجَ, وَأَدْخُلَ مَعَهُ إِذَا دَخَلَ, وَقَدْ احْتَبَسْتُ بِمَا تَرَى, قَالَ: تَقُولُ أُمُّ سُلَيْمٍ: يَا أَبَا طَلْحَةَ, مَا أَجِدُ الَّذِي كُنْتُ أَجِدُ, انْطَلِقْ فَانْطَلَقْنَا, قَالَ: وَضَرَبَهَا الْمَخَاضُ حِينَ قَدِمَا, فَوَلَدَتْ غُلَامًا, فَقَالَتْ لِي أُمِّي: يَا أَنَسُ, لَا يُرْضِعُهُ أَحَدٌ, حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَلَمَّا أَصْبَحَ احْتَمَلْتُهُ, فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: فَصَادَفْتُهُ وَمَعَهُ مِيسَمٌ, فَلَمَّا رَآنِي, قَالَ: لَعَلَّ أُمَّ سُلَيْمٍ وَلَدَتْ, قُلْتُ: نَعَمْ, فَوَضَعَ الْمِيسَمَ, قَالَ: وَجِئْتُ بِهِ, فَوَضَعْتُهُ فِي حَجْرِهِ, وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَجْوَةٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ, فَلَاكَهَا فِي فِيهِ, حَتَّى ذَابَتْ, ثُمَّ قَذَفَهَا فِي فِيه الصَّبِيِّ, فَجَعَلَ الصَّبِيُّ يَتَلَمَّظُهَا, قَالَ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: انْظُرُوا إِلَى حُبِّ الْأَنْصَارِ التَّمْرَ, قَالَ: فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَسَمَّاهُ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
امرأة ترعى حق زوجها، تخفف عنه آلام الحياة، آلام العمل، الحياة فيها ضغوط شديدة .
أخواننا الكرام, نسب الأمراض تزيد، نسب الأورام تزيد، نسب أمراض الدم, والقلب ، والأوعية, تنزل إلى الثلاثين، والخمسة وعشرين من شدة الضغوط، أنا أستمع إلى بعض القصص، ضغط من الخارج، وضغط من الداخل .
كان إذا عاد من غزوة غزاها أو سرية قادها, عاد إلى بيته, وجد زوجته بانتظاره, قد هيأت له أسباب الراحة، لتخفف عنه بعض ما وجدوا من عناء السفر والغربة عنها .
هل عاشت السيدة فاطمة حياة المتنعمات عند زوجها, وما هو أثاث بيتها ؟
قال: لم تكن حياة فاطمة في بيت زوجها مترفة، ولا ناعمة، شأنها في ذلك, شأن حياتها عند أبيها قبل زواجها، حياة خشنة، والحياة الناعمة لا تصنع الرجال، ولا تصنع البطلات.
سيدنا علي, حينا شُغل بالجهاد مع رسول الله, شُغل عن جمع المال، والاتجار به، لو سخر وقته في التجارة لصار مليونيرًا، قدرات عند الإنسان عالية، هو صرفها في معرفة الله، وفي نشر الحق .
التاجر أحياناً من الصباح, وحتى منتصف الليل, يفكر في التجارة, سوف يتابع أموره ويربح، أما إنسان آخر, جاهد نفسه وهواه، طلب العلم، هذا كله يحتاج إلى وقت .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6183/13.jpg
فانصرف هذا الصحابي الجليل, ابن عم النبي, إلى نصرة صلى الله عليه وسلم، ونشر التوحيد بين الناشئين، فشغله ذلك عن سبيل الثراء, الذي كان أشراف قريش, قد وجهوا شبابهم إليه، فلا عجب إن رأينا هذا الصحابي الجليل, لا يملك مهراً لزوجته سوى درعه، وحال سيدنا علي قبل الزواج, لم يكن خافياً على السيدة فاطمة، الآن إذا خطب إنسان، وليس معه شيء، طولب بكل شيء، طيب لماذا قبلتم؟ .
فكان حال سيدنا علي واضحًا للسيدة فاطمة، وكانت تعلم أن علياً لم يكن ثرياً، فلذلك لم تفاجأ بالجهاز التي جُهزت به، كان مؤلفاً من خميلة ووسادة, حُشيت ليفاً، وإناء وسقاءين .
الآن تريد غرفة النوم كذا، الجلوس كذا، الثريات كريستال، طلبات مهرها عجيبة, وتلك الصحابية خميلة ووسادة, حُشيت ليفاً، وإناء وسقاءين، وشيء من العطر، وهي في هذا راضية كل الرضا، لأن هذا الزواج كان برضا أبيها، لذلك كانت فاطمة سعيدة كل السعادة في بيت زوجها علي رضي الله عنه على ما كانت عليه من شظف العيش .
من روائع هذا النبي :
اسمعوا هذه الحادثة، كان علي رضي الله عنه, كلما عاد إلى بيته, يرى فاطمة متعبة راضية, فيساعدها في بعض أعمال البيت القاسية في كل وقت, مكنته الظروف من ذلك، حيث كان غير قادر على أن يستأجر لها خادماً، أو أن يشتري لها أمة, تقوم عنها بأعباء البيت، فكان هو يخفف عنها بعض عناء البيت .
فجاء عليٌّ مرةً فرآها، وهي تسقي من البئر, حتى اشتكت صدرها، فقال رضي الله عنه:
((قد جاء الله بسبي، فاذهبي إلى رسول الله فاستخدمي، -أي ائتي بخادمة- .
فقالت: وأنا والله قد طحنت, حتى مَجَلَتْ يداي, فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما جاء بك أي بنية؟ استحييت, قالت: جئت لأسلم عليك، واستحييت أن أسأله، ورجعت فأتيناه جميعاً .
جاءت بسيدنا علي، فذكر علي حالها، -أن ابنتكم يا سيدي متعبة العمل شاق، جسمها ضعيف، فهل من خادمة؟- فقال صلى الله عليه وسلم: لا والله لا أعطيكما, وأدع أهل الصفة, تتلوى بطونهم، ولا أجد ما أنفق عليهم))
النبي عد المؤمنين أسرة واحدة، ما أعطى ابنته خادمة، وهناك فقراء, يتلوون من الجوع .
والحديث في صحيح البخاري, عَنْ عَلِيٍّ: ((أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهِمَا السَّلَام, أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنْ الرَّحَى, وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ, فَلَمْ تُصَادِفْهُ, فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ, فَلَمَّا جَاءَ, أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ, قَالَ: فَجَاءَنَا, وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا, فَذَهَبْنَا نَقُومُ, فَقَالَ: عَلَى مَكَانِكُمَا, فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا, حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي, فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا, إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا, أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا؟ فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ, فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ))
وفي رواية أحمد: (( فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: مَا تَرَكْتُهَا بَعْدَمَا سَمِعْتُهَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ رَجُلٌ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟))
أرأيتم إلى النبوة؟ المؤمنون أسرة واحدة .
وفي درس آخر إن شاء الله, نتابع الحديث عن السيدة الجليلة رضي الله عنها وأرضاها، فهي سيدة نساء أهل الجنة، وهي من أربع نساء, كملن ولم يكمل غيرهن .

السعيد 09-04-2018 01:25 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات - بنات النبى الكريم

الدرس : ( العشرون )


الموضوع : فاطمة الزهراء - 2






لحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
ماذا نستنبط من هذه الحادثة ؟
1- تقديم المصالح العامة على مصلحة الإنسان الخاصة :
أيها الأخوة الكرام, مع سير الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن، ومع بنات النبي صلى الله عليه وسلَّم، ولا زلنا مع ابنته فاطمة الزهراء .
أيها الأخوة, وصلنا في الدرس الماضي من سيرة هذه البنت المباركة التي هي سيدة النساء بنص كلام النبي عليه الصلاة والسلام، أنها اشتكت من أعمال البيت الشاقة، فذهبت إلى أبيها تطلب منه خادمةً .
فَعَنْ عَلِيٌّ:

((أَنَّ فَاطِمَةَ عَلَيْهِمَا السَّلَام, أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, تَشْكُو إِلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدِهَا مِنْ الرَّحَى, وَبَلَغَهَا أَنَّهُ جَاءَهُ رَقِيقٌ, فَلَمْ تُصَادِفْهُ, فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ, فَلَمَّا جَاءَ, أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ, قَالَ: فَجَاءَنَا, وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا, فَذَهَبْنَا نَقُومُ, فَقَالَ: عَلَى مَكَانِكُمَا, فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنِي وَبَيْنَهَا, حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي, فَقَالَ: أَلَا أَدُلُّكُمَا عَلَى خَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَا, إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا, أَوْ أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا؟ فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ, فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]
وفي رواية أحمد في المسند, عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا زَوَّجَهُ فَاطِمَةَ, بَعَثَ مَعَهُ بِخَمِيلَةٍ, وَوِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ, حَشْوُهَا لِيفٌ وَرَحَيَيْنِ وَسِقَاءٍ وَجَرَّتَيْنِ, فَقَالَ عَلِيٌّ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ذَاتَ يَوْمٍ: وَاللَّهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتَّى لَقَدْ اشْتَكَيْتُ صَدْرِي, قَالَ: وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ أَبَاكِ بِسَبْيٍ, فَاذْهَبِي فَاسْتَخْدِمِيهِ, فَقَالَتْ: وَأَنَا وَاللَّهِ قَدْ طَحَنْتُ حَتَّى مَجَلَتْ يَدَايَ, فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكِ أَيْ بُنَيَّةُ؟ قَالَتْ: جِئْتُ لَأُسَلِّمَ عَلَيْكَ, وَاسْتَحْيَت أَنْ تَسْأَلَهُ, وَرَجَعَتْ, فَقَالَ: مَا فَعَلْتِ؟ قَالَتْ: اسْتَحْيَيْتُ أَنْ أَسْأَلَهُ, فَأَتَيْنَاهُ جَمِيعًا, فَقَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, وَاللَّهِ لَقَدْ سَنَوْتُ حَتَّى اشْتَكَيْتُ صَدْرِي, وَقَالَتْ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: قَدْ طَحَنْتُ حَتَّى مَجَلَتْ يَدَايَ, وَقَدْ جَاءَكَ اللَّهُ بِسَبْيٍ وَسَعَةٍ فَأَخْدِمْنَا, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكُمَا, وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ, تَطْوَ بُطُونُهُمْ, لَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ, وَلَكِنِّي أَبِيعُهُمْ وَأُنْفِقُ عَلَيْهِمْ أَثْمَانَهُمْ فَرَجَعَا, فَأَتَاهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَقَدْ دَخَلَا فِي قَطِيفَتِهِمَا, إِذَا غَطَّيا رُؤوسَهُمَا, تَكَشَّفَتْ أَقْدَامُهُمَا, وَإِذَا غَطَّيَا أَقْدَامَهُمَا, تَكَشَّفَتْ رُؤوسُهُمَا فَثَارَا, فَقَالَ: مَكَانَكُمَا, ثُمَّ قَالَ: أَلَا أُخْبِرُكُمَا بِخَيْرٍ مِمَّا سَأَلْتُمَانِي؟ قَالَا: بَلَى, فَقَالَ كَلِمَاتٌ عَلَّمَنِيهِنَّ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَام, فَقَالَ: تُسَبِّحَانِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ عَشْرًا, وَتَحْمَدَانِ عَشْرًا, وَتُكَبِّرَانِ عَشْرًا, وَإِذَا أَوَيْتُمَا إِلَى فِرَاشِكُمَا؛ فَسَبِّحَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ, وَكَبِّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ, قَالَ: فَوَ اللَّهِ مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ عَلَّمَنِيهِنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ, فَقَالَ لَهُ ابْنُ الْكَوَّاءِ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ, فَقَالَ: قَاتَلَكُمْ اللَّهُ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ, نَعَمْ, وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ))
أيها الأخوة, ذكرت هذا بالتفصيل في نهاية الدرس الماضي، أما التعليق؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام علَّم أمته أن تُقدَّم مصالح العامة على نفع الخاصَّة، هذا درسٌ بليغ: ((وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكُمَا, وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ, تَطْوَ بُطُونُهُمْ, لَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ))
أي أنه جعل المسلمين جميعاً أسرةً واحدة، ولو طُبِّق هذه المبدأ في حياة المسلمين, لكانوا في حالٍ آخر: ((والله ما آمن، والله ما آمن، والله ما آمن؛ من بات شبعان, وجاره إلى جانبه جائعٌ, وهو يعلم))
فابنته حبيبة قلبه، أقرب الفتيات إليه، طلبت خادمةً، وهو سيد الخلق، وحبيب الحق، ونبيُّ هذه الأمة ورسولها، وبإمكانه أن يعطيها عشر خادمات، قال: ((وَاللَّهِ لَا أُعْطِيكُمَا, وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ, تَطْوَ بُطُونُهُمْ, لَا أَجِدُ مَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ))
فحينما نتعامل مع بعضنا بعضاً بهذا العطف، وهذه الموضوعية، وهذا التراحم, يرضى الله عنا . 2- من الطرق الأخرى التي يستطيع الإنسان أن يحصل عليها إذا عجز على الحصول على دخل
شيءٌ آخر من هذه القصة: أنّ الإنسان إذا لم يقدر أن يصل إلى مستوى معاشي مرتفع، فالأبواب الأخرى مفتَّحةٌ على مصاريعها؛ أبواب طلب العلم، أبواب نيل رضوان الله عزَّ وجل، أبواب نشر الحق، هذا متاع لكل مؤمن، أي إذا ما أتيح لك أن تمتلك مركبة، ما أتيح لك أن تسكن بيتًا فخمًا، ما أتيح لك أن ترتقي إلى منصبٍ رفيع، هذه حظوظ الدنيا، لكن حظوظ الآخرة مبذولةٌ لكل مؤمن، يقول عليه الصلاة والسلام:
((خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ الْقُرْآنَ وَعَلَّمَهُ))
[أخرجه البخاري عن عثمان في الصحيح]
شأنك عند الله لا بمساحة بيتك، ولا بموقع بيتك، ولا بنوع مركبتك، ولا بمستوى وظيفتك، ولا بدخلك، شأنك عند الله بقدر ما تعرفه، وبقدر ما تعمل من خلال هذه المعرفة، وهذا متاحٌ لكل مؤمن . من الأمثلة على الاستنباط الأول :
الاستنباط الأول: أن المؤمن عليه أن يؤثر مصلحة المسلمين العامة على مصلحته الخاصة، هذا بادئ ذي بدء .
سيدنا عمر رأى إبلاً سمينة, فقال:

((لمن هذه الإبل؟ قالوا: هي لابنك عبد الله, فغضب وقال: آتوني به، فلما جاءه, قال: لمن هذه الإبل؟ قال: هي لي، اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى المرعى لتسمن، قال, ويقول الناس: ارعوا هذه الإبل، فهي لابن أمير المؤمنين، اسقوا هذه الإبل، فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك يا ابن أمير المؤمنين، بع هذه الإبل، وخذ رأس مالك، وردَّ الباقي لبيت مال المسلمين))
سيدنا عمر بن عبد العزيز, رأى في إصبع ابنه خاتماً ثميناً, فقال: ((بع هذا الخاتم, وأطعم بثمنه ألف جائع، واتخذ خاتماً من حديد، واكتب عليه: رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده))
هكذا. فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يؤثر ابنته حبيبة قلبه على فقراء المسلمين، المسلمون جميعاً أسرةٌ واحدة . الشرح الأوسع للاستنباط الثاني :
الاستنباط الثاني المهم جداً: إذا كانت أبواب الدنيا مغلقة في وجهك، إنسان ما أتيح له أن يشتري بيتًا، ما أتيح له أن يرتقي إلى منصب رفيع، ما أتيح له أن يقتني مركبةً، إلا أن أعمال الآخرة متاحةٌ لكل مؤمن، بإمكانك أن تصل إلى أعلى درجة, وأنت فقير، وأنت في أقل وظيفة، وفي أقل دخل، وفي أصغر بيت .
فالإنسان إذا ذكر الله، وأخلص قلبه لله، وتعلَّم القرآن، وعلَّم القرآن, ارتقى إلى أعلى درجات الجنان، فإذا فاتك شيءٌ من الدنيا, فلا تنس نصيبك من الآخرة، فإنّ نصيب الآخرة موفور ، ومتاحٌ لكل المؤمنين، وفضل الله يسع لكل عبادة، لكن الدنيا كما قال تعالى:

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾
[سورة الإسراء الآية: 18]
لحكمةٍ أرادها الله، والله عزَّ وجل علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما لم يكن لو كان, كيف كان يكون, فأنت على الدخل المعتدل الذي يكفيك، إنسان جيد جداً، أنت لا تعلم كيف يكون حالك على دخلٍ آخر, أنت لا تعلم لكن الله يعلم، فليس في الإمكان أبدع مما كان، أنت في وظيفةٍ دنيا جيدٌ جداً، أنت لا تعلم كيف يكون حالك لو كنت في وظيفةٌ عُليا؟ اجعل هذا الكلام شعاراً لك: ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني .
ليس معنى هذا أن تقعد، أبداً، ليس معنى هذا أن تتكاسل، أبداً، أما حينما تبذل كل طاقتك، وكل وقتك، وكل جهدك، وتصل بك هذا الجهد إلى هذا المكان، هذا الذي اختاره الله لي، وهذا خيرٌ لي من كل شيء، أما أن تقعد، وأن ترتاح، وأن تتكاسل، وأن تبقي نفسك جاهلاً، ولا تعمل, وتقول: هذا الذي اختاره الله لي, لا .
أنا ذكرت سابقاً: هناك ما يسمى بفقر الكسل، فقر الكسل مذموم، وهناك ما يسمى: بفقر القدر، فقر القدر صاحبه معذور، إنسان معه مشكلة في جسمه، معه عاهة, تقعده عن طلب الرزق ، هذا فقر القدر، وفي فقر الإنفاق، الإنسان الذي يسعى للآخرة جهده ينفق مالاً كثيراً في سبيل الله ، فلا يبدو أنه غني لكثرة إنفاقه، وفي غنى الكفاية، وفي غنى البطر، غنى البطر مذموم، عدَّه النبي أحد المصائب:
((بَادِرُوا بالأَعْمَالِ سَبْعًا؛ هَلْ تَنْتَظِرُونَ إلا فَقْرًا مُنْسِيًا, أَوْ غِنًى مُطْغِيًا؟))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة في سننه]
غنى البطر: هو الغنى الذي يحمل صاحبه على المعصية، اغتنى فجأةً، أراد أن يذهب إلى بلاد الله الواسعة، ذهب إلى بلاد الله الواسعة، أراد أن يرى فيها كل شيء؛ دخل إلى ملاهيها، وإلى نواديها الليلية، وإلى علبها السوداء، وإلى مجتمعاتها المنحطَّة، معه مال بإمكانه أن يفعل به ما يشاء، هذا الغنى يعدُّ أكبر مصيبةٍ للإنسان، إذا كان عندك ما يغطِّي نفقاتك, فهذه نعمةٌ ما بعدها نعمة، لأن النبي عليه الصلاة والسلام: ((اللهمَّ من أحبني فاجعل رزقه كفافاً))
فإذا قال لي أحد الأخوة الكرام: مستورة، أقول له: أصابتك دعوة النبي، لأنه يحبك، لم يشغلك بهذا المال، أحياناً تكون أنت عبداً للمال، تكون خادماً له، ويكون المال سببَ هلاكِ الإنسان أحياناً، قد يقتله بعض الناس من أجل ماله، قد يتآمر عليه أولاده، وأقرب الناس إليه من أجل ماله، وقد يفعلون فيه الأعاجيب من أجل ماله، المال قد يكون نقمة .
فقر الإنفاق: قال أحد أصحاب النبي للنبي:
((والله إني أحبك، قال: انظر ما تقول, قال: والله إني أحبك, قال : انظر ما تقول, قال: والله إني أحبك، قال: إذا كنت صادقاً فيما تقول, للفقر اٌقرب إليك من شرك نعليك))
أي فقرٍ هذا؟ فقر الإنفاق: (( يا أبا بكر, ماذا أبقيت لنفسك؟ قال: الله ورسوله))
هذا وسام شرف، أن يكون معك مال وتنفقه، أعرف طبيبًا رحمه الله، أقام في أحد الأقبية في ريف دمشق، لكنه خدم الناس خدمة تفوق حدَّ الخيال، كل شيء يملكه, أنفقه في سبيل الله، ما أبقى لنفسه شيئاً، صار معه مرض، فقال أحد زملائه لأهل هذه البلدة الطيبة: لو أن العملية تكلِّف ستة ملايين تدفعونها, أقسموا بالله ليدفعنَّها، لكن المرض كان ميؤوسًا منه، كل شيء يملكه قدَّمه؛ هذا يلزمه مئة فأعطاه مئة، هذا يلزمه بيتٌ فأعطاه بيتًا، هذا يلزمه زواج فزوَّجه، فلما توفي ، ما عرف الناس قدره إلا بعد الوفاة.
أي إذا فاتك من الدنيا شيء, فلا تنس نصيبك من الآخرة، وحظوظ الآخرة مبذولةٌ لكل الناس، لكل المؤمنين، وقيمتك عند الله بعلمك وعملك, قال تعالى:
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾
[سورة الأحقاف الآية: 19]
﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾
[سورة المجادلة الآية: 11]
كيف كانت تستقبل فاطمة زوجها علي حينما يأتي إلى البيت ؟
فكانت هذه السيدة الجليلة راضية بما قدَّر الله لها، وهذه السيدة الجليلة, كانت ترى عائشة تستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، كلَّما عاد إلى بيته المتواضع، بالابتسامة الحلوة، واللقاء الجميل، أرأيت المؤمنة؟ يكون زوجها فقير، فتستقبله بالرضا والابتسامة، وتقبل منه دخله القليل، وبيته الصغير، وأثاثه الخشن، وتستقبله فرحةً مطمئنةً، تدخل إلى قلبه السرور، هذه المؤمنة، أما غير المؤمنة إن لم ينفِّذ لها طلباتها، والعياذ بالله، تصبح زوجةٍ لئيمة، مع أن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((أعظم النساء بركةً أقلهنَّ مؤنةً))
فحينما ترى السيدة عائشة تستقبل النبي في حجرتها المتواضعة، كان إذا صلَّى قيام الليل أزاحت رجليها, ليتمكَّن من السجود، أي أن غرفتها لا تتسع لنومها وصلاة النبي .
الآن البيت تكون مساحته أربعمئة متر، وهي منبوذة، تطلب أحياناً طلبات خياليَّة، فإن لم يُنفَّذ, تقابله بأسوأ مقابلة, وهناك غرفةٍ لا تتسع لصلاته ونومها، وكانت تستقبله باشة، هاشة، مبتسمة، ضاحكة، مؤنسة، مسلِّية.
فهذه السيدة فاطمة, كانت إذا علمت بقدوم زوجها عليِّ كرَّم الله وجهه, تهيَّأت لاستقباله ، الآن الزوجة غير المؤمنة أجمل ما فيها تبديه لغير زوجها، وأبشع ما عندها تبديه لزوجها؛ كلامها القاسي، هيأتها المتبذِّلة المهملة لزوجها، أرخص ثوبٍ ترتديه لزوجها، أكره ثوبٍ ترتديه لزوجها، فإذا كان عندها استقبال، أو عندها زيارة أو شيء، بدت وكأنها ملكة جمال، هذه المرأة التي لا تعرف الله .
انظر السيدة فاطمة: كانت إذا علمت بقدوم زوجها علي, تهيأت لاستقباله بالابتسامة المشرقة، وبالدعابة اللطيفة، لتبرهن عما في قرارة نفسها بالرضا التام لما حباها الله تعالى، إذ جعلها بنت سيد المرسلين، وزوجة وليِّ المؤمنين .
فالزواج نعمة، عندها زوج لا ترضي زوجها، عندها زوج لا تحسن إلى زوجها، عندها زوج لا تدخل على قلب زوجها الفرح، دائماً تضغط عليه .
والزوجة نعمة، فالذي عنده زوجة, دائماً يقسو عليها، ودائماً يضغط عليها، ويكلِّفها ما لا تطيق، ويستهزئ بها، هذه نعمة الزواج؛ نعمة الزوجة ونعمة الزوج، من أساء معاملة الطرف الآخر, فقد كفر هذه النعمة .
إليكم بعض الأحاديث التي وردت بشأن مكانة علي بن أبي طالب عند النبي :
عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ:
((بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَيْشًا, وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ, فَمَضَى فِي السَّرِيَّةِ, فَأَصَابَ جَارِيَةً, فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ, وَتَعَاقَدَ أَرْبَعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالُوا: إِذَا لَقِينَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, أَخْبَرْنَاهُ بِمَا صَنَعَ عَلِيٌّ, وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ إِذَا رَجَعُوا مِنْ السَّفَرِ, بَدَؤوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ, ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى رِحَالِهِمْ, فَلَمَّا قَدِمَتْ السَّرِيَّةُ, سَلَّمُوا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَامَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ, فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَلَمْ تَرَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ, صَنَعَ كَذَا وَكَذَا, فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, ثُمَّ قَامَ الثَّانِي, فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ, فَأَعْرَضَ عَنْهُ, ثُمَّ قَامَ الثَّالِثُ, فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ, فَأَعْرَضَ عَنْهُ, ثُمَّ قَامَ الرَّابِعُ, فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالُوا, فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَالْغَضَبُ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ, فَقَالَ: مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ؟ مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ؟ مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ؟ إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي, وَأَنَا مِنْهُ, وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
كان صهره الحبيب: ((مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ؟ مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ؟ مَا تُرِيدُونَ مِنْ عَلِيٍّ؟ إِنَّ عَلِيًّا مِنِّي, وَأَنَا مِنْهُ, وَهُوَ وَلِيُّ كُلِّ مُؤْمِنٍ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
إليكم هذه السنة الربانية التي قضى الله بها في عباده مع مثال عليها :
أيها الأخوة, عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ:
((إِنَّ بَنِي هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ, اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ, فَلَا آذَنُ, ثُمَّ لَا آذَنُ, ثُمَّ لَا آذَنُ, إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي, وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ, فَإِنَّمَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي, يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا, وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا))
[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]
لكن سنة الله في خلقه, أنه لا بدَّ من اضطراب العلاقة الزوجية، ليس هناك على وجه الأرض زوجان, إلا وينشأ بينهما جفوة، أو خصومة، أو نفور بعض الشيء، فقد روى ابن سعدٍ بإسناده عن عمرو بن سعيد قال:
((كان في عليٍ شدَّة على فاطمة, فقالت: والله لأشكونك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، فانطلقت, وانطلق عليٌ في أثرها, فكلَّمته, فقال صلى الله عليه وسلَّم: أي بنيتي؛ اسمعي، واستمعي، وأعقلي، إنه لا إمرة لامرأةٍ, تأتي هوى زوجها, وهو ساكت .
-أي إذا كانت المرأة مطيعة لزوجها، فليس له الحق أن يشتد عليها، إن كانت تطيع زوجها وترضيه, فليس له الحق أن يشتد عليها- لذلك قال عليٌ: فكففت عما كنت أصنع, وقلت: والله لا آتي شيئاً تكرهينه أبداً))

عاشت هذه السيدة الجليلة في بيت علي بن أبي طالب؛ معزَّزةً، مكرَّمةً، معظَّمةً، مبجَّلةً .
إليكم ذرية فاطمة بنت النبي, والأحاديث التي وردت بشأن محبة النبي للحسن والحسين, وعلة تسمية بناتها على تسمية أخواتها زينب وأم كلثوم :
طبعاً أول مولود أنجبته الحسن، لقد كان سرور النبي صلى الله عليه وسلَّم بأولاد فاطمة رضي الله عنها عظيماً جداً، فاق كل سرور، بل لعله فاق سرور الأبوين نفسيهما، وكان عليه الصلاة والسلام, يأمل من زواج فاطمة من علي هذه الذرِّية الطيبة .
قال عليه الصلاة والسلام ليلة بنى عليٌ بفاطمة, معنى بنى: أي دخل بها:
((لا تحدث شيئاً حتى تلقاني، فدعا بماءٍ, فتوضَّأ منه, ثم أفرغ عليهما, وقال: اللهمَّ بارك فيهما، وبارك عليهما، وبارك في نسلهما))
واستجاب الله عزَّ وجل دعاء رسوله الكريم، فرزق الزوجين المباركين ذريةً طيبةً مباركة، فما إن مضى أقل من عام على زفاف العروسين الكريمين، حتى احتفلت المدينة المنوَّرة بمقدم المولود المبارك الذي سمَّاه جده (الحسن)، وما أن أصبح عمر الحسن يقارب السنة حتى أردفته أمه بشقيقه الحسين، فكان في ذلك سرورٌ عظيمٌ من الجد الكريم، صار له أحفاد صلى الله عليه وسلَّم، الحسن والحسين، وقف الوالدان مدهوشين أمام ذلك السرور العارم من الجد الرسول عليه الصلاة والسلام .
فكان عليه الصلاة والسلام يضمُّهما إلى صدره الشريف، يعانقهما، ويغمرهما بكل ما امتلأ به قلبه الطاهر الكبير من حبٍ وحنان، ويفيض عليهما من عاطفة الأبوَّة ما شاء الله أن يفيض.
روى الإمام الترمذي عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ:
((طَرَقْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي بَعْضِ الْحَاجَةِ, فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى شَيْءٍ, لَا أَدْرِي مَا هُوَ, فَلَمَّا فَرَغْتُ مِنْ حَاجَتِي, قُلْتُ: مَا هَذَا الَّذِي أَنْتَ مُشْتَمِلٌ عَلَيْهِ؟ قَالَ: فَكَشَفَهُ, فَإِذَا حَسَنٌ وَحُسَيْنٌ عَلَى وَرِكَيْهِ, فَقَالَ: هَذَانِ ابْنَايَ وَابْنَا ابْنَتِيَ, اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا, وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُمَا))
يحملهما على وركيه، على خصريه .
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ يَقُولُ:
((سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ أَهْلِ بَيْتِكَ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ, وَكَانَ يَقُولُ لِفَاطِمَةَ: ادْعِي لِيَ ابْنَيَّ فَيَشُمُّهُمَا, وَيَضُمُّهُمَا إِلَيْهِ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
وعَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ, فَدَعَا فَاطِمَةَ وَحَسَنًا وَحُسَيْنًا فَجَلَّلَهُمْ بِكِسَاءٍ, وَعَلِيٌّ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَجَلَّلَهُ بِكِسَاءٍ, ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ بَيْتِي, فَأَذْهِبْ عَنْهُمْ الرِّجْسَ, وَطَهِّرْهُمْ تَطْهِيرًا, قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: وَأَنَا مَعَهُمْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ: أَنْتِ عَلَى مَكَانِكِ, وَأَنْتِ عَلَى خَيْرٍ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
أي وأنتِ معهم، هنا في نقطة دقيقة، أي أن أهل البيت جزءٌ من الدعوة، كيف؟ لو أن إنسانًا يدعو إلى الله, وأهل بيته, ليسوا كذلك، تنشأ مشكلة كبيرة، هذه المشكلة أنه إذا كانت هذه الدعوة صحيحة، لمَ لا تطبَّق على أهل بيتك؟ هذا سؤال، فإن كانت ليست واقعية, فلا معنى لهذه الدعوة، وإن كنت لا تستطيع أن تطبقها على أهل بيتك، عظ نفسك قبل أن تعظ الناس، هذه كل القصة، لذلك يعد أهل البيت جزءًا من الدعوة، فإن استقاموا استقامت الدعوة، هذا معنى قوله تعالى :
﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 33]
لا تستقيم الدعوة إلا بالانسجام، لا تستقيم الدعوة إلا أن يكون من حول هذا الذي يدعو على شاكلة من يدعو .
سيدنا علي كان يسعد أيَّما سعادة, حينما يرى رسول الله صلى الله عليه وسلَّم متعلِّقاً تعلُّقاً شديداً بالحسن والحسين، سرَّه أن تتصل حياة النبي الكريم بحياته هذا الاتصال الوثيق، وتتابعت الثمرات المباركات، وتلد الزهراء طفلتها الأولى في العام الخامس من الهجرة، فسمَّاها جدها صلى الله عليه وسلَّم زينب، إحياءً لذكرى خالتها الراحلة زينب, وبعد عامين من ولادة زينت، وضعت فاطمة رضي الله عنها الطفلة الثانية، التي اختار لها جدها اسم أم كلثوم، تطييباً لخاطر الخالة التي لم يقدِّر الله تعالى لها أن تنجب من زوجها عثمان, أم كلثوم لم تنجب من عثمان, فسمى ابنة فاطمة الثانية أم كلثوم, فصار الحسن, والحسين، وزينب, وأم كلثوم .
لقد ملأت هذه الذرية الطاهرة قلب الجد الكريم بحنان الأبوة, الذي افتقده بوفاة أبنائه؛ إبراهيم, والقاسم, وعبد الله .
فلحكمةٍ أرادها الله, لم يشأ الله أن يكون للنبي ذريَّة من الذكور، فمات ابنه إبراهيم، وابنه القاسم، وابنه عبد الله، وحفظ الله تعالى لنبيِّه صلى الله عليه وسلَّم هذا القدر من السعادة الأبويَّة المتمثِّلة بحبه العميق لأولاد فاطمة، وعلى الأخص منهم؛ الحسن والحسين .
مشهد نستنبط منه العبر :
إليكم هذا المشهد: يروي الإمام النسائي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ أَبِيهِ, قَالَ:
((خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إِحْدَى صَلَاتَيْ الْعِشَاءِ, وَهُوَ حَامِلٌ حَسَنًا أَوْ حُسَيْنًا, فَتَقَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعَهُ, ثُمَّ كَبَّرَ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى, فَسَجَدَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِهِ سَجْدَةً أَطَالَهَا, قَالَ أَبِي: فَرَفَعْتُ رَأْسِي, وَإِذَا الصَّبِيُّ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, وَهُوَ سَاجِدٌ, فَرَجَعْتُ إِلَى سُجُودِي, فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ, قَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّكَ سَجَدْتَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ صَلَاتِكَ سَجْدَةً أَطَلْتَهَا, حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ, أَوْ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْكَ, قَالَ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ, وَلَكِنَّ ابْنِي ارْتَحَلَنِي, فَكَرِهْتُ أَنْ أُعَجِّلَهُ, حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ))
[أخرجه النسائي في سننه]
كنت في مسجد قبل يومين، فصلى طفل في الصف الأول، جاء إنسان بقسوةٍ ما بعدها قسوة, دفعه إلى صفٍ آخر، تألَّمت أشد الألم من هذا الموقف، النبي عليه الصلاة والسلام يحمل الحسن والحسين، ويدخل المسجد، ويضعهما أمامه, ويؤمُّ الناس .
هكذا كانت رقَّة النبي عليه الصلاة والسلام، وهكذا كان حب النبي، وهكذا كان رفق النبي بالصغار .
أيها الأخوة, نحن الآن في أمس الحاجة إلى أن نربي الصغار، لأنهم المستقبل، إذا كان حاضر أمتنا لا يرضينا، فلا بأس من أن نسعى للمستقبل، بتربية أولادنا تربيةً إسلاميةً صحيحة، والطفل كما ورد أن:

((لاعب ولدك سبعاً, وأدِّبه سبعاً, وراقبه سبعاً, ثم اترك حبله على غاربه))
من الواحد إلى السبعة ملاعبة، من السبعة إلى أربعة عشر تأديب، من أربعة عشر إلى الواحد والعشرين مراقبة، في الواحد والعشرين صار زميلك، صديقك، وانتهى الأمر .
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ, وَإِنَّ وَلَدَ الرَّجُلِ مِنْ كَسْبِهِ))
[أخرجه النسائي في سننه]
أي أن أعظم عمل على الإطلاق؛ أن تربي ابنك تربيةً صحيحة، ليكون خليفتك من بعدك، وحينما تربي ابنك تربيةً صحيحة, أنت لا تموت حينئذٍ، فكل أعمال ابنك في صحيفتك, قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾
[سورة الطور الآية: 21]
لي قريب فجأةً, شعر بدنو أجله، جمَّع ثروةً طائلةً، ثروة كبيرة جداً في السبعينات، فقيمتها الآن عشرة أضعاف، أو عشرون ضعفًا، أو ثلاثون ضعفًا، وترك ولدين بعيدين عن الدين كلياً، قال كلمة: تركنا أثمن شيء، وهم الأولاد، لم نعتن بهم، وجمعنا شيئاً لا قيمة له، وهو المال .

السعيد 09-04-2018 01:27 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات - بنات النبى الكريم

الدرس : ( الحادى و العشرون )


الموضوع : فاطمة الزهراء - 3






الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
لماذا لقبت فاطمة بأم أبيها, وما هو الشعور التي كانت تبادله لأبيها, وهل كان النبي يبادلها نفس الشعور:
أيها الأخوة الكرام, لا زلنا مع سيَر الصحابيات الجليلات رضوان الله عليهن أجمعين، ومع سيرة السيدة فاطمة الزهراء رضي الله عنها وأرضاها، ومع الدرس التاسع والعشرين .
أيها الأخوة الكرام, قضت فاطمة حياتها كلَّها، وهي تحت أنظار أبيها، كانت قريبةً من أبيها أشد القُرب، لم تغب عن لمحاته إلا ساعات خروجه من الدار، وقد كانت شديدة التعلق به والاهتمام, حتى كنيت: بأم أبيها، من شدة تعلق السيدة فاطمة بسيدنا رسول الله كنِّيت أم أبيها، أي كأنها أمٌ له من شدة محبتها، وتعلُّقها، وحرصها، وخدمتها, كان صلى الله عليه وسلم شديد التعلُّق بها أيضاً .
الآباء يعرفون هذه الحقيقة: البنات أقرب إلى آبائهم من البنين، لأن المرأة عاطفتها جيَّاشة ، وفاؤها شديد، وأقرب للفطرة, حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام لما زوجها علياً, أسكنها بيتاً ملاصقاً لحجراته الملاصقة لمسجده, وكان عليه الصلاة والسلام إذا عاد من غزواته, أو من سفره, ابتدأ ببيت ابنته فاطمة، ثم يطوف بعدها على بيوت نسائه .
روى ابن عبد البر عن أبي ثعلبة, قال:
((كان عليه الصلاة والسلام, إذا قدم من غزوٍ, أو سفرٍ, بدأ بالمسجد, فصلى فيه ركعتين, ثم يأتي فاطمة, ثم يأتي أزواجه))
وهذه السنة، تكريم البنت من السنة، فالحقيقة تكريم البنت يقوي مركزها عند زوجها، البنت الشرف معوان يحجزها عن مخالفة الشرع .
لذلك قالوا: إنه لم يكن أحدٌ أشد حزناً على فراق رسول الله من فاطمة على الإطلاق سوى أبي بكرٍ رضي الله عنه . كيف خبر النبي فاطمة بدنو أجله حتى لا تفجع على هذه المصيبة ؟
وقد أدرك عليه الصلاة والسلام أنه على وشك مغادرة الدنيا، لذلك راح يمهد للسيدة فاطمة بإخبارها, بأن أجله قد اقترب، لئلا تتفاجأ بالمصاب الذي لا تحتمله، أراد أن يبلغها .
وبالمناسبة: لكرامة المؤمن عند الله, يشعره بدنو أجله، النبي عليه الصلاة والسلام لما نزل قوله تعالى:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾
[سورة النصر الآية: 1-3]
هذه السورة فيها نعي النبي عليه الصلاة والسلام، كيف لا؟ وقد قال الله عز وجل: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 30]
أي أنك لا بد أن تموت، هذه سنة الله في كل خلقه، والآية الثانية:
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 144]
فمن شدة محبة الصحابة الكرام للنبي عليه الصلاة والسلام، ومن شدة تعلُّق السيدة فاطمة بأبيها، هذه الآيات تقرؤها، ولكن لم يخطر على بالها, أنه سيموت، لذلك خشي النبي عليه الصلاة والسلام وقع المصاب الأليم على نفسها، فأخذ ييسر لها ببعض الشيء عن رحيله من هذه الدنيا إلى عالم الآخرة، وأن ذلك قدر الله عز وجل, قال تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾
[سورة فاطر الآية: 43]
الحقيقة: حينما ألمت وعكةٌ شديدةٌ برسول الله صلى الله عليه وسلم في ليالٍ بقينَ من صفر في السنة الحادية عشرة للهجرة، ظن آل بيته والمسلمون, أنها وعكةٌ طارئة، لا تلبث أن تزول، دون أن يفكر أحدٌ أنه مرض الموت، وبقي النبي عليه الصلاة والسلام أسير مرضه لا يغادر فراشه، وكان المسلمون يعودونه في مرضه، وقلوبهم متعلقةٌ به، تأمُل له من الله تعالى الشفاء العاجل، وكان جميع أهله لا يتركونه، وهم في أشد لهجةٍ بالدعاء إلى الله عز وجل، أن يشفي رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما فاطمة، وعلي، والحسن، والحسين، وأخواتهما زينب، وأم كلثوم، وكل زوجاته الكريمات, أخذن يسألن الله عز وجل أن يعافي نبيه صلى الله عليه وسلم.
عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((كُنَّ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهُ لَمْ يُغَادِرْ مِنْهُنَّ وَاحِدَةً, فَأَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ, تَمْشِي مَا تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِنْ مِشْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا, -أشبه إنسان برسول الله فاطمة، ما تخطئ مشيتها مشية رسول الله، قد يسأل أحدكم: ما تخطئ مِشيتها مِشية, لمَ مِشية بالكسر؟ نحن عندنا مصدر الهيئة, والمصدر مرة، مصدر الهيئة مكسور الميم، مصدر المرة مفتوح- فَلَمَّا رَآهَا, رَحَّبَ بِهَا, فَقَالَ: مَرْحَبًا بِابْنَتِي, ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ, ثُمَّ سَارَّهَا, همس في أذنها, فَبَكَتْ بُكَاءً شَدِيدًا, فَلَمَّا رَأَى جَزَعَهَا, سَارَّهَا الثَّانِيَةَ فَضَحِكَتْ, فَقُلْتُ لَهَا: خَصَّكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْنِ نِسَائِهِ بِالسِّرَارِ, ثُمَّ أَنْتِ تَبْكِينَ, فَلَمَّا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلْتُهَا: مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: مَا كُنْتُ أُفْشِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِرَّهُ, قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قُلْتُ: عَزَمْتُ عَلَيْكِ بِمَا لِي عَلَيْكِ مِنْ الْحَقِّ لَمَا حَدَّثْتِنِي مَا قَالَ لَكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَقَالَتْ: أَمَّا الْآنَ فَنَعَمْ, أَمَّا حِينَ سَارَّنِي فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى, فَأَخْبَرَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ - أي يتلو أمامه القرآن مرة - وَإِنَّهُ عَارَضَهُ الْآنَ مَرَّتَيْنِ, وَإِنِّي لَا أُرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدْ اقْتَرَبَ - استنبط النبي عليه الصلاة والسلام أن جبريل لما عارض, أي تلا القرآن على النبي مرتين, أنها السنة الأخيرة في حياته- فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي, فَإِنَّهُ نِعْمَ السَّلَفُ أَنَا لَكِ, قَالَتْ: فَبَكَيْتُ بُكَائِي الَّذِي رَأَيْتِ, فَلَمَّا رَأَى جَزَعِي, سَارَّنِي الثَّانِيَةَ, فَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ, أَمَا تَرْضَيْ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ, أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ, قَالَتْ: فَضَحِكْتُ ضَحِكِي الَّذِي رَأَيْتِ))
[أخرجهما البخاري ومسلم واللفظ له في صحيحهما]
هكذا عالج النبي عليه الصلاة والسلام وقع المصيبة على ابنته فاطمة قبل حصولها، رأفة منه عليها ورحمة .
كتعليق: أي إنسان تخبره أنك سوف تموت بعدي سريعاً يضحك؟! مستحيل، لماذا ضحكت؟ لثقتها بما عند الله من إكرامٍ لها، الإنسان حينما ينقل اهتماماته إلى الدار الآخرة تسعده الدنيا، حينما ينقل اهتماماته إلى الدار الآخرة، حينما يقدم الأعمال الصالحة تلو الأعمال, أسعد شيءٍ له أن يلقى الله عز وجل، لذلك المقياس دقيق، ربنا عز وجل خاطب اليهود:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾
[سورة الجمعة الآية: 6-7]
المؤمن حينما يكون عمله صالحاً, يتمنى لقاء الله، وحينما يكره لقاء الله, يكون عمله سيئاً, قال تعالى: ﴿وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾
[سورة الجمعة الآية: 7]
صار مقياس، الإنسان المستقيم الذي له أعمال صالحة، دخله حلال، إنفاقه حلال، بيته إسلامي, لا توجد عنده مشكلة، لذلك يدعو الله عز وجل أن يكون من أهل الجنة .
في أي بيت تمرض النبي من بيوت زوجاته في اللحظة الأخيرة من عمره, وهل كانت تزوره فاطمة, وماذا تصنع؟
ولقد بقيت فاطمة, ترقب أباها على تخوِّفٍ، حتى إذا رأته بعد أيامٍ قد تحامل على نفسه, يدور على نسائه أمهات المؤمنين كسابق عهده، راودها الأمل بشفائه .
بالمناسبة: كل داء له دواء, وهذا الحديث يعطي الإنسان أمل كبير: ((لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ))
[أخرجه مسلم عن جَابِر في الصحيح]
المريض يتفاءل، والطبيب يشعر أنه مقصر إن لم يبحث عن الدواء، فحافز للطبيب أن أي مرض له دواء، وطمأنينة للمريض لا تقلق, إلا مرض الموت، مرض الموت ليس له حل، فإذا كان الله عز وجل كتب للإنسان أنه سيموت، وطبعاً سيكون هذا الموت, بسبب مرض من الأمراض، هذا المرض يتم إلى أن ينتهي بالموت، فالإنسان يحضِّر حاله؛ في أمراض تميل نحو الشفاء، في أمراض تميل نحو التفاقم, إذاً: هو مرض الموت .
راودها الأمل بشفائه، ولكنه لم يصل إلى بيت ميمونة أم المؤمنين, حتى اشتد عليه وجعه ، فأقام عندها وقتاً، ثم دعا زوجاته, يطلب إليهن ويستأذنهن في أن يمرض في بيت أم المؤمنين عائشة، فيبادرن إلى امتثال أمره, وكانت كل واحدةٍ تأمل أن يكون مرضه في بيتها، تشريفاً لها .
وكانت فاطمة كثيراً ما تتردد على بيت عائشة، تقوم إلى جانب أبيها الذي أثقله المرض، تخدمه، وتسهر عليه مع عائشة، تشكو بثها وحزنها إلى الله تعالى، وتتجمل بالصبر على قضاء الله تعالى وقدره، ولسانها يلهج إلى الله سبحانه بالدعاء, أن يخفف عن رسوله آلام وجعه .
هل فهم أبو بكر مقولة رسول الله: ( إن عبداً من عباد الله....), وبماذا أمر النبي الناس, وهل استغفر لأهل البقيع ؟
وفي فترات سكون الألم, كان عليه الصلاة والسلام, يخرج إلى المسجد, فيصلي بالناس، وفي يوم الجمعة, خرج عاصباً رأسه, حتى جلس على المنبر، ثم كان أول ما تكلم به, أنه صلى على أصحاب أحد, أي دعا لهم, واستغفر لهم، وأكثر من الصلاة عليهم, ثم قال: ((إِنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِ اللَّهِ, قَدْ خُيِّرَ بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَ اللَّهِ, فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ .
فهم الصديق أنه يعني نفسه, فبكى, وقال: يا رسول الله, بل نفديك بأرواحنا, وأولادنا وأنفسنا, فقال عليه الصلاة والسلام: عَلَى رِسْلِكَ يَا أَبَا بَكْرٍ))
[أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما]
بالمناسبة: أيها الأخوة, في للنبي قول: ((وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلا مِنْ أُمَّتِي لاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ))
[أخرجه البخاري عن أبي سعيد الخدري في الصحيح]
قال: ((ما ساءني قط فاعرفوا له ذلك))
لذلك من هو الحبيب؟ هو الله، إذا أحبك الله, ألقى حبك في قلوب الخلق، إذا أحبك الله خدمك أعداؤك، وإذا لم يحبك الله, تخلى عنك أحبابك، فأيُّما إنسان أكرمه الناس، واحترموه، وأحبوه, فهذه محبة الله، وإذا أهانوه، وقسوا عليه, فهذا تأديب الله عز وجل، الأصل هو الله، إذا أحبك الله, أحبك الخلق، وإذا أبغضك الله, أبغضك الخلق، ألقى بغضك في قلوب الخلق، والطريق إلى الله سالك، والقُرب منه سهل، ولا شيء تتقرب به إلى الله كطاعته، وطاعته معروفة؛ طاعته غير تعجيزية، هناك أشخاص يضعون لك شروطًا تعجيزية، طاعته سهلة, قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا﴾
[سورة البقرة الآية: 286]
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾
[سورة الحجرات الآية: 13]
((يا سعد, لا يغرنك أنك خال رسول الله, فالخلق كلهم عند الله سواسية، ليس بينه وبينهم قرابة, إلا طاعتهم له))
الطرائق إلى الخالق بعدد أنفاس الخلائق, يكفي أن تستقيم على أمره يحبك، فإذا أحبك أحبك الخلق .
ثم قال عليه الصلاة والسلام: ((سُدُّوا هَذِهِ الأَبْوَابَ, الشَّوَارِعَ إِلَى الْمَسْجِدِ, إِلا بَابَ أَبِي بَكْرٍ, فَإِنِّي لا أَعْلَمُ امْرَأً أَفْضَلَ عِنْدِي يَدًا فِي الصُّحْبَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ))
.
أترى لهذا التقدير؟ أحياناً الإنسان تخدمه، وتخدمه، وتجده ساكتًا، تكلم بكلمة، شجع الذي يخدمك، بين مكانته، اشكره، قدِّرْ معروفَه، ((وكانت تعظم عنده النعمة مهما دقت))
رأى أحدهم قشة على ثوب النبي صلى الله عليه وسلم فأخذها، رفع النبي يديه, قال له: ((أكرمك الله))
وهي قشة، هناك شخص يتلقى خدمات، خدمات، عناية, ثم أمره كما قال ذاك الشاعر: أعلمه الرماية كل يـومٍ فلما اشتد ساعده رماني
و كم علمته نظم القوافي فلما قال قافيةً هـجاني
الفرق كبير جداً بين إنسان يقدِّر المعروف، يقدِّر الإحسان، يقدِّر الإكرام، وبين إنسان لا يقدِّر: ((لا أَعْلَمُ امْرَأً أَفْضَلَ عِنْدِي يَدًا فِي الصُّحْبَةِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ))
((ما ساءني قط))
((ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة إلا أخي أبا بكر))
كما خرج صلى الله عليه وسلم إلى بقيع الغرقد قبل اشتداد وجعه, يدعو لهم, ويستغفر لهم.
فقد روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ, فَقَالَ: يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ, إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ, فَانْطَلِقْ مَعِي, فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ, فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ, قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِر,ِ لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ, لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمْ اللَّهُ مِنْهُ, أَقْبَلَتْ الْفِتَنُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ, يَتْبَعُ أَوَّلُهَا آخِرَهَا, الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنْ الْأُولَى, قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ, فَقَالَ: يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ, إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا, وَالْخُلْدَ فِيهَا, ثُمَّ الْجَنَّةَ, وَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَنَّةِ, قَالَ, قُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي, فَخُذْ مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا, وَالْخُلْدَ فِيهَا, ثُمَّ الْجَنَّةَ, قَالَ: لَا وَاللَّهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ, لَقَدْ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَالْجَنَّةَ, ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ, ثُمَّ انْصَرَفَ, فَبُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَجَعِهِ الَّذِي قَضَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ حِينَ أَصْبَحَ))
[أخرجه أحمد في مسنده]
وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ بْنِ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيِّ, أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ:
((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنَازَةٍ, فَقَالَ: مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ, قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, مَا الْمُسْتَرِيحُ وَالْمُسْتَرَاحُ مِنْهُ؟ قَالَ: الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ يَسْتَرِيحُ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ, وَالْعَبْدُ الْفَاجِرُ يَسْتَرِيحُ مِنْهُ الْعِبَادُ, وَالْبِلَادُ, وَالشَّجَرُ, وَالدَّوَابُّ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
ما هو المقصود من هذا الحديث ؟
وروى ابن إسحاق عن عبد الله بن زمعة قال:
((لما اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم الوجع, وأنا عنده في نفرٍ من المسلمين, قال: دعا بلالٌ إلى الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: مروا من يصلي بالناس, قال: فخرجت, فإذا عمر في الناس, وكان أبو بكر غائباً, فقلت: قم يا عمر فصلي بالناس، قال: فقام, فلما كبر, سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته، وكان عمر رجلاً جهوري الصوت، قال: فقال النبي عليه الصلاة والسلام: فأين أبو بكر؟ يأبى الله ذلك والمسلمون، فبعث إلى أبي بكرٍ, فجاء بعد أن صلى عمر تلك الصلاة, فصلى بالناس, قال عبد الله: قال لعمر: ويحك, ماذا صنعت بي يا بن زمعة؟ والله ما ظننت حين أمرتني إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرك بذلك، ولولا ذلك ما صليت بالناس, قلت: والله ما أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، ولكني حين لم أر أبا بكرٍ, رأيتك أحق من حضر بالصلاة بالناس))
الإشارة قوية جداً إلى أن الخليفة الذي يكون من بعده هو سيدنا الصديق .
فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: ((لَمَّا كَانَ وَجَعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ, قَالَ: ادْعُوا لِي أَبَا بَكْرٍ وَابْنَهُ فَلْيَكْتُبْ, لِكَيْلَا يَطْمَعَ فِي أَمْرِ أَبِي بَكْرٍ طَامِعٌ, وَلَا يَتَمَنَّى مُتَمَنٍّ, ثُمَّ قَالَ: يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ مَرَّتَيْنِ, وقَالَ مُؤَمَّلٌ: مَرَّةً وَالْمُؤْمِنُونَ, قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَبَى اللَّهُ وَالْمُسْلِمُونَ, وقَالَ مُؤَمَّلٌ: مَرَّةً وَالْمُؤْمِنُونَ, إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَبِي, فَكَانَ أَبِي))
[أخرجه أحمد في مسنده]
هل أعجب النبي هيئة المسلمين في صلاتهم في لحظته الأخيرة من الحياة, وماذا قال, وماذا أجاب عن كلمة قالتها ابنته حينما ما رأت عليه ما أرت ؟
وروي عن أنس بن مالك:
((أنه لما كان يوم الاثنين الذي قبض الله تعالى فيه رسوله صلى الله عليه وسلم، خرج إلى الناس, وهم يصلون الصبح، فرفع الستر، وفتح الباب، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقام على باب عائشة، فكاد المسلمون يفتنون في صلاتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم, حينما رأوه فرحاً به، وترفجوا, -أي تفرقوا- فأشار إليهم أن اثبتوا على صلاتكم, قال: فتبسم النبي صلى الله عليه وسلم سروراً, لما رأى من هيأتهم في صلاتهم، وما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن هيئةً منه تلك الساعة .
-وفي رواية أخرى قال:
((حكماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء))
هذا هو العمل، أن تربي أشخاصاً، أن تربي قادةً، أن تربي مؤمنين، أن تربي محسنين، أن تربي أناساً يحبون الله، يقيمون أمر الله في حياتهم .
وفي رواية: ((حتى بدت نواجذه))
من شدة فرحه .
فهذه ثمرة العمل، تصور إنسانًا زرع شجرة، فلما أينعت وأثمرت, يشعر بسعادة كبيرة جداً؛ فالدعوة إذا أثمرت أُناساً مؤمنين، صادقين، ورعين، مستقيمين, دعاة إلى الله عز وجل، فهذا إنجاز كبير جداً- .
قال: ثم رجع، وانصرف الناس، وهم يرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أفرق, -أي برئ من وجعه, فرحوا الناس، فهذه صحوة الموت، قبل الموت في صحوة، المؤمنون ينتعشون قبل الموت, ليشهدوا أنه لا إله إلا الله، وليكون لقاؤهم بالله عز وجل عن وعي- وقد خاطبهم النبي عليه الصلاة والسلام فقال: أيها الناس سعرت النار، وأقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، وإني والله ما تمسكون علي بشيء، إني لم أحل إلا ما حل القرآن، ولم أحرم إلا ما حرم القرآن)) أي لا يوجد علي مأخذ، ما أحللت إلا ما أحل الله، وما حرمت إلا ما حرم الله، لكن المعنى المخالف، الذي يحل ما حرم الله له عذابٌ أليم، أو الذي يحرِّم ما أحل الله .
قالت عائشة: ((رجع إليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم في ذلك اليوم، حين دخل من المسجد، فاضطجع في حجري، ووجدت رسول الله صلى الله عليه وسلَّم يثقل في حجري, فذهبت أنظر في وجهه، فإذا بصره قد شَخَص، وهو يقول: اللهم الرفيق الأعلى من الجنة، فقلت: خُيِّرت واخترت, والذي بعثك بالحق .
-فالآن هناك خيارات في الأرض, لا يعلمها إلا الله؛ إنسان يختار النساء، إنسان يختار الأموال، إنسان يختار السفر، إنسان يختار القوة، إنسان يختار المُتَع الرخيصة، إنسان يختار الشهادات العليا، إنسان يختار المكانة الاجتماعية، إنسان له هوايات؛ هذا بالحدائق، هذا بالكُتُب، هذا بالطوابع، هذا باللعب، هذا بالكرة, من هو البطل؟ هو الذي اختار الله:
من أحبنا أحببنــاه ومن طلب منا أعطيناه
و من اكتفى بنا عما لنا وما لنا كنا لـــه
فالبطولة أن تحسن الاختيار- .
قالت: وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما ثقُل النبي صلى الله عليه وسلم، كانت فاطمة رضي الله عنها حاضرةً عنده, ترى ما نزل به من أمر الله تعالى الذي لا مردَّ له، فتأخذها العبرات حزناً ولوعةً على أبيها، وهي تراه يدخل يديه في الماء, فيمسح بهما وجهه, ويقول: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ, إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ)) [أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح]
إذا قال هذا النبي, فنحن ماذا يجب أن نقول؟ .
قال أنس: ((لما ثقُل النبي صلى الله عليه وسلم, جعل يتغشَّاه، فقالت فاطمة: واكرب أباه، فقال عليه الصلاة والسلام: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ))
[أخرجه البخاري عن أنس في الصحيح]
إليكم هذا القول الذي نعيت فاطمة أباها به, وكلمة الحق الذي صدع بها الصديق حينما سمع بنبأ وفاة النبي, وماذا قال عمر حينما سمع هذه الكلمة؟
فلما مات قالت: ((يا أبتاه, أجبت رباً دعاك، يا أبتاه, في جنة الفردوس مأواك، يا أبتاه, إلى جبريل ننعاك))
فلما دفن عليه الصلاة والسلام, قالت فاطمة فرقاً على أبيها، فعَنْ أَنَسٍ قَالَ: ((لَمَّا ثَقُلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَ يَتَغَشَّاهُ, فَقَالَتْ فَاطِمَةُ: وَاكَرْبَ أَبَاهُ, فَقَالَ لَهَا: لَيْسَ عَلَى أَبِيكِ كَرْبٌ بَعْدَ الْيَوْمِ, فَلَمَّا مَاتَ, قَالَتْ: يَا أَبَتَاهُ, أَجَابَ رَبًّا دَعَاهُ, يَا أَبَتَاهْ, مَنْ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهْ, يَا أَبَتَاهْ, إِلَى جِبْرِيلَ نَنْعَاهْ, فَلَمَّا دُفِنَ, قَالَتْ فَاطِمَةُ: يَا أَنَسُ, أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التُّرَابَ؟))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
ممكن أن يوضع هذا الإنسان تحت الثرى, وأن يهال عليه التراب, هذه سنة الله في خلقه ، الموت نهاية كل حي:
والليل مهما طال فلا بد من طلوع الفجر
والعمر مهما طال فلا بد من نـزول القبر
ويقع الخطب العظيم، ويعم المصاب جميع المسلمين، ويموج الناس حيارى, حتى وقف أبو بكر, أنا لا أعتقد أن على وجه الأرض إنسان يحب إنساناً كحب الصديق لرسول الله، لكن أعظم ما في هذا الموقف, أن هذا الحب ما حمله على الشرك، وقف رضي الله عنه, وقال قولته الشهيرة: ((أَلَا مَنْ كَانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ, وَمَنْ كَانَ يَعْبُدُ اللَّهَ, فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ, وَقَالَ:
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾
وَقَالَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾
-ما من كلمةٍ أبلغ من هذه الكلمة، نحن دينُنا دين التوحيد: أشهد أن محمداً عبده ورسوله .
أحياناً مريد بسيط, يحب شيخه فيؤلِّهه، يحب شيخه, يعبده من دون الله، سيدنا الصديق كان مع رسول الله، مع أكبر إنسان، ومع ذلك هذا الحب الشديد, وهذا الهيام، ما دفعه إلى الشرك أبداً.
إن مات أو قتل: إن تفيد احتمال الوقوع، ونحن عندنا قاعدة، حينما قال الله عز وجل:﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾
[سورة المائدة الآية: 67]
قال علماء التفسير: يعصمك من أن تُقتل، لأن قتل النبي إنهاءٌ لدعوته، وإنهاء دعوته تحدٍ لله عز وجل، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام معصومٌ من أن يقتل، والنبي صرف حُرَّاسه لما نزل قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾
[سورة المائدة الآية: 67]
صرف حراسه، فكيف نوفق بين هذه الحقيقة وبين هذه الآية؟:﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 144]
الحقيقة: بعد أن بلَّغ الدعوة؛ يمكن أن يموت، ويمكن أن يقتل، القتل هنا لا يأتي إلا بعد تبليغ الدعوة, قال تعالى:﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِيناً﴾
[سورة المائدة الآية: 3]
قال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية، -من شدة حب أصحاب النبي لرسول الله، هذه الآية كأنهم ما سمعوا بها إطلاقاً :﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية: 144]
قال عمر: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكرٍ تلاها، فالأرض عندئذٍ ما تقلني رجلاي، حتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها)) هو ما كان يصدق ذلك، فلما تلا هذه الآية, عرف أنه قد توفي، ديننا كله حب، من دون حب لا يوجد دين، قال: ((يا رسول الله, إني أحبك أكثر من كل شيء, إلا من أهلي وأولادي ومالي, قال: لما يكمل إيمانك يا عمر, إلى أن قال: والله يا رسول الله, أصبحت أحبك أكثر من نفسي، وأهلي, ومالي، قال له: الآن يا عمر))
فلا بد أن تحب الله، وأن تحب رسوله، وأن تحب المؤمنين، وأحد شروط الإيمان؛ أن تحب المؤمنين، إن لم تحب المؤمنين فمن تحب؟ تحب الكفرة، الفسقة، الفجار, هذا الذي يميل للكفار، والعصاة، والفجَّار، ويعادي المؤمنين، حالته خطيرة جداً، يضع نفسه مع أهل الفجور . وفاتها :
قبل وفاة النبي عليه الصلاة والسلام, أنبأ النبي السيدة فاطمة, أنها أول أهله لحوقاً به، فتوفيت فاطمة الزهراء رضي الله عنها بعد النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهرٍ أو نحوها، وكان قد أذهلها المصاب الفادح، وغشيها من الأحزان على فراق أبيها صلى الله عليه وسلم ما غشيها، حتى أتاها أجلها، وقضت نحبها .
قال عبد الله بن الحارث:
((مكثت فاطمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم ستة أشهرٍ, وهي تذوب من شدة الألم على أبيها))
وقال الحافظ الذهبي: ولما توفي أبوها صلى الله عليه وسلم تعلَّقت أمالها بميراثه، وجاءت تطلب ذلك من أبي بكر رضي الله عنه، فحدثها أنه سمع من النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ))
وقال أبو بكر لها: ((يا حبيبة رسول الله, والله إن قرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي، وإنكِ لأحب إلي من عائشة، ولوددت يوم مات أبوكِ أني مت، ولا أبقى بعده، أفتُراني أعرفكِ، وأعرف فضلكِ, وشرفكِ, وأمنعكِ حقكِ وميراثكِ من رسول الله؟! إلا أني سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: لا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ))
وما أن انقضت الأيام قريباً من أيام الوداع الخالدة، حتى أخذت في التفكر بالاستعداد ليوم الرحيل، فقد بشَّرها أبوها صلى الله عليه وسلم بأنها أول أهله لحوقاً به، فكانت كثيراً ما تتحدث عن الموت، حتى قرب أجلها .
تقول أم رافع: مرضت فاطمة الزهراء، فلما كان اليوم الذي توفيت فيه, قالت لي: يا أم اسكبي لي غسلاً، فاغتسلتْ كأحسن ما كانت تغتسل، ثم لبست ثياباً لها جدد, ثم قالت: اجعلي فراشي وسط البيت، فاضطجعت عليه, واستقبلت القبلة، وقالت: يا أم, إني مقبوضةٌ الساعة، وقد اغتسلت, فلا يكشفن لي أحدٌ كفناً، فماتت رضي الله عنها, فجاء علي بن أبي طالب، فأخبرته فاحتملها، ودفنها بغسلها هي, صلى عليها هو والعباس رضي الله عنهم جميعاً، وتوفيت رضي الله عنها ليلة الثلاثاء لثلاثٍ خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشر من الهجرة . خاتمة القول :
أيها الأخوة, كلما كان عملك طيباً, كان الموت مريحاً، وكان الموت محبباً، وكان الموت عرساً، وكان الموت تحفةً، فكل بطولتك أن تستقيم على أمر الله، وأن تعمل صالحاً حتى يكون الموت محبباً إليك، لأن الموت عند الناس أكبر مصيبة، في حالات كثيرة جداً خوف الناس من الموت لا يوصف، السبب كما قال الله عز وجل مرة ثانية:
﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾
[سورة الجمعة الآية: 6-7]
فتمني الموت أو عدم تمني, الموت مقياس دقيق لعملك، لا يوجد عندك مشكلة، لا يوجد دخل حرام، ولا مخالفة، ولا معصية ببيتك، ولا معصية في عملك، والوجهة إلى الله سليمة، وفي قلبك حب، مرحباً بالموت، خَطُّك البياني صاعد صعوداً مستمراً، والموت نقطةً على هذا الخط .



السعيد 09-04-2018 01:35 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات - اهل بيت النبى الكريم

الدرس : ( الثانى و العشرون )


الموضوع : ام كلثوم بنت على بن ابي طالب - 1





قصة زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب.

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
لمحة مختصرة عن سيرة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثلاثين من دروس سير الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عنهن أجمعين، ومع أهل بيت النبي، ومع أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، زوجة الفاروق عمر بن الخطاب .
هي أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، أمها فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، شقيقة الحسن والحسين، ولدت في حدود سنة ستٍ من الهجرة، رأت النبي صلى الله عليه وسلم جدها، ولم ترو عنه شيئاً، تزوَّجها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذلك سنة سبع عشرة، وكان سبب زواج عمر منها قول النبي صلى الله عليه وسلم:

((كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي))
أي سبب زواج هذا الخليفة الراشد هذا الحديث، مع أن فارق السن بينهما كبير، ألح هذا الخليفة الراشد أن يتزوَّج هذه الفتاة التي هي من نسل رسول الله صلى الله عليه وسلم .

إليكم قصة زواج عمر بن الخطاب من أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب بالتفصيل :
قصة هذا الزواج هي كما يلي: إن عمر بن الخطاب خطب إلى عليٍ ابنته أم كلثوم، فذكر له صغرها، فقيل لعمرٍ:
((إن ردَّك فعاوده, -أي بإلحاح- ثم خطبها إلى أبيها علي بن أبي طالب فقال: إنها صغيرة، فقال عمر: زوِّجْنيها يا أبا الحسن، فإني أرصد من كرامتها ما لا يرصده أحد، هي عندي مكرمةٌ أشد التكريم، فقال له علي: أنا أبعثها إليك، فإن رضيتها فقد زوَّجْتكها، فبعثها إليه ببردٍ، فقال لها: قولي له: هذا البرد الذي قلت لك، فقالت ذلك لعمر، فقال عمر: قولي له قد رضيت، رضي الله عنه))
فقصة هذا الزواج قصة اكتساب الشرف، اكتساب السبب، سبب الاتصال بالله عز وجل لأن النبي عليه الصلاة والسلام يقول:
((كل سببٍ ونسبٍ منقطعٌ يوم القيامة إلا سببي ونسبي))
.
أيها الأخوة, العلماء قالوا:

((جلس عمر إلى المهاجرين في الروضة، وكان يجلس المهاجرون الأولون في روضة مسجد رسول الله, فقال: رفؤني، -العرب كانت تقول للمتزوج: بالرفاء والبنين، العوام يقولون: بالرفاه، هي بالرفاء، والرفاء الوفاق، بالوفاق الزوجي والبنين، وأثمن ما في الزواج الوفاق والبنون- فقال: رفؤني، فقالوا: بماذا يا أمير المؤمنين؟ قال: تزوجت أم كلثوم بنت علي، لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
((كل سببٍ ونسبٍ وصهرٍ ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي وصهري))
وكان لي به عليه الصلاة والسلام النسب والسبب، فأردت أن أجمع إليه الصهر، فرفؤني ، -أي عد هذه مغنماً كبيراً، أنه اتصل نسبه، أو تزوج بنتَ بنتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو أصبح صهر رسول الله- .
قالوا: تزوجها على مهر أربعين ألفاً، فولدت له زيد بن عمر الأكبر ورقية))


.

ماذا استنبط العلماء من هذه الواقعة ؟
في هذا الخبر كما قال العلماء أحكام عدة، مِن هذه الأحكام: أن يصح زواج الكبير بالصغيرة شرعاً، وأن ذلك حصل بمشهد جمعٍ غفير من كبار المهاجرين، وعلى مسمع الأنصار أيضاً، وأنهم قد أقروه على ذلك، وهذا إجماعٌ منهم على جوازه، وأنه يندب تعدد الزوجات لزيادة الشرف, تعدد الزوجات من هؤلاء الصحابيات الكاملات المتصلات بالنسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأن يزاد في مهر الصغيرة أضعاف مهر الكبيرة، وأنه يندب إعلام الأصحاب لذلك للدعاء والتبريك، وأنه يجوز للأب أن يزوِّج ابنته الصغيرة، وأن سكوت الصغيرة كسكوت البالغة في اعتبار الرضا به، وأنه يجوز إبرام عقد الزواج بالصورة التي تم فيها بشرط إسماع الشهود على ذلك، كل هذه الأحكام مستنبطة من هذه الواقعة .
الحياة الكريمة التي نالتها أم كلثوم عند زوجها :
أيها الأخوة, حظيت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب منزلةً عاليةً مرموقة، فلو كان هناك تناقضٌ كبير كما يتوهم الآخرون بين سيدنا علي وسيدنا عمر، لما أمكن أن يتم هذا الزواج، هذا استنباطٌ مهمٌ جداً, بل إن سيدنا علياً كرم الله وجهه سمى أولاده بأسماء الصحابة الكرام؛ أبي بكر، وعمر، وعثمان .
فسيدنا علي سمى أولاده بأسماء الصحابة الكبار، وهؤلاء الصحابة الكبار تشرفوا بالزواج من بنات سيدنا علي، فبينهما من الود، والاحترام، والحب، والولاء، والبيعة مالا ينكر .
فقد حظيت أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب عند أمير المؤمنين عمر بن الخطاب منزلةً عاليةً مرموقة، فكان ينظر إليها بعين الإجلال والإكرام، فعاشت عنده حياةً طيبةً مباركة، فقد كان يسعى لإسعادها بما يحقق طموح فتوَّتها، وتفتُّح شبابها، وهو البصير بقضايا النساء، فكان رضي الله عنه يرقب نفسه وما يراه واجباً للمرأة على زوجها .

إليكم بعض هذه القضايا التي عالجها عمر بن الخطاب بشأن النساء :
ولقد أُثر عنه وهو خليفة المسلمين بحكمته البالغة دقة معالجته لقضايا الفتيات المتزوجات اللواتي يشتكين من أمورٍ تخصُّ حياتهن الزوجية، فمن ذلك أنه كان يقول لأولياء أمور النساء:
((لا تنكحوا المرأة الرجل الذميم القبيح، فإنهن يحببن لأنفسهم ما تحبون لأنفسكم))
فكما أن الشاب يتمنى فتاة تملأ عينه، كذلك الفتاة تتمنى زوجاً يملأ عينيها، لذلك لا يُبرم عقد الزواج إلا بموافقة الزوجة، فإن قالت: لا، فالعقد باطل، وكلكم يرى في عقود القران، كيف أن موظف المحكمة يذهب ويستمع بأذنه إلى إقرار الفتاة، وهذا حقٌ من حقوق المرأة؟ .
وكان بعض الصحابة يقول:

((إني لأتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين امرأتي لي))
وهذا من حقها، فكلام سيدنا عمر:
((لا تنكحوا المرأة الرجل الذميم القبيح، فإنهن يحببن لأنفسهم ما تحبون لأنفسكم))
أي يا أيها الآباء لا تتجاهلوا رأي بناتكم في هذا الخاطب الذي أنتم تريدون أن تجبروا فتياتكم عليه، فسيدنا عمر لحكمةٍ بالغة, كان يخشى على المرأة, حينما تكره زوجها كراهيةً, تجعلها لا تطيق قربه، أن تدفعها هذه الكراهية، وعدم إمكان الحصول على الطلاق إلى الشيء الذي لا يرضي الله عز وجل، والآية الكريمة والتي فيها بعض الحيرة:
﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾
[سورة النور الآية: 33]
ما مؤمنٍ على وجه الأرض يكره ابنته على الزنا، إلا أن الأب الذي يُعضل ابنته، ويضع العراقيل تلو العراقيل أمام زواجها، أو يضع شروطاً تعجيزية لزواجها، مثل هذا الأب قد يفاجأ إلى أن ابنته, مالت إلى عدم طاعته، أو إلى الانحراف, فكأنه دفعها إلى هذا من دون أن يريد, ومن دون أن يشعر .
يروى أنه رضي الله عنه, كان يطوف بالبيت، فسمع امرأةً, تنشد في الطواف:

فمنهن من تسقى بـعذبٍ مبرَّدٍ لقاح فتـلكم عند ذلك قرتي
ومنهن من تسقى بأخضر آجنٍ أجازٍ ولولا خشية الله زنت

فتفرَّس عمر ما تشكوه هذه المرأة، فبعث إلى زوجها فاستنكهه، فإذا هو أبخر الفم, أي عرف السبب, فإنسان دميم له رائحة كريهة، هذا قد يؤذي زوجته، وقد يدفعها إلى أن تفكر بغيره، فلا بد أن يأخذ الإنسان السنة النبوية، لأن الله عز وجل يقول:
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[سورة البقرة الآية: 228]
فكما أنك من حقك أن تطلب من زوجتك شيئاً، هي أيضاً من حقها أن تطلب منك شيئاً .
ومن أشهر ما يؤثر عن عمر رضي الله عنه في تفهُّمه قضايا المرأة، وبالأخص ما يتعلَّق برغباتها، التي فطر الله تعالى النساء عليها، ما روي من أنه كان يطوف ليلةً بالمدينة متفقداً رعيته ، فسمع امرأةً تقول:

فو الله لولا الله لا شيء غيره لزعزع من هذا السرير جوانبه
مخـافة ربي والحيـاء يكُفُّني وإكرام بعلي أن تنـال مراكبه

يبدو أن زوجها ابتعد عنها كثيراً، وهي في أشد الحاجة إليه، فلما كان من الغد، استدعاها عمر وسألها:
((أين زوجكِ؟ قالت: بعثت به إلى العراق, لقد سألها من غير أن يشعرها بما سمع منها، وقد أجابته هي بحياءٍ وتصبُّر، ولم تفصح عما في نفسها من شوقٍ عميق لزوجها الغائب عنها، عندئذٍ استدعى عمر نساءً مع ابنته حفصة، فسألهن عن المرأة المتزوجة: كم مقدار ما تصبر عن زوجها؟ فقلن: شهرين، ويقل صبرها في ثلاثة أشهر، وينفد صبرها في أربعة أشهر))
.
أما بلاد إسلامية طويلة عريضة لا تقبل الموظف عندها إلا بلا زوجته، سنة، أحد عشر شهراً، تحرمه من زوجته، ويحرمونها من زوجها، أكثر دول الخليج هكذا، لا تقبل الموظف مع زوجته، هذا خلاف الفطرة، خلاف حاجة الإنسان إلى زوجة، خلاف حاجة الزوجة إلى زوج، خلاف تشتيت الأسرة، فسيدنا عمر بعد ذلك, أعطى أمراً, ألا يجمَّد الجندي في البعوث أكثر من أربعة أشهر، وبعدها يعود إلى زوجته .
أحياناً الإنسان يجري موازنة ويـتألَّم، في بلاد الكفار الإنسان مسموحٌ له أن يأتي بأمه، وأبيه، وأخوته جميعاً، جمعاً للأسرة، ونحن المسلمين أحياناً نرفض أن نعيِّن موظفاً مع زوجته، وهذه مشكلة كبيرة، من أجل ذلك؛ كان عمر رضي الله عنه يجنِّد في جيوش المسلمين غير المتزوجين، ويدع المتزوجين مع زوجاتهم, ما استطاع إلى ذلك سبيلاً .
والقصة التي تعرفونها جميعاً: يوم كان عمر يتفقد رعيته، وكان معه عبد الرحمن بن عوف، فرأيا قافلةً مقيمةً في ظاهر المدينة، فقال:

((تعال نحرسها، فبكى طفلٌ، فقال عمر لأمه: أرضعيه، فبكى ثانيةً, فقال: أرضعيه، فبكى ثالثة, فقال: يا أمة السوء أرضعيه، قالت: وما شأنك بنا إنني أفطمه، قال: ولماذا؟ قالت: لأن عمر لا يعطينا العطاء إلا بعد الفطام، فضرب عمر جبهته بيده, وقال: ويحك يا بن الخطاب! كم قتلت من أطفال المسلمين؟))
وعد نفسه قاتلاً، لأنه حمل بعض النساء على أن يفطمن أولادهن قبل الوقت المناسب، كي يكسبن هذا التعويض العائلي عن أولادهن.
وكان رضي الله عنه في هذا المقام كما قال الإمام السرخسي: كان حسن التدبير، والنظر للمسلمين، وكل إنسان الله عز وجل ولاَّه، أحياناً مدير مستشفى، أحياناً مدير دائرة، مديرة مدرسة، حينما يرحم المسلمين يرحمه الله، وحينما يشفق عليهم يرحمه الله، وحينما يعدل بينهم يرحمه الله عز وجل، والإنسان حينما يولى على بضعة رجال، له حسابٌ عند الله خاص .
وكان رضي الله عنه يقول:

((والله ما استفاد رجلٌ فائدة بعد إسلامٍ خيراً من امرأةٍ حسناء, حسنة الخلق, ودودٌ ولود, -أي أن أثمن شيء بعد الإيمان بالله زوجة صالحة- والله ما استفاد رجلٌ فائدةً بعد الشرك بالله شراً من مُرَيَّةٍ, -تصغير امرأة- سيئة الخُلُق، حديدة اللسان، والله إن منهن لغلاماً يفدى منه وغلاماً ما يجدي))
أي أن أفضل شيء للمرء بعد الإيمان زوجة صالحة، وأسوأ شيء للإنسان بعد الشرك امرأةٌ سيئة الخلق حديدة اللسان .
يروى أن ذات مرة جاءت امرأة تشكو سيدنا عمر، يبدو أنه كان منشغلاً عنها، قالت له:

((يا أمير المؤمنين, إن زوجي صوامٌ قوام، -ما انتبه- فقال: بارك الله لكِ بزوجك، صوام في النهار، قوَّام في الليل، -في النهار صائم، وفي الليل قائم، عبادة مستمرة- عنده أحد الصحابة, قال له: يا أمير المؤمنين, إنها تشكو زوجها، لا تمدحه، قال: هكذا فهمت، احكم بينهما))
هذا الصحابي نظر لو أن الرجل عنده أربع نساء كما هو مسموحٌ له، نصيب الواحدة من نسائه يوم كل أربعة أيام، فأمره أن يتفرَّغ له يوماً كل أربعة أيام، أعجب بهذا الحكم، عيَّنه قاضي البصرة، لكن النساء كن عفيفات, صاحبات حياء، بليغات، فصيحات، وتعلَّمن من أسلوب القرآن الكريم, قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾
[سورة المعارج الآية: 29-31]
يدخل تحت هذه الآية: كل أنواع الانحراف, قال تعالى:
﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾
[سورة النساء الآية: 43]
﴿لامستم النساء﴾
يفهمها كلٌ بحسب خبرته, قال تعالى:
﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً﴾
[سورة الأعراف الآية: 189]
كلمة: تغشاها، كلمة: أو لامستم النساء, قال تعالى:
﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾
[سورة المعارج الآية: 31]
أما هذا الذي يسمي الأشياء بأسمائها، والأفعال بصورها القبيحة، ويقول: لا حياء في الدين، هذا إنسان لم يفهم حقيقة الدين، الدين كله حياء .
ومرةً قلت لكم: إن النبي عليه الصلاة والسلام رأى فتاةً ترتدي ثياباً شفافة, فقال:

((يا بنيتي, إن هذه الثياب, تصف حجم عظامكِ))
إليكم مضمون هذه الذكريات التي تسترجعنا بها أم كلثوم :
قال:
((كانت لا تنسى ليلةً, طاف فيها, يتفقَّد رعيته، فإذا هو بامرأة في جوف دارها، وحولها صبيان يبكون، وإذا قدر على النار ملأته ماءً، فدنى عمر من الباب, فقال: يا أم, ما هذا؟ لمَ يبك أولادكِ؟ قالت: بكاؤهم من الجوع، قال: فما هذه القدر التي عليها النار؟ قالت: قد جعلت فيها ماءً أعللهم بها حتى يناموا، -أوهمهم أن فيها شيئاً من دقيق وسمن- فجلس عمر يبكي، ثم جاء إلى دار الصدقة، فأخذ حملاً أو وعاءً، وجعل فيه شيئاً من دقيقٍ، وسمنٍ، وشحمٍ، وتمرٍ، وثيابٍ، ودراهم، ثم قال: يا أسلم, احمل هذا علي، فقلت: يا أمير المؤمنين, أنا أحمله عنك، فقال: لا أنا أحمله، لأني أنا المسؤول عنهم في الآخرة .
-ألم يقل مرةً:

((والله لو تعثرت بغلةٌ في العراق, لحاسبني الله عنها، لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر؟))
فحمله حتى أتى به منزل المرأة، وأخذ القدر, فجعل فيها شيئاً من دقيق, وشيئاً من شحم وتمر، وجعل يحركه، وينفخ تحت القدر, حتى طبخ لهم، ثم جعل يغرف بيده، ويطعم الصغار, حتى شبعوا، ثم ربط بجانبهم، فلم يزل حتى لعبوا وضحكوا، ثم قال: يا أسلم, أتدري لمَ ربطت بحذائهم؟ أي جلست إلى جانبهم, قلت: لا يا أمير المؤمنين، فكرهت أن أذهب, وأدعهم حتى أراهم يضحكون، فلما ضحكوا طابت نفسي))

هذا الذي يرحم الصغار إنسانٌ عظيم، هؤلاء الصغار أحباب الله، هؤلاء الصغار رجال المستقبل، هؤلاء الصغار إذا ربّوا على الرحمة, رحموا الآخرين، والإنسان إذا ربِّي في بيت صحيح، في بيت سليم، في بيت فيه رحمة، فيه قيَم، حينما يكبر في الأعم الأغلب, يرحم الناس جميعاً، لا يؤذيهم, لا يظلمهم .
وقال أنس بن مالك:

((بينما عمر يعسُّ المدينة، -أي يتحسس أخبار الرعية- إذ مر برحبةٍ من رحابها، فإذا هو بيتٌ من شعرٍ لم يكن بالأمس، فدنا منه, فسمع أنين امرأة, ورأى رجلاً قاعداً ، فدنا منه, فسلم عليه, ثم قال: من الرجل؟ فقال: رجلٌ من أهل البادية، جئت إلى أمير المؤمنين أُصيب من فضله، فقال: ما هذا الصوت الذي أسمعه في البيت؟ قال: انطلق يرحمك الله لحاجتك، فقال: عليَّ ذلك، ما هو؟ قال الرجل: امرأةٌ تمخِّض, -أي في طور الطلق- قال عمر: هل عندها أحد ؟ قال: لا .
قال أنس: فانطلق عمر, حتى أتى منزله, فقال لأم كلثوم بنت علي رضي الله عنها: هل لكِ من أجرٍ ساقه الله إليكِ؟ قالت: وما هو؟ قال: امرأةٌ عربية تمخِّض, ليس عندها أحد، قالت أم كلثوم: نعم إن شئت، قال: فخذي معكِ ما يصلح المرأة لولادتها، وجيئيني ببرمةٍ، وشحمٍ، وحبوب، قال: فجاءت به, فقال لها: انطلقي، وحمل البرمة، وهي القدر الذي يطبخ فيها، ومشت خلفه حتى انتهى إلى البيت، فقال لها: ادخلي إلى المرأة، وجاء حتى قعد إلى الرجل, فقال له: أوقد لي ناراً، ففعل، فأوقد تحت البرمة حتى أنضجها، وولدت المرأة, فقالت امرأته: يا أمير المؤمنين, بشِّر صاحبك بغلام .
فلما سمع الرجل يا أمير المؤمنين, كأنه هابه، فجعل يتنحَّى عنه, فقال له: مكانك كما أنت ، فحمل البرمة, فوضعها على الباب، ثم قال لأم كلثوم: أشبعيها، ففعلت، ثم أخرجت البرمة، ووضعتها على الباب، فقام عمر، وأخذها، ووضعها بين يدي الرجل، فقال: كل فإنك قد سهرت من الليل، ففعل، فقال عمر لامرأته: اخرجي, وقال للرجل: إذا كان غداً, فأتنا نأمر لك بما يصلحك، ففعل الرجل ذلك، فأجازه وأعطاه))

هذه صورة أخرى من صور رحمته رضي الله عنه، وصور حرصه على رعيته .

من مواقف عمر بن الخطاب :
أم كلثوم زوجة عمر, كما تروي الكتب, تهادت مع ملكة الروم بالهدايا، فكان ذلك مشاركةً منها لزوجها خليفة المسلمين, حين كان يتراسل مع ملك الروم هرقل، في توطيد العلاقات الخارجية بين المسلمين والروم, قال الإمام الطبري:
((ترك ملك الروم الغزو، وكاتب عمر وقاربه، وسأله عن كلمةٍ يجتمع فيها العلم كله، فكتب إليه: أحب للناس ما تحب لنفسك، واكره لهم ما تكره لها، تجتمع لك الحكمة كلها، واعتبر الناس بما يليك, تجتمع لك المعرفة كلها .
وكتب إليه ملك الروم، وبعث إليه بقارورة، أن املأ لي هذه القارورة من كل شيء، فملأها عمر ماءً، وكتب إليه: إن هذا كل شيء))

من الدليل:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾
[سورة الأنبياء الآية: 30]
بعثت أم كلثوم إلى ملكة الروم بطيبٍ وأحفاشٍ من أحفاش النساء, وأرسلته مع البريد، فلما وصل, جاءت امرأة هرقل، وجمعت نساءها, وقالت:
((هذه هدية امرأة ملك العرب، وبنت نبيهم، ثم كاتبتها، وكافأتها, فأهدت إليها، وكانت فيما أهدت إليها عقدٌ فاخر، فلما انتهى به البريد إلى عمر، أمر بإمساكه، ودعا الصلاة جامعة, فاجتمعوا، فصلى بهم ركعتين, وقال: إنه لا خير في أمرٍ أُبرم عن غير شورى من أموري، قولوا في هديةٍ أهدتها أم كلثوم لامرأة ملك الروم، فأهدت لها امرأة الروم .
فقال قائلون: هو لها بالذي لها، وليست امرأة الملك بذمةٍ فتصانع به، ولا تحت يدك فتتقيك .
وقال آخرون: قد كنا نهدي الثياب لنستثيب، ونبعث بها لتبتاع، ولنصيب ثمناً .
فقال عمر: ولكن الرسول, -أي مراسل البريد- رسول المسلمين, والبريد بريدهم، والمسلمون عظَّموها في صدورهم, -أي لأم كلثوم- فأمر بردها لبيت المال، ورد عليها بقدر نفقتها.
-أي أن هذه الهدية التي جاءت أم كلثوم من امرأة ملك الروم ردتها لبيت مال المسلمين، أخذ الأحوط رضي الله عنه، وهذا هو الورع- فسرَّت أم كلثوم لصنيع عمر))

الذي لم يرضَ أن تسخَّر سلطة الخلافة لأمورٍ شخصية، ما دام البريد بريد المسلمين، والإرسال من قِبَل المسلمين، فلا بدَّ من أن ترد هذه الهدية لبيت مال المسلمين .

إليكم هذا الموقف لعمر بن الخطاب مع أهل بيته :
رأى مرة إبلاً ثمينة, قال:
((لمن هذه الإبل؟ قالوا: إنها لابنك عبد الله، قال: ائتوني به، فلما جاؤوا به, سأله: لمن هذه الإبل؟ قال: هي لي، اشتريتها بمالي، وبعثت بها إلى المرعى لتسمن، فماذا فعلت؟ قال عمر لابنه: ويقول الناس: اسقوا هذه الإبل، فهي لابن أمير المؤمنين، ارعوا هذه الإبل, فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلك يا ابن أمير المؤمنين، بع هذه الإبل، وخذ رأس مالك، ورد الباقي لبيت مال المسلمين))
سيدنا عمر كان إذا أراد إنفاذ أمرٍ, جمع أهله وخاصته، وقال:
((إني أمرت الناس بكذا، ونهيت الناس عن كذا، والناس كالطير إن رأوكم وقعتم وقعوا، وايم الله لا أوتين بواحدٍ وقع فيما نهيت الناس عنه، إلا ضاعفت له العقوبة لمكانه مني))
فصارت القرابة من عمر مصيبة، أي إنسان يلوذ به, إذا وقع فيما نهى عنه الناس, تضاعف له العقوبة، لقرابته من عمر، فصارت القرابة من عمر مصيبة .
مرةً وضع له طعامٌ نفيس، وضع له سنام الجزور أمامه فبكى، وقال:

((بئس الخليفة أنا, إن أكلت أطيبها, وأكل الناس كراديسها))
الخاتمة :
أيها الأخوة, لنا وقفةٌ أخرى مع هذه الصحابية الجليلة، بنت علي بن أبي طالب، بنت السيدة فاطمة، بنت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونساء الصحابة قدوةٌ لنسائنا، المرأة صنو الرجل في التكليف، والتشريف، والمسؤولية، مكلفةٌ كما هو مكلَّف، مشرفةٌ كما هو مشرف، مسؤولةٌ كما هو مسؤول، وأيَّة نظرةٍ كما أقول دائماً إلى المرأة غير هذه النظرة، فهي نظرةٌ جاهلية لا تليق بالمسلم .
والإنسان حينما يعتني بأهله، ويربيهم التربية الصحيحة، يسعد بهم, لأنهن يشاركنه في كل قضايا الحياة التي يعانيها .
أرجو الله سبحانه وتعالى, أن يصلح نساءنا جميعاً، وأن يتجهن إلى الله عز وجل الوجهة الصحيحة، المرأة إذا عرفت ربها، وعرفت حق زوجها، وعرفت حق أولادها، فهي امرأة لها من الأجر ما لا يوصف, وما لا يقدر بثمن .





السعيد 09-04-2018 01:40 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات - اهل بيت النبى الكريم

الدرس : ( الثالث و العشرون )


الموضوع : ام كلثوم بنت على بن ابي طالب - 2






قصة زواجها من عون بن جعفر



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
إليكم إعادة الذاكرة لأيام عمر بن الخطاب وبعضاً من مواقفه :
أيها الأخوة الكرام, لا زلنا مع سير الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن أجمعين، ولا زلنا مع أهل بيت النبيِّ، والحديث في الدرس الماضي كان عن السيدة أمِّ كلثوم كوكبة الإسلام، وزوجة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ونتابع في هذا الدرس قصة هذه الصحابية الجليلة .
لقد قضت أمُّ كلثوم بنت عليِّ بن أبي طالب, زوجةُ عمر بن الخطاب، وأمُّها السيدة فاطمة الزهراء، قضت أغلى حياته، وأحلى أيامها تحت ظلِّ رجل لم يعهد التاريخُ له مثيلا .
وقد حدَّثني أخٌ كريم, قال: في واشنطن أكبر مكتبة في العالَم، لو صففنا رفوفها لأحاطت بالأرض، وفي فناء هذه المكتبة, قُبَّة عليها حضارات الإنسانية، وجزءٌ كبير من حضارات الإنسانية حضارةُ الإسلام ، وسيدنا عمر يمثِّل كهفَ العدالة ، أي هذا الجل له سمعةٌ على مستوى العالَم، لم يعهد التاريخ له مثيلا، لا زوجا، ولا أبًا، ولا قائدا، ولا راعيا للناس .
وقد تحدَّثتُ عنه الكثيرَ في الدرس الماضي، وكيف أنه وُضِع له مرة سنامُ ناقة فبكى، وقال: ((بئس الخليفةُ أنا, إذا أكلتُ أطيبَها، وأكل الناسُ كراديسها)) .
وحينما قرقر بطنُه, قال: ((قرقِرْ أيها البطنُ، أو لا تقرقر، فو اللهِ لن تذوق اللحمَ حتى يشبع منه صبيةُ المسلمين)) .
وحينما قال: ((واللهِ لو تعثَّرت بغلةٌ في العراق, لحاسبني اللهُ عنها, لِمَ لَم تصلح لها الطريقَ يا عمر؟)) .
وحينما رأى إبلا سمينةً, فإذا هي لابنه عبد الله، قال: ((ائتوني به، فلما جاؤوا به, قال: ما هذه؟ قال: إبلٌ اشتريتُها بمالي، وبعثتُ بها إلى المرعى لتسمن, فماذا فعلتُ؟ قال: ويقول الناسُ: اِرعَوا هذه الإبل, فهي لابن أمير المؤمنين، اُسقوا هذه الإبلَ, فهي لابن أمير المؤمنين، وهكذا تسمن إبلُك يا ابن أمير المؤمنين، أعرفتَ لماذا هي سمينة؟ لأنك ابني، بِع هذه الإبل، وخذْ رأسَ مالك، ورُدَّ الباقي لبيت مال المسلمين)) .
هو الذي قال: ((كان إذا أراد إنفاذَ أمرٍ, جمع أهلَه وخاصَّته، وقال: إنني قد أمرتُ الناسَ بكذا, ونهيتهم عن كذا، والناسُ كالطير، إن رأوكم وقعتم وقعوا، وايمُ اللهِ لا أوتيَنَّ بواحد وقع فيما نهيتُ الناسَ عنه, إلا ضاعفتُ له العقوبةَ, لمكانه مني)) .
وهو الذي قال وهو يمتحن أحدَ الولاة: ((ماذا تفعل إذا جاءك الناسُ بسارق أو ناهب؟ قال: أقطع يدَه، قال: فإن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدَك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه, لنسُدَّ جوعتَهم، ونستر عورتهم، ونوفِّر لهم حرفتهم، فإن وفَّينا لهم ذلك, تقاضيناهم شكرَها، إن هذه الأيدي, خُلقت لتعمل, فإن لم تجد في الطاعة عملا, التمست في المعصية أعمالا ، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية)) .
عملاقُ الإسلام، قال مرة: ((أيها الناس, خمسُ خصال خذوني بهن: لكم عليَّ الحقُّ ألاّ آخذ من أموالكم شيئا إلا بحقِّه، ولا أنفق من هذه الأموال إلا بحقه، و لكم عليَّ أن أزيد عطاياكم إن شاء اللهُ تعالى، ولكم عليَّ ألّا أجمِّركم في البُعوث، فإذا غِبتم في البعوث, فأنا أبو العيال حتى ترجعوا)) .
الحديث عنه يطول، ولا تكفيه جلساتٌ، ونحن في دروس سابقة بفضل الله عزوجل أمضينا فيما ثمانِية دروس، مع هذا الخليفة العظيم الراشد، وهو قدوةٌ لنا جميعا، قال عليه الصلاة و السلام: ((لو كان نبي بعدي لكان عمر)) .
استأذن السيدةَ عائشة في حياته, أن يُدفَن إلى جنب رسول الله، وقبل أن يموت, وصَّى ابنَه: ((مُرَّ بجنازتي أمام بيت السيدة عائشة، واستأذنها ثانية، فلعلها أذِنت لي، وأنا خليفةُ المسلمين، أريد أن تأذن لي، وأنا قد فارقتُ الحياةَ, -طلب أن يستأذنها بعد وفاته، لئلا يكون منصبُه ضاغطا عليها- إن أذنت لك، وأنا في النعش, فادفِنِّ إلى جنب رسول الله)) ورعٌ ما بعده ورع، ورحمةٌ ما بعدها رحمة .
سيدنا الصديق استخلفه، عوتِب: ((استخلفتَ علينا هذا الرجلَ الشديد، فقال سيدنا الصدِّيقُ : أتخوِّفونني بالله؟ واللهِ إذا سألني اللهُ يوم القيامة لِم استخلفتُ عليهم عمرَ؟ لأقولنَّ: يا ربُّ استخلفتُ عليهم أرحمهم، -بشهادة الصدِّيق سيدنا عمر أرحمُ الخلق بالخلق بعد رسول الله- ثم قال: هذا علمي به، فإن بدَّل و غيَّر, فلا علمَ بي بالغيب)) .
أيها الأخوة, حينما يُذكر الصحابةُ الكرام, تتعطَّر المجالسُ لكمالهم، ولأدبهم، ولتواضعهم ، ولعطائهم، ولبذلهم، ولسخائهم، ولثقتهم بالله، وبتحمُّلهم، إنه عملاق الإسلام، وفاروق الإيمان الذي أعزَّ اللهُ به تعالى دينَه، ورسولَه أولاً، ثم أعزَّ الله به الأمةَ ثانيا .
عَنْ ابْنِ عُمَرَ, أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

((اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ؛ بِأَبِي جَهْلٍ, أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ, قَالَ: وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إِلَيْهِ عُمَرُ))
[أخرجه الترمذي في سننه]
طلب النخبة اللهم صلِّ عليه، والنخبة تحمل معك، أما الآخرون فيجب أن تحملهم، وشتَّان بين من يحمل معك، وبين من تحمله، يأتيك لا شهادة، ولا عمل، ولا إتقان، كله كسل، يريد أن تزوِّجه، وتؤمِّن له بيتا، هناك من يأتي ليأخذ فقط، هناك من يأتي ليعطي .
فعَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى, وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ, وَخَيْرُ الصَّدَقَةِ عَنْ ظَهْرِ غِنًى, وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ, وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ, وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ, احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ, وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ, وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ, فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا, وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ, فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
قال عمر: ((وإني أرى الرجل ليس له عمل يسقط من عيني)) .
أيها الأخوة، مرة ذهبتُ إلى مكان تصليح سيارات, وجدتُ أحدَ الأخوة الكرام, يعمل مدرِّسا في مسجدنا، يرتدي الثياب الزرقاءَ، ويعمل في تصليح السيارات، شعرت أن هذا الإنسان كبير عند الله في النهار، ويعمل عملا، ويكسب رزقا، وفي المساء يدرِّس، فهذا الذي يعمل له عند الله شأنٌ كبير .
هذه أمُّ كلثوم, الزوجة الطيِّبة, العاقلة الرشيدة, شهدت حياةَ رجل من عظماء الإسلام خاصةً، ومن كرام البشرية ثانيا، لماذا نساءُ النبي عليهن رضوان الله مُنِعن من الزواج بعد رسول الله من أيِّ رجل؟ قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 53]
لماذا؟ لأن التي عاشت مع رسول الله, لا يمكن أن يعجبها أحدٌ بعده، مستحيل، فكلما كانت المرأة مع رجل عظيم, حينما تقترن برجل آخر لا تحتمل .
أمُّ سلمة لها زوج, كان ملءَ السمع والبصر، رجلٌ بكل معنى الكلمة؛ شجاعة، وكرم، وحكمة، وعقل، ووسامة، مات زوجُها, فعلَّمها النبيُّ دعاءً، فعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ, اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي, وَاخْلُفْنِي خَيْرًا مِنْهَا, إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ, وَخَلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا, قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ, قُلْتُ: مَنْ خَيْرٌ مِنْ أَبِي سَلَمَةَ صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: ثُمَّ عَزَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِي, فَقُلْتُهَا: اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي, وَاخْلُفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا, قَالَتْ: فَتَزَوَّجْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))
[أخرجه أحمد في مسنده]
حينما قالت: اخلفني خيرا منها، لم تقتنع بهذا الكلام، لأنها لا ترى خيرا من أبي سلمة، أين الذي هو أحسن منه؟ فإذا بالنبيِّ عليه الصلاة والسلام يخطبها، طبعا النبيُّ أعلى من أبي سلمة ، لكن واخلفني خيرا منها، ما من إنسان يُصاب بمصيبة و يصبر، ويقول: ((اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي, وَاخْلُفْنِي خَيْرًا مِنْهَا, إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ, وَخَلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا)) .
وقد رسم هذا الخليفةُ العظيمُ للدنيا قاطبةً صورةَ الحق، والعدل، والإحسان، له كلمة بعد ألف وأربعمائة عام, عُدَّت من حقوق الإنسان: ((متى استعبدتم الناس, وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟)) له إدراك عميق جدا، وسبَّاق، والآن المُلاحظ من هو القويُّ في العالم؟ المنتِج، من هو الضعيف ؟ المستهلِك، ((ويل لأمة تأكل ما لا تزرع، وتلبس ما لا تنسج)) .
ويُضاف على هذه المقولة: وتستخدم من الآلات ما لا تخترع، أنت عندك آلة، وفيها قطعة تعطَّلت، قيمتها الحقيقية عشرُ ليرات، ويقول لك: ثمانية آلاف وخمس مائة، هل لك أن تتكلم كلمة؟ أنت عبدٌ لهم, يسمُّونها: حرب قطع الغيار، نصنع صناعة نبيعها للناس، فيتعلَّقون بنا، والآن كم من ميكروباص بالقطر, وتعمل عشرين ساعة في اليوم، كل قطع الغيار تُستورَد، ندفعها من ثمن قمحنا، وقطننا، ومنتجاتنا, وبأسعار مرتفعة .
اليابان لها سياسة؛ تبيعك السيارةَ رخيصة جدا، وتبيعك القطع بمائة ضعف، أنت تقع في مطبٍّ، رخيصة، اشتريتها، بعد أن تشتري هذه السيارة, تدفع أضعافا مضاعفة ثمن قطع غيارها، هذه حربُ القطع .
فسيدنا عمر, أدرك أن هناك مستهلِكا، وهناك منتِجا، المنتج قويٌّ، والمستهلك ضعيف ، هذه السنوات العشر كان فيها العالَم مقسَّما إلى يمين ويسار، شرق وغرب، شرق يؤمن بالمجموع ، وغربٌ يؤمن بالفرد، هذا التقسيم غير صحيح، التقسيم الحقيقي طبعا المادي، ولا أقول الروحي, المادي منتج ومستهلك، المنتج متحكِم في المستهلك، والمنتج قويٌّ، والمستهلك ضعيف .
أحيانا عندنا عقود إذعان، لا تستطيع أن تسأل عن السعر، يقال لك: أطلقنا على هذه الطائرة مائة صاروخ، كلُّ واحد قيمته سبعمائة وخمسون ألف دولار، أطلقوا خمسًا، وقيَّدوا علينا مائة، طبعا سبعمائة وخمسون مليار, ذهبت من الشرق إلى الغرب, هذه مشكلة، فسيدنا عمر أدرك هذه الحقيقة في وقت مبكِّر جدا .
زار قريةً, فإذا بأصحاب الفعاليات الاقتصادية, ليسوا من المسلمين، فلما عاتبهم على هذا التقصير, وهذا الكسل، قالوا: ((إن الله سخَّرهم لنا، -هذه كلمة مضحِكة وساذجة- فقال هذا الخليفةُ العملاق: كيف بكم إذا أصبحتم عبيدا عندهم؟)) .
والشيء الواضح تماما أن المنتج هو القوي، بل إن هؤلاء الأقوياء لهم مقولة مضحكة؛ مضحكة في ميزان القيم، أما هي فواقعة: ما دمتَ قويَّا فأنت على حق، حقُّهم القوة، هذه شريعة الغاب، شريعة الغاب القويُّ هو المنتصِر .
ماذا قال سيدنا الصدِّيق؟ قال: القويُّ فيكم ضعيف عندي, حتى آخذ الحقَّ منه، والضعيف منكم قويٌّ عندي, حتى آخذ الحقَّ له، هذا الفرق الواضح بين حضارة المسلمين و حضارة الشاردين إن صحَّ التعبيرُ, إن حضارة المسلمين, القوة لصاحب الحق، حضارة الشاردين صاحب الحق هو القويُّ، القوي صاحب الحق، أما عند المسلمين صاحب الحق هو القوي، أبدا .
أهلُ سمرقند, بلغهم أن فتح بلادهم, لم يكن شرعيا، تسلَّل وفدٌ منهم خفيةً عن حاكم سمرقند المسلم إلى باب الخليفة عمر بن عبد العزيز، وعرضوا عليه مشكلتهم، قال: ورقة صغيرة ؛ قصاصة كتب عليها: إلى فلان, اخرُج من سمرقند، واعرض عليهم الإسلامَ أوَّلا، فإن أبوا, فأعرض عليهم الجزية، فإن أبوا فقاتلهم، ظنوا أنه يضحك عليهم بهذه القصاصة، ورقة صغيرة، جيش دخل، وفتح، واستقر، وتمكَّن، وحكم مدينة عظمى محتلة, يخرج منها بورقة, فلما ذهبوا إليه ، وأعطوه هذه القصاصة قبَّلها، وقال: سمعا و طاعة سأخرج، قال: هكذا، قال: إذًا: ابقوا نحن مسلمون، التاريخ الإسلامي شيء لا يُصدَّق .
اليوم أخٌ كريم قال لي: يقرأ عن تاريخ الصحابة, قال لي: شيء لا يُصدَّق، كان تعليقي أن قلت: ولكن الله هو هوَ، إلههم إلهنا، وسننه قائمة، أنت تحرَّك وفقها فقط، الله عزوجل هو هوَ، و ما تغيَّر، نحن وحدنا تغيِّرنا، سنته قائمة .
الآن تصوَّروا، وإن كان شيئا, يبدو لكم مضحِكا؛ تصوَّر دولةً ضعيفة جدا متخلِّفة، بل لا توجد دولة، قبائل رُحَّل في صحراء, ينتشرون على أمريكا بقوتها النووية، والصاروخية، والأقمار الصناعية، والحبة الجرثومية، والقنابل الذكية، وقنابل الشبح، والبوارج في البحار، معقول هؤلاء البدو الرحل الذين في طرف الصحراء, يصبحون أقوى أمة في العالَم، إذا كان اللهُ معك فمن عليك، وإذا كان عليك فمن معك .
معقول النبي عليه الصلاة والسلام مُلاحق, مهدورٌ دمُه, مئة ناقة لمن يأتي به حيًّا أو ميِّتا ، يتبعه سراقة ليأخذ المائة ناقة، أراد أن يقتله ليأخذ المائة ناقة، غاصت قدما فرسه في الرمل، أول مرة، وثاني مرة، فقال له: يا سراقة, كيف بك إذا لبستَ سواري كسرى؟ شيءٌ لا يُصدَّق؛ إنسان ملاحق، ومهدور دمُه، مائة ناقة لمن يأتي به حيا أو ميتا, يعِد سراقة بسواري كسرى، بدوي، أنت ستكون في البيت الأبيض، نفس المسافة، لا تضحكوا، المسافة نفسها بين قبائل في الصحراء, و بالتعبير المعاصر، متخلفة فقيرة، أرضها قاحلة، لا نبات فيها، ماؤها قليل، كل شيء ثمين عندهم، دولتان عظيمتان متربِّعتان على مجد الدنيا, تضمحلاَن في ربع قرن، ويصبح المسلمون سادة الدنيا ، كانوا رعاةَ الغنم, فصاروا رعاة الأمم .

إليكم هذا الخطب الجلل الذي أصاب كبد أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب :
فهذه الزوجة الطيِّبة أمُّ كلثوم, شهدت حياة هذا العملاق الكبير، لكن هذه السعادة لم تدُم إلى أم كلثوم, حيث طالت يدُ الإثم الإجرام حياةَ عمر, فطعنته طعنات قاتلة، هذا الذي طعنه بعد أن طُعن سيدنا عمر، وهو يصلِّي، لما أفاق من غيبوبته، قال: ((هل صلى المسلمون الفجر؟)) الشيء الذي يقلقه صلاة الفجر، هل صلى المسلمون الفجر؟ .
قالت أمُّ كلثوم حينما جاؤوا به إليها: ((واعمراه، وكان معها نسوةٌ, فبكين معها، وارتجَّ البيتُ بالبكاء، قال عمر, ولم يمُت بعد: لو أن لي على الأرض من شيء لافتديتُ به من هول المطلع، -الواحد الآن يعيش، لكن هول المطلع، حينما يواجه الحقيقة العظمى، حينما يواجه الآخرة، حينما يواجه يوم الدينونة، يوم الحساب، يوم يُحاسب الإنسان عن كلمة، وعن نظرة، وعن درهم، قال تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ﴾
[سورة الزلزلة الآية: 7-8]
فقال له ابنُ عباس: واللهِ إني لأرجو ألاّ تراها إلا مقدار ما قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 71]
-سيدنا عمر يسأل سيدنا حذيفة, يقول له: ((بربَّك هل اسمي مع المنافقين؟)) من شدة ورعه، ومن شدَّة خوفه من الله عز وجل، ومن شدة محبَّته، ومن شدة تعظيمه لله- قال له ابن عباس: و اللهِ إني لأرجو أن لا تراها إلا مقدار ما قال الله تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً﴾
[سورة مريم الآية: 71]
ما علمنا لأمير المؤمنين، وأمين المؤمنين، وسيد المؤمنين، يا أمير المؤمنين, إنك تقضي بكتاب الله، وتقسم بالسويَّة، فأعجبه قولي, فاستوى جالسا، فقال: أتشهد لي بهذا يا ابن عباس؟ قال: فكففتُ, فضرب على كتفي، فقال: اِشهد، قلتُ: نعم أنا أشهد، ثم توفِّي عمر)) .
الآن هذه وقائع في التاريخ، دقِّقوا كم نحن بعيدون عن هذه الوقائع؟ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ:

((وُضِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى سَرِيرِهِ, فَتَكَنَّفَهُ النَّاسُ, يَدْعُونَ, وَيُثْنُونَ, وَيُصَلُّونَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ, وَأَنَا فِيهِمْ, قَالَ: فَلَمْ يَرُعْنِي إِلَّا بِرَجُلٍ, قَدْ أَخَذَ بِمَنْكِبِي مِنْ وَرَائِي, فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ, فَإِذَا هُوَ عَلِيٌّ, فَتَرَحَّمَ عَلَى عُمَرَ, وَقَالَ: مَا خَلَّفْتَ أَحَدًا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْكَ, وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْكَ, وَذَاكَ أَنِّي كُنْتُ أُكَثِّرُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَقُولُ: جِئْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ, وَدَخَلْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ, وَخَرَجْتُ أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ, فَإِنْ كُنْتُ لَأَرْجُو أَوْ لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَكَ اللَّهُ مَعَهُمَا))
[أخرجه مسلم في الصحيح]
هذا كلام سيدنا علي، فما بالُ المسلمين بعد حين من زمان, يفرِّقون بين الصحابة، سيدنا علي يكنُّ هذا الولاء، وهذا الحبَّ لسيدنا عمر، سيدنا علي حينما توفي أبو بكر، ألقى خطبة تُكتب بماء الذهب, قال: كنتَ أشبهنا برسول الله خَلْقا وخُلقا، كنت معه لما قعدوا، سماك الله في كتابه صدِّيقا، حيث قال:
﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 33]
هكذا كان الصحابة الكرام، ولاء ما بعده ولاءٌ .
سيدنا علي أعطى ابنته لمن؟ لسيدنا عمر، فإذا كان هناك عداءٌ، وإذا كان هناك حقد, و العياذ بالله, هل يمكن أن تعطيَ ابنتك لإنسان تكرهه؟ مستحيل، سيدنا علي أعطى ابنته أمَّ كلثوم لمن؟ لسيدنا عمر .
معنى ذلك: أن بين الصحابة من الودِّ، والحب، والتعاون ما لا يُصدَّق، وهذا الذي أُضيف على التاريخ، هذا الذي أضيف على تاريخنا, شيءٌ يجب أن يُمحَّص، لا أن يؤخذ على علَّاته، غسَّله ابنُه عبدُ الله، ونزل في قبره ابنه عبد الله، وعثمان بن عفان، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف .
وقال ابنُ سعد: ((طُعِن عمرُ يوم الأربعاء لأربع ليالٍ بقين من ذي الحجة، ودُفن يوم الأحد, وكان خلافتُه عشرَ سنين، ودُفن مع النبي صلى الله عليه و سلم)) .
وإذا ذهب الرجلُ إلى المدينة المنوَّرة, يزور رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيقف أمام قبر النبي، ويسلِّم على النبي، ويدعو له الدعاءَ المأثور، ثم ينتقل إلى قبر سيدنا الصدِّيق، ثم ينتقل إلى قبر سيدنا عمر، عملاق الإسلام .
بقيت أمُّ كلثوم بعد وفاة زوجها عمر حزينة عليه حزنا شديدا, لا يغيب عن فكرها، تذكره بفضائله، وبإحسانه، وهيبته، وبشدَّته، وليونته، وبعدله، وإنصافه، وكان ابنها زيد يجلس إليها, يهدِّئ من روعها، ويخفَّف من آلامها، ولكنه أحيانا يبكي معها، فتنهمر دموعُه لوعةً على فراق أبيه، عطفا على أمه .


إليكم قصة زواجها من عون بن جعفر بعد وفاة زوجها الأول :
الآن دقِّقوا، وما أن انقضت أيامُ عدَّتها من زوجها الراحل, حتى يفاتحها أبوها عليُّ بن أبي طالب بالزواج، فيسرع أخواها الحسن والحسين, يحذِرانها من أن تجعل أمرها بيد أبيها, لئلا يزوِّجها من أقاربه الأيامى، خشية عليها أن تكون زوجة لرجل دون عمر، فإنها واللهِ لن تجد في الرجال أمثالَ عمر .
فقد ذكر ابنُ الأثير روايةً تاريخية عن الحسن و الحسين ابني علي بن أبي طالب, قال: لما تأيَّمتْ أمُّ كلثوم, ربنا عزوجل قال:

﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 33]
الأيامى جمع أيِّم، والأيم: من لا زوجةَ له، أو من لا زوج لها، أي طرف من دون طرف آخر، بكرا كانت أم ثيِّبا، والأمر أمر ندبٍ:
﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
[سورة الزمر الآية: 33]
بحسب السنة جاءها أبوها, و قد ذكر ابن الأثير عن الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب قال: ((لما تأيَّمتْ أمُّ كلثوم من عمر بن الخطاب رضي الله عنهم, دخل عليها الحسن والحسين, إنكِ ممن عرفتِ سيدةُ نساء المسلمين، وبنت سيدتهن، وإنكِ واللهِ إن أمكنتِ عليًّا من تزويجك, ليُنكِحنَّكِ بعضَ أيتامه، ولئن أردتِ أن تصيبي بنفسك مالا عظيما لتصيبنَّه، فو اللهِ ما قاما, حتى طلع عليُّ بن أبي طالب, يتَّكل على عصاه, فجلس فحمد اللهَ، وأثنى عليه، وذكر منزلتهم من رسول الله, -أي الحسن و الحسين- وقال: قد عرفتم منزلتكم عندي يا بني فاطمة، وأثرتكم على سائر ولدي، لمكانكم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرابتكم منه، فقالوا: صدقتَ رحمك الله، وجزاك الله عنا خيرا, قال: أيْ بنيَّة, إن الله عزوجل قد جعل أمركِ بيدكِ، فأنا أحبُّ أن تجعليه بيدي، فقالت: أيْ أبتِ! إني امرأةٌ أرغب فيما يرغب فيه النساءُ، وأحب أن أصيب مما تصيب النساءُ منه، وأنا أريد أن أنظر في أمر نفسي، -أي دعني أنا أختار، هذا شيء طبيعي جدا- فقال: لا و اللهِ يا بنيَّتي، ما هذا من رأيك، -هذا ليس منك، هذه تعليمة تغذية.
أحيانا تعرف شخصا معرفة جيدة، يفاجئك بأفكار جديدة، هذه ليس منك، هذه جاءتك تغذية، من أطراف، فشعر هذا الصحابي الجليل, أن هذه الأفكار ليست أفكار أم كلثوم، واللهِ يا بنيتي ما هو إلا رأيُ هذين, الحسن والحسين, هذه ليست منكِ .
أحيانا الابن له رأي، والأب له رأي، والزوجة لها رأي، هناك حبٌّ، ومودَّة، وثقة، لكن ينشأ أحيانا اختلاف وجهات نظر- ثم قام فقال: و اللهِ لا أكلِّم رجلا منهما أو تفعلين، إن لم تسلِّمي أمركِ إليَّ, لا أكلِّم واحدا من هؤلاء -الحسن و الحسين- فأخذا بثيابه, فقالا: اجلِس يا أبي، فو اللهِ ما على هجرانك من صبر، -لا نتحمَّل إن قاطعتنا، هل رأيتَ الودَّ؟ هكذا ينبغي أن تكون الأسرةُ، إذا أعرض الأب عن ابنه, فهذا أكبر عقاب- فأخذا بثيابه فقالا: اجلس يا أبي, فو اللهِ ما على هجرانك من صبر، اجعلي أمركِ بيده، فقالت: قد فعلتُ كما تشاء، قال: فإني قد زوَّجتكِ من عون بن جعفر- ابن سيدنا جعفر، ابن أخيه الذي استُشهِد في مؤتة .
سيدنا جعفر بن أبي طالب أخو سيدنا علي، وهو الذي أمسك الراية، وكان القائدَ الثاني، أمسك الراية بيمينه فقُطعت يمينُه، فأمسكها بشماله فقُطِعت شمالُه، فأمسكها بعضديه، وُجِد في جسمه أكثر من تسعين طعنة، وبكى النبيُّ بكاءً شديدا حينما بلغ نباُ استشهاده، وسمَّاه جعفر ذا الجناحين، هذا ابنُه عونُ بن جعفر- قال: فإني قد زوجتكِ من عون بن جعفر، وإنه لغلام, وبعث لها بأربعة آلاف درهم، وأدخلها عليه)) .
لقد كانت أمنيةُ علي بن أبي طالب أن يزوِّج بناته من أولاد أخيه جعفر بن أبي طالب، من قبل أن يزوِّج أمَّ كلثوم لعمر بن الخطَّاب، وهذا ما قاله حين خطبها عمرُ: ((إني حبستُ بناتي على بني جعفر)) إكراما لوالدهم الشهيد .
الآن تحقَّقت أمنيةُ علي بن أبي طالب، والآن أمُّ كلثوم بعد سيدنا عمر, أصبحت زوجةً لابن سيدنا جعفر اسمُه: عون، و كان لآل جعفر عند الإمام علي مكانة عظيمة، فأولادُ جعفر هو أولاد أخيه، وكانوا قد دخلوا في رعايته بعد استشهاد أبيهم، النبيُّ قال: ((العم والد)) .
أعرف رجلا في أحد أحياء دمشق, تُوُفِّيَ أخوه, ترك له خمس بناتٍ، وهو عنده خمسُ بنات، العمُّ زوَّج بنات أخيه كما زوَّج بناته بالتمام والكمال، الترتيبات نفسها، والإكرام نفسه، الحاجات نفسها، هذا الأصل، ((العم والد)) .
أما الآن مع التفكُّك الأسري, صار العمُّ عدوًّا، العم في الإسلام والد تماما، يُعامل أولادَ أخيه كما لو أنهم أبناؤه، حتى في الميراث, أعطِي ميراث الأب المتوفَّى في حياة أبيه إلى العم، ليكون العمُّ راعيا لأولاد أخيه .
ولحكم هذه القرابة بين أبناء جعفر وعمِّهم علي, كانت تفضيل تزويج أمِّ كلثوم لأكبر أولاد جعفر، كأحسن صنيع يتَّخذ العمُّ تُجاه أبناء أخيه الأيامى عنده، فزوَّجها أبوها بعون بن جعفر فأحبَّته، ومات عنها، أي مات في حياته .

لمحة عن سيرة عون بن جعفر :
أيها الأخوة, وعونُ هذا, ابن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطَّلب القرشي الهاشمي، والدُه جعفر ذو الجناحين، وُلد على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم، أمُّه أم أخويه عبد الله و محمد، أسماء بنت عُميس الخطمية، أسلمت قديما، وهاجرت الهجرتين، و كانت مصاحبةً لفاطمة حتى وفاتها، استشهد عونُ بن جعفر بتُستُر، ولا عقِب له بخراسان، مدينة في بلاد فارس، كان في جهاد, فاستُشهد هناك .
قصة زواجها من محمد بن جعفر بعد وفاة زوجها الثاني, ولمحة عن سيرته :
أيها الأخوة, فلما انقضت عدَّتُها, أبقت أمرها بيد أبيها، فزوَّجها أبوها رضي الله عنه بمحمد بن جعفر الثاني، فمات، ومحمد هذا هو ابن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن ذي الجناحين، القرشي الهاشمي، وهو ابن أخ علي بن أبي طالب، أُمُّه أسماءُ بنت عُمير، وُلد على عهد رسول الله، وكانت ولادتُه بأرض الحبشة، في أثناء الهجرة الأولى، وقدم المدينة طفلا، ولما جاء نعيُ جعفر إلى رسول الله, جاء إلى بيت جعفر، وقال: ((أخرجوا إليَّ أولادَ أخي، فأخرج إليه عبد الله, و محمد, وعون، وضعهم النبيُّ على فخذه, ودعا لهم, وقال: أنا وليُّهم في الدنيا والآخرة، و قال صلى الله عليه وسلم: أما محمد فيشبه عمَّنا أبا طالب)) .
وقيل: ((إنه استشهد بتستر أيضا، ولم يكن له ولدٌ)) .

من هو زوجها الرابع بعد رحيل الثالث, وما هي سيرته؟ واليكم قصة وفاتها :
أيها الأخوة, فلما انقضت عدَّتها من محمد بن جعفر، أبقت أمرها بيد أبيها، ثم زوَّجها أبوها من عبد الله بن جعفر الثالث، فماتت عنده، وعبد الله هذا, هو ابن جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي القرشي، له صحبة مع رسول الله، وأمُّه أسماء بنت عميس، ولد بأرض الحبشة، وكان أبواه رضي الله عنهما مهاجرين إليها، وقدم مع أبيه إلى المدينة، وتُوفِّي النبيُّ عليه الصلاة و السلام ولعبد الله عشرُ سنين .
كان عبدُ الله كريما, جوادا, حليما, روى عن النبي صلى الله عليه و سلم أحاديث كثيرة، قال الإمام ابن حجر: ((أخبارُه في الكرَم شهيرة، وكان يقال له: قطبُ السخاء)) .
أيها الأخوة, بعد أن أقامت أمُّ كلثوم الطاهرة الزكية عند الزوج الثالث من أبناء جعفر بن أبي طالب، ألَّم بها المرض، حتى توفَّاها الله تعالى راضيةً مرضيةً، ولم تكن قد ولدت من أزواجها الثلاثة أيَّ ولد، أولادها فقط من سيدنا عمر، وقد صادف يومُ وفاتها يومَ وفاة ابنها زيد بن عمر بن الخطاب، الذي توُفي شابا، ولم يعقب، وصلى عليه وعلى أمه عبدُ الله بن عمر، ودفنهما في المدينة ، وذلك في أوائل دولة معاوية، وذلك في حدود سنة خمسين للهجرة، ورحلت أمُّ كلثوم، وقد عاشت أياما مليئة بالأحداث، سواء التي شهدتها أيامَ خلافة زوجها عمر بن الخطاب، أو التي شهدتها من بعده، وهي زوجة آل جعفر، وعلى الأخص أيام خلافة أبيها علي بن أبي طالب .

خلاصة القول :
أيها الإخوة, هذه نبذة عن حياة هذه الصحابية الجليلة أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب، أمها فاطمة، زوَّجها أبوها من محبَّته وتقديره لسيدنا عمر، ثم زوَّجها لأولاد جعفر، وهكذا كان أصحابُ النبي رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، على حبٍّ شديد, وعلى وفاء, وإخلاص، أما المسلمون الذين جاؤوا من بعدهم, فهم الذين افتعلوا هذه الخلافات، وهي في الأصل غير موجودة.


السعيد 09-04-2018 01:46 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات - اهل بيت النبى الكريم

الدرس : ( الرابع و العشرون )


الموضوع :صفية عمة الرسول صلى الله علية وسلم





لحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات . مقدمة عامة :
أيها الأخوة الكرام, مع الدرس الثالث والثلاثين من سير الصحابيات الجليلات، ومع أهل بيت النبي عليه الصلاة و السلام، ومع عمَّته عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، السيدة صفية، وهي صفيةُ بنت عبد المطَّلب بن هاشم القرشية الهاشمية، شقيقة حمزة بن عبد المطَّلب .
أيها الأخوة, من حين لآخر, أجد نفسي مضطراً أن أضع أيديكم على قيمة السيرة، الله جلَّ جلاله بعث الأنبياء بالهدى ودين الحق، ولكن النبي والرسول مهمته أكبر بكثير من مهمة التبليغ، لأن المهمة الكبرى هي القدوة، فحينما يستمع الإنسان إلى فكرة، ولا يراها مطبَّقةً, فلا قيمة لها، ولا تلفت نظرَه، ولا تستجلب انتباهه، إلا إذا كانت هذه الفكرة واقعة، فلذلك كان الأنبياء من بني البشر، والأنبياءُ تجري عليهم كلُّ خصائص البشر، من هنا كانوا سادةَ البشر، من هنا اصطفاهم الله عزوجل، ليكونوا أنبياءه ورسله إلى العالمين، فالإنسان حينما يرى الحقَّ مطبَّقا، حينما يرى المثلَ العليا واقعا يُشدُّ إليها، أما لو استمعت إلى كلمة حول خلق معيَّن، ولم تعِش هذا الخُلقَ، ولم تره مجسَّدا في إنسان, فإنك لن تلتفت إليه، ولن تلقيَ بالاً إليه .
من هنا كانت السيرةُ هي الإسلام المطبَّق، الإسلام فيه منطلقات نظرية، وفيه منطلقات عملية، المنطلقات النظرية مثلا، قال تعالى:

﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 21]
أي أمر الله هو النافذ، وقال تعالى:
﴿وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا﴾
[سورة التوبة الآية: 40]
وقال تعالى:
﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾
[سورة البروج الآية: 16]
لكن تأتي قصةُ سيدنا يوسف، وهي أطول قصة في القرآن الكريم, من أجل أن تجسِّد هذه الحقيقة، فهناك كما يقول الأدباءُ: تعبير مباشر, مركَّز, مكثَّف، وتعبير غير مباشر يعتمد على التصوير، ويعتمد على القصة، ويعتمد على الحوار، فربُّنا عز وجل قال:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾
[سورة يوسف الآية: 111]
القصة هي حقيقة مع البرهان عليها، فسيدنا يوسف أراد أخوته به كيدا، ولكن الله نجَّاه من الجُبِّ, ومن السجن، وجعله عزيزاً، قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
[سورة يوسف الآية: 21]
يبدو أن تأثير القصة؛ لما فيها من الشخصيات، وحوادث، وحوار، ووصف، وسرد, أبلغُ في النفس من تأثير الحقيقة المجرَّدة، بل إن الإنسان كلما ارتقى, يتأثَّر بالتعبير المباشر, المركَّز, المكثَّف، لكن الخطَّ العريض في المجتمع، وأغلب الناس يتفاعلون مع القصة، لذلك اعتمد القرآنُ الكريم القصَّةَ، فالقصة فيها مغزًى، وفيها فكرة موجزة عبَّرت عنها، فالذي قرأ القصة، ولم يقرأ موعظتها أو مغزاها كأن لم يقرأها، كلمة (عبرة) أنك تعبر من شيء إلى شيء، فحينما تحدَّثنا عن شمائل النبي، وعن سيرته النبي عليه الصلاة و السلام، وعن سير الصحابة الكرام, كان الهدف أن ترى إسلاما مطبَّقا، الإسلام النظري في القرآن الكريم، وفي السنة المطهَّرة، والإسلام العملي المطبَّق في السيرة، وفي سير الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين، والإنسان لا يصدَّق فكرةً مجرَّدة دون أن يراها مطبقَّة، فإذا طُبِّقت أمامه اندفع إليها، فلذلك أخطر ما يصيب المجتمع الإسلامي أن يفتقد القدوة، كتبٌ، وبحوث، ومجلدات، ودروس، وأشرطة، لكن ينبغي أن يرى المدعو إنسانًا, تتجسَد فيه قيمُ الإسلام، هنا المنطلق من تدريس السيرة، أنت ترى أن هؤلاء الصحابة عاشوا الإسلام، وكنت أقول دائما: إن هناك فرقا كبيرا بين أن تدرك المعنى، وبين أن تعيش المعنى، أضرب على هذا مثلا، حينما تقول:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 71]
المعنى واضح، وربما لا يحتاج إلى شرح، لكن لمجرَّد أنك مسلم, مستقيم, مؤمن, ولك دخل محدود, ورأيت صديقا لك من أيام الدراسة, قد أصبح غنيًّا كبيرا، وعاش في بحبوحة كبيرة, وسكن أجملَ بيت, وركب أجمل مركبة، وهو لا يعرف اللهَ أبدا, ولا يستقيم على أمره، لمجرَّد أن تقول: هنيئا له على هذه الحياة الناعمة, فأنت لم تعِش هذه الآية, قال تعالى:
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 71]
من أوتيَ القرآن, فرأى أن أحدا أوتي خيرا منه, فقد حقَّر ما عظَّمه اللهُ تعالى، لذلك درس السيرة مهمٌّ جدا، لأنه يعطيكم الحقيقةَ مع البرهان عليها، والإنسان لا ينطلق إلا إذا رأى واقعا يجسِّد قيمة، فهذا المجتمع الفاضل مجتمع النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام، وقد أكَّد هذه الحقيقة النبيُّ عليه الصلاة و السلام، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ, عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم,َ قَالَ:
((خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ, ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ, تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ, قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَكَانُوا يَضْرِبُونَنَا عَلَى الشَّهَادَةِ وَالْعَهْدِ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
فعهدُ النبي وعهد الصحابة والتابعين هي العهود المثالية التي مرَّت بها البشريةُ .
أيها الأخوة، أنت كأبٍ وكمعلِّم, ينبغي أن تعتمد القصة، لأنها من أنجح الوسائل الفعَّالة في ترسيخ القيم الأخلاقية، لذلك يمكن أن تجلس بين مجموعة من الناس، وتحدِّثهم عن قصص واقعية واضحة المغزى، فهذا درس في التعليم لا يقلُّ أبدا عن درس نظري .

لمحة عن سيرة صفية بنت عبد المطلب :
هذه صفيَّةُ عمَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم, كانت في الجاهلية زوجةَ الحارث بن حرب بن أمية أخي أبي سفيان، مات عنها, فتزوَّجها العوَّامُ بن خُويلد، فولدت له الزبير والسائب، وقد شهدا بدرا والخندقَ وغيرهما، واستشهدا باليمامة، أسلمت صفيةُ قديما .
وبالمناسبة: السابق في الإسلام له فضله، والإسلام مرَّ بمراحل صعبة جدا، قاومه المشركون، وقاومه الكفار، ضيَّقوا على الصحابة الكرام، وقاطعوهم، نالوهم بالأذى، ونكَّلوا بهم، والإنسان أن يسلم في هذا الظرف الصعب, فله أجر كبير، أما حينما انتصر الإسلامُ، ودخل الناسُ في دين الله أفواجا، صار الإسلامُ مغنما بعد أن كان مغرما، فكلُّه عند الله بحساب، أنت حينما تسلم في زمن يُحارب فيه الإسلام في بعض الأزمان, حينما تسلم يعلو شأنُك، وتُتاح لك فرصٌ ذهبية، وأحيانا حينما تسلم، وتلتزم, تشعر بحرج شديد، كلُّ حالة لها أجرها، الحساب عند الله دقيق جدا، ليسوا سواء؛ من قبل الفتح كالذي آمن بعد الفتح, هناك بونٌ شاسع بينهما .
فصفية رضي الله عنها, أسلمت قديما، وهاجرت إلى المدينة المنورة، كانت قد بايعت النبيَّ صلى الله عليه وسلم، عاشت كثيرا، وتوفيت في خلافة عمر سنة عشرين، ولها من العمر ثلاث وسبعون سنة، وهي أول مسلمة قتلت يهوديا، وكانت قد قاتلت يوم أحد رضي الله عنها وأرضاها .
أيها الأخوة, من علامة نضجك: أن تعتقد، وأن ترى, أن المرأة لا تقلُّ عن الرجل، مساوية له تماما، مكلّفة كما هو مكلَّف، مشرَّفة كما هو مشرَّف، تسعد بربها كما يسعد بربه، وإذا قال الله تعالى:

﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾
[سورة آل عمران الآية: 36]
بمعنى أن لكلٍّ من الطرفين خصائص هي في حقِّه كمالٌ، أما المرأة فهي مشرَّفة، ومكرَّمة، ومساوية للرجل، ولها خصائص تمتاز بها، هي كمال في حق مهمَّتها .
إليكم هذه الصفقة الرابحة التي بايعت بها صفية رسول الله :
أيها الأخوة, لقد بايع رسولَ الله صلى الله عليه وسلم النساءُ الصحابيات، بايع الصحابيات رسول الله، وقد نقول: يبايع رسولُ الله النساءَ الصحابيات رضوان الله تعالى عليهن، وبايع النبيُّ عليه الصلاة والسلام عمَّته صفيةَ بنت عبد المطلب رضي اللهُ عنها، فكان لبيعتها أثرٌ بارز في حياتها، من طاعة الله تعالى, وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وطاعة الزوج بالمعروف، وبالحفاظ على النفس، والشرف، والأمانة، وإخلاص في القول, والعمل لله تعالى, المؤمن الصادق باع نفسَه لله، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
[سورة الأنعام الآية: 162]
والمؤمن الصادق بايع اللهَ عزوجل بأن له الجنة، وبعد أن بايع اللهَ عزوجل, لا يحقُّ له أن يسأل: لِمَ فعل اللهُ معي هكذا؟ المؤمن صدَق ما عاهد اللهَ عليه، وباع نفسَه لله عز وجل، فهو يجعل كلَّ طاقاته وإمكاناته في سبيل الله .
وقفتْ هذه الصحابية الجليلة عمة النبي صلى الله عليه وسلم مواقفَ مشرِّفة، حفظها لها التاريخ، والإنسان يصبح كلمة، إما إنه مشرَّف في التاريخ، أو أنه محتقر، هناك في التاريخ أبطال ، وهناك طغاة، وهناك محسنون، وهناك مسيئون، والإنسان بعدما ينتهي أجلُه, يبقى ذكرا، إما أنه ذكرٌ حسن، وإما أنه ذكر سيء، ونحن الآن في الحياة، والخيارات أمامنا واسعة جدا، لكن بعد أن ينتهيَ الأجلُ, يصبح الخيارُ محدَّدا، فو الذي نفس محمد بيده, ما بعد الدنيا من دار, إلا الجنة أو النار .
مرَّ معي بعضُ الأحاديث الشريفة: أن النبيَّ عليه الصلاة والسلام مرَّ مع أصحابه بقبر، فقال عليه الصلاة و السلام:

((صاحبُ هذا القبر إلى ركعتين مما تحقرون من تنفُّلكم أحوج إليهما من كل دنياكم))
أنت الآن ترى الدنيا عظيمة، مؤسسات، شركات أرباح، بيوت، مركبات، نساء، لكن حينما يصبح الإنسان تحت أطباق الثرى، الشيء العظيم ركعتان، الشيء العظيم تلاوة القرآن، الشيء العظيم عمل صالح، الشيء العظيم إنفاق المال، والذي يقوله الإنسان الشارد:
﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي * فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ﴾
[سورة الفجر الآية: 24-25]
والحقيقة: من هو العاقل؟ هو الذي لا يندم، ومن الذي يندم؟ هو الذي ارتكب خطأ فاحشا ، وخطأ مدمِّرا، قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾
[سورة الزمر الآية: 15]
إنّ أشدَّ أنواع الخسارة, أن تخسر الآخرة، وأشدَّ أنواع الخسارة, أن تخسر نفسك التي خلقها اللهُ للجنة، فأوصلتها إلى النار، وأشدَّ أنواع الخسارة, أن تأتيَ اللهَ يوم القيامة مفلِسا، ليس لك عمل صالح، وإنّ أشدَّ أنواع الربح, أن تكون في طاعة الله .
مرة سمعتُ رجلاً, يلقي كلمةً في عقد قران، شعرتُ شعورا لا يوصف، الكلمة معروفة، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: أَخَذَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

((إِنِّي لَأُحِبُّكَ يَا مُعَاذُ, فَقُلْتُ: وَأَنَا أُحِبُّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَلَا تَدَعْ أَنْ تَقُولَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ: رَبِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ, وَشُكْرِكَ, وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ))
[أخرجه النسائي في سننه]
قلت: ما من مرتبة ينالها الإنسانُ أعظم من أن يحبَّه اللهُ، ويحبه رسولُه، وطريقة محبة الله بين أيديكم، طريق مفتوح الأبواب، طريق سالك، وآمن، وسريع، وقصير، لمجرَّد أن تصطلح مع الله، وأن تعقد العزمَ على طاعته, أحبَّك اللهُ، وإذا أحبَّك اللهُ, أحبَّك كلُّ شيء:
يُنادَى له في الكون أنا نحبُّه فيسمع مَن في الكون أمرَ محبِّنا
وإذا أحبك اللهُ, ما فاتك من الدنيا شيءٌ، لذلك أكبر عقاب, يعاقب به الإنسان، قال تعالى:

﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾
[سورة المطففين الآية: 15]
أن يحجبك اللهُ عنه، هذا أكبر عقاب، فالسيدة صفية عمَّة النبي عليه الصلاة و السلام، عاشت عمرا، وانتهى العمرُ، الآن بقيت ذكراً، بقيت كلمة طيِّبة عنها، وعملها محفوظ عند الله عز وجل .
قلت مرة كلمة: هناك امرأةٌ قُلامة ظفرها, تساوي ألف رجل، وأنت كمؤمن إذا أخلصتَ لله عز وجل، وأقبلتَ عليه، واصطلحتَ معه، وأطعته، وخدمت عباده, أحبَّك اللهُ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ:

((مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ, وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ, وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ, فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ, وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ, وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا, وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا, وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ, وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ, وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ, تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ, يَكْرَهُ الْمَوْتَ, وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ))
[أخرجه البخاري في الصحيح]
وقفت هذه الصحابية الجليلة عمةُ النبي عليه الصلاة والسلام مواقفَ مشرِّفة حفظها لها التاريخ، كانت انطلاقا من تلك البيعة الصادقة، وبيعة النساء, جاء الخطابُ الإلهي بخصوصها، فقد قال الله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئاً وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 12]
أيها الأخوة, أثبت بيعةَ صفية للنبي عليه الصلاة و السلام ابنُ سعدٍ, فقال:
((أسلمتْ صفيةُ، وبايعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ولما جاءت النسوةُ لمبايعة رسول الله صلى الله عليه وسلم, كنَّ متلفِّفاتٍ بمرُطِهنَّ بين المغرب والعشاء، فسلَّمن، وانتسبنَ، -أي عرَّفت كلُّ امرأة بنسبها- فرحَّب بهن رسولُ الله صلى الله عليه وسلم, ثم قال: ما حاجتُكنَّ؟ فقلن: يا رسول الله, جئنا نبايعك على الإسلام، فإنا قد صدَّقنا بكَ، وشهدنا أن ما جئت به حق))
فعَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ, أَنَّهَا قَالَتْ:
((أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ نُبَايِعُهُ, فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا, وَلَا نَسْرِقَ, وَلَا نَزْنِيَ, وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا, وَلَا نَعْصِيكَ فِي مَعْرُوفٍ, قَالَ: فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ, قَالَتْ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا, هَلُمَّ نُبَايِعْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ, إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ, أَوْ مِثْلُ قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ))
[أخرجه النسائي في سننه]
إني لا أصافح النساء، هذه الوقاية، والوقاية خيرٌ من قنطار علاج، إني لا أصافح النساءَ ، قولي لألف امرأة, قولي لامرأة واحدة، وهذا من صفات المؤمن، المصافحة ملامسة، والملامسة لها مضاعفات, لا تُحمَد عقباها، والمؤمن طاهر، وعفيف، والمؤمن يسدُّ مسربين للشيطان, فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ, وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا, فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؟ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا, وَاتَّقُوا النِّسَاءَ, فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ))
[أخرجه مسلم في سننه]
أحيانا أقول لبعض الأخوة: هناك إنسان يُؤخذ بامرأة، وإنسان يؤخذ بالمال، والمالُ والنساء نقطتا ضعف في شخصية الإنسان، فالمؤمن سدَّ هاتين النقطتين، فهو محصَّن من هاتين النقطتين، لا يخفض رأسَه ذلاًّ، ولكن الذي ضعُف أمام المرأة، ثم اعترف بفعله الفاحشة معها على مستوى العالم كله, صار في الوحل، أليس كذلك؟ امرأة أذلَّته، وجعلته في الوحل، لأنه ضعف أمامها, فسقط من عين الخلق، ومن عين أقرب الناس إليه، والدعاء الشهير، دعاء النبي سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة و السلام:
﴿وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 33]
فالإنسان لا يقُل: أنا شخصيتي قويَّة، وأنا لا أتأثَّر، أنا إرادتي قوية، هذا كلام فارغ، الإنسان كما قال الله عز وجل:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ﴾
[سورة آل عمران الآية: 14]
واللهُ سبحانه وتعالى وضع في كيان الرجل حبَّ المرأة، لذلك هناك تنظيمات في الإسلام دقيقة جدا، هذا الميل منظَّم بقناة نظيفة، الشهوات سُلَّمٌ نرقى به إلى ربِّ الأرض والسموات، إذا سارت في قنواتها النظيفة، وكلُّ شهوة أودعها الله في الإنسان, لها قناة نظيفة تسري خلالها، وقد قال تعالى:
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾
[سورة القصص الآية: 50]
المعنى المخالف أن الذي يتَّبع هواه وفقَ هدى الله عزوجل, فلا شيء عليه، وفق هدى الله ، في القناة النظيفة التي سمح اللهُ بها، وهذا معنى قوله تعالى:
﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾
[سورة هود الآية: 86]
عَنْ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رُقَيْقَةَ, أَنَّهَا قَالَتْ:
((أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ نُبَايِعُهُ, فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, نُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا, وَلَا نَسْرِقَ, وَلَا نَزْنِيَ, وَلَا نَأْتِيَ بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا وَأَرْجُلِنَا, وَلَا نَعْصِيكَ فِي مَعْرُوفٍ, قَالَ: فِيمَا اسْتَطَعْتُنَّ وَأَطَقْتُنَّ قَالَتْ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَرْحَمُ بِنَا, هَلُمَّ نُبَايِعْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ, إِنَّمَا قَوْلِي لِمِائَةِ امْرَأَةٍ كَقَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ, أَوْ مِثْلُ قَوْلِي لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ))
[أخرجه النسائي في سننه]
لذلك هناك نقطة مهمة جدا في الموضوع، أكثر الآيات التي نهت عن الزنا, جاءت على هذه الصيغة:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 32]
معنى ذلك: أنه لا بدَّ أن تدعَ بينك وبين هذه المعصية الكبيرة هامشَ أمان، وهامش الأمان ألاّ تخلوَ بامرأة، هامش الأمان ألاّ تملأ عينيك من محاسنها، وهامش الأمان ألاّ تصحب إنسانا منحرفا، وهامش الأمان ألاّ تقرأ أدبا إباحياً، وهامش الأمان ألاّ تتابع عملا فنِّيا مثيرا، هذه كلها هوامش أمان، قال تعالى:
﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾
[سورة الإسراء الآية: 32]
يبدو أن الزنا يشبه صخرة متمركزةً في قمَّة جبل، مستقرة في مكانها، فإذا دفعتها من مكانها قليلا، لن تستقرَّ إلا في قعر الوادي، حينما تخرق هذا الهامش؛ هامش الأمان, ففي الأعمِّ الأغلب لن تستقرَّ هذه الصخرة التي هي الشهوة إلا في قعر الوادي، قال تعالى:
﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾
[سورة البقرة الآية: 187]
وكنتُ ضربتُ على ذلك مثلا في الكهرباء: تيار كهربائي ثمانمائة فولت، لنقلِ الطاقة من مكان إلى مكان، هذا التيار فيه قوةُ جذب، فأيّ إنسان يقف أمامه على بعد ستة أمتار يجذبه، ويصبح فحمة سوداء، وزير الكهرباء إن أراد أن يحذِّر الناسَ من هذا التيار يكتب لوحةً: ممنوع مسُّ التيار, أو يكتب: ممنوع الاقتراب من التيار، لو كتب: ممنوع المس، لم يكن للإعلان قيمة إطلاقا، يحترق هذا الذي اقترب، يبدو أن هناك معاصي فيها قوّة جذب كبيرة جدا، من أجل أن تنجو من هذه المعصية, يجب أن تبتعد عنها، ويجب أن تدعَ بينك وبينها هامش أمان، لذلك الشريف من هو؟ الذي يهرب من أسباب الخطيئة .
بايع النبيُّ صلى الله عليه وسلم الأنصارَ، وأخذ عليهم, ألاّ يغششن أزواجهن، وأخذ رسول الله على النساء في بيعتهن, ألاّ يشققن جيبا، ولا يدَّعين ويلا، ولا يخمشن، ولا يقُلن هجرا، هذه المرأة التي تولول، وتشقُّ جيبها، وتلطم وجهها، وتشدُّ شعرها، وتصرخ بويلها، هذه ليس مؤمنة، وهذه التي تغشُّ زوجها، تكذب عليه، أيضا أخذ عليهن العهدَ ألاّ يفعلن هذا .

ماذا نستنبط من أحكام من موقفها يوم البيعة ؟
أيها الأخوة، هناك استنباطات طيِّبة من موقف السيدة صفية رضي الله عنها عمة النبي صلى الله عليه و سلم:
أوَّلا: اشتراكُ المرأة مع الرسول على أساس المساواة التامة في جميع المسؤوليات الدينية التي ينبغي أن ينهض بها المسلم، والمرأة مكلَّفة أن ترعى زوجها، وأولادها، وأن تقيم فرائضها، وأن ترسِّخ دعائم الإسلام في بيتها، كما أن الرجل مكلَّف تماما .
وشيء آخر: كيف كانت بيعةُ النبي صلى الله عليه وسلم للنساء؟ إنما كانت بالكلام فقط، من غير ملامسة، وذلك على خلاف بيعة الرجال، فدلَّ ذلك أنه لا يجوز ملامسة الرجل بشرة المرأة الأجنبية عنه، وليس من الضرورة شيوع العرف بمصافحة النساء، هذا ليس ضرورة، أي أن شيوع العرف بمصافحة النساء كما يتوهَّم بعضُ الناس لا يجعل هذا الشيءَ مشروعا، فالعرف ليس له سلطان في تغيير الأحكام الثابتة بالكتاب أو السنة، معصية شاعت بين الناس, لا تقُل: عموم بلوى، المعصية معصية، لا يقلِّل من قيمتها, أنها شاعت بين الناس، والإسلام بدأ غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء، ومن علامة الإيمان الصادق: أن يشعر المؤمن بغربة في آخر الزمان، كل من حوله يصافح، والمرأة تمدُّ يدها لتصافح .
سمعت عن امرأة, زارت بلدَنا, وزيرة دولة غربية، فكان في استقبالها كبارُ موظَّفي الوزارة، أحدُ هؤلاء الموظَّفين لم يصافحها، هناك من انزعج منه جدًّا، ماذا كان لو صافحها؟ هذه الزائرة الضيفة الوزيرة, سألت: هذا الذي لم يصافحني, لِمَ لَم يصافحني؟ أريد أن أراه، قيل لها: اعتذر عن المجيء, قالت: أنا أريد أن أراه، فلما التقت به, قالت له: لِم لَمْ تصافحني؟ قال: لأنني مسلم، وفي ديننا لا يجوز مصافحةُ المرأة الأجنبية، وأنتِ امرأة أجنبية، فماذا كان جوابُها؟ قالت: لو أن المسلمين أمثالك, لكنا تحت حكمكم .
المسلم يجب أن يعتزَّ بإسلامه، وأن يعتزَّ بدينه، وأن يعتزَّ بشرعه، فبيعة النساء ليس فيها ملامسة إطلاقا، كلام، إذًا: لا يجوز ملامسة الرجل بشرة المرأة الأجنبية، وليس من الضرورة شيوعُ العرف بمصافحة النساء، كما يتوهَّم بعضُ الناس، فليس للعرف سلطانٌ في تغيير الأحكام الثابتة بالكتاب والسنة، إلا إذا كان الحكمُ الشرعي قام على عرف سابق، والشرع أقرَّه على ذلك، والعرف مع وجود نص لا قيمة له إطلاقا، وشيوع المعصية لا يجعلها طاعة، شيوع المعصية لا يجعلها مباحة، فالنبيُّ عليه الصلاة و السلام يقول:

((إِنِّي لَا أُصَافِحُ النِّسَاءَ))
[أخرجه النسائي في سننه]
لكن من هذه البيعة, دلَّ أنه مباح, أن تسمع كلام المرأة الأجنبية, إذا كان كلاما جادًّا، قال تعالى:
﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 32]
إذا كان الكلام جادًّا, قال تعالى:
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 53]
أخواننا الكرام, المؤمن عفيف جدًّا، ألم يقل سيدُنا جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ:
((أَيُّهَا الْمَلِكُ, كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ, نَعْبُدُ الْأَصْنَامَ, وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ, وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ, وَنَقْطَعُ الْأَرْحَامَ, وَنُسِيءُ الْجِوَارَ, يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ, فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ, حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولًا مِنَّا, نَعْرِفُ نَسَبَهُ, وَصِدْقَهُ, وَأَمَانَتَهُ, وَعَفَافَهُ, فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ, وَنَعْبُدَهُ, وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الْحِجَارَةِ وَالْأَوْثَانِ, وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ, وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ, وَصِلَةِ الرَّحِمِ, وَحُسْنِ الْجِوَار,ِ وَالْكَفِّ عَنْ الْمَحَارِمِ وَالدِّمَاءِ, وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ, وَقَوْلِ الزُّور,ِ وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ, وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ, وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ, لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا, وَأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ, وَالزَّكَاةِ, وَالصِّيَامِ, قَالَ: فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الْإِسْلَام))
[أخرجه أحمد في سننه]
هذه أركان الأخلاق: صدق، وأمانة، وعفاف، صدق في الأقوال، وأمانة في الأفعال، وعفَّة عن النساء، الصفة الصارخة للمؤمن عفَّته عن النساء، غضُّ بصره، ولا يدير حديثا ممتعا مع امرأة لا تحلُّ له، أكثر الناس إذا كانت هناك امرأة في المجلس, يحسِّن كلامه كثيرا، ويستجمع الطُّرف كي يضحكها، وكي يتأمَّل ضحكها، هذا الذي يدير حديثا ليضحك امرأة، ويستجلب قلبَها, خرج عن العفَّة، قال تعالى:
﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً﴾
[سورة الأحزاب الآية: 32]
أيضا الرجل لا ينبغي أن يقول كلاما, يلفت نظر المرأة إليه، هذا لا يجوز، أما:
﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 53]
المرأة مودَتها لمن؟ لزوجها، لأولادها، ولأخوتها، وأخواتها، لأمها، وأبيها، العبارات الحارَّة الحميمة هذه لمحارمها، ولا سيما لزوجها في الدرجة الأولى، أما أن تخضع المرأةُ بالقول لأجنبيّ، فقد خرجت عن قواعد العفة، أما أن ينمِّق الرجل حديثَه أمام امرأة, ليلفت نظرها إليه, فقد خرج عن قواعد العفة، فضبطُ اللسان أحد أركان الاستقامة، لا يستقيم إيمانُ عبدٍ حتى يستقيم قلبُه، ولا يستقيم قلبُه حتى يستقيم لسانُه .
فقد دلَّت أحاديث البيعة التي ذكرناها على أن كلام الأجنبية يباح سماعُه إذا كان جادًّا، وأن صوتها ليس بعورة، وهو مذهب جمهور الفقهاء، والآية واضحة، قال تعالى:

﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعاً فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾
[سورة الأحزاب الآية: 53]
وقد كان النبيّ عليه الصلاة والسلام قدوةً لنا، أنت تحبُّ ألاّ تتميَّز أبدا، ما يفعله الناسُ تفعله، طيب أين إسلامُك؟ أحد الذي يميِّزك عن بقية الناس, أنك لا تصافح النساء، لا تستحِ، ولا تقل: متوضَّئ، لماذا متوضئ؟
((إني لا أصافح النساء))
[أخرجه النسائي في سننه]
قل لها: إني لا أصافح النساء، ودائما أظهِر إسلامك عزيزا، هناك أشخاصُ يُضطرُّون أن يجلسوا على مائدة فيها مشروب محرَّم، يقول لك: أنا معي قرحة، قل: أنا لا أشرب هذا، أنا مسلم، أظهر دينك، أعزَّ دين الله, يعزَّك اللهُ عز وجل .

السعيد 09-04-2018 01:48 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات - اهل بيت النبى الكريم

الدرس : ( الخامس و العشرون )


الموضوع : هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد الشمس





السيرة-الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين, أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات .
ملاحظة هامة :
أيها الأخوة الكرام، لا زِلْنا مع الصحابيَّات الجليلات، مع الدَّرْس الرابع والثلاثين مِن سِيَرِ الصَّحابيَّات الجليلات رِضْوان الله تعالى عنهن أجْمعين، ومع هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ بنِ ربيعَةَ بن عَبْد شَمْس، هِنْدِ بنْتِ عُتْبة زوجة أبي سُفْيان، ولها تاريخٌ عريقٌ في عَدَاوَة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
وقَبلَ أنْ أشْرَعَ في الحديث عن هذه الصَّحابيَّة, لا بدَّ مِن مُقَدِّمةٍ ضروريَّة: ذلك أنَّ العداوَةَ في الإسْلام ليْسَتْ مُتَأصِّلَةً، أحْيانًا تَكْرَهُ الرَّجُلَ؛ تَكْرهُ عَمَلَهُ، ولا تَكْرهُ ذاتهُ، وربُّنا جلَّ جلاله يكرهُ عمَلَ الرجل، ولا يَكْرهُ الرجل، بِدَلِيل أنَّهُ بِمُجَرَّد أنْ يلتفِتَ العبْد إلى الله عز وجل اِنْطَوَتْ صفْحةٌ، وفُتِحَتْ صفْحةٌ جديدة .
تَذْكُرون أنَّ عُمَيْر بن وَهْبٍ أتى المدينة لِيَقْتُل رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، لأنَّ ابْنَهُ وَقَعَ أسيرًا، فسقَى سَيْفهُ سُمًّا، وتوجَّهَ نَحْوَ المدينة لِيَقتل النبي عليه الصلاة والسلام، رآهُ عمر فقيَّدَهُ بِحَمَّالَةَ سَيْفِهِ، وساقَهُ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، قال: يا رسول الله، هذا عُمَيْر بنُ وَهْبٍ جاءَ يُريدُ شرًّا, والقصَّة معروفةٌ عندكم, كيْفَ أنَّ النبي عليه الصَّلاةُ والسَّلام قال: أطْلِقْهُ يا عُمَرَ؟ ادْنُ مِنِّي يا عُمَيْر، ما الذي جاء بِكَ؟ قال: جِئْتُ أَفُكُّ ابني مِنَ الأسْر، فقال: وهذه السَّيْف التي على عاتِقِك؟ قال: قاتَلَها اللهُ مِن سُيُوفٍ, وهل نَفَعَتْنا يوْمَ بَدْرٍ؟‍ فقال النبي الكريم: ألَمْ تَقُلْ لِصَفْوان ابنِ أُمَيَّة: والله، لوْلا فِتْيَةٌ صِغار، ولَوْلا دُيونٌ لا أُطيقُ سَدادَها، لَذَهَبْتُ وقتَلْتُ محمَّدًا، وأرحْتُكم منه؟ فَوَقَفَ عُمَيْرٌ، وقال: والله إنَّكَ رسول الله، والذي دارَ بيْني وبين صَفْوان لا يَعْلمُهُ أحدٌ إلا الله، وأنتَ رسوله، وأشْهدُ أنَّك رسول الله .
الشاهدُ أنَّ سيِّدنا عمر قال: دخل عُمَيْر على رسول الله، والخنزير أحبُّ إليَّ منه، وخرجَ من عِنْدِهِ، وهو أحبُّ إليَّ مِن بعْضِ أولادي .
هذا هو الإسلام، الإسلام قد تنتقلُ من أشدّ أنواع العَداوة إلى أشدِّ أنواع المحبَّة، التَّفسير : إنّك لا تَكْرهُ فلانًا، ولكن تَكْرهُ عَمَلَهُ، وربّنا عزّ وجل لا يَغْضبُ على العَبْد، بل يغْضبُ مِن عملِهِ ، فإذا صلَّحَ, انتهى كلّ شيءٍ، وهذا أرْوَعُ ما في الإسلام .
إليكم المغزى من هذا الكلام :
قُلْتُ لكم: هذه المرأة التي كانت مِن أشدِّ النِّساء عَدَاوَةً لِرَسول الله، وهي التي قتلَتْ حمزةَ عمَّ النبي عليه الصلاة والسلام بِأَمْرها، وهي التي لاكَتْ كَبدَهُ بِأسْنانها، وليْسَ في تاريخ المسلمين امرأةٌ أشدُّ عَداوةً للنبي عليه الصلاة والسلام مِن هذه المرأة .
والآن سَأُسْمعُكم كيفَ صارَ حالُها؟ هذا يُعْطينا أمَلاً كبيرًا، يُعطيكَ أمَلاً أنَّك إذا أقْبلْتَ على الله تعالى, غَفَرَ الله لك كلَّ ذُنوبك، وهذا يعني أنَّهُ لوْ جئْتَ الله عزّ وجل بمِلء السموات والأرض خطايا, غَفَرَها لك ولا يُبالي، وهذا يعني أنَّك إذا رجَعْت إلى الله عز وجل, نادى مُنادٍ في السموات والأرض أنْ هَنِّئوا فلانًا، فقَدْ اصْطَلَحَ مع الله تعالى، وهذا يعْني أنّ الله عز وجل بِمُجَرَّد أنْ تَتُوبَ إليه, يُقْبِلُ عَلَيْك ويَقْبَلُكَ، وهذا المعنى الدَّقيق الذي أردْتُهُ من هذه القصَّة .

إليكم قصة إسلام هند بنت عتبة :
أسْلمَتْ هنْدُ بنْتُ عُتْبةَ عامَ الفتْح، بعْدَ عشرين عامًا مِن عَداوة مشتعلة، ومِن تآمُر، ومِنْ هِجاءٍ، ومِن حِقْدٍ، ومِن بُغْضٍ لا حدود له لِرَسول الله صلى الله عليه وسلّم، أسْلمَتْ بَعْد إسْلام زوْجِها أبي سفيان، وحينما دَخَلَ النبي عليه الصلاة والسلام مكَّةَ المكرَّمة, قال أبو سفيانَ:
((ما أعْقَلَهُ ! وما أحْكَمَهُ! وما أوْصلَهُ! وما أرْحَمَهُ!))
أسْلمَتْ بَعْد إسْلام زوْجِها أبي سفيان، وبايَعَتْ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم على الإسلام، كانتْ ذاتَ عَقْلٍ وافِر، ولكنَّها تأخَّرَتْ في إسلامها إلى إسلام زوْجِهَا،
((يا سَعْدُ لا تُبْغِضِ العَرَبَ فَتُبْغِضُني، قال: وكيفَ نُبْغِضُكَ، وبِكَ هدانا الله تعالى؟ فقال: تُبْغِضُ العربَ فَتُبْغِضُني))
أحيانًا تنتقِلُ العداوةُ مِن إنسانٍ إلى إنسانٍ، فَهِيَ كانت ذاتُ عَقْلٍ وافِر، فَلِمَ لمْ يَهْدِها عَقلُها إلى الإيمان بِرَسُول الله, ولِمَ لمْ يقُدْها ذكاؤُها إلى أنْ تُسارِعَ إلى الإسْلام؟ لماذا تلكَّأتْ؟ لعَلَّها مرتبطَة مع إنسانٍ عَدُوٍّ لِرَسول الله ‍.
الآن نستنبطُ اسْتِنْباطًا دقيقًا: إذا كنتُ في بيئةٍ، وفي مجتمَعٍ يُحارِبُ الدِّين، دون أن تشْعُر تنتَقِلُ إليك هذه العَدْوَة، أنتَ في بيئةٍ لا تُحِبُّ الدِّين، ولذلك مِثْلُ هذه البيئة لا ينبغي أن تبقى فيها، ولا ينبغي أن تُقيمَ معها علاقات، يجِبُ أن تكون في بيئةٍ تُحِبّ الله ورسولهُ، وهذا الذي يقوله الله عز وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾
[سورة التوبة رقم الآية: 119]
اِبْحث مع هؤلاء الذين أنت معهم، مَعَ مَنْ تَجْلِس؟ ومعَ مَنْ تسْهر؟ ومع مَنْ تُخالط؟ ومع مَن تتنزَّهُ؟ ومع مَن تتحدَّث؟ ومعَ مَنْ تُحاوِر؟ مَن هوَ صديقُك؟ ومَن هو محِبُّك؟ وما هي العلاقة الحميمة التي تُقيمها معه؟ هذا شيءٌ خطيرٌ جدًّا .
والآن ثَبَتَ في عِلْم النَّفْس: أنَّ سِتِّين بالمئة مِنَ الأَثَرَ, يتَلَقَّاهُ الشاب عن أصْدِقائِهِ، والباقي عن أُمِّه، وعن أبيهِ, وأخْوَتِهِ, لذا قَضِيَّة الصَّداقة خطيرة جدًّا .
فالبيئة تَغْذِيَةٌ هادئة، أنت معَ أهْل الإيمان في تغْذِيَةٍ، مَوْقِفُهم، وحركتهم، وحياؤُهم، وخَجَلُهم، وعِفَّتُهم، صِدْقُهُم، أمانتهم، ومحبَّتُهم لله تعالى، هذه كلُّها تغْذِيَة بطيئة، مِن دون أن تشْعُر ترى أنَّك مُحِبٌّ لله تعالى، ولو جَلَسْت مع أهل الفِسْق والفُجور، تجِدُ تغْذِيةً بطيئة هادئة، تقول: حياتُهم أكثر راحةً مِن حياتنا, حياتهم من دون قُيود، انْشِراح، راحة، قَضِيَّة غضّ البصر نرتاح منها, وكيْفَمَا كان يقبض المال من حرام أو من حلال، ليس عندهم مُشكلة، وكلَّما جلسْتَ معهم اسْتَمْرأْتَ عملهم، إلى أنْ تُصْبِحَ مثلهم، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 13]
قال تعالى:
﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾
[سورة المجادلة الآية: 22]
لذلك أنا أُريد من هذا الدَّرْس: أن تُفكِّرَ مَلِيًّا في هذه العلاقة الحميمة, تُقيمها معَ مَنْ؟ مَنْ هَوِيَ الكَفَرَةَ حُشِرَ معهم، ولا ينفعُهُ عملهُ شيئًا .
زارني صديقٌ مُقيمٌ في بلدٍ غَرْبي، شيءٌ غريب! كلّ حديثهُ عن هؤلاء؛ تاريخهم، حروبهم، فضائلهُم، وكأنَّهُ ليْسَ بِمُسْلِم, عاشَ معهم، وقَبلَ قِيَمَهُم، واسْتَمْرأ علاقتهم، أشاد بهم، وأثنى عليهم، مَنْ هَوِيَ الكَفَرَةَ حُشِرَ معهم، ولا ينفعُهُ عملهُ شيئًا .
هذا الدَّرس مِحْورُهُ العلاقة الحميمة، أو العلاقة الحميمة مَعَ مَنْ؟ هل لك ولاءٌ مع المؤمنين أم ولاؤُكَ مع غيرهم؟ وهل لك براءٌ مِن المشركين, والمنافقين, وأعداء الدِّين, أم أنَّكَ تُحِبُّهم؟ .
النبي عليه الصلاة والسلام تمنَّى على الله داعِيًا، فقال:
((اللَّهُمَّ لا تجْعل لي خَيْرًا على يدي كافر أو منافق))
لأنَّ هذا الخَيْر الذي أجْراه الله على يدي الكافر أو المنافق, يَدْفعُكَ إلى مَحبَّتِهِ، وإذا أحْببْتَهُ, انتهَيْتَ تعاهَدْ قَلْبَكَ، هذا القلب يَلِينُ لِمَنْ؟ .
هند بنتُ عُتبَة وافِرَةُ العَقل، ولكِنَّها كانتْ مِن أشدِّ النِّساء عداوةً لرسول الله صلى الله عليه وسلَّم؛ لماذا؟ لأنَّها مع قَوْمِها، وتعيشُ مع بيْئةٍ تُعادي النبي عليه الصلاة والسلام، وتُناصِبُ النبي العِداء، فلِذلك انتَقَلَ إليها العِداء معَ وَفْرةِ عَقْلها .
يؤكِّدُ هذا: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام حينما الْتقى بِخَالدٍ بن الوليد رضي الله عنه، وقد أعْلَنَ إسْلامهُ، قال له:
((عَجِبْتُ لك يا خالد! أرى لكَ فِكْرًا))
كأنَّ الفِكْر عليه أن يقودكَ إلى الله عز وجل .
هِيَ أمُّ مُعاوِية بن أبي سفيان، الخليفة الأمويّ الأوَّل، أخبارها قبل الإسلام مشهورة, شَهِدَتْ أُحُدًا مع المشركين, وهي التي تآمَرَتْ مع هذا الحبَشِي لِقَتْل سيّدنا حمزة، وهي التي بقرَتْ بطْنهُ، وأخرجَت كبِدَهُ، ولاكَتْهُ بِأَسْنانها، وفعَلَتْ ما فعلَت بِحَمْزة, وكانتْ تُؤلِّبُ على المسلمين، إلى أن جاء الله بالفتح، فأسْلَمَ زوْجُها، وأسْلمَتْ هِيَ .
قال عبدُ الله بن الزبَيْر:
((لمَّا كان يوْمُ الفَتْح, أسْلَمَتْ هنْدُ بنْتُ عُتْبة، ونِساءٌ معها، فأَتْينَ النبي صلى اله عليه وسلّم, وهو بالأبْطَح، فَبايَعْنَهُ, فتكلَّمَتْ هنْدُ, قالَتْ له: يا رسول الله, -فرَحُ المؤمن بِهِداية كافر لا يُصوَّر، إنسانٌ ينتقل فجأةً مِن صفّ أعداء الدِّين إلى المؤمنين .
كنتُ في الحجّ قبل سنوات، وسَمِعتُ أنّ أمريكيًا أسْلمَ، وألْقى محاضرةً في الحج، قال: نحن أمَّةٌ قوِيَّة، بل نحن أقْوى الأمم، ولكنّنا بشرٌ، فإذا أقْنعْتُمونا بإسْلامكم, كانت قوَّتُنا لكم, كلامٌ دقيق جدًّا، نحن مقصرون .
لذا هذه المرأة الذكِيَّة العاقلة والخطيرة، هي الآن تُعْلنُ إسلامها- قالتْ: يا رسول الله، الحمد لله الذي أظْهر الدِّين الذي اختارهُ لِنَفْسِهِ، لِتَنفعني رحمتكَ، يا محمد, إنَّني امرأة مؤمنة بالله تعالى، مُصدِّقةٌ برَسولِهِ، -وما عرفَ رسول الله صلى الله عليه وسلّم مَن هِيَ؟- ثمّ قالتْ: أنا هند بنتُ عتبة, -المرأة المخيفة، صدِّقوا أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام فرِحَ بها فرحًا شديدًا، لذا عند النبي أو المؤمن لا يوجد الحقد، هناك حِقْدُ مَبدأ، فَحِينما ينظمّ هذا العدوّ إلى الدِّين, انتهى ذاك الحقد- .
فقال عليه الصلاة والسلام: مرْحبًا بِكِ, -هي التي قتَلَتْ عمَّهُ حمزة, لا حقْد، وصفاء المؤمن لا حدود له، وهو نبيّ هذه الأمَّة- قالتْ: والله يا رسول الله، ما كان على الأرض أهل خِباءٍ أحبُّ إليَّ من أن يذِلُّوا مِن خِبائكَ, -أيْ أتمنَّى أن تذِلُّوا، وأن تُقْهروا- ولقد أصْبحتُ وما على الأرض أهْلُ خِباءٍ أحبّ إليّ أن يَعِزُّوا مِن خبائِكَ, -ما هذه النَّقمة؟ أيْ لا يوجد على وجْه الأرض جماعة, أتمنى إذْلالهم، وقهْرهم، وقتلهم، وتحطيمهم كَقَوْمِك، والآن ليس على وجه الأرض جماعة, أتمنى أن يعِزُّوا، وأن يرتفعوا مثل قوْمك، وهذه هي نقمة المؤمن، انتقل مئة وثمانون درجة- فقال عليه الصلاة والسلام: وزِيادة))
ما معنى وزِيادة؟ أيْ كما تقولين: وزيادة، وهذا حال الذي يعرف الله تعالى.
لذا إذا كان لك عدوّ لدود, دمَّركَ بالتِّجارة، أو دمَّرك بِطَريق آخر، وبعد حينٍ هذا العدو اللّدود, اصْطلحَ مع الله، وأحبَّهُ، إن لم تُحِبَّهُ, فلسْتَ مؤمنًا، وهذا هو الدِّين .
سيّدنا يوسف ماذا فعَلَ أخوتهُ به؟ وضَعُوهُ بالجُبّ لِيَموت، قال تعالى:
﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾
[سورة يوسف الآية: 92]
قال تعالى:
﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾
[سورة يوسف الآية: 100]
لِمَ لمْ يذكر الجبّ؟ لمَّا جاؤوا مسلمين, انتهى الأمر، لك الإمكانية أن تنقلب عداوةً عميقة وحقْد إلى حبّ .
الشيء الذي لا يُصدَّق: أنَّ النبي عليه الصلاة والسلام مِن شِدّة حبِّهِ للخَلْق، أنا أتصوَّر أنَّ أعلى رجل في العالم, يستطيعُ بِحُبِّه الغامر, أن يُحوِّل أعداءهُ الألدَّاء إلى أحباب .
هناك صفوان بن أُميّة، عُمَيْر بن وهب، أبو سفيان, اذْهبوا فأنتم الطُّلقاء .
أمامة بن آثال, قتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلّم، قال:
((أطْلقوا سراحَهُ، غابَ, وعاد، وقد اغْتسَلَ، أعْلَنَ الشهادة، وأسْلمَ، وقال: والله يا رسول الله، ما كان على وَجه الأرض دينٌ أبغضَ إليّ من دينك، والآن ما على وجه الأرض دينٌ أحبّ إليّ من دينك))
وهناك قصص كثيرة جدًّا .
لمَّا أسْلمَت هند, جعلت تضربُ صنمًا في بيتها بالقُدُّوم، كان أوَّلُ عملها كَسْرُ هذا الصَّنَم، حتى فلَّذَتْهُ فلِذَةً فلذة؛ قطعةً قطعة، وهي تقول: كنَّا منك في غَرَر .
لقد رحمها الله تعالى يوم الفتح الأكبر, كما رحم زوْجها أبا سفيان, الذي ظلَّ طويلاً عَدُوًّا للإسلام، غير أنّ الإسلام دين الرحمة والهداية, فلْننْظر إلى آثاره يوم الفتح .
كان جميع أهل مكة تحت قبضة النبي عليه الصلاة والسلام يوم الفتح، ولولا أنّ الله تعالى, أرسَلَهُ رحمةً للعالمين, لجدَّ رؤوس أهل مكَّة جميعًا، لأنَّهم ما ادَّخروا وُسْعًا في الصدّ عن سبيل الله، وإطفاء نور الإسلام، ولكنَّهم لم يستطيعوا، وهذا هو الإسلام بِنُورهِ الحق، ورسوله الرحيم .
كانتْ هنْدُ مِن النِّسْوة الأربع اللاتي أهْدرَ النبي عليه الصلاة والسلام دَمَهنّ، ولكنَّهُ صلى الله عليه وسلّم صفح عنها، وعفا عنها، وعما كان منها, حينما جاءتْهُ مسلمةً مؤمنة .

هنيئاً لك هذه البيعة يا هند :
الآن تقفُ هند أمام رسول الله، عندما بايَعَ النِّساء آمنةً مطمئنَّةً، وتسْتوْضِحُهُ في أمور البيعة، ولا تخشى إلا الله تعالى .
روى الطبري: لمَّا فرغ النبي عليه الصلاة والسلام مِن بَيْعة الرِّجال, بايَعَ النِّساء، واجْتمَعَ إليه نساءٌ من نساء قريش فيهنّ هند بنتُ عتبة، فلمَّا دَنَوْنَ منه لِيُبايِعْنهُ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
((تُبايِعْنني على ألاّ تُشْركْن بالله شيئًا، قالتْ هنْدُ: والله إنَّك تأخذ علينا أمرًا لا تأخذه على الرّجال، وسَيُؤتيكَهُ، قال عليه الصلاة والسلام: ولا تسْرِقْن، قالت هنْدُ: والله إن كنتُ لأُصيبُ من مال أبي سفيان الهنَكَ والهنكَ، ولا أدري أكان ذلك حِلاًّ لي أم لا؟.
-تَجِدُ المؤمن بعد توبته إلى الله تعالى، يُراجِعُ نفسهُ، ويُحاوِل تسديد كلّ الدّيون السابقة .
لي قريب له محلّ حلويات، قال لي: دخل شابّ, فوضَعَ ظرفًا على الطاولة، ورجع ‍، فتَحْتُهُ، فإذا مكتوب فيه، من عشرين سنة, دخلتُ هذا المحل، وأكلتُ قطعة حلوى، ولم أدفع, حاسبَ نفسهُ لِمُدَّة عشرين سنة، وهذا هو حال المؤمن دائمًا, يُراجعُ نفسهُ- .
قالت هنْدُ: والله إن كنتُ لأُصيبُ من مال أبي سفيان الهنَكَ والهنكَ, -أيْ الدُّريْهمات- ولا أدري أكان ذلك حِلاًّ لي أم لا؟ فقال أبو سفيان -وكان شاهدًا معها-: أما ما أصبتِ فيما مضى, فأنت منه في حِلّ، عفوْنا عن الماضي، فقال عليه الصلاة والسلام: وإنَّك لَهِنْد بنتُ عتبة؟ فقالَتْ: أنا هند بنت عتبة، -أيْ زوجتهُ- فاعْفُ عما سلف, عفا الله عنك، -أيْ سامِحْها- فقال عليه الصلاة والسلام: ولا تزنين, فقالت: يا رسول الله, وهل تزْني الحُرَّة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: ولا تقتلن أولادكنّ، فقالت هندُ: قد ربَّيناهم صِغارًا، وقتلْتَهم يومَ بدْرٍ كِبارًا، وهم أعْلم، فضَحِكَ عمر بن الخطَّاب مِن قولها, حتَّى اسْتغربَ! -أيْ بالغَ في الضَّحك- فقال عليه الصلاة والسلام: ولا تأتين بِبُهتانٍ تفْترينَهُ بين أيْديكنّ وأرجلكنّ، فقالت: والله إنَّ اتيان البُهْتانِ لَقَبيح، فقال صلى الله عليه وسلّم: ولا تعصين في معروف، فقالت: ما جلسنا هذا المجلس، ونحن نريد أن نعصيك في معروف، -وكلمة لا يَعْصينكَ في معروف دقيقة جدًّا، هل في الأرض كلّها إنسان تتوجَّب طاعتهُ كرسُول الله؟ يستحيل، ومع ذلك طاعتُهُ مُقيَّدَة بالمعروف .
فأحد الصحابة الذي أمَّره النبي عليه الصلاة والسلام على جماعةٍ، وكان هذا الصحابيّ ذا دُعابَةٍ، فقال:
((أبْرِموا نارًا عظيمة، فأبْرموها، ثمَّ قال: اقْتَحِموها, ألسْتُ أميركم؟ أليْسَتْ طاعتي طاعة رسول الله؟ فقال أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام: كيف نقْتحمها، وقد آمنَّا بالله فِرَارًا منها؟ وقال بعضهم: طاعته طاعة رسول الله, فاختلفوا، فعَرَضُوا هذا على النبي عليه الصلاة والسلام: والله لو اقْتحمْتموها لا زِلْتُم فيها إلى يوم القيامة، إنّما طاعة في معروف))
فالعَقْل لا يُعطَّل لو قال: ولا يعصينك في معروف؛ مقيّد، حتى النبي وهو سيّد الخلق .
مثلاً: كان يحبّ اليقطين، فلو أنّ أحدًا ما أحبّ اليقطين, هل هو مُؤاخذ؟ ليس مُؤاخذًا، لأنّ القضيّة شَخصيَّة، والمعصِيَة في معروف، النبي أمر أوامر تعبّديَّة، وأخرى تَشريعِيَّة، فأنت حينما تعصيهِ في أمر تشريعي, فهذه كبيرة جدًّا، أما في المزاج, فأنت لك مِزاج، وهو له مِزاج، ولا يعصينك في معروف، لذلك فرَّق العلماء بين الأمر التشريعي، والأمر التنظيمي، ومعصِيَة الأمر التشريعي غير معصِيَة الأمر التنظيمي، ولا يعصينك في معروف, قال تعالى:
﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾
[سورة الممتحنة الآية: 12]
أما لو لبِسْتَ ثِيابًا غير ثياب رسول الله، وحلاقة شعرك غير حلاقة شعر رسول الله، وأكْلُكَ على الطاولة غير أكل النبي عليه الصلاة والسلام، هذه ليْسَت قضايا تشريعيَّة، نعمْ الأكمَل أن تُقلِّدَهُ في كلّ شيء، ولكن الأخطَر أن تعْصيهِ في قضايا تشريعيَّة- .
قالت: ما جلسنا هذا المجلس، ونحن نريد أن نعْصِيَك في معروف، فقال عليه الصلاة والسلام لِعُمَرَ: بايِعْهُنَّ، واسْتَغْفِر لهنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وكان صلى الله عليه وسلَّم لا يُصافِحُ النِّساء، ولا يمسّ امرأةً لا ذات محرمٍ))
خاتمة القول :
أيها الأخوة، ما ذكرتُ هذا القصَّة؛ قِصَّة هند بنتُ عتبة, إلا لأبيِّنَ لكم عظمة هذا الدِّين، مِنْ أشدِّ حالات الكراهِيَّة، والحِقْد، والعداوةِ, حتَّى الجريمة، لاكَتْ كبِدَ حمزة، إلى أشدِّ حالات الولاء ، والحبّ، والتَّقدير، والتَّعظيم، وهذا هو الإسلام، الإسلام يجبّ ما قبلهُ، ويهْدمُ ما كان قبلهُ, والمسلم فتَحَ مع الله صفْحةً جديدة، لو جئتني بملْء السموات والأرض خطايا, غفرتها لك ولا أُبالي، قال تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
[سورة الزمر الآية: 53]
الآن التطبيق العملي: لو أنّ أحدًا معه ذنب، وهذا الذنب حِجابٌ بينه وبين الله، وخائفٌ أن لا يُغفَرَ له, فلْيذكر أنَّ الله غفر لامرأة, قتَلَت عمَّ النبي، ولاكَتْ كبدهُ بِأسنانها، ولم يعرف التاريخ الإسلامي امرأة أشدَّ حِقْدًا وعداوةً لرسول الله كمثل هذه المرأة, ومع ذلك أسْلمَت وحَسُنَ إسلامها، وقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: مرحبًا بك، وفرِحَ بها فرحًا شديدًا، فالإسلام لا يحوي الحِقْد والعداوة .
هناك روايات يجب أن تُرْكل بالقدم، فالذي يقول: أنّ هناك عداوَة بين خالد بن الوليد وعمر بن الخطاب في الجاهليّة, لو كانوا كذلك لما كانوا صحابة، وهذه كلّها روايات مفْتَراة، وهي أن أحقادًا كانت بينهما، ولمَّا تولَّى عمر الخلافة، أوَّلُ عملٍ عملهُ؛ عزل سيّدنا خالد, وهذا كذبٌ وبهتان، والصحيح أنّ خالدًا رضي الله عنه, جاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وقال له:
((يا أمير المؤمنين لمَ عَزَلْتني؟ فقال: والله إنِّي لأُحبُّكَ يا أبا سليمان، فقال: لِمَ عَزَلتني؟ فقال: والله إنِّي لأُحِبُّك, وقال مرَّةً ثالثة، فقال: يا ابن الوليد, ما عزلْتُكَ إلا مخافة أن يُفْتَتَنَ الناس بِكَ بِكَثْرة ما أبْلَيْتَ في سبيل الله))
الناس عزَوْا النَّصْر لِخالد، وأصبحَ هناك شرْكٌ، فأراد عمر أن يُعَلِّم الناس درسًا لن ينْسَوْه، فعَزَلَ خالدًا رضي الله عنه، وبقِيَ النَّصر مُسْتمرًّا, فمن الذي ينصُر؟ هو ربُّ خالد، قال له :
((يا ابن الوليد, ما عزلْتُكَ إلا مخافة أن يُفْتَتَنَ الناس بِكَ بِكَثْرة ما أبْلَيْتَ في سبيل الله))
لذلك هذه القصَّة؛ قصَّة هند بنت عتبة, قصَّة مؤثِّرة, تعني أنَّه لا حِقْد ولا عداوة مستمرَّة في الإسلام، وحينما يؤمن الرجل, انتهى كلّ شيءٍ مضى، وطُوِيَ مِلَفُّه السابق، وفُتِحَ له مِلَفٌّ جديد بعد الاصطلاح مع الله تعالى، فإذا كان هناك أشخاص لاكوا كبد عم النبي، وقتلوه، وقد عفا الله عنهم، فإذا كان الواحد له ذنبٌ, وجاهليّة، وتاب إلى الله توبةً نصوحًا, يجب أن يتفاءل، وهو أنَّ الله تعالى لن يُضَيِّعَهُ .


السعيد 09-04-2018 01:55 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( السادس و العشرون )


الموضوع : المقدمة


خديجة بنت خويلد -1




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
المرأة لها شأنٌ كبيرٌ عند الله :
أيها الأخوة الكرام ، بعد أن انتهت دروس أسماء الله الحسنى ، انتظرت أسبوعين لأستأنف دروس هذا المسجد الكريم ، كنت في هذه الفترة في حيرةٍ من أمري ؛ ماذا أعطي بعد الأسماء الحسنى ؟
خلصت في النهاية إلى أننا بحاجةٍ ماسَّةٍ إلى موضوعٍ فقهي ، فأردت أن نبدأ بأصل الفقه ، بآيات الأحكام في القرآن الكريم ، ولمَّا كان هذا الدرس متعلِّقاً أيضاً بالسيرة ، أردت أن أجعل من سيرة نساء الصحابة الكرام ؛ نساء النبي أولاً ، وبنات النبي ثانياً ، ونساء الصحابة الكرام أنموذجاً يُحتذى ، فالمرأة نصف المجتمع ، ولا شيء أبلغ في حياتها كالقدوة الصالحة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6709/01.jpg
لذلك عزمت ـ والله المستعان ـ أن أجعل دروس الإثنين درساً في آيات الأحكام ودرساً في سيرة نساء النبي وبناته والصحابيات الجليلات ، درس سيرة متعلِّق بالنساء فقط ، ودرس فقه متعلِّق بالقرآن ، آيات الأحكام التي هي أصل التشريع ، وأصل كل اجتهادٍ فقهي ، فإن شاء الله نبدأ اليوم بالسيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، وفي الحديث:
(( خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ))
[متفق عليه عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
أيها الأخوة ، أريد أن أقول لكم أن المرأة لها شأنٌ كبيرٌ عند الله ، وأنه : ﴿ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾
[ سورة النجم الآية: 45]
وقال : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾
[ سورة الحجرات الآية: 13]
لم يشهد التاريخ الإنساني رجلاً أشد وفاءً لزوجته من رسول الله :
أقول مرَّاتٍ كثيرة : الرجل حينما ينظر إلى المرأة نظرةً تنخفض عن مكانته هو ، هذا رجل جاهلي ، يمكن أن تسبق المرأة آلاف الرجال .
ماذا قال عنها النبي صلى الله عليه وسلَّم ؟ قال :
((آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلادَ النِّسَاءِ))
[أحمد عن السيدة عائشة ]
لذلك السيدة عائشة كانت كلَّما سمعت مديحاً من رسول الله صلى الله عليه وسلَّم عن السيدة خديجة تغار ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : (( اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ فَارْتَاعَ لِذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُمَّ هَالَةَ قَالَتْ فَغِرْتُ فَقُلْتُ مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ خَيْراً مِنْهَا ))
[متفق عليه عن السيدة عائشة ]
(( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عَلَيْهَا فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ قَالَتْ فَغِرْتُ يَوْماً فَقُلْتُ مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْراً مِنْهَا قَالَ مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْراً مِنْهَا قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاء ))
[أحمد عن السيدة عائشة ]
كان يكرم صواحب خديجة بعد موتها ، لم يشهد التاريخ الإنساني رجلاً أشد وفاءً لزوجته من رسول الله : (( قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاء ))
[أحمد عن السيدة عائشة ]
لم يرزقه الله تعالى ولداً ذكراً إلا من السيدة خديجة ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : (( مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا رَأَيْتُهَا وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ فَيَقُولُ إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ ))
[متفق عليه عن السيدة عائشة ]
السيدة خديجة رضي الله عنها أول من آمن بالله ورسوله :
الآن إذا تزوج الإنسان امرأة ، ماتت زوجته الأولى فتزوج ثانية ، يتقرَّب إلى الثانية بذم الأولى : (( وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ فَيَقُولُ إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ ))
[متفق عليه عن السيدة عائشة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6709/02.jpg
لا يوجد أروع من الوفاء أيها الأخوة ، كأن النبي عليه الصلاة والسلام أراده الله أن يكون الزوج الوفي ، آلاف الرجال يتزوَّجون زوجات وهم فقراء ، فإذا اغتنوا تنكَّروا لهذه المرأة التي عاشت معه على الحصير ، تنكَّروا لهذه المرأة التي عاشت معه على الكفاف ، هذه المرأة التي كانت معك ، التي ذاقت قسوة الحياة معك ، يجب أن تذوق حلاوة الحياة معك .
سيدنا عبد الله بن عباس ماذا قال عن السيدة خديجة ؟ قال : " كانت خديجة أول من آمنت بالله ورسوله ... " ، أول امرأةٍ على الإطلاق ، أو الأصح من ذلك ؛ أول إنسانٍ آمن برسول الله السيدة خديجة ، الأسبقية لها قيمة كبيرة جداً ، " كانت خديجة أول من آمنت بالله ورسوله ، وأول من صدَّق محمد صلى الله عليه وسلَّم فيما جاء به عن ربه ، وآزره على أمره " .
صدقوا أيها الأخوة أن المرأة الصالحة يمكن أن تدفع زوجها إلى مراتب العظمة ، أساساً يقولون : ما من عظيمٍ إلا ووراءه امرأة ؛ تواسيه ، تخفِّف عنه ، تُسهم معه في مشكلاته ، تقف وراءه ، تدفعه إلى البطولة ، تخفف عنه أعباء الحياة ، المرأة الصالحة لا تقدَّر بثمن :
(( إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ ))
[ صحيح مسلم ]
مواساة السيدة خديجة للنبي الكريم من تكذيب المشركين له :
قال الله عزَّ وجل : ﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
[ سورة البقرة الآية: 201]
قال علماء التفسير : " حسنة الدنيا المرأة الصالحة ؛ التي إذا نظرت إليها سرَّتك ، وإذا غبت عنها حفظتك ، وإذا أمرتها أطاعتك " .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6709/03.jpg
كان لا يسمع من المشركين شيئاً يكرهه من ردٍ عليه وتكذيبٍ له ، إلا فرَّج الله عنه بها ، أي أنها كانت تواسيه ، فهناك امرأة هي عبءٌ على زوجها ، عبءٌ يضاف على أعبائه ، يُناضل خارج البيت ، يأتي إلى البيت ليجد آلاف المشكلات ، لا يرتاح ، أما المرأة العظيمة الصالحة يدخل الرجل إلى البيت فتنسيه متاعبه خارج البيت ، تخفِّف عنه وليست عبئاً عليه ، كان عليه الصلاة والسلام لا يسمع من المشركين شيئاً يكرهه من ردٍ عليه ، وتكذيبٍ له إلا فرَّج الله عنه بها ؛ تثبته، وتصدقه ، وتخفِّف عنه ، وتهوِّن عليه ما يلقى من قولٍ ، لذلك كما قال عليه الصلاة والسلام :
(( النِّسَاءَ شَقَائِقُ الرِّجَالِ ))
[ الترمذي عن السيدة عائشة ]
يا أيها الآباء ابحث لابنتك عن زوجٍ يليق بها ، يا أيتها الأمهات ابحثن أو اخترن من بين الخاطبين الخاطب الذي يليق بابنتكن ، لأنه إن لم يكن هناك كفاءة فالمشكلة كبيرة .
يقول الإمام الذهبي : " السيدة خديجة هي ممن كمل من النساء ، كانت عاقلةً ، جليلةً ، ديِّنةً ، مصونةً ، كريمة " ، الحقيقة إن رأيت عقلاً راجحاً في المرأة فهذا مما يلفت النظر ، إن رأيت عقلاً راجحاً في امرأةٍ تسعد زوجها ، وفوق إسعاده عقلٌ راجح ، ونظرٌ ثاقب ، فهذا شيءٌ يعدُّ ميزةً كبيرةً جداً .
نبذة عن حياة السيدة خديجة رضي الله عنها :
أيها الأخوة الكرام ، السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ، هي خديجة بنت خويلد بن أسدٍ بن عبد العزَّى بن قصي من الذؤابة من قريشٍ نسباً ، وبيتاً ، وحسباً ، وشرفاً ، يلتقي نسبها بنسب النبي صلى الله عليه وسلَّم في الجد الخامس ، وهي أقرب أمهات المؤمنين إلى النبي ، أي أن أقرب امرأةٍ إلى النبي السيدة خديجة ، كم كان عمرها حينما تزوجها ؟ كانت في الأربعين وكان هو في الخامسة والعشرين ، ما أكثر الشباب الذين يندبون حظَّهم إذا كانت زوجاتهم تقل عنهم سنتين ، كان هو في الخامسة والعشرين وكانت هي في الأربعين ، أي أنها كانت في سن أمه ، ومع ذلك كانت السيدة خديجة أقرب أمهات المؤمنين إلى النبي صلى الله عليه وسلَّم في النسب ، ولم يتزوَّج من ذرية جده قُصي غير السيدة خديجة ، أي أن أقرب امرأة إليه ، وأقربها نسباً إليه السيدة خديجة .
قُدَّر لخديجة أن تتزوج مرتين قبل أن تتشرَّف بزواجها من رسول الله ، أي أنها امرأة متزوجة مرتين ، لكنها لم تطلَّق مرتين ، بل مات عنها زوجاها ، أول زوج مات عنها ، والثاني مات عنها ، والله سبحانه وتعالى ـ دققوا في هذا المعنى ـ جعل زوجة النبي الأولى والتي عاش معها، كم عاش معها ؟ خمساً وعشرين سنة ، رُبع قرن ، كم بلغت من العمر ؟ بالأربعين ، عاش معها إلى الخامسة والستين ، بدأ معها في الخامسة والعشرين ، وصار في الخمسين ، وهي في الخامسة والستين ، أطول فترة أمضاها النبي مع هذه الزوجة الطاهرة ، وكانت في سن أمه ، وكانت أقرب الزوجات إليه .
إذاً هل كانت مقاييسه جماليَّة ؟ امرأة في سن أمه ، وعاش معها ربع قرن ، وكانت أحب الزوجات إليه وأكرمها عليه ، إذاً الأسباب ليست جمالية ، الأسباب خُلُق ، عقل ، طُهر ، عفاف ، وفاء ، ولاء ، هذه الأسباب ، الأشياء التي تبقى في الخارج لا قيمة لها كثيراً .
كلَّما ارتقت مرتبتك عند الله كان الذين حولك من النُخبة :
سمعت والله البارحة قصة رجلٍ وضع في الوحل ، لأنه آثر الجمال فقط ، ولم يعبأ بشيءٍ آخر ، أول شيء كُتب عليه مبلغٌ فوق الخيال مقدَّماً ومؤخَّراً ، ثاني شيء يوم الدخول لم تكن فتاةً ، ثالث شيء كانت تخونه ، رابع شيء أذلَّته حتى وضعته في الوحل .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6709/04.jpg
لمجرَّد أن أقول لكم : السيدة خديجة في عمر أم النبي ، وعاش معها ربع قرنٍ، وكانت أقرب النساء إليه ، وكان وفياً لها أشد الوفاء ، قال : حينما فتح مكة أين نصب راية المسلمين ؟ عند قبر خديجة ، لأنها لم تكحِّل عينيها بالفتح .
دققوا في هذه الفكرة ، عند معظم الناس هذه امرأة لا تفهم شيئاً ، حينما فُتحت مكة ، من هذه المرأة التي كانت مع النبي ؟ تحمَّلت معه المُقاطعة ، والأذى ، والتكذيب ، والتضييق ، والتنكيل ، وكانت تصبِّره ، وتخفف عنه ، وتواسيه ، وتثبِّته ، ولم تكتحل عيناها بفتح مكة ، يوم فتح مكة المكرمة نصب راية المسلمين عند قبر خديجة ، كأنه أراد أن يُعْلِمَها بعد موتها أن ها قد فُتحت مكة التي أخرجتنا ، والتي نكَّلت بأصحابنا ، والتي ائتمرت على قتلنا وإخراجنا .
قال : قُدِّر للسيدة خديجة أن تتزوج مرَّتين قبل أن تتشرف بالزواج من النبي صلى الله عليه وسلَّم، مات عنها زوجها الأول ، ومات عنها زوجها الثاني ، وانصرفت رضي الله عنها بعد موت زوجها الثاني عن الزواج ، ورفضت أن تتزوَّج أحداً ممن تقدَّم لخطبتها ، وقد تقدَّم لخطبتها رجالٌ كثيرون كلهم من أشراف مكة ، وكانوا حريصين على نكاحها ، قد طلبوها ، وبذلوا لها الأموال ؛ لشرفها ، ولعقلها ، ولنسبها ، ولجمالها رضي الله عنها ، وقد ألهمها الله تعالى أن ترُدَّ خطَّابها جميعاً ، كي تكون زوجةً لسيد الخلق وحبيب الحق سيدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلَّم .
بصراحة الإنسان حينما يختار الله له زوجة هذه من اختيار الله له ، هذه هدية الله له ، مكانة النبي العالية اقتضت حكمة الله أن تكون زوجته سيدة نساء العالمين ، هذا من تكريم الله لرسول الله ، فبصراحة إذا إنسان حوله أُناس مستواهم رفيع جداً ، هذا من نِعَم الله عليه ، هذا تكريمٌ له ، وأحياناً يكون حول الإنسان حُثالة ، فكلَّما ارتقت مرتبتك عند الله كان الذين حولك من النُخبة ، وحينما هبطت المرتبة كان الذين حولك من الحُثالة .
أول شركة مضاربة قامت في الجزيرة قبيل الإسلام بين السيدة خديجة وبين رسول الله :
قيل : هذه السيدة رضي الله عنها انصرفت إلى تثمير مالها ، وتنميتها في حرفة التجارة التي اشتهر بها قومها ، قال تعالى :
﴿ لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ*إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾
[ سورة قريش الآيات: 1-2]
رحلة في الشتاء إلى اليمن ، وفي الصيف إلى الشام ، ولكونها أنثى ما كانت رضي الله عنها تخرج بمالها مسافرةً ، أي هناك فطرة متغلغلة في الإنسان ، هذه قبل أن تأتي الرسالة المحمدية ، لشرفها ، وكمالها ، وعقلها ما كانت تخرج لتجارةٍ مسافرةً ، ماذا كانت تفعل ؟ تدفع مالها مُضاربةً للرجال ؛ منها المال ، ومن الرجال الجهد ، وأول شركة مضاربة قامت في الجزيرة قبيل الإسلام بين السيدة خديجة وبين رسول الله صلى الله عليه وسلَّم .
قال ابن إسحاق : " كانت السيدة خديجة بنت خويلد امرأةً تاجرةً ، ذات شرفٍ ومال ، تستأجر الرجال في مالها ، وتضاربهم إيَّاه ، بشيءٍ تجعله لهم ، وكانت قريشٌ قد عُرفت بالتجارة ، هذه الزوجة الطاهرة اشتُهرت بأخلاقها الكريمة " .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6709/05.jpg
ذكرت مرةً في خطبة أن العالِم الجليل ابن قيم الجوزية قال : "الإيمان هو الخُلُق ، فمن زاد عليك في الخُلُق زاد عليك في الإيمان " ، الصفة التي ترفعك عند الله الخُلُق الحسن ، الصفة التي ترقى بها ، التي تسمو بها ، التي تعدُّ وسام شرفٍ لك عند خالقك الخُلُق الحسن ، لأن الله سبحانه وتعالى حينما أثنى على النبي صلى الله عليه وسلَّم قال :
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[ سورة القلم الآية: 4]
قال : هذه المرأة الجليلة اشتُهرت بأخلاقها الكريمة النبيلة ، قال السهيلي : " خديجة بنت خويلد تسمَّى الطاهرة في الجاهلية والإسلام ، وتسمى أيضاً سيدة نساء قريش ، وكانت تدعى في الجاهلية الطاهرة " .
قال الذهبي : " هي ممن كمل من النساء ؛ كانت عاقلةً ، جليلةً ، ديّنةً ، مصونةً ، كريمةً " . الأخلاق ليست لها علاقة بالأزمنة ، الأزمنة حديثة ، فيها أثاث فخم ، فيها مخترعات ، فيها أجهزة في البيت ، فيها مركبات فخمة ، فيها طائرات ، فيها حدائق ، فيها معامل ، فيها هواتف ، الأخلاق لا علاقة لها بالعصور ، في أي عصر يوجد أخلاق ، والأخلاق هو الشيء الذي يلفت النظر في الإنسان .
لابدّ من قواسم مشتركة بين الزوج وزوجته فالنبي لقبه الأمينٌ والسيدة خديجة الطاهرة :
أيها الأخوة في كلامٍ طيبٍ حول السيدة خديجة ، الأمين والطاهرة ؛ الأمين رسول الله ، والطاهرة السيدة خديجة ، والحقيقة ليس في الحياة أروع من أن تكون الزوجة على شاكلتك خُلقاً وديناً ، الذي يمزِّق الإنسان أحياناً أن يكون هو في وادٍ خلقيٍ رفيع ، في وادٍ دينيٍ رفيع ، وزوجته في وادٍ آخر ، هذا مما يُشقي الإنسان ، الإنسان إذا وفِّق إلى زوجةٍ طاهرةٍ ، تقيَّةٍ ، عفيفةٍ وفِّق إلى كل شيء .
الحقيقة أن كل إنسان له شخصيةٌ يكونها ، وشخصيةٌ يتمنى أن يكونها ، وشخصيةٌ يكره أن يكونها، فلا بد من قواسم مشتركة بين الزوج وزوجته ، هو أمينٌ وهي طاهرة ، وإن الطيور على أشكالها تقع .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6709/06.jpg
نشأ عليه الصلاة والسلام مُتصفاً بكل خُلُقٍ كريم ، مبرَّءاً من كل أمرٍ ذميم ، أدَّبه ربه ، يقول لك: الحياة ربَّته ، معترك الحياة هذَّبه ، له معلِّم جليل ربَّاه ، وتخرَّج من هذه المدرسة الراقية، كل هذا الكلام في واد وإذا قلنا: إن الله أدَّب النبي ، في مستوى آخر، كنت أقول دائماً :
(( فَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ))
[الترمذي عن أبي سعيد ]
تدخل إلى مكتبة فيها أعظم المجلدات ، كل هذه المكتبة من تأليف بشر ، أما كتاب الله كلام الله : (( فَضْلُ كَلامِ اللَّهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ))
[الترمذي عن أبي سعيد ]
النبي من علَّمه ؟ الله جل جلاله ، إذاً بين علم النبي وبين علم أعلم علماء الأرض كما بين الله وخلقه تماماً ، لأن الله هو المعلِّم ، أما علماء الأرض علَّمهم بشر .
الشيء الثالث : أكبر مربي في الأرض إذا ربَّى أعلى تربية ، والنبي ربَّاه ربه جل جلاله ، بين أخلاق النبي وأخلاق إنسان مُربى أعلى تربية كما بين الله وخلقه ، إذاً الله جل جلاله علَّمه وأدَّبه ، لذلك قال أحد الشيوخ لبعض تلاميذه : " يا بني نحن إلى أدبك أحوج منا إلى علمك " ، فالأدب مطلوب ، وكان عليه الصلاة والسلام في أعلى درجات الأدب ، أدَّبه ربه سبحانه وتعالى فأحسن تأديبه ، حينما تُسأل السيدة عائشة عن خُلُق النبي كانت تقول :
((كان خلقه القرآن))
[ مسلم عن عائشة ]
إذا أردت أن تعرف مقامك عند الله فانظر فيما استعملك :
شهد له عليه الصلاة والسلام ربه في القرآن الكريم بكمال الأخلاق فقال :
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾
[ سورة القلم الآية: 4]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6709/07.jpg
شبَّ النبي الكريم والله تعالى يكلأه ، ويحفظه ، ويحوطه من أقذار الجاهليَّة ، والله يوجد في الحياة أحياناً مستنقعات ، مُنزلقات ، بؤَر نتنة ، أماكن لهو قذرة ، علاقات دنيئة ، سقوط مريع ، انهيار خلقي ، إنسان كالدَّابة ، كالخنزير ؛ ويوجد مجتمعات راقية جداً ، بيوت راقية ، مجالس علم راقية، علاقات إنسانية راقية ، علاقات علمية راقية ، فالإنسان إذا كان في بيئة صالحة ، هذه من نِعَم الله الكُبرى ، لك مسجد ، لك أخوان ، لك جلسة دينية ، إن جلست تتكلَّم عن الله ، تنطق بالحق ، تتحدّث عن القيَم هذه من نعم الله العظمى .
مرَّة كنت في افتتاح المسجد كان بجانبي مدير أوقاف الريف ، قلت له : اشكر الله عزَّ وجل على أن الله أقامك على أمور المساجد ، فهناك من يشرف على دور اللهو ، وهو إنسان ، أنت اليوم تفتتح مسجداً ، وغيرك البارحة افتتح ملهىً ، فإذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك .
سألني شخص مرة فقال لي : معنى قوله تعالى :
﴿ الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ ﴾
[ سورة النور الآية: 3]
هل هناك حالة امرأة غير زانية ، ونكحها زانٍ ؟ من أوجه تفسيرات هذه الآية أن الإنسان إذا رضي بزوجةٍ زانية فهو في حكم الزاني ، وان المرأة إن رضيت بزوجٍ زانٍ فهي في حكم الزانية، إذاً هي على شاكلته ، لأنها قبلت به . حاجة السيدة خديجة إلى رجل صادق أمين لتأتمنه على مالها :
أحياناً الإنسان يرى من ابنه بعض سوء الائتمان ، يقول لك : لا تدقِّق ، معنى هذا أن الأمانة ليست لها قيمة كبيرة عنده ، فأنت ما الذي يزعجك ؟ ما الذي يخرجك من جلدك أحياناً ؟ أن ترى نقيضك ، أما إن رأيت ما يوافقك فلا تكترث كثيراً ، فالمؤمن لا يُعقل أن يقبل بزانية ، والمؤمنة لا يمكن أن تقبل بزانٍ : ﴿ وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا﴾
[ سورة النور الآية: 3]
أي لا يقبل بها إلا إنسانٌ على شاكلتها ، ولو لم يزنِ ، ما دام قد قبل بها زانيةً فهو في حكم الزاني، والمرأة إن قبلت زوجاً زانياً ، ولو لم تزن فهي في حكم الزانية ، هذا المعنى واقعي .
سمعت السيدة خديجة رضي الله عنها بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلَّم ؛ من الصدق والأمانة ، وهي امرأةٌ تاجرةٌ تحتاج إلى الرجل الصادق الأمين لتأتمنه على مالها .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6709/08.jpg
يا أخواننا التجار الموظَّف في العمل التجاري يُقبل منه مليون غلطة إلا أن يخون أو أن يسرق
المؤمن لا يكذب ولا يخون والسرقة خيانة ، لكونها تاجرة سمعت به أميناً ، صادقاً . قال ابن إسحاق : " كانت السيدة خديجة امرأةً تاجرة ذات شرفٍ ومال ، تستأجر الرجال في مالها تضاربهم إياه بشيءٍ تجعله لهم منه ، فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ـ أخواننا الكرام هذا الذي يضع ماله ليستثمره بربحٍ ثابت هذا نوع من الربا ، أما على شيءٍ تجعل لهم منه، على نسبةٍ وليس على أجرٍ مقطوع ، وإلا صار هذا نوعٌ من الربا ـ فلما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ما بلغها ، من صدق حديثه ، وعِظَمِ أمانته ، وكرم أخلاقه ، بعثت إليه ، وعرضت عليه أن يخرج بمالها إلى الشام تاجراً ، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التُجَّار، مع غلامٍ يقال له ميسرة " .
أنواع الفقر :
النبي عليه الصلاة والسلام نشأ فقيراً ، فهل الفقر وصمة عار ؟ أبداً لعلَّه وسامُ شرف ، فاللهمَّ صلي عليه كان يتيم ، وكان فقير ، كل إنسان افتقر وأخلاقه عالية ، فله في النبي أسوةٌ حسنة
عندنا فقر الكسل ، وهو مذموم ، وعندنا فقر القدر ، وصاحبه معذور ، فيه عاهة تمنعه من العمل ، وعندنا فقر محمود ، وهو فقر الإنفاق ، سيدنا الصديق أعطى كل ماله لرسول الله ، قال :
(( يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لأَهْلِكَ قَالَ : أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّهَ وَرَسُولَه ))
[الترمذي عن عمر بن الخطاب ]
صار سيدنا الصديق فقيراً ، لكن فقره فقر إنفاق ، لذلك قال تعالى : ﴿ وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 195]
الآية التالية لها معنيان ؛ إن لم تنفقوا ، وإن أنفقتم مالكم كلَّه ، والمعنيان رائعان :
الآية التالية لها معنيان : ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 195]
إن لم تنفقوا : ﴿ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 195]
إن أنفقتم مالكم كلَّه ، والمعنيان رائعان .
نشأ النبي عليه الصلاة والسلام يتيماً فقيراً ، توفي أبوه عبد الله وهو جنينٌ في رحم أمه ، لذلك دخلت مرةً إلى ميتم ، قرأت قوله تعالى في مدخل الميتم :
﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى﴾
[ سورة الضحى الآية: 6]
والله اقشعرَّ جلدي ، أن سيد الخلق ، وحبيب الحق نشأ يتيماً ، اليُتم صعب ، الأخ غير الأب ، الأب يرحم ، الأخ قد يقسو ، فرقٌ كبير بين الأخ وبين الأب : ﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوَى﴾
[ سورة الضحى الآية: 6]
خرج النبي صلى الله عليه وسلَّم مع عمه أبي طالب إلى بلاد الشام ، وعمره اثنتا عشرة سنة ، ورآه راهبٌ يقيم في صومعةٍ قرب بُصرى يدعى بَحِيرة ، فتفرَّس به مخايل النبوَّة ، وتأكَّد من فراسته حينما رأى خاتم النبوَّة بين كتفيه الشريفين . عمل أكثر الأنبياء كان في رعي الغنم لأن فيه وقت فراغ كبير يعطى للإنسان كي يتأمَّل :
سمعت من أستاذ في الجامعة متحقق ، وعالج هذا الموضوع معالجة متأنيَّة ، فوجد أن قصة الراهب بحيرة ليس لها أصل جملةً وتفصيلاً ، بعضهم يقول : من الذي علَّمه ؟ الراهب بحيرة ، على كلٍ هذا لا يعنينا ، ولم يرد فيه نصٌ صحيح .
عمل عليه الصلاة والسلام برعي الغنم ، وصرَّح بذلك لأصحابه بعد بعثته ، مما يدلُّ على شدة تواضعه ، عمل راعيَ غنم ، أنا لا أعتقد أن في الأرض حرفةً أدنى من رعي الغنم ، انظروا إليه، في البراري ، في الجبال ، في الوهاد ، مع قطيعٍ من الغنم ، أكثر الأنبياء عملوا في رعي الغنم ، ما التوجيه في ذلك ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6709/09.jpg
لأن رعي الغنم فيه وقت فراغ كبير يعطى للإنسان كي يتأمَّل ، الحقيقة الإنسان يعدُّ إنساناً إذا كان عنده وقت فراغ ، فكلُّ عملٍ يلغي وقت فراغك خسارةٌ محقَّقة ، كل عملٍ مهما كان دخله كبيراً إذا ألغى وقت فراغك ، هذا العمل خسارةٌ محقَّقة ، لأنه ألغى سرّ وجودك ، ألغى غاية وجودك ، ألغى هويَّتك ، الله عزَّ وجل وصف هؤلاء فقال :
﴿ كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ *فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ ﴾
[ سورة المدثر الآيات: 50-51]
لو ذهبت إلى شرق الدنيا أو إلى غربها ، لرأيت أن هذه البلاد ورشة عمل ؛ بلا كلل ، ولا ملل ، ولا راحة ، ولا استراحة ، ولا حياة ، ولا روحانيَّات ، ولا اتصال بالله ، ولا يقظة ، غفلة ، عمل مستمر حتى الموت ، العمل جيد لكن لكل شيءٍ إذا ما تم نقصان ، الإنسان لا يجب أن يكون عبداً للعمل ، أن يكون العمل وسيلةً في خدمته .
سيدنا عمر وهو على المنبر كان يخطب ، قطع الخطبة بلا مبرّر ، وقال : " يا عُمير كنت راعياً ترعى على قراريط لبني مخزوم " ، وأكمل الخطبة ، شيء غريب ، ليس هناك داعٍ لقطع الخطبة، وهذا الكلام لا علاقة له بالخطبة ، فلما نزل سُئل : " يا أمير المؤمنين لمَ قلت ما قلت ؟ "، قال: " جاءتني نفسي فقالت لي : أنت أمير المؤمنين ، ليس بينك وبين الله أحد ، أردت أن أعرِّفها حدَّها ـ حجمها ـ " ، قال : " يا ابن الخطاب ، يا عمير كنت راعياً ترعى الإبل على قراريط لأهل مكة " ، قال : " أردت أن أعرِّف نفسي حدَّها " .
(( مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلا رَعَى الْغَنَمَ فَقَالَ أَصْحَابُهُ : وَأَنْتَ . فَقَالَ : نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ ))
[ البخاري عن أبي هريرة ]
الإنسان لا يولد عظيماً الله عزَّ وجل يمتحنه ويمرِّره بأطوار وأطوار :
تجد إنساناً يستحي من ماضيه ، يعتِّم عليه ، لكنني أرى أن الإنسان إذا ذكر ماضيه المتواضع رأى نعمة الله عليه ، قال لي رجل غني جداً : كنت عندما آكل في بيت أهلي الزعتر أضع قطعة الخبز على صحن الزعتر ، فإذا ضغطت قليلاً أُضرَب من والدي ، لا تضغط كثيراً " ، كان فقيراً إلى هذه الدرجة ، أي إذا ضغط على صحن الزعتر قليلاً معنى هذا في إسراف ، فيُضرب ، ثم صار شخصاً غنياً ، الإنسان إذا اغتنى يجب أن ينظر إلى ماضيه ، وإلى نعمة الله عليه .
رجل يعد في بعض البلاد أول تاجر خضراوات ، قال لي : أنا عندي أربعين أو خمسين براد ـ أسطول ـ ينتقل عبر البلاد لنقل الخضراوات ، عنده برادات تكفي لبلاد بأكملها ، قال لي : كنت عتالاً ، لكن والله ما فاتني فرض صلاة بحياتي ، ولا أعرف الحرام أبداً ، أنا أكبرت فيه تواضعه، قال لي : " كنت عتَّالاً لكن ما فاتني فرض صلاة في حياتي ، ولا أكلت قرشاً حراماً ، ولا أعرف الحرام " .
سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم حينما أصبح في الخامسة والعشرين من عمره اتجه إلى العمل بالتجارة كسائر رجال قريش ، تذكر الروايات عن نفسية بنت مُنية قالت : " لمَّا بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم خمساً وعشرين سنة ، وليس له بمكة اسمٌ إلا الأمين لما تكامل فيه من خصال الخير ، قال له أبو طالب : يا ابن أخي أنا رجلٌ لا مال لي ، وقد اشتدَّ الزمان علينا ، وألحَّت علينا سيول مُنكرة ، وليست لنا مادةٌ ولا تجارة ، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام ، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالاً من قومك في عيرها " .
أقف قليلاً هنا ، النبي كان فقيراً ، ليس فقيراً فحسب ، بل أُمر أن يذهب ، أن يسافر ، " يا ابن أخي أنا رجلٌ لا مال لي ، وليست لنا مادةٌ ولا تجارة ، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام ، وخديجة بنت خويلد تبعث رجالاً من قومك في عيرها ، فيتجرون لها في مالها ، ويصيبون منافع ، فلو جئتها وعرضت نفسك عليها ، لأسرعت إليك ، وفضَّلتك على غيرك لما بلغها عنك من طهارتك ، وإن كنت أكره أن تأتي الشام ، وأخاف عليك من اليهود ، ولكن لا نجد من ذلك بُدَّاً " ، أي اذهب واطلب منها أن تسافر إلى الشام بتجارةٍ لها .
قال : غلب على النبي الكريم حياؤه وعزة نفسه ، فقال لعمه أبي طالب : " لعلَّها ترسل إليَّ في ذلك ، ثمة إنسان نفسه غالية عليه ، لا يطلب ، لا يلح في الطلب :
((ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير .))
[ابن عساكر عن عبد الله بن بسر بسند ضعيف]
لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه ، فالنبي الكريم غلب عليه حياؤه وعزة نفسه فقال لعمه أبو طالب : " لعلها ترسل إليَّ في ذلك " ، فقال أبو طالب : " أخاف أن تولي غيرك فتطلب الأمر مدبراً " . أي أن تفوتك الفرصة ، فافترقا ، وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له ، وقبل ذلك ما كان من صدق حديثه ، وعظم أمانته فقالت : " ما علمت أنه يريد هذا " ، ثم أرسلت إليه فقالت : " إنه دعاني إلى البعث إليك ما بلغني من صدق حديثك ، وعظم أمانتك ، وكرم أخلاقك " .
في تعليق لطيف : هذا سيد الرسل ، سيد الأنبياء ، وسيد ولد آدم ، وسيكون نبياً عظيماً ؛ طالب عمل ، يستحي أن يطلب هذا العمل ، قال له : أنا أستحي إن أرسلت إلي ، فالإنسان لا يولد عظيماً ، الله عزَّ وجل يمتحنه ، يمرِّره بأطوار وأطوار ، هذا الذي يستحي أن يطلب منها أن يسافر إلى الشام ، وهي ليس عندها علم ، وقال له عمه : " لعلها تطلب غيرك فيفوتك الأمر " ، قالت له : " إنه دعاني إلى البعث إليك ما بلغني من صدق حديثك ، وعِظَمِ أمانتك ، وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلاً من قومك " ، يبدو أنها أكبرت فيه أمانته ، وقد قيل:
(( الأمانة غنىً ))
من عُرض عليه شيء من دون شرط ولا طلب فرده فكأنما رده على الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6709/10.jpg
أخواننا الكرام ، عندي قصص والله ، الأمناء يصلون إلى قمم المجد ، إيَّاك أن تخون ، إيَّاك أن تكذب ، لأنه أمينٌ وصادق أعطته ضعف ما تُعطي قومها من الأجر ، ففعل عليه الصلاة والسلام، ثم لقي عمه أبا طالب فذكر له ذلك ، فقال : " إن هذا لرزقٌ ساقه الله إليك "، بالمناسبة هناك أخوان كثر يتأبَّون عن شيء ساقه الله إليهم وقد ورد :
(( إذا فتح لأحدكم رزق من باب فليلزمه ))
إنسان عرض عليك مساعدة ، عرض عليك أنْ يغيِّر وضعك ، من وضع إلى وضع ، فثمة شخص يتأبَّى بلا سبب ، كِبر ، لا ، فإذا عرض عليك شيء من دون طلب ، ولا استشرافٍ ، ولا شرطٍ ، فرددته فكأنما رددته على الله ، ماذا قال له أبو طالب ؟ " هذا رزقٌ ساقه الله إليك " ، وخرج النبي عليه الصلاة والسلام مع غلامها مَيْسَرَة ، وقالت خديجة لميسرة : " لا تعص له أمراً، ولا تخالف له رأياً " ، لا بد من قائد واحد .
وفي درسٍ قادم إن شاء الله نتحدَّث عن خبر هذه الرحلة التجارية الأولى ، التي تمَّت بين النبي عليه الصلاة والسلام ، وغلام السيدة خديجة ميسرة ، وكيف أن هذه الرحلة كشفت أخلاق النبي الكريم ، وسُمَّي السفر سفراً لأنه يُسْفِرُ عن أخلاق الرجال .
أيها الأخوة الكرام ، هذه القصص التي جرت مع سيِّد الخلق هي دروس ، والمواقف مُثُل عُليا ، أرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها .



السعيد 09-04-2018 01:58 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( السابع و العشرون )


الموضوع : خديجة بنت خويلد - 2


زواجها من النبى صلى الله علية وسلم






لحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام مع الدرس الثاني من دروس سير الصحابيَّات الجليلات ، رضوان الله عليهم ، ومع أم المؤمنين الأولى السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها .
كان النبي أول شريك مضاربٍ في الإسلام هو بجهده وخديجة بمالها :
وصلنا في الدرس الماضي إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج مع غلام خديجة رضي الله عنها ميسرَة ، وقالت السيدة خديجة لميسرة : " لا تعص له أمراً ولا تخالف له رأياً ".
لو وقفنا عند ميسرة قليلاً ، لا نجد لهذا الاسم ذكرٌ بين الصحابة ، يرجِّح كُتَّاب السيرة أنه توفي قبل البعثة ـ ميسرة غلام خديجة ـ فقد رافق النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الرحلة التجارية ، إذ كان النبي أول مضاربٍ في الإسلام ؛ هو بجهده وخديجة بمالها .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6710/01.jpg
هذا هو الطريق المشروع لاستثمار المال ، أن يكون هناك إنسانٌ لا يستطيع أن يستثمره لكبر سنه ، أو لبُعده عن جو التجارة ، أو لصغر سنه ، أو لانشغاله ، فيأتي شابٌ في مُقتبل الحياة بأمس الحاجة إلى المال ولا يملكه ، يملك الخبرة ، ولا يملك المال ، فإذا تعاون هذا المال مع تلك الخبرة انتفع الطرفان ، دون أن يكون أحدهما عبئاً على الآخر ، لذلك هذا هو الطريق المشروع لتنمية الأموال ، ولكن الذين أساؤوا استخدام هذا البند من الشرع ، أساؤوا إساءةً كبيرةً جداً وقوَّوا مركز البنوك ، حينما أساؤوا هذا الأسلوب الشرعي النظيف ، الواضح ، المتوازن .
لذلك يعد النبي عليه الصلاة والسلام أول شريكٍ مضاربٍ في الإسلام هو بجهده وخديجة بمالها .
ميسرة حينما سار مع النبي وتتبع تصرفاته ، وأخلاقه ، ومواقفه ، وسَمْتَهُ ، واتصاله بالله عز وجل ، أعجب به أيما إعجاب ، أعجب من حسن معاملته ، أعجب من صدق حديثه ، دُهِشَ بما رأى من خوارق عجيبة .
نحن نسميها للمؤمن كرامات ، فعلماء التوحيد يسمونها للأنبياء معجزات ، أي أنك حينما تقبل على الله ، حينما تخلص له ، حينما يحسن عملك ، حينما تصفو نيَّتك ، حينما تقدِّم كل ما تملك في سبيل الحق ، لا بد أن يريك الله بعض الكرامات ، بعض خرق العادات ، هو إشعارٌ من الله بالقبول ، إشعارٌ من الله بالمحبة .
لذلك عندما يشتد الحر في الهاجرة ، كانت تأتي غمامةٌ تظلل النبي صلى الله عليه وسلم ، وتحجب عنه أشعة الشمس ، لذلك الذين يمدحون النبي عليه الصلاة والسلام ، يصفونه بأنه مظللٌ بالغمام ، هذه من الخوارق التي أكرم الله بها نبيه . الله هو الحق وهو الذي يظهر فضائل الناس :
تروي الروايات أن راهباً من رهبان الصوامع في بلاد الشام يدعى نسطوراً دنا من النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبَّل رأسه ، وقدميه ، وقال له : " أشهد أنك الذي ذكره الله في التوراة " ، لأنه رآه مظللاً بالغمام .
لحكمةٍ أرادها الله ، وبتوفيقٍ من الله عز وجل ، يسَّر الله للنبي هذه التجارة ، وربحها ربحاً وفيراً ، وعاد ميسرة إلى السيدة خديجة رضي الله عنها فحدثها بما رأى .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6710/02.jpg
تعليقي على هذا الموقف أن الإنسان كلما كبُر لا يمدح نفسه ، أو لا يستجدي المديح ، عمله ينطق عنه ، الإنسان إذا كان عند الله كبيراً فهو غنيٌ عن أن يستجدي مديح الآخرين ، غنيٌ عن أن يعرض عضلاته ، وإمكاناته ، وقدراته ، وما توصَّل إليه ، وماذا فعل؟ وكيف عامل الناس ؟ دع الناس تتحدث عنك ، دع الناس يتحدثون عنك لأن الحق أبلج ، والناس لهم عيون ولهم آذان ، ويرون :
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا(49)﴾
( سورة النساء )
هل ورد عن النبي أنه مدح أمانته ؟ مدح صدقه ؟ تحدث عن خبرته في التجارة ؟ لا لكن ميسرة رأى كل شيء ونقل كل شيء ، ولأن الله هو الحق ، إذاً هو الذي يظهر فضائل الناس ، يظهرها ألم تقرأ قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنْ الَّذِينَ آمَنُوا (38)﴾
( سورة الحج )
الإنسان ليجهد أن يضع نفسه في الظل ـ أو في التعبير الحديث في التعتيم ـ إن وضع نفسه في الظل الناس يتحدثون عن فضائله ، لأنهم رأوها رأي العين ، يتحدثون عنها ، أما أنت إذا تحدثت عنها ، كان حديثك عنها ثقيلاً ، قيل : رقصت الفضيلة تيهاً بفضلها فانكشفت عورتها ، اجهد أن تتحدث عن الله ورسوله وأوليائه دون أن تسلِّط الأضواء على نفسك . أنا ، نحن ، لي ، وعندي ، أربع كلماتٍ مهلكات ورد ذكرها في القرآن الكريم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6710/03.jpg
في هذه الرحلة ما تكلم النبي كلمةً عن نفسه أبداً ؛ ولكنه كان صادقاً ، أميناً ، عفيفاً ، محباً ، حكيماً ، كل هذه الفضائل رآها ميْسرة ، وأخبر بها خديجة ، هناك أُناسٌ همهم أن يتحدَّثوا عن أنفسهم ، وكما تعلمون ، كلمة أنا ، ونحن ، ولي ، وعندي ، هذه أربع كلماتٍ مهلكات ، أنا ، ونحن ، ولي ، وعندي :
﴿ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ (12)﴾
( سورة الأعراف )
قالها إبليس فأهلكه الله . ﴿ نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ (33)﴾
( سورة النمل )
قالها قوم بلقيس فأهلكهم الله . ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي ﴾
( سورة القصص الآية : 78 )
قالها قارون فخسف الله به وبداره الأرض . ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ ﴾
( سورة الزخرف : من آية " 51 " )
قالها فرعون فأغرقه الله عز وجل ، لا ترَ لك عملاً ، رحمة الله أوسع من عملك من أدعية النبي له الصلاة والسلام : (( يا رب مغفرتك أوسع من ذنوبي ورحمتك أرجى لي من عملي ))
[الحاكم عن سيدنا جابر]
وبالطبع ميسرة حدَّث سيدته خديجة بما رأى من أحوال النبي العجيبة ، وأخلاقه الكريمة ، وشمائله الرفيعة . من زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الإيمان لأن الإيمان حُسن الخلق :
تذكر بعض الروايات أن السيدة خديجة رأت الغمامة بنفسها ، وهي تظلل النبي صلى الله عليه وسلم عندما رجع إليها ، وكانت جالسةً في غرفة عالية مع بعض نساء قومها .
السيدة خديجة أرادت أن تتثبت من فكرةٍ ترددت في نفسها ، فذهبت إلى ابن عمٍ لها ، فهذا إنسان غير طبيعي ، إنسان ليس له مثيل ، هذه الغمامة ، آيةٌ من آيات الله ، وكأنه إنسان مهيَّأ لشيء كبير ، أرادت أن تتثبت بنفسها فذهبت إلى ابن عمٍ لها يُدعى ورقة بن نوفل وكان قد تنصَّر ، وقرأ كُتب أهل الكتاب ، فذكرت له ما أخبره ميسرة من شأن النبي ، فقال لها : " لئن كان هذا حقاً يا خديجة فإن محمداً لنبيُّ هذه الأمة ، وعرفت أنه كائنٌ لهذه الأمة نبيٌ ينتظر وهذا زمانه " ، أي أن ورقة بن نوفل أبلغ السيدة خديجة ابنة عمه أن لهذا الإنسان كما تذكرين شأناً كبيراً ، ولعله نبي هذه الأمة .
الدلائل التي تسبق البعثة ، سماها علماء السيرة إرهاصات ، الإرهاصات معجزات ، ولكنها قبل البعثة ، كأنها إشارات مبكِّرة إلى أن هذا الإنسان سينتظره شأنٌ كبير .
بالطبع السيدة خديجة رأت من أمانته ، ومن كرمه ، ومن صدقه ، ومن عفَّته ، ومن استقامته ، ومن خوراق العادات الشيء الكثير ، فكان قلبها متعلِّقاً بالنبي ، وقد امتلأ حباً له ، وإعجاباً به عليه الصلاة والسلام ، وكيف لا تحبه وهو أكمل الناس خَلقاً وخُلقاً ؟ وأحسنُ منك لم تر قط عيني وأكمل منك لم تلد النساءُ
خلقـت مبرأً مـن كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاءُ
***

أيها الأخوة الكرام ، من زاد عليك في الخُلق زاد عليك في الإيمان ، لأن الإيمان حُسن الخلق ، وما مُدِحَ النبي بمدحٍ أبلغ من قول الله عز وجل : ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)﴾
( سورة القلم )
هو أكمل الناس خَلقاً وخُلقاً ، وأنضر الشباب وجهاً ، وأكملهم رجولةً ، ولكن أين السبيل إليه ؟ وما هي الوسيلة التي تقرِّبها منه ؟ كيف تجعله يفكر في الزواج منها ويتقدم لخطبتها ؟ وقد جرت أعراف الناس وتقاليدهم أن تكون المرأة هي المَخطوبة لا الخاطبة ، المطلوبة لا الطالبة ، الآن الآية معكوسة ، هي تبحث عن طريقٍ تصل إليه ، الشيء الذي أدهشها أنها ما لاحظت من النبي صلى الله عليه وسلم أنه يفكِّر في الزواج ، ولم تر منه عليه الصلاة والسلام أي التفاتٍ إلى النساء ، ولم تر بصره يرتفع إلى وجهها ، وهذا شأن العفيف ، فلا يملأ عينيه من محاسن المرأة ، ولا ينظر إلى وجهها ، لك أن تكلِّمها ، ولك أن تخاطبها من دون أن تملأ عينيك منها ، والأنثى تعرف بالضبط من نظرة الرجل ما إذا كان عفيفاً ، أو كان شهوانياً ، أدركت أنه بعيدٌ عن جو النساء ، ولا شك أن المرأة تستشعر هذه الحالة بشكلٍ دقيق . السيدة خديجة خطبت النبي صلى الله عليه وسلَّم لتتشرف بالزواج منه :
قد دلت بعض الروايات أيها الأخوة أنه ما كان في ذلك الوقت يفكِّر في الزواج إطلاقاً ، لا من خديجة ، ولا من غيرها ، بسبب قِلَّة ما في يديه من المال ؛ وهو سيد الخلق ، وحبيب الحق ، فإذا كان الشاب من الشباب الطيبين المؤمنين ، ألا تتزوج ؟ والله لا يوجد معي شيء ، له في هذا النبي أسوةٌ حسنة ، سيد الخلق ، وحبيب الحق لا يوجد معه ، ما دام لا يوجد شيء إذاً لا يفكر في الزواج إطلاقاً ، أحياناً الفقر مع العفة يخلق بطولات ، حتى إنهم قالوا : الحُزن خلاَّق ، أكثر الفضائل لا تظهر مع الغنى ، بل تظهر في الفقر ، شاب في ريْعان الشباب ، وسيم ، وجهه كالبدر ، قوي ، لا سبيل إلى الزواج .
ذكر الزُهري في سيرته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على خديجة ليتحدث معها ، فلما قام من عندها جاءت امرأةٌ فقالت : خاطباً يا محمد ؟ قال : كلا ، قالت : ولمَ ؟ فو الله ما في قريشٍ امرأةٌ إلا تراك كفئاً لها ، قال لها : كلاَّ ، أما كلمة كلاَّ فقد ملأت قلب السيدة خديجة حزناً ، كلا ، أي لا أريد الزواج .
ثم سمعت من هذه المرأة أن أيَّة امرأةٍ في قريش تراه كفئاً لها ، حتى إن الفقهاء وصلوا إلى أن أي طالب علمٍ شرعي كفءٌ لأية امرأةٍ كائنة من كانت ، في بحث الكفاءة استثناء ، طالب العلم الشرعي ؛ هذا الإنسان المؤمن ، المستقيم ، الذي يخشى الله ، الذي يحب الله ، هذا بأخلاقه الرضيَّة ، وبعلمه ، وباستقامته ، وبحسن خلقه ، هذا كفءٌ لأي امرأة .
لذلك السيدة خديجة حزنت حينما قال : كلا ، وفرحت حينما اطمأنت أن كل امرأةٍ في قريش تتمنى أن يكون محمدٌ زوجاً لها .
اتفقت الروايات على أن السيدة خديجة رضي الله عنها هي التي خطبت النبي .
نحن نوسع الموضوع قليلاً : المؤمن يخطب ود الله عز وجل ، المؤمن لا يعنيه شيءٌ إلا أن يرضى الله عنه ، فهذه امرأةٌ رأت من فضائله ، وكماله ، ونزاهته ، واستقامته ، وأمانته ، وصدقه ، وعفافه الشيء الكثير ، فالآية عكست ، هي التي تخطبه ، تبحث إلى وسيلةٍ إلى قلبه .
قال : اتفقت الروايات على أن السيدة خديجة هي التي خطبت النبي صلى الله عليه وسلَّم لتتشرف بالزواج منه ، وأنها هي التي مهَّدت بإجراءات الخطبة ، وتجاوزت بهذا كل الأعراف والتقاليد التي تجعل الرجل هو الخاطب ، الذي يتقدَّم لخطبة امرأة ، ولها كل العُذر في ذلك ، فمثل النبي تخطبه النساء ، وما من امرأةٍ إلا تتمناه لنفسها زوجاً ، وتبذل كل ما تستطيع لتصبح زوجةً له . الإنسان إذا عُرِضَ عليه شيء لا يتأبَّى عنه
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6710/04.jpg
وهذا تواضع منه : تعليق متعلق بحياتنا اليومية : الشاب المؤمن إذا تزوَّج ابنتك لن يظلمها ، لن يخونها ، لن يُهملها ، لن يقسو عليها ، زوِّجها لمؤمن ، إن أحبها أكرمها ، وإن لم يحبها لم يظلمها ، الزواج رِق ، فلينظر أحدكم أين يضع كريمته .
ذكرت بعض الروايات أن السيدة خديجة عرضت نفسها على النبي صلى الله عليه وسلم ، وصرَّحت له برغبتها أن تكون زوجةً له ، هذه رواية ، وذكرت رواياتٌ أخرى أنها أرسلت إليه بعض النساء لكي يتكلَّمن معه في موضوع الخطبة .
بل إنه من الممكن أن نجمع بين هذه الروايات كلها : تحدثت السيدة خديجة مع بعض خاصَّتها من النساء عن أمنيتها ، ورغبتها في أن تصبح زوجةً للنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان الحديث مع صديقتها نفيسة بنت مُنَيَّة ، وطلبت منها أن تساعدها في تحقيق رغبتها ، وقامت بالدور المهم في التمهيد لهذه الخطبة المباركة ، وتحدثت أيضاً لأختها هالة بنت خويلد ، وكلَّفتها بالمهمة نفسها .
أما هالة فذكرت بعض الروايات أنها تحدَّثت مع عمار بن ياسر ، ويبدو أن عمَّاراً الذي قال : مررت أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم بأخت خديجة فنادتني ، فانصرفت إليها ووقف لي رسول الله ، فقالت : أما لصاحبك هذا من حاجةٍ في تزوِّج خديجة ؟ فقال عمار : فأخبرته ، فقال عليه الصلاة والسلام : بلى .
الإنسان إذا عُرِضَ عليه شيء لا يتأبَّى عنه ، من كمال الأخلاق إذا إنسان عرض عليك خير ؛ عمل ، زواج ، وكان شيء مقبول وجيد ، لا تتكبَّر ، لا تتأبَّى ، هذا تواضع من الإنسان . الدوافع التي دفعت السيدة خديجة إلى الزواج من النبي محمد :
أما نفيسة فقد روى ابن سعد عنها أنها قالت : " كانت خديجة بنت خويلد امرأةً حازمة جادةً شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير ، وهي يومئذٍ أوسط قريشٍ نسباً ، وأعظمهم شرفاً ، وأكثرهم مالاً ، وكل قومِها كان حريصاً على نكاحها لو قدر على ذلك ، قد طلبوها وبذلوا لها الأموال ، فأرسلتني " .
تقول نفيسة : فأرسلتني دسيساً إلى محمد ـ كلفتني بمهمة ـ بعد أن رجع من عيرها في الشام فقلت : " يا محمد ما يمنعك من أن تتزوج ؟ " فقال عليه الصلاة والسلام : "ما بيدي ما أتزوج به " ، قلت : " فإن كُفيت ذلك ، ودُعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة ألا تجيب ؟ " ، قال : "فمن هي ؟ " ، قلت : " خديجة " ، قال : " وكيف لي بذلك ؟ " قالت : " قلت علي " ، قال : " فأنا أفعل إذاً " .
لما علمت رضي الله عنها برغبة النبي صلى الله عليه وسلم بما أُرْسِلَت إليه ، وعرضت نفسها عليه ، وبيَّنت له الدوافع التي دفعتها إلى الزواج به ، فقالت : " يا ابن عم ، إني قد رغبت فيك لقرابتك ، وصفتك في قومك ـ أنت وسطٌ في قومك ، إنسان كامل ـ وأمانتك ، وحسن خُلُقِك ، وصدق حديثك " ، ولم تذكر رضي الله عنها أي دافعٍ آخر ، ولم تذكر ما ترجو من شأنٍ كبير حينما تكون زوجة رسول الله ، لأنها علمت من ابن عمها أن لهذا الإنسان شأنٌ كبير ، هذه أمور غيبية مستقبلية لا يمكن الجزم بها ، يوجد عقل ، الشيء الثابت أنه ذو خلقٍ عظيم ، شمائل رفيعة ، كرم ، استقامة ، صدق حديث ، أمانة .
تحدث النبي صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب في موضوع الخطبة ، وزواجه بالسيدة خديجة ، وأخبره بما حدث معه ، فوافق عمه على أن يتقدَّم لخطبتها ، وذهب عمه مع عشرةٍ من وجوه بني هاشم إلى عمها عمرو بن أسد ، فخطبها منه ، فزوجه ، وقال : " هذا الفحل لا يُجْدَعُ أنفه " ، أي لا يرد طلبه . خُطبة النكاح التي ألقاها عمّ النبي أبو طالب :
الآن تستمعون أيها الأخوة إلى الكلمة التي ألقاها عمه أبو طالب ، هذه يسميها العلماء خُطبة النكاح ، الخِطبة أن تخطب امرأةً ، الخُطبة أن تلقي خُطبة ، هذه خُطبة النكاح ، يقول أبو طالب :
الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم وزرع إسماعيل ، وجعلنا حضنة بيته وسوَّاس حرمه ، وجعل لنا بيتاً محجوجاً وحرماً آمناً ، وجعلنا حُكَّام الناس ، ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله ، لا يوزن به رجلٌ إلا رجح به ؛ شرفاً ، ونُبلاً ، وفضلاً ، وعقلاً ، وإن كان في المال قِلٌ فإن المال ظلٌ زائل ، وأمرٌ حائل ، وعاريةٌ مسترجعة ، وهو والله بعد هذا له نبأٌ عظيم ، وخطرٌ جليل ، وقد خطب إليكم رغبةً في كريمتكم خديجة ، وقد بذل لها من الصداق حكمكم ـ أي ما تريدون ـ عاجله وآجله اثنتا عشر أوقيةً ونَشَّاً ـ النَش من العملة المستعملة وقتها ـ هذه خطبة النكاح .
تحدث عن الخاطب ، عن أخلاقه ، عن نسبه ، عن شرفه ، عن مكانته ، وتحدَّث عن الزوجة المخطوبة ، عن كرمها ، وعن عظيم أخلاقها ، ثم تحدث عن المهر .
هذا المقدار أيها الأخوة مقدار المهر ، يتفق مع ما جاء في الحديث الصحيح ، أن أبا سلمة بن عبد الرحمن سأل السيدة عائشة رضي الله عنها : ((كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قالت : كان صداقه لأزواجه اثنتا عشرة أوقيةً ونَشَّا ـ الأوقية أربعون درهم ، والنَش نصف أوقية ـ ثم قالت : أتدري ما النش ؟ قال : قلت : لا . قالت : نصف أوقية ، فتلك خمسمئة درهم فهذا صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم لأزواجه))
[مسلم عن إسحاق بن إبراهيم]
استنتاجات من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في زواجه بالسيدة خديجة :
أيها الأخوة الكرام الذي يعنينا من هذه السيرة أن نستنبط منها قواعد تعيننا على أن نستقيم على أمر الله وعلى أن نصل إليه ، فمن هذه الاستنتاجات من سيرة السيدة خديجة : 1 ـ الفضيلة التي تنطوي عليها لو لم تذكرها للناس يعرفها الناس :
أولاً : الفضيلة التي تنطوي عليها لو لم تذكرها للناس يعرفها الناس ، أنت لست بحاجةٍ إلى أن تُسَلِّط الأضواء على نفسك ، البر لا يبلى والذنب لا ينسى والديَّان لا يموت ، النبي عليه الصلاة والسلام ما أُثر عنه أنه مدح نفسه ، ولا ذكر فضائله ، ولا شمائله ، ولا صدقه ، ولا أمانته ، ولكن الناس جميعاً عرفوا كل فضائله ، وعرفوا كل شمائله ، وقدَّروه أعظم تقدير ، لذلك ليس من الحكمة أن تمدح نفسك .
ميسرة رأى كل شيء ، وأنبأ خديجة بكل شيء ، وانتهى الأمر ، والله هو الحق ، ومعنى الحق الذي يظهر الحق ، ويكشف الحقائق ، هذه أول نقطة ، دع الناس يمدحونك ، أنت اصمت . (( يا أبا ذر ألا أدلك على خصلتين هما أخف على الظهر وأثقل في الميزان من غيرها ، قلت : بلى ، قال : طول الصمت وحسن الخلق ...))
[شعب الإيمان عن أنس]
كان عليه الصلاة والسلام يغلب عليه الصمت ، والفضائل ظاهرة ، والفضل لا يخفى على أحد ، والشمائل الطيبة لا تخفى على أحد ، أما إذا أنت ذكرتها وتباهيت فيها ، شك الناس في إخلاصك ، وفي مكانك عند الله عز وجل . 2 ـ أفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في نكاح :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6710/05.jpg
ثانياً : أفضل شفاعةٍ أن تشفع بين اثنين في نكاح ، فالإنسان بحق نفسه قد يكون ضعيف ، فإذا يسَّر الله لك أن تكون سبباً في زواجٍ مبارك ميمون ، هذا عمل طيِّب ، لأن الله عز وجل يقول :
﴿ وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ (32)﴾
( سورة النور )
أنت يجب أن يكون مسعاك أن تعرِّف شاباً بقريبة لك ، أو قريبة بشاب ، العبرة أن تكون سبب بتأسيس بيت مسلم ، هذه نقطة ثانية .
3 ـ إذا الإنسان عُرِضَ عليه الخير ينبغي ألا يتأبَّى في ذلك :
ثالثاً : إذا الإنسان عُرِضَ عليه خير من دون طلبٍ ولا استشراف نفسٍ ، فرده ، فكأنما ردَّه على الله ، النبي كان أديباً جداً ، أول عرض قال : بلى ، والثاني قال : بلى ، وهو سيد الخلق ، وحبيب الحق ، هناك نفوس مريضة ، تتأبى ، ترفض ، للرفض فقط ، حباً بالرفض ، فإذا الإنسان عُرِضَ عليه الخير ، مخلص ، جيِّد ، ينبغي ألا يتأبَّى في ذلك . 4 ـ النبي ما كان يفكر في الزواج لأنه لا يملك مالاً ولكن الله سبحانه إذا أعطى أدهش :
الشيء الأخير كما قلت قبل قليل أن النبي عليه الصلاة والسلام ما كان يفكر في الزواج إطلاقاً ، السبب ليس بين يديه مالٌ يعينه على الزواج ، ولكن الله سبحانه وتعالى هو الكريم ، وإذا أعطى أدهش ، لذلك : ما شكا أحدٌ ضيق ذات يده إلا قال له النبي : اذهب فتزوج . (( ثَلَاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ عَوْنُهُمْ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ ))
[ الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هناك أربع استنباطات في هذا الدرس تُستنبط من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم في زواجه بالسيدة خديجة .

السعيد 09-04-2018 02:05 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( السابع و العشرون )


الموضوع : خديجة بنت خويلد - 3



بيت النبوة





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة المؤمنون ، مع الدرس الثالث من دروس سير الصحابيات الجليلات رضوان الله تعالى عليهم ، ومع زوجة النبي الأولى السيدة خديجة رضي الله عنها وأرضاها ، وها نحن ننتقل في هذا الدرس إلى بيت النبوَّة . بيت النبوة قدوةٌ ومثل أعلى لكل بيت :
إنّ بيت النبوة شيءٌ كبير ، لأنه المثل الأعلى لكل بيت ، تقول أحياناً : هذا بيتٌ مسلم ، ترى الإسلام فيه واضحاً ، ترى الأدب ، ترى الحشمة ، ترى الاحترام ، ترى العبادات ، ترى الخير ، ترى التربية ، بيت مسلم ، فرقٌ كبير بين بيت المسلم وبيت غير المسلم ، أعلى هذه البيوت على الإطلاق بيت النبوة فهو قدوةٌ لكل بيت ، مثلٌ أعلى لكل بيت .
سكن النبي صلى الله عليه وسلَّم مع زوجته السيدة خديجة رضي الله عنها في بيتها ، أحياناً امرأة صالحة عندها بيت يتزوجها رجل ، يأبى أن يسكن في بيتها ، إن كانت صالحةً وقدَّمت لك هذا البيت معونةً لك ، ما الذي يمنع أن تسكن عندها ؟ هذا النبي عليه الصلاة والسلام تزوَّج السيدة خديجة في بيتها فكانا أسعد زوجين ، وأكرم عروسين ، ونالت رضا الله عنها بشرفٍ كرَّمها الله به ، فكانت أم المؤمنين الأولى ، يقول الله عزَّ وجل : ﴿ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (6)﴾
( سورة الأحزاب )
هذه زوجة النبي الأولى ، وهي أم المؤمنين الأولى ، أي أن أعلى مرتبة في المجتمع الإسلامي زوجة النبي عليه الصلاة والسلام ، هي في مقام أمٌ لكل المؤمنين : ﴿ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ (6)﴾
( سورة الأحزاب )
عاش النبي معها في بيتها ، وكان بيتاً كسائر البيوت . النبي عدَّ الغنى المُطغي أحد أكبر المصائب :
تذكرون أيها الأخوة أن سيدنا عمر حينما دخل على النبي صلى الله عليه وسلَّم وقد اضطجع على حصير ، وأثَّر في خدِّه الشريف فبكى عمر ، قال : يا عمر لماذا تبكي ؟ قال : " رسول الله ينام على الحصير وكسرى ملك الفرس ينام على الحرير ؟! " ، قال : يا عمر إنها نبوةٌ وليست ملكاً ، أنا لست ملكاً ، هذه النبوة . (( يا محمد أتحب أن تكون نبياً ملكاً أم نبياً عبداً ؟ قال : بَلْ نبياً عبداً أجوع يوماً فأصبر وأشبع يوماً فأشكر ))
[مسند أبي حنيفة عن إبراهيم النخعي]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6711/01.jpg
يبدو أن التقشُّف ، والفقر ، والضعف أقرب إلى العبودية ، ليس هناك ما يمنع أن تكون قوياً ، أو أن تكون غنياً ، ولكن القوة مزلقٌ خطير ، والغنى مزلقٌ خطير قلَّما ينجو منه إنسان ، بين كل مئة فقير تجد ثمانين عبيدٌ لله ، لكن بين كل مئة غني لا تجد عشرة عبيدٌ لله ، الغنى مزْلق ، والقوة مزلق ، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام عدَّ الغنى المُطغي أحد أكبر المصائب .
كان بيتاً كسائر البيوت ، لم يكن كما تُصوره بعض الكتب قصراً كبيراً ، إنما هو بيتٌ صغير ، كلكم سمع مني كثيراً أن بيت النبي صلى الله عليه وسلَّم في المدينة كان صغيراً إلى درجة أنه لا يستطيع أن يصلي وزوجته نائمة ، فكانت تنحرف قليلاً كي يسجد ، ما هذا البيت الصغير وهو سيد العالمين ؟ فلينظر ناظرٌ بعقله أن الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا ، فإن قال : أهانه فقد كذب ، وإن قال : أكرمه فقد أهان غيره حيث أعطاه الدنيا .
أيها الأخوة قدَّمت السيدة خديجة للنبي نفسها ، كما قدَّمت له مالها ، وقال بعض المفسِّرين : هذا معنى قول الله عزَّ وجل :
﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى (6)وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7)وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى (8)﴾
( سورة الضحى )
هذه السيدة الشريفة الغنية نالت شرف أن تكون أم المؤمنين ، زوجة سيد المرسلين ، وأن تقدم له مالها ، وبيتها ، ونفسها . السيدة خديجة قدَّمت بيتها ومالها ونفسها للنبي الكريم :
أريد أن أعلِّق تعليقاً : إذا كان أخ طالب علم وأخ ثان يعمل ويقدِّم له ، هل تصدقون أن الذي يعمل ، ويقدم له لا يقل عن أجره ؟ الله عادل ، فأخ كريم قال لي : أنا طالب طب ، قلت له : من ينفق عليك ؟ قال : أخي يعمل بحرفة ، وهو الذي ينفق علي ، والله أيها الأخوة رأيت الثاني الذي ينفق على الأول بطلاً .
سمعت عن أحد الأشخاص له ابنٌ وابنة ـ هكذا سمعت ـ الابنة تعمل في الخياطة ، وهي التي أنفقت على أخيها حتى صار طبيباً ، كان من وصية الأب أن يقتسم الأخوان المال بالتساوي ، والله عزَّ وجل أكرم الطبيب بدخل كبير جداً ، فكان يعطي نصفه لأخته ، لأنها سبب نيله هذه الشهادة ، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله .
إنسان يعمل ويقدم لطالب علم ، أنا أتصور أن له عند الله أجراً كبيراً ، أن هذا الذي يعمل ، ويقدِّم لطالب العلم لا يقل في الأجر عن طالب العلم .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6711/02.jpg
في أحد الحفلات قام أحد الخطباء وألقى كلمة أعجبتني ، قال : إما أن تكون داعية وإما أن تتبنَّى داعية ، الآن في الشام آلاف طلاب العلم يأتون من أماكن بعيدة ؛ من الشمال ، من الشرق ، من الجنوب ، لو أن رجلاً تبنَّى طالب علم ؛ أنفق عليه ، اعتنى به ، يسَّر له منزلاً ، وعاد إلى بلده عالِماً كبيراً ، داعيةً ، خطيباً ، هل تصدق أن هذا الذي اعتنى به في الشام ، وقدم له المسكن ؛ الطعام والشراب والكساء له الأجر نفسه لهذا الداعية ، إن لم تكن داعيةً فتبنَّ داعياً ، إن لم تكن عالِماً فكن في خدمة عالِمٍ ، في خدمة دعوةٍ ، لا أٌقول في خدمة عالِم بالذات ، كن في خدمة دعوة .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6711/03.jpg
مثلاً هذا المسجد ، هؤلاء الذين بنوه ، وزيَّنوه ، وكسوه ، وفرشوه ، أنتم تأتون إلى مكان لطيف ، جميل ، مهيَّأ ، منظَّف ، كل منا يتوهَّم أن الجنة له ، كل من ساهم في هذا المسجد له مثل أجر الذي تكلف ، الله عزَّ وجل كريم ، هذا بنى ، هذا خطب ، هذا درَّس ، هذا أدار المشروع ، هذا هيَّأ ، عند الناس قد تغيب بعض الحقوق ، أما عند الله سبحانه وتعالى لا يضيع حق أبداً .
ماذا فعلت هذه السيدة ؟ قدَّمت بيتها ومالها ونفسها للنبي ، كم تتصوَّر أجرها ؟ هيَّأت له جواً ، أحياناً تجد كتاب يقول الكاتب في إهدائه : إلى التي هيَّأت لي جو التأليف ، إلى التي حَبَتْنِي بعطفها ، إلى التي هيأت لي كل وسائل النجاح ، إلى زوجتي ، يرى أن هذا المؤلَّف الذي ألَّفه مدينٌ به لزوجته ، ماذا فعلت زوجته ؟ طبخت ، ونظَّفت ، وهيَّأت له الجو الهادئ ، وأطعمت الصغار ، وأبعدتهم عن أبيهم لئلا يُشَوَّش عليه ، يقول لك هذا المؤلَّف لولا زوجتي ما ألَّفته ، أي إنسان قدَّم معونة ؛ هذا نظف المسجد ، هذا هيَّأ الحاجات ، هذا هيأ الكهرباء ، هذا صلَّح أجهزة التدفئة ، كل من ساهم في دعوة له أجرٌ كبير ، نحن أسرة أخواننا الكرام ، افهم هذا المفهوم ، نحن أسرة كل واحد له دوره ، لا أحد أفضل من أحد . من عرف نفسه ما ضرَّه إن عُرِف أم لم يُعرَف :
امرأة غنية ، النبي عليه الصلاة والسلام في أمس الحاجة إليها ، هو يدعو إلى الله في زمنٍ عصيب ، هيأت له البيت ، هيأت له المال ، هيأت له نفسها ، هيأت له سكناً ، كانت مِعْواناً له ، كانت مسليةً له ، مصبِّرةً ، لا يعلم إلا الله الأجر الذي نالته بهذا العمل ، لا تظن أن أشخاصاً بالواجهة ، ثمة أشخاص هم جنود مجهولون ، تجده جامعاً ، إنسان في الواجهة يتكلَّم ؛ ولكن معه أناس قدَّموا مساعدات كبيرة جداً ، لا أحد يعرفهم ، لكن الله يعرفهم .
والله أيها الأخوة ، أنا تلوت على مسامعكم هذا الخبر كثيراً ، عندما جاء رسول من نهاوند يخبر سيدنا عمر بما جرى في هذه المعركة ، فقال له : " مات خلقٌ كثير " ، قال له : " من هم ؟ " ، قال له : " أنت لا تعرفهم " ، فبكى عمر وقال : " ما ضرَّني أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم " ، أي ومن أنا ؟
إن أخلصت لله وكنت بخدمة الدعوة ، الدعوة تحتاج إليك ؛ هذا نظف المكتبة ، وهذا نظم الدروس ، هذا ألَّف كتاباً ، هذا أعان الفقراء ، هذا لبَّى خدمة الأخوة الكرام ، هذا توسَّط حتى وظَّف هذا الأخ ، هذا هيَّأ زواج أخ ، هذا فرش المسجد ، هذا أنار الكهرباء ، دخل النبي عليه الصلاة والسلام إلى المسجد فرآه متألِّقاً قال : " من نوَّره ؟ " ، قالوا : تميم الداري ، فقال له : " نوَّر الله قلبك كما نوَّرت المسجد " ، أثنى عليه النبي ثناءً كبيراً .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6711/04.jpg
ملخَّص هذه التعليقات : إن لم تكن في قمة الدعوة فكن أحد أعوانها ، ليكن لك مساهمة بشكل أو بآخر .
ثمة إخوة ـ أنا والله ممتن لهم من أعماقي ـ ما من مشكلة صحية إلا ويتولونها بالرعاية ، والعملية ، والمستشفى ، والطبيب ، هذا يد يمنى ، هذا بالطب ، هذا بالهندسة ، قضية بالمسجد ، مشكلة ، تهوية ، إضاءة ، تحسين ، توسيع متمكن ، هذا مهندس وضع خبرته في سبيل هذه الدعوة ، هذا طبيب وضع علمه في سبيل هذه الدعوة ، هذا محام وضع خبرته في سبيل هذه الدعوة ، هذا مؤلِّف وضع علمه في سبيل هذه الدعوة ، ليكن لك مساهمة في هذه الدعوة ، وأنت عندئذٍ جنديٌ عند الله ، عُرِفت أو لم تُعرف سيَّان ، نوَّهوا بك أو لم ينوهوا ، أشاروا إليك أو لم يشيروا ، لك مساهمة .
في كثير من الأحيان أنا أعجب بأخ قال لي : أنا أعمل بالكهرباء أي خدمة تريدها أنا جاهز لها ، والله شيء جميل ! أنا عندي مَحافظ أحب أن أقدِّمها لطلاب المعهد ، بارك الله بك ، أنا عندي أحذية ، أنا عندي ملابس صوفية ، إخوة كثر جاؤوا بأشياء كثيرة جداً لطلاب المعهد ، طالب لبس ثوباً ، لبس حذاء ، أخذ محفظة ، ساعة ، إنسان نقلهم بالسيارة من مكان إلى مكان ، إنسان اعتنى بهم في الطعام والشراب ، لا بد لك أن تساهم إن كنت مخلصاً ، عُرفت أو لم تُعرف ، نوَّهوا بك أو لم ينوهوا ، أشاروا أو لم يشيروا ، من عرف نفسه ما ضرَّته مقالة الناس به ، أنا هذه وقفتي . إن لم تكن في قمة الدعوة فكن أحد أعوانها :
قدَّمت رضي الله عنها للنبي نفسها ، كما قدَّمت له مالها ، وتفانت في طاعته وخدمته ، وتهيئة كل أسباب السعادة والراحة له ، فكانت بحقٍ الزوجة المثاليَّة الكريمة الصالحة ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : (( انصرفي أيتها المرأة ، وأعلمي من وراءك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها ، وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ))
[كنز العمال عن أسماء بنت يزيد الأنصاري]
كيف إذا كان هذا الزوج نبياً ؟ كيف إذا كان هذا الزوج رسولاً ؟ كيف إذا كان هذا الزوج سيِّد الأنبياء والمرسلين ؛ بل سيد ولد آدم ؟ هنيئاً لها على هذا المقام ، والحقيقة أن الإنسان يُغبَط إذا كان له عمل في الدعوة ، بخدمة دعوة إلى الله خدمة خالصة .
أخ من أخواننا الكرام من الصين ، يأخذ بعض الدروس ويترجمها إلى اللغة الصينيَّة ، والله أنا قرأت مقالةً منها ، مستحيل أن أفهم حرفاً ، كل حرف صيني كلمة ، قال لي : هذه مقالتك ، مجلة كبيرة ، قال لي : نحتاج إلى غلاف ، لأن هذه المجلَّة تُرسل إلى الصين ، والله أكبرتهم ، يأخذون بعض الخطب أو بعض المقالات فيترجمونها إلى اللغة الصينيَّة ، ثم يطبعونها ، وهم بحاجة إلى غلاف ، أخ كريم من روَّاد المسجد يعمل في الطباعة ، قلنا له : نريد غلافاً ، قال : حاضر ، جاء بأجمل غلاف فيه خمسة ألوان ، وقال لي : هديَّة ، ساهم ، فحرفته ساهمت في الدعوة .
لا يوجد مصلحة ولا حرفة إلا ولها مساهم في الدعوة ، أستاذ فيزياء ، فهناك أخ بحاجة لعدد من الدروس ، وهو فقير ، فقال لي : أنا جاهز ، أستاذ إنكليزي ، أستاذ عربي ، أستاذ رياضيات ، هذا بالتعليم ، بالهندسة في مهندسين ؛ توسعة ، تزيين ، حل مشكلات ، مرافق عامَّة ، حُلَّت كل مشاكل المسجد ، أحد الأخوة المهندسين قدَّم كل علمه للمسجد ، أخ طبيب قدَّم كل خبرته للمسجد ، إذا ما كنت داعية كن في خدمة دعوة ، هذه كل القصة ، عُرفت أو لم تعرف ، هذا الذي أعلِّق عليه من قول المؤلِّف : " قدَّمت رضي الله عنها للنبي نفسها ، كما قدمت له مالها ، وتفانت في طاعته وخدمته " . تولي السيدة خديجة رضي الله عنها خدمة النبي بنفسها :
بصراحة الزوجة أحياناً تتمادى مع زوجها ، السبب هو يعيش معها في بيتٍ واحد وأزهد الناس في العالم أهله وأولاده ، لكن مقام النبي ، زوجته تفانت في طاعته وخدمته ، كل إنسان له مكانة ، ولكن أحياناً تُرفع الكلفة بينه وبين زوجته ، لكن مقام النبي ينبغي أن يكون عالياً جداً ، فمع أنه زوج كانت تتفانى في طاعته وخدمته ، فالآن تجد زوجة عمرها خمس عشرة سنة ، وزوجها عمره ثلاثة وثلاثون عاماً ، تقول له : سعيد ، تناديه باسمه وتتطاول ، والفارق بينهما في السن كبير ، أما زوجات النبي فيخاطبنه بالرسالة : يا رسول الله ، في البيت طبعاً بين الزوجة والزوجة هناك علاقة حميمة ، ومع ذلك مكانته عالية .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6711/05.jpg
والله قال لي أحد الأشخاص : جلست زوجتي على الأريكة ، وهو جالس على الأرض ، وهذا الجهاز الرائي اللعين كان مفتوحاً ، قال لي : ركلتني برجلها أنْ غيِّر القناة ، هذه زوجة ؟ طبعاً طلَّقها .
كانت رضي الله عنها تتولَّى خدمة النبي بنفسها ، أحياناً تجد زوجة تقول لولدها والدك يريد كأس ماء ، اسقِه ، وهي جالسة مرتاحة ، والدك يريد كذا أحضره له ، تعطي أوامر فقط ، لكن أن تقوم الزوجة وتخدم زوجها بنفسها فهذه أعلى درجة من الاحترام .
كانت رضي الله عنها تتولى خدمة النبي بنفسها ، ولا تكلِّف أحداً غيرها بذلك ، معنى هذا أنها تعرف مقامه ، مع أن أكثر من يعمل في الحقل الديني أجهل الناس بمقامه أهله وأولاده ، كأن هناك تقصيراً في حقه ، أما النبي عليه الصلاة والسلام فزوجته تعرف مقامه العالي . (( أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ـ دققوا الآن قد يقشعر جلدكم ـ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]
هذا الحديث في صحيح البخاري ، تلقَّت سلاماً من الله ، والذي تسمعونه كثيراً أن جبريل عليه السلام ، جاء النبي عليه الصلاة والسلام قال : " يا محمد أقرئ صاحبك من الله السلام وبلِّغه إن الله راضٍ عنه ، فهل هو راضٍ عن الله ." حرص السيدة خديجة على رضا النبي بكل ممكن :
أنت عندما تخدم عباد الله عزَّ وجل ، تتفانى في خدمة العباد ، الله يحبك ، لأن الله وفي ، والله شاكر ، شكور ، فعندما تخدم أنت عباده ، ترحمهم ، تعطف عليهم ، تيسِّر لهم أمورهم ، اسمعوا هذا الحديث : (( مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ))
[مسلم عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6711/06.jpg
إنسان مقطوع ، إنسان مريض ، إنسان بحاجة إلى مساعدة ، عليه دين ، يسَّرت له أموره ، تنام ملء العين لأن الله راضٍ عنك :
(( إذا أراد الله بعبد خيراً صير حوائج الناس إليه ))
[الجامع الصغير عن أنس رضي الله عنه]
إذا أحبه . (( إن من الناس أناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر ، وإن من الناس أناساً مفاتيح للشر مغاليق للخير ، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه ، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه ))
[الجامع الصغير عن أنس رضي الله عنه]
يقول ابن حَجَر رحمه الله تعالى : " كانت السيدة خديجة حريصةً على رضا النبي بكل ممكن " ، والله مرَّة أحد أصدقائي توفيت والدته ، فذهبنا للتعزية ، والده بالثمانين بكى بكاءً مراً ، خففنا عنه مصابه في نهاية التعزية ، قال : والله قُرابة خمسين عاماً وأنا بصحبتها وما نمت ليلةً واحدةً وأنا غاضبٌ عليها ، ولا ليلة ، هذه زوجة ، وزوج آخر يقول لك : ولا ليلة كنت مرتاحاً ، فهذه زوجة ، وهذه زوجة ؟! وشتان بين الزوجتين : (( إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا وَصَامَتْ شَهْرَهَا وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ ))
[أحمد عن عبد الرحمن بن عوف]
أسوق هذا الكلام للأخوات المؤمنات : والله الزوجة إذا كانت زوجة مثاليَّة ، أحسنت تبعُّل زوجها وأولادها ، والله قد تجد لها مقاماً عند الله يفوق مئة ألف رجل ، والله ولا أبالغ ، قال : (( أول من يمسك بحلق الجنة أنا ، فإذا امرأةٌ تنازعني تريد أن تدخل الجنة قبلي قلت : من هذه يا جبريل ؟ قال : هي امرأةٌ مات زوجها وترك لها أولاداً فأبت الزواج من أجلهم ))
[الجامع الصغير عن أنس رضي الله عنه]
تربية الأولاد عمل عظيم من أعظم القربات إلى الله عزَّ وجل :
امرأة تعتني بأولادها : (( أيما امرأةٍ قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة ))
[الجامع الصغير عن أنس رضي الله عنه]
قعدت على بيت ، عند الجيران ، في استقبال ، الأولاد بالطريق بلا أكل ، شاردين ، ما كتبوا وظائفهم ، بيت خربٌ ، من بيت إلى بيت : (( أيما امرأةٍ قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة ))
[الجامع الصغير عن أنس رضي الله عنه]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6711/07.jpg
تربية الأولاد عمل عظيم من أعظم القربات إلى الله عزَّ وجل ، أنا أعرف بيوت هَمُّ المرأة أولادها وزوجها ؛ طعامهم ، وشرابهم ، ودراستهم ، وغرفتهم ، ونظافتهم ، ومستقبلهم ، فامرأة أنجبت خمسة أولاد ربتهم تربية عالية ، ثم توفَّاها الله ، إلى الجنة فوراً ، الأمومة الكاملة تكفي لدخول الجنة فقط ، ما فعلت شيئاً إلا أنها ربَّت أولادها .
طبعاً : (( انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من وراءك من النساء ـ يخاطب امرأةً مؤمنةً، مسلمةً ، مصليةً ، صائمةً ـ أن حسن تبعل إحداكن لزوجها وطلبها مرضاته واتباعها موافقته يعدل ذلك كله ))
[كنز العمال عن أسماء بنت يزيد الأنصاري]
قال : ولم يصدر منها ما يغضبه قط ـ إطلاقاً ـ أنا كلمة أتأثر بها تأثُّراً كبيراً ، عندما قال النبي صلى الله عليه وسلَّم ، يتحدث عن سيدنا الصديق يقول : " ما ساءني قط ، ولا بكلمة ، ولا بموقف " ، (( ما دعوت أحداً إلى الإسلام إلا كانت له كبوة إلا أخي أبا بكر ))
[من مختصر تفسير ابن كثير ]
ما ساءني قط أعطاني ماله وزوجني ابنته فاعرفوا له ذلك ، (( ما طلعت شمس ولا غربت على أحد بعد النبيين والمرسلين أفضل من أبي بكر ))
[كنز العمال عن أبي الدرداء]
لم يصدر منها ما يغضبه قط ؛ لا كلمة ولا نظرة ، أحياناً يزورك أحدهم ، يقول لك : ما تكلَّمت بشيء ، أحياناً النظرة القاسية ، النظرة الحادة هذه إساءة ، هناك ابتسامة ، وأدب ، وبشاشة ، وتهذيب ، فزوجة متعبة جداً ، سحقت زوجها ؛ كل يوم مشكلة ، كل يوم قضية ، قال لها : أريحيني يوماً فقط ، اتفقوا أن تزعجه يوماً ، وتريحه يوماً ، ويوم الراحة تقول له : غداً سأزعجك ، غداً سأزعجك ، ما ارتاح يوماً منها . آيات من القرآن الكريم عن مكانة نساء النبي :
أشار ابن حجر رضي الله تعالى عنه إلى ما حدث عندما سألت أمهات المؤمنين النبي صلى الله عليه وسلَّم أن يوسِّع عليهن بالنفقة ، طالبنه ببعض الرفاهية ، ببعض النفقة الزائدة ؛ بطعام أطيب ، ببيت أوسع ، فغضب عليه الصلاة والسلام ، وهذا حينما قال تعالى : ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً (32)﴾
( سورة الأحزاب )
وقال : ﴿ وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29)﴾
( سورة الأحزاب )
وقال : ﴿ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (28)﴾
( سورة الأحزاب )
السيدة خديجة لم تسأل النبي أبداً أن يوسِّع عليها بالنفقة كما فعلت بقية نسائه :
لمَّا سألت أمهات المؤمنين النبي صلى الله عليه وسلَّم أن يوسِّع عليهنَّ بالنفقة ، غضب ، واعتزلهنَّ شهراً في غرفةٍ عالية ، حتى أنزل الله تعالى آيتي التخيير : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً (28)وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآَخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً (29)﴾
( سورة الأحزاب )
يروى أن السيدة خديجة لم تسأل النبي هذا إطلاقاً ، راضية ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : (( أعظم النساء بركةً أقلَّهن مهراً ))
[أحاديث الإحياء عن السيدة عائشة]
(( أعظم النساء بركةً أقلَّهن مؤونةً ))
[الجامع الصغير عن السيدة عائشة]
طلباتها خفيفة ، قال لي مهندس : دخلت زوجة صاحب البيت ـ وقد كَلَّف الحمام ثلاثمئة وخمسين ألفاً سيراميك ـ فقالت له : كسِّره كله ، ليس جميلاً ، قال لي : كسَّرناه .
ما علاقة أن سيدنا جبريل بشَّرها ببيتٍ في الجنة ؟ قال : لأنها كانت سيدة بيتٍ أولى في الدنيا ؛ بيت منظَّم ، نظيف ، فيه خدمات عالية ، فيه راحة للزوج ، فيه تصبير ، فيه عناية ، لأنها كانت سيدة بيتٍ مثالية في الدنيا فبشَّرها جبريل عليه السلام ببيتٍ في الجنة ، إذاً حينما بشرها جبريل عليه السلام ببيتٍ في الجنة لا نصب فيه ولا صخب ، لأنها كانت في الدنيا سيدة بيتٍ مثالي لا نصب فيه ولا صخب ، وفَّرت الراحة لرسول الله . السيدة خديجة رغبت أن تكون زوجة النبي لما ألهمها الله أنه سيكون له شأنٌ كبير :
دعاها إلى الإيمان فأجابت عفواً ، فكانت أول امرأةٍ أسلمت ، ولم تحوجه أن يصخب كما يصخب البعلُ الزوج إذا تغضَّبت عليه حليلته ـ فأكثر الأزواج ينشأ خلاف ، فيغضب منها ، ويرفع صوته ، ويتألَّم ، ويخرج من البيت غاضباً ، قال : لم تحوجه أن يصخب كما يصخب البعل إذا تغضَّبت عليه حليلته ، واحد أراد أن ينصح ، أو أن يفصح عن طباعه لمخطوبته فقال : إن في خُلُقي سوءاً ، قالت له مخطوبته : إنّ أسوأ خلقاً منك من أحوجك لسوء الخُلُق ـ ولا أن ينصب ، بل أزالت عنه كل نصب ، وآنسته من كل وحشة ، وهوَّنت عليه كل مكروه ، وأراحته بمالها من كل كدٍ ونصب .
عبارات دقيقة أعيدها على مسامعكم ، قال السهيمي رحمه الله : دعاها إلى الإيمان فأجابته عفواً ، ولم تحوجه أن يصخب كما يصخب البعل الزوج إذا تغضَّبت عليه حليلته ، ولا أن ينصب بل أزالت عنه كل نصب ، وآنسته من كل وحشة ، وهوَّنت عليه كل مكروه ، وأراحته بمالها من كل كدٍ ونصب ، امتلأ قلبها بحب النبي وتقديره واحترامه ، وهي ترجو أن يكون له شأنٌ كبير .
والله وردت قصة في فتح الباري سأرويها على مسامعكم : (( كان النبي صلى الله عليه وسلَّم عند أبي طالب ، فاستأذنه أن يتوجَّه إلى خديجة ، فأذن له ، وبعث بعده جاريةً يقال لها نبعة ، فقال لها : انظري ما تقول له خديجة ـ وقت الخطبة ـ فخرجت إلى الباب فأخذت بيده فضمتها إلى صدرها ونحرها ، ثم قالت : " بأبي أنت وأمي والله ما أفعل هذا لشيء ، ولكن أرجو أن تكون أنت النبي الذي سيُبعث ، فإن تكن هو فاعرف حقي ومنزلتي ، وادع الإله الذي يبعثك لي " ، فقال لها : والله لئن كنت أنا هو فقد اصطنعت عندي ما لا أضيعه أبداً))
[الفاكهي عن أنس]
أي أنها رغبت أن تكون زوجة النبي لما ألهمها الله أنه سيكون له شأنٌ كبير ، وقالت : " إن كنت كذلك فلا تنسَ أن تسأل الله لي أن أكون معك " .
النبي عليه الصلاة والسلام ـ دققوا في هذه العبارة ـ عرف للسيدة خديجة أم المؤمنين حقها ومنزلتها ، أحياناً إنسان يكون فقير يتزوج ، هذه الزوجة تتحمَّل معه ألوان الفقر ، فإذا اغتنى أراد أن يغيِّرها ، نسي الماضي . النبي الكريم أوفى الأوفياء عرف للسيدة خديجة أم المؤمنين حقَّها ومنزلتها :
عرف النبي صلى الله عليه وسلَّم للسيدة خديجة أم المؤمنين حقَّها ومنزلتها ، وبادلها حباً بحب ، ووفاءً بوفاء ، فلم يتزوج غيرها في حياتها إكراماً لها ، وصان قلبها من الغيرة عليه ، وعاش معها وحدها أكثر مما عاش مع غيرها ، فقد عاش صلى الله عليه وسلَّم بعد أن تزوج السيدة خديجة ثمانيةً وثلاثين عاماً ، انفردت خديجة منها بخمسةٍ وعشرين ، عاش ثمانيةً وثلاثين عاماً ، منها خمسة وعشرون مع خديجة وحدها ، هذا هو الوفاء ، إذا تزوج الرجل امرأة ، وماتت ، وتزوج الثانية ، يقول لك : خلصنا منها ، وأراحنا الله منها ، ليس ثمة وفاء ، كان عليه الصلاة والسلام أوفى الأوفياء ، وبقي على محبتها ، والوفاء لها إلى أن توفَّاه الله تعالى ، وقد صرَّح بحبه لها للسيدة عائشة رضي الله عنها ، وقال لها : (( إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا ))
[مسلم عن السيدة عائشة ]
ما قولك ؟ رزقت ، معنى هذا أن الإنسان إذا كان يحب زوجته هذه نعمة الله ، هذا رزق من الله ، أحياناً يكرهها ، جالسة في وجهه طوال النهار ، لا يحبها ، شيء صعب هذه التي يسكن معها طوال حياته ولا يحبها ، النبي ما عدَّ أنه أحسن اختيارها ، بل : (( إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا ))
[مسلم عن السيدة عائشة ]
بصراحة أيها الأخوة إذا غضَّ الإنسان بصره عن محارم الله يرزق حب زوجته ، اطمئنوا ، إذا غضَّ بصره عن محارم الله يرزق حب زوجته : (( إِنِّي قَدْ رُزِقْتُ حُبَّهَا ))
[مسلم عن السيدة عائشة ]
قال : فحبه صلى الله عليه وسلَّم للسيدة خديجة فضيلةٌ تفضَّل الله تعالى بها عليه صلى الله عليه وسلَّم .
إن شاء الله تعالى في درسٍ قادم نتابع الحديث عن هذه السيدة الأولى التي كانت أول زوجات النبي ، وكانت أحبَّ نسائه إليه ، وقد عرف قدرها وحبها .

السعيد 09-04-2018 02:07 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( الثامن و العشرون )


الموضوع : خديجة بنت خويلد - 4



الارهاصات قبل البعثة






لحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام مع الدرس الرابع من سيرة صحابيات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلى رأسهم أزواجه الطاهرات ، ونتابع الحديث عن السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها .
اقترب النبي من الأربعين من عمره وبدأت تباشير النبوة وإرهاصاتها تلوح في أفق حياته :
مرَّت الأعوام والأعوام على أكرم زوجين ، ويا أيها الأخوة كلما ازداد إيمان الزوجين ، ازدادت سعادتهما ، وكلما ضعف إيمان أحدهما أو كليهما افترقا عن بعضهما ، فالإيمان يجمع ، وضعف الإيمان يفرِّق ، وهذه حقيقة ، فإذا أردت أن تكون زوجاً سعيداً فكن من الله قريباً ، ولتكن الزوجة من الله قريبةً ، هذا يُعين على تمام السعادة الزوجية .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6712/01.jpg
نَعِمَا فيها بأسعد الأوقات وأهنأ الساعات ، ولما اقترب النبي صلى الله عليه وسلم من الأربعين من عمره الشريف ، بدأت تباشير النبوة وإرهاصاتها ، تلوح في أفق حياته ، الله عز وجل حكيم ، وربنا عز وجل يربِّي ، فلو أن النبوة جاءت فجأة ، لو جاءه جبريل فجأةً من دون مقدِّمات ، من دون إرهاصات ، ربما لم يحتمل قلب النبي صلى الله عليه وسلم الوحي أول مرة ، ولكن نحن الآن مع مقدمات ، مع تباشير ، مع إرهاصات ، هذه من شأنها أن تمهِّد للوحي الذي هو عمادُ ديننا القويم .
(( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أراد الله كرامته وابتدأه بالنبوة ، كان إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتاً))
[روى ابن سعدٍ عن برة بن أُبي]
يجب أن تعلموا طبيعة الحياة التي عاشها النبي ، أو يجب أن تعلموا خشونة الحياة التي عاشها النبي ، فكان إذا أراد أن يقضي حاجة لا بد أن يذهب إلى مكانٍ بعيدٍ بعيد حتى لا يراه أحد ، حتى لا يرى بيتاً من أجل قضاء حاجة ، لم تكن الحمَّامات قد عُهدت في البيوت . من تباشير النبوة :
كان النبي إذا خرج لحاجته أبعد حتى لا يرى بيتاً ، ويفضي إلى الشعاب وبطون الأودية من أجل أن يقضي حاجته ، قال : فلا يمر بحجرٍ ولا شجرٍ إلا قال له : " السلام عليك يا رسول الله " ، يسمع صوت السلام عليك يا رسول الله ، كان يلتفت عن يمينه وعن شماله ومن خلفه فلا يرى أحداً .
هذه أولى تباشير النبوة ، صوتٌ يلقى في أذنه أن : " السلام عليك يا رسول الله " دون أن يرى أثراً أو أن يرى أحداً ، يؤيِّد هذا ما جاء في الحديث الصحيح : (( إني لأعرف حجراً كان يسلم علي قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن ))
[صحيح عن سمرة بن جندب رضي الله عنه]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6712/02.jpg
نسمي هذا شفافية ، فالإنسان كلما اقترب من الله عز وجل رأى ما لا يراه الآخرون ، سمع ما لم يسمعه الآخرون ، أحس بما لم يحسّ به الآخرون ، شعر بما لا يشعر به الآخرون ، هذه الشفافية ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال :
(( لَوْ كُنْتُمْ كَمَا تَكُونُونَ عِنْدِي لَصَافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى فُرُشِكُمْ أَوْ عَلَى طُرُقِكُمْ ))
[ابن ماجة عن حنظلة]
كان عليه الصلاة والسلام يخطب على جذع نخلة ، فلما صنع له أصحابه منبراً وانتقل إلى المنبر حن إليه جذع النخلة فكان عليه الصلاة والسلام يضع يده عليها تكريماً لها ، هل عندك هذه الشفافية ؟
دخل إلى بستان أحد الأنصار فرأى جملاً ، فلما رآه الجمل حن ، وذرفت عيناه وصار يبكي ، فدخل عليه الصلاة والسلام ، وأمسك برأس الجمل : (( أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَسَرَّ إِلَيَّ حَدِيثاً لَا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَداً مِنْ النَّاسِ ، وَكَانَ أَحَبُّ مَا اسْتَتَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَاجَتِهِ هَدَفاً أَوْ حَائِشَ نَخْلٍ ، قَالَ : فَدَخَلَ حَائِطاً لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ ، فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ ، فَأَتَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ فَسَكَتَ فَقَالَ : مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ ؟ فَجَاءَ فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ : لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ . ))
[أبو داود فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ]
كأنه يفهم على الحيوان ، كأنه يسمع كلام الحيوان ، كأنه يشعر على الجماد : (( إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث وإني لأعرفه الآن ))
[ورد في الصحيحين عن جابر بن سمرة]
السيدة خديجة رضي الله عنها كانت أقرب الناس إلى النبي روحاً وجسداً :
قالت السيدة خديجة : إن أول بشارات الوحي ، إن أول بدايات الوحي أنه كان صلى الله عليه وسلم إذا سار ما من حجرٍ إلا يقول له : " السلام عليك يا رسول الله ".
لكن سبحان الله الحكمة التي ما بعدها حكمة أن هذه الزوجة آتاها الله من العقل ، ومن النُضج ، ومن بُعد النظر ، ومن سعة الأفق ، ومن قوة القلب الشيء العجيب ، كان عليه الصلاة والسلام يخشى على نفسه ، ما هذا الذي أسمعه ؟! لا يرى أحداً ، فلو سمع أحدٌ صوتاً ولم ير صاحبه يضطرب .
كان عليه الصلاة والسلام حينما تعرض له هذه الحوادث الغريبة الخارقة للعادة ، تثير في نفسه شيئاً من القلق والخوف ، ويصبح محتاجاً إلى شخصٍ يثق به يبثه ما يجده ، فالله عز وجل ماذا قال ؟ قال : ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً(21)﴾
( سورة الروم )
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6712/03.jpg
الإنسان بحاجة ماسة إلى شخص يبثه وجده ، يبثه قلقه ، يبثه تساؤله ، فكان عليه الصلاة والسلام يأتي إلى البيت ، ويحدِّث السيدة خديجة بما يشعر به ، والسيدة خديجة رضي الله عنها كانت أقرب الناس إلى النبي روحاً وجسداً ، فهي أهله ، وسكنه ، وأُنس روحه ونفسه رضي الله عنها ، وقد ذكرت بعض الروايات أنه عليه الصلاة والسلام قد حدَّثها بما يعتريه .
أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِخَدِيجَةَ : (( إِنِّي أَرَى ضَوْءاً وَأَسْمَعُ صَوْتاً وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جَنَنٌ ، قَالَتْ : لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، ثُمَّ أَتَتْ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ : إِنْ يَكُ صَادِقاً فَإِنَّ هَذَا نَامُوسٌ مِثْلُ نَامُوسِ مُوسَى فَإِنْ بُعِثَ وَأَنَا حَيُّ فَسَأُعَزِّزُهُ وَأَنْصُرُهُ وَأُومِنُ بِهِ))
[أحمد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]
قالت : "إن الله لا يفعل ذلك بك ، إنك تصدق الحديث ، وتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم " . خالق هذا الكون لا يفعل شراً بإنسانٍ صادق وأمين :
أيها الأخوة ، أنا أشعر بحاجةٍ إلى وقفةٍ متأنيةٍ عند هذا النص ، السيدة خديجة هل جاءها وحيٌ ؟ لا ، هل كان الحق معروفاً قبل بعثة النبي ؟ لا ، لكن كيف عرفت أن هذا الذي يصدق الحديث ، ويؤدي الأمانة ، ويقري الضيف ، ويحمل الكل ، أن هذا الإنسان لا بد أن يكرمه الله ، ومستحيلٌ أن يفعل الله به شراً ، ما هذا ؟ من أين جاءت بهذه الحقيقة ؟ من الذي علمها إيَّاها ؟ أين سمعت هذه الحقيقة ؟ من الذي أخبرها بها ؟ قال لها : (( إِنِّي أَرَى ضَوْءاً وَأَسْمَعُ صَوْتاً وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جَنَنٌ قَالَتْ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ ))
[أحمد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6712/04.jpg
إنك تصدق الحديث ، وتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم .
الجواب : هذه هي الفطرة ، كل إنسان على وجه الأرض جبله الله جبلةً عالية ، خالق هذا الكون لا يفعل شراً بإنسانٍ صادق ، بإنسانٍ أمين ، بإنسانٍ مُحسن ، بإنسانٍ كريم ، بإنسانٍ مُنصف ، إنك تصل الرحم ، إنك تحمل الكل ، إنك تعين على نوائب الدهر ، إنك صادق ، إنك أمين ، ما كان الله ليفعل بك ذلك ، لكن نحن ماذا نستفيد من هذا النص ؟
هذا النص يهمنا كثيراً ، أي أنك أيها الأخ الكريم إن صدقت مع الناس ، إن كنت أميناً ، إن كنت مُنصفاً ، إن كنت رحيماً ، إن كنت باراً بوالديك ، إن كنت مُحسناً إلى جيرانك، إن كنت كريماً مع من يزورك ، ماذا تنتظر من الله عز وجل ؟
الفطرة تقول : ينبغي أن تنتظر من الله كل خير ، ينبغي أن تنتظر من الله كل نصر ، وكل تأييد ، وكل عطاء ، وكل تكريم ، ربُ محمدٍ ربُنا ، وإلهُ محمدٍ إلهُنا ، والذي خلق محمداً هو الذي خلقنا ، وقوانينه هيَ هي ، سُننه هيَ هي ، فأنت أيضاً أصدق ، وكن أميناً ، وكن نصوحاً ، وكن باراً ، وكن منصفاً ، وكن رحيماً ، وينبغي أن تنتظر من الله كل خير ، ينبغي أن تعلم علم اليقين أن الله لن يضيِّعك ، ينبغي أن تعلم علم اليقين أن الله لن يخذلك ، لن ينالك بسوء ـ إنك تصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الدهر ، ما كان الله ليفعل بك ذلك ـ هذا كلام السيدة خديجة رضي الله عنها . لحكمة بالغة كانت السيدة خديجة سكناً للنبي وعوناً له ومثبتاً :
إذاً لحكمةٍ بالغةٍ بالغة جعل الله هذه الزوجة ذات القلب الكبير ، والإدراك العميق ، والصدر الواسع ، وقوة التحمُّل ، كانت سكناً للنبي ، وعوناً له ومثبتاً .
بربكم أيها الأخوة هل تظنون أن هذه المرأة ، بهذه الأخلاق ، وهذا النُضج ، تعد أقل من الرجل ؟ المرأة لها عند الله شأنٌ كبير ، لذلك في بعض الآيات : ﴿ إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (35)﴾
( سورة الأحزاب )
لماذا ذكر المؤمنات ، والصائمات ، والمسلمات ، والصادقات ؟ ليبيِّن الله لنا أن المرأة في شأن التكليف مساويةٌ للرجل تماماً ؛ تكليفاً ، وتشريفاً ، ومسؤوليةً .
الحقيقة من أدق كلمات هذه السيدة ، هذا الكلام الذي ينبع من الفطرة ، ما كان الله ليفعل بك ذلك : (( إِنِّي أَرَى ضَوْءاً وَأَسْمَعُ صَوْتاً وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جَنَنٌ قَالَتْ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ ))
[أحمد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]
إنك تصدق الحديث ، وتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم ، فهل يصح أن نقول : وراء كل رجلٍ عظيمٍ امرأة ؟ هذه مقولة قالها بعض الحكماء ، أحياناً ترى أنها تصدُق على بعض البيوت . الله لا يخزي من كان أميناً ومخلصاً وورعاً :
الآن انتقلنا إلى مرحلة ثانية ، أول بشائر الوحي ، أول إرهاصات الوحي ، أول تمهيد للوحي ، أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا رأى حجراً قال : " السلام عليك يا رسول الله " ، فقط ، يلتفت النبي يمنةً ويسرةً فلا يرى أحداً ، قلق ، وخاف على نفسه أن يكون كاهناً ، عرض هذا على السيدة خديجة قالت له : " لا إنك تفعل كذا وكذا ، وما كان الله يخزيك أبداً " ، وفي الكلام له عدة روايات : ((والله لا يخزيك الله أبداً))
[الزهري عن عائشة]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6712/05.jpg
اسمحوا لي أيها الأخوة أن أقول لكل شاب في مطلع حياته : كن صادقاً ، وكن أميناً ، وكن منصفاً ، وكن محسناً ، وكن ورعاً ، وكن مطيعاً ، والله لن يخزيك أبداً ؛ لا في زواجك ، ولا في عملك ، ولا في مستقبل أيامك ، ولا في صحتك ، الله جل جلاله يقول :
﴿ أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35)﴾
( سورة القلم )
وقال : ﴿ أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ (18)﴾
( سورة السجدة )
وقال : ﴿ أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا (61)﴾
( سورة القصص )
بداية نزول الوحي كانت الرؤيا الصادقة :
الآن دخلنا في طورٍ جديد ، ثم ابتدأ الوحي ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم بالرؤيا الصادقة ، كما جاء في الحديث الشريف الصحيح عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : (( أَوَّلُ مَا ابْتُدِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النُّبُوَّةِ حِينَ أَرَادَ اللَّهُ كَرَامَتَهُ وَرَحْمَةَ الْعِبَادِ بِهِ أَنْ لَا يَرَى شَيْئاً إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ))
[البخاري عَنْ عَائِشَةَ ]
أحياناً الإنسان لتكريم الله له ، يريه رؤيا صادقة ، رؤيا واضحة ، رؤيا لا تحتاج إلى تفسير ، كلما اتضحت الرؤيا ، وكلما أصبحت واضحة المعالم ، هذه الرؤيا من الله عز وجل ، وهي نوعٌ من الإعلام المباشر ، إذا أراد الله أن يعلمك إعلاماً مباشراً ، إذا أراد الله أن يطمئنك ، إذا أراد الله أن يكرِّمك ، إذا أراد الله أن يُلقي في روعك شيئاً ، ماذا يفعل بك ؟ يريك رؤيا صادقة ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6712/06.jpg
(( الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءاً مِنَ النُّبُوَّةِ ))
[مالك عن عطاء بن يسار]
قد تكون الرؤيا الصالحة بشارة ، وقد تكون لفت نظرٍ أو تحذير .
كان عليه الصلاة والسلام يسكن إلى هذه السيدة المصون ، ويرتاح لها ، ويطمئن لها ، وكان يبثها بعض أحزانه ، وكان يسألها أحياناً ، كلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا قصَّها على السيدة خديجة رضي الله عنها ، فتثبته وتبشِّره ، تُعَدُّ المرأة أحياناً ركناً من أركان الأسرة ، وأحياناً تعد عبئاً على زوجها.
رأى عليه الصلاة والسلام مرةً في منامه ، أن سقف بيته نزعت منه خشبة ، وأدخل فيه سلمٌ من فِضَّة ، ثم نزل إليه رجلان ، فأراد أن يستغيث فمُنع من الكلام ، فقعد أحدهما إليه والآخر إلى جنبه ، فأدخل أحدهما يده في جنبه فنزع ضلعين منه ، فأدخل يده في جوفه ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجد بردهما ، فأخرج قلبه ، فوضعه على كفه ، فقال لصاحبه : نعم القلب قلب رجلٍ صالح ، فطهَّر قلبه وغسله ، ثم أدخل القلب مكانه ، وردَّ الضلعين ، ثم ارتفعا ، ورفع سُلَّمُهُا ، فإذا السقف كما هو ، هذه رؤيا . اتصالك بالله هو سبب تطهير قلبك وهذا إرهاصٌ من إرهاصات النبوة :
الله عز وجل يعتني بهذا النبي عنايةً فائقة ، ألم يقل الله عز وجل في بعض الآيات الكريمة : ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)﴾
( سورة طه)
ألم يقل الله عز وجل : ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا (48)﴾
( سورة الطور )
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6712/07.jpg
هذه سمَّاها العلماء : إرهاصات ، فحينما يأتي الوحي هناك تمهيد ، والإنسان إذا اتصل بالله عز وجل يطهِّر الله قلبه ، فهذا الشيء المؤمن إذا اتصل بالله اتصالاً عميقاً طهَّر الله قلبه من الحقد ، من الغيرة ، من الكِبر ، من العُجب ، من الأمراض المُهلكة ، فالقلب الطاهر هو أثمن رأس مالٍ يملكه الإنسان ، والدليل قوله تعالى :
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾
( سورة الشعراء )
الإنسان أحياناً بإقباله على الله يطهر الله قلبه ، هذا التطهير جاء بشكل مجسَّد ، أن نزل ملكان من سقف الغرفة ، نزعا قلبه ، غسلاه ، وطهراه ، وأعاداه إلى مكانه . ﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً (33)﴾
( سورة الأحزاب )
تطهير القلب هكذا يكون ، اتصالك بالله هو سبب تطهير قلبك ، هذا إرهاصٌ من إرهاصات النبوة . نذكر هنا قول السيدة خديجة ، حينما سمعت هذه الرؤيا التي قصها النبي صلى الله عليه وسلَّم قالت له : " أبشر فإن الله لا يصنع بك إلا خيراً " ، هذا خيرٌ فأبشر ، أرأيتم أيها الأخوة إلى التمهيد ، كيف أن الله جل جلاله يمهِّد لهذا النبي الكريم الوحي عن طريق الرؤيا الصادقة ، وعن طريق أن يرى نوراً وصوتاً دون أن يرى شيئاً ، وعن طريق السلام عليه بالرسالة .
شقّ الصدر وتطهير القلب معنىً شريف أراد الله أن يمهد به الوحي الذي سينزل على محمد :
طبعاً شق صدره هو من إرهاصات النبوة ، وقد وردت به أحاديث صحيحة ، أما أن نفهم شقَّ الصدر فهماً آخر ، من أن كل قلبٍ فيه علقةٌ سوداء ، الملكان نزعا هذه العلقة من صدر النبي فصار نبياً ، هذا الفهم أن كل إنسانٍ لو شُقَّ صدره ، ونزعت منه العلقة السوداء ، وهي حظ الشيطان منه ، صار نبياً ، هذا كلام مرفوض ومضحك ، لو صدَّقنا بهذا التفسير ، لما كان من قيمةٍ لهذا النبي ، هو إنسان عادي ، ولكن نُزعت منه هذه العلقة السوداء ، وأي إنسانٍ آخر يقول لك : أنا لو نزعت مني هذه العلقة لكنت نبياً ، هذا تفكير وتحليل ساذج مرفوض ، إلا أن شق الصدر وتطهير القلب معنىً شريف أراد الله أن يمهد به الوحي الذي سينزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسيدنا عيسى حينما قال وهو لا يزال صغيراً قال : ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً (30)وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً (31)﴾
( سورة مريم )
ماذا نسمي هذا ؟ إن قلنا : هذه معجزة ، المعجزة تكون لنبيٍ أتاه الله رسالةً ، فهو يتحدَّى بها ، أما أن يقول مولودٌ صغيرٌ ولِد لتوِّه : ﴿ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً (30)وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً (31)﴾
( سورة مريم )
هذا ليس معجزةً ، هو خرقٌ للعادات ، ولكن العلماء ـ علماء العقيدة ـ سمَّوه : إرهاصاً ، أي بشارات مبكِّرة للنبوة ، وهذه الرؤيا أن ملكين نزلا ، وغسلا قلب النبي أيضاً إرهاصٌ من إرهاصات النبوة . حبب الله تعالى إلى نبيه الكريم في أثناء هذه المرحلة الخلوة لنفسه والعزلة عن الناس :
استمرَّت مرحلة الرؤيا الصادقة ستة أشهر ، وكانت رحمة الله تعالى قد عمَّت هذا البيت الكريم ، لأن هذه الرؤيا الصادقة ـ كما قال علماء السيرة ـ فيها توطئةٌ لنزول الوحي عليه يقظةً ، هذا في المنام ، رأى في المنام كذا ، وقد حبب الله تعالى إليه في أثناء هذه المرحلة الخلوة لنفسه والعزلة عن الناس .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6712/08.jpg
أخواننا الكرام ، لا بد لك من خلوةٍ مع الله ، أن تكون مع الناس دائماً ، هذا يبعدك عن الله عز وجل ، لا بد من خلوةٍ مع الله ، ولا بد من شحنةٍ روحيةٍ مع الله ، فكان عليه الصلاة والسلام يعتكف في غار حراء الليالي ذوات العدد ، وكل إنسان بإمكانه أن يصلي الفجر ، وأن يذكر الله ، وأن يتلو القرآن ، وأن يناجي ، وأن يستغفر هذه خلوةٌ مجزأة ، النبي عليه الصلاة والسلام حببت إليه الخلوة مع الله .
ألم يقل أحد العلماء : " ماذا يفعل أعدائي بي ؟ بستاني في صدري ، إن أبعدوني فإبعادي سياحة ، وإن حبسوني فحبسي خلوة ، وإن قتلوني فقتلي شهادة " ، أي لا بد لك من خلوة مع الله ، لا بد لك من قوتٍ تناجي به ربك .
حدثني أخ كان بالحج ، قال لي : تمنَّيت يوم عرفات أن أخلو بنفسي مع الله ، أنا جالس في الخيمة مع أُناسٍ كثيرين يتحدَّثون في شؤون الدنيا ، فلا بد أن أستمع لهذا أو لذاك ، وكأن هؤلاء الذين كانوا معي كانوا حجاباً بيني وبين الله ، قلت له : لمَ لمْ تذهب إلى خارج الخيمة ، وتجلس في مكان تناجي الله فيه ، وأنت في أشرف أيام حياتك يوم عرفات ؟ فالخلوة تشحنك ، الخلوة تجعلك تتصل بالله عز وجل . كان أنس النبي بالله شديداً في غار حراء حتى غلب أنسه بالله وحشة المكان :
إذاً حبب الله تعالى إليه الخلوة لنفسه والعزلة عن الناس ، والعلماء قالوا : الاستئناس بالناس من علامات الإفلاس ، فهناك إنسان ليست لديه إمكانية أن يجلس وحده أبداً فهو دائماً مع الناس ؛ يتحدث ، ويستمع ، ويعلِّق ، ويسأل ، ويجيب ، ويلقي بعض الطُرَف أما وحده يمل ، المؤمن يأنس بالله وحده .
كان عليه الصلاة والسلام يخرج إلى غار حراء ، إن شاء الله عز وجل يكرمكم بزيارة بيت الله الحرام حجاً أو عمرةً ، اذهبوا إلى سفح جبل النور ، وانظروا ، الشَّاب الجَلْدُ الرياضي الذي في ريعان شبابه ، لا يستطيع أن يصل إلى غار حراء إلى جبل النور في ظاهر مكة إلا بين ساعتين أو ثلاث من الجُهد الجَهيد ، والطريق هكذا ، جدار ، قلت : سبحان الله كيف كان عليه الصلاة والسلام يصعد إلى هذا الغار ، لو أن الإنسان صعد إلى هذا الغار وجلس وحده والله في وحشة لا تحتمل ، كم كان أنسه بالله عظيماً حتى غلب على وحشة المكان !! فالجبال في الليل ، أن تكون وحيداً في جبل ، شيء مخيف ، يوجد مفاجآت ، تصوّرات ، تخيُّلات ، كم كان أنس النبي بالله شديداً ، حتى غلب أنسه بالله وحشة المكان ؟!
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6712/09.jpg
هناك أخوان صعدوا إلى هناك ، فالإنسان بعد الأربعين أو الخمسين من الصعب عليه أن يذهب إلى غار حراء ، ولو أن هناك طريقاً لكانت القضية سهلة جداً ، وأنا أتمنى أن يكون هناك طريقٌ سهلٌ إلى غار حراء ، لترى المكان الذي نزل على النبي الوحي ، هذا الدين العظيم من هنا بدأ :
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾
( سورة العلق )
كان عليه الصلاة والسلام يذهب إلى غار حراء يتعبد فيه الليالي ذوات العدد ، وتزوِّده السيدة خديجة رضي الله عنها بما يحتاج إليه من طعامٍ وشراب ، فإذا نفد زاده ، رجع صلى الله عليه وسلم إلى السيدة خديجة ، معه طعام وشراب يكفيه أيام معدودات ، يجلس وحده يتأمَّل ، يفكر ، يناجي ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ : (( أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا . ))
[متفق عليه عن عَائِشَةَ رضي الله عنها ]
هذا كلام السيدة عائشة تروي عن خبر النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء. السيدة خديجة كان يسعدها ما يسعد النبي ويسرها ما يسُره :
احتملت رضي الله عنها بُعد النبي عنها ، فالحقيقة أحياناً هناك زوجات غيورات ، وهناك زوجات لا يحتملن أن يبتعدن عن أزواجهن ، لذلك إذا ابتعد عنهن أزواجهن كن عبئاً عليه ، يضايقنه ، يزعجنه ، السيدة خديجة كان يسعدها ما يسعد النبي ، يسرها ما يسُر النبي ، فإذا كان عليه الصلاة والسلام يسعد بالخلوة بربه فكانت ترضى بذلك ، هي قدوةٌ لكل امرأةٌ مؤمنة ، فأحياناً تكون الزوجة أنانية ، تحب أن يكون زوجها لها وحدها ، ولا تعبأ بعمله الصالح ، ولا بسعيه في سبيل نشر الحق ، لذلك تكون عبئاً عليه ، أما السيدة خديجة هي في خدمته ، فأيَّة امرأةٍ ترضى أن يغيب زوجها عنها أياماً طويلة ، وتبقى وحدها في البيت ، شيءٌ لا يقبل ، لكن السيدة خديجة رضي الله عنها كانت تحتمل بعد النبي عنها ، وكانت تصبر على مفارقته لها ما دام ذلك يعجبه ، واللهِ هذه أخلاق عالية جداً ، الذي يسعده ترضى به ، والمعروف من أحوال المرأة أنها تغضب إذا ما ابتعد زوجها عنها ، تدركها الغيرة عليه ، وتخشى أن يكون إعراضه عنها بسبب كرهه لها ، أو ميله إلى غيرها ، ولكنها رضي الله عنها خالفت جميع النساء في هذا الشأن ، فجوهرها الصافي يختلف عن جوهَرهن رضي الله عنها .
كانت تحبُّ كل ما يحب رسول الله ، وما دام يحب العزلة والخلوة بنفسه فليكن له ما يحب ، كانت فقط تقلق عليه ، وتخشى أن يصيبه مكروه .
ما هذه الأخلاق ؟ هذه زوجة ملء السمع والبصر ، يسعدها ما يسعده ، يرضيها ما يرضيه ، يسرُّها ما يسرُّه .
أحياناً كان عليه الصلاة والسلام يتأخَّر في العودة إليها ، فترسل غلمانها وخدمها في طلبه والبحث عنه صلى الله عليه وسلم ، وقد خرجت معه مرةً إلى غار حِراء ، وصحبته هُناك في عزلته وخلوته .
جاء في بعض الروايات : أنه صلى الله عليه وسلم خرج في بعض المرَّات إلى غار حراء ومعه أهله . المرأة الصالحة هدية الله تعالى للإنسان المؤمن :
لا زلنا نقترب من الوحي ، بدأنا بهذه الأحجار التي تسلِّم على النبي صلى الله عليه وسلم : " السلام عليك يا رسول الله " . ثم الرؤيا الصادقة ، ثم هذه الخلوة مع الله في غار حراء ، وكلما دنا الموعد الذي قدَّره الحكيم العليم ببدء نزول القرآن الكريم ، زادت هواتف الحق واشتد النور ، وكلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً جديداً ، لجأ إلى السيدة خديجة رضي الله عنها ، فتثبِّته وتبشِّره ، وبهذا ظهرت حكمة الله تعالى عندما قدَّر أن تكون السيدة خديجة زوجةً للنبي .
أي أن من إكرام الله لهذا النبي الكريم أن جعل هذه المرأة العاقلة ، الرشيدة ، الكريمة ، ذات القلب الكبير ، والصدر الواسع ، والأفق الواسع زوجةً لهذا النبي ، الحقيقة أيها الأخوة صدقوني في هذا الكلام ، في الأعم الأغلب المرأة للمؤمن هدية الله إليه ، المرأة الصالحة : (( إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَة ُ))
[النسائي عن عمرو بن العاص]
التي : (( إذا نظرت إليها سرتك ، وإذا أمرتها أطاعتك ، وإذا غبت عنها حفظتك في مالك ونفسها ))
[الجامع الصغير عن عبد الله بن سلام]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6712/10.jpg
هذه الزوجة هدية الله للإنسان ، لذلك :
(( ما أكرمهن إلا كريم ، ولا أهانهن إلا لئيم ، يغلبن كل كريم ، ويغلبهن لئيم ، وأنا أحب أن أكون كريماً مغلوباً من أن أكون لئيماً غالباً ))
[ ورد في الأثر ]
استمر عله الصلاة والسلام يرى الضوء ويسمع الصوت ، حتى جاءه مرةً وعرَّفه جبريل بنفسه دون أن يراه ـ هذه مرحلة رابعة ـ وقال له: " يا محمد أنا جبريل " ، صوت بلا صورة ، لا توجد صورة ، " يا محمد أن جبريل " ، وعاد صلى الله عليه وسلم إلى السيدة خديجة وقال لها : " والله خشيت أن يكون هذا أمراً " ، قالت له رضي الله عنها لكي تثبته وتزيل قلقه واضطرابه : " معاذ الله ما كان الله ليفعل ذلك بك ، إنك لتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، ما كان الله ليفعل بك ذلك " .
في ليلةٍ من الليالي أسمعه جبريل صوته مُسَلِّمَاً ، قال : " السلام عليكم " ، وعاد النبي صلى الله عليه وسلم إلى السيدة خديجة مسرعاً ، قالت : "ما شأنك ؟ " ، فأخبرها ، فقالت : " أبشر فإن السلام خير " .
لعل هذا كان بعيداً عن معلوماتكم ، لم يأت الوحي فجأةً لأن النبي بشر قد لا يحتمل . ظهور جبريل للنبي على هيئة إنسان :
أيها الأخوة الكرام ، مرَّت الشهور كان فيها تمهيد للوحي ؛ رؤيا صادقة ، وجاء شهر رمضان المبارك ، وصعد النبي صلى الله عليه وسلم إلى غار حراء يتعبد فيه ، وزوَّدته السيدة خديجة رضي الله عنها بما يحتاج إليه من الطعام والماء ، وفي ليلةٍ من ليالي رمضان بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم جالساً في غار حراء مستغرقاً في تأمُّلاته وأفكاره ، إذا بالنور الذي كان يراه يظهر أمامه في أفق السماء من جهة البيت العتيق ثم يدنو منه ، وكلما اقترب ازداد قوةً وسطوعاً ، ثم بدا له في وسط النور أمين وحي الله تعالى جبريل عليه السلام ظهر جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم في هيئة إنسان ، وجاءه يحمل نمطاً من ديباج ، وخيَّم على الكون هدوءٌ عجيب ، وكأنه يُنصت إلى كلمات الله تعالى ، الجبل الشامخ بهامته العالية ، وصخوره ، وذرات ترابه ، وحبات رماله ، والنباتات الصغيرة ، والشجيرات التي تطرز سفوحه ، كلها أنصتت ، وأرهفت سمعها ، حتى النجوم في قُبة السماء ازدادت تألُّقاً وسطوعاً كأنها تدنو من جبل النور ، الذي لفَّه النور من كل جانب ، وحرست السماوات ، ومنعت الشياطين والجان من الاقتراب من السماء الدنيا ، وهاهو جبريل عليه السلام يقف في غار حراء .
كان في البداية : " السلام عليك يا رسول الله " ، بلا صوت وبلا صورة ، بعد ذلك رؤيا صادقة ، ثم ابتعاد عن الناس والخلوة بالله عز وجل ، ثم نور يراه من بعيد ، ثم سلام ؛ " أنا جبريل السلام عليك " ، ثم رأى هذا النور في أفق السماء ، فاقترب شيئاً فشيئاً حتى تشكَّل على صورة إنسانٍ ، كان عليه الصلاة والسلام يراه بعينه يقظةً لا في المنام ، والدليل : ها هو ذا جبريل عليه السلام يقف في غار حراء أمام محمدٍ بن عبد الله الهاشمي القرشي يلقي إليه الرسالة الإلهية الأولى التي يفرق فيها كل أمرٍ حكيم : ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (3)فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (4)أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5)رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(6)﴾
( سورة الدخان )
اللقاء والاتصال بين الأمينين أمين وحي السماء وأمين وحي الأرض في رمضان :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6712/11.jpg
قال تعالى :
﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(1)وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(2)لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ(3)﴾
( سورة القدر)
وقال : ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ (185)﴾
( سورة البقرة : من آية " 185 " )
سابقاً كان في منام ، أما الآن يقظة ، والدليل أنْ تم هذا اللقاء والاتصال بين الأمينين ؛ أمين وحي السماء جبريل عليه السلام ، وأمين وحي الأرض سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وضَمَّ الأمين السماوي الأمين الأرضي ليتم الاتصال ، ويسري النور ، ضمه إليه ضمةً شديدة ـ أي أنك لست في منام ، أنت في يقظة ـ ضمه إليه ضمةً شديدة حتى التصق الجسد الأرضي بالجسد النوراني السماوي ، ثم ألقى عليه هذه الكلمة : اقرأ ، ديننا كله علم ، أول كلمة في القرآن اقرأ . بدء الوحي السماوي إلى الأرض :
قالت عائشة رضي الله عنها في حديث بدء الوحي : (( حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ : اقْرَأْ ، قَالَ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، قَالَ : فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ ، قُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ ، فَقُلْتُ : مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ ))
[الزهري عن عائشة]
أي يجب أن تستخدم علمك في معرفة الله ، اقرأ باسم ربِّك الأكرم ، اقرأ لتعرف ربك الأكرم ، استخدم القوة الإدراكية لتتعرَّف إلى ربك الأكرم ، لماذا ضمني ؟ ليس في المنام في اليقظة ، لئلا يقول أحدهم لعلها رؤيا رآها ، لعله وهمٌ توهمه ، لعله شعورٌ راوده ، لا ، رآه رأي العين ، رأى جبريل عليه السلام رأي العين ، لم يكتف بأن رآه ، لو كان رآه ، هو نور ، شيء غير مادي ، لم يكن ضمه هذه الضمة ، لمّا ضمه صار شيئاً مادياً ، هو في أعلى درجات اليقظة ، وجبريل ضمَّه ، وغطاه حتى بلغ منه الجهد ، وقال له : " اقرأ " ، أول مرة قال : " ما أنا بقارئ " ، قال : " اقرأ " ، قال : " ما أنا بقارئ " ، قال : اقرأ ما في الكون من آيات ، اقرأ من أجل أن تعرف الله ، هذا بدء الوحي : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6712/12.jpg
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾
( سورة العلق )
أرأيتم أيها الأخوة إلى هذا التدرج في إرهاصات النبوة ، وفي الرؤيا الصادقة ، وفي السلام الذي كان يطرحه الحجر والمدر عليه ، ثم في قول جبريل : أنا جبريل ، ثم في قول جبريل : السلام عليك يا محمد ، ثم في رؤية النور في الأفق ، ثم في تجميع هذا النور إلى أن صار على هيئة إنسان ، ثم أمسكه وضمَّه وقال : اقرأ ، الآن بدأ الوحي السماوي إلى الأرض ، بدأت رسالة السماء إلى بني البشر .
وفي درسٍ آخر إن شاء الله نتابع هذا الحدث الخطير الذي هو من أخطر أحداث الدعوة الإسلامية ؛ إنها نزول الوحي على قلب النبي صلى الله عليه وسلم .

السعيد 09-04-2018 02:10 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( التاسع و العشرون )


الموضوع : خديجة بنت خويلد - 5



مرحلة اول البعثة وايمانها بة




الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الخامس من دروس سير الصحابيِّات الجليلات رضوان الله تعالى عليهن ، ومع قصة السيدة خديجة أم المؤمنين .
السيدة خديجة امرأةٌ كأية امرأة لكنها انتصرت على نفسها :
أيها الأخوة الكرام ، قبل أن نمضي في الحديث عن هذه الصحابيَّة الجليلة زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم الأولى ، أم المؤمنين ، أقف وقفةً متأنيةً عند حقيقةٍ هي أن الإنسان حينما يقف مواقف بطوليَّة ، والأيام تمضي ، هذه المواقف تبقى خالدة ، نحن بعد ألفٍ وخمسمئةٍ عام نجتمع في هذا المسجد لنذكر مواقف هذه السيدة الجليلة ، ما الذي جعلها تَخْلُد ؟ مواقفها .
ملايين مَلايين النساء أتين إلى هذه الدنيا ، وعشن وقتهن ، وتزوَّجن ، وأنجبن ، وطوتهم الحياة ، ولم يذكرهم أحد ، لماذا نحن نذكر هذه السيدة الجليلة ؟ لأنها وقفت مواقف بطوليَّة ، هذا درسٌ أيها الأخوة ينبغي أن يوضع بين أيدينا ؛ نأكل ، ونشرب ، ونعمل ، ونتزوج ، وننام ، هذا شأن الإنسان في كل مكان ، ولكن الذي يبقي ذكره إلى أبد الآبدين معرفته بالله ، وطاعته له ، وموقفه البطولي .
كلكم يعلم من الدرس السابق أن جبريل حينما جاء النبي عليه الصلاة والسلام وقال : " اقرأ " ، قال : " ما أنا بقارئ " ، قال : " اقرأ " ، قال : "ما أنا بقارئ " ، قال : ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)﴾
( سورة العلق )
النبي صلى الله عليه وسلَّم بشر ، وبشريَّته هي التي تُعلي مقامه ، لولا أنه بشر تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيد البشر ، سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام لأنه بشر ، وانتصر على بشريَّته ، وسَمَت نفسه إلى الملأ الأعلى ، هو الذي جعله سيِّد الخلق ، وحبيب الحق ، والسيدة خديجة زوجته امرأةٌ كأية امرأة لكنها انتصرت على نفسها . الله سبحانه وتعالى لكرامة النبي عنده قيَّض له هذه الزوجة العاقلة الوفية :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6713/01.jpg
بيَّنت لكم في دروسٍ سابقة كيف أن الزوجة ترغب أن تبقى إلى جانب زوجها ، أو أن يبقى زوجها إلى جانبها ، لكن هذه الزوجة الجليلة كان تُسَرُّ بما يُسَرُّ به النبي عليه الصلاة والسلام ، فكان يتركها ، ويخلو بربه الليالي ذوات العدد في غار حراء ، وهي سعيدةٌ بهذا لأنها تعلم علم اليقين أن هذا يسعده .
ذكرت قبلاً أن المرأة إما أن تكون عبئاً على زوجها ، وإما أن تكون في خدمة زوجها ، تكون عبئاً عليه حينما تحمِّله ما لا يطيق ، حينما تسفِّه دعوته ، حينما لا تقدِّر رسالته ، وتكون في خدمة زوجها وشريكته في دعوته إلى الله عزَّ وجل حينما تكون عوناً له في أداء رسالته .
قد ذكرت لكم من قبل أن المرأة لا تسعد زوجها إلا في حالةٍ واحدة ؛ إذا عرف زوجها ربه ، وسعد بقربه ، وعرَّفها بربها ، فسعدت بقربه ، بعدئذٍ تسعده لأنها تعرف حق الزوج ، وتعرف عِظَم الرسالة التي جاءت من أجلها .
بالمناسبة أيها الأخوة ، كل إنسانٍ ذو رسالة ، لأنك من بني البشر :
﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ (72)﴾
( سورة الأحزاب )
أي إنسانٍ لمجرَّد أنه إنسان عُرضت عليه الأمانة وقَبِلها ، وحينما قبلها شرَّفه الله عزَّ وجل فجعله المخلوق الأول ، وجعله المخلوق المكرَّم ، وجعله المخلوق المكلَّف ، ما دام قد قَبِلَ حمل الأمانة ، سخَّر الله له الكون تسخير تعريفٍ وتكريم .
الفكرة الأولى في هذا اللقاء ، هناك مَلايين ملايين النساء أتين إلى الدنيا ، وعشن وقتهن ، وتزوجن ، وأنجبن ، وطواهم الردى ، ولم يذكرهن أحد ، لكن المرأة التي عرفت ربها ، وعرفت رسالتها ، وعرفت عِظَم المسؤوليَّة التي أُلقيت عليها ، هذه تكون في خدمة زوجها ، وليست عبئاً عليه ، فلعل الله سبحانه وتعالى لكرامة النبي عنده قيَّض له هذه الزوجة العاقلة الوفية ، التي ندر أن يأتي الزمان بمثلها ، لذلك عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : (( خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ قَالَ تَدْرُونَ مَا هَذَا فَقَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَجْمَعِين ))
[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ]
الزوج والزوجة متكاملان هذه مشيئة الله عزَّ وجل وهذه هي سنته في خلقه :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6713/02.jpg
أيها الأخوة ، النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن جاءه الوحي كان يرتجف من هول ما حدث ، عاد إليها ، الزوجة سكنٌ لزوجها ، الزوج حينما يعود إلى البيت ويجد زوجته في انتظاره ، وفي خدمته ، تخفِّف عنه آلام الحياة ، إنها تؤدِّي رسالتها على أحسن ما يكون ، لأن الله سبحانه وتعالى يقول :
﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً (21)﴾
( سورة الروم )
تكون الزوجة سكناً لزوجها لأن الرجل يكمِّل نقصه فيها ، ويكون الزوج سكناً لزوجته لأنها تكمِّل نقصها فيه ، هما متكاملان ، وهذه مشيئة الله عزَّ وجل ، وهذه هي سنته في خلقه .
كان عليه الصلاة والسلام يرتجف من هول ما حدث ، عاد إليها وهو يقول : (( زَمِّلُونِي زمِّلُوني ))
[متفق عليه عن عائشة]
مرَّةً ثانية إن حذفت من رسول الله بشريته ألغيت تفوقه ، وألغيت كماله ، لأنه بشر وتجري عليه كل خصائص البشر كان سيد البشر ، انتصر على بشريَّته ، فزمَّلته رضي الله عنها ، وقد ورد أيضاً أنها دعته إلى أخذ قسطٍ من الراحة ، فقال لها صلى الله عليه وسلَّم : انقضى عهد النوم يا خديجة .
الآن معظم الناس حينما يأتيهم رزقهم رغداً من كل مكان ، حينما يتمتعون بصحةٍ طيبة ، ومالٍ وفير ، وأولادٍ كثيرين ، وبيتٍ مريح يقول لك : على الدنيا السلام . النجاح الحقيقي حينما يؤدِّي الإنسان الرسالة التي حمَّله الله إيَّاها :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6713/03.jpg
قلت لكم من قبل أن سيدنا عمر رضي الله عنه أدخل شاعراً اسمه الحُطيئة السجن لأنه هجا رجلاً هو الزبرقان بأهجى بيتٍ قالته العرب ، قال :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسي
***

أي أن كل إنسان جعل تحقيق أهدافه الماديَّة نهاية المطاف هو إنسان ينطبق عليه هذا البيت :
دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعمُ الكاسي
***

أي أنت أيها الإنسان على عاتقك رسالةٌ ينبغي أن تعيها ، مثل بسيط : أمةٌ متفلِّتَةٌ تحتاج إلى علمٍ جيد ، أرسلت شاباً في بعثةٍ دراسيَّةٍ إلى بلد غربي ، هذا الشاب أُرسل على حساب أمتِه ليدرس ، ويتعلَّم ، الآن مقيم في بلد أجنبي ، بقدر وعي هذا الشاب يشعر أنه يحمل رسالة ، أتى هنا ليتعلَّم ، وليعود لينفع أمته بعلمه ، فكلَّما عرضت له نزوةٌ أو شهوةٌ يجب أن يذكر رسالته ومهمته ، الشاب الواعي وهو في بلاد الغرب وقد أرسلته أمته ليدرس ، وينال أعلى الدرجات ، وليعود لينفع أمته بعلمه ، يشعر دائماً بهذه المسؤولية ، وتلك الرسالة ، وعِظم هذه المهمة التي أُنيطت به ؛ وكلَّما كان ضعيف الإدراك ، ضعيف الوازع الداخلي كلَّما تفلَّت من تلك المسؤوليَّة ، وعاش لحظته ، وانساق مع شهواته .
أنتم أيها الأخوة وأنا معكم كلَّما ارتقينا شعرنا بعظم رسالتنا ، وكلما ضعفنا تفلَّتنا من هذه الرسالة ، فالإنسان لو حقَّق أهدافه المادية ؛ لو أكل ، وشرب ، وسكن ، وتزوج ، وعمل ، وجاءه دخلٌ كبير لن يحقِّق شيئاً ، النجاح الحقيقي حينما تؤدِّي الرسالة التي حمَّلك الله إيَّاها ، النجاح الحقيقي حينما تحقق قوله تعالى : ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)﴾
( سورة الشمس )
قال : أحاطته برعايتها وعطفها وحنانها ، ولم تبادر إلى سؤاله عمَّا حدث ، وهذا من ذوقها الرفيع ـ أحياناً الإنسان سكوته كمال ، أحياناً حديثه غير الهادف نقص ، أحياناً إن سكت في موقف ، فالسكوت أعلى درجات الكمال ـ بل انتظرت حتى هدأت نفسه الشريفة ، وذهب عنه ما كان يجد من اضطراب ، عندئذٍ سألته ، فقصَّ عليها ما رأى وأخبرها بما سمع وقال لها : " لقد خشيت على نفسي " ، فقالت له رضي الله عنها بكل ما أوتيت من ثقةٍ وحزمٍ : " كلا والله ما يخزيك الله أبداً " ، وفي رواية للبخاري : " كَلاَّ أَبْشِرْ " ، هذا هو الدعم الداخلي ، هذا هو التثبيت ، هذا هو العقل ، " كلا والله ما يخزيك الله أبداً " ، هذا النص له روايات كثيرة:
" إنك تحمل الكَل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الدهر ، وما يخزيك الله أبداً " .
[الزهري عن عائشة]
الكمال البشري حازه النبي في أعلى درجة :
ذكرت لكم في درسٍ سابق أن كل إنسانٍ له عملٌ طيب ينبغي أن يثق بالله عزَّ وجل ، والله لن يخزيه أبداً .
بعض كتَّاب السيرة له تعليقٌ لطيف على هذا الموقف الرائع ، يقول : " لكِ الله يا أم المؤمنين ما أعقلكِ ، وما أحزمكِ ، وما أصدق فراستكِ ، وما أعظم ثقتكِ بربكِ سبحانه ، من في النساء من تقول مثل كلمتكِ هذه ، وتقف من زوجها مثل موقفكِ الكريم هذا ؟! " . هناك نساء كثيرات يُسَفِّهن موقف أزواجهن ، الموقف الكامل ، الموقف المُخلص ، الموقف الذي ينمُّ عن حبٍ لله عزَّ وجل ، وعن إيثارٍ لطاعته ورضوانه ، زوجةٌ جاهلةٌ تسفِّه موقف زوجها ، وتكون عبئاً عليه ، وليست في خدمته .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6713/04.jpg
قال ابن حجر رحمه الله تعالى : " صدَّقته في أول وهلة " ، لذلك قالوا : إن السيدة خديجة هي أول إنسانٍ ـ وكلمة إنسان تشمل الذكور والإناث ـ أول إنسانٍ تؤمن برسول الله تؤمن به نبياً ورسولاً ، قال : وهذا يدل على قوة يقينها ، ووفرة عقلها ، وصحَّة عزمها . الحقيقة أن المرأة جعلها الله عزَّ وجل محبَّبةً للرجال ، ولكن المرأة العاقلة ، المرأة المؤمنة لها مكانةٌ عند ربها وعند زوجها أضعاف مضاعفة ، بل أضعاف لا تعدُّ ولا تحصى .
مرَّةً ثانية : ذكَّرته بعمله الطيب :
(( إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ))
[الزهري عن عائشة]
وفي روايةٍ للإمام البخاري : (( إنك تصدق الحديث ، وتؤدي الأمانة ))
[البخاري عن عائشة]
هذه الخصال التي جمعتها للنبي عليه الصلاة والسلام كمال الإنسان ، فالكمال البشري حازه النبي في أعلى درجة ، السيدة خديجة كما ذكرت في درسٍ سابق لم تكتف رضي الله عنها بهذا ، بل ذهبت مع رسول الله إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ، الذي سبق أن حدَّثته عن النبي صلى الله عليه وسلَّم قبل زواجها منه ، وأخبرها ورقة أنه سيكون في هذه الأمة نبيٌ حان أوان ظهوره كما مرَّ معنا . المعركة بين الحق والباطل تُعلي قدر أهل الحق وتؤكِّد ثباتهم وصدقهم :
تضيف بعض الروايات أن النبي كان قد ذهب إلى ورقة مع صاحبه أبي بكر قبل هذه المرَّة أيضاً ، ففيها أن النبي قال للسيدة خديجة رضي الله عنها : (( إني إذا خلوت وحدي أرى ضوءاً ، وأسمع نداءً : يا محمد أنا جبريل ، وقد والله خشيت أن يكون هذا أمراً ، فقالت : معاذ الله ما كان الله ليفعل هذا بك ، إنك لتؤدي الأمانة ، وتصل الرحم ، وتصدق الحديث ))
[الزهري عن عائشة]
لما دخل أبو بكرٍ ذكرت خديجة حديثه لها وقالت : " اذهب مع محمدٍ إلى ورقة بن نوفل فإنه رجل يقرأ الكُتُب فيذكر له ما يسمع " ، فانطلقا ، فقصَّا عليه فقال : إذا خلوت وحدي سمعت نداءً خلفي : يا محمد أنا جبريل ، فأنطلق هارباً ، قال ورقة : سبوحٌ سَبوح ، وما لجبريل يذكر في هذه الأرض التي يعبد فيها الأوثان ، جبريل أمين الله تعالى على وحيه بينه وبين رسله ، لا تفعل إذا أتاك ، فاثبت حتى تسمع ما يقول ، ثم ائتني فأخبرني " .
إذاً يستنبط أن ورقة بن نوفل كان على علمٍ بأمر النبي عليه الصلاة والسلام وما يحدث له .
أيها الأخوة ، لهذا الرجل الحصيف العاقل الذي يقرأ الكُتُب قولٌ آخر ، قال :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6713/05.jpg
" هذا الناموس الذي نزَّله الله على موسى يا ليتني فيها جذعاً ، ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك " . فقال عليه الصلاة والسلام :
(( أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ ))
[البخاري عن عائشة أم المؤمنين]
قال : " نعم لم يأتِ رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عوديَ ، وإن يدركني يومك أنصرك نصراً مؤزَّراً " ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي .
هناك تعليقٌ لطيف على هذه الرواية : لحكمةٍ أرادها الله جعل الحق والباطل في كل مكان وفي كل زمان ، والمعركة بين الحق والباطل معركةٌ أزليَّةٌ أبديَّة ، ولولا أهل الباطل لما ارتقى أهل الحق ، إن هذه المعركة بين أهل الحق وأهل الباطل هي التي تُعلي قدر أهل الحق ، وتؤكِّد ثباتهم ، وصدقهم ، وحبهم ، وشوقهم لربهم .
تصور أن النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام كانوا في مكة ، وليس فيها مشركٌ ولا كافر ، ليس فيها مشكلة ؛ ولا معارضة ، ولا تكذيب ، ولا تسخيف ، ولا تنكيل ، ولا إخراج ، ولا تضييق ، جاء الوحي فسعد به النبي ، ونطق به ، وسعد به أصحابه ، ليس هناك خروج من مكة ، ولا هجرة ، ولا قتال ، ولا بدر ، ولا أُحد ، ولا خندق ، ولا شيء إطلاقاً ، كيف يرقى أصحاب رسول الله ؟ الإنسان لا يرقى إلا حينما يقابل المتاعب ويصبر ، لا يرقى إلا إذا ظهر صدقه ، وظهر ثباته ، هذا ينقلنا إلى موضوعٍ آخر . الإنسان حينما يلتزم جانب الصواب يدفع ثمن هذه الطاعة حتى يشعر بقيمتها :
لو أن إنسان له دخلٌ كبير من معصية شنيعة ثم تاب من توِّه عن هذه المعصية ، لو أن الله جدلاً أعطاه دخلاً أكبر بمجرَّد أنه قد تاب ، هذا الإنسان الذي تاب لا يشعر بقيمة توبته ، ما نقص عليه شيء ، أما حينما يقل دخله بعد أن تاب إلى الله ، ويدفع ثمن طاعته ، وثمن إيثاره ، هذه المتاعب التي يعانيها هي التي تثمِّن عمله ، هي التي تسمو به عند الله عزَّ وجل ، فالإنسان حينما يلتزم جانب الصواب هناك ما يسمى بثمن هذه الطاعة ، ثمن هذه الطاعة إن لم يدفعه لا يشعر بقيمة هذه الطاعة .
مثلاً أحياناً يلتزم شاب في أسرة ، ويستقيم ، يدع كل سهرةٍ مختلطة ، يدع كل نُزهةٍ مختلطة ، يدع كل وليمةٍ مختلطة ، يدع كل شيءٍ يبعده عن ربه ، يلزم دروس العلم ، يأتي المساجد ، فالظاهر هذا الشاب حُرم هذه الولائم ، وحُرم هذه السهرات ، وحرم هذه النزهات ، وحرم هذه المباهج ، لولا أنه حُرمها لما كان لطاعته معنى .
أيها الأخ الكريم لا تتألَّم حينما تدفع ثمن طاعتك ، أبشر ، واستبشر ، وكن سعيداً إذا دفعت ثمن طاعتك ، يؤكد هذا المعنى قول الله عزَّ وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (28)﴾
( سورة التوبة )
أي أن هؤلاء المؤمنين حينما رفضوا دخول المشركين مكة تنفيذاً لأمر الله عزَّ وجل ؛ قلَّ دخلهم ، وقلَّت رواج سلعهم ، وضاقت عليهم الدنيا قليلاً ، هذا هو ثمن الطاعة ، فإذا دفعوه في المستقبل عوَّضهم الله عزَّ وجل كل شيءٍ فاتهم : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (28)﴾
( سورة التوبة )
هذا الدرس لنا ، فأنت حينما تلتزم قد تضيع منك فرصٌ كثيرة ، قد يضيع منك أعمالٌ كثيرة ، دخولٌ كثيرة ، هذه إذا ضاعت منك معنى ذلك أنك دفعت ثمن طاعتك ، معنى ذلك أنك ارتقيت بهذا ، أما لو أن كل إنسان آثر الحق ، جاءته الدنيا كأكثر ما تكون مباشرةً ، ما عاد لهذه الطاعة من معنى ، ولا عاد لهذه الطاعة من ثمن . حال النبي الكريم بعد نزول جبريل بأول آيات القرآن :
أيها الأخوة الكرام ، وبعد أن نزل جبريل بأول آيات القرآن الكريم ، نزولاً كما مرَّ معناه : ﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)﴾
( سورة العلق )
فتر نزول الوحي بعض الوقت ، كما جاء في حديث السيدة عائشة فقالت :
" ثم فتر الوحي ، ثم أنزل الله على النبي صلى الله عليه وسلَّم قوله الكريم : ﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)قُمْ فَأَنْذِرْ (2)وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)﴾
( سورة المدثر )
بعد أن ظهر له جبريل بهيئته المَلَكِيَّة ، روى الطبري عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال : (( جاورت بحراء ـ بغار حراء ـ فلما قضيت جواري ـ أي جاورت ربي ، خلوت مع ربي الأيام ذوات العدد ـ هبطت ، فنوديت ، فنظرت عن يميني فلم أرَ شيئاً ، ونظرت عن شمالي فلم أرَ شيئاً ، ونظرت أمامي فلم أرَ شيئاً ، ونظرت خلفي فلم أرَ شيئاً ، فرفعت رأسي فرأيت شيئاً ، أتيت خديجة فقلت : دثروني دَثروني ، وصوبوا عليَّ ماءً بارداً قال : فدثروني وصبوا عليَّ ماءً بارداً فنزلت :
﴿ يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)قُمْ فَأَنْذِرْ (2)وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)﴾
( سورة المدثر )
وفي روايةٍ ثانية : ((بَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتاً مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ بَصَرِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَرُعِبْتُ مِنْهُ فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زمِّلُوني ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى :
﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1)قُمْ فَأَنْذِرْ (2)وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3)وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5)﴾
( سورة المدثر )
فَحَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ )) [البخاري عن جابر بن عبد الله]
بعد الظهور الكامل من جبريل عليه السلام عرف النبي الكريم مهمته وتمَّت له النبوة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6713/06.jpg
الآن مقدماتٌ كثيرة ، وإرهاصاتٌ كثيرة ، ورؤيا صادقة كفلق الصُبح ، ونداءٌ من مجهول : " أنت نبي هذه الأمة يا رسول الله " ، ثم جاء الوحي ، ثم نزل قوله تعالى :
﴿ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)﴾
( سورة العلق )
ثم رأى النبي جبريل بصورته الكاملة يملأ ما بين السماء والأرض ، ثم استقر عند النبي صلى الله عليه وسلَّم أنه نبيُّ هذه الأمة وأن الله أرسله ليكون رحمةً مهداة للعالمين .
بعد الظهور الكامل من جبريل عليه السلام ، ظهرت للنبي صلى الله عليه وسلَّم طبيعة المهمة المكلَّف بها ، وعرف صلى الله عليه وسلَّم مهمته ، وتمَّت له النبوة ، واستبانت معالم الرسالة ، وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (1)وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (2)الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (3)وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (4)فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً (6)﴾
( سورة الشرح )
أي أن النبي عليه الصلاة والسلام شرح الله له صدره ، ما الذي كان يقلقه قبل شرح الصدر ؟ يقلقه أنه عرف الله ، ولكن لم يعرف السبيل إلى هداية قومه ، عرف الله ورأى قومه في ضلالٍ مبين ، عرف الله وسمت نفسه ورأى قومه في مستنقعٍ آسن ، عرف الله وأشرقت روحه ، ورأى قومه يتناحرون ، ويأكل بعضهم أموال بعض ، ويعتدي بعضهم على أعراض بعض ، رأى مجتمعه في مستنقعٍ آسن ، ورأى جاهليةً هي حضيض المستوى الذي وصلت إليه البشريَّة . السيدة خديجة رضي الله عنها أول سبَّاقةً إلى الإسلام :
أيها الأخوة الكرام ، هذه السيدة خديجة رضي الله عنها كانت سبَّاقةً إلى الإسلام . بالمناسبة يقول عليه الصلاة والسلام : (( ما عرضت الإسلام على أحد إلا كانت له كبوة إلا أبو بكر))
[رواه رزين والديلمي بمعناه في مسند الفردوس عن ابن مسعود]
الدعوة إلى الإسلام عامَّة ، ولكن الاستجابة متفاوتة ، فالسيدة خديجة كانت أول سبَّاقة إلى الإسلام ، بادرت أم المؤمنين السيدة خديجة رضي الله عنها إلى الإيمان برسالة النبي صلى الله عليه وسلَّم ، والتصديق بنبوَّته ، فهي سبَّاقة الخلق إلى الإيمان والإسلام رضي الله عنها وأرضاها . واتفق العلماء على هذه الحقيقة :
قال ابن عبد البر : " هي أول من آمن بالله عزَّ وجل ورسوله صلى الله عليه وسلَّم " ، وهذا قول قتادة ، والزُهري ، وعبد الله بن محمد ، وابن إسحاق ، وجماعة .
قالوا : "خديجة أول مَن آمن بالله عزَّ وجل من الرجال والنساء " ، ولم يستثنوا أحداً ، إذاً حينما آمنت برسول الله كانت الإسلام كلَّه .
قال ابن الأثير : " خديجة أول خلق الله أسلم بإجماع المسلمين لم يتقدمها رجل ولا امرأة " .
بالمناسبة هذا السبق له قيمة كبيرة جداً ، أحياناً الإنسان حينما يقوى الحق ويظهر ويأخذ مكانه الطبيعي ، ويصبح الحق ذا قوةٍ ظاهرةٍ ، الناس يدخلون في دين الله أفواجاً ، أما حينما يكون الحق ضعيفاً ، يحتاج إلى من يدعمه ، الناس ينصرفون عنه خوفاً على سلامتهم ، أو خوفاً على أموالهم ، لذلك ليسوا سواء ، من آمن قبل الفتح له عند الله مكانة كبيرة ، فهذا الوقت له قيمة كبيرة جداً ، أحياناً يكون الشيء إذا انتسبت إلى هؤلاء كان انتسابك إليهم مغرماً أما حينما يكون انتسابك إليهم مغنماً ليس لك أجر ، فالبطولة لهؤلاء الذين أسلموا وكانوا سبَّاقين في إسلامهم . أقوال بعض العلماء في السيدة خديجة رضي الله عنها وإسلامها المبكر :
قال محمد بن كعب : " أول من أسلم في هذه الأمة برسول الله خديجة رضي الله عنها " .
قال : اتفق العلماء على هذا ، بينما اختلافهم في أول من أسلم بعدها ، الخلاف لا على أنها أول من أسلمت ، الخلاف أول من أسلم بعدها .
قال ابن هشام في السيرة : " وآمنت به خديجة بنت خويلد وصدَّقت بما جاءه من الله ، وآزرته على أمره ـ أي أعانته على أمره ـ وكانت أول من آمن بالله ورسوله وصدَّق بما جاء به ، فخفَّف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلَّم ، لا يسمع شيئاً مما يكرهه من ردٍ عليه وتكذيبٍ له فيحزنه ذلك ، إلا فرَّج الله عنه بها ، إذا رجع إليها ؛ تثبِّته ، وتخفِّف عنه ، وتصدِّقه ، وتهوِّن عليه أمر الناس رحمها الله تعالى " .
هذه عبارة لطيفة أعيدها على أسماعكم : " ، وكانت أول من آمن بالله ورسوله ، وصدَّق بما جاء به ، فخفَّف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلَّم ، لا يسمع شيئاً يكرهه من ردٍ عليه ، وتكذيبٍ له فيحزنه ذلك ، إلا فرَّج الله عنه بها ، إذا رجع إليها ؛ تثبِّته ، وتخفِّف عنه ، وتصدقه ، وتهوِّن عليه أمر الناس رحمها الله تعالى " .
قال بعضهم : "إن سبب إسلامها السريع هو ما رأته من إرهاصاتٍ ، ومبشراتٍ ، ودلائل مبكِّرة على نبوة النبي عليه الصلاة والسلام" .
قال ابن حجر رحمه الله تعالى : " ومن مزايا خديجة أنها ما زالت تعظِّم النبي " .
الإنسان أحياناً التعامل اليومي المباشر لا يبقي للإنسان عند أهله هذه المكانة الكبيرة التي يراها الناس له ، أما زوجةٌ هو زوجها ، وقد أنجب منها الأولاد ، وله عندها مكانةٌ عظيمة ، رأته نبياً عظيماً ، والعلاقات الحميمة دائماً تُضْعِف هذه النظرة ـ أي بالمألوف ـ العلاقات الحميمة بين الزوج وزوجته تضعف مكانة الزوج عند زوجته ، هذا شأن معظم الناس ، أما هذه السيدة العظيمة مع أنها زوجته ، وقد رزقه الله منها الولد ، ومع ذلك كانت ترى نبوَّته ، ورسالته ، وكماله ، وكانت لا تعامله على أنه زوجها بقدر ما تعامله على أنه نبيٌ ورسول ، هذا شيء ليس من السهل على المرأة أن تكون فيه . نصب النبي الراية على قبر خديجة عند فتح مكة إعلاماً لفضلها وسبقها في الإسلام :
كانت تعظِّم النبي ، وتصدق حديثه قبل البعثة وبعدها ، وبعد أن دخلت في دين الإسلام ، علَّمها النبي صلى الله عليه وسلَّم الوضوء والصلاة كما علَّمه جبريل عليه السلام .
قال ابن هشام : " جاء رسول الله صلى الله عليه وسلَّم خديجة فتوضَّأ ليريها كيف الطهور للصلاة ، كما أراه جبريل ، فتوضَّأت كما توضَّأ لها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم ثم صلى بها رسول الله صلى الله عليه وسلَّم كما صلَّى به جبريل ، فصلَّت بصلاته ، وهكذا أصبحت خديجة بنت خويلد القُرشيَّة ، الزوجة الأولى للنبي عليه الصلاة والسلام ، وتبوَّأت مقام أم المؤمنين " .
أي أن جبريل علَّم النبي الوضوء ، وعلَّم النبي خديجة الوضوء ، وجبريل صلى برسول الله فتعلم كيف يصلي ، وصلى النبي بالسيدة خديجة فعلَّمها كيف تصلي ، إذاً هذه مكانةٌ عليَّة لا ينبغي أن تكون إلا في أعلى مقام ، والدليل :
عندما فتح الله على النبي صلى الله عليه وسلَّم مكة المكرَّمة ـ هكذا قرأت ـ قال انصبوا لي خيمةً عند قبر خديجة ، وقد ورد معنا قبل درسين أو ثلاثة أنه نصب راية المسلمين عند قبر خديجة ، لأنها رضي الله عنها ما فرحت بالنصر ، توفِّيت قبل أن يفتح الله على نبيِّه مكة ، جاء نصر الله والفتح ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً ، خديجة رضي الله عنها لم تعش إلى هذا الوقت الذي متَّع الله به النبي صلى الله عليه وسلَّم بالفتح والنصر المبين لذلك أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يشير إلى فضلها في معاونته ، فنصب الراية على قبر خديجة إعلاماً لفضلها وسبقها في الإسلام .

السعيد 09-04-2018 02:15 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( الثلاثون )


الموضوع : خديجة بنت خويلد - 6



موقف السيدة خديجة ومؤازرتها لة


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس السادس من دروس سيَر الصحابيات رضوان الله تعالى عليهم ، ومع السيدة خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأولى .
السيدة خديجة مثل أعلى للمرأة التي لها دورٌ كبير في نشر الحق ودعمه :
أيها الأخوة الكرام ، كلما تعمَّقنا في معرفة وتحليل شخصيات زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ازددنا يقيناً أن للمرأة دوراً خطيراً في حياة المجتمع الإسلامي ، تستطيع المرأة وهي نصف المجتمع أن تكون سنداً للحق ، وأن تكون مشارِكةً مشارَكةً فعالةً في دعم الحق ، وتثبيت دُعاة الحق ، والسيدة خديجة رضي الله عنها مثل أعلى للمرأة التي لها دورٌ كبير في نشر الحق وفي دعمه .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6729/01.jpg
دورها السابق كان دور التثبيت ، دورها الجديد دور المؤازرة ، والمصابرة ، انتهينا في الدرس السابق من الحديث عن تثبيت هذه السيدة الجليلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم واليوم ننتقل إلى دورٍ جديد من أدوارها البطولية في مؤازرة رسول الله ، والمصابرة معه على تحمُّل المشاق .
أقف قليلاً لأستفيد من هذا الدرس في حياتنا ، هناك زوجات ؛ ما دام الزوج غنياً فله عندهن ولاءٌ كبير ، فإذا افتقر الزوج ، أو تراجعت أحواله ، أو قَلَّ دخله ، أو مرض ، ازورت عنه هذه الزوجة ، هذه الزوجة لا خلاق لها عند الله ، لأن أقدس عقدٍ بين إنسانين عقد الزواج . ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً (21)﴾
( سورة النساء )
الميثاق الغليظ أقدس عقدٍ بين إنسانين ، الزوجة مع زوجها على السرَّاء والضرَّاء في إقبال الدنيا وإدبارها ، معه في غناه ومعه في فقره ، معه في صحته ومعه في مرضه ، معه في ضيقه ومعه في انطلاقه ، هذه الزوجة التي مع زوجها في كل أحواله تستحق كل تكريم .
لذلك النبي عليه الصلاة والسلام حينما فتح مكة نصب الراية عند قبر خديجة ، ليشعر الناس جميعاً أن لهذه الزوجة المخلصة دوراً كبيراً في نجاح الدعوة ، فإن لم يتح لها أن تكحِّل عينيها بهذه النتائج الباهرة الرائعة للدعوة ، فلا أقل من أن يشعر الناس أن لها فضلاً كبيراً . السيدة خديجة كانت وزيرة رسول الله الأولى آزرته على أمره فخفف الله عنه بها :
أيها الأخوة الكرام ، الوفاء الزوجي شيء مهم جداً ، أما حينما ينطلق الرجل من أنه رجل ، هو كل شيء ، وأن امرأته لا شيء ، يقع في جاهليةٍ معاصرة ـ هذه جاهلية ـ الزوجة كالرجل تماماً ، قد تؤمن ، وقد ترتقي ، وقد تسمو ، وقد يكون لها عملٌ صالحٌ كبيرٌ جداً ، أليست تربِّي أولادها ؟ أليست تدفع للمجتمع عناصر طيِّبة ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6729/02.jpg
صدقوني أيها الأخوة أن كل امرأةٍ تقدم عنصراً للمجتمع أخلاقياً ، مؤمناً ، مُنصفاً ، هذا الابن البار شهادةً لأمه .
إذاً هذه السيدة عاونت رسول الله في تبليغ الدعوة ، ومواجهة عناد المشركين ، وإعراضهم ، وعدوانهم ، وقد قال ابن هشام : " ووازرته ـ كأنها وزيرة صدقٍ معه ، الوزير أي معاون ، الملك لا يستطيع أن يدير أمور البلاد كلها ، يحتاج إلى وزراء كي يعاونوه ـ أي يعينوه ـ يمكن أن نقول بصدق : أن السيدة خديجة كانت وزيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم الأولى ـ آزرته على أمره فخفف الله بذلك على نبيه " .
أنا أقول لكم أيها الأخوة : الزمن صعب ، البيت المسلم الذي فيه حنان زوجي ، الذي فيه تفاهم ، الذي فيه تعاون ، الذي فيه مشاركة ، هذا البيت يقوى على مواجهة مصاعب الحياة ، الحياة فيها صعوبات كثيرة ، لكن لو أكلت مع زوجتك أخشن الطعام ، ولو كان البيت صغيراً جداً ، التفاهم والود يغنيك عن كل شيء .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6729/03.jpg
إذاً وازرته على أمره فخفف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم ، أي أن الله عز وجل إذا أراد بك خيراً هيَّأ لك زوجةً صالحة تسرك إن نظرت إليها ، وتحفظك إن غبت عنها ، وتطيعك إن أمرتها ، والزوجة الصالحة هي حسنة الدنيا :

﴿ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)﴾
( سورة البقرة )
قيل : ما حسنة الدنيا ؟ قال : المرأة لصالحة . (( الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة .))
[مسلم عن عمرو بن العاص]
الحقيقة أقول لكم هذه الكلمة وسأوِّجهها لأخواننا الشباب : ما من شابٍ يعفُّ عن الحرام إلا كافأه الله في الدنيا قبل الآخرة ، يكافئه بزوجةٍ صالحة تسعده ، وتحصنه ، وتعينه على أمر دنياه ، أنا لا أقصد أبداً حينما نروي قصص الصحابيات الجليلات ، أولئك قومٌ احتلوا عند الله مكانةً كبيرة ، لا مدحنا إيَّاهم يرفعهم ، ولا ذمنا لهم يخفضهم ، إنما نستفيد منهم ـ من حياتهم ـ دروساً تعيننا على متابعة الطريق إلى الله عز وجل . السيدة خديجة بذلت نفسها ومالها في سبيل تبليغ الدعوة إلى الناس :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6729/04.jpg
هذه السيدة الجليلة وقفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تَشُدُّ أزره ، وتواسيه، وتقويه ، وتأسو جراح نفسه ، وما أكثر ما لقي عليه الصلاة والسلام من عناد المشركين ومن أذاهم ، وصبرت وهي بجانبه وصابرت ، وساعدته بكل ما تستطيع ، بذلت نفسها ومالها في سبيل تبليغ الدعوة إلى الناس .
أيها الأخوة الكرام ، صدقوني أن المال مهما كثُر لا معنى له إطلاقاً ، والله وأقسم على ذلك ، المال مهما كثر بين يديك لا معنى له إلا أن تنفقه في سبيل الله ، خذ منه حاجتك ، كل ، واشرب ، واسكن في بيت ، وأطعم أهلك وأولادك ، وألبسهم ؛ أما الذي يفيض عن حاجتك والله لا معنى له ، وسوف تحاسب عليه إلا أن تنفقه في سبيل الله .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6729/05.jpg
إذاً أنفقت مالها في سبيل الله ، فأحياناً بالمال تحل مشاكل كبيرة جداً ، بالمال أحياناً تُضمَّد الجراح ، بالمال أحياناً ترسم البسمة على وجوه الصغار ، أنا لا أنسى أحد أخوتنا الكرام أصيب بمرض قلبي عضال ، ذهبت إلى بيته أزوره ؛ بيت كله كئيب ، الأولاد ، شعرت أن حزناً يخيم على هذا البيت ، هذا الأخ يقول لي : اتصلت به امرأةٌ محسنة ، وأبلغته أنْ قابل غداً الطبيب الفلاني ، ليجري لك العملية الجراحية في القلب ، وهي تكلف ربع مليون ليرة ، والمبلغ مغطى ، هذا اتصل بالطبيب ، وأعطاه وعداً ، وبعد حين أجريت له عملية ، ونجحت نجاحاً باهراً ، وعاد إلى البيت .
ذهبت إلى بيته بعد أن نجحت العملية ، طبعاً أواسيه ، وأهنئِّه على نجاح العملية ، والله الذي لا إله إلا هو رأيت أولاده كادوا يرقصون فرحاً لصحة أبيهم ، فهذه المرأة التي دفعت هذه المبلغ أين وصلت عند الله ؟ هذا المال ، ليس له معنى آخر المال إلا أن تنفقه رخيصاً في العمل الصالح ، في خدمة الحق ، في إطعام المساكين ، في نشر العلم ، في طبع الكتب ، في تأسيس المراكز الإسلامية ، في تأسيس دار للأيتام .
والله دخلت إلى دار أيتام فيها عناية ، ونظافة ، وأناقة ، ومطاعم ، وترتيبات ، ومهاجع ، ومكاتب ، ومصلى ، بناء فيه إما أربعة أو خمسة طوابق ، هؤلاء الذين بذلوا حتى رعوا هؤلاء الأيتام ، هؤلاء لهم عند الله وسام شرف . السيدة خديجة كانت وزيرة صدقٍ للنبي الكريم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6729/06.jpg
أخواننا الكرام ، أقول لكم كلاماً دقيقاً : مرةً لي صديق له أخٌ توفي فجأةً ، هو في نزهة ، في بلد جميل جداً ، بالفندق أصيب بسكتة دماغية ، سألته في الطريق : كم عمره ؟ قال : خمسة وخمسين عاماً ، ليس كبيراً جداً في السن ، كم ترك من الأموال ؟ أكثر من أربعة آلاف مليون ، مبلغ ضخم ، ماذا كان يأكل ؟ مثلنا تماماً ، فهذا الذي تركه ما قيمته بعد الموت ؟ صفر ، كم كان من الممكن أن يفعل بهذا المبلغ الضخم ؟ كم من مستشفى يؤسس ؟ كم من مستوصف ؟ كم دار أيتام ؟ كم معهد علم شرعي ؟ كم من إنسان يجعله يدرس على نفقته ؟
أنا كنت أقول لكم أيها الأخوة : إما أن تكون داعيةً ، وإما أن تتبنى داعية ـ كلام دقيق وطيِّب ـ وهي صنعة الأنبياء ، وإما أن تتبنى داعيةً ، فإذا أنفقت من مالك على طالب علم شرعي مخلص مستقيم ، كي تحميه من بذل ماء وجهه للناس ، من عملٍ مهين ، أنفقت عليه ، وطلب العلم بهدوء وبراحة نفسية ، وصار داعية ، كل دعوته في صحيفتك .
سمعت مرةً قصة أبٍ عنده بنتٌ وابن ، يبدو أن الأب فقير ، وهذه البنت تعمل في الخياطة ، فكانت تعمل ليلاً نهاراً لتنفق على أخيها ، أخوها صار طبيباً ، فالأب أوصى الطبيب أنه لولا أختك ، وعملها ليلاً نهاراً ، وكسبها المال ، وإنفاقه عليك لما كنت طبيباً ، لذلك أوصيك أن تجمع دخلك ، ودخلها مدى الحياة ، ويقسَّم إلى نصفين ، ويأخذ كل طرفٍ نصف الدَخلين معاً ، كلام عدل ، لولا أخته لما كان بهذا المنصب .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6729/07.jpg
أنت كم تستطيع أن تفعل بالمال الزائد ؟ أحياناً تدفع لإنسان ألف أو ألفين تحل له مشكلة كبيرة جداً ، ذكر لي أحد العلماء عن طالب علم ، خطب ، وعقد قرانه ويؤسس البيت ، وصل لمبلغ بسيط بضع آلاف ، فقال أحد أخواننا الدعاة : والله هذا طلبه مني ، وأنا تمكنت أن أؤمنه له ، فلما أبلغته أن المبلغ جاهز فوجئت أنه خر على الأرض ساجداً لله ، شكراً لله على نعمة تأمين هذا المبلغ ، أنت لا تعرف بإنفاق عشرة ، خمسة آلاف ، ثلاثة آلاف ، على طالب علم كم تسعده ؟ أما هذا الذي ينفق ستين مليون في عقد قرانه ، أنت ألا تشعر أن هذا الإنسان يتلف المال ؟ السيدة خديجة إذاً أنفقت مالها على رسول الله .
عن ابن عباسٍ رضي الله عنه أن السيدة خديجة بنت خويلد ، أول من آمنت بالله ورسوله ، وأول من صدَّق محمداً فيما جاء به عن ربه ، وأول من آزره على أمره ـ الآن دققوا ـ فكان لا يسمع من المشركين شيئاً يكرهه من ردٍ عليه وتكذيبٍ له ، إلا فرَّج الله بها عنه ، " يقول لها : هكذا قالوا ، هكذا كذبوني ، هكذا فعلوا ، هكذا سخروا ، هكذا ردّوا ، هكذا عارضوا ، هي في البيت تثبته ، وتصبره ، وتشد من عزيمته ، وتخفف عنه ، وتهون عليه ما يلقى من قومه .
مرة ثانية :" كانت رضي الله عنها وزيرة صدقٍ للنبي صلى الله عليه وسلم وكان يسكن إليها " .
شقاء الزوج شقاءٌ حتميٌ لزوجته :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6729/08.jpg
يا أخواننا الكرام الإنسان عنده زوجة ، هو يحسنها ، وهو يجعلها سيئة ، أحد الأشخاص قال لمخطوبته : إن في خلقي سوءاً ، فقالت له : إن أسوأ خُلقاً منك من حاجك لسوء الخلق " ، فأحياناً الرجل بأخطائه الكثيرة يقود زوجته إلى سوء الخلق ، وأحياناً الزوجة بحماقتها تقود زوجها إلى سوء الخلق ، وبحكمة الزوج يفجِّر في زوجته طاقات الخير ، وبحكمة الزوجة تفجِّر في زوجها طاقات الخير .
الحياة تحتاج إلى حكمة ، أنت بزوجة متوسطة تسعد بها ، وبزوجة بارعة تشقى بها ، إذا كنت حكيماً تسعد بالمتوسطة ، وإن لم تكن حكيماً تشقى بالبارعة .
كانت رضي الله عنها وزيرة صدقٍ للنبي ، وكان يسكن إليها ، يرتاح إلى عقلها وإلى إيمانها ، هذه السيدة الجليلة تعلم وعورة الطريق وصعوبة السير فيه منذ أن سمعت ابن عمها ورقة بن نوفل يقول : " لم يأت رجلٌ قط بمثل ما جئت به إلا عودي " .
دائماً وأبداً ونحن في هذا الزمان وطن نفسك على أن طريق الحق ليس محفوفاً بالزهور ، طريق الحق محفوف بالأشواك ، فيه معارضون ، ومنتقدون ، وساخرون ، ومشككون ، وحُسَّاد ، ومبغضون ، وفيه أُناس يعملون ضدك في الخفاء ، وأناس يسفِّهون عملك ، هذه سنة الله في خلقك ، معركة الحق والباطل أزليةٌ أبدية .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6729/09.jpg
كانت رضي الله عنها أول من سار على هذا الطريق ، متحديةً كل ما فيه من عقباتٍ وصعاب ، سارت إلى جانب النبي ، وتعرَّضت لكل ما تعرَّض له عليه الصلاة والسلام من أذى ، أذكركم بقول الله عز وجل :
﴿ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117)﴾
( سورة طه )
تشقيا ، يكفي تشقى ، لأن شقاء الزوج شقاءٌ حتميٌ لزوجته ، أول أذىً أوذيت به السيدة خديجة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، زوَّج السيدة رقية من عتبة بن أبي لهب ـ قبل البعثة ـ وزوج السيدة أم كلثوم من عُتيبة بن أبي لهب ـ زوج ابنتيه لابني أبي لهب ـ ولما أراد المشركون أن يؤذوا رسول الله طلبوا من عتبة وعتيبة أن يطلقا ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فطلقاهما ، والأب وحده الذي زوَّج ابنته يعلم ما معنى أن تطلَّق ابنته . النبي صلى الله عليه وسلم سيِّد البشر
تجري عليه كل خصائص البشر : المرأة كسرها طلاقها ، المرأة نجاحها بزواجها ، وطلاقها يعني أن أخفقت في حياتها ، وكسرها طلاقها ، فأراد المشركون أن يؤلموا رسول الله ، أن يزعجوه بتطليق ابنتيه ، والسيدة خديجة أول خبرة مؤلمة عانتها بعد البعثة أن ابنتيها طُلقتا .
رواية ثانية : النبي عليه الصلاة والسلام زوَّج عُتبة بن أبي جهل السيدة رقية ، فمشى إليه بعض المشركين فقالوا له : طلِّق بنت محمد ، ونحن نزوجك أيَّة امرأةٍ من قريشٍ شئت ، انتقِ ، هذا الرجل هو ذكي ، استغل هذا العرض ، وقال : زوجوني إن زوجتموني بنت أبان بن سعيد بن العاص ، أو بنت سعيد بن العاص ، يبدو أنها أفضل امرأة في قريش ، إن زوجتموني هذه المرأة طلقتها ، واستجبت لكم ، فزوجوه بنت سعيد بن العاص ، وفارق رقية بنت محمدٍ صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن دخل بها .
لكن النبي عليه الصلاة والسلام جعله الله أسوةً لأمته من بعده ، ما معنى أسوة ؟ أي أنه ذاق تطليق البنت ، وذاق موت الولد ، وذاق حديث الإفك ، والله الذي لا إله إلا هو ما في واحد من الحاضرين يحتمل هذا الحديث ، أن يتهامس الناس عن زوجتك أنها زانية ، فما قولك ؟ هل أحد يحتمل هذا ؟ ذاق النبي ترك الوطن ، هاجر ، ذاق النبي الفقر والجوع ، عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ يَوْمٍ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6729/10.jpg
(( يَا عَائِشَةُ هَلْ عِنْدَكُمْ شَيْءٌ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عِنْدَنَا شَيْءٌ قَالَ فَإِنِّي صَائِمٌ ))
[مسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا]
ذاق الغنى فكان كريماً ، ذاق القهر في الطائف ، وذاق النصر في مكة ، ذاق القهر ، وذاق النصر ، وذاق الغنى ، وذاق الفقر ، وذاق موت الولد ، وذاق تطليق البنت ، وذاق ترك الولد ، وذاق كل شيء ، ووقف الموقف الكامل من كل شيء ، ولولا أن النبي صلى الله عليه وسلم تجري عليه كل خصائص البشر لما كان سيِّد البشر .
لا تظن أن رسول الله هكذا ، بل عانى ما عان ، فأحياناً الخبر ليس كالعيان ، فقل لواحد : آلام الأسنان ، فهذه كلمة ، وإنسان إلى الساعة الرابعة لم ينَم من آلام الأسنان ، أنت تقولها كلمة ، أما هو ما ذاق طعم النوم من شدة الألم ، تقولها كلمة وهو يعانيها ، فرق كبير بين المعاناة وبين الخبر . العبادة نوعان عبادة مطلقة وعبادة مقيَّدة :
سيدنا عثمان من شدة الضغط على الصحابة الكرام سافر مع زوجته إلى الحبشة فراراً بدينهما ، فالإنسان ببلده مستقر ، ببيته ، له مكانته ، بتجارته ، يذهب إلى بلد بعيد ، ويقيم هناك فراراً بالدين !! إذاً ذاقت السيدة خديجة فراق ابنتها ، سافر بها عثمان ، ويروى عن رسول الله فيما رواه أنس بن مالك أنه قال : (( عثمان ورقية أول من هاجر إلى أرض الحبشة ، وهما أول من هاجر بعد لوط ))
[الجامع الصغير عن زيد بن ثابت]
أول إنسان هاجر بعد سيدنا لوط هو سيدنا عثمان ، فقد هاجر بأهله إلى الحبشة ، أنت الآن لو سافرت إلى بلد لا تعرفه أين تنام ، في غرفة قد تكون مريحة أو غير مريحة ، على فراش وثير أو غير وثير ، معك نفقات الطعام أو لا يوجد معك ، السفر قطعة من العذاب.
سيدنا عثمان رجع مع زوجته السيدة رقية إلى مكة المكرمة ، ثم هاجرا معاً إلى المدينة ، ومرضت في أثناء غزوة بدر .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6729/11.jpg
دققوا الآن : النبي عليه الصلاة والسلام مع أصحابه كلهم متجهون إلى بدر ليحاربوا قريشاً ، وسيدنا عثمان زوج ابنته وابنته مريضة ، ماذا فعل النبي ؟ خلَّف عثمان بن عفان على المدينة من أجل العناية بزوجته المريضة ، صدقوا ، هل لأن زوجته بنت رسول الله ؟ لا ، كل إنسان تمرض زوجته ، أو يمرض ابنه ، أو يمرض أباه ، ولا يبالي بهذا المرض فقد خالف سُنَّة النبي .
أنا أقول لكم هذه الكلمة : العبادة نوعان ؛ عبادة مطلقة ، وعبادة مقيَّدة ، فواحد من أخواننا الكرام ، يوم الاثنين في درس في جامع العثمان يجب أن يحضر ليكون صادقاً ، يجب أن يحضر ليثبت للأخوان أنه لا يغيب ، لا بد أنْ يحضر ، يجب أن يحضر ، لا سمح الله ولا قدر ابنه مرض مرضاً شديداً ، ماذا يفعل ؟ ينبغي أن تعالجه قبل كل شيء ، والدك مرض لا سمح الله ، زوجتك مرضت ، ابنك مرض ، العبادة التي يرضاها الله منك الآن أن تعتني بهذا المريض .
النبي أعفى عثمان من الجهاد معه من أجل أن يمرِّض زوجته ، توفيت السيدة رقية في مرضها هذا ، فأكثر الناس إذا توفيت زوجته يقولون : هو نحس عليها ، أماتها ، ماذا فعل النبي ؟ زوجه أختها ، السيدة أم كلثوم ، وتوفيت أيضاً ، لهذا لُقِّب سيدنا عثمان بن عفان بذي النورَين . سنوات المقاطعة الظالمة الثلاث كانت من أقسى المِحَن :
لكن أيها الأخوة السيدة خديجة لم تحضر وفاة ابنتيها ، لأنها توفِّيت قبلهما .
أما الشيء الدقيق جداً موضوع المقاطعة ؛ محنة النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين في سنوات المقاطعة الظالمة الثلاث أقسى المِحَن ، ذلك أن قريشاً لما رأت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين هاجروا إلى الحبشة ، قد نزلوا بلداً أصابوا فيه أمناً وقراراً ، وأن النجاشي قد منع من لجأ إليه منهم ، وأن عمر بن الخطاب قد أسلم ، وكان رجلاً ذا شكيمةٍ لا يرام ما وراء ظهره امتنع به أصحاب رسول الله ، وبحمزة عم النبي ، وبدأ الإسلام يفشو بين القبائل ، هذه خطيرة جداً ، أنْ تتسع دوائر الإسلام ، يزداد أتباعه ، تزداد شكيمته ، يدخل فيه رجال أقوياء ؛ سيدنا حمزة من كبار شخصيات قريش أسلم ، سيدنا عمر من كبار الشخصيات أسلم ، فالأمر يتفاقم .
أجمع أهل قريش وأهل مكة واتفق رأيهم على قتل رسول الله وقالوا : قد أفسد علينا أبناءنا ونساءنا ، فقالوا لقومه : خذوا منا ديةً مضاعفة ، وليقتله رجلٌ من غير قريش ، ويريحنا ، وتريحون أنفسكم .
يفاوضون قومه بني هاشم ، نحن عندنا تقاليد إذا قتل إنسان إنساناً فعليه دية ، إذاً نعطيكم دية مضاعفة ، ونسمح لإنسان بقتله من غير قريش ، وتأخذون الدية ، وينتهي الأمر ، هذه المفاوضة مع بني هاشم قوم النبي .
رفض قوم بني هاشم هذا العرض وانضم إليهم بنو عبد المطلب بن عبد مناف ، فلما عرفت قريش أن رسول الله قد منعه قومه ، منعة عصبيةً ، هم لم يؤمنوا به ، وكذلك بنو عبد المطلب ، ولكن منعوه عصبيةً ، فلما رأت أتباع النبي يزدادون ، والإسلام تتسع دوائره ، وشخصياتٌ راقيةٌ جداً دخلت في الإسلام ، أرادوا قتل النبي . بدء المقاطعة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6729/12.jpg
فاوضوا بني هاشم على دفع ديةٍ مضاعفة ، فلما رفض بنو هاشم وبنو عبد المطلب ، وآثروا حماية النبي لا بد من موقفٍ مضاد ، ماذا فعلت قريش ؟
أجمعوا على مقاطعة بني هاشم وبني عبد المطلب ـ هذه المقاطعة الاقتصادية قديمة وليست جديدة ، قاطعوا بلاداً ، صار فيها غلاء ، سرقات ، زنا ، قهر ، موت ، موت أطفال بعدد كبير جداً ، وثمة تقارير يندى لها جبين الإنسانية عن بلاد قوطعت اقتصادياً ، فصارت فيها مآس لا تعد ولا تحصى ـ وكتبوا كتاباً تعاقدوا فيه ألا ينكحوهم ، ولا ينكحوا إليهم ـ لا يزوجوهم ، ولا يتزوجوا منهم ـ ولا يبيعوهم شيئاً ، ولا يبتاعوا منهم ، ولا يقبلوا منهم صُلحاً ، ولا تأخذهم به رأفةٌ ، حتى يسلموا رسول الله للقتل ـ فهي مقاطعة إلى أن تأتوا برسول الله نقتله ، وإلا لا نبيعكم ، ولا نشتري منكم ، ولا نزوِّجكم ، ولا نتزوج منكم ، أي أنها كالمقاطعات التي تسمعون عنها في هذه الأيام تماماً ، وكان فيما سمعت أن الدينار كان مبلغه ضخماً جداً ، صار ألف وثلاثمئة دينار تساوي دولاراً ، بالمقاطعة طبعاً ـ فلما عرفت قريش علقوا صحيفة المقاطعة في جوف الكعبة ، توكيداً على أنفسهم ، وقطعوا عن بني هاشم وبني عبد المطلب الأسواق ، ولم يتركوا طعاماً ، ولا إداماً ، ولا بيعاً إلا بادروا إليه واشتروه واحتكروه .
عملية تجويع ، عملية إذلال ، عملية تحطيم ، وانحاز أبو طالب إلى شعبٍ له في مكة ، وانحاز معه بنو هاشم وبنو عبد المطلب ، إلا أخاه أبو لهب ، وكان أبو طالب طول مدتهم في الشِعب يأمر النبي ألا ينام في فراشه خوفاً عليه ، ويأمر أحد أبنائه أن ينام على فراش رسول الله . معاناة المسلمين بسبب المقاطعة :
استمرت المقاطعة ثلاث سنوات ، عانى فيها المسلمون من قلة المؤن والطعام .
والله نحن لم نذق شيئاً ، فهناك أصحاب النبي دفعوا ثمناً باهظاً لهذا الدين ، واحد أراد أن يبيع بيته لإنسان غير مسلم قال له : يجوز ، قال له : اسأل سيدنا خالداً كم دفع ثمن فتح هذه البلاد ؟ اسأل أصحاب رسول الله كم دفعوا ثمن إيمانهم ، ونشر هذا الدين في هذه البلاد ؟
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6729/13.jpg
قال : كان عليه الصلاة والسلام عندما يقوم من الليل إلى الصلاة يسمع بكاء الأطفال من شدة الجوع ، أحياناً الإنسان يتحمَّل بعض المصائب ، أما الشيء الذي لا يحتمل أن يبكي ابنك جوعاً ، ولا تملك ثمن الطعام ، أو أن يبكي من ألمٍ ألمَّ به ولا تملك ثمن الدواء ، هذا شيء لا يحتمل ، كان عليه الصلاة والسلام يقوم من الليل ليصلي فيسمع بكاء الأطفال من شدة الجوع .
مرة حدثني أخ كان مقيماً مع قطعة عسكرية ، وداهمت الثلوج هذه القطعة ـ خمسة أمتار من حوالي خمس أو ست سنوات ـ وانقطعت هذه القطعة عن كل اتصالٍ خارجي ، من شدة الجوع ، ذهب هؤلاء العناصر إلى القُمامة ليأكلوا ما فيها ، الواحد قد لا يفهم هذا إطلاقاً ، أما حينما يجوع جوعاً لا يحتمل قد يفكِّر في أكل ما في القمامة ، أنا أعرض على مسامعكم صورة من صور المجاعة .
بعض أصحاب رسول الله قال : " كنا قوماً يصيبنا ظلف العيش بمكة مع رسول الله ، وشدته ، فلما أصابنا البلاء اعترفنا لذلك وصبرنا له ، ولقد رأيتُني بمكة ، حيث خرجت من الليل لأقضي حاجتي ، وإذا أنا أسمع بقعقعة شيءٍ تحتي ـ كأنها ورقة يابسة ـ فإذا قطعة جلد بعير ، فأخذتها ، وغسلتها ، ثم أحرقتها ، ثم أكلتها ، وشربت عليها الماء ، فقويت عليها ثلاثة أيام " . هذه صورة من صور المقاطعة ، الصحابة الكرام دفعوا ثمناً باهظاً ، حملوا هذا الدين . وقوف السيدة خديجة إلى جانب النبي وانضمامها إليه أثناء المقاطعة :
وقفت السيدة خديجة رضي الله عنها بجانب النبي صلى الله عليه وسلم ، وانضمَّت إليه في شعب أبي طالب . (( لَقَدْ أُخِفْتُ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمَا يَخَافُ أَحَدٌ وَلَقَدْ أُوذِيتُ فِي اللَّهِ وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ وَلَقَدْ أَتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَمَا لِي وَلَا لِبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبِطُ بِلَالٍ ))
[أحمد عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]
تهريباً ، بذلت رضي الله عنها مالها لتؤمِّن ما تستطيع من طعام المسلمين ـ السيدة خديجة بذلت مالها لتؤمن ما تستطيع من طعامٍ للمسلمين ـ خلال سنوات مقاطعة ، واستعانت لهذا الأمر بابن أخيها حكيم بن حزام رضي الله عنه ، وكان حينئذٍ لا يزال على شركه ، لم يسلم بعد .
كان يشتري الطعام ، ويرسله إلى عمته السيدة خديجة ليلاً ، ولقيه في إحدى المرات أبو جهل ، ومع حكيم غلام يحمل قمحاً ، يريد عمَّته خديجة بنت خويلد ، وهي عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومعه في الشعب ، فتعلق به ، وقال : أتذهب بالطعام إلى بني هاشم ـ خرقت المقاطعة ـ والله لا تبرح أنت وطعامك حتى أفضحك بمكة ، فجاء ابن هشام بن الحارث فقال : مالك وله ؟ قال : يحمل الطعام إلى بني هاشم ؟ فقال أبو البُختري : طعامٌ كان لعمته بعثت إليه ، أفتمنعه أن يأتيها بطعامها ، خلي سبيل هذا الرجل ، فأبى أبو جهل ، حتى نال أحدهما من صاحبه ، فأخذ أبو البُختري لحى بعيرٍ فضربه به فشَّجه ، ووطئه وطأً شديداً ، إنها معاناة شديدة جداً .
مرت سنوات المقاطعة الظالمة ، وهلك فيها من هلك من أطفال المسلمين ، قال ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو ممن ولد في الشعب : " حوصرنا في الشعب ثلاث سنين ، وقطعوا عنا الميرة ـ القمح ـ حتى إن الرجل ليخرج بالنفقة فما يبايع حتى يرجع ، حتى هلك من هلك ـ معه مال ولكن لا يوجد من يبيع بضاعة ، لا توجد بضاعة ـ وسلَّط الله سبحانه وتعالى الأرضة على الصحيفة الظالمة ، فأكلت ما في الصحيفة من عهدٍ وميثاق ـ أي حشرة أكلت هذه الصحيفة ـ وقام بعض رجالات قريش من المشركين فسعوا في نقض الصحيفة بعد أن رأوا شدة ما يعاني المحصورون في شعب أبي طالب ، وكان عليه الصلاة والسلام قد أخبر عمَّه أبو طالب بما فعلت الأرضة بالصحيفة ، وأخبر أبو طالب وجوه المشركين ، وطالبهم بإحضار الصحيفة ، فلما أحضروها ونظروا فيها وجدوها كما أخبر النبي الكريم ، وقد ساعد على نجاح هذه المساعي لإخراج المسلمين من هذه الحلقة القاسية ". النبي الكريم أسوة حسنة لنا :
إن شاء الله أيها الأخوة في درسٍ قادم نتحدث عن عام الحُزن ، في هذا العام توفي أبو طالب وتوفيت السيدة خديجة .
هذا النبي الكريم لاقى ما لاقى ، ذاق وفاة الزوجة ، ذاق وفاة العم ، ذاق يُتم الأب، ذاق يُتم الأم ، ذاق الهجرة ، ذاق موت الولد ، ذاق فضيحة الزوجة ، ذاق المقاطعة ، ذاق تطليق ابنته ، لا يوجد شيء لم يذقه النبي اللهم صلِّ عليه ، من هنا قال الله عز وجل : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ (21)﴾
( سورة الأحزاب )
نرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون النبي أسوة حسنة لنا ، أي اصبروا إذا كان هناك مشكلة ، معاناة ، ما دمت على الحق اصبر ولا تخش في الله لومة لائم .


السعيد 09-04-2018 02:25 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( الحادى و الثلاثون )


الموضوع : خديجة بنت خويلد -7



عام الحزن





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام مع الدرس السابع من سير الصحابيات الجليلات ، ومع السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها زوجة رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأولى زمناً ومرتبةً .
عام الحزن :
في الدرس الماضي بينت لكم الأعوام الثلاثة الشديدة التي أتت على المسلمين ، أعوام المقاطعة ، والحصار الاقتصادي ، وكيف ذاق المسلمون ، وعلى رأسهم رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأهل بيته الطيبين ، كيف ذاقوا ألوان الحرمان والجوع والمقاطعة ، وبعد انتهاء أعوام المقاطعة ، جاء عام الحزن .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6731/01.jpg
قبل أن نشرح عن عام الحزن ، إذا كان سيد الخلق ، وحبيب الحق ، إذا كان سيد ولد آدم ، إذا كان صفوة الله من خلقه ، إذا كان خيرة عباد الله ابتلاه الله بالحزن ، فلأن نحزن نحن شيء طبيعي جداً ، هذه الدنيا مركبة هكذا ، هي دار ابتلاء ، دار امتحان ، دار أحزان ، دار أتراح ، وليست دار أفراح ، لأنه من عرفها لم يفرح لرخاء ، ولم يحزن لشقاء قد جعلها الله دار بلوى ، وجعل الآخرة دار عقبى .
في هذا العام توفي أبو طالب عم النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذي كان أكبر مدافع عنه من الخارج ، وتوفيت السيدة خديجة أكبر داعم له من الداخل ، فانهار الدعم الداخلي ، وانهار الدعم الخارجي ، لذلك سمَّى كُتَّاب السيرة هذا العام الذي توفي فيه أبو طالب عم النبي أكبر داعم له من الخارج ، والذي توفيت فيه السيدة خديجة زوجه الحبيبة إلى قلبه أكبر داعم له من الداخل ، سمى علماء السيرة ، وكتاب السيرة هذا العام الذي مر به النبي عام الحزن .
شيء آخر : إن كان لك قريب تحبه حباً جماً ، ووافته المنية ، ويغلب على ظنك أنه إلى الجنة ، تحزن ، ولكن الذي يخفف من هذا الحزن أنه من أهل الجنة ، أنه انتقل من دار البلاء إلى دار البقاء ، من دار الامتحان إلى دار الاستقرار ، من دار التكليف إلى دار التشريف ، من دار المتاعب إلى دار المسرات ، مما يخفف الحزن على أهل المتوفى أن يكون المتوفى من أهل الجنة ، مؤمناً .
إلا أن الذي ضاعف حزن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن عمه أبا طالب مات كافراً ، هذا الذي دعمه أشد الدعم ، طلب إليه أن يلفظ بشفتيه لا إله إلا الله ، فلم يقل ، وكم تمنى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لعمه الهداية ، وألح عليه ، وهو في سياق الموت لكي يسلم ويقول لا إله إلا الله . (( لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا طَالِبٍ الْوَفَاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي طَالِبٍ : يَا عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أَشْهَدُ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ : يَا أَبَا طَالِبٍ أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيَعُودَانِ بِتِلْكَ الْمَقَالَةِ ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ : هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ : "مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ ... الآيَة َ))
[ متفق عليه عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ ]
أخطر شيء في حياة المسلم العقيدة الصحيحة :
أيها الأخوة ، لي وقفة دقيقة جداً عند هذا الموقف ، قال عليه الصلاة والسلام : ((أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ))
[ متفق عليه عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ ]
فنزل قوله تعالى : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6731/02.jpg
﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ(113)﴾
( سورة التوبة )
ماذا نستنبط من هذه الحادثة ؟ عم النبي ، أقرب الناس إليه ، أكبر من دافع عنه ، الذي وقف أمامه كالطود ، الذي تحمل المشاق من أجله لكن تحملها عصبية ، ولم يتحملها اعتقاداً ، تحملها حميةً ، ولم يتحملها عبادةً ، تحملها انحيازاً ، و لم يتحملها طاعةً لله عز وجل ماذا نستنبط إذاً ؟ كم هي العقيدة خطيرة عند الإنسان ، لا يمكن أن تقدم للنبي عليه الصلاة والسلام عملاً أعظم مما قدمه عمه أبو طالب ، ومع ذلك مات كافراً : ﴿ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيم ﴾
( سورة التوبة )
إذاً أخطر شيء في حياة المسلم العقيدة الصحيحة ، اعتقد عقيدةً صحيحة ، وكل شيء بعدها يحل أما إن لم تعتقد عقيدة صحيحة ، لو قدمت للنبي كما قدم أبو طالب لا تنجو . الرسول صلى الله عليه وسلم فقد الدعم الخارجي بموت أبي طالب :
أخوة الإيمان ، حقيقة خطيرة أضعها بين أيديكم ، إن أحداث السيرة من الخطورة حيث إن كل شيء في السيرة له دلالة عظيمة ، ويمكن أن نستنبط منه حقائق كبيرة ، فمن زاغت عقيدته لو كان أقرب الناس إلى نبي ، لو كان أقرب الناس إلى أكبر عالم ، إلى أكبر داعية ، لو كان يلوذ بأقرب الناس إليه .
كان رئيس المنافقين يجلس على يسار النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلما توفي طلب قميصه ، وتروي كتب السيرة أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ألبسه قميصه بيده ، فلما وافته المنية قال : الآن استقر في جهنم حجر كان يهوي به سبعين خريفاً ، لا تنفعك قرابتك ، ولا ينفعك عملك ، ولا ينفعك شيء إلا أن تكون صحيح العقيدة بالله ، صحيح العمل وفق مقتضى هذه العقيدة وأنزل الله قوله : ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113)﴾
( سورة التوبة )
ونزل في أبي طالب : ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (56)﴾
( سورة القصص )
وقال : ﴿ لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ (272)﴾
(سورة البقرة )
لست عليهم بجبار . ﴿ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ (22)﴾
( سورة الغاشية )
أي أنهم مخيرون ، النبي يدعوهم إلى الحق ، أما هم يستجيبون أو لا يستجيبون ، ويدل قوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ((أَمَا وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ))
[ متفق عليه عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِيهِ ]
يدل هذا على أن شدة الحزن الذي أصاب النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أولاً بسبب موت عمه أبي طالب على الكفر ، وحزن أيضاً على موت أبي طالب لأنه فقد نصرته ، ووقوفه في وجوه المشركين ، فقد الدعم الخارجي ، ومن وفائه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن هذا الذي دعمه مات كافراً ، فكان حزنه عليه شديداً . الرسول الكريم فقد السند الداخلي بموت السيدة خديجة رضي الله عنها :
قال ابن هشام ، أحد كتاب السيرة : كان أبو طالب للنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عضداً وحرزاً في أمره ، ومنعةً ، وناصراً على قومه ، وذلك قبل هجرته إلى المدينة بثلاث سنوات ، فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من الأذى ما لم تكن تطمع في حياة أبي طالب حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه التراب وقال عليه الصلاة والسلام : ما نالت مني قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب ، ومع ذلك مات على الكفر .
أيها الأخوة ، قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ قَالَ : http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6731/03.jpg
(( يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنْ اللَّهِ شَيْئاً))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
هذه أكبر حقيقة ، تحر العقيدة الصحيحة ، التي إذا مت عليها قبلها الله منك وكان مصيرك الجنة .
الشيء الذي يقصم الظهر أن هذا الذي كان يدعمه خارج البيت مات ، ففقد هذا الدعم ، ومات كافراً ، فتضاعف حزن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أما حينما توفيت السيدة خديجة فقد الدعم الخارجي ، والسند الداخلي ، طبعاً السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها وأرضاها واست رسول الله ، وحاولت أن تخفف من حزنه على عمه أبي طالب ، كما هو حالها وشأنها دائماً في كل ما يعرض له النبي الكريم ، و لكن مواساتها انقطعت بوفاتها هي أيضاً رَضِي اللَّه عَنْها ، إذ وافاها أجلها في بعض الروايات بعد موت أبي طالب بزمن قصير ، وقال بعض كتاب السيرة : بثلاثة أيام ، فحُقَّ لكُتَّاب السيرة أن يسموا هذا العام الذي مر به النبي عامَ الحزن ، بين موت عمه أبي طالب ، وموت زوجته السيدة خديجة ثلاثة أيام . تتابع الأحزان على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوفاة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها :
سؤال يهمنا كثيراً : هل يتناقض الألم الشديد على مصاب أليم أصاب المؤمن ، هل يتناقض هذا الألم الشديد مع الصبر ؟ أبداً ، لا يتناقضان ، هذه طبيعة الإنسان ، هذه فطرته ، لا يحاسبك الله عز وجل على حزن ألم بقلبك لوفاة عزيز ، ولكنه يحاسبك على كلمة تتفوه بها تتناقض مع التوحيد ، يحاسبك على كلمة تعبر بها عن ضجرك ، يحاسبك عن كلمة تعبر بها عن شكك برحمة الله عز وجل : (( إنَّ العَيْنَ تَدْمَعُ ، وَالقَلْبَ يَحْزَنُ ، وَلاَ نَقُولُ إِلاَّ ما يُرْضِي رَبَّنا ، وَإنَّا بِفِرَاقِكَ يا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ ))
[ رواه البخاري عن أنس رضي الله عنه ]
روى الحاكم أن موتها بعد موت أبي طالب بثلاثة أيام ، في رواية أخرى بشهرين وخمسة أيام ، والرواية الأولى ثلاثة أيام ، على كلٍ زمن قصير بين وفاة عمه أبي طالب ، ووفاة زوجته السيدة خديجة ، تروي كتب السيرة أن السيدة خديجة توفيت لعشر خلون من رمضان ، وهي في سن خمسة وستين عاماً .
عن حكيم ابن حزام أنها توفيت سنة عشر من البعثة ، بعد خروج بني هاشم من الشعب ، ودفنت بالحجون في مكة ، ونزل النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في قبرها ، ولم تكن صلاة الجنازة قد شرعت بعد ، وتتابعت الأحزان على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بوفاتها رَضِي اللَّه عَنْها ، وعرف العام الذي توفيت فيه كما قلت قبل قليل بعام الحزن ، وأصبح النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا عاد إلى بيته عاد مهموماً مكروباً من كثرة ما يلقى من أذى المشركين وكيدهم ، ولا يرى وجه خديجة ، وهي تستقبله بإشراقة وجهها ، وصفائه ، وابتسامته ، يعني حقاً أن الله عز وجل جعل الزوجة الوفية المخلصة سكناً لزوجها ، تصور نبياً عظيماً يواجه صعوبات كالجبال ، إذا دخل إلى بيته استقبال زوجته بابتسامة وديعة ، بكلمة طيبة ، بدعوة إلى الصبر ، بتثبيت ، قدمت عملاً لا يقدر بثمن ، لا تقلل من قيمة زوجتك في البيت ، لا تقلل من قيمة أنها أحياناً تمتص بعض المتاعب ، لا تقلل من قيمة زوجةٍ صالحة تعينك على متاعب الحياة ، النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقد ابتسامة الثقة والأمل التي كانت تستقبله بها ، فقد كانت كلمات التثبيت والتبشير التي كانت تبثه بها رَضِي اللَّه عَنْها ذات أثر كبير في نفسه ، الآن انتهت هذه الكلمات .
تروي كتب السيرة أن هذه السيدة العظيمة تبسمت للنبي وهي تجود بنفسها ، تبسمت له وهي تفارق الحياة ، أروع ما كتب عن هذا التبسم قيل : لعلها كانت تبتسم له كي تواسيه بنفسها عن نفسها ، أو لعلها تبسمت حين رأت مقامها وقصرها في الجنة .
روى الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : (( أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
الزوجة الصالحة تمتلك أجراً كأجر المجاهد في سبيل الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6731/04.jpg
أخواننا الذين زاروا مكة المكرمة ، ورأوا جبل النور ، إنْ أراد رجل في ريعان شبابه ، قوي البنية ، أن يصل إلى هذا الجبل ، أو إلى هذا المكان يحتاج إلى ثلاث ساعات .
امرأة مسنة تصعد هذا الجبل كله لتقدم للنبي طعامه وشرابه ، كم هذه الخدمة ؟ ماذا نستفيد من هذه القصة ؟ أي أن هذه المرأة التي تحسن تبعل زوجها ، تهيئ له طعامه ، وشرابه ، وثيابه النظيفة ، وأولاده الذين تربيهم تربية صالحة ، هذه المرأة التي تفعل هذا إنها تمتلك أجراً كأجر المجاهد في سبيل الله ، وهذا ما قاله النبي عليه الصلاة والسلام : (( أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين أصحابه فقالت : بأبي أنت وأمي إني وافدة النساء إليك ، وأعلم نفسي ـ لك الفداء ـ أنه ما من امرأة كائنة في شرق ولا غرب سمعت بمخرجي هذا إلا وهي على مثل رأيي ، إن الله بعثك بالحق إلى الرجال والنساء فآمنا بك وبإلهك الذي أرسلك ، وإنا معشر النساء محصورات مقصورات ، قواعد بيوتكم ، ومقضى شهواتكم ، وحاملات أولادكم ، وإنكم معاشر الرجال فضلتم علينا بالجمعة والجماعات ، وعيادة المرضى ، وشهود الجنائز ، والحج بعد الحج ، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله ، وإن الرجل منكم إذا خرج حاجاً أو معتمراً أو مرابطاً حفظنا لكم أموالكم ، وغزلنا لكم أثوابكم ، وربينا لكم أموالكم ، فما نشارككم في الأجر يا رسول الله ؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه بوجهه كله ثم قال : هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مساءلتها في أمر دينها من هذه ؟ فقالوا : يا رسول الله ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا ؟ فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إليها ثم قال لها : انصرفي أيتها المرأة وأعلمي من خلفك من النساء أن حسن تبعل إحداكن لزوجها ، وطلبها مرضاته ، وإتباعها موافقته يعدل ذلك كله ، فأدبرت المرأة وهي تهلل وتكبر استبشاراً ))
[ البيهقي عن أسماء بنت يزيد الأنصارية ]
آه لو تعلم النساء ما هذا الحديث ، لا ينطق عن الهوى ، إن حسن تبعل المرأة زوجها ، إذا وفرت له جواً هادئاً في البيت ، وفرت له الطعام المريح ، والفراش الوثير ، والثياب النظيفة ، وخدمات كثيرة جداً ، كم لها عند الله من أجر : (( أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ . ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
قال : لعلها ابتسمت حينما رأت مقامها في الجنة . كلما نضج إيمانك اعتقدت أن المرأة مساوية للرجل في حقل الدين :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6731/05.jpg
دلت بعض الأحاديث الشريفة على أن المؤمن عند الاحتضار يبشر بالجنة ، ويكشف له حتى يرى مقعده فيها عند الموت ، المؤمن لأن الله يكرمه ، ويبشره ، ويرى مقامه في الجنة ، ويرى مكانه فيها ، إما أنها ابتسمت تواسيه بنفسها عن نفسها ، أو أنها ابتسمت حينما رأت هذا القصر الذي وعدها الله به في الجنة ، على كلٍ قال :
(( أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ماذا قالت ؟ يا الله من أية جامعة تخرجت ، هل تحمل دكتوراه في الشريعة ! قالت : هو السلام ، ومنه السلام ، وعلى جبريل السلام ، لو أنها قالت : وعليه السلام ، انظر إلى فهمها العالي ، قالت : هو السلام ، مادام هذا السلام جاءها من ربها ، إذاً هو السلام ، لا يصح أن يرد عليه السلام ، هو السلام ، ومنه السلام ، وعلى جبريل السلام .
أنا أعتقد أنه كلما نضج إيمانك اعتقدت أن المرأة مساوية للرجل في حقل الدين ، وقد تسبقه ، ما هذه المرأة ؟ ما هذه الإجابة ؟ منك السلام يا رب ، ومنك السلام ، وعلى جبريل السلام ، في رواية ثانية عند الإمام أحمد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَقُولُ : (( أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ ))
[البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ]
ليس شيئاً قليلاً أن يحبك الله ! شيء لا يستهان به أن تكون أثيراً عند الله ، أن يقرئك الله السلام ، إن الله يقرأ خديجة السلام ، فقالت : إن الله هو السلام ، وعلى جبريل السلام ، وعليك يا رسول الله السلام ، ورحمة الله وبركاته ، كيف كانت تخاطبه في البيت ؟ تقول له : يا رسول الله ، الآن انظر إلى النساء ، النساء المثقفات لا تخاطب زوجها إلا باسمه المجرد ، وقد يكون زوجها كبيراً ، وعظيماً ، وله شأن كبير ، هذا من سوء الأدب ، أما السيدة خديجة تخاطب زوجها تقول له : يا رسول الله . الله هو السلام يدل على فقه السيدة خديجة وفهمها وحسن أدبها مع الله تعالى :
قال العلماء : يدل قولها أن الله هو السلام على فقهها ، وفهمها ، وحسن أدبها مع الله تعالى ، فالله سبحانه وتعالى لا يرد عليه بالسلام كما يرد على المخلوقين ، لأن السلام اسم من أسماء الله تعالى ، وهو أيضاً دعاء بالسلامة ، وكلاهما لا يصلح أن يرد به على الله ، فكأنها قالت : كيف أقول عليه السلام ، والسلام اسمه ، ومنه يطلب ، ومنه يحصل ، فيستفاد من ذلك أنه لا يليق بالله إلا الثناء عليه فقط ، فأثنت عليه سبحانه ، ثم غايرت ما يليق بالله تعالى ، وما يليق بغيره ، فقالت : هو السلام ، ومنه السلام ، وعلى جبريل السلام ، وعليك يا رسول الله السلام ورحمة الله وبركاته ، كلمات قليلة لكنها تعبر عن أدب جم ، وعن فهم عميق ، وعن إيمانٍ قوي .
ذكرت بعض الروايات أن السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها رأت جبريل وهو في صورة رجل ، أخرج ابن السني بسنده عن خديجة أنها خرجت تلتمس رسول الله ، بأعلى مكة ومعها غداؤه ، تبحث عن طعام .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6731/06.jpg
يقول الزوج لزوجته ألف مرة أتمنى أن يكون الطعام في هذه الساعة جاهزاً ، لا تبالي ، يأتي إلى البيت لا طعام ، ولا شيء معد جاهز ، فتنشأ الخلافات .
تتبعه بطعامه ، وتبحث عنه ، وتأخذ معها طعامها ، فلقيها جبريل في صورة رجل ، فسألها عن النبي فهابته ، ولما ذكرت ذلك للنبي قال لها : هو جبريل ، وقد أمرني أن أقرأ عليك السلام ، وبشرها ببيت في الجنة من قصب ، لا صخب فيه ، ولا نصب .
أيها الأخوة الكرام ، السيدة خديجة ماتت ، ماذا بقي بعد موتها ، بقيت ذكراها رحلت السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها عن الدنيا وتركت رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو في ذروة المعاناة ، لما يلقى من أذى المشركين ، وإعراضهم ، وكيدهم ، وبقيت ذكرى السيدة خديجة في قلبه الشريف حيةً قويةً ، فلم تبرحه حتى آخر يوم في حياته ، كان وفاءه لها عجيباً فلما فتح مكة أين نصب الراية ؟ نصبها عند قبر خديجة ، لماذا ؟ ليؤكد لها بعد موتها أن هذا النصر الذي حققه النبي ، كان بسبب صبرها ، ومعاناتها ، وتثبيتها لقلب النبي ، وما نسي فضلها أبداً . شدة وفاء النبي للسيدة خديجة و ذكرها دائماً عند أحبّ زوجاته إليه :
ما يلفت النظر أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم تشغله الأعمال الجليلة الكبيرة التي تملأ حياته عن تذكر زوجته السيدة خديجة ، الدعوة إلى الله ، تلقي الوحي ، تبليغه للناس، عرضه على القبائل ، الهجرة إلى المدينة ، تأسيس الدولة الإسلامية ، بناء المجتمع المسلم الجديد ، الجهاد في سبيل الله ، الخروج إلى الغزوات ، إرسال السرايا ، بعث البعوث ، إرسال الرسائل والكتب إلى الأمراء والملوك ، استقبال الوفود ، كل هذه الأعمال الجليلة التي نهض بها النبي لم تشغله عن تذكر السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها ، بقيت مع كل هذه الأعمال ذكرى خديجة رَضِي اللَّه عَنْها عالقة في قلبه الشريف لا تفارقه ، كأنها أصبحت جزءاً منه لا تكاد تنفصل عنه .
الذي يلفت النظر أيضاً أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تزوج بعد وفاتها أمهات المؤمنين ، واجتمع عنده في وقت واحد تسع منهن ، وكن رَضِي اللَّه عَنْهن مع كل ذلك تسع نسوة يتنافسن على خدمته ، ومحبته ، وتوفير راحته ، ومع ذلك لم ينس السيدة خديجة ، هذا الوفاء ، هذا الوفاء الزوجي ، ما من زوج على وجه الأرض أكثر وفاء لزوجته الأولى من رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6731/07.jpg
من مظاهر وفائه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه كان يذكر السيدة خديجة عند أحب زوجاته إليه ، السيدة عائشة ، يعني قيل : إنها حبيبته ، إنها حبيبة رسول الله ، وكانت رَضِي اللَّه عَنْها تغار من كثرة ذكر النبي لها ، طبعاً تعليق سريع ، غيرة المرأة تنبع من تصور وتخيل أن رسول الله يحبها أكثر منها ، وكثرة الذكر تدل على كثرة المحبة ، ولنستمع إلى السيدة عائشة رَضِي اللَّه عَنْها ، وهي تعترف بغيرتها من السيدة خديجة ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ :
(( مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ وَمَا رَأَيْتُهَا وَلَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ ذِكْرَهَا وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صَدَائِقِ خَدِيجَةَ فَرُبَّمَا قُلْتُ لَهُ : كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إِلَّا خَدِيجَةُ فَيَقُولُ : إِنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ وَكَانَ لِي مِنْهَا ))
[مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ]
أحياناً الإنسان أمام زوجته الحبيبة الصغيرة التي تعلق قلبه بها كان من الممكن أن يصمت عن ذكر خديجة ، من شدة وفائه لها كان يذكرها عند أحب زوجاته إليه ، والحقيقة قول السيدة عائشة كأن لم يكن في الدنيا غيرها ، حقيقة ، عاش النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مع خديجة أنضر سنوات عمره ، أمضى خمساً وعشرين سنة مع السيدة خديجة وحدها . غيرة السيدة عائشة من السيدة خديجة رضي الله عنها :
والله أيها الأخوة ، أستمع الآن إلى قصص طلاق بعد ثلاثين عاماً عاشت معه زوجته ، على مر الحياة وحلوها ، ثم طلقها ، وأولادها كبار ، لها أولاد ، ولها بنات ، ولها أصهار ، ومع ذلك طلقها لأسباب تافهة ، أهذا هو الوفاء ، ثلاثون عاماً عشت معها ، وبعدها تنتهي هذه الأعوام بالطلاق ، وَاللَّهِ جاءت امرأة في بعض المساجد في دمشق ، وقالت لي : أنا زوجة فلان ، وهي محجبة حجاباً كاملاً ، أنا زوجة فلان ، عشت معه ثلاثين عاماً ، وهو قد طلقني ، معقول !
قال ابن حجر رحمه الله في شرح كلمات السيدة عائشة ، ما غرت على أحد من نساء النبي ، قال : " فيه ثبوت الغيرة ، وأنه ليس مستنكر وقوعها من فاضلات النساء ، فضلاً عمن دونهن ، يعني أيها الزوج لا تتألم كثيراً إذا كانت زوجتك غيورةً ، فالغيرة من صفات النساء ، فليس بمستغرب أن تقع الغيرة من فاضلات النساء فضلاً عمن دونهن ، وأن عائشة رَضِي اللَّه عَنْها كانت تغار من نساء النبي ، فكانت تغار من السيدة خديجة أكثر غيرة والسبب طبعاً أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يكثر من ذكرها كثيراً ، وقولها هلكت قبل أن يتزوجني ، يعني هي لم تعرفها ، ولم تر وجهها ، هلكت قبل أن يتزوجني ، فلو أنها رأتها لكانت غيرتها أشد ، ثمة حالات نادرة أسوقها لكم ، يعني أحياناً تغار منها كثيراً تندفع إلى التعريض فيها ، هذا الشيء الجديد ، فيغضب عليه الصلاة والسلام ، ويرد عن أم المؤمنين عائشة ، يرد عليها ، يذكرها ببعض المناقب والفضائل التي انفردت بها السيدة خديجة ، والتي لا يشاركها فيها غيرها من أمهات المؤمنين ، كلم السيدة عائشة على ما بدر منها ، وتقول معلنةً توبتها وندمها : والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بالخير ، شيء واقعي ، السيدة عائشة امرأة غيورة لا تحتمل أن يذكرها النبي دائماً ، لذلك كان النبي يرد عليها ، ويدافع عن السيدة خديجة ، تقول : والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا اليوم إلا بالخير ، القصة كاملة رويت في بعض الكتب ، استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على النبي الكريم ، يبدو أن الصوتين متشابهين ، بعد موت خديجة سمع صوتاً يشبه صوت زوجته ، فارتاح لذلك وقال : اللهم هالة ، فغرت فقلت : ما تذكر من عجوز ـ الآن صارت عجوزاً ـ ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين ، يعني ليس في فمها سن ، وكبيرة في السن ، خمسة وستون عاماً .
قال لي أحد الأشخاص : والله ما في فمي سن ، فقلت له : وشعرك ، قال لي : لا شعري طبيعي ، خفت أنْ يكون شعره مستعاراً ، الإنسان بعد سن معين لا بد له من قطع غيار كثيرة ، فقالت له : حمراء الشدقين ، هلكت في الدهر ، قد أبدلك الله خير منها ، يعني هذه ساعة غيرة شديدة . ميزات السيدة خديجة كما رآها النبي الكريم :
قالت ما تذكر من عجوز من عجائز قريش ، حمراء الشدقين ، هلكت في الدهر ، قد أبدلك الله خيراً منها ، فقال لها : إنها كانت وكانت وَكانت ، وكان لي منها الولد ، فسر بعضهم قوله الشريف ، إنها كانت فاضلةً ، وكانت عاقلة ، وكانت ، وكانت ، وكان لي منها الولد ، أما أجمل دفاع عنها فهو مرويٌّ في مسند أحمد عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : (( كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ أَثْنَى عَلَيْهَا فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ قَالَتْ فَغِرْتُ يَوْماً فَقُلْتُ مَا أَكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا خَيْراً مِنْهَا قَالَ مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْراً مِنْهَا قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ ))
[أحمد عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ]
انظر إلى ميزاتها ، وفي الحقيقة أروع ما في الأخلاق ألا تنسى فضل الناس عليك ، النبي عليه الصلاة والسلام حينما سمع أن الأنصار وجدوا عليه في أنفسهم جمعهم وقال : يا معشر الأنصار مقالة بلغتني عنكم ، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم ، جمعهم ، وكان أقوى رجل في الجزيرة ، وكان بإمكانه أن يفعل كما يفعل بعض الأقوياء أن يلغي وجودهم ، وكان بإمكانه أن يهدر كرامتهم ، وكان بإمكانه أن يهملهم ، وكان بإمكانه أن يعاتبهم ، وكان بإمكانه أن يذكرهم بفضله عليهم ، فماذا فعل ؟ جمع الأنصار وهو في أعلى درجات القوة ، وذكرهم بفضلهم عليه ، ما هذه الأخلاق ! قال : يا معشر الأنصار أما إنكم لو شئتم لقلتم ولصدقتم به ، أتيتنا مكذباً فصدقناك ، طريداً فآويناك ، عائلاً فأغنيناك ، يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلالاً فهداكم الله بي ، وعالةً فأغناكم الله ، وأعداء فألف بين قلوبكم ، إلى آخر القصة . (( ... مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ خَيْراً مِنْهَا قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِي النَّاسُ وَصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ وَرَزَقَنِي اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَدَهَا إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ ))
[أحمد عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ]
قالت السيدة عائشة ، هكذا تروي الروايات ، أبدلك الله حديثة السن بكبيرة السن ، فغضب صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غضباً شديداً فخافت فقالت : والذي بعثك بالحق لا أذكرها بعد هذا إلا بالخير ، هذه مشكلة نشأت في بيت النبي صاحب ود ووفاء لزوجته السيدة خديجة ، وهي صاحبة غيرة . من فضائل خديجة أن النبي الكريم قرن بينها وبين السيدة مريم في الخيرية والفضل :
تعليق لطيف ، ما معنى حمراء الشدقين ؛ نسبتها إلى كبر السن ، لأنه من دخل في سن الشيخوخة مع قوة في بدنه ، يغلب على لونه غالباً الحمرة المائلة إلى السمرة ، والذي يتبادر أن المراد بالشدقين ما في باطن الفم ، فكانت في ذلك عن سقوط أسنانها ، حتى لا يبقى داخل فمها إلا اللحم الأحمر من اللثة وغيرها ، وبهذا قال النووي ، ما معنى حمراء الشدقين ؟ أي لا يوجد أسنان ، ولا يوجد في فمها غير لثة حمراء وباطن الفم أحمر .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6731/08.jpg
يؤكِّد الإمام النووي رحمه الله تعالى أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كلماته كلها يظهر من كلماته حسن العهد ، وحفظ الود ، وحرمة الصاحب ، والمعاشرة ، حياً وميتاً ، أحياناً عندما يموت إنسان يستخف به ، أما عليه الصلاة والسلام فقد كان وفياً لها في حياتها ، وبعد موتها ، كان صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا ذبح شاةً يقول : أرسلوا إلى صديقات خديجة ، قالت : فأغضبته يوماً فقلت : خديجة ، فقال عليه الصلاة والسلام : إني قد رزقت حبها .
من فضائل خديجة أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قرن بينها وبين السيدة مريم في الخيرية والفضل ، فقد جاء في الحديث الصحيح عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ : سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ((خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ))
[البخاري ومسلم عن علي]
يقصد خير نساء من على الأرض ، ومن تحت السماء ، خديجة بنت خويلد ، ومريم ابنة عمران ، السيدة مريم شهد الله لها بالاصطفاء : ﴿ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (42)﴾
( سورة آل عمران )
شهد لها بالصديقة ، وهي المرتبة التي تلي مرتبة النبي ، فإذا كان النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قد جمع بين السيدة مريم والسيدة خديجة في الفضل ، فمعنى ذلك أن السيدة خديجة في مرتبة الصديقة . المرأة مساوية للرجل في التكليف والتشريف :
شيء آخر : ((خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ قَالَ : تَدْرُونَ مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَمَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَجْمَعِينَ))
[أحمد عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ]
نستفيد من هذه القصة أن المرأة مساوية للرجل في التكليف والتشريف ، وأن الذي حباه الله عز وجل زوجة صالحة فقد أعطاه شيئاً كثيراً ، أعطاه نعمة عظيمة ، أعطاه حسنة الحياة الدنيا . ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آَتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)﴾
( سورة البقرة )
قال النبي عليه الصلاة والسلام : ((خَيرُ النساءِ امرأةٌ إذا نَظَرْتَ إليها سَرَّتْكَ وإذا أمَرْتَها أطاعتكَ وإذا غِبْتَ عنها حَفِظتْكَ في نَفْسِها ومالِكَ.))





السعيد 09-04-2018 02:34 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بسم الله الرحمن الرحيم

سيرة الصحابيات الجليلات

الدرس : ( الثانى و الثلاثون )


الموضوع : خديجة بنت خويلد - 8



قلادة خديجة





الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين ، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا ، إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا ، وانفعنا بما علمتنا ، وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .
أيها الأخوة الكرام ، مع الدرس الثامن والأخير من سيرة السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها زوجة رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأولى .

البطولة أن تعطي الناس حقهم وأن تكون منصفاً :
هناك موضوع في سيرة السيدة خديجة عنوانه قلادة خديجة ، موضوع دقيق ومؤثر ، فالسيدة زينب رَضِي اللَّه عَنْها ، كبرى بنات السيدة خديجة من النبي عليه الصلاة والسلام ، زوجها عليه الصلاة والسلام من أبي العاصي بن الربيع ، زوجها النبي في الجاهلية من أبي العاص بن الربيع ، وهو ابن أخت السيدة خديجة ، أمه هالة بنت خويلد ، وكانت السيدة خديجة تعد أبا العاصي بن الربيع بمنزلة ولدها ، ولما زفت السيدة زينب إليه أهدتها أمها خديجة قلادةً هدية زفافها ، هذه بدايات القصة ، ولما أراد المشركون أن يؤذوا رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في بناته كما مر من قبل ، وكلموا أبا العاصي أن يطلق السيدة زينب ، وعرضوا عليه بالمقابل أن يزوجوه أية امرأة من قريش يشاء ، هذا الموقف الشريف الأخلاقي رفضه رَضِي اللَّه عَنْه ، وقال لهم : لا والله إني لا أفارق صاحبتي ، هناك أصهار رسول الله بعضهم طلق زوجاته ، أما أبو العاصي فقال : والله لا أفارق صاحبتي ، وما أحب أن لي بامرأتي امرأةً من قريش ، لهذا أثنى عليه النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقال : زوجت أبى العاصي فحدثني ، وصدقني ، ووعدني فوفى لي ، وحينما رآه عليه الصلاة والسلام بين الأسرى في موقعة بدر قال : والله ما ذممناه صهراً ، والبطولة أيها الأخوة أن تعطي الناس حقهم ، البطولة أن تكون منصفاً ، رأى صهره بين الأسرى ، جاء ليقاتله ، ولكنه ما ذمه صهراً ، لما عرضوا عليه أن يطلق زوجته ليؤذوا بتطليق زوجته النبي عليه الصلاة والسلام قال : لا والله لا أفارق صاحبتي ، وما أحب أن لي بامرأتي امرأةً من قريش ، فكان زوجاً وفياً ، والنبي عليه الصلاة والسلام حفظها له ، وعاشت السيدة زينب رَضِي اللَّه عَنْها معه وهي مسلمة ، وبينما هو لا يزال على شركه ، هي مسلمة وهو مشرك ، بسبب أن الآيات التي حرمت زواج المسلمات بالمشركين لم تنزل بعد ، ليس هناك تشريع ، فالآيات التي حرمت المسلمات على المشركين ما كانت قد نزلت بعد ، وقدر الله تعالى أن يكون أبى العاصي بن الربيع من جملة أسرى المشركين في غزوة بدر ، موقوف ، مقيدة حريته ، أسير مع أسرى قريش وهو صهر النبي عليه الصلاة والسلام ، وزوجته في مكة ، وهي بنت النبي عليه الصلاة والسلام . تواضع النبي عليه الصلاة والسلام :
إذا بالنبي عليه الصلاة والسلام يفاجأ أن ابنته زينب رَضِي اللَّه عَنْها بعثت القلادة التي أهدتها إليها أمها خديجة يوم زفافها ، بعثت بهذه القلادة إلى النبي عليه الصلاة والسلام لعله يأخذها ، ويفك صهره من الأسر ، تروي بعض الروايات أن النبي بكى ، يعني ابنته وصهره ، وجاء أخو صهره مع قلادة ابنته يعرضها على النبي فلعل النبي يقبلها ، ويفك أسر صهره المشرك ، ولما رأى النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ القلادة رقّ لها رقةً شديداً ، لقد أثارت القلادة في قلبه الشريف ذكريات زوجته السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها ، فقال عليه الصلاة والسلام لأصحابه وعواطفه ومشاعره تطرب في قلبه وصدره ، ابنته وصهره ، وهو النبي ، وهو القائد ، وهو قمة المجتمع الإسلامي ، انظروا إلى تواضعه ، فقال لأصحابه : إن رأيتم أنتم أن تطلقوا لها أسيرها ، وتردوا عليها مالها فافعلوا إن شئتم ، أن تردوا لها أسيرها ، وتردوا عليها مالها فافعلوا ، فقالوا : نعم يا رسول الله ، الأمر لأصحابه ، وما أراد النبي عليه الصلاة والسلام أن يخرج عن النظام العام الذي وضعه هو ، وطلب النبي عليه الصلاة والسلام من أبي العاصي ، وكانت قد نزلت آيات تحرم زواج المسلمات بالمشركين طلب النبي عليه الصلاة والسلام من أبي العاصي قبل أن يطلق سراحه أن يفارق السيدة زينب ، بأن يطلقها ، هذا أمر الله عز وجل ، أنه يحبها ، أنها تحبه ، أنه متعلق بها ، أنها متعلقة به ، شرع الله عز وجل فوق كل شيء ، فإذا أصر على شركه وكفره فلا بد أن يطلق زوجته زينب ، فالإسلام فرق بينهما ، والحكمة أيها الأخوة تعرفونها جميعاً ، الزوج هو الآمر ، هو المسيطر ، إن كانت تحته امرأة مشركة يمكن أن يحملها على طاعة الله ، أما إن كانت امرأة مسلمة تحت مشرك يمكن أن يحملها على الشرك ، لأنه هو الآمر ، فيصح أن تكون امرأة مشركة تحت مسلم ، ولا يصح أن تكون امرأة مسلمة تحت مشرك ، وأرسل عليه الصلاة والسلام زيد بن حارثة ، ورجلاً من الأنصار ، وأمرهما أن ينتظرا السيدة زينب خارج مكة ببطن يأجج ، على الطريق إلى المدينة المنورة لكي يكونوا بصحبتها حتى تصل إلى المدينة ، أرسل سيدنا زيد بن حارثة ، وأرسل رجل آخر من أجل أن يأتيا بزينب من مكة إلى المدينة ، لأن صهره مشرك ، ولا يمكن أن يبقى معها ، ولا أن تبقى معه ، فالإسلام فرق بينهما ، أبو العاصي وفى بما وعد رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وأمر السيدة زينب أن تسافر إلى أبيها رسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المدينة المنورة ، وفارقت السيدة زينب زوجها الذي أحبها وأحبته ، فحبها لدينها أعظم عندها من حبها لزوجها ، الآن تقول له أحياناً زوجته شيئاً فيقول لها : أنا أو هذا الجهاز ، فتقول له : لا الجهاز ، أنت لا أريدك ، أما الصحابيات فحينما خيرن بين طاعة الله ورسوله وبين زوجها ، اختارت طاعة الله ، وخرجت مسافرة إلى المدينة في هودج على بعير يقوده كنانة بن الربيع أخو زوجها ، واعترضها بعض سفهاء المشركين ، وكانوا حديثي عهد بمصابهم في غزوة بدر ، وسبق إليها هبار بن الأسود ، ومعه رمح يلوح به فروعها بالرمح ، وهي في الهودج ، يعني آذى بنت رسول الله ، وكانت حاملاً فأسقطت . الإنسان بخاتمة عمله والماضي يطوى بلمحة :
تذكر رواية أخرى أن هباراً نخس البعير برمحه ، فنفر البعير بها ، وأسقطها على صخرة مما أدى إلى نزف دمها ، وإسقاط جنينها ، وبرك كنانة على الأرض ، ونثر كنانته ، ثم قال : والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهماً ، وكنانة أخو زوجها ، فرجع الناس عنه ، وأتى أبو سفيان ومعه رجال من قريش ، فقال له : أيها الرجل كفَّ عنا نبلك حتى نكلمك ، فكفَّ ، فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه ، فقال : إنك لم تُصِب ، يعني إنك أخطأت ، خرجت بالمرأة على رؤوس الناس علانية ، وقد عرفت مصيبتنا ، ونكبتنا ، وما دخل علينا من محمد ، فيظن الناس إذا خرجت بابنته علانية على رؤوس الناس من بين أظهرنا أن ذلك عن وجل أصابنا ، عن مصيبتنا التي كانت ، وأن ذلك منا ضعف ووهن ، ولعمري مالنا بحبسها عن أبيها من حاجة ، وما لنا من ذلك من ثؤرة ، أي طلب ثأر ، ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الأصوات ، وتحدث الناس أن قد رددناها ، فسلها سراً ، وألحقها بأبيها ، كلام طيب ، وكلام معقول ، لأننا نحن الآن مصابون ، الجراح لا تزال نازفة ، الألم شديد مما أصابنا في بدر ، فأنت إذا خرجت بابنة محمد عليه الصلاة والسلام علانية ، على رؤوس الناس ، متحدياً فكأن في هذا ضعفاً لنا وإهانة ، فأرجعها الآن ، وبعد أيام قليلة ، سلها من بيننا ليلاً ، وألحقها بأبيها ، ولا نعترض على ذلك ، ففعل كنانة بمشورة أبي سفيان ، وأقام السيدة زينب ليالي في مكة ، ثم خرج بها ليلاً حتى سلمها لزيد بن حارثة والأنصاري ، فقدما بها على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وغضب صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لمَا تعرضت له ابنته السيدة زينب ، فأراد أن يفعل شيئاً ، ثم كفَّ عن ذلك .
ذكر ابن كثير ، أن هبار بن الأسود الذي نخس ناقة زينب ، وقد وقعت من على الناقة ، ونزفت ، وأسقطت ، أن هذا من جملة من ماتوا في السنة الثالثة عشر من الهجرة ، هذا الرجل كان قد طعن راحلة زينب بنت النبي عليه الصلاة والسلام يوم خرجت من مكة حتى أسقطت ، ثم أسلم بعد ذلك ، فحسن إسلامه ، وقتل بأجنادين رَضِي اللَّه عَنْه ، الإسلام يجُبُّ ما قبله ، الذي سبب هذا الألم الشديد للنبي عليه الصلاة والسلام ، ونخس بعير زينب ، وأوقعها من على البعير ونزفت ، وأسقطت ، تاب ، وأسلم ، وحسن إسلامه ، ومات شهيداً إذاً رَضِي اللَّه عَنْه ، إذاً هبار ابن الأسود رَضِي اللَّه عَنْه ، العبرة مما سبق أن الإنسان بخاتمة عمله ، فالإنسان لا ينبغي أن يقف كثيراً عند ماضيه ، ينبغي أن ينظر إلى مستقبله ، الماضي يطوى بلمحة ، الصلحة بلمحة .
إجارة السيدة زينب ابنة النبي لزوجها :
مرت سنوات والسيدة زينب رَضِي اللَّه عَنْه مفارقة لزوجها ، وبينما كان أبو العاصي زوجها قافلاً بتجارة فيها أموال لقريش ، عن طريق مكة المحاذي للمدينة ، اعترضت سرية من سرايا المسلمين هذه القافلة فأخذوا ما معه من أموال ، وتمكن أبو العاصي من الفرار ، فلم يقع في أيدي رجال السرية ، إلا أن رجال السرية أخذوا كل البضائع وبالملايين ، قافلة كبيرة جداً ، والأموال كلها لقريش ، وأبو العاصي كان تاجراً ، ثم تسلل إلى المدينة المنورة ليلاً حتى دخل على زوجته السيدة زينب ، فاستجار بها ، فأجارته ، وانتظرت السيدة زينب حتى إذا خرج النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى صلاة الفجر ، وكبر للصلاة ، وكبر الناس ، صرخت رَضِي اللَّه عَنْها من بين صفوف النساء : أيها الناس إني أجرت أبا العاصي بن الربيع ، فلما سلم النبي عليه الصلاة والسلام أقبل على الناس فقال : ((أيها الناس هل سمعتم الذي سمعته قالوا : نعم ، قال : والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء حتى سمعت ما سمعتم ـ من غير تخطيط ، أنا سمعت معكم ، انظر إلى التواضع ، تبرئة النفس ، ابنته وصهره ، وهو سيد الخلق ، وهو نبي هذه الأمة ، وهو قائد هذه الأمة ، قال : أيها الناس هل سمعتم الذي سمعت ، قالوا : نعم ، قال : والذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء حتى سمعت ما سمعتم ، وإنه يجير على المسلمين أدناهم))
[البيهقي عن أم سلمة]
عد ابنته أدنى المسلمين ، ومن حقها أن تجير ، قال ذلك عليه الصلاة والسلام حتى لا يظن أحد أن النبي اتفق مع ابنته السيدة زينب لتجير أبا العاصي بن الربيع ، ثم دخل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على ابنته زينب فقال لها : أي بنيّة أكرمي مثواه ، ولا يخلصن إليك فإنك لا تحلين له ، قال ذلك لأن أبا العاصي لا يزال على كفره ، ثم بعث صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى رجال السرية فحثهم على رد ما كان مع أبي العاصي من أموال ، فاستجابوا لرسول الله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وردوا عليه كل ما أخذوه منه ، فأخذ البضاعة كلها .
هنا نقطة أيها الأخوة لا تقدر بثمن ، رجع أبو العاصي بتجارته إلى مكة ، وأعطى كل إنسانٍ حقه ، أعطى كل إنسان ما كان له ، ثم قال : يا معشر المشركين هل بقي لأحد منكم مالٌ لم يأخذه ؟ قالوا : لا ، فجزاك الله خيراً ، فقد وجدناك وفياً كريماً ، فقال : فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله .
وفاة السيدة زينب رضي الله عنها :
بالمناسبة أيها الأخوة ، عرضوا عليه أن يأخذ البضاعة كلها ، إذا أسلم عادت هذه البضاعة غنائم ، لأن المسلمين في حالة حرب مع المشركين ، وقد أخذوا أموالاً طائلة ، فمجرد أن يعلن أبو العاصي إسلامه عندئذٍ تغدو كل هذه الأموال غنيمة للمسلمين ، ماذا قال أبو العاصي ؟ قال : والله لا أبدأ إسلامي بهذا ، أنا مقتنع بالإسلام ، إن أسلمت بهذه الطريقة ، وأخذت كل هذه الأموال ماذا يفهم الناس ؟ أنني أسلمت لأكل أموالهم ، أنني أسلمت وأصبحت هذه الأموال غنائم من أجل أن آكل أموال الناس ، والله لا يصدقونني ، عاد إلى مكة ، وأعاد إلى كل ذي حقٍ حقه ، هل لكم عندي شيء ؟ قالوا لا ، جزاك الله خيراً ، قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله ، والله يا معشر قريش ما منعني عن الإسلام عنده في المدينة إلا خوفُ أن تظنوا أني إنما أردت أن آكل أموالكم ، فلما أداها الله إليكم ، وفرغت منها أسلمت ، أداها الله إليكم ، ثم خرج رَضِي اللَّه عَنْه حتى قدم على النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فرد عليه زينب على النكاح الأول هي زوجته : ((رَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِي بْنِ الرَّبِيعِ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُحْدِثْ نِكَاحاً))
[الترمذي عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]
لما أصر على شركه فرق الإسلام بينهما ، فلما أسلم عادت إلى حكمه الأول .
لم يدم اجتماع الزوجين الكريمين طويلاً ، إذ قدر الله سبحانه وتعالى أن يفرق الموت بعد اجتماعهما بزمن قصير ، ففي أول السنة الثامنة من الهجرة توفيت السيدة زينب رَضِي اللَّه عَنْها ، ولحقت بأمها السيدة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها ، وحزن صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على موت ابنته ، وكفنها بإزاره ففي الحديث الشريف :
(( دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَتِ ابْنَتُهُ فَقَالَ : اغْسِلْنَهَا ثَلاثاً ، أَو ْخَمْساً ، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُوراً ، أَوْ شَيْئاً مِنْ كَافُورٍ ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ فَقَالَ : أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ تَعْنِي إِزَارَهُ ))
[البخاري عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّةِ رَضِي اللَّه عَنْهَا]
أعطاها قماشاً خاصاً به فلفَّت به في الكفن ، ومات أبو العاصي بعدها بأربع سنين من وفاتها . مواقف كثيرة يمكن للإنسان أن يفعلها وهو صادق لكن الناس لا يصدقونه :
ولدت السيدة زينب من أبي العاصي ولداً اسمه علي ، عاش حتى ناهز الاحتلام ، توفي في حياة النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وولدت أيضاً بنتاً اسمها أُمامة ، كان صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يحبها كثيراً ، ويدنيها منه ، ففي الصحيحين قَالَ : (( خَرَجَ عَلَيْنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَامَةُ بِنْتُ أَبِي الْعَاصيِ عَلَى عَاتِقِهِ فَصَلَّى فَإِذَا رَكَعَ وَضَعَ وَإِذَا رَفَعَ رَفَعَهَا ))
[ متفق عليه عن أَبِي قَتَادَةَ ]
أهديت للنبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مرة هدية فيها قلادة ، فدعا أمامة فعقدها بيده في عنقها ، كأنها ذكرته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقلادة خديجة رَضِي اللَّه عَنْها ، من تزوج أمامة ؟ تزوجها علي بن أبي طالب رَضِي اللَّه عَنْه بعد موت خالتها السيدة فاطمة ، وبعد استشهاد علي رَضِي اللَّه عَنْه تزوجت أمامة المغيرة بن نوفل الهاشمي وماتت عنده رَضِي اللَّه عَنْها ولم تلد لعلي ولا للمغيرة ، هذه قصة القلادة .
أبرز ما في هذه القصة أنه أدى الأموال إلى أصحابها ، وبعدها أعلن إسلامه ، هناك مواقف كثيرة يمكن أن تفعلها أنت صادق لكن الناس لا يصدقونك ، قال والله لا أبدأ إسلامي بهذا .
أيها الأخوة الكرام ، هؤلاء أصحاب رسول الله ، وأصهار رسول الله ، وبنات رسول الله كانوا قدوة لنا جميعاً ، ويحسن بنا أن نقف عند هذه القصص وقفةً متأنية ، لعل الله سبحانه وتعالى يعلمنا الشيء الكثير من هذا الفهم الدقيق لما فعله أصحاب النبي رضوان الله عليهم .
انقسام العلماء في موضوع التفضيل بين السيدة خديجة والسيدة عائشة رضي الله عنهما :
في بحث قصير عن السيدة عائشة والسيدة خديجة ، أقرأ لكم ما تيسر منه إلى أن يؤذن العشاء ، قال عليه الصلاة والسلام : ((كمل من الرجال الكثير ولم يكمل من النساء إلا مريم بنت عمران ، وآسية امرأة فرعون ، وفضل عائشة على النساء ، كفضل الثريد على سائر الطعام))
[من مختصر تفسير ابن كثير عن أنس بن مالك]
العلماء ينقسمون في موضوع التفضيل بين عائشة وخديجة رَضِي اللَّه عَنْهما ، إلى فريقين ، فريق ذهب إلى فضل السيدة خديجة على السيدة عائشة وفريق فضّل السيدة عائشة على السيدة خديجة ، إلا أن الكلام الطيب إذا أريد بالتفضيل كثرة الثواب عند الله فهذا لا يعلمه إلا الله ، التفضيل يتوقف ، وإن أريد بالتفضيل كثرة العلم فعائشة هي الأولى ، وإن أريد بالتفضل شرف الأصل ففاطمة لا محالة ، وإن أريد بالتفضيل النصرة والسبق إلى الإسلام فالسيدة خديجة ، كل واحدة لها نصيب من الفضل ، النبي عليه الصلاة والسلام قال مرة للسيدة فاطمة : (( يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين .))
[الشيخان عن فاطمة]
طبعاً هذا الحديث في صحيح مسلم ، فهو يعدها صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سيدة نساء المؤمنين ، وفي رواية أخرى : (( يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة ، أو نساء المؤمنين.))
[متفق عليه عن عائشة]
بعضهم يعلق ويقول : إن أريد فضل كثرة العلم فعائشة ، ولو قدر للسيدة خديجة أن تسمع من النبي ما سمعت السيدة عائشة ، وأن تروي ما روت لبلغت من العلم درجة عالية رفيعة كما بلغت السيدة عائشة رَضِي اللَّه عَنْها .
أيها الأخوة الكرام ، هؤلاء أهل بيت النبي قدوة لنساء المؤمنين ، إن شاء الله تعالى نتابع الحديث عن زوجاته الطاهرات زوجةً زوجة ، ثم ننتقل إن سمح الله لنا أن ننتقل إلى بناته الجليلات ، ونأخذ ما كتب عنهن من مواقف كاملة فلعلنا بهذه المواقف وتلك القصص نعرف قدر هؤلاء الصحابة الكرام الذين أيدوا النبي عليه الصلاة والسلام .





الختام

عاشقة الأنس 11-18-2018 09:48 AM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
رضوان الله عليهن
في ميزان حسناتك وبارك الله فيك

منال نور الهدى 01-12-2019 04:09 PM

رد: سيرة الصحابيات الجليلات
 
بارك الله بك وجزاك الله خير جزاء وأسعدك البارئ ووفقك للخير لطرح القيم
في أمان الله وحفظه


الساعة الآن 12:33 AM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.