![]() |
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : (السابع و الثلاثون ) الموضوع :من معجزات القران الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من وجوه إعجاز القرآن الكريم: 1- حفظ القرآن وصيانته من أي باطل يتطرق عليه: قلنا في الدرس الماضي إن القرآن الكريم من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام وهو معجزة خالدة مستمرة, وتحدثنا عن بعض وجوه إعجازه فكيف أن الله سبحانه وتعالى صانه وحفظه فقال في محكم تنزيله ؟ ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (سورة الحِجر الآية: 9) وقال تعالى: ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ ( سورة فصلت الآية: 42) فالباطل لا يمكن أن يتطرق إلى كتاب الله لا من حيث أخباره عن الأمم السابقة, ولا من حيث تنبؤاته لمن سيكون, ولا من حيث الحقائق العلمية التي جاء بها, ولا من حيث التشريعات التي أوردها، كل ما في القرآن الكريم لا يمكن أن يكون باطلاً, والباطل هو الشيء الذي ينقض أو يبطل، أو يلغى أو يسقط، هناك نظريات كثيرة أصبحت باطلــة كان يظن أن الأرض في العصور السابقة محمولة على قرن ثور فهذه نظرية باطلة، وكان يظن أن الأرض منبسطة لكنها كروية, فالنظرية أن الأرض منبسطة باطلة, وكان يظن أن في جوف الأرض مائعاً نارياً, ويتجه العلماء اليوم إلى أن هناك طبقات مستعرة ولكنها ليست مائعة, وكلما تقدم العلم كشف زيف بعض النظريات السابقة فهذه النظريات التي جاء بها الإنسان باطلة, لا يمكن ولا في المستقبل أن يكون في كتاب الله حقيقة يثبت العلم خطأها أو يثبت نقيضها، لأن الله عزّ وجل قال: ﴿ لايَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ( سورة فصلت الآية: 42) كلما تقدم العلم كلما التقى مع الدين, و أحياناً لقصــور العلم ولافتقاره إلى الوسائل الفعالة لضبط الحقائق قد نجد أن هناك بعداً أو تناقضاً بين نظرية علمية قاصرة، وبين حقيقة جاء بها القرآن, فمهما تقدم العلم، ومهما تطورت الآلة، ومهما ازدادت المكتشفات، لن تستطيع هذه كلها أن تنقض شيئاً في كتاب الله, وهذا تحدثنا عنه في الدرس الماضي. 2- سلطانه العجيب في هداية الإنسان وتأثيره على قلبه وعقله: وجه آخر من وجوه إعجازه كما قال بعض العلماء: سلطانه العجيب في الهداية، فحينما تقرأ كتاب الله عزّ وجل تشعر وكأن هذا الكلام ليس كلام البشر، بل كلام خالق الكون، الذي خلق السموات والأرض, ورفع السماء بغير عمد، ومن بيده أمرك ومصيرك، ورزقك وحياتك، لذلك تُليت بعض آيات القرآن على بعض العلماء الأجانب فقالوا: هذا الكلام من فوق هكذا عبروا، أي قائل هذا الكلام يرى الكون كله، فقال العلماء: سلطان القرآن العجيب فيه هدايته للإنسان، وفيه تأثيره المعنوي على عقول الناس، إذا كان الإنسان صافياً أو بعيداً عن أثقال المادة وعن زيف الحضارة، وقرأ كلام الله عزّ وجل يخشع قلبه، و يقارب أن يبكي، ويشعر أنه يذوب، ويقشعر جلده من خشية الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (سورة الأنفال الآية: 2) تقشعر منه جلود الذين يؤمنون بالله عزّ وجل، فهذا التأثير وهذا السلطان العجيب الذي إذا قرأت القرآن شعرت به من إعجاز القرآن الكريم. الحقيقة ببعض الأعمال العظيمة هناك سر لا نعرف ما هو؟ فالأثر واضح أما طبيعة هذا السر فلا نعرفه, ولو أن إنساناً قرأ كتاباً آخر من صنع بشر مهما كان هناك تألق لفظي، ومهما كان هناك سجع في اللفظ، وفواصل دقيقة، وصور، وتشابيه، واستعارات، وانتقاء الكلمات وموسيقى داخلية، وموسيقى خارجية، تشعر أن هذا كلام البشر, ولكنك إذا تلوت كتاب الله عزّ وجل تشعر أنه كلام الخالق بسلطانه العجيب! وهذا هو السر في تجمع مختلف الشعوب والأمم حوله, و كلام البشر تقرؤه مرة ومرتين, وثلاثاً وأربعاً، تشعر بأنك تخلصت منه، وفهمت معانيه، ويمكن لو أنك كلّفت أن تقرأه مرة خامسة لشعرت بالضجر والضيق، ما السر؟ إنك لو قرأت كلام الله آلاف المرات فتُشعر أنه كل مرة كان عليك جديداً لا تبلى جدته، ولا يخلق على كثرة الترداد، وتقول هذه الآية: أقرأها آلاف المرات, وكلما قرأتها اقشعّر جلدي, قال الله: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى *وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ (سورة الضحى الآية: 1-11) ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى * فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾ (سورة الليل الآية: 1-21) في سورة الرحمن: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾ (سورة الرحمن الآية: 1-7) تقرأ بعد ذلك: ﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (سورة الرحمن الآية: 13) كررت هذه الآية 33 مرة, وكأنها لازمة تترنم بها هذا سر صياغة كلام الله, و نحن عاجزون عن إدراك السر, قال الله: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ (سورة الحشر الآية: 21) ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (سورة البقرة الآية: 185) إن سلطانه عجيب! ونحن عرفنا الأثر ولم ندرك سر التأثير، فسيدنا جعفر قرأ القرآن على النجاشي, ومن حوله الرهبان فأخذت الخشية تتغشاهم فأجهشوا جميعاً بالبكاء, أرسل النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين عالماً من علماء النصارى إلى رسول الله, فلما قرأ عليهم سورة " يس " بكوا جميعاً وآمنوا, هكذا تروي السير، فربنا عزّ وجل ذكر هذه الحادثة فقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ (سورة المائدة الآية: 83) جاء في الصحيحين عن جبير بن مُطعم رضي الله عنه قال: " عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ ) قَالَ كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ قَالَ سُفْيَانُ فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا سَمِعْت الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ زَادَ الَّذِي قَالُوا لِي " ( أخرجهما البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم عن أبيه في صحيحهما ) يتأثر الإنسان في القرآن, ولكن من انطمست فطرته بالشهوات وغاص بالملذات الحسية إلى قمة رأسه فهذا قلبه ميت، ولكن من كان بعيداً عن نزوات الشهوة, وعن أوحال المادة, وقرأ كلام الله عزّ وجل فربما قال: إن أجمل ساعات حياتي حينما اقرأ كتاب الله، لأن رحمة الله تتنزل على قلبه. 3- الشمول: من وجوه إعجازه أيضاً, أن ما في كتاب الله من حكم وأحكام، وعظــات وأخلاق، ومبادئ وعقائد، وتشريعات وأخبار عما مضى, وعما هو آت، ومعارف جزئية، وعلوم كلية، بلغت كلها مبلغاً لا يرقى الإنسان إلى الإتيان بمثله في تماسكها، وترابطها، وموافقتها للحق والمصلحة وسعادة الناس جميعاً, وما زال على تعاقب العصور بهذا المستوى رغم تقدم العصور, وتطور المعارف وتجربة مختلف المبادئ, والقوانين والأنظمة الوضعية والإنسانية, ولم يزل كذلك أبد الدهر, مع كل هذه الكمالات فقد أُنزل على رجل أُميّ لم يتعلم القراءة والكتابة, ولم يسبق له دراسة ولا قراءة, ولا تعلم على يد أحد، ولا علمه أحد، وفي أمة أميّة لا تعرف شيئاُ من هذه العلوم والمعارف التي جاء بها, وهذا أكبر دليل على أن هذا الكلام من عند الله, قال الله تعالى يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام في معرض الحديث عن أهل الكتاب في سورة العنكبوت: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ * وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾ (سورة العنكبوت الآية: 47-48) من حكم الله البليغة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أُميّاً, لماذا؟ لأنه لو درس أو تعلّم أو استوعب ثقافة عصره ثم جاءه الوحي لاختلط على الناس الوحي بالثقافة، ولقالوا: يا محمد قل لنا: هذه من عند ربك أم من عندك؟ ولكان أكثر سؤال يتوارد عليه طوال حياته هذا السؤال, ولحكمة بالغة منع عنه ثقافة العصر، إذ جعله أُميّاً ليكون كل علمه من عند الله. ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (سورة النجم الآية: 3-4) ليكون كل علمه وكل أقواله إنما هي وحيٌ يوحى, ولذلك فقد قال علماء الأصول: القرآن وحي متلو، والسنّة وحي غير متلو، و أكثر العلماء على أن الأحاديث الشريفة إن هي إلا وحي يوحى, ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام أُمياً لئلا يختلط وحي السماء بثقافات البشر. 4- إعجازه في البلاغة والفصاحة: من وجوه إعجاز القرآن الكريم بلاغته وفصاحته, و أعلى كتابة في اللغة العربية من حيث الفصاحة والبلاغة هي كتاب الله عزّ وجل, فالفصاحة في كلماته، والبلاغة في تراكيبه، وانتقاء الكلمات من أعلى مستوى, وتأليف الكلمات في جمل من أرقى بنية، وتناسب الألفاظ مع المعاني، وتناسب المعاني مع مقتضى الحال، يعد أعلى مستوى في اللغة العربية, وأما الكلام عن إعجازه اللغوي، وإعجازه البياني، فحديث طويل أُلفت فيه المجلدات، فماذا نفعل في هذه الدقائق أو ماذا نفعل في هذه الساعات؟ مجلدات بأكملها أُلفت حول إعجاز القرآن, فبذل المال، وبذل النفس، في القرآن الكريم جاء بهذا الترتيب, قال الله: ﴿ وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾ (سورة الحجرات الآية: 15) ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾ (سورة الصف الآية: 10-11) في أكثر من 18 موطناً فيما أذكر ورد بذل المال مقدمٌ على بذل النفس, لأن بذل المال أهون من بذل النفس إلا في موطن واحد ورد فيه بذل النفس مقدماً على بذل المال, قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ (سورة التوبة الآية: 111) وهنا بيع قطعي وفي البيع القطعي يقدم الأهم على المهم، بينما في البذل يقدم الأيسر على الأعسر، حكمة بالغة. في مواطن كثيرة وردت كلمة "غفور رحيم", إذا اجتمع اسم المغفرة والرحمة فاسم الغفور مقدمٌ على اسم الرحيم, لماذا ؟ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، الغفور مقدمٌ على الرحيم, ولذلك ورد في الترتيب كما يلي إلا في آية واحدة جاءت فيها كلمة رحيم غفور, هذه آية وحيدة ورد فيها اسم الرحيم قبل اسم الغفور, قال الله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾ (سورة سبأ الآية: 2) لماذا؟ لأنه في آيات أخرى حيثما وردت كلمة العلم وردت معها كلمة الرحمة, لأن العلم من غير رحمة طامة كبرى كما هي الحال في هذا العصر, حينما تقدم العالم الغربي تقدماً مذهلاً في العلوم, ولم يرافق هذا التقدم تقدم في القيم فأصبح هؤلاء كالوحوش الكاسرة, أرادوا أن يأكلوا الشعوب كلها, وأن يعيشوا على أنقاضها, فهم يسببون لها متاعب لا حصر لها، من أجل أن يرتفع مستوى معيشتهم، فربنا عزّ وجل قال: ﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً ﴾ (سورة غافر الآية: 7) ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (سورة الأعراف الآية: 52) ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾ (سورة الكهف الآية: 65) في أكثر الآيات تأتي كلمة الرحمة مع العلم, لأن العلم من دون رحمة سلاح مدمر، والعلم من دون رحمة جعل القنبلة النووية، وهذه القنبلة الذرية أُلقيت في الحرب العالمية الثانية، وكانت في البدايات قنبلة متواضعة جداً 300000 إنسان ماتوا بثوانٍ، فهذا هو العلم من دون رحمة, والآن يقولون: هناك حرب جرثومية, و حرب كيميائية، ومواد تصيب الإنسان بالشلل، ومواد كيميائية تصيبه بالهوس والخَوَر، وهناك قنابل عنقودية، و قنابل تلفزيونية، وقنابل حارقة، فهذا ليس بعلم بل كله جهل، وهذا كله علم من دون رحمة، وهناك قنابل تبيد البكتريات في الأرض، فتصبح الأرض غير صالحة للزراعة, فهذا ليس بعلم، قال الله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ﴾ (سورة غافر الآية: 7) ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ﴾ (سورة الكهف الآية: 65) ﴿كِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً ﴾ (سورة الأعراف الآية: 52) في أكثر الآيات اجتمعت الرحمة مع العلم، وفي عصرنا هذا انفرد العلم من دون الرحمة، ومن علامات آخر الزمان أن تنعدم الرحمة من قلوب الناس، لا يرحمك مهما كنت ضعيفاً, وقد يتلذذ بشقائك، هكذا العالم الغربي يخلق في العالم مشاكل، ويبيع هذه البلاد أسلحة من أجل أن يفنى بني البشر. ما هي الحكمة من التقديم والتأخير بالكلمات في القرآن الكريم ؟ لماذا ذكر الله كلمة رحيم غفور, ولماذا ذكر كلمة رحيم قبل الغفور؟ قال تعالى: ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾ (سورة سبأ الآية: 2) وهناك شواهد أخرى حول هذا الموضوع كثيرة, قال الله: ﴿ أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ﴾ (سورة المؤمنون الآية: 78) دائماً السمع مقدم على البصر في أكثر الآيات, لأن تخلّق السمع يكون قبل تخلّق البصر، فهناك ترتيب زمني، وقد يكون هناك ترتيب من حيث الأهمية، فالسمع يؤمن لك دائرة أمان أوسع من دائرة البصر، فسائق السيارة لا يرى شيئاً أمامه, ولكن هناك صوت للمحرك خطير، يقول لك: يوجد صوت, فدائرة السمع أوسع من دائرة البصر, فقُدّم السمع على البصر إما تقديماً في المرتبة, رتبته أعلى من رتبة البصر إلاّ في آية واحدة, قال الله: ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾ (سورة السجدة الآية: 12) لأن سرعة انتشار الصورة يعني " الضوء " أسرع بكثير من سرعة انتقال الصوت، سرعة الصوت 330 متر بالثانية، لكن سرعة الضوء 300000 كيلو متر بالثانية، ترى البرق وبعد حين تسمع صوت الرعد، فانتقال الصوت إليك كان بطيئاً جداً، قال الله: ﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾ (سورة السجدة الآية: 12) ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ (سورة الجمعة الآية: 11) الله بدأ بالتجارة, لأنه لا لهو من دون تجارة، فاللهو يحتاج لأموال طائلة، فإذا دخل رجل قاعة فيها قمار فيجب أن يكون معه ملاييـــن، قال الله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ (سورة الجمعة الآية: 11) هنا قُدم اللهو عن التجارة, لأنك إذا تركت الصلاة لعلة اللهو أشد إثماً وتفريطاً من تركها لعلة التجارة. الأقارب جاء ترتيبها في كتاب الله بشكل عجيب, فربنا عزّ وجل في سورة آل عمران يقول: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾ (سورة آل عمران الآية:14) الله عزّ وجل بدأ بالنساء, ثم البنين، ثم القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ثم الخيل المسومة، ثم الأنعام، ثم الحرث، سنأخذ أول واحدة, لماذا بدأ بالنساء؟ لأنَّ الآية في موضع المتعة, قال الله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ (سورة آل عمران الآية:14) لذلك قال النبي الكريم: " عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ " (أخرجه النسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي في سننه) وهناك آية ثانية: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾ (سورة التوبة الآية: 24) فالمحبة الحسية للمرأة في الدرجة الأولى، و المحبة القلبية للأب، لأن حبه لابنه سبق حب ابنه له من باب الوفاء، فربنا عزّ وجل بموضوع الاعتزاز الاجتماعي بدأ بالأب, قال الله: ﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ ﴾ (سورة التوبة الآية: 24) أبوة فبنوة فأخوة، وهذا ترتيــب الأقارب. وهناك آية ثالثة: ﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾ (سورة المعارج الآية: 11-14) في موطن دفع الفدية أغلى شيء الابن، وفي آية رابعة: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾ (سورة عبس الآية: 33-37) ففي موطن الاستنجاد والاستغاثة الأخ, أما الذي يعينك فأخوك، فهنا بدأ بالأخ، وهنا بدأ بالابن، وهنا بدأ بالأب، وهنا بدأ بالزوجة، وهذا الترتيب دقيق جداً، إذ يعجز عنه البشر, والله عزّ وجل عليم بما في النفوس، قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (سورة المُلك الآية: 14) فالقرآن الكريم من حيث الإعجاز, واللهِ لا يفي بحق هذا الموضوع لا درس ولا درسان, ولا سنة ولا سنتان, ولا العمر يمكن أن يفي بحق هذا الموضوع, ففيه إعجاز تشريعي، و إعجاز بياني، و لغوي، و حسابي، ورياضي، فمن دروس التفسير ومن خلال شرح الآيات الكريمة يبدو لكم بعض إعجاز القرآن الكريــم، وفي درس آخر إن شاء الله تعالى ننتقل إلى بعض معجزاته صلى الله عليه وسلم. والحمد لله رب العالمين |
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : (الثامن و الثلاثون ) الموضوع :صفات الرسل (2) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. صفات الرسل: 1- الصدق:أيها الأخوة, وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع عنوانه صفات الرسل, وقد تحدثنا عن الصفة الأولى ألا وهي الفطانة, وتحدثنا عن الصفة الثانية ألا وهي العصمة, واليوم ننتقل إلى الصفة الثالثة من صفات الرسل وهي: 1- صفة الصدق: " فحينما وقف سيدنا جعفر رضي الله عنه أمام النجاشي, وقال له: أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام, ونأكل الميتة, ونأتي الفواحش, ونقطع الرحم, ونسيء الجوار, ويأكل القوي منا الضعيف, حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه " فالصدق من أبرز صفات الرسل عليهم السلام, ولا يرفع الإنسان عند الله بشيء إلا إذا كان صادقاً معه, وصادقاً مع نفسه, وصادقاً مع الناس, قال عليه الصلاة والسلام: "عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيـــْهِ وَسَلَّمَ يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ " (أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة في مسنده) فقد يكون المؤمن حادّ الطبع، وقد يكون المؤمن كثير الإنفاق، وقد يكون المؤمن مائلاً إلى الانطواء، وقد يكون المؤمن محباً للاختلاط، كل هذه الصفات لا تقدح في كرامة المؤمن ولا في مكانته, فالمؤمنون طباع, وقد قال عليه الصلاة والسلام: " الحدة تعتري خيار أمتي" ( ورد في الأثر ) أما أن يكون المؤمن كاذباً أو خائناً فهذا يتنافى مع إيمانه, لا يجتمع إيمان وكذب, ولا إيمان وخيانة, فالصدق صفة بارزة من صفات الأنبياء عليهم السلام, وهي من أبرز صفات المؤمن, لماذا؟ لأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين, فإذا اصطفى الله إنساناً بالوحي, وكلفه تبليغ رسالاته للناس, وزوده بالمعجزة التي تشهد بصدقه أنه رسول. هل يعقل أن يكذب الرسول ؟ فهل يُعقل أن يكذب الرسول؟ اصطفاه الله, وهو العليم الخبير, اصطفاه الله بالوحي وكلفه تبليغ رسالاته للناس وأيّده بالمعجزات التي تؤكد صدقه, أفيعقل بعد هذا أن يكذب؟ فهذا شيءٌ في علم العقائد مستحيلٌ عقلاً، من الذي اختاره؟ العليم الخبير، فلو أنه كذب على الله لكان اختيار الله غير صحيح, إذاً هذا الذي اصطفاه الله وأيّده وكلّفهُ بالتبليغ لا يُعقل أن يكذب.الرسول مؤيد بالمعجزة, فلو كذب قبل المعجزة لكانت المعجزة تأييداً للكذب, ولو كذب بعد المعجزة لكانت المعجزة تأييداً للكذب, وهذا الذي أمسك العصا فإذا هي ثعبان مبين, فما معنى هذا؟ أيها الناس, إني رسول الله فإذا نطق بالكذب قبلها أو بعدها, فالمعجزة أصبحت تأييداً للكذب, وهذا مستحيل عقلاً, ولا يليق بحضرة الله سبحانه وتعالى أن يصطفي رسولاً يكذب عليه, ولا يعقل أن يكذب النبي على ربه، ولا أن يُكذّبه, فالرسول في العقيدة الصحيحة التي يجب أن يعلم بالضرورة أن يكون صادقاً قطعاً في كل ما يبلغ عن ربه, لذلك فسيدنا سعد قال: " ثلاثة أنا فيهن رجل, وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس, ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى, انتهى الأمر, من عند الخبير، من عند العليم، الخالق، الذي لا يغفل، الغني، رب العالمين، ولا سِرتُ جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها، ولا دخلت في صلاة فشغلتُ نفسي بغيرها حتى أقضيها, وفيما سِوى ذلك فأنا واحد من الناس " ( قول مأثور ) لو أن الرسول كذب في موضوعات غير شرعية ليس لها علاقة بالدين كعلاقته مع زوجته في بيته، أو مع أقربائه و جيرانه، فهذا الكــذب في موضوعات لا علاقة لها بالدين يسبب الشك في رسالته كلهــا، فالذي يكذب في علاقته مع الآخرين يكذب عن الله عزّ وجل، ولذلك لا تثبت رسالة الرسول إلا بالصدق، وإياك أن تسمح لنفسك أن تعتقد أنَّ رسول الله يكذب في أمور, لا علاقة لها بالدين أبداً, لا تثبت رسالة الرسول إلا بالصدق في كل أحوال النبي عليه الصلاة والسلام، حتى أن الإيماء ليس من أخلاق الأنبياء، أي يقوم بغمز واحد افعل كذا، فهذا الإيماء كأنهُ في شيء ظاهر وشيء باطن, قال عليه الصلاة والسلام: " عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ قَالَ قَدِمَ الْحَجَّاجُ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتِ الشَّمْسُ وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا كَانَ إِذَا رَآهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ" (أخرجه النسائي عن محمد بن عمرو بن حسن في سننه) المعجزة دليل صدق الأنبياء: سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، أشار في خطابه إلى فرعون بأنه شاهد المعجزة, وهذه المعجزة دليل صدقه في النقل عن ربه, هذه المعجزات التي تأتي بها الأنبياء, هي دليل صدقهم وأنهم رسل من عند الله:﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ )سورة الأعراف الآية: 104-105( شهادة الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام بأنه لا ينطق عن الهوى: وربنا عزّ وجل شهد لهذا النبي المصطفى عليه أتم الصلاة والتسليم، قال: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ (سورة النجم الآية: 3-4) فعلماء الأصول قالوا: هناك وحيٌ متلو, وهو القرآن، وهناك وحي غير متلو, وهو ما صح من الحديث الشريف, بل إن الذي يُنكر الأحاديث الصحيحة المتواترة يُعدّ كافراً, كما لو أنه أنكر كلام الله, فليس من حق أحد على وجه الأرض أن يُكفّر الناس, يجب أن يقف الإنسان موقف السيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام, قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ (سورة المائدة الآية: 118) وهذا تدخل في شؤون الله عزّ وجل, فبدل أن تكفره، اسعَ في هدايته, ومن قال: " هلك الناس فهو أهلكهم " ( ورد في الأثر ) قال الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾ (سورة النساء الآية: 170) إذا تكلم المؤمن خلاف ما يعتقد من الحق فقد خان رسالة الله: إذا تشرّف إنسان " فالله عزّ وجل رفعه وشرّفهُ " في أن يدعو إلى الله, فلو أنه تكلم بخلاف قناعاته، ولو أنه سكت عن حقيقة يعرفها, أو بالغ في حقيقة أو قصّر عن إلقاء الحق، فقد خان الرسالة وخان الأمانة، وفي ذلك قال الله عزّ وجل: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾ (سورة الأحزاب الآية:39) لو أن أحداً قال لك: هذه حرام, وأنت تعلمها حراماً, وأردت ألا تزعجه، وألا تحرجه, وأن تبقى لك معه مصالح، وأن تنتفع منه، فقلت له: لا, هذه حلال فقد سقطت من عين الله عزّ وجل؟ لأن يسقط أحدنا من السماء إلى الأرض فتتحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله, يجب ألا تأخذك في الله لومة لائم وأن تنطق بالحق, وكلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرّب أجلاً. ينبغي على المسلم أن يكون كلام الله فوق كل شيء: وقد قال لي أحدهم مرة: سعر كل سيارة هبط بمقدار 200 ألف ليرة، فإذا عمل إنسان تصريحاً صغيراً يُغيّر أسعار كل الحاجات، وربنا عزّ وجل خالق الكون ومنزل القرآن الكريم ستمئة صفحة فيه وعد ووعيد، وإنذار و إعذار، وتوضيح و تصريح, ألا يستحق خالق الكون أن تصدقه وأن تطيعه ؟ لو خاف الناس من ربهم كما يخافون من بعضهم لدخلوا الجنة, إذاً تعلم أن هذا الإنسان إذا قال فعل: وهو يملك أن يؤذيك, وقال: هذا ممنوع, فهل تفعله؟ لا والله لا تفعله, كيف تسمح لنفسك أن تصدق إنساناً وأن تطيعه, ولا تفكر في أن هذا القرآن من عند الله, وفيه أوامره ونواهيه ما لَكَ أين أنت؟ لذلك قال الإمام الجنيد: " ليس الولي من يفعل خوارق العادات ولكن الولي من تجده عند الأمر والنهي في الملمات" فالله عزّ وجل السميع البصير، بيده كل شيء, قال الله:﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ (سورة الحديد الآية: 4) هل من المعقول أن يكذب رسول الله ويتركه الله من دون عقاب ؟ لو أنّ رسوله كذب عليه, أيتركه هكذا؟ ويقول أحدهم: والله ما عندي علم سمعتها من إنسان، لم يبلغني ذلك أنه كَذَبَ عليّ هكذا سمعتها، أمّا خالق الكون, قال الله:﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾ (سورة المجادلة الآية: 1) ﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ (سورة طه الآية: 7) ولو أنَّ نبيه كَذَبَ عليه أيتركه سُدى؟ اسمعوا الآية: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾ (سورة الحاقة الآية: 44-47) فلو تكلم كلمة واحدة من عنده لعاقبه الله عزّ وجل, ولكَشفَ هذا الكلام الذي لا يُطابق الرسالة، ولما طلب المشركون من النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتي بقرآن غير هذا القرآن, أو يبدّل فيه الآيات التي تمسُ معتقداتهم. الأدلة من الكتاب على نفي الكذب من الرسل: قال الله:﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ﴾ (سورة يونس الآية: 15) هذا شيء مستحيل, قال تعالى: ﴿ مَا يَكُونُ لِي﴾ (سورة يونس الآية: 15) من أشد أنواع النفي, ومعنى قوله تعالى: ﴿أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ﴾ (سورة يونس الآية: 15) هذه إشارة إلى وجود الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، بل إن هذا هو الدليل, وهناك أدلة أخرى، قال الله تعالى: ﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ (سورة النساء الآية: 43) فبحسب ظاهر النص الخمر مباحة في خارج الصلاة, وهذه الآية منسوخة قولاً واحداً، إذاً في القرآن الكريم آية ناسخة وآية منسوخة, وهناك أدلة كثيرة عليها, وهناك حكمة بالغة من الإثبات, ومن النسخ, ومن بقاء الآية بعد النسخ, قال الله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ (سورة يونس الآية: 15) أنا متبع, قال تعالى: ﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾ (سورة يونس الآية: 15) هذه وظيفتي وهذا قدري, ولا أستطيع أن أزيد فيه ولا أن أنقص منه, ولا أن أبدل، ولا أن أٌغيّر، ولا أن أُعطل, هذه أمانة التبليغ, و الذين يذهبون إلى مقام النبي المصطفى عليه أتم الصلاة والتسليم, ماذا يقولون في حضرته: " أشهد أنك بلّغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وكشفت الغمة ومحوت الظلمة وجاهدت في الله حق الجهاد وهديت العباد إلى سبيل الرشاد " ( ورد في الأثر ) الله علّمه أن الذي يفتري عليه الكذب هو من أشد أنواع الظلم, قال تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾ (سورة يونس الآية: 17) ما هي علاقة المؤمن بموضوع الأنبياء في نفي الكذب عنهم ؟ قد يقول قائل: الأنبياء لا يكذبـون, هم صادقون مصدّقون مئة في المئة, ونحن المؤمنين ما علاقتنا بهذا الموضوع ؟ إذا خرجت عن الحقيقة, و سكتّ عن الحق, أو نطقت بالباطل, فهذا يخرجك من الإيمان، المؤمن لا يكذب، إذا أفتيت للناس بفتوى ترضيهم بها, وتُغضب الله عزّ وجل, أليسَ هذا كذباً على الله؟ وعلاقتنا من هذا الموضوع يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً أنَّ المؤمن إذا كذب فقد خرجَ من إيمانه, لأنَّ المؤمن لا يكذب و هكذا قال عليه الصلاة والسلام. ألم تسمعوا بأن أحد المتحدثين الأجلاء حينما رحل من المدينة إلى البصرة ليتلقى حديثاً عن رجل في البصرة, رآه عن بعدٍ, وقد وضع طرف ردائه موهماً فرسه أن فيها شعيراً, فلما اقترب منه لم يجد شيئاً فلم يكلمه, وعاد من حيث أتى, هذا كذاب, وما دام أن هذا الإنسان كذاباً لا يليق أن نأخذ منه حديثاً عن رسول الله عليه الصلاة والسلام, و الإمام البخاري جمع ستمئة ألف حديث, واختار منها تسعة ألاف حديث فقط, فصحيح البخاري فيه تسعة آلاف حديث فقط مختارة من ستمئة ألف حديث جمعها في صحيحه, كم بذل من جهد؟ أجمــع أهل المِلل والنحل والشرائع بلا استثناء, أنه لا يتم إثبات رسالة رسول إلا بالصدق، لأن الأنبياء والمرسلين جميعاً صادقون فيما بلّغوا عن ربهم, وهذا كلام قيّم جداً, فإذا قرأت حديثاً شريفاً فهذا ليس من عند رسول الله و ليس اجتهاداً, هذا وحيٌ من عند الله, فمخالفته مخالفة لأمر الله, وطاعته طاعة لله، ولذلك فربنا عزّ وجل قال: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾ (سورة الحشر الآية: 7) و قال ربنا عزّ وجل: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾ (سورة النساء الآية: 80) 2- التبليغ: الصفة الثانية من صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام, صفة التبليغ: لاحظنا أيها الأخوة, أن الرسول مبلّغٌ عن الله تعالى, وأن الله اصطفاه لهذه المهمة, وأنه أمره بتبليغ جميع أحكامه وشرائعه للناس, وذلك بمقتضى قول الله عزّ وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾ (سورة المائدة الآية: 67) قال تعالى: ﴿يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾ (سورة المائدة الآية: 67) أي لن يستطيع أحد أن ينال منك, أو أن يقتلك. وآية أخرى: ﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ﴾ (سورة الجن الآية: 26-28) الله عزّ وجل سيسأل الأنبياء, هل بلّغتم رسالاتي: ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (سورة الزمر الآية:71) أن الرسل معصومون عصمــة تامة عن مخالفـة أمر الله، ومعصومون من أن يقتلوا، والنبي عليه الصلاة والسلام عصمه الله من أن يُقتل, والأنبياء جميعاً والرسل جميعاً معصومون من أن يعصوا الله عزّ وجل, فلو عصوا الله عزّ وجل, والناس مكلفون باتباعهم لصار التبليغ باتباع المعصية, ولصار أمر الله أن تعصي الله، وهل يأمرك الله أن تُطيع هذا الرسول وهو يعصي الله, كأنَّ الله يأمرك أن تعصيه, والله سبحانه وتعالى لا يأمر بالفحشاء؟ معنى أن الرسول عليه الصلاة والسلام مكلفٌ بالتبليغ, أي لا يمكن أن يكتم من الحق شيئاً، هذا شيء مستحيل بحق الرسل, وهم معصومون أن يكتموا شيئاً أمرهم الله بتبليغه, لأنَّ الله عزّ وجل ما اختارهم لحمل رسالته إلاّ ليقوموا بتبليغ شرائعه. ما هو الدليل على عدم كتمان الرسل رسالات الله ؟ وما الذي يؤكد أنهم لم يكتموا شيئاً مما أُمروا به؟1- أن الله عزّ وجل شهد لهم بأنهم فعلوا ذلك في مناسبات كثيرة. 2- أنَّ الله وقد ذّم أهل الكتاب الذين يكتمون شيئاً من التوراة والإنجيل فلم يرض منهم هذا الكتمان وهم أفراد عاديين، فكيف يرضاه ممن اختارهم لحمل رسالته؟ وهل يسكت عنهم لو كتموا شيئاً؟ لذلك قالوا: " الساكت عن الحق شيطان أخرس" ( قاعدة فقهية ) لو أن النبي عليه الصلاة والسلام كتم شيئاً أنزله الله إليه, وأمره بتبليغه, لكتم ما قاله الله بحقه حينما قال: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ (سورة عبس الآية: 1) ولكم قصة زينب التي أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالزواج منها بعد أن كانت مطلقة لمتبنّاه زيد, قال الله: ﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾ (سورة الأحزاب الآية: 37) ﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾ (سورة التوبة الآية: 43) فلو كان بالإمكان أن يكتم النبي العدنان شيئاً من القرآن لكتم هذه الآيات، إذاً يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً في حق الرسل, أنهم بلّغوا جميع ما أمرهم الله بتبليغه " اللهم قد بلغّت, اللهم فاشهد " لأنَّ الكتمان ضد التبليغ, فإذا وجبت لهم صفة التبليغ امتنعت عنهم صفة الكتمان، هذه الصفة, صفة التبليغ من صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام. 3- العصمة من الأمراض المنفرة أو ما يخل بأداء رسالتهم: ومن صفات الرسل أيضاً, أنهم لا يتعرضون للأمراض المنفّرة: هناك أمراض جلدية منفّرة, أو أمراض لا يرتاح الإنسان لمنظرها, حدثتكم عن الأحنف بن قيس: كان قصير القامة, أسمر اللون، غائر العينين، مائل الذقن, خفيف العارضين، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب, وكان مع ذلك سيد قومه, إذا غضب، غضب لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيم غضب, لكن النبي الكريم جمع الحسنيين, جمع كمال الخلقِ والخُلق, وهكذا يكون الكمال, يجب أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام حتى في خلقه مثلاً أعلى, قال الشاعر: وأحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلد النساء خلقت مبرءاً من كل عيـب كأنك قد خلقت كما تشاء وفي روايات, أنَّ بعض الأنبياء ظهر الدود من جلودهم, وهي أوصاف مُبالغ فيها كثيراً، كيف يستطيع الناس أن يجلسوا أمام هذا النبي؟ لذلك لا تعترض أبدان الرسل عليهم الصلاة والسلام لما يُنفّر الناس منهم, لكن ليس معنى ذلك أن النبي لا يمرض, لا, الأمراض العادية تُصيبه، لأنه بشر، " اللهم إني بشر أرضى كما يرضى البشر" ( ورد في الأثر ) وسوف نتابع بقية صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام في درس آخر إن شاء الله تعالى. والحمد لله رب العالمين |
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : (التاسع و الثلاثون ) الموضوع :الكرامات الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الفرق بين المعجزة والكرامة من حيث الأمور العقلية: وصلنا إلى موضوع جديد هو الكرامات, فالمعجزات للأنبياء والكرامات للأولياء، فما حقيقة الكرامة؟ هل هي صحيحة؟ وهل هي واقعة فعلاً؟ و هل نثبتها؟ وإذا أثبتناها فما الأدلة؟ وإذا نفيناها, فما الأدلة؟ فالإنسان يجب أن يتعوّد ألا يقبل شيئاً إلا بالدليل النقلي من كتاب الله أو سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وألا يرفض شيئاً إلا بالدليل النقلي من كتاب الله ومن سُنة رسول الله، فلذلك الكرامات موضوع يكثر الحديث فيه، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يُمكنني من توضيح هذا الموضوع الدقيق.في دروس سابقة بينت لكم أن المعجزة ممكنة عقلاً, لأن هذا الذي خلق هذا الشيء على هذه الشاكلة يستطيع أن يخلقه على شاكلة أخرى, قال الله: ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾ ( سورة الانفطار الآية: 8) والذي خلق الماء مائعاً سائلاً يستطيع أن يجعله صلباً يابساً، و الذي خلق النار تحرق قادر على أن يجعلها لا تحرق، وإذا قيس الأمر بقدرة الله عزّ وجل فالله على كل شيء قدير, هناك أشياء ممكنة عقلاً، وهناك أشياء واجبة عقلاً، وهناك أشياء مستحيلة عقلاً، فالشيء الواجب الوجود هو الله سبحانه وتعالى، والشيء الممكن هو الكون، كان على هذا الشكل ويمكن أن يكون على شكل أخر، فإذا أدخلنا موضوع المعجزات في هذا الموضوع فالمعجزات ممكنة, قال الله: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ ( سورة الأنبياء الآية: 69) الله عزّ وجل جعل لكل شيء سبباً, ولكن في أي لحظة يستطيع أن يُلغي هذا السبب أو أن يعطله, ليبين لنا أن هذا الشيء من خلق الله وليس من خلق السبب، والسبب يعني وجد معه ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الشيء، فالمعجزة كما تكلمنا عنها سابقاً بدرس مفصّل ممكنة عقلاً، لكن قد تكون غير ممكنة عادة، فالنار تحرق عادة فأن تضع إنساناً في النار ولا يحترق فهذا غير ممكن عادة, أما عقلاً فممكن, لأنَّ الذي أحرق الإنسان بالنار قادر على أن لا يحرقه بها، وإذا أردنا أن ندخل موضوع الكرامات في هذا الموضوع فالكرامات أمور ممكنة عقلاً، والله عزّ وجل على كل شيء قدير, كما أنه أجرى على يد أنبيائه ورسله بعض المعجزات التي هي خرق للعادات, فمن قدرة الله عزّ وجل أن يُجري على بعض الصالحين من أتباع الأنبياء وعلى بعض الأولياء أموراً فيها خرق للعادات، لكن المعجزة هي خرق لمجرى العـادات الكونية مرافقة لدعوى النبوة، وهناك إنسان يقول: أنا نبي وهذه المعجزة, فالمعجزة ترافق دعوة النبوة ومقرونة بالتحدي, أما الكرامة فهي خرق للعوائد, ولكن غير مقرونة بالتحدي ولا بدعوى النبوة، إنما هي شيء خارق للعادات أجراه الله على يد بعض الصالحين من أوليائه المؤمنين أتباع النبي. لمن تكون الكرامة ولما وجدت: بالمناسبة: هناك قيد للكرامة, فما هذا القيد؟ إن الله سبحانه وتعالى لا يجري كرامة على يد عبـــد من عباده الصالحين إلا إذا كان ملتزماً بأوامر الله سبحانه وتعالى جملةً وتفصيلاً، فإذا كان غير ملتزم بأوامر الله عزّ وجل, وادّعى أنه أجريت على يديه كرامة فهذه ضلالة وليست كرامة. لماذا كانت الكرامة؟ هي شاهد مستمر على إمكان المعجزات، معجزات الأنبياء التي جرت بأزمانهم، وهي دليل جزئي على أن هذا الإنسان صالح، كرمه الله سبحانه وتعالى بخرق العادات، إذاً من باب أولى أن أنبياءه المصطفون، وأن رسله المكرَمون تجري على يديهم معجزات باهرات دالات على رسالتهم, وعلى عظمة الله سبحانه وتعالى. الكرامة شهادة من الله لهذا الإنسان على صلاحه وهي أقل مستوى من المعجزة: هذه الكرامات, تؤكد للأتباع أن هذا الإنسان الذي كرّمه الله بهـذه الكرامة مقرّب عنده، وكأنها شهادة الله لهذا الإنسان, كيف يشهد الله عزّ وجـل؟ شهد لأنبيائه بالمعجزات, وشهد لرسله بالكتب، فكيف يشهد لبعض أوليائه بالكرامة؟ بأن يُجري على أيديهم بعض الكرامات، أي بعض خوارق العادات.عندنا ملاحظة ثانية, الكرامة مستواها أقل من مستوى المعجــزة، فيجوز النبي أن يبرئ الأكمه والأبرص, ويحيي الموتى بإذن الله، وإحياء الميت معجزة, والكرامة أقل من ذلك, فإذا ادعّى وليٌ من أولياء الله أنه يحيــي الموتى تقول له: لا, الكرامة ليست في مستوى المعجزة, المعجزة لها صفة جماهيرية, يُدعى الناس جميعاً لمشاهدتها، وفيها تحّدٍ وترافق ظهور رسالة سماوية، أما الكرامـة فلها طابع فردي، بهذه القيود والفروق التي وضحتها لكم يتبيّن لنا: 1- أن الكــرامات لا تلتبس بالمعجزات، ولن تختلط الكرامة بالمعجزة. 2- فالكرامة على شكل فردي، والمعجزة على شكل جماعي. 3- المعجزة يرافقها ظهور نبي أو هبوط وحي أو نزول رسالة، بينما الكرامة لا يرافقها هذا. 4- ومع المعجزة هناك تحدٍ من قِبل الناس، ومع الكرامة ليس هناك تحدٍ. أنواع الكرامة: 1- الكرامة التي تجري وفق العادة:هناك تكريم من الله لبعض الناس الصالحين، المتًبعين غير المبتدعين، يجري وفق العادات لا خلاف العادات، وما التكريم الذي يُكرّم الله به بعض عباده وفق مقتضى العادات وليس خِلافها ؟ إنه العلم، إذ يُمنح هذا الإنسان العلم, فالعلم تكريم وأيّ تكريم, بل هو أرفع درجات التكريم, وليس في العلم خرق للعادات, العلماء قسّموا الكرامات على نوعين: 1- نوع يجري وفق العادات: وهذا النوع الذي يجري وفق العادات في مقدمته العلم أو القوة الجسمية, قال الله: ﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾ ( سورة البقرة الآية: 247) إنسان آتاه الله عزّ وجل القوة فهذه كرامة, ولكن وفق العادات، أو القدرة على التوجيه أو القيادة أو الرئاسة هذه قدرة أيضاً، يوجد إنسان عنده إمكانية يجمع الناس حوله، وعنده إمكانية أن يُوّفق بين المتخاصمين، وعنده قوة حجة، وإقناع، وسياسة، و فهم، وحكمة، هذه كلها كرامات, لكنها كرامات وفق العادات, وليس فيها خرق للعادات، أو أن يعطيه مالاً وفيراً، أو أن يجعله ينجب أولاداً من أعلى مستوى الذكاء، ومن كرامة الله لهذا الإنسان الحكمة, والقدرة على تدبير الأمور، والفطانة، وحُسن التصرف، والتكيّف، المال، والزوجة الصالحة، والأولاد الأبرار، هذه كرامات وفق العادات يكرم الله سبحانه وتعالى بها بعضاً من عباده الصالحين. 2- الكرامة التي تجري خلاف العادة: 2- وقد يُكرم بعض عباده بأن يُجري على أيديهم خوارق العادة: من الكرامات التي وردت في كتب العقيدة, أن يفتح الله لأوليائه آفاق العلم والمعرفة فهذه كرامة, والدليل قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ ( سورة البقرة الآية:282) إذا آتاك الله عزّ وجل الفهم لكتاب الله فهذه كرامـــة، فتقرأ الآية، وتفهمها سريعاً، وتتضح لك: أبعادها ومراميها، وعلاقتها بالآية السابقة ومدلولها، فهذه كرامة من الله عزّ وجل, ومن كرامة الله لأوليائه الصالحين أن يجعل لهم مخرجاً, وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون، فالحياة فيها أزمات، وفيها ورطات، وفيها مشكلات, قال الشاعر: كن عن همومك معرضــاً وكل الأمور إلى القضـا وابشر بخير عاجـــــل تنسى به ما قد مضــى فلرب أمرٍ مسخـــــطٍ لك في عواقبه رضــا ولربما ضاق المضيـــق وربما اتسع الفضـــا فالله يفعل ما يشـــــا ء فلا تكن معترضـــاً الله عودك الجميـــــل فقس على ما قد مضـى ثم الله سبحانه وتعالى إكراماً لك أيها المؤمن, يفتح لك مخرجاً ما كان في الحسبان، إذ يخلق لك فرجاً بعد اليأس، ويخلق لك حلاً بعد التعقيد, قال الشاعر: نزلت فلما استحكمت حلقاتها فُرجت وكان يظن ألا تفرج هذه كرامة، فيجوز أن يكون كل واحد منكم مُكرّماً عند الله، كل واحد منكم حصراً، على هذه المقاييس، هذه أنواع الكرامات، و كلمة مخرج تعني أن الأمور مُحكمة, وليس هناك من أمل, و الله عزّ وجل لا يفتح لك المخرج إلا بعد أن تُحكم الشدائد من كل جهة, طرقت باب فلان فوجدته مسافراً, وفلان وعدك بمبلغ, فقال لك: والله ليس معي نقدي, فإذا وجد لك مخرج من أزمة مستحكمة, فهذه كرامة أيضاً, من كرامات الله لأوليائه المؤمنين: بأن يكافئهم على نصر دينه, وبأن ينصرهم ويؤيدهم وأن يجعلهم فوق أعدائهم، وذلك بتهيئة الأسباب ودفع الموانع وإلقاء الرعب في قلب العدو, وذلك في مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾ ( سورة محمد الآية: 7) فهذه كرامة، مكافأةً لك على نُصرة دين الله, وعلى أنك وقفت إلى جانب الحق، وآثرت رضاء الله عزّ وجل, وأسخطت الخلق, وأرضيت الحق، قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾ ( سورة القصص الآية:5-6) أيهما أرفع عند الله الكرامة التي تجري وفق العادة أم خلافها ؟ هناك كرامات, تجري وفق العادات, وكرامات تجري خلاف العادات، أي الكرامات أرفع عند الله درجة, التي تجري وفق العادات أم التي تجري خلاف العادات ؟ أنت أمام طبيب، واحد آتاه الله علماً عميقاً, وقدرة على تشخيص المرض, وقدرة على وصف الدواء المناسب، وطبيب آخر, آتاه الله شيئاً من خوارق العادات، فلما دخلت عليه طار في الجو أمامك حتى وقف في السقف, منظر مُذهل، وأنت مريض, إلى من تحتاج ؟ إلى الذي أوتي العلم، العلم ليس فيه خرق للعادات, شيء طبيعي.تعليق لطيف, قال مؤلف الكتاب: وظاهرٌ أن الإكرام بالعلم أو التأييد بالنصر أجل وأرفع من الإكرام بالمشي على الماء, أو الطيران في الهواء, أو طيّ المسافات البعيدة في زمن قصير, أو تحضير الطعام والشراب في مكان ليس فيه طعام ولا شراب، فالعلم والفهم والحكمة والقدرة على توضيح الحق للناس، وهذا الكلام مؤيد بالأدلة القرآنية القطعية الثبوت والقطعية الدلالة. الكرامة التي يجريها الله على يد بعض الصالحين من الأمور الممكنة عقلاً: فكل منكم فيما أعتقد كرمه الله سبحانه وتعالى بأن فهمه، وعلّمه، وحفظه، و جعل له مخرجاً من بعض أزماته، و أيّده، وقرّبه, فهذا أكبر تكريم, ولذلك يجب أن نعتقد ونحن ندرس العقيدة الإسلامية، أن الكرامات جائزة الوقوع, وأنه لا مانع من أن يُجريها الله على يد بعض الصالحين من عباده إكراماً لهم, وتأييداً للرسول الذين هم من أتباعه.ما دامت الكرامات قد ثبتت عقلاً، فالكرامات ممكنة عقلاً, وممكن أن يلقي الله عزّ وجل في قلب عدوك الرعب منك، وأن يُلقي عليك هيبة, فهذا الخصم يخاف منك, وأنت أضعف منه, و أنَّ هذه الورطة بعد أن استحكمت حلقاتها, يفتح لك باباً تخرج منها, فاقتنعنا الآن أنَّ الكرامة ممكنة عقلاً, لأن الله على كل شيء قدير، وهذا الذي سيحاسبك حينما تمر من أمامه ليحاسبك يأتيه خاطر متعلّق في بيته مثلاً فلا يُدقق فتنجو منه, لأنَّ قلبه بيد الله عزّ وجل، وعلى هذا هناك آلاف القصص، أثبتنا أنَّ الكرامة ممكنة عقلاً. الأدلة من الكتاب والسنة على موضوع الكرامة: أيها الأخوة, هناك صوراً كثيرة من الكرامات قد أثبتها القرآن الكريم، وهناك أمثلة كثيرة من الكرامات أثبتتها الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنّ هناك كرامات كثيرة وردت عن أصحاب رسول الله صلوات الله عليه، إذاً لا يمكن أن تُنكر الكرامة لا من وجه عقلي, ولا من وجه نقلي، فهي ثابتة نقلاً وعقلاً، والنقل يتوافق مع العقل، والعقل يتوافق مع النقل، فلا داعي إذن لإنكار الكرامة على أنه متى ظهرت الصدق في طريق روايتها سلمنا بها، فلو فرضنا أن كذاباً قال لك: فلان أكرمه الله عزّ وجل ونجاه من ورطة كبيرة, فقد يكون ناقل الخبر كذاباً, فهل هذه كرامة؟ لا, لا تثبت هذه الكرامة إلا إذا وردتنا بالخبر الصادق, هذا من حيث الشكل, أما من حيث المضمون, فإنسان شرب الخمر ولم يحاسبه الله, وجعله ينطلق في ملكوت السموات والأرض, وهو سكران, فنقول له: هذا دجل, وأنت ضال، فيجب أن يكون موضوع الكرامة وفق طاعة الله عزّ وجل، فإذا تضمنت الكرامة المزعومة مخالفة ظاهر الشرع، أو فيها معصية أو مُنكر، أو تعطيل لحكم الله، أو نحو ذلك, فهذه ليست كرامة بل هي ضلالة من الشيطان.والآن نحتاج إلى الدليل, أين الكرامات التي وردت في كتاب الله؟ قصة أهل الكهف, من هم أهل الكهف؟ هل هم أنبياء أم رسل؟ فقصة أهل الكهف هذه كرامة, ولو أنهم كانوا أنبياء أو رسلاً لكانت معجزة, وهذا النوم المديد خرقٌ من خوارق العادات, وقد أكرمهم الله بذلك, وهم فتية مؤمنون صالحون وليسوا بأنبياء, قال الله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَباً * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً ﴾ ( سورة الكهف الآية: 9-12) السيدة مريم الصديقة هل هي نبية؟ لا, النبوة محصورة بالرجال, ومع ذلك أجرى الله على يديها شيئاً من خوارق العادات, فقد حملت بسيدنا عيسى عليه السلام دون أن يمسها بشر, أليس هذا خرقاً للعادات ؟ ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ ( سورة آل عمران الآية: 47) ولما أحست السيدة مريم بقرب ساعات الوضع, ابتعدت عن أهلها إلى مكان خالٍ من الجهة الشرقية, وجلست إلى جانب شجرةٍ من أشجار النخيل التي لا ثمر فيها، وحصلت لها من المساعدات الربانية في وضعها أمور كثيرة منها: تساقط الرطب عليها من النخلة غير المثمرة لما هزت جذعها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾ ( سورة مريم الآية: 25) فهذه كرامة, أما بحق سيدنا عيسى فمعجـــزة، ما دامت جاءت قبل الرسالة فهي إرهاص كما تحدثنا من قبل, لما وضعت ابنهــا عيسى عليه السلام حملته, وجاءت به إلى قومها, فجعلوا يوجهون إليها الأسئلة المتندرة, ويحرجونها بالاتهامات الساخرة, وهي صامتة لا تحمل جواباً, وألحّوا في استجوابها عن سبب حملها الذي لم يتصوروا فيه على حد تفكيرهم الضيق إلا الفاحشة, وهي منها براء فأشارت إلى ولدها الرضيع, قال الله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾ (سورة مريم الآية: 29-31) فهذه كرامة، ليس من السهل أن يتكلم طفل عمره بضع ساعات أو أيام. السيدة عائشة رضي الله عنها نزلت آيات قرآنية تؤكد براءتها مما اتهمت به من حديث أهل الإفك، والله عزّ وجل كرّمها بأن برأها بقرآنه الكريم، وهذه كرامة أيضاً ثابتة في القرآن الكريم، يتضح لكم أن الكرامات مأخوذة من القرآن الكريم. هناك غلام نشأ في اليمن في عهد ملكٍ من ملوك حميّر، الذي استعبد الناس وحجبهم عن الإيمان بالله، وكان لهذا الملك ساحر فلما كبر الساحر, قال للملك: قد كبرت سناً فابعث إليّ غلاماً أُعلمه السحر, فاختار الملك غلاماً وبعثه إليه, وتتلمـــذ الغلام على الساحر, وأراد الله بالغلام خيراً فكان يتصل براهبٍ يأخذ عنه الدين والعبادة, وكان مكان الراهب بين منزل أهل الغلام, وبين مكان الساحر, وكان يحتال لتبرير تأخره على الساحر صباحاً, وعن أهله مساءً، وقد تقدم هذا الغلام في درجات التقوى حتى أجرى الله على يديه كرامات كثيرة منها: أنّ دابة خاف الناس منها, وقطعت عليهم طريقهم فأخذ حجراً, وقال: " اللهم إن كان أمــر الراهب أحبّ إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس, فرماها فقتلها " فاعتقد الناس به, وسمعوا راهباً وساحراً, فالراهب رجل دين, والساحر رجل كذاب, والملك حينما رأى بعض الناس قد آمنوا بالله خالق السموات والأرض بسبب هذا الغلام، حقد عليهم, وعذّبهم, وقتّلهم, طبعاً القصة طويلة، حاول الملك أن يقتل الغلام فأخذوه إلى جبل فردوه من علٍ فما تمكنوا، وأخذوه إلى عرض البحر ليُغرقوه فما تمكنوا، والله عزّ وجل كان يحفظه يُميت من معه ويحفظهُ هوَ، إلى أن قال الغلام للملك: إنك لست بقاتلي حتى تجمع الناس بصعيد واحد, وتصلبني على جذع, ثم تأخذ سهماً من كنانتي, ثم تضع السهم في كبد القوس, ثم تقول: باسم الله ربّ الغلام ترمي, فإن فعلت قتلتني، ليس لك أن تقتلني إلا بهذه الطريقة، فلما فعل قُتل بهذه الطريقة, فكبر الناس جميعاً, وآمنوا بالله خالق السموات والأرض, وكفروا بهذا الملك الذي يدّعي أنه رب، فكان هذا الغلام قد ضحّى بحياته من أجل أن يؤمن الناس بالله رب العالمين, هذه كرامة وردت في بعض الكتب الصحيحة، والله سبحانه وتعالى أشار إليها, قال: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ﴾ ( سورة البروج الآية: 4) إن الملك لما آمنوا بالله عزّ وجل, حفر لهم أخدوداً, وأشعـــل فيه النار, وحرّقهم فيه, قال الله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾ ( سورة البروج الآية: 4-8) فهذه بعض الأمثلة التي وردت في موضوع الكرامة, فالكرامة حق، ممكنة عقلاً, وثابتة نقلاً، والنقل أي هناك آيات كثيرة, وأحاديث تؤكد الكرامة، لكن أتمنى أن يبقى في أذهانكم أن أرفع الكرامات هو العلم والمعرفة والحكمة والقدرة على هداية الناس، وهذه هي الكرامة المجدية. وآخر شيء من الكرامات, حينما كان يخطب سيدنا عمر على المنبر فجأة قطع خطابه, وقال: يا سارية الجبل الجبل, وسيدنا سارية أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, كان قائداً في جيش يغزو الفرس، ويبدو أن خلف الجبل كميناً للفرس، فسمع سيدنا سارية, وقال: أسمع صوت أمير المؤمنين يحذرني الجبل, فهل هذا لا سلكي ؟ لا، هذه كرامة من الله عزّ وجل, وهل هناك كرامة أجريت على يد إنسان فاسق, فاجر, مبتدع, لا يصلي, ويخرق حدود الشرع, وتكون له كرامة, فإياكم أن تسموها كرامة, فهذه ضلالة, لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾ ( سورة الكهف الآية: 51) نرى مما سبق أن الكرامة من الأمور الثابتة قطعاً, والتي لا يشك فيها نظراً للأدلة العقلية والنقلية، ومن ينكرها من حيث هي فإنما ينكر شيئاً شهدت بإمكانه الأدلة العقلية, وتظاهرت على إثبات وقوعه الأدلة الشرعية المتواترة من قرآن, وسنّة بلغت في معناها معنى التواتر على ما نعتقد. المؤمن الموفق يأخذ بالأسباب ثم يتوكل على الله: لو فرضنا طالباً من طلاب العلم, قضى العام الدراسي في طاعة الله عزّ وجل, ولم يحضر للمادة, وهذا شيء مخالف للسنة, يجب أن تأخذ بالأسباب ثم تتوكل على رب الأرباب, فرضاً, وشارف الامتحان على المجيء, وهذه المادة التي فحصها غداً ليس متمكناً منها, والفحص مصيري, وسيترتب على هذا الفحص مستقبله, نام ليلة الامتحان, فرأى في المنام أن السؤال هو سوف يأتي في الامتحان, وقرأ السؤال جيداً فأتقنه، دخــــل الامتحان فالسؤال نفسه كتبه, فأخذ علامة تامة، مع أن هذه القصة صحيحة, وهي كرامة لهذا الطالب, أيصح أن تلقى على الطلبة؟ اذهبوا للنوم طوال السنة, وانتظروا مناماً, هل يتعلم الطالب بهذه الطريقة؟ موقفي من الكرامات, أنني لا أنكرها, ولا أرويهــا, فإذا أكثرت من رواية الكرامات، فهذا شيء قد يدعو إلى الكسل، خلاف أوامر الدين, وخلاف الأخذ بالأسباب، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وهو نبي الله، وهو رسول الله، وهو المعصوم من أن يُقتل, لماذا اختار خبيراً للطريق, واختار رجلاً يمحو أثار المشي, ورجلاً يأتيه بالأخبار, وآخر يأتيه بالزاد؟ أليس هذا كله أخذاً بالأسباب ؟ هكذا المؤمن, فأتمنى عليكم ألا تتحدثوا بالكرامات، هل أنت بحاجة إلى إنسان يفعل أمامك خوارق العادات, وأنت كما أنت؟ أم تريد إنساناً يشفيك من مرضك ؟.ينبغي على المسلم أن يكون همه معرفة الله وفهم كتابه: الذي أرجوه أن تعتقدوا: أن أعظم الكرامة أن تعرف الله عزّ وجل، وأن تفهم كتابه، و سُنة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن تكون فقيهاً، وأن تتلو كتاب الله، و تعلمه للناس، و تُرزق الحكمــة في تصريف الأمور، و التكيف مع الظروف الصعبة، هذه هي الكرامة الحقيقية, فأغلب الظن أن كل من يسمعني, وكل من يحضر هذا المجلس لا شك أنَّ الله أكرمه بطريقة أو بأخرى من هذه الكرامة. الكرامة من الحوادث الخاصة وليست من العامة كالمعجزات: وشيء آخر: الكرامات حوادث خاصة غير قابلة و غير صالحة للنشر، أما المعجزات فحوادث عامّة، فلما أسرى بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس, وعُرِجَ به إلى السماء، أَفي إمكانه أن يسكت عنها؟ هذه معجزة ينبغي أن يبوح بها، فإذا أكرمك الله عزّ وجل بشيء, وحدثت الناس فيه ماذا سيحدث؟ أكثرهم يكذبونك, فأنت قد تكون صادقاً و مخلصاً, وما كذبت فالله كرّمك، فأنا أنصحك إذا كرمك الله عز ّوجل بشيء فلا تتكلم به لأحد فهذا لك خاصة, فالكرامات حوادث خاصة يكرّم الله بها بعض المتقين, فلا يصح أن تتخذ ذريعة للتفاخر, وأن تقول لي: شاهدت مناماً أنني لابس أبيض, و لفة خضراء على رأسي, فدخلت إلى بستان جميل، ووجدت سيدنا الخضر يجلس ليستقبلني, دع المنام لنفسك وأرِحنا منك, فلا يصح أن تتخذ هذه الكرامات ذريعة للتفاخر، أو لتحصيل الأموال, وبعد أن يحكي المنام يفعل المحرمات, أهكذا المسلم؟ إنها تصبح استدراجاً ووبالاً على صاحبها. الكرامة موضوع إكرام فلا يتخذ منها حكم شرعي: لا يمكن أن تتخذ الكرامة ذريعة لإثبات الأحكام الشرعية، كأن تقول: شاهدت في المنام أن رسول الله قال لي: صلِ الفرض فقط، ما هذا الكلام؟ تُرّد الرؤيا, ويثبُت الشرع، من ادعّى أنه رأى رؤيا، أو جاءه هاتف، أو حدثه قلبه بشيء مخالف للشرع, تُردّ الكرامة المزعومة, ويثبت الشرع، وأصح كلمة قرأتها: أننا نفهم الشرع بالعقل, ولا نحكّم العقل بالشرع، فالعقل قد يضل, لأنهُ دون الشرع, وقد يغتّر، وقد يتجاوز الحدود, قد يُكرمك الله بالعلم وهذه كرامة، وقد يُكرمك بالحكم, فيجعلك حكيماً، وقد يُكرمك بالمال، والزوجة الصالحة، والذرية الصالحة، والأولاد الأبرار، والهيبة، والرفعة، والمكانة, فهذه كلها كرامات تجري وفق العادات، ووفق الأصول، فقد درست والله وفقك وأخذت شهادة عُليا, وتعيّنت بمنصب رفيع، وصار لك مكانة اجتماعية، لقد درست دراسة معينة, وأصبحت طبيباً، ولك مكانتك, وأنت مُحسن للناس، الناس رفعوا شأنك، فهذه كرامة, لكنها جرت مجرى العادات، أي لا تبحث عن الكرامــات التي فيها خرق للعادات, وهذه لا تُفكر بها. الكرامة تكون وفق حالة الشخص: الكرامة قد تكون وسيلة لتثبيت الإيمان، وقد تكون امتحاناً له وابتلاء، وقد تكون استدراجاً له، فإذا استمر على معصية بعدها كانت وبالاً عليه, ونكالاً به وحجة عليه من الله تعالى, وأحدهم راكب بالبحر، والبحر هاج، يا الله ليس لنا سواك, فهدأ البحر, وعاد هو إلى الشط، فإذا فعل معصية بعدها, فكانت هذه الكرامة استدراجاً وليست تكريماً, لا يصح بحالٍ من الأحوال الاغترار بأصحاب الكرامات, إذا لم يكونوا ملتزمين بأحكام الشريعة, متقيدين بأوامرها ونواهيها, فأصحاب الكرامات إن لم يكونوا ملتزمين بأوامر الشرع, فهذه ليست كرامات, لا تغتر بهم، الحكم الصحيح هو ميزان الشرع، وكل من رمى من يده ميزان الشريعة لحظة هلك, والشافعي رضي الله عنه, كان يقول: " إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به, حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة " ثم قال مرة ثانية: " بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به, حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة ", فالشرع هو المقياس, والكرامات أشياء شخصية حصلت لك, وليست قابلة للنشر، قد تُكذَّب بها، والإنسان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " وَقَالَ عَلِيٌّ حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ " (أخرجه البخاري في الصحيح) أرجو الله عزّ وجل أن أكون قد وُفقت إلى تحديد موضوع الكرامة. والحمد لله رب العالمين |
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : (الاربعون ) الموضوع :الوحى الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. طبيعة الوحي: أنهينا في الدرس الماضي موضوع الكرامات, واليوم ننتقل إلى موضوع الوحي, وقد عرفتم فيما سبق أن الرسل عليهم الصلاة والسلام يُبلّغون رسالات الله, وأوامره ونواهيه, وسائر ما يكلفهم به تبليغهم للناس, ولكن لابد من سؤال: هؤلاء الرسل الكرام كيف يتلقون الرسالة عن الله؟ الإجابة الفاصلة هي عن طريق الوحي, فالوحي بحسب اللغة: يدل على الإيماء و الإشارة السريعة, والإعلام الخفي, و الكلام الخفي, وإلقاء المعنى في النفس, و الإلهام سواء أكان الإلهام بدافع الغريزة أم بإشراقات الفطرة, عندنا لكل مصطلح تعريفان: تعريف لغوي وتعريف شرعي, فالتعريف اللغوي بحسب ما جاء في المعاجم وأمهات اللغة, وأما التعريف الشرعي فهو التعريف الذي اصطلح عليه العلماء والفقهاء، فلا يمكن أن نفسر الأعمال المعقدة البالغة التعقيد التي يفعلها الحيوان، وهو حيوان لا يدرك ولا يعقل إلا عن طريق الغريزة، ولذلك فمن معاني الوحي الإلهام, إلهام الغريزة, قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً﴾ (سورة النحل الآية: 68) وهذا المعنى اللغوي ورد في القرآن الكريم, وهناك حيوان اسمه نقّار الخشب, يقف على شجر السنديان, ويدخل منقاره في جذع الشجرة, ليلتقط دودة في داخلها فيأكلها, فكيف عرف أنها في هذا المكان؟ لا بد من إلهام إلهي, وكيف عرف هذا الطائر أن الدودة على ارتفاع متر؟ فلا بد من تفسير علمي لإدخال المنقار، فعنده مادة تذيب الخشب، ويدخل منقاره إلى داخل الجذع فيلتقط الدودة التي تعيش في داخل الجذع, وهذه قضية وحي, وبناء الأعشاش، واهتداء الحيوانات إلى طعامها، وسيرها في أعماق البحار، وقيام الحيوان بأعمال بالغة التعقيد، فهذا عن طريق الغريزة أو عن طريق وحي الغريزة أو كما قال الله عزّ وجل: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ ( سورة طه الآية: 49-50) هناك آية كريمة أخرى تؤكد هذا المعنى، قال تعالى: ﴿ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾ (سورة الأنعام الآية: 121) الوحي في الشرع: إعلام الله رسولاً من رسله أو نبياً من أنبيائه ما يشاء من كلام أو معنى, فهذا تعريف الوحي الشرعي بطريقة تفيد النبي أو الرسول العلم اليقيني القاطع بما أعلمه الله به, فالأحاديث الشريفة الصحيحة وحيّ غير متلو لقوله تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (سورة النجم الآية: 3-4 ) وفي الأحاديث الشريفة أوحى الله لنبيه بالمعنى، أما في القرآن الكريم بالمعنى والمبنى، صياغةً ولفظاً, بينما الأحاديث الشريفة المتواترة أجمع علماء الأصول على أنها وحيُ غير متلو استنباطاً من قوله تعالى: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ (سورة النجم الآية: 3-4 ) أحياناً قد تأتيك إشارة من إنسان أو إعلام خفي أو وحي بالمعنى اللغوي, ولا تدري بالضبط ماذا يريد؟ وهناك نقطة مهمة جداً في الوحي بطريقة تفيد النبي أو الرسول العلم اليقيني القاطع بما أعلمه الله به, وموضوع العقيدة، هو موضوع التشريع، والعقيدة لا يمكن إلا أن تكون قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، لأنها عقيدة, و لو أنّ الإنسان اعتقد خلاف ما يريد الله عزّ وجل لكفر, وإذا كفر دخل النار, ولا بد من أن تكون النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة, ولا يقبل في العقيدة من النصوص إلا ما كان قطعي الثبوت قطعي الدلالة, والقرآن الكريم قطعي الثبوت في كل آياته، قطعي الدلالة في آياته المحكمة، ظني الدلالة في آياته المتشابهة، فالقرآن تؤخذ العقيدة منه، وتبين لكم من دروسنا الماضية أن كل حقائق العقيدة إنما هي مأخوذة من آيات الله عزّ وجل، فماذا ينبغي لك أن تعتقد إذ هناك دليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة من كتاب الله أولاً, ومن الأحاديث الشريفة الصحيحة المتواترة, وأحاديث الآحاد يبنى عليها أحكام شرعية, ويُعمل بها, لكن العقيدة لا تثبت إلا بالأحاديث المتواترة, لأن الإنسان لو اعتقد خلاف ما أراده الله عزّ وجل لكفر. المعنى الشرعي للوحي يتجلى فيه عدة أمور: 1- الوحي هو إعلام من الله المحيط علمه بكل شيء:1- العنصر الأول: أن الوحي هو إعلام من الله المحيط بكل شيء علماً، وما دام الإعلام من الله سبحانه وتعالى فعلمه مطلق, قال الله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾ (سورة البقرة الآية: 255) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾ ( سورة الإسراء الآية:85) ﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ ( سورة المائدة الآية:109) ﴿الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ (سورة الزخرف الآية: 84) ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ ( سورة غافر الآية:19) ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾ (سورة طه الآية: 7) وما دام الوحي من عند الله ففيه الحقيقة المطلقة، فمستحيل أن يكون في الوحي الإلهي سواء أكان نصاً ومعنى كالقرآن الكريم، أو معنى كالحديث الشريف، إلا أن يكون هذا الكلام حقيقياً وحقاً مئة بالمئة, لأن الموحي هو الله وهو علام الغيوب. 2- حالة الرسول أثناء تلقي العلم من الوحي: 2- العنصر الثاني: أن الرسول أو النبي يتلقى هذا العلم الإلهي, وهو مستجمع كامل شعوره الفكري والوجداني حول ما يلقى إليه من علم, ودون أن يكون لإرادته واختياره تدخلٍ في مضمون ما يُلقى إليه، فإنسان بكامل قواه العقلية والشعورية والوجدانية, وبكامل اليقظة والانتباه والوعي والإدراك والفهم والفطنة, يتلقى من الله عزّ وجل هذه الحقائق وهذا الكلام وهذه المعاني, الوحي حقٌ مطلق, أي من عند علم الله المطلق, أما علم الإنسان نسبي, تقول: فلان عالم كبير, ومع ذلك قد يغلط, وبعد الأنبياء لا يوجد إنسان معصوم, وربنا عزّ وجل قال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (سورة النحل الآية: 43) وأهل الذكر ليسوا أنبياء, إنهم العلماء، والعلماء ليسوا معصومين, فالعالم يتكلم بتسع وتسعين حقيقة, ويغلط بواحدة, والغلــط وارد, أما الأنبياء, فمعصومون عصمة تبليغ, وعصمة فعل إذ في أفعالهم لا يغلطون, قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ﴾ (سورة التحريم الآية: 6) وفي أقوالهم التي يبلغونها عن الله عزّ وجل معصومون عصمة تامة, لأن النبي قدوة, ومُشرع بآن واحد، فأقواله وأفعاله تشريع, يجب أن يأخذ بها الناس من بعده، وما يبلغه عن ربه أيضاً تشريع, يعني ما يبلغه عن ربه قرآن, قال تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾ (سورة فُصلّت الآية: 42) فإذا قال لك شخص: أنا لا أغلط, قُل له: أنت كاذب، بعد الأنبياء لا يوجد أحد لا يغلط، فالإمام مالك رضي الله عنه, كان يُسأل مئة سؤال، فيجيب عن عشرة, ويقول في الباقي: لا أدري, وهذا الذي يفتي بما لا يعلم, يجعل من نفسه جسراً إلى جهنم, سوف يحاسبه الله حساباً شديداً، فقل: لا أدري وافتخر بها, هذا دين, و لو أن رجلاً طلب من آخر نقــل رسالة شفوية, فأغلب الظن أنه يبالغ, أو يقلل من أهمية بعض مضامينها، أما النبي عليه الصلاة والسلام لا دخل لإرادته ولا لاختياره في تعديل أو زيادة أو حذف أو إنقاص ما يوحى إليه في المضمون, وفي اللفظ إذا كان اللفظ معنياً بالوحي, الوحيّ قرآن فلا حركة، ولا ضمة، ولا فتحة، ولا تاء ولا واو أبداً, قال الله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (سورة الحِجر الآية: 9) 3- علم الوحي حينما يقع في نفس الرسول لا يتردد إليه أي شك: 3- العنصر الثالث: أن ما يُلقى بالوحي من كلام أو معنى يقع في ذات الرسول أو النبي مركز العلم اليقيني القاطع بصحة التلقي عن الله, ومعنى العلم اليقيني القاطع, لو فرضناه في آلة ضخمة تحتوي فيها زراً مكتوب عليه التشغيل، فالتشغيل كلمة, ترى هل هي صحيحة أم لعل أحداً قد كتبها وليس لها علاقة بالتشغيل؟ فلو أنك كبست هذا الزر واشتغلت الآلة, وهي ضخمة جداً, تشعر أن كلمة التشغيل يقينية, قطعية, صحيحة مئة في المئة, فالنبي مؤمن أيضاً, معنى مؤمن, أي مؤمن بأن هذا الذي أوحي إليه هو كلام الله عز وجل, قال تعالى: ﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ﴾ (سورة فُصلّت الآية: 42) مؤمن إيماناً قطعياً بحيث لا يعتري نفسه أدنى شك أو تردد في ذلك, فالمضمون حق, لهذا يقول الله عزّ وجل مخاطباً سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم, قال الله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ﴾ (سورة النساء الآية: 163) فهذا الوحي أيها النبي الكريم ليس بدعاً, بل جاء من قبل إلى الأنبياء التالية أسماءهم, قال الله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ﴾ (سورة النساء الآية: 163) وقوله تعالى في صفة نطق الرسول صلى الله عليه وسلم, قال الله: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ﴾ (سورة النجم الآية: 3-4 ) من أجل أن أُؤكد لكم أن إرادة الرسول واختياره لا يتدخلان أبداً في الوحي قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ (سورة يونس الآية: 15) أي هذه الآيات فيها تضييق لحريتنا غيّرها لنا, أو عدّلها, أو بدلها, قال الله: ﴿ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ﴾ (سورة يونس الآية: 15) لا يمكنني أن أبدله، و لا أقدر أن أزيد، ولا أحذف، ولا أُعدّل، أنا مجرد وسيط أمين, ومن معاني أنه أمين, أي أمين على وحي السماء, قال الله: ﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (سورة يونس الآية: 15) الآيات تؤكد ليس هناك تدخل في مضمون الوحي. آية ثالثة: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 12) فهذا الوحي للملائكة، والآن يُبين المؤلف أن الوحي الذي يوحي الله به إلى أنبيائه عن طريق الملائكة, فهناك رسل وهناك رسل للرسل, قال تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾ ( سورة الأنفال الآية: 12) فأوحى الله إلى عبده جبريل ملك الوحي الأمين, الوحي نفسه الذي أوحاه جبريل إلى محمد خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام, و من هذا نستنبط أن الله هو الموحي, وأنَّ الموحى إليهم من البشر مصطفون بالنبوّة, وأن وسيلة الإعلام الإلهي للملائكة أو البشر إنما هو الوحي, وإن ظاهرة الوحي بوصفها ظاهرة إنسانية أمرٌ يشترك في الشعور به جميع الأنبياء والرسل, وعن طريقه يتلقون الإعلامات الإلهية, وليس محمد صلى الله عليه وسلم بدعاً فيهم بل كغيره، وأن ما يلقى به قد يكون كلاماً ملفوظاً أو مكتوباً, وقد يكون معاني يمكن التصرف بأدائها بألفاظ من عند النبي، وهذه الأحاديث القدسية والأحاديث الشريفة، وأنه لا تدخل لإرادة النبي, واختيار المصطفى في الوحي في مضمونه أو لفظٍ ما يلقى إليه بالوحي. كيف كان ينزل الوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام ؟ كيف كان ينزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ " عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ" ( رواه البخاري عن عائشة في الصحيح ) فالله عزّ وجل لطيف, قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾ (سورة يوسف الآية: 100) وفيما يلي نتحدث عن كيفية تلقي رسول الله عليه الصلاة والسلام للوحي: 1- أول ما بدىء به رسول الله عليه الصلاة والسلام الرؤيا الصادقة التي تأتي مثل فلق الصبح, وهذه الرؤيا إرهاص للوحي وتمهيد له، وسر ذلك التمهيد, لأن نزول الوحي بصورته الحقيقية لما له من وقع شديد على النفس البشرية. 2- ثم أُنزل عليه الملك جبريل على غير ميعاد سابق له, وذلك حين كان النبي عليه الصلاة والسلام في غار حراء يتعبد الله, ويتأمل في عظيم ملكوته قبيل الرسالة فغطّه ثلاث مرات, وهو يقول له: اقرأ, ويجيب النبي عليه الصلاة والسلام: ما أنا بقارئ، فقال له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾ (سورة العلق الآية: 1-2) 3- ثم فتر عن النبي عليه الصلاة والسلام الوحي مدة قيل: إنها قرابة ثلاث سنوات, واشتد وقع ذلك عليه, وكان لذلك حكمة عظيمة تتضمن إشعار النبي عليه الصلاة والسلام بأن الحادث الأول لم تجلبه الرياضة الروحية التي كان يمارسها في غار حراء, وإنما هو الاصطفاء الرباني, ولو كانت القضية رياضة روحية, ورأى هذا المَلَكْ العظيم, لظن نفسه أن هذا من كسبه, لا. 4- جاء جبريل العظيم من دون ترقبٍ، وهو يسير في أحد شعاب مكة, يقول عليه الصلاة والسلام: " عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْد ِاللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَجَئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَدَثَّرُونِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) إِلَى ( وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ ) قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلاةُ وَهِيَ الأَوْثَانُ " (أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله في الصحيح) 5- ثم تتابع الوحي بعد ذلك بأحواله الهادئة نسبياً. أحوال نزول الوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام: وإليكم ما وصفه به النبي عليه الصلاة والسلام جاء في صحيح البخاري رضي الله عنه: " عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجلا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا " (أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح ) وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن الوحيّ كان ينفث في روعه صلى الله عليه وسلم فيعي رسول الله ما يقول. وورد أن الصحابة الكرام كانوا يسمعون للوحي عند نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم دوياً كدوي النحل. ويستخلص من هذه الأخبار الصحيحة أنّ من أحوال الوحي حينما يُنزل عليه أو يُلقي على قلبه قولاً شديداً ثقيلاً يسمع فيه الرسول صوتاً متعاقباً متداركاً كصوت الجرس في صلصلته, وأنّ من أحوال الوحي أن يأتيه المَلَكْ جبريل عليه السلام بصورة إنسانٍ فيكلمه بمثل كلام الناس إلى غير ذلك من أحوال، وأما حالة النبي عليه الصلاة والسلام فقد وصفتها لنا السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت: " وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا " ( أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح ) وقد ورد أن راحلته صلى الله عليه وسلم كانت تبرك به إلى الأرض إذا نزل عليه الوحي وهو راكب, وقد نزل عليه الوحي مرة فكانت رجله الشريفة قريبة من رجل سيدنا زيد فثقلت عليه حتى كادت ترضّها، و يبدو أن الوحي له وقع شديد على النبي عليه الصلاة والسلام, قال الله: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾ (سورة المزمل الآية: 5) وفي مضمونه, شيء عظيم أن سيد الملائكة جبريل ينزل ليوحي إلى النبي عليه الصلاة والسلام بما يريد الله أن يوحي به إليه. أنواع الوحي: 1- الوحي الذي يكون بلا كلام مسموع:ينقسم الوحي إلى ثلاثة أنواع أخذاً من قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ (سورة الشورى الآية: 51) هذه الآية بينت أن هناك أنواعاً ثلاثة للوحي: 1- الوحي الذي يكون بلا كلام مسموع: وذلك بالإلقاء في القلب, وهو يشمل ما كان مثل صلصلة الجرس, والنفث في الروع, والإلهام, والرؤية. وتحقيقه أن يخلق الله في قلب الموحى إليه المعصوم، علماً ضرورياً لإدراك ما شاء الله إدراكه من كلامه تعالى, وهذا نوع مباشر, وهذا النوع هو ما أشار إليه بقوله في الآية: ﴿ إلا وَحْيًا ﴾ (سورة الشورى الآية: 51) أي وحياً مجرداً عن الوساطة, ويكون ذلك بقذف الكلام أو المعاني في القلب قذفاً مباشراً، ويفيد الرسول علماً قطعياً ضرورياً بأن ذلك من عند الله، ومن أمثلة هذا النوع ما كان لسيدنا إبراهيم عليه السلام في الرؤيا: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (سورة الصافات الآية: 102) هذا وحي مباشر، وما كان لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء في اليقظة هذا هو النوع الأول وحي مباشر, وإلقاء في القلب. 2- ما كان بسماع الكلام الإلهي ولكن من غير رؤية للمتكلم: 2- ما كان بمثابة إسماع الكلام الإلهي من غير أن يرى السامع من يكلمه, كأن يخلق الله الأصوات, ومن هذا النوع ما كان لسيدنا موسى عليه السلام حين مناجاته ربه في جانب الطور، وقد يشترك بسماع هذا النوع غير الموحى إليه كما سمع السبعون من بني إسرائيل حين مضوا إلى الميقات ما سمعه موسى عليه السلام, وهذا الوحي من وراء حجاب, وهذا النوع الثاني هو ما أشار إليه الله تعالى بقوله: ﴿ أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾ (سورة الشورى الآية: 51) أي وحياً من وراء حجاب بوساطة خلق الله الأصوات كما ذكرنا، أو بصورة أخرى يختارها الله جلّ وعلا. 3- ما يكون بواسطة إرسال ملك ترى صورته ويسمع كلامه: 3- ما كان بوساطة إرسال ملك تـــُرى صورته المعينة ويُسمع كلامه كجبريل عليه الصلاة والسلام فيوحي إلى النبي ما أمره الله أن يوحي إليه, وهذا النوع هو الغالب من أنواع الوحي بالنسبة إلى الأنبياء, فغالب أحوال الأنبياء عليهم السلام أن يكون الوحي إليهم بوساطة رسلٍ من الملائكــة، وأكثر المثقفين يقولون: كلمة بواسطة هذه غلط, و صوابها بوساطة, لأن الشيء الواسط المتوسط بين شيئين، أما الأداة أو الوسيلة فيُقال لها بوساطة. خلاصة الدرس: تحدثنا عن حالة الوحي بالنسبة للنبي عليه الصلاة السلام, كيف جاءه أول ما جاءه ثم انقطع؟ ثم كيف كان يتتابع عليه؟ وكيف كانت أحوال النبي عليه الصلاة والسلام وأحوال صحابته وأحوال ناقته حينما ينزل الوحي إليه؟ وتحدثنا عن تعريف الوحي اللغوي, وعن تعريفه الشرعي, وكيف أن الوحيّ وسيلة إعلام من الله عزّ وجل لأنبيائه ورسله.والحمد لله رب العالمين |
رد: العقيدة الاسلامية
أدام الله هذا العطاء وهذا الطرح النوراني والمعلومات القيمة التي تغذي الروح وتعلي الفكر وتسمو بها الروح
بارك الله بك وجزاك الله خير جزاء ووفقك الله وزادك من خير وفضله في أمان الله وحفظه |
رد: العقيدة الاسلامية
اختى منال جزاك الله كل خير على تواصلك الدائم
|
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : (الواحد و الاربعون ) الموضوع :الايمان بالكتب السماوية (1) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. من أركان الإيمان بالله: 1- اﻹيمان بالكتب السماوية: أنهينا في الدرس الماضي موضوع الإيمان بالرسل، وكلكم يعلم أن دروس العقيدة هي في الحقيقة أركان الإيمان، وأركان الإيمان هي الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى, واليوم ننتقل إلى موضوع جديد وهو الإيمان بالكتب، من أركان العقيدة الإسلامية الإيمانُ بالكتب السماوية التي أوحى الله بها إلى رسله، فإنّ الله سبحانه وتعالى يخاطب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، ويأمره بأن يعلن إيمانه بجميع الكتب التي أنزلها الله، فيقول في سورة الشورى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ (سورة الشورى الآية: 15) قل يا محمد صلى الله عليه وسلم: آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأيُّ كتاب من الكتب السماوية المنزّلة على أنبيائه فآمن به، قل: آمنت بها كلها. خطاب الرسول يستلزم لكل من آمن برسالته: قال علماء الأصول: إن خطاب الرسول خطابٌ لكل مَن آمن برسالته، قال الله تعالى يخاطب المؤمنين في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً﴾ (سورة النساء الآية: 136) والآيات تجتمع على أن تقرِّر أنه يجب أن تؤمن بالكتب السماوية المنزّلة على أنبياء الله ورسله جميعاً، والله سبحانه وتعالى يبينّ عقيدة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعقيدة المؤمنين معه في سورة البقرة، قال تعالى: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ (سورة البقرة الآية: 285) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/01.jpg والملاحظ أن الإيمان بالرسل، والإيمان بالكتب مِن العقائد التي يجب أن تُعْلَم بالضرورة، وأنّ مَن لم يؤمن بالكتب السماوية فقد ضلّ ضلالاً مبيناً، حينما تعلن بلسانك أنك مؤمن بهذا الكتاب, وتخالفه، ولا تطبق أحكامه، ولا تجعله حَكَماً بينك وبين الآخرين، ولا تعبأ بأوامره، ولا تنتهي عما نهى عنه، ولا تراه حاسماً في حياتك اليومية، ولا تأخذ به، فأي إيمان هذا؟ هذا إيمان باللسان، ولكن الإيمان في القلب، أي أن تنطلق في نشاطك وعملك وسلوكك في ضوء ما جاء في كتاب الله، فأنت حينما تشتري آلة غالية الثمن، ولا تستطيع أن تشتري غيرها، ويؤلمك ألماً شديداً حينما تعطب، وحينما يكون مع هذه الآلة المعقدة نشرة من المصنع الذي صنعها، وفي هذه النشرة تعليمات، وتوجيهات، وتوضيحات وطريقة استعمال، وتحذيرات من أجل سلامتها وسلامة العمل بها من أجل صيانتها, فتحرص حرصاً بالغاً لا حدود له على تطبيق هذه التعليمات, لأن الآلة غالية الثمن، لاحظ نفسك كيف أنك تسعى إلى تنفيذ التعليمات تنفيذاً دقيقاً لحرصك على هذه الآلة ولخوفك من أن تعطب؟ فكيف إذا علمتَ أن هذا الكتاب الذي أنزله الله عزّ وجل على رسوله فيه تعليمات دقيقة، وأوامر واضحة، ونواهٍ صريحة، ورسمٌ لطريق السعادة في الدنيا والآخرة، وتوضيح، وأنوار، وتوجيه، وتبشير، وبيان، و تفصيل، فما موقفك منه؟. الحقيقة التي لا مراء فيها أنك إذا عرفت أنه من عند الله، وأن سعادتك في الدنيا والآخرة متوقفة على معرفته، والعمل به، لاشك أنك تطبق ما فيه, وأنا أريد أن أبتعد عما يتوهَّمه البعض، أنه بمجرد أن يقول: آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى يتوهّم الإنسان حينئذٍ أنّ الأمر قد انتهى، ويكسب مالاً حراماً،، ونظرته إلى النساء تتجاوز الحدود التي أمر الله بها، وحياته في البيت حياة غير إسلامية، فأي إيمان هذا؟. لا تكون مؤمناً إلا إذا شملت إيمانك أركان العقيدة كلها: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/02.jpg أركان العقيدة من إيمان بالله، وإيمان باليوم الآخر، وإيمان بالكتب، وإيمان بالرسل، وإيمان باليوم الآخر، وإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى، هذا كلٌ لا يتجزأ، فالله عزّ وجل يقول لك في صريح القرآن الكريم: ﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾ (سورة البقرة الآية: 221) تزوج ابنتك للغني الفاجر مع علمك بأنه فاجر، وتُعرِض عن المؤمن لضيق ذاتِ يدِه, إذاً أنت لم تصدِّق كلام الله عزّ وجل، ولم تصدِّق أن الله عزّ وجل يقول لك: إن هذا العبدَ المؤمن خيرٌ من هذا الفاجر المشرك، ولذلك فالموضوعُ موضوعُ تصديقٍ بكتاب الله، وموضوعٌ يأخذ أبعاده العملية، والإيمانُ بالله مع الإيمان باليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والرسل، والقدر خيره وشره, كلٌ لا يتجزأ, ولو آمنتَ بالله، ولم تؤمن بكتابه فالمشكلة خطيرة، ولو آمنت بالله، ولم تؤمن باليوم الآخر فالمشكلة أخطر, وأركان الإيمان كلٌ لا يتجزأ، ولا يُقبل منك الإيمانُ بها مع الكفر بواحدةٍ منها. إذا كفرت بركن من أركان العقيدة يستلزم نقض إيمانك كله: إن الكفر بواحدة منها يستلزم نقضَ العقيدة الإسلامية من أساسها، واللهُ عزّ وجل من أسمائه الحق، والحقُّ يتحقَّق في اليوم الآخر، يوم الدين، يوم الدينونة، يوم الجزاء، فإنْ لم تؤمن باليوم الآخر فإيمانك بالله غير صحيح، وإن آمنتَ بالله واليوم الآخر، ولم تؤمن أن هذا الكتاب فيه طريق سعادتك فإيمانك غير صحيح، لأنّ أركان الإيمان كلٌ لا يتجزأ، ولا يُقبل إيمان عبدٍ إذا نقصت واحدةٌ من هذه الأركان, عقيدة الإيمان بالله لا تنفكُّ عن الإيمان بكتبه، لأنه من مقتضى الإيمان بالله الإيمانَ بالرسل، وما دمت أيها الرجل تقول: إن الله عليم ورحيم، فمِن دلائل رحمته أن أرسل إلى عباده رسلاً، ومن مقتضى الإيمان بالله الإيمانُ بالرسل المؤيَّدين من عنده بالمعجزات، ومن مقتضى الإيمان بالرسل تصديقُهم في كل ما يبلّغون عن الله تعالى, ومن أجل ذلك يعلن المسلم دائماً وَفق عقيدته التي متَّى أَخَلَّ بها كَفَرَ, أنه يؤمن بكتب الله كلها إجمالاً فيما يجهل منها، وتفصيلاً فيما يعلم ولو سألت أخ كريم: ما معلوماتك عن كتاب التوراة؟ يقول: واللهِ لا أعلم شيئاً عنها، لكنها كتاب من عند الله، ففيما تجهل تؤمن بها إجمالاً، وفيما تعلم تؤمن بها تفصيلاً، وهذه هي عقيدة المسلم. معنى الكتاب لغة: مصدر فعْلِ كَتَب، وبالمناسبة فالفعل يدلُّ على حدوث عملٍ في زمن معين، كتب في الماضي، يكتب في الحال، اُكتب في المستقبل، وهناك كلمة اسمها المصدر، فهذه الكلمة تدل على حدوث عملٍ من دون زمن، فالكتاب لغة مصدر كتب، وهناك مصدر آخر هو كتابة وكتبٌ, وأصل الكتب في اللغة: ضم أديمٍ إلى أديمٍ بالخياطة, والأديمُ هو الجلد, فإذا ضممتَ الجلد إلى جلدٍ آخرَ بالخياطة فهذه العملية اسمُها عملية الكتاب، ولأن الإنسان يضمّ الحرفَ إلى الحرف، والكلمة إلى الكلمة، والجملة إلى الجملة، فهذه العملية العلمية تشبه إلى حد ما ضمَّ أديمٍ إلى أديم عن طريق الخياطة, ودائماً في كتب العقيدة والفقه أيضاً تعريف لغوي وتعريف اصطلاحي، فالتعريف اللغوي للكتاب: هو مصدر كتب، وأما التعريف الاصطلاحي فالكتاب شرعاً: كلام من كلام الله تعالى, لِما لم نَقُلْ: كلام الله تعالى، فالقرآن كلام الله تعالى، وكذلك التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف موسى، وصحف إبراهيم http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/03.jpg كلهم كلام الله تعالى، ولذلك الكتاب الواحد كالقرآن كلامٌ من الله تعالى، فـ ( مِن) هنا للتبعيض، فيه هدى، ونور، يوحي الله به إلى رسول من رسله ليبلّغه الناس, يطلق اسم الكتاب شرعاً على ما يشمل الصحف, قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾ (سورة الأعلى الآية: 18-19) وعلى ما يشمل الصحف والألواح, قال تعالى: ﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾ (سورة الأعراف الآية: 154) والألواح وجميع أنواع الوحي اللفظي والكتابي التي ينزلها الله على أي رسول من رسله ليبلغها إلى الناس، وبأية لغة من اللغات نزلت، صغيرة كانت أم كبيرة، مدونة أو غير مدونة، فيها صفة الإعجاز اللفظي للناس، أو ليس فيها ذلك، فهذا كله يشمل كلمة الكتاب شرعاً، والذي يعنينا من هذا الموضوع حاجة الناس إلى الكتب السماوية, فكما أن الناس بحاجة ماسة إلى رسل يبلّغون الناس أحكام الله وشريعته لعباده، فإنّ الرسل بحاجة إلى كتب سماوية أيضاً. ما هو الهدف من الكتاب السماوي ؟ 1- الكتاب الرباني هو المرجعية للأمة: أولاً: ليكون الكتابُ الرباني المنزّل على الرسول هو المرجعَ لأمته، فإذا كان المعلم يُعلّم من دون كتاب، سواء سمع الناس أم لم يسمعوا الدرس جيداً، وذهبوا إلى البيت، ولا يوجد عندهم كتاب، يقولون: ترى ماذا تكلّم المدرس؟ هل هناك خلافات، فيُقع في تأويلات، ومبالغات، وتزوير، وتحريف، وتقليل، وزيادة، والشيء الذي لا بد منه أن يكون هناك كتاب بين أيدي المتعلمين، يكون هو المرجعَ, فحاجة الناس إلى كتاب من عند الله عزّ وجل حاجةٌ ماسة بسبب أن هذا الكتاب يصبح مرجعاً للأمة مهما تعاقبت العصور، فيرجعون إليه في تحديد عقائد الدين وأسسه. والآن: الكتاب هو القرآن الكريم من عظمته أن النبي عليه الصلاة والسلام الذي أنزل عليه توفاه الله عزّ وجل، ومضى على وفاته خمسة عشر قرناً، والكتاب بين أيدينا فيه آيات العقيدة، وآيات التشريع، وآيات الحلال والحرام، والأوامر والنواهي، والمواعظ، والعبر، والأمثال، والحِكَم، والقصص, نحن بحاجة ماسة إليه، لأنه مرجع لنا، ولاسيما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون من بعده يرجعون إليه في تحديد عقائد الدين، وأسسه، ومبادئه، وغاياته، فلا تقل: يا أخي، واللهِ الولي الفلاني يعلم الغيب، فأنت عندك كتاب، وعندك مرجع، وقد قال الله: ﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾ (سورة الأنعام الآية: 50) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/04.jpg انتهى الأمر، فما دام النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق، وحبيب الحق لا يعلم الغيب، فأيّ إنسان يدعّي ذلك نقول له: كذبت, لا يعلم الغيب إلا الله، وقد يأتي إنسان دجّال فيقول لك: المعاصي لا تضرني، وقد تجاوزت هذه المرحلة, فنقول له: كذبت, يقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ (سورة الأنعام الآية: 15) عندنا آيات في العقيدة, وهذا هو قدر النبي, لا يعلم الغيب، وليس بيده نفعنا ولا ضرنا، النفع المادي إلا أن يشاء الله عزّ وجل, وأنه يخاف إن عصى ربه عذاب يوم عظيم, فمَن يدّعي خلاف ذلك نقول له: كذبت، ففي القرآن الكريم آيات توضح العقيدة، وإذا قال أحدهم لك: أنا أتوب عند الموت، فقل له: إنك مغرور, قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ (سورة النساء الآية: 18) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/05.jpg انتهى أمرك, فلا تُقبل التوبة في ساعة الموت، ولدينا أدلة واضحة، وقد يقول لك أحدهم: إن فلاناً لا يصلي، ويكفر بالله عزّ وجل، ويزداد إثماً، ويتحدّى الإله، ويزداد قوة، وشأناً، ومالاً, فما تفسير ذلك؟ إن تفسيره واضح، قال ربنا عزّ وجل في محكم تنزيله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾ (سورة الأنعام الآية: 44) القرآن الكريم مرجع نستطيع من خلاله أن نعرف العقيدة الصحيحة, وقد يقول لك: واللهِ أنا شاهدت الجِنَّ البارحة، وهذا ليس بصحيح، قال تعالى: ﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ﴾ (سورة الأعراف الآية: 27) هذه شطحة وخرافة لا نقبلها منك, وكلما كان الكلام خلاف الأصول، و خلاف العقيدة الصحيحة, ضُرِب به عرض الحائط، كقولهم: الجنة ليست بالعمل، نقول لهؤلاء: ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (سورة النحل الآية: 32) ادخلوها برحمتي، واقتسموها بأعمالكم، كما قال سيدنا جعفر, ويقول الجاهل: الله عزّ وجل لن يُدّقق، ولن يسألنا، فالآية هي: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ (سورة الحِجر الآية: 92-93) أو يقول لك: لا تدقق، فالله عزّ وجل غفور رحيم, قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (سورة الأعراف الآية: 153) ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾ (سورة الحِجر الآية: 49-50) كلما سمعت فكرة غير صحيحة، فيها مبالغة شيطانية وزائغة، وعندك آيات, فعليك تصحيح هذه الأفكار من هذه الآيات, ولذلك كان الكتاب مرجعًا لنا في عقيدتنا، ويقول الجاهل: وهل بعد القبر عذاب؟ كيف يكون هناك عذاب؟ هو كائنٌ وربِّ الكعبة، قال ربنا عزّ وجل: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾ (سورة غافر الآية: 46) أي عذاب جهنم, قال الله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾ (سورة المؤمنون الآية: 104-105 ) إذا زاغـت عقيدة الإنسان وابتعد, كان القرآن هو المقياس، وأيّة فكرة يقولها الإنسان: تُعرض على كتاب الله، فإن وافقته فهي صحيحة, وإن خالفته فليست صحيحة, ويقول الجاهل: هناك ضرورات للفائدة (الربا)، واللهُ عزّ وجل قال: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾ (سورة البقرة الآية: 276) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/06.jpg فالآية واضحة، في التعرف على أحكام شريعة الله، إن كان في الزواج، والطلاق، والمواريث، والوصية، والبيع، والشراء، وكل شؤون حياتنا، فالله عزّ وجل جعل في هذا القرآن الكريم أحكاماً دقيقة جداً، واستبانة الواجبات التي يأمرهم بها، والمحرمات التي ينهاهم عنها، والفضائل والكمالات التي يحثهم عليها، ويندبهم إليها، فالكتاب مرجع في العقائد، والأُسس، والمبادئ، والغايات، وأحكام الشريعة، والواجبات، والمحرمات، والفضائل، وهذه كلها في كتاب الله، كما يرجعون إليه ليطالعوا مواعظه، ونصائحه، وأمثاله، وآدابه، وما تضمّنه من بشائر ونُذُر، ووعدٍ ووعيد، وسائر الوسائل والأساليب التربوية المختلفة الهادية إلى صراط الله المستقيم, إنه مرجع، وإن الله عزّ وجل جعل هذه الدعوة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم مستمرة عن طريق هذا الكتاب، والعلماء والفقهاء يرجعون إليه ليستنبطوا من نصوصه الأحكام الشرعية المختلفة، والله عزّ وجل قال: ﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾ (سورة المائدة الآية: 3) أي أن هذا الشرع فيه كل شيء، فنصوص الشرع كلية، ونصوص الكتاب كلية، لكن الله سبحانه وتعالى سخّر العلماء المجتهدين كي يستنبطوا من هذه الأحكام الكلية أحكاماً تفصيلية مما يحتاج إليه الناس, وهذا هو القياس، والقياس أن تقيس حالة لا نص لها في كتاب الله على حالة فيها نص من القرآن أو السنة، فالقرآن الكريم مصدر، والحديث الشريف مصدر، والقياس مصدر، والإجماع مصدر. 2- الكتاب الرباني المنزل على الرسول هو الحكم العدل لأمته بعد وفاته: ثانياً: إن الإنسان لا يتهيأ له أن يرجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام مباشرة بعد أن قبضه الله عزّ وجل، إذاً من خلال هذا القرآن الكريم يستطيع العالم والمجتهد أن يرجع إلى كتاب الله، مع أن هناك بعداً كبيراً مكانياً وزمانياً بَعْد أن قبض الرسول صلى الله عليه وسلم، ومضى على قبضه خمسة عشر قرناً، وهذا الكتاب بين أيدينا, فحاجة الناس للإيمان بالكتب السماوية ليكون الكتاب الرباني المنزّل على الرسول هو الحَكَم العدلُ لأمته، إنه حَكَم عدْلٌ, قال الله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ﴾ (سورة الحجرات الآية: 9) في كل حالة قد تبدو لك نادرة جدا إلاّ ولها حكم، فإن نشبَ خلاف زوجي, قال الله: ﴿ فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا ﴾ (سورة النساء الآية: 35) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/07.jpg ففي قضايا الزواج، والطلاق، والميراث، والبيع، والشراء، القرآن هو الحَكَمُ، إذًا الهدف الثاني ليكون الكتاب الرباني المنزل على الرسول هو الحكم العدل لأمته في كل ما يختلفون فيه مما تناولته أحكام شريعة الله لهم، فكتاب الله هو الحاكم بين الناس، ولذلك فالأمير ليست مهمته إلا أن يحكم وفق كتاب الله، والحاكم الحقيقي هو الله عزّ وجل، ولا حاكمية إلا لله، والناس يحكمون في ضوء ما جاء في كتاب الله، وعليه قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (سورة المائدة الآية: 45) فإذا حصل خلاف بين الزوج وزوجته، فالرجوع إلى كتاب الله، أو اختلف مع شريكه، وثمّة عقد موقَّع و مُصدّق عند كاتب العدل، ومُسجّلٌ في المحكمة الشرعية فموجود في كتاب الله حكمه, قال الله: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ (سورة المائدة الآية: 1) اختلفت مع زوجتك، قال تعالى: ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾ (سورة النساء الآية: 19) http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/08.jpg وإذا حصل خلاف زوجي بينك وبين شريكك، أو بينك وبين جارك, قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾ (سورة النحل الآية: 90) فالإنسان يجب أن يحكم بما أنزل الله، فهو الذي أَمَرَنا أن نعدل بين أولادنا، فإذا أحد حرم ابناً من الميراث، وأعطى آخر، وكم مِن حالات كثيرة جداً أسمعها عن أب انحاز إلى أحد أولاده فأعطاه كل شيء، وحرم الآخر كل شيء، فهذا الأب لم يحكم بما أنزل الله، إذاً فهو ظالم، و مع أنه ظالم فهو فاسق، والكتاب هو الحَكَمُ، وإذا اختلف المسلمون فيما بينهم فقد قال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ (سورة البقرة الآية: 213) قال العلماء في تفسير هذه الآية: إن الناس كانوا أمة واحدة، كانوا على الفطرة، عبدوا الله بدافع من فطرتهم، وأحسنوا إلى بعضهم بدافع من فطرتهم، فلما عمّ الجهل، وزاغت العقائد، واستعرت الشهوات، واستيقظت الفتن، أصبحوا بحاجة إلى كتاب يحكم بينهم, لو أن الإنسان عاد إلى فطرته لعَرَف الحق, لكن بعد أن تنطمس هذه الفطرة بفعل الشهوات، والطغيان، والجهل يأتي الكتاب ليحكم بين الناس بالعدل. 3- الكتاب الرباني يصون عقائد الدين وشرائعه وغاياته بعد عصر الرسول: ثالثاً: يصون الكتابُ الربانيُّ بعد عصر الرسول عقائدَ الدين وشرائعَه وغاياتِه، بعد ما قُبِض النبي الكريم، وافترق المسلمون مِن بعده، فكفَّر بعضهم بعضاً، وبعضهم انحرف عن العقيدة الصحيحة, لا بد أن يكون هناك مقياس نقيس به كل إنسان، وكل جماعة، فهؤلاء الذين خرجوا عن قواعد الدين, فالكتاب هو المقياس لهم، فالكتاب السماوي، أو أي كتاب سماوي جعله الله عزّ وجل صوناً لعقائد الناس مِن أن يصيبها الانحرافُ والزللُ من الذين تسوِّل لهم أنفسهم أن يتلاعبوا بالدين، وينسبوا إليه ما ليس منه، وينحرفوا به عن الصراط المستقيم إرضاءً لشهواتهم وغرائزهم، فهؤلاء لا ينبغي أن يهجروا كتاب الله، فهو الذي يقيس عقائدَهم، فالله عزّ وجل جعل هذا الكتاب مقياساً للعقيدة. كل إنسان زاغت عقيدُته، أو انحرف، أو بالغ، أو تلاعبت به الأهواء، أو أراد أن يسخّر الدين للدنيا، أو أراد أن يصل إلى الدنيا عن طريق الدين، يأتي الكتاب فيوقِفُه عند حده، ويعيده إلى جادة الصواب، وإنّ استمرار الكتاب الرباني في أمة الرسول من بعده بمنزلة استمرار وجود الرسول الذي بلّغه إليهم بين ظهرانيهم، ولولا استمرار الكتب الثابتة بنصوصها بعد الرسل لأسرعتْ دعواتهم إلى الاختلاف الواسع، والتغيير الكثير عَقِبَ وفاتهم، لأن من طبيعة البشر أن يختلفوا في الاجتهادات، وأن تتباين نظراتُهم إلى الأمور، وأن ينساقوا بسرعة وراء عوامل الشهوة، والهوى, والنفس، فْإن لاَمَهُمْ صاحبُ إيمانٍ على انحرافهم كذبوا على الله، فزعموا أنّ ما انحرفوا فيه هو من أحكام الله، ومراده في الدين، ومِن أجل هذا كان لا بد للبشر من ضابطٍ يضبطهم، ويُلزمهم بمدلولات النصوص الصريحة إلزاماً لا محيد عنه, ولولا القرآن الكريم لما كنّا الآن مسلمين، فما الذي حفظ الإسلام عقيدته وشريعته؟ إنه القرآن الكريم، فهو الضابط، و المقياس، والمرجع. 4- حفظ دعوة الرسول ورسالته: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/09.jpg رابعاً: حفظ الكتاب الربّاني لدعوة الرسول ولرسالته وسريانها بين الناس، وقابليتها للاتساع، والانتشار, فالقرآن موجود، وكلما قرأه الإنسان عرف الله عزّ وجل، وصار أداة اتساع وانتشار، والنبي الكريم قُبض, والمسلمون في الجزيرة، وبعد موته صلى الله عليه وسلم فتح المسلمون مصر، وشمال إفريقيا، والمغرب العربي، وإسبانيا، والشام، والعراق، وتركيا، والهند، والسند، والباكستان، والصين, فاتساع الدين بسبب أن هناك دستوراً، وكتاباً، وضابطاً، ومرجعاً، فمهما تباعدتِ الأمكنةُ والأزمنة فإنّ هذا الكتاب يٌعد وسيلة لاتساع الدعوة وانتشارها. خلاصة الهدف من الكتاب السماوي: وجود الكتاب المنزل من عند الله في الأمّة من بعد الرسول بمنزلة استمرار الرسول فينا، مِن حيث التعرُّفُ على أصول الدين، وأحكام الشريعة، وسائر المواعظ، والآداب، المسلمون بعد وفاة رسول الله فَقَدُوا القدوة الحسنة، والأسوة الصالحة، أما التشريع، والدستور، والمنهج فَبَيْنَ أيدينا، ومِن أجل كلِّ ما سبق، ولحِكَمٍ أخرى يعلمها الله تعالى، وهو العليم الخبير، أنزل الله على رسله كتبه، فنطقت كتبه بشريعته, تأمر، وتنهى، وتعظ، وترشد، وتبشر، وتنذر، وتهدي إلى الصراط المستقيم، وتحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وهذه الأفكار مهمة جداً في تعريف الناس بضرورة وجود الكتب السماوية، واللهُ سبحانه وتعالى برحمته وعلمه ورأفته وحرصه على هدايتنا أنزل الرسلَ، وأنزل معهم الكتابَ. وسوف نتحدث عن الكتب السماوية التي يجب الإيمان بها، وفي مقدمتها القرآن الكريم في الدرس القادم إن شاء الله تعالى. والحمد لله رب العالمين |
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : (الثانى و الاربعون ) الموضوع :الايمان بالكتب السماوية (2) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. الإيمان بالكتب السماوية: 1- القرآن الكريم: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/474/01.jpg نحن في موضوع الإيمان بالكتب، وقد تحدثنا في الدرس الماضي عن تعريف الكتب لغةً وشرعاً، وعن وجوب الإيمان بالكتب السماوية، والأدلة النقلية في القرآن والسنة، وعن ضرورة أو حاجة الناس إلى الكتب السماوية، وننتقل اليوم إلى موضوع جديد، وهو الكتب السماوية التي يجب الإيمان بها، والحقائق الأساسية المتعلقة بالكتب السماوية التي يجب أن نؤمن بها بالضرورة. أول هذه الكتب بوصفنا مسلمين هو القرآن الكريم، فالله سبحانه وتعالى كما تعلمون جميعاً بعث نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم رسولا للعالمين، وأنزل عليه القرآن معجزاً، وتكفل بحفظه مِن أيّ تحريف، أو تبديل، أو زيادة، أو نقصٍ، وقد شمل هذا الحفظُ كل نصٍ من نصوصه، فهيأ له سبحانه وتعالى من وسائل الحفظ في الصدور, وفي السطور ما جعله محفوظاً جملةً وتفصيلاً، حتى انتشر في الأمم على اختلاف أمكنتهم وألسنتهم وأزمانهم، وجعله الله قطعي الثبوت في كل عصر، ومكّن له في القلوب والعقول بما أودع فيه مِن حلاوة، وطلاوة، وحقٍ، وعدلٍ، ودعوة إنسانية، فما ينكر إسناده إلى خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم إلاّ مَن لم ينطوِ على ذرة مِن عقلٍ. القرآن الكريم يتضمن عدة حقائق منها: 1- أن القرآن الكريم كتاب من عند الله: أن القرآن الكريم كتاب مِن عند الله, لو جمعت كتُبَ الأرض كلَّها، وكانت كلها في كِفَّة، وكان كتاب الله في كفة أخرى، يتبين معك أنه كتاب الله, لماذا؟ لأنه كلام الله, " وفَضْلُ كلام الله على كلام خلقه كفضلِ الله على خلقِه " ( ورد في الأثر ) فهل من الممكن أن نوازن بين الخالق والمخلوق؟ إذا كان لا يوازن بين خالق السموات والأرض و بين مخلوق ضعيف عاجز فقير مفتقر إلى كأس ماء، وإلى لقمة، وإلى دواء، وإلى طعام، وإلى شراب، فكذلك لا يوازَن كلامُ الخالق بكلام المخلوق، وكل ما تقع عينك عليه في الأرض مِن كتب إنما هي من تأليف المخلوقات، من تأليف البشر، لكن القرآنَ كلامُ الله جلّ وعلا، فلذلك الحقيقة الأولى أن القرآنَ الكريم كتابٌ مِن عند الله. عندما تعرف أن هذا الكتاب كلام الله عزّ وجل، وفيه أمر ونهي عندئذٍ تعرف قيمة الأمر الإلهي، لأن قيمة الأمر من قيمة الآمر، ولو أنّ إنساناً ذا رتبة عسكرية ضئيلة جداً أعطاك أمراً قد تستجيب له، وربما لا تستجيب، لكن الرتبة العالية جداً إذا وَجَّهتْ إليك أمراً فأغلبُ الظن أنك تستجيب بسرعة مذهلة، لأنك تعرف حجم الآمر، ومدى ما يبنى على مخالفته من مسؤولية، ومدى ما يحصل من مكاسب فيما لو نفذتَ الأمر، وقد ثبت ذلك بكل من الدليلين العقلي والنقلي, إذا أردت أن تنوّع الأدلة حول موضوع ما، فهناك الدليل العقلي، وهناك الدليل النقلي، وهناك الدليل الواقعي, أكثر الأدلة لا تزيد عن دليل عقلي، ودليل نقلي، ودليل واقعي، فالدليل النقلي نصٌ قطعي الثبوت, قطعي الدلالة من كتاب الله، أو من الأحاديث الصحيحة المتواترة، أو من أحاديث الآحاد، هذا هو الدليل النقلي، بينما الدليل العقلي أن تبنى النتائج الصحيحة على المقدمات المسلَّم بها، مقدمة مُسّلَمٌ بها يبنى عليها نتيجة صحيحة هذا دليل منطقي, كل إنسان فانٍ, هذه مقدمة, سقراط إنسان, سقراط فان, مقدمة ونتيجة منطقية، فالدليل العقلي هو ما يتضمن من وجوه الإعجاز. 2- مرتبة القرآن الكريم من حيث الكتب السماوية آخر كتاب: الحقيقة الثانية: أن القرآن هو آخر الكتب السماوية التي أنزلها الله على خاتم رسله محمدٍ صلوات الله وسلامه عليه. 3- تكفل الله بحفظ كتابه من أي دخيل عليه: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/474/02.jpg الحقيقة الثالثة: أن القرآن محفوظ بحفظ الله مِن كل تحريف، أو تبديل، أو زيادة، أو نقص، ومُصَانٌ عن أن يأتيه الباطل من بين يديه، أو من خلفه، حتى يرث اللهُ الأرضَ ومَن عليها, فلو أنّ آية قرآنية فيها توجيه صحي مثلاً، وثبت في العلم الحديث ما يناقض هذا التوجيه، معنى ذلك أن الباطل قد أتاه, أحياناً تظهر نظرية نعجب بها، نصفق لها، وبعد حين من الزمن يظهر أنها غير صحيحة، وأنها باطلة، وأنّ أصحابها وقعوا في متاهة، عندئذٍ تسقط هذه النظرية، وما من آية قرآنية على مرّ الدهور والعصور، لم تأت حقيقة علمية قطعية ناقضتها, أبداً. http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/474/03.jpg إذاً: هو كتابٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، ولا بعد كرّ العصور والدهور، وهذا يعني أيضاً أن من دواعي حفظ الله تعالى لهذا الكتاب أنه قيّض له رجالاً في كل عصر، هم دقيقون جداً في استنباطهم وأحكامهم، ضبطوا آياته، ضبطوا المكي والمدني، ضبطوا ناسخه و منسوخه، ضبطوا أسباب نزوله، ضبطوا أماكن الوقوف اللازم، ضبطوا حركاته، وسكناته, بل إنّ أدق الدقائق ضُبطت، وفُرغ منها، وهؤلاء الذين سخرهم الله عزّ وجل لهذا الكتاب في كل عصر وفي كل مَصر يقظون أشدّ اليقظة، افتح أيَّ مصحف تجدْ في آخر صفحة أنّ الله عزّ وجل قد سخّر أناساً له: الشيخ القارئ الفلاني، توقيعه، وخاتمه، الشيخ الثاني، والثالث، إلى عشرين أو ثلاثين عالماً من علماء القرآن الكريم، قرؤوه كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً، وحركة حركة, ووجدوه مطابقاً لما عندهم ووقعّوا على هذه النسخة, وأي نسخة فيها تبديل أو تحويل سُرعان ما تنكشف، وسُرعان ما تظهر، وسُرعان ما يؤمر بحرق النُسخ كلها، هذه الحقائق أنه من عند الله، هذه الحقائق عّمت العالَمَ الإسلامي إلى درجة أنها أصبحت مِن العقائد المعلومة مِن الدين بالضرورة، وأنّ على كل مسلم أن يعرفها معرفة يقينية، وأن مَن أنكرها فقد كفر لا محالة. إذا قال أحدهم: إن الله لم يحفظ القرآن فقد كفر، أو قال مثلاً: هذا الكتاب ليس آخر الكتب، أوْ قال: بعضه من الله، وبعضه مِن رسول الله فقد كفر، يكفر فوراً إذا أنكر إحدى هذه الحقائق، ويقع مُنْكِرَها بالكفر الصريح. ما هو الدليل على أن القرآن الكريم كلام الله ؟ 1- الدليل العقلي:http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/474/04.jpg هذا الكتاب الذي بين يديك، كلامُ الله عزّ وجل، فما الدليل على أنه كلام الله عزّ وجل ؟ لأنّ فيه إعجازاً يستحيل ويستعصي على البشر مجتمعين أن يأتوا بسورة من مثله، أو بآية من مثله، هذا هو الدليل, وفيه هناك إعجاز تشريعي، وإعجازٌ لغوي، وإعجازٌ بياني, وهناك أيضاً إعجازٌ رياضي، وإعجازٌ حسابي، وإعجازٌ علمي، وإعجازٌ تاريخي، كذلك إعجازٌ اجتماعي، وإعجازٌ فني، وإعجاز أسلوبي, مِن أيّة زاوية نظرتَ إلى كتاب الله تجد فيه إعجازاً، هذا هو الدليل العقلي ما تضمنه من وجوه الإعجاز حيث لا تتطاول القدرات الإنسانية مفترقة أو مجتمعة على الإتيان بمثله، مهما تعاقبت العصور وتوالت الدهور, والمعجزات على اختلافها، تثبت برهاناً ذاتياً قاطعاً على أنها من عند الله، لأن المعجزة خرقٌ لمألوفِ العاداتِ، ولا يستطيع أن يخرق مألوف العادات إلا رب الأرض والسموات، وما دامت هذه العادات قد خرقت, فهذا دليل قطعي على أن هذا الكلام مِن عند الله عزّ وجل. 2- الدليل النقلي: أما الدليل النقلي فهو ما ثبت بالتواتر كابراً عن كابر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ثبت في آيات القرآن نفسه أنه من عند الله، وليس من كلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. عندنا نحن المسلمين شيءٌ اسمه التواتر، أيْ ما رواه الجمع الثقاة العدول عن الجمع الثقاة العدول، عن الجمع الثقاة العدول، من وقت إنزال هذا القرآن إلى يومنا هذا، لو لم يكن بين أيدينا هذا الكتاب, لكان القرآن الكريم متواتراً تواتراً شفهياً، لا يوجد عصر إلا وفيه حفظة، حفظوا على أيدي أساتذتهم، والأساتذة حفظوا على أيدي أساتذتهم، جيلاً بعد جيلٍ بعد جيلٍ، إلى أن يصل إلى السيد الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولو بحثت في مضمون القرآن الكريم, في مضمونه الاجتماعي، والفكري، والعلمي، والبياني، واللغوي، والتاريخي، والتشريعي، لو درست مضامين القرآن الكريم لوجدتها من الإحكام، والدقة، والعمق، والشمول، والتحدي حيث يعجز عنه الأدباء، والعلماء النجباء, إنه لن تظهر في المستقبل نظرية ولا حقيقة علمية تناقِض ما في كتاب الله, إذاً في مضمونه إعجاز. تصديق المؤمن لكتاب ربه يعطيه التسليم المطلق له: ونحن إذا آمنّا، وصدقنا بالقرآن الكريم جملة وتفصيلاً، على أنه من عند الله، وأنه كتابه الذي أنزله على عبده ورسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى منزّه عن أن يثبت في كلامه غير الحق, إذًا فنحن نؤمن بكل خبرٍ تضمّنه القرآن الكريم إيماناً قطعياً، ونعتقد أنّ منكر ذلك كافرٌ، لأن مكذبَ خبر الله الذي جاء في كتابه, ماذا نستنتج؟ القرآن كلام الله، واللهُ منّزه عن أن يثبت غير الحق، إذًا كل ما فيه من أخبار هي أخبار صحيحةٌ, هذه المقدمة المنطقية تنقلنا إلى الإيمان بأن كل ما ذكره الله عزّ وجل في القرآن الكريم، مِن كتب سماوية أنزلت على أنبياء سابقين وجب أن نؤمن بها بالضرورة، قال تعالى:﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ (سورة المائدة الآية: 48) فنحن بالتسليم المطلق نؤمن بكل كتاب أنزله الله، سواء عرفنا اسمه أم لم نعرف، وسواء عرفنا الرسول الذي أنزل عليه أم لم نعرف، وهذا هو معنى الإيمان الإجمالي بالكتب، ونحن جميعاً مؤمنون إيماناً إجمالياً بالكتب السماوية, فأيُّ كتاب أنزلـه الله عزّ وجل على نبيٍّ من أنبيائه هو حَقٌّ لا شك فيه، وإيماننا به تصديق لخبـرِ الله تعالى في القرآن، القطعي الثبوت، القطعي الدلالة، كما نؤمن تفصيلاً بالكتب، والصحف التي نوَّه عنها القرآن بشيءٍ من التفصيل، وبالقدر الذي فصّله القرآن، لا نزيد على ذلك، ولا ننقص، لأن كل زيادة على ما فصله القرآن لا تصل في واقع حالها إلى درجة صحة النسبة، فضلاً عن درجة القطعية, وهذه نقطة مهمة جداً. نحن نقول: ما قاله الله، أما الزيادات فهذه ظنية، فالله عزّ وجل لما ذكر عن سيدنا يوسف ما عرفناه بالقرآن الكريم، فالقصة انتهت حينما جاء أهله من مصر وسجدوا له، ولهذا السجود معانٍ كثيرة في كتاب الله، يا ترى هل تزوج امرأة العزيز؟ لا نعرف, فالقصة سكتت عن هذا الموضوع, يجـب أن أسكت ما دامت القصـة القرآنية سكتت، وأغلب الظن أن الذي سكت الله عنه لا طائل من البحث فيه، والذي فصّله الله عزّ وجل يجب أن نستفيض فيه. التفصيلات التي وردت في القرآن الكريم عن بعض الكتب السماوية: القرآن الكريم أخبرنا تفصيلاً ببعض الكتب السماوية: فأول شيء صُحُفِ إبراهيم عليه السلام: وهو أول ما أنزله الله من كتاب مما لدينا به علم يقيني. ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾ ( سورة الأعلى الآية: 18-19) ثانياً: التوراة، وهو الكتاب الذي أنزله الله على سيدنا موسى عليه السلام، ويشمل الصحف التي ألقيت إليه في المناجاة، وهو ثاني ما أنزل الله من كتاب مما لدينا به علم يقيني. ثالثاً: الزبور, وهو الكتاب الذي أنزله الله على سيدنا داود عليه السلام، وهو ثالث ما أنزل الله من كتب مما لدينا به علم يقيني. رابعاً: الإنجيل, وهو الكتاب الذي أنزله الله على سيدنا عيسى عليه السلام، وهو رابع ما أنزله الله من كتب مما لدينا به علم يقيني. القرآن ذكر هذا, قال تعالى مما يؤكد هذا: ﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾ ( سورة النجم الآية: 36-37) يعني في صحف موسى، وفي صحف إبراهيم، فماذا في صحف موسى؟ وماذا في صحف إبراهيم؟ قال تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ( سورة النجم الآية: 38) كل هذا في صحف إبراهيم وموسى, قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ﴾ ( سورة النجم الآية: 39-43) كل هذا في صحف إبراهيم و موسى, قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى ﴾ ( سورة النجم الآية: 44-51) ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ﴾ (سورة النجم الآية: 52-54) هذا دليل قطعي, الله أخبرنا به. وإليك بعض الآيات التي تنوه بذكر الكتب السماوية، بدءاً من القرآن، وانتهاءً بغيره, قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾ (سورة البقرة الآية: 255) ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾ (سورة آل عمران الآية: 3-4) ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ (سورة المائدة الآية: 43-44) ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ (سورة المائدة الآية: 45) ﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 156-157) ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ (سورة التوبة الآية: 111) ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾ ( سورة الأنبياء الآية: 105) ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾ (سورة المائدة الآية: 47) ما هي المضامين العامة التي اشتركت فيها الكتب السماوية كلها ؟ 1- أصول الدين: http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/474/05.jpg الموضوع الأخير المتعلق بالكتب, وهو المضامين العامة التي اشتركت فيها الكتب السماوية كلها، هناك آيات كثيرة أشارت إلى ذلك، فربنا عزّ وجل قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾ (سورة الأنبياء الآية: 25) يعني الأنبياء جميعاً، والرسل جميعاً، والكتب المنزلة جميعاً، كُلها مضمونها واحد، هو لا إله إلا الله، لا إله إلا أنا فاعبدون، هذه عقيدة في جميع الكتب السماوية, هناك جانب نظري اعتقادي، وجانب سلوكي تطبيقي، إن نهاية العلم أنْ تعلم أنه لا إله إلا الله، ونهاية العمل أنْ تعبد الله كأنك تراه، لذلك ثمّة مضامين موحدة مشتركة بين الكتب، وبين كل دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. إنّ الكتب السماوية كلها اشتركت في بيان أصول الدين، الدين له أصول، وله عقائد أساسية، والتوحيد من أصول الدين، والإيمان باليوم الآخر من أصول الدين، والإيمان بالرسالات السماوية من أصول الدين، والإيمان بالرسل من أصول الدين، فأركان الإيمان إذاً هي: آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، هذه أصول الدين, الكتب السماوية كلها فيها هذه الأصول. 2- أصول الأخلاق: إن الله سبحانه وتعالى ذكَرَ لنا وصايا لقمان لابنه في سورة لقمان، وضمّن هذه الوصايا ما يفيد بأنها وصايا ربانية، اقتبسها لقمان مما أنزل الله في الكتب الأولى، وساقها القرآن ليوصي الناس بها، مِمّا لهُ صفة الاستمرار والدوام، وعليه تكون هذه الوصايا القرآنية مما سبق حتماً أنها جاءت في الكتب الأولى، أوردها الله حكاية على لسان سيدنا لقمان، قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (سورة لقمان الآية:13-19) لعـل هذه الوصايا الثمينة جداً وردت في الكتب الأولى التي لم تذكر في القرآن الكريم صراحة، إذاً: الكتب السماوية كلها يجب أن نؤمن بها إجمالاً وتفصيلاً، إجمالاً حيث إنّ أيّ كتابٍ عن أي رسول حقٌ من عند الله، أمّا تفصيلاً فإنّ الكتب التي ذُكِرت في القرآن صراحة يجب أن نؤمن بها، والإيمان بها جزء من العقيدة التي يجب أن تُعلَم بالضرورة، وأنّ الذي ينكرها كافر، وبهذا الكلام أنهينا موضوع الإيمان بالكتب. سوف ننتقل إن شاء الله إلى موضوع آخر مِن موضوعات العقيدة، وهو الإيمان باليوم الآخر. والحمد لله رب العالمين |
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( الثالث و الاربعون ) الموضوع :الايمان باليوم الاخر (1) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. يوجد حقائق ضرورية في الكون لا بد من أن يعرفها الإنسان: 1- أصل هذا الخلق:أنهينا في الدروس السابقة الإيمان بالله، والملائكة، والكتاب، والرسل, وبقي علينا الإيمان باليوم الآخر, والشيء الذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى حينما يذكر أركان الإيمان في القرآن كثيراً ما يقرن الإيمان بالله مع الإيمان باليوم الآخر, وكأن الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر متلازمان، لذلك لن نستطيع الحديث عن الإيمان باليوم الآخر قبل عدة مقدمات ضرورية جداً، فالتمهيد للإيمان باليوم الآخر يقتضي بعض الحقائق التي يجب أن توضع بين يدي المستمعين الله سبحانه وتعالى خلق الخلق, فمَن هذا الخلق؟ وما هذا الخلق؟ إنه أنواع متعددة, قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾ (سورة الأحزاب الآية: 72) الأرض جماد فيها معادن، فيها أشباه معادن، فيها جبال، فيها سهول، فيها صحارى، فيها بحار، هناك في السماء الكواكب، والنجوم، والمجرات، هذا كله من نوع الجماد، وهناك الحيوان, وله طبيعة خاصة، وهناك النبات، وهناك الملائكة، وهناك الجن، وهناك الإنس، فالمخلوقات متنوعة، ولا بد أن تكون للإنسان خصائص يتميز بها عن بقية المخلوقات، ومِن أبرز خصائصه أنه من الإنس، والجن يتمتعون بحرية الاختيار، بينما المخلوقات الأخرى لا تملك هذه الحرية، الإنس والجن يتمتعون بقوة إدراكية، لأنّ الله سبحانه وتعالى زَوّد الإنسان بالعقل, الذي هو قوة إدراكية نَعرف به الخير من الشر، والحق من الباطل، والصالح من الطالح،والنافع من الضار, ولولا هذه القوة الإدراكية لما امتاز الإنسان عن الحيوان، ضع لحماً عادياً أمام الحيوان، ثم ضع لحم خنزير أمامه، هل يملك هذا الحيوان قدرة أو قوة إدراكية على التمييز بينهما؟ أمّا الإنسان فيملكها، لأنه يملك حرية الاختيار، وهذا شيء قاطع، وهل يُعقل أن يُكلَّف الإنسان بالأمر والنهي, وهو لا يملك حرية الاختيار؟ شيء لا يمكن أن يكون, الإنسان يملك القدرة الظاهرة على تنفيذ بعض الأفعال التي يريدها، لو تعمّقنا في التوحيد لوجدنا أنّ الفعل بيد الله، لكن فيما يبدو لنا أن الإنسان يملك قوة ظاهرة على تنفيذ ما يريد, أراد أن يسير، إذاً: يسير، أراد أن يقوم، إذاً: يقوم، هكذا فيما يبدو, الإنسان مفطور فطرة عالية، فطرة كاملة على حب الخير، على حب العدل، على حب الرحمة، على حب الإحسان، أن يكون الإنسان رحيماً شيء، وأن يكون مفطوراً على حب الرحمة شيء آخر، أن تحب الرحمة هذا شيء فطري غير كسبي، أما أن تكون رحيماً فهذا شيء كسبي بعد أن تتعرف إلى الله عزّ وجل، وأن تستقيم على أمره، وأن تعمل صالحاً، وأن تقبل عليه، عندئذٍ يصطبغ قلبك بالرحمة، هذه هي الرحمة، القرآن الكريم, ميّز بين الفطرة، وبين الصبغة، فقال سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (سورة الروم الآية: 30) الفطرة بلا كسب، وأما الصبغة فهي كسب، قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ﴾ (سورة البقرة الآية: 138) 2- لماذا أعطى الله الإنسان العقل وحرية الإرادة والاختيار ؟ لماذا خُلق الإنسان على هذه الشاكلة؟ هذه ميزات تفتقر إليها أكثر المخلوقات، قد يبدو هذا واضحاً حينما عرض الله عزّ وجل الأمانة على السموات والأرض والجبال، وحينما أَبيْنَ أن يَحملنَها لأنهنَّ أشفقن منها، وحملها الإنسان, هذه هي الأمانة, أي التكليف, وكأن الله عزّ وجل عَرَضَ على مخلوقاته حينما خلقهم مرتبة عالية من الإدراك، ومن السعادة، ومن الخلود, لكن هذه المرتبة العالية لها ثمن، والثمن هو حمْلُ الأمانة، فإنْ نجح الإنسان، وحقَّق هذه المهمة، وحمل الأمانة، ونجح في حملها، استحق مرتبة لا يدانيه فيها مخلوق في الكون، لذلك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ (سورة البيّنة الآية: 7) فإن لم يحقِّق هذه المهمة، ولم ينجح في حَمْلِ الأمانة, كانَ أشقى مخلوق خَلَقَه الله عزّ وجل, إما أنه خير البرية، وإما أنه شر البرية, لا يوجد حالة وسط بينهما, قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾ (سورة البيّنة الآية: 6) لأن الإنسان قَبِلَ حمل الأمانة، وقَبِلَ التكليف، وقَبِلَ أن يكون حراً في اختياره، وقَبِل أن يزود بشهواته، ولأنه قَبِلَ التكليف، وقَبِل أن يزوَّد بعقل إدراكي، وأن يزوَّد بفطرة عالية، وأن يزوَّد بقدرة ظاهرة على تحقيق ما يريد، لأنه قَبِلَ كلَّ ذلك رفَعَه الله سبحانه وتعالى فوق كل الخلق، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾ (سورة الإسراء الآية: 70) لأنه قَبِلَ حَمْلَ الأمانة سَخَّر الله له ما في السموات والأرض, قال الله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (سورة الجاثية الآية: 13) من أنواع المعادن، أنواع الفلزات، أنواع المخلوقات، كل أنواع الأطيار، كل أنواع الأسماك، كل أنواع النباتات، البحار، البحيرات، الجبال، الوديان، السهول، الأغوار، التلال، الأشجار، كل شيء خلقه الله في الأرض مُسخَّر لك أيها الإنسان، لماذا؟ لأنك قَبِلتَ حَمْلَ الأمانة، فالمسخر له أعلى شأناً، وأعلى مرتبة من المسخر، فالكون مسخر من أجل الإنسان، والإنسان مسخّر له الكون، إذاً هو أعلى مرتبة. 3- لماذا خلق الله الإنسان: لماذا خَلَق الله الإنسان؟ لماذا خلَق الخلْق؟ ليُسعِدهم، ولماذا عرض عليهم الأمانة؟ ليحملهم على أن يرقوا أعلى درجة، لذلك إذا نجح الإنسان في حملِ الأمانة بلغ مرتبة لا يدانيه فيها مخلوق على وجه الأرض، ولا تحت الأرض، ولا فوق الأرض، وبشكل ملخص أقول: خَلَق اللهُ الخلقَ ليسعدهم، وَعَرَض عليهم مرتبة من السعادة لا تدانيها مرتبة، لكن لهذه المرتبة ثمن، والثمن حمْلُ الأمانة، فإنْ نجح بحملها كان فوق الخلق، وإن أخفق في حملها كان أشقى الخلق، بعد أنْ حَمَلَ الإنسانُ الأمانةَ زودّه بالعقل المدرِك، وبالشهوة المحركة، وبالفطرة السليمة، وزودّه أيضاً بحرية الاختيار، وزوّده بكل ما يحتاج مِن أجل أن ينجح في حمل الأمانة, كأن الله عزّ وجل أرسله إلى الدنيا ليمتحنه بهذه الخصائص التي يتميز بها، من هنا تأتي بعض الآيات الكريمة كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ (سورة المُلك الآية: 2) ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ (سورة الإنسان الآية: 2) ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ (سورة المُلك الآية: 1-2) ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (سورة المؤمنون الآية: 115-116) 4- لماذا ابتلي الإنسان في دار الدنيا ؟ ننتقل الآن مِن علّة الخلق، ومن تصنيف الخلق، ومن الأمانة إلى ابتلاءِ الإنسان في هذه الدنيا، وربما كان هذا الابتلاءُ سببَ استحقاقه دخولَ الجنة، والابتلاء أيضاً سبب استحقاقه دخول النار، فنحن في هذه الدنيا مبتلون، بمعنى أننا ممتحنون، نُمتحن بالمال، نُمتحن بالصحة، نُمتحن بالقوة، نُمتحن بالفقر، نُمتحن بالمرض، نُمتحن بالزوجة، نمتحن بالأولاد، نمتحن بالعلو في الأرض، نمتحن بقلة الشأن في الأرض، مِن هنا, قال الله عزّ وجل: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ (سورة الفجر الآية: 15) لا, ليس هذا إكراماً، الإكرام لا ينقطع، والإكرام لا ينتهي بالموت، أَفَيَلِيقُ بحضرة الله عزّ وجل أن يعطيك المال لفترة مؤقتة، فإذا جاء ملَكُ الموت تركتَ كلَّ شيء دفعةً واحدة, هذا ليس إكرامًا، إنما هو ابتلاء؟ قال الله: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾ (سورة الفجر الآية: 16-17) كلا، ليس هذا عطاءً وإكراماً، وليس هذا حرماناً وإهانةً، كلاهما ابتلاء وامتحان, قال الله: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (سورة العنكبوت الآية: 2) القضية قضية ابتلاء, قال الله: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ (سورة الأحزاب الآية: 11) ضع في تفكيرك أيها الأخ الكريم, أنك وُجِدتَ على هذه الأرض، وَأَتَيْتَ إلى هذه الدنيا من أجل أن تُبتَلى، والابتلاء من أجل أن تدخل الجنة باستحقاق، والابتلاء من أجل أن يدخل أهلُ النار باستحقاق, قال الله: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (سورة الأنفال الآية: 42) إننا لا نستطيع أن نؤمن باليوم الآخر قبل أن نعرف طبيعة الحياة الدنيا، نحن في دار ابتلاء، نحن في دار امتحان، " إنّ هذه الدنيا دار التواء، لا دار استواء، منزل ترح، لا منزل فرح، مَن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الأُخرى دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي " ( ورد في الأثر) أتمنى أن أكون قد مُكنت من توضيح هذه الفقرة، نحن هنا في دار ابتلاء، في دار امتحان، في دار تكليف، في دار حمْلِ الأمانة، في دار فحص، أمّا إذا انقلبنا إلى الآخرة فنحن في دار تشريف، ودار نعيم مقيم، ودار متعة أبدية، ودار سعادة خالدة، لذلك كان الأحمق هو الذي يستعجل طيبات الآخرة في الدنيا, قال الله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾ (سورة الأحقاف الآية: 20) فإذا جاء الموت انقلب إلى عذاب أبدي. ما هي مستلزمات حمل الأمانة ؟ 1- أن تعرف الله عن طريق العقل وأن تعبده:ما دمنا قد ابتُلينا بحمل الأمانة فماذا يقتضي حملُ الأمانة؟ يقتضي تزويدَنا بقوة إدراكية، وهذه القوة الإدراكية تقتضي أن نعرف الله عزّ وجل، بعض العلماء قالوا: إن أعظم ما في الكون هو الفكر البشري, ما دام الله عزّ وجل قد زوَّدنا بهذه القوة الإدراكية فهذا التزويد يقتضي أن نعرف الله به وأن نعبده، فإذا سُخرت هذه القدرة من أجل الدنيا، من أجل الشر، من أجل الإيقاع بين الناس، من أجل الحيَل، من أجل كسب الرزق الحرام، من أجل ترويج الباطل، من أجل إفساد الناس، فإن الذي فعل هذا يكون قد خسر خسارة لا حدود لها, لأن الله عزّ وجل زوّدنا بحرية الاختيار, وبالقدرة الظاهرة على تنفيذ بعض الأفعال، لذلك يقتضي هذا التزويد أن نعرفه أولاً, ثم نعبده ثانياً, قال الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (سورة الأنبياء الآية: 25) ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (سورة الذاريات الآية: 56) ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾ (سورة الكهف الآية: 110) لأن الله عزّ وجل خلَقَنا على فطرة كاملة، تقدَّر الإحسان، تقدر العفو، تقدر الرحمة، تقدر العدالة، تقتضي هذه الفطرة أن تشكره على نعمه، وأن تحبه, لذلك في الصلاة تقول: الحمد لله رب العالمين. أيها الأخوة, تقتضي طبيعة الإنسان أن نعرف الله، وأن نعبده، وأن نحبه، ونشكره، فأنت يجب أن تعرفه، وأن تعبده، وأن تحبه، هذا هو الامتحان، وهذه هي الأسئلة، فالذي نجح في تحقيق هذه البنود نجح في الحياة، ونجح لما بعد الممات، ونجح إلى الأبد. ثمرة عمل الإنسان في الدارين هي النية فإما أن يسعد بها أو يشقى بها: اليوم تحدثت معَ بعض الأخوة، وقلت: هذا الذي أُمر بإلقاء قنبلة على هيروشيما, مات من خلالها ثلاثمئة ألف إنسان، وعطّل الحياة، وعطل التربة من الإنبات، وترك مئات الألوف من المشوَّهين، أن تكون سبباً في هلاك عشرات الألوف، بل مئات الألوف، هذا العمل الشرير قبيح، وأعظم منه قبحاً الذي فَعَلَه، لأن هذا العمل انتهى فمات مَن مات، وكذلك المشوَّه مات، والأرض أجدبت، ثم فيما بعد أنبتت، لكن هذا الذي عمل هذا العمل واجه نتيجة عمله إلى الأبد، وشقي به إلى الأبد, لذلك قيل: فاعل الشر شرٌّ مِن الشرِّ، فهل هناك في الأرض ما هو أشر من الشر؟ نعم، إنه فاعل الشر، وهل هناك في الأرض ما هو خير من الخير؟ نعم، إنه فاعل الخير، لو أنك أنقذتَ إنساناً من الغرق فهذا الإنسان بقي حياً، لكن لا بد من يوم تموت فيه، فهذا العمل الطيب انتهى، لكنك تواجه الله عزّ وجل بعمل طيب حميد في إنقاذ الآخرين، وبهذا العمل تَسعَد به إلى الأبد. إذاً: أنت خُلقت في الدنيا لتُبتلى، فالعمل إن كان خيراً, وإن كان شراً ينتهي بالموت، وينتهي بانتهاء الحياة، لكن الذي يبقى هذه النية الطيبة، وهذه الإرادة الخيّرة, أو هذه النية الخبيثة، أو هذه الإرادة الشريرة, بهذه تَسعُد بها إلى الأبد، وبهذه تشقى بها إلى الأبد. أنت أيها الإنسان في أي طريق تتجه ؟ أين أنت أيها الأخ الكريم؟ هل أنت في طريق معرفته؟ هل تحضر مجالس العلم, من أجل أن تعرف كتابه، وأحكامه، وأسماءه الحسنى, وصفاتِه الفضلى, مِن أجل أن تعرف تشريعه, وأمره ونهيه, ووعده ووعيده, وما أعدَّ لعباده المؤمنين مِن نعيم مقيم، وما أعدَّ للعصاة المجرمين من عذاب أليم؟ هل تؤْثر ساعة لذة على مجلس علم؟ هل تأتي لهذا المجلس لا تبتغي إلا معرفة الله عزّ وجل؟ هل أنت في طريق عبادته؟ هل أنت تضبط جوارحك؟ هل تعامل الناس كما أمر الله عزّ وجل؟ هل تبيع وفق الشريعة؟ هل تشتري وفق الشريعة؟ هل الله عز وجل أَحَبُّ إليك من كل شيء؟ قال الله:﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (سورة التوبة الآية: 24) إذاً: معرفة، عبادة، محبة, شكر، وسورة الفاتحة جمعت كل هذه الأمور, قال الله: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (سورة الفاتحة الآية: 1-6) ما هي الحكمة من وضع الإنسان في ظروف صعبة أحياناً ؟ ما دام الإنسان قد خُلق ليُمتحن، لأن الابتلاء هو الطريق الوحيد الذي يؤدي بك إلى دخول الجنة، أو ليستحق به الكافر دخول النار، فالابتلاء بنجاحٍ هو ثمن الجنة، والابتلاء مع السقوط والتردي سبيل النار، لذلك الفتنة تعني الابتلاء أيضاً، مِن هنا اقتضت حكمة الله عزّ وجل أن يوضعَ الإنسان في الظروف الملائمة, إنّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم امْتُحِنُوا امتحانات شتى، كان من أبرزها امتحان الخندق، كان معهم رسول الله، نبي عظيم، ورسول كريم، يوحى إليه عن طريق جبريل عليه السلام، والقرآن ينّزل عليه بين ظهرانيهم، جاءهم كفار قريش، ومشركو العرب، وتحزَّبوا عليهم، وتجمعوا بأعداد كبيرة للقضاء على الإسلام، وَنَقَضَ اليهودُ عهدهم، وأُحكمت الحلقةُ حولهم، وكان الإسلام على وشك التدمير الكلي, وعرفنا أن المؤمنين صبروا كثيراً, بعضهم إيمانه قوي، وبعضهم إيمانه دون ذلك، فصاحب الإيمان القوي لم يتزلزل، ولم يتأثر، ولم يضطرب، ولم يختل، ولم يضعف، ولم يخنع، ولم يَهِنْ، ولم يحزن، قال تعالى:﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ (سورة الأحزاب الآية: 23) أمّا ضعاف الإيمان مِن المنافقين, فإنهم كما وصفهم الله تعالى في الآية التالية: ﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 11-12) ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ (سورة الأحزاب الآية: 11) أيها الأخ الكريم، لا يمكن إلا أن تُبتلى في هذه الدنيا، تُبتلى بالزوجة، فهل تؤْثِر رضاها على رضاء الله؟ هل تتساهل معها، ولو كان ذلك على حساب دينك؟ الزوجة تبتلى بها، وليس معنى ذلك أنها هي البلوى، لا، هيّ تكريم من الله، هل تترك مجالس العلم بعد الزواج؟ كم مِن شابٍ متحمس مندفع, لكنه بعد الزواج يتغيب عن مجالس العلم، ويؤثر مجالس الزوجة على مجالس العلم؟ هذا ابتلاء, قد يكون الإنسان فقيراً، وهو مستقيم على أمر الله، وفجأة يأتيه المال الوفير، فإذا به يتقاعس، يريد المتع الرخيصة، فتراه ينحرف أخلاقياً، يريد أن يزور بعض بلدان العالم، ليعطي نفسه ما تشتهي, يقول لك: أنا معي مال، ويجب أن أستمتع به، وإن الله قد أعطاه المال امتحاناً له، فقد تُمتحن بالفقر، أتصبرُ أم تكفر؟ تُمتحن بالمرض، هل تلجّ وتضجر، أم تقول: ثمة حكمة مِن وراء هذا المرض؟ فالنتيجة أنك مُبتلى، وأنا معكم مبتلى، وما مِن مخلوق على وجه الأرض إلا وهو مبتلى، والابتلاء سُنة الحياة، لذلك خَلَقَ الله عزّ وجل في الإنسان الشهوة، فالشهوة إما أن تكون قوة محركة تنقله إلى آفاق السعادة، وإما أن تكون الشهوة قوة مدمرة، كهذا الوقود السائل، إما أن يحرك المحرّك، فتأخذك السيارة حيث تشتهي، وإما أن يُحرق السيارة, هكذا الشهوة، اللهُ عزّ وجل خَلَقَ الملائكة التي تُلهمك الخير، وخلق الشياطين التي توسوس بالشر، وهناك توازن, خَلَقَ الخير، وخلق الشر، والشر بيد الله عزّ وجل مِن أجل أن تُمتحن، من أجل أن تُبتلى. من لوازم الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر: هذا الموضوع كله تمهيد لليوم الآخر، لأنه هنا الابتلاء، وهناك الجزاء، واليوم عملٌ ولا جزاء، وغداّ جزاء ولا عمل، قال تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ( سورة البقرة الآية: 62) من لوازم الإيمان بالله الإيمانُ باليوم الآخر، لهذا كان في الحياة خير وشر، وحق وباطل، ولذة وألم، وسرور وحزن، وغنى وفقر، وصحة ومرض، وعلو وانخفاض، وشهرة وخمول، وإقبال وإدبار, قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (سورة الذاريات الآية: 49) هذا وُضِع الإنسانُ في أكمل الشروط، وأنجحِها من أجل أن يبتلى، وأن يظهر على حقيقته، ليستحق الجنة، أو ليستحق النار, طبقاً لاختياره, قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ( سورة الذاريات الآية:56) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ (سورة طه الآية: 15) راقب نفسك، دخلت للبيت فأنت مُبتلى، الأكل غير جاهز, أتصبر؟ أتكون حليماً, أم تكون إنساناً شرساً؟ قد يوجّه لك إنسان كلمة نابية, أتصبر؟ أتحلم؟ معك مبلغ من المال، أتعطيه للمحتاجين، أم تنفقه على شهوتك؟ أنت ممتحن, يأتيك المشتري، ويقول لك: انصحني، أتُؤثِر اللهَ ورسوله، وتنصحه بالبضاعة الرائجة، أم تنصحه بالبضاعة الكاسدة؟ يأتيك الموكّل، أنت مُمتحن، بالمحاماة مُمتحن، بالطب مُمتحن، يأتيك المريض، وتعلم علم اليقين أنّ هذا المريض شفاؤه على يد فلان، المختص في هذا المرض، أما أنت فلا تعرف دقائق هذا المرض, أتقول له: اذهب إلى الطبيب فلان, وتفوت عليك ما يدفعه من مال؟ الصيدلي إذا انتهى مفعول هذا الدواء أتمسَح التاريخَ، وتبيعه كما لو كان فعّالاً؟ تُمتحن، أنت ممتحن في كل ثانية، في كل لحظة، في كل دقيقة، في كل حركة من حركاتك، وفي كل سكنة من سكناتك. إذا آمنت أن كل شيءٍ تفعله تحاسب عليه, فقد انضبط سلوكك أيها المسلم، ولا يستطيع الإنسان أن يغيِّر سلوكَه تغييراً جذريًّا إلا إذا آمن باليوم الآخر, لا يستطيع الإنسان أن يتجه بكليّته إلى الله عزّ وجل إلا إذا نقل اهتمامه كله من الدنيا إلى الآخرة، لذلك النبي الكريم قال: " إنّ أسعدَ الناس في الدنيا أرغبهم عنها وأشقاهم فيها أرغبهم فيها " ( أخرجه أبو نعيم في الحلية) إذا عرفت أنك خُلقت في دنيا محدودة قصيرة، منقطعة، وإنما هي ابتلاء، وأن الجزاء يوم القيامة سَعِدْتَ في الدنيا والآخرة، فإذا غفلتَ عن هذه الحقيقة، وظننتَ أن الدنيا هي كل شيء, قال الله: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾ (سورة الطور الآية: 45) و حينما تعرف حقيقة الأمر فإنك ذو بصر وبصيرة، ولذلك قال الله عزّ وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (سورة الحشر الآية: 18-20) والحمد لله رب العالمين |
رد: العقيدة الاسلامية
بسم الله الرحمن الرحيم العقيدة الاسلامية الدرس : ( الرابع و الاربعون ) الموضوع :الايمان باليوم الاخر (2) الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين. ملخص الدرس الماضي: في الدرس الماضي بيّنا أن بين يدي الإيمان باليوم الآخر مجموعة من الحقائق، هذه الحقائق تتلخص في أن الله سبحانه وتعالى عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال، وأنّ السموات والأرض والجبال أبيْنَ أنْ يحملنها، وأشفقْنَ منها وحملها الإنسان، ومعنى أن الإنسان قد حمل الأمانة، أي قَبِلَ أن يصل إلى أعلى مرتبة وُضعت للمخلوقات، لكنّ هذه المرتبة، مرتبة جمالية، إنه أسعد مخلوق على وجه الأرض، لو أنه حمل الأمانة كما أرادها الله عزّ وجل. هذا الإنسان حينما حمل الأمانة سَخَّر اللهُ له ما في السموات والأرض، وزودّه بعقلٍ كقوة إدراكية، وزودّه بحرية اختيار، وزودّه بقدرة ظاهرة على تحقيق مُراده، وزودّه بفطرة سليمة أعانه بها على اختيار الحق، وخلَق له الكونَ، وأنزل الكتب، وبعث الأنبياء، وسخّر الدعاة والعلماء، كل هذا من أجل أن يتعرف هذا الإنسان إلى الله عزّ وجل، فإذا عَرَفه عَبَدَه، وإذا عَبَده سَعِد بِقُرْبِه في الدنيا والآخرة، فالقوة الإدراكية تقتضي أن يتعرف الإنسان إلى الله عزّ وجل، لا أن يسخِّرَها لأهداف رخيصة، والإرادة الحرة مع القدرة الظاهرة على فِعْلِ ما يريد الإنسان، هذا أيضاً يجب أن يكون مؤدِّياً إلى العبادة الصحيحة، والفطرةُ السليمةُ التي فطرَ اللهُ الناس عليها تقتضي أنْ يشكروا الله عزّ وجل، هذا ملخص الدرس الماضي. من تتمة الحقائق التي ينبغي على الإنسان أن يعرفها عن اليوم الآخر: 1- الابتلاء هو علة وجود الإنسان في الكون:نتابع هذه الحقائق التي لابد مِن عَرْضها بين يدي الإيمان باليوم الآخر، ومِن أجل أن يستحقَّ الإنسانُ هذه السعادةَ العظمى يومَ القيامة جَعَلَه في الدنيا مبتلى، فإمّا أن يُؤْثِر رضاءَ الله عزّ وجل، وإمّا أن يؤثر رضاء الناس، إمّا أن يسعد بإقباله، وإمّا أن يبحث عن لذته، إمّا أن يُؤْثِر جانب الخير، وإمّا أن يؤثر جانب الشر، إمّا أن ينطلق من مبادئه، وإمّا أنْ ينطلقَ مِن نزواته, وقد سَرَدْتُ لكم في الدرس الماضي الآيات العديدة التي وردت في كتاب الله سبحانه وتعالى، التي تؤكد أن العلة الأولى التي خُلِقْنَا مِن أجْلها في هذه الحياة الدنيا هي الابتلاءُ, قال الله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾ ( سورة الإنسان الآية: 2) ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾ ( سورة الملك الآية: 1-2) ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾ ( سورة المؤمنون الآية: 115-116) إذاً: النجاح في الابتلاء ثمنُ هذه السعادة العظمى، من أجل أن يُبتلى الإنسان زوّده الله عزّ وجل بأشياء ثنائية، الشيطان يوسوس له، والمَلَك يٌلهمه، فإما أن ينحاز إلى جانب الشيطان، وإما أن يستجيب للمَلَك، فنوازع الخير تدعوه إلى فعل الخير، والشهوات التي أودعها الله فيه تدعوه إلى اقتناص اللذة، ولو على حساب الآخرين، في الحياة إمّا أن يستجيب الإنسانُ لعقله، وإما أن يستجيب لشهوته، إما أن يستجيب لنداء الرحمن، أو يستجيب لوسوسة الشيطان، إما أن يؤثر الفضيلة، وإما أن ينحاز إلى الرذيلة، إما أن يؤثر المصلحة، وإما أن يؤثر المبدأ، فأنت بين المبدأ والمصلحة، بين الحاجة والقيم، بين وسوسة الشيطان ونداء الرحمن، بين نوازع الخير ونوازع الشر، بين الحق وبين الشهوة، هذا التنويع، وهذا التخيير هو علّة الابتلاء. 2- توزيع القدرات البشرية تعود إلى عدة معاني: الله سبحانه وتعالى جلّت حكمته زوّد الإنسان بقدرات متفاوتة، فهذا أعطاه ذكاءً، وهذا أعطاه مالاً، وهذا أعطاه قوة عضلية، وهذا أعطاه قوة اجتماعية، وهذا أعطاه قدرة على الإقناع، وهذا كان عليًّا، وهذا كان غبياً, هذه القدرات مَنَحَها الله لعبادة بشكل متفاوت، ولهذا التفاوت تفسيران: التفسير الأول: أنّ الله سبحانه وتعالى تفَضَّلَ على خلقه ابتداءً بالإيجاد، وتفضل على خلقه ابتداءً بهذه القدرات الخاصة التي منحهم إياها، فليس للعباد أن يعترضوا على هذه القدرات، لأنها مَحْضُ فضلٍ, هذا تفسير. التفسير الثاني: أنّ الله سبحانه وتعالى حينما نَظَرَ إلى خلقه رأى كل مخلوق له طلب، وبحَسَبِ طلبِ هذا المخلوقِ أعطاه القدرات التي تُحَقِّقُ له طلبه، من ذكاء وقوة ومال ومواهب, وليس للمرء حق الاعتراض، لأنه ليس له حقٌّ أنْ يطالبَ ربَّه بشيءٍ، وقد خُلِق مِن عَدَمٍ, يؤكِّد هذا قولُه تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾ ( سورة الإسراء الآية: 18-20) فهذا الذي مُنح قدرة على الإقناع، إنما كانت هذه القدرة تحقيقاً لطلبه، وهذا الذي مُنح مالاً وفيراً إنما مُنح هذا المال تحقيقاً لطلبه. المسؤولية تكون على قدر ما أوتي صاحبها من قوة وعلم ومال: لكن المسؤولية على قدر الموهبة، فالفصيح الذي أُوتِيَ فصاحةً وقدرةً على الإقناع، وتَلَكَّأَ في نصرة الحق، فهذا حسابُه أشدُّ مِنَ الذي لم يُؤْتَ هذه القدرة، والذي أوتي المال العريض، إذا دُعي إلى فعل الخير، واستنكف فعليه مسؤولية أكبر بكثير مِنَ الذي أوتي كفافَ يومه، وهذا الذي أوتي قوة وشأناً في المجتمع بإمكانه أن يقف إلى جانب الضعيف والمؤمن، واستنكف فله حساب خاص أشدُّ مِنْ حساب الذي كان في الأرض مستضعفاً، فكل إنسان مُحاسَب، ومسؤول على قدر ما مكَّنه الله في الدنيا.لذلك كان سيدنا عمر رضي الله عنه, يقول: " لو أنّ بغلة في العراق تعثرت لحاسبني الله عنها, لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر ؟ " " ليتني أقدم على ربي لا لي ولا علي " " ليت أمَّ عمر لمْ تلد عمر, ليتها كانت عقيمة " ( أقوال مأثورة عن سيدنا عمر رضي الله عنه ) لقد أدرك عِظَم المسؤولية التي تحمَّلها، لأنّ الله عزّ وجل مكنّه في الأرض، فالمسؤولية والتَّبِعَة على قدر التمكين, الذي اطّلع على العلم، وعرف أحكام العبادات، هذا إذا قصّر في أدائها كان حسابُه أشدَّ مِنَ الذي لم يطّلع، فكلما أُوتِيتَ شيئاً يزيد على الآخرين ارتفع مستوى حسابك عند الله عزّ وجل، هذه حقيقة لا شك فيها، وممّا يؤكَّد هذه الحقيقة أنّ مَن رَزَقَه الله عقلاً وذكاءً, كان مسؤولاً عن هذه المنحة بمقدارها، ومَن رَزَقَه الله عمراً مديداً كان مسؤولاً عن عمره بمقدار امتداده، ومَن حَبَاه اللهُ علماً كان مسؤولاً عن علمه الذي حباه إياه على مقداره، ومَن آتاه اللهُ قوةً جسمانية وشجاعة, كان مسؤولاً عن ذلك بمقدار العطاء الرباني، وهكذا، مِن هنا قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ (سورة التكاثر الآية: 8) يعني أيَّةَ منحة مَنَحَك اللهُ إياها فستحاسب عليها، هذا المال كيف أنفقته؟ هذه القوة العضلية كيف استهلكتها؟ هذا العقل القوي، هذا الشأن الاجتماعي، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ به وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ " (أخرجه الترمذي وابن ماجه والدارمي عن أبي برزة الأسلمي ) هذه المعاني تؤكِّدها بعضُ الآيات، قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ ( سورة الفتح الآية: 17) وقوله تعالى: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً ﴾ ( سورة الأحزاب الآية: 30-31) الشاب الذي ينشأ في بيت علم، يستمع إلى الحق صباح مساء، هذا الشاب مُحَاسَبٌ عند الله أكثر مما يُحَاسَب شاب نشأ في بيت الجهل، في بيت الانحراف، فكل ميزة خصّك الله بها يقابلها مسؤولية تزيد بها عن الآخرين، قال تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾ ( سورة الطلاق الآية: 7) 3- التفاوت العلمي والمادي بين الناس هو مجرد اختبار وامتحان: الله سبحانه وتعالى جعل الناس في الدنيا درجات، وفي هذا حكمة بالغة، فهناك تفاوت في القوة الإدراكية، تفاوت في القوة العضلية، تفاوت في الشكل، تفاوت في الشأن، تفاوت في النواحي العاطفية، تفاوت في النواحي الاجتماعية، تفاوت في المستوى الاقتصادي، هذا التفاوت بعلم الله وتقديره, قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ( سورة الزخرف الآية: 32) فهذا جَعَلَه يقبع وراء مكتب فخم، وعنده حاجب، في المظهر الخارجي أن هذا الذي يجلس وراء المكتب له شأن كبير, وهذا الحاجب الذي يقف على الباب شأنه قليل، لكن الله عزّ وجل له مقياس آخر، فقد يكون هذا الحاجبُ عند الله عزّ وجل, إذا كان مطيعاً له، قائماً بواجباته قد يكون له شأنٌ يفوق شأن هذا الذي يخدمه بكثير، فربنا عزّ وجل جَعَلَ الدنيا مراتبَ، وجعل الحياةَ مستويات، لكن الذي يريده هو أنْ يُمْتَحَنَ كل هؤلاء, فالفقير قد يُمْتَحن بصبره على الفقر، وتعففه عن المال الحرام، بينما الغني يُمتَحَن امتحاناً ليس أقلَّ صعوبةً من هذا الامتحان، يمتحنه بقدرته على ضبط نفسه، وهو غني، فهل يحمله غناه على البطر؟ وهل يحمله غناه على الكِبْر أو على الإسراف، أو على البخل، أو على التمتع بما حرّم الله عزّ وجل؟ فالفقير مُبتلى، والغني مُبتلى، المستضعف في الأرض مبتلى، والقوي مبتلى، المستضعف مبتلى بصبره، ورضاه بما قَسَمَ الله له، والقوي مبتلى، فهل تحمله قوَّتُه على تجاوزِ حقوق الآخرين؟ فكلاهما مبتلى، لو دققنا لوجدنا أنه ما مِن مخلوق, ذكراً كان أو أنثى, كبيراً كان أو صغيراً، غنياً كان أو فقيراً، إلاّ وهو مُبتلى بقدر ما أعطاه الله عزّ وجل. قد يكون صاحبُ محل تجاري مُبتلًى، وكذلك الصائغ قد يكون مبتلى، وصاحب المحل عنده قائمة ابتلاء طويلة، هل هذه البضاعة اشتراها بشكل صحيح؟ وهل أعطاها سعراً مناسباً؟ وهل باعها بطريقة شرعية؟ وهل عاملَ هؤلاء الموظفين معاملة صحيحة؟ هل عاملهم بالعدل؟ أمّا الصائغ الذي في هذا المحل فهو مُبتلى، هل كان مخلصاً لسيده؟ هل غشّ الناس؟ هل اختلس شيئاً من البضاعة لنفسه؟ فكل إنسان مبتلى على حجمه، أصحاب الأحجام الكبيرة لهم ابتلاء من نوع خاص، وأصحاب الأحجام الصغيرة لهم ابتلاء من نوع خاص، فلذلك هناك عدالة في الابتلاء، كما أنّ هناك تفاوتًا في العطاء، أمّا العدالة في الابتلاء فكل الناس مُبْتَلَوْن، المرأة تُبتلى في بيت زوجها، هل كانت زوجة صالحة؟ هل حفظت زوجها في نفسها؟ هل كانت سبباً لمتاعبه؟ أم كانت سكناً له كما أرادها الله عزّ وجل؟ هل أهملتْ أولادها؟ " أيّما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة " (فيض القدير شرح الجامع الصغير) هل كانت عوناً للشيطان على زوجها, أم كانت عوناً لزوجها على الشيطان ؟ هل صبرت عليه؟ والزوج يبتلى, يبتلى مع أمه, مع زوجته, مع أولاده, مع جيرانه, مع زبائنه في عمله، مع مَن هم أدنى منه، مع مَن هم أعلى منه, الابتلاء على قَدَمٍ وساقٍ، فما مِن مخلوق على وجهِ الأرض إلا وهو مبتلى, قال الله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾ ( سورة هود الآية:7) الحكمة الإلهية في توزيع التفاوت العلمي والمادي بين الناس: لولا التفاوت لَمَا كانت الحياة، فلو أنّ الناس جميعاً كانوا في أعلى مستوى فكري، فَمَن الذي يرضى بعملٍ يدويٍّ؟ لو أنّ الناس جميعاً كانوا مَهَرَةً في الأعمال اليدوية, فَمَن الذي يؤلِّفُ الكتب؟ لا بد مِنَ التمايز في كل النواحي، ولو أنّ الناس جميعاً كانوا بقدرات متساوية، فهذه القدرات عندئذٍ لا معنى لها، بل فَقَدَتْ قيمتَها، لو أن الناس كانوا جميعاً بشكلٍ واحد, لَفَقَدَتْ بعضُ الميزات قيمتَها، فهنالك تخطيط إلهي رائع، والكلُّ مبتلًى، وهذه آية أخرى فلنستمع إليها: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ (سورة الأنعام الآية: 165) 4- العطاء الرباني لإنسان دون إنسان هو ابتلاء وليس تكريم: هناك آية دقيقة في سورة الفجر هي من صلب موضوعنا، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾ ( سورة الفجر الآية: 15) هذه المقولة: ﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ ( سورة الفجر الآية: 15) هذه عين الخطأ مِن قائلها، أعطاه مالاً وفيراً، أعطاه شأناً، وهو يظنّ هذا إكراماً، مع أنّ هذا في حق الكريم ليس إكراماً، والدليل: كل هذا العطاء ينقطع بالموت, إذاً: ليس إكراماً، وما منّا واحد إلا وقد َقَتَل بعوضة، فإذا قتل المرء منّا بعوضة بماذا يشعر؟ هل يشعر بالذنب؟ هل يشعر أنّه أزهق روحاً؟ هل يشعر أنه اقترف إثماً؟ ما معنى هذا؟ معنى هذا أن البعوضة حَسَبَ ظنِّه لا شأن لها عند الله إطلاقاً، فنقول له: لا، والدليل عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ " (أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد في سننه) جناح بعوضة, ومع ذلك فإنّ الإنسان إذا أعطاه الله شأناً، أو مالاً، أو قوة، أو شيئاً ممّا يَحسُد الناسُ بعضهم بعضاً عليه هذا ليس عطاءً، والدليل: أنه ينقطع بالموت، يأتي الموت فينقطع كلُّ هذا العطاء, وربنا سبحانه سماه ابتلاء قال: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾ ( سورة الفجر الآية: 15) ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ ( سورة الفجر الآية: 16) أما الآخر, فقد يظن هذه إهانة، وحرماناً، وبغضاً، وهذا أيضاً عين الخطأ، فعين الخطأ أن تظنَّ أنَّ منحَ المال إكرام، وأنّ الحرمانَ منه إهانةٌ، لكن الصواب, قال تعالى: ﴿ كلا ﴾ ( سورة الفجر الآية: 17) حرف ردع، أيْ ليس عطائي إكراماً، ولا مَنْعِي حرماناً، إنّ عطائي ابتلاء، وحرماني دواء، فإذا أعطى الله عزّ وجل الإنسان مالاً فهذا ابتلاء. متى يسمى منح المال إكراماً من الله ؟ فمتّى يُسَمَّى منحُ المال إكراماً؟ إذا أعطاه الله مالاً مبتلياً إياه به، فأنفقه في طاعة الله، وبعد أن ينفق المال في طاعة الله ينقلب هذا الابتلاء إلى إكرام، أكرمني اللهُ بهذا المال، حيث وفَّقَني إلى إنفاقه في طاعة الله, حينما يقترن الإنسان بامرأة، هذا ابتلاء، فإذا وُفِّقَ إلى الأخذ بيدها إلى الله ورسوله، وعلّمها أمرَ دينها، وحثّها على الصلاة، وجعلها مصونة، عفيفة، وجعلها مثلاً أعلى لنساء المؤمنين، الآن هذه الزوجة نعمةٌ من الله عزّ وجل، لماذا؟ لأن هذا المال الذي أنفقتَه في طاعة الله، وهذه الزوجة التي دللتَها على الله سيكونان نوراً لك في قبرك.هذا العطاء أصبح مستمراً، ولم يَعُدْ مقطوعاً، لو أنك استمتعت بالزوجة فقط مِن دون أن تَدلَّها على الله، عند الموت تبتعد عنها، وتبتعد عنك، لكنك إذا دللتها على الله, فهذه الزوجة بهدايتها نورٌ لك في قبرك، ويستمر ثواب هذا العمل, فكلُّ عملٍ صالح يستمر أثرُه بعد الموت،قال الله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾ ( سورة الفجر الآية: 15) ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾ ( سورة الفجر الآية: 16) حينما ينكشف الغطاء يذوب الإنسان خجلاً من الله عزّ وجل، لأن الذي أعطاه إياه هو اللهُ عزّ وجل، وهو عين الحكمة، لذلك قال الإمام الغزالي: ((ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني)). 5- الأجر يكون على قدر الابتلاء: آية دقيقة في هذا الموضوع، قال تعالى: ﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾ ( سورة محمد الآية: 4) لمّا يُنهِي الله عزّ و جل جيشاً محارباً، ويقضي عليه، وينهيه بمرض الطاعون، أو ينهيه بزلزال أو ببركان، فهذا انتصارٌ مِن الله مباشرٌ، ليس للإنسان دخل فيه، فلا أجر له فيه، أما عندما يكون المؤمنون مثلاً في بدر، فالله عزّ وجل كان بالإمكان أن يصيح بالكفار صيحة واحدة، فإذا هم جميعاً خامدون، هذا شيء من قدرة الله عزّ وجل، لكنَّ هؤلاء المسلمين عندئذٍ لا أجر لهم، الابتلاء تعطل، لكن الله سمح للكفار أن يحاربوا المؤمنين، وحثّهم على مجاهدتهم فانتصروا، واللهُ سبحانه وتعالى جعل هذا النصر على أيديهم، مِن أجل أنْ يرفع شأنهم، ويُكسبهم الأجر، لذلك إذا أراد اللهُ إظهارَ فضلِه عليك خَلَقَ الفضلَ، ونَسَبَه إليك, قال الله: ﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ ( سورة محمد الآية: 4) الله عزّ وجل يمكنُه أن يريحك من مشكلة, ويمكن أن يجعلك تعيش بمكان لا خصوم لك فيه أبداً, لكن ليس لك أجر, الخصوم موجودون، والمعارضة موجودة، وهناك مَن ينتقم، وهناك مَن يشكِّكُ، هناك مَن يفتري، هناك من يشوّه السُّمعةَ، هذا كله مِن أجل أن ترقى عند الله عزّ وجل، أن تصبر، وأن تجاهد، وأن تقدِّم كلَّ ما تملك مِن أجل هذه الدعوة, فالله عزّ وجل كان مِنَ الممكن أن يجعل النبي عليه الصلاة والسلام, وأصحابه الكرام لا أعداء له، ولا لأصحابه، هؤلاء صناديد الكفر، كان من الممكن أن يخلقهم اللهُ في زمنٍ آخر، لكن خُلِقوا مع النبي عليه الصلاة والسلام مِن أجل أن يظهر صدقُ النبي، وأن يصبر, قال الله: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾ ( سورة النحل الآية: 127) ائتمروا على قتله، وائتمروا حتى أخرجوه من مكة، وقاوموا أصحابه، وأخرجوهم من ديارهم، وحرموهم حقوقهم، وقاطعوهم، وحاربوهم، وهم صابرون, فالإنسان المؤمن لا ينزعج إذا كان له خصم، ومما يُروى في هذا السياق أن سيدنا موسى في المناجاة قال لله تعالى: " يا رب لا تبْقِ لي عدواً، فقال: يا موسى هذه ليست لي" ( حديث قدسي) قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾ ( سورة الأنعام الآية: 112) هذا ابتلاء، والإنسان من دون معارضة، من دون تشكيك، من دون تزوير، من دون افتراء, ليس له أجر، لكن إذا كان ثابتاً على الحق, لا يُغيّر، ولا يُبدّل، بل يصبر، ويوضح، ويُبَيِّن، ويبذل محاولات لترسيخ الحق, فله أجر كبير عند الله عزّ وجل، فهذه الآية دقيقة جداً, إذا هَيَّأ الله عزّ وجل لأحد الناس عملاً طيبًا، أوجد له خصوماً أو معارضين ليزيدوا أجره، كان من الممكن أن يمنعهم عنه، لكن لم يَعُدْ له هناك أجر، والدليل سيرةُ النبي الكريم عليه الصلاة والسلام, كم تحمَّل من المعارضات؟ ذهب إلى الطائف، استقبله أهل الطائف شر استقبال، وسفَّهوا دينه, وعابوا عليه دعوته, وأغروا صبيانهم به, وهو صابر، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا " ( أخرجهما البخاري ومسلم عن عائشة في صحيحهما) لا يعرف وعورة الطريق من مكة إلى الطائف، وصعوبة السير فيها إلا من زار هذه الأمكنة، شيء مثل الخيال، إنسان يمشي في البلاد الحارة، والأرض الوعرة، والكفار يعارضونه، ويرمونه بالحجارة، ويُدْمُون قَدَمَيه، هذا هو الأجر. 6- ينبغي على المسلم إذا وقع في المحن أن يرضى بالقدر ولا يسخط: قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ونبلوا أَخْبَارَكُمْ ﴾ ( سورة محمد الآية: 31) قد يكون الواحد منا أحيانا في ضائقة مالية، وأحياناً يأتيه مرض، فبماذا سيتكلّم يا ترى؟ إن قال: يا رب, ماذا فعلتُ لك؟ سقط في الامتحان ورَسَبَ، أما المؤمن فهو صابر، يا رب, لك الحمد على كل حال، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ" (أخرجه ابن ماجه عن عائشة ) وعَنْ صُهَيْبٍ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ " (أخرجه مسلم وأحمد والدارمي عن صهيب) قال الشاعر: هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهم معدل و إن عدلوا والله وإن فتنوا في حبهم كبدي باقٍ على ودّهم راضٍ لما فعلـوا هذا معنى قول رابعة العدوية: فليتك تحلو و الحياة مريـرة وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خـراب إذا كان القلب عامراً بذكر الله، وشعرت أن الله راضٍ عنك، فلو أن أهل الأرض جميعاً غضبوا عليك لا تبالي، الأصل أنه راضٍ عنك، مَن بيده كل شيء، منَ إليه المصير، مَن بيده ملكوت السموات والأرض، مَن بيده حياتك، مَن بيده مماتك، مَن بيده رزقك، مَن بيده سعادتك، مَن بيده شقاؤك، هذا هو الأصل, أن اللهَ راضٍ عنك، وانتهى الأمر, لذلك فإنّ أعلى مرتبة في الأرض أنْ يرضى الله عنك, قال الله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ( سورة الفتح الآية: 18) هذا هو الكلام الفصل، هؤلاء الذين أرضوا ربهم هم ملوك الدار الآخرة. كل ما يملكه الإنسان من نعم أو حرمان ابتلاء من الله ودليل ذلك الكتاب والسنة: قد يتوَهّم بعضُ الناس، أنّ الابتلاء فقط بالمرض، لا، فالإنسان يُبتلى بالصحة أيضاً، يُبتلى بالغنى، قال ربنا عزّ وجل: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 168) إذا كان الإنسانُ في بحبوحة، والصحة طيبة، بيته منظم، أولاده أمامه، هذا الوضعُ نفسه ابتلاء، هل تذهب إلى مجلس العلم, أم تؤثر أن تبقى في البيت مستلقِيًا، وأولادك أمامك؟ هذا ابتلاء, معك مال، هل تُؤْثِر أن تنفق هذا المال في نزهة ممتعة، أم تساعد هذا الأخ الفقير على إجراء هذه العملية الجراحية لابنه؟ فالابتلاء بالحسنات والسيئات, قال الله: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ ( سورة الأعراف الآية: 168) وقال تعالى في شأن المؤمنين: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾ ( سورة البقرة الآية: 155) نقص الثمرات, يعني أنّ الكمية قد قلّت فيرتفع السعر حتمًا، والأنفس، قد يموت ابن غال على أبيه، ماذا يفعل؟ هناك إنسان يصاب بالجنون، وهناك إنسان يصبر، فالذي لا يصبر لم يعرف الله عزّ وجل, وانظرْ إلى القدوة في مثل هذه المصائب، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: " دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ " (متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أنس بن مالك) لأنه عليه الصلاة والسلام بشرٌ, وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: " كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَتِيمَةَ فَقَالَ آنْتِ هِيَهْ لَقَدْ كَبِرْتِ لَا كَبِرَ سِنُّكِ فَرَجَعَتْ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَبْكِي فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مَا لَكِ يَا بُنَيَّةُ قَالَتْ الْجَارِيَةُ دَعَا عَلَيَّ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنِّي فَالْآنَ لَا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَدًا أَوْ قَالَتْ قَرْنِي فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي قَالَ وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ زَعَمَتْ أَنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنُّهَا وَلَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا قَالَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي فَقُلْتُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَة" (أخرجه مسلم عن أنس بن مالك في الصحيح) إذا حَزِن الإنسان على موت ابنه من دون اعتراض, فلا مانع, هذا طبيعة البشر، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ " ( ورد في الأثر) كيف اتفق أنْ انكسفت الشمس يوم وفاة سيدنا إبراهيم، فظنّ أصحاب سيدنا رسول الله أن الشمس كُسفت لموت سيدنا إبراهيم؟ فماذا فعَل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ: " كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ " (متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي بكرة) انظر إلى الواقعية، وإلى الموضوعية، وإلى الفكر العلمي، هذه آية كونية, لا علاقة لها بموت مخلوق من خَلْقِ الله، لو كان الواحد يريد سمعة، أو يريد مكانة, لقال: هذه كرامة لي, فكلما كان الإنسان مع الحقيقة كان أعلى في نظر الله عزّ وجل. قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾ (سورة الكهف الآية: 7) أيضاً زخارف الدنيا، أيام زاهية، وأماكن خلاّبة، وبيوت جميلة، ومنتجعات، ومزارع، ومركبات فخمة، وطائرات خاصة، هذه المتع لا قيمة لها عند الله، والدليل: يأتي الموت فينهيها. لا زلنا في موضوع الابتلاء، وعلّة وجودنا على هذه الأرض, أننا مبتلون. والحمد لله رب العالمين |
| الساعة الآن 09:51 PM |
Powered by vBulletin™ Version 3.8.7
Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by
Advanced User Tagging (Lite) -
vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.