![]() |
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( الخامس و الاربعون ) الموضوع :الايمان باليوم الاخر (3) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما هي السنن أو القوانين الإلهية في القرآن الكريم؟ 1- قانون الجزاء الرباني:أيها الأخوة, لا زلنا في موضوع كبير، أحد أركان الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر، وقد ذكَرنا كمقدمة لهذا الموضوع كيف أن الإنسان قبل حَمَل الأمانة ليصل بها إلى أعلى درجة من درجات السعادة الأبدية، وأنه بحملِ الأمانة لابد أن يُبتلى، وأنّ الابتلاء ثمن الجنة؟ واليوم فإلى بعض السنن الثابتة التي سنّها الله عزّ وجل في القرآن الكريم، تأتي كلمة السنّة بالمعنى الحديث: القانون، والقانون بالتعريف الدقيق: هو العلاقة الثابتة بين شيئين، فإذا تحدثنا عن السنن المطّرِدة أو المطّرَدة " كلاهما صحيح " التي سنّها الله عزّ وجل فمِنْ قَبِيل الحديث عن القوانين الثابتة التي قنَّنها الله عزّ وجل، قال تعالى: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ﴾ ( سورة فاطر الآية: 43) من هذه السنن الثابتة، أو من هذه القوانين الثابتة قانون الجزاء الرباني، هناك جزاء، فاعمل ما شئتَ، فكل شيء له ثمن, الإحسان له جزاء، والإساءة لها جزاء، وبرّ الوالدين له جزاء، وعقوقهما له جزاء، والرحمة بالزوجة لها جزاء، والقسوة عليها لها جزاء، والصدق مع الناس له جزاء، وخيانتهم له جزاء, أيُّ عمـلٍ فكري، أو قلبي، أو كلامي، أو فعلي، صغيرٍ أو كبير، فردي أو جماعي، خاص أو عام، معروف أو مجهول، ظاهر أو خفي، أيّ عمل يفعله الإنسان لا بد أنْ يلقى جزاءه، متى؟ بعد قليل، مبدئياً في الدنيا، ثم في الآخرة, لذلك مِنَ الغباء والسذاجة والحمق أنْ تظنَّ، أو أن تتَوَهَّم أنَّ الرجل إذا فعل السيئات سينجو من عقاب رب الأرض والسموات، اعمل ما شئت، فإنّ لكل حسنة ثواباً، وإنّ لكل سيئة عقاباً، والديّان موجود، والبرّ لا يبلى، والذنب لا يُنسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان. الابتلاء يستتبع الجزاء: فالابتلاء يستتبع الجزاء، فما معنى أنْ تجري الجامعة امتحاناً، وتنفق عليه مئات الألوف، وتجمع من أجله مئات المراقبين، وتجهد نفسها في طبع الأسئلة، وفي اختيارها، حيث تغطي المنهاج كله، وأن تجمع الطلاب شهراً أو شهرين في قاعات لساعات عديدة يكتبون، لو أنّ هذه الجامعة جمعت هذه الأوراق، وأحرقتها، وانتهى الأمر, هل يُعقل أن تفعل جامعة ذلك ؟ فما دام هناك امتحان فلا بد من نجاحٍ أو رسوب، ولا بد مع النجاح مِن ارتقاء إلى صفٍ أعلى، ولا بد مع الرسوب مِن تضييعِ عام بأكمله، ولا بد مع النجاح في الصف الأخير من تعيين في وظيفة مرموقة، أيُعقل أن يكون الابتلاء بلا جزاء؟ فكل عمل له جزاء، فهنيئاً لمَن عرف ربه، وعرف الواحد الديان، وتعامل معه، فأخلص له، وأحسن لعباده، وحينما تخاف الله عزّ وجل، ولاَ تَغش مسلماً, أيٌعقل أن يأتي رجل ليبثّ في قلبك الرعب؟ لا، إن خفتَ اللهَ فلن يخيفك أحد، وإن لم تخفه فسوف تخاف من أحقر الناس، وسوف ترتعد فرائصك من أتفه الناس، إما أن تخافه، وإما أن تخاف من عبدٍ لا يخافه. هذا الابتلاء لن يكون إذا كان أمام الإنسان طريق واحدة, فكيف نمتحن الإنسان؟ وكيف نبتليه إذا كان أمامه طريق واحدة؟ لا بد من طريقين، لذلك كان طريق الخير والشر، وطريق الحق والباطل، وطريق الإحسان والإساءة، وطريق الإخلاص والخيانة، وطريق الصدق والكذب، وطريق الشهوة والعقل، وطريق المبدأ والمصلحة، وطريق القيم والحاجات، لأن ثمة ابتلاء، ومن لوازم الابتلاء تعدُّد الطرق، الاختيار ماذا يتبعه؟ لو أننا خيرنا إنساناً، وقلنا له: أعطيناك حرية الاختيار، لكن ليس أمامك إلا هذا الطريق ذو الاتجاه الإجباري، فأين الاختيار ؟ إذاً: ليس هناك اختيار، أما إذا كان هناك طريقان, فلك حينئذٍ أن تختار أحدهما, وهذا الابتلاء الذي لا بد له مِن طرق عديدة كي يتحقق وجوده, لا بد أنْ يتبعه جزاء محقق, وربنا عزّ وجل في آية محكمة واضحة يقول: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ ( سورة إبراهيم الآية: 51) هذه لام التعليل، بل هي لام العلة, علّة خَلْقِنا، وعلّة خَلْقِنا مرة ثانية، وعلّة الدنيا والآخرة أنّ الله عزّ وجل قال: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ ( سورة إبراهيم الآية: 51) 2- قانون الجزاء أثر من آثار العدل: الحقيقـة أنّ من أسماء الله الحق، وقد يقول أحدنا: الحقُ اسم من أسماء الله، ولا يتحقق الحقُّ إلا بالعدل، بل إنّ الجزاءَ أثرٌ من آثار العدل، الذي هو وجه مِن وجوه الحق، فالحق يقتضي العدل، ومِن العدل ألاّ يكون المسلم كالمجرم، قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ( سورة القلم الآية: 35-36) هذا استفهـام إنكاري، أيْ: أيٌعقل أن يكون هذا المسلم المستقيم الورِع, الطاهر العفيف, النقي البريء, العفو الرحيم, أَيُعقل أن يكون هذا المسلم كالمجرم في معاملته؟ إن كان كذلك, فأين اسم الله العدل، فأين اسم الله الحق؟ تحقيقاً للحق، وتحقيقاً للعدل, لا يمكن أن يكون المسلم كالمجرم, وهذا قانون الجزاء أثر من آثار العدل. أدلة الكتاب والسنة على عدل الله في معاملته مع المؤمن والكافر: في سورة القلم: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ( سورة القلم الآية: 35-36) ما الذي يحمل الناس على المعصية؟ توهّم وضلال, مِن أن الكافر إذا حصّل مالاً وفيراً من طرق غير مشروعة فهو ذكي, وهو حصيف, وقد تمتع بالدنيا كما يشتهي، وينسى هذا الكافر, أن الله عزّ وجل لن يعامله كما يعامل المسلم. آية أخرى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ * إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾ ( سورة غافر الآية: 58-59) الأعمى لا يستوي مع البصير, قال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ ( سورة فاطر الآية: 19-22) قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ( سورة الجاثية الآية: 21) محياهم في الدنيا، وإنّ حياة المؤمن بدءاً من صحته، مروراً بزواجه، وانتهاءً بأولاده، مع عمله، مع مكانته، مع سمعته، مع راحة باله، مع استقراره، مع طيب نفسه، مع سعادته، هذا المؤمن لن يكون كالذي يجترح السيئات، وما يكتنف اجتراح السيئات مِن قلقٍ وضيق، وضجر، وخوف، وشعور بالقهر، وخنوع، ومصائب تعتري هذا الفاسق مصيبة في ماله، في ولده، في صحته، في حريته، هذا كله بيَّنه الله عزّ وجل. آية أخرى: ﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾ ( سورة القصص الآية: 61) فإذا كان الله خالق السموات والأرض قد تفضّل، ووعد عباده المؤمنين وعداً حسناً، وعدهم بسعادة أبدية، وعدهم بجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر, وعدهم بحياة أبدية لا تعب فيها، ولا نصب، ولا قلق، ولا ضيق، ولا فقر، ولا مرض، إذا كان الله عزّ وجل تفضّل، ووعدنا بهذا الوعد فوعْدُه حق, قال الله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾ ( سورة مريم الآية:61) وقال سبحانه: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ ( سورة الحشر الآية: 20) آيات كثيرة، وفي مواضع كثيرة جداً مِن القرآن، في أكثر مِن مئة موضع في كتاب الله يُجرِي اللهُ ًموازنة بين أهل الإيمان، وحياتهم في الدنيا، ومنقلبهم في الآخرة، وبين أهل الكفر والعصيان، وكيف أن حياتهم سلسلة مِن المتاعب، والمصائب، وخيبة الأمل. ومِن الأحاديث القدسية, ما ثبتَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: ((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إلا مَنْ كَسَوْتُـهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ)) ( حديث قدسي) هذا هو القانون الثاني, الجزاء أثر من آثار العدل. 3- قانون الجزاء الرباني بين الفضل والعدل: قانون الجزاء الرباني بين الفضل والعدل، وهو أن الإنسان إذا استقام على أمر الله، وفَعَل الصالحات يتفضل الله عليه بالجنة، لكن الجنة ليست لازمةً لاستقامته، وعمله الصالح، وإنّ استقامته، وعمله الصالح, لا يستدعيان ذاتياً دخول الجنة, وقياسُ هذا بذلك الطالب الذي يَعِده أبوه بشراء دراجة ثمينة إذا نجح، فنجاح الطالب فقط لا يستلزم ذاتياً اقتناء الدراجة، لو أنّ الطالب توجَّه إلى بائع الدراجات، وأعطاه الجلاء, هل يعطيه دراجة؟ لا بد مِن دفع الثمن، الجلاء الذي ينبئ أن هذا الطالب قد نجح نجاحاً متفوقاً, لا يعني أنه يستحق بالضرورة دراجة، إلا أن الأب قد تفضل بهذا الوعد وأنجزه، فالمكافأة على النجاح مكافأة من باب الفضل المحض، وليست من باب الحق. لو أنّ طالباً ليس له أب، وحقّق نجاحاً متفوقاً، لم يشتَرِ له أحد دراجة، فالنجاح وحده لا يستدعي اقتناء الدراجة، فلذلك الجنة ندخلها برحمة الله، ونقتسمها بأعمالنا، هناك مَن ضلّ فيها، وهناك مَن قال: الجنة برحمة الله، لا بالعمل، فَتَرَك العمل، فحُرِم مِن الجنة، الجنة برحمة الله، ومعنى برحمة الله: أنك إذا أمضيتَ كل حياتك في استقامة، وعبادة، وصلاة، وصيام، وحج، وزكاة، وورع، وإحسان، وتضحية، وإيثار، وجهاد، هل هذه الأعمال كلها تمكنك ذاتياً من دخول الجنة؟ لا، الجنة مِن فضلِ الله عزّ وجل، فالعطاء الإلهي فضلٌ، لكن العقاب الإلهي عدلٌ، وشتان بين الفكرتين. الجنة محض فضل وليس استحقاق دليل ذلك الكتاب والسنة: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ)) (متفق عليه, أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما) هذا شيءٌ طيب, إلا أن آيات كثيرة, تقول: دخول الجنة بما كنتم تعملون, قال الله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ ( سورة النحل الآية: 32-33) ويقول تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (سورة الأعراف الآية: 43) التوفيق بين الآيات، وبين الحديث, يحتاج إلى دقة بالغة، فالإنسان إذا عمل عملاً صالحاً استحق فَضْلَ الله بعمله الصالح، فإذا فعل ذلك استحقَّ الفضل الإلهي، أمّا أن تكون الجنة حتماً لازماً له، يطالب بها فهذا غير صحيح، وليس له أن يطالب بالجنة، ولكن الله عزّ وجل وعُده حقٌّ، وقد وَعَدَ المؤمنين بالجنة, فعبادة المخلوق، وطاعته لله عزّ وجل حقٌّ واجب عليه، لأنه مسبوق بنعم الله الكثيرة، التي تستوجب الشكر، ولو أن المخلوق ظل حياته كلها بأعلى مرتبة من مراتب العبادة، والطاعة، والاستقامة, لكان ذلك منه تأدية لبعض ما يجب عليه نحو ربه, مِن شكر على هذه النعم. يُستخلص من هذا: أن الجزاء بالمثوبة على ما نفعل من خير إنما هو فضلٌ مِن الله، نستحقه لكريمِ وعْدِه، وليس لنا فيه حق ذاتي. جهنم حق وكل من يدخلها يستوجب العقاب والاستحقاق دليل ذلك الكتاب: الحقيقة الثانية على خلاف هذه الحقيقة، لمّا كان الإيمان بالله, وطاعته حقاً واجباً على المكلَّفين, كان الجحود والعصيان مستوجباً الجزاء بالعقوبة ضمن قانون العدل الإلهي, إذا سرق شخص مالَ الآخرين، هنا يجب العقابُ عليه، تحقيقاً للعدل الإلهي، هذا الذي طلّق زوجته مِن دون سبب مبرِّر، فشردت عن نهج الله عزّ وجل، كان هو السببَ، وهذا الذي أساء إلى جيرانه فاعتدى عليهم، وعلى أموالهم من دون سبب مبرِّر، كان هذا عدواناً يستحق الجزاء بحسب قانون العدل الإلهي، فالجنة ندخلها تفضلاً، وأهل النار يدخلون النار استحقاقاً وعقاباً، لوجود حقوق، وأولُ هذه الحقوق: حقُّ الله عزّ وجل، وحقُّ الأنبياء، وحقُّ العباد، وحقّ الذين تعاملتَ معهم، فجهنم بالعدل، ومما يؤكِّد هذه الحقيقة, قولُه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ( سورة النجم الآية:31) آية أُخرى توضِّح هذه الحقيقة، وهي قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ﴾ ( سورة النساء الآية:79) السيئة تصيبك استحقاقاً. وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى, نتابع الحديث عن هذه القوانين التي قنّنها الله عزّ وجل، أو عن هذه السنن الني سنّها الله عزّ وجل، وننتقل بعد ذلك إلى صلب الإيمان باليوم الآخر. والحمد لله رب العالمين |
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( السادس و الاربعون ) الموضوع :الايمان باليوم الاخر (4) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. توضيح فكرة من الدرس الماضي لم تصل إلى بعض العقول بشكلها الصحيح: تحدثنا في الدرس الماضي في موضوع الإيمان باليوم الآخر عن بعض القوانين أو السنن التي سنّها الله سبحانه وتعالى، وقلنا: إن بعض هذه القوانين أساسها الجزاء، فقانون الجزاء أقرّه الله عزّ وجل في تعامله مع العباد، وقانون الجزاءِ أثرٌ مِن آثار العدل الإلهي، وتحدثنا عن الجزاء الرّباني بين الفضل والعدل، وقلنا: إنّ دخول الجنة فضلٌ مِن الله عزّ وجل، وإنّ دخول الإنسان إلى النار بمحض العدلِ الإلهي. أخ كريم طلب مني توضيحَ هذه الفكرة مرة ثانية، فما معنى أن الجنة محض فضل مِن الله عزّ وجل، وأنّ النارَ محضُ عدل؟ لماذا الجنة بالفضل, والنار بالعدل؟ أحياناً قد يكون بين شيئين علاقة علمية, أي علاقة سبب بنتيجة, فالإنسان إذا وضع إصبعه على المدفأة تحترق، وهي مشتعلة، فوضعُ الإصبع على المدفأة سببٌ لاحتراق الإصبع، فالعلاقة بين وضعِ اليد على المدفأة, واحتراقِها علاقةُ سبب بنتيجة, لكن أحياناً نكافئ إنساناً على نجاحه، هذه المكافأة ليست العلاقة بينها، وبين النجاح علاقة علمية، بمعنى أنّ العلاقة لازمة، وهي نتيجة حتمية، لا، فالأب تدَخَّل ووَعَدَ ابنَه إذا نجح أن يكافئه بهذه الدراجة، فهل هناك علاقة علمية، أو علاقة حتمية بين النجاح وبين اقتناء الدراجة؟ هناك علاقة تشجيعية، علاقة ثواب، علاقة جزاء، فلو أن الأب امتنع عن شراء الدراجة, هل بإمكان الطالب الناجح أن يقتني الدراجة؟ هل جلاؤه يكفي لاقتناء دراجة؟ فهذه الدراجة محضُ فضلٍ مِن الأب، لكن الأب جعل هذه الدراجة مكافأة على الاجتهاد، وجعل ثمنها الاجتهاد، فالاجتهاد ثمن، وليس سبباً، ليس الاجتهاد سبباً لنيل الدراجة، بل إنه ثمنٌ دفع من أجل نيل الفضل، فالجنة فضل إلهيٌّ مِن قِبَلِ الله سبحانه وتعالى، وهذه الجنة جعل اللهُ ثمَنَها العمل، فإذا قرأت آية قرآنية تقول: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (سورة النحل الآية: 32) الآية حق، لأن هذه الجنة التي هي محضُ ٍفضل, جعل ثمنها العمل الصالح في الدنيا، لكن لو تخيّلنا أن إنساناً عمل عملاً صالحاً, هل له حقٌّ كحق الشريك مع شريكه؟ فهو مشارك معه برأس مال، والجهد مشترك، يقول الشريك: أين الحساب؟ أين الأرباح؟ يا ترى هل للعبد الذي عمل الصالحات في الدنيا حقٌّ عند الله في دخول الجنة كحقِّ الشريك مع شريكه في الأرباح؟ لا, الجنة للذي عمل الصالحات محضُ فضلٍ، وليست نتيجة حتمية، ولو أنّ الله عزّ وجل قال: ليس هناك جنة، وهؤلاء الذين استقاموا على أمره في الدنيا، وعملوا الصالحات قال لهم: ليس لهم عند الله شيء؟ وليس لهم حق؟ لم يكن ذلك معقولاً، لكن الله عزّ وجل تفضَّلَ، ووعدَ المؤمنين بالجنة وعد فضل، وليس وعد حق, لكن هذا الوعد مقنن، وليس وعداً اعتباطياً, ولا مزاجياً، وهذه الجنة جعلت للاستقامة، والعمل الصالح سبباً لها. كيف فسر العلماء ظاهر الحديث مع مضمون الآية ؟ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَقُولُ: " لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ " (متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما) فالجنة برحمة الله، والإمام جعفر الصادق رضي الله عنه, قال فيما معناه: " ادخلوا الجنة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم " درجات الجنة يحتلها المؤمنون بحسب أعمالهم، فدخول الجنة بفضل الله، والثمنُ هو العمل الصالح، وأنت تنال فضل الله عز وجل بالعمل الصالح، لكن هذا الذي أساء في الدنيا, واعتدى على أعراض الناس، أو اعتدى على أموالهم، أو اعتدى على حرماتهم، أو اعتدى على دمائهم، يدخل النار بمحض العدل، لأن هذا الذي اعتدى عليه له حق عنده، تأتي النار لتكون عدلاً مِن الله عزّ وجل، أو تحقيقاً لاسم الحق. هذا الموضوع تحدثنا عنه في الدرس الماضي، وأردت أن أوضحه مرة ثانية، قال تعالى: ﴿ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (سورة الأعراف الآية: 43) الحديث الشريف الذي سردتُه قبل قليل, يبدو في ظاهره متناقضاً مع الآية, " لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ " (متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما) وهذا يعني أنّ العمل وحده غير كاف، بل لابد مِن تدخل الفضل الإلهي، والنجاح وحده غير كافٍ، بل لا بد أنْ يأتي الأبُ ليدفع الثمنَ، " قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: لا وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ " (متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما) بعضهم وَفّق بين هذا الحديث الصحيح, وبين الآيات الكثيرة, بالمَثَل التالي: لو أن رجلاً وقوراً ميسورَ الحال له أخٌ توفي، وكان أخوه فقيراً، وترك ابناً نشيطاً، فطناً، واضطر هذا الابن لتأمين قوت أخوته الصغار، فقال له عمه: يا ابن أخي، إنْ كنتَ راغباً في الدراسة, فأنا أنفقُ عليك إلى آخر سنة في دراستك، فَقَبِل هذا الابن، فواصل دراسته إلى أن أخذ الشهادة الثانوية، ثم أخذ الإجازة، ثم نال الدكتوراه في الطب، ثم اختص في دولة أجنبية، ثم عاد إلى بلده، وقد ذاع صيته، وتألّق نجمه، واتّسع دخله، وعاش حياته في بحبوحة كبيرة، ومرة مِن المرات كان هذا العم مع ابن أخيه في جلسة, فقال ابن أخيه: واللهِ يا عمّ، لولا فضلك لما كنتُ بهذا المكان، فقال العم: لولا عملك لما كنتَ بهذا المكان, كلاهما صحيح، فلو أنّ هذا الشاب الذكي لم يُتَحْ له أحد ينفق عليه, فماذا يفعل بذكائه, لا بد من أن يعمل, كي يطعم أخوته, ولو أن هذا العم رأى في ابن أخيه بلادة، وتسيباً، وإهمالاً، لما أنفق عليه، فهذا الفضلُ الذي أعطاه العم لابن أخيه كان بسبب اجتهاد ابن أخيه. vهذا المثل تقريباً, يوضّح العلاقة التي تبدو في ظاهرها تناقضاً بين الحديث, وبين قوله تعالى: ﴿ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ (سورة الأعراف الآية: 43) وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (سورة النحل الآية: 32) فأصبحت الجنة فضلاً, ثمنُه العملُ الصالح, والعمل الصالح لا يكفي وحده لدخول الجنة، إلا أن يسمح الله به، وهذا التوضيح يؤكِّد التوفيق بين الحديث الصحيح الذي يؤكِّد أن الجنة بفضل الله عزّ وجل، وبين الآيات التي تؤكِّد أن الجنة بالعمل. بيان هذه الحقيقة وتأكيدها في سورة النساء: ومما يؤكِّد هذه الحقيقة أيضاً, قولُ الله تعالى في سورة النساء: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾ (سورة النساء الآية: 79) الذي أَوْجَدَكَ، وأعطاك هذه الأجهزة التي تعمل بانتظام، وأعطاك ذكاء تكسب به رزقك، وخَلَق لك من نفسك زوجة, وأنجبتَ منها أولادًا، وأعطاك مالاً فاشتريت به بيتاً فيه غرف عدة، هنا تنام، وهنا تجلس، وهنا تستقبل الضيوف، وهنا تأكل، كل هذا مِن فضل الله عزّ وجل، فربنا عزّ وجل قال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾ (سورة النساء الآية: 79) لو توقفتْ إحدى الكليتين عن العمل, لا نقلبت الحياة جحيماً، لو تشمّع الكبد, لا نقلبت الحياة جحيماً، لو ضاق التنفس, لانقلبت الحياة جحيماً، وكلمة (لو) في الجسم تنطبق على مليون حالة, العجـب العجاب في الإنسان كيف تعمل هذه الأجهزة كلها بانتظام؟ وقفتُ مرة أمام مكتبة، فوجدت كتاباً يزيد عن ألف صفحة، عنوانه أمراض الدم، في الدم فقط، وللدم أمراض، نسب المعادن، نسب المواد الدسمة، نسب السكريات، الشوارد، أشباه المعادن، إنه عالَم قائم بذاته، البلازما، المصل، الكريات البيضاء والحمراء، إنه عالم قائم بذاته. العالَم كله يرتعد فرائصُه من مرض اسمه اﻹيدز، فما هو الإيدز: إنه انحلال المناعة، فهذا الجيش المجهز بالأسلحة الفتاكة، الذي يملك استطلاعاً ممتازاً لتقصّي الأخبار، ومخابر لتصنيع الأسلحة المضادة، وقوات مهاجمة، هذه الكريات البيضاء جهاز المناعة في الإنسان, ثلاثة أنواع: نوع كريات استطلاعية، تستكشف طبيعة الجرثوم، وطبيعة سيمته، وكريات مخبرية، تُصنّع من هذا الاستطلاع مضاداً حيوياً لقتل هذا الجرثوم، ثم يأتي صنف آخر يحمل هذه الأسلحة الفتاكة، ويتوجّه إلى الجرثوم، ويحاصره إلى أن يقضي عليه، فإذا وجد أحدنا بيده بقعة بيضاء سببت له ألماً، فهذه نتيجة معركة كبيرة جداً طاحنة بين الكريات البيضاء وبين الجرثوم الدخيل، وإنّ انحلال المناعة مرض خطير، بل يُعدّ الآن في العالَم العدوَّ الأولَ. العين تعمل بانتظام، بالشبكية (130) مليون مخروط وعصية، أمّا الأذن ففيها مركز التوازن، وهي عبارة عن ثلاث قنوات فيها سائل، على جدرانها شعيرات، عندما يميل الإنسان فإن السائل الذي كان مستوياً يرتفع في جنب على حساب جنب، فتتنبه الشعيرات فتجري تعديلاً، في جسمك: الأذن، والأنف، والحنجرة، واللسان، واللعاب، والمريء، والمعدة، والأمعاء الدقيقة، والأمعاء الغليظة، والكبد، والبنكرياس، والطحال، والصفراء، والعقد اللمفاوية، والقلب، والرئتان، والدماغ، والشرايين، والأوردة، فنحن في عالَم كبير, قال الله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾ (سورة النساء الآية: 79) هذه نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الإرشاد، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ (سورة النساء الآية: 79) بمحض العدل، والحسنة بمحض الفضل. الأدلة من السنة على بحث الفضل والعدل: الحديث الصحيح, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ " (متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما) وعَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا " (متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن عائشة في صحيحهما) حديث آخر، قال قتادة في تفسير قوله: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير, قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم, كان يقول: " لا يصيب ابن آدم خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر " (أخرجه البيهقي في شعب الإيمان) وعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: " يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ " (أخرجه مسلم عن أبي ذر في الصحيح) " فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ " بمحض الفضل, " وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ " بمحض العدل. الخير والشر من الله لكن مناط التكليف على العزم والقصد بما اتجه إليه الإنسان: لكن في آية أخرى من سورة النساء أيضاً, يقول تعالى:﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ ( سورة النساء الآية: 78 ) هنا دخل المناط، يعني هذه التي أمامي طاولة، إن سألتني عنها أقلْ لك: إنها طاولة، وإن سألتني عن شكلها الهندسي, أقلْ لك: إنه مستطيل، وإن سألتني عن قوامها, أقلْ لك: مِن خشب وحديد, هل هناك تناقض؟ لا، فلو أنها كلها خشب, لقلت لك: إنها طاولة، وهذا مستطيل، وهذا خشب، ليس هناك تناقض, إنّ العمل إذا عرّفته من زاوية الذي خَلَقَه فالخير من الله عزّ وجل، والشر من الله، ولا يقع شيءٌ في الأرض إلا بأمر من الله عزّ وجل، ولو نظرت إلى العمل من زاوية سببِه وكسْبِه, فالخير من الله، والشرّ من الإنسان. أقول: مدير الجامعة فصل هذا الطالب، فالذي أصدر قراراً بالفصل, هو مدير الجامعة، هذا الفعل فعله، ثم أسأل: لماذا فُصِلَ هذا الطالبُ؟ لأنه ارتكب مخالفة تستدعي الفصل، فإنْ قلتَ: إن هذا الفصل, كان بسببِ خطأ ارتكبه الطالب, كان كلامنا صحيحًا، وإنْ قلت: إن هذا الفصل تمّ بأمر مدير الجامعة أيضاً هذا صحيح, فالرؤية الأُولى مِن زاوية الفعل، والثانية من زاوية الكسب، فالشر من أنفسنا كسباً، ومِن الله فعلاً، لما يمسك الطبيب المشرط فإذا كان المريضُ ابنَه تجده كلّه رحمة، ويفتح البطن، وتنفر الدماء، ويشدُّ الجلد، ويذبح العضلات، إلى أن يصل إلى الزائدة الدودية فيستأصلها، هذا مِن فعْلِ مَن؟ إنه مِن فعلِ الأب بسبب التهاب الزائدة، بسبب أخطاء ارتكبها الابن، وهناك أخطاء كثيرة بالمطعومات تسبب التهاب الزائدة، فأخطاء الابن بتناول المطعومات سبَّبَتْ التهاب الزائدة، أما الذي فتح البطن فهو الأب، وهذا معنى الركن الخامس من أركان الإيمان, والإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى. العفو الإلهي عن المذنب التائب يدخل في بحث الفضل: ملاحظة ثانية متعلقة بموضوع الفضل والعدل، الخير فضل، والشر عدل، أحياناً يكون الفضل في العفو عن الشر, كرجلٍ له جاهلية جهلاء، وله معاصٍ كثيرة، وله عدوان، وله كسب مالٍ حرام، وله من المعاصي ما لا يحصى، ثم تاب إلى الله، وقال: يا رب، لقد تبت، فيقول الله عزّ وجل: وأنا قد قبلت، فيأتي فضل الله ليمحُوَ عنه كل هذه الذنوب, عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ, قَالَ: " يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ مَا كَانَ فِيكَ ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ إِنْ تَلْقَانِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطَايَا لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً بَعْدَ أَنْ لا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ إِنْ تُذْنِبْ حَتَّى يَبْلُغَ ذَنْبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ تَسْتَغْفِرُنِي أَغْفِرْ لَكَ وَلا أُبَالِي " (أخرجه أحمد عن أبي ذر في مسنده) قال تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (سورة الزُمر الآية: 53) " إذا تاب العبد توبة نصوحاً أنسى الله حافظيه، والملائكةَ، وبقاعَ الأرض كلها خطاياه وذنوبَه " (فيض القدير، شرح الجامع الصغير) وفي الأثر: " إذا قال العبد: يا رب، وهو راكع قال الله: لبيك يا عبدي، إذا قال: يا رب لبيك، وهو ساجد أجابه الله عز وجل: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد: يا رب، وهو عاصٍ قال الله عزّ وجل: لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك " ( ورد في الأثر ) هذه يعرفها الأب أحيانا، إذا كان عنده ثلاثة أولاد, اثنان منهم متفوقان ومهذبان، والثالث سيء، عاق، شقي، بعيد، فإذا شعر الأب مِن هذا الابن الثالث البعيد بادرة عودة، بادرة توبة، بادرة صلاح، بادرة إقبال، فإنك تجد الأب قد هش له وبش، وأكرمه إكراماً مفاجئاً، يزيد عن إكرام أخوانه، لأنه حدثتْ محاولة وعملية إنقاذ, فالفضل الإلهي في الخير، وفي العفو عن الشر، أمّا إذا أصرّ العبد على المعصية, عندئذٍ يستحق العقاب بمحضِ العدلِ. تتمة السنن الإلهية من القرآن الكريم المتعلقة باليوم الآخر: 4- أدنى جزاء الحسنة عشرة أمثالها وأعلى جزاء السيئة مثل واحد:القانون الرابع: أدنى الجزاء على الحسنة عشرةُ أمثالها، وأعلى الجزاء على السيئة مثلها، فأعلى عقوبة ينالها العبد على معصيته, أن يكون العقاب مكافئاً لمعصيته دون زيادة, تجد الإنسان يرّد على الصاع صاعين، ويرّد على مخالفة يسيرة بعقاب أليم، ليس هذا مِن شأن الله عزّ وجل، قال تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (سورة الأنعام الآية: 160) أدنى جزاء الحسنةُ عشرُ أمثالها، وأعلى جزاء السيئة مثل واحد, والدليل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة البقرة الآية:261) عنوان الدرس القادم إن شاء الله: وفي درسٍ قادم إن شاء الله تعالى ننتقل إلى قانون آخر، وهو الجزاء المعجل والمؤجل، فقد يعجب الإنسان أحيانًا إذْ يجد رجلاً ماله حرام، وأعماله سيئة، وهو متكبر, ويزداد قوة، وغنى، وشأناً، هذا جزاؤه مؤجل، وتجد مؤمناً يرتكب أدنى مخالفة فكان جزاؤه معجلاً، لذلك فإن بعض الآثار: " إذا أحب الله عبده عجّل له بالعقوبة " ( ورد في الأثر) وإذا أهمله، أخّرها له، لذلك ربنا عزّ وجل قال: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (سورة الأنعام الآية: 44) إذا رأيت الله عزّ وجل يتابع نعمه عليك، وأنت تعصيه فاحذره، هذا قانون، وهناك نِعَمُ الجزاء، والابتلاء، والاستدراج، ومصائب الجزاء، والابتلاء، والتربية، وهناك الجزاء المؤجل، ومراحله الثلاث ما بعد الموت، وما قبل دخول الجنة، ثُم دخول الجنة، ثم المسؤولية، وهذا البحث يحتاج إلى دروس عديدة، لأنه بحث مهم جداً، وهذا كله تمهيد للإيمان باليوم الآخر. والحمد لله رب العالمين |
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( السابع و الاربعون ) الموضوع :الايمان باليوم الاخر (5) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الجزاء الرباني منه ما هو معجل ومنه ما هومؤجل فمن المعجل للمحسن: 1- النصر والتأييد في الدنيا للمؤمنين:وصلنا في الدرس الماضي إلى الحديث عن بعض القوانين، أو السنن التي سنّها الله سبحانه وتعالى فيما يتعلق باليوم الآخر، وكنت قد بيَّنتُ لكم من قبل أن الإيمان باليوم الآخر يأتي في الأهمية بالدرجة الثانية بعد الإيمان بالله، وفي أكثر آيات القرآن الكريم ذَكَرَ الله عزّ وجل الإيمان بالله، ثم ذكر الإيمان باليوم الآخر مقرونًا به، لذلك لا زلنا في الحديث عن بعض القوانين المتعلقة باليوم الآخر. ذكرنا في الدرس الماضي أن أدنى الجزاء على الحسنة عشرُ أمثالها، وأعلى الجزاء على السيئة مِثْلُها، وهذا تفضل إلهي عظيم، وكأن الله سبحانه وتعالى يحب أن نربح عليه، هذا إن لم يكن هناك تفضَّل بالعفو بعد التوبة, إنّ مِن الجزاء ما هو مُعجّل، ومنه ما هو مؤجَّل، وهذا موضوع دقيق جداً، لأن بعض الناس قد يتساءلون: ما لفلانٍ يزداد قوة، و غنى مع أنـــه غارق في المعاصي؟ وما لِفلان يعاني الأمَرّيْن مع أنه مستقيم على أمر الله؟ الحقيقة أنّ الجزاء الرباني الذي هو أحد قوانين الحياة، منه ما هو معجل، ومنه ما هو مؤجّل، فلو تتبعنا آيات القرآن الكريم, لوجدنا أن الجزاء على الحسنة منه ما هو معجّل، ومنه ما هو مؤجّل، وأن الجزاء على السيئة منه ما هو معجّل، ومنه ما هو مؤجّل أيضاً، ونصوص القرآن الكريم، وأحاديث النبي الكريم تؤكّد هذه الحقيقة، فمِنَ الجزاء المعجّل في الدنيا أنواع كثيرة، من الرغائب المادية والمعنوية التي يَحْبُوها الله للمحسنين، مِن هذا الجزاء المعجّل النصرُ في الدنيا، والتأييد، والعز، قال سبحانه: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ( سورة الصف الآية:13) ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾ ( سورة الفتح الآية:1) لا شك أن الإنسان المؤمن حينما ينتصر في الدنيا على أعدائه, يشعر بسعادة لا توصف، وقد ذكر ربنا سبحانه وتعالى هذا فقال: ﴿ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ( سورة الفتح الآية:1) فمِن الجزاء المعجّل في الدنيا على الأعمال الصالحة, أنّ الله عزّ وجل يرفع شأن الإنسان في الدنيا فيعزّه، وإذا أعزّك الله عزّ وجل فلا أحد في الأرض يستطيع أن يذلك, قال الْحَسَنُ بْنُ عَلِيّ رَضِي اللَّه عَنْهمَا عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ: " اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ " ( ورد في الأثر) ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاًُ﴾ ( سورة فاطر الآية:10) اجعلْ لربك كــل عِزّك يستقر ويثبـتُ فإذا اعتززت بمَن يموت فإنّ عزك ميتُ ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾ ( سورة الإسراء الآية:81) إذا ربطت نفسك بالحق، فأنت مع الحق، وأنت مع الحق العزيز، وإذا نصرك الله عزّ وجل ينصرك نصراً عزيزاً، لا مِنّةَ لأحد فيه عليك، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ ( سورة الحج الآية:38) ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ( سورة آل عمران الآية:160) الصفحة المشرقة من الأنبياء والصحابة دليل على صدق الله في تنفيذ وعده: سيدنا يوسف أعزّه الله في الدنيا، فصار عزيز مصر، رأته جارية تعرفه عبداً في موكبه الملكي, فقالت: " سبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعته ". سيدنا عمر, قال: " كنت عُميرًا، فأصبحت عمرَ، فأصبحت أمير المؤمنين ". سيدنا عمر بن عبد العزيز, قال: " تاقت نفسي للإمارة فلما بلغتها تاقت نفسي للخلافة فلما بلغتها طاقت نفسي إلى الجنة ", لست مستبعداً إذا أخلصت لله عزّ وجل، واعتمدت عليه، واستقمت على أمره، وبذلت من أجله، وفعلت كل ما تملك من أجل رضاه, لأنه يرفع من شأنك في الدنيا قبل الآخرة، و ينصرك على أعدائك، ويؤيدك بنصره، ويجعل القلوب تميل إليك، فما أقبلَ عبد على الله عزّ وجل إلا جعل قلوبَ المؤمنين تهفو إليه بالمحبة، وهذا مصداقُ قول الله عزّ وجل مخاطباً سيدنا موسى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (سورة طه الآية:39) إذا ألقى الله عليك محبة منه، أحبك الخلق كلهم، فإذا ألقى الله على إنسان البغضاء، أبغضه أقرب الناس إليه، لذلك الكلمة الشهيرة: إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ سيدنا هود قال: ﴿ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ( سورة هود الآية:54-56) ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾ ( سورة مريم الآية: 96) هذه المودة التي تنشأ بين العبد وبين ربه, لا يعرف طعمها إلا من ذاقها، لذلك, من الجزاء المعجّل في الدنيا النصر, والتأييد، والعز. 2- الشعور بالسعادة والطمأنينة: الشعور بالسعادة والطمأنينة، فإن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال لكثيرٍ مِن خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، أتكون معه, وتشقى؟ معاذ الله عزّ وجل، أتستقيم على أمره، وتقلق؟ مَن قرأ القرآن الكريمَ انتفى مِن قلبه الحزن، وفي الأثر: " لا يحزن قارئ القرآن " ( ورد في الأثر) لماذا الحزن؟ أتخشى الفقر، وأنت عبد الغني ؟ أتخشى أن تُخذل، وأنت عبد القوي؟ أتخشى أن تشقى، وأنت عبدُ مَن بيده ملكوت كل شيء؟. لذلك في قلب المؤمن من السعادة, ما لو وزّعت على أهل بلدٍ لكفتهم, قال تعالى: ﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ (سورة الفتح الآية: 26) ألا تقولون أنتم في صلواتكم: " اللهم صلّ على أسعدنا محمد " إنه أسعد الخلق قاطبة، فإذا كنت على دربه، و اقتفيت أثره فلا بد أن تسعد معه. 3- الشعور بلذة العلم: ومن هذا الجزاء المعجّل, اللذة التي يشعر بها المؤمن حينما يعرف شيئاَ جديداً عن الله عزّ وجل، فإنّ لذة المعرفة لا يعرفها إلا العارفون، وقد تقول وأنت صادق: لو ملكت الأرض كلها لا يَعدُو هذا عندي فهم آية من كتاب الله، كلما ارتقيت في العلم درجة، شعرت بسعادة لا توصف, قال تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ( سورة الزُمر الآية: 9 ) حتى إن بعض العلماء, قالوا: إن الله عزّ وجل يخصّ الأنبياء بالمعجزات، ويخصّ الأولياء بالكرامات، وِمن أبرز الكرامات: العلم والحكمة، لأنّ كرامة العلم والحكمة لا تحتاج إلى خرق العادات، إنها وفق العادات، ووفق السنن. 4- البركة في الوقت والمال: ومِن هذا الجزاء المعجّل في الدنيا, البركة في الوقت والمال, قال عليه الصلاة والسلام: " من أخّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره " ( ورد في الأثر) إن المؤمن يباركُ الله سبحانه وتعالى في وقته، أحصيت كتب أحد العلماء العارفين بعد وفاته، فكان مجموع كتبه " 230" كتاب، جمعت صفحاتها، وقسّمت على أيام حياته منذ ولادته، فكان نصيب كل يوم مِن التأليف تسعين صفحة, هذا هو العالم، العارف بالله، الذي عاش حياة مديدة، وترك مائتين وثلاثين مؤلفاً، لذلك, البركة في الوقت لا يعرفها إلا من أدركها، وكذلك البركة في المال الذي يتفضل الله به عليك، يُبارك لك فيه، فتسكن، وتتزوج، وتأكل، وتشرب، وترتدي ثياباً جديدة، وتزوِّج أولادك جميعاً بمالٍ قد يبدو قليلاً، وقد تجد إنساناً حصل المال من الحرام، فيدخل عليه مئات الملايين، وتذهب من حيث جاءت من دون أن يستفيد منها، فالبركة في الوقت والمال. 5- البركة في الزوجة والولد: البركة في الزوجة والولد, يتزوج الرجل، فيبارك الله له في زوجته, " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا وَكَانَ يُحِبُّهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبِتُّمَا عَرُوسَيْنِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِكُمَا فَقَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا " ( ورد في الأثر) فمِن السُّنة الدعاء بالبركة لهذه الزوجة التي اقترنت بها، عسى الله أنْ يُبارك لك فيها، فتسعد بها، قال لي بعضهم: البيت يكون أحياناً قطعة من الجحيم، كل يوم في مشكلة، لأن البيت إذا بني على طاعة الله عزّ وجل، تولى الله التوفيق بين الزوجين، وإذا بني على معصية الله عزّ وجل، تولى الشيطان التفريق بينهما، مشكلات، خصومات، مشاحنات, تحديات، نفور، بغضاء، وتنتهي الأمورُ بالطلاق، وتشريد الأولاد، فهذا المحسن يبارك الله في ماله، وفي وقته، وفي زوجته، وفي أولاده، بين أن يكون لك ولد بار يرعاك إذا كبرت، وبين أن يكون لك ولد عاقّ لا يشفق عليك، وأنت في أوج قوتك, فكيف إذا بلغتَ مِنَ الكِبر عتياً؟ فالولد قد يكون بلاء مِن الله عزّ وجل، بين أنْ تسعد بزوجة، وبأولاد، وبمال، وبوقت، وبين أن يذهب الوقت لا بركة فيه، وكلكم يعلم ذلك، وحينما تبذل جزءًا مِن وقتك الثمين في حضور مجالس العلم, يبارك لك الله فيه، كيف ذلك؟ في ثانية واحدة ترتكب حادثاً بسيارتك, تقتضي سبعين أو ثمانين ساعة لتصليحها، من مكان إلى مكان، تبحث عن القِطَع، وعن الحاجات المفقودة وغير المفقودة، تستهلك الساعات الطوال بلا جدوى، لأنك ضننت على ربك بمجلس علم واحد، فلذلك حينما يقتطع الإنسان جزءاً من وقته الثمين لحضور مجالس العلم, يبارك الله له في وقته، فلا يذهب وقته سدى، ولا يُستهلك استهلاكاً رخيصاً, إذا اسْتُهْلِك الوقت استهلاكاً رخيصاً، أو ضاع الوقت توترت الأعصاب، وارتفع الضغط، وهذا كله مِن ذهاب بركة الوقت، كيف أنّك تزكي عن مالك بدفع مبلغ من المال, كذلك للوقت زكاة؟ فقد قال بعض العلماء: زكاة الوقت أن تقتطع منه وقتاً لطاعة الله، ولعبادة الله، ولمعرفة الله، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وعاقبه ذلك التوفيق في العمل, والبركة في العمر. كم مِن مشروع ضخم باء بالفشل؟ فبعد ثلاث سنوات خسارة 800 ألف مثلاً، يا ضياع الوقت، يا ضياع المال, فالإنسان الذي يجود بوقته لله، كأن يبدأ بمشروع صغير ينمو، وينمو، وينمو، وهذا من علامات التوفيق, والآية الكريمة: ﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ( سورة هود الآية: 88) إن أي إنسان على وجه الأرض, لا يستطيع أنْ يحقق هدفاً ما, إلا بتوفيق الله، لذلك في الحديث الشريف, ومن عرف هذا الحديث الشريف غيّر مجرى حياته كلها " من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى " ( ورد في الأثر) وهذا حق، وهذا بعض الجزاء المعجّل في الدنيا. الأدلة من الكتاب على تعجيل بعض الجزاء للمؤمنين في الدنيا: والدليل القرآني على هذه الأقوال، وهذه المعاني, أن الله عزّ وجل يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ( سورة النحل الآية:97) كلام خالق الكون، وهذا كلام قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، قطعي التحقيق, قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ ( سورة الليل الآية: 5-7) التيسير شيء يخلقــه الله عزّ وجل، وليس حظاً، ولا صدفة، إنما هو من خلق الله عزّ وجل. أما بعض الجزاء الرباني المعجل للمسيء في الدنيا: 1- ابتلاء المسيء بصنوف من العذاب والخزي:وأما جزاء العقاب المعجّل في الدنيا, مِن هذا الجزاء صنوف العذاب والخزي، عضو صغير في جسمك, لو تعطل لقلب الحياة جحيماً, أحياناً آلام مستمرة، آلام مزمنة في الرأس أحياناً، دائماً يعيش في ألم، أحياناً شعور بالضيق، أعراض نفسية، فالله عزّ وجل يقلب حياته جحيماً, بصنوف العذاب المادي والمعنوي، قلق، وهم، وخوف، ويأس، وشعور بالقنوط، هذا قد يتصاعد، فينتهي بالانتحار. إذا رجعت إلى القوانين الوضعية, تجد دائماً أن آخر مادة في القانون: من يخالف أحكام هذا القانون يعاقب بكذا وكذا وكذا، هذا عند علماء القانون اسمه المؤيد القانوني، وربنا عزّ وجل جعل الأمراض الوبيلة، والأمراض المستعصية، والذل الشديد، والخزي، والعار، والهموم، والأحزان، والخوف، والقلق، هذه كلها جعلها مؤيدات لشرعه الحنيف، إما أن تستقيم على أمر الله فتسلم، وإما أن تتحمل عواقب المعصية، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي أَمْرًا فِي الإسْلامِ لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ قَالَ قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيَّ شَيْءٍ أَتَّقِي قَالَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى لِسَانِهِ " (أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن سفيان عن أبيه في مسنده) فمن البلاء المُعجّل في الدنيا, صنوف العذاب المادي والمعنوي، والعيش الضنك، حياة كلها شحناء، كلها بغضاء، حياة قاسية خشنة، مليئة بالأحزان، يجزي الله بها المسيئين، وأيضاً الإخفاق، والخسارة في المشاريع، وهذا العمل لم ينجح، وهذه الصفقة خسرت، وهذا الصديق تنكر له، وهذا الزواج لم ينجح، وانتهى إلى الطلاق، وهذا المحل بعد أن اشتراه وجد فيه مشكلة كبيرة لا تحل، فالفشل والخذلان شيء لا يعرفه إلا من ذاقه, ومنها المصائب، والبلايا الكثيرة، أعاذنا الله منها، ومنها مجانبة التوفيق في الأمور، ومنها الإذلال، والإهانة. استغل رجل علمه استغلالاً لا أخلاقياً، فكان لا يبذل هذا العلم إلا بباهظ الثمن، والناس بحاجة إليه، أصابه مرض عضال، وكان يسكن بأرقى بناء، زوجته أَمرت أن يكون في القبو وحده، ووكلت خادمة ترعى شؤونه، وامتنعتْ عن اللقاء به، فكان يذكرها كل يوم مرات كثيرة، وتهمله، ثم أمرت أن يُنقل إلى مكان بعيد عن البيت، وبقي ثماني سنوات يعاني، وكان مشلولاً، مع ما كان يعانيه مِن الإهمال، والقذارة، وضيق النفس، والإذلال، ممّا لا يتحمله بشر, قال تعالى: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ( سورة البروج الآية:12) إذا أدب ربنا عزّ وجل الإنسان أحياناً، فزوجته تقسو عليه، وابنه أقرب الناس إليه يقسو عليه كذلك، قال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ ( سورة الرعد الآية:11) لا بد له أن يذوق السوء، ولا يعصمك من الله إلا الله، ولا ملجأ منه إلا إليه، هذا كله جزاء معجّل في الدنيا قبل الآخرة، حتى إن الله عزّ وجل يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ( سورة الرحمن الآية:46) جنة في الدنيا، وجنة في الآخرة. ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾ ( سورة طه الآية: 124-126) الأدلة القرآنية على أن الجزاء ما هو معجل للمحسن في الدنيا قبل الآخرة: الأدلة القرآنية، التي تنص على أن الجزاء ما هو معجّل في الدنيا قبل الآخرة، وهي قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾ (سورة النحل الآية: 30 ) في هذه الدنيا حسنة، ثم تقرأ: ﴿ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين﴾ (سورة النحل الآية: 30 ) إنّ الله كريم في الدنيا، وفي الآخرة, قال تعالى: ﴿للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين ﴾ (سورة النحل الآية: 30 ) ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ ( سورة الأعراف الآية:96) كنت مرة في مزرعة، وهناك أحد الأصدقاء أطلعني على حبة قمح أنبتت خمساً وثلاثين سنبلة، أخذنا سنبلة، وفرطناها، فإذا فيها ما يعادل خمسين قمحة، ضربنا الخمسين بخمسة وثلاثين كان الناتج ألفاً وسبعمئة وخمسين قمحة، مِن قمحة واحدة, قال الله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ( سورة البقرة الآية: 261) ربنا عزّ وجل في كل الأزمات، والشدائد، والمصائب الجماعية، والأعاصير، والفيضانات، والزلازل، والبراكين، في كل المصائب الجماعية ينجي الله المؤمنين، قال عز وجل: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الأنبياء الآية: 87-88) ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ ( سورة الذاريات الآية: 31-36) آيات أخرى تؤكد هذه الحقيقة, قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ( سورة الفتح الآية:18-19) الأدلة من الكتاب على تعجيل بعض العقاب للمسيء في الدنيا قبل الآخرة: قال تعالى:﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ( سورة الزمر الآية:26) عذاب الخزي والعار, شيء لا يحتمل, قال الله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ ( سورة الرعد الآية:34) ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ ( سورة النحل الآية:112) الجوع من الفسق، والفجور، والانحلال، والتفلت، والاختلاط، وإذا رخصت لحوم البشر, ارتفعت أسعار لحوم الحيوان، ثمة علاقة عكسية بين لحوم البشر, ولحوم الضأن، فكلما غلت لحوم البشر, رخصت لحوم الحيوان، أما أن يكون لحم البشر مبتذلاً " مائلات مميلات " ( أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح ) عندئذٍ تصعب الحياة، وتصبح شقاء, " عبدي، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد، ولا تعلِمني بما يُصلحك، فإذا سلّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد" ( ورد في الأثر) إذاً: فالجزاء على الحسنات أو السيئات قد يكون معجلاً، وقد يكون مؤجلاً، وقد ذكرنا بعض أنواع الجزاء المعجّل على الحسنات وعلى السيئات. أنواع النعم: 1- نعم جزاء:لدينا موضوع فرعي, له علاقة وشيجة بهذا الموضوع، فالنعم على ثلاثة أنواع: نِعم جزاء، ونِعم ابتلاء، ونِعم استدراج، فليست كل نعمة ينعم بها الإنسان نعمة جزاء على حسنات، فقد تكون هذه النعمة نعمة ابتلاء، وقد تكون هذه النعمة نعمة استدراج، فيجب أن تعلم علم اليقين أنّ هذه النعم التي أنت فيها هل هي نعم جزاء، أم نعم ابتلاء، أم نعم استدراج؟ فنِعم الجزاء, تكون ثواباً من الله تعالى للإنسان على ما قدم من حسنات، وهذا النوعُ تأييد رباني، وتشجيع مِن شأنه أن يدفع الإنسان بمضاعفة العمل الصالح، والتزام سلوك الصراط المستقيم في أمره كله. أحياناً تجد الإنسان في الظروف الصعبة القاسية يُوفَّق في عمله توفيقاً لا يصدق، لأنه كان مستقيماً، وقد بذل, وضحى، وآثر رضوان الله عزّ وجل، فتأتيه الدنيا، وهي راغمة، هذه الدنيا التي جاءته وهي راغمة، إنما هي جزاء من الله عزّ وجل على إحسانه في الدنيا، وهذه النعم نِعم الجزاء، وغالباً ما تكون النعمة من جنس العمل الصالح، وكذلك من غضّ عينه عن محارم الله متّعه الله بها، من كفّ أذنه عن سماع الملهيات متّعه الله بها، من كفّ يده عن الحرام متّعه الله بها، من أنفق من ماله ابتغاء مرضاة الله ضاعف الله له ماله أضعافاً كثيرة، سيدنا أبو ذر الغفاري رضي الله عنه سمع من بعض أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام, أنّ ماله قد يؤخره عن اللحاق بأصحابه، يا أبا ذر ربما دخلت الجنة حبواً، أيْ زحفاً، فقال رضي الله عنه: والله لأدخلنّها خبباً, أيْ هرولة، واللهِ ما منعت مالي مسكيناً ولا فقيراً، وماذا أفعل إذا أنفقت مئة في الصباح, فأعطاني الله ألفاً في المساء؟ ماذا أفعل؟ لذلك أحياناً كلما بذلت مِن المال, ضاعف الله لك أموالك أضعافاً مضاعفة، هذه نعمة الجزاء، فقضية الإنفاق شيء ثابت، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ( سورة البقرة الآية:245) ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ ( سورة سبأ الآية:39) شيء قطعي, قال الله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ ( سورة النجم الآية:3-4) 2- نعم ابتلاء: ومن النِعَم, ما هي نِعَم ابتلاء, قال الله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾ ( سورة الفجر الآية:15-17) كلا, ليس هذا إكراماً، هذا ابتلاء، الغني يُبتلى بالمال، فماذا يفعل؟ أينفقه في طاعة الله؟ قد يأتي المال ابتلاء ليمتحن معدن الإنسان، هل يتغير بالمال؟ هل يتيه على الخلق؟ هل يستعلي عليهم؟ هل ينسى أيام الضيق والشدة؟ هل يحمله ماله على معصية الله، هل يحمله ماله على الفجور، هل يحمله ماله على أن يترك الصلاة أو الصيام؟ هل يحمله انشغاله بماله على أن يبتعد عن مجالس الذكر؟ هذا المال الآن هو ابتلاء وليس جزاء, لكن مال الابتلاء إذا أُنفق في طاعة الله انقلب إلى جزاء، ولا يكون مال الابتلاء نعمة إلا إذا أُنفق في طاعة الله. 3- نعم الاستدراج: أما النوع الثالث، نعوذ بالله من هذا النوع: نِعَم الاستدراج, ترك 800 مليون، كلها جُمعت من القمار, خمس أو ست صالات قمار يملكها، قبل وفاته التقى ببعض أهل الله، فقال: ماذا أفعل؟ قال له أحدهم: لو أنفقته كله لا ندري ما النتيجة؟ البطولة عند هذه الساعة, قال الله: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾ ( سورة الطور الآية:45) هذا المال الثالث من نِعَم الاستدراج, قال الله: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً ﴾ ( سورة البلد الآية:5-6) ﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾ (سورة الهمزة الآية: 3) كلفنا العشاء 750 ألف ليرة في أثناء العرس، في الفندق الفلاني، قال الله: ﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ (سورة البلد الآية:6-7) نِعَم الاستدراج: هي النعم التي يوليها الله للكافرين، والعصاة الموغلين في العناد لربهم، ومخالفتهم استدراجاً لهم لتهيئة الظروف التامة لحرية إرادتهم في الدنيا، حتى إذا أنزل الله بهم عقابه الشديد الذي يستحقونه لم يكن لهم عذرٌ عند ربهم, قال الله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (سورة الأنعام الآية:44) هذا رود تشلز, كان من أغنى أغنياء اليهود، كان عنده مستودعات لسبائك الذهب، وكان ينتقل من عاصمة لأخرى، فدخل إلى بعض المستودعات، وأُغلق الباب عليه خطأً, مما جعله يصيح، ويصيح، ولا يستريح إلى أن مات جوعاً بين سبائك الذهب، جرح إصبعه، وكتب على الحائط قبل أن يموت, أغنى إنسان يموت جوعاً, قال الله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ (سورة الأنعام الآية:44) أنواع المصائب: 1- مصائب الجزاء:أولاً: مصائب الجزاء: وهي المصائب التي تكون عقاباً من الله عزّ وجل للإنسان على ما اكتسب من السيئات، وفي هذا النوع عناية من الله بعبده ليتذكر فيتعظ، ويتوب إلى الله تعالى، " ما من عثرةٍ، ولا اختلاج عرقٍ، ولا خدش عودٍ إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر" (فيض القدير، شرح الجامع الصغير) هذه العقوبات, دليل محبة رب الأرض والسموات، فإذا أحب الله عبده عجّل له العقوبة، إذا كان عند أحدهم ثلاث أولاد، ولد ذكي مجتهد، وولد ذكي مقصر، وولد أبله، مَن يعاقب ؟ الولد الذكي المجتهد أمْره مقبول، والأبله لا أمل منه, فيصب الأب كل عقابه على الذكي المقصِّر, فهذا الذي ذكّره الله مراراً فلم يتذكر, فتحنا عليهم أبواب كل شيءٍ, وأما المؤمن المستقيم الشاكر فهذا موفق، حققّ الهدف من وجوده، على مَن ينصب العقاب؟ على هذا الذي عنده الإمكانيات الكبيرة، وهو مفرّط بها, قال الله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة القصص الآية:47) يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (سورة الشورى الآية:30) انظر المصيبة, جاءت نكرة، قال الله: ﴿من مصيبة﴾ (سورة الشورى الآية:30) أيّة مصيبة, صغيرة كانت أم كبيرة، مادية كانت أم معنوية، خطيرة أم حقيرة، قال تعالى: ﴿ من ﴾ (سورة الشورى الآية:30) لا ستغراق كل المصائب، قال تعالى: ﴿ فبما كسبت أيديكم ﴾ (سورة الشورى الآية:30) أبداً, قال تعالى: ﴿ويعفو عن كثير﴾ (سورة الشورى الآية:30) هذه مصائب الجزاء؟ إذاً: هذه المصائب عناية ربانية بالإنسان. 2- مصائب الابتلاء: ثانياً: مصائب الابتلاء: هي المصائب التي يتعرض فيها أهل الطاعة ليبتلي الله بها صبرهم، فيرفع درجاتهم، ويزيد من حسناتهم, السيارة منطلقة، حمولتها 25 طناً فرضاً، وهي الآن تحمل خمسة أطنان، على كل طن مئة ألف ليرة أجرة، له خمسة أطنان، لكننا لا نقبل أن نُحمّله الخمسة فقط، فنحمله خمسة أخرى، حتى يتضاعف أجره، إنّه يتحمل, هناك مؤمنون يعرفون الله جيداً، وهم أهلٌ للتحمل، لذلك تساق لهم بعض المصائب في الدعوة كي يضاعف الله لهم أجرهم، وهذه مصائب لرفع الدرجات، لا علاقة لها بالجزاء. يا أيها الأخوة، الذي أتمناه عليكم، وهذا من أدب المسلم, إذا ألّمت بنا مصيبة, يجب أن نتهم أنفسنا, ونتساءل: ما الذنب الذي اقترفته؟ أما إذا ألّمت بغيرنا مصيبة, يجب أن نُحسن الظن بهم، ونقول: هذه مصيبة لرفع الدرجات، أما مِن اللؤم، ومن الفجاجة أن تتهم الآخرين إذا أصابتهم مصيبة بأنها مصيبة جزاء، وأن تُحسن الظن بنفسك إذا أصابتك مصيبة، تقول: هذه ابتلاء، هيّ رفع درجات, لا، بالعكس يجب أن تقول: العكس, قل: لعل أخي له عند الله درجة عالية جدًا، فأراد الله أن يرفعها له، أما إذا ألّمت بك مصيبة," لا سمح الله وبنا ", فقل: لعلي مقصر، واتّهم نفسك دائماً، ونزّه أخاك دائماً، هذا هو الأدب، أمّا أكثر الناس فيبرئ نفسه، ويتهم أخاه, هذا من سوء الأدب، اسمع قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (سورة التوبة الآية: 120) أنـت أديت حجاً في أيام القيظ الشديد، فهذا ابتلاء، وهذا رفع درجات، لم تتحمل الحر، لكن الله عزّ وجل كتب لك بهذا أجراً كبيراً، كان الصيام يصادف في أشهر الصيف الطويلة، تحملت منذ الظهر، وكِدت تسقط على الأرض من شدة العطش، هذا ابتلاء رفع درجات, قال الله تعالى: ﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولانصب و لا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطناً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب الله لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾ فربنا عزّ وجل يحب أن يكرمنا, فيسوق بعض المصائب للمؤمن الصادق، ويتحمل في سبيل الله، فيرفع الله شأنه، قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إن عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ " ( ورد في الأثر) 3 – مصائب التربية: ثالثاً: مصائب التربية, قال تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ( سورة التوبة الآية:118) إنّ ربنا عزّ وجل, يقيض للإنسان الغافل، المُعرض، المُقصر, أمراً صعباً، ومشكلة خطيرة، يضيق عليه إلى أن يضجّ بالشكوى إلى الله عزّ وجل، فيتوب من ذنبه، احترق محل أحدهم، فقال: واللهِ بالمحل بضاعة بثلاثة ملايين، عندما كان ثمن البيت خمسين ألفًا، قال لي متهماً نفسه: لعلي بعت بعض الصفقات بشكل حرام أو غلط، ولعل الله جمعها كلها، وأحب أن يُطهر لي مالي, والله شيء جميل, بارك الله بك على هذا الظن الحسن، وسيدنا عمر, كان يقول: إذا أصابته مصيبة: " الحمد لله ثلاثاً, الحمد لله إذْ لم تكن في ديني، الحمد لله إذْ لم تكن أكبر منها، الحمد لله إذْ ألهمت الصبر عليها " ( قول مأثور) هذه مصائب التربية. والحمد لله رب العالمين |
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( الثامن و الاربعون ) الموضوع :الايمان باليوم الاخر (6) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما هي مراحل الجزاء المؤجل للثواب أو العقاب: ا- مرحلة ما بعد الموت وقبل البعث:وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع الجزاء المعجّل، وتحدثنا من بحث الجزاء المعجّل عن جزاء الابتلاء، والاستدراج، والعقاب، وجزاء الابتلاء، والتربية، وننتقل اليوم إلى الجزاء المؤجّل، فهناك جزاء معجّل، وهناك جزاء مؤّجل، فالانحراف، أو المعصية، أو الخطيئة, لها عقاب معجّل في الدنيا، ولها عقاب مؤجّل في الآخرة, فأما الجزاء المؤجّل بالثواب أو العقاب فيكون على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى: مرحلة ما بعد الموت وقبل البعث، وهذه المرحلة سمّاها القرآن الكريم البرزخ، ويسمى النعيم فيها بنعيم القبر، والعذاب فيها بعذاب القبر، وقد ورد في نعيم القبر، وعذابه جملة من الأحاديث النبوية، ملخصها: أنّ القبر إمّا أنه روضة من رياض الجنة، وإما أنه حفرة من حفر النيران، وسيُفصَّل هذا في درس قادم إن شاء الله. 2- مرحلة ما بعد البعث وقبل مرحلة الفصل النهائي: أما المرحلة الثانية: فهي مرحلة ما بعد البعث، وقبل انصراف أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، ويكون ذلك في يوم الحساب، ويتم فيه الجزاء بالثواب والعقاب على أنواع مختلفة، فمِن الثواب مثلاً, الاستظلال بظل العرش، وفي الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ " ( ورد في الأثر) هذا ثواب بعد البعث، وقبل دخول الجنة، وكذلك الشرب من الحوض، فمَن شرِب مِن حوض النبي عليه الصلاة والسلام شربة, فلن يظمأ بعدها أبداً، وكذلك تهوين طول الموقف، هذا الموقف يمرّ على المؤمن كلمح البصر، والمرور على الصراط المستقيم بسرعة، إلى غير ذلك. ومِن العقاب: شدّة الحر على أهل الذنوب، والكرب والظمأ الشديدان، والتعتعة على الصراط المستقيم، وطول انتظار الحساب، إلى غير ذلك من صنوف العذاب، هذا العذاب بعد البعث، وقبل دخول النّار، وذاك النعيم بعد البعث، وقبل دخول الجنة. 3- مرحلة دخول المؤمنين الجنة ودخول أهل النار النار: المرحلة الثالثة: وهي المرحلة الأخيرة التي يتم فيها الثواب الأكبر بدخول المؤمنين الجنة، والعقاب الأكّبر للكافرين بدخول النار، ودخول الجنة أبدي لكل من يدخلها، قال عز وجل: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ ( سورة الحجر الآية:48) ودخول النار أبدي بالنسبة إلى الكافرين، ومؤقَّت بالنسبة إلى عصاة المؤمنين، كل بحسب ذنوبه، وسيئاته. ويمكن أن تقول: إن الله العلي القدير قد جعل تحقيق الجزاء الأكمل في اليوم الآخر، يوم الخلود، ليستكمل حكمته العظيمة المشتملة على سرِّ الخَلْق والإبداع، ولله في إبداعه أسرار، لا يحيط بعلمها إلا هو، واليوم الآخر الذي يتم فيه الجزاء المؤجل، يكون بعد البعث، وهو اليوم الذي ورد بحقه وجوب الإيمان به ركناً من أركان العقيدة. ما هي حدود المسؤولية بالنسبة للمكلف اتجاه خالقه: 1- انتهاء فترة الابتلاء عند موت الشخص المكلف:لا زلنا في الموضوعات التمهيدية، وعنوان الموضوع الجديد حدود المسؤولية, المسؤولية اتجاه الخالق لها حدود، نوضِّح معالمها فيما يلي: أولاً: إذا مات المكلّف انتهت فترة ابتلائه، الابتلاء في الدنيا فقط، فإذا وافت الإنسان منيته، انتهت مدة التكليف، وانتهى الابتلاء، لذلك جاء في بعض الآيات الكريمة قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ ( سورة النساء الآية:18) العمل الصالح في الدنيا، التوبة في الدنيا، الإصلاح في الدنيا، أما إذا جاء الموت انتهت مدة التوبة، وانتهت مدة التكليف، وانتهت مدة الابتلاء، بل انتهى كل شيء، وخُتم العمل، وبقي الجزاء. فالإنسان إذا جاءه الموت، أو ما بعد الموت، أو في القبر، أو ما بعد القبر، فهل يستطيع أن يتوب؟ أن يعمل عملاً صالحاً؟ هذا مستحيل, فمنذ لحظة الموت, لا يستطيع أحد أن يجحد الله، أو أن يكفر به، أو أن يعصيه، إذ تنكشف له الحقيقة بالشهود التام، لا يخالطها أدنى توهم، وينتهي عندها موضوع الإيمان بالغيب المطلوب من الناس على لسان الرسل، هذه حقيقة مهمة جداً، الأرض الآن فيها ستة آلاف مليون إنسان، بعضهم ينكر وجود الخالق، وبعضهم ينكر الدين الإسلامي، وبعضهم ينكر بعض أسماء الله الحسنى، هؤلاء بوذيون، وهؤلاء هندوس، وهؤلاء مسلمون مقصرون، وهؤلاء نصارى، وأولئك يهود، جميع الملل والنِحل عند مجيء الموت تنكشف لها الحقيقة التي لا ريب فيها، قال عزّ مِن قائل: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ ( سورة ق الآية:22) أشد الناس المعارضين لرسالات الرسل، تنكشف له الحقيقة فيؤمن، لكن هذه الحقيقة تكشف لهم بعد فوات الأوان، حيث لا يُقبل إيمان من أحد لم يكن آمن مِن قبل. 2- للابتلاء أو التكليف له شروط: الحكم الثاني: هو أنه ما لم تتوافر شروط التكليف لم يتوجب الابتلاء أصلاً. لا ابتلاء إلا بشروط، فلو أن الإنسان فَقَدَ عقله, سقط عنه الابتلاء، إذا أخذ ما وهب, أسقط ما أوجب، فالطفل غير المميز، والمعتوه، وفاقد الإدراك, غير مكلفين بالشرائع الربانية، لأنهم ليسوا أهلاً لإدراك معنى الألوهية، وفهم أوامر الله ونواهيه، وأنهم مسلوبو الإرادة بشكل كلي أو جزئي، وهم غير مكلفين أيضاً. إذاً: التكليف في الحياة الدنيا، والتكليف يحتاج إلى بلوغ، وعقل، وحرية، إذا لم تتوافر هذه الشروط فلا تكليف، ولا ابتلاء. 3- إذا وجد الشرط وجد الابتلاء وإذا فقد الشرط فقد الابتلاء: الحكم الثالث: أنه متى فُقدت شروط التكليف بعد وجودها ارتفع حكم الابتلاء، حتى تعود الأهلية، إنسان فَقَدَ عقله، في اللحظة التي فَقَد فيها عقله ينتهي تكليفه، فإذا عاد عقله، عاد إليه التكليف، هذه قاعدة. لذلك يرتفع التكليف عن المجانين، هذا المجنون الذي إذا استفززته يسب الدين، لا شيء عليه هو، أما الذي استفزه فعليه كل الإثم وحده، مع تحمل كامل الإثم والمسؤولية، كذلك يرتفع التكليف عن مسلوبي الإرادة، فلو أن إنساناً حركته مقيّدة، وتحت ضغط القتل أُمر أن يفعل شيئاً، فما دام هذا الإنسان مسلوبَ الإرادة فلا شيء عليه, عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ " ( ورد في الأثر) ما هي آثار حدود المسؤولية بالنسبة للشخص المكلف: 1- الشخص ليس مسؤولاً إلا إذا كان حراً في إرادته:فالأمر الأول من حدود المسؤولية: هو المسؤولية عن الكسب الإرادي البدني، والنفسي، والفكري، فكل إنسان له كسب إرادي، إذ الإرادة كما سبق هي محل المسؤولية، ولا مسؤولية إلا بالإرادة الحرة، و ما دمت مريداً لأعمالك التي تفعلها بكامل حريتك فأنت مسؤول، أما إذا رُفعت هذه الإرادة الحرة فأنت غير مسؤول. بناء على ذلك: يكون توجيه الإرادة الجازمة لأمرٍ من الأمور كافياً في ترتيب المسؤولية، سواء تم التنفيذ العملي، أو لم يتم, فهذا الإنسان أراد أن يوقع الأذى بفلان، ثم جاء ظرف حال بينه وبين إيقاع الأذى فيه، فهو محاسبٌ على هذه الإرادة، لأن إرادته الحرة توجهت إلى إيقاع الأذى بفلان، لا يعنينا أن الأذى وقع أو لم يقع، يعنينا هنا أنه كَسَبَ هذا الإثم باختياره, إذا لم يتم تنفيذ هذه الإرادة الحرة في إيقاع الأذى بفلان، ولم ينفذ هذا الأمر بإرادة ثانية مضادة لها، كانت هذه الإرادة الثانية ناسخة للإرادة الأولى, مثلاً: أراد إنسان إيقاع الأذى بفلان، ثم فكر، فرأى أن في هذا الأذى إغضاباً لله عزّ وجل، فامتنع ذاتياً، هذا له أجر، لأنّ الإرادة الثانية هي التي محت الإرادة الأولى. شاب في مقتبل العمر ذهب إلى الحج، ولما عاد فتح مكتبة في بعض أحياء دمشق، وكان غير متزوج، وقفت فتاة مستهترة أمام محله، وأشعرته بأنها توافق معه لو أرادها، فأغلق محله وتبعها، وفي الطريق تذكر الحج الذي حجّه, هناك إرادة أولى، كانت متوجهة نحو الزنا، والإرادة الثانية نسخت الإرادة الأولى، وفي اليوم التالي، وقف على باب دكانه أحد وجهاء الحيّ، وسأله برفق: هل أنت متزوج؟ قال له: لا، قال: عندي فتاة تناسبك، فظن هذا الشاب أن هذه الفتاة كاسدة، وفيها علة كبيرة، حيث إن أباها يعرضها على الناس، ولكنه أرسل أمه, فإذا الفتاة, كما يقولون: تجمع بين كمال العقل والدين، عاد إليه، وقال له: ماذا حصل؟ قال: يا سيدي, هذه الفتاة لا أليق بها، أنا لا أملك شيئاً، قال: هذا ليس من شأنك، يبدو أن الأب كان ميسور الحال، زوجّه هذه الفتاة، وشاركه في عمله، وعاش هذا الإنسان في بحبوحة، وفي سعادة، لأن الإرادة الثانية نسخت الإرادة الأولى، فاستحق هذا العبد الإكرام, لذلك: " ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه " ( ورد في الأثر) إذا توجه الإنسان بإرادة سيئة مختارة إلى عمل ما، ثم ندم على هذه الإرادة، وأراد شيئاً آخر، فإن الإرادة الثانية تمحو الأولى، وينتهي الأمر، وفي بعض الأحاديث يُكتَب له أجر على الإرادة الأولى، أما إذا لم يتم التنفيذ بسبب موانع خارجية، كان يتربص بفلان ليضربه، ولكن فلاناً لم يأت، فلم يحقق هدفه، لا بإرادة ثانية ناسخة للأولى، لا، ولكن لأن هناك موانع خارجية، لذلك, لو لم ينفذ هذه الإرادة, فإن الإثم قد سُجّل عليه، أين الدليل؟ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قُلْتُ أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ قَالَ ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: ((إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ)) ( ورد في الأثر) المقتول توجهت إرادته إلى قتل صاحبه، لكنه لم يستطع، فعَاجَلَهُ صاحبُه بضربة قاضية، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: هذا القاتل. فما بال المقتول؟ قال: لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: " لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراماً " ( أخرجه البخاري في الصحيح) ما دام لم يقترب إلى سفك الدم فالقضية سهلة، والتوبة سهلة. 2- الإنسان مسؤول عن عمله السيء وآثاره: الأمر الثاني: المسؤولية عن آثار الكسب الإرادي البدني، والنفسي، والفكري، وهي الآثار التي تنجم عن الكسب الإرادي، مثلاً: لو أنّ إنساناً صلّح سيارة، وكلّف صانعه أنّ يُرَكِّب فيها آلة معينة، وكان الصانع صغيرًا ضعيفًا، لا يملك وعياً كافياً، فلم يضبط التركيب، واستقل صاحب السيارة مع زوجته وأولاده سيارتهم المصلحة، فوقع في السيارة خلل, بسبب عدم إتقان تركيب هذا الجهاز الذي كلَّف الصانع بتركيبه، فانقلبتْ السيارة, وتوفي الأشخاص الخمسة, هذا الذي صلّح السيارة لا يُحاسب على إهماله فقط، بل يُحاسب على أنه قاتل لخمسة أشخاص، فهذا الخطأ ماذا نتج عنه؟ كارثة. مثال آخر: ركّب أحدهم لوح بللور، ثبَّتَ فيه مسماراً واحداً، أتى الطفل، وضرب النافذة، فهوى البللور عليه فقتله, هذا يحاسب لا على أنه أهمل في وضع مسمار واحد، لا، بل يحاسَب على أنه تسبب في قتل إنسان, فالمسؤولية عن آثار الكسب المادي ليست عن الكسب وحده، بل عن آثار الكسب الإرادي البدني، والنفسي، والفكري، ويدل على هذا نصوص كثيرة, وهي قوله صلى الله عليه وسلم: " مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا " ( أخرجه مسلم في الصحيح) أخطر شيء في هذا الدرس، لا يحاسَب الإنسان على كسبه فقط، بل يحاسب على آثار كسبه أيضاً, قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾ ( سورة يس الآية:12) " وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا" ( أخرجه مسلم في الصحيح) الإنسان يسنّ سنّة سيئة، يعمل ترتيباً ليصنع فيه معصية، ويصبح هذا الترتيب تقليداً مِن بعده، يسير الناس عليه، هذا شيء خطر جداً، مثلاً: اخترع نُوبل البارود، فكم مِن إنسان قُتل في العالم بسبب هذا البارود؟ لذلك ندِم بعد ما اخترعه، فجمع كل ثروته، ووضعها في خدمة من يقدِّم للإنسانية بحثاً علمياً، أو أدبياً، أو فنياً, يحقق السلام بين بني البشر، وهذه الجائزة تعطى سنوياً لثلاثة أشخاص: لرجل علم، ورجل أدب، ورجل فن، اسمها جائزة نوبل للسلام, مهما دفع, فالذين يموتون كل يوم عن طريق المتفجرات، وهم أبرياء, أعداد كبيرة لا تعد ولا تحصى, قال الله: ﴿وَآَثَارَهُمْ﴾ ( سورة يس الآية: 12) وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ مِنْ دَمِهَا لأنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ أَوَّلا)) ( ورد في الأثر) لأنه أول من سنّ القتل ابن آدم الأول. إنسان مثلاً, عنده بنت، جاءه خاطب له شكل وغنى، سأل عنه، فقالوا: جيد, فزوجها له، فإذا بهذا الشاب منحرف السلوك، وكلمة جيد أصبحت اليوم لا معنى لها، وما لبث أن سافر بزوجته إلى بلاد الكفر، فأفسد دينها وخلقها, كل أعمالنا محاسبون عن آثارها، لو فرضنا هذا الزوج, هو وزوجته انحرفا، وضلا سواء السبيل، وفعلا من المعاصي، كل هذا في صحيفة الأب الذي وافق على زواج ابنته من هذا الشاب, لذلك لا تنتهي مسؤولية الأب إلا إذا أحسن اختيار الشاب كزوجٍ لابنته, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ)) ( ورد في الأثر) أقام إنسان في ديار الكفر، وجد أن المعيشة سهلة جداً، ذهب إلى ذلك البلد، وأقام فيه، كبرت ابنته، دخل إلى البيت، فوجد مع ابنته شاباً، هكذا العادة هناك، وهو أمر طبيعي جداً, فمسؤوليته عن ابنته وزوجته قائمة في عنقه, إذا كانت الحياة رغدة، والبلاد خضراء كلها، أنترك ديننا وقيمنا؟ لا، بل نريد وهو الأهم, أن يكون القبر أخضر أيضاً، هذه الأعمال كلها في صحيفة الأب، ويوم القيامة تقف البنت، وتقول: يا رب لا أدخل النار حتى أُدخل أبي قبلي، لأنه هو الذي زوجني، وهو الذي أسكننا بهذه المنطقة، في جو إباحية مطلقة، انحراف أخلاقي، الزنا على قارعة الطريق، فالإنسان إذا كان في بلده، حيث تقام شعائر الله فيها، ويحضر مجالس العلم، و فيها بقية حياء، وبقية تديّن، وشيء اسمه "عيب" في بلده، فهذه بلدة مباركة، فليسعد بدينه وقيمه. 3- الإنسان مأجور على عمله الطيب وآثاره: كذلك العمل الطيب يكافأ على آثاره إلى يوم القيامة، فأنت قد تبذل جهدك في هداية إنسان واحد فقط، هذا الإنسان, عندما أراد أن يتزوج بحث عن امرأة مؤمنة، أنجب أولاداً، وربّاهم تربية عالية، وعلّمهم، فكانوا من بعده دعاة إلى الله عزّ وجل، هؤلاء دعوا الناس، قد يأتي يوم القيامة، فيريه الله عزّ وجل أن مليون إنسان قد سعدوا في الدنيا والآخرة, بسبب هدايته لهذا الإنسان الأول، لذلك قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾ (سورة المائدة الآية: 32) ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ ( سورة المائدة الآية: 32) هناك قاعدة فقهية: الغُرم بالغُنم، كما أن العمل السيء تكتب آثاره إلى يوم القيامة، كذلك العمل الطيب تكتب آثاره إلى يوم القيامة, ساهم إنسان في بناء مسجد، ووافته المنية، فهذا المسجد إلى يوم القيامة كل صلاة عقدت فيه، كل حلقة ذكر، كل مجلس علم، وأي خير ظهر من هذا المسجد, فهو في صحيفة الذي ساهم في بنائه إلى يوم القيامة, فالإنسان المؤمن يوم القيامة, يعرق عرق الخجل، له طبعاً عمل طيب، لكنه لم يكن متوقعاً أن هذا العمل بهذا الحجم الكبير، يقول: كل هذا لي؟ نعم، لأنك أنت الذي بدأت، أنت الذي سننت، هذه السنة الطيبة، فكل من عمل بها في صحيفتك إلى يوم القيامة. الإمام الغزالي توفي رحمه الله تعالى، وترك كتاب الإحياء، اسألني بالعالم الإسلامي, من المغرب إلى الباكستان، ومن تركيا إلى اليمن، كم مِن إنسان انتفع بـهذا الكتاب، درس الأحد من سنتين أو ثلاث في صحيفة الإمام الغزالي، نقرأ من كتابه، ونستفيد. سيدنا الصدّيق رضي الله عنه, يعد المؤسس الثاني للدولة الإسلامية، لو لم يقف موقفاً حازماً وصلباً من المرتدين, لا نتهى الإسلام، فبقاء الإسلام في هذه الأماكن في صحيفته، وكلنا جميعاً في صحيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومِن كرمِ الله عزّ وجل أن يعطيك الأجر، ومثل هذا الأجر لمَن كان السبب؟. جميع الآثار المترتبة على هذه الأعمال, يُحاسَبُ عليها الإنسان، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ)) ( ورد في الأثر) أنواع الكسب: 1- الكسب اﻹيجابي في فعل الطاعات:عندنا الكسب الإيجابي: وهو أن يقوم الإنسان المكلف بإرادته بعمل إيجابي، سواء أكان بدنياً، أو نفسياً، أو فكرياً، كل ذلك يدخل في باب الطاعات والفضائل، هناك عمل إيجابي بدني, كالصلاة, والزكاة, والحج، والأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر، وخدمة الوالدين، وصلة الأرحام، وتعليم العلوم الدينية، ونشر الشريعة الربانية، وإصلاح المجتمع بوسائل التربية العلمية المختلفة, وهناك عمل نفسي إيجابي, كشغل القلب والنفس بالحب في الله، والبغض في الله، والسرور بعزة المسلمين، والانقباض لخذلانهم، والشوق لمناجاة الله عزّ وجل، والقيام بطاعته، والرضا عن الله في قضائه وقدره, وهناك عمل إيجابي فكري, كالتدبر في آيات الله وآلائه، البحث عن دلائل وجوده جلّ وعلا، ابتكار ما فيه خدمة المسلمين وتقويم سلوكهم، التخطيط الفكري لفعل الخير ودفع الشر، هذا في باب الطاعات الفكرية. 2- الكسب السلبي في فعل المعاصي وترك الطاعات: الكسب السلبي: وهو أن يقوم الإنسان المكلف بإرادته بعمل سلبي، سواء أكان بدنياً، أو نفسياً، أو فكرياً، كل ذلك يدخل في باب المعاصي والرذائل, هناك معاصي بدنية, كالزنا، وشرب الخمر، والقتل، وأما أن تشغل النفس في معصية الله، محبة أهل الكفر، مودة من حادّ الله ورسوله، السرور بانتصار أهل الكفر، الحسد، الحقد، عداوة أهل الحق، هذه كلها أعمال سلبية نفسية, وأما أن تعمل فكرك في شيء يؤذي العباد، يؤذي الخلق، يضّر بهم, هؤلاء الذين يصنعون القنابل الجرثومية، والأسلحة الكيماوية حتى يفتكوا بالناس، وهم علماء كبار في مخابرهم، هذه كلها معاصي فكرية. هناك كسب سلبي أيضاً في ترك الطاعات، بدني، وفكري، ونفسي، وإليكم الأمثلة: كترك الواجبات, مثل الصلاة، والزكاة، وترك الأمر بالمعروف، وإهمال تعلم ما ينبغي تعلمه، وعدم محبة الله ورسوله، وعدم الرضا بالقضاء والقدر، وعدم التسليم لأحكام الله وشرائعه، وأمثال ذلك مما فيه معصية. الأدلة من الكتاب والسنة على موضوع حدود المسؤولية: حدود المسؤولية بصورها المختلفة، تدخل بوجه عام في مفهوم, قوله تعالى في سورة الزلزلة: ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ ( سورة الزلزلة الآية: 7-8) هذه السورة جامعة مانعة، كل هذا الدرس ملخص في هذه السورة، لذلك جاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام, قال: (( يا رسول الله عظني وأوجز. قال: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره. قال قد كفيت ! فقال عليه الصلاة والسلام: فقًه الرجل)) ( ورد في الأثر) هذا الأعرابي استمع إلى سورة واحدة, فقال: قد كفيت، هذه تكفي، وأقول لكم: هناك آيات تكفي: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ (سورة النساء الآية: 1) ألا تكفي هذه؟ ﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ (سورة الزلزلة الآية:7-8) ما هو الحكم الذي ينبثق عن حدود المسؤولية ؟ 1- الإنسان مسؤول عن كسبه فلا يتحمل أوزار الآخرين إلا إذا له يد فيه:أنّ كل إنسان مسؤول عن كسبه، فلا يتحمل أوزار الآخرين، إلا إذا كان له تسبب فيها، عندنا آية كريمة: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ (سورة الإسراء الآية: 13-14) ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ ( سورة النجم الآية: 38-40) ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ ( سورة غافر الآية: 17) ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾ ( سورة البقرة الآية:48) ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ( سورة الطور الآية: 21) ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (سورة المدثر الآية: 38) هذا مبدأ رائع، ومُريح، الزوج سيء، والزوجة صالحة، والعلاقة بينهما سلبية ومتنافرة، كل منهما يحاسَب عن نفسه, قال الله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾ (سورة التحريم الآية: 11) ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ (سورة التحريم الآية: 10) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ: ((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا)) ( ورد في الأثر) الأب صالح، الابن سيء، كل واحد يحاسب على عمله، هناك إنسان تزوج من امرأة فاضلة، من عائلة مرموقة وذات دِين، لكن الشاب يريدها غير ذلك، يريد أن تسايره في اختلاطه، ورحلاته، وندواته، وسهراته، يريد أن تبرز لأصدقائه في سهرة مختلطة، لكنها رفضت بإصرار، فلما كان رفضها مع إصرار، أشارت عليه أمه أن يضايقها، لأن مهرها المتأخر 100 ألف، فضايقها إلى أن طلبت الخلعَ من دون شيء، في هذه الفترة كان الأب غير راضٍ عن هذا التصرف، وكان يقول: الحق عليكم، هذا ظلم، بينما الأم والابن على خط واحد, بعد المخالعة وتنازلها عن حقها, طلبت النجاة بجلدها، بعد مضايقة شديدة, وإهمال، وضرب، وشتم، وما شاكل ذلك، تزوج امرأة ثانية، وله بيت في أحد المصايف، عاد بسيارته، وكان يركب في محل القيادة، وإلى جانبه زوجته، وخلفه أمه، وخلف زوجته أبوه، وقع حادث، فمات هو وأمه، ونجت الزوجة وأبوه, قال تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (سورة النجم الآية: 38) كل إنسان محاسب على عمله، إلا إذا كان له سبب فيه، كالإغواء، والإضلال، أو إهمال واجب النصيحة والإرشاد، لذلك قال عليه الصلاة والسلام للأقربين من عشيرته: ((اعملوا لأنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً)) ( ورد في الأثر) والحمد لله رب العالمين |
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( التاسع و الاربعون ) الموضوع :احكام المسؤولية الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ملخص فكرة أحكام حدود المسؤولية في الدرس الذي فات: لا زلنا في موضوعات تمهيدية للإيمان باليوم الآخر، وقد بينتُ في الدرس الماضي " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقةٍ جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له "، وأنّ هذا الحديث يُستَنبَط منه أن الإنسان يحاسَب لا على عمله فحسب، بل على آثار عمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فعَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا " ( أخرجه مسلم في الصحيح) هناك آية تؤكد هذا المعنى, قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾ ( سورة النساء الآية:85) إذاً: هو مسؤول، هنا نصيب، وهنا كفالة، وشتان بين النصيب والكفالة، ففي معرض الربح النصيب، وفي معرض الغُرم الكفالة. تتمة أحكام حدود المسؤولية: 2- لا يستفيد الإنسان من أعمال الآخرين الصالحة إلا إذا كان له يد فيها:شيء آخر: لا يستفيد الإنسان من أعمال الآخرين الصالحة، كما أن الأخطاء لا يتحملها ما لم يكنْ سبباً في فعلها، كذلك أعمال الآخرين الصالحة لا يأخذ منها شيئاً، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ﴾ ( سورة النجم الآية:39-40) كل إنسان له سعيه الخاص، وعمله الخاص، ومكانته الخاصة، إلا إذا كنت السبب في هذه الأعمال الطيبة، عندئذٍ لك الأجر، كالتربية على الفضيلة، هؤلاء الذين ربيتهم فكل أعمالهم في صحيفتك، والأدق من ذلك، كل الأعمال التي قاموا بها بسبب توجيهك إيّاهم فلك مثل أجرهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، كتعليم أمور الدين، وكالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. أدلة الكتاب والسنة بشأن هذا الحكم: الدليل النقلي، وهو القرآن الكريم, قال تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 13-14) كان العرب في الجاهلية, إذا مَرّ عن شمالهم طير يتشاءمون، وإذا مرّ عن يمينهم يستبشرون، فتشاؤمهم، واستبشارهم لا أساس له من الصحة، فربنا سبحانه وتعالى ردّ عليهم فقال: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 13-14) هذا الكتاب، كتاب الأعمال، يعني كل صغيرة, وكل كبيرة, مسجل في صحيفة أعمالك، ويوم القيامة تبرز هذه الصحيفة، قال تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ ( سورة الإسراء الآية: 15) تزر, تعني تحمل، مِنْ وَزَرَ، يَزِرُ, فلا تحمل نفسٌ حمل نفس أخرى، كل إنسان يحمل عمله، قال تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 15) هذه الآية أصلٌ في أن كل إنسان مسؤول عن كسبه، فالأب لا يحاسَب عن ابنه إذا قدّم له النصيحة الكاملة، واعتنى به عناية فائقة، وبعد ذلك أصرّ على طريق غير مستقيم، والابن لا يحاسَب عن أبيه إذا استنفذ نصحه، والزوج لا يحاسَب عن زوجته إذا نصحها إلى أقصى حد، والزوجة لا تحاسَب عن زوجها، وكل إنسان يحاسب عن عمله. في سورة النجم, قال تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾ ( سورة النجم الآية: 38-40) ليس لك في الآخرة إلا العمل الذي كنت قد عملته في الدنيا، ولا شيء آخر إلا عملك. قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (سورة غافر الآية: 17) ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ (سورة البقرة الآية: 48) هذه الآية مطلقة, قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ ( سورة البقرة الآية: 48) فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهُ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ: " يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا " ( ورد في الأثر) آية أخرى تؤكد هذه الحقيقة, قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ ( سورة الطور الآية: 21) نحن في الدنيا، إذا تورط الإنسان، وخالف القوانين، حُجزت حريته، فقد أصبح رهين عمله السيء، أو رهين مخالفته، هذا في الدنيا, فكيف في الآخرة؟ لهذا, قال النبي عليه الصلاة والسلام للأقربين من عشيرته: " اعملوا لأنفسكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً " ( ورد في الأثر) النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " الذنب شؤم على غير صاحبه " ( ورد في الأثر) كيف شؤم؟ الآن قلنا: الإنسان مسؤول عن كسبه فقط، فكيف يقول النبي عليه الصلاة والسلام: " الذنب شؤم على غير صاحبه " ( ورد في الأثر) فسّر ذلك؟ قال: إن ذَكَرَهُ فقد اغتابه، وإن رضّي به فقد شاركه في الإثم، وإن عيّره ابتلي به، فليحذر أحدنا إن رأى أخاً له قد وقع في ذنب أن يُشهِّر به. 3- الإنسان مسؤول عن آثار كسبه الإرادي الخيري: الحكم الثالث: الإنسان مسؤول عن آثار كسبه الإرادي، ومحاسب عليه، فله ثواب الصدقة الجارية، ولو بعد موته، لأن استمرار الاستفادة منها في أبواب الخير من آثار كسبه، وله ثواب العلم النافع الذي يقوم ببثه، ونشره، أو التأليف فيه، كذلك كل من ساهم بنشر هذا العلم النافع، فله عند الله أجر، وفضل الله واسع، لا يُنقص من أجر الآخر شيئاً، مهما كثر المساهمون, ولـه أجر كل من اهتدى بهديه من أتباعه، أو أتباع أتباعه، أو أتباع أتباع أتباعه، إلى يوم القيامة، هذا شيء عظيم, عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، فَقَالَ أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَ بَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ فَوَاللَّهِ لأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجلا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ " (متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن سهل بن سعد في صحيحهما) وفي رواية: " خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " (كتاب الزهد، لعبد الله بن المبارك) هذا كلام له أبعاد، كلمة (مِن الدنيا، وما فيها) ماذا تعني؟ تصور أن رجلاً يملك كل الشركات في العالم، وكل الأراضي، وكل الأبنية، وكل المشاريع القائمة، وكل المستشفيات، وكل المشاريع الناجحة، كل أرباحها له، لو أنه مَلَكَها، ووافته المنية لتركها بلا شيء, أما إذا كنت مساهماً في هداية إنسان، فهذا الإنسان إذا سعد في الآخرة إلى الأبد، فأنت السبب، لذلك, " يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها " (متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن سهل بن سعد في صحيحهما) أنت كإنسان تعطي على صنع باب ألف ليرة أو ألفين، أمّا أن تدفع مئة مليون ليرة على صنع باب واحد, فهذا مستحيل، بينما ربنّا عزّ وجل يثيب على العمل الصالح مَن دلّ عليه، ومَن ساهم فيه، وكل من له علاقة به، هذا من باب كرم الله عزّ وجل, وكذلك ينفع الإنسانَ بفضل الله دعوةُ ولده الصالح، هذا الابن حينما يقول: رب اغفر لي ولوالدي، فمِن تربية أمّه، وأبيه له, حينما كان صغيراً، والعناية الطبية، والصحية، والاجتماعية، والتربوية، وتحمل نفقاته، وهذا الحرص، وهذا القلق، إلى أن صار سوياً، يصل الأب من الأجر بسبب هذا الدعاء بقدرِ ما لهذا الابن مِن فضلٍ. لذلك فإنّ تربية الأولاد عمل كبير، فلا يزهد فيها أحد، وينفعه بعد موته دعوة ولده الصالح له، لأن صلاح الولد في الغالب ثمرةٌ من ثمرات تربية أبيه له، وذلك من آثار كسبه، إلا في حالة واحدة، وهي إذا كان الأب يريد لابنه طريق الشر، طريق البعد عن الدين، يمنعه من الدين، يغريه بالدنيا بالانغماس في ملذاتها، والابن منصرف إلى الدين، هذا العمل الطيب للابن ليس في صحيفة الأب، لأن الأب ما أراد ذلك بل أراد عكس ذلك. 4- الإنسان مسؤول عن آثار كسبه الإرادي السيء: كما يتحمل الإنسان تبعة السيئة الجارية، ولو بعد موته، لأن استمرارها قد كان لكسبه أثر فيها، ويتحمل تبعة العلم الضار، كأستاذٍ أقنع الطلاب أن الإنسان أصله قرد، زاعماً أن قصة آدم وحواء كلها خرافات، فيأتي هذا الشاب ليقرأ القرآن فيجد: ﴿ فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ( سورة البقرة الآية: 37) يقول له: هذا كله خلط، ولقد تعلمنا أن الإنسان أصله قرد، إذاً: هو حقاً صار قرداً، ما كان بل صار، وذلك حينما ترك الله عزّ وجل، وانغمس في الدنيا, مسخه الله قرداً، وصار حيواناً, والإنسان من دون قيَم حيوان, يتحمل الإنسان تبعة العلم الضار الذي يبثه، وينشره في الناس، ولو بعد موته، لأن كسبه في حياته كان له أثر في استمرار الضلالة فيه، بث فكرة زائغة، أو نظرية فاسدة، أو قضية من أجل مصلحة طارئة مادية، تعلم الناس طريق الشر، تقنعهم بالانحراف من أجل تغطية نفسك، من أجل تبرير عملك، تأتي بحكم فقهي مزوّر وتقنع الناس به, فحينما تبث علماً ضاراً، أو ضلالة، أو جهلاً، أو انحرافاً، كل من عمل بهذا التوجيه إلى يوم القيامة، يجب أن تتحمل وزره، أو إذا استفتي الإنسان فأفتى فتوى لا يبتغي بها وجه الله، بل يبتغى بها وجه زيد أو عُبيد، كل مَن عمل بهذه الفتوى سوف يتحمل وزرها الذي أفتى بها، لذلك هناك من يفتي فيجعل من رقبته جسراً إلى النار، إن الإنسان إذا كان لا يعلم فليقل: لا أدري، فنصف العلم لا أدري، وكلما كنت جباناً في الفُتيا كنت أقرب إلى الله عزّ وجل, عَنْ سَعِيدِ بْن أَبِي أَيُّوبَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ" ( ورد في الأثر) تريّث، لست بمتأكد، اسأل. إن الأب يتحمل من أوزار ولده الذي أساء تربيته، ودفعه إلى سلوك سبيل الشر، كما يتحمل من أوزار كل مَن تأثر بإضلاله مِن أتباعه، أو أتباع أتباعه، أو أتباع أتباع أتباعه إلى يوم القيامة، الذين كان له كسبٌ في توجيههم وجهة الضلالة والشر. أدلة الكتاب والسنة على أن الإنسان مسؤول عن آثار عمله الإرادي: يقول الله عزّ وجل: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ ( سورة النحل الآية: 25) ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 67-68) فالله تبارك وتعالى يكتب ما قدّم الناس من أعمال الخير، وأعمال الشر ليحاسبهم عليها، ويكتب أيضاً آثار أعمالهم، ولو ظهرت الآثار بعد انتهاء آجالهم في حياتهم الدنيا, فإذا اخترع شخص اختراعاً، تحمل وزرَ وإثمَ كل مفسدة تحققت من جرائه على وجه الأرض إلى يوم القيامة. هذا دليل آخر: " سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى هرقل ملك الروم كتاباً قال: أما بعد, أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين " ( متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما) لماذا مرتين؟ هذا جزاء القدوة، مرة لأنه أسلم، ومرة لأن أتباعه بقدوته أسلموا، حينما أسلم, أسلم معه أتباعه، فالذين لهم مكانة اجتماعية, كالأب، والمعلم، ومدير المدرسة، كل إنسان له مكانة اجتماعية، له مركز قيادي، صاحب محل، وعنده ثمانية موظفين، إذا صلى الظهر أمامهم شجعهم على الصلاة، وإذا غضّ بصره عن امرأة دخلت المحل, شجعهم على طاعة الله، فكل إنسان له مكانة بين عشرة من الناس، إذا استقام على أمر الله فإن له الأجر مرتين, مرة لأنه استقام، ومرة لأنه شجَّعَ الآخرين على الاستقامة، قال له: " أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين" ( متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما) أي أتباعك إثمهم جميعاً في رقبتك إن لم تسلم. 5- الإنسان مسؤول عن خواطره إذا أراد العزم والقصد أما غير ذلك فلا: الحكم الخامس: إنّ الخواطر التي تخطر على فكر الإنسان دون أن تتحول بإرادته إلى عزم وتصميم، لا تدخل في باب المسؤولية والمحاسبة، فإن تحولت بالإرادة إلى عزم وتصميم دخلت في باب المسؤولية والمحاسبة، ويُسمى هذا الخاطر عندئذٍ هماً، فالهم يعني التصميم، وهو العمل القلبي الذي يسبق العمل المادي. لو أن الإنسان أرخى لخواطره العنان, لخشينا أن تتحول هذه الخواطر إلى أعمال, لو أن واحداً تخيل المعصية، وسبح فيها، إذا لم يقف عند حد, ربما انقلبت هذه الخواطر إلى أعمال، فلذلك إن المؤمن لا يسمح لنفسه أن يسبح في خواطر لا ترضي الله عزّ وجل, فالأفضل والأولى, كلما خطر في بال الإنسان شيء لا يرضي الله عزّ وجل، أن يبتعد عنه، أو أن يقطع هذه الخواطر فضل الله على المؤمنين: تفضّل الله علينا فجعل الهمّ بفعل الحسنة حسنةً يثاب عليها الإنسان، ولو لم يعملها، والدتك تحتاج لدواء الساعة الواحدة، عندهم في البيت أقراص دواء، لكنها ضائعة، أنت نويت أن ترتدي الثياب، وهممت أن تذهب إلى طرف المدينة لشراء هذا الدواء، وبينما أنت ترتدي الثياب قالت لك أمك: وجدت الدواء، فأنت عدلت عن الذهاب، كأنك ذهبت، كُتب لك الأجر, لأنك هممت لهذه الحسنة، وهذا كثيراً ما يحدث، وعلى هذا فقِس, هذا من كرم الله سبحانه وتعالى. فأقل جزاء على العمل الصالح عشرة أمثاله، وأعلى جزاء على العمل السيء مثل واحد، وهو أعلى جزاء، أما بالنسبة للعمل الصالح فأقله عشرة، والله يضاعف لمن يشاء, قال الله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ (سورة البقرة الآية: 261) سبعمئة، إلى سبعة آلاف, قال الله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (سورة الزُمر الآية: 10) الصابرون لا حد لأجرهم، لكنك إذا هممت بالحسنة كان لك أجرها، ومِن فضل الله علينا أنْ جعل الهمّ بفعل السيئة، والتصميم عليها سيئة واحدة، شخص نوى أن يؤذي إنساناً بمحض إرادته، فإن لم يفعلها بإرادته، فكّر، شعر أن هناك إله يُحاسب، وقد يعاقبه على هذا العمل، فانتهى نهياً ذاتياً، قالوا: فإنْ لم يفعلها بإرادته تحولت السيئة فصارت حسنة. إذا همَّ إنسان بسيئة، ولم يفعلها، ليس لأنه لم يستطيع، أردت أن توقع الأذى بفلان، فلم تجده في البيت، أردت أن تفعل ذلك فلم تتمكن، هنا وقع عليك الإثم، لكنك إذا انتهيت نهياً ذاتياً عن القيام بعمل سيء، هذا النهي الذاتي يجعل السيئة حسنة لك عند الله عزّ وجل، وإن همّ بسيئة وفعلها بإرادته كُتبت له سيئة فقط، من دون مضاعفة. وبهذا تنتهي الموضوعات التمهيدية لموضوع الإيمان باليوم الآخر، الذي هو أحد أركان الإيمان، ويليه في الترتيب، الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى. والحمد لله رب العالمين |
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( الخمسون ) الموضوع :الايمان باليوم الاخر (7) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الكون دليل على وجود خالق يستحيل عليه أن يخلق الناس من دون يوم للحساب: الموضوع اليوم: الإيمان باليوم الآخر، وكنّا قد مهّدنا لهذا الموضوع في دروس عديدة، والذي يبدو حقاً أن لهذا الكون خالقاً عظيماً، من صفاته العلم والقدرة، والعدل والحكمة، وأنه مُنزّه عن كل نقص، ويستحيل في حقه حينئذٍ أن يخلق الكون عبثاً، كما أنه يستحيل على إنسانٍ عاقل - ولله المثل الأعلى - أنْ يبني بناء ضخماً، يستغرق عشرات السنين، ثم يُكسى، ثم يُفرش، ثم يُجهّز بكل ما يحتاجه الساكن، وبعد أن ينتهي يهدمه، هذا العمل يستحيل على عاقل أن يعمله, كذلك خلقُ السموات والأرض، هذا الكون المعجز، حياة الإنسان، خلق الإنسان في أحسن تقويم، يعيش سنوات عديدة ويموت، وانتهى الأمر, قد يكون هذا الإنسان معتدياً، قد يكون مظلوماً، قد يكون ظالماً، قد يكون قوياً، قد يكون ضعيفاً، فإذا خلق الإنسان في أحسن تقويم، وانتهت حياته على أتفه سبب، وانتهى كل شيء، فهذا نوعٌ من العبث، لذلك ربنا عزّ وجل يستحيل في حقه أن يخلق الكون عبثاً، وأن يخلق الإنسان سدى, قال الله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾ (سورة القيامة الآية:36) ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (سورة المؤمنون الآية:115) لذلك, فالتأمـل في خلـق السموات والأرض يُستنبط منه أنّ لخالق الكون أسماء حسنى، وصفات فضلى، هذه الأسماء الحسنى، وهذه الصفات الفضلى لا يمكن أن تدع مجالاً للاعتقاد أن هذا الكون خلق عبثاً، وأنّ هذا الإنسان سيًتْرَك سدى, ومِن لوازم التأمل في خلق السموات والأرض الإيمان بأن لهذا الكون العظيم خالقاً، وأنّ بعد هذه الحياة يوماً يجازى فيه الإنسان على عمله، هذا يتضح في سورة النبأ، قال سبحانه وتعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً ﴾ (سورة النبأ الآية:1-6) النبأ العظيم، يوم الجزاء، يوم القيامة، يوم الحساب، يوم الدين، يوم الدينونة، يوم الثواب، يوم العقاب، يوم الجنة، يوم النار، هذا هو النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون، كلا سيعلمون عند الموت، ثم كلا سيعلمون عند البعث والنشور. ما علاقة الآيات الكونية في سورة النبأ بيوم القيامة ؟ سيأتي الدليل على النبأ العظيم، وسيأتي الدليل على يوم الدين, قال الله:﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً* وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً ﴾ (سورة النبأ الآية:7-14) ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً ﴾ (سورة النبأ الآية:14-17) ما علاقة هذه الآيات الكونية بيوم الفصل، بيوم الدين؟ هذا الكون لم يُخلق عبثاً، والإنسان لن يترك سدى، بل لا بد أن يُحاسَب، لا بد أن يجازى، لا بد أن يدفع الثمن، أما أن يموت الإنسان، وانتهى الأمر، أن تنتهي حياته بالموت, فهذا لا يحقق كمال الحكمة الإلهية، وكمال العدل الإلهي، فلا بد من تحقيق كمال الحكمة، وكمال العدل في يوم آخر، إنه يوم الدين. الشيء الثاني، هو أن أركان الإيمان، وهي معلومة لديكم، الإيمان بالله، وباليوم الآخر، وبالملائكة، والكتاب، والنبيين، لكن إذا أردنا أن نرتب أركان الإيمان عدا الإيمان بالله من حيث الأهميةُ, يأتي الإيمان باليوم الآخر في الدرجة التي تلي الإيمان بالله، أن تؤمن بالله، وباليوم الآخر، لأن من لوازم الإيمان بالله, الإيمانُ باليوم الآخر، والإيمان بالله يعني الإيمان بأسمائه، والإيمان بعدله، والإيمان بحكمته، والإيمان بعلمه، والإيمان بقدرته، سبحانه وتعالى. فالإيمان بهذه الأسماء يقتضي كمال الحكمة، وكمال العدل، ولا يتحققان إلا في اليوم الآخر، هذا عاش ثلاثين عاماً، وهذا مات صغيراً، وهذا عمّر ثمانين عاماً، وهذا وُلِد غنياً مِن أبٍ غني ثري، وهذا وُلِد فقيراً، وهذا عاش مريضاً، وهذا عاش صحيحاً، ما هذا التفاوت الكبير؟ لا بد من تحقيق العدل الإلهي، بل كمال العدل الإلهي، ولا بد من تحقيق كمال الحكمة الإلهية، إنها في اليوم الآخر. ما هي السلسلة الفكرية المنطقية التي تقودنا إلى اليوم الآخر: 1- الكون هو الدليل الأول لقيادة الإنسان إلى الإيمان بربه:سنورد السلسلة المنطقية الفكرية التي تقودنا إلى الإيمان باليوم الآخر: المقدمة الأولى: دراسة الكون، والحياة، والإنسان, تهدي إلى الإيمان بالخالق العظيم، القادر العليم، العدل الحكيم، وأسماء الله عزّ وجل كثيرة، ويعنينا في هذا المجلس أو في هذا الدرس أربعة أسماء, العلم، والقدرة، والعدل، والحكمة. 2- الكون دليل على تدبير خالق حكيم يستحيل عليه العبث فيه: المقدمة الثانية: لا بد من غاية مِنَ الخلق، ولا يوجد إنسان عاقل يقوم بعمل لا غاية له فيه، ولا يوجد إنساناً يتحرك حركة بلا غاية، يسافر بلا غاية، يتكلم بلا غاية، يزور فلانًا بلا غاية، أن يكون للعمل غاية فهذا مِن لوازم العقلاء، والإنسان العاقل كل أعماله معللة بغاية، والله سبحانه وتعالى خالقُ الكون, أيُعقل أن يخلق الكون بلا غاية؟ فما معنى بلا غاية، يعني عبثاً، قال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ (سورة المؤمنون الآية:115-116) إذا تأملت في خلق السموات والأرض, وجدت أن للسموات والأرض خالقاً عظيماً، عليماً، قديراً, عدلاً، حكيماً، ومن لوازم العدل والحكمة والعلم والقدرة أن يكون لأفعاله غاية، غاية نبيلة، ربنا عزّ وجل قال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ (سورة الحِجر الآية:85) كيف عرفنا معنى بالحق؟ من هذه الآيات, قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ (سورة ص الآية:26) ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾ (سورة الأنبياء الآية:16) ما دام الحق مناقضاً للعب، وما دام الحق مناقضاً للباطل، فالحق هو الشيء الثابت الهادف، بالحق هناك هدف، باللّعب لا هدف معه، الحق شيء ثابت، الباطل شيء زائل، قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾ (سورة هود الآية:118-119) 3- الإنسان مخير في أي طريق يسير: المقدمة الثالثة: أن الإنسان مخير، فبإمكانه أن يفعل الخيرات، وبإمكانه أن يعمل السيئات، بإمكانه أن يتبع الهوى، وبإمكانه أن يتبّع العقل، بإمكانه أن يستقيم على أمر الله، وبإمكانه أن ينحرف عن أمر الله، بإمكانه أن يكون خير البرية، وبإمكانه أن يكون شر البرية، بإمكانه أن يفوق الملائكة المقربين، وبإمكانه أن يهوي إلى أسفل سافلين، هذا كله بإمكانه، إذًا: فهو مخيّر، ومعنى مخيّر، أي ممتحن، مُبتلى، ومن لوازم الامتحان والابتلاء, الجزاء. النتيجة: إنها الحياة الآخرة، إنه اليوم الآخر، فطبيعة هذه الحياة رُتبت لتنتهي إلى حياة أبدية، وهذا تخطيط الله عزّ وجل، تصميمه، وهندسة الكون تقتضي أن يكون في الكون حياة دنيا، هي دار ابتلاء، وحياة أخرى، هي دار جزاء, ومن لوازم التخيير الجزاء. الأدلة من الكتاب بشأن هذا الموضوع: الأدلة النقلية القرآنية حول هذا الموضوع, يقول ربنا سبحانه وتعالى:﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ (سورة المؤمنون الآية:115-116) تعالى الله، وتنّزه أنْ يخلق الخلق عبثاً بلا غاية، هذا النص يؤكد لو أن الله عزّ وجل خلق الخلق، ولن يُحاسبهم على أعمالهم فخَلْقه لهم جاء عبثاً، وهذا يتنافى مع حكمته، ومع عدالته، ومع علمه، ومع قدرته، فتعالى الله أن يخلق الخلق عبثًا، ومعنى المَلِك الحق، أي أن هذا الكون خُلق ليبقى، وأن الإنسان خُلق ليبقى، وما الموت إلا حالة طارئة تعتريه، لينتقل من دار إلى دار، ومن مجال إلى مجال, ولما كان احتمال العبث احتمالاً مرفوضاً عقلياً، كان لا بد من وجود حياة أخرى، تظهر فيها تطبيقات الغاية من الحياة الأولى، وهذه الحياة لا بد أن تكون مقررة في برنامج المقادير الإلهية، إنّ الله هو الملك الحق لا إله إلا هو. دليل آخر، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ (سورة القلم الآية:35-36) وقال سبحانه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾ (سورة السجدة الآية:18) شيء طيب, في الدنيا قد يستوون، وقد يكون المجرم الكافر المعرِض في بحبوحة، وغنى، ويسر، وقد يكون المؤمن في ضيق، وفقر، وما دام الله عزّ وجل قال: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ (سورة السجدة الآية:18) و: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (سورة القلم الآية:35) فلا بد أن يكون هناك فرق كبير بينهما. فمن ظروف الحياة اليومية التي نعيشها، هذه الحياة تسمح للمعرضين أن يعيشوا فيها عيشاً رغيداً ناعماً، يصيبون فيه المال، والجاه، واللذّات، إذا سمحت الحياة لهؤلاء أن يعيشوا كذلك، والآية تقول: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ (سورة القلم الآية:35) كان لا بد من يوم آخر، تتحقق فيه هذه الآية: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ (سورة يس الآية:59) ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ( سورة يس الآية:60) لا بد من يوم يمتاز فيه المجرمون عن المؤمنين، والمعرضون عن المقبلين، فالدنيا التي تساوي في المظهر بين المسلم وبين المعرض، هذه الدنيا، لا بد من يوم آخر يتبعها، لا يستوي في هذا اليوم الآخر المجرم مع المسلم، قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾ ( سورة القلم الآية:35-36) قد تسمح الدنيا للفاجر أن يقوى على المؤمن، قد تسمح الدنيا للمعرض أن يرتفع عن المؤمن، لكن في الآخرة كل هذا لا يكون, قال الله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ *إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ ( سورة المؤمنون الآية:104-115) وفي آية أخرى يقول عز وجل: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾ (سورة المطففين الآية:34) دليل آخر, قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ (سورة الجاثية الآية:21) ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ (سورة القيامة الآية:36-40) بلى إنّ الله قادر، وهذه الآيات تؤكد أن طبيعة الحياة الدنيا تقتضي أن يكون بعد الموت حياة أخرى، يتحقق فيها العدل الإلهي المطلق، والحكمة الإلهية المطلقة، والله سبحانه وتعالى يقول: ﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾ (سورة يونس الآية:4) ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ (سورة طه الآية:15) يعيد كل نفس بعملها، ويعيد الخلق ليجازي كلاً بعمله. شيء آخر, يقول الله عزّ وجل: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ﴾ (سورة الإسراء الآية:110) أسماؤه سبحانه وتعالى كلها حسنى، ومن مقتضيات أسمائه الحسنى أن يثيب الصالح، وأن يعاقب الطالح، ومن لوازم أسمائه الحسنى أن يُكرم المستقيم، وأن يعاقب المنحرف، الدنيا لا تكفي، لأنّ فيها تفاوتًا كبيرًا، فلا بد من حياة أخرى تتحقق فيها أسماء الله الحسنى. لا يمكن أن يسعد المجتمع الإنساني إلا إذا آمن أفراده باليوم الآخر: الإيمان باليوم الآخر, مبدأ ضروري لسعادة الجماعة الإنسانية، هذه أخطر فكرة في الدرس، فلا يمكن لمجتمع إنساني أن يسعد إلا إذا آمن أفراده باليوم الآخر، لماذا؟ لأن الإنسان في المجتمع لا يسعد إلا إذا انضبط أفراده. هذا الذي يبيعك حاجة، يبيعك زيتًا، ما الذي يضمن لك أن هذا الزيت ليس مغشوشاً؟ أنت لا تملك الإمكانية التي تكشف بها الغش, هذا الذي يعطيك هذه السلعة ما الذي يضمن لك أن ليس فيها عيب؟ فإذا خاف البائع من الخالق، وخاف اليوم الآخر، وخاف يوم الدين، يستقيم معك في البيع والشراء، أما من دون إيمان باليوم الآخر، مهما وضعنا من ضوابط يتفلت الإنسان منها، لأنّ الذي يضع هذه الضوابط إنسان، والذي يتفلت منها إنسان مثله، والعملية منافسة بين الأذكى، فقد يضع الضوابط إنسان ذكي، فيأتي إنسان أذكى منه، ويخرق هذه الضوابط, إنّ كل شيء وضعه البشر أَمكن خرقه، وأمكن الاحتيال عليه، والتلاعب به، فحتى عملياً لا تصلح الحياة إلا أن يؤمن أفراده باليوم الآخر. حدثني أخ كريم, أنه يمكن إضافة مواد ضارة للمواد الغذائية من أجل أن يرتفع سعرها، فما الذي يضمن أن هذا الذي يصنع الغذاء سيضيف مواد حافظة بكميات زائدة عن الكميات القانونية، من أجل ضمان عدم فساد هذه المواد، وهي مواد مسرطنة، تؤدي إلى الإصابة بالسرطان؟ إذاً: كيف تستقيم حياتنا؟ هذا الذي يصنع الغذاء ويعلبه, إذا لم يخش الله عزّ وجل، وإذا علم أن الله لن يحاسبه عن كل من تأذى بهذا الغذاء, فسيقع ظلم وقهر، ولن تستقيم حياتنا، فضوابط البشر مهما دقت لا تكفي, لأن الإنسان علمه محدود، وضوابط البشر مقيدة بالمراقبة، ويستحيل أن توفر مراقباً على كل إنسان، وقد يتفقان، فتحتاج لمراقب ثالث عليهما، وقد يتفق الثلاثة فتحتاج إلى رابع, فمن المستحيل أن تضبط الأمور، إلا أن ترسخ إيمان الناس باليوم الآخر، حيث سيقف بين يدي الله عزّ وجل ليحاسبه عن كل عملٍ اقترفه، والأمثلة في مثل هذا لا تعد ولا تحصى، فالإنسان الذي تتعامل معه إذا لم يكن مؤمناً بالله، ولا باليوم الآخر, فهو وحش مخيف، فقد يحتال عليك، وقد يبتز مالك، وقد يغشك في صحتك، فيجري لك عملية جراحية لا جدوى منها. أخ يعمل في لف المحركات، حدثني بنفسه عن مشكلة عامة تحدث في أكثر المحركات التي تحتاج للتصليح، وهي وجود سلك رفيع يكون مقطوعاً، يتم تصليحه خلال خمس ثوان, ويأخذ عليه أجرة 1500 ليرة، بينما بعد ما عرف الله عزّ وجل, يأتيه الزبون بعد أسبوع فيتقاضى منه أجراً عشر ليرات، لأن العطل لا يتطلب ذاك المبلغ, وعلى هذا فقِس. والحمد لله رب العالمين |
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( الواحد و الخمسون ) الموضوع :الايمان باليوم الاخر (8) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ما دليل المسلم على إيمانه باليوم الآخر ؟ 1- طريق الخبر الصادق:أيها الأخوة, مع الدرس الواحد والخمسين من دروس العقيدة، وقد وصلنا إلى موضوع وجوب الإيمان باليوم الآخر، وتحدثنا في الدرس الماضي عن ضرورة الإيمان باليوم الآخر، يقول ربنا سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً﴾ (سورة النساء الآية:136) كأن الله سبحانه وتعالى وضّح في هذه الآية أركان الإيمان، وكيف أنّ الإيمان باليوم الآخر أحدُ أركان الإيمان الأساسية؟ فعقيدة الإيمان بالله لا تنفك عن الإيمان باليوم الآخر، لأن مِن مقتضى الإيمان بالله تصديقُه في جميع ما يخبرنا به، فلو سألك سائل: ما الدليل على إيمانك باليوم الآخر؟ تقول: هذا الكون كله دليل على وجود الله، فالإيمان بوجود الله إيمان تحقيقي، بعد أن عرفتَ الله، وعرفتَ أن لهذا الكون خالقاً عظيماً، وأن هذا الخالق العظيم لا يُعقل أن يترك عباده من دون إرشاد، وأنه أنزل على رسله كتباً، ليُعرفّهم بحقيقة وجودهم، وحقيقة المهمة التي خُلقوا من أجلها، وأن الله عزّ وجل أخبرنا في هذه الكتب أن هناك يوماً آخر. فمِمّا يقتضي، ومما يلزم مِنَ الإيمان بالله عزّ وجل الإيمان باليوم الآخر، لأن الله عزّ وجل أخبرنا في كتبه بأن هناك يوماً آخر، القضية سلسلة يشد بعضها بعضًا, الإيمان بالله إيمان تحقيقي، عن طريق النظر في الكون، وعن طريق الاستدلال العقلي اليقيني. ذكرت لكم من قبل أنّ مسالك اليقين أربعة: 1- مسلك اليقيني الحسّي: أنت تشعر، أنت تحس، وترى بعينك أن هذا المصباح متألق، وأن هذا كتاب، وأن هذا كأس، هذه أمثلة على هذه المسلك. 2- مسلك اليقين الاستدلالي: الأثر يدل على المؤثر، والنظام على المنظم، والخلق يدل على الخالق، والوجود يدل على الموجد، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج, ألا تدلان على العليم الخبير ؟. 4- مسلك اليقين الإخباري: وهو الشيء الذي غابت عينه، وغابت آثاره، كعالم الأزل، وعالم الأبد، والملائكة، والجن، واليوم الآخر، والجنة، والنار، والبرزخ، ويوم البعث، والنشور, هذه الأشياء المغيبة عنّا مسلك اليقين الإخباري. يقينك باليوم الآخر يقين إخباري، لأن الله عزّ وجل أخبرنا عن طريق الوحي، وفي الكتب المنزلة، أن هناك يوماً آخر، وهذا هو الدليل الأول. من ضمن ما أخبرنا الله به عن اليوم الآخر ذكر الوعد والوعيد: وقد أخبرنا عن اليوم الآخر في وعده ووعيده، وما أعدَ الله في هذا اليوم من نعيم للمؤمنين المتقين، ومن الوعيد في هذا اليوم مِن عذاب للمجرمين, ولقد قررّ الله سبحانه وتعالى حقيقة الحياة الثانية بعد الموت، وأنها حياة الحساب والجزاء، وإقامة العدل الرباني في الخلائق، الحياة الدنيا حياة ابتلاء مؤقتة، حياة ابتلاء فانية، والحياة الآخرة، حياة جزاء خالدة، بعد هذه الحياة الأولى الفانية القصيرة المدى، التي هي حياة الامتحان والابتلاء، المحاطة بظروف الامتحان اللازمة على أتم وجه وأدقه.إنّ طبيعةَ هذه الحياةِ مصممة بشكل دقيق، على أن تكون حياة ابتلاء، حيث التفاوت في المستوى المعاشي، فهل يشكر هذا الغني؟ وهل يصبر هذا الفقير؟ هناك ابتلاء في قوة الجسد وضعفه، أفيشكر هذا الصحيح؟ وهل يصبر هذا السقيم؟ الأديان جميعها تؤكد وتؤمن بهذا اليوم: ولقد قرّر الله سبحانه وتعالى حقيقة هذه الحياة الآخرة في اليوم الآخر, والدار الآخرة في جميع الأديان السماوية، وأنزلها على جميع رسله عليهم الصلاة والسلام، لأن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان العقيدة في كل الديانات السماوية، فما من دين سماوي إلا وأحد أركان الإيمان فيه الإيمان باليوم الآخر.أسلوب القرآن المتنوع في تقريب هذه الحقيقة إلى الأذهان: لكن ربّنا عزّ وجل في معرض وجوب الإيمان باليوم الآخر ينوّع وسائل العرض، فتارة يأمر بالإيمان باليوم الآخر، وتارة ينهى عن الكفر به، وتارة يصرّح حيث لا يدع شبهة في التصريح، وتارة يُرغّب في الجنة، وتارة يُرهّب من النار، وتارة يشير، ويُلمّح في مقام حث المؤمنين على العمل الصالح، وتارة يمثّل, قال الله:﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ﴾ (سورة الكهف الآية:45) وهذا التمثيل والتشبيه لتقريب حقيقة هذه الحياة الثانية إلى الأذهان، وتارة بإقامة البراهين، والحجج المنطقية الدافعة في منافسة منكري البعث، وتارة بوصف ما في هذه الدار الآخرة من نعيم مقيم، وعذاب أليم، وجنة، ونار، وعرض، وحساب، وميزان، وصراط، إلى غير ذلك مِن مَشاهد وصور, لا يخفى على متعهد كتاب الله بالتلاوة أو بالسماع كثرةُ الآيات الكريمة، التي تُنَوِّهُ بالبعث من مختلف أطرافه، وبالحياة الآخرة من مختلف ألوانها، فعقيدة الإيمان باليوم الآخر، وما في هذا اليوم من حقائق ثابتة، عقيدة معلومة مِن الدين بالضرورة. الترابط المتلازم بين عقيدة الإيمان وبين السلوك وهما لا ينفكان: بينـت لكم من قبل, أن هناك مجموعة عقائد، يجب أن تُعلم بالضرورة، ولا يُعفى أي مسلم من مغبة الجهل بها، لكنّ التبحر في بعض العلوم فرض كفاية، غير أنّ هناك بعض الحقائق، وبعض المعتقدات الأساسية يجب أن تُعلم بالضرورة، فحضور مجالس العلم يرقى إلى مستوى الفرض، من أجل أن تعرف العقائد التي لا بد أن تعتقد بها، لأن هذه العقائد أساسية في تحرك الإنسان.من كانت عقيدته صحيحة كان عمله صحيحاً، ومن كانت عقيدته زائغة، كان عمله زائغاً، والدليل ناصع كالشمس، هذا الذي يأكل مالاً حراماً، لماذا أكله؟ لأنه اعتقد أن الحياة هكذا, خُلق الإنسان بلا مسؤولية, أما إذا عَلِمَ عِلمَ اليقين أنه سيحاسب عن هذا المال الحرام حساباً عسيراً، وإذا اعتقد أن هذا المال ربما تلف وأتلف صاحبه ابتعد عن الحرام, هنالك علاقة أساسية، وعلاقة خطيرة جداً بين المعتَقَد، وبين السلوك، هذا الذي يعتقد اعتقاداً جازما، أن كثرة ملح الطعام يسبب ارتفاع الضغط، وأن ارتفاع الضغط مرض خطير قاتل، إذا بلغ علمه حد اليقين في خطورة ملح الطعام، يعزف عن الطعام المالح، ولو كان من أشهى أنواع الطعام، لأنّ قناعته اليقينية أن ملح الطعام يسبِّب له متاعب لا حصر لها تمنعه من تناول ملح الطعام، هذا على المستوى الصحي، فإذا كان جاهلاً، ولم يعرف خطورة هذه المادة, وأثرها في رفع الضغط، وفي حبس السوائل في الجسم، وفي إرهاق القلب، تناول من الملح بشكل يرضي ذوقه، يقول لك: هذا الطعام لا يؤكل، أَضِفْ إليه الملح حتى نستسيغ طعامه, إذاً: العقيدة لها علاقة بالسلوك، وكلما ارتقى مستوى اليقين كلما سما العمل، ولا يمكن لإنسان أن يستقيم على أمر الله إلا إذا صحت عقيدته، فإذا لم تصح فهو يقترف من الآثام، ويقتنص من الشهوات، وينغمس في الملذات، لأن عقيدته غير سليمة. إذا اعتقد الإنسان أن هذه الصلاة لا لزوم لها، إنها حركات لا معنى لها، وإنها عبء على الإنسان، فهذا كفر, وقد يترك المرء الصلاة إنكاراً لحقها فيكفر، وقد يتركها تهاوناً فيفسق، فالمعتقد شيء مهم جداً. إذا اعتقدت أنه لا بد من أكل الربا، هكذا الحياة، هذا المال لا ينبغي أن يبقى مجمداً، ولا بد من أن يُستثمَر بربح مضمون، من دون قلق، ولا بد مِن وضعه، واستثماره بفائدة عالية، إذا اعتقدت بأن الربا حلال فقد كفرت, أما إذا اعتقدت بأن الربا حرام فهذا فسق، والفرق بين الكفر والفسق فرقٌ بين صحة العقيدة، وبين زيغ العقيدة. عقيدة المؤمن راسخة في إيمانه باليوم الآخر وأي شبهة تعتريه مرجعه القرآن: المسلم يعلن دائماً, أنه يؤمن باليوم الآخر، ولا ينكر شيئاً من أحوال الآخرة وحقائقها التي جاء الإخبار عنها بطريق خبر يقيني صادق، فلا ينقص منها شيئاً، فإذا قرأ الإنسان في كتاب أن الإنسان أصله قرد، وأن هذا الذي جاء في كتاب الله ليس صحيحاً، حيث إنّ الإنسان أصله من آدم، الذي كان في الجنة مع حواء، و هبطا منها، هذه القصة التي وردت في القرآن الكريم، إذا اعتقد أنها غير صحيحة، وقع في الكفر، إذًا ما موقفه من هذه النظرية؟ لا بد أنْ يأخذ منها موقفاً واضحاً، يجب أن يدحضها بالدليل العقلي والنقلي، أمّا أنْ يبقى في ذهنه صحة هذه النظرية, وصحة هذه السورة التي وردت فيها قصة سيدنا آدم فهذا مستحيل, وجمعٌ بين النقيضين, فلا بد أن يأخذ موقفاً عقائدياً صحيحاً، إما أن يؤمن بالله، وكتبه، وفي مقدمة كتبه القرآن الكريم، وإما أن يعد في عقيدته زائغاً وكافراً.إذاً: فلا ينقص منها شيئاً، ولا يزيد عليها شيئاً من محض الخيال والتصور، لأنها مِن أمور الغيب، التي لا يستطيع العقل أن يعرف عنه أية صورة، وهذا شيء أُلح عليه كثيراً, أمور الغيب، عالم الأزل، وعالم الأبد، عالم الموت، عالم البرزخ، عالم البعث، عالم النشور، عالم الجنة، عالم النار، عالم الملائكة، عالم الجن، هذه الأشياء المغيبة عنّا، لا سبيل للعقل لمعرفتها عن طريق الاستدلال، بل لا بد من الاستسلام لِما جاء مِن الأخبار عنها، وهذه عقيدة المؤمن الصحيحة، يجب أن يكون إيمانك بالله إيماناً تحقيقياً، أمّا الذي أخبرك الله عنه، فالإيمان به إيمان تصديقي. أسماء يوم الآخر كما وردت في الكتاب: 1- أسماء بحسب الظرف الزماني:لليوم الآخر أسماء كثيرة وردت في كتاب الله، وهناك فروق في دلالاتها، فلقد جاء في القرآن الكريم تسمية اليوم الآخر بعدة أسماء، أخذاً بما يجري فيه، ومن أسمائه: 1- يوم البعث: لأن فيه البعث إلى الحياة الجسدية بعد الموت، ويوم البعث إشارة إلى أن الإنسان يُبْعَث بعد أن يموت. 2- يوم الخروج: لأن فيه خروج الناس من قبورهم إلى الحياة الأخرى، قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ (سورة ق الآية:42) 3- يوم القيامة: لأن فيه قيام الناس إلى الله سبحانه وتعالى لحسابهم. 4- يوم الدين: لأن فيه إدانة الخلائق، ومجازاتهم على أعمالهم. 5- يوم الفصل: لأنّ الناس في الدنيا يعيشون على حدِّ قول الشاعر: وكلٌ يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (سورة المؤمنون الآية:53) كل الناس يعتقدون أنهم على حق، وأن غيرهم على الباطل, فيأتي يومُ الفصل ليفصل في هذا الموضوع, لأن فيه الفصل بين الناس بالعدل. 6- يوم الحشر، ويوم الجمع: لأن فيه جمع الخلائق، وحشرهم في موقف الحساب. 7- يوم الحساب: لأن فيه محاسبة الناس على أعمالهم في الدنيا. 8- يوم الوعيد: لأن فيه تحقيقاً لوعيد الله سبحانه وتعالى, قال الله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ (سورة ق الآية:20) 9- يوم الحسرة: لأن في هذا اليوم ينفطر قلب الكافر حسرةً, قال الله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ (سورة الزُمر الآية:56) 10- يوم الخلود: لأن الحياة في هذا اليوم للمكلفين في الدنيا حياة أبدية خالدة، والإنسان في الدنيا يخشى تقدم السن، ومع تقدم السن يخشى الموت، ويخشى أن تمضي به الدنيا، فيغادرها قبل أن يستمتع فيها، يخاف أن يشيب شعره، فيحرص على شبابه الدائم، أما هذا الشعور فهو يوم القيامة غير موجود في الجنة، لا تقدم في السن، ولا ضعف في الجسم، ولا ضعف في البصر، ولا فقد للذاكرة، ولا خوف من الموت، ولا خوف من النهاية, قال الله: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ (سورة ق الآية:34) إلى غير ذلك من الأسماء. والملاحظ, كل هذه الأسماء مُضافة إلى كلمة يوم، أخذاً مِن الظرف الزماني. 2- أسماء بحسب الظرف المكاني: وقد جاءت أسماء أخرى ملاحظ فيها التسمية بالدار، أخذاً من الظرف المكاني، المستلزم لهذه الحياة الثانية, ومن هذه الأسماء: 1- الدار الآخرة: لأن هذه الحياة الثانية حياة مادية أيضاً، تستلزم مكاناً، وقد أطلق الله على مكانها اسم الدار. 2- دار القرار: هنا يستقر الإنسان، الإنسان في الدنيا يغنى ويفتقر، يرتفع وينخفص، يصح ويمرض، لكنه في الآخرة يستقر على حال واحدة، لأن فيها استقراراً دائماً بلا فناء. 3- دار الخلد: لأن الإقامة فيها إقامة أبدية، لا تحتاج إلى تجديد إقامة، كما إذا كان الإنسان في بلد، أعماله فيه رائجة جداً، ودخله كبير، لكنه أجنبي عن هذا البلد، أهم شيء في حياته الإقامة، إذا قام بتجديدها يصبح عنده قلق مستمر، لكنه إذا دخل إلى الجنة فلا يحتاج في الجنة إلى تجديد إقامة، ولا يخشى أن تُلغى إقامته فيها, قال الله: ﴿ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾ (سورة الحِجر الآية:48) 3- أسماء لها معاني أخرى: كما وردت أسماء أخرى لليوم الآخر, يلاحظُ فيها معاني أخرى, وهي: 1- الواقعة مثلاً, قال تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ (سورة الواقعة الآية:1) سميت واقعة أخذاً من تحقق وقوعها، فلا بد أن تقع, قل تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ* خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾ (سورة الواقعة الآسية:1-3) قد يصبح الإنسان في الآخرة في أعلى عليين، وقد كان في الدنيا مغموراً، وقد يصبح الإنسان في الآخرة في أسفل السافلين، وقد كان في الدنيا مشهوراً. 2- الحاقّة: لأنها تحق كل مجادل، ومخاصم في دين الله بالباطل، أي تغلبه أخذاً من قولهم: حاققته فحققته، أي غالبته فغلبته, قال الله: ﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ﴾ (سورة الحاقة الآية:1-4) الإنسان أحياناً يخاصم، ويجادل، ويدعي المنطق، لكنه يوم القيامة تأتيه الحجة الدامغة، على أنّ الذي وَعَدَ الله به حق، قال الله: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾ (سورة يس الآية:52) 3- القارعة: أخذاً مما يجري فيها من قرع شديد، والقرع هو الضرب الذي يحصل فيه صوت شديد، وسميت القارعة: لأنها تقرع القلوب بأهوالها. لو طرق باب إنسان الساعة الثانية ليلاً بعنف بالغ، أعتقد أن قلبه سينخلع، يقول: من جاء ليأخذني؟ قال الله: ﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ (سورة القارعة الآية: 1-3) 4- الغاشية: أخذاً مما يجري فيها من غشيان عام للثقلين، الإنس والجن، قد يتلقى الإنسان نبأ سيء، فينسى كل أموره العادية، ويكون عنده قائمة مشكلات يريد حلها، يأتيه خبر سيء فينسيه كل شيء، قال عز وجل: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ﴾ (سورة الغاشية الآية:1-5) لو نزل رجل في فندق، فلم تعجبه الغرفة، وهو يبحث مع صاحب الفندق لينتقل إلى غرفة أجمل مطلة على البحر، وهو كذلك إذْ تأتيه مكالمة هاتفية أن محله قد احترق، فهل يبقى مع هذا النبأ مشكلة الغرفة؟ فوراً ينساها. 5- الطامّة: وأصل الطامة الداهية التي تغلب، وتفوق ما سواها من الدواهي، من قولهم: طم الشيء أي غمره، وسميت القيامة الطامة لما فيها من الشمول والعلية. 6- الآزفة، قال سبحانه: ﴿أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ (سورة النجم الآية:57-58) الآزفة: أي القريبة، وسميت بذلك إشعاراً بقربها بالنسبة إلى عمر الدنيا الطويل، وإعلان قربها يتضمن تحقق وقوعها لزوماً، إلى غير ذلك من أسماء. عنوان الدرس القادم إن شاء الله: وسوف ننتقل في الدرس القادم إن شاء الله تعالى إلى مقدمات اليوم الآخر، أولاً: الساعة، آثارها في الكون، وقتها، قيام الساعة، أمارات الساعة، وننتقل بعدها إلى البرزخ، وما فيه من نعيم القبر وعذابه، وبعدئذ إلى سؤال القبر من قبل الملكين، وبعدها النفخة الأولى، والنفخة الثانية، وبعدها بعض الحقائق عن البعث واليوم الآخر. والحمد لله رب العالمين |
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( الثانى و الخمسون ) الموضوع :الايمان باليوم الاخر (9) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. المرحلة الثانية من مراحل اليوم الآخر وهي ما بعد الموت: 1- عالم البرزخ: أيها الأخوة، وصلنا في الدرس الماضي في موضوع اليوم الآخر إلى المرحلة الثانية من مراحل ما بعد الموت، ألا وهي البرزخ، وتحدثنا عن الساعة، وهي نهاية الحياة الدنيا، وبداية الحياة الآخرة، وهناك مرحلة بين الدنيا والآخرة, وهي مرحلة انتقالية سماها القرآن الكريم البرزخ، قال تعالى في سورة المؤمنون: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ ( سورة المؤمنون الآية:99-100) ففي هذه الآية تصريح بأن ما بين الموت، وبين البعث مرحلة زمنية اسمها البرزخ. أحوال البرزخ: 1- عذاب القبر ونعيمه: فماذا في البرزخ؟ في البرزخ نعيم مقيم، أو عذاب أليم، لو أن قاضيًا أصدر حكماً بالإعدام، ماذا يوجد بين إصدار الحكم وتنفيذه؟ حالة من الشقاء النفسي، هذا الذي يصدر في حقه حكم بالإعدام، إلى أن يُطبق عليه الحكم يموت كل يوم ميتتين أو ثلاثًا، وكلما وُضِع المفتاح في الباب يظن أنهم جاؤوا لينفذوا فيه حكم الإعدام, فما الذي يؤكد أن في البرزخ نعيم، أو عذاب أليم؟ الآية التالية من سورة الجاثية، وهي قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ (سورة الجاثية الآية:21) فموت هذا ليس كموت هذا، وحياة المؤمن غير حياة الكافر، المؤمن حياته طمأنينة، فيها رضاء، واستسلام، وتوكل، وتفويض، و تسليم، وسعادة, وتفاؤل، موعود بجنة عرضها السموات والأرض، أمّا حياة الكافر فيسودها القلق، والقهر، والشعور بالحرمان، وخوف الفقر، أو خوف المرض، أو خوف المصيبة، فشتان حينئذٍ بين حياة المؤمن وحياة الكافر، هذا لا شك فيه، هذا شيء نعرفه جميعاً، ونعيشه، لكن الآية تشير إلى هذا, والدليل: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾ (سورة الجاثية الآية:21) فالتسوية بين الفريقين المذكورين في الممات مستحيلة. الأدلة الواردة من الكتاب والسنة على عذاب القبر ونعيمه: يقول الله عزّ وجل في شأن آل فرعون في سورة غافر: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ (سورة غافر الآية:46) فرعون، ومن معه منذ ستة آلاف عام، وإلى يوم القيامة يعرضون على النار غدواً وعشياً، ستة آلاف عام اضربوها بثلاثمئة وخمسة وستين يوماً، ثم اضربوا الناتج باثنين، ينتج عدد مرات عرض فرعون ومن معه على النار, قال الله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ (سورة غافر الآية:46) هذه الآية أصلٌ في عذاب القبر، لذلك ربنا عزّ وجل يقول: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ (سورة المدثر الآية:38) ﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾ ( سورة المدثر الآية:39) أصحاب اليمين أنفسهم طليقة، بينما أهل النار أنفسهم رهينة بأعمالهم. أحاديث للنبي عليه الصلاة والسلام كثيرة، وصحيحة تؤيد عذاب القبر، أو نعيمه، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: " إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (أخرجهما البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر في الصحيح ) الإنسان له مقعد بعد الموت، فإما أن يكون هذا المقعد مقعد أهل الجنة، وإما أن يكون هذا المقعد مقعد أهل النّار، يجلس عليه إلى أن يبعثه الله يوم القيامة. عن عبد لله ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر بقَبْرَيْنِ, فَقَالَ: " إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا هَذَا فَكَانَ لا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ وَأَمَّا هَذَا فَإِنَّهُ كَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ " ( أخرجه الجماعة وهذا لفظ البخاري عن ابن عباس في الصحيح) وما من شيء يفتت العلاقات الاجتماعية، ويفّرق بين الأهل, وبين الزوج وزوجته، والأخ وأخيه، والأب وابنه, والأم وابنتها مثل النميمة، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ, قَالَ: " كُنَّا فِي الْبَحْرِ وَعَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْفَزَارِيُّ وَمَعَنَا أَبُو أَيُّوبَ الأنْصَارِيُّ فَمَرَّ بِصَاحِبِ الْمَقَاسِمِ وَقَدْ أَقَامَ السَّبْيَ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَبْكِي فَقَالَ مَا شَأْنُ هَذِهِ قَالُوا فَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيـْنَ وَلَدِهَا, قـَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأحِبَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ( ورد في الأثر) فأي تفريق بين متحابين، بين زوجين، بين أخوين، بين شريكين، بين جارين، بين موظفين، بين زميلين، التفريق بينهما جرم كبير عند الله عزّ وجل, لذلك كانت النميمة هي السلاح الفعال لتفتيت المجتمع، قال عليه الصلاة و السلام: " لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ " (أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح) يقول الله سبحانه وتعالى: ِ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ ( سورة الأنفال الآية:1) وفي معنى آخر: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ ( سورة الأنفال الآية:1) أي أصلح أنت كل علاقة بين اثنين لست أنت أحدهما، أصلحْ بين أخويك، أصلح بين جيرانك، أصلح بين أولادك، أصلح بين بناتك، فالآية دقيقة جداً: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ ( سورة الأنفال الآية:1) تلاحظون أن كل الذي ذكرته من تعريف البرزخ، ومن عذاب أهل الكفر في القبر، ومن نعيم أهل الجنة في القبر, مؤكَّدٌ بآيات قرآنية، وبأحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم. هل عذاب القبر ونعيمه جسماني وروحاني معاً, أي على النفس والبدن ؟ كيف يكون العذاب؟ وما طبيعة هذا العذاب؟ هل هو عذاب مادي؟ هل هو عذاب نفسي ؟ هذا لا نعرف عنه شيئاً، لأننا في هذه الموضوعات ليس لنا إلا أن نؤمن بالخبر الصادق الذي ذكره الله عزّ وجل، وما سوى الخبر الصادق مِن التحليلات، والزيادات، والإضافات هذا كله لا يقدِّم، ولا يؤخر، بل إن علماء العقيدة قالوا: أي زيادة في المغيّبات عن الخبر النصّي فهي زيادة ظنية، ليس لها مستوى اليقين.لذلك, كيف يكون العذاب؟ كيف يكون النعيم؟ هذه أمور غيّبها الله عنا، ولكن الشيء المطلوب أن يكون عملك صالحاً، حتى تعرف معرفة يقينية بعد الموت كيف يكون النعيم؟ لكن أنا حتى أقرب لك الموضوع, أقول: أحياناً تأوي إلى فراشك، وأنت في حالة عادية، ترى رؤيا لا تحب أن تستيقظ من شدة السرور بها، تشعر إن رأيت النبي عليه الصلاة والسلام بالسعادة التي تحصلها من هذه الرؤيا سعادة لا توصف، إن رأيت أصحاب رسول الله، إن رأيت من تحبهم مِن المؤمنين، إن رأيت نفسك قد وصلت إلى آمالك، وإن الله عزّ وجل قادر على أن يسعدك سعادة ملموسة حقيقية، وأنت في فراشك، وبالمقابل فإنّ الله سبحانه وتعالى قادر على أن يذيق الإنسان في أثناء النوم مِن ألوان العذاب، ومن ألوان الخوف، ومن ألوان الاضطهاد، ومن ألوان القلق ما لا سبيل إلى وصفه، يسمونها كوابيس، واللهُ عزّ وجل جعل النوم مثلاً لنا، كيف يمكن أن يعذَّب الإنسان عذاباً شديداً من دون أن يكون للجسد أثرٌ فيه, في النوم؟ لكن عذاب الآخرة عذاب مادي قولاً واحداً، وعذاب نفسي، قال تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ (سورة المؤمنون الآية:104) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ (سورة النساء الآية:56) طبيعة العذاب في القبر, لم يرِد فيها نص قرآني يوضح طبيعته، لكن العذاب موجود، والنعيم موجود، وطبيعة العذاب، وطبيعة النعيم تُترك إلى حينها. 2- بيان سؤال منكر ونكير مع الدليل: سؤال القبر من قِبَل الملكين منكر ونكير، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الإنسان المكلف إذا مات, جاءه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، ويقال للآخر النكير، فيسألانه الأسئلة التالية: من ربك؟ قد يقول أحدكم: الجواب سهل, أقول: الله ربي. ما دينك؟ الإسلام ديني. ماذا تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم, أي سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام؟ هو نبي الرحمة. لكن الحقيقة, هذه اللغة التي تستخدمها في الدنيا لا تستطيع أن تستخدمها في القبر، فأنت في القبر لا تنطق إلا بلغة الحال، فمَن كان دينه الدرهم والدينار في الدنيا، إذا سُئل: ما دينك؟ يقول: الدرهم والدينار، والذي كان دينه في الدنيا الشهوات إذا سُئل؟ يقول: النساء، والذي كان دينه الإفساد بين الناس إذا سُئل؟ يقول: ديني الإفساد بين الناس, لذلك, ليس هناك كذب في الآخرة, فطبيعة اليوم الآخر, لا تحتمل تزييف الحقائق، ولا تغيير الحقائق, قال الله: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ (سورة يس الآية:65) لذلك طلب أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن تدركه الوفاة, قميص النبي عليه الصلاة والسلام ليكفَّن به، فقالوا: لِمَ طلبت هذا القميص؟ قال: إذا قال لي الملكان: من ربك؟ أقول: الله ربي، وما دينك؟ أقول: الإسلام ديني، ما تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ أقول: هذا قميصه، لكن بعض المنافقين الذين كانوا يجلسون إلى جنب النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا رأس الفتنة في المدينة، حينما جاءتهم المنية, قال عليه الصلاة والسلام: الآن استقر في جهنم حجر كان يهوي فيه سبعين خريفاً، وقد طلبوا قميص النبي، وأعطاهم النبي قميصه، وقال: " وما يغنيكم قميصي من عذاب الله " ( ورد في الأثر) أي كن موضوعياً، تعلق بجوهر الدين, فلو أنك ارتديت قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكن في المستوى المطلوب، لما نفعك هذا القميص. أما المؤمن فيجيب عليها بما آمن به في الدنيا مِن حق، يعرض عليه مقعده من الجنة، بعد أن يُعرض عليه مقعده من النار، لو لم يكن قد مات مؤمناً، وذلك تثبيتًا لقلبه، وتنعيماً له، ويُفسح له مد نظره، أي أن القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، وأما المنافق والكافر, فيقول: هاء, هاء, لا أدري، فيُقال له: لا دريت ولا تليت, ويُضرب بمطارق من حديد، يصيح منها صيحة يسمعها مَن يليه غير الثقلين، أي يسمع صيحته مَن يليه من الملائكة والموتى غير الإنس والجن، كما يضيق عليه تعذيباً له، فيختلف عليه القبر، حتى تختلف أضلاعه معه. فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: " إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ " ( ورد في الأثر) فالإنسان بعد الموت يرى كل شيء، ويسمع كل شيء، فأنا أعتقد أن روح الميت ترفرف فوق النعش، ترى المشيعين واحداً واحداً، ترى مَن يبكي، ومن لا يبكي، ترى من يعلن عن حزنه، ومن لا يعلن، ترى أن فلانًا، وفلانًا كانا يتحادثان في الجنازة. وقد قال أصحاب النبي عليه الصلاة السلام عقب معركة بدر الكبرى، وقد توجه إلى قتلى بدر يخاطبهم: يا عقبة بن شيبة، يا أمية بن خلف، يا فلان، يا فلان، يا فلان، هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، لقد كذبتموني، وصدقني الناس، وأخرجتموني، وآواني الناس، وخذلتموني، ونصرني الناس، فدهش أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا: " يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُكَلِّمُ قَوْمًا جَيَّفُوا فَقَالَ مَا أَنْتُمْ بِأَفْهَمَ لِقَوْلِي مِنْهُمْ أَوْ لَهُمْ أَفْهَمُ لِقَوْلِي مِنْكُمْ " (أخرجهما البخاري ومسلم عن عائشة في الصحيح) لذلك عن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: " الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الـرَّجُلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوِ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ لا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلا الثَّقَلَيْنِ " ( ورد في الأثر) وقد حدثتكم من قبــل, عن أن أول ليلـة يوضع الميت فيها في قبره أنها أصعب ليلة، تصور إنسانًا يسكن في بيت، ينام على فراش وثير، عليه ملاءة بيضاء، ناصعة كالثلج، وقد تكون معطرة أحياناً، يجلس إلى طاولة ليتناول الطعام، وعلى هذه الطاولة ما لذّ وطاب، حوله زوجته وأولاده، قد يأتيه ضيف يعظمه، ويبجله، وقد يُدعى إلى سهرة، إلى ندوة، إلى نزهة، فما قولكم إذا سُحب هذا الرجل, ليوضع في حفرة لا نور فيها، ولا دفء، ولا اتساع ؟ لذلك, الإنسان حينما يوضع في قبره أول ليلة, " يقول الله عزّ وجل: عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت " ( ورد في الأثر) إنك صائر إلى الله عزّ وجل، فالمفروض عليك أن تحسن علاقتك به من الآن. جاء في حديث آخر, أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكِيرُ فَيَقُولانِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ " ( أخرجه الترمذي عن أبي هريرة في سننه ) هناك قصة رمزية: أن إنسانًا غنيًا وافته المنية، خاف أولاده من هذه الليلة الأولى التي يوضع فيها في القبر، فرأوا إنساناً فقيراً معدماً، وعرضوا عليه أن ينام هذه الليلة مع أبيهم، ويعطونه مبلغاً كبيراً، وهذا فقير, محروم، بائس، رضي بالعرض، فنام إلى جنب هذا الميت الغني، جاء الملَكان، فرأوا منظراً غريباً، العادة يُدفَن واحد في القبر، والآن هناك اثنان, فقال أحدُهم للآخر: أرى اثنين، فارتعب الرجل، فحرّك قدمه، فقال: وأيضاً أشاهده حياً، فلنبدأ به، أجلساه، وكان له حبل قد ربط ثوبه به، فسألاه: مِن أين لك هذا الحبل؟ فقال: وجدتها، أين وجدتها؟ قال: في بستان، كيف دخلت إلى هذا البستان؟ استأذنت من صاحب البستان؟ سؤال وراء سؤال، ثم انهالوا عليه ضرباً، فلما جاء الصباح خرج من هذا القبر، وهو لا يلوي على شي، ويقول: أعان الله أباكم. فلذلك, موضوع عذاب القبر شيء مخيف، وهناك حديث آخر, أخرجه البخاري ومسلم عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أن النبي عليه الصلاة والسلام, قال: " (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ) قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ " ( أخرجهما البخاري ومسلم عن البراء بن عازب في الصحيح ) الأحاديث في هذا الباب متعددة، يكمل بعضها بعضاً، وعلى كل الأسئلة معروفة لدينا، الأسئلة قد سربت إلينا، ما علينا إلا أن نعد للإجابة عن هذه الأسئلة، والإجابة لا تكون بلسان المقال، بل بلسان الحال. 2- النفخ في الصور, وله حالتان: 1- النفخة الأولى: هنالك النفخة الأولى، والنفخة الثانية, كل هذه الحقائق، وكل هذه المعلومات مأخوذة من كتاب الله سبحانه وتعالى، ولقد أخبرنا الله تعالى بأنه ستحدث نفختان في الصور، وعندها يكون إنهاء النظام القائم في الحياة الأولى، وقد جاء التعبير عن وقت هذا الإنهاء بالساعة، أي لدينا أول نفخة تنتهي بها الحياة الدنيا، ويُصعق كل مَن عليها، ولو فرضنا أنه أتى يوم القيامة، والناس في بيوتهم، وفي الشوارع، وفي الطرقات، وفي محلاتهم التجارية، وفي النزهات، وفي المصايف، وبعضهم على البحر، وآخرون على الجبل، فكيف يموت هؤلاء؟ يموت الناس كلهم دفعة واحدة بهذه النفخة الأولى, قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ (سورة الحج الآية:1-2) ما من عاطفة على وجه الأرض أشد, وأبلغ من عاطفة الأم على ابنها، ولا تكون هذه العاطفة في أعلى درجاتها إلا في أثناء الإرضاع، لم يقل الله عزّ وجل: يوم ترونها تذهل كل مرضع, بل قال: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ (سورة الحج الآية: 2) لو قال الله عزّ وجل: كل مرضع، لقصد المرأة المرضع التي هي في طور الإرضاع، أي بعد أن تولد، خلال أيام ثدياها يدران الحليب، نقول: هذه امرأة مُرضع، لأن كل صفة خاصة بالنساء لا تؤنث، تقول: معلم ومعلمة، لماذا تؤنث المعلم، لأن في الحياة معلم ومعلمة, عامل وعاملة, حامل وحاملة, فما دامت الصفة يشترك بها الذكر والأنثى تؤنث عندئذٍ، أما إذا انفردت الأنثى بصفة ما، فهذه الصفة لا تؤنث، تقول: امرأة بكر، وامرأة ثيب، وامرأة طالق، وامرأة حامل، فكل صفة خاصة بالنساء لا تؤنث, بل تذكر، أما الفرق بين امرأة حاملة, وامرأة حامل فهو فرق دقيق، الرجل يحمل مع المرأة، فإذا قلت: امرأة حاملة، أي على ظهرها، وإذا قلت: امرأة حامل، أيْ في بطنها, قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ (سورة الحج الآية: 2) هي في الأساس مرضع, لأن المرأة الآن تحمل الغلام، وتضعه على صدرها، وهذا بإمكانه أن يفعله الرجل، إذًا: هذه مرضعة، فالأم في أثناء إرضاع ابنها لشدة الخوف تذهل عنه، ولا تلقي له بالاً: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾ (سورة الحج الآية: 2) قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴾ ( سورة النازعات الآية:6) عن ابن عباس رضي الله عنه, قال: الراجفة هي النفخة الأولى. ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ ( سورة الزمر الآية:68) هذه النفخة الأولى, يصعق لها من في السموات والأرض, هذه النفخة, نفخة الصعق التي تنهي الحياة على وجه الأرض. 2- النفخة الثانية: أما النفخة الثانية: وهي نفخة البعث إلى الحياة بعد الموت، وقد جاء التعبير عن الوقت الذي يحدث فيه البعث العام إلى الحياة بعد الموت بالساعة، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ ( سورة الروم الآية:55) لدينا في هذه الجملة, لون بلاغي اسمه الجناس، الجناس: تشابه كلمتين في اللفظ، واختلافهما في المعنى, قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ ( سورة الروم الآية:55) يقيني بالله يقيني، هذا جناس، يقيني بالله، أي إيماني بالله يحفظني، ويدل على حدوث النفخة الثانية قوله تعالى في سورة النازعات: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴾ ( سورة النازعات الآية:7) عن ابن عباس, قال: الرادفة هي النفخة الثانية، وقوله تعالى في سورة الزمر: ﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ ( سورة الزمر الآية:68) النفخة الثانية هي: إذا هم قيام ينظرون، وهذه النفخة جاءت تسميتها في القرآن بالناقور، قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴾ ( سورة المدثر الآية:8) وقد ورد أن الملك الموكل بنفخ الصور تنفيذاً لأمر الله هو إسرافيل عليه السلام، كما سبق ذلك في مبحث الإيمان بالملائكة, قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ (سورة النمل الآية:87) ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (سورة النمل الآية:87) استثناهم من الموت بهذه النفخة، لأن الله يتولى قبض أرواحهم بدون نفخة الصور، كإسرافيل الموكل بالنفخ فيه، طبعاً: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (سورة النمل الآية:87) الموكل بهذه النفخة يميته الله عزّ وجل مباشرة، حتى ملك الموت, يقول له: مُت يا ملك الموت، من دون نفخة، قال الله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ (سورة النمل الآية:87) وبالنفخة الثانية يبعث الله الناس إلى الحياة الثانية, ليتم فيها نظام الجزاء الأكمل بالثواب أو بالعقاب، أما وضع الكون بعد البعث, فقد جاء وصفه في قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ (سورة إبراهيم الآية:48) البطولة أن تكون في هذا الموقف مع الفائزين، أو مع الناجين، أو مع الناجحين. وفي درس قادم إن شاء الله تعالى نتابع الحديث عن البعث واليوم الآخر، نتحدث عن الدنيا والآخرة، وأن البعث ممكن عقلاً، وأن البعث حقيقة لا شك فيها، وعن الحياة في اليوم الآخر، حياة مرافقة للتجسد المادي، إلى ما هنالك من بحوث في الإيمان باليوم الآخر. والحمد لله رب العالمين |
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( الثالث و الخمسون ) الموضوع :الايمان باليوم الاخر (10) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تتمة مراحل اليوم الآخر: 3- البعث: وصلنا في الدرس الماضي في موضوع الإيمان باليوم الآخر إلى حقائق عن يوم البعث واليوم الآخر، يبدأ اليوم الآخر بالبعث التي تعود فيه الحياة المادية للمخلوقات الحية، التي قرر الله عودة الحياة إليها، استكمالاً لأنظمة الله في الخلق، وليقيم الله في هذه الحياة الثانية عدله, وليتمم فضله، ويحقق الثمرة الفضلى للابتلاء الذي جعل ميدانه في الحياة الأولى الفانية. فنحن في الحياة الفانية حياة ابتلاء، وفي الحياة الثانية حياة جزاء، وحياة إقامة العدل وفي المعتقدات الإسلامية حقائق كثيرة عن البعث، وأحوال اليوم الآخر فيه جاءت في الكتاب المجيد، والسنة المطهّرة. الذي أريده ثانية أن أوضحه أنّ الأمور المتعلقة باليوم الآخر أمور نعرفها من خلال الخبر الصادق، وليس هناك مصدر آخر, لذلك لا نستطيع أن نزيد على النصوص قطعية الثبوت والدلالة التي وردت في كتاب الله، وفي الأحاديث الصحيحة المتواترة وغير المتواترة، والتي من خلالها هذه النصوص نستشف أحوال اليوم الآخر. قضى الله بعلمه المسبق خلق الدنيا والآخرة لحكمة أرادها: لقد تمت إرادة الله المرافقة لعلمه وحكمته، أُلح على هذا إرادة الله وفق علمه، ووفق حكمته، لا تستطيع ولا في لحظة واحدة أن تنفي عن إرادة الله العلم الذي لا حدود له، والحكمة التي لا حدود لها. فقد تمت إرادة الله عزّ وجل المرافقة لعلمه وحكمته, أن يخلق عالمين: 1- عالماً فانياً: وهو عالم الدنيا الذي نحن فيه، وهو دار الامتحان. 2- عالماً آخر خالداً: وهو عالم الدار الآخرة، وهي دار الجزاء. وكما تمت إرادته تعالى بأن يضع فضله ورحمته وعدله في مواضعها، فمن أحسن فآمن بالله، وأطاعه، واستقام على شريعته في الدنيا، فقد أعدّ الله له في الدار الآخرة، السعادة الأبدية الخالدة، والنعيم المقيم مكافأة منه وفضلاً, ومن أجرم, فكفر بالله، وعصى في دار الامتحان, فقد أعدَّ الله له في الدار الآخرة العقوبة، والانتقام جزاء منه وعدلاً، والدليل قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾ (سورة الشورى الآية:20) البعث من الأمور الممكنة عقلاً الذي يستحيل إنكاره: البعث ممكن عقلاً، و البعث: هو إعادة بناء الأجساد بعد فنائها، وإعادة الحياة لها بعد سلبها منها، فإن كل عقل سليم يدرك بداهة أن البدء والإعادة أمران متساويان، فمن يبدأ الخلق ثم يُفنيه، قادر على إعادته وبعثه لا محالة، والدليل, قال تعالى في سورة الروم:﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (سورة الروم الآية:27) يبدأ الخلق في الدنيا، ثم يعيده في الآخرة، وهو أهون عليه، وكلما فكرت في عظمة الله عزّ وجل، رأيت أن إعادة الخلق هينة عليه عزّ وجل وعلا، وله المثل الأعلى في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم. قدرة الله جلّ وعلا لا تقف دونها حدود في مجال الأمور الممكنة عقلاً التي لاستحالة فيها، هذه القدرة قادرة على أن تحيي الموتى حياة مادية جسدية وروحية، لتسوقهم إلى العالم الآخر, عالم الجزاء، وإقامة العدل الإلهي، أَو ليس مَن خلق السموات والأرض دون أن يجهد بخلقهن، بقادر على إحياء الموتى، وإعادة الحياة مرة ثانية، إنه قادر على كل شيء، إنما أمرُه إذا أراد أن يخلق شيئاً، مهما كان دقيقاً أو عظيماً، أن يقول له: كن فيكون، قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ (سورة الأحقاف الآية:33) إذًا: البعث ممكن عقلاً. البعث أمر واقع في وقته المحدد في علم الغيب: البعث حقيقة لا شك فيها، لقد أخبرنا الله تعالى بأن البعث للدار الآخرة في يوم الجزاء حقيقة مقررة في قضاء الله وقدره، ستوضع موضع التنفيذ إذا جاء أجلها المحدد في علم الله، فالبعث أمرٌ واقع لا محالة، ستعود فيه الحياة إلى الأجساد التي رمت وبليت، وليس ذلك على الله ببعيد، ولا مستغرب على قدرته الذي خلق السموات والأرض، وخلْقُهن أكبر من خلق الناس.أَو َليس الذي ابتدع خلْقَ الإنسان على غير مثال سابق بقادر على إعادة كل فردٍ من أفراد نوعه بعد موته، وفناء جسده؟ بلى إنه قادر، قال تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (سورة الحج الآية:7) وهم يستطرق بعض الأذهان: هناك وَهْم يقع فيه بعض المتعلمين، هذا الوهم هو أن الحياة الآخرة حياة روحية فقط، وليس فيها حياة مادية، لكن القرآن الكريم، والنص فيه قطعي الثبوت، وقطعي الدلالة، يؤكد أن الحياة في اليوم الآخر حياة مادية روحية معاً، فالنصوص الدينية القاطعة يجب علينا أن نتقيد بدلائلها في نوع هذه الحياة الثانية. إنّ الإنسان ليس له الحق أن يتصور، ويحلل، ويفكر في بعد عن النصوص القرآنية التي لا تدع مجالاً للشك في أن الحياة الآخرة حياة مادية روحية معاً، فمِن المقرر في أصول العقيدة الإسلامية أنّ علمَ الله بما سيكون في مخلوقاته لا يكون إلا وفق مراده، ومراده تعالى مساير لحكمته العظيمة، ومن المقرر أيضاً في أصول العقيدة الإسلامية أن إخبار الله في نصوص دينية قاطعة التي بلغها الله أنبياءه، ورسله لا تكون إلا وفق علمه، وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى بأن الحياة الثانية حياة مادية مشابهة للحياة الأولى، فأيّ مبرر للفرار من مدلولات أخبار الله القاطعة التي بلّغها إلينا أنبياؤه ورسله الصادقون. الأدلة الواردة من الكتاب حول بحث البعث روحاً وجسداً: إننا بقليل من التأمل, لا نجد من المبررات شيئاً إلا مجرد التعنت على الله في ما أخبرنا به, قال تعالى:﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾ ( سورة الحج الآية:23) آيات كثيرة لو رجعنا إليها، وإلى مشاهد يوم القيامة في القرآن الكريم، وإلى ألوان النعيم في الجنة، وإلى ألوان العذاب في النار، لوجدنا أن هناك عذاباً مادياً محضاً, قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾ ( سورة النساء الآية:56) ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ (سورة المؤمنون الآية:104) ﴿أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ ﴾ ( سورة المؤمنون الآية:105-106) نصوص قرآنية صريحة واضحة كثيرة، قطعية الدلالة تؤكد أن الحياة في الدار الآخرة حياة مادية وروحية في وقت واحد، فمَن ينكر الجانب المادي منها فقد كفر بآيات الله القاطعة. ينبغي على من يريد الرد على حقائق الغيب أن يكون قائده العلم والدليل لا الهوى: ومن وقع في توهمه أنه يريد أن ينزّه الله تعالى عن أن يجعل حياتنا الثانية الأبدية غير مصاحبة لجسد مادي، فبماذا يجيب عن نظام الخلق الأول, وهو نظام مادي نعيش في شروطه وظروفه؟ لذلك يجب علينا شرعاً أن نعتقد بهذه الحقيقة، حقيقة الحياة الثانية، اتباعاً لنصوص الشريعة القاطعة الواردة في القرآن الكريم، والسنة المطهرة.فكلما قرأت آية أو آيات عن نعيم أهل الجنة, فينبغي أن تعتقد أن هناك نعيماً مادياً، ونعيماً روحياً في وقت واحد، فإذا أنكرت أحدهما، فقد أنكرت كتاب الله عزّ وجل، وحيثما قرأت في القرآن الكريم عن ألوان العذاب الذي يذوقه أهل النار, فيجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن العذاب في جهنم عذاب مادي بالدرجة الأولى، وعذاب نفسي، فإذا أنكرت أحدهما فقد أنكرت بعض آيات القرآن الكريم. هذه النقطة أردت أن أثيرها، وأن ألح عليها ليُنتزع من أذهان بعض الناس أن الحياة الآخرة حياة روحية محضة، وأن العذاب عذاب نفسي، بل إن العذاب عذاب مادي ونفسي، والنعيم نعيم مادي ونفسي، والآيات التي توضح هذا, وتؤكده كثيرة جداً. 4- الحشر: ومن الحقائق الثابتة عن اليوم الآخر موضوع الحشر، فالحشر هو الجمع، وبعد البعث إلى الحياة الآخرة يوم القيامة, يتم حشر الخلائق لموقف الحساب، وقد تظاهرت الآيات القرآنية لتثبت حقيقة الحشر، وتعرض طائفة من الصور التي ستكون في ذلك اليوم الرهيب، وذلك لتقريب حقيقة ما سيجري فيه إلى الأذهان، ومن ذلك اليوم: صفة أرض المحشر وأهله: 1- تشقق الأرض عن الخلائق يوم القيامة لبعثهم عقب النفخة الثانية كما مر معنا في الدرس الماضي، فيخرجون منها سراعاً إلى موقف الحشر, قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ﴾ (سورة ق الآية:44) 2- تسوية أرض المحشر، فتكون كلها بارزة، لا جبال فيها، ولا وديان، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾ ( سورة الكهف الآية:47) وقد جاء من كلام النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم توضيحاً لما جاء في كتاب الله، وردت صورة من صور الآخرة في حديث النبي عليه الصلاة والسلام, فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ قَالَ سَهْلٌ أَوْ غَيْرُهُ لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لأَحَدٍ" ( أخرجهما البخاري ومسلم عن سهل بن سعد في الصحيح ) قرصة النقي، أي كرغيف الخبز الأبيض المنخول, ليس فيها معلَم لأحد، أي ليس فيها علامة لأحد، أرض منبسطة. 3- ومن ذلك أن الحشر يعم الإنس، والجن، والملائكة، وكل دواب الأرض، وطيورها، أما حشر الإنس والجن فلأنهم مكلفون، وأما حشر الملائكة فليقوموا بوظائفهم وفق سنة الله في خلقه، وأما دواب الأرض وطيورها فقد جاء في إثبات حشرها, قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾ ( سورة الأنعام الآية:38) الدواب في الأرض، والطيور في السماء، وقد جاء في كلام النبي عليه الصلاة والسلام ما يدل على الفائدة من حشرها، فمن ذلك القصاص مِن البهائم الظالمة في الدنيا للمظلومة منها، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ تَنْطَحُهَا " ( ورد في الأثر) لو أن شاة قرناء نطحت شاة جلحاء بلا قرون, لا قتصّ من القرناء يوم القيامة، فإذا كان الحساب على هذا المستوى فويل للإنسان الذي يعتدي على حقوق الآخرين، وفي بعض الأحاديث أن الطير الذي اصطاده الصياد للتسلية لا ليأكله يأتي يوم القيامة، وله دوي كدوي النحل، يقول: يا ربي سله فيم قتلني؟ وقد يذهب بك الظن أن الصيد مباح على إطلاقه، لا يا أخي، هو مباح إذا كنت مسافراً، وانتهى زادك، وخشيت على نفسك الهلاك، فلك أن تصطاد، وأن تأكل، فأنت مكرمٌ على الله عزّ وجل، أما أن يُتخذ الصيد هواية لقتل البهائم، وقتل الطيور بلا سبب، بل مجرد الهواية, فهذا في حكم الشرع محرمٌ قطعاً، ففي بحث الصيد، هناك صيد محرم ومباح وواجب ومكروه, فهذه الدواب التي خلقها الله لنا، لها وظيفة ثانية في الحشر وهي: أولاً: يُقتص منها. ثانياً: تؤدي الشهادة، فمن ركب دابة لمعصية تشهد عليه يوم القيامة, قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ ( سورة فصلت الآية:21) 4- أن المجرمين يحشرون يوم القيامة مُنكبين على وجوههم، عمياً، وبكماً، وصماً، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ (سورة الإسراء الآية:97) هذا كله في المحشر، لا زلنا في موضوع الحشر. 5- من ذلك ما يصيب أهل الموقف من فزع عام، يصدر فيه الناس أشتاتاً، قال تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ ( سورة الزلزلة الآية:1-8) 6- ومن ذلك ما يصيب الناسَ يوم الحشر من شدة, تتفاوت بتفاوت أحوالهم في الدنيا، إلى غير ذلك من صور، فيها إكرام للمؤمنين المتقين، وفيها إهانة للمجرمين الظالمين. 7- ومن ذلك أن الناس يوم القيامة يُحشرون حفاة عراة غُرلاً، والغُرل جمع أغرل، والأغرل الذي لم يُختن، وفي بعض الأحاديث أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ الأمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ " ( أخرجهما البخاري ومسلم عن عائشة في الصحيح ) الأمر أفظع من أن يعنيهم ذلك. صفة هول المحشر: وفي بعض الأحاديث التي كنت أرويها في مناسبات أخرى, أن السيدة عائشة رضي الله عنها سألت النبي عليه الصلاة والسلام, أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة؟ لو أن إنساناً له جار، له زميل، له قريب, له ابن، له أب، له أخ، هل إذا رآه يوم الحشر يعرفه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده في ثلاث مواطن فإن أحداً لا يذكر إلا نفسه إذا وضعت الموازين ووزنت الأعمال حتى ينظر ابن آدم أيخف ميزانه أم يثقل وعند الصحف حتى ينظر أبيمينه يأخذ كتابه أم بشماله وعند الصراط " ( أخرجه أبو داود عن عائشة في سننه ) عند فتح الصحف، وعند نصب الميزان، وعند السير على الصراط، في مثل هذه المواقف الثلاثة لا يعرف أحد أحداً إطلاقاً. قد تقع عين الأم على ابنها، أقرب مِن هذا لا يوجد، تقول: يا ولدي جعلت لك صدري سقاء، وحجري وطاء، وبطني وعاءً، فهل من حسنة يعود علي خيرها اليوم؟ أتعطيني بعض حسناتك يا ولدي؟ فيقول الابن لأمه: ليتني أستطيع ذلك يا أماه، إنما أشكو مما أنت منه تشكين, هذا من أهوال يوم الحشر. 5- العرض والسؤال والحساب: ثم بقي العرض، والسؤال، والحساب، والميزان، وكتب الأعمال، وشهادة الجوارح، هذه أيضاً من لوازم يوم القيامة، ولا يتم تنجيز المرحلة الأخيرة من العقاب أو الثواب قبل اجتياز مرحلة الحساب، وذلك للفصل بين الخلائق، ولإقامة الحكم بالعدل، ولتقرير مرتبة الإكرام، والفضل تمهيداً لمقتضى الجزاء المقرر بموجب قانون الجزاء الرباني, قال تعالى في سورة الغاشية: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾ (سورة الغاشية الآية:25-26) فهناك حساب، ويسبق الحساب عرض فسؤال، قال تعالى مبيناً مرحلة العرض في سورة الكهف: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً﴾ ( سورة الكهف الآية:48) الخلائق كلها عُرضت على الله عزّ وجل، وقد لبست ثوب عملها، كل إنسان يرتدي يوم القيامة ثوب عمله، وقال تعالى مبيناً السؤال في سورة الحجر: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة الحِجر الآية:92-93) لمَ فعلت كذا؟ لمَِ أكلت مال فلان؟ لِمَ كنت عاقاً لوالديك؟ لِمَ ظلمت زوجتك؟ لِمَ غششت الناس؟ العرض، ثم السؤال, ثم الحساب. 6- الميزان: لإقامة العدل في الحكم عند الحساب يوم القيامة, فهناك ميزانُ حقٍ لا يظلم مثقال ذرة، قال تعالى في بيان هذا الميزان في سورة الأنبياء: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ (سورة الأنبياء الآية:47) الذين يعرفون الخردل، يعرفون معنى هذه الآية، لو أنك نظرت نظرةً خلاف ما أمر الله عزّ وجل، هذه النظرة مسجلة، سوف تحاسب عليها، فلو أن طبيباً يعالج امرأة، ونظر إلى عضو لا تشكو منه، فإن اللهَ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لو أنك قسمت شيئاً بينك، وبين أخيك، وأخذت أكثر مما أخذ، ولو كان طفيفاً لسجل عليك يوم القيامة، هذه الآية تكفي، بل والله هذه الآية تقسم الظهور، والذي لا يخاف الله عزّ وجل أحمق وغبي, قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ ( سورة الأنبياء الآية:47) الأدلة الواردة من السنة على يوم الحشر: وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:" إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا, ثُمَّ قرأ: ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ). وأَوَّلَ من يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ, وَإِنَّ أناساً من أصحابي َيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ, فَأَقُولُ: أصحابي أصحابي, فَيُقَول: إِنَّهم لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ, فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ... إلى قوله الحكيم) " ( أخرجه البخاري عن ابن عباس في الصحيح ) أنا كما ترون، أحب أن نبقى في القرآن، وكل حقيقة تُليت في القرآن, وفي أحاديث النبي العدنان عليه الصلاة والسلام، ما كان منها صحيحاً، وما كان منها متواتراً، وما جاءت بها كتب الصحاح، إذا بقينا في القرآن وفي هذه الأحاديث الصحاح، كان الذي نقوله حقاً وصدقاً, وهذا الموضوع كله موضوع إخباري، لا مجال للتحليل، ولا للزيادة، ولا للتعديل إطلاقاً، إنها حقائق وردت من خلال الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة. ما هي وسائل الإثبات لإدانة المكلف في يوم المحشر: 1- شهادة كتب الأعمال مع الموكلين في تسجيلها وهم الملائكة:أمّا وسائل الإثبات لإدانة المكلف فهي: شهادة كتب الأعمال, مسجل فيه كل حركاته، وكل سكناته، وكل أمواله في البيع والشراء، علاقاته الخاصة والعامة، زواجه، طلاقه، تربيته لأولاده، علاقته بجيرانه، اغتصابه لأموال الآخرين، تطاوله عليهم، أكله لحقوقهم، كل أعمال الإنسان, قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾ (سورة الكهف الآية:49) تصور رجلاً عاش سبع وستين سنة، إذا دخل البيت، وتصرف تصرفاً قاسيًا مع زوجته بلا سبب، سجلت عليه، أكل أكلاً, ونسي الطرف الآخر، سجلت عليه، طُرق الباب، وطُلب منه مساعدة، فقال: ما عندي, رفض أن يساعد، سجلت عليه، جاءت امرأة إلى البيت فنظر إليها، سُجلت عليه، فكل حركة، وكل سكينة, مسجلة عليه، هذا إذا كان سجل في كل يوم ستين أو سبعين صفحة, على 67 سنة فهي مجلدات. وهناك آيات أخرى, تؤكد أن كتاب الأعمال مرقوم، ومرقوم لها معنيان: 1- المعنى الأول: صفحاته مرقمة ومختومة، ولا مجال للمراوغة والاحتيال. مع موظف في المالية, هل تستطيع أن تمزق صفحة؟ هذا معنى مرقوم، أي له أرقام ثابتة. 2- المعنى الثاني: من الرقم وهو الوشم، كل مخالفة مع صورتها، أي كل عمل وصورته تكون ملونة أيضاً. ألم تفعل هذا العمل؟ هذه إدانة، فأكبر دليل يوم القيامة، شهادة كتب الأعمال التي سجلت فيها أعماله، وأقواله في الحياة الدنيا, قال عز وجل: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾ (سورة الإسراء الآية:14) ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾ ( سورة الكهف الآية:49) فأنت في الدنيا, إذا طلبك رئيسك في العمل، واتصل بالذاتية أعطونا الإضبارة، هناك نقص في المستودع، فأطلعك عليهم واحدًا واحدًا، إذا قرأها على مسامعك فقط، بماذا تشعر؟ هذا في الدنيا. ثم تأتي شهادة الملائكة الكرام الكاتبين، الذين قاموا بوظيفة تسجيل الأعمال في الدنيا, دليل ثاني على إدانة هذا المكلف. 2- تسليم المكلفين كتبهم: ويُسلم المكلفون كتب أعمالهم يوم القيامة بأيمانهم، إذا كانوا من أهل اليمين: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾ (سورة الحاقة الآية:19-24) وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو من وراء ظهورهم إذا كانوا من أهل الشمال في الحياة الدنيا، وهم الذين كفروا وعملوا السيئات, قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً *وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ (سورة الانشقاق الآية:7-12) هذا الكافر، إنه كان في غفلة، فقدْ كان له بيت فخم، وسيارة، وأموال، وولائم، وسهرات حمراء وخضراء، واعتداء على الأعراض، إنه كان في أهله مسروراً، أما المؤمن قال تعالى: ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ ( سورة الانشقاق الآية:9) مثله - وله المثل الأعلى - كمثل الطالب جاء إلى البيت، ومعه جلاؤه، وقد نال الدرجة الأولى، يأتي فرحاً، بين أن ينقلب إلى أهله مسروراً، وبين أنه كان في أهله مسروراً، فالفرق كبير بين الحالتين, قال تعالى: ﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾ (سورة الحاقة الآية:25-33) ما هي الأدلة إذا اعترف أو أنكر الإنسان هذه الأعمال: 1- شهادة الإقرار بالنفس:شهادة الإنسان على نفسه بإقراره، واعترافه بجرمه، والاعتراف في القضاء سيد الأدلة، فإذا زنا شخص يجب أن نقيم عليه حدّ الرجم، ولا بد من أربعة شهود رأوه رأي العين، فإذا جاء الزاني المحصن، وأقرّ على نفسه، فليس هناك حاجة للشهود، لأن الاعتراف سيد الأدلة، والصلح سيد الأحكام. 2- شهادة الأعضاء: الدليل الثاني: لو حاول الإنسان يوم القيامة أن يكذب, يختم على فمه، وتنطق أعضاؤه بجرمه، فتنطق جوارحُه يوم القيامة بإذن الله وقدرته شاهدة عليه، قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ (سورة يس الآية:65) ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة النور الآية:24) وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ ؟ قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ قَالَ يَقُولُ بَلَى قَالَ فَيَقُولُ فَإِنِّي لا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلا شَاهِدًا مِنِّي قَالَ فَيَقُولُ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا قَالَ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ فَيُقَالُ لأَرْكَانِهِ انْطِقِي قَالَ فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ قَالَ ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلامِ قَالَ فَيَقُولُ بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ " (أخرجه مسلم في صحيحه, وأحمد في مسنده) تحدَّثنا عن العرض، والسؤال، والحساب، والميزان، وكتب الأعمال، وشهادة الملائكة والجوارح، وفي درس قادم إن شاء الله نأخذ الصراط، ثم الجنة والنار. والحمد لله رب العالمين |
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( الرابع و الخمسون ) الموضوع :الايمان باليوم الاخر (11) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. تتمة مراحل الإيمان باليوم الآخر: 7- الصراط والحكمة منه: أيها الأخوة, تحدثنا في الدرس الماضي عن العرض، والسؤال، والحساب، والميزان، وكتب الأعمال، وشهادة الجوارح، واليوم نتحدث عن الصراط, بعد موقف الحساب هناك مرور على الصراط، وهو طريق على متن جهنم، يسلكه الناس، فالمؤمنون يجتازونه إلى جنة الخلد بسرعة, بحسب مقدار تفاوت الإيمان والأعمال الصالحة، وأهل النار تجذبهم كلاليب جهنم فيسقطون فيها. لكن الحكمة من الصراط, أن أهل الجنة مما يزيد سعادتهم في الجنة أنهم نجوا من العذاب الأليم الذي كانوا سيقعون فيه، لو لم يسلكوا سبيل الحق في الدنيا، فلو أن إنساناً في الدنيا دُعي إلى معصية فأبى، ثم رأى مصير الذي لبى المعصية، يزيد سعادتَه أنه رأى مغبة الأعمال السيئة، فمما يزيد سعادة الإنسان في الآخرة أيضاً, أن يرى الذين تنكبوا الصراط المستقيم في الدنيا سوف يُعذبون عذاباً أليماً، لذلك حينما تقرأ في الفاتحة قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾ ( سورة الفاتحة الآية:6-7) دائماً يجب أن تلحظ، وأنت في الدنيا، في كل حركة، في كل سكنة، في كل تصرف، في كل سلوك، في كل نشاط، الصراط المستقيم الذي نهجه الله لنا: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ ( سورة الأنعام الآية:153) الإنسان قد تضيق به الدنيا، الصراط المستقيم في حقِّه, أن يصبر، وأن يتحمّل، الإنسان جاءه المال، ما الصراط المستقيم في حقه؟ أن ينفقه على كل محتاج، ومسكين، وأن يشكر الله، ففي كل موقف هناك طريق سنّه النبي عليه الصلاة والسلام، فالمؤمن يسير على خط مستقيم، يسير على منهج حكيم، يسير على سنة نبوية، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام قدوة حسنة. 8- الجزاء: أما المرحلة الأخيرة، التي يتم فيها الثواب الأكبر، والعقاب الأكبر, فقد جعل الله لها دارين: داراً للنعيم، واسمها الجنة، وداراً للعذاب، اسمها النار, وقد أخبرنا الله جلّ وعلا بأن الجنة في الآخرة, هي مأوى المؤمنين والمسلمين، وأنها مراتب ودرجات: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة الأنعام الآية:132) في الجنة درجات بعدد المؤمنين، كلٍ منا له درجة. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ ( سورة القمر الآية:54-55) تتناسب مع مستوى الإيمان، والمعرفة، والخشية، والعمل الصالح، الذي قدمه مستحقها في الحياة الدنيا، كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى بأن النار في الآخرة, هي مأوى الكافرين، والمستكبرين عن طاعته وعبادته، وأنها منازل ودركات، لا نقول درجات، فالدرجات في الجنة، والدركات في النار، وأنها دركات تتناسب مع مستوى الإجرام والمعصية، والله سبحانه وتعالى يخبرنا أيضاً بأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وقد أشار القرآن الكريم, وأخبر الرسول الكريم بأن المؤمنين العصاة، إن لم يشملهم عفو الله، فإنهم يدخلون النار لتعذيبهم فيها بمقدار معاصيهم، ثم يخرجون منها إلى الجنة بفضل الإيمان بالله الذي كان في قلوبهم, قال تعالى مبيناً عذاب النار، ونعيم الجنة في سورة هود: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ( سورة هود الآية:106-107) هؤلاء الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً, ربنا سبحانه وتعالى أعلم بهم، فإن لم يشملهم عفوه, فإنهم يذوقون النار حقباً من الزمن، وبعدها يدخلون الجنة، يا ترى مليون سنة، مليونين، خمسة ملايين، قال تعالى: ﴿إلا ما شاء ربك ﴾ ( سورة هود الآية: 107) بفضل إيمانهم السابق، وعملهم الطيب. لذلك النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم قال: " ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط " ( ورد في الأثر) المخلّط هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وعامة المسلمين مخلطون، مؤمن، مسلم، مستقيم، ويعصي الله، يقول لك: الله يعفو عنا، الله يتغمدنا برحمته، نحن عبيد إحسان، ولسنا عبيد امتحان، واللهُ عزّ وجل يتولانا, هذا كلام لطيف، لكنه دليل أنه ليس مستقيماً، نفسه غالبة عليه، " قال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: عظني، وأوجز يا رسول الله, قال: قل آمنت بالله ثم استقم، قال له: أريد أخفّ منها، إذًا: فاستعد للبلاء ". قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ (سورة هود الآية:108) ما معنى هذه الآية ؟ هنا سؤال كبير، ما معنى قوله تعالى:﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ ( سورة هود الآية:108) هذه الآية, تعني أن أهل الجنة استحقوا الجنة بفضل الله عزّ وجل، وأنهم في الجنة لا بحكم عملهم في الدنيا فقط، بل برحمة الله عزّ وجل. إنّ مشيئة الله لا تحد، لكن الله عزّ وجل أخبرنا في آيات أخرى أنهم ليسوا منها بمخرجين، هذا مبدأ ثابت. من دخل الجنة فلن يخرج منها. ليس معنى هذا أنه استحقها بعمله، ولم يخرج منها ما دام عمله طيباً، لا، استحقها برحمة الله، وقد فصلتُ هذا أيضاً في درس سابق أنّ جهنم يستحقها أهلُها بمحض العدل، بينما الجنة يستحقها أهلُها بمحض الفضل. أدلة أهل العلم على أن المؤمن العاصي لا يخلد في النار: وفي الاستدلال القرآني على خروج عصاة المؤمنين من النار، استدل أهل العلم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾ (سورة الزلزلة الآية:7-8) قالوا: الإيمان خير، فلا بد أن يلاقي الأجر عليه, قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾ ( سورة الزلزلة الآية:7) رجل آمن، صلى، لكنه ارتكب معصية، المعصية يُعذب وفقها في النار، لكن الإيمان بالله لا بد مِن أن يناله خيره في الآخرة, فلا بد أن يلاقي الأجر عليه، ويجب أن يكون ذلك بعد تطهيره بالعذاب، لأنه إذا أثيب على إيمانه قبل دخول النار فلا يكون ذلك إلا بدخول الجنة، لكنه إذا دخل الجنة امتنع أن يخرج منها، لقوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾ (سورة الحِجر الآية:48) لذلك, فالإنسان إذا عمل عملاً صالحاً، وآخر سيئاً، يعذب أولاً، ثم يدخل الجنة، ولا يبقى فيها إلى أبد الآبدين، لأن المبدأ الأساسي: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾ ( سورة الحجر الآية:48) ويشهد لهذا الاستدلال القرآني أحاديث كثيرة, تبين خروج العصاة المؤمنين من عذاب النار، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ وَلا يَدْخُلُ النَّارَ رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ " ( ورد في الأثر) الجنة والنار وما جاء في وصفهما: وفي القرآن الكريم والسنّة المطهرة جملة من أوصاف الجنة والنار، يطول الحديث عنها، ولا تخفى على متعهد كتاب الله بالتلاوة، وهي في جملتها تثبت أن في الجنة أنواعاً لا تحصى من النعيم المادي والروحاني، وأن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأن عرضها كعرض السموات والأرض، أعدت للمتقين، وأن فيها الفردوس الأعلى المعد لأكرم الخلق عند الله، إلى غير ذلك من أمور كثيرة.المعلومات كلها مِن اليقين الإخباري، الذي أخبرنا الله عنه، فنؤمن به وكفى، وأن في النار أنواعاً رهيبة من العذاب المادي والروحاني، قال عز وجل: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾ ( سورة المؤمنون الآية:104) ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾ ( سورة النساء الآية:56) وأنها دركات ووديان، بعضها أشد عذاباً من بعض، وأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، إلى غير ذلك من أمور، نعوذ بالله أن نكون من أهلها. أنواع الشفاعة في الدنيا: 1- شفاعة حي لحي: ثم هناك موضوع دقيق، وهو موضوع الشفاعة التي وردت فيها بعض الآيات، وبعض الأحاديث الصحيحة، ويدخل ضمن قاعدة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ (سورة النساء الآية:48) فلله تعالى أن يقبل دعوة من يشاء من عباده إذا دعاه، أو أن ينزل خيراً على عبد من عبيده، أو أن يدفع عنه ضراً، أو أن يغفر له من خطيئاته، سواء أكان ذلك في الحياة الدنيا من حيّ لميت، أو كان ذلك يوم القيامة، ودعاء الأخ لأخيه نوعٌ من الشفاعة فيه عند الله، فلا مانع من أن يمنح الله فضله لعبدٍ من عباده، إكراماً لشفاعة يوجهها عبد آخر مقربٌ عنده، أشرح لكم ذلك فيما يلي. ربنا سبحانه وتعالى ـ كمبدأ عام ـ يمكن أن يقبل دعاء إنسان في حق إنسان، وأسرع الدعاء إجابة دعاء أخ بظهر الغيب، وهو أحد أنواع الشفاعة، فالشفاعة في الدنيا وفي الآخرة, في الدنيا من حيّ لحي، أو من حيّ إلى ميت، وفي الآخرة بين المؤمنين. 2- شفاعة الحي للميت: ربى إنسان ابناً صالحاً، فهذا الابن بعد موت أبيه دعا إلى الله، وأحسن للناس، صار خيرُه عميماً، كل هذه الخيرات في صحيفة الأب، فكأن هذا الابن شفع لهذا الأب، بمعنى أنّ الأب ربّى هذا الابن ومات، أعمال هذا الابن الطيبة في صحيفة الذي ربّاه. مشى شخص في جنازة، فاتعظ بها أشد الموعظة، واستقام من فوره على أمر الله، واستقامته كانت بسبب هذا الميت، فكأن هذا الذي سار في الجنازة شفع لهذا الميت، وهذه شفاعة حي لميت، قرأت القرآن على روح فلان، فتأثرت بهذه الآية، واستفدت منها، وطبقتها، وسعدت بها, مَن كان السبب؟ إنه الميت، إذًا: فهي شفاعة حيّ لميت. 3- شفاعة المؤمن للمؤمن وأعظمها بركة شفاعة رسول الله عليه الصلاة والسلام: أنك إذا لا زمت أخاً مؤمناً، فقد تستفيد من علمه، وقد تستفيد من خُلُقه، وقد تستفيد من أحواله، وقد تستفيد من إقباله، وقد تستفيد من ورعه، وقد تتعلم منه، وقد تتخلق بأخلاقه، وقد ترقى به، وقد تنجو من عذاب النار بدعوته، فهذا نوع من أنواع الشفاعة في الدنيا. شخص جالس تاجرًا, فعلمه أصول التجارة، وعلمه أصول البيع، وكيف يسجل الحسابات؟ وكيف يسوق البضاعة؟ وكيف يكون لطيفاً مع الزبائن؟ طبقت الإرشادات فصرت تاجراً كبيراً، معنى هذا أن هذا التاجر الأول شفع في هذا التاجر الثاني. هذا معنى لطيف جداً، فأنت في الدنيا إذا جالست أهل الحق شفعوا لك، بمعنى أنهم نهضوا بك بعلمهم، وأحوالهم, وأخلاقهم، وإقبالهم، والمؤمن يشفع للمؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام في حياته شفع لكل أصحابه، بمعنى أنه علمهم، وأدبهم، وأرشدهم، وأسعدهم، وأكرمهم، هذا المعنى واسع جداً للشفاعة، فكل إنسان مدعو أن يلازم أهل الحق, قال تعالى: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ ( سورة النساء الآية:85) إذا صاحبك أخ، صاحبك صديق، صاحبك جار، فدللته على الله، ودعوته للتفكر في آلاء الله، دعوته لحضور مجالس العلم، دعوته للعمل الصالح، دعوته لغض بصره، دعوته لإقامة الإسلام في بيته، فصدق دعوتك، واستجاب لك، فسعد بهذه الدعوة، فأنت شفعت له، وقد قال عز وجل: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾ ( سورة النساء الآية: 85) كل أعمال أخيك في الدنيا، التي فعلها هي استجابة لك، وفي صحيفتك, هذا في الدنيا قبل الآخرة. أنواع الشفاعة في الآخرة: 1- المشرك لا يدخل في موضوع شفاعة النبي بينما الموحد يدخل فيها:أحياناً الله يكرم عزّ وجل إنسانًا، يقبل بدعائه شفاعته لإنسان، أما المشكلة فهي أن شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لا يستحقها إلا من مات لا يشرك بالله، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾ ( سورة الزمر الآية: 19) فإذا مات الإنسانُ مشركاً، فإن الله عزّ وجل يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾ ( سورة النساء الآية: 48) الآية واضحة، فالذي يموت مشركاً لا يستحق شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام, والذي يموت موحداً يستحقق شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وفق شروط سوف تأتي بالتفصيل. لو فرضنا أن أباً أراد أن يعطي ابنه مبلغاً من المال، والأب كله حكمة وعلم، فجعل هذا المبلغ عن طريق الأم تمتيناً للعلاقة بينها، وبين ابنها, فهؤلاء استحقوا الجنة، لأنهم ماتوا غير مشركين بالله، فربنا سبحانه وتعالى يجعل هذا العطاء عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، تكريماً لهذا النبي العظيم يجعل بعض العطاءات عن طريقه للمؤمنين. الشفاعة السيئة: شخص دل إنساناً على طريق الانحراف، دله على كسب الحرام، أقنعه بقبول مال غير مشروع، أقنعه ببعض الملذات المحرمة، فأفسده, فسقط في هاوية المعاصي، هذه شفاعة لكن من نوع آخر، للأول يتحمل كل الوزر الذي فعله الثاني, قال تعالى:﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾ ( سورة النساء الآية: 85) كل هذا يتم بإذن الله, لقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 255) لا يستطيع إنسان أن يصيب خيره إنساناً آخر إلا بإذن الله، ولا يستطيع إنسان آخر أن يصيب شره إنساناً آخر إلا بإذن الله، فالشفاعة من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى. شروط الشفاعة: 1- الشفاعة تدخل في باب فضل الله:شيء آخر في الشفاعة, هو أنّ قبول الشفاعة إنما يدخل في باب الفضل الذي يكرم الله به عباده، والله سبحانه وتعالى لا حجر عليه في فضله، يختص برحمته من يشاء, " دخل رجل مِن الأعراب على النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم، ويبدو أنه عمل عملاً غير لائقٍ، فأصحاب النبي الكريم حدقوا فيه النظر، فخاف، فوسعه النبي عليه الصلاة والسلام، أي أكرمه، ففرح، وقال: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال عليه الصلاة والسلام: يا أخي لقد حجرت واسعاً، رحمة الله واسعة " ( ورد في الأثر) فالشفاعة تدخل في باب الفضل, إن كل آية في القرآن تنفي الشفاعة لمن أشرك بالله, قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾ (سورة المدثر الآية: 48) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ( سورة البقرة الآية: 254) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ ( سورة النساء الآية: 48) 2- لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به: القاعدة الثانية: لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به، أو جحوده، وإنكار ألوهيته، ووربوبيته, قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ( سورة البقرة الآية:254) إذا نفيت الشفاعة, فلأن الذين رفضت الشفاعة فيهم ماتوا مشركين بالله عزّ وجل، جاحدين لفضله، كافرين به، هؤلاء لا تنالهم شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام. في بعض الأحاديث, أن النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة ينظر فيرى بعضاّ من أمته يساقون إلى النار، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " فَأَقُولُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَقِيلَ إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ قَالَ فَأَقُولُ بُعْدًا بُعْدًا أَوْ قَالَ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي " ( ورد في الأثر) أن أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, قَالَ: " قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا " ( ورد في الأثر) نخلص من ذلك كله بقانون، حينما تُنفى الشفاعة فلأن الذي رُفضت في حقّه هو مشرك، فإذا قبلت الشفاعة فلأن الذي قبلت بحقه مات موحداً، غيرَ مشرك, فأمر شفاعة الغفران عن الشرك به لا مطمحَ فيه, لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾ ( سورة النساء الآية: 48) وقد أعلن الله عن عدم قبول الشفاعة إذا كانت من هذا القبيل في عدة آيات, منها قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾ ( سورة غافر الآية:18) 3- قبول الشفاعة في غير الشرك بالله أمر منوط بمشيئة الله: الشيء الثالث في الشفاعة: أن قبول الشفاعة في غير الشرك بالله أو جحوده أمر منوط بمشيئة الله تعالى، فإنْ شاء قَبِلَها، وإنْ شاء رَفَضَها, قال تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ ( سورة المائدة الآية:118) الذين خلطوا عملاً صالحاً، وآخر سيئاً, هؤلاء متروكون إلى رحمة الله، إما أن يقبل فيهم الشفاعة، أو لا يقبل لحكمة بالغة هو يعلمها، قال تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً * لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾ ( سورة مريم الآية: 86-87) والشفاعة كما قلنا قبل قليل محضُ فضل: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ﴾ ( سورة مريم الآية:87) أي لا يملك الناس في ذلك اليوم أن تقبل شفاعة أحد فيهم، إلا من اتخذ منهم عند الرحمن عهداً، وذلك بالإيمان به، وبما جاء مِن عنده، فإنه قد يناله فضل من الله بقبول الشفاعة فيه، والعفو عنه، والله أعلم. 4- لا تقبل الشفاعة إلا ممن أذن له الرحمن: رابعاً: الشفاعة يوم القيامة لا تنفع إلا إذا كانت ممّن أذِن له الرحمن، ورضي له قولاً، قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ﴾ (سورة طه الآية: 109) فإن شفاعته قد تنفع إذا شاء واستجاب، هناك إنسان يستحق الشفاعة، وهناك إنسان تُقبَل شفاعته. هؤلاء الذين تُطلب الشفاعة لهم يجب أن يتخذوا في الدنيا عند الرحمن عهداً، بمعرفتهم الله، واستقامتهم على أمره، وطاعتهم له، وتوحيدهم إياه، وشكرهم على نعمه, قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ﴾ ( سورة مريم الآية: 87) فعندنا المشفع به والمشفع, قال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ ( سورة النجم الآية: 26) ملخص بحث الشفاعة: فالموضوع في مجمله, أنّ الشفاعة بمعناها العام تعني، إن لا زمت مؤمناً، صاحبته، استمعت إلى أقواله، طبقت دلالته، عملت بتوجيهاته، استفدت من أخلاقه، سموت بدعوته، معنى ذلك أنه شفع لك في الدنيا، أيْ أعطاك كل خبراته، وكل أحواله، وكل علمه, هذه شفاعة حيّ لحيّ في الدنيا، وأعظم شفاعة شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان بين أظهر الناس، تعلموا من أخلاقه، من أحواله، من إقباله، من ورعه، من حلمه، من عفوه، من كرمه, وشفاعة حي لميت، أن تعمل عملاً صالحاً، فكان هو السبب فيه، فقد شفع هذا الحي لذاك الميت.أما في الآخرة، فمعنى الشفاعة أن الله عزّ وجل يعطي عباده عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام إكراماً لنبيه عليه الصلاة والسلام، ثم إن الشفاعة لها قوانين: 1- إنها تدخل في باب الفضل. 2- لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك بالله. 3- قبول الشفاعة في غير الشرك بالله منوط بمشيئة الله سبحانه وتعالى، إن شاء قبلها، وإن شاء رفضها. 4- الشفاعة يـوم القيامة لا تنفع إلا إذا كانت ممن أذِن له الرحمن، ورضي له قولاً. الآيات والأحاديث حول هذا الموضوع كثيرة، نرجو الله تعالى أن يوفقنا إلـى معالجة الموضوع بشكل موسع في وقت آخر. والحمد لله رب العالمين |
| الساعة الآن 09:51 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.