منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=5)
-   -   التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=9213)

السعيد 07-13-2018 05:03 PM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( التاسع و الثلاثون )

الموضوع : العمل الصالح يؤدي إلى التوبة والتوبة تؤدي إلى الصلح مع الله









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
التوبة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4161/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، هذا الموضوع هو "التوبة"، بل إن الحقيقة أن عنوان الموضوع ينبغي أن يكون استئناف التوبة، أو استمرار التوبة، فالمؤمن مذنبٌ تواب:

(( كُلُّ بَني آدمَ خطَّاءٌ وخيرُ الخَطَّائينَ التَّوابونَ ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
فكرحمة من الله عز وجل امتن بها علينا أنه دعانا إلى التوبة، وهناك نصوص كثيرة جداً قرآنية، ونبوية، تؤكد: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 222 ]
﴿ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾
[ سورة النساء الآية: 27 ]
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً ﴾
[ سورة الزمر الآية: 53 ]
من طبق سنة النبي الكريم في حياته فلن يعذبه الله أبداً :
لذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى:
(( يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا الذي أغفر الذنوب ولا أبالي فاستغفروني أغفر لكم ))
[ مسلم عن أبي ذر ]
وحينما قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 33 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4161/02.jpg
أي ما دامت سنة النبي قائمة في حياتنا، فنحن في مأمنٍ من عذاب الله، أما الشيء اللطيف:
﴿ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ﴾
[ سورة الأنفال ]
فأنت أيها الأخ الكريم في بحبوحتين، بحبوحة أن تكون مطبقاً لمنهج الله، وبحبوحة أنك إن لم تكن مطبقاً لمنهج الله أن تستغفر، وفي الأثر القدسي: (( وعزتي وجلالي، إن أتاني عبدي ليلاً قبلته، وإن أتاني نهاراً قبلته، وإن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً، وإن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً، وإن مشى إليًّ هرولت إليه، إن استغفرني غفرت له، إن استقالني أقلته، إن تاب إلي تبت عليه، من أقبل عليًّ تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني ناديته من قريب، ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد، ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد، ومن أراد مرادي أردت ما يريد، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب، لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها ))
[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]
أخطر شيءٍ يواجهه الإنسان أن يكتشف الحقيقة بعد فوات الأوان :
أيها الأخوة، أكبر مشكلة تواجه الإنسان أن يكون بعيداً عن الله، غافلاً عن سرّ وجوده، عن غاية وجوده، غافلاً عن المهمة التي أُنيطت به، عن الرسالة التي ينبغي أن يحملها، أن يكون غافلاً عن الدار الآخرة، أن يكون غافلاً عن أنه خُلق لجنةٍ عرضها السماوات والأرض، وأن هذه الدنيا جيء به إليها كي يدفع ثمن الجنة، فغفل عن الجنة وانغمس في ملذاتها، وعندما جاءه ملك الموت قال:
﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ* لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ ﴾
[ سورة المؤمنون]
قال: ﴿ كَلَّا ﴾
[ سورة المؤمنون الآية: 100 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4161/03.jpg
أيها الأخوة، أخطر شيءٍ يواجهه الإنسان أن يكتشف الحقيقة بعد فوات الأوان:
﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي* فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ* وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ﴾
[ سورة الفجر ]
﴿ لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾
[ سورة الفرقان ]
﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً* الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ﴾
[ سورة الكهف ]
﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾
[ سورة الزمر ]
الغافل عن الله يتمتع كما تتمتع الأنعام و النار عاقبته :
أيها الأخوة، الذي غفل عن الله يتمتع كما تتمتع الأنعام:
﴿ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4161/04.jpg
الغافل عن الله:
﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾
[ سورة الفرقان ]
الغافل عن الله: ﴿ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ ﴾
[ سورة المنافقون الآية: 4 ]
الغافل عن الله عز وجل: ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ﴾
[ سورة الجمعة الآية: 5 ]
السلامة والسعادة مطلبٌ ثابت لكل إنسان على وجه الأرض :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4161/05.jpg
أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الذاريات ]
أدق شيء في موضوع التوبة أنك ينبغي أن تعرف سرّ وجودك في الدنيا، إن عرفت سرّ وجودك صحّ عملك، وإن صحّ عملك سلمت وسعدت، والسلامة والسعادة مطلبٌ ثابت لكل إنسان على وجه الأرض، والذي يشقي الإنسان هو الجهل والجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، الآية الدقيقة جداً التي تبين علة وجودك: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾
العبادة غاية المحبة لله و الطاعة له :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4161/06.jpg
والعبادة كما تعلمون طاعةٌ طوعية، ممزوجةٌ بمحبةٍ قلبية، أساسها معرفةٌ يقينية، تفضي إلى سعادةٍ أبدية.

(( يا عبادي! إني ما خلقتكم لأستأنس بكم من وحشة، ولا لأستكثر بكم من قلة، ولا لأستعين بكم على أمرٍ عجزت عنه، إنما خلقتكم لتعبدوني طويلاً، وتذكروني كثيراً، وتسبحوني بكرةً وأصيلاً ))
[ ورد في الأثر]
خلقك له، الجماد للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، وأنت لمن؟ أنت للواحد الديان.
أيها الأخوة، حينما تختار الدنيا تلغي إنسانيتك، حينما تختار الدنيا تلغي المهمة التي أنيطت بك، فلذلك أن تعرف سرّ وجودك، وغاية وجودك، وعلة وجودك، وأن تعرف أنك مخلوقٌ للجنة، عندئذٍ تسعى إليها. (( ابن آدم خلقت لك ما في السماوات والأرض من أجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك ))
[ ورد في الأثر]
(( إذا رجع العبد العاصي إلى الله، نادى مناد من السماوات والأرض أن هنئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله ))
[ ورد في الأثر]
السعادة التي يدركها التائب من ذنبه :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4161/07.jpg
أيها الأخوة الكرام، ما من سعادةٍ تغمر قلب الإنسان حينما يدركها كالسعادة التي تغمر قلبه حينما يتوب، والله كأن جبالاً أزيحت عن صدره.

(( التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ ))
[ أخرجه ابن ماجه عن عبد الله بن مسعود ]
(( لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ، ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي))
[ الترمذي عن أنس بن مالك]
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء الآية :27 ]
من تاب إلى الله نجا من عذابه و لكنه لا يقطف ثمار التوبة الجماعية :
أيها الأخوة الكرام، هناك نقطة دقيقة تتضح من خلال هذه الآية، قال تعالى:
﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
[ سورة النور الآية: 31 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4161/08.jpg
ماذا تعني كلمة جميعاً؟ للتوضيح: لك خمسون صديقاً، ومعك هاتف جوال، و هم لا يملكون هذا الهاتف، ما قيمة هاتفك؟ أما حينما يكون مع أصدقائك هواتف جوالة كما هو معك تشعر بقيمة هذا الهاتف، أنت بإمكانك أن تتصل مع كل واحدٍ منهم في أي لحظة.
نحن ماذا يحصل؟ إذا الإنسان تاب وحده ينجو، لكن لا تقطف ثمار هذا الدين، اجلس في مكان جميع النساء محجبات، تعرف ما معنى الحجاب، ما معنى أن الإنسان ينصرف إلى عمله؟ والطالب إلى دراسته؟ والتاجر إلى تجارته؟ والموظف إلى عمله؟ حينما ينصرف الناس إلى بناء أمتهم ترقى الأمة، أما إذا أشغلناهم بالجنس صباحاً ومساءً، وظهراً، وعصراً، وليلاً، وفي أثناء العمل هناك جنس، ما الذي يحصل؟ تفسد الحياة فلذلك: ﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة النور ]
أحياناً هناك من يكون في بيئة فيها تفلت شديد، ويستقيم، وله أجر كبير، وينجو عند الله، ولكن لا يقطف المجتمع ثمار التوبة الجماعية، التوبة الجماعية أن الناس صادقون، أن الناس أمناء، أن الناس طيبون، أن الناس منصفون، لا يغدرون، العيش في هذا المجتمع شيء جميل جداً، لذلك قيل: (( إذا كانَت أُمراؤُكم خيارَكم، وأغنياؤُكم سُمحاءَكم، وأمورُكم شورَى بينكم فَظَهْرُ الأَرضِ خَير لكم من بطنها، وإذا كانت أمراؤُكم شِرارَكم، وأغنياؤُكم بُخَلاءَكم، وأُمورُك إلى نسائكم، فبطنُ الأَرض خير لكم من ظهرها ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
الله عز وجل ما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا :
أيها الأخوة،
﴿ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4161/09.jpg
أمر، وكل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، والمؤمن كثير التوبة، أي كمنهج للنبي الكريم يأمرنا أن نأخذ به:
(( إني لأتوب إلى الله في اليوم مئة مرة ))
[ البزار عن أنس ]
عن كل خاطر، عن كل شيء، فالله عز وجل تواب رحيم، بل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
بل ينتظرنا أن نتوب إليه، بل إن بعضهم قال: ما أمرنا أن نتوب إليه إلا ليتوب علينا، وما أمرنا أن نستغفره إلا ليغفر لنا، وما أمرنا أن ندعوه إلا ليجيبنا، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾
أحاديث دقيقة جداً متعلقة بالتوبة :
والحقيقة من الأحاديث الدقيقة جداً المتعلقة بالتوبة:
(( لَلَّهُ أَفْرَحُ بِتوبةِ عَبدهِ المؤمن مَنْ رجلٍ نزلَ في أرض دَوِّيَّةٍ مُهلِكَةٍ، معه راحلتُهُ فَطلبها، حتى إذا اشتدَّ عليه الحرُّ والعطشُ أو ما شاءَ اللّه، قال: أرْجِعُ إلى مكاني الذي كُنْتُ فيهِ فأنامُ حتى أموتَ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4161/10.jpg
مرة حدثنا أستاذ في الجامعة، في كلية الآداب، قال: إنكم لن تتذوقوا الشعر الجاهلي إلا إذا عشتم في الصحراء عشرة أيام، أي إذا فقد إنسان ناقته في الصحراء، موته محقق مئة بالمئة، فهذا حينما فقد ناقته أيقن بالموت:
(( قال : أرْجِعُ إلى مكاني الذي كُنْتُ فيهِ فأنامُ حتى أموتَ، فوضعَ رأسهُ على ساعدِهِ ليمُوتَ فاستيقظَ، فإذا راحلتُهُ عندهُ، عليها زادُهُ وشَرابُهُ، ثم قال من شِدَّة الفرح: اللهم أنت عَبْدي وأنا ربكَ، يقول النبي عليه الصلاة والسلام: فاللّهُ أَشدُّ فَرحا بتوبةِ العبد المؤمنِ من هذا بِراحلتهِ وزادِهِ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
أرأيتم إلى وصفٍ دقيق يعبر عن محبة الله لك حينما تتوب؟. (( فاللّهُ أَشدُّ فَرحا بتوبةِ العبد المؤمنِ من هذا بِراحلتهِ وزادِهِ ))
لذلك هناك حديث دقيق جداً، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إن الله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والظمآن الوارد، والعقيم الوالد ))
[ذكره السيوطي في الجامع الصغير عن أنس]
الذي لم ينجب لمدة عشرين عاماً، ثم حملت زوجته، وأنجب، كم فرحه؟ (( إن الله أفرح بتوبة عبده من الضال الواجد، والظمآن الوارد، والعقيم الوالد ))
التوبة علمٌ وحالٌ وعمل :
أيها الأخوة، الموضوع دقيق، التوبة علمٌ، وحالٌ، وعمل، علم: الذي لم يحضر مجالس العلم، لا يعرف الحلال والحرام، ممَ يتوب؟ يقول لك: لا نعمل شيئاً، لأنه يقترف الكبائر ولا يدري، ما الذي يخبرك أنه ينبغي أن تتوب؟ العلم، أنت حينما تجلس في مجلس علم، وتعرف الحق والباطل، والخير والشر، والحرام والحلال، يمكن أن تتوب، أي أنت حينما تدرس قواعد اللغة العربية، يمكن إذا استمعت إلى من يقرأ نصاً من كتاب، يمكن أن تكشف أنه أخطأ، أو أصاب، أما إذا كنت لم تدرس هذه اللغة، وارتكب مئة خطيئة لا تدري، فأنت لن تكشف خطأك إلا إذا طلبت العلم.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4161/11.jpg
مثلاً إنسان معه ارتفاع ضغط، متى يعالج هذا الارتفاع؟ جواب بسيط جداً: إذا علم أن ضغطه مرتفع، إن لم يعلم كيف يعالج هذا الضغط المرتفع؟
وهذا الإنسان إن لم يعلم الحلال والحرام كيف يتوب؟ فالتوبة أساسها علم، اطلب العلم كي تتوب، كي تتوب من هذه العلاقة المالية المشبوهة، اطلب العلم كي تتوب من هذه العلاقة الاجتماعية الخاطئة، هناك علاقات اجتماعية خاطئة، هناك صفقة محرمة، هناك بضاعة محرمة، هناك طريقة في البيع والشراء محرمة، متى تكشف الحقيقة؟ إذا طلبت العلم.
لذلك من دخل السوق من دون فقهٍ أكل الربا شاء أم أبى، أنا أستغرب أحياناً الإنسان يجعل طلب العلم من نوافل العمل، إذا وجد وقت فراغ، الأصل أن تطلب العلم، إنك إن طلبت العلم عرفت الحق والباطل، والخير والشر، والحلال والحرام، عرفت سرّ وجودك، وغاية وجودك، الجهل أعدى أعداء الإنسان، والجاهل يفعل في نفسه ما لا يستطيع عدوه أن يفعله به، هذا العلم، اطلب العلم من أجل أن تتوب، من أجل أن تعرف أين الخلل؟ أين الخطأ؟ أحياناً الخطأ في كسب المال، عقاب المال الحرام إتلاف المال، فأنت في حيرة، يقول لك إنسان: أينما ذهبت الطريق مسدود، طبعاً، عندك علة كبيرة جداً ما عرفتها، هذا العلم.
أما الحال، لابد من توضيح: إنسان يمشي في بستان، وجد ثعباناً، علاقته مع الثعبان وفق قانون، إدراك، انفعال، سلوك، أما إذا قال إنسان لآخر: على كتفك عقربٌ شائلة، بقي هادئاً، مرتاحاً، مبتسماً، وقال له: شكراً لك على هذه الملاحظة، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يُمكنني أن أثيبك عليها، هل سمع ماذا قلت له؟ ما سمع، لو سمع، أو فهم، لقفز، ورفع صوته، وخلع معطفه، لكن لم يفهم، فإن لم يكن هناك انفعال شديد، لم يكن هناك إدراك صحيح، فليس هناك سلوك، السلوك أساسه الانفعال، والانفعال أساسه الإدراك، إدراك، انفعال، سلوك، هذا نظام وقانون، ذكره أحد كبار علماء الاجتماع، تدرك، فتنفعل، فتتحرك، أدرك أن هذا ثعبان، الإدراك جعله يضطرب ويخاف، واضطرابه وخوفه حمله على أن يهرب، أو أن يقتله، حينما لا ترى سلوكاً المعنى أنه لا يوجد انفعال، وحينما لا ترى انفعالاً حقيقياً لا يوجد إدراك، وهذه مشكلة، فاجعل هذا القانون ديدنك، لذلك التوبة علمٌ، وحالٌ، وعملٌ، العمل متعلق بالماضي، والحاضر، والمستقبل، بالماضي ندم وعزم على أن يصحح الخطأ الماضي، والحاضر إقلاعٌ عن هذا الذنب، والمستقبل عزيمةٌ ألا يعود إليه، فالتوبة علم، وحالٌ، وعمل، وقد لخصها النبي صلى الله عليه وسلم بكلمة واحدة، فقال:
(( الندم توبة ))
[ أخرجه البزار وابن حبان والحاكم عن أنس بن مالك ]
أي أدرك فندم، فلما ندم تحرك، أدرك، فندم، فتحرك، علمٌ، وحالٌ، وعمل. الإسلام في حقيقته امتناع عن الخطأ و خدمة للناس :
أيها الأخوة، أنت حينما تؤمن أن:
(( ترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد الإسلام ))
[ ورد في الأثر]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4161/12.jpg
الإسلام في حقيقته امتناع عن الخطأ، والإسلام في حقيقته خدمة للناس، لذلك سيدنا ابن عباس ـ رضي الله عنه ـ كان معتكفاً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى رجلاً كئيباً، قال له: ما لي أراك كئيباً؟ قال له: ديون لزمتني، لا أطيق سدادها، قال له: لمن؟ قال له: لزيدٍ أو عبيد، قال له: أتحب أن أكلمه لك؟ قال له: إذا شئت، فقام من معتكفه، فقال له أحدهم: يا بن عباس أنسيت أنك معتكف؟ قال: لا والله، ولكنني سمعت صاحب هذا القبر ـ والعهد به قريب، وبكى ـ والله لأن أمشي مع أخٍ في حاجته، خيرُ لي من صيام شهرٍ، واعتكافه في مسجدي هذا، أي الدين امتناع.
(( ترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد الإسلام ))
والدين عمل صالح، لأن أمشي مع أخٍ في حاجته، خيرٌ لي من صيام شهرٍ واعتكافه في مسجدي هذا: (( الخلق عيال الله فأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله ))
[ أخرجه أبو يعلى والبزار عن أنس بن مالك ]
أيها الأخوة، سيدنا عمر كان مع عبد الرحمن بن عوف في المدينة، فرأى قافلةً، فقال سيدنا عمر لعبد الرحمن: تعال نحرس هذه القافلة، طفل بكى، عندما بكى، قال لأمه: أرضعيه، بكى ثانيةً، قال لها: أرضعيه، بكى ثالثةً، فغضب سيدنا عمر، قال: أرضعيه، هي غضبت، قالت له: وما شأنك بنا، إني أفطمه، فسألها لِمَ تفطميه؟ قال: لأن عمر لا يعطي العطاء إلا بعد الفطام، ليس مع الولادة، تروي الروايات أنه بكى، وضرب جبهته، وقال: ويحك يا بن الخطاب كم قتلت من أطفال المسلمين؟ وحينما صلى الفجر، لم يستطع أصحابه أن يسمعوا قراءته من شدة البكاء، وهو يقول: "ربي هل قبلت توبتي فأهنئ نفسي، أم رددتها فأعزيها؟".
فالإنسان حينما يدرك أن هناك حساباً دقيقاً، و سؤالاً، و دقة بالغة في الحساب، والله ما من قطرة دمٍ تراق في الأرض، من آدم إلى يوم القيامة، إلا ويتحملها إنسان يوم القيامة: ﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾
[ سورة القيامة ]
﴿ أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
التوبة رحمة الله بالإنسان :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4161/13.jpg
الإنسان يا أخوان، ما دام القلب ينبض، ما دام هناك بقية في الحياة، لنبادر إلى التوبة، والتوبة رحمة الله:

(( لو جئتني بملء الأرض خطايا عفرتها لك ولا أبالي ))
[حديث قدسي رواه الترمذي والضياء والدرامي وأحمد وله شواهد أوردها الألباني في السلسلة الصحيحة]
والله ينتظرنا، و ﴿ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾
﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾






والحمد لله رب العالمين



السعيد 07-13-2018 05:05 PM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الاربعون )

الموضوع : استئناف التوبة







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
استئناف التوبة :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوع التوبة، كموضوعٍ كبير من: "سبل الوصول علامات القبول"، ولكن هذه المرة الموضوع معكوس، بمعنى أنه كما أن الإسلام أول، ثم الإيمان، ثم الإحسان، وحينما قال الله عز وجل:
﴿ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 131 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4162/01.jpg
سيدنا إبراهيم:
﴿ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
هناك إسلام يعد بداية الطريق، وإسلام يعد نهاية الطريق، كذلك الإنسان في أول مدارج السالكين يتوب إلى الله، التوبة أولاً، وفي نهاية منازل السائرين يتوب إلى الله، فالتوبة تأتي أولاً، وتأتي آخراً، والإسلام يأتي أولاً، ويأتي آخراً، ونحن مع موضوعٍ متعلقٍ بالموضوع الأول، وهو التوبة، ولكن بتفصيلٍ آخر، استئناف التوبة، الآية الكريمة: ﴿ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة التوبة ]
أي التوبة هنا قبول عملهم، نجاتهم في الدنيا والآخرة، فكما أن التوبة تأتي في بداية الطريق، التوبة هي نهاية المطاف. التوبة تتوج العمل الصالح الذي يعمله الإنسان :
أيها الأخوة، الإنسان يتوب ليصلي، لكن في النهاية يصلي ليتوب، يتوب بمعنى قَبِل الله صلاته:
﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾
[ سورة التوبة الآية: 118 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4162/02.jpg
إذا جاءت توبة الله قبل توبة الإنسان، أي ساق لهم من الشدائد ما يحملهم بها على التوبة، فإذا جاءت توبة الله بعد توبة الإنسان، أي قَبِل توبتهم،
﴿ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ﴾
ساق لهم من الشدائد ما حملهم بها على التوبة، الآن تابوا فتاب عليهم، أي قَبِل توبتهم.
إذاً المؤمن يتوب إلى الله دائماً، يستغفره دائماً، التوبة ليست حدثاً واحداً، التوبة مستمرة، بل إن التوبة تتوج العمل الصالح الذي يعمله الإنسان، مثلاً: الله عز وجل وصف سيدنا إبراهيم فقال: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾
[ سورة النجم ]
هل وفيت ما عليك؟ قال تعالى: ﴿ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
أما إبراهيم، ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾
وفى ما عليه، لا يوجد وصف أروع من هذا الوصف، أي وجدك الله وفياً، وجدك تائباً، وجدك مخلصاً: ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾
[ سورة النساء الآية: 27 ]
أن يقبل عملكم، اجعلوه مخلصاً. من شروط قبول العمل الإخلاص و الصواب :
العمل لا يقبل إلا بشرطين، إلا إذا كان خالصاً، وصواباً، خالصاً: ما ابتغي به وجه الله، وصواباً: ما وافق السنة، العمل لا يقبل إلا إذا كان خالصاً، وصواباً، خالصاً: ما ابتغي به وجه الله، وصواباً: ما وافق السنة.
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
فرقٌ كبير. خيار الإنسان مع الإيمان خيار وقت فقط :
أيها الأخوة، إذا قال الله عز وجل يخاطب سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، يقول له: ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
[ سورة طه ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4162/03.jpg
أنت لي، أنت لمن أيها المؤمن؟ التراب للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان، والإنسان لمن؟ لله للواحد الديان، حينما تكون لغير الله تحتقر نفسك:
﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 130 ]
أنت بحياتك أحياناً ترفض آلاف الأشياء احتقاراً لها، ترفض هذا البيت الصغير، هذا البيت التي تحت الأرض، هذا البيت البعيد، ترفض هذه الفتاة الغير المثقفة، الغير دينة، ترفضها كزوجة، أنت ترفض ملايين الأشياء احتقاراً لها، إلا أنك إذا رفضت الدين تحتقر نفسك، ﴿ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ ﴾
وأنت مع ملايين الموضوعات معك خيار قبول، أو رفض، لكنك مع الإيمان معك خيار وقت فقط، كيف؟ أكفر كفار الأرض الذي قال: ﴿ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى ﴾
[ سورة النازعات ]
والذي قال: ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي ﴾
[ سورة القصص الآية: 38 ]
عند الموت قال: ﴿ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ ﴾
[ سورة يونس الآية: 90 ]
معنى ذلك خيارك مع الإيمان خيار وقت فقط، فإما أن تؤمن قبل فوات الأوان، وأن تنتفع بإيمانك، أو لابدّ من أن تؤمن بعد فوات الأوان، أنت عبد، إما أن تكون عبداً لله، فعبد الله حر، وعبد الله عزيز النفس، وإما أن تكون عبداً لعبدٍ لئيم.
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
* * *

إما أن تكون عبداً لله، وإما أن تكون عبداً لعبدٍ لئيم، هؤلاء الذين استنكفوا أن يعبدوا الله أمام الأقوياء صغار ينبطحون. (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
التوبة بداية مدارج السالكين ونهاية منازل السائرين :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4162/04.jpg
أيها الأخوة، إذاً التوبة بداية مدارج السالكين، والتوبة نهاية منازل السائرين، الآية الكريمة:

﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾
[ سورة النصر ]
هذه السورة من أدق ما تؤكد هذه الحقيقة، في نهاية المطاف، ﴿ جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾
ودخل الناس ﴿ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾
التولي و التخلي :
أيها الأخوة، الحقيقة أن هناك مرضاً كالإخطبوط، ينتظر الناجحين في الحياة، قلت لكم مرةً: طريق القمة صعبةً جداً، أكمات، وصخرات، وحفر، و وهاد، وتلال، وغبار، وحر، وقر، تبذل جهداً يكاد يكون فلكياً كي تصل إلى القمة، أما النزول من هذه القمة فيتم بثاني، إذا أصابك الغرور، فالبطولة لا أن تصل إلى القمة، أن تبقى فيها، فلذلك الناجح بحياته، الناجح بدعوته، الناجح بتجارته، الناجح بصناعته، ينتظره مرضٌ خطير، هو الغرور، حينما تقول: أنا، يتخلى الله عنك، تقول: الله، يتولاك، الصحابة الكرام قمم البشر، بل نخبة البشر، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: (( إن الله اختارني واختار لي أصحاباً ))
[ أخرجه الطبراني عن عويم بن ساعدة ]
هؤلاء في بدر قالوا: الله: ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 123 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4162/05.jpg
أي مفتقرون إلى الله، فانتصروا نصراً استحقاقياً، هم هم، وفيهم سيد الخلق وحبيب الحق، في حنين قالوا:
(( لن نغلب اليوم من قلة ))
[ أخرجه البزار عن أنس بن مالك ]
فتخلى الله عنهم: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾
[ سورة التوبة الآية: 25 ]
هذا الدرس أيها الأخوة، نحتاجه جميعاً كل ساعة، تقول: الله، يتولاك، تقول: أنا بمعلوماتي القيمة، بخبراتي المتراكمة، باختصاصي النادر، بأسرتي العريقة، بمنصبي الرفيع، بمالي الوفير، إذا قلت: أنا، تخلى الله عنك، هذا هو درس التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد. بطولة الإنسان أن يقرأ ما بين السطور :
في نهاية المطاف:
﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾

<سيدنا عمر بن الخطاب، كان يكرم ابن عباس كثيراً، يبدو أن بعض الصحابة أخذوا عليه مأخذاً، طفل صغير، فأراد أن يعطيهم درساً، سأله أمامهم عن هذه السورة، ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ﴾
فقال: هي نعوة النبي، والنبي حينما نزلت عليه هذه السورة، عرف أنه قد دنا أجله، ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4162/06.jpg
بالمناسبة في الأدب ما يسمى بالتراجيديا والكوميديا، أي مأساة وملهاة، العظماء حينما يؤدون رسالتهم، تنتهي حياتهم، لذلك التراجيديا تنتهي بالموت، موت البطل، أما الكوميديا فتنتهي بالزواج، والصغار متعتهم هي هدفهم، فإذا تزوج هذه التي أحبها حلت كل مشكلاته، فالملهاة تنتهي بالزواج، أما المأساة فتنتهي بالموت.
فحينما أدى النبي رسالته، انتهت حياته، ﴿ إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً ﴾
مثلاً: يمكن أن تسأل إنساناً يحمل دكتوراه في الآداب، هل تقرأ؟ مستحيل، يمكن أن تسأله هل تقرأ ما بين السطور؟ هناك فرق، القراءة الأولى قراءة محو أمية، أما قراءة إنسان يحمل دكتوراه فقراءة ما بين السطور، والآن الناس يتفاوتون لا بقراءة النص، يقول لك: ما بين السطور، لا بسماع الخبر، ماذا يعني هذا الخبر؟ من هنا كان التحليل السياسي، هناك تحليل للأحداث، يقول لك: هذا العرض العسكري رسالة إلى الدولة الفلانية، هذه المناورات على الحدود رسالة إلى الدولة الفلانية، هناك من يقرأ الخبر بعمق. الإنسان كل عمله يعد سبب دخول الجنة ولا يعد ثمن دخولها :
أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام: (( لَنْ يُدْخِلَ أحَدَكُم عَمَلُهُ الجَنَّةَ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عائشة أم المؤمنين ]
فاعل مؤخر: (( قالوا: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يَتَغَمَّدَني اللهُ بِمَغْفِرَةٍ ورَحْمَةٍ))
[ أخرجه البخاري عن عائشة أم المؤمنين ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4162/07.jpg
الحقيقة تتمة الحديث:
(( فسددوا، وقاربوا، ولا يتمنين أحدكم الموت، إما محسناً، فلعله أن يزداد خيراً وإما مسيئاً، فلعله أن يستعتب ))
[ أخرجه البخاري عن عائشة أم المؤمنين ]
أريد أن أوضح مثلاً دقيقاً هذه قضية تحتاج إلى شرح، أنه كيف النبي الكريم وهو سيد الخلق لا يدخل الجنة بعمله مع أن الله عز وجل يقول: ﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة النحل ]
فيأتي الحديث ليقول: لا، القضية ليست بالعمل، أريد أن أوضح لكم: بيت ثمنه مئة وثمانون مليوناً، ثمن مفتاحه عشرون ليرة، فأحياناً إنسان يصنع مفتاحاً لهذا البيت ويدخل به، هذا المفتاح لا يساوي ثمن البيت، هذا لا يساوي شيئاً أمام البيت، فأنت حينما تستقيم، وحينما تصلي، وحينما تصوم، وحينما تحج البيت، وحينما تغض بصرك، وتؤدي زكاة مالك، وتحرر دخلك، وتربي أولادك، مجمل عملك بمثابة مفتاح لهذه الجنة، لذلك في بعض النصوص: (( ادخلوا الجنة برحمتي وتقاسموها بأعمالكم ))
[ ورد في الأثر]
مثل آخر: أب قال لابنه: يا بني إذا نلت الدرجة الأولى في الصف الثامن، لك مني أغلى دراجة، فهذا الابن نال الدرجة الأول، فتوجه مباشرةً إلى بائع الدراجات، قال له: أعطيني هذه الدراجة، لن يعطيه، لابد من دفع ثمنها من قبل الأب، أنت أتيت بسبب شراء هذه الدراجة، السبب عند والدك، وليس عند بائع الدراجات.
فالإنسان كل عمله يعد سبب دخول الجنة، سبب، ولا يعد ثمن دخول الجنة، فأي إنسان يتوهم أن عمله كاف لدخول الجنة يحتاج إلى توبة، هذا ذنب كبير، أن تتوهم أن عملك كاف، أنا محسن كبير، أنا إنسان فعلت عملاً عظيماً، هذا هو الشرك الخفي، لذلك التوبة تأتي في نهاية المطاف.
لذلك قالوا: رب معصيةٍ أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً. تناقض الكِبر مع العبودية :
أحياناً الإنسان ضعيف التوحيد، يرى له عملاً كبيراً، هذا العمل ربما كان حجاباً بينه وبين الله. (( لو لم تُذْنِبوا لَخَشيِتُ عليكم ما هُوَ أَشدّ منه ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4162/08.jpg
ما الذي هو أكبر من الذنب؟ العُجب، مثلاً إنسان جاءه ضيوف كثر، لا يوجد عنده شيء، عنده كمية لبن قليلة، يضيف لها خمسة أمثالها ماء، يعملها شراباً مع الثلج، شيء نفيس جداً، هذه الكمية من اللبن لو وضع فوقها قطرة نفط، قطرة واحدة، فسد، فالكبر يتناقض مع العبودية، لذلك المستكبر لا يدخل الجنة.
((لا يدْخُلُ الجنةَ مَنّ كان في قلبه مثقالُ حبَّة من كِبْر ))
[ أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
أنت عبد لله عز وجل، فكلما زادك الله علماً، أو فضلاَ، أو عملاَ، ينبغي أن تزداد تواضعاً له عز وجل، فلذلك من علامات المتفوقين عند الله التواضع، يقول الإمام الشافعي: "كلما ازددت علماً ازددت علماً بجهلي": ﴿ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 255 ]
من أقامه الله بعمل صالح عليه أن يذوب محبة له :
أيها الأخوة، مرة إنسان محسن، قدم بيتاً لجمعية خيرية، الجمعية تستقبل الفتيات الفقيرات، يتعلمن في هذه الجمعية فن الخياطة الرفيع، تُقدم لها آلة خياطة، وتعمل من أجل ألا تبقى متسولة، أي تحول الفقيرات إلى عاملات، جمعية طيبة جداً، الذي قدم هذا البيت أُقيم له حفل تكريمي، أحد الخطباء ماذا قال؟ قال له: أيها المحسن الكبير، كان من الممكن أن تكون أحد المنتفعين بجمعيتنا، فتقف في صفٍ طويل، ومعك هويتك، لتأخذ قبل أيام عيد الفطر مبلغ ثلاثمئة ليرة مع التوقيع والبصم، أي إذا إنسان من الأخوة الكرام سمح الله له أن يعطي لا أن يأخذ هذا من فضل الله عليه، من الممكن أن تأخذ ولو كنت ذكياً. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4162/09.jpg

(( ولا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنكَ الجَدُّ ))
[ أخرجه مسلم والنسائي عن عبد الله بن عباس ]
مع الله لا يوجد ذكي يوجد مستقيم، فإذا إنسان أقامه الله عز وجل بعمل صالح، أو أقامه بعمل ناجح، أو أقامه بتجارة، أو أقامه بدخل معقول، يجب أن يذوب محبةً لله، كان من الممكن أن يمد يده للناس.
إنسان جالس مع زوجته، يأكل الدجاج، طرق الباب، كان متسولاً، فالزوجة همت أن تعطيه قطعةً من الدجاج ليأكلها، فنهرها، وقال: اطرديه، والقصة طويلة ساءت العلاقة بينهما حتى طلقها، وأكرمها الله بزوجٍ آخر، جالسة مع الثاني، تأكل الدجاج، طُرق الباب قال: انظري من الطارق، رجعت مضطربة، قال لها: ما الذي حصل؟ قالت له: سائل، قال لها: من هو، قالت له: إنه زوجي الأول، قال لها: أتدرين من أنا؟ أنا السائل الأول؟ الإنسان إذا استكبر، الله عز وجل: ﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾
[ سورة البروج ]
إياك أن تتكبر. من شهد عمله فقد أشرك :
أيها الأخوة، بعض علماء القلوب قالوا: من شهد عمله فقد أشرك، قال لك: أنا، مثلما قال قارون، حصّلت هذا المال بجهدي، بتعبي، وعرق جبيني، أي:
﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
[ سورة القصص الآية: 78 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4162/10.jpg
المؤمن الصادق الذي استنار قلبه يقول لك: الله أكرمني بهذه الشهادة، أكرمني بهذه التجارة، أكرمني بهذه الزوجة، أكرمني بالأولاد، أكرمني بهذا البيت، لا يقولها تأدباً يقولها واقعاً، حقيقةً، فالمؤمن يرى فضل الله عليه، وغير المؤمن يرى جهده، وعمله، فيكون حجاباً بينه وبين الله، لذلك من يحتاج إلى التوبة؟ الناجحون:
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
النبي عليه الصلاة والسلام دخل مكة فاتحاً، دخلها مطأطئاًً رأسه حتى كادت ذؤابة عمامته تلامس عنق بعيره، تواضعاً لله.
سيدنا عمر، عبقري هذه الأمة، وهو على المنبر يخطب، قطع الخطبة فجأةً وقال: يا عمر، كنت راعياً ترعى إبلاً لبني مخزوم، على قراريط بمكة، لا علاقة لهذا الكلام بالخطبة، يخطب في المسلمين، أمير المؤمنين، يا عمر: كنت راعياً ترعى الإبل، بقراريط لبني مخزوم، وتابع الخطبة، فلما نزل، سأله سيدنا أبو ذر الغفاري، يا أمير المؤمنين، هذا الذي قلته ماذا يعني؟ قال له: جاءتني نفسي، فقالت لي: ليس بينك وبين الله أحد، أنت قمة المجتمع الإسلامي، فأردت أن أعرفها قدرها.
إنسان منا أكرمه الله بشيء، عليه أن يتذكر قبل ثلاثين سنة ماذا كان يعمل؟ عمل في محل تجاري، الله أكرمك، جعل معك شهادة عليا، معك تجارة ناجحة، فكلما تذكر الإنسان أصله يتواضع، وكلما نسي أصله يتكبر.
سيدنا عمر بن عبد العزيز طلب من أحد الكبار اسمه عمر بن مزاحم، قال له: يا عمر كن معي دائماً، فإذا رأيتني ضللت فأمسكني من تلابيبي، وهزني هزاً شديداً وقل لي: اتقِ الله يا عمر، فإنك ستموت. بطولة الإنسان أن يدخل مدخل صدق و يخرج مخرج صدق :
أنا أركز على التوبة بعد النجاح، هناك خطورة كبيرة جداً بعد النجاح، خطورة الغرور، الكِبر، لذلك كلما دخل سيدنا عمر بن عبد العزيز مجلس الخلافة يتلو هذه الآية، آية دقيقة جداً:
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ* ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ* مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾
[ سورة الشعراء]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4162/11.jpg
لذلك قال تعالى:
﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 80 ]
القرآن موجز، هناك إيجاز بلاغي، لو أن الله قال: رب اجعلني صادقاً، أحياناً تبدأ بمشروع وأنت صادق، في منتصفه تأتيك أموال طائلة، أحياناً إنسان ينشئ مستشفى خيرياً بعد حين تأتيه الجلطة من الفاتورة، أي صار الرقم غير معقول، شعر أنه يمكن أن يربح أرباحاً فلكية، نسي أن هذا مشروع خيري بالأساس، فأحياناً إنسان يدخل ﴿ مُدْخَلَ صِدْقٍ ﴾
ولكن أحياناً لا يخرج ﴿ مُخْرَجَ صِدْقٍ ﴾
فالآية دقيقة جداً، بأي مشروع، بأي عمل، قد تبدأ المشروع وأنت مخلص، وتنوي فعل لخير، البطولة أن ينتهي كذلك: ﴿ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَاناً نَصِيراً ﴾
[ سورة الإسراء ]
أيها الأخوة الكرام، كما أن بداية مدارج السالكين أن تتوب إلى الله، نهاية منازل السائرين أن تتوب إلى الله، فالتوبة في البداية، وفي النهاية، بل التوبة مستمرة، والإنسان حينما يألف أن يتوب دائماً، هو مع الله دائماً.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-14-2018 07:51 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الواحد و الاربعون )

الموضوع : اجتناب الكبائر




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الكبائر :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ولكن طبيعة هذا الموضوع طبيعة سلبية، بمعنى أن هناك موضوعات تعد أصلاً في الوصول، وهناك موضوعات أخرى تعد في أصلاً في عدم الوصول، فما دام الحديث في اللقاءات السابقة عن التوبة، فهناك موضوع الكبائر، الكبائر من أخطر الموضوعات التي تتناقض مع الوصول إلى الله عز وجل.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4163/01.jpg
نحن في النظام المدني عندنا مخالفات، مخالفة سير، وجريمة قتل، فرقٌ كبير بين مخالفة السير، وبين جريمة القتل، نسمي بالمصطلح الشرعي جريمة القتل كبيرة، ونسمي مخالفة السير صغيرة، فالموضوع اليوم هو "الكبائر"، لذلك من أدق الآيات في هذا المعنى قوله تعالى:
﴿ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾
[ سورة القصص ]
للتقريب: إنسان حُكم عليه بالإعدام، وعليه مخالفة سير، يعفى من مخالفة السير، لأنه سيعدم. ﴿ وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾
في الإسلام مخالفات بسيطة، صغائر، مخالفات أكبر أكبر أكبر إلى أن نصل إلى الكبائر. أساليب الشيطان لإبعاد الإنسان عن الرحمن :
لكن بالمناسبة: الشيطان يوسوس للإنسان، يوسوس له بالكفر، فإن وجده على إيمان يوسوس له بالشرك، فإن وجده على توحيد يوسوس له بالكبائر، فإذا وجده على طاعة يوسوس له بالصغائر، فإذا وجده على ورع، بقي معه ورقتان رابحتان، يوسوس له بالتحريش بين المؤمنين http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4163/02.jpg
فالخلافات، وتراشق التهم، والتكفير، والتبديع، والتشريك، هذا من عمل الشيطان، وعندنا قاعدة مهمة جداً، حدث خطير وقع، لصالح من؟ إذا عرفنا لصالح من نتهم هذه الجهة التي كان هذا العمل لصالحها، إذاً التفرقة بين المؤمنين لصالح من؟ لصالح الشيطان، وأعداء الدين، فأي إنسان يشق صفوف المسلمين، يفرق بينهم، يجعلهم شيعاً وأحزاباً، يضعف قوتهم، فهو يعمل لصالح الشيطان.
إذاً هناك موضوعات تتناقض مع الوصول إلى الله، فإذا لم يستطع الشيطان أن يوسوس، وأن يقنع، وأن يحمل الإنسان على الكفر، وعلى الشرك، وعلى الكبائر، وعلى الصغائر، بقي معه ورقتان رابحتان، الأولى: التحريش بين المؤمنين، والثانية: المباحات، يغرق في المباحات، إلى أن يوافيه الأجل، وهو غارقٌ في المباحات، هذه من أساليب الشيطان لإبعاد الإنسان عن الرحمن.
تفاوت المعاصي من صغيرةٍ إلى كبيرة :
إذاً تتفاوت المعاصي من صغيرةٍ إلى كبيرة، الآن بالضبط كيف نفهم الكبائر والصغائر؟ أقول: طريقٌ عرضه ستون متراً، عن يمينه وادٍ سحيق، وعن يساره وادٍ سحيق، والإنسان يركب مركبة على هذا الطريق، ما الصغيرة؟ أن تحرف المقود سنتمتر، هذا الانحراف لو استمر لكان المصير إلى الوادي، هذه الصغيرة، لذلك ورد في بعض الأحاديث:
(( لا صغيرة مع الإصرار ))
[ أخرجه الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4163/03.jpg
لو أن حرف المقود سنتيمتراً واحداً وثبته، فالمركبة تنتقل من وسط الطريق إلى اليمين إلى اليمين إلى اليمين، إلى الوادي. (( لا صغيرة مع الإصرار ))
أما الكبيرة أن تحرف المقود تسعين درجة، إلى الوادي فوراً، لكن لأن الطريق عريض، بإمكانك أن تتلافى السقوط في الوادي بإرجاعه. (( لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار ))
[ أخرجه الحارث عن أبي هريرة وعبد الله بن عباس ]
الكبائر إذا تبت منها أصبحت صغائر، والصغائر إذا أصررت عليها أصبحت كبائر، (( لا صغيرة مع الإصرار ))
السنتيمتر الواحد لو ثبت إلى الوادي، والكبيرة إذا أدركت أنها كبيرة، فأرجعت المقود كما كان بقيت على الطريق. الصغائر و الكبائر تحجب الإنسان عن الله عز وجل :
أيها الأخوة، الحقيقة الدقيقة والثابتة أن أية مخالفةٍ تحجبك عن الله، لكن دقق في هذا المثل: بيت فيه عشرات الأجهزة الكهربائية، ثلاجة، مكيف، مسجلة، مروحة، ميكروويف، كل هذه الأجهزة إذا قُطع التيار لا معنى لها إطلاقاً، لو قُطع التيار ميلي متراً واحداً جميع الأجهزة معطلة، ولو قُطع متراً جميع الأجهزة معطلة، فالقطع قطع، بصغيرةٍ أو بكبيرة، والوصل وصل.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4163/04.jpg
فالبطولة أن تكون موصولاً بالله عز وجل، لا أن تحجب عن الله بالصغائر، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يخشى على أمته من الصغائر، من:
(( محقرات الذنوب ))
[ أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن سهل بن سعد ]
بصراحة معظم المسلمين لا يقتلون، ولا يزنون، ولا يشربون الخمر، لكن ما الذي يحجبهم عن الله؟ (( محقرات الذنوب ))
الصغائر إذا أصروا عليها، فإذا أصروا عليها انقلبت إلى كبائر. الكبائر هي :
1 ـ الإشراك بالله :
أيها الأخوة، كم هي الكبائر؟ هذا موضوع خلافي، بعضهم عدها سبعاً إلى سبعين إلى سبعمئة، هناك كتاب مشهور للإمام الذهبي، وهو من كبار علماء الحديث، عنوانه: "الكبائر"، طبعاً هو استنبطها من الكتاب، وما صحّ من السنة، الآية الأصل في هذا الموضوع قوله تعالى:
﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4163/05.jpg
هذا هو الأصل، فإلى الأحاديث الشريفة الصحيحة التي تتحدث عن الكبائر، فعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الكبائر: الإشراك بالله ))
[ أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
للتقريب: إنسان له مبلغ كبير في حلب، نحن في دمشق، وحلب من أكبر مدن الشمال، له مبلغ كبير، وسوف يأخذه يوم السبت، الساعة الواحدة ركب قطار حلب، قطع في الدرجة الأولى، وارتكب خطأ، فركب في الدرجة الثالثة، هذا خطأ، لكن القطار في طريقه إلى حلب، وسيأخذ المبلغ، الخطأ الثاني أنه جلس مع شباب منحرفين، أزعجوه كثيراً في الطريق، هذا خطأ ثان، لكن القطار منطلقٌ إلى حلب، وسيأخذ المبلغ، ارتكب خطأ ثالثاً، أنه جلس بعكس اتجاه القطار، فأصابه دوار، ارتكب خطأ ثالثاً، لكن القطار في طريقه إلى حلب، وسيأخذ المبلغ، ارتكب خطأ رابعاً، أنه كان يتلوى من الجوع، ولم يعلم أن في القطار عربةً فيها مطعم، هذا خطأ رابع، لكن القطار في طريقه إلى حلب، وسيأخذ هذا المبلغ، أما هناك خطأ لا يغفر، أن يركب قطار الجنوب المتجه إلى درعا، هذا القطار لا يصل إلى حلب، يصل إلى مدينة ليس فيها مبلغ.
لذلك هناك ذنبٌ لا يغفر، هو الشرك، تتجه إلى غير الله، ليس معه شيء، صفر، وذنبٌ لا يترك، ما كان بينك وبين العباد، حقوق العباد مبنيةٌ على المشاححة، وحقوق الله مبنيةٌ على المسامحة، ذنبٌ لا يغفر، الشرك بالله، وذنبٌ لا يترك، ما كان بينك وبين العباد، وذنبٌ يغفر، ما كان بينك وبين الله، لذلك الشرك من أكبر الكبائر. 2 ـ عقوق الوالدين :
((الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين ))
[ أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4163/06.jpg
الله عز وجل رفع بر الوالدين إلى مستوى عبادة الله، قال تعالى: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 23 ]
هذه الواو حرف عطف، ومن لوازم العطف التجانس، أي لا يوجد إنسان يقول: أنا اشتريت أرضاً وملعقة، بل يقول: اشتريت أرضاً وبيتاً، أو بيتاً وسيارة، فالعطف من لوازمه التماثل، فإذا قال الله عز وجل: ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾
رفع الله عز وجل مستوى بر الوالدين إلى مستوى عبادته، لأن الله سبحانه وتعالى منحك نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، والأبوان كانا سبباً في وجودك في الدنيا، لذلك أنا أنصح أي أخ كريم ألا يشارك عاقاً، لأنه إذا لم يكن فيه خير لوالديه لم يكن فيه خيرٌ لك. 3 ـ قتل النفس :


http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4163/07.jpg
((الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس ))
[ أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
يظل المسلم بخير ما لم يسفك دماً، لأنه ما من قطرة دمٍ تراق من آدم إلى يوم القيامة إلا وسيتحملها إنسان يوم القيامة، لابدّ من أن يتحملها إنسان، إلا دم المقتول بحد يتحمله الله جلّ جلاله.




4 ـ اليمين الغموس :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4163/08.jpg
(( ....واليمينُ الغموسُ، قلت وما اليمين الغموس؟ قال: الذي يقْتطِعُ مال امرئ مسلم بيمين هو فيها كاذب))
[ أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
وهي اليمين الكاذبة التي تغمس صاحبها في النار، هي اليمين الكاذبة، الفاجرة التي: (( تذر الديار بلاقع ))
[ابن حبان عن واثلة بن الأسقع]
يمين مدمرة، تسمى في القضاء اليمين الحاسمة، فإذا حلف الإنسان كاذباً ليتوقع أنه دمر نفسه. الرد الإلهي قد يأتي سريعاً أو بطيئاً جداً :
أيها الأخوة، قال تعالى:
﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 137 ]
دقق الآن: ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا ﴾
[ سورة آل عمران الآية:137 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4163/09.jpg
الفاء تفيد الترتيب على التعقيب: ﴿ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كيفَ كانَ عاقبةُ المكذبينَ﴾
[ سورة آل عمران ]
هناك برنامج شهير جداً في الإذاعة ـ حكم العدالة ـ مرة التقيت بمعد هذا البرنامج، حدثنا عن قصة، قال: عمارة يزيد ثمنها عن خمسين مليوناً، بدعوى كاذبة سوف تنتقل إلى صاحبٍ آخر يدّعي ملكيتها، لكن يحتاج إلى شاهد، جاؤوا بشاهد زور، وقد دفعوا له مبلغاً فلكياً، أقسم لي بالله أنه رأى الحادث أمامه، فجاء القاضي وقال لهذا الشاهد الزور الذي سينقل بناء، ثمنه خمسون مليوناً ـ والقصة قديمة جداً، الآن خمسمئة مليون ـ من مالك حقيقي متوفى، إلى مالك مزور، هذه الدعوى الباطلة تحتاج إلى شاهد زور، جاؤوا بهذا الشاهد، وضع يده على المصحف وأقسم، وأبقى يده مرفوعةً، فانزعج القاضي، قال له: أنزل يدك، كان ميتاً، قال لي: كان يمسك طرف الطاولة بيده، إلى أن وقع، حوالي نصف دقيقة، قال له: أنزل يدك، كان ميتاً، انظر الآية قل: ﴿ َفسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا ﴾
هذه الفاء للترتيب على التعقيب، ﴿ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا ﴾
هناك آية ثانية: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 11 ]
ثم تفيد الترتيب على التراخي، هو نفسه أقسم لي بالله، قال لي: هناك إنسان متهم بجريمة قتل، فأبلغه المحامي أن حكماً بالإعدام صدر عليه، قال لي هذا المحامي: بحياتي يوجد حوادث كثيرة، إبلاغ حكم الإعدام، أما هذا الإنسان فلم ينزعج، أي تلقى الحكم بأعصاب باردة، فأنا استغربت، صار عندي رغبة أن أشهد إعدامه، بعد أسابيع أعتقد بالقلعة قال لي: ذهبت لأشهد إعدامه، وقف على طاولة الإعدام، وضع حبل المشنقة وقال: الآن سأموت، هذا الذي قُتل، واتُهمت به، أنا لم أقتله، لكنني قتلت إنساناً قبل ثلاثين عاماً، كان رئيس مخفر بعهد فرنسا، وضابط فرنسي أعطاه إنساناً ليُقتل، وضعه في الإسطبل، وأقفل الباب، فهرب بالليل لا يعرف كيف، لئلا يكون مسؤولاً أمام هذا الضابط، جاء بإنسان معه جمل، باع الجمل، وضع الثمن في جيبه، وأدخله مكانه، وثاني يوم أُعدم، قال: أنا من ثلاثين سنة تسببت بقتل إنسان بريء، وهأنذا أُقتل مكانه، هذه الآية الثانية: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
فإما أن يأتي الرد الإلهي سريعاً، وإما لحكمةٍ بالغةٍ بالغة يأتي بطيئاً، أي قد يحلف إنسان يميناً كاذبة غموساً، ويعاقب بعد عشر سنوات، إذاً: (( الكبائرُ: الإشراكُ بالله، وعُقوقُ الوالدين، وقتْلُ النفس، واليمينُ الغموسُ ))
[ أخرجه البخاري والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
الغش و قول الزور سبب هلاك الإنسان في دنياه :
حديث آخر: قال النبي صلى الله عليه و سلم: (( ألا أُنبِّئكم بأكبر الكبائر، ثلاثاً قلنا : بلى يا رسولَ الله، قال: الإشراكُ بالله، وعقوقُ الوالدين، ألا وشهادةُ الزور، وقولُ الزور، وكان متَّكئاً فجلس، فما زال يكرّرُها حتى قلنا: ليته سكتَ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي بكرة ]
طبعاً هناك إضافة بهذا الحديث، شهادة الزور، أنت تشتري قماشاً من دولة شرقية، من آسيا، من تايوان، هناك شريط ذهبي عن طريق المكواة مكتوب صنع في فرنسا أو انكلترا، تستطيع أن توهم المشتري أن هذا القماش مصنوع بدولة أوروبية، تأخذ الثمن مضاعفاً، هذه شهادة زور، كل أنواع الغش شهادة زور، لذلك: (( من غش فليس منا ))
[ أخرجه مسدد بن مسرهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4163/10.jpg
نفى عنه انتماءه للإسلام، فالغش من الكبائر، تغيير الصفات، أن توهم الشاري أن هذه البضاعة من الطراز الأول، وهي من الطراز الخامس، أن تغير في صفاتها، في منشئها، في موادها الأساسية، أنواع الغش لا تعد ولا تحصى، وكل أنواع الغش تنطوي تحت كلمة شهادة الزور.
فلذلك أيها الأخوة، الذي أهلك المسلمين في بيعهم وشرائهم الغش، يحلف يميناً كاذبة، واليمين الكاذبة منفقةٌ للسلعة، ممحقةٌ للبركة، لذلك المؤمن مستقيم، وقد ورد أن عدل ساعةٍ خيرٌ من عبادة سبعين عاماً. (( وترك دانقٍ من حرام خيرٌ من ثمانين حجةً بعد حجة الإسلام ))
[ ورد في الأثر]
الدين في الأسواق، في البيع والشراء، الدين في العيادة، الدين في الصيدلية، الدين في المستشفى، الدين في الحقل، إياك أن تضع مادة مسرطنة، إياك أن تضيف مادة مبيضة للمادة الغذائية، المادة المبيضة مسرطنة، إياك أن تستخدم شيئاً تؤذي المسلمين، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( اتقوا دعوة المظلوم ولو كان كافراً ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عباس ]
مرة إنسان يطوف حول الكعبة، يقول: ربي اغفر لي ذنبي، ولا أظنك تفعل، كان وراءه إنسان صالح، قال له: يا هذا ما أشد يأسك من رحمة الله! قال له: ذنبي كبير، قال له: ما ذنبك؟ قال له: كنت جندياً في قمع فتنة، فلما قُمعت أبيحت لنا المدينة، دخلت أحد البيوت، رأيت فيه رجلاً وامرأة وولدين، فقتلت الرجل، وقلت لزوجته: أعطني كل ما عندك، أعطته كل ما عندها، فقتل ولدها الأول، فلما رأته جاداً في قتل الثاني أعطته درعاً مذهبة ـ من الذهب ـ تأملها فأعجبته، فإذا عليها بيتان من الشعر، قرأهما فوقع مغشياً عليه: إذا جار الأمير وحــاجباه وقاضي الأرض أسرف في القضاء
فـــويل ثم ويل ثم ويل لقاضي الأرض من قاضي السماء
* * *
من الكبائر أيضاً :
1 ـ أن يجعل الإنسان لله نداً :
أيها الأخوة، عن عبد الله قال: سألت النبي صلى الله عليه و سلم:
(( أيُّ الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ]
أي تقول: مصيري بيد فلان، فلان يرفعني، فلان يدمرني، هذا شرك كبير: (( أن تجعل لله ندا وهو خلقك ))
وإذا قلت: الدولة الفلانية، إن أقمنا معها علاقات طيبة نجونا، وإلا هلكنا، لا، هذا شرك أيضاً، الضار والنافع هو الله، المعطي والمانع هو الله، المعز والمذل هو الله، فحينما (( تجعل لله نداً وهو خلقك ))
فهذا أيضاً من الكبائر، وهو يندرج مع الشرك بالله. 2 ـ قتل الولد :
(( أن تقْتُلَ ولدَكَ مخافة أن يطْعمَ مَعَك ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4163/11.jpg
أحياناً إنسان يقذف بابنه إلى أتون الفتن من أجل مستقبله، يرجع زانياً، يرجع كافراً بدينه، لكن يا أخي أخذ شهادة عليا، لا، الإيمان أولاً، أنا مع العلم، مع التفوق، مع الاختصاص، لكن لابد من أن تنتبه.
قال لي مرة شاب جاء بأعلى شهادة من أمريكا: والدي زوجني وأرسلني مع زوجتي، قال لي: زوجتي كانت حصناً.
أنا مع العلم، مع تلقي العلم من أكبر الدول، مع تقوية المسلمين، لكن إذا كان هذا العلم على حساب دينك، ومستقبلك، فعندنا مشكلة كبيرة: (( أن تقْتُلَ ولدَكَ ))
﴿ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 191 ]
صدق أيها الأخ الكريم، هذه الموءودة التي قال الله عنها: ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ* بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾
[ سورة التكوير ]
طفلة كالشمعة، توضع في الرمل، ويهال عليها الرمل، وتموت، جريمة كبيرة، والذي يطلق لابنته العنان، تثير الفتن، كاسيةٌ عارية في الطريق، هذه يوم القيامة تقف أمام ربها وتقول: يا رب لا أدخل النار حتى أدخل أبي قبلي، لأن: ﴿ َالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ ﴾
هذه التي وئدت إلى الجنة، صح، أما هذه التي كبرت، وانحرفت، وأثارت الشبهات، والفتن، وأفسدت الشباب، في صحيفة والدها الذي أطلق لها العنان. 3 ـ أن يزني الإنسان بحليلة جاره :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4163/12.jpg
(( وأنْ تُزَاني حَلِيلَةَ جارِك ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عبد الله بن مسعود ]
بلغ النبي الكريم أن هناك إنساناً ذهب إلى الجهاد، وأوصى جاره بزوجته، فزنى بها، فجاء الكلب وقتله، فقال: خان صاحبه، والكلب قتله، والكلب خيرٌ منه. (( وأنْ تُزَاني حَلِيلَةَ جارِك ))
أيها الأخوة، للموضوع تتمة إن شاء الله، الكبائر قضية خطيرة جداً، الأصل في هذا الموضوع: ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾
[ سورة النساء ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-14-2018 07:54 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثانى و الاربعون )

الموضوع : انواع الكبائر







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
تناقض الكبائر مع الوصول إلى الله عز وجل :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ولكنه يتصل اتصالاً سلبياً، فالشيطان يوسوس للإنسان بالكفر، فإن رآه على إيمان وسوس له بالشرك، فإن رآه على توحيد وسوس له بالكبائر، فإن رآه على طاعة وسوس له بالصغائر، فإن رآه على ورع وسوس له بالتحريش بين المؤمنين، فإن لم تنجح هذه الورقة وسوس له بالمباحات، فلذلك الكبائر تتناقض مع الوصول إلى الله، والكبائر كما قال الله عز وجل:
﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
والحديث في اللقاء السابق كان عن أنواع الكبائر، ولا زلنا في ذكر هذه الأنواع. أي عمل يسقط صاحبه من عين الله وأعين الناس يندرج تحت الفواحش :
الآية الكريمة:
﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 151 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4192/01.jpg
وقد بينت لكم أن الشرك ذنبٌ لا يغفر، لأنك اتجهت إلى غير الله، وغير الله ليس عنده شيء، ذنبٌ لا يغفر، وهناك ذنبٌ لا يترك ما كان بينك وبين العباد، وهناك ذنبٌ يغفر ما كان بينك وبين الله.
﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 151 ]
الفاحشة معصية ممقوتة، تفوح رائحتها النتنة، تسقط صاحبها في الوحل، يصبح مذموماً، يفقد مكانته، يفقد عدالته، ولا تنسوا أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما قال: (( من عامل الناس فلم يظلمهم، وحدثهم فلم يكذبهم، ووعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كَمُلَت مروءته، وظهرت عدالته، ووجبت أخوته، وحرمت غيبته ))
[أخرجه العسكري في الأمثال والديلمي في مسنده عن علي]
العكس: من حدثهم وكذبهم، سقطت عدالته، ووعدهم فأخلفهم، سقطت عدالته، وعاملهم فظلمهم، سقطت عدالته، فهذه من الكبائر، ﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ ﴾
الزنا من الفاحشة، وأي عمل يسقط صاحبه من أعين الناس يندرج تحت الفواحش، وأي عملٍ أيضاً يسقط صاحبه من عين الله يندرج مع الفواحش.
أيها الأخوة: ﴿ ولَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 151 ]
(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَاماً مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضاً فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُوراً قَالَ ثَوْبَانُ يَا رَسُولَ اللَّهِ صِفْهُمْ لَنَا جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ قَالَ أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))
[ أخرجه ابن ماجه عن ثوبان بن بجدد ]
الفواحش الباطنة و الظاهرة :
﴿ ولَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4192/02.jpg
بل إن لبعض العلماء رأياً دقيقاً في الفواحش الباطنة، إنها الكِبر، الفواحش الظاهرة في الأعمّ الأغلب الإنسان يتوب منها، لكن الفواحش الباطنة هي الكِبر، وهناك فواحش تصيب النفس، الاستعلاء، الكِبر، أن ترى نفسك فوق الآخرين، بل إن العالم كله يعاني من مرضٍ خطير، إنه العنصرية، ما معنى العنصرية؟ يكفي أن تتوهم أن لك ما ليس لغيرك، فأنت عنصري، يكفي أن تتوهم أن على الآخرين ما ليس عليك، فأنت عنصري، وقد يكون الزوج عنصرياً، فإذا صعدنا إلى الأعلى وقد يكون حق الفيتو في مجلس الأمن حقاً عنصرياً، أنت حينما تتوهم أن لك ما ليس لغيرك أو أن عليك أو أن على غيرك ما ليس عليك فأنت عنصري.
هذه الفواحش الباطنة، في الأعم الأغلب الإنسان لا يتوب منها، لأنها ليست ظاهرة، الكِبر أن يرى نفسه فوق الآخرين، أن يرى أن له فضلاً عليهم، أن يرى أن أحداً لا يحق له أن ينتقده، مع أنه ما من أحدٍ أصغر من أن ينقد، وما من أحدٍ أكبر من أن يُنقد، فالمجتمع الذي فيه نظام إنساني وليس عنصرياً هذا المجتمع معافى، أما إذا كان هناك عنصرية قهذا المجتمع يعاني ما يعاني، وقد ينتقل إلى العنف، والعنف لا يلد إلا العنف. تحريم الزنا :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4192/03.jpg
أيها الأخوة، قال تعالى:

﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ ﴾
[ سورة الفرقان الآية: 68 ]
الزنا جريمة، لأنه عدوان، لأن الله سبحانه وتعالى فطر النفس الإنسانية فطرةً سليمة، وأن المرأة فطرها فطرةً سليمة، فإذا تزوجت تألقت، إذا تزوجت كان الزواج وفق فطرتها، أما إذا أُفسدت بالزنا، كان الزنا وبالاً عليها.
على كلٍّ أيها الأخوة الآية الكريمة: ﴿ وَلَا يَزْنُونَ ﴾
المؤمن لا يزني، أما وإن زنا وإن سرق في الماضي، قبل أن يتوب، لكن بعد أن تاب إلى الله عز وجل، فهذا بعيدٌ عن أخلاق المؤمن بعد الأرض عن السماء. العلاقة مع الجن علاقة محرمة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4192/04.jpg
وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه و سلم أنه قال:

(( اجتنبوا السبعَ الموبقات، قيل: يا رسولَ الله، وما هُنَّ؟ قال: الشركُ بالله والسِّحْرُ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة: (( ومن سحرَ فقد أَشرَك ))
[ أخرجه النسائي عن أبي هريرة ]
أي علاقةٍ مع الجن علاقةٌ محرمة. (( ومن سحرَ فقد أَشرَك ))
أي تعاون مع الجن لإضلال البشر، لا يوجد عندنا قناة نظيفة مع الجن إطلاقاً. (( ومن سحرَ فقد أَشرَك ))
الاستعاذة بالله تحرق الشيطان لأن الجن ليس لهم على الإنس سلطان :
ولكن هناك آياتٌ دقيقة جداً:
﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ ﴾
[ سورة إبراهيم الآية: 22 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4192/05.jpg
الجن ليس لهم على الإنس سلطان:
﴿ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾
[ سورة إبراهيم الآية: 22 ]
آيةٌ ثانية: ﴿ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 102 ]
أي الجن، آيةٌ ثالثة: ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 200 ]
فالاستعاذة بالله تحرق الشيطان: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
﴿ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ ﴾
[ سورة سبأ الآية: 14 ]
سيدنا سليمان: ﴿ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ ﴾
[ سورة سبأ ]
هذه الآيات القرآنية الحاسمة، الجن لا يعلمون الغيب، والجن لا يملكون للبشر نفعاً ولا ضراً، هذا المعنى الدقيق المتعلق بالجن، أما هناك خرافات، وهناك ترهات، وهناك تأويلات ما أنزل الله بها من سلطان، الموقف العلمي، القرآني، التوحيدي من الجن هذا، فلذلك: (( اجتنبوا السبعَ الموبقات، قيل: يا رسولَ الله، وما هُنَّ؟ قال: الشركُ بالله، والسِّحْرُ، وقتْلُ النفس التي حرَّم الله إلا بالحق ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
من يسفك دم الآخرين يتحمل وزرهم يوم القيامة :
وقد ذكرت لكم أن المسلم يظل بخير ما لم يسفك دماً، لأن هذا الدم الذي سُفك لابد من أن يتحمله إنسانٌ يوم القيامة، لأن الله عز وجل يقول:
﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
﴿ أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى* أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ﴾
[ سورة القيامة ]
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً ﴾
[ سورة المؤمنون الآية: 115 ]
بل إن علماء التوحيد يؤكدون أن الإيمان باليوم الآخر يندرج تحت السمعيات، أو تحت الإخباريات، لأن الله أخبرنا أن هناك يوماً آخر، إلا أن بعض العلماء ابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن الإيمان باليوم الأخر يندرج تحت المعقولات، لأنه لا يعقل أن يخلق الله قوياً وضعيفاً، وغنياً وفقيراً، وصحيحاً ومريضاً، وتنتهي الحياة، القوي أكل الضعيف، والغني أكل الفقير، والمتمكن سحق الضعيف، لا يعقل أن تنتهي الحياة دون أن تسوى الحسابات، هذا الكمال الذي يشف عنه الكون لا يقبل أن تنتهي الحياة مع الموت، ولا شيء بعد الموت، لابدّ من أن تسوى الحسابات. من الكبائر أيضاً :
1 ـ أكل الربا :
فلذلك أيها الأخوة: (( السِّحْرُ، وقتْلُ النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الرِّبا ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
الربا من الكبائر لماذا؟ لأن الربا يسهم بتجميع الأموال الكثيرة، في أيدٍ قليلة، وهذا وحده يعد اختلالاً بالتوازن، لأن الله حينما أودع في الإنسان حب المال، أراد أن يكون هذا المال متداولاً بين كل البشر، قال تعالى: ﴿ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ﴾
[ سورة الحشر الآية: 7 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4192/06.jpg
فالعالم حينما يتاجر بالسلعة والخدمة، توزع الثروات على أوسع طبقةٍ في المجتمع، أما حينما يتاجر بالقيمة ـ كما هو حال النظام العالمي اليوم ـ وحينما يتاجر بالدين، تتجمع الأموال بأيدٍ قليلة، وتحرم منها الكثرة الكثيرة، لذلك عُشر سكان الأرض بسبب النظام الربوي، يملكون تسعة أعشار ثروات الأرض، والتسعون بالمئة من أهل الأرض لا يملكون إلا عشرة بالمئة من ثروات الأرض، حرمة الربا أتت من أنه يخل بالتوازن المالي بين طبقات البشر.
فلذلك حينما يقل المال بين أيدي الناس، تظهر الدعارة، يظهر الاحتيال، أكثر الأمراض الخطيرة الاجتماعية سببها الفقر، وحينما قال الإمام عليٌّ رضي الله عنه: "كاد الفقر أن يكون كفراً"، هذا كلام صحيح، وكاد الفقر أن يكون إرهاباً، وكاد الفقر أن يكون جريمةً وكاد الفقر أن يكون احتيالاً، أكثر الأمراض الاجتماعية سببها الفقر، فلذلك الذي يسهم في إبعاد الهوة بين الأغنياء والفقراء يسهم في إفساد المجتمع، لذلك قال النبي الكريم:
(( اجتنبوا السبعَ الموبقات، قيل: يا رسولَ الله، وما هُنَّ؟ قال: الشركُ بالله، والسِّحْرُ، وقتْلُ النفس التي حرَّم الله إلا بالحق، وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
2 ـ أكل مال اليتيم :
أكل مال اليتيم من الكبائر، والله عز وجل يقول:
﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾
[ سورة النساء الآية: 6 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4192/07.jpg
لو أن إنساناً تاجراً كبيراً، معه مال يتيم، إذا كان غنياً بماله، ينبغي أن يستعفف عن أن يأخذ ربحاً من استثمار مال اليتيم، أما إذا كان فقيراً، قال:
﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 6 ]
العلماء فسروا المعروف أن يأخذ حاجته، أو أجر المثل، أيهما أقل، مثلاً يتيم وضع معك مليون ليرة، الربح بينكما، ربحت بهذا المليون مئتي ألف، أجر المثل لك مئة ألف وله مئة ألف، هذه المئة ألف أقل من حاجتك، هذا هو الحق، لكن أودع معك عشرة ملايين، وربحت مليوناً، لك خمسمئة، وله خمسمئة، الخمسمئة فوق حاجتك، ينبغي أن تأخذ حاجتك، كلام دقيق: ﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 6 ]
﴿ بِالْمَعْرُوفِ ﴾
؛ أن يأخذ حاجته، أو أجر المثل، أيهما أقل، فإذا الحاجة كانت أقل يأخذ حاجته، وإذا كان أجر المثل أقل، يأخذ أجر المثل. 3 ـ التولي يوم الزحف :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4192/08.jpg
(( وأكل الرِّبا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
الإنسان حينما يجبن عن لقاء العدو، فهذا الجبن، وهذا الفرار، أو هذا التولي من الزحف، يعد من الكبائر.






4 ـ قذف المحصنات :
(( وقذف المحصنات ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي، عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4192/09.jpg
وورد في الأثر:
(( أن قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة ))
الناس يخوضون في أعراض الآخرين، أحياناً تُذكر امرأة، أحد الحاضرين يقول: الله أعلم، قذفها بهذه الطريقة، أساساً حينما قالت السيدة عائشة عن أختها صفية إنها قصيرة قال النبي عليه الصلاة و السلام: (( يا عائِشَة لَقَدْ قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَتْ بِمَاءِ البَحْرِ لَمَزَجَتْه ))
[ رواه أبو داود والترمذي عن عائشة رضي اللّه عنها ]
(( إن الرجل ليتكلم بالكلمة، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
(( والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
هذا الحديث في البخاري ومسلم. 5 ـ قتل مخلوق بلا سبب :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4192/10.jpg
أيها الأخوة، أن تقتل مخلوقاً بلا سبب، هذا من الكبائر، تصوروا لو أن واحداً اصطاد عصفوراً، لغير مأكلةٍ، للتسلية، هذا العصفور يأتي يوم القيامة وله دويٌ كدوي النحل، يقول:

(( يا رب سله لِمَ قتلني؟))
آلاف الصيادين يذهبون هوايةً، يقتلون آلاف الطيور ثم يرمونها في الأرض، ماذا فعلت؟ مخلوق يسبح الله، أما إذا كنت مسافراً، وأنت مكرمٌ عند الله، وكنت جائعاً و مضطراً إلى أن تأكل، لك أن تصطاد، وأن تأكل، الصيد لتلبية حاجةٍ أساسية، أما للتسلية. ((من قتل عصفورا عبثاً جاء يوم القيامة وله صراخ عند العرش تقول يا رب سل هذا فيم قتلني؟))
[ مسند الشهاب عن أنس بن مالك]
6 ـ شتم الرجل والديه :
أيها الأخوة:
(( إن من الكبائر: شتْمَ الرَّجُل والديه، قال: وهل يشتِم الرجل والديه؟ قال: نعم يَسُبُّ الرجلُ أبا الرَّجُل وأمه، فيسبُ أباه وأمه ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
بشكل دقيق أنت حينما تؤذي الناس تستسب لأبيك، النهي ولا تستسب له، أي لا تعامل الناس معاملةً يكون رد فعلها أن يسبوا أباك، فالمؤمن لا يستسب لأبيه، يحفظ ود أبيه، يحفظ سمعة أبيه، يحفظ كرامة أبيه، إلا أن المؤمن له نشاط أوسع، لا يستسب للمسلمين وهذا المعنى مأخوذ من حديث رسول الله: (( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ))
[ أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4192/11.jpg
قد تتوهمون أن المعنى أنه لا يؤذي المسلمين، ولا يسبهم، لا، حينما يعامل غير المسلمين فيظلمهم، أو يأخذ ما ليس له، يسبب سباً للمسلمين، أنت حينما تسيء إلى مسلم يتهمك أنت باسمك، أم إذا أسأت لغير المسلم، ينسى اسمك، ويتهم الإسلام، المعنى دقيق جداً:
(( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده ))
أي من سلمت سمعة المسلمين حينما يعامل غير المسلمين من لسانه ويده، ودائماً وأبداً حينما تسيء لغير المسلم، يقول: هكذا الإسلام؟ ينسى اسمك، لا يعلق على اسمك أبداً، فلذلك المسلم إذا أساء لغير المسلم، يكون قد انتهك حرمة المسلمين، وأنت أيها المسلم على ثغرةٍ من ثغر الإسلام فلا يؤتين من قبلك، لذلك الحديث: (( من غش فليس منا ))
[ الترمذي عن أبي هريرة ]
لو غششت مجوسياً فلست منا: ﴿ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾
[ سورة المائدة الآية: 8 ]
من هو العدو التقليدي للمؤمن؟ الكافر، ولا يحملنكم بغض هذا الكافر ﴿ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ﴾
﴿ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ﴾
[ سورة المائدة الآية: 8 ]
إن عدلت معه، قربته إلى الله، وقربته إليك، أنا أرى أن الإساءة لغير المسلمين أعظم إثماً ومسؤوليةً من أن تسيء للمسلمين. 7 ـ استطالة المرء في عرض رجلٍ مسلم بغير حق :
إن من أكبر الكبائر كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجلٍ مسلم بغير حق ))
[ أبو داود عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4192/12.jpg
ما معنى كلمة عرض؟ نحن جميعاً نتوهم أن كلمة عرض متعلقة بالمرأة، لا، كل إنسان له عرض، عرضه سمعته، أو بالتعبير الدقيق العرض: موضع المدح والذم في الإنسان، فإذا أسأت إلى سمعة إنسان، أي اتهمت أمانته من دون تأكد، من دون دليل، لا يوجد أحد جيد، هذا المشكك، ذُكر اسم شخص، ليس معك دليل، ليس معك بينة، ليس معك مستمسك، اتهمت أمانته، ماذا فعلت؟ استطلت في عرضه، لذلك:
(( إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض رجلٍ مسلم بغير حق ))
[ أبو داود عن أبي هريرة]
هذه امرأة نشكك بعفتها، وهذا إنسان نشكك في أمانته من دون دليل، إن كان هناك دليل فلا يوجد مشكلة.
لذلك مرة سيدنا عمر، جاءته رسالة من أحد الولاة، قال: يا أمير المؤمنين إن أناساً قد اغتصبوا مالاً ليس لهم، لست أقدر على استخراجه منهم، إلا أن أمسهم بالعذاب، فإن أذنت لي فعلت، فكان الجواب الرائع، قال: يا سبحان الله! أتستأذنني في تعذيب بشر! وهل أنا لك حصنٌ من عذاب الله؟ وهل رضائي عنك ينجيك من سخط الله؟ أقم عليهم البينة، فإن قامت فخذهم بالبينة، فإن لم تقم، فادعهم إلى الإقرار، فإن أقروا فخذهم بإقرارهم، فإن لم يقروا فادعهم لحلف اليمين، فإن حلفوا، فأطلق سراحهم، وايم الله، لأن يلقوا الله بخيانتهم، أهون من أن ألقى الله بدمائهم، هذا المنهج، هذه القنوات الصحيحة.
أيها الأخوة الكرام، الحديث عن الكبائر حديثٌ خطير، إذا استطلت في عرض امرئ مسلم من دون دليل، رجل له دعوة، له مصالح، معك دليل؟ شككت بأمانته، الناس كانوا ينتفعون منه، قطعت الخير عن هؤلاء الناس بكلمة، مرة أخيرة: (( إن الرجل ليتكلم بالكلمة، لا يلقي لها بالاً، يهوي بها في جهنم سبعين خريفاً ))
[ الترمذي عن أبي هريرة]
8 ـ اتباع غير سبيل المؤمنين :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4192/13.jpg
أيها الأخوة:

(( مَنْ خَرَجَ مِن الطَّاعَةِ وَفَارَقَ الجماعةَ فماتَ ماتَ مِيتة جَاهلية ))
[ أخرجه مسلم والنسائي عن أبي هريرة ]
اتبع غير سبيل المؤمنين، فكل إنسان يقدم خدمات لأعداء المسلمين، فكأنه خرج عن مفهوم الأخوة الإيمانية. ﴿ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة النساء الآية: 115 ]
صار في خدمة أعداء المسلمين، هذه من أكبر الكبائر، هي الخيانة العظمى.
الحقيقة أرجو الله سبحانه وتعالى أن يبعدنا جميعاً عن هذه الكبائر، لأنك تظل بخير ما لم تقترف هذه الكبائر.








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-14-2018 07:57 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثالث و الاربعون )

الموضوع : الحب من خلال القران الكريم







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الحب من خلال القرآن الكريم :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو موضوع: "الحب".
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4246/01.jpg
الحب هذه الكلمة الساحرة، ذات الظلال الرقيقة والمحببة في النفس البشرية، يعكس الإسلام لها فهماً خاصاً، لأنه يعترف بعاطفة الحب على أنها واحدةٌ من أهم الدوافع الإنسانية، والمحركات الفعالة في السلوك الفردي والجماعي، لكن البطولة أن تعرف من تحب وكيف تحب.
شيء آخر الحب ثلث الإنسان، لأن الإنسان عقلٌ يدرك، وقلبٌ يحب، وجسمٌ يتحرك، وغذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، فإذا لبيت حاجات العقل والقلب والجسم معاً تفوقت، أما إذا لبيت واحدة تطرفت، وفرقٌ كبير بين التطرف والتفوق.
أيها الأخوة، مرة أحد كبار الأساتذة في كلية التربية درست فيها ثلاثين عاماً، تقاعد أحد الأساتذة، أُقيم له حفل وداع كبير جداً، هو أستاذ علم النفس، فقال كلمة تأثرت لها كثيراً، قال: أي إنسانٍ لا يشعر بحاجةٍ إلى أن يُحِب، كما أنه لا يشعر بحاجةٍ إلى أن يُحَب ليس من بني البشر ، إذا كنت من بني البشر ينبغي أن تشعر بحاجة إلى أن تُحِب أو إلى أن تُحَب.
بنية الإنسان النفسية مبرمجة من قِبل الله على محبة ما أمر به وكره ما نهى عنه :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4246/02.jpg
أيها الأخوة، النقطة الدقيقة جداً أن لك فطرة، جِبلّة، خصائص، هذه الفطرة مبرمجة على منهج الله، أي شيءٍ أمر الله به جُبلت على محبته، وأي شيءٍ نهاك الله عنه جُبلت على كراهيته، شيء رائع جداً أن بنيتك النفسية، خصائصك النفسية، فطرتك، جِبلتك، مبرمجة من قِبل الخالق العظيم على محبة ما أمرك به، وعلى كره ما نهاك عنه، والدليل:

﴿ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾
[ سورة الحجرات الآية : 7 ]
فأنت لمجرد أن تطيع الله اصطلحت مع نفسك، وشعرت براحة لا توصف، وكأن جبالاً أزيحت عن كاهله لمجرد أنك اصطلحت مع الله. أنواع الحب :
أيها الأخوة، ولكن هناك حبٌ حسي وهناك حبٌ عقلي، فكلما ارتقى الإنسان أحبّ بعقله، وكلما هبط مستوى الإنسان أحبّ بحواسه، كلما ارتقيت تحب بعقلك، وكلما هبط مستوى الإنسان يحب بحواسه، الدليل القطعي أن الله عز وجل قال في القرآن الكريم يحدثنا عن سيدنا يوسف: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4246/03.jpg

﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾
[ سورة يوسف الآية : 33 ]
دُعيَّ إلى أن يلتقي مع امرأة العزيز لقاءً زوجياً، لو عرض هذا الشيء على مليار شاب الآن يراه غنيمة كبيرة، بينما سيدنا يوسف رأى في هذا الشيء بُعداً عن الله، فكرهه بعقله مع أن طبيعته الجسمية ترغب في ذلك، ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ﴾
وما في إنسان الآن عظيم إلا أحب بعقله، الحد الأدنى الذي أخذ شهادة عليا أحب الدراسة بعقله، ترك اللقاءات، والسهرات الممتعة، واللقاء مع الأصدقاء، والنوم المديد، والطعام الطيب، والنزهات تركه كله، لأنه أحب أن يكون إنسان مرموق في المجتمع فدرس فالإنسان لن يكون عظيماً في الدنيا إلا إذا أحب بعقله، وأبغض بعقله، أما إذا أحب بحواسه دمر نفسه، وأبسط شيء الطعام والشراب، الذي أحب الطعام والشراب ولم يحكم عقله في الأمر يعني أصيب بأمراض وبيلة، يجب أن تحب بعقلك، وأن تكره بعقلك، وهذا علامة الرقي. عدم ارتقاء الإنسان إلا إذا كره بعقله وأحبّ بعقله :
الآن ربما أحببت بحواسك فهلكت، وربما كرهت بحواسك فنجوت، قال تعالى: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4246/04.jpg
أوضح مثل هذا اللقاء الطيب، تستيقظ قبل الفجر وتتوضأ، وتنتقل من بيتك إلى المسجد، والجلسة على الأرض، ولا يوجد ضيافة إطلاقاً، وتعود، ولكن تشعر بسعادة لا توصف، لأنك ذكرت الله في وقت القرب.
(( ولو يعلمون ما في العَتَمة والصبح لأتوهما ولو حَبْواً ))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك عن أبي هريرة ]
فكلما ارتقيت تحب بعقلك وتكره بعقلك، وكلما هبط مستوى الإنسان أحبّ بحواسه، بقي نائماً، أكل ما شاء، نظر إلى من يشاء، من دون ضابط، من دون قيد، من دون قيمة، فأنت يمكن أن تمتحن نفسك، هل تحب بعقلك؟.
مرة كنا في جلسة قُدمت ضيافة طيبة جداً لكنها لا تريح الجسم، هناك طبيب قلب دُعي إلى أن يأكل فرفض، اعتذر طبعاً، فلما أصر صاحب البيت عليه أن يأكل، قال له: والله أحب هذا الطعام أكثر منكم جميعاً، لكنني لكثرة ما أرى الشرايين مسدودة ـ هو عمله طبيب جراح ـ أكره هذا الطعام.
أحياناً الإنسان يكره بعقله ويحب بعقله، لا يرتقي إلا إذا كره بعقله وأحبّ بعقله، موضوع الطعام والشراب، موضوع الدراسة، موضوع السير إلى الله عز وجل، مجاهدة النفس والهوى، كل هذا السلوك أساسه حب عقلي، لكن الحب الحسي يتناقض معه، النوم أريح من حضور الدرس، إذاً ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
من أحبّ غير الله عز وجل ظلم نفسه :
أيها الأخوة: الآية الأساسية في هذا اللقاء الطيب. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4246/05.jpg

﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 165 ]
أحب المال، أحب النساء، أحب الكِبر ـ أن يكون كبيراً عند الناس ـ أحب السيطرة، أحب أشياء كثيرة، ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ﴾
أي يحبونهم حباً كما ينبغي أن يحب الله عز وجل، يبيع حياته من أجل هذه الشهوة، يموت من أجلها، التعليق الرائع: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 165 ]
الله عز وجل هو أصل الكمال و الجمال و النوال :
لكن النقطة الدقيقة:
﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾
[ سورة البقرة الآية : 165 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4246/06.jpg
الذي أحبّ غير الله أحبّ الدنيا، أحبّ أموالها، أحبّ نساءها، أحبّ بيوتها، أحبّ قصورها، أحبّ مركباتها، أحبّ مناصبها .
﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾
يوم القيامة: ﴿ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً ﴾
[ سورة البقرة الآية : 165 ]
هنا القوة بمعنى قوة الجمال، هو لماذا أحب المرأة ؟ لأنه أُخذ بجمالها، لو يعلم علم اليقين أن أصل الجمال هو الله، وأن أصل الكمال هو الله، وأن أصل النوال هو الله، لذلك يتألم أشد الألم حينما تبع فرعاً ضئيلاً ونسي الأصل . ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾
أي ظلموا أنفسهم حينما أحبوا غير الله . ﴿ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾
يوم القيامة طبعاً حينما أحبوا غير الله، اعتدوا على الآخرين، الحب قادهم إلى العدوان ﴿ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾
أن أصل الجمال، وأصل الكمال، وأصل النوال، هو الله . ﴿ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 165 ]
علة خيريتنا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله :
الإنسان أيها الأخوة مجبولٌ على حب الكمال، والجمال، والنوال، يحب العطاء، ويحب الكمال، ويحب الجمال، الآن هذا الحب قد يكون ادعاءً، قال تعالى:
﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 18 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4246/07.jpg
ادعاءً ، ردّ الله عليهم:
﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 18 ]
والمسلمون إذا قالوا: نحن الأمة المختارة، نحن: ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية :110]
نحن أمة الوحيين، نحن أمة سيد الخلق وحبيب الحق، الرد جاهز: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
ليس لكم ولا ميزة ما دمتم لا تأمرون بالمعروف ولا تنهون عن المنكر، قال تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 110 ]
علة خيريتنا الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله، فإن لم نأمر بالمعروف ولم ننهَ عن المنكر، أو أمرنا بالمنكر ونهينا عن المعروف، أو أصبح عندنا المعروف منكراً والمنكر معروفاً، لسنا ﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
بل نحن أمة كأية أمةٍ خلقها الله عز وجل، ليس لها أي ميزة. من هان أمر الله عليه هان على الله :
لذلك ملخص الملخص هان أمر الله علينا فهنا على الله، لأن الله عز وجل قال :
﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 31 ]
علامة حبكم اتباعي، فإن لم تتبعوا رسول الله فهذا دليلٌ قطعي على أنكم لا تحبون الله عز وجل.
مرة قلت: من منكم يصدق ـ وهذا هو الحق ـ أن الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، فرض عين لقول النبي: (( بلِّغُوا عني ولو آية ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
أي سمعت درساً تأثرت فيه، انقل الذكرى إلى من حولك، إلى زميلك، إلى صديقك، إلى جارك، إلى ابنك، إلى أخيك، إلى أصهارك، إلى بناتك، إلى زوجتك. (( بلِّغُوا عني ولو آية ))
والدليل: ﴿ وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ * ﴾
[ سورة العصر ]
التواصي بالحق ربع النجاة، فما لم تتواصَ بالحق فلست ناجياً، والدعوة إلى الله كفرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف فقط، أما كفرض كفاية فتحتاج إلى تفرغ، وإلى تبحر، وإلى تعمق، وهذا الذي بهذا المستوى يستطيع أن يرد على كل الشبهات، وأن يجيب عن كل الأسئلة، هذا التفرغ, والتعمق، والتخصص، والتبحر، هذا فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، لذلك، ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي ﴾
علامة المتبع لرسول الله أنه يدعو إلى الله على بصيرة :
الآن الاتباع:
﴿ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ﴾
[ سورة يوسف الآية : 108 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4246/08.jpg
فعلامة المتبع لرسول الله أنه يدعو إلى الله على بصيرة، أي ما خطر ببالك مرة أن تقنع إنساناً بالدين؟ قريب، جار، صديق، شريك، تقنعه بشيء من عظمة هذا الدين، تدعوه إلى درس علم، تقدم له شريطاً، تدعوه إلى قراءة كتاب، ما خطر في البال إطلاقاً؟ لذلك ورد:
(( أوحى الله إلى ملك من الملائكة أن اقلب مدينة كذا وكذا على أهلها قال: إن فيها عبدك فلان لم يعصك طرفة عين؟ قال : اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط ))
[ أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
والآن هناك حالات هو مستقيم، وبيته إسلامي، ودخله إسلامي، لكن لم يخطر في باله لثانية أن ينقل الحق لإنسان: (( قال: اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط))
أيها الأخوة، إذاً : ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 31 ]
دقق في الآيات: ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً ﴾
[ سورة الإنسان الآية : 8 ]
من آثر رضاه على رضا الله فالطريق إلى الله غير سالكة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4246/09.jpg
لكن الآية التي تقصم الظهر:

﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا ﴾
[ سورة التوبة الآية: 24 ]
الطريق إلى الله غير سالكة، أي إذا أحببت تجارة فيها معصية، أو فيها شبهة، أو فيها بضاعة محرمة، أو علاقة محرمة آثرتها على طاعة الله فالطريق إلى الله ليس سالكاً، إذا أحببت زوجتك وهي متفلتة من الدين، ولم تعبأ بنصحك، فالطريق إلى الله ليس سالكاً، إذا أحببت شيئاً ما سوى الله، وكان هذا الشيء لا يرضي الله، وثبت على محبته، ولم تعبأ بمحبة الله، فالطريق إلى الله ليس سالكاً لذلك: ﴿ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
الله عز وجل يحب :
1 ـ المحسن :
أيها الأخوة، من هم الذين يحبهم الله؟ طبعاً نحن جميعاً نحب الله، لكن محبة الله لنا أهم بكثير من محبتنا له، محبتنا له شيء طبيعي منحنا نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، لكن البطولة أن يحبك الله، من هؤلاء الذين يحبهم الله عز وجل؟ قال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4246/10.jpg

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
هل أنت محسن؟ ﴿ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
والمطلق على إطلاقه، هل أنت محسن في بيتك؟ في عملك؟ في تجارتك؟ في حرفتك؟ في طبك؟ في هندستك؟ أنت محام، هل أحسنت كتابة المذكرات؟ هل كنت مخلصاً للموكل أم أهملت قضيته وابتززت ماله؟ هل أنت محسن؟ أنت معلم هل أنت محسن؟ طبيب أتقنت اختصاصك؟ اعتنيت بالمريض؟ كلمة إحسان مطلقة، ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
طريق محبة الله بيدك، أحسن يحبك الله. 2 ـ المقسط :
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 42 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4246/11.jpg
تأتي ابنتك إلى البيت تشكو زوجها، تقول لها: اجلسي لن ترجعي إليه، لن أرسلك له، هل سألته ماذا فعلت معه؟ أنت الآن قاض استمعت لابنتك فقط ولم تكلف نفسك أن تسأله باتصال هاتفي لعلها أساءت إليه، لست منصفاً، أحياناً يعطي كل ثروته للذكور، ويحرم البنات، لماذا؟ يخاف المال أن ينتقل إلى الأصهار، لأن الله عز وجل حينما وزع الإرث بذاته العلية نزل التوزيع بالقرآن، فأنت تجتهد ألا نعطي البنات؟! اعملوا وكالة عامة لأخيكم بالقهر .
(( إن الرجل ليعمل والمرأة بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت فَيضِران في الوصية، فتجب لهما النار ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
أنت محسن مع أولادك ؟ هل عدلت بينهم ؟ كلمة واسعة جداً محسن ومقسط . ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
عادل ، عندك زوجتان، لماذا كره النساء التعدد؟ يكرهونه كراهة تحريمية لأن النساء لم يروا تعدداً عادلاً ، رأوا تعدداً ظالماً فكفروا بالتعدد، إذا كان عندك زوجة ثانية هل تعامل الاثنتين في المسكن، وفي الطعام والشراب، وفي الوقت، والإقامة، و الإنفاق، والود معاملة واحدة؟ لماذا مع الجديدة أنت منطلق الأسارير ومرح وتأخذها نزهات كثيرة ومع القديمة أنت عبوس قمطرير لماذا؟ لست منصفاً، لذلك ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾
3 ـ التواب :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4246/12.jpg
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 222 ]
الذي يتوب من كل ذنب ويتوب من قريب . ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]



4 ـ المتطهر :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4246/13.jpg
إن الله:

﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]
طهر نفسه من السِوء، من الأدران، من الشهوات، من الحقد، من الكبر، من الاستعلاء، من التحدي، طاهر، مستقيم.





5 ـ الصابر :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4246/14.jpg
﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 146 ]
﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً ﴾
[ سورة ص الآية : 44 ]
﴿ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾
[ سورة ص الآية : 30 ]
هل أنت صابر على قضاء الله وقدره؟ هل أنت صابر عن معصية الله ؟ هل أنت صابر على طاعته؟ ينبغي أن تصبر على طاعته، وعن معصيته، وعلى قضائه وقدره ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾

6 ـ المتوكل :
﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 159 ]
خالق السماوات والأرض، بيده كل شيء، توكل عليه. ﴿ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ﴾
[ سورة النمل ]
﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾
كلمة واسعة تبدأ من طهارة الجسم، إلى طهارة الثياب، إلى طهارة المكان، إلى طهارة المنزل، إلى طهارة النفس، لا يوجد حقد، ولا غل، ولا حسد، ولا خبث، ولا مؤامرة، ماذا قال سيدنا عمر ؟ "لست بالخَب ولا الخب يخدعني" .
أي لست من الخبث بحيث أَخدع، ولا من السذاجة بحيث أُخدع ، لست بالخب ولا الخب يخدعني. 7 ـ المتقي :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4246/15.jpg
﴿ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
الذي يتقي أن يعصي الله.
الآيات واضحة جداً، طريق محبة الله لك بين يديك وسالك إلى الله، يحب المحسنين، والمقسطين، والتوابين، والمتطهرين، والصابرين، والمتوكلين، والمتقين.




الشارد عن الله عز وجل يحب الدنيا و ما فيها :
لكن الذين شردوا عن الله ماذا يحبون؟ قال:
﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾
[ سورة العاديات ]
يحب المال . ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾
[ سورة الإنسان ]
أحب الدنيا وكفر، أما هناك موت، هناك قبر، هناك حساب، هناك عذاب، هناك نار، لم يدخل الموت في حسابه أصلاً، ﴿ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْماً ثَقِيلاً ﴾
علامة إيمان الإنسان أن يفرح لأخيه لا أن يعطي نفسه حجماً أكبر منها :
﴿ لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 188 ]
الآن معظم الناس يحب أن يعطي لنفسه حجماً كبيراً هو دونه بكثير، أي الأشياء الطبيعية يعزوها إليه، أما هؤلاء. ﴿ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
[ سورة النور الآية : 19 ]
هؤلاء: ﴿ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 19 ]
أي الإنسان عندما يتمنى أن يسقط المؤمن أو يُدمر، بل إذا دمر يفرح، أكبر علامة نفاق أن تتألم إذا أكرم الله أخاك، أكرمه بمنصب، أكرمه بزوجة صالحة، أكرمه بشهادة عليا، أكرمه بتجارة ناجحة، علامة إيمانك أن تفرح له، وكأن هذا الإنجاز لك، وعلامة النفاق أن تتألم. الله عز وجل جعل الحب اختياراً لا قهراً :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4246/16.jpg
فلذلك:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 19 ]
أساساً الله عز وجل جعل الحب اختياراً، قال: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾
[ سورة فصلت الآية : 17 ]
والآن بشر كثيرون بعقلهم يختارون الدنيا ويرفضون الآخرة، يختارون المعصية ويرفضون الطاعة، يؤثرون علاقة مع امرأة لا تحل لهم على علاقته مع زوجاتهم، يؤثرون الدخل الحرام على الدخل الحلال: ﴿ وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى ﴾
ونسأل الله جلّ جلاله أن نكون عند ما ينبغي أن نكون، وفي لقاءٍ آخر إن شاء الله أتحدث عن الحب من خلال السنة النبوية، اليوم الحب من خلال القرآن الكريم.







والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-14-2018 08:00 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الرابع و الاربعون )

الموضوع : الحب من خلال السنة النبوية





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الحبّ من خلال السنة النبوية :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4248/01.jpg
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوع الحب، والحب ثلث الإنسان، لأن الإنسان عقلٌ يدرك، وقلبٌ يحب، وجسمٌ يتحرك، وغذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب، لكن المؤمن يعرف من ينبغي أن يحب، وكيف يحب.
وفي اللقاء السابق تحدثنا عن الحب من خلال القرآن الكريم، واليوم الحديث عن الحب من خلال السنة النبوية الصحيحة المطهرة، من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله:
(( إن فيك لخلقين يحبهما الله ورسوله قال: ما هما يا رسول الله؟ قال: الأناة والحلم ))
[أخرجه أبو يعلى عن الأشج العصري ]
كاد الحليم أن يكون نبياً، الحلم سيد الأخلاق، والأناة التؤدة والتأني، في التأني السلامة وفي العجلة الندامة، فالحلم والأناة صفتان يحبهما الله عز وجل ورسوله. (( إن فيك لخلقين يحبهما الله ورسوله قال: ما هما يا رسول الله؟ قال: الأناة والحلم ))
المؤمن هو من كان الله في قرآنه والنبي في سنته أحبّ إليه من أي شيءٍ آخر :
حديثٌ آخر: يقول عليه الصلاة والسلام :
(( لا يُؤمن أحدُكم حتَّى أكونَ أحبَّ إليه مِنْ والده وولدِهِ والنَّاس أجمعين ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أنس بن مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4248/02.jpg
الحقيقة أن هذه الأحاديث أولاً مقياس وثانياً هدف، مقياس إيمانك أن يكون الله ورسوله أحبّ إليك من ولدك، ووالدك، والناس أجمعين، هذه علامة الإيمان.
سيدنا عمر كان واضحاً جداً مع رسول الله قال له: يا رسول الله أنت أحبّ إليّ من أهلي، وولدي، والناس أجمعين، إلا نفسي التي بين جنبي، فقال له: عندما يكمل إيمانك يا عمر، بعد حين قال: يا رسول الله أنت أحبّ إليّ من أهلي، وولدي، والناس أجمعين، ونفسي التي بين جنبي، فقال: الآن يا عمر.
هذا مقياس ، ما معنى أن يكون الله ورسوله أحبّ إليك ممن سواهما؟ ككلمة سهلة جداً، لو سألت مليار وخمسمئة مليون مسلم، ألا تحب الله ورسوله أكثر من أي شيء؟ لقال الجميع: نعم، حينما تتعارض مصلحتك القريبة المتوهمة مع النص الشرعي، مع القرآن ومع السنة، مع أمر الله في القرآن وأمر النبي في السنة، وتلزم النص الشرعي، ولا تعبأ بمصلحتك المتوهمة، فأنت تحب الله ورسوله أكثر من أي شيءٍ آخر، أي قضية أن تحب الله ورسوله أكثر من أهلك، وولدك، والناس أجمعين، ككلمة سهلة، أما كتطبيق، أحياناً له زوجة ويحبها لكنها متفلتة، وسوف ينعكس هذا على الأولاد، فلابدّ من تقويمها، لابدّ من أخذ موقف منها، أما معظم الناس ما دام مصالحه محققة من خلال هذه الزوجة لا يعبأ بدينها، ولا بتربيتها لأولادها.
فما دام هناك رغبة أن يكون الله في قرآنه، والنبي في سنته، أحب إليك من أي شيءٍ آخر فأنت مؤمنٌ ورب الكعبة. على الإنسان أن يعامل الناس كما يحب أن يعاملوه :
الآن يقول عليه الصلاة والسلام :
(( لا يُؤمن أحدُكم ))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4248/03.jpg
دائماً وأبداً حينما يربط الأمر بالإيمان فهو شيءٌ خطيرٌ جداً.
(( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
قال شراح الحديث: المطلق في القرآن والسنة على إطلاقه، أوسع معنى للأخوة الأخوة الإنسانية، فمن علامة الإيمان أن تحب للآخرين ما تحب لنفسك، وفي بعض الروايات: وأن تكره لهم ما تكره لنفسك، أما الذي يأخذ ما يوافقه ويدع للناس ما لا يوافقه، فهو لا يحب لهم ما يحب لنفسه.
والحقيقة أيها الأخوة: هناك مقياس دقيق جداً، ضع نفسك مكان الآخر، أنت موظف أمامك مواطن، له حاجة تنتهي بدقائق، لكنك تدير حديثاً ممتعاً مع صديقك، قلت له: تعال غداً، وقد يكون بلده في مكان بعيد، وسوف يضطر أن ينام في الفندق، لو كنت مكانه هل تقبل؟.
لذلك القاعدة الرائعة التي تؤكدها نصوص كثيرة: عامل الناس كما تحب منهم أن يعاملوك، هل ترضى أن تُعامل ابنتك في بيت أهل زوجها كما تعامل أنت زوجة ابنك في البيت؟ هل ترضى أن تسخر الزوجة من أمك كما تسخر من أمها؟ أنا أقول: إما أن تكون إنسانياً، أو أن تكون عنصرياً، فالزوج الذي يسخر من أم زوجته فإذا تكلمت زوجته بكلمة عن أمه أقام الدنيا عليها، هذا إنسان غير منطقي، عامل الناس كما تحب أن يعاملوك. التوحيد أن يتحرك الإنسان وفق ما يرضي الله عز وجل :
أيها الأخوة: (( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))
صدقوا ولا أبالغ لو طُبق هذا المبدأ، أو هذا الحديث، لكنا في حال غير هذا الحال، ينبغي ألا تقبل للناس إلا ما تقبله أنت.
حدثني مرة أخ قال لي: أنا عندي معمل مياه غازية لا أذوقه إطلاقاً، لأنه سيئ جداً، إذاً لماذا تبيع الناس شيئاً أنت تترفع عن شربه؟ هذا خطأ استراتيجي، في كل المصالح، بالحرف الشيء الذي تقدمه للناس ينبغي أن يكون مقبولاً عندك، أما تطعم الناس طعاماً لا تأكله أنت، ليس هذا من الدين إطلاقاً.
ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( من أحبَّ للَّه، وأبْغَضَ لله، وأعطَى لله، ومنع للهِ، فقد استكمل الإيمانَ ))
[ أخرجه أبو داود عن أبي أمامة الباهلي ]
هناك روايات كثيرة: (( من أحبَّ للَّه، وأبْغَضَ لله، وأعطَى لله ومنع للهِ، ووصل لله، وقطع لله ورضي لله، فقد استكمل الإيمانَ ))
أي المؤمن نحى رغبته الشخصية جانباً، وتحرك وفق ما يرضي الله، فإن غضب لله، وإن رضي لله، وإن وصل لله، وإن قطع لله، وإن أعطى لله، وإن منع لله، هذا هو التوحيد، أن تتحرك وفق ما يرضي الله . صفات التاجر الذي يرضي الله عز وجل :
أيها الأخوة، ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( إنَّ اللهَ يُحِبُّ سَمْحَ البيع ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4248/04.jpg
هناك تساهل بالبيع، هناك تشدد، أحياناً امرأة فقيرة ليس معها ثمن الدواء الكامل ينقص نصف ليرة، يسحب الدواء من يدها ائتني بالمبلغ الكامل، نصف ليرة أحياناً، لا يوجد سماحة، هناك تشدد أحياناً بالبيع والشراء لا يحتمل .
(( رحم الله عبداً سمح البيع، سمح الابتياع، سمح القضاء ، سمح التقاضي ))
[ أخرجه إسحاق بن راهوية عن عثمان بن عفان ]
(( إن الله يحب سمح البيع، سمح الشراء، سمح القضاء ))
[ أخرجه الترمذي والحاكم عن أبي هريرة ]
مر معي: ((أطيب الكسب كسب التجار))
[الأصبهاني عن معاذ بن جبل]
الذين إذا حدثوا لم يكذبوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا باعوا لم يطروا ـ لم يمدحوا ـ وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا كان لهم لم يعسروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، سبع صفات للتاجر الذي يرضي الله عز وجل. رُب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4248/05.jpg
وهناك أيضاً حديث قد يلفت النظر لكنه في البخاري: رجل من القوم يشرب الخمر، لعنه الصحابة، فقال عليه الصلاة والسلام:

(( لا تَلعنوه، فواللَّه ما علمتُ إلا أنهُ يُحِبُّ اللَّه ورسوله ))
[ أخرجه البخاري عن عمر بن الخطاب ]
لئلا نقع في فهم خاطئ، أحياناً الإنسان يعصي ربه كِبراً، وتأبياً، كما عصى إبليس، وأحياناً يعصي الإنسان ربه غلبةً، غلبته شهوته، ضعف أمام نفسه، هذا يعصي ويبكي، فهذا الذي يعصي غلبةً لا تعامله كما تعامل إنساناً يعصي الله كِبراً واستعلاءً، هذا نوع وذاك نوع آخر، وقد قال بعض العلماء: رُب معصية أورثت ذلاً وانكساراً خيرٌ من طاعةٍ أورثت عزاً واستكباراً . حاجة المسلمين اليوم إلى أن يحبوا بعضهم بعضاً حاجة أساسية :
أيضاً أيها الأخوة يقول عليه الصلاة والسلام:
(( وَالذي نَفسي بِيدِهِ، لا تَدخلونَ الجنةَ حتى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنوا حتى تَحابُّوا ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4248/06.jpg
ما الذي ينقصنا الآن؟ مساجد رائعة، أبنية فخمة، مؤتمرات جيدة، ندوات رائعة، هناك كل شيء، إلا أن هذا الحب الذي كان بين الصحابة نفتقده، هذا الحديث:
(( لا تَدخلونَ الجنةَ حتى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنوا حتى تَحابُّوا ))
نحتاج إلى الحب، إلى أن يحب بعضنا بعضاً، أما التحريش بين المؤمنين، وتراشق التهم . ﴿ كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
هذه تضعضع مكانة المؤمنين عند الله عز وجل، المؤمنون إذا تعاونوا ارتقوا جميعاً عند الله، وعند من حولهم، أما إذا تنافسوا، وتراشقوا التهم، سقطوا جميعاً من عين الله، ومن عين من حولهم. (( لا تَدخلونَ الجنةَ حتى تُؤمِنُوا، ولا تُؤمِنوا حتى تَحابُّوا ))
المحبة أساس الإيمان :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4248/07.jpg
الحب من أين يأتي ؟
(( ما تواد اثنان فيفرق بينهما إلا بذنب يحدثه أحدهما ))
[ أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر ]
افتراض، لو أنك مستقيم تماماً، وأنا مستقيم تماماً، يجب أن يُحب بعضنا بعضاً، الحب حتمي، الحب نتيجة طبيعية، والدليل حينما ننسى ما ذُكرنا به تكون العداوة والبغضاء، وكأن هذه الآية تشير إلى قانون العداوة والبغضاء: ﴿ َفنَسُوا حَظّاً مِمَّا ذُكِّرُوا بِه ﴾
[ سورة المائدة الآية : 14 ]
إذاً . (( لا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حتَّى تُؤمِنوا، ولا تُؤمِنُون حتى تَحابُّوا، أَلا أدُّلكم على مَا تَتَحَابُّونَ بِهِ؟ افْشُوا السلامَ ))
[ أخرجه الترمذي عن الزبير بن العوام ]
أحبّ الناس إلى رسول الله و أبغضهم إليه :
ومن أحاديث رسول الله صلى الله عليه و سلم: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4248/08.jpg

(( إِنَّ مِنْ أَحَبِّكم إِليَّ، وَأَقْرَبِكُمْ مِني مَجْلِسا يَوْمَ القِيَامَةِ: أَحَاسِنُكُم أخلاقاً ))
[ أخرجه الترمذي عن جابر بن عبد الله ]
لذلك الإيمان هو الخلق، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان. (( وَإِنَّ أَبغَضَكُمْ إِليَّ، وَأبْعَدَكُمْ مِني مَجْلسا يَومَ القِيامةِ: الثَّرْثَارونَ والمُتَشَدِّقُونَ وَالمُتَفَيْهِقُونَ ))
(( الثَّرْثَارونَ ))
الذين يكثرون القول الباطل . (( والمُتَشَدِّقُونَ ))
المتوسعون في الكلام . (( وَالمُتَفَيْهِقُونَ ))
المتكبرون بالعلم، هؤلاء من أبغض الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. الإمام العادل أحبّ الناس إلى الله يوم القيامة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4248/09.jpg
ومن أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم :

(( أَحَبُّ النَّاسِ إِلى الله يوم القيامة وأدْنَاهُمْ منه مَجْلِساً إمَامٌ عَادِلٌ، وأَبغَضُ النَّاسِ إلى الله تعالى وأَبعدهم منه مجلساً إمَامٌ جَائِرٌ ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
الإمام ممكنٌ في الأرض، والإنسان إذا مكن في الأرض، وعمل صالحاً، أجره مضاعف، أجر استقامته ومن قلده في الاستقامة، والممكن في الأرض إذا أخطأ عليه وزران، وزر خطئه، ووزر من قلده بخطئه، أي منصب قيادي، معلم صف، مدير دائرة، مدير مستشفى، مدير جامعة، أي منصب قيادي إن أحسن هذا الذي يتسلم هذا المنصب له أجرٌ مضاعف، وإذا أساء عليه وزرٌ مضاعف.
ما دامت الشعائر تؤدى فيجب على الإنسان ألا يفعل شيئاً يشق الصفوف :
أيها الأخوة، حديثٌ دقيقٌ جداً يحتاجه المسلمين اليوم، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( خِيَارُ أَئِمَّتِكُمْ الذين تُحبُّونَهُمْ ويُحبونَكُمْ، وَتُصَلُّونَ عليهم، ويُصَلُّونَ عليكم وَشِرارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ، وَيُبْغِضُونَكمْ، وتَلْعَنُونَهُم، وَيلْعَنُونَكم ))
[ أخرجه مسلم عن عوف بن مالك ]
(( إذا كانَت أُمراؤُكم خيارَكم، وأغنياؤُكم سُمحاءَكم، وأمورُكم شورَى بينكم فَظَهْرُ الأَرضِ خَير لكم من بطنها، وإذا كانت أمراؤُكم شِرارَكم، وأغنياؤُكم بُخَلاءَكم وأُمورُكم إلى نسائكم، فبطنُ الأَرض خير لكم من ظهرها ))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4248/10.jpg
لكن هذا الحديث له تتمة خطيرة جداً ، قلنا: يا رسول الله:
(( أفَلا نُنابِذُهم ))
أي نجاهرهم بالعداء: (( قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاةَ ))
[ أخرجه مسلم عن عوف بن مالك ]
ما دامت الشعائر يمكن أن تؤدى وأنت مرتاح، لا يجوز أن تنابذهم العداوة: (( ما أقاموا فيكم الصلاةَ ألا مَنْ وَلِيَ عليهِ وَالٍ، فرآهُ يَأْتي شَيئاً مِنْ مَعصيةِ اللهِ فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا يَنْزِعَنَّ يَدا من طَاعَةٍ ))
[ أخرجه مسلم، عن عوف بن مالك ]
لئلا تقع حربٌ أهلية، ما دام الشعائر تؤدى في أخطاء، يجب أن تبقى من دون أن تفعل شيئاً يشق الصفوف، ويؤدي إلى منكرات كنا في غنى عنها. الدعاء مخ العبادة :
أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام : (( سَلُوا اللَّهَ من فَضْلِهِ، فإن الله يُحِبُّ أَن يُسأَلَ، وَأَفْضَلُ العِبَادَةِ انْتِظَارُ الفَرجِ ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي مسعود الأنصاري ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4248/11.jpg
أي الدعاء مخ العبادة، بل الدعاء هو العبادة، إن الله يحب الملحين في الدعاء.
(( ليسأل أحدكم ربه حاجته أو حوائجه كلها حتى يسأله شسع نعله إذا انقطع وحتى يسأله الملح ))
[ أخرجه البزار في مسنده ، عن أنس بن مالك ]
من لا يدعني أغضب عليه، معاذ بن جبل رضي الله عنه يروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أَخَذَ بِيَدِهِ، وقال: يا مُعَاذُ، واللهِ إِني لأُحِبُّكَ ))
[أخرجه أبو داود والنسائي عن معاذ بن جبل ]
شيء لا يقدر بثمن أن يحبك رسول الله: (( فقال: أُوصيكَ يا مُعَاذُ، لا تَدَعَنَّ في كُلِّ صلاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهمَّ أَعِنِّي على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسنِ عِبَادَتِكَ ))
[أخرجه أبو داود والنسائي عن معاذ بن جبل ]
بعد الصلاة: (( أَعِنِّي على ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسنِ عِبَادَتِكَ ))
كل إنسان ممتحن في شيئين :
أيها الأخوة، ومن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم:
(( اللَّهمَّ إِني أسألك حُبَّك، وحبَّ من يحبُّك، والعَمَل الذي يُبَلِّغُني حبَّكَ، اللَّهمَّ اجعل حُبَّك أَحَبَّ إِليَّ من نفسي، ومالي، وأَهْلي، ومن الماءِ البارِد ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي الدرداء ]
والماء البارد في البلاد الحارة شيء ثمين جداً، و إن لم يكن هناك ثلاجات فهذا شيء ثمين جداً، لكن هذا الدعاء الآخر يلفت النظر، أي الواحد منا أحد أمرين، إما أنه أراد شيئاً فأصابه، أو أراد شيئاً فلم يتح له، وأنت ممتحن في شيئين؛ فيما أعطاك، وفيما زوى عنك، أعطاك صحةً نعمة كبيرة، تتمنى زوجة غير هذه الزوجة تقول: لم أوفق في اختيارها مثلاً فأنت أمام امتحانين كل يوم، شيء تتمناه وقد أكرمك الله به، وشيء تتمناه وقد زوي عنك، من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم : (( اللَّهمَّ ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]
الذي أحببته المال فرضاً، يا رب اجعل هذا المال في سبيلك، اجعل هذا المال أنفقه في مرضاتك: (( ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ ))
الزوجة الصالحة، الأولاد الأبرار: (( فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ ))
دقق الآن: (( وما زَوَيْتَ عني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ فَرَاغا لي فيما تُحِبُّ ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]
مرة أحد الأخوة الأكارم أثناء الدرس سأل سؤالاً قال: ما الحكمة أن الزوجة أحياناً لا تكون كما يتمنى الإنسان؟ قلت له: حتى نراك في المسجد، هي حكمة كذلك، أحياناً الإنسان ينطلق إلى عمل، إلى عبادة، إلى طاعة، أحياناً يؤثر أن يقبع في البيت، فإذا كان مرتاحاً لدرجة غير معقولة ينسى العمل الصالح، طبعاً هذه طرفة. من نصر الضعيف نصره الله على من هو أقوى منه :
ومن أدعية النبي صلى الله عليه وسلم:
(( اللَّهمَّ إِني أَسألك فعلَ الخيراتِ، وترك المنكراتِ، وحُبَّ المساكين، وإذا أردت بقومٍ فِتنَة فَاقبِضْني إليك غير مفتون ))
[ أخرجه مالك عن بلاغ مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4248/12.jpg
أي هؤلاء المساكين الضعاف، يقول النبي الكريم:
(( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))
[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن أبي الدرداء ]
هذا الضعيف إذا أطعمته إن كان جائعاً، كسوته إن كان عارياً، عالجته إن كان مريضاً، آويته إن كان مشرداً، علمته إن كان جاهلاً، أنصفته إن كان مظلوماً، سوف تُكافأ في نصرته لأن الله سبحانه وتعالى ينصرك على من هو أقوى منك. (( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))
في الحقيقة حينما نعتني بالضعيف تتماسك الأمة، لا تخرق، أما إذا كان هناك فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء، والأغنياء لم يهتموا بالفقراء، والأقوياء لم يهتموا بالضعفاء، ينشأ شرخ بالأمة، هذا الشرخ يسبب أن تخترق. (( فإنما تُرزقُونَ وتُنصرون بضعفائكم ))
أنت أمام عدو قوي جداً، كيف تنتصر عليه؟ إذا نصرت من هو أضعف منك، تكافأ مكافأةً من جنس عملك، أنت نصرت من هو أضعف منك، فالله سبحانه وتعالى يكافئك بأن ينصرك على من هو أقوى منك. من أذكار النبي صلى الله عليه وسلم :
أيها الأخوة:
(( كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حَبيبَتَان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحانَ اللهِ العظيم ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
من أذكار النبي صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ اللهَ رَفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، ويُعطي على الرِّفْقِ ما لا يُعْطي على العنفِ، وما لا يُعطي على مَا سِواهُ ))
[أخرجه مسلم وأبو داود عن عائشة أم المؤمنين ]
ومن أقوال النبي الكريم: (( علموا ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف ))
[أخرجه الحارث عن أبي هريرة ]
على الإنسان أن يعمل عملاً صالحاً يلقى الله به يوم القيامة مضيفاً إلى محبته لرسوله :
أيها الأخوة، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( يا رسول الله، والله إني لأُحِبُّكَ، فقال: انْظُرْ ما تقول، قال: والله إِني لأُحِبُّكَ ثلاث مرات قال: إِن كنت تُحِبُّني فأعِدَّ للفقر تِجفافا ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مغفل ]
كأن المعنى الدقيق أن حبك لي وحده من دون عمل لا تنتفع به يوم القيامة، الحب وحده من دون عمل، الآن المسلمون يمدحون النبي ليلاً نهاراً، شيء رائع جداً، من دون اتباعه لا ينتفعون بهذه المحبة، محبتك لي من دون عمل تلقى الله به يوم القيامة وهذا الحب لا ينفعك. (( انْظُرْ ما تقول، قال: والله إِني لأُحِبُّكَ - ثلاث مرات ))
إن كنت صادقاً فيما تقول، هناك رواية أخرى: (( للفقر إليك من شركٍ عليك ))
لكن هذه الرواية: (( فأعِدَّ للفقر تِجفافا ))
أي اعمل عملاً صالحاً تلقى الله به يوم القيامة مضيفاً إلى محبتك لي، أما حب وحده فلا يقدم ولا يؤخر.
مثلاً: جاء ابن غير متعلم وله أب عالم كبير، مهما أثنى الابن على أبيه هذا الثناء لا يقدم ولا يؤخر، الذي يقدم ويؤخر أن يسلك مسلك أبيه في طلب العلم، المحبة والمديح لا تكفي. مكارم الأخلاق التي يحبها الله أن تكون سخياً تداوم على عملك :
أيها الأخوة :
(( السَّخِيُّ قريب من الله، قريب من الناس، قريبُ من الجَنَّةِ، بَعِيد من النار، والبَخِيلُ بَعِيد من الله، بَعِيد من الناس، بعيد من الجنة، قريب من النار، ولجَاهِل سَخيُّ أحبُّ إلى الله تعالى من عابد بخيل ))
[أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4248/13.jpg
معنى هذا أن مكارم الأخلاق التي يحبها الله عز وجل أن تكون سخياً، وكان عليه الصلاة والسلام يقول:
(( إنَّ أحبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُها وإنْ قلَّ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عائشة أم المؤمنين ]
أي أَلِفت درس علم حافظ عليه، أَلِفت صلاة نافلة حافظ عليها، أَلِفت صدقة شهرية حافظ عليه. (( أحبَّ الأعمال إلى الله أدْوَمُها وإنْ قلَّ ))
الحب كما قلت لكم ثلث الإنسان، هو عقلٌ يدرك، وقلبٌ يحب، وجسمٌ يتحرك، والحب في القرآن وفي السنة له ضوابط، وله مضامين، وله اتجاهات، فينبغي أن نتأكد من أننا نحسن الحب في الله، ونجتنب الحب مع الله، فرقٌ كبير بين أن تحب في الله، والحب في الله عين التوحيد، وبين أن تحب مع الله، والحب مع الله عين الشرك.








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-14-2018 08:02 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الخامس و الاربعون )

الموضوع : كيف تذكر الله ؟




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. ذكر الله :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو:"ذكر الله".
يكفي أن نذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( ألا أخْبِرُكم بخيرِ أعمالِكم ))
[أخرجه الترمذي ومالك عن أبي الدرداء ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4475/01.jpg
خير اسم تفضيل، أي بأفضل أعمالكم. (( ألا أخْبِرُكم بخيرِ أعمالِكم، وأرفَعِها في درجاتكم، وأزكاها عند مليكِكم وخير لكم من الوَرِق والذهب، وخير لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقَكم؟ قالوا: بلى، قال: ذِكْرُ الله ))
[أخرجه الترمذي ومالك عن أبي الدرداء ]
لأن ذكر الله يدور معك أينما تحركت، إذا دعوت الله فهذا ذكر، إن استغفرته فهذا ذكر، إن صليت فالصلاة ذكر، إن تلوت القرآن فالتلاوة ذكر، إن سبحته فالتسبيح ذكر، إن وحدته فالتوحيد ذكر، إن كبّرته فالتكبير ذكر، إن قرأت كتاب علمٍ من أجل أن تعرفه فقراءة الكتاب ذكر، إن دعوت إلى الله فالدعوة إلى الله ذكر، إن نصحت أخاً في الله فالنصيحة ذكر، أينما تحركت في كل أحوالك، في حركاتك، في سكناتك، وأنت مع أهلك، وأنت وحدك، وأنت في صحة، وأنت في مرض ـ لا سمح الله ولا قدر ـ وأنت في ضيق، ذكر الله يدور معك حيثما تحركت. الأمر بالذكر ينصب لا على الذكر مطلقاً بل على كثرة الذكر :
لذلك: (( ألا أخْبِرُكم بخيرِ أعمالِكم، وأرفَعِها في درجاتكم، وأزكاها عند مليكِكم، وخير لكم من الوَرِق والذهب، وخير لكم من أن تَلْقَوا عَدُوَّكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقَكم؟ قالوا: بلى، قال: ذِكْرُ الله ))
[أخرجه الترمذي ومالك عن أبي الدرداء ]
مع القرآن الكريم: ﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
[ سورة طه الآية : 14 ]
فالصلاة ذكر، ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4475/02.jpg
وذكر الله أكبر ما فيها، لكن الذكر ينبغي أن يكون كثيراً، لأن المنافق يذكر الله، قال تعالى : ﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾
[ سورة النساء الآية : 142 ]
لذلك الآية الكريمة: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
[ سورة الأحزاب الآية : 41 ]
بل هناك بعض المقاييس التي وردت: (( من أكثر ذكر الله فقد برئ من النفاق ))
[ أخرجه الطبراني في الصغير عن أبي هريرة ]
(( برئ من الشح من أدى زكاة ماله ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
(( وبرئ من الكبر من حمل حاجته بيده ))
[رواه القضاعي والديلمي عن جابر مرفوعا وهو عند ابن لال عن أبي أمامة. وفي لفظ بضاعته بدل سلعته، والشرك بدل الكبر]
إذاً: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
التركيز على الكثرة ، بل إن الأمر بالذكر ينصب لا على الذكر مطلقاً بل على كثرة الذكر. ربط الذكر في القرآن الكريم بالفلاح :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4475/03.jpg
بل إن الذكر قد ربطه القرآن بالفلاح، والفلاح هو النجاح، والفلاح هو الفوز، والفلاح هو التفوق.
﴿ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة الجمعة ]
والذكر متعلق بكل الأوقات. ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ))
[سنن ابن ماجة عَنْ سَمُرَةَ ابْنِ جُنْدَبٍ ]
ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يصبح ﴿ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ .
(( لا تعجز يا ابن آدم عن أربع ركعات أول النهار أكفك آخره ))
[ مسند ابن أبي شيبة عن نعيم بن همّار]
أي أمرٍ وجِّه للذين آمنوا موجهٌ حكماً إلى المؤمنات :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4475/04.jpg
المرأة تذكر، والرجل يذكر، طبعاً من بديهيات اللغة أن أي أمرٍ وجِّه للذين آمنوا موجهٌ حكماً إلى المؤمنات، هذا تحت باب التغليب، ومع ذلك فقد أكّد الله أن المرأة يمكن أن تكون ذاكرةً في أعلى مستوى، قال تعالى : ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً ﴾
[ سورة الأحزاب الآية : 35 ]
ولكن ورد في بعض الأحاديث: (( خير الذكر الخفي، وخير الرزق ما يكفي ))
[أخرجه أبو يعلى والإمام أحمد، عن سعد بن مالك ]
﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 205 ]
بإمكانك أن تذكره دون أن تحرك شفتيك. دوران الذكر مع الإنسان في كل أحواله :
﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
أكبر مرض يصيب المؤمن الغفلة، ﴿ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4475/05.jpg
والإنسان ساعةٌ وساعة . ﴿ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً ﴾
[ سورة الكهف ]
مثلاً صار هناك خطأ، عند الخطأ اذكر الله، اذكره تائباً، اذكره نادماً، اذكره معتذراً، وكما قلت: الذكر يدور مع الإنسان في كل أحواله، وهل أحوال الإنسان تزيد عن أن يكون واقفاً أو قاعداً أو مستلقياً؟ قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهم ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 191 ]
أما الذكر الذي ابتدع مع الحركات والقفز هذا لا تعنيه الآية، لو أنه الآية فرضاً قياماً قعوداً شيء ثان: ﴿ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
أيام الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4475/06.jpg
أيها الأخوة، لا يوجد إنسان من الأخوة الحاضرين وأنا معكم إلا مرّ بأزمة، ودعا الله عز وجل، ففرج الله عنه، يسر له سبيل وظيفةٍ مرموقة، يسر له سبيل زواجٍ ناجح، يسر له أولاداً أبراراً، يسر له شفاء من مرضٍ ربما كان عضالاً، هذه الإنجازات التي تحققت بفضل الله عز وجل سميت في القرآن الكريم بأيام الله، قال تعالى :
﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾
[ سورة إبراهيم الآية : 5 ]
لا يوجد إنسان من الأخوة المؤمنين الأكارم إلا وهناك أيام في حياته، دعا الله عز وجل فاستجاب له، وفقه إما بصحته، أو بزواجه، أو بعمله، أو بأولاده، أو بإنجاز كبير، قال: ﴿ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ ﴾
كن عن همومك معرضا وكِل الأمور إلى القضـا
وأبشر بخيرٍ عاجلٍ تنسى به مـــــا قد مضى
فـلرب أمرٍ مسخطٍ لك في عواقبه رضــــا
* * *
ولربما ضـاق المضيق ولربما اتسع الفضــا
الله يفعل مـــا يشاء فلا تكن معترضــــا
الله عودك الـــجميل فقس على ما قد مضـى
* * *
قد تأتي أزمة، الله أكرمك لأربعين سنة ماضية من كل أنواع الإكرام، اقبلها من الله واصبر عليها. ذكر الآخرة من أعظم أنواع الذكر :
أخواننا الكرام، من أعظم أنواع الذكر أن تذكر الآخرة .
﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾
[ سورة ص ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4475/07.jpg
مرة سألني أخ يعمل في وظيفة بإمكانه بحسب وظيفته أن يوقع بالناس أذىً كبيراً، قال لي: انصحني، قلت له: إن كنت بطلاً هيئ لربك جواباً يوم القيامة عن كل فعلٍ تفعله، هيئ جواباً لله عز وجل لا لعبد الله، لا لمن يأتي فوقك في العمل، هيئ جواباً لله عز وجل.
فالمؤمن قبل أن يعطي، قبل أن يمنع ، قبل أن يرضى، قبل أن يغضب، قبل أن يصل، قبل أن يقطع، ليسأل لو أن الله سألني لماذا طلقتها؟ عندك جواب؟ قبل أن تمنع البنات من الإرث، وتأمرهن بتوقيع وكالةٍ عامةٍ لأخيهم، هل هيأت لله جواباً يوم القيامة؟ ما ذنب هذه الفتاة حرمتها من مالك متوهماً أن هذا المال ينبغي ألا يصل إلى زوجها؟ أنت مشرع! الإله شرع، أنت تلغي شرع الإله؟! ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾
لكن كمثل واضح مرة سافرت إلى بيروت، وأنا خارج من الحدود وجدت تفتيشاً يفوق حدّ الخيال، هناك سبب لا أدري ما هو، أي الحاجات تفتش حاجةً حاجة، وأنا في بيروت قبل أن أشتري أي غرض تصورت الوضع، يا ترى هذا الشيء يسمح به أم لا يسمح به؟ تعلمت درساً لا ينسى.
سألوا مرة طالباً نال الدرجة الأولى في الشهادة الثانوية ما سبب هذا التفوق؟ قال: لأن لحظة الامتحان لم تغادرني ولا ثانية. البطولة والذكاء أن يدخل الإنسان الله عز وجل في حساباته :
أنت قبل أن تغضب، قبل أن تشتم، قبل أن تطلق، قبل أن تتهم فلاناً وهو بريء وتعلم أنه بريء، هل هيأت لله جواباً؟ لِمَ قلت كذا ؟ ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾
أي بتعبير الآخر ما لم تدخل اليوم الآخر في حساباتك فأنت تمشي في طريق الهلاك، أنا أستخدم هذه العبارة أقول: فلان ما أدخل الله في حساباته، يمكن أربع سنوات أو خمس هذا الذي هدم سبعين ألف بيت بغزة لا يزال حياً، وأمدّ الله بعمره، وله صورة أخيرة اطلعت عليها، صورة مخيفة، أربع سنوات في سبات، لأنه ما أدخل الله في حساباته، أدخل أن القوى الغربية معه، اقتل، اهدم، البطولة والذكاء أن تدخل الله في حساباتك . ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
﴿ لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾
[ سورة آل عمران ]
﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ﴾
[ سورة الصافات ]
أخواننا الكرام الإنسان أحياناً يترنم بكلمة مسؤول كبير، والله لو دقق في معنى مسؤول كبير لارتعدت فرائصه.
يقول سيدنا عمر: والله لو تعثرت بغلة في العراق ـ هو في المدينة ـ لحاسبني الله عنها، لِمَ لم تصلح لها الطريق يا عمر؟.
فهذا الذي يترنم فيقول: أنا مسؤول كبير، لو وقف عند معنى مسؤول كبير، سوف تحاسب عن كل شيء. ﴿ فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة الحجر ]
أنواع الذكر :
1 ـ ذكر نعم الله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4475/08.jpg
الآن من أنواع الذكر أن تذكر نِعم الله عز وجل.
﴿ وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً ﴾
[ سورة آل عمران الآية 103 ]
أيها الأخوة، من لوازم الذكر أن تذكر مجمل النِعم إجمالاً وتفصيلاً . ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 86 ]


2 ـ ذكر اسم الله على كل شيء :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4475/09.jpg
ومن أنواع الذكر أن تذكر اسم الله على كل شيء، أي عملٍ لا يُبدأ باسم الله فهو أبتر، معنى بسم الله حينما تشرب الماء تقول: بسم الله، من هذا الذي حوّل لك الملح الأجاج إلى عذبٍ فرات؟ قبل أيام كنا في نبع الفيجة من الداخل، شيء يدعو للبكاء، من خصّ هذه البلدة الطيبة بهذا النبع الذي يصل إلى مشارف حمص؟ نصف لبنان فوق حوضه، ومن الشرق سيف البادية من حوض النبع، وفتحته في عين الفيجة، وكل ثانية يضخ ثمانية عشر متراً، وفي الأحوال الجيدة كل ثانية يضخ ستاً وثلاثين متراً، وفي الأحوال الصعبة يضخ بكل ثانية مترين، مدينة فيها خمسة ملايين لولا هذا النبع، طبعاً مكتوب آية كريمة:
﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴾
[ سورة الملك ]
البيت الذي ثمنه مئة مليون لا قيمة له من دون ماء. 3 ـ ذكر حكمة الأمر :
أيها الأخوة، من أنواع الذكر أن تذكر حكمة الأمر .
﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4475/10.jpg
أنا لا أنسى هذه الحكاية الصغيرة، أعرابي جاء النبي عليه الصلاة والسلام قال : (( قلت: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسألُ عنه أحداً بعدك قال: قل آمَنْتُ بالله، ثم استقم ))
[أخرجه مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفي ]
وفي رواية ثانية: (( قال له: فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرةٍ شراً يره، هذا الأعرابي قال: كُفيت ))
القرآن ستمئة صفحة، أربعمئة ألف حديث، قال له: كُفيت، آية واحدة اكتفى بها، والله أيها الأخوة أحياناً تكفي آية واحدة: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
[ سورة النساء ]
﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾
[ سورة الفجر ]
يكفي حديث واحد: (( عش ما شئت فإنك ميت ))
[ الطبراني عن سهل بن سعد]
الله عز وجل قال : ﴿ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 63]
دقق في كلام الله، دقق في حديث رسول الله، يقول سيدنا سعد: "ثلاثةً أنا فيهن رجل، وفيما سوى ذلك فأنا واحدٌ من الناس، ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حقٌ من الله تعالى". ارتباط الذكاء و العقل الراجح بالإيمان :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4475/11.jpg
الآن هناك ملمح رائع جداً: أن سيدنا خالد حينما أسلم، قال النبي الكريم له: عجبت لك يا خالد أرى لك فكراً، كأن النبي الكريم ربط الذكاء والعقل الراجح بالإيمان، وفي بعض الآثار:
(( أرجحكم عقلاً أشدكم لله حباً ))
[ورد في الأثر]
ماذا يقول الله عز وجل ؟ ﴿ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾
[ سورة البقرة ]
أصحاب العقول يذكرون، فكلما نما عقلك نما ذكرك، والله عز وجل الكون كله آياتٌ كونية تدل عليه، نصب الآيات الكونية، وأجرى الآيات التكوينية، أحياناً تقوم حرب أهلية، الآية الكريمة: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النحل ]
هذه آيات تكوينية، غرق الباخرة تيتانيك آية تكوينية لأن في نشرتها: أن القدر لا يستطيع إغراقها، فغرقت في أول رحلة، الله عز وجل له آيات كونية خلقه، وله آيات تكوينية أفعاله، وله آيات قرآنية كلامه، الله عز وجل قال: ﴿ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
لِمَ لا تذكر هذه الآيات؟ على الإنسان أن يذكر الله في الملمات :
كما قلت قبل قليل: هناك آياتٌ خاصة
﴿ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ ﴾
﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآَوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾
[ سورة الأنفال ]
قال لي إنسان من بلد إسلامي: أنا كنت عتالاً، والآن من أكبر تجار الخضراوات في بلده، عنده أسطول من البرادات يجوب أقطار الشرق الأوسط، قال لي: والله ما فاتني فرض صلاةٍ في حياتي، قال لي: كنت عتالاً، إذاً أن تذكر ماضيك، وكيف كنت فقيراً، وكيف كنت مستضعفاً، وكيف كنت بلا زوجة، ولا ولد، ولا عمل، ولا شيء، الله أكرمك بشهادة عليا، بعمل مربح، بزوجة صالحة، بأولاد أبرار، هذه النعم أذكرها، وينبغي أن تذكر الله في الملمات. ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 135 ]
لا سمح الله ولا قدر: ﴿ أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية 135 ]
مرة سألت أخاً، قلت له: لك وقتٌ طويل لم نرك في المسجد، قال لي: لأنني وقعت في مشكلة مع الله فاستحييت، قلت له: بالعكس، أنت حينما تقع في مشكلة مع الله ينبغي أن تبادر إلى المسجد، حتى أوضحها له، قلت له: إنسان مريض، قال: لأني مريض أنا أخجل من الطبيب، لكن الطبيب مهمته الآن، الآية الكريمة: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 135 ]
ذكر الله عز وجل وقته المناسب حينما تُخطئ، أعلن توبتك، استغفر، تضرع، اعتذر، اندم، ناجِ ربك . ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
عدم تناقض الدنيا مع الآخرة فالدنيا في خدمة الآخرة :
أخواننا الكرام، لا يمكن أن تتناقض الآخرة مع الدنيا، بل الدنيا في خدمة الآخرة ورد:
(( ليس بخيركم من ترك دنياه لآخرته ولا آخرته لدنياه حتى يصيب منهما جميعا فإن الدنيا بلاغ إلى الآخرة))
[الديلمي وابن عساكر عن أنس]
لذلك قال تعالى: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
[ سورة النور الآية : 37 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4475/12.jpg
يتاجر، يؤسس شركة، ينال الدكتوراه، يعمل عملاً عظيماً، وأنت في قمة انهماكك بالعمل أنت مع الله، لا تتوهم الدين تقعد لوحدك، تقبع بالبيت، لا تعمل شيئاً، تقول: ليس في الناس خير، لا ليس هذا هو الدين، أن تكون في المعمعة، أن تقدم شيئاً للأمة، كما أن الأمة في حاجة إلى من يموت في سبيلها، هي في أمس الحاجة إلى من يعيش في سبيلها، قدمت شيئاً للأمة؟ ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
كن أول تاجر، وأمّن بيوتاً لطلاب العلم، كن أول تاجر وأنشئ جمعية للأيتام، جمعية خيرية، أنشئ مستوصفاً، اعمل عملاً ينتفع به الناس، في بعض الأماكن هناك مستوصفات خيرية، التحاليل كلها، والأعمال الطبية الغالية جداً بعشر قيمتها، هذا عمل انتفع به جميع الناس، لا تكن متقوقعاً، منسحباً، انعزالياً، سلبياً، عظيماً، وإذا كان عظيماً أنت ماذا قدمت له؟ لم تقدم شيئاً، إعجاب سلبي، أكبر مشكلة يعاني منها المسلمون إعجابهم السلبي بالدين، لا يساوي شيئاً، يوزع التهم على الناس ومرتاح، وأنا أساساً هناك إنسان أموت حباً به فهو لا يخطئ هو رسول الله، وهناك إنسان آخر لا يخطئ أحتقره لأنه لا يعمل، من لا يعمل لا يخطئ، مادمت لم تقدم شيئاً فلن تغلط ، قاعد، مرتاح، وصي على الأمة ، توزع الألقاب، والاتهامات، ولا تقدر شيئاً. لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه لأحد :
لذلك:
﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
يتاجر، يده عليا وليست سفلى. (( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
اعمل. (( ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير))
[ابن عساكر عن عبد الله بن بسر]
لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه هذا من قوله تعالى: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة النور ]
إن لله عملاً في الليل لا يقبله في النهار، وإن لله عملاً في النهار لا يقبله في الليل.






والحمد لله رب العالمين


السعيد 07-14-2018 08:05 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السادس و الاربعون )

الموضوع : فوائد الذكر







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الذكر :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو "الذكر"، والذكر من أفضل القربات إلى الله عز وجل، من فوائد هذا الذكر: أنه يطرد الشيطان ويقمعه، وقد وصف الله الشيطان بأنه وسواسٌ لكنه خناس، لمجرد أن تقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الشيطان يخنس، لذلك معك سلاحٌ فعال لا يخيب.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4637/01.jpg
﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 200 ]
الاستعاذة التي ذكرها الله عز وجل أن تكون حاضر القلب مع الله.
لذلك ما من مصيبةٍ في الأرض، ما من بلاءٍ كبير، إلا بسبب وسوسة الشيطان، سيدنا موسى ماذا قال؟ قال: ﴿ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ﴾
[ سورة القصص الآية: 15]
ما يجري في الأرض من حروب، من اجتياحات، من قتل، من تدمير، هذا من عمل الشيطان. الإنسان معه ملكٌ يلهمه وشيطانٌ يوسوس له فإما أن يستجيب لهذا أو لهذا :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4637/02.jpg
لذلك بشكل أو بآخر معظم المؤمنين موضوع الشيطان ليس داخلاً في قناعاتهم، أو في حياتهم بشكلٍ كما ينبغي في القرآن الكريم .

﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ﴾
[ سورة فاطر الآية : 6 ]
﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 268 ]
﴿ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ ﴾
[ سورة المائدة الآية 91 ]
﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 175 ]
آياتٌ كثيرة تقترب من مئة آية تتحدث عن فعل الشيطان، فالإنسان معه ملكٌ يلهمه وشيطانٌ يوسوس له، فإما أن يستجيب لإلهام الملك، فيسلم ويسعد في الدنيا والآخرة، وإما أن يستجيب لوسوسة الشيطان فيهلك ويشقى في الدنيا والآخرة، ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً ﴾
وما أدخل الله آدم عليه السلام وحواء الجنة التي في الأرض إلا ليلقن هذا الإنسان الأول وذريته من بعده هذا الدرس البليغ. من استعاذ بالله من الشيطان الرجيم صرفه الله عنه :
لكن الآية المطمئنة: ﴿ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ﴾
[ سورة الحجر الآية : 42 ]
﴿ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ﴾
[ سورة إبراهيم الآية : 22 ]
مثلٌ أضربه كثيراً: إنسان يرتدي أجمل ثياب وأغلى ثياب، نزل في حفرةٍ فيها مياهٌ سوداء ـ مياه مجاري ـ فلما خرج منها ذهب إلى مركز الشرطة ليشتكي على إنسان، فسأله المحقق هل دفعك إلى هذه الحفرة؟ قال له: لا والله ما دفعني، هل أشهر عليك مسدساً وأمرك أن تنزل بها؟ قال له: لا والله ما فعل هذا، قال له: هل أمسكك ووضعك فيها؟ قال له: لا والله ، قال : لِمَ تشتكي عليه؟ قال: لأنه قال لي: انزل فنزلت، هذا يستحق مستشفى المجانين.
هذا الوضع نفسه، ﴿ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾
أنت بين إلهام الملك، وبين وسوسة الشيطان، لابدّ من أن تأخذ موقفاً، ولمجرد أن تستعيذ بالله عز وجل صُرف عنك الشيطان. ﴿ وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 200-201 ]
أي ذكروا الله. فوائد الذكر :
1 ـ ابتعاد الشيطان عن الذاكر :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4637/03.jpg
أول فائدة من فوائد الذكر أن الذاكر يبتعد عنه الشيطان، يا عمر:

(( ما لقيك الشيطان قطُّ سالكا فجّاً إِلا سلك فَجّاً غير فَجِّكَ ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
الذاكر بعيدٌ عن وسوسة الشيطان، وكل الأعمال الخطيرة والمصائب الوبيلة تبدأ بوسوسة، ثم برغبة، ثم بإرادة، ثم بعمل، ثم بشقاء في الدنيا والآخرة.


2 ـ الذاكر يرضي الرحمن :
من فوائد الذكر أنك ترضي الرحمن، ورد في الأثر:
(( يا موسى: أتحب أن أكون جليسك؟ قال: كيف ذلك يا رب؟ قال: أما علمت أنني جليس من ذكرني، وحيثما التمسني عبدي وجدني ))
أنا جليس الذاكرين، أي هل هناك أعظم من أن يكون الله معك؟ معك إذا ذكرته، لكن اجعل هذه الكلمة نصب عينيك، أنا جليس الذاكرين، إن ذكرته كان معك، وإذا كان معك فمن عليك؟ لذلك قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 102 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4637/04.jpg
بعض العلماء فسر حق التقوى: أن تذكره فلا تنساه، أن تطيعه فلا تعصيه، أن تشكره فلا تكفره، معنى
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
أن تذكره فلا تنساه، أن تطيعه فلا تعصيه، أن تشكره فلا تكفره.
أي إذا رضي الله عنك كان معك، وإذا كان معك فمن عليك؟ من يستطيع في الأرض أن يصل إليك؟
مثلاً إنسان يكون شرطياً عند ملك يخافه جميع الناس، لأن وراءه الملك، فإذا كنت مع الله من يستطيع أن يصل إليك؟ من يستطيع أن ينال منك؟ فمعية الله شيء لا يقدر بثمن ، وقد قال الله عز وجل : ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
[ سورة الحديد الآية : 4 ]
هذه معيةٌ عامة مع كل الخلق، مع الملحد، مع الكافر، مع الفاسق، مع الماجن، معهم بعلمه، أما إذا قال الله عز وجل: إن الله مع المؤمنين، مع المتقين، مع الصادقين، هذه معيةٌ خاصة أي معهم بالحفظ، والتأييد، والتوفيق، والرعاية، والنصر . 3 ـ يزيل الهم و الحزن :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4637/05.jpg
أيها الأخوة، من فوائد الذكر أنه يزيل الهم والحَزن، إنسان ذاكر يشعر بالهم؟ مستحيل وألفُ ألفِ مستحيل، من غفل عن الله عز وجل ابتلاه الله بالهم، والدليل:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[ سورة طه ]



الإعراض عن ذكر الله يفضي بالإنسان إلى معيشةٍ ضنك :
قد يقول قائل: هؤلاء الذين يملكون المليارات أية معيشةٍ ضنك؟ الجواب: ضيق القلب، الأقوياء والأغنياء إذا أعرضوا عن ذكر الله ابتلوا بضيق القلب.
لذلك أحد كبار العارفين الذي كان ملكاً قال: والله لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف، إذا كنت مع الله كنت في سعادة، كنت في طمأنينة، لذلك ملخص وملخص الملخص:
﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
[ سورة الرعد ]
لم يقل الله عز وجل تطمئن القلوب بذكر الله، إن كانت الآية كذلك أي أنها تطمئن بذكر الله وبغير ذكر الله، أما حينما جعل الله العبارة عبارة قصر وحصر، ﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
أي أن القلوب لا تطمئن، ولا تستقر، ولا ترتاح، إلا بذكر الله، بشكل أو بآخر هناك حاجة عند الإنسان لا تملؤها أموال الأرض، ولا أعلى منصب، يملؤها ذكر الله، تجد الأغنياء الأقوياء يبحثون عن سعادةٍ مفقودة، لو عرفوا الله وذكروا الله لاستقرت نفوسهم.
بعض العلماء الكبار قال: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ لذلك قالوا: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن ]
هذه جنة القرب ذكرها الله عز وجل قال: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
في الدنيا أذاقهم طعمها، والله أنا لا أبالغ إن لم تقل: أنا أسعد الناس قاطبةً، إلا أن يكون أحد الناس أتقى مني، ففي الإيمان خلل، هل هناك شقاء مع معرفة الله؟ هل هناك شقاء والله وليك؟ هل هناك شقاء والله بيده كل شيء؟ هل هناك شقاء وكل من في الكون بيد الله؟ وأنت مع الله؟ وملخص الملخص: إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك؟ وماذا وجد من فقدك؟. 4 ـ للذكر فائدتان؛ فائدةٌ تطهيرية وفائدةٌ تعطيرية :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4637/06.jpg
الفائدة الأخرى للذكر: الذكر له فائدتان، فائدةٌ تطهيرية وفائدةٌ تعطيرية، أحياناً أنت تغسل الإناء وتملؤه بماء الزهر ، تغسله أولاً وتملؤه بالعطر، فالغسل هدف تطهيري، وإملاءه بالعطر هدف تعطيري، فالمؤمن بالذكر يطهر ويزكو، تقول: لا يكذب ـ طهارة ـ لا يشك، لا يغتاب، لا ينحرف، لا يغش المسلمين، تقول ألف كلمة قبلها لا هذا تطهير، لكن لطيف ـ تعطير ـ حليم، رحيم، ودود، متواضع، هناك تطهير وهناك تعطير، الذكر يطرد الشيطان، ويرضي الرحمن، ويزيل الهم والحَزن، ويجلب للقلب الفرح والسرور، الذكر يطهر ويعطر.



5 ـ يقوي البدن :
من فوائد الذكر: أنه يقوي البدن، هذه تحتاج إلى شرح، ما علاقة الذكر بالصحة؟ الآن ثبت أن الشدة النفسية وراء معظم الأمراض، القلق، الحقد، الخوف، أمراض المعدة قد تبدأ بالشدة النفسية، أمراض القلب تبدأ بالشدة النفسية، أنا أعتقد أنه كلما تقدم الطب كشف العلاقة المتينة والقوية بين خطأ في العضوية وبين الشدة النفسية، بل إن في القرآن الكريم إشارة إلى هذه الشدة:
﴿ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 119 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4637/07.jpg
الغيظ قاتل، الشدة النفسية تفك القامع عن الخلايا السرطانية، الشدة النفسية أي وحشة، بعد عن الله، خوف، قلق، إحباط، يأس، هذه الشدة النفسية، والشدة النفسية الآن مرض العصر الأول لبعد أهل الأرض عن الله عز وجل
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾
يمكن أن تضع محلها الشدة النفسية، الآن أكثر الأطباء المتعمقين في الطب يربط بين المرض وبين أزمة نفسية طاحنة.
لذلك الذكر يجعلك صحيحاً، ماذا أقول لكم؟ أخطر جهاز بالإنسان جهاز المناعة المكتسب، هذا الجهاز يقويه الفرح، يقويه الأمن، يضعفه القلق، والخوف، والحزن، الذكر يملأ القلب نوراً، فترى بقلبك المستنير الحق حقاً والباطل باطلاً، والذكر يملأ الوجه نوراً، لا بالمقياس الجمالي المادي، قد يكون الإنسان ليس فاتح البشرة، لكن يوجد بوجهه نور يتلألأ، وقد يكون أسود البشرة، هناك بالذاكر شيء يجذبك، ترتاح، تسعد بالنظر إلى وجهه، فالذكر يملأ القلب نوراً فترى به الحق حقاً والباطل باطلاً، ويملأ الوجه نوراً فيتألق الوجه. 6 ـ يجلب الرزق :
الذكر يجلب الرزق، عجيب! لأنه ورد أن الإنسان قد يحرم الرزق بذنب يصيبه، الله عز وجل قال:
﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
[ سورة النساء الآية : 147 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4637/08.jpg
وقال تعالى:
﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً ﴾
[ سورة طه الآية : 132 ]
معنى ذلك أنك إذا ذكرت الله فالله يتولى أن تكون في حياةٍ مريحة، الذاكر يكسوه الله مهابة، ومن هاب الله وذكره هابه كل شيء.
عندما أمر الحجاج بقتل الحسن البصري، جاؤوا به والسياف واقف، وقد مدّ النطع، دخل الحسن البصري على الحجاج، فإذا بالحجاج يقف له، ويدعوه إلى مجلسه، ويسأله، ويعطره، ويضيفه، ويشيعه إلى باب القصر، فصعق السياف، ولما غادر الحجاج تبعه الحاجب، وقال له: يا أبا سعيد! لقد جيء بك لغير ما فُعل بك، فماذا قلت لربك؟ هو عندما دخل حرك شفتيه، قال له: قلت لربي: "يا ملاذي عند كربتي، يا مؤنسي في وحشتي، اجعل نقمته عليّ برداً وسلاماً كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم".
فالذاكر له هيبة، احفظوا هذه القاعدة: من ذكر الله هابه كل شيء، ومن لم يذكر الله أخافه الله من كل شيء. 7 ـ يورث المحبة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4637/09.jpg
الآن الذكر يورث المحبة، هي روح الإسلام، الآن هناك مساجد، وكتب إسلامية، ومكتبات إسلامية، ومؤتمرات إسلامية، ولقاءات إسلامية، كل شيء إسلامي، لكن لا يوجد حب، الذكر يورث المحبة، إن لم تحب المؤمنين، إن لم تنتمِ إلى مجموع المؤمنين، فلست مؤمناً، هذه الفقاعات، جماعات، خصامٌ بينها، تراشق تهم بينها، تكفير، تبديع، هؤلاء ليسوا كما يرضى الله عز وجل، لو أنهم ذكروا الله الذكر الحقيقي لأحب بعضهم بعضاً، الحب أصل في الدين.

(( لا يُؤمِنُ أحدُكُمْ حتَّى يُحِبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك ]
إن أردت أن يحبك الله عز وجل فأكثر من ذكر الله، ورد في الأثر: (( إذا أردتم رحمتي فاذكروني ))
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً ﴾
[ سورة الأحزاب ]
8 ـ يفضي بالإنسان إلى مراقبة الله عز وجل :
الذكر أيها الأخوة، يفضي بك إلى المراقبة، تراقب الله عز وجل، والمراقبة تفضي بك إلى الإحسان، والإحسان أعلى مراتب الإيمان.
(( أن تعبد الله كأنك تراه، فإنك إن لم تره فإنَّه يراك ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة]
9 ـ يورث القرب من الله عز وجل :
الذكر يورث القرب من الله عز وجل، فعلى قدر ذكرك لله يكون قربك منه، وكلما كنت أقرب إلى الله كنت أسعد الخلق، وعلى قدر الغفلة يكون البعد، وكلما كان العبد بعيداً عن ربه كان شقياً، قضية كالرياضيات واضحة جداً، وأكبر عقاب يناله الإنسان.
﴿ كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ ﴾
[ سورة المطففين ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4637/10.jpg
مثلاً: يقول لك إنسان: أنا معي مال كثير، وعملت فحوصاً كاملة، فتقول له: خير إن شاء الله، معك مال ومعك صحة طيبة، لكنك مقطوع عن الله، بعضهم قال: الذكر يفتح أبواباً كثيرة من أبواب المعرفة، أي إن صحّ أن هناك معرفة اشراقية هي من ثمار الذكر، هذه المعرفة الاشراقية منضبطة بالكتاب والسنة، فلعل الله عز وجل يزيد المؤمن بذكر الله عز وجل فهماً لكتابه.
﴿ فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ﴾
[ سورة الأنبياء الآية : 79 ]
وفهماً لسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإدراكاً للحكم من وراء النصوص، هذه معرفة اشراقية أحد أسبابها الذكر، والشيء الذي أذكره كثيراً: أن ذكر الله يورثك أن يذكرك الله. ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 152 ]
أما إذا ذكرك الله عز وجل منحك الأمن، منحك الحكمة، منحك الرضا، منحك السكينة، منحك التأييد، منحك النصر، شيء لا يقدر بثمن أن يذكرك الله عز وجل، قال لك: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ ﴾
إذا ذكرك كنت الإنسان الأول، والحقيقة الذكر حياةٌ للقلب، الذكر للقلب كالماء للسمك بالضبط، كيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟ صدق ولا أبالغ ويكون حال المؤمن إذا غفل عن ذكر الله كالسمك الذي أُخرج من الماء، قالوا: الذكر قوت القلوب. 10 ـ يبعد القلوب عن السأم و الملل و الضجر :
الآن الذاكر من إكرام الله له أن قلبه الصدئ يذهب عنه الصدأ، الدليل: إن هذه القلوب تصدأ، أي يصيبها حالة ملل، سأم، ضجر، لا يوجد رغبة بالطاعة ولا بالصلاة، يقرأ القرآن لا يحس ب شيء، رأساً ينصرف عنه، إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، قيل: فما جلاؤها؟ قال: ذكر الله ،أنت بالذكر ينتعش قلبك، وبالذكر تزول الوحشة بينك وبين الله:
فــليتك تحلو والحياة مريرةٌ وليتك ترضى والأنام غضاب
ولـيت الذي بيني وبينك عامرٌ وبيني وبين الـعالمين خراب
إذا صحّ منك الوصل فالكل هين ٌ وكل الذي فوق التراب تراب
* * *

11 ـ ينجي من عذاب الله تعالى :
والذكر ينجي من عذاب الله تعالى، ورد أنه:
(( ما عَمِل ابنُ آدمَ من عَمَل أنْجَى له من عذابِ الله من ذِكْرِ الله ))
[أخرجه الترمذي ومالك في الموطأ عن معاذ بن جبل ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4637/11.jpg
ارتباط الذكر بتنزل السكينة، السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، أحد أسباب السكينة ذكر الله عز وجل، ما دمت تذكر الله معنى ذلك أنك ابتعدت عن الغيبة والنميمة، لابد من أن تتكلم، إذا كان كلامك ذكر الله عز وجل.
(( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع: خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة، وآمرُ بالعُرْف ))
[ أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
إذا تكلمت فتكلم بذكر الله، كي تبتعد عن كل معاصي اللسان. 12 ـ الذكر سبب لعطاء الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4637/12.jpg
لذلك آخر شيء: الذكر سبب لعطاء الله، والله أيها الأخوة، ما من نصٍ أثّر في حياة المؤمنين كهذا النص:

(( يقول الرب تباركَ وتعالى: مَن شَغَلَهُ قراءةُ القرآن عن مسألتي أعطيتُهُ أفضلَ مَا أُعْطِي السائلين ))
[أخرجه الترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
أي بشكل أو بآخر بعضهم عدّ للذكر مئة فائدة ذكرت بعضها، لكن هذه كلها تلخص في قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ﴾








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-14-2018 08:11 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السابع و الاربعون )

الموضوع : الرضا عن الله







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الرضا عن الله :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد يتصل أشد الاتصال بـ:" سبل الوصول وعلامات القبول"، إنه موضوع: "الرضا عن الله".
أيها الأخوة، من الثابت أن الإنسان بين حالين، بين حالة الرضا وبين حالة السخط، الرضا من لوازم الإيمان، والسخط من لوازم الكفران، الرضا من لوازم القرب من الله، والسخط من لوازم البعد عن الله، القرب يؤكد أنك راضٍ عن الله.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4638/01.jpg
الآن تفسير الرضا، تعليله: طفل صغير على كرسي طبيب الأسنان، حينما يتألم يضجر، ويبكي، ويضطرب، وقد يمسك يد الطبيب لأنه لا يعلم أن هذا الألم لابد منه ولصالحه، إنسان راشد يجلس، يقول له الطبيب: قلبك لا يحتمل المخدر، يجب أن تتحمل فيتألم أشد الألم وهو يتحمل.
كلما زاد علمك زاد رضاك عن الله، وكلما قلّ علمك قلَّ رضاك، فالعلم متعلق بالرضا، إذاً الرضا من لوازم الإيمان، السخط من لوازم الكفران، الرضا من لوازم القرب، السخط من لوازم البعد، الرضا من لوازم الاتصال بالله، السخط من لوازم البعد عن الله، العلماء قالوا: الرضا مستحبٌ مؤكد، فقد ورد في الأثر القدسي:
(( من لم يرض بقضائي ويصبر على بلائي فليلتمس رباً سوائي ))
[أخرجه الطبراني عن أبي هند الداري ]
حينما تنطلق من مقولةٍ رائعةٍ جداً، كل شيءٍ وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق، هذا كلامٌ دقيق لو استوعبه الإنسان لرضي عن الله، كل شيء وقع أراده الله، الإله العظيم صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى سمح به، ولو لم يكن هناك حكمةٌ بالغةٌ بالغةٌ بالغة عرفها من عرفها وجهلها من جهلها لم يسمح الله به، إذاً لكل واقعٍ حكمة، وقد يكون الموقِع مجرماً، معنى سمح به لا يعني أنه رضيه ولا أمر به، أراد ولم يأمر، أراد ولم يرضَ، لكن هكذا تقتضي الحكمة، فكل شيء وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقةٌ بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقةٌ بالخير المطلق، هذه المقولة على إيجازها تملأ قلب المؤمن رضا عن الله. الحال و المقام :
أيها الأخوة، من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم الجامعة المانعة:
(( اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك ماض في حكمك عدل في قضاؤك ))
[أخرجه أبو يعلى والطبراني والبزار والإمام أحمد وابن حبان عن عبد الله بن مسعود ]
أي يجب أن ترضى بالله وهذا قدرك، وينبغي أن ترضى بالله وهذا إيمانك، هناك فرق بين أن ترضى قدراً وبين أن ترضى إيماناً، أن ترضى قدراً يقول لك: ليس بيدنا شيء، أما أن ترضى إيماناً تشكره على قضائه وقدره.
لذلك قال سيدنا علي رضي الله عنه: "الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين".
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4638/02.jpg
هناك موضوع دقيق يحتاج إلى شرح، هناك عند بعض العلماء حالٌ ومقام، الحال وهبي، والمقام كسبي، أنت بجلسة فيها إنسان موصول بالله تشعر براحة كبيرة، هذه الراحة جاءتك من هذا المجلس، أما أنت في بيتك، وفي عملك، وفي شؤونك الخاصة، لست بهذا الحال، هذا الحال جاءك من هذا المجلس.
(( لو تكونون على كل حال على الحال الذي أنتم عليه عندي لصافحتكم الملائكة بأكفكم ولو أنكم في بيوتكم ))
[أخرجه الترمذي والدرامي والطبراني عن أبي هريرة ]
هذا شيء واضح جداً، الإنسان عندما يجلس مجلس علم، يقول لك: والله شعرنا براحة كبيرة، و هناك تعبيرات كثيرة تقابل هذه الراحة، التعبير القرآني أشعرنا بسكينة أي: (( مَا اجتمعَ قَوم في بيت من بُيُوتِ الله تباركَ وتعالى يَتْلُونَ كتابَ الله عزَّ وجلَّ ويَتَدَارَسُونَهُ بينهم، إِلا نزلت عليهم السكينةُ، وَغَشِيَتْهم الرحمةُ ، وحَفَّتْهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده ))
[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]
هذا الذي يصيب من يحضر مجلس علم هذا حال وهبي، أما حينما تجتهد أنت، وتجاهد نفسك، وهواك، وتزداد يقيناً، وتزداد قرباً، وتزداد اتصالاً، الحال الذي شعرت به في هذا المجلس يبقى مستمراً معك، هذا الحال الذي يبقى معك ملكك، هذا هو أنت، هذا هو المقام، المقام كسبي، الحال وهبي، الحال طارئ.
تصور راكب دراجة تعلق بسيارة، الآن حركته في الطريق الصاعدة ليست ذاتية من تعلقه بالسيارة، أما حينما يركب سيارة ملكه فيها محرك شخصي، الحركة ذاتية.
الفرق كبير بين الحال وبين المقام، المقام كسبي، الحال الذي تشعر به بسبب مقامك الذي حصّلته بجهدك، هذا شيء ثابت، أما كل إنسان بجلسة فيها درس علم يقول لك: والله سررنا، هذا السرور ليس منك من جو المجلس، لكن لا مانع من أن تكثر من هذه المجالس حتى تشتاق إلى أن تملك هذا الحال، فالفرق دقيقٌ جداً بين المقام وبين الحال. بطولة الإنسان أن يملك مقام القرب لا أن يأتيه ومضة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4638/03.jpg
لذلك أيها الأخوة، الرضا كما تبين من هذه الملاحظة وهبي لكن هناك جانباً كسبياً، المقام الذي حصلته بجهدك، وجهادك، وبَذلك، وعطائك، وانضباطك، وإقبالك، وعملك الصالح، له منعكس حال، هذا الحال كذلك كسبي، الحال الذي يأتيك من دون جهد وهبي، أما الحال الذي يأتيك بعد جهد جهيد فهذا كسبي، فالبطولة أن تملك مقام القرب لا أن يأتيك ومضة، أو تأتيك مس من القرب من الله عز و جل، فالبطولة أنه إذا ذقت طعم القرب ستعمل على أن تتابع وتجاهد وتسعى كي تملك هذا الحال، أي المؤمن سعيد بأي حال.

(( عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))
[أخرجه مسلم، عن صهيب الرومي ]
أي كما قال بعضهم: إنك إذا بذلت ما كُلفت به من معرفةٍ بالله، من فهمٍ لكتابه، من استقامةٍ على أمره، جاءك الرضا، هذا الرضا منعكس هذا المقام. الإنسان البعيد عن الله في خوفٍ من الفقر أما المؤمن فالله يلقي في قلبه الأمن و السكينة:
أيها الأخوة: من الثابت لو أن الإنسان في أعلى مستويات الحياة، له دخل فلكي، دخل غير محدود، بيت متميز، مركبة فارهة، أي كل شيء في أعلى مستوى، ولم يكن هذا الإنسان راضياً عن الله فهو أشقى الناس.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4638/04.jpg
لذلك قالوا: أنت من خوف الفقر في فقر، ومن خوف المرض في مرض، وتوقع المصيبة مصيبةٌ أكبر منها، فالإنسان البعيد عن الله في خوفٍ من الفقر، دائماً فقير حقيقي لأنه يخاف الفقر، مريض حقيقي لأنه يخاف المرض، الآن بعض الأزمات القلبية سببها الخوف من أزمة قلبية، الناس يعيشون في قلق، أما المؤمن فالله عز وجل يلقي في قلبه الأمن.
أيها الأخوة، ولو أن إنساناً في أدنى مستويات الحياة، والله أذكر مرة دخلت إلى بيت يمكن أعلى بيت في جبل قاسيون، بيت متواضع بشكل لا يُتَصور، شعرت أن هذا البيت قطعة من الجنة، قد تسكن ببيت، ثمنه مئة وثمانون مليوناً، وقد تسكن ببيت أربعين متراً، فالله عز وجل عندما يلقي في قلبك السكينة أي مكان يصبح جنة.
قال: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة فماذا يفعل أعدائي بي؟ يقول هذا العالم الجليل: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن ]
من تعرف إلى أسماء الله الحسنى ازداد قرباً منه واطمئناناً وثقةً وتوكلاً :
أخواننا الكرام، الآية الدقيقة جداً التي تؤكد هذا المعنى:
﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4638/05.jpg
ذاقوا طعمها في الدنيا، أنا أقول بعبارة أخرى: إن لم تقل أنا أسعد الناس ففي الإيمان خلل، تتعامل مع من؟ مع خالق السموات والأرض، مع القوي، مع الغني، مع الكريم، مع الرحيم، وكلما تعرفت إلى أسماء الله الحسنى ازددت قرباً منه، واطمئناناً، وثقةً، وتوكلاً.
إنسان يطوف حول الكعبة يقول: يا ربي هل أنت راضٍ عني؟ قيل: إن وراءه الإمام الشافعي، فقال له: يا هذا هل أنت راضٍ عن الله حتى يرضى عنك؟ قال له: يا سبحان الله! أرضى عنه وأنا أتمنى رضاه ما هذا الكلام؟! فقال له الإمام الشافعي: إذا كان سرورك بالنقمة كسرورك بالنعمة فقد رضيت عن الله، البطولة لا في الرخاء، أن تأتي الشدة وتقول: يا ربي لك الحمد. ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾
[ سورة الزمر ]
هناك آية يقشعر منها البدن: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾
[ سورة ص الآية : 44 ]
إذا أحبّ الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر اقتناه. الرضا طريق من طرق الوصول إلى الله عز وجل :
أخواننا الكرام، الحظوظ؛ المال حظ، الوسامة حظ، الذكاء حظ، يكون عندك زوجة جيدة جداً حظ، عندك أولاد أبرار حظ، لك سمعة طيبة حظ، هذا أنا أسميه حظوظ، الحظوظ ثابتة الذي معه مئة مليون مئة مليون، الذي معه ألف ألف، المشكلة في منعكسات الحظوظ، أحياناً إنسان بالمنفردة وهو راضٍ عن الله، والله لا أبالغ في جنة، أنا لا أتكلم من فراغ، حدثني أناسٌ كثيرون في جنة، وبقصر منيف في وحشة، البطولة منعكس ما عندك، قد يكون ما عندك شيء بسيط، لكن منعكسه رضا عن الله.
لذلك أنا ذكرت هذا الموضوع لأنه من أشد الموضوعات اتصالاً بسبل الوصول وعلامات القبول، المؤمن راضٍ عن الله، راضٍ عن قضائه وقدره، راضٍ عما فيه، وراضٍ عما ليس فيه، انظر الدعاء ما أدقه:
(( اللَّهمَّ ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ، وما زَوَيْتَ عني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ فَرَاغا لي فيما تُحِبُّ ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]

>أنت أمام أحد أمرين؛ شيءٌ تحبه نلته، وشيء تحبه لم تنله، إن نلته قل: يا رب اجعله في سبيلك، اجعله قوة لي في طاعتك، اجعله عملاً صالحاً ألقاه يوم ألقاك، وإن زويت عني المال ينشأ فراغ ناتج عن قلة المال، الذي عنده أموال طائلة تحتاج إلى وقت لإدارتها، و الذي لا يوجد عنده شيء عنده وقت فراغ كبير، يا رب إن رزقتني مالاً وفيراً اجعله في طاعتك، اجعله عملاً صالحاً أتقرب به إليك، وإن زويت عني المال اجعل الفراغ الناشئ عن قلة المال في سبيلك.
أخواننا الكرام، مرة أخ كريم دعاني إلى أن أزور أخاً في حمص، دخلت إلى بيته رأيته مستلقياً على فراش، قال لي: أنا بهذا الوضع من سبعةٍ وعشرين عاماً، صدقوا ولا أبالغ هذا الأخ الذي ابتلاه الله بهذا البلاء عنده ثقة بالله، وعنده معنويات عالية، وعنده رضا عن الله يفوق الأصحاء، أناسٌ كثيرون زاروه، راض عن الله، مرة زاره عالم قال له: إن شاء الله أنت من أهل الجنة، قال له: أنا في الجنة الآن، الآن في الجنة! حينما ترضى عن الله فأنت في جنة، والساخط يكون معه مئة مليون يقول لك: لا يوجد ربح، ما معنى خسرنا؟ أي نزل ربحه إلى ثلاثين مليوناً وهو ساخط عن الله، هناك ناس بقمة النعم وهم ساخطون، و شخص لا يوجد عنده شيء وهو راض عن الله، الرضا طريق من طرق الوصول إلى الله عز وجل. على المسلم أن يعتز بدينه الذي ارتضاه الله له :
وعن العباس بن عبد المطلب: (( إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ذََاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمَّدٍ رَسُولاً ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن العباس بن عبد المطلب ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4638/07.jpg
أي الخمر حرام، دعي إلى طعام قدم له خمر، قال: أنا معي قرحة، لا، قل: أنا مسلم، اعتز بدينك، أنا لا أشرب الخمر، معه قرحة، استحى بدينه، يريد أن يصافح امرأة خجل، فلف يده، قل: أنا لا أصافح.
مرة ببلد عربي وزير نفط دعا وزيرة النفط البريطاني، طبعاً أخذ كبار موظفيه لاستقبالها في المطار، أحد كبار موظفيه امتنع عن مصافحتها، فانزعج الوزير انزعاجاً بالغاً، وقال له: لمّ لم تصافحها؟ قال له: أنا هكذا، هناك دعوة على الغداء قال له: لا تأتي، طرده، قال له: وليكن، في الظهيرة على طعام الغداء قالت له: هناك إنسان لم يصافحني، أين هو؟ فشعر بالإحراج وقال لها: اعتذر، قالت: أرغب بالالتقاء به، قال لهم: أخبروه ليأتي، جاء قالت له: لما لم تصافحني؟ قال لها: والله أنا مسلم وديني يمنعني من أن أصافح امرأةً أجنبية، وأنت امرأةٌ أجنبية، فكرت فكرت، فقالت للوزير: لو أن المسلمين أمثال هذا لكنا تحت حكمكم، اعتز بدينك لا تستحِ. ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾
[ سورة فصلت]
اعتز بدين لا يوجد فيه ربا، والله عز وجل عاقب أهل الأرض بانهيار النظام المالي، اعتز بدين حرم الخنزير، والله عاقب أهل الأرض من مئتي حالة إلى إحدى عشرة ألف حالة خلال أربعة أسابيع، والمرض يزداد انتشاراً، أخواننا الكرام: (( ذََاقَ طَعْمَ الإيمانِ مَنْ رَضِيَ بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمَّدٍ رَسُولاً ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن العباس بن عبد المطلب ]
اعتز بهذا الدين، الربا محرم، الاختلاط محرم، الملهيات التي لا ترضي الله محرمة، اعتز بهذا الدين وارضَ به، لا تستحِ به، أهل الدنيا كل أفكارهم سوداوية يقول لك: هناك فقر قادم أي الغذاء لا يكفي الأرض، هناك مجاعات، دائماً يعطيك الأفكار السوداوية السيئة.
مرة زارنا أخ عضو في حوض دمشق، والله حدثني حديثاً عن هبوط مستوى المياه في هذا الحوض، واحتمال الجفاف الكلي ـ القصة قديمة طبعاً ـ لم أستطع أن أقف، أي الشام انتهت، لكن العام الذي بعده أكرمنا الله بثلاثمئة وسبعين ملي، وهناك ينابيع من ثلاثين سنة غارت، تفجرت، فدائماً البعيد عن الله سوداوي، دائماً يؤوس، قنوط ، كل الأخبار سيئة، لا تقبل هذه الأخبار. الله موجود وفي أي لحظة يقلب موازين القِوى :
أنا أقول لكم هذه الكلمة: تكلم ما شئت، اسمع ما شئت، لا تنسى أن الله موجود، وفي أي لحظة يقلب موازين القِوى، هذه الدولة العملاقة المتعجرفة، من يظن أن انهيار النظام المالي أضعفها كثيراً؟ من يظن؟ هناك أشياء كثيرة لم تكن في الحسبان، هذه العصا الغليظة، إسرائيل في المنطقة التي صُممت وجهزت لتكون العصا الرادعة لأي دولة شرق أوسطية، وحروبها السابقة معروفة، كل كم سنة هناك حرب، حرب طاحنة، جيوش وقفت أمامها فئة قليلة في عام ألفين وستة تحدتها، وفئة قليلة في عام ألفين وثمانية تحدتها، فهذه العصا الغليظة كُسرت، وصار الآن همهم البقاء وليس الأمن، اختلف الوضع، أحياناً تجد هناك تطورات ليست من صنعك، من صنع الله عز وجل، الله موجود، قل: الحمد لله على وجود الله .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4638/08.jpg
أيها الأخوة قال تعالى: ﴿ فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
ونرجو الله سبحانه وتعالى أن يرجع هذا التدافع، عندما كان هناك تدافع الدول الضعيفة مرتاحة جداً، وعندما التغى التدافع صار هناك قطب واحد، الدول الضعيفة تعبت كثيراً لكن على كلٍّ: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 34 ]
لا يوجد شيء يستمر، حتى الأمم لها آجال، ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ﴾
لذلك مرة اطلعت على تقرير للسي أي إي يؤكد أن عمر إسرائيل بقي له عشرين عاماً، التعليل هو الهجرة المعاكسة بسبب انعدام الأمن. الرضا حال يلازم الإيمان والسخط يلازم الكفران :
أيها الأخوة، عن سعد بن أبي وقاص عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(( مَنْ قال حين يسمع المؤذن: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وحدَهُ لا شريك له وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، رَضِيتُ بالله ربّاً، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام دِيناً غُفِرَ له ذَنْبُه ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن سعد بن أبي وقاص ]
أي حال الرضا حال يلازم الإيمان، والسخط يلازم الكفران، الرضا يلازم العلم، والسخط يلازم الجهل، الرضا يلازم القرب من الله، والسخط يلازم البعد، والدنيا مؤقتة، فلينظر ناظرٌ بعقله أن الله أكرم محمداً أم أهانه حين زوى عنه الدنيا؟ فإن قال: أهانه فقد كذب، وإن قال: أكرمه فلقد أهان غيره بحيث أعطاه الدنيا.
هذه البيوت الرائعة جداً، والمركبات الفارهة، والطيران، ما رآها النبي وهو سيد الخلق وحبيب الحق، فمعنى ذلك هناك في الجنة: (( ما لا عين رأتْ، ولا أذن سمعتْ ، ولا خطَر على قلبِ بَشَرْ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة]
المؤمن راض عن الله حتى في أشد الحالات صعوبة :
أخواننا الكرام، من رضي عن ربه فقد عرفه، ومن عرفه رضي عن ربه، أي هناك علاقة ترابطية، حينما ترضى عنه يرضى عنك، الدليل:
﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾
[ سورة البينة الآية : 8 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4638/09.jpg
علامة رضاه عنك أنك ترضى عنه.
والله أخ طبيب بالمستشفى جاءه مريض معه ورم خبيث منتشر بأمعائه، جلس في غرفة، كلما زاره رجل يقول له: اشهد أنني راضٍ عن الله، يا رب لك الحمد، عجيب! هذه الغرفة استقطبت الناس، يدخل الطبيب يرتاح، الممرض يرتاح، هناك أنوار في هذه الغرفة، وآلام لا تحتمل، صابر، وكلما جاءه شخص يقول له: يا رب إنني راضٍ عنك فارضَ عني، اشهد يا أخي أنني راضٍ عن الله، أربعة أيام أو خمسة توفاه الله، و هذه الغرفة منورة، وفيها تجليات رائعة، لحكمةٍ بالغةٍ بالغة جاء مريض بالمرض نفسه وبالغرفة نفسها، ما من نبي إلا وسبه، يسب، ويصرخ، فأهملوه، الله عز وجل أطلع أهل المستشفى من هو المؤمن، من هو غير المؤمن، بالمرض نفسه، وبعد عدة يوم مات.
أي المؤمن راض عن الله حتى في أشد الحالات صعوبة، حتى في المرض الشديد، راض لا يتكلم كلمة.
أخ من أخواننا توفاه الله بمرض خبيث، تقول زوجته: سنتان لم يتكلم كلمة غلطاً، سنتان و هو يعاني من آلام لا تحتمل، هذا حال الرضا، حال كبير جداً، أرجو الله سبحانه وتعالى أن نكون من هؤلاء، العلماء قالوا: الرضا باب الله الأعظم.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-14-2018 08:14 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثامن و الاربعون )

الموضوع : الرضا عن الله فى السراء والضراء







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الرضا :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4639/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو "الرضا"، أي أن ترضى عن الله، انطلاقاً من قوله تعالى:

﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ﴾
[ سورة البينة الآية : 8 ]
الإمام الجنيد ـ رحمه الله تعالى ـ يقول: الرضا هو العلم، أنت حينما تعلم حكمة الله، ورحمته، وعدله، لابد أن ترضى عنه، وحينما تنطلق من حقيقةٍ في الإيمان دقيقة وهي أن كل شيءٍ وقع أراده الله، وأن كل شيءٍ أراده الله وقع ، لأنه لا يليق بألوهية الإله أن يقع في ملكه ما لا يريد، ومعنى يريد أنه سمح بذلك، قد يسمح ولم يأمر، وقد يسمح ولم يرضَ. كل أنواع الشرور في الأرض هي شرور موظفة للخير المطلق :
أيها الأخوة الكرام، كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق، فالشر المطلق لا وجود له في الكون، لأنه يتناقض مع وجود الله، هناك شر نسبي.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4639/02.jpg
الإنسان أحياناً حينما يُفتح بطنه، ويخدر، وتستأصل الزائدة الدودية، هذا شرٌ نسبي من أجل سلامته، ومن أجل استمرار حياته، فدائماً كل أنواع الشرور في الأرض هي شرور موظفة للخير المطلق، لذلك ننطلق في هذا المعنى الدقيق من قوله تعالى:

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾
[ سورة الفجر ]
أي الإنسان إذا أكرمه الله بنعمٍ لا تعد ولا تحصى في الدنيا يتوهم أن هذا إكرامٌ له، وحينما يزوي الله عنه نعمةً لحكمةٍ بالغةٍ بالغة يتوهم أن الله أهانه، فجاء الجواب الإلهي: ﴿ كَلَّا ﴾
[ سورة الفجر الآية : 17 ]
كلا ليست أداة نفي، أداة ردعٍ ونفيٍ، لو أن إنساناً سُئل هل أنت جائع ؟ يقول: لا، أما إذا قيل له: هل أنت سارق؟ ـ وهو إنسان ذو أخلاق عالية جداً ـ لا يقول: لا، يقول: كلا، أي ما كان لي أن أسرق، ولا أن أقبل بالسرقة، ولا أن أدعو إليها، ولا أن أرضى بها، ولا، ولا، علماء اللغة عددوا أكثر من عشر حالات نفي بهذه الصيغة "وما كان"، فالله عز وجل قال: ﴿ كَلَّا ﴾
أي: (( يا عبادي ليس عطائي إكراماً ولا منعي حرماناً، عطائي ابتلاء وحرماني دواء ))
[ ورد في الأثر]
حظوظ الإنسان موقوفةٌ على طريقة الحركة من خلالها :
المال هل هو نعمة؟ الجواب: نعم ولا، نعم إذا اكتسب من طريقٍ حلال، وأنفق في وجهٍ حلال، فهو نعمة، أما إذا اكتسب من طريقٍ حرام، وأنفق في وجهٍ حرام، فهو نقمة.
الصحة نقمة أم نعمة؟ إن تقوى الإنسان بالصحة على معصية الله فهي نقمة، وإن تقوى بالصحة على طاعة الله فهي نعمة.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4639/03.jpg
الزوجة نعمةٌ أم نقمة؟ إذا أعانتك على أمر آخرتك فهي نعمة، أما إذا ضغطت عليك حتى حَملتك على معصية الله فهي نقمة، كل حظوظ الإنسان ابتلاء، أو موقوفةٌ على طريقة الحركة من خلالها، فالآية الآن معناها الدقيق .

﴿ فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ ﴾
أي امتحنه بالمال، ﴿ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ﴾
هو ﴿ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾
﴿ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ ﴾
امتحنه بقلة المال، ﴿ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾
يأتي الرد الإلهي، ﴿ كَلَّا ﴾
لذلك جميع الحظوظ التي أنت فيها، وجميع الحظوظ التي زويت عنك، امتحاناتٌ دقيقة، أنت ممتحن شئت أم أبيت، ممتحن فيما أعطاك، ممتحن فيما زوي عنك، ممتحن فيما أنت فيه، ممتحن فيما لست فيه، ممتحن بالمال، ممتحن بفقده، ممتحن بالصحة، ممتحن بفقدها، ممتحن بالوسامة، ممتحن بضدها، ممتحن بالصحة، ممتحن بالمرض، أي شيءٍ إيجابي هو مادة امتحانك مع الله، وأي شيءٍ سلبي هو مادة امتحانك مع الله، اعلم علم اليقين أنك في دار امتحان، أنت في دار امتحان. (( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي ))
[ من كنز العمال عن ابن عمر ]
الرضا أن يرضى الإنسان عن الله إن أعطاه أو منعه :
إذاً الرضا أن ترضى عن الله إن أعطاك أو منعك، إن قواك أو أضعفك، إن أغناك أو أفقرك، إن عُمرت طويلاً وإن كان العمر قصيراً، في بعض الأحاديث الشريفة يقول عليه الصلاة والسلام: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4639/04.jpg
((إن الله عز و جل يحمي عبده المؤمن كما يحمي الراعي الشقيق غنمه من مراتع الهلكة ))
[ شعب الإيمان عن حذيفة ]
فحينما نفهم أن الله سبحانه وتعالى حينما يزوي عنا نعمةً من نعمه فلحكمةٍ بالغةٍ بالغة، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها، والحقيقة لن تكون راضياً عن الله إلا إذا استوى عندك أن تأتيك الدنيا أو أن تزوى عنك، لا تعد راضياً عن الله، لا تبلغ مقام الرضا، إلا إذا استوى عندك أن تؤتى الدنيا أو أن تزوى عنك، لذلك من أجمل أدعية النبي صلى الله عليه وسلم: (( اللَّهمَّ ما رَزَقْتَني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ قُوَّة لي فيما تُحِبُّ، وما زَوَيْتَ عني مما أُحِبُّ فاجعَلْهُ فَرَاغا لي فيما تُحِبُّ ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن يزيد الخطمي ]
هذا المؤمن أعطاه الله المال يقول: يا رب اجعله قوةً لي في التقرب إليك، زوى عنه المال: يا رب اجعل الوقت الذي نتج عن إبعاد المال عني قربةً إليك. من خصائص المؤمن أنه شاكرٌ في السراء صابرٌ في الضراء :
أيها الأخوة، بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعدٌ مع أصحابه إذ ضحك، فقال عليه الصلاة والسلام: ألا تسألوني ممَ أضحك؟ قالوا: يا رسول الله وممَ تضحك ؟ قال:
(( عَجَبا لأمر المؤمن! إنَّ أمْرَه كُلَّه له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابتْهُ سَرَّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابتْهُ ضرَّاءُ صَبَر، فكان خيراً له ))
[أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4639/05.jpg
هذه من خصائص المؤمن، شاكرٌ في السراء، صابرٌ في الضراء، إذا جاءت الأمور كما يتمنى يقول: الحمد لله، فإذا جاءت بخير ما يتمنى يقول: الحمد لله ، وهناك حمد مشهور عند عامة الناس: الحمد لله الذي لا يحمد على مكروهٍ سواه، والذي يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ))
[أخرجه ابن ماجه عن عائشة أم المؤمنين ]
فالمؤمن شاكر وحامد، قيل لأحد العلماء الكبار: متى يبلغ العبد مقام الرضا؟ تحدثنا في لقاءٍ سابق عن فرقٍ دقيق بين المقام والحال، المقام كسبي وثابت، والحال وهبي وطارئ، وأحيانا إنسان يكون في حال رضا بجو معين، بمكان معين، مع أشخاص معينين، أما مقام الرضا مقام دائم وثابت، وهو كسبي، فسُئل هذا العالم الجليل: متى يبلغ العبد مقام الرضا؟ فقال: إذا أقام نفسه على أربعة أصول، يقول هذا العبد المؤمن الراضي: يا رب إن أعطيتني قبلت، وإن منعتني رضيت، وإن تركتني عبدت، وإن دعوتني أجبت. الأمر حينما يتضح جلياً فطاعة الله فيه تضعف قيمتها التعبدية :
أخواننا الكرام، فكرة دقيقة جداً: أنت حينما تطيع الله في أمر اتضحت لك حكمته، وحينما تتلكأ في طاعة الله في أمرٍ لم تتضح لك حكمته، أنت إذاً لا تعبد الله، ولكنك تعبد ذاتك، الشيء الذي اقتنعت به أنه سيعود عليك بالخير أطعت الله به، والشيء الذي لم تتضح لك حكمته تلكأت في طاعة الله به، هذا الإنسان لا يعبد الله، يعبد ذاته.
بالمناسبة: كلما اتضحت حكمة الأمر ضعف الجانب التعبدي فيه، وكلما غابت عنك حكمة الأمر ازدادت قيمة التعبد فيه، أي أعلى عبادة في تاريخ البشرية عبادة سيدنا إبراهيم :
﴿ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ﴾
[ سورة الصافات الآية : 102 ]
أي هناك شيء مقبول، وشيء غير مقبول، أمره الله أن يذبح ابنه، الشاب النبي الذي بلغ معه السعي: ﴿ قال يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾
[ سورة الصافات الآية : 102 ]
طبعاً الحكمة ليست واضحةً إطلاقاً من ذبح ابنه: ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾
[ سورة الصافات ]
﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة الصافات ]
إذاً الأمر حينما يتضح جلياً فطاعة الله فيه تضعف قيمتها التعبدية، وحينما تغيب عنك الحكمة تزداد قيمة التعبد في هذا الأمر، للتقريب: أب أمر ابنه بتنظيف أسنانه، الأمر واضح لمصلحة الابن، لمصلحة سلامة أسنانه، وكلما أعطى الأب أمراً لابنه، الحكمة واضحة جداً عند الابن، فالابن يبادر إلى تطبيقها، هو في الحقيقة بادر إلى تحقيق مصالحه، لكن لو أن الابن بحالة من الجوع شديدة، والطعام نفيس، والطعام احضره الأب، وهذا الولد ابنه، قال له: يا بني لا تأكل، الأمر غير واضح، أنا يا أبتِ ابنك، وأنا جائع، وهذا طعامك من لي غيرك؟ لا تأكل، فقال له: سمعاً وطاعةً يا أبي، لأن الحكمة من هذا المنع ليست واضحة، فلما وقف الابن موقف المتأدب مع أبيه كان في أعلى درجات القرب من أبيه.
حينما يأتيك أمر إلهي وليست الحكمة واضحة عندك منه، وتبادر إلى طاعته، فأنت عبدٌ لله، أما لا تطبق إلا الأمر الذي تقتنع به فأنت عندئذٍ تعبد ذاتك، ولا تعبد الله، قال بعض العلماء: علة الأمر أنه أمرٌ من الله. علة أي أمرٍ أنه أمر :
أنا لا أنسى لقاء تمّ بين عالم من علماء الشام، وعالم في أمريكا من أصل أمريكي هداه الله إلى الإسلام، جاء موضوع لحم الخنزير، هذا العالم الدمشقي وله أجر عند الله أفاض وأسهب في الحديث عن مضار لحم الخنزير لساعةٍ أو أكثر، فلما انتهى من شرحه الطويل، وأدلته العميقة، وتحليله الدقيق، ابتسم هذا العالم الأمريكي وقال له: كان يكفيك أن تقول لي: إن الله حرمه.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4639/06.jpg
لأنك أنت مع طبيب من بني جلدتك، يحمل شهادة عليا من بلد متقدم جداً، قال لك: دع الملح، قد لا يخطر في بالك أن تسأله لماذا؟ هكذا قال الطبيب، قد يقول لك الطبيب: بع بيتك في الطابق المرتفع، وتكون أنت قد اعتنيت به وبكسوته عناية فائقة، وتكلفت مبالغ طائلة، وأمضيت وقتاً طويلاً في كسوته، في اليوم التالي تبيعه، الطبيب قال: هذا البيت لا يناسبني.
فأنت مع إنسان عادي تثق بعلمه لا تفكر في مناقشة أوامره، فكيف مع الواحد الديان؟ لذلك قالوا: علة أي أمرٍ أنه أمر وكفى، هذا المؤمن، فأنت حينما تطبق تقطف كل ثمار الدين، أما حينما تحلل، وتفلسف، وتبحث عن الحكمة، يمكن أن تقنع الناس بذلك، تنقلب إلى داعية، أما العابد لله يقطف كل ثمار الدين من تطبيق الأمر.
وأوضح فكرة في هذا الموضوع أن الانتفاع بالشيء ليس أحد فروع العلم به، إنسان لا يقرأ ولا يكتب، اشترى مكيفاً، ضغط على مفتاح التشغيل فجاءه الهواء البارد، وإنسان آخر يحمل دكتوراه بالتكييف، اشترى مكيفاً، وضغط على مفتاح التشغيل جاءه الهواء البارد، فالانتفاع بالهواء البارد وبخصائص هذا المكيف ليست متعلقة بفهم آلية العمل، هذا الدين كالهواء للناس، يطبقه المؤمن الأمي والمثقف، من فهم الحكمة ومن لم يفهمها، هذا هواء للناس، فالذي يطبق أوامر الدين يقطف كل ثماره ولو لم يقف على حكمة هذه الأوامر لكنه عابد، أما الذي وصل إلى حكمة الأوامر فيمكن أن يكون داعيةً يقنع الناس بهذا الدين.
الله عز وجل عزيز يمتحن صدق الإنسان وصبره فإن رآه صادقاً أعطاه :
أيها الأخوة، الله عز وجل عزيز، ومعنى عزيز أي الشيء الذي تطلبه منه لا تأخذه فوراً، يمتحن صدقك، لذلك قال تعالى: ﴿ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآَتٍ ﴾
[ سورة العنكبوت الآية : 5 ]
﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾
[ سورة العنكبوت الآية : 69]
لا تتصور أن القضية ببساطة بالغة، طلب الجنة من دون عملٍ ذنبٌ من الذنوب، فالله عز وجل عزيز يمتحن صدقك، وصبرك، وإلحاحك، وسعيك، فإذا رآك صادقاً أعطاك. من غابت عنه حكمة ما أصابه فهو بحاجة إلى الصبر :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4639/07.jpg
أيها الأخوة قال تعالى:

﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾
[ سورة الطور الآية : 48 ]
الحقيقة الإنسان متى يصبر؟ حينما لا تتضح الحكمة، إنسان راشد بالغ عاقل، قال له طبيب الأسنان: قلبك لا يحتمل المخدر، وسوف أقلع لك هذا السن من دون مخدر فعليك تحمل الألم، الإنسان واع، وهذا كلام دقيق.
لذلك حينما يأتي الألم الذي لا يحتمل يتجلد ولا يتكلم، ما الذي أعانه على الصبر؟ توضيح الطبيب له، فهو بالغ، وعاقل، وراشد، لكن حينما تغيب عنك الحكمة أنت الآن في حاجةٍ إلى الصبر.
إنسان يأكل المال الحرام، يتلف الله هذا المال، لكن أحياناً إنسان وهو مستقيم على أمر الله تأتيه مصيبة، هنا تحتاج إلى الصبر، قال تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ ﴾
الآيات المتعلقة برسول الله صلى الله عليه وسلم لكل مؤمنٍ منها نصيب :
لكن الآية التي تذيب الإنسان.
﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
[ سورة الطور الآية : 48 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4639/08.jpg
ولي رأي في هذا الموضوع، أن كل آيةٍ موجهةٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل مؤمنٍ منها نصيب، بقدر إيمانه وإخلاصه، فإذا الله عز وجل قال للنبي الكريم:
﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
فيا أيها المؤمن الصادق المخلص المتفاني في طاعة الله، إذا جاءتك الأمور على خلاف ما تريد فاعلم ﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
هكذا تقتضي الحكمة . ﴿ وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
فالآيات المتعلقة برسول الله صلى الله عليه وسلم لكل مؤمنٍ منها نصيب. ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ * وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ ﴾
[ سورة الطور ]
أيها الأخوة، مما جاء في بعض الأحاديث القدسية: (( يا ابن آدمَ لا تَعْجِز من أربع ركعات في أول نهارك، أكْفِكَ آخرَهُ ))
[أخرجه أبو داود عن نعيم بن همار ]
صدقوا ولا أبالغ أن كل واحدٍ من الأخوة وقد جاء لصلاة الفجر، وترك فراشه الوثير، وسار في الطريق إلى بيت الله عز وجل كأنه في ذمة الله حتى المساء. (( لا تَعْجِز من أربع ركعات في أول نهارك ، أكْفِكَ آخرَهُ ))
فإنك في هذا اليوم بأعيننا، فإنك في هذا اليوم بحفظنا، فإنك بهذا اليوم في توفيقنا، فإنك بهذا اليوم في رعايتنا، شيء جميل جداً، (( من صلى الصبح في جماعة فهو في ذمة الله ))
[أخرجه الطبراني عن أبي بكرة ]
(( مَنْ صَلَّى العِشاء في جماعة فكأنَّما قام نِصْفَ الليل، ومن صلَّى الصبحَ في جماعة فكأنَّما صلَّى الليلَ كُلَّهُ ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن عثمان بن عفان ]
عدم التناقض بين الألم من المصيبة و الرضا عن الله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4639/09.jpg
أيها الأخوة، هناك ملاحظة مهمة جداً، الألم عند المصيبة لا يلغي الرضا، النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم دمعت عيناه حينما مات ابنه إبراهيم، فالصحابة دهشوا قالوا: يا رسول الله: أتبكي؟ قال:

(( تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلَا نَقُولُ مَا يُسْخِطُ الرَّبَّ، لَوْلَا أَنَّهُ وَعْدٌ صَادِقٌ، وَمَوْعُودٌ جَامِعٌ، وَأَنَّ الْآخِرَ تَابِعٌ لِلْأَوَّلِ، لَوَجَدْنَا عَلَيْكَ يَا إِبْرَاهِيمُ أَفْضَلَ مِمَّا وَجَدْنَا، وَإِنَّا بِكَ لَمَحْزُونُونَ ))
[أخرجه ابن ماجه عن أسماء بنت يزيد ]
هذا الموقف سليم، المصيبة تؤلم، وحينما يتألم الإنسان من مصيبة لا يعني أنه ليس راضياً عن الله، لا يوجد تناقض أبداً بين الألم من المصيبة وبين الرضا عن الله عز وجل. بطولة الإنسان أن يقف من المصيبة الموقف الكامل لأن الدنيا دار ابتلاء :
بالمناسبة أيها الأخوة، ليست البطولة أن تنجو من مصيبة أبداً، قال تعالى: ﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
[سورة المؤمنون ]
ولكن البطولة أن تقف منها الموقف الكامل، ليست البطولة أن تنجو من مصيبة لا أحد ينجو منها لأن هذه الدنيا دار ابتلاء، ﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾
والإمام الشافعي سُئل: " ندعو الإله بالابتلاء أم بالتمكين؟ قال: لن تمكن قبل أن تبتلى" فالابتلاء قدرنا، والبطولة لا أن تنجو من ابتلاء بل أن تقف الموقف الكامل من هذا الابتلاء.
قيل للحسين بن عليٍ ـ رضي الله عنهما ـ:" إن أبا ذر ـ رضي الله عنه ـ يقول: الفقر أحب إليّ من الغنى، والسقم ـ أي المرض ـ أحب إلي من الصحة، فقال: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن اختيار الله له لم يتمنَ غير ما اختار الله له". الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4639/10.jpg
الله عليم حكيم، جعلك غنياً، أرادك أن تتقرب إليه بإنفاق المال، الحمد لله على نعمة الغنى، الآن جعلك فقيراً، أرادك أن تتقرب إليه بصبرك على هذا الامتحان، إذاً اختار الله لك الغنى، أنت راض، اختار الله لك قلة المال، أنت راض، اختار الله لك أن تكون قوياً، أنت راض، أراد أن يمتحنك باستخدام قوتك في طاعته، أراد أن تكون ضعيفاً، أنت راض، جعلك وسيماً، أنت راض، غير وسيم، أنت راض، صحيح، راض، مريض، راض، هذا هو المؤمن، قالوا: إن الرضا قبل القضاء عزمٌ على الرضا، لكنه بعد القضاء هو الرضا الحقيقي، أي الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين.
لذلك من اتكل على ماله ضلّ، ومن اتكل على قوته ذلّ، ومن اتكل على الله لا ضلّ ولا ذلّ.
سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ يقول: "الخير كله في الرضا، فإن استطعت أن ترضى وإلا فاصبر".
أي هناك صبر وهناك رضا، الرضا أرقى من الصبر، إذا أحبّ الله عبده ابتلاه، فإن صبر اجتباه، وإن شكر ـ أي رضي ـ اقتناه.
قال بعض العلماء: الرضا أقسامٌ ثلاث: رضا العوام بما قسمه الله لهم، رضا الخواص بما قدره الله عليهم، رضا خواص الخواص يرضون به بدلاً عما سواه.









والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-14-2018 08:17 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( التاسع و الاربعون )

الموضوع : مفهوم الزهد





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الزهد :
أيها الأخوة الكرام، مع درسٍ جديد وموضوعٍ جديد من دروس: "سبل الوصول وعلامات القبول"، إنه موضوع "الزهدِ".
آياتٌ كثيرةٌ جداً وردت في الزهد من حيث المضمون، أما من حيث اللفظ فليس في القرآن الكريم إلا آية واحدة، هي قوله تعالى في معرض الحديث عن سيدنا يوسف:
﴿ وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ﴾
[سورة يوسف ]
من حيث اللفظ هذه الآية الوحيدة، من حيث المضمون آياتٌ كثيرةٌ جداً فحواها يشير إلى الزهد. حقيقة الزهد :
أيها الأخوة، العلماء قالوا: "الزهدُ أن تنصرف عن الشيء احتقاراً له، وتصغيراً لشأنه، وتستغني به بشيءٍ خيرٍ منه".
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4640/01.jpg
هناك نقطة مهمة جداً في موضوع الزهد، ليس الزهد أن ترفض نعم الله عز وجل، هذا ليس زهداً، الزهد أن تستخدم نعم الله عز و جل فيما سمح لك به، أو أن تستعين بهذه النعم على طلب الآخرة، أو أن تسخر هذه النعم لأعمالٍ صالحةٍ ترقى بك عند الله، هذا هو الزهد، لا أن ترفض الدنيا بل أن تستخدمها ابتغاء رضوان الله، أن تستخدم النعم التي أنعم الله بها عليك فيما أمر الله، وأن توظفها في العمل الصالح، هذه هي حقيقة الزهد على خلاف ما يتوهم بعض الناس، الآية الدقيقة:

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ ﴾
[ سورة القصص الآية : 50 ]
أي ليس على وجه الأرض من هو أضل: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
أما الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل فلا شيء عليه بنص هذه الآية، أي اشتهى المال فكسبه من طريقٍ مشروع، اشتهى المرأة فتزوج، من اتبع هواه وفق منهج الله فلا شيء عليه، إذاً ليس في الإسلام حرمان، في الإسلام تنظيم، ما من شهوةٍ أودعها الله في الإنسان إلا وجعل لها قناةً نظيفةً تسري خلالها. الزهد الحقيقي أن تكسب المال وتجعله بيديك لا بقلبك وتوظفه في الحق :
أيها الأخوة، إذاً الزهد ليس أن ترفض المال وأن تكون فقيراً، أن تكون عالةً على الناس، أن تكون يدك هي السفلى، ليس الزهد أن تفتقر، ولكن الزهد الحقيقي أن تكسب المال، وأن تجعله بيديك لا بقلبك، وأن توظفه في الحق.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4640/02.jpg
سيدنا الصديق كان غنياً، أنفق كل ماله لرسول الله، وقد قال عليه الصلاة والسلام:

(( ما نفعني مال ما نفعني مال أبي بكر، قال: فبكى أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ وقال: ما أنا ومالي إلا لك ))
[أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه والإمام أحمد وابن حبان عن أبي هريرة ]
من أنا؟ إذاً سيدنا الصديق كان زاهداً، لأنه وظف ماله في خدمة الدعوة.
وأي إنسان يوظف ماله، يوظف علمه، يوظف جاهه، يوظف ما رزقه الله، في سبيل الله، هذا يعد في قمة الزهد، ليس الزهد أن تكون ضعيفاً، فقيراً، محروماً، تتمنى ما عند الناس، ليس الزهد أن تتضعضع أمام قويٍ أو غني، الزهد أن تكون يدك هي العليا. العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا بعد أن يؤمن بالله :

لذلك في هذا الموضوع الحديث الأول هو قول النبي عليه الصلاة والسلام فيما أخرجه الإمام مسلم: (( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4640/03.jpg
لكن النبي كما تعلمون بالتعبير الدارج جبار خواطر قال:
(( وفي كلّ خير ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
كل مؤمن على العين والرأس ولو كان ضعيفاً أو فقيراً ، لكن: (( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
التعليل: لماذا أنت في الدنيا؟ بعد أن تؤمن ما المهمة الأولى التي ينبغي أن تفعلها؟ أن تعمل عملاً صالحاً يكون زادك إلى الجنة، بعد أن تعرف الله، بعد أن تعرف سرّ وجودك، بعد أن تعرف غاية وجودك، بعد أن تؤمن بالآخرة، العمل الأول أن تعمل عملاً صالحاً، والدليل الإنسان وهو على مشارف الموت يقول : ﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾
[ سورة المؤمنون الآية : 99-100 ]
أي المؤمن علة وجوده في الدنيا بعد أن يؤمن أن يعمل صالحاً، الآن عندما قال النبي الكريم: (( المؤمن القويُّ ))
لأن القوة هي قوة المال، ولأن القوة هي قوة المنصب، ولأن القوة هي قوة العلم، القوى الثلاثة الكبيرة قوة المال، وقوة العلم، وقوة المنصب، فأنت إذا كنت قوياً فرص العمل الصالح أمامك لا تعد ولا تحصى، معك مالٌ وفير يمكن أن تنشئ ميتماً، معهداً شرعياً، أن تنشئ سكناً للشباب، أمامك أعمال صالحة لا تعد ولا تحصى إذا كنت غنياً، وإذا كنت عالماً أمامك أعمال صالحة لا تعد ولا تحصى، وإذا كنت في منصبٍ رفيع بجرة قلمٍ تحق حقاً وتبطل باطلاً، تقر معروفاً وتزيل منكراً.
لذلك ينبغي أن تكون قوياً، وإذا كان طريق القوة سالكاً وفق منهج الله يجب أن تكون قوياً من أجل آخرتك، من أجل أن تعمل أعمالاً كبيرة . الزهد في حقيقته لا أن يرفض الإنسان الدنيا ولكن أن يوظفها للآخرة :
فيا أيها الأخوة، هناك مفهوم شائع في أوساط غير المتعمقين في الدين، إنسان بسيط جداً في زاوية، معزول ليس بيده شيء، هذا زاهد، لا، الزاهد من زهد في شيءٍ خسيس وأقبل على شيءٍ نفيس .
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4640/04.jpg
أيها الأخوة، الزهد في حقيقته لا أن ترفض الدنيا، ولكن أن توظفها للآخرة، الزهد لا أن تكون أمياً، ولكن أن تكون مثقفاً ثقافةً عالية تسخرها للدعوة إلى الله، الزهد لا أن تكون عالةً على الآخرين، الزهد أن تكون في خدمة الآخرين، هذه المعاني الإيجابية للزهد ترفع من شأن المؤمن، النبي عليه الصلاة و السلام طلب النخبة فقال : " اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين".
وأقول لكم الآن: ينبغي أن يكون المؤمن قوياً، أستاذ جامعي كبير، عالم كبير، صناعي كبير، تاجر كبير، لماذا؟ لكن وفق منهج الله، لأن قوة المؤمن قوة للمؤمنين، النبي طلب النخبة، والمؤمن القوي الأصل في هذا الدرس هذا الحديث:
(( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
المؤمن أن تحجز ـ إن صحّ التعبير ـ بقوتك التي أنفقتها في طاعة الله، بمالك الذي أنفقته في طاعة الله، بعلمك الذي علمته في طاعة الله، بجاهك الذي وظفته في طاعة الله، أن تكون حاجزاً مكاناً في الجنة. اللعب عمل عابث لا جدوى منه وليس له أثر مستقبلي :
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الزاهد هو الذي يزهد بشيءٍ محتقر، ويطمح إلى شيءٍ معتبر، قال تعالى:
﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾
[ سورة الحديد الآية : 20 ]
أنما تفيد القصر والحصر : ﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾
[ سورة الحديد الآية : 20 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4640/05.jpg
معنى لعب؛ أي اللعب، لو إنسان بقي حتى الساعة الثانية ليلاً يلعب النرد ـ ولعب النرد حرام ـ من لعب النرد فكأنما غمس يديه في لحم خنزير، للساعة الثانية، هذا الوقت الذي أمضاه اللاعبان في لعب النرد، ماذا ينتج عنه؟ لا شيء إطلاقاً، أي عمل عابث، اللعب عمل عابث لا جدوى منه، وليس له أثر مستقبلي.
أوضح من ذلك إنسان جلس في حوض ماء فاتر في بيته، هل يصبح تاجراً كبيراً؟ هل يصبح مثقفاً ثقافةً عالية؟ الاستمتاع ليس له أثر مستقبلي أبداً، حتى اللعب البريء ليس له أثر.
مرّ بعض الصالحين بأناسٍ يلعبون النرد في مقهى فقال: يا سبحان الله! لو أن الوقت يشترى من هؤلاء لاشتريناه منهم.
الوقت أنت، أنت أيها الإنسان بضعة أيام، كلما مضى يوم مضى بضعٌ منك، فلذلك الحياة الدنيا لعبٌ، عمل لا طائل منه، إنسان اعتنى بحياته الخاصة عناية تفوق حدّ الخيال، ثم جاءه ملك الموت، هل تعد حياته الناعمة سبباً لدخول الجنة؟ لا أبداً، ترك هذا البيت ووضع في القبر.
الإنسان أحياناً يكون له قريب غني جداً، يموت يذهب للتعزية، هناك سؤال؛ من اشترى هذا البلاط؟ المرحوم، من اختار هذه الثريات؟ من اختار هذا المنظر الطبيعي الجميل؟ من اشترى هذا البيت أصلاً؟ من صمم هذا البيت؟ أين صاحب البيت؟ تحت أطباق الثرى. اللهو واللعب :
أيها الأخوة،
﴿ لَعِبٌ ﴾
أي عمل عابث ليس له أثر مستقبلي، تدرس تصبح دكتوراً، تاجراً، تصبح أكبر تاجر، لكن بأمور اللعب مهما أمضيت الوقت في اللعب فليس له أي أثر مستقبلي، هذا هو اللعب، أي عملٌ عابث ليس له أثر مستقبلي أبداً. ﴿ وَلَهْوٌ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4640/06.jpg
اللهو أن تغوص في أعماق البحر لتبحث عن الأصداف لا عن اللآلئ، أن تلهو بشيءٍ خسيس عن شيءٍ نفيس، هذا اللهو، أن تنشغل بشيءٍ خسيس، بأعماق البحر لؤلؤ، واللؤلؤ غال جداً، يغوص، ويخاطر، وقد يموت بحثاً عن الصدف لا عن اللؤلؤ، هذا هو اللهو.
﴿ لَعِبٌ ﴾
عمل ليس له أثر مستقبلي، ﴿ وَلَهْوٌ ﴾
أن تشتغل بالخسيس عن النفيس. ﴿ وَزِينَةٌ ﴾
زينة أي شيء له منظر رائع، لكن سوف تتركه وتمضي. ﴿ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾
يقول لك: عندي ثلاثة أطباء، لم يهتم بدينهم إطلاقاً، اهتم بلقب دكتور، أما ابنه لا يصلي، يصلي، عندما سافر إلى بلاد الغرب وقع في الفاحشة، هذه قضية ثانوية جداً، المهم أنه أنجب أولاداً نجباء: ﴿ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾
أيها الأخوة، للتقريب طالب التحق بمدرسة، اهتم بمقعد على النافذة، اهتم بمقعد مريح، جاء بشيء يأكله أثناء الدرس، جاء بأجهزة، بألعاب، كل هذا النشاط يتناقض مع كونه طالباً، و طالب اهتم بالدراسة، اهتم بطلب العلم، اهتم بنيل شهادة عليا، وآخر اهتم بمقعد مطل على الشارع، اهتم بأشياء يأكلها في أثناء الدرس، بمجلة يتصفحها على رجليه دون أن يرى المعلم، أي اهتم بشيء يتناقض مع وجوده في هذه المدرسة، هذا هو الذي ينبغي أن ننتبه إليه. ظاهر الحياة الدنيا أنها لهو و لعب و تفاخر أما حقيقتها فهي طريقٌ إلى الجنة :

أيها الأخوة، حقيقة الحياة الدنيا هكذا: ﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾
هذا ظاهر الدنيا، أما حقيقتها فهي مزرعة الآخرة، المؤمن حينما يدخل الجنة يقول: ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾
[ سورة الزمر الآية : 74 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4640/07.jpg
جاء الله بنا إلى الدنيا، في الدنيا تعرفنا على ربنا، في الدنيا أدينا الصلوات، في الدنيا أدينا العبادات، في الدنيا أدينا الأعمال الصالحة، هذه المعرفة، وهذه الصلوات، وهذه العبادات، وهذه الأعمال الصالحة هي سبب وصولنا إلى الجنة، لذلك نقول:
﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ ﴾
معنى ذلك أن ظاهر الحياة الدنيا ﴿ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ﴾
هذا ظاهرها، أما حقيقتها فهي طريقٌ إلى الجنة، الحياة الدنيا تسبق الحياة العليا، الحياة الدنيا تتعرف فيها إلى الله، والحياة العليا تقطف ثمار هذه المعرفة، الحياة الدنيا تستقيم فيها على أمر الله، والحياة العليا تستفيد من هذه الاستقامة، الحياة الدنيا مملوءة بالأعمال الصالحة، والحياة الآخرة تعد هذه الأعمال الصالحة سبباً لرقيك في الجنة.
لذلك الدنيا لها شيء آخر، الدنيا جنة للمؤمن، قال بعض العلماء: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، والدليل: ﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
في الدنيا المؤمن ذاق طعم الجنة وهو في الدنيا ، بل إن بعض العلماء يقول: ﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن ]
جنةٌ في الدنيا وجنةٌ في الآخرة ، واقبلوا هذا الكلام مني إن لم تقل أنا أسعد الناس لأنك عرفت الله، عرفت سرّ وجودك، عرفت غاية وجودك، جعلت الدنيا مطية الآخرة، جعلت الدنيا في خدمة الآخرة، جعلت المال الذي أكرمك الله به، أنفقته في طاعة الله، جعلت جاهك في خدمة الحق، جعلت علمك في خدمة الحق، الدنيا جميلة جداً، جميلة بطاعة الله، بمعرفة الله، بالعمل الصالح، أنجبت أولاداً أبراراً، ربيتهم تربيةً إسلامية، أنجبت بناتٍ طاهرات زوجتهن من شبابٍ مؤمنين. الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح :
أيها الأخوة، قال تعالى: ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4640/08.jpg
كلمة غرور دقيقة جداً، أنا أضرب مثلاً لعلي ذكرنه لكم: أعرف رجلاً ـ توفي رحمه الله ـ عنده دعابة؛ يجمع قمامة المحل التجاري ويضعها في علبة ثمينة، ويغلفها بورق هدايا، ثم شريط أحمر مع وردة، يضعها على الرصيف، إنسان عابر يتوهمها مطيف ألماس، قطعة ذهبية غالية جداً، يحملها ويمضي، ويظن أنه حصّل ثروةً كبيرة، بعد مئتي متر يفك الشريط، بعد مئتي متر أخرى ينزع الورق، بعد مئتي متر ثالثة يفتح العلبة، فإذا فيها قمامة المحل، هذا المثل الصارخ يعبر عن الدنيا عند الموت، يراها لا شيء، يراها لعباً، ولهواً، وزينةً، وتفاخر، وتكاثر، وينسى العمل الصالح.
لذلك العلماء قالوا : الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح ﴿ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً ﴾
إذاً هي متاع الغرور، تبدو لك بحجمٍ كبير، في مقتبل الحياة ترى المال شيئاً عظيماً، ترى المرأة شيئاً نفيساً، في منتصف الحياة ترى المال شيئاً لكن ليس كل شيء، في نهاية المطاف لا ترى شيئاً إلا أن تطيع الله عز وجل، ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
تستمتع بها، وتغتر بها، وتتوهمها بحجمٍ أكبر بكثير من حجمها الحقيقي، فالبطولة أن ترى حقيقتها في مقتبل العمر، البطولة أن تجعلها في يديك لا في قلبك ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
الدنيا تغر وتضر وتمر :
أيها الأخوة، الآية الثانية، يا أيها الناس:
﴿ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾
[ سورة لقمان ]
من هو الغرور ؟ الشيطان. ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾
[ سورة النساء ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4640/09.jpg
تجد الإنسان الذي غفل عن الله له طموحات كثيرة، يتمنى أن يكون أكبر تاجر، يتمنى أن يكون في قمة المجتمع، يتمنى أن يكون في أعلى منصب، في أعلى مكانة، يتمنى أن يسكن في أجمل بيت،
﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
أنا كنت مرة في مدينة في الشمال، أطلعوني على شارع فيه أبنية من الفخامة تفوق حدّ الخيال، بالسبعينات كان هناك بناء يأخذ بالألباب، الرخام فقط كلف مئات الملايين، شيء يفوق حدّ الخيال، صاحبه كان طويل القامة، توفي في الثانية والأربعين وكان لحكمةٍ بالغة القبر قصير، فكان أقصر من قامته، وضعه الحفار في القبر ودفعه من صدره حتى صار بشكل حرف لام ، صاحب هذا البناء الضخم هذا مصيره ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
الدنيا تغر، وتضر، وتمر، عندنا الدنيا تغر، والغرور هو الشيطان ﴿ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً ﴾
أي الشيطان يعطي الدنيا حجماً كبيراً، يعطي اللذائذ حجماً كبيراً، يعطي المكانة الاجتماعية حجماً كبيراً، على حساب دين الإنسان، وعلى حساب مبادئه وقيمه.
سيدنا علي يقول: "يا دنيا طلقتك بالثلاث، غري غيري، شأنك حقير"، أي الدنيا تغر، وتضر، وتمر.
أحد أخوتنا الكرام يعمل في الأبنية، في مصيف قرب دمشق، مرة كنت عنده أطلعني على بيت ما شاء الله! يفوق حدّ الخيال، الأبهاء، والغرف، والكسوة من أعلى مستوى، أذواق رفيعة جداً، إطلالة، شرفات، مطابخ، غرف، قال لي: بعد أن انتهى البيت طلب مني صاحب البيت أن آتيه بمنظم كهربائي من أجل ثبات القوة الكهربائية، هيأته له، قال لي: أنا الخميس إن شاء الله سأستقر في هذا البيت، جاء الخميس لم يأتِ أحد ، الجمعة لم يأتِ أحد، السبت اتصلت بصاحب البيت فقالت له زوجته: والله مات.
والله هناك أبنية تأخذ بالألباب لم يتح لأصحابها أن يسكنوها، إنسان أُتيح له أن يغسل فيه بعد أن مات، هكذا الدنيا تغر، وتضر، وتمر . أيّ عطاء ينتهي بالموت ليس عطاءً لأن عطاء الله أبدي :
أيها الأخوة:
﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4640/10.jpg
المؤمن يتعرف إلى الله، والله عز وجل يصبغ عليه من النعم ما تكفيه، لكن الأصل أنه يعبد الله، أنه في طريقه إلى الجنة، والله عز وجل يخاطب الكفار فيقول:
﴿ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ ﴾
[ سورة إبراهيم ]
والله عز وجل يخبرنا ويقول: ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
[ سورة النساء الآية : 77 ]
إله ينصحنا ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
أخواننا الكرام، أي عطاء ينتهي بالموت ليس عطاءً، أي عطاءٍ مهما كان عظيماً ما دام هناك موت ينتهي فيه فليس بعطاء، عطاء الله أبدي. ﴿ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ﴾
[ سورة البينة الآية : 8 ]
والله عز وجل يعتب علينا حينما يقول: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
[ سورة الأعلى ]
خيرٌ من الحياة الدنيا وأبدية، الدنيا أقل ومؤقتة.
أيها الأخوة، لهذا الموضوع تتمة إن شاء الله نتابعها غداً.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-14-2018 08:20 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الخمسون )

الموضوع : الزهد لا أن يكون ترك الدنيا بل ملك الدنيا مع تركها





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الزهد :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4641/01.jpg
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو "الزهد".
وبادئ ذي بدء: لابدّ من توضيح الفرق الدقيق بين اللذة وبين السعادة، اللذة شيء والسعادة شيءٌ آخر، اللذة حسية طابعها حسي مادي، تأتيك من الخارج لا من الداخل، تحتاج إلى مالٍ وفير، وإلى وقتٍ مديد، وإلى صحةٍ عالية.
ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة الإنسان يفتقد أحد الشروط الثلاث دائماً، ففي البدايات الصحة جيدة والوقت مديد لكن لا يوجد مال وفير، إذاً اللذائذ ليست محققة، وفي منتصف الحياة المال وفير والصحة جيدة لكن لا يوجد وقت، انغماسٌ في العمل إلى أقصى الحدود، وفي خريف العمر المال وفير والوقت مديد لكن لا يوجد صحة، اللذة طابعها حسي، مصدرها خارجي، تحتاج إلى وقتٍ، وإلى مالٍ، وإلى صحة، ولحكمةٍ بالغة أحد هذه الشروط يفتقده الإنسان دائماً.
اللذة و السعادة :
السعادة تنبع من الداخل، لا تحتاج إلى شيءٍ خارجي، وهي مستمرةٌ ومتنامية، وقد تتصل بنعم الآخرة.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4641/02.jpg
السعادة تأتي من الاتصال بالله، السعادة تأتي من الإقبال على الله، السعادة تأتي من محبة الله، السعادة تأتي من معرفة الله، فرقٌ كبيرٌ كبير بين اللذة والسعادة، الزهد في الدنيا يحقق السعادة، بينما اللذائذ تتناقض مع الزهد، الآن القرآن الكريم ينصح المؤمنين:

﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
[ سورة النساء الآية : 77 ]
خالق السموات والأرض يخبرنا أن: ﴿ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً ﴾
[ سورة النساء ]
آيةٌ ثانية تؤكد على المعنى نفسه. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾
[ سورة التوبة ]
من رحمة الله بالإنسان إن اتخذ قراراً خاطئاً أن يتولى الله عز وجل تربيته :
الله عز وجل لأنه ربنا، ويحبنا، ويرعانا، وخلقنا، لذلك وعدنا:
﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4641/03.jpg
[ سورة آل عمران الآية : 133 ]
﴿ إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
[ سورة التوبة ]
من رحمة الله بنا إن اتخذنا قراراً خاطئاً فالله عز وجل يتولى تربيتنا، وحينما وصف الله الذين شردوا عنه فقال: ﴿ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
[ سورة الأعلى ]
بربكم لو خيرنا إنساناً أن نعطيه سيارةً لساعةٍ واحدةٍ ودراجةً لوقتٍ مديد دائماً يختار الدراجة، فلو خيرناه بين دراجةٍ لوقتٍ مديد وسيارةٍ لوقتٍ مديد يختار السيارة، فإذا خيرناه بين دراجةٍ لوقتٍ قصير وسيارةٍ لوقتٍ مديد من الحمق أن يختار الدراجة. ﴿ وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى ﴾
[ سورة الضحى ]
﴿ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
[ سورة الأعلى ]
سحرة فرعون قدموا أروع المثل عندما آمنوا بسيدنا موسى أمام فرعون :
أخواننا الكرام، سحرة فرعون قدموا أروع المثل، آمنوا بسيدنا موسى، فرعون صُعق، جاء بهم ليدعموه، فإذا هم يؤمنون.
﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّداً قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ﴾
[ سورة طه ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4641/04.jpg
فرعون صُعق:
﴿ قَالَ آَمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَاباً وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آَمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
[ سورة طه ]
كلامٌ دقيقٌ جداً. ﴿ إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا*وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَا*جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴾
[ سورة طه ]
بالمصطلح الحديث: هؤلاء السحرة أحرقوا المراحل، أحياناً تأتيك ومضة، إشراقة، قفزة، فإذا أنت في أعلى درجات الإيمان، وهؤلاء السحرة يمثلون هذا النموذج النادر ﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ﴾
لمن يقتل الناس بثانية ، قتل الناس عند فرعون سهل جداً. ﴿ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ﴾
[ سورة القصص الآية : 4 ]
﴿ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ﴾
ما خيرٌ بعده النار بخير وما شرٌ بعده الجنة بشر :
أخواننا الكرام، سيدنا علي ـ رضي الله عنه ـ يقول مخاطباً ابنه: "يا بني ما خيرٌ بعده النار بخير" ـ ارتقيت لأعلى منصب، جمعت أكبر ثروة، استمتعت بالحياة إلى قمة رأسك ـ وما شرٌ بعده الجنة بشر، وكل نعيمٌ دون الجنة محقور، وكل بلاءٍ دون النار عافية".
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4641/05.jpg
﴿ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
القرآن الكريم يخاطب المؤمنين: ﴿ وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى ﴾
[ سورة طه الآية : 131 ]
أي إذا كنت مؤمناً ولك صديقٌ بعيدٌ عن الدين، لكنه في غنىً كبير، لمجرد أن تقول: هنيئاً له فأنت لا تعرف الله، كان عليه الصلاة والسلام إذا رأى شيئاً جميلاً من متاع الدنيا يقول: (( اللهم لا عيشَ إِلا عيشُ الآخرةِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن سهل بن سعد الساعدي ]
من تأوه و تحسر إذا رأى شيئاً جميلاًفهذا إنسانٌ عند الله جاهل :
أوضح مثل قارون.
﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ﴾
[ سورة القصص الآية : 79]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4641/06.jpg
الآن قد تجد بيتاً، مركبات أمامه، حدائق.
﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ * فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ ﴾
[ سورة القصص ]
استمع إلى التعليق: ﴿ تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
الإنسان أيها الأخوة، إذا تأوه، وتحسر، وتمنى إذا رأى شيئاً جميلاً، ونسي أن الله أعدّ له. ﴿ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 133]
هذا إنسانٌ هو عند الله جاهل. الله عز وجل خلق الإنسان ليسعده في الدنيا و الآخرة :
أيها الأخوة الكرام، هناك آية دقيقة جداً يقول الله فيها:
﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
[ سورة الزخرف الآية : 33 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4641/07.jpg
أي هم جميعاً مدعوون للجنة، هم جميعاً مدعوون لرحمة الله، لسعادة الدارين:
﴿ وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فَضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ ﴾
[ سورة الزخرف ]
الكافر مدعوٌ للجنة، مدعوٌ إلى رحمة الله. ﴿ اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى*فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى ﴾
[ سورة طه ]
والدليل: ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ ﴾
[ سورة هود الآية :119 ]
أدق آية: ﴿ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
[ سورة هود الآية : 119 ]
خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليسعدنا في الدنيا والآخرة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( الدنيا دار من لا دار له، ولها يجمع من لا عقل له ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن عائشة أم المؤمنين ]
إن أسعد الناس في الدنيا أرغبهم عنها، وأشقاهم فيها أرغبهم فيها. (( مَنْ كَانَتْ الدُّنْيَا هَمَّهُ فَرَّقَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ وَجَعَلَ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَلَمْ يَأْتِهِ مِنْ الدُّنْيَا إِلَّا مَا كُتِبَ لَهُ وَمَنْ كَانَتْ الْآخِرَةُ نِيَّتَهُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ أَمْرَهُ وَجَعَلَ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ رَاغِمَةٌ ))
[أخرجه ابن ماجه عن زيد بن ثابت ]
المؤمن لأنه تعلق بالآخرة وأراد أن يكون من أهلها أهم شيءٍ في حياته أن يعطي :
أخوتنا الكرام، لمجرد أن تؤمن بالآخرة الإيمان الذي أراده الله تنعكس مقاييسك، تنعكس مئة وثمانين درجة، إن آمنت في الدنيا ترى الذكاء، والعقل، والبطولة في الأخذ، إن آمنت بالآخرة ترى الذكاء، والعبقرية، والبطولة في العطاء.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4641/08.jpg
لذلك الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، والناس جميعاً تبعٌ لقوي أو نبي، ما الذي يسعدك أن تعطي أم أن تأخذ؟ المؤمن لأنه تعلق بالآخرة وأراد أن يكون من أهلها، أهم شيءٍ في حياته أن يعطي لا أن يأخذ، وأهل الدنيا يأخذون ولا يعطون.
مرة أخ كريم جاء من أمريكا، وأنا علمت أنه اشترى بيتاً، فباركت له، فقال لي: لم أشترِه، استأجرته حتى الموت، هو اشتراه، لكن هذا البيت مثوى مؤقت، والدليل: اقرؤوا جميع النعوات، وسيشيع إلى مثواه الأخير، معنى ذلك أنت في بيتٍ هو في الحقيقة مؤقت، والبطولة أن تعد للبيت الأخير.
أحد رعاة الإبل معه قطيع إبل سُئل لمن هذا القطيع؟ قال علماء البلاغة: أجاب أبلغ إجابة في اللغة العربية، قال: هي لله في يدي، فأنت آمن كإيمان هذا الراعي، وبيتك لله في يدك، ومركبتك لله في يدك، ومكتبك التجاري لله في يدك، كل شيء في حوزتك هو لله، الآن بيدك وفي أية لحظة يؤخذ منك.
بطولة الإنسان أن يعيش المستقبل :
أخواننا الكرام، هؤلاء السلف الصالح كانوا عقلاء، سيدنا عمر بن عبد العزيز كان إذا دخل دار الخلافة يتلو هذه الآية، والله هذه الآية تقشعر منها الأبدان، كان يقول الآية الكريمة:
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾
[ سورة الشعراء ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4641/09.jpg
هؤلاء الطغاة عاشوا حياة ناعمة جداً، البلاد كلها لهم، الأموال كلها لهم، المتع كلها لهم، القصور كلها لهم ، فإذا ماتوا أين النعيم؟
﴿ أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ ﴾
البطولة أن تعيش المستقبل، الأغبياء يعيشون الماضي، والأقل غباءً يعيشون الحاضر، أما الأذكياء والعقلاء فيعيشون المستقبل.
يا ترى ما هو أخطر حدثٍ مستقبليٍ ينتظرنا جميعاً وأنا واحدٌ منكم؟ مغادرة الدنيا من بيتٍ إلى قبر، بيت أربعمئة متر بعده القبر، منصب رفيع بعده القبر، أموال طائلة بعدها القبر، زوجة وأولاد وأقارب وأتباع بعدهم القبر.
أيها الأخوة، بحسب ما يُرى الإنسان يجمع الدنيا لَبِنةً لبنة ثم يخسرها في ثانيةً واحدة، يخسر كل شيء، لا يأخذ معه إلى القبر إلا الكفن، وأنا بحسب ما سألت من أرخص أنواع الأقمشة. الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح والفقر الحقيقي فقر العمل الصالح :
أيها الأخوة، القرآن الكريم مملوءٌ بالتزهيد في الدنيا، والإخبار بخستها، وقلتها، وانقطاعها، وسرعة فنائها، مملوءٌ في الترغيب بالآخرة، والإخبار بشرفها ودوامها، وإذا أراد الله بعبدٍ خيراً أقام في قلبه شاهداً يعاين به حقيقة الدنيا والآخرة، هناك آية دقيقة جداً قد لا ننتبه إليها:
﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾
[ سورة ص الآية : 46 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4641/10.jpg
مرة سألوا طالباً نال الدرجة الأولى في الشهادة الثانوية: كيف نجحت هذا النجاح الباهر؟ قال: لأن لحظة الامتحان لم تكن تغادر مخيلتي ولا ثانية طوال العام الدراسي.
وأنا أقول لكم: لحظة مغادرة الدنيا من بيتٍ إلى قبر ينبغي ألا تغادر أذهاننا ولا دقيقة في الحياة لماذا؟ لأنك إن فعلت هذا عملت للآخرة، الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح، والفقر الحقيقي فقر العمل الصالح. ﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
[ سورة القصص]
سيدنا علي يقول: "الغنى والفقر بعد العرض على الله".
العلماء لهم أقوال في الزهد، قال بعضهم: "الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة"، أنت اجعل هذا المقياس الدقيق، أي شيءٍ لا يدخل معك في القبر فهو من الدنيا.
والله أعرف رجلاً له أذواق في الدنيا تفوق حدّ الخيال، بيته، مركبته، سفرياته، طعامه، شرابه، أذواق عالية جداً، توفي ـ رحمه الله ـ فجاء أحدهم ليلقي كلمة وهو في النعش، قال: كان أخوكم ـ أبو فلان ـ مؤذن ترحموا عليه، أنا صعقت، كلمة واحدة، فكرت هل يمكن الحديث عن بيته؟ لا، عن مركبته؟ لا، عن سفره؟ لا، عن أناقته؟ لا، عن أثاث بيته؟ لا، الحديث عن أعماله الصالحة، كان مؤذناً فقط، قال: ترحموا عليه، أنا لا أنسى هذا الموقف السريع، تأبين بكلمة واحدة، قلت بنفسي: اعمل عملاً يتحدثون بعد الموت دقيقة، أو خمس دقائق، هناك أشخاص لهم أعمال كالجبال، هذا هو الغنى الحقيقي. حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :
إن لم تترك أثراً في الدنيا فأنت زائدٌ عليها، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح، قال: "الزهد ترك ما لا ينفع في الآخرة، والورع ترك ما تخاف ضرره في الآخرة، الزهد في الدنيا قصر الأمل، وليس بأكل الغليظ من الطعام، ولا لبس الخشن من الثياب".
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4641/11.jpg
والله مرة حدثني أخ عن مشاريعه لعشرين سنة قادمة، بتفاصيل مملة خلال ساعة، وفي المساء قرأت نعوته.
لذلك قالوا: من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت، والله لي صديق أو هو في الأصح صديق أخي، عندهم كل سبت سهرة، واحد من هؤلاء الأعضاء في هذه السهرة رشيق، وسيم الصورة، ذكي جداً، وهو أستاذ فلسفة، قال: أنا لن أموت في وقت باكر، أي قال كلاماً غير مألوف، سألوه لماذا؟ قال أنا وزني مناسب جداً، وأتابع الرياضة يومياً، كل طعامي خضراوات وفواكه، وهو عنده روح دعابة ومرح، هذا الكلام قاله السبت مساءً، السبت الثاني كان تحت أطباق الثرى.
حقيقة قصة مؤثرة جداً، بحسب قواعد الصحة، بحسب رشاقته، واعتنائه بالرياضة، أنا مع الرياضة لست ضد الرياضة، لكن لا تؤله الرياضة، بشكل دقيق لك عند الله ثلاث وسبعون سنة، وأربعة أشهر، وثلاثة أسابيع، وخمسة أيام، وأربع ساعات، وثلاث دقائق، وثماني ثواني، هذا العمر إما أن تمضيه في السرير إذا ما اعتنيت بجسمك، أو تمضيه واقفاً، فالرياضة أن تمضي العمر الذي أعدّه الله لك واقفاً، الرياضة مهمة جداً ولكن لا تطيل العمر ولا تقصره، الرياضة أن تستمتع بصحتك، وأن تبقى نشيطاً طوال حياتك، أما أن تتوهم أن الرياضة لها علاقة بالعمر فهذا شيء مستحيل.
أيها الأخوة، قصص أحياناً تترك أثراً كبيراً، مرة هناك جامع إلى جانب جامع النابلسي، دُعيت إلى حضور احتفال بإلحاح شديد، والله لبيت الدعوة، استقبلني رجل في مدخل المسجد و رحب بي ترحاباً منقطع النظير، جلست في المكان المقرر، بعد دقائق وجدت أن هناك اضطراباً في المسجد، هناك متكلم لكن يوجد اضطراب، بعد أن انتهت كلمته سألت؟ هذا الذي استقبلني وقع ميتاً، والله ذهبنا إلى المستشفى و لكنه مات لتوه قبل دقيقة، الموت يأتي بغتةً والقبر صندوق العمل.
والله هناك قصص خلال الأشهر الستة الماضية، أخوة كرام، صلى الفجر في جماعة والظهر في المسجد والعصر كان مدفوناً، هناك علماء ماتوا في المسجد لا يشكون شيئاً، هذه من نعم الله الموت في المسجد أيضاً.
أقوال في الزهد :
أيها الأخوة، الإمام الجنيد قال:
﴿ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾
[ سورة الحديد ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4641/12.jpg
هذه الآية متعلقة بالزهد، قال: "الزاهد لا يفرح من الدنيا بمولود ولا يأسف منها على مفقود".
قال: "الزاهد هو الذي ينظر إلى الدنيا بعين الزوال فتصغر في عينيه، فيسهل عليه الإعراض عنها".
قال: "الزاهد عزف قلبه عن الدنيا بلا تكلف".
قال الجنيد: "الزهد خلو القلب مما خلت منه اليد"، أي لم يتح لك زوجة كما تتمنى، لابأس الحياة مؤقتة، "الزهد أن يخلو القلب مما خلت منه اليدان"، هذا تعريف دقيق، "الزهد في الدنيا قصر الأمل"، "الزهد في الدنيا عدم الفرح بإقبال الدنيا ولا بالحزن عليها".
ُسئل: الرجل يملك آلافاً مؤلفة هل يكون زاهداً؟ قال: نعم بشرط ألا يفرح إذا زادت وألا يحزن إذا نقصت.
بعضهم قال: "الزهد ترك ما يشغل عن الله عز و جل".
بعضهم قال: "الزهد استصغار الدنيا ومحو آثارها من القلب".
وقال بعضهم: "لا يبلغ أحدٌ حقيقة الزهد حتى يكون فيه ثلاث خصال: عملٌ بلا علاقة، وقولٌ بلا طمع، وعزٌ بلا رئاسة". أنواع الزهد :
آخر شيء أخوتنا الكرام، الزهد على ثلاثة أوجه، ترك الحرام وهذا زهد العوام، وترك الفضول من الحلال وهذا زهد الخواص، وترك ما يشغل عن الله وهذا زهد العارفين.
وبعضهم قال: الزهد سفر القلب من الدنيا إلى الآخرة، قال تعالى: ﴿ رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ ﴾
[ سورة النور]
أخوتنا الكرام، موضوع الزهد لا أن تكون فقيراً، ولا أن تكون يدك هي الدنيا، ولا أن تكون متضعضعاً أمام قويٍ ولا أمام غني، ولكن الزهد أن يكون المال بيديك لا في قلبك، أن يكون العمل الصالح هدفك الأول، والذي بيدك من الدنيا في خدمة هذا الهدف الكبير.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-14-2018 01:17 PM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الواحد و الخمسون )

الموضوع : الفرق بين الشرك الجلى و الشرك الخفى




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الشرك :
أيها الأخوة الأكارم، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول".
ولكن علاقة هذا الموضوع مع هذه السلسلة من الدروس علاقة سلبية، إنه موضوع "الشرك"، فما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، المشرك لن يصل إلى الله عز وجل ذلك لأن الإنسان إذا أشرك بالله عز وجل توجه إلى غير الله، وغير الله عز وجل لا يملك لا رزقك، ولا حياتك، ولا موتك، ولا سعادتك، توجهت إلى لا شيء.
فلذلك الأصل في هذا الدين أنه دين التوحيد، وما من إنسانٍ أحب رسول الله حباً يفوق حدّ التصور كسيدنا الصديق، فلما توفاه الله عز وجل قال كلمته المشهورة: "من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات ، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت".
الشرك نوعان؛ شرك جلي و شرك خفي :
أخواننا الكرام، الشرك تتسع دائرته حتى يشمل الشرك الخفي، قال تعالى:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف ]
وتضيق دائرته حتى يقتصر على الشرك الجلي، أن تعبد غير الله، هناك شركٌ جلي و شركٌ خفي، من فضل الله عز وجل ليس في العالم الإسلامي شركٌ جلي، لا أحد يعبد حجراً ولا صنماً، ولكن هناك شركاً خفياً، وقد قال عليه الصلاة و السلام: (( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك والشهوة الخفية. قلت : يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ قال : نعم أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤون بأعمالهم. والشهوة الخفية أن يصبح أحدهم صائماً فتعرض له شهوة من شهواته فيترك صومه ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن شداد بن أوس ]
أيها الأخوة، الله عز و جل يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 48 ]
أي ذنبٌ يغفر ما كان بينك وبين الله، وذنبٌ لا يترك ما كان بينك وبين العباد، وذنبٌ لا يغفر وهو الشرك. ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾
[ سورة النساء الآية: 48 ]
علاقة الشرك بالإثم علاقة ترابطية :
الآن:
﴿ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
ما علاقة الإثم العظيم بالشرك؟ إنك إذا اتجهت إلى غير الله، وتوهمت أن هذه الجهة تنفعك أو تضرك، تعطيك أو تمنعك، تعزك أو تذلك، أرضيتها وأسخطت الله، وقد يكون رضاها بالمعاصي والآثام، أو بإيذاء الخلق، فمن لوازم الشرك الإثم، هناك آيتان في القرآن الكريم حصراً، الأولى هذه الآية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
إذاً علاقة الشرك بالإثم علاقةٌ ترابطية، بشكل مبسط أنت توهمت أن رزقك بيد فلان، فلان لا يعرف الله، يأمرك بما يخالف منهج الله عز وجل، أنت بدافعٍ من توهمك أن أمورك بيده تعصي ربك وتطيعه، إذاً الشرك من لوازمه الإثم العظيم، والآية الثانية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾
[ سورة النساء]
في ضلال مبين، في ضلال بعيد، إنسان أحياناً في طريقه في السفر قد يسلك طريقاً خطأً، قد يمشي فيه بضع كيلومترات، لكن تصور إنساناً مشى في طريقٍ خطأ ألف كيلو متر، ﴿ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾
فالشرك من لوازمه الإثم، والشرك من لوازمه أن صاحبه ﴿ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾
أي ذنبٍ مهما بدا عظيماً رحمة الله أكبر منه عند التوبة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4642/01.jpg
لكن من أجل التطمين يوجد آيتان محصورتان: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾
هذا إذا وافته المنية فهو مشرك، أما من تاب تاب الله عليه، أي ذنبٍ مهما بدا عظيماً رحمة الله أكبر منه عند التوبة.
لذلك أكثر المفسرين يعقبون على هاتين الآيتين بكلمة مختصرة: ما لم يتب، إنسان وقع في شرك خفي بحسب الآيتين لن يغفر له، لن يغفر له إذا بقي مقيماً على هذا الشرك، أما إذا تاب انتهى كل شيء.
هناك شرك ـ كما قلت قبل قليل ـ أكبر وشركٌ أصغر، الأكبر نوعان أي هناك شرك جلي أن يعبد بعض الناس في بلادٍ بعيدة صنماً اسمه بوذا هذا شرك جلي، صنم يعبد.
مرة كنت في أمريكا في لوس أنجلوس، أخذني بعض الأخوة الكرام إلى معبد هندوسي، يبعد عن هذه المدينة تقريباً مئة كيلو متر، البناء مكلف عشرات الملايين من الدولارات، وهناك صنمان؛ الصنم الأول من البرونز، لا أبالغ على صدر هذا الصنم من الألماس البرلنت ما يساوي الملايين، ورأيت أناساً بلغني أنهم مثقفون يسجدون لهذين الصنمين انبطاحاً، سجود انبطاح، ورأيت آلةً لتكسير جوز الهند في مقدمة هذا المعبد، سألت عنها فقيل لي: الآلهة يحبون جوز الهند، هذان الصنمان المصنوعان من البرونز، وعلى صدر الصنمين أنواع عديدة جداً من الألماس، قلت: سبحان الله! نحن في نعمةً كبيرة، بلادٌ تعبد الحجر، بلاد تعبد الشمس والقمر، بلادٌ تعبد البقر، وقد كرمنا الله عز وجل، فنحن نعبد الله خالق السموات والأرض. الخطأ الذي لا يغتفر أن يتوهم الإنسان أن جهةً أرضية تملك له نفعاً أو ضراً :
إذاً الشرك الأكبر نوعان: إما أن تعبد صنماً، إلهاً مزعوماً من حجر، من أشياء كثيرة جداً، وعندي مجلة ألمانية فيها تحقيق مطول عن أناسٍ في شرقي آسيا يعبدون الجرذان، وهناك بحثٌ طويل حول الديانات الوثنية في العالم، لكن الذي يعنينا الآن في هذا اللقاء الطيب أن هناك شركاً لا يأخذ هذا الشكل الفاضح، يأخذ شكلاً آخر، يأخذ شكلاً نسميه النديّة، أي اتخذ من دون الله نداً، كيف؟ إنسان بحسب جهله يتوهم أن صديقه الذي يحتل منصباً رفيعاً يمكن أن يعطيه، يمكن أن يرفعه، يمكن أن يمده بالمال، يمكن أن يحميه من أعدائه، هذا التوهم هو لم يقل هو إله ولكنه عامله كإله، هذا الذي يعنينا في هذا اللقاء الطيب، لا أحد يقول: إن زيداً من الناس إله، أو خلق السماوات والأرض، لا، لكنه يطيعه في معصية الله، لكنه يتقرب إليه بإيذاء الخلق، فأنت حينما تعامل جهةً بشرية تمنحها الود والحب، وتعتقد أنها تنفعك وتضرك، وتعلي شأنك، أنت اتخذت شريكاً لله نداً له وهو دون الله عز وجل.
أيها الأخوة، أحياناً إنسان يقع في شرك جلي من نوعٍ النديٍة، لكن هذا الذي أشركه بالله عز وجل بينه وبين خالق السموات والأرض شيء يصعب تصوره، إنسان ضعيف مثلك يموت، يمرض، يحقد، ينسى، وخالق السموات والأرض الذي هو معك دائماً، معك يمدك بكل ما تحتاجه، سمعك بيده، بصرك بيده، رزقك بيده، أهلك بيده، أولادك بيده، قلبك بيده، الشريان التاجي بيده، سيولة الدم بيده، عمل الأجهزة بيده، زوجتك بيده، أولادك بيده، الذي بيده كل شيء، كيف تنصرف عنه؟ إلى أين؟ لذلك هذا الخطأ الذي لا يغتفر أن تتوهم جهةً أرضية تملك لك نفعاً أو ضراً.
سيد الخلق وحبيب الحق لا يعلم الغيب فغيره من باب أولى ألا يعرف :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4642/02.jpg
الآن دقق من هو الإنسان الأول في الكون؟ رسول الله الإنسان الأول، الذي بلغ سدرة المنتهى، قال الله له: قل لهم:
﴿ َلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 50 ]
لكن الله يعلم الغيب، قل لهم: ﴿ لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرّاً وَلَا رَشَداً ﴾
[ سورة الجن ]
قل لهم: ﴿ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلَا نَفْعاً ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 188 ]
فمن باب أولى أنني لا أملك لكم نفعاً ولا ضراً، قل لهم: ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة الأنعام ]
إذا كان سيد الخلق وحبيب الحق لا يعلم الغيب، ولا يملك لنا ولا لنفسه نفعاً ولا ضراً، ويخاف إن عصى ربه ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
هذا مقام سيد الخلق وحبيب الحق فكيف بغيره من الطغاة؟ الإيمان الحقيقي هو التوحيد والإيمان الذي لا ينتج عنه استقامة لا قيمة له :
لذلك أيها الأخوة، ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، وديننا دين التوحيد، بل إن الإيمان الذي لا ينتج عنه استقامة لا قيمة له، بدليل أن الشيطان آمن بالله، قال: ربي.
﴿ فَبِعِزَّتِكَ ﴾
[ سورة ص الآية: 82 ]
آمن به رباً، وآمن به عزيزاً، الشيطان آمن به خالقاً، قال: ﴿ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ ﴾
[ سورة الأعراف ]
الشيطان آمن باليوم الآخر، قال: ﴿ قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
ومع ذلك هو إبليس اللعين، فإن تعترف أن هذا الكون خلقه خالقٌ عظيم فالقضية سهلة جداً، لكن البطولة أن توحده، ألا ترى معه أحداً، ألا ترى فاعلاً غيره، أن ترى أن الله بيده كل شيء، أن ترى أن الله: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
[ سورة البروج ]
﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ﴾
[ سورة هود الآية: 123 ]
﴿ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً ﴾
[ سورة الكهف ]
البطولة أن ترى هذه الرؤية، هذه الرؤية ليست سهلةً، تحتاج إلى جهد كبير، أي التوحيد هو الإيمان، الإيمان الحقيقي هو التوحيد، أن ترى أن يد الله فوق أيديهم، أن ترى أن أي شيءٍ يقع في الكون وقع بعلم الله، ولحكمةٍ بالغةٍ بالغة، عرفها من عرفها وجهلها من جهلها. الشرك الأصغر هو الشرك الذي ابتلي المؤمنون به في هذه الأيام :
لذلك أيها الأخوة، الإنسان حينما يشرك بالله عز وجل هذا الذي أشركه مع الله عز وجل لا شيء أمام عظمة الله.
لذلك هناك شركٌ أصغر هذا الذي ابتلي به المؤمنون، الشرك الأصغر الآية التي تؤكده: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف ]
لك ابن عم بوزارة قال لك: أنا معك دائماً، هذا رقم هاتفي بأي لحظة أنجدك، فأنت اعتمدت عليه، ونسيت الله عز و جل، وصدقوا ولا أبالغ ما من إنسانٍ ينجو من تأديبٍ إذا أشرك، حتى الصحابة الكرام في بدر قالوا: الله . ﴿ وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 123 ]
هم هم وفيهم سيد الخلق في حُنين اعتدوا بكثرتهم فقالوا: (( ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]
هم نخبة البشر، ومعهم سيد البشر، ومع ذلك لم ينتصروا، قال تعالى: ﴿ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]
التولي و التخلي :
أخوتنا الكرام، هناك درس تحتاجه كل ساعة، تقول: أنا، يتخلى الله عنك، تقول: الله، يتولاك، أنت بين التولي والتخلي، باختصاصك: أنا حصّلت علماً من أعلى مستوى، قد ترتكب خطيئة في اختصاصك لا يرتكبها الحمقى، أنت حينما تقول: أنا، يتخلى الله عنك، وحينما تقول: الله، يتولاك، فأنت بين التولي والتخلي، لذلك هناك نص لسيدنا علي يقول:" الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء" أي نملة سوداء في ليلة ظلماء، على صخرة سمراء تمشي، هل يسمع لمشيها صوت؟ قال:" الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء ـ دقق الآن ـ وأدناه أن تحب على جور".
أي: إنسان يرتكب بعض الظلم، لكنه نفعك بشيء فأحببته، أحببته وهو ظالم، أحببته وهو بعيد عن الله عز وجل، لمجرد أنك أحببته وهو ليس على حق فهذا نوعٌ من الشرك.
وأن تبغض على عدل، إنسان نصحك نصيحة بأدب، غضبت لأنه تجرأ عليك ووصل إلى مقامك الكبير، قال لك: هذه غلط، هذا التصرف لا يليق، فلمجرد أن تغضب لنصيحةٍ أسديت إليك، أو لمجرد أن تحب إنساناً ظالماً، فهذا نوعٌ من الشرك الخفي، الشرك أخفى من دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على جور، وأن تبغض على عدل.
الابتعاد عن التلفيق وهو أن تلبس الباطل بالحق :
أيها الأخوة، مرةٍ ثانية: حينما تعتمد على إنسان تقول: معقول أن أظنه خالق السماوات والأرض؟ لا، مستحيل طبعاً! لكن هنا عاملته كما يعامل الإله، ودائماً هؤلاء الذين يفعلون هذا يقولون:
﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾
[ سورة الزمر الآية 3 ]
حتى الذين أشركوا يعللون شركهم الخفي بأنهم يعبدون هؤلاء ليقربوهم إلى الله عز وجل، هو في الحقيقة يسمى تلفيقاً، التلفيق أن تلبس الباطل بالحق.
أيها الأخوة، الله عز وجل يقول: ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾
[ سورة الزمر ]
وهناك آية ثانية: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 3 ]
التصور هذا اسمه تلفيق. ﴿ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الشعراء ]
هنا الشاهد، أنت قد تعامل إنساناً قوياً، لا تقل هو إله إطلاقاً، لكنك تعامله كما يعامل الإله، تخافه، تتوهم أن نفعك بيده، وأن عطاءك بيده، وأن حمايتك بيده، هذا هو الشرك الذي يعني المسلمين. انطلاق الديانات الأرضية من ضعف الإنسان :
لكن قد يسأل سائل، هناك سؤال يثير العجب: أن هذا الدين الوثني بشرق آسيا تسعمئة مليون، السيخ، والهندوس، والبوذيون، أرقام كبيرة جداً هل يعقل هذا؟ الجواب سهل جداً: الله عز وجل خلق الإنسان ضعيفاً، لأنه خلقه ضعيفاً، هو بحاجة إلى جهة قوية، فجميع الديانات الأرضية تنطلق من ضعف الإنسان، لكنها انطلقت من ضعفه، وتوجهت إلى جهةٍ ليست أهلاً لهذا التوجه، هنا المشكلة، لكن إقبال معظم الناس على هذه الديانات الأرضية لأن هذه الديانات ليس فيها منهج، ليس فيها حرام، ليس فيها افعل ولا تفعل، يكفي أن تعلن انتماءك وانتهى الأمر، أن تعلن ولاءك، لماذا الدين الذي من عند الله يحتاج إلى جهد؟ يحتاج إلى كلفة؟ هناك تكليف، و حلال، و حرام، و افعل، ولا تفعل، بينما تلك الديانات الأرضية ليس فيها هذا. من اتجه إلى غير الله عز وجل فلن يستفيد شيئاً :
أيها الأخوة، بقي شيءٌ دقيق هو مثل أضربه كثيراً، لكنني بحاجة إليه في هذا اللقاء: إنسان له مبلغ كبير بحلب، يسكن في دمشق، ركب القطار ليصل إلى حلب الساعة الثانية عشرة ظهراً ليأخذ هذا المبلغ، الآن دققوا، قطع في هذا القطار بطاقة من الدرجة الأولى، وجلس خطاً في عربة من الدرجة الثالثة هذا خطأ، لكن القطار يمشي باتجاه حلب، جلس مع شباب منحرفين أزعجوه كثيراً وهذا خطأ ثان، لكن القطار في طريقه إلى حلب، هذه الثانية، جلس بعكس اتجاه القطار فأصابه دوار وهذا خطأ كبير، لكن القطار يمشي في طريقه إلى حلب، يتلوى من الجوع وفي القطار عربة مطعم وهو لا يعلم هذا خطأ رابع، لكن القطار يمشي في طريقه إلى حلب، لكن هناك خطأ لا يغتفر أن يركب قطار درعا باتجاه الجنوب هذا خطأ لا يغفر، في الجنوب ليس هناك من يعطيك قرشاً، القبض بحلب فمعنى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 48 ]
أي إذا اتجهت إلى غير الله لن تستفيد شيئاً، تصور إنساناً معه التهاب زائدة، ويتلوى من الألم، وعلى وشك الموت، توجه إلى فندق، الفندق ليس فيه عملية جراحية، ليس فيه طبيب، فيه من يستقبله ليأخذ ماله، ويسكن في غرفة، الفندق شيء والمستشفى شيء، فأنت إذا توجهت إلى جهةٍ أرضية زاعماً أن فيها ما تحتاجه فهذا هو الخطأ الأكبر، فلذلك مرة ثانية: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾
[ سورة النساء الآية: 48 ]
الطريق إلى الله لا يكون سالكاً إلا إذا كان الإنسان موحداً :
علاقة هذا الموضوع بسلسلة هذه الدروس علاقة عكسية أو سلبية، بمعنى أن الطريق إلى الله لا يكون سالكاً إلا إذا كنت موحداً، فإذا وقعت في شركٍ خفي وهو أن تتوهم جهةً أرضية يمكن أن تمدك بشيء، أن تعطيك شيئاً، أن تحفظك من شيء، أن تحل مشكلتك، هذا التوهم نوعٌ من الشرك الخفي الذي قال الله عنه:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف ]






والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-14-2018 01:20 PM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثانى و الخمسون )

الموضوع : الشرك يعيق الوصول إلى الله، والعمل بالمراءاة من الشرك





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الرياء من الشرك الخفي :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ دقيقٍ جداً يتصل بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" اتصالاً سلبياً، أي أنه يعيق الوصول إلى الله، ألا وهو موضوع "الشرك"، قال شداد بن أوس: رأيت النبي صلى الله عليه و سلم يبكي، فقلت: ما يبكيك يا رسول الله؟ قال: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4643/01.jpg

(( أخوف ما أخاف على أمتي الشرك والشهوة الخفية. قلت: يا رسول الله أتشرك أمتك من بعدك؟ قال: نعم أما إنهم لا يعبدون شمساً ولا قمراً ولا حجراً ولا وثناً ولكن يراؤون بأعمالهم ))
[أخرجه الإمام أحمد عن شداد بن أوس ]
فالمراءاة من الشرك الخفي، أي أن تعمل عملاً أمام الناس كي تنتزع إعجابهم وفيما بينك وبين نفسك هذا العمل الطيب لا تفعله، تفعله أمام الناس، هذا هو الرياء، والرياء من الشرك الخفي، وفي حديثٍ آخر: (( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر قال: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء ))
[أخرجه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد ]
الرياء شرك. أنواع الشرك الخفي :
وقد عدد بعض العلماء أنواع الشرك الخفي: من حلف بغير الله فقد أشرك، ومن علق تميمةً فقد أشرك، يعلقون حدوة حصان، أو حذاء صغيراً، هذا كله من الشرك، هذه الحدوة لا تحفظ ولكن الله هو الحافظ، والعوام لهم أعمال كثيرة كلها من الشرك الخفي، ومن أسند الحفظ والرعاية إلى غير الله فقد أشرك، لو عنده كلب حراسة وقال: لولا الكلب لأتى اللصوص فقد أشرك، لولا هذا الطبيب لمات ابني فقد أشرك، الحفظ والرعاية إذا عُزيت لغير الله فهذا نوعٌ من الشرك ـ والعياذ بالله ـ أو حينما تجعل لله نداً، خطيبٌ وقف أمام النبي عليه الصلاة و السلام فقال : ((ما شاء الله وشئت قال : جعلتني لله نداً ما شاء الله وحده ))
[ أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4643/02.jpg
أيها الأخوة : وفي حديثٍ آخر ، سمع النبي صلى الله عليه و سلم خطيباً يقول :
(( مَنْ يُطِع الله ورسولَه فقد رشَد، ومن يَعْصِهما فقد غَوَى، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: بئس الخطيب أنت، قل: وَمَنْ يَعْصِ الله ورسوله))
[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن عدي بن حاتم ]
ومن يعصهما: أي جعل الإله العظيم مع رسوله الكريم بضمير المثنى: (( وَمَنْ يَعْصِ الله ورسوله ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن عدي بن حاتم ]
ومرّ عمر رضي الله عنه برجلٍ يطأطئ رأسه في الصلاة، فقال: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب.
الإنسان أحياناً إذا صلى أمام الناس يبالغ في الخشوع، قال له: ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب ولكن الخشوع في القلوب . من شهد في إخلاصه الإخلاص فإخلاصه هذا يحتاج إلى إخلاص :
أيها الأخوة: هناك شركٌ خفي خطيرٌ جداً، يقول الله عز وجل يصف المؤمنين قال:
﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4643/03.jpg
طبعاً المعنى هنا الشرك الخفي غير الجلي، لذلك الإخلاص ألا يرى الإنسان في إخلاصه الإخلاص، فمن شهد في إخلاصه الإخلاص فإخلاصه هذا يحتاج إلى إخلاص، أحياناً يتحدث عن إخلاصه أمام الناس، هذا الإخلاص الذي يتحدث عنه أمام الناس يحتاج إلى إخلاص.
المؤمن يخفي أعماله الصالحة كما يخفي أعماله السيئة خوفاً من الرياء، لكن هناك مواطن معينة لابد من أن تعلن ذلك.
أذكر مرة كان هناك بعض الجمعيات الخيرية، يدعون المحسنين قُبيل رمضان للتبرع، فكنت ألقي كلمةً فيهم، فكان المجموع رقم فلكي بالملايين، مرة جربوا طريقةً أخرى أن يعطوا أوراقاً ليملأها المحسنون فكان مجموع ما حصلوا عليه ستمئةُ ألف، العشر، أحياناً الإنسان إذا قال: أنا سأدفع مئة ألف، شريكه يقول: أنا مئة ثانية، مع كل واحد ورقة كتب أحدهم خمسة وعشرين، والثاني خمسة، لكن قال الشريك: مئة فقال الثاني: مئة، لذلك: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 271 ]
أحياناً أن تبدي الصدقة لك أجر بهذا ، إنك بهذا تشجع الناس على الإنفاق. المشرك من يربط طاعة الله بالخسران أو بالدمار :
أخواننا الكرام: الموضوع خطير جداً، لا يوجد إنسان يعصي الله إلا بسبب الشرك، هو لماذا يعصيه؟ من أجل شهوةٍ يؤثرها، لو علم أن القرب من الله أسعد للإنسان من هذه الشهوة لما عصى، إذاً هو لا يعرف ما عند الله من سعادة لو أطعته، لماذا يعصي الله؟ من أجل المال، لو علم أن الله هو الرزاق وحده لأطاعه، والله عز وجل كافأه بأضعاف مضاعفة، لأنه: (( ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه ))
[ الجامع الصغير عن ابن عمر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4643/04.jpg
أيها الأخوة، دققوا في هذه الآية:
﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا ﴾
[ سورة القصص الآية : 57 ]
يقول محام الآن: إن صدقت لا تأتيني ولا دعوى، من قال لك ذلك؟ هذا شرك، إن أطعته تبقى بلا دخل وإن عصيته ترزق؟ هذا كلام غريب، إن لم أغش لا أربح آلافاً، الكلمات التي يقولها التجار متوهمين أنهم إن لم يفعلوا هذا الخطأ لا يربحون كلمات فيها شرك. ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾
[ سورة هود الآية : 112 ]
﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا ﴾
[ سورة فصلت الآية : 30 ]
﴿ وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آَمِناً يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة القصص ]
أي إنسان يربط طاعة الله بالخسران أو بالدمار فهو مشرك، مستحيلٌ وألفُ ألف مستحيل أن تعصيه وتربح، ومستحيلٌ وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر. (( سبحانك إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت ))
[أحمد وأهل السنن وغيرهم من حديث الحسن بن علي]
تطيعه وتخسر؟ وتعصيه وتربح؟ هذا كلام الشيطان، أيعقل أنك إذا اهتديت إلى الله خُطفت من أرضك؟. الله عز وجل لا يرضى من عباده الشرك :
أيها الأخوة، كلام العوام ممتلئٌ بالشرك الخفي، الشفاعة التي وردت في القرآن الكريم لا تكون إلا لمن رضي الله عنه، ولن تعطى إلا لمن رضي الله له قولاً، قال تعالى :
﴿ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى ﴾
[سورة الأنبياء الآية : 28 ]
﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 255 ]
والله لا يرضى من عباده الشرك، لذلك من مات غير مشرك نالته منفعة النبي أما من مات مشركاً حُرم من هذه الشفاعة.
الشرك أن تتجه إلى غير الله، وغير الله لا يوجد عنده شيء، الشرك أن تتجه إلى غير الله، أن تعلق الأمل على غير الله، أن تعتمد على غير الله، أن تتوهم أن خيرك من زيد وأن عبيداً قد يؤذيك، حينما تعزو الفعل إلى غير الله وقعت في الشرك الخفي، ليس إلا الله هو المعطي، هو المانع، هو الرافع، هو الخافض، هو الرزاق، هو المعز، هو المذل، هو الذي يسعد، هو الذي يشقي، حينما ترى أن يد الله تعمل وحدها، حينما ترى أنه لا إله إلا الله، لا معطي ولا مانع ولا خافض ولا رافع ولا معز ولا مذل ولا مسعد ولا مشقي إلا الله .
أنت دخلت لدائرة ولابدّ من أن تأخذ موافقة على هذا الطلب، أخبرك أحدهم أن هذا الطلب ليس من صلاحية أي موظف في الدائرة إلا المدير العام، هل يعقل أن تبذل ماء وجهك لغير المدير العام؟ لن تأخذ هذه الموافقة إلا من المدير العام حصراً، والدائرة عشرة طوابق، وفيها آلاف الموظفين، كل هؤلاء ليس من صلاحيتهم إعطاؤك هذه الموافقة، هل يعقل أن تقف على باب موظف عادي؟.
هذا هو التوحيد، سعادتك بيد الله، رزقك بيد الله، صحتك بيد الله، كل شيء تتوهمه من عند الناس هو من عند الله. من اعتمد على غير الله و توهم أن الأمر بيده فقد أشرك :
إنسان يقول لك: لا إله إلا الله، تدقق في أعماله، أعماله لا تنم عن توحيدٍ لله، تنم عن شركٍ خفي ، يقول لك: فلان يلزمني، فلان إذا خدمته يخدمني، وفلان عند الشدة اتصل به يخلصني، ما دمت متعلقٍ بزيدٍ أو عبيد فهذا نوعٌ من الشرك.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4643/05.jpg
المعصية أحياناً كلمة تقولها، قد تبدو صغيرة لكنها تشير إلى خطأ كبير، إنسان يقول لك: الفاعل مرفوع أم منصوب، إذا نصب الإنسان الفاعل فهو بعيدٌ عن اللغة بعد الأرض عن السماء، فهناك أخطاء تبدو صغيرة لكنها تشير إلى خطأ فادح، لو قال لك أحدهم: كلما أكثرت الملح في الطعام انخفض ضغطك هذا ليس طبيباً، ولا ممرضاً، ولا إنساناً عادياً ، لا يوجد إنسان في الأرض إلا ويعلم أن الملح في الطعام يرفع الضغط، فإذا قال لك: هذا الملح يخفض الضغط، كلمة قالها، معنى ذلك أنه جاهل، لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر على من اجترأت، والله عز وجل يقول :

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ ﴾
[ سورة العنكبوت الآية : 41 ]
من دون الله، اعتمد على صديق، على محام، على طبيب، على إنسان قوي علق عليه الآمال، توهم أن الأمر بيده، هو الذي يعطيه، هو الذي يمنعه، فقد أشرك. ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة العنكبوت ]
الله عز وجل نفى أن يكون له شريك أو معين أو ظهير :
والله أيها الأخوة، مرضٌ مستشرٍ في الناس، كل إنسان يتعلق بإنسان آخر، يرى سعادته بالولاء له، أو يرى شقاءه بالولاء له، يبتعد عن الصالحين خوفاً من أن يُتهم أنه منهم، يقترب من المنحرفين الأقوياء متوهماً أن بيدهم عطاءً أو منعاً، أو تقريباً، أو إبعاداً، هذا كله من الشرك ، مرة ثانية:
((الشرك أخفى من دبيب الذر على الصفا في الليلة الظلماء، وأدناه أن تحب على شيء من الجور وتبغض على شيء من العدل ))
[أخرجه الحاكم عن عائشة أم المؤمنين ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4643/06.jpg
إنسان تعرفه منحرفاً جاءك منه خيرٌ كبير، فأنت على ولاءٍ له، تتعامى عن أخطائه الفادحة، عن معاصيه الكبيرة، هذا نوعٌ من الشرك، وإنسان آخر نصحك هذه النصيحة خدشت كبرياءك فغضبت، هذا نوعٌ من الشرك، بعضهم قال: أنت حينما تعتمد على إنسان هذا الإنسان إما أنه مالكٌ لهذا الكون، أو مالكٌ لجزءٍ منه، أو أنه شريكٌ مع الله فيه، أو أنه ظهيرٌ، أو أنه معين، أو أنه شفيع، فالله عز وجل نفى أن يكون له شريك، أو معين، أو ظهير.
أيها الأخوة، يقول الله عز وجل : ﴿ قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ ﴾
[ سورة سبأ ]
ولا معين، أيها الأخوة، هذا الذي تتوهم أنه بيده أمرك، ليس مالكاً، وليس شريكاً، وليس معينا،ً وليس شفيعاً، وليس ظهيراً. الموحد من يتجه إلى الله عز وجل لا إلى غيره :
لذلك:
﴿ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ﴾
[ سورة الإخلاص ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4643/07.jpg
حينما تتوجه إلى الله فأنت موحد، وحينما تتوجه إلى غير الله فهذا التوجه نوعٌ من الشرك الخفي.
أخواننا الكرام، لا يمكن أن تعصيه إذا كنت موحداً، بل المعصية سببها الشرك، لا يمكن أن ترجو غير الله إن كنت موحداً، إذا رجوت غير الله فهذا نوعٌ من الشرك، طبعاً الآن ليس في العالم الإسلامي صنمٌ يُعبد من دون الله هذا ولّى، الشرك الجلي من فضل الله تعالى نحن ناجون منه، لكن هناك شعوباً بآسيا تعبد صنم بوذا فهو عندهم إله، في العالم الإسلامي الشرك الجلي من فضل الله علينا لا وجود له، لكن الشرك الخفي هو الذي يتحدث عنه النبي عليه الصلاة و السلام وهو الذي قال : (( إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، قال: وما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء، يقول الله عز وجل إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراؤون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء؟ ))
[أخرجه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد ]
الخطأ الذي يرتكبه الإنسان يسبقه خطأ في العلم أو التصور أو التوهم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4643/08.jpg
أيها الأخوة، أي خطأ يرتكبه الإنسان يسبقه خطأٌ في العلم، أو خطأٌ في التصور، أو خطأُ في التوهم، أنت إذا توهمت أن أمرك بيد فلان طبعاً من لوازم هذا التوهم أن تطيعه وتعصي الله.
عفواً الكلمة لعلها قاسية: إذا أطاع الإنسان زوجته وعصا ربه، وجاء العيد وقال: الله أكبر، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، هو في الحقيقة ما قال: الله أكبر، رأى طاعة زوجته أكبر من طاعة الله، قضية خطيرة، أنت حينما تطيع شريكك في معصية في البيع والشراء، وهذه المعصية تدر أرباحاً كثيرة، أنت حينما تقول: الله أكبر في العيد لا تقولها حقيقةً لأنك رأيت طاعة شريكك الذي جلب لك من الربح ما جلب هي أكبر عندك من طاعة الله، فكلمة الله أكبر تعني لا طاعة لمخلوقٍ في معصية الله.
معرفة الله عز وجل أثمن ما في الدنيا :
أيها الأخوة، أثمن ما في الدنيا أن تعرف الله ، إن عرفته عرفت كل شيء، وإن فاتتك معرفته فاتك كل شيء:
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
[ سورة الكهف الآية : 46 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4643/09.jpg
والآية دقيقة، المال من دون بنين مؤلم جداً، لمن هذه الأموال الطائلة؟ والبنون من دون مال أشد ألماً .
﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾
[ سورة الكهف الآية : 46 ]
إذاً المال زائل والأبناء زائلون ولا يبقى إلا الواحد الديان، ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ ﴾
قال بعضهم: الباقيات الصالحات سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أي إذا سبحته، وحمدته، ووحدته، وكبرته، فقد عرفته، وإن عرفته عرفت كل شيء. (( ابن آدم اطلبني تجدني فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء ))
[ تفسير ابن كثير]
إذاً سيدنا هود قال: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة هود ]
هذا هو التوحيد. الحقد أساسه الشرك بالله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4643/10.jpg
أخواننا الكرام، الحقد أساسه الشرك، مثلاً إنسان عنده محاسب اختلف معه فطرده، وشى عليه أن هناك بضاعة غير صحيحة، غير نظامية، فدفع ـ القصة بعام السبعين ـ ستمئة ألف أي يقدر المبلغ الآن بستين مليوناً، فهذا صاحب المحل التجاري من شدة حقده على هذا الموظف أطلق عليه النار وأرداه قتيلاً، وهو الآن في السجن حكم ثلاثين عاماً، أنا تعليقي على هذه القصة لو أنه كان موحداً لما رأى هذه الخسارة من هذا الإنسان، رآها من الله، فصبر وعوضه الله أضعافاً مضاعفة، الحقد يأتي من الشرك، المشرك يحقد أما المؤمن فلا يحقد، لأنه يرى يد الله وحدها تعمل، فالتوحيد مريح جداً.
أيها الأخوة، هو الدين كله توحيد وتقوى .
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
كل شيءٍ وقع أراده الله :
هناك شيء آخر إذا قال الله عز وجل :
﴿ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا ﴾
[ سورة الأنعام الآية : 59 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4643/11.jpg
ما دام الله عز وجل يعلم الورقة إذا سقطت، فهناك أعمال كثيرة جداً بيد الله، أنت حينما توحد لا تندم، حينما توحد لا تحقد، حينما توحد لا تيئس، حينما توحد لا تضعف، حينما توحد لا تنافق.
والله أيها الأخوة، يكاد الدين كله أن يكون توحيداً، الموحد علاقته مع جهة واحدة بالأرض. ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ﴾
[ سورة محمد الآية : 19 ]
كل شيءٍ وقع أراده الله ، لكل شيءٍ حقيقة. (( لا يؤمنَ عبد حتى يؤمنَ بالقدر خَيرِه وَشَرِّه من الله، وحتى يعلم أنَّ ما أصابه لم يكن ليُخطِئَه ، وأن ما أخطأه لم يكن لِيُصِيبَهُ ))
[أخرجه الترمذي عن جابر بن عبد الله ]
من ارتقى توحيده سعد و اطمأن في الدنيا و الآخرة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4643/12.jpg
أخواننا الكرام، كلما ارتقى توحيدكم سعدتم، وارتحتم، وأرحتم، واطمأننتم، ووفقتم، ووضعتم يدكم على جوهر الدين، جوهر الدين هو التوحيد، بل لا تكون عزيزاً إلا بالتوحيد، الإنسان غير الموحد يخاف، يتمسح بالآخر، يتذلل له، يرجو رضاه، و ليس هناك أصعب من أن تحتاج إلى لئيم، قيل: ما الذل؟ قال: أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يرده .
"والله والله مرتين لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون عليّ من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين" .
من وسائل النجاة من الشرك الإكثار من الدعاء التالي :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/4643/13.jpg
أيها الأخوة، من وسائل النجاة من الشرك الإكثار من هذا الدعاء :

(( اللهم إنا نعوذ بك من أن نشرك شيئاً نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه ))
[أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن أبي علي رجل من بني كاهل ]
أن يستشعر العبد قبح الشرك مهما صغر، أن يستشعر أنه يحبط العمل، أن يعلم المرائي بعبادته أن الناس متى عرفوا أنه يرائي صغر في أعينهم.
هذه كلها أيها الأخوة من وسائل أن ننجو جميعاً من الشرك.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-14-2018 01:24 PM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثالث و الخمسون )

الموضوع : الفرار الى الله





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الفرار إلى الله :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ولا أعتقد أن هناك موضوعاً ألصق بهذه السلسلة من الدروس من هذا الموضوع إنه: "الفرار إلى الله"، والأصل في هذا الموضوع قوله تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/01.jpg

﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة الذاريات الآية :50 ]
الحقيقة كيف يكون الفرار إلى الله وليس من الله؟ والفرق كبيرٌ بينهما، كل الناس في حالة فرار، أما السعداء منهم ففرارهم إلى الله عز وجل، إلى رحابه، إلى جنته، وأما الأشقياء ففرارهم منه لا إليه، ينشغلون عنه بملهياتٍ كثيرة تبعدهم عن ربهم جل جلاله، هؤلاء السعداء يفرون صعوداً إلى السماء، وهؤلاء الأشقياء يفرون سقوطاً إلى الأرض.
الله جل جلاله يطالبنا أن نفر إليه لا منه في قوله تعالى: ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/02.jpg
الفرار إلى الله هو العمل بطاعته، والبعد عن معصيته، الفرار إلى الله شوقٌ إلى الجنة، وطلبٌ حثيثٌ لها، وخوفٌ من النار، وفزعٌ كبيرٌ منها، الفرار إلى الله فرارٌ من الجهل إلى العلم، من الشرك إلى التوحيد، الفرار إلى الله فرارٌ من الغفلة إلى اليقظة، من ظلمة المعصية إلى نور الطاعة، الفرار إلى الله فرارٌ من الضيق إلى السعة، من الكدر إلى الصفاء، الفرار إلى الله فرارٌ من الكسل إلى الجد، ومن التخليط إلى الإخلاص، الفرار إلى الله فرارٌ من الخلق إلى الخالق، من الأرض إلى السماء، الفرار إلى الله فرارٌ من ضيق الصدر وانقباضه إلى طمأنينة القلب وانشراحه، من القلق إلى قرة العين، هذا هو الفرار إلى الله، الفرار إلى الله من سجن الدنيا ونكدها إلى نعيم الجنة وعبقها، الفرار إلى الله فرارٌ من ذلّ الشهوة ومرارتها إلى عز الطاعة وحلاوتها، الفرار إلى الله فرارٌ من حور الطين إلى حور العين، من النساء الكاسيات العاريات اللواتي يتلاعب بهن الشيطان إلى الحور العين اللواتي يباركهن الرحمن، الفرار إلى الله فرارٌ من الشقاء إلى السعادة.
الفرار إلى الله فرارٌ من الجهل بكل أنواعه إلى العلم بكل آفاقه :
أيها الأخوة، حينما لا نعلم نكون جهلاء، لكن عندما نعلم ثم لا نعمل يكون جهلنا مركباً، فرقٌ كبير بين الجاهل الذي لا يعلم وبين الذي يعلم ولا يعمل فهذا في جهالةٍ جهلاء، وضلالةٍ عمياء، الجهل مصيبة وعدم العمل بما نعلم كارثة.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/03.jpg
أيها الأخوة، من منا يحب أن يوصف بالجهل؟ طبعاً لا أحد، لكن الذي يعلم ولا يعمل هو أجهل الجهلاء.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ﴾
[ سورة الصف ]
الفرار إلى الله فرارٌ من الجهل بكل أنواعه إلى العلم بكل آفاقه، أي علمٍ هذا؟ العلم الذي يستنير به قلبك حتى يتوهج، دع عنك سوف، هلك المسوفون، دع عنك لعل، دع عنك ربما، دع عنك أخوات هذه الكلمات، اذبح عجل التسويف وطول الأمل بسيف العزم، والتشمير، والمبادرة، وارحل طلباً لما عند الله، تعال فما عند الله خيرٌ وأبقى وأحلى وأرقى، اعلم أنك ابن يومك، ولك الساعة التي أنت فيها، ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، ما مضى لا جدوى من الحديث عنه، مضى ولن يعود، والمستقبل لا تملكه، من منا يملك أن يضمن بقاءه لساعةٍ قادمة؟ ما مضى فات، والمؤمل غيب، ولك الساعة التي أنت فيها، أنت بين يومٍ مفقود هو الماضي، ويومٍ مشهود هو الحاضر، ويومٍ مورود هو الموت، ويومٍ موعود هو يوم القيامة، ويومٍ ممدود إما في جنةٍ يدوم نعيمها أو في نارٍ لا ينفد عذابها، أخطر هذه الأيام اليوم المشهود، لك الساعة التي أنت فيها، لا تقل سوف أفعل هذا غداً، هلك المسوفون، الليل وانهار يعملان فيك، لو أن كل واحدٍ منا نظر إلى صورةٍ قبل عشرين عاماً لوجد فرقاً واضحاً جداً، هذا من فعل الليل والنهار، هذا أثر مضي الزمن، هذا أثر العمر، فالزمن هو البعد الرابع للأشياء، لكل شيءٍ طولٌ وعرضٌ وارتفاع، والبعد الرابع هو الزمن، الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما. على الإنسان أن يفر إلى الله كما طالبه الله عز وجل بهذا :
قرر، اتخذ هذا القرار الخطير أن تفر إلى الله كما يطالبك الله بهذا القرار
﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/04.jpg
عاجلاً لا آجلاً، أمرٌ صريح فلماذا يراوغ الإنسان؟ اعرف الطريق وقد بانت لك آماده، وشمر للسير وقد لاحت لك معالمه، وقرر السفر ما دامت أنفاسك تتردد في صدرك، فلعلك تجد نفسك غداً محمولاً على الأعناق لتوضع في حفرةٍ ضيقةٍ، تنقلب على صاحبها إن كان غافلاً نيراناً محرقة، القبر روضةٌ من رياض الجنة أو حفرةٌ من حفر النيران، لئلا يقول الإنسان:
﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾
[ سورة الفجر ]
﴿ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً ﴾
[ سورة الفرقان ]
يا خيبة العمر الذي يقضيه الإنسان في جهلٍ، وحمقٍ، وتنعمٍ، وغفلةٍ عن الله عز وجل. الفرار إلى الله يقذف الإنسان إلى السماء ليحيا في جنات القرب :

أيها الأخوة الكرام، ما من موضوعٍ فيما أرى أكثر اتصالاً بهذه السلسلة من الدروس سبل الوصول وعلامات القبول كهذا الموضوع ﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/05.jpg
ينبغي أن تفر من جهةٍ إلى جهة، من الجهل إلى العلم، من الشقاء إلى السعادة، من المعصية إلى الطاعة، لتكن هذه الآية شعارنا
﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾
دع هذه الآية تحتل أكبر مساحة من قلبك ومن عقلك ثم انظر ماذا تصنع فيك ولك.
الفرار إلى الله حقاً يقذفك مباشرة إلى السماء لتحيا في جنات القرب الحافلة بكل بهجةٍ ونعيم، وأنا في كل درسٍ أدعو وأقول: اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات، أي ينبغي أن نفر من الوهم والجهل إلى المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من صحّ فراره إلى الله ذاق ألواناً من أسرار العبادات لا تعد و لا تحصى :
كلما صحّ لك هذا الفرار تذوقت ألواناً من أسرار العبادات، تجعل قلبك يهتز وروحك تنتشي، وعقلك يهدأ، وعينك تقر، ونفسك تطمئن، والله الذي لا إله إلا هو بقلب المؤمن من السعادة ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم، بقلب المؤمن من الأمن ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم، الإيمان مرتبة عالية جداً، مرتبة علمية، مرتبة أخلاقية، مرتبة جمالية، أنت حينما تفر إلى الله تجد نفسك في يسرٍ، وراحةٍ، وطمأنينةٍ، وسعادةٍ، وقربٍ، وأملٍ، وتفاؤلٍ، وإشراقٍ، تستعلي به على كل زخارف الدنيا. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/06.jpg

﴿ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ﴾
[ سورة الأنعام الآية: 44 ]
تسمو فوق كل فخاخ الشيطان التي يحرص على أن يسوقها بين يديك وعلى عينيك ليفتنك بها، حقيقة الفرار إلى الله أن تشحن قلبك بالنور، أن يمتلئ القلب بالنور حتى يصبح كالكوكب الدري يوقد من شجرةٍ مباركة. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ ﴾
[ سورة الحديد الآية: 28 ]
قلب المؤمن الصادق مستنير يرى الحق حقاً والباطل باطلاً، يمتلئ القلب نوراً من أنوار الوحي حتى يتوهج، أولياء أمتي: (( خيار أمتي الذين إذا رُؤوا ذُكر الله ))
[أخرجه الطبراني عن عبادة بن الصامت ]
الفرار إلى الله فرارٌ من حظ النفس والهوى إلى مراد الله ورضوانه :
الفرار إلى الله فرار من حظوظ النفس الظاهرة والخفية التي تقطعك عن الله جل جلاله وتصرفك عن بابه، فرارٌ من حظوظ النفس الظاهرة والخفية، الفرار إلى الله فرارٌ من صحبة سوء تحول بينك وبين مولاك.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/07.jpg
كن مع الصادقين، صاحبهم، اجلس معهم.
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف ]
ابتعد عن أصحاب السوء، عن أهل الدنيا، يا عائشة: (( إن كنتِ تريدين الإِسراعَ واللُّحوقَ بي فَلْيَكْفِكِ من الدنيا كزاد الرَّاكب، وإِيَّاك ومُجالسةَ الأغنياء، ولا تَسْتَخْلِقي ثَوبا حتى تُرَقِّعيهِ ))
[أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ]
من دخل على الأغنياء خرج من عندهم وهو على الله ساخط، أغنياء أهل الدنيا لا أغنياء أهل الإيمان، والله الغني المؤمن تشتهي أن تكون غنياً مثله من تواضعه، ومن سخائه، الفرار إلى الله فرارٌ من حظ النفس والهوى إلى مراد الله ورضوانه، وتحصيل رضاء الله غاية المنى، إذا رضيت فكل شيءٍ هينٌ، وإذا حصلت فكل شيءٌ حاصلُ . فليتك تحلو والحياة مــريرةٌ وليتك ترضى والأنام غضــابُ
وليت الذي بيني وبينك عـامرٌ وبيني وبين الـــعالمين خرابُ
إذا صح منك الوصل فالكل هينٌ وكل الذي فوق الــترابِ ترابُ
* * *
فـلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لـما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العُجب وجئتنـا
ولو ذقت من طعم المحبة ذرةً عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
* * *
ولو نسمت من قربنا لك نسمةٌ لمت غريباً واشتياقاً لـــقربنا
ولو لاح من أنوارنا لك لائحٌ تركت جميع الكائنات لأجلنـــا
فما حبنا سهلٌ وكل من ادعى سهولته قلنا له قد جهلتنـــا
* * *

ثمرات الفرار إلى الله :
1 ـ راحة القلب :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/08.jpg
أيها الأخوة، ثمرات الفرار إلى الله كثيرةٌ جداً منها: راحة القلب.

﴿ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾
[ سورة الرعد ]
2 ـ قرة العين :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/09.jpg
منها قرة العين.
﴿ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾
[ سورة الفرقان الآية : 74 ]
3 ـ سكينة النفس :
منها سكينة النفس، هذه السكينة تسعد بها ولو فقدت كل شيء وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، هي جنةٌ معجلة، في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، قال تعالى: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/10.jpg

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
ذاقوا طعمها في الدنيا، ماذا يفعل أعدائي بي؟ كما قال بعض العلماء: إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟
الفرار إلى الله جنةٌ معجلة، نعيمٌ يتجدد رغم المشقات التي يعانيها المؤمن، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ﴾
[ سورة العنكبوت الآية: 69 ]


القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوةً لا ترضي الله :
ولكن الله عز وجل كثيراً ما يقول:
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الجاثية ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/11.jpg
لكن سوف يعلمون، هذا كله.
﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء ]
قالوا: القلب السليم هو القلب الذي لا يشتهي شهوةً لا ترضي الله، ولا يصدق خبراً يتناقض مع وحي الله، ولا يُحكّم غير شرع الله، ولا يعبد إلا الله، المشكلة أن معظم الناس يفرون من الله إلى الدنيا، من درس علمٍ إلى مجلس غناء، من مجلس حقٍ إلى مجلس غيبة، هل لنا ربٌ سوى الله؟ هل رأينا نور الدنيا إلا بتقديره وكرمه؟ منحنا نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد. ﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾
[ سورة الرحمن ]
الفرار إلى الله يكون باتباع أوامره واجتناب نواهيه :
﴿ فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/12.jpg
فروا من صوت الشيطان إلى صوت الرحمن.
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 24 ]
أيها الأخوة، الفرار إلى الله يكون باتباع أوامره واجتناب نواهيه، والوقوف عند الحلال والحرام، والاهتداء بتعاليم المصطفى المختار، لقد قال الله عز وجل: ﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
[ سورة الحشر الآية : 7 ]
من الأمور التي تعين على الفرار إلى الله :
1 ـ محبة الله :
الآن كخطوات عملية من الأمور التي تعين على الفرار إلى الله من هذه الأمور: أن تحب الله.
(( أحِبُّوا الله لما يَغْذوكم من نعمه ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/13.jpg
محبة الله قارب النجاة من الفتن، عاصم المرء من الخطايا، حب الله ينجي المسلم من الغرق في بحر الدنيا، ينجي المسلم من اللهاث وراء مُتعها وشهواتها، فالذي تعلق قلبه بالله لا يطغى عليه حبٌ آخر، والله تعالى يقول:
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
[ سورة التوبة ]
والله عز وجل يؤكد هذا الحب، حب المؤمن لله. ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 165 ]
حب الله عز وجل والتعلق به يصنع المعجزات، إذ يهتدي المسلم بهدى الله، ويسترشد بهدي رسول الله. 2 ـ محبة رسول الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/14.jpg
من الوسائل المعينة على الفرار إلى الله: أن تحب رسول الله، يقول الله عز وجل:

﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ﴾
[ سورة آل عمران الآية 31 ]
ويقول عليه الصلاة والسلام: (( لا يُؤمن أحدُكم حتَّى أكونَ أحبَّ إليه مِنْ والده وولدِهِ والنَّاس أجمعين ))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أنس بن مالك ]


3 ـ الورع :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/15.jpg
من وسائل الفرار إلى الله: الورع، ورد: ركعتان من ورع خيرٌ من ألف ركعةٍ من مخلط، والمخلط الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً.

(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ))
[أخرجه الترمذي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة ]
فالمسلم يتقرب إلى الله ولابد لهذا التقرب من الورع، يدقق في الحلال فيأتيه، يدقق في الحرام فيجتنبه، فقد كان الصحابة الكرام يتحرون في هذا الشأن.

4 ـ تجديد التوبة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/16.jpg
من وسائل الفرار من الله: تجديد التوبة، المؤمن كثير التوبة.

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً ﴾
[ سورة التحريم الآية: 8 ]
ويقول عليه الصلاة و السلام: (( والله إِني لأستغفرُ الله وأَتوبُ إليه في اليومِ سَبعينَ مَرة ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة ]



5 ـ الاستعداد للآخرة وتذكر الموت :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/17.jpg
من وسائل الفرار إلى الله الاستعداد للآخرة وتذكر الموت.

﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾
[ سورة آل عمران ]
6 ـ التقرب إلى الله بالنوافل :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/18.jpg
من وسائل الفرار إلى الله التقرب إلى الله بالنوافل، يقول الله عز وجل في الحديث القدسي:

(( من عادى لي وَلِيّا، فقد آذَنتُه بحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مِنْ أداءِ ما افترضتُ عليه ))
[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
الآن دققوا: (( ولا يزال عبدي يتقرَّب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ، فإذا أحببتُهُ كُنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألَني أعْطَيتُه، وإن استَعَاذَ بي أعَذْتُه، وما تردَّدتُ عن شيء أنا فاعله تردّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مَساءَتَه))
[أخرجه البخاري عن أبي هريرة ]
7 ـ الرفقة الصالحة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7340/19.jpg
ومن وسائل الفرار إلى الله الرفقة الصالحة.

(( المرءُ على دِين خليله ، فلينظرْ أحدُكُم مَن يُخَالِلْ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي، عن أبي هريرة ]
﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً ﴾
[ سورة الكهف ]
أيها الأخوة الكرام، مرةً ثالثة ما من موضوعٍ ألصق بهذه السلسلة من الدروس من هذا الموضوع؛ الفرار إلى الله.





والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-14-2018 01:27 PM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الرابع و الخمسون )

الموضوع : من لوازم الفرار إلى الله أن تقمع الفتنة، وتضيق على أهل المعصية







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
موضوع الإيمان موضوعٌ خطير يحدد مصير الإنسان :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو "الفرار إلى الله".
ورد في الأثر:
(( أن شمروا فإن الأمر جد ))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7466/01.jpg
هناك موضوعات توصف بأنها مصيرية أي أنها تحدد مصير الإنسان، موضوع الدين، موضوع الإيمان، موضوعٌ مصيري، هناك موضوعات لا تقدم ولا تؤخر، هناك موضوعات ليس لها أثر مستقبلي، بينما موضوع الإيمان وموضوع الدين موضوعٌ خطير، هذا الموضوع يحدد ما إذا كان مصير الإنسان في جنةٌ يدوم نعيمها أو في نارٍ لا ينفذ عذابها لذلك:
(( أن شمروا فإن الأمر جد ))
أحياناً الإنسان لا سمح الله ولا قدر يكتشف ورماً، يحلل فإذا هو ورمٌ خبيث، آلاف الموضوعات الثانوية يهملها، يبحث عن علاج، ماذا يفعل؟ يأخذ دواء كيماوياً، يجري عملية استئصال، هذا الموضوع يحدد مصيره وقد ينتهي به إلى الموت.
هناك موضوعات لا تقدم ولا تؤخر، وموضوعات مصيرية، فموضوع الإيمان موضوع مصيري. (( أن شمروا فإن الأمر جد، وتأهبوا فإن السفر قريب ))
الإنسان يفصله عن القبر ثانية، بينما هو ملء السمع والبصر إذا هو خبر تحت أطباق الثرى، فلذلك: (( أن شمروا فإن الأمر جد، وتأهبوا فإن السفر قريب، وتزودوا فإن السفر بعيد))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7466/02.jpg
كلما طال السفر فإن السفر بعيد، كلما طال السفر كبرت الحاجات التي يحتاجها لهذا السفر البعيد.
(( واخلصوا النية فإن الناقد بصير))
أي: ﴿ يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ ﴾
[ سورة الحاقة ]
أنت أمام الله مكشوف، لك أن تخدع بعض الناس لكل الوقت، ولك أن تخدع كل الناس لبعض الوقت، أما أن تخدع كل الناس لكل الوقت فهذا من سابع المستحيلات، أما أن تخدع الله أو أن تخدع نفسك لثانية واحدة فهذا مستحيل!. ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ ﴾
[ سورة القيامة ]
لذلك : (( اخلصوا النية فإن الناقد بصير، وخففوا الأثقال فإن في الطريق عقبةً كؤود لا يجتازها إلا المُخِفون))
[ورد في الأثر]
يا أبا ذر جدد السفينة فإن البحر عميق. الفرار إلى الله قمع الفتنة و محاصرة المعصية :
أيها الأخوة الكرام، ينبغي أن نجدد إيماننا، الفتن كثيرة، نحن في عصر ما أكثر الصوارف عن الدين، وما أكثر العقبات التي تقف بينك وبين الدين، عقباتٌ لا تعد ولا تحصى، وصوارف لا تعد ولا تحصى.
(( يأتي على الناس زمان، الصابر فيه على دِينه، كالقابض على الجمر ))
[أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7466/03.jpg
لذلك أيها الأخوة مرة ثانية: الفرار إلى الله أن تقمع الفتنة، أن تحاصر المعصية، أن تسد كل الطرق المؤدية إلى النار، أن تجفف ينابيع المعصية والآثام.
فلذلك النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام البخاري من حديث النعمان ابن البشير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَثَلُ القَائِم في حُدُودِ اللَّه والْوَاقِع فيها، كَمثل قَومٍ اسْتَهَموا على سَفِينَةٍ فَأَصابَ بَعْضُهم أعْلاهَا، وبعضُهم أَسْفلَهَا، فكان الذي في أَسفلها إذا استَقَوْا من الماء مَرُّوا على مَنْ فَوقَهمْ، فقالوا: لو أنا خَرَقْنا في نَصِيبِنَا خَرقا ولَمْ نُؤذِ مَنْ فَوقَنا ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير ]
يقول عليه الصلاة و السلام: (( فإن تَرَكُوهُمْ وما أَرَادوا هَلَكوا وهلكوا جَميعا، وإنْ أخذُوا على أيديِهِمْ نَجَوْا ونَجَوْا جَميعا ))
[أخرجه البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير ]
نحن في قاربٍ واحد، فإن لم تبادر إلى إنكار المنكر فنحن هلكى جميعاً. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر علة خيرية هذه الأمة :
أيها الأخوة، لذلك يعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في موضوع الفرار إلى الله موضوعاً أساسياً في هذا الشأن، شأن الفرار إلى الله عز وجل.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7466/04.jpg
فلذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الفريضة السادسة إن صحّ أن في الإسلام فريضةً سادسة فهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولأن علة خيرية هذه الأمة هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 110 ]
أيها الأخوة، فإن لم نأمر بالمعروف ولم ننهَ عن المنكر فقدنا خيريتنا، وأصبحنا أمةً كأية أمةٍ شردت عن الله عز وجل، وهذا معنى قوله تعالى يخاطب الله الذين ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، ردّ الله عليهم فقال: ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 18 ]
أي لا شأن لكم عند الله، لذلك اضطر العلماء إلى تقسيم أمة رسول الله إلى أمتين؛ أمة الاستجابة التي استجابت لله وللرسول من أجل أن تحيا حياة الإيمان، هذه الأمة هي المعنية بقوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ﴾
وأمة التبليغ هي الأمة التي لا وزن لها عند الله عز و جل، شأنها كشأن أية أمة ﴿ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ ﴾
أمانة العلماء أمانة التبيين وأمانة الأمراء أمانة التغيير :
لذلك أيها الأخوة، الحديث الذي يعد في أعلى مراتب الصحة:
(( من رأى منكُم منكراً فلْيُغَيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7466/05.jpg
إن صحّ أن هناك أُمراء وعلماء، العلماء مهمتهم إنكار المنكر بألسنتهم، هذه أمانتهم أمانة التبيين، والأمراء مهمتهم أن ينكروا المنكر بالقوة، وهذه أمانة الولاية.
ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارقٍ أو ناهب؟ سيدنا عمر سأل أحد الولاة، قال: أقطع يده، قال: إذاً فإن جاءني من رعيتك من هو جائعٌ أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم، فإن وفينا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإذا لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها في الطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية.
لذلك أمانة العلماء أمانة التبيين، إنكار المنكر باللسان، وأمانة الأمراء أمانة التغيير باليد، لأن الله أعطاهم قوةً، ومن أدق ما قاله الإمام الشافعي في قوله تعالى: ﴿أ َطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ﴾
[ سورة النساء الآية: 59 ]
من هم أولو الأمر؟ قال: هم العلماء والأمراء معاً، العلماء يعلمون الأمر والأمراء ينفذون الأمر، لذلك: (( من رأى أمراً منكراً فلْيُغَيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان ))
[مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري]
من أمر بمعروف فليكن أمره بالمعروف ومن نهى عن منكر فليكن نهيه من دون منكر:
إلا أن العلماء قالوا: لا يقبل أن تغير المنكر بلسانك إن كنت قادراً أن تغيره بيدك، كما أنه لا يقبل أن تنكر المنكر بقلبك إذا كنت قادراً أن تغيره بلسانك، من هنا استنبط العلماء أنك إذا أمرت بالمعروف فليكن أمرك بالمعروف، وإذا نهيت عن المنكر فليكن نهيك من دون منكر.
أحياناً الإنسان من ضعف حكمته ينكر منكراً فينشأ من إنكار هذا المنكر منكراً أشد خطراً على المجموع من المنكر الذي أنكره، طريقة إنكار المنكر قد تسبب منكراً أشد، فلابد من أخذ الحكمة.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7466/06.jpg
لذلك في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:

(( مَا مِنْ نبيٍّ بعثَهُ اللهُ في أمَّةٍ قَبْلي، إلا كانَ له من أمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وأصحابٌ يأخذون بسُنَّتِه، ويقتدون بأمره، ثم إنَّها تَخْلُفُ من بعدهم خُلوف ))
[أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
الخلوف هي جمع خلف من يأتي بعدهم. (( ثم إنَّها تَخْلُفُ من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جَاهَدَهُم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ))
[أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
الآن دققوا. (( لَيس وراءَ ذلك من الإيمان حَبَّةُ خَرْدَل ))
[أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
أي إن لم تنكر بقلبك، وإن لم تنكر بلسانك، وإن لم تنكر بيدك، اعلم علم اليقين أنه ليس في قلبك ذرة إيمان، الحديث خطير جداً. (( مَا مِنْ نبيٍّ بعثَهُ اللهُ في أمَّةٍ قَبْلي، إلا كانَ له من أمَّتِهِ حَوَارِيُّونَ، وأصحابٌ يأخذون بسُنَّتِه، ويقتدون بأمره، ثم إنَّها تَخْلُفُ من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جَاهَدَهُم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، لَيس وراءَ ذلك من الإيمان حَبَّةُ خَرْدَل ))
[أخرجه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]
لذلك قالوا: من غاب عن معصيةٍ فلم ينكرها، ومن شهد معصيةٍ فلم ينكرها، فهو في ورطةٍ كبيرة، أي إذا قيل لك: في بلادٍ بعيدة هناك تبادل زوجات، مثلاً قلت: والله شيء ممتع مثلاً، هذا المنكر البعيد يبعد عنك آلاف الكيلومترات إذا أقررته كأنك شهدته، ومن شهد معصيةً فأنكرها كان كمن غاب عنها، كلام دقيق، إذا غبت عن معصيةٍ فلم تنكرها كأنك قد شهدتها، وإذا أنكرت معصيةً كنت كمن غاب عنها، فلابد من إنكار المنكر. أضعف الإيمان أن ينكر الإنسان المنكر بقلبه :
أيها الأخوة، أضعف الإيمان أن تنكر بقلبك، لكن هناك حالة أنا أسميها السلبية المدمرة، إنه مالي ومال الناس، لهم ربٌ يحاسبهم، لذلك الله عز وجل حينما أرسل الملائكة ليهلكوا قوماً قالوا:
(( إن فيها عبدك فلان لم يعصك طرفة عين؟ قال: اقلبها عليه وعليهم فإن وجهه لم يتمعر في ساعة قط ))
[أخرجه الطبراني عن جابر بن عبد الله ]
اعلم علم اليقين إن لم تنكر المنكر فأنت في ورطة كبيرة جداً ولو بقلبك. حينما يكف المسلمون عن إنكار المنكر يعمهمُ الله تعالى بالعقاب الشديد :
أيها الأخوة، هناك من يفهم هذه الآية فهماً ما أراده الله، يقول لك أحدهم:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة المائدة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7466/07.jpg
سيدنا الصديق، أو سيدنا صديق هذه الأمة أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه خاف من هذه السلبية القاتلة من منطلق فهمٍ مغلوط ومقلوب لهذه الآية، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
(( أيُّها الناس، إنكم تقرؤونَ هذه الآية وتَضَعونَها على غير موضِعِها، وإني سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما من قوم يُعْمَلُ فيهم بالمعاصي، ثُمَّ يَقْدِرُونَ على أنْ يُغَيِّرُوا ولا يغيرون، إلا يوشِكُ أن يَعُمَّهُم الله بعقاب ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي بكر الصديق ]
وهذا حال معظم المسلمين، أي لا أحد يكلف نفسه أن ينكر منكراً، تأتي ابنة أخيه شابة في ريعان الشباب متفلتة في ثيابها، كل مفاتنها ظاهرة، فالعم يرحب بها، ويثني على جمالها، وعلى شبابها، ويسألها عن دراستها، وكأنها لا تفعل شيئاً، فحينما يكف المسلمون عن إنكار المنكر يعمهمُ الله بالعقاب، أنا أقول لكم: حينما قال عليه الصلاة و السلام: (( كيف بكم أيها الناس إذا طغى نساؤكم وفسق فتيانكم؟ قالوا : يا رسول الله إن هذا لكائن؟ قال: نعم وأشد منه كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ قالوا: يا رسول الله إن هذا لكائن؟ قال: نعم وأشد منه كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفاً والمعروف منكراً؟ ))
[أخرجه أبو يعلى والطبراني عن أبي هريرة ]
نحن في عصر تبدل القيم، الذي ينفق ماله في سبيل الله يُتهم بالجنون، والذي ينصح الأقوياء يُتهم بالحمق، المنافق اسمه لبق، والفتاة المتفلتة لها اسم حديث سبور مثلاً، والكذب لباقة، والنفاق مرونة، فكل هذه القيم تبدلت، لذلك أهجى بيتٍ قالته العرب: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
* * *

هذا البيت أصبح شعار معظم الناس: دع المكارم لا ترحل لبغيتها واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
* * *

حينما تفقد الأمة خيريتها يتحقق الهلاك و الدمار :
في الصحيحين من حديث زينب رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم دخل يوماً عليها فزعاً، النبي الكريم دخل عليها فزعاً، وفي روايةٍ استيقظ يوماً من نومه فزعاً يقول:
(( لا إله إلا اللّه، ويَلٌ لِلْعَرَبِ من شَرّ قد اقْتَرَب، فُتِحَ اليوم من رَدْم يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذه وحَلَّقَ بأصْبَعِهِ : الإبهام والتي تَليِها فقالت زينب بنتُ جَحْشٍ: فقلت: يا رسول اللّه أَنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم ، إذا كَثُرَ الْخَبَثُ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن زينب بنت جحش أم المؤمنين ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7466/08.jpg
حينما تكف الأمة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حينما تفقد الأمة خيريتها أو تفقد علة خيريتها يتحقق الهلاك، فهل في تاريخ هذه الأمة من ظرفٍ عصيب، من محنة قاسية، من عدوان، من احتلال، من قهر، من إذلال كهذه الحقبة؟.
(( ويَلٌ لِلْعَرَبِ من شَرٍ قد اقترب، أَنَهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كَثُرَ الْخَبَثُ ))
أخواننا الكرام، الإمام مالك في موطئه أفرد باباً بعنوان باب ما جاء في عذاب العامة بعمل الخاصة، فقد روى الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( إن الله عز وجل لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله الخاصة والعامة ))
[أخرجه الطبراني والإمام عن عدي بن عميرة الكندي ]
وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 25 ]
هناك فهم غير دقيق لهذه الآية، يقول لك: الرحمة خاصة والبلاء يعم، والحقيقة الرحمة خاصة والبلاء خاص، أما حينما عمّ البلاء بمعنى أن العامة لم تنكر على الخاصة فعدم إنكار المنكر ذنبٌ كبير. من يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله ولا تشقى نفسه :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7466/09.jpg
أيها الأخوة، العالم الغربي عاش الإباحية، عاش التفلت، عاش الانحراف، عاش تصيد اللذة من أي طريق، هذا العالم الغربي وقع في هذا الانحراف الخطير، المشكلة الخطيرة أنه يريد أن يعمم هذه الحالة المرضية على العالم الإسلامي، هنا المشكلة.
لذلك بعض المؤتمرات مؤتمرات السكان التي تلزم العالم الثالث بنمطٍ إباحي حينما عدوا الزواج أنواعاً ثلاث: زواج مثلي ذكر مع ذكر، وزواج مثلي أنثى مع أنثى، وزواج تقليدي ذكر مع أنثى، حينما جعلوا مفهوم الزواج مفهوماً انحرافياً إباحياً، هذا مما يفعله العالم الغربي في عالم المسلمين.
أيها الأخوة:
﴿ قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً ﴾
[ سورة طه الآية: 123 ]
سيدنا آدم وحواء: ﴿ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى ﴾
[ سورة طه الآية: 123 ]
الآن دققوا: ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى ﴾
[ سورة طه الآية: 123 ]
لا يضل عقله ولا تشقى نفسه. ﴿ فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
اجمع الآيتين: من يتبع هدى الله عز وجل لا يضل عقله، ولا تشقى نفسه، ولا يندم على ما فات، ولا يخشى مما هو آت.
ضيق القلب شأن من لا يذكر الله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7466/10.jpg
ماذا بقي من سعادة الدنيا والآخرة؟.

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ﴾
[ سورة طه الآية: 124 ]
بعضهم قال: ما شأن الملوك والبلاد كلها في ملكهم؟ ما شأن الأغنياء الذين يملكون المليارات الممليرة بهذه الآية؟ فأجاب بعض المفسرين: ضيق القلب، قد تجمع ثروة أهل الأرض، وقد تعتلي أعلى منصباً في الأرض إن لم تكن ذاكراً لله. ﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾
[ سورة طه ]
في قلب المؤمن من السعادة والطمأنينة ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7466/11.jpg
أحد كبار العلماء العارفين بالله إبراهيم بن الأدهم المدفون بجبلة، هذا كان ملكاً فترك الملك، وقال هذه المقولة: لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف.
بقلب المؤمن من السعادة، من الطمأنينة، من الراحة النفسية، من الرضا، ما لو وزع على أهل بلدٍ لكفاهم.
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾
[ سورة طه ]
أيها الأخوة الكرام، الفرار إلى الله ألصق موضوعٍ بسبل الوصول وعلامات القبول، ومن لوازم الفرار إلى الله أن تقمع الفتنة، أن يضيق على أهل المعصية، وإلا عمّ البلاء أهل الأرض، وعمّ البلاء المسلمين خاصة.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-14-2018 01:30 PM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الخامس و الخمسون )

الموضوع : الحياء فضيلة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الحياء :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع اليوم "الحياء"، هذه المنزلة إن صحّ التعبير منزلة الحياء مستنبطةٌ من آيةٍ كريمة هي قوله تعالى:
﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾
[ سورة العلق ]
الله يراك، مطلعٌ عليك، سميعٌ لما تقول، عليمٌ بما يجول به خاطرك.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7467/01.jpg
أيها الأخوة، كلٌ منا إذا شعر أنه مراقب كيف يتصرف؟ بانضباطٍ شديد، إذا شعر أن هاتفه مراقب كيف يتحدث في الهاتف؟ بانضباطٍ مذهل، الإنسان حينما يشعر أن إنساناً من بني جلدته لكنه أقوى منه يراقبه لاشك أنه ينضبط، فكيف إذا علم أن خالق السموات والأرض يراقبه، الله عز وجل يقول:
﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ ﴾
[ سورة الشعراء ]
﴿ وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾
[ سورة الشعراء ]
يراك في فراشك، يراك في بيتك، يراك مع أخوانك، يراك في بيعك وشرائك، يراك في علاقاتك، يراك في سفرك وفي حضرك، يراك في كل شؤونك، ﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾
شعور المؤمن أن الله معه شعور في أعلى مستويات الإيمان :
أيها الأخوة، الآية الثانية:
﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى * عَبْداً إِذَا صَلَّى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى * أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى * أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى * أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾
[ سورة العلق ]
أخوتنا الكرام، أفضل إيمان المرء أن يعلم أن الله معه، شعور المؤمن أن الله معه شعور في أعلى مستويات الإيمان. ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
[ سورة الحديد الآية : 4 ]
هو معكم بعلمه، ما من حركةٍ، ولا من سكنةٍ، ولا من كلمةٍ، ولا من توهمٍ، ولا من نظرةٍ إلا يعلمها، لا تخفى عليه خافية، أيها الأخوة. الله تعالى مع الإنسان في كل حركاته و سكناته :
آيةٌ ثالثة:
﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ﴾
[ سورة النساء الآية : 1 ]
الشاهد: ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
[ سورة النساء ]
هو يراك، ويعلم ما يجول في خاطرك، ويسمعك، ﴿ وكَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
﴿ الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾
هذه المنزلة منزلة الحياء مستنبطة من هذه الآيات. على الإنسان أن يراعي الحياء أمام الله عز وجل :

أيها الأخوة، مرةٌ ثانية: إنسان من بني جلدتك لكنه أقوى منك إذا كان يراقبك تنضبط أشد الانضباط، أحياناً تبتعد عن الشبهات، تبتعد عن كلمة تؤول على طريقتين، تختار كلمة لا تؤول لأنك مراقب، فكيف إذا كان خالق السموات والأرض؟ من بيده شؤونك، من بيده صحتك، من بيده مرضك، من بيده رزقك، من بيده سعادتك، من بيده أن يعطيك أو أن يمنع، أو أن يرفع أو أن يخفض، أو أن يعز أو أن يذل؟ إذا كان هذا الخالق العظيم ﴿ يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ ﴾
﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾
﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً ﴾
ماذا ينبغي أن تكون حالك معه؟ حال الحياء.
الآن تذهب إلى بلاد الغرب، تدخل إلى محل تجاري كبير، فيه بضائع بالمليارات، لكن هذا المحل مراقب تلفزيونياً
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7467/02.jpg
انضباط مذهل، يقول لك: الطريق مراقب فيه رادار، كانت السعة مئة وعشرين الآن ستين، هذه نماذج من حياتنا اليومية، إنسان أقوى منك واضع جهاز تصوير في الطريق، وإذا ضبطك بسرعة تفوق السرعة المحددة ستدفع عشرة آلاف، وهناك مخالفات بمئات الألوف، ألا يستحي الإنسان أن ينضبط مع إنسان من بني جلدته لكنه أقوى منه ولا ينضبط مع خالق السموات والأرض؟.
أيها الأخوة، مثل آخر: لو أنه ضيفاً من أقربائك رفيع المستوى، من أوجه وجهاء البلد، زارك في العيد، ماذا تفعل؟ ترتدي أجمل ثيابك، تضبط كلامك، تجلس جلسة مؤدبة مع إنسان، لا يمكن أن تقابل إنساناً كبيراً وفي يدك سُبحة تعبث بها، مستحيل! أنت دون أن تشعر مع إنسان قوي أو كبير، علماً، أو قوةً، أو مالاً، تجلس أمامه بأدب، تتحدث بكلام منضبط، لا تقول كلمةً لا يليق بك أن تقولها، فأنت راقب نفسك مع إنسان من بني جلدتك، أليس الله سبحانه وتعالى أحق أن تراعي الحياء أمامه؟
لذلك هناك آية كريمة يمكن أن تضاف إلى هذه الآيات: ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
[ سورة غافر ]
ارتباط الحياء بالإيمان :
أضرب مثلين: أنت جالس في بيتك والنافذة مفتوحة، وهناك بناء أمام بيتك، فيه شرفة، خرجت امرأةٌ حسناء ترتدي ثياباً فاضحة، أنت إذا نظرت إليها ليس على وجه الأرض جهةٌ تضبط هذه المخالفة، أنت في غرفة مظلمة، والنافذة مفتوحة، وامرأةٌ حسناء وقفت على الشرفة بثيابٍ فاضحة، لك أن تملأ عينيك من محاسنها، ولكن المؤمن يغض بصره لأنه يعلم أن الله يراه، هو في البيت، أنا أتيت بمخالفة لا يمكن أن تضبط في الأرض.
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7467/03.jpg
مخالفة ثانية: طبيب، و لك أن تنظر إلى مكانٍ في جسم المرأة تشكو منه، لو أنك اختلست نظرةً لمكانٍ لا تشكو منه، هل في الأرض كلها جهةٌ تستطيع أن تضبط هذه المخالفة إلا الله؟

﴿ أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى ﴾
﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾
أية نظرةٍ، أية حركةٍ، أية سكنةٍ، أية ابتسامة، ليست في مكانها، أي غضبٍ ينبغي ألا يكون الله يعلمه وسيحاسب عليه، في الحديث الصحيح من حديث ابن عمر رضي الله عنهما، عن سالم بن عبد الله عن أبيه: (( أنَّ رَسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم مَرَّ على رَجُلٍ من الأنْصَار وهُو يَعِظُ أخَاهُ في الْحياءِ، فقال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم: دَعْهُ فَإنَّ الحياءَ من الإيمانِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عبد الله بن عمر ]
عجيب! منزلة الحياء مرتبطة بالإيمان، فالمؤمن يستحيي، وغير المؤمن لا يستحيي نعكسها، الذي يستحيي مؤمن والذي لا يستحيي ليس مؤمناً، أبسط الأمور أن إنساناً يتحدث بطرف جنسية فاحشة ليس فيه حياءٌ أبداً، لا يخجل من ذكر العورات، وذكر ما يكون بين الرجل وامرأته في الفراش، فالذي يتحدث بهذه الموضوعات بإسهابٍ وتفصيلٍ ويسمي الأشياء بأسمائها هذا ليس عنده حياء من الله عز وجل. ضبط اللسان من علامات الإيمان :
والله أيها الأخوة، الذي يلفت النظر أنك تجلس مع مؤمن، أو تعيش مع مؤمن لثلاثين عاماً لا تسمع منه كلمة تخدش الحياء أبداً، القول الرائع:
(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك ]
من أبرز خصائص المؤمن ضبط اللسان، لا يوجد كلمة فاحشة، ولا كلمة بذيئة، ولا كلمة يسمي العورة باسمها، هناك انضباط شديد.
فلذلك من علامات الإيمان ضبط اللسان، وأسباب ضبط اللسان الحياء من الواحد الديان، هناك حياء، إذاً قال: (( دَعْهُ فَإنَّ الحياءَ من الإيمانِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن عبد الله بن عمر ]
أنت مؤمن فأنت تملك خلق الحياء، أنت حيي فأنت مؤمن.
تناقض الخيانة والكذب مع الإيمان :
أخوتنا الكرام، من أدق الأحاديث الشريفة:
(( يطبع المؤمن على الخلال كلها ))
[أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة الباهلي ]
هناك مؤمن عصبي المزاج، ومؤمن يغلب عليه الحلم، وكلاهما مؤمن، هناك مؤمن يحب أن يلتقي بالآخرين، منفتح، ومؤمن يؤثر أن يبقى في البيت، تعزف نفسه على أن يلتقي بأحد، وكلاهما مؤمن، هناك مؤمن يعتني كثيراً بثيابه، ومؤمن أقل عناية، أكثر عناية وأقل عناية، هناك مؤمن يبالغ في اختيار الألوان المناسبة لثيابه، عنده ذوق عال في الثياب، و مؤمن أقل من ذلك، هذه كلها خلال: (( يطبع المؤمن على الخلال كلها ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة الباهلي ]
مؤمن عصبي على العين والرأس، قلبه نظيف، قلبه طاهر، مؤمن يغلب عليه الحلم على العين والرأس، مؤمن إنفاقه أكثر مما ينبغي كريم على العين والرأس، مؤمن إنفاقه مدروس جداً، دخله محدود، وعنده أولاد، معه الحق مقبول، أنا يمكن أن ألقي على مسامعكم مئات الحالات من اختلاف الطباع وأصحابها مؤمنون. (( يطبع المؤمن على الخلال كلها إلا الخيانة والكذب ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أبي أمامة الباهلي ]
وكأن الخيانة والكذب تتناقضان مع الإيمان، فالمؤمن لا يكذب، والمؤمن لا يخون، وأنت أيها الأخ الكريم: تتعامل مع موظف، قد يرتكب مئات الأخطاء مقبولة إلا إذا كذب أو خان ليس لك من مصلحةٍ أن يبقى عندك، إذا خان أو كذب قالت: ﴿ يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ﴾
[ سورة القصص ]
لذلك قال النبي الكريم: (( دَعْهُ فَإنَّ الحياءَ من الإيمانِ ))
علامة غير المؤمن أنه لا يستحيي، لا بكلمة بذيئة، ولا بذكر عورة، ولا بطرفة فاحشة، ولا بالتحديق في عورات من حوله، ولا بالتعليق القاسي على ما يرى، هذه كلها من صفات غير المؤمن، لذلك مرتبة الحياء من أفضل مرتبات المؤمن. المؤمن يستحيي أن يعصي الله فالحياء يحمله على الاستقامة :
عن أبي السوار العدوي قال: سمعت عمران بن حصينٍ قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( الحياءُ لا يَأْتي إلا بِخَيْرٍ، فقال بُشَيْرُ بنُ كَعْبٍ: إنَّهُ مَكتوبٌ في الْحِكْمَةِ: إنَّ منه وَقارا، ومنه سَكينة ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن عمران بن حصين ]
الذي يستحيي عنده وقار، والذي يستحيي يتنزل على قلبه السكينة، الذي يستحيي له مهابة، له وقار، والذي يستحيي تتنزل على قلبه السكينة مكافأةً من الله له، وقار أمام الناس وسكينة في قلبه، أي أبسط مفهومات الحياء أن المؤمن يستحيي أن يعصي الله، إذاً الحياء حمله على الاستقامة، المؤمن يستحيي أن يغتاب إنساناً حمله حياءه على الاستقامة. التوحيد أعلى درجات الإيمان :
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة و السلام:
(( الإيمان بضع وسبعون شُعبة، وأفضلها قول: لا إله إلا الله ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
أعلى درجات الإيمان أن تكون موحداً، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، والتوحيد نهاية العلم، نهاية العلم أن تكون موحداً، ألا ترى مع الله أحداً، أن ترى الأمور كلها بيد الله، ألا ترى رافعاً إلا الله، ولا خافضاً إلا الله، ولا معطياً إلا الله، ولا مانعاً إلا الله، ولا معزاً إلا الله، ولا مذلاً إلا الله، هذا هو التوحيد، علاقتك مع جهة واحدة، مع خالق السموات والأرض، لذلك: (( لا يخافن العبد إلا ذنبه ))
[ورد في الأثر]
هناك أقوياء ، وطغاة، وأشخاص شريرون، ووحوش مخيفة، وحشرات لدغتها قاتلة، الأخطار لا تعد ولا تحصى، ولكن لا تخف منها كلها، خف من ذنبٍ تقترفه، هذا الذنب يستدعي أن يسمح الله لهؤلاء الأشرار أن يصلوا إليك: (( لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه ))
بطولة الإنسان لا أن يؤمن بالله فحسب بل أن يؤمن بأنه فعال لما يريد أيضاً :
أيها الأخوة الكرام، إذاً:
(( الإيمان بضع وسبعون شُعبة، وأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها: إماطة الأذى عن الطريق ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
http://nabulsi.com/images/inside-arts/ar/7467/04.jpg
هناك حجر لو أبقيته في مكانه ربما يؤذي إنساناً، هناك شيء من الفاكهة يدعو إلى التزحلق، نزعتها وضعتها في مكانها، إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبةٌ من الإيمان، الإيمان ثلاث وستون، أو ثلاث وسبعون شعبة، أعلاها التوحيد وأدناها أن تميط الأذى عن الطريق.
(( والحياءُ شُعْبَةٌ من الإيمان ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
لذلك قال تعالى: ﴿ وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ ﴾
[ سورة يوسف ]
البطولة لا أن تؤمن بخالق السماوات والأرض أن تؤمن بأنه: ﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
[ سورة البروج الآية : 16 ]
وأنه : ﴿ فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ ﴾
[ سورة الزخرف الآية : 84 ]
النبي عليه الصلاة و السلام كان أشد حياءً من العذراء في خدرها :
الآن من شمائل النبي أن النبي عليه الصلاة و السلام كان أشد حياءً من العذراء في خدرها، فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه، عنده حياء عال جداً، مرة سألته امرأة كيف تتطهر من الحيض؟ قال لها: (( خُذي فِرْصَة من مِسْك، فتطَّهري بها، قالت: كيف أتطهَّر بها؟ قال: تطهري بها، قالت: كيف أتطهَّر بها؟ قال: سبحان الله! تطهري بها، فاجْتَذَبْتُها إليَّ فقلت: تتَّبعي بها أثَرَ الدم ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ]
استحيا أن يشرح دقائق دقائق الأمور النسائية: (( خُذي فِرْصَة من مِسْك، فتطَّهري بها، قالت: كيف أتطهَّر بها؟ قال: تطهري بها، قالت : كيف أتطهَّر بها ؟ قال : سبحان الله ! تطهري بها، فاجْتَذَبْتُها إليَّ فقلت: تتَّبعي بها أثَرَ الدم ))
أحياناً تجد امرأة تتصل بالهاتف تسأل سؤالاً غير معقول، أن تخاطب امرأة رجلاً بهذا السؤال! لذلك أنا أتمنى أن يتعلم النساء أمور الفقه لتكون المرأة في بعض المواقف وفي بعض الموضوعات أولى من الرجل في الإجابة عن الموضوعات النسائية، فكان عليه الصلاة والسلام أشد حياءً من العذراء في خدرها، ورد: (( لا تحمروا الوجوه ))
[ورد في الأثر]
هناك شخص يحرجك، يضايقك، يتكلم كلمة فيها غلط، الرقم غير صحيح، أي إذا القضية ليس لها علاقة بالعقيدة، أعطى رقماً، أو أعطى سعراً، أو أعطى درجة حرارة ليس متأكداً منها أمام عشرين أو ثلاثين إنساناً، سفهته، فمن حياء المؤمن أنه لا يحرج أحداً. (( لا تحمروا الوجوه ))
لا تخجله، لا تضعه في زاوية ضيقة، الموضوع خلافي وغير ثابت سأرويه لكم: كان النبي مع أصحابه في طعام، أكلوا لحم جزور، ثم جاء وقت الصلاة، توضؤوا جميعاً وصلوا الظهر، وأكلوا هذا الطعام، والآن إلى صلاة العصر، يبدو أن إنساناً انتقض وضوءه مع رائحة، من الذي سيقوم ليتوضأ؟ هذا الإنسان، فقال: كل من أكل لحم الجزور فليتوضأ، أي لم يحرجه، هذا تفسير، وهناك تفسير آخر. من علامات المؤمن انضباطه باللباس :
أيها الأخوة، عن عبد الله بن مسعودٍ قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (( اسْتحْيُوا مَنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ ، قُلنا : إنَّا لَنسْتَحيي من اللَّه يا رسولَ اللَّه والحمدُ للَّه، قال: لَيس ذَلِكَ، ولكنَّ الاسْتِحياءَ مِنَ اللَّهِ حَقَّ الْحَياءِ: أنْ تَحْفَظ الرَّأْسَ ومَا وَعى والْبَطْنَ ومَا حَوى، وتذْكْرَ المَوتَ والبلى، وَمنْ أرادَ الآخِرَةَ تَرَك زِينَةَ الدُّنيا، وآثَرَ الآخِرَةَ عَلى الأُولى، فَمنْ فَعلَ ذِلكَ فَقَدِ اسْتَحْي من اللَّه حقَّ الحياءِ ))
[أخرجه الترمذي عن عبد الله بن مسعود ]
هل تطلق بصرك في محاسن النساء؟ إذاً أنت لا تستحيي من الله، هل تطلق لأذنك أن تستمع إلى شيءٍ لا يرضي الله؟ إذاً أنت لا تستحيي من الله، هل تنطق بلسانك كلماتٍ بذيئة فاحشة أو محرجة؟ أنت لا تستحيي من الله. (( أنْ تَحْفَظ الرَّأْسَ ومَا وَعى والْبَطْنَ ومَا حَوى ))
هل تشتري بمالٍ حرام طعاماً تأكله؟ إذاً أنت لا تستحيي من الله، هل تعيش حياتك لا تعبأ بالموت إطلاقاً؟ أنت لا تستحيي من الله . (( وتذْكْرَ المَوتَ والبلى َمنْ أرادَ الآخِرَةَ تَرَك زِينَةَ الدُّنيا ، وآثَرَ الآخِرَةَ عَلى الأُولى ، فَمنْ فَعلَ ذِلكَ فَقَدِ اسْتَحْي من اللَّه حقَّ الحياءِ ))
أيها الأخوة الكرام، الحياء من صفات المؤمنين، وعلامة إيمانك الحياء من الله، مرة إنسان اغتسل عرياناً أمام الناس، وكان عند النبي يعمل بأجر، فقال له: ((لا أراك تستحيي من ربك خذ إجارتك لا حاجة لنا بك ))
[عبد الرزاق عن رافع بن خديج]
إنسان يقوم بثياب فاضحة، بثياب داخلية في البيت، أمام بناته، أمام أولاده، أمام أقاربه، هذا الموقف لا يوجد فيه حياء إطلاقاً، فمن علامات المؤمن انضباطه باللباس، انظر إلى الآية: ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾
[ سورة النساء الآية: 43 ]
هذه العبارة تعني شيئاً تعلمونه، لكن لا تخدش حياء الطفل، ﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾
الدين كله حياء :
قال: يا بنيتي إن هذه الثياب تصف حجم عظامك، كلمة عظام لا تثير شهوةً، أما أي كلمة أخرى فتثير شهوة، إن هذه الثياب تصف حجم عظامك،
﴿ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ ﴾
إذاً القرآن الكريم. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
انظر ﴿ وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾
دخل في هذه الكلمة كل أنواع الانحراف الجنسي، ﴿ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ ﴾
القرآن الكريم، والنبي عليه أتمّ الصلاة والتسليم يعلمنا الحياء بالتعبير، أما أن تصف الأشياء بأسمائها الفاضحة باسم لا حياء في الدين، فلا، الدين كله حياء.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 07-14-2018 01:33 PM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السادس و الخمسون )

الموضوع : مواقف و مواضيع الحياء




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الحياء من الحياة وكلما كان القلب أكثر حياةً كان أشد حياءً :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7468/01.jpg
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوع الحياء كموضوعٍ أساسي في: "سبل الوصول وعلامات القبول"، لكن:
(( إِنَّ رَبَّكُمْ حَيِيٌّ كَرِيمٌ ، يَستَحي من عبده إذا رَفَعَ إليه يديه أنْ يَرُدَّهُما صِفْرا خَائِبَتَيْنِ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن سلمان الفارسي ]
خالقنا ربنا خالق السموات والأرض. (( حَيِيٌّ كَرِيمٌ ، يَستَحي من عبده إذا رَفَعَ إليه يديه أنْ يَرُدَّهُما صِفْرا خَائِبَتَيْنِ ))
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الحياء من الحياة، فالذي له قلبٌ حي يستحيي، والذي يستحيي له قلبٌ حي، وكأن هناك علاقةً ترابطيةً بين حياة القلب وبين الحياء، قلة الحياء علامة موت القلب، وكلما كان القلب أكثر حياةً كان أشد حياءً. أصل الحياء أن يغمرك الله بالنعم وأنت لم تقدم شيئاً يكافئ هذه النعم :
الإمام الجنيد رحمه الله تعالى، لكن قبل أن نتابع قوله، الأكمل إن ذكرت عالماً جليلاً أن تقول: رحمه الله تعالى، وإن ذكرت صحابياً جليلاً أن تقول: رضي الله عنه، لكن كلمة رضي الله عنه تعني شيئين إما أن تكون دعائية، وإما أن تكون تقريرية، فالصحابة العشرة الذين بشرهم النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة تقول لهم: رضي الله عنهم تقريراً لقوله تعالى:
﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾
[ سورة الفتح ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7468/02.jpg
فإذا كان خالق السموات والأرض في عليائه رضي عن المؤمنين الذين بايعوا سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، وكان فيهم أبو بكر وعمر، فمن أنت أيها الإنسان حتى لا ترضى عنهم؟ ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ﴾
فالصحابي الذي بشره النبي بالجنة تقول عقب ذكر اسمه: رضي الله عنه تقريراً، والصحابي الآخر تقول رضي الله عنه دعاءً، أما العلماء العاملون، العلماء الربانيون، فالأولى أن تقول: رحمهم الله تعالى.
لذلك الإمام الجنيد رحمه الله تعالى قال: الحياء رؤية الآلاء مع رؤية التقصير، رؤيتان ينتج عنهما الحياء، أن ترى عظمة الله، فضل الله، نعم الله قد غمرتك، وأنت لم تقدم شيئاً في مستوى هذه النعم، ينشأ من هاتين الرؤيتين معاً رؤية لفضل الله عليك، ورؤيةٍ لتقصيرك، ينشأ حالة حياء، أي فلسفة الحياء، أصل الحياء أن يغمرك الله عز وجل بالنعم وأنت لم تقدم شيئاً يكافئ هذه النعم. بطولة المؤمن أن يرى فضل الله عليه :
أيها الأخوة، الله عز و جل يقول:
﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ﴾
[ سورة النور الآية:21 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7468/03.jpg
أنا أتصور أنك إذا دخلت إلى مسجد ورأيت في المسجد آلافاً مؤلفة، اعتقد يقيناً أن تسعين بالمئة من هؤلاء الذين أكرمهم الله بارتياد بيوته، جاؤوا إلى بيت الله عقب معالجة لطيفة من الله، لأن الله رب العالمين يتابع عباده، يسوق لهم بعض الشدائد، تلوح لهم بعض المصائب، فيسارعون إلى الله عز و جل، فالله ربنا يأخذ بيدنا إلى ذاته العلية، فلذلك: ﴿ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً ﴾
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
بطولة المؤمن أن يرى فضل الله عليه، أن يرى أن الله منحه نعمة الإيجاد، أنت موجود. ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ﴾
[ سورة الدهر ]
النعم التي أنعمها الله على الإنسان هي نعمة الإيجاد ونعمة الإمداد و نعمة الهدى :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7468/04.jpg
أنا أحياناً حينما أتصفح كتاباً، وأقرأ في مقدمته متى طبع، فإن طبع قبل أن أولد أقول في أثناء طباعة هذا الكتاب: من أنا؟ ليس لي وجود، من بعض الوقت سمعت شريطاً لأحد القراء الكبار قال: هذا الشريط مسجل عام ستة وثلاثين، أي قبل ولادتي، إذاً من أنا أثناء تلاوة هذه الآيات؟ لم أكن شيئاً مذكورا، فالله عز وجل تفضل عليك فأوجدك، هذه أكبر نعمة، أنت موجود، موجود للسعادة، الآية الكريمة. ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
[ سورة هود الآية : 119 ]
خلقهم ليرحمهم، لمجرد أن الله منحك نعمة الإيجاد منحك هذه النعمة لتسعد في الدنيا والآخرة، إذاً هذه النعمة الأولى نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، أمدك بالهواء، أمدك بالماء، أمدك بالطعام، بالشراب، بالزوجة، بالأولاد، بحرفة تتقنها تربح منها، تنفق على نفسك منها وعلى عيالك، أمدك بكل ما تحتاج، منحك نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، وتفضل عليك فمنحك نعمة الهدى والرشاد، لذلك: ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
ما من نعمةٍ أعظم في حق الإنسان من أن يعرفه الله بذاته العلية :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7468/05.jpg
صدقوا أيها الأخوة: أنه ما من نعمةٍ أعظم في حق الإنسان من أن يعرفه بذاته العلية
﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾

سيدنا إبراهيم هذا النبي العظيم قال الله عنه: ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾
[ سورة النجم ]
أنت ماذا تتوهم؟ أن وفى نعم الله حينما امتحنه بذبح ابنه، نفذ هذا الأمر بطواعية، لذلك ما من إنسانٍ على وجه الأرض مهما علت مرتبته حتى الأنبياء يستطيع أن يوفي نعم الله عليه، ﴿ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ﴾
الفرق الواضح بين المؤمن و غير المؤمن :
لذلك قالوا: إذا أراد ربك إظهار فضله عليك خلق الفضل ونسبه إليك، وكلما ازددت إيماناً تزدد رؤيةً لفضل الله عليك، والفرق الدقيق الواضح بين المؤمن وبين غير المؤمن، المؤمن يقول:
﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي ﴾
[ سورة النمل الآية 40 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7468/06.jpg
غير المؤمن يقول كما قال قارون: ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي ﴾
[ سورة القصص الآية 78 ]
كلمات؛ الخبرات، والشهادات، والمعركة، وقد نجحت فيها، هذه كلمات يقولها من شرد عن الله عز و جل، أما المؤمن: ﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ﴾
[ سورة النمل الآية : 40 ]
لذلك الحياء الفضل العميم مع الجهد القليل، ينشأ عن هاتين الحالتين رؤية الفضل العميم ورؤية التقصير، ينشأ حالةٌ اسمها الحياء، من لوازم هذه الحالة ترك القبائح، وترك التفريط مع أصحاب الحقوق، الحد الأدنى أن تدع ما نهاك الله عنه، الحد الأدنى من الحياء أن تدع ما نهاك لله عنه، أن تدع تقصيراً في أداء الحقوق، أما أن تكافئ خالقك على نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الهدى والرشاد، فهذا مستحيلٌ وألف ألف مستحيل. علامات الشقاء :
1 ـ قسوة في القلب :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7468/07.jpg
يقول الفضيل بن عياض وهو قاض جليل: خمسٌ من علامات الشقاء، القسوة في القلب، أبعد قلبٍ عن الله عز وجل القلب القاسي، وكأن هناك علاقةً ترابطية بين الصلة بالله وبين قسوة القلب.
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 159]
أي يا محمد حينما اتصلت بنا امتلأ قلبك رحمةً، فانعكست هذه الرحمة ليناً مع أصحابك، فالتفوا حولك، ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوةً، فانعكست هذه القسوة غِلظةً وفظاظة، فانفضوا من حولك، فأنت بين أن يلتف الناس حولك وبين أن ينفضوا عنك، يلتف الناس حولك باللين الذي هو انعكاسٌ لرحمةٍ استقرت في قلبك من خلال اتصالك بالله ، والفظاظة والغلظة انعكاسٌ لقسوة القلب التي جاءت من بعدك عن الله، هذا قانون اسمه قانون الالتفاف والانفضاض. 2 ـ جمود العين :
لذلك خمسٌ من علامات الشقاء: القسوة في القلب، وجمود العين، لا يبكي أبداً، أما المؤمن فيبكي بكاء الحب، يبكي بكاء الاتصال، يبكي بكاء الرحمة .
3 ـ قلة الحياء :
وقلة الحياء من علامات الشقاء.
4 ـ طول الأمل :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7468/08.jpg
وطول الأمل، والله مرة إنسان جلست معه لبعض الوقت، والله حدثني لعشرين سنة قادمة ماذا سيفعل؟ سيسافر، وسيفعل، وسيبني، وسيؤسس ...الخ ، وفي المساء قرأت نعوته على الجدران.
لذلك قالوا: من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت.
5 ـ الرغبة في الدنيا :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7468/09.jpg
لذلك علامات الشقاء قسوةٌ في القلب، جمودٌ في العين، قلةٌ في الحياء، رغبةٌ في الدنيا، وطولٌ في الأمل، وقال بعض العلماء: إن الحياء والأنثى يطرقان القلب، فإن وجدا فيه الزهد والورع أقاما فيه ولم يرتحلا.
ويحيى بن معاذ يقول: من استحيا من الله مطيعاً استحيا الله منه وهو مذنب، أي أنت استحييت من الله فأطعته، مرةً زلت قدمك الآن الله يستحيي أن يعاقبك، إذا استحييت منه مطيعاً استحيا منك مذنباً.
لذلك ورد في الأثر:
((أن عبدي كبرت سنك، وضعف بصرك، وانحنى ظهرك، وشابَ شعرك، فاستحي مني فأنا أستحي منك))
[ورد في الأثر]
إلى متى وأنت باللذات مشغولُ وأنت عن كل ما قدمت مسؤولُ
* * *
وجوه الحياء و أمثلة عنها :
1 ـ حياء الجناية :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7468/10.jpg
قال بعض العلماء: الحياء على عشرة أوجه؛ حياء جنايةٍ، وحياء تقصيرٍ، وحياء إجلالٍ، وحياء كرم، وحياء حشمةٍ، وحياء استصغار نفسٍ، وحياء محبةٍ، وحياء عبوديةٍ، وحياء شرف، وحياء الإنسان من نفسه، أما حياء الجناية فمنه حياء سيدنا آدم عليه السلام، فرّ هارباً من الجنة قال: يا آدم أفراراً مني؟ قال: لا يا ربي بل حياءً منك، أحياناً إنسان يتوارى عن الأنظار حياءً من عظيم لم يطعه، هذا حياء الجناية.



2 ـ حياء التقصير :
أما حياء التقصير فكحياء الملائكة.
﴿ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7468/11.jpg
فإذا كان يوم القيامة قالوا: سبحانك ما عبدناك حق العبادة، هذا حياء التقصير.
سيدنا رسول الله سيد الخلق وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، وهو الإنسان الأول، وله عمل كالجبال، العالم الإسلامي يزيد عن مليار وخمسمئة مليون، يحتل أكبر مساحات في الأرض، هذا العالم اهتدى بسبب النبي عليه الصلاة والسلام، قال عن نفسه وعن عمله: (( جُهدُ المُقِلِّ ))
[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة ]
إذا النبي الكريم قال: (( جُهدُ المُقِلِّ ))
مرة سيدنا عمر مع أصحابه، قال أحدهم: والله ما رأينا أفضل منك بعد رسول الله، تغير لونه، وجحظت عيناه، وأحد فيهم النظر، خافوا، إلى أن قال أحدهم: لا والله لقد رأينا من هو خيرٌ منك، قال: ومن هو؟ قال: أبو بكر، فقال للذي قال رأينا خيراً منك: لقد كذبتم جميعاً أي بسكوتكم وصدق، كنت أضل من بعيري، وكان أبو بكرٍ أطيب من ريح المسك، أي استحيا من الله أن يقال: ما رأينا خيراً منك بعد رسول الله، قال لهم: كذبتم جميعاً حينما سكتم. 3 ـ حياء الإجلال :
حياء الإجلال حياء المعرفة، حينما يتعرف العبد إلى ربه يكون حياؤه منه، كلما ارتقت معرفتك تستحيي من الله حياء الإجلال، سيدنا رسول الله حينما أسلم زيد الخير اسمه زيد الخيل، قال له: أنت زيد الخير لا الخيل، أخذه إلى بيته، أعطاه وسادةً ليتكئ عليها، يا الله حديث عهدٍ بالإسلام، قال: والله يا رسول الله لا أتكئ في حضرتك، أنا مع رسول الله أتكئ؟ قال له: والله لا أتكئ في حضرتك،أي ما هذا الأدب الذي تعلمه أصحاب رسول الله؟.
أيهما أكبر أنت أم رسول الله؟ قال: هو أكبر مني لكنني ولدت قبله، استحيا أن يقول: أنا أكبر منه، قال: هو أكبر مني لكنني ولدت قبله.
النبي الكريم يستحيي من الله حياء إجلال، قال: ما رئي ماداً رجليه قط بين أصحابه حياءً من الله، سيد الأمة، عظيم الأمة، نبي الأمة، رسول الأمة ما رئي ماداً رجليه قط.
4 ـ حياء الكرم :
هناك حياء الكرم، النبي الكريم دعا أصحابه إلى وليمةٍ بمناسبة زواجه من زينب، جلسوا وأطالوا الجلوس، فقام واستحيا أن يقول لهم: انصرفوا.
أحياناًَ يأتيك ضيف وعندك موعد مهم جداً، والموعد خطير، جالس مرتاح يحدثك، ومستأنس بك، يمكن أن تصرفه بكلمة لكن لا تقدر، تستحيي أن تقول له: انصرف، هذا الحياء اسمه حياء الكرم، من لوازم كرمك ألا تصرف الضيف كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فجاء القرآن وأكّد أن النبي يستحيي منك.
5 ـ حياء الحشمة :
قال: حياء الحشمة كحياء سيدنا علي بن أبي طالب، حينما استحيا أن يسأل النبي الكريم عن المزي، فاطمة بنت رسول الله وزوجته، موضوع المزي يحتاج إلى غسل؟ سائل شفاف غير المني، استحيا أن يسأل رسول الله وزوجته ابنة رسول الله.
أحياناً بعض الأصهار يتحدث عن قضايا نسائية مع زوجته أمام والدها، وأمام أخوتها، هذا من قلة الحياء، هذه أختهم، أو البنت مقدسة، يأتي حديث من الصهر عن العلاقة الزوجية هذه صعبة.
فلذلك كان عليه الصلاة والسلام يستحي وسيدنا علي استحيا من رسول الله أن يسأله عن حكم المزي، شيء متعلق بابنته فاطمة، هذا حياء الحشمة.
6 ـ حياة استصغار النفس :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7468/12.jpg
حياء الاستصغار كحياء العبد من ربه عز و جل حين يسأله حوائجه احتقاراً لشأن نفسه، من أنا؟ أنت تخاطب خالق السموات والأرض يقول لك:
﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ﴾
[ سورة الزمر الآية : 53 ]
من أنا يا رب حتى تخاطبني؟ حتى تقول يا عبادي؟ هذا حياء الاستصغار.
مرة نور الدين الشهيد سأل الله النصر، لكن استحيا قال: من أنا؟ والله كلمة أنا أتردد في ذكرها، سجد لأن هناك معركة بينه و بين المغول والتتار، معركة طاحنة، معركة مصيرية قال: يا رب من هو الكلب نور الدين حتى تنصره؟ انصر دينك، أي هو استصغر هذا النصر لذاته، قال له: انصر دينك يا رب، هذا حياء الاستصغار. 7 ـ حياء المحبة :
حياء المحبة قد يستحيي المحب من محبوبه أن يسأله شيئاً.
8 ـ حياء العبودية :
و هناك حياء العبودية؛ وهو حياء ممتزج من محبة وخوف، ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده سبحانه، وأن قدره أعلى وأجلّ منها، فعبوديته له توجب استحياءه منه لا محالة.
9 ـ حياء الشرف والعزة :
وهناك حياء الشرف والعزة، إنسان له مقام كبير كالمعلم، كالأب، أحياناً إنسان عنده بنات، وعنده أصهار، وعنده أولاد، وعند كنائن، يحكي طرفة بذيئة جنسية، هناك أشخاص لا يوجد عندهم حياء، أنت أب وعندك أولاد، وعندك كنائن، وعنك أصهار، وعندك بنات، هذا المزاح لا يليق بك، لكل مقامٍ مقال، والله أحياناً تعاشر أخاً لثلاثين عاماً لا تسمع منه كلمة بذيئة أبداً، المؤمن منضبط.
(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسأنه ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه ))
[أخرجه الإمام عن أنس بن مالك ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7468/13.jpg
ضبط اللسان، وذكرت البارحة أنه: ﴿ فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 189 ]
انظر تغشاها، هذه الكلمة لا تخدش الحياء أبداً. ﴿ أَوْ لَامَسْتمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً ﴾
[ سورة النساء الآية : 43 ]
هذه الكلمة لا تخدش الحياء، يا بنيتي إن هذه الثياب تصف حجم عظامك، لم يقل: حجم فخذيك مثلاً، حجم عظامك، هذه الكلمة لا تثير المشاعر الجنسية، فلو تتبعت أقوال النبي، ولو تتبعت القرآن الكريم. ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ ﴾
[ سورة المعارج ]
10 ـ حياء الإنسان من نفسه :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7468/14.jpg
يقول لك: لا حياء في الدين، أنا أقول: الدين كله حياء، انظر العبارات القرآنية والنبوية في التعبير عن العلاقات الجنسية، في حياء المرء من نفسه، الآن لا يوجد أحد أنت وحدك في البيت، هناك إنسان يتعرى تعرياً غير معقول في البيت، ألا يستحيي من الله؟ أيضاً وأنت وحدك لا يوجد إنسان معك هناك نوع من الحياء، أن تستحيي من الله وأنت وحدك في البيت، أن تفعل شيئاً لا يليق بمكانتك، أو أن تتعرى تعرياً غير معقول، والعلماء قالوا: من استحيا من نفسه فاستحياؤه من غيره من باب أولى، يستحي من نفسه، وهناك حياء المراقبة، أنت حينما تشعر أن الله يراقبك فهذا يقتضي حياء من الله، ليس هناك كلمة غلط، ولا جلسة غلط، ولا تعليق قاس، لكن كما قلت مراراً: أرقى أنواع الحياء أن تشعر أن الله معك، لذلك:
(( اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ))
[أخرجه الطبراني في المعجم الكبير عن أبي الدرداء ]
المعية العامة و المعية الخاصة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7468/15.jpg
أيها الأخوة، قال تعالى:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
[ سورة الحديد الآية:4]
هذهِ معية العلم هي المعية العامة، أما المعية الخاصة إن الله مع المؤمنين، إن الله مع الصادقين، إن الله مع المتقين، هي معية خاصة، قال: معية التأييد والتوفيق والحفظ والنصر هي المعية الخاصة، إلا إن هذه المعية لها ثمن: ﴿ وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآَتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآَمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة المائدة]
أيها الأخوة الكرام: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ﴾
[ سورة البقرة الآية :186]
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
و هو يراكم في أحوالكم، الآية الكريمة: ﴿ فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آَخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ * وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ * وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ * وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾
[سورة الشعراء]






والحمد لله رب العالمين


السعيد 07-14-2018 01:35 PM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السابع و الخمسون )

الموضوع : الخشوع قبول وليس طقوسا





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الخشوع :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول" إنه موضوع "الخشوع"، فقد ورد الخشوع، أو وردت كلمة الخشوع في القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون]
الفلاح و النجاح :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7469/01.jpg
بادئ ذي بدء: ما الفلاح؟ قد يقول أحدكم: إنه النجاح، لا، فرقٌ كبير بين الفلاح وبين النجاح، الفلاح هو الفوز بالآخرة، الفلاح هو الفوز برضا الله عز وجل، الفلاح هو أن يحقق الإنسان في الدنيا سرّ وجوده، الفلاح أن يكون قريباً من الله، الفلاح أي يحمل نفسه على طاعة الله، الفلاح أن يتقرب إلى الله بالعمل الصالح، فالفلاح نجاح مع الله، والفلاح نجاحٌ في الفوز في الآخرة، هذا هو الفلاح.
أما قد ينجح إنسان بكتابة سيناريو فيلم فهذا ليس فلاحاً هذا نجاح، قد ينجح الإنسان في عمل لا يرضي الله، قد ينجح الإنسان في عمل يسبب دماراً للبشرية، ربح حرباً لكن دمر أمماً، فلذلك الفرق كبير بين الفلاح والنجاح، النجاح في الدنيا، وفي موضوعات شتى، وقد تكون هذه الموضوعات ليست خيرة.
الهدف الأول لكل مؤمن أن يزكي نفسه لأن تزكية النفس ثمن دخول الجنة :
على كلٍ كلمة الفلاح أو:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ ﴾
وردت مراتٍ ثلاثة في القرآن الكريم حصراً، الآية الأولى دقق: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾
[ سورة الأعلى ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7469/02.jpg
النجاح بالمعنى الواسع الفلاح، الفوز، التفوق، العقل، الذكاء، الذي يتزكى كلام خالق الكون، لأن تزكية نفسك ثمن دخول الجنة، لأنك خلقت لجنة عرضها السماوات والأرض، ثمن هذه الجنة أن تزكي نفسك، أي أن تحملها على طاعة الله أولاً، وأن تقبل بنفسك على الله ثانياًً عندئذٍ تطهر النفس من كل أدرانها وتتحلى بالكمال الإلهي، هذه التزكية.
أي إنسان صادق، أمين، عفيف، منصف، متواضع، يحب الخير، قلبه ممتلئ رحمة، يجري الله على يديه أعمالاً بطولية، هذا هو الفلاح ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾
لذلك ينبغي أن يكون الهدف الأول لكل مؤمن أن يزكي نفسه، لأن تزكية النفس ثمن دخول الجنة، قد حرف تحقيق: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ﴾
[ سورة الأعلى ]
هذه الآية الأولى، والآية الثانية: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس ]
الهاء تعود على النفس. ﴿ وَقَدْ خَابَ ﴾
[ سورة الشمس الآية : 10 ]
خاب على العكس من أفلح. ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
[ سورة الشمس ]
دساها أبعدها عن ربها، فلما أبعدها عن ربها تعلقت بشهوات الدنيا فمارستها معتديةً على حقوق الآخرين، أيها الأخوة، ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
أما الآية الثالثة فيبدو أن الصلاة كما تعلمون عماد الدين، الصلاة من أجل الاتصال بالله، والصيام من أجل الاتصال بالله، والحج من أجل الاتصال بالله، والعمل الصالح من أجل الاتصال بالله، وإنفاق المال من أجل الاتصال بالله، يكاد يجمع حالات لا تعد ولا تحصى مؤداها الاتصال بالله. الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها ولكن من فرائضها :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7469/03.jpg
لذلك.
﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
[ سورة المؤمنون ]
من أروع ما قرأت عن هذه الآية في بعض التفاسير أن الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها ولكن من فرائضها، لأن هذا الإله العظيم لا يعقل أن يأمرك أن تصلي في اليوم خمس مرات، تقف وأنت شارد الذهن، غافل، تركع، وتسجد، تقرأ الفاتحة وسورة، ولا تشعر بشيء، وكأنك أديت حركاتٍ وسكناتٍ وتمتماتٍ لا معنى لها، هذا الإله العظيم خالق السموات والأرض، هذا الذي يفعله المسلمون في الصلاة ليست هي الصلاة التي أرادها الله عز وجل، الصلاة اتصال بالله، والاتصال يحتاج إلى تمهيد، إلى استقامة، وإلى عمل صالح.
التجارة الرابحة هي التجارة مع الله وأكبر خسارة أن يخسر الإنسان الآخرة :
فلذلك كلمة أفلح وردت مراتٍ ثلاثة حصراً:
الأولى:
﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ﴾
والثانية: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا ﴾
والثالثة: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7469/04.jpg
ولعل الفلاح هو الذي يشق الأرض، ويزرع بذرة، كمعلومات لطيفة بذار بعض الخضروات يعطي مليون ضعف، الآن البيت البلاستيكي الذي مساحته خمسمئة متر يحتاج إلى خمسة غرامات من البذور، هذا البيت يعطي خمسة طن أي مليون ضعف، في بلادنا يعطي خمسة طن، في هولندا يعطي خمسة وعشرين طناً، أي البذرة تقدم خمسة ملايين ضعف، هذا هو الفلاح، تزرع بذرة تعطيك خمسة ملايين ضعف من وزنها من هذه الثمرة اليانعة التي يحتاجها الناس دائماً، فكأن الفلاح هو الذي يقدم قليلاً ويأخذ كثيراً، وكأن الله سبحانه وتعالى يريد أن نربح عليه، يريد أن نتاجر معه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾
[ سورة الصف الآية : 10-11 ]
أكبر تجارة مع الله، الإنسان أحياناً يضع لقمة في فم زوجته يراها يوم القيامة كجبل أُحد، والله لا أبالغ لو عرفنا ماذا ينتظر المؤمن من عطاء، من تكريم، من نعيم مقيم، لأنه في السنوات المعدودة استقام على أمر الله، وأدى العبادات، وعمل الصالحات، فاستحق جنة ربه إلى أبد الآبدين، لذلك. ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾
[ سورة الزمر ]
أكبر خسارة أن تخسر الآخرة.
الله عز وجل إذا أعطى أدهش :
أيها الأخوة، إذاً الفلاح يشق الأرض، ويزرع البذار، وتأتيه الأضعاف المضاعفة من هذه البذار، وكأن الفلاح سمّي فلاحاً لأنه أفلح في أخذ الكثير من الشيء القليل، طبعاً يؤكد هذا المعنى ربنا جلّ جلاله حينما يقول: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7469/05.jpg

﴿ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
[ سورة البقرة ]
أنا مرة كنت في غوطة دمشق، رأيت في حقل قمح مجموعة سنابل كثيرة جداً، والله قلعتها فإذا هي خمس وثلاثون سنبلة، أخذت واحدة وعددت حبات القمح فيها فكان العدد خمسين، ضربت خمس وثلاثين بخمسين خرج من حبة واحدة ألف وسبعمئة حبة من حبة واحدة.
أخواننا الكرام، الله إذا أعطى أدهش، في بعض الأماكن في أمريكا نهر الأمازون، غزارته بالثانية الواحدة ثلاثمئة ألف متر مكعب، في البرازيل هناك شلالات كثافتها مليون وأربعمئة ألف متر مكعب بالثانية، كنت في كندا في مدينة اسمها مونتريال حولها مليون بحيرة، أكبر تجمع مائي في العالم، الله إذا أعطى أدهش.
مرة في البرازيل لي درس عقب المغرب، هناك أخوة كرام وعدوني أن يأتوا إلى المسجد فلم يحضروا، سألت عنهم؟ قال: الأمطار نزلت، مئة وخمسون ميلمتر بساعتين، أمطار دمشق على مدى العام بساعتين، فارتفع الماء في الطرقات متراً ونصف، تعطل السير وشقت المدينة نصفين، الله إذا أعطى أدهش. تقنين الله تقنين تأديب لا تقنين عجز :
أولاً: لا يمكن أن يكون تقنين الله عز وجل إن صحّ التعبير تقنين عجز، تقنين الله تقنين تأديب فقط.
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾
[ سورة الجن الآية : 16-17 ]
﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 96 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7469/06.jpg
نحن في الجديدة هناك واد سحيق، في قعر الوادي يمشي نهر بردى، وهناك واد أعمق منه بكثير، وقد وضع عمود وفوقه لوحة مكتوب عليها مستوى الماء عام ستة وثلاثين، هذا الوادي السحيق ممتلئ ماء، وفوق هذا الوادي ارتفاع مستوى الماء يقدر بستة أمتار سابقاً، أنا أذكر قبل بضع عقود من الزمن إن كل سنة يغرق أشخاص كُثر في نهر بردى، الآن لا أحد يغرق فيه، لأن الماء قليل جداً،
﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ﴾
﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 66 ]
هذا التقنين تقنين تأديب. الفلاح لا أن نستهلك الوقت بل أن نستثمره :
أيها الأخوة، الفلاح ألا تستهلك الوقت بل أن تستثمره، أنت وقت، أنت بضعة أيام كلما انقضى يومٌ انقضى بضعٌ منك، هذا الوقت إما أن ينفق استهلاكاً أو أن ينفق استثماراً، ينفق استهلاكاً كمعظم الناس يأكلون ويشربون ويتمتعون ثم يفاجؤون بالأجل، استهلكوا وقتهم استهلاكاً بلا عمل له أثر مستقبلي، للتقريب: إنسان جلس بحوض وملأه ماء فاتر، استمتع، هذا العمل هل له أثر مستقبلي؟ هل يمكن أن يكون بعد الاستمتاع تاجر كبير أو دكتور؟ هذا عمل آني، استمتاع ليس له أثر مستقبلي.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7469/07.jpg
فلذلك الفلاح لا أن تستهلك الوقت بل أن تستثمره، لذلك المؤمن ينفق وقته استثماراً، بمعنى أنه يفعل في الوقت الذي سينقضي عملاً يرى نتائجه بعد انقضاء الوقت، بينما غير المؤمن يستهلك وقته استهلاكاً، تماماً كتاجر ينفق من رأسماله بعد حين يعلن إفلاسه، وتاجر آخر ينفق نفقاتٍ كبيرة من ريع ماله.
لذلك الإنسان وقت، وأثمن شيء يملكه هو الوقت، بل رأسماله الوحيد هو الوقت، هذا الوقت إما أن ينفق استهلاكاً أو أن ينفق استثماراً، لذلك قال تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾
[ سورة العصر ]
الله أقسم بمطلق الزمن لهذا المخلوق الأول الذي هو في الحقيقة زمن، جاء جواب القسم: ﴿ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾
النقلة من بيت إلى قبر، من منصب رفيع إلى قبر، من صحة جيدة إلى قبر، من زوجة وأولاد إلى قبر، من دخل كبير إلى قبر، نقلة مخيفة، نقلة من كل شيء مبدئياً إلى لا شيء، فكيف إذا كان بعد هذا القبر عذابٌ لا ينتهي؟
فلذلك الفلاح ألا تستهلك الوقت بل أن تستثمره، وألا تستهلك المال بل أن تستثمره بالعمل الصالح، وألا تستهلك نعمة الأمن بل تستثمرها في معرفة الله، وألا تستهلك نعمة الصحة بل تستثمرها في طاعة الله ، الفرق الواضح الصارخ بين المؤمن وغير المؤمن غير المؤمن يستهلك بينما المؤمن يستثمر.
الآية التالية متعلقة بالخشوع :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7469/08.jpg
أيها الأخوة، آيةٌ ثانية متعلقة بالخشوع قال تعالى:
﴿ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ ﴾
[ سورة الحديد ]
إلــى متى وأنت باللذات مشغول وأنت عن كل ما قدمت مسؤول
تــعصي الإله وأنت تظهر حبه ذاك لــعمري في المقال بديع
لـــو كان حبك صادقاً لأطعته إن الــمحب لمن يحبه مطيع
* * *
فيا خجلي منه إذا هـــو قال أيا عبدنــا ما قرأت كتابنـــا
أما تستحي منا ويكفيك ما جرى أما تختشي من عتبنا يوم جمعنـا
أما آن أن تقلع عن الذنب راجعاً وتنظر ما به جـاء وعدنــــا
وجدناك مضطراً يا فتى فقلنا لك ادعُنا نجـبكا فهل أنت حقاً دعوتنا؟
دعوناك للإحسان أعرضت نائياً فهل تلقى من يحسن لمثلك مثلنـا؟
* * *

فالإنسان إلى متى هو غافل؟ إلى متى هو غارق بهمومه وشهواته وميوله وطموحاته في الدنيا؟ أما آن له أن يصحو، والله الذي لا إله إلا هو الإنسان حينما يصحو ويصطلح مع الله عز وجل يشعر أن جبالاً على كاهله أُزيحت عنه. لن يكون الإنسان مؤمناً صادق الإيمان إلا إذا ذاق في الدنيا طعم الجنة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7469/09.jpg
حياة المؤمن الذي اصطلح مع الله، والذي استقام على أمر الله من الصعب أن نعرف أبعادها، قال أحدهم: ماذا يفعل أعدائي بي؟ بستاني في صدري، إن أبعدوني فإبعادي سياحة، وإن حبسوني فحبسي خلوة، وإن قتلوني فقتلي شهادة، فماذا يفعل أعدائي بي؟ قال: في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة، والدليل في قوله تعالى:

﴿ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
لن تكون مؤمناً صادق الإيمان إلا إذا ذقت في الدنيا طعم الجنة، هذه حنة القرب. فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لـــغيرنا
ولـو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت عنك ثياب العُجب وجئتنـا
ولـو ذقت من طعم المحبة ذرةً عذرت الذي أضحى قتيلاً بحبنـا
ولـو نسمت من قربنا لك نسمةٌ لمت غريباً واشتياقا لقربنـــا
* * *

هذا كله من خلال الخشوع، ﴿ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ ﴾
الإنسان أحياناً يشعر أن قلبه ميت، أحياناً القلب يكبر ويكبر ويكبر ولا نرى كبَرَه فيتضاءل أمامه كل كبير، ويصغر ويصغر ويصغر ولا نرى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، هذا القلب كما قال الله عز وجل: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾
[ سورة الشعراء ]
العبادات في الإسلام ليست طقوساً هي عبادات معللة بمصالح الخلق :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7469/10.jpg
أيها الأخوة: الآن هناك موضوع دقيق جداً، هناك مصطلح اسمه الطقوس، الطقوس هذه الكلمة تستخدم لأعمالٍ، وحركاتٍ، وسكناتٍ، وتمتماتٍ، يرددها أصحاب الديانات الأرضية، الديانات الأرضية التي من أصل أرضي بشري، من اختراع البشر، هذه الديانات لها طقوس، لكن يجب أن نؤمن إيماناً دقيقاً أن العبادات ليست طقوساً، ليس موضوع حركات، وسكنات، وتمتمات، مثلاً قال الإمام الشافعي: العبادات معللةٌ بمصالح الخلق، الدليل القرآني:

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾
[ سورة التوبة الآية : 103 ]
تطهر الغني من الشح، والفقير من الحقد، تزكي الفقير فيشعر بقيمته في المجتمع، تزكي الغني فيشعر بإحسانه، تطهر المال من تعلق حق الغير به، تزكي المال فينمو، فالزكاة معللة بمصالح الخلق. علة خلق السماوات والأرض أن نعرف الله عز وجل :
لذلك قال بعض العلماء: الشريعة مصلحةٌ كلها، عدلٌ كلها، رحمةٌ كلها، وأية قضيةٌ خرجت من العدل إلى الجور، من المصلحة إلى المفسدة، من الحكمة إلى خلافها، فليست من الشريعة ولو أُدخلت عليها بألف تأويلٍ وتأويل، فالزكاة معللة بمصلحة الخلق. ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ ﴾
[ سورة العنكبوت الآية : 45 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7469/11.jpg
أي أكبر ما فيها ذكر الله، أو ذكر الله لك وأنت في الصلاة أكبر من ذكرك له، إنك إن ذكرته أديت واجب العبودية، لكنه إذا ذكرك منحك نعمة الأمن، منحك نعمة الحكمة، منحك نعمة الرضا، منحك نعمة السعادة، منحك عطايا لا تعد ولا تحصى من خلال الصلاة.
الصيام: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
فعلة الصيام أن تصل إلى مرتبة التقوى.
الحج الآية الدقيقة في موضوع الحج: ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 97 ]
أي: ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ ﴾
[ سورة الطلاق الآية : 12 ]
دققوا الآن: ﴿ لِتَعْلَمُوا ﴾
[ سورة الطلاق الآية : 12 ]
هذه لام التعليل، علة خلق السماوات والأرض أن نعرف الله. من أيقن أن علم الله يطوله و قدرته تطوله لا يمكن أن يعصيه :
﴿ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾
[ سورة الطلاق ]
اختار الله من أسمائه اسمين؛ العلم والقدرة، معنى العلم ومعنى القدرة، أي علم الله يطولك وقدرته تطولك، فإذا أيقنت أن علمه يطولك وأن قدرته تطولك لا يمكن أن تعصيه.
أنت كتاجر لا يمكن أن تغفل صفقة استوردتها في حسابات تقدمها للمالية، لماذا؟ لأن هناك نسخة من هذه الصفقة تذهب إلى المالية، فإن أغفلت هذه الصفقة أُهدرت حساباتك، لأنه توقن أن علم هذه الوزارة يطولك وأن قدرتها تطولك بإهدار حساباتك، أنت دقق مع أشخاص من بني البشر لأن علمهم يطولك ولأن قدرتهم تطولك لا يمكن أن تعصيهم فكيف بالواحد الديان؟. الخشوع من أدق الموضوعات في الوصول إلى الله تعالى :
أيها الأخوة، الخشوع حينما تعرف حكمة العبادات، حكمة الصلاة، وحكمة الصيام، وحكمة الحج، وحكمة الزكاة، حينما تؤمن أن العبادات في الإسلام ليست طقوساً هي عبادات معللة بمصالح الخلق، وهذا من فضل الله علينا.
أيها الأخوة، موضوع الخشوع من أدق الموضوعات التي تعد ذات أهميةٍ بالغة في الوصول إلى الله، أنت حينما تصلي بخشوع وصلت إلى الله.
لذلك الصلاة هي كبيرة أي صعبة إلا على الخاشعين.
﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾
[ سورة البقرة الآية : 45 ]
الخاشع يسعد بالصلاة وغير الخاشع يراها عبئاً، النبي كان يقول: (( أقم الصلاةَ يا بلالُ ، أرِحْنا بها ))
[أخرجه أبو داود عن رجل من خزاعة ]
ولسان حال المسلم المقصر أرحنا منها.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-14-2018 01:38 PM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثامن و الخمسون )

الموضوع : الخشوع فى الصلاة






الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. العبادات معللة بمصالح الخلق :
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو الخشوع.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7601/01.jpg
وقد بينت في اللقاء السابق أن هناك عبادات كما قال عنها الإمام الشافعي: معللةٌ بمصالح الخلق، وأن هناك طقوساً من سمات الديانات الوضعية الأرضية، الطقوس حركاتٌ، وسكناتٌ، وإيماءاتٌ، وتمتماتٌ لا معنى لها، بينما العبادات معللة بمصالح الخلق.
﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ ﴾
[ سورة التوبة الآية : 103]
﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
الحج: ﴿ ِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ﴾
[ سورة المائدة الآية : 97 ]
إذاً العبادات معللة بمصالح الخلق. الوقوف على الحكم اللامتناهية للعبادات تعين الإنسان على الخشوع في الصلاة :
إذاً حينما قال الله عز وجل:
﴿ خذوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 171 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7601/02.jpg
من حكم، حكمة العبادة تعينك على الخشوع، الصلاة مثلاً قال تعالى: ﴿ اُتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ * ﴾
[ سورة العنكبوت ]
ذكر الله أكبر ما فيها، بل إن ذكر الله لك وأنت في الصلاة أكبر من ذكرك له، لأنه إن ذكرك منحك الحكمة، منحك الرضا، منحك الطمأنينة، منحك الأمن، منحك السعادة، منحك التوفيق، منحك التأييد، منحك النصر، فالصلاة معللة بثمارٍ لا يعلمها إلا الله. ﴿ كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ ﴾
[ سورة العلق ]
من الله ، فالصلاة قرب . ﴿ أَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
[ سورة طه ]
الصلاة ذكر. (( ليس للمرء من صلاته إلا ما عقل منها ))
[ورد في الأثر]
فالصلاة عقل. ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾
[ سورة النساء الآية : 43 ]
الصلاة قربٌ، والصلاة ذكرٌ، والصلاة عقلٌ، والصلاة طهورٌ، كما قال عليه الصلاة و السلام: (( لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول ))
[أخرجه البزارعن أبي هريرة ]
تطهر الإنسان من أدرانه، من شهواته المنحرفة، والصلاة نورٌ تلقي في قلبك نوراً ترى به الحق حقاً والباطل باطلاً، والصلاة حبورٌ و سعادةٌ. (( أرحنا بها يا بلال- أي الصلاة -))
[أخرجه الطبراني عن رجل من الصحابة ]
أنت حينما تقف على الحكم اللامتناهية للعبادات لعل هذه الحكم التي وقفت عليها أعانتك على الخشوع في الصلاة. إدراك الحكم يعين الإنسان على الخشوع لله عز وجل :
أيها الأخوة، يقول عليه الصلاة والسلام:
(( أرأيتم لو أنَّ نهراً بباب أحدِكم يغتَسِلُ فيه كلَّ يوم خمس مرات، ما تقولون ذلك يُبقي من درنه؟ قالوا: لا يُبقي من دَرَنهِ شيئاً، قال: فذلك مَثَل الصلوات الخمسِ يمحو الله بها الخطايا ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7601/03.jpg
فالعبادات معللةٌ بمصالح الخلق، إذاً إدراك الحكم يعينك على الخشوع، بل إن الإمام الغزالي رحمه الله تعالى في الإحياء عقد لكل عبادةٍ أسرارها وحكمها، المؤمن لا يصدق أن يأمره الله في الحج أن يدع بيته، وأهله، وماله، وعمله، وأن يأتي من بلادٍ بعيدة من أجل أن يكون في مكان واحد للحظات في عرفات وانتهى الأمر،لا ،الفقهاء يعنون بظاهر العبادات، لكن علماء القلوب يبينون أسرارها وحكمها، يوم عرفة يوم اللقاء الأكبر مع الله، يوم عرفة يوم معرفة الله عز وجل، يوم عرفة يوم القرب. (( من وقف في عرفات فلم يغلب على ظنه أن الله غفر له فلا حج له ))
[ورد في الأثر]
أي العبادات عندما تفرغ من مضمونها، من أسرارها، من حكمها، من الأهداف الكبيرة التي أرادها الله منها، تغدو حركات، وسكنات، وتمتمات، وكلمات، عندئذٍ تقترب العبادات مع الجهل الفاضح من الطقوس، العبادات أعمال كبيرة جداً، لأن الإسلام جزءٌ منه عقائد، وجزءٌ آخر عبادات، معاملات، آداب، لكن الفقهاء معهم الحق درسوا الأمر في ظاهره، فالصلاة عندهم أقوالٌ وأفعال تفتتح بالتكبير، وتختتم بالتسليم، ولكن الله عز وجل قال: ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾
[ سورة طه ]
﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ * ﴾
[ سورة العلق ]
آيات الخشوع :
أيها الأخوة، الآن من آيات الخشوع: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ﴾
[ سورة الأنفال الآية : 2 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7601/04.jpg
هناك اضطراب، وقشعريرة، و تأثر، و بكاء، و شعور بالقرب من الله عز وجل. ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾
[سورة الأنفال ]
هذه آيةٌ أخرى من آيات الخشوع، العين تدمع، والوجه يشرق، والقلب يخشع، والجلد يقشعر، والأعصاب تضطرب، والإنسان يبكي بكاء القرب، بكاء الحب، بكاء الخشوع، أي الكلمة أو الحقيقة المرة أنا أراها أفضل ألف مرة من الوهم المريح، من صلى فلم يشعر بشيء، وقرأ القرآن فلم يشعر بشيء، وذكر الله فلم يشعر بشيء، عنده مشكلة كبيرة، بعضهم قال : لا قلب له أصلاً.
أي الإنسان يملك مقياساً دقيقاً، أنت حينما تخالف السنة، حينما تقصر في عمل، حينما تتجاوز الحدود، حينما تفعل شيئاً تعلم أن الله نهى عنه، تشعر فوراً بحجابٍ بينك وبين الله، والبطولة أن تتعاهد قلبك، البطولة أن تكون حكيم نفسك، حينما تقترف مخالفةً، أو حينما تقصر، أو حينما تتجاوز الحدود، تشعر فوراً بحجابٍ بينك وبين الله، والاستقامة التي أرادها الله من أجل أن تهدم هذا الحجاب بينك وبين الله. الخشوع هو الانخفاض مع التذلل لله عز وجل :
الآن عندنا معنى مادياً للخشوع، الخشوع معناه الانخفاض، والدليل:
﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * ﴾
[ سورة الغاشية ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7601/05.jpg
الخشوع هو الانخفاض، قال: انخفاض الرأس مع الذل مع التذلل إلى الله عز و جل، بعضهم قال: كلما تذللت إلى الله أكثر ازددت عزاً، وكلما خفضت رأسك لله رفعك الله، العلاقة عكسية، كلما بالغت في تمريغ وجهك في أعتاب الله رفع الله قدرك، وأعلى شأنك.
النبي الكريم رأى رجلاً حركته في الصلاة غير طبيعية، في بعض البلاد يصلح ثيابه، قد يعد ماله أثناء الصلاة، فالنبي رأى شخصاً هكذا فقال: (( لو خشع قلبه لخشعت جوارحه ))
[ كنز العمال عن علي]
لو خشع قلبه من الداخل لسكنت جوارحه، فالحركة الزائدة في الصلاة تضعف الخشوع فيها، وكما قلنا في لقاءٍ سابق: الخشوع في الصلاة ليس من فضائلها بل من فرائضها، الآية الكريم: ﴿ وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً ﴾
[ سورة فصلت الآية : 39 ]
أي منخفضة. ﴿ فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى ﴾
[ سورة فصلت الآية 39 ]
فالخشوع هنا ببعض معانيه الانخفاض، التذلل، الخضوع لله عز و جل. من علامات الخشوع خمود نار الشهوة وتألق نور الله في القلب :
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الخشوع قيام القلب بين يدي الرب بالخضوع والذل، وبعضهم قال: الخشوع هو الانقياد للحق ما دمت خاضعاً لحكم الله.
﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
[ سورة الأحزاب الآية : 36 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7601/06.jpg
الأوامر القرآنية والنبوية لا تخضع للبحث والدرس وليست محل مناقشة، وليست محل دراسة، وليست محل قبول أو رفض، ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ ﴾
هذه ما كان من أشد صيغ النفي، نفي الشأن: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
لذلك قال بعضهم: من علامات الخشوع خمود نار الشهوة، وتألق نور الله في القلب، هناك نار وهناك نور، الله عز وجل إذا أقبلت عليه يلقي في قلبك نوراً، وإذا خضعت لشهوتك هذه الشهوة تعد ناراً متأججة، الشهوات يرمز إليها بالنيران، والقرب من الله يرمز إليه بالأنوار، أنت بين النار والنور، وكلما اقتربت من الخشوع تألق النور وانطفأت الشهوة.
لذلك قال الإمام الشافعي: شكوت إلى وكيعٍٍ سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
و أنبئني بأن العلـــم نورٌ ونور الله لا يـهدى لعاصـي
***
من يتصل بالله يقذف في قلبه نوراً يرى به الحق حقاً والباطل باطلاً :
أي ما لم تشعر أنك قريب من الله، ما لم تشعر بحالة من السعادة يصعب وصفها، ما لم تشعر بالسكينة التي ذكرها الله في القرآن الكريم ، ففي العبادات مشكلة، الخشوع سر العبادة، الخشوع أي أن تعبد الله كما أراد لا كما تصورت، لذلك. ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾
[ سورة الحديد الآية : 28 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7601/07.jpg
انظر الشاهد القوي على أن الله عز و جل حينما تتصل به يقذف في قلبك نوراً:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾
[ سورة الحديد الآية : 28 ]
أي رحمةٌ في الدنيا ورحمةٌ في الآخرة ﴿ كِفْلَيْنِ ﴾
﴿ وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾
[ سورة الرحمن ]
﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
[ سورة الحديد ]
هذا النور ترى به الحق حقاً والباطل باطلاً. من صحّ عمله سلم و سعد في الدنيا و الآخرة :
أيها الأخوة الكرام، ما من عمل من دون استثناء يعمله الإنسان إلا وراءه رؤية، هذه الرؤية إن صحت صحّ العمل، وإن فسدت فسد العمل، ماذا رأى السارق قبل أن يسرق؟ رأى أن السرقة أقصر طريقٍ إلى المال بلا جهد، لكن غاب عنه أنه سيقبض عليه، وسيودع في السجن، وغاب عنه أن السرقة في معظم الأحيان تتحول إلى قتل، والقاتل يُعدم، غابت عنه نتائج هذه المعصية وتألق ورأى رؤيةً خاطئة، رؤية شيطانية أن السرقة أقصر طريقٍ لجمع المال، لذلك كل هؤلاء الذين يدفعون ثمن أخطائهم كانوا في عمى. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7601/08.jpg
﴿ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ * ﴾
[ سورة الحج ]
أنت حينما تملك رؤية صحيحة يصح عملك فتسلم وتسعد في الدنيا والآخرة، سيدنا يوسف شابٌ في مقتبل العمر، بعيدٌ عن أهله، غريب، غير متزوج، دعته امرأةٌ ذات منصبٍ وجمال، وهي سيدته، وليس من مصلحتها أن يفشو هذا الخبر، ما الذي رأى في الزنا حتى قال: ﴿ مَعَاذَ اْللهِ ﴾
[سورة يوسف الآية: 23 ]
وأي شاب آخر غافل عن الله يرى أن هذا اللقاء مكسب كبير، القضية قضية رؤية، إما أن تصح رؤيتك فيصح عملك فتسلم وتسعد، وإما أن تفسد رؤيتك من بعدك عن الله فيفسد عملك فتشقى وتهلك، هذا ملخص الملخص، هناك رؤية، هذه الرؤية الصحيحة بسبب نورٍ قذفه الله في قلبك.
لذلك الاتصال بالله ثماره يصعب تصورها، أنت حينما اتصلت بالله ألقى في قلبك نوراً.
الآن أحياناً تقوم حملة شديدة لمكافحة الفساد، هؤلاء الذين ساءت رؤيتهم فساء عملهم يُقبض عليهم، ويودّعون في السجون، لو صحت رؤيتهم لما أقدموا على ذلك. من تذلل إلى الله رفع شأنه و قدره :
من هو المؤمن؟ هو الذي يملك رؤية صحيحة، الإنسان إذا توهم أنه إذا كذب في صفات البضاعة باعها أعمى، الإنسان إذا توهم أنه إذا حلف يميناً كاذبةً راجت تجارته أعمى، الإنسان إذا توهم أنه إذا غش المسلمين يحقق أرباحاً كبيرة أعمى، لا يمكن أن يدعك الله من دون تأديب، لذلك مستحيلٌ وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر ومستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7601/09.jpg
لذلك الإنسان تسوء رؤيته فيعصي الله، تصح رؤيته فيتقي الله، الإمام الجنيد يقول: الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب، الإنسان منحه الله عزة، لكن مع الله هناك تذلل في تمريغ الوجه بأعتاب الله، هناك مناجاة مع الله: يا رب أنا فقير، أنا مفتقر إلى غناك، أنا جاهل، أنا مقصر، يجب أن تعود نفسك أن تناجي ربك، ناجه بالتذلل، سيدنا يونس في بطن الحوت ماذا قال؟ ﴿ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
عود نفسك وأنت لك شأن كبير، ولك مكانة كبيرة، وتحت يدك مقدرات كبيرة جداً، بينك وبين الله أن تتذلل.
نور الدين الشهيد هذا البطل الذي ردّ التتار، سجد قبل المعركة وقال: يا رب من هو الكلب نور الدين حتى تنصره؟ انصر دينك يا رب، بقدر ما تستطيع بينك وبينه أن تتذلل يرفعك، يرفع شأنك، يعلي قدرك، يلقي في قلبك النور، توفق. الخشوع محله في القلب لا في الجوارح :
لو أن الله قال:
﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
[ سورة النور الآية: 30 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7601/10.jpg
ما هو الخشوع؟ مع هذا الأمر الخضوع له، هنا الخشوع في الصلاة شيء أما الخشوع لأوامر الله فالخضوع لها، ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾
لا يقول: أين سأذهب بعيوني؟ لا، ما أمرك الله بهذا الأمر إلا وهو يعلم أنك تستطيعه.
العلماء جميعاً أجمعوا على أن الخشوع محله في القلب لا في الجوارح، لذلك ارفع رأسك يا أخي، لا تتذلل، لا تتطامن، لا تتمسكن، ليس هذا من صفات المؤمن، خشوعك في القلب، ارفع رأسك، واجعل قامتك مديدة، وكن عزيزاً. (( إنكُم قادِمُونَ على إخوانكم، فَأصْلحُوا رِحَالَكُم، وأصلحوا لِبَاسَكُم، حتى تكونوا كأنَّكم شَامَةٌ في النَّاسِ ))
[ أخرجه أبو داود عن ابن الحنظلية سهل بن الربيع ]
هذا الخاشع تذلل، تمسكن، لا يوجد بيدنا شيء، لا، محل الخشوع القلب لا الجوارح، النبي رأى رجلاً يعبث بلحيته في الصلاة فقال عليه الصلاة والسلام: (( لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه ))
[ كنز العمال عن علي]
أي خشوع القلب يقابله خشوع الجوارح.
حُسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن :
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: حُسن أدب الظاهر عنوان أدب الباطن، أنت حينما تكون مؤدباً في ظاهرك، الجلسة مؤدبة، الكلام مؤدب، الحركة مؤدبة، الثياب مؤدبة، الأدب الظاهري دليل أدب قلبك، بعضهم رأى رجلاً خاشع المنكبين والبدن فقال له: يا فلان الخشوع ها هنا وأشار إلى صدره وليس ها هنا وأشار إلى منكبيه، الخشوع في القلب حتى إن النبي عليه الصلاة والسلام رأى رجلاً من أصحابه قبيل معركةٍ يتبختر في مشيته فقال عليه الصلاة و السلام: إن الله يكره هذه المشية، إلا في هذا الموطن، لأن التكبر على المتكبر صدقة.
لا يوجد مؤمن ذليل، لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه، اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير، شرف المؤمن قيامه بالليل وعزه استغناؤه عن الناس.
قيل للإمام الحسن البصري: بمَ نلت هذا المقام؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس وحاجتهم إلى علمي.
تصور إنساناً استغنى الناس عن علمه وهو بحاجةٍ إلى دنياهم سقطت الدعوة، أنا أنصح الدعاة أن يكون لهم عمل شخصي، عمل خاص يعيشون منه، من أجل ألا يخضعوا لقويٍ أو لغني لقول النبي الكريم:
(( من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ))
[ البيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود]
من جلس إلى غنيٍ، وفي رواية أو قويٍ فتضعضع له - تمسكن - ذهب ثلثا دينه، أي أصحاب النبي الكريم عليهم رضوان الله يتمتعون بعزة مذهلة.
سيدنا خُبيب صُلب على جذع نخلة، وقبل قتله سُئل أتحب أن يكون محمدٌ مكانك؟ أنت اسأل من يراقب إعدام المجرمين، هناك تذلل، هناك بكاء، هناك رجاء، قال: والله ما أحب أن أكون في أهلي وولدي وعندي عافية الدنيا ونعيمها، ويصاب رسول الله بشوكة، وهو يُقتل كان عزيزاً.
الخشوع في القلب وفي الظاهر ينبغي أن تكون عزيزاً. (( المؤمن القويُّ خيْر وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
من شكا إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله ومن شكا إلى كافر فكأنما اشتكى على الله :
لذلك إياك ثم إياك ثم إياك أن تشكو همك لكافر، قالوا: من شكا إلى مؤمن فكأنما اشتكى إلى الله، ومن شكا إلى كافر فكأنما اشتكى على الله، الفرق كبير بين أن تشتكي إلى الله وبين أن تشتكي على الله، لذلك تحل كل مشكلاتك في ثلث الليل الأخير.
(( يَنْزِلُ اللهُ تَبارَكَ وتعالى إِلى السماءِ الدنيا، فيقولُ: هل من سائِلٍ فَيُعْطَ ؟ هل من دَاعٍ فَيُستَجَابَ لَه؟ هل من مُستَغفِرٍ فَيُغْفَرَ لَهُ؟ حتى يَنفَجِرَ الصُّبْحُ' ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7601/11.jpg
لذلك لا تشتكي إلا لله. ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة يوسف الآية : 86 ]
ويعاب من يشكو الرحيم إلى الذي لا يرحم، سيدنا حذيفة يقول: إياكم وخشوع النفاق، قيل له: وما خشوع النفاق؟ قال: أن ترى الجسد خاشعاً والقلب ليس بخاشع.
سيدنا عمر رأى رجلاً طأطأ رقبته في الصلاة، فقال: يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك، ليس الخشوع في الرقاب، إنما الخشوع في القلوب.
سمع سيدنا عمر رجلاً علا صياحه في الحرم أثناء الطواف لأنه وجد لوزة، فسأل من صاحب هذه اللوزة؟ من صاحب هذه اللوزة؟ قال له: كلها يا صاحب الورع الكاذب، كُلْها وخلصنا.
السيدة عائشة رأت شباباً يتماوتون في مشيتهم، فقالت لأصحابها: من هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء النساك، قالت: رحم الله عمراً ما رأيت أزهد منه، كان إذا سار أسرع، وإذا أطعم أشبع، وإذا قال أسمع، وإذا ضرب أوجع، رحم الله عمراً ما رأيت أزهد منه.
الفضيل يقول: يكره أن يرى الرجل في خشوعٍ أكثر مما في قلبه، أي أظهر خشوعاً ليس في قلبه، هذا مكروه. الخشوع افتقارٌ إلى الله عز وجل :
سيدنا حذيفة يقول: أول ما تفقدون من دينكم الخشوع، صلاة بلا خشوع، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة، أي التطورات السلبية في العالم الإسلامي صلاة بلا خشوع ثم ترك الصلاة، لأن الصلاة بلا خشوع صلاة مملة.
﴿ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 45 ]
أي صعبةً. ﴿ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾
[ سورة البقرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7601/12.jpg
قال بعض العلماء: من خشع قلبه لم يقترب الشيطان منه، الخشوع افتقارٌ إلى الله عز وجل، وأنت بين التولي والتخلي، تفتقر يتولاك، يحميك، يؤيدك، يوفقك، ينصرك، يحفظك، تقول: أنا ابن فلان، أنا أحمل هذه الشهادة، عندي خبرات، عندي أموال لا تأكلها النيران، يتخلى عنك.
والله مرة أخ أحسبه صالحاً ولا أزكي على الله أحداً، غلط غلطة مع ربه، قال: الدراهم مراهم، هذه غلطة كبيرة، هذا شرك، اُتهم اُتهاماً هو بريء منه، بقي في المنفردة أربعة وستين يوماً، قال لي: الخاطر يأتيني كل دقيقة: الدراهم مراهم؟ تفضل حل هذه، البطولة أن تفتقر إلى الله لا أن تعتد بما عندك.
فالصحابة الكرام في بدر افتقروا إلى الله فانتصروا، هم هم ومعهم رسول الله في حنين قالوا: ((ولن يُغْلَبَ اثنا عَشَرَ ألفا مِنْ قِلَّةٍ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عباس]
اعتدوا بالعدد فتخلى الله عنهم، هذا ملخص الملخص تفتقر يتولاك، تقول: أنا يتخلى عنك، فقبل أن تقوم بعمل، قبل أن تجري عملية جراحية، قبل أن تلقي درساً، قبل أن تقابل مسؤولاً، قل: يا رب إني التجأت إليك، إني تبرأت من علمي، ومن قوتي، والتجأت إلى علمك وقوتك يا رب العالمين.








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-14-2018 01:40 PM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( التاسع و الخمسون )

الموضوع : الفتوة منزلة من منازل السالك إلى الله.







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الفتوة :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع عنوانه: "الفتوة"، فالفتوة منزلة من منازل السالك إلى الله، حقيقتها الإحسان، والإحسان نهاية العمل، لقوله تعالى:
﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾
[ سورة الرحمن ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7602/01.jpg
لقد منحك الله نعمة الإيجاد، ومنحك نعمة الإمداد، ومنحك نعمة الهدى والرشاد، أنت حسنةٌ من حسنات الله عز و جل فهل جزاء إحسان الله لك إلا أن تحسن إلى خلقه؟
﴿ هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ﴾
الله عز وجل خلقنا لـ: ﴿ َجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 133 ]
الله عز وجل خلقنا ليسعدنا، خلقنا ليرحمنا. ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
[ سورة هود الآية: 119 ]
وكل الخلق مطلوبون لرحمة الله عز و جل، فإذا كان ردّ فعلك على إحسان الله لك أن تحسن إلى عباده، فهذه منزلة سماها العلماء منزلة الفتوة، وهي بين التخلق وبين المروءة، جُمعت مكارم الأخلاق كلها في المروءة.
والبدايات إنما الحلم بالتحلم، وإنما الكرم بالتكرم، وإنما العلم بالتعلم، فأن تتصنع الحلم هذا سبيل أن تكون حليماً، أن تتصنع الكرم هذا طريق أن تكون كريماً، أن تتعلم هذا طريق أن تكون عالماً.
فالفتوة بين التخلق وبين المروءة التي جمعت فيها مكارم الأخلاق، وإن مكارم الأخلاق مخزونةٌ عند الله تعالى، فإذا أحب الله عبداً منحه خلقاً حسناً، فالإيمان هو الخلق ومن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان. من آمن بالله و شكره حقق الهدف من وجوده :
أيها الأخوة، مرةٍ ثانية وثالثة: الله عز وجل سخر لك هذا الكون لأنه حينما عرضت عليك الأمانة المخلوقات جميعاً أبوا أن يحملوها، وأشفقوا منها، وأنت أيها الإنسان قلت: أنا لها يا رب، قبِلت حمل الأمانة ، فلما قبلت حمل الأمانة. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7602/02.jpg

﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ ﴾
[ سورة الجاثية الآية: 13 ]
سخر الله لك أيها الإنسان. ﴿ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
[ سورة الجاثية الآية: 13 ]
تسخير تعريفٍ وتسخير تكريم، أراد من هذا الكون الذي سخره لك أن تعرفه، وأراد من هذا الكون الذي سخره لك أن يكرمك به، فردّ فعل التعريف أن تؤمن، وردّ فعل التكريم أن تشكر، إذا آمنت وشكرت حققت الهدف من وجودك، قال تعالى: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ ﴾
[ سورة النساء الآية: 147 ]
فحينما تشكر وحينما تؤمن تكون قد حققت الهدف الأكبر الذي خلقت من أجله. الفرق بين الفتوة و المروءة :
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الفتوة هي: الإحسان إلى الخلق، وكف الأذى عنهم، بل احتمال الأذى منهم، الإحسان يعني الفتوة، والفتوة تعني الإحسان، كف الأذى، بل احتمال الأذى، بل الإحسان إلى الخلق.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7602/03.jpg
مرة ثانية: الإيمان حسن الخلق، وذهب حسن الخلق بالخير كله، وسوء الخلق يفسد العمل كما يفسد الخل العسل.
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الفرق بين مرتبة الفتوة وبين مرتبة المروءة أن المروءة أعمّ من الفتوة، وكأن الفتوة تعني أن يتخلق الشباب بأخلاقٍ بطولية، وكأن الفتوة تخص الشباب بادئ ذي الأمر.
أيها الأخوة، الفتوة بمعناها الدقيق استعمال ما يجمل ويحسن مما هو مختصٌ بالعبد، وترك ما يدنسه ويشينه مما هو مختصٌ به، فالموقف الكامل هو المروءة وهو ترك الموقف الناقص، كأن مكارم الأخلاق جُمعت في المروءة، وكأن مساوئ الأخلاق جُمعت في اللؤم، فلان ذو مروءة أي فيه خير، فيه تواضع، فيه كرم، فيه شجاعة، فيه وفاء، فيه إنصاف، جمعت مكارم الأخلاق في المروءة، وجُمعت مساوئ الأخلاق في اللؤم، لئيم، على بخيل، على جبان، على منحرف، على شهواني، جُمعت مساوئ الأخلاق في كلمة واحدة هي اللؤم.
الإمام عليٌ رضي الله عنه يقول: والله والله مرتين، لحفر بئرين بإبرتين، وكنس أرض الحجاز في يومٍ عاصفٍ بريشتين، ونقل بحرين زاخرين بمنخلين، وغسل عبدين أسودين حتى يصيرا أبيضين، أهون عليّ من طلب حاجةٍ من لئيمٍ لوفاء دين.
سئل أحدهم ما الذل؟ قال: أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يرده.
ما من شيءٍ أحب إلى الله تعالى من شابٍ تائب :
لذلك أيها الأخوة، جُمعت مكارم الأخلاق كلها في كلمة واحدة هي المروءة وجمعت مساوئ الأخلاق كلها في كلمة واحدة هي اللؤم، والفتوة بين التخلق وبين المروءة وكأن هذه المرتبة تخص الشباب لأن ريح الجنة في الشباب، ولأن الله يباهي الملائكة بالشاب المؤمن، يقول: "انظروا عبدي ترك شهوته من أجلي" .
وما من شيءٍ أحب إلى الله تعالى من شابٍ تائب.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7602/04.jpg
أيها الأخوة، حينما نقول: إنما الحلم بالتحلم، أنت بالبدايات تتصنع الحلم، موقف يؤلم، تغلي من الداخل، لكنك ضبطت أعصابك، هذا تحلم، لكن بعد حين تكون حليماً، وكاد الحليم أن يكون نبياً، والحلم سيد الأخلاق.
إذاً تتحلم فتكون حليماً، تتكرم فتكون كريماً، تتعلم فتكون عالماً، هذه مرتبة البدايات، للتوضيح: إنسان تاب إلى الله، من لوازم توبته أن يكف عن سماع الغناء، لكن كان هناك أغان قبل أن يتوب يحبها كثيراً، راكب في مركبة عامة وضعت هذه الأغنية لا شك أنه يطرب لها أشد الطرب، لكن هو بحسب النصوص لم يستمع إنما سمع، وفرقٌ كبير بين من استمع وبين من سمع، فهو الآن حينما كف عن سماع الغناء ضبط هذه الشهوة، لكن بعد حين يمقت هذه الأغنية، هذه مرتبة أعلى.
حينما تشتاق للمعصية ولا تفعلها خوفاً من الله هذه مرتبة في البدايات، لكن بعد حين: (( ليس منا مَنْ لم يتَغَنَّ بالقُرآنِ ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
لكن بعد حين تشمئز من هذه الأغنية لأنها لا تليق بمؤمن، والمعاني ساقطة، والمعاني مثيرة، وكأنها تدعو إلى معصية. عظمة الإسلام أنه أقرّ مكارم الأخلاق في الجاهلية :
أيها الأخوة، شيءٌ آخر: الإسلام عظمته أن مكارم الأخلاق في الجاهلية أقرها، فقال عليه الصلاة و السلام: (( إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق ))
[أخرجه البزار والإمام أحمد عن أبي هريرة ]
ففي الجاهلية كان هناك مروءة، و كرم، إنسان يركب فرسه في أيام الحر الشديدة رأى رجلاً ينتعل رمال الصحراء المحرقة، أشفق عليه، دعاه إلى ركوب الخيل وراءه، ولم يكن يدري أن هذا أحد لصوص الخيل، فما أن اعتلى هذا اللص وراء صاحب الخيل حتى دفعه نحو الأرض، وعدا بالفرس لا يلوي على شيء، فقال له صاحب الفرس: لقد وهبت لك هذه الفرس، اطمئن، ولن أسأل عنها بعد اليوم، ولكن إياك أن يشيع هذا الخبر في الصحراء، فإذا شاع هذا الخبر تذهب المروءة، وبذهاب المروءة من الصحراء يذهب أجمل ما فيها، كان هناك قيم جاهلية، لذلك كان عليه الصلاة والسلام يقول: (( أسلمت على ما أسلفت لك من خير ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن حكيم بن حزام ]
وكان يقول: (( خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام ))
[ أحمد عن أبي هريرة]
لذلك قال عليه الصلاة و السلام: (( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))
[أخرجه البزار والإمام أحمد عن أبي هريرة ]
ولهذا الحديث روايةٌ أخرى: (( وإنما بعثت معلماً ))
[أخرجه الحارث وأبو داوود الطيالسي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
(( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ))
[أخرجه البزار والإمام أحمد عن أبي هريرة ]
الفطرة و الصِبغة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7602/05.jpg
لابد من توضيح دقيقٍ جداً، هناك فرقٌ كبير بين الفطرة وبين الصِبغة، الفطرة أن تحب الخير وليس من الضروري أن تكون خيراً، الفطرة أن تحب العدل وليس من الضروري أن تكون عادلاً، الفطرة أن تحب الإحسان وليس من الضروري أن تكون محسناً،ً هذه الفطرة تحب مكارم الأخلاق، محبة مكارم الأخلاق شيء وأن تكون ذا أخلاقٍ شيء آخر، لكنك حينما تتصل بالله تصطبغ نفسك بكمال الله، الآن دخلنا في الصبغة قال تعالى:
﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ﴾
[ سورة البقرة الآية: 138 ]
أما الفطرة فأن تحب مكارم الأخلاق، لذلك: ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾
[ سورة الروم الآية: 30 ]
كل واحد حتى السيئ، حتى اللص، حينما يسرق مع رفاقه يقول أحدهم: وزع هذا بالعدل، و لكن هذا مال مسروق!
أحياناً الإنسان يقول كلاماً عجيباً، هو غارق في المعصية وعنده فطرة، أحياناً تقول الراقصة: إن الله وفقني بهذه الرقصة، شيء مضحك طبعاً!. ما من عملٍ أعظم عند الله من حلّ مشكلات الشباب :
الآن كما هو ملاحظ الشباب قوة كبيرة جداً، الله عز وجل قال عنهم: ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾
[ سورة الكهف ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7602/06.jpg
كلمة فتوة تعني الشباب، أنا لي رأي خاص، أنا أرى أن الشباب في المجتمعات المعاصرة قنبلةٌ موقوتة، هذا الشاب يحتاج إلى بيت، يحتاج إلى زوجة، يحتاج إلى فرصة عمل، فإن لم توفر له هذه المطالب الأساسية الثلاث تطرف، هناك تطرفان؛ تطرف تفلت و تطرف تشدد، تطرف التفلت يبدأ بإلغاء الدين وينتهي بالإباحية كما ترون وتسمعون، أما تطرف التشدد فيبدأ بالتكفير وينتهي بالتفجير، الشباب بين تطرفين؛ تطرف تفلت و تطرف تشدد، لأن من حقه أن يكون له بيت، من حقه أن يكون له زوجة، من حقه أن يكون له عمل يعيش منه.
لذلك أيها الأخوة، ما من عملٍ أعظم عند الله الآن من تأمين لشاب وشابة، من تزويج شابٍ بشابة، من تهيئة فرصة عمل لشابٍ أو شابة، هذه مشكلة المشكلات، ما لم تحل مشكلة الشباب، لن يكون لنا مستقبل، مستقبلنا في الشباب، وريح الجنة في الشباب، ﴿ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى ﴾
﴿ قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ ﴾
[ سورة الأنبياء ]
هذه المرتبة في القرآن الكريم، مرتبة الفتوة كأنها خاصة بالشباب، أنا أقول أيها الأخوة: الشيوخ هم الماضي، والكهول هم الحاضر، والشباب هم المستقبل، لذلك الآن ليس هناك من نهضةٍ لأية أمة إلا وتعتمد على الشباب. الشباب قوةٌ كبيرة وهم قوام نهضة الأمة :
هناك ملمح من السيرة والله يلفت النظر، أن النبي الكريم يشكل جيشاً يضع على رأسه قائداً شاباً لا تزيد سنه عن سبعة عشر عاماً، من جنود هذا الجيش؟ أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وعلي، يعني هل يعقل أن يمشي خليفة المسلمين مشياً وقائد الجيش أسامة على ناقة؟ أسامة كتلةٌ من الأدب، قال: يا خليفة رسول الله لتركبنّ أو لأمشينّ، قال: والله لا ركبت ولا نزلت، وما عليّ أن تغبر قدمي ساعة في سبيل الله، خليفة المسلمين الصاحب الأول لسيد المرسلين يمشي، وشابٌ في السابعة عشر من عمره عينه النبي قائداً للجيش.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7602/07.jpg
الآن شاب عندنا في السابعة عشر، كان الشاب قديماً معه بضع تمرات والسيف إلى الجهاد، الآن معه همبرغر، وبيبسي إلى الملعب، اختلف الوضع اختلافاً كلياً، مستقبل هذه الأمة للشباب.
لذلك سيدنا الصديق احتاج إلى عمر ليكون مساعده في إدارة البلاد، وهذا عمر جندي عند أسامة، فقال له: يا أسامة! أتأذن لي بعمر؟ ما هذا النظام التسلسلي؟ هناك جيش، و قائد، القائد أسامة، أحد الجنود عمر، الخليفة أراد أن يستبقي عمراً إلى جانبه كي يعينه على إدارة البلاد، فما قال له: ابقَ معي، إذا قال له: ابقَ معي تجاوز القائد، قال له: يا أسامة أتأذن لي بعمر؟ هؤلاء أين تعلموا؟ في أي جامعاتٍ درسوا؟ من أي جامعاتٍ تخرجوا؟ أي أعلى درجة بإدارة البلاد اتبع التسلسل.
مرة حدثني مدير ثانوية معين في بلدة قال لي: جاء مدير التربية، فأخذ معه أمين السر، دون أن يسألني، ثم قال لي: جاء مدير تربية ثان، احتاج لأمين السر دخل واستأذنني، قال لي هل تسمح لي به؟ الموقف الثاني حضاري، هناك مؤسسة على رأسها مدير، وهذا موظف عند هذا المدير.
أيها الأخوة، ما عيّن النبي عليه الصلاة والسلام أسامة بن زيد في هذا المنصب إلا ليشعرنا أن الشباب قوةٌ كبيرة، وأن الشباب قوام نهضة الأمة.
أيها الأخوة، ورد في الأثر:
(( أحب الطائعين وحبي للشاب الطائع أشد ـ كتلة شهوات ضبطها ـ أحب المتواضعين وحبي للغني المتواضع أشد، أحب الكرماء وحبي للكريم الفقير أشد، وأبغض ثلاثاً وبغضي لثلاثٍ أشد، وأبغض العصاة وبغضي للشيخ العاصي أشد، وأبغض المتكبرين وبغضي للفقير المتكبر أشد، وأبغض البخلاء وبغضي للغني البخيل أشد ))
[ورد في الأثر]
من يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه :
أخواننا الكرام، ملخص الملخص أن الله عز وجل أودع فينا الشهوات، وبإمكانك أن تتحرك بهذه الشهوات مئة وثمانين درجة http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7602/08.jpg
الشرع سمح لك بمئة درجة، بطولة المؤمن أنه يوقع حركته في هذه المنطقة التي سمح الله بها، لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾
[ سورة القصص الآية: 50 ]
المعنى المخالف عند علماء الأصول الذي يتبع هواه وفق هدى الله عز وجل لا شيء عليه، كلنا نعلم إذا كان هناك عرس يوجد إطلاق أبواق السيارات، ألا يستحيون؟ لا، هذا منهج الله عز وجل، الزواج مشروع، أما أي علاقة مع أنثى خارج الزواج ففضيحة، لذلك قال تعالى: ﴿ بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ ﴾
[ سورة هود الآية : 86 ]
الشرع سمح لك بحيز كبير جداً من الحلال ومنعك عن الحلال، كم نوع من الشراب الآن؟ والله هناك ألف نوع، كله مباح عدا الخمر، سمح لك أن تشرب ما تشاء من عصائر الفواكه، أما الخمر فمحرمة، سمح لك بالمرأة كزوجة أولى وثانية وثالثة ورابعة، لكن لا يوجد عشيقة بالإسلام. الفتوة هي الصفح عن عثرات الإخوان :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7602/09.jpg
قال بعض العلماء: الفتوة هي الصفح عن عثرات الإخوان:

ما كنت مذ كنت إلا طوع أخواني ليست مؤاخذة الإخوان من شأني
إذا خليليَّ لم تكثر جنايتــــه فأين موضع إحساني و غفراني؟
***

من صفات الفتى الصفح عن عثرات الأصدقاء، والصفح عن الزلات، يقول لك: اتق شر من أحسنت إليه، هذه ليست حديثاً هذه كلمة، أما أنت حينما تحسن إليه وتنسى الله وتفاجأ بموقف غير أخلاقي منه فتحس بإحباط شديد، أما لو أنك قدمت هذا العمل لله، ولم يكن منه رد فعلٍ جميل فلا تعبأ به.
لذلك قيل: اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهلهِ، فإن أصبت أهلهُ فأنت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله. الفتوة مرتبةٌ من مراتب السالكين إلى الله عز و جل :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7602/10.jpg
أيها الأخوة، قال الإمام أحمد: الفتوة ترك ما تهوى لما تخشى، الإنسان أحياناً هناك أكلات لذيذة يحبها، قال له الطبيب: هذه الأكلة تسبب لك أزمة قلبية فيتركها، لذلك جاء الإمام الغزالي -رحمه الله تعالى- فقال: يا نفس لو أن طبيباً منعك من أكلةٍ تحبينها لا شك أنك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله؟ إذاً فما أجهلك، أيكون وعيد الطبيب أشد عندك من وعيد الله؟ إذاً فما أكفرك، طبيب يقول لك: البيت المرتفع بعه فوراً واشترِ داراً أرضيةً من أجل قلبك، تكون قد بذلت جهداً كبيراً في كسوته سنوات وسنوات تبيعه فوراً، لأن الطبيب قال ذلك، الله عز وجل يقول لك بستمئة صفحة بكتاب الله :

﴿ اتَّقِ اللَّهَ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 206 ]
افعل كذا، افعل كذا، يا نفس لو أن طبيباً منعك من أكلةٍ تحبينها لا شك أنك تمتنعين، أيكون الطبيب أصدق عندك من الله؟ إذاً فما أجهلك، أيكون وعيد الطبيب - وعيد الطبيب مرض- أشد عندك من وعيد الله؟ -جهنم- فما أكفرك.
أيها الأخوة الكرام، ترك ما تهوى لما تخشى هذه من مراتب الفتوة، والفتوة مرتبةٌ من مراتب السالكين إلى الله عز و جل، وكأن هذه المرتبة تعني الشباب أكثر ما تعني، وفي موضوعٍ قادمٍ إن شاء الله نتابع هذه التفصيلات.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-14-2018 01:43 PM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الستون )

الموضوع : تعريف مضامين الفتوة








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار العلم والمعرفة، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. من تعريفات الفتوة :
1 ـ فضيلةٌ تأتيها ولا ترى نفسك فيها :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ عنوانه: "الفتوة"، وهو موضوعٌ يتصل اتصالاً وثيقاً بـ :"سبل الوصول إلى الله وعلامات القبول".
من تعريفات الفتوة: هي فضيلةٌ تأتيها ولا ترى نفسك فيها، المؤمن الصادق إذا فُعل معه معروف لا ينساه أبداً، أما إذا فَعل معروفاً ينساه فوراً، البطولة أن تنسى معروفك مع الناس، وألا تنسى معروف الناس معك، بينما أناسٌ كثيرون إذا فَعل خيراً يمنن به، وإذا فُعل معه خير لا يفكر فيه إطلاقاً، الفتوة فضيلةٌ تأتيها ولا ترى نفسك فيها.
2 ـ ألا تحتجب عمن قصدك :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7603/01.jpg
أيها الأخوة، ومن تعريفات الفتوة: ألا تحتجب عمن قصدك، هناك إنسان يسحب الهاتف قبل أن ينام، أنت طبيب قلب، يتصل بك أحدهم فلا تجيب، بشكل أو بآخر أي إنسان حجب نفسه عن خدمة الآخرين هو ضعيف الفتوة، أي راحته وسعادته فوق كل مصالح الخلق، الحياة دار عمل وليست دار جزاء، فإذا ظنها الإنسان دار جزاء وقع في خطأ كبير، الأنبياء العظام، الصحابة الكرام، عاشوا للناس، أما الأقوياء فعاش الناس لهم، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء ملكوا القلوب، الأقوياء ملكوا الرقاب، فلأنك مؤمن يجب أن تعلم أن هذه الدنيا دار عمل، لأنك مؤمن يجب أن تعلم أن هذه الدنيا إعدادٌ للآخرة.
لذلك أول صفات المؤمن أنه يبني حياته على العطاء لا على الأخذ، وأول صفات غير المؤمن أنه يبني حياته على الأخذ.
3 ـ إظهار النعمة وإسرار المحنة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7603/02.jpg
الفتوة إظهار النعمة وإسرار المحنة، أناسٌ كثيرون يتشكى ويتشكى، يكون في بحبوحة كبيرة، وبيت، ومركبة، وأولاد، وزوجة، وتجارة عريضة، لأتفه الأسباب يتشكى، هذا التشكي ليس من صفات المؤمن، انظر ما الذي أعطاك الله إياه، انظر كم أنت بنعمة، المؤمن يرى نعم الله عليه، والذي غاب عنه يراه حكمة بالغة، من هنا ورد في الأحاديث الشريفة:

((عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ))
[أخرجه مسلم عن صهيب الرومي ]
أي يظهر النعمة ويحجب عنك المحنة، المحنة بينه وبين الله، لأنه يعلم علم اليقين أنه ما من محنةٍ إلا وراءها منحة، ويعلم علم اليقين أنه ما من شِدةٍ إلا وراءها شَّدة إلى الله عز وجل، فهو راضي عن الله ، ويقبل كل المصائب عن فهمٍ وعن وعيٍّ، ويرى هذه المصائب ساقها الله لحكمةٍ بالغةٍ بالغة، وحينما يكشف الله لنا يوم القيامة الحكمة من سوق المصائب نذوب محبةً لله عز وجل. 4 ـ الفتوة ألا تدخر وألا تعتذر :
أيها الأخوة، وقيل في الفتوة: الفتوة ألا تدخر وألا تعتذر، ألا تدخر وسعاً، أي إذا كان بإمكانك أن تخدم الناس بمالك، أو بعلمك، أو بجاهك، أو بوقتك، لا تدخر ما آتاك الله إياه عن الناس، أنت في الدنيا من أجل العمل الصالح، حجمك عند الله بحجم العمل الصالح، اسأل نفسك هذا السؤال المحرج ماذا قدمت لهذه الأمة؟ حجمك عند الله لا بما تستهلك، حجمك عند الله بقدر ما تقدم، ألا تدخر وسعاً، لا وسعاً مالياً، ولا علمياً، ولا اقتصادياً، ولا اجتماعياً، لا تدخر جاهك إذا كان هذا الجاه يحل مشكلة، وألا تعتذر، من أدق الأحاديث الشريفة.
(( وإياك وما يعتذر منه ))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن عمر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7603/03.jpg
أي موقف، أي سلوك، أي تصرف، تضطر أن تقول: اعذروني، إياك أن تفعله أصلاً، كما قلت لكم: جمعت مكارم الأخلاق في المروءة، والفتوة قريبةٌ من المروءة، ولكن تخص الشباب، الفتوة ألا تدخر وألا تعتذر، الفتى معطاء، هناك أشخاص الموقف الأساسي بحياتهم العطاء، الآن المؤمن يسعد إذا أعطى، غير المؤمن يرى نفسه ذكياً جداً إذا أخذ، في بالتعبير المعاصر إستراتيجية، ما الذي يحكمك العطاء أم الأخذ؟ إن كان الذي يحكمك العطاء فأنت من أهل الآخرة، المؤمن لا يفكر أبداً بالتعويض، يفكر بعمل صالح، وأنا أقول دائماً: هذا المال ضعه تحت قدمك تناله، أما إذا وضعته أمامك فتخسره، أنت طبيب، مهندس، تاجر، إذا كان همك الأول المال تخسره، إذا همك تقديم خدمة للناس تربحه أضعافاً مضاعفة، شيء عجيب! إن وضعته أمامك تخسره وإن وضعته تحت قدمك تربحه.
فلذلك الفتى خيِّرٌ معطاء. 5 ـ استرسال الناس في فضلك :
والحقيقة من تعريفات الفتوة: استرسال الناس في فضلك، طبعاً أنت باشٌ فيهم، تعرض عليهم خدماتك، هذا الموقف اللطيف -عرض الخدمات- حينما يلتقون بك يرون أنساً وترحيباً، هم يسترسلون في فضلك، فأنت عندئذٍ تبذل لهم ما تستطيع، استرسال الناس في فضلك، أي وجه باش، زارك ترحب به http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7603/04.jpg
أما أنت بأيام معدودة تصرف عنك كل الناس، موقف قاس، كلمة قاسية، أغلق الباب في وجهه، انتهى، لا أحد يأتيك إطلاقاً، فحينما يسترسل الناس في فضلك بسبب أنك رحبت بهم، وآنستهم، وأكرمتهم طبعاً هناك متاعب كثيرة، قال: اصنع المعروف مع أهلهِ ومع غير أهلهِ، فإن أصبت أهلهُ أصبت أهلهُ، وإن لم تصب أهله فأنت أهله.
النقطة الدقيقة: ما دمت تعمل هذا العمل لوجه الله لا تهتم إطلاقاً لردود الفعل، أي قدر أم لم يقدر، شكر أم لم يشكر، عرف قيمتك أم لم يعرف، نوه للناس بفضلك أم لم ينوه، كله عندك سيان، أنت عملت هذا لوجه الله، والله قبل هذا العمل، أروع ما في حياة المؤمن أنه يستغني عن المديح، أو لا يستجدي المديح، يرضي الله، وانتهى الأمر، بينما الذي يرضي الناس إن كانت ردود الفعل غير مناسبة له يضجر، يقول: يا أخي اتقِ شرّ من أحسنت إليه، أنت أحسن لله ولا تعبأ بردود الناس معك.
إذا أحبّ الله عبداً جعل حوائج الناس عنده :
كما قلت قبل قليل: ببساطةٍ ما بعدها بساطة تصرف الناس من عندك بكلمة قاسية، بوجه متجهم، باعتذار قاس، بتعليق شديد، لا أحد يطرق بابك، الناس عندهم ذوق، فإن استرسلوا بفضلك طمعوا فيك، وإذا أحبّ الله عبداً جعل حوائج الناس عنده، فالذي يأتيه الناس زرافاتٍ ووحدانا عليه ألا يضجر، فإذا ضجر ليس أهلاً لهذه الأعمال الجليلة، الله عز وجل يقول:
﴿ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7603/05.jpg
والحقيقة هناك عشرات التصرفات الذكية، والحكيمة، والمخلصة، والرحيمة، تجذب بها الناس إليك، تصرف واحد أحمق تصرفهم عنك، فجمع الناس ليس قضية سهلة، هذا الشيء يحتاج إلى لباقة، إلى فهم، إلى أن تعرف أقدار الناس، إلى أن تكون حكيماً معهم، إلى أن تستوعبهم، أن تحتمل تجاوزاتهم، ما دام الهدف الله عز وجل، ما دام الهدف الجنة، فالمؤمن يمتص كل هذه المزعجات.
﴿ وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة القلم ]
لذلك ورد في بعض الأحاديث: (( إنكم لن تَسَعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم ))
[أخرجه أبو يعلى وابن أبي شيبة في مسنده عن أبي هريرة ]
الحلم سيد الأخلاق :
لذلك الله عز و جل يخاطب نبيه الكريم يقول له:
﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 199 ]
كلمة خذ أي هذا شيء ثمين من الله ﴿ خُذِ الْعَفْوَ ﴾
اعفُ عنهم أي اجعل نصيبك من الله أنك عفوت عنهم. ﴿ خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
من هنا يكون الحلم، وكاد الحليم أن يكون نبياً، والحلم سيد الأخلاق، بتعبير آخر الفتوة أن تدع الناس يطؤون عليك من شدة لينك، وتواضعك، وخفض جناحك. من يتصل بالله عز وجل يمتلئ قلبه رحمة و ليناً :
أخواننا الكرام آيةٌ من أدق الآيات يقول الله عز وجل:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 159 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7603/06.jpg
حينما يتصل الإنسان بالله عز وجل يمتلئ قلبه رحمة، الرحمة شيء ثمين، يمتلئ قلبه رحمة، هذه الرحمة تنعكس ليناً في المعاملة، هذا اللين يجعل الناس يلتفون حولك، الآن ولو كنت منقطعاً عنا يا محمد لامتلأ القلب قسوة، فانعكست القسوة غلظةً، وفظاظة، والغلظة والفظاظة تجعل الناس ينفضون عنك.
هذه الآية يحتاجها الأب، والأم، والمعلم، وأي منصب قيادي في الأرض، تتصل بالله يمتلئ القلب رحمةٍ، فالرحمة من منعكساتها اللين، اللين يجذب الناس إليك، والبعد عن الله عز وجل يجعل القلب قاسياً، والقسوة تنعكس غلظةً وفظاظةً، ينفضون من حولك، هل هناك أب لا يتمنى أن يكون مَن حوله مِن أولاده وبناته وأصهاره يحبونه و يعجبون به؟ شيء طبيعي جداً، الرحمة تجعلك ليناً، والبعد عن الله يجعلك قاسياً، والرحمة منعكساتها اللين، والقسوة الغلظة والفظاظة.
مرة الشيخ بدر الدين -رحمه الله تعالى- شيخ سورية، مشى مع أخوانه، و هناك أحد الأخوة ابتسم، فقال له: ما الذي دعاك تبتسم؟ استحى، جراب الشيخ قد نزل، فنظر إلى جرابه قال له: أدخل الله على قلبك الفرح.
الذين حولك يجب أن تؤنسهم، أن تداعبهم، أن تمازحهم، حتى يلتفوا حولك، المؤمن ليِّن، هيِّن ليِّن ، يألّف ويؤلّف، دائماً التصنع ينفر الناس منك، كن طبيعياً. 6 ـ ألا تترك لنفسك رتبةً تتقاضى الناس بها :
الآن من معاني الفتوة ألا تترك لنفسك رتبةً تتقاضاهم بها، أنا لي مكانة غير مكانتكم، أي إنسان يتوهم لنفسه رتبة عالية جداً، في ضوء هذه الرتبة يحاسب الناس، أنت لم تقف لي، أنت لم تحترمني، أنت لم تقل لي: دكتور، ما هذا؟! كن طبيعياً، عامل الناس كواحد منهم، لا كسيدٍ عليهم، الفتوة ألا تترك لنفسك بينهم رتبةً تتقاضاهم بها، أنا أب خير إن شاء الله! أنت في البيت واحد من أهل البيت، قد يكون لك خارج البيت مكانة كبيرة، أما في البيت فواحد منهم.
(( إن دخل دخل ضاحكاً وإن خرج خرج بساماً ))
[ أخرجه الحاكم عن أم أبان بنت عتبة بن ربيعة ]
كان يصف النساء: (( فإنهن المؤنسات الغاليات ))
[ أخرجه الطبراني والإمام أحمد عن عقبة بن عامر ]
كان إذا دخل بيته يكون كواحدٍ من أهله. (( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله ))
[أخرجه أبو يعلى وابن حبان وعبد الرزاق عن عائشة أم المؤمنين ]
يصغي الإناء للهرة، كان في مهنة أهله، هذا الإنسان العظيم صاحب أكبر دعوة في الأرض، في بيته واحد منهم، كان يرى أن أبناء ابنته فاطمة الحسن والحسين يسرهم أن يركبوا على ظهره، سيد الخلق وحبيب الحق، يركبون على ظهره ويدع لهم وقتاً كافياً كي يستمتعوا، ما هذه النبوة؟.
فالمؤمن يألّف ويؤلّف، لازلنا في صفات الفتوة.
واحد من أصحابه، دخل أعرابيٍ على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أصحابه، تأملهم واحداً واحداً، قال: أيكم محمد؟ ما هذا! والله يحكى سنة على هذا النص أيكم محمد؟ ليس له لباس خاص؟ ولا كرسي خاص؟ ولا مكان خاص؟ ولا هيمنة؟ ولا كهنوت؟ واحد من أصحابه، وكلما ألغيت التصنع، والعلو، والهيمنة، كنت أقرب إلى الله عز وجل.
النبي معروف، كان مع أصحابه في سفر أرادوا أن يعالجوا شاةً بكل بساطة، قال أحدهم عليّ ذبحها، قال الثاني: علي سلخها، قال الثالث: عليّ طبخها، فقال عليه الصلاة والسلام: وعليّ جمع الحطب، واحد من أصحابه، قالوا: نكفيك ذلك يا رسول الله، قال: أعلم أنكم تكفونني، ولكن الله يكره أن يرى عبده متميزاً على أقرانه، هذا هو.
في معركة من المعارك الرواحل ثلاثمئة و الصحابة ألف، أعطى النبي أمراً قال: كل ثلاثة على راحلة، هو قائد جيش، زعيم أمة، نبي، رسول، قال: وأنا وعليٌ وأبو لبابة على راحلة، سوى نفسه مع أقل جندي، ركب الناقة، فلما جاء دوره في المشي توسلا صاحباه أن يبقى راكباً، قال: ما أنتما بأقوى مني على السير، ولا أنا بأغنى منكما عن الأجر، هذه النبوة. 7 ـ الحفاظ على القلب مع الله ودوام الإقبال على الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7603/07.jpg
قالوا: الفتوة الحفاظ على القلب مع الله، ودوام الإقبال على الله، ما دمت متصلاً بالله فأنت أسعد الناس، أنت مستنير ترى الحق حقاً والباطل باطلاً، بقدر اتصالك بقدر رؤيتك الصحيحة، بقدر اتصالك بقدر النور الذي يقذف في قلبك، عفواً تجد المؤمن يعيش ثلاثين سنة لا يدخل مركز شرطة لأنه محسن، الأشياء واضحة عنده تماماً، أما الإنسان البعيد عن الله فيتورط بورطات كبيرة، يدفع ثمنها باهظاً، فالإنسان كلما استقام كلما حقق السلامة.
فالفتوة الحفاظ على القلب مع الله، ودوام الإقبال عليه، لكن كيف نجمع بين أن تكون مع الناس وبين أن تنأى عن سقطاتهم ووحلهم؟ هناك مصطلح جديد سماه بعض الأدباء البرج العاجي الأخلاقي، أنت لست في برجٍ عاجيٍ فكري تنأى عن هموم المجتمع، عن مشكلاته، أنت مع الناس، مع مشكلاتهم، لكنك في برجٍ عاجي أخلاقي، أنت معهم لكن لا تسقط في وحولهم، أنت معهم لكن لست في سقطاتهم، هذا البرج العاجي الفكري وسام شرف أما البرج العاجي الفكري فاستعلاء وابتعاد عن مشكلات المجتمع.
8 ـ ألا تشهد لك فضلاً وألا ترى لك حقاً :
قالوا: والفتوة ألا تشهد لك فضلاً، وألا ترى لك حقاً، فضلك على الناس أغفلته كلياً وكأنه لم يكن، وحقك على الناس نسيته، تنتبه إلى فضل الناس عليك وإلى حقهم عليك، الحقيقة هذه بطولة كبيرة.
لما وجد الأنصار في أنفسهم على النبي الكريم، هذا متى؟ عقب حنين، عقب حنين دانت له الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها، أي أقوى وقت كان فيه النبي عقب حنين، انتهت بدر، أُحد، والخندق، فتحت مكة، آخر معركة حنين دانت له الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها، وأناسٌ وجدوا عليه في أنفسهم، والله بمنطق الأقوياء يلغي وجودهم، بمنطق الأقوياء يهملهم، بمنطق الأقوياء يعاتبهم عتاباً شديداً، يهدر بهذا العتاب كرامتهم، ماذا فعل؟ والله شيء لا يصدق! ذكرهم بفضلهم عليه قال:
(( أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدقتم ولصُدقتم ))
[أخرجه أبو يعلى والإمام أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية ]
لو قلتم هذا الكلام أنتم صادقون والناس جميعاً تصدقكم بهذا الكلام: (( أما والله لو شئتم لقلتم فلصَدقتم ولصُدقتم، أتيتنا مكذَّباً فصدقناك، ومخذولاً فنصرناك ، وطريداً فآويناك ))
يمكن أن تذكر من حولك وأنت قويٌ جداً بفضلهم عليك: (( يا معشر الأنصار ألم تكونوا ضلالاً))
دقق فما قال هديتكم، قال: (( فهداكم الله بي، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف بين قلوبكم، أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا؟ تألفت قوماً ليسلموا؟ ووكلتكم إلى إسلامكم ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم في رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده إنه لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ولو سلك الناس شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار قال : فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسماً وحظاً ))
[أخرجه أبو يعلى والإمام أحمد في مسنده عن العرباض بن سارية ]
سبحانك يا رب! هذه المواقف أين مكانها في السيرة؟ مع وفائه؟ أم حكمته؟ أم مع رحمته؟ أم مع محبته؟. أي حوار فيه استعلاء لا ينجح :
أيها الأخوة، سيدنا عمر مرة جاءه رسول من نهاوند، سأله ما الذي حصل؟ قال له: والله مات خلقٌ كثير، قال له: من هم؟ قال له: أنت لا تعرفهم، فبكى قال: ما ضرهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم، ومن أنا؟ انظر إلى أدب القرآن في الحوار. ﴿ وَإِنَّا ﴾
[ سورة سبأ الآية: 24 ]
النبي الكريم: ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
[ سورة سبأ ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7603/08.jpg
الحق كرة عندي أو عندك، سويت نفسك مع المحاور، هناك إنسان يحاور وهو الأصح، وهو الذي لا يخطئ، وهو المهيمن، لا، إن أردت أن تأخذ بيد الناس تواضع لهم، كلام النبي ينطق به القرآن:
﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
بهذه المساواة التامة مع الخصم، أخي إما أنا أو أنت على حق، سنتحاور، أنا نبي مرسل معي وحي السماء وأنت لا تفهم شيئاً، لا، لا يجوز أن تتكلم هذا الكلام ﴿ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ﴾
يوجد أدب آخر لا يصدق. ﴿ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
[ سورة سبأ ]
معقول دعوة النبي جريمة؟ ﴿ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
هذا أدب القرآن في الحوار.
لذلك أي حوار فيه استعلاء لا ينجح، يقول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى: أنا على حق وقد أكون مخطئاً، والآخر على باطل وقد يكون مصيباً. حاجة الشباب إلى مبادئ وقيم و فرص عمل :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7603/09.jpg
أيها الأخوة، الفتوة تعني مكارم الأخلاق، لكن الشباب الآن بحاجة للفتوة، بحاجة إلى قيم، إلى مبادئ، بحاجة إلى مثل، الشباب هم المستقبل، والحقيقة الذي يصنعه الشباب لا تصنعه فئةٌ أخرى، لكن هؤلاء الشريحة الشابة بحاجة إلى مبادئ، إلى قيم، بحاجة إلى فرص عمل، بحاجة إلى زواج، بحاجة إلى بيوت، والله أنا الذي أتمناه على الله أن تهتم الأمة بشبابها، وإلا الشباب أمام تطرفين تطرف تفلتي إلغاء الدين والإباحية، أو تطرف تشددي التكفير ثم التفجير، فما لم نرعَ الشباب، ونرعَ مصالحهم، ونرعَ مستقبلهم، ونرعَ زواجهم، ونرعَ تأمين فرص عمل لهم، فالأمة تمشي في طريق مسدود.









والحمد لله رب العالمين


السعيد 07-15-2018 08:38 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الواحد و الستون )

الموضوع : الاعتصام بالله





الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الاعتصام :
أيها الأخوة الأكارم، مع موضوع جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول" والموضوع اليوم: "الاعتصام".
اعتصم العبد بالله إذا استعان به، والتجأ إليه، واحتمى به، عصم الله عبده أي حماه من سوءٍ قاربه، العصمة؛ المنع أي منع شريراً أن يصل إليك، والحفظ حفظك من كل مكروه، يمنع عنك المعتدين، ويحفظك من كل مكروه.
الاعتصام بالكتاب والسنة التمسك بهما ، إقامة أمرهما.

أنواع الاعتصام :
أيها الأخوة، بادئ ذي بدء: الاعتصام نوعان: أن تعتصم بحبل الله، وأن تعتصم بالله، بينهما فرقٌ دقيق، أن تعتصم بحبل الله أن تهتدي بالقرآن، القرآن يدلك على سبل سلامتك، وسبل سعادتك، الاعتصام بالقرآن اعتصامٌ بالنور الإلهي، اعتصامٌ بمنهج الله عز وجل، اهتداءٌ بهديه، سيرٌ على طريقه.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7630/01.jpg
الاعتصام بحبل الله اعتصام معرفي، أما الاعتصام بالله فأن تستعين به، فتغدو قوياً، أن تستعين به فتغدو حكيماً، أن تستعيذ به وأن تستعين به فترى عدوك صغيراً، الاعتصام بالله، بقدرته، بتوفيقه، بتأييده، بنصره، الاعتصام بحبل الله اعتصام معرفي، أما الاعتصام بالله فاعتصام بقوته، اعتصام بحكمته، اعتصام بحفظه، فالآيات متنوعة قال تعالى:

﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 103 ]
وهناك آيات كثيرة: ﴿ وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 146 ]
الاعتصام بحبل الله أن تهتدي بهديه، أن تتحرك وفق منهجه، أن تستنير بنوره، أن تحقق ما أمرك به، اعتصام معرفي، الاعتصام بحبل الله اعتصام معرفي، أما الاعتصام بالله فاعتصام بقوته، ونصره، وتأييده. النبي صلى الله عليه و سلم معصومٌ بمفرده بينما أمته معصومةٌ بمجموعها :
أيها الأخوة،
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7630/02.jpg
للسادة المفسرين آراءٌ متباينة منها: الاعتصام بدين الله، هذا الدين جملةً وتفصيلاً، بما في كتابه وبما في سنته، الاعتصام بحبل الله الاعتصام بدين الله، والاعتصام بحبل الله الاعتصام بالجماعة.
(( عليكم بالجماعةِ، وإِيَّاكُم والفُرْقَةَ، فَإِنَّ الشيطانَ مع الواحد، وهو من الاثنين أبعدُ، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاسية ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عمر ]
أن تعتصم بجماعة المسلمين، لأن النبي صلى الله عليه وسلم طمأننا أنه: (( لن تجتمع أمتي على الضلالة))
[ الطبراني عن ابن عمر]
النبي صلى الله عليه و سلم معصومٌ بمفرده، بينما أمته معصومةٌ بمجموعها. (( لن تجتمع أمتي على ضلالة))
للتوضيح: نُشر كتاب، لا يوجد فيه خطأ، النصوص صحيحة، الأدلة قوية، وفق منهج الله، وفق سنة رسول الله، وفق مقاصد الشريعة، يُنشر ويباع منه بالآلاف ولا أحد ينطق بكلمة، فإذا نُشر كتاب فيه ضلالات تقوم الدنيا ولا تقعد.
لذلك من حكمة الله عز وجل ومن فضله أنه عصم الأمة عن أن تجتمع على خطأ، هي معصومةٌ بمجموعها لا بأفرادها، بينما النبي عليه الصلاة والسلام معصومٌ بمفرده. الجماعة لا تعني الكثرة تعني من كان على الحق المبين :
لذلك
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7630/03.jpg
اعتصموا بدين الله جملةً وتفصيلاً، واعتصموا بجماعة المسلمين، وهل تصدقون أن الجماعة قد تكون واحداً؟ الجماعة من كانت على حق، جمعاً غفيراً، أو قلةً قليلة.
(( ولا تزال طائفة من أمتي على الحق، لا يضرُّهم مَنْ خالفهم ))
[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن ثوبان ]
أي بكل عصر هناك حق، قد يتسع، قد تتسع رقعته، وقد يقل، فالجماعة لا تعني الكثرة تعني من كان على الحق المبين، ولحكمة الله البالغة في كل مكان، وفي كل زمان، وفي كل جمع، وفي كل مؤسسة هناك إنسان مستقيم، حجةٌ على من حوله، بأسوأ الأماكن، بأسوأ الظروف، إنسان مستقيم يقيم الحجة على من حوله، والظروف نفسها.
هناك بلاد عليها ضغوط لا يعلمها إلا الله، أحد هذه البلاد يقيم منهج الله، هذا البلد الصغير الضعيف لا يوجد به خمر، ولا مقهى، ولا انحراف، هذا البلد الضعيف حجةٌ على من حوله، لذلك دائماً الحجة قائمةٌ على العباد. القصة المعاصرة وقعها أشد في النفس لأن الذي يعاصرك واقعٌ تحت الظروف نفسها :
بالمناسبة القصة القديمة لها وقع، أما أنا فأرى أن القصة المعاصرة وقعها أشد، السبب هذا الذي يعاصرك واقعٌ تحت الظروف نفسها، والإغراءات نفسها، والعقبات نفسها، والصوارف نفسها، واستقام على أمر الله، بل إن الأنبياء بشر، تجري عليهم كل خصائص البشر http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7630/04.jpg
ولولا أنهم بشر وتجري عليهم كل خصائص البشر لما كانوا سادة البشر، النبي يغضب، ويرضى، ويشتهي، ويحب، ويتمنى، لأنه بشر، ولأنه تجري عليه كل خصائص البشر، لذلك هو سيد البشر.
فالقصة المعاصرة لها وقع كبير جداً، كيف استطاع هذا الإنسان أن ينجو من كل هذه الضغوط والإغراءات والصوارف والعقبات؟ إذاً هو حجةٌ على من حوله، لا تتصور أن الله سبحانه وتعالى يكلفك ما لا تستطيع.
﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ﴾
[ سورة البقرة الآية: 286 ]
والاستطاعة لا تحددها أنت يحددها الله عز وجل، فإذا أمرك بغض البصر بإمكانك أن تغض البصر، فإذا توهمت أنك لا تستطيع غض البصر اعلم يقيناً أنك لا تريد أن تغض البصر، الذي تدّعي أنك لا تستطيعه هو الذي لا تريده. على الإنسان الاعتصام بعهد الله و الاعتصام بجماعة المؤمنين :
أيها الأخوة، على الإنسان الاعتصام بدين الله عامةً، والاعتصام بجماعة المؤمنين، وأن يتبع سبيل المؤمنين، المؤمنون لا يكذبون، المؤمنون لا يحتالون، المؤمنون لا يدلسون، المؤمنون لا يخونون، المؤمنون لا يخدعون، هناك صفات للمؤمن، الذي يميزه عن بقية الناس ليس العبادات ولكنها المعاملات، هناك مبادئ وهناك قيم تحكمه.
(( الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمِن ))
[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7630/05.jpg
فلذلك الاعتصام بجماعة المؤمنين، والاعتصام بعهد الله، هذا العهد الذي قطعته على نفسك في عالم الأزل.
﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 172 ]
الاعتصام بحبل الله، والاعتصام بالقرآن لأن النبي وصفه بأنه حبل الله المتين، والاعتصام بأمر الله ونهيه، هذه المعاني التي قالها المفسرون في الاعتصام بحبل الله ، أما الاعتصام بالله فأن تستعين بقوته، أن تستعين بجبروته، أن تستعين بعلمه، أن تستعين بتوفيقه، بحفظه، الآية الكريمة الأصل في هذا اللقاء الطيب: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 102 ]
حق التقوى أن تطيعه فلا تعصيه، وأن تذكره فلا تغفل عنه، وأن تشكره ولا تكفره. ﴿ اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
[ سورة آل عمران ]
وحبل الله كما تبين قبل قليل التمسك بدين الله، بجماعة المؤمنين، بعهد الله، بالقرآن، بالأمر والنهي ﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
الاعتصام بالله اعتصام معرفي :
الآن الآية الثانية بمنحى آخر:
﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 101 ]
بحبل الله اعتصام بياني، اعتصام معرفي ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ ﴾
بقوته، بجبروته بقدرته، بغناه، بعلمه: ﴿ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة آل عمران ]
الكافر لا يضل الإنسان أما الخطير فهو المنافق :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7630/06.jpg
أيها الأخوة، الآية الثالثة:

﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 145 ]
لأن المؤمن واضح، والكافر واضح، الكافر رفض الدين، رفض الآخرة، آمن بالدنيا واضح، الكافر لا يضلك، قال لك: أنا لست مؤمناً، أما الخطير فهو المنافق تظنه مؤمناً وهو كافر، المنافق في بعض الآيات كافر لكنه ذكي جداً، في مجتمع المؤمنين من أجل مصالحه يتزيا بالزي الديني، يطرح أفكاراً دينية كي تقبله، كي ينتفع بك، قال: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ﴾
[ سورة النساء الآية: 145 ]
من آمن بالله هدي إلى الصراط المستقيم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7630/07.jpg
ثم قال تعالى:

﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ ﴾
[ سورة النساء الآية: 146 ]
تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله. ﴿ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
أيها الأخوة، آيةٌ رابعة: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً * فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً ﴾
[ سورة النساء ]
الله عز وجل تولى حفظ النبي الكريم وعصمه من الناس :
أيها الأخوة، هذه الآيات، أما الأحاديث فعن عائشة رضي الله عنها قالت:
(( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُحْرَسُ ليْلا، حتى نزل { وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ }
[ المائدة : 67 ]
فأخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رأسهُ من القُبَّةِ، فقال لهم: يا أَيُّها الناسُ، انصرفوا، فقد عَصمَنِي الله )) [ أخرجه الترمذي عن عائشة أم المؤمنين ]
الحقيقة هناك رجل ألماني سبب إسلامه هذا الحديث، لو كان الذي يقوله للناس ليس قانعاً به لا يمكن أن يصرف حراسه، ما دام إيمانه بالله عز وجل إيماناً في أعلى مستوى الله قال له: (( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ))
هذه خصوصية، ذلك لأن اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم هو عدوان على الذات الإلهية، لذلك الله عز وجل تولى حفظه، عصمه من الناس، النبي يحارب، يكذب أما لا يقتل، فإذا قتل النبي فقد انتهت رسالته ومهمته، بعد انتهاء المهمة اليهود قتلوا أنبياءهم، أما مادام في صلب الدعوة، ما دام في طور الدعوة، فالله عز وجل عصمه من أن يقتل: (( وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ، فأخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم رأسهُ من القُبَّةِ، فقال لهم: يا أَيُّها الناسُ، انصرفوا، فقد عَصمَنِي الله ))
النبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم :
أخواننا الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام أوتي جوامع الكلم، وقد تعلمنا في الجامعة أن النص النبوي أفصح نصٍ على الإطلاق بعد القرآن الكريم ، وقد قال عن نفسه:
(( أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ]
هذه بيد أني من قريش أسلوب بلاغة اسمه تأكيد المدح بما يشبه الذم، تقول: فلان كريم إلا أنه شجاع، هذه إلا أنه تتوهم أنه سيذم، وقد أخذ هذا النبي الكريم هذا الأسلوب: (( أنا أفصح العرب بيد أني من قريش ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي سعيد الخدري ]
وقريش أفصح قبيلة. الدعاء مخ العبادة :
الدعاء التالي من أدق الأدعية:
(( اللهم! إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها شملي، وتلم بها شعثي، وترد بها أُلفَتي، وتصلح بها ديني، وتحفظ بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتبيض بها وجهي، وتلهمني بها رشدي، وتعصمني بها من كل سوءٍ اللهم أعطني إيماناً صادقاً، ويقيناً ليس بعده كفر، ورحمة أنال بها شرف كرامتك في الدنيا والآخرة. اللهم إني أسألك الفوز عند القضاءِ، ونزل الشهداءِ، وعيش السعداءِ، ومرافقة الأنبياءِ، والنصر على الأعداءِ. اللهم أُنزل بك حاجتي وإن قصُر رأْيي، وضعف عملي وافتقرت إلى رحمتك، فأسألك يا قاضي الأمور، ويا شافي الصدور، كما تجير بين البحور أن تجيرني من عذاب السعير، ومن دعوة الثبور، ومن فتنة القبور، اللهم ما قصر عنه رأْيي وضعف عنه عملي، ولم تبلغه نيتي من خير وعدته أحداً من عبادك، أو خير أنت معطيه أحداً من خلقك، فإني أرغب إليك فيه ))
[ أخرجه الترمذي وابن خزيمة في صحيحه عن عبد الله بن عباس ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7630/08.jpg
طموح النبي ليس له حدّ.
(( اللهم وما قَصَّرَ عَنهُ رَأْيي، وَلَمْ تَبْلُغْه مَسألتي، ولم تَبلُغْهُ نِيَّتي مِن خَيرٍ وَعَدْتَهُ أحَدا مِن خَلقِكَ، أَو خَيرٍ أنْتَ مُعطيه أحداً من عبادك، فَإني أرغَبُ إليكَ فيه، وأسأَلُكَهُ برحمتكَ يا ربَّ العالمينَ، اللهم يا ذا الحَبْلِ الشَّديدِ، والأمرِ الرَّشيدِ أسأَلُكَ الأمنَ يومَ الوعيدِ والجَنَّةَ يَومَ الخُلودِ، مع المقَرَّبينَ الشُّهودِ، الرُّكَّعِ السجودِ، المُوفِينَ بالعهودِ، إِنَّكَ رَحيمٌ ودَودٌ، وإنك تفعل ما تُريدُ، اللهم اجعلنا هَادِينَ مهتدينَ، غير ضالِّينَ، ولا مُضِلِّينَ، سِلْما لأوليَائِكَ، وحَرْبا لأعدائِكَ، نُحِبُّ بِحُبِّكَ مَنْ أَحَبَّكَ، ونُعَادي بِعَدَاوتِكَ مَن خالَفَكَ اللهم هذا الدُّعَاءُ وعليكَ الإجَابَةُ اللهم هذا الجُهدُ، وعَلَيكَ التُّكلانُ، اللهم اجعَل لي نُورا في قَلبي، ونُورا في قبري، ونورا من بين يَدَيَّ، ونُورا من خَلفي، ونورا عن يَميني، ونورا عن شِمالي، ونورا من فَوقي، ونورا من تَحتي، ونورا في سَمعي، ونورا في بصري، ونورا في شَعْري، ونورا في بَشَري، ونورا في لحمي، ونورا في دمي، ونورا في مُخِّي، ونورا في عِظامي، اللهمَّ أعظِم لي نورا وأعطِني نورا، واجعَلْ لي نورا، سُبحَانَ الذي تَعَطَّفَ بِالعِزِّ وقالَ بِهِ، سُبحَانَ الذي لَبِس المجدَ وتَكرَّمَ بِهِ، سبحانَ الذي لا ينبغي التَّسبيحُ إلا لَهُ، سبحانَ ذِي الفَضْلِ والنِّعَمِ، سبحانَ ذِي المَجدِ والكَرَمِ، سبحانَ ذِي الجَلالِ والإكرَامِ ))
[ أخرجه الترمذي عن عبد الله بن عباس ]
هل بعد هذه الفصاحة من فصاحة؟ هذا الدعاء والدعاء مخ العبادة، أتمنى أن يكون للمؤمن ساعة يناجي بها ربه، ناجِه في الطريق وأنت تمشي، وأنت في مركبتك، وقبل أن تنام، وبعد أن تستيقظ، مناجاة الله عز و جل شيء مسعد جداً.
من الأدعية الشهيرة: (( اللَّهمَّ أَصْلِح لي ديني الذي هو عِصْمَةُ أمري ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
((الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ ، لا يَفْتِكُ مؤمِن ))
[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة]
(( اللَّهمَّ أَصْلِح لي ديني الذي هو عِصْمَةُ أمري، وأصَلِح لي دُنيَايَ التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعَل الحياة زيادة لي في كلِّ خيرٍ، واجعل الموتَ راحة لي من كل شَرٍّ ))
[ أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
كتاب الله وسنة نبيه من تمسك بهما فلن يضل أبداً :
أيها الأخوة، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام:
(( أيها الناس ـ كلام خطيرـ قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ))
[أخرجه عبد ابن حميد وابن أبي شيبة عن عبد الله بن عمر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7630/09.jpg
الله عز و جل ما تعبدنا بأقوال العلماء، تعبدنا بكتابه وسنته، أحياناً إنسان داعية يُدرس كتاباً، الكتاب رائع لكن لا يرقى إلى القرآن الكريم، فيه حق وفيه تقصير أحياناً.
(( أيها الناس، قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به، لن تضلوا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ))
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم: (( أيما شاب تزوج في حداثة سنه ـ كان زواجه مبكراً ـ عج شيطانه يقول: يا ويله يا ويله عصم مني دينه ))
[أخرجه أبو يعلى والطبراني عن جابر بن عبد الله ]
وأنا الآن أرى مع هذا العصر الذي يعج بالفتن، والفتن في أي مكان، أينما التفت تمسك جريدة فيها فتنة، الإنترنت فيه فتنة، الفضائية فيها فتنة، الطريق فيه فتنة، أي حركةٍ أو أية سكنةٍ فيها فتنة، في هذا العصر أنا مع أنصار الزواج المبكر، هذا الشاب الذي تزوج في حداثة سنه: (( عج شيطانه يقول: يا ويله يا ويله عصم مني دينه ))
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (( لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ))
[ أخرجه البزار في مسنده عن عبد الله بن مسعود ]
ألا تقول في الفاتحة في اليوم عشرات المرات: ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾
[ سورة الفاتحة ]
أي نستعين على عبادتك بك.
لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله :
وفي بعض الأقوال:
(( لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله ))
[ أخرجه البزار في مسنده عن عبد الله بن مسعود ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7630/10.jpg
وهذا مقام النبوة، قال: ربِ:
﴿ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾
[ سورة يوسف ]
(( لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله ))
[ أخرجه البزار في مسنده عن عبد الله بن مسعود ]
(( نزل جبريل عليه السلام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره: أنها ستكونُ فتَن، قال: فما المخرَجُ منها يا جبريل؟ قال: كتابُ الله، فيه نَبَأُ ما قبلَكم ونبأ ما هو كائن بعدَكم، وفيه الحُكم بينكم، وهو حبلُ الله المتين، وهو النورُ المبين، وهو الصراطُ المستقيم، وهو الشفاء النافع، عِصْمة لمن تمسّك بهِ، ونجاة لمن اتَّبعه، لا يَعْوجُّ فَيُقَوَّم، ولا يزيغ فَيُسْتَعْتَبَ، ولا يَخْلَقُ على كثرة الردِّ، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لا تلتبس به الأهواء، ولا تشْبع منه العلماء، هو الذي لم تنته الجنّ إِذ سمعتْه أنْ قالوا: إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنا عَجَبا يَهْدِي إِلى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ، مَن وَلِيَه من جبَّار فحكم بغير ما فيه قَصَمه الله، وَمَن ابتَغَى الهُدى في غيره أَضَلَّه الله ، مَن قال به صدق، ومن عمل به أُجر، ومَن اتَّبعه هُدِي إِلى صراط مستقيم ))
[أخرجه زيادات رزين عن عبد الله بن عمر ]
أيها الأخوة، ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم أنه: (( مَا بَعَثَ اللهُ مِنْ نَبِيٍّ، ولا استَخْلَفَ مِن خَليفةٍ، إلا كانَتْ لَهُ بِطَانَتانِ: بِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالمعْرُوفِ، وَتَحُضُّهُ عليه، وَبِطَانَةٌ تَأْمُرُهُ بِالشَّرِّ، وَتَحُضُّهُ عليه، والمَعْصُومُ مَنْ عَصمَ اللهُ ))
[أخرجه البخاري والنسائي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ]
والحديث الأخير: عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن هذا القرآن مأدبة الله فاقبلوا من مأدبته ما استطعتم إن هذا القرآن حبل الله والنور المبين والشفاء النافع عصمة لمن تمسك به ونجاة لمن تبعه لا يزيغ فيستعتب ولا يعوج فيقوم ولا تنقضي عجائبه ولا يخلق من كثرة الرد اتلوه فإن الله عز وجل يأجركم على تلاوته كل حرف عشر حسنات أما إني لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف ))
[ أخرجه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن مسعود ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-15-2018 08:41 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثانى و الستون )

الموضوع : الاعتصام سلوك ايمانى يؤدى الى ايمان قوى








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
انضباط المؤمن بأقواله وأفعاله :
أيها الأخوة الأكارم، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" إنه الاعتصام.
فعن الحارث بن هشيمٍ رضي الله عنه أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أخبرني بأمرٍ أعتصم به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(( املك هذا وأشار إلى لسانه ))
[ الطبراني عن الحارث بن هشيم]
(( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً يَهْوِي بها سبعين خريفاً في النار ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7756/01.jpg
بل إنه:
(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك ]
الإمام الغزالي رحمه الله تعالى ذكر في الإحياء أكثر من عشرين أو ثلاثين معصية كبيرة عن طريق اللسان. (( املك عليك هذا ))
احفظ لسانك أيها الإنســان لا يلدغنــــك إنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تخاف لقاءه الشجعان
***

فالإنسان بكلمة يفرق بين زوجين، بكلمة يفسد علاقة شريكين، بكلمة يفرق بين أمٍ وابنها، بكلمة يفرق بين أخٍ وأخيه، فالكلام أحياناً له فعل السنان، والمؤمن منضبطٌ في أقواله وأفعاله، الشيء الصارخ بالمؤمن المتميز أنه يضبط لسانه، هنك غيبة وهناك نميمة. (( لا يدخل الجنة نمّام ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن حذيفة بن اليمان ]
كبائر اللسان لا تقل عن الكبائر الأخرى :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7756/02.jpg
المشكلة أن المسلمين توهموا أن الكبائر؛ الزنا، والقتل، والخمر، وهذا صحيح، ولكن هناك كبائر لا تقل عنها؛ كبائر اللسان، تجد لقاء طويلاً كله غيبة ونميمة، والناس في راحة تامة:
(( املك عليك هذا ))
[ الطبراني عن الحارث بن هشيم]
(( لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه، ولا يدخل الجنة حتى يأمن جاره بوائقه ))
[أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك ]
(( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً، يَهْوِي بها سبعين خريفاً في النار ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة ]
لي رأيٌ خاص أنه إذا ذُكرت امرأةٌ في مجلس فقال الواحد: لا نعرف، ما تكلم شيئاً، كأنه طعنها في الصميم، كأنه اتهمها بالزنا، فالإنسان قبل أن يقول كلمة، قبل أن يتكلم يجب أن يعد للمليون. (( املك عليك لسانك ))
الشرك الخفي أخطر شيء في حياة المسلمين :
وعن عبد الله بن عباسٍ رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب الناس في حجة الوداع فقال: أيها الناس ، كلام دقيق: (( قد يئس الشيطان بأن يعبد بأرضكم ))
[ أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عباس ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7756/03.jpg
من فضل الله أن الشرك الجلي بالعالم الإسلامي غير موجود، طبعاً هناك بلاد بشرق آسيا يعبدون صنماً من دون الله، بلاد يعبدون حجراً، بلاد يعبدون شمساً وقمراً، هناك شرك لا ينتهي جلي في العالم، في العالم الإسلامي الشرك الجلي الله عز وجل عافانا منه، لكن هناك شرك خفي، هناك آلهة تعبد من دون الله .
﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾
[ سورة الجاثية الآية : 23 ]
الشهوات آلهة تعبد من دون الله، بالمصطلحات المعاصرة التنمية، من أجل التنمية فقط نشجع السياحة، ومن أجل تشجيع السياحة يجب أن نتغاضى عن آلاف الجرائم الأخلاقية ، إذاً التنمية أحياناً إلهٌ يعبد من دون الله: (( قد يئس الشيطان بأن يعبد بأرضكم ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم ))
[أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عباس ]
المسلم محجوب عن الله بما يتوهمه ذنوباً صغيرة :
النقطة الدقيقة: فالمسلم لم يقتل، لم يرتكب الزنا، لم يشرب الخمر، لكنه محجوب عن الله بما يتوهمه ذنوباً صغيرة. (( قد يئس الشيطان بأن يعبد بأرضكم ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم ))
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7756/04.jpg
أليس من الخسارة الكبيرة أن تحجب عن الله بذنوبٍ تتوههما صغيرة؟ اضبط لسانك، اختلاط، وغيبة، ونميمة، ومصافحة، ومتابعة أفلام، إن بعضهم قال: هذه ليست أمة محمد، لعلها أمة مهند، حينما يتعلق الناس بأفلامٍ ساقطة، يتعلقون بها أشد التعلق، هذه مشكلة كبيرة جداً، إذاً .
(( قد يئس الشيطان بأن يعبد بأرضكم ولكنه رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم، فاحذروا يا أيها الناس إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبداً، كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، إن كل مسلم أخو المسلم، المسلمون إخوة ولا يحل لامرئٍ من مال أخيه إلا ما أعطاه عن طيب نفس، ولا تظلموا ))
[ أخرجه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عباس ]
الآن دقق: (( ولا ترجعوا من بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ))
[ أخرجه الحاكم في مستدركه عن عبد الله بن عباس ]
الخصومات المذهبية والطائفية في أمة الإسلام تعد عند رسول الله صلى الله عليه و سلم كفراً. (( ولا ترجعوا من بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ))
ألم تسل الدماء بين المسلمين؟ المسلمون. ﴿ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ ﴾
[ سورة الحشر الآية 14 ]
وسلمهم لأعدائهم. ما لم نستقم على أمر الله لن نقطف من ثمار الدين شيئاً :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7756/05.jpg
أيها الأخوة، هذا حديثٌ دقيقٌ جداً في الحديث عن اليوم الآخر، وكيف أن الإنسان سوف يحاسب أشد الحساب.
وعن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: قلت: يا نبي الله حدثني بأمرٍ أعتصم به -أتمسك به- يكون نجاةً لي، الله عز وجل قال:
﴿ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً ﴾
[ سورة آل عمران الآية : 103 ]
حبل الله القرآن الكريم، وحبل الله دين الله، وحبل الله جماعة المؤمنين، وحبل الله الأمر والنهي: (( قلت يا رسول الله حدثني بأمر أعتصم به قال : قل : ربي الله ثم استقم ))
[ أخرجه الحاكم عن سفيان بن عبد الله الثقفي ]
أي ما لم نستقم على أمر الله لن نقطف من ثمار الدين شيئاً، إسلام من دون استقامة فلكلور، عادات، تقاليد، تراث قديم، خلفيات إسلامية، أرضيات إسلامية، الإسلام لن تقطف ثماره إلا باستقامتك على أمر الله، وفر وقتك وجهدك. المؤمن مكلف أن يأتمر بما أمر به الأنبياء :
هناك رواية أخرى بهذا الحديث قال له : (( قال: قل ربي الله ثم استقم، قال: قلت: يا رسول الله ما أكثر ما أخاف علي؟ قال : فأخذ بلسان نفسه ثم قال : هذا))
[ أخرجه الحاكم في مستدركه عن سفيان بن عبد الله الثقفي ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7756/06.jpg
لذلك النبي الكريم شيبه في سورة هود قول الله عز وجل :
﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ ﴾
[ سورة هود الآية : 112 ]
(( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة]
أي هل يستطيع ممرض مهما تكن مرتبته متدنية أن يعطي حقنة من دون تعقيم؟ تعقيم الحقنة يستوي به جراح القلب مع الممرض. (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
العوام يقولون : نحن لسنا أنبياء، ومن قال لكم أنكم أنبياء؟ لكن: (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
مقام الأنبياء يفوق حدّ الخيال، لكن أنت كمؤمن أنت مكلف أن تأتمر بما أمر به الأنبياء، والدليل الآية: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا ﴾
[ سورة هود الآية : 112 ]
بشكل مختصر إنسان معه التهاب معدة حاد، بحميةٍ قاسيةٍ يشفى من هذا المرض، قال له: والله الحمية صعبة، قال له: إذاً تهيأ لعملية جراحية ما دمت ترى أن الحمية صعبة فأمامك عملٌ جراحيٌ كبير . (( قال: قل : ربي الله، ثم استقم، قال : قلتُ: يا رسول الله، ما أخوفَ ما تخاف عليَّ؟ فأخذ بلسان نفسه، ثم قال: هذا ))
[ أخرجه الحاكم عن سفيان بن عبد الله الثقفي ]
من عدّ كلامه من عمله فقد نجا :
الآن مشاكل المسلمين بالكلام، من عدّ كلامه من عمله فقد نجا، يقول لك: كلام بكلام، من قال لك: كلام بكلام؟
مرة ثالثة:
(( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً يَهْوِي بها سبعين خريفا في النار ))
هناك كلمات تزلزل الإنسان، مرة قرأت كلمة لكاتب قال: أنت أخلاقي لأنك ضعيف، وأنت ضعيف لأنك أخلاقي، نسف الدين كله، نسف مكارم الأخلاق كلها، لماذا أنت ضعيف؟ لأنك أخلاقي، ولماذا أنت أخلاقي؟ لأنك ضعيف، طبعاً كلمة تحت الأقدام، عن أم الحصين رضي الله عنها قالت: (( حَجَجْتُ مَعَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حَجَّةَ الودَاعِ، فَرأيتُهُ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ العَقَبَةِ وانصَرَفَ، وهو على راحِلَتِهِ، ومعه بلالٌ وأُسَامَةُ: أَحَدُهُما يقودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ والآخرُ رافعٌ ثَوبَهُ على رأسِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يُظِلُّهُ من الشمس، قالت : فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قَولا كثيراً لم أفْهمهُ، ثُمَّ سَمِعتُهُ يقولُ: إِنْ أُمِّرَ عليكم عَبْدٌ مُجَدَّعٌ، حَسِبْتها قالت : أسودُ ))
[ أخرجه مسلم والترمذي والنسائي عن أم الحصين ]
والعبد المجدع هو العبد المقطوع الأذن. (( يَقُودُكمْ بِكِتابِ اللهِ فَاسمعوا لَهُ وَأَطِيعوا ))
[ أخرجه مسلم والترمذي والنسائي، عن أم الحصين ]
هذا الدين، لا يهم المسلم من يحكمه، يهمه كيف يُحكم، مادام هذا العبد المجدع أسود اللون ومقطوع الأذن. (( يَقُودُكمْ بِكِتابِ اللهِ فَاسمعوا [ لَهُ ]وَأَطِيعوا ))
الإسلام دين مبادئ وقيم :
الإسلام دين مبادئ، قال له: ابسط يدك لأبايعك، سيدنا الصديق لسيدنا عمر، قال له: أي أرضٍ تقلني، وأي سماءٍ تظلني، إذا كنت أميراً على قومٍ فيهم أبو بكر، قال: يا عمر أنت أقوى مني، قال: يا خليفة رسول الله أنت أفضل مني، فقال عمر: قوتي إلى فضلك نتعاون. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7756/07.jpg
هذا مجتمع المؤمنين، قوتي إلى فضلك، لذلك يقول سيدنا عمر: كنت خادم رسول الله، وجلواذه، وسيفه المسلول ، فكان يغمدني إذا شاء، وتوفي وهو عني راضٍ، الحمد لله على هذا كثيراً، وأنا به أسعد، ثم آلت الأمور إلى أبي بكر، فكنت خادمه، وجلواذه، وسيفه المسلول، فكان يغمدني إذا شاء، وتوفي وهو عني راضٍ، وأنا بهذا أسعد، ثم آلت الأمور إلي، فالناس خافوا شدته، قال: يا أبا ذر لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى، ثم آلت الأمور إلي، أيها الناس! اعلموا أن تلك الشدة قد أضعفت وإنها تكون على أهل المعصية والكفران، أما أهل التقوى والعفاف فإني سأضع خدي على الأرض ليطؤوه بأقدامهم، أيها الناس: خذوني بخمس –حاسبوني- : لكم علي ألا آخذ من أموالكم شيئاً إلا بحق، ولكم عليّ ألا أنفق من هذه الأموال شيئاً إلا بحق، ولكم علي ألا أجمركم في البعوث، ولكم علي أن أزيد عطاياكم إن شاء الله تعالى، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا، هذا عمر.

النسب تاجٌ يتوج به المؤمن :
وعن زيد بن أرقم قال : (( قام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يوماً فينا خطيبا بماء يُدعى خُمّا بين مكةَ والمدينةِ، فَحمِد الله وأثنى عليه، ووعظ وذكَّر، ثم قال: أما بعدُ، ألا أيُّها الناس إنما أنا بشر يُوشِكُ أن يأتيَ رسولُ ربي فأُجيبَ، وإني تارِك فيكم ثَقَلَيْن، أولُهما: كتابُ الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، فحثَّ على كتاب الله، ورغَّب فيه ثم قال: وأهلُ بيتي، أُذَكِّرُكُم الله في أهل بيتي، أُذَكِّركم الله في أهل بيتي ))
[ أخرجه مسلم عن زيد بن أرقم ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7756/08.jpg
أما بشرح هذا الحديث نحتاج إلى حديثٍ آخر، عن أنسٍ بن مالك رضي الله عنه قال:
(( سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم من آل محمد؟ فقال: كل تقي، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ } ))
[ أخرجه الطبراني عن أنس بن مالك ]
أي أقرب إنسان لرسول الله المتقي، والدليل: هناك دليل وأقرب إنسان للنبي نسباً أبو لهب. ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾
[ سورة المسد ]
نستنبط من هذا أن النسب تاجٌ يتوج به المؤمن، فإذا كان هذا الإنسان غير مؤمن فلا قيمة للنسب إطلاقاً بدليل قوله تعالى: ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾
لا عصمة لأحدٍ إلا في كتاب الله أو سنة رسوله أو إجماع العلماء :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7756/09.jpg
على كلٍّ مرة ثانية النسب تاجٌ كبير يتوج به المؤمنون، جعفر بن أبي طالب قال للنجاشي ملك الحبشة:
(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لتوحيده ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأن نعبد الله لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، قالت: فعدّد عليه أمور الإسلام فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من عند الله، فعبدنا الله وحده ولم نشرك به، وحرّمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، ثم ذكر باقي الحديث))
[ أخرجه الإمام أحمد عن أم سلمة أم المؤمنين ]
أيها الأخوة، يقول ابن بطال: لا عصمة لأحدٍ إلا في كتاب الله، أو في سنة رسوله، أو إجماع العلماء على معنى في أحدهما، أي الله عز وجل ما تعبدنا بأقوال فلان، ولا أقوال علان، ولا الكتاب الفلاني، تعبدنا بالقرآن الكريم، هذا حبل الله المتين، هذا هو الصراط المستقيم، هذا القرآن كما وصف بأنه كونٌ ناطق، والكون وصف بأنه قرآنٌ صامت، والنبي عليه الصلاة والسلام وصف بأنه قرآنٌ يمشي، نحن الآن في أمس الحاجة إلى مسلم يمشي. حجب الإسلام بالمسلمين :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7756/10.jpg
أخواننا الكرام، كلام دقيق العالم الآخر لا يقتنع بديننا إطلاقاً، إلا إن رأى واقعاً قوياً، الواقع مؤلم جداً، من ملامح الواقع المؤلم ارتفاع نسب البطالة، ارتفاع نسب الأمية، ارتفاع نسب الفقر، ارتفاع نسب العنوسة، من ملامح الواقع المؤلم أننا نستورد ولا نصدر، من ملامح الضعف الكبير الذي أصاب المسلمين أن بأسنا بيننا وأن سلمنا لأعدائنا، هذا الواقع لا يقنع أحداً بديننا.
لذلك قالوا: الإسلام محجوبٌ بالمسلمين، أنت إذا رأيت إنساناً من دين معين قذراً، يتسول الناس، هل يخطر ببالك لثانية واحدة أن تشتري كتاباً عن دينه فتقرأه؟ مستحيل، فالإسلام محجوب عن العالم بالمسلمين، والله الذي لا إله إلا هو لو أن الجاليات الإسلامية في العالم طبقت منهج الله عز وجل بالتمام والكمال لكان موقف العالم الغربي من الإسلام غير هذا الموقف.
لذلك الآن القضية كبيرة جداً، تحتاج أن نقدم إنجازاً حضارياً، ورقياً في واقعنا، وأن نسكت، عندئذٍ يقتنع العالم بهذا الدين، وأقول لكم كلمة خطيرة: لو نجح الخطاب الإسلامي وكان واقعنا متخلفاً لا نقنع بهذا الخطاب الناجح أحداً، لسان حال الآخرين يقولون: يا طبيب طبب لنفسك.
إقناع الطرف الآخر بالدين الإسلامي لا يكون إلا بواقع قوي و متماسك :
الآن عندنا ظاهرة جديدة، قبل خمسين عاماً هل من الممكن أن تعيش كل أمة وحدها؟ نعم، أما الآن مع التواصل العالم كله كان خمس قارات، صار قارة، صار بلداً، صار مدينة، صار قرية، صار بيتاً، صار غرفة، الآن العالم كله سطح مكتب، ما يقع في أي مكان في أطراف الدنيا تراه بعد دقائق، فالعالم فيه تواصل مذهل، فيه ثورة بالمعلومات مذهلة، هذه الظاهرة الجديدة التي ظهرت مؤخراً جعلت الأمة أو الشعب أو الإنسان لا يمكن أن يعيش وحده ، فنحن لم نستطع إقناع أحدٍ بهذا الدين إلا بواقع قوي، بواقع متماسك.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7756/11.jpg
فلذلك ما دام هناك أقوياء، طغاة، قال:
(( إِنما ينصُر الله هذه الأمةَ بضعيفها))
[ أخرجه البخاري والنسائي عن سعد بن أبي وقاص ]
هؤلاء الضعفاء ينبغي أن نطعمهم إذا كانوا جياعاً، أن نكسوهم إن كانوا عراةً، أن نؤويهم إن كانوا مشردين، أن نعلمهم إن كانوا جاهلين، أن نعالجهم إن كانوا مرضى، أن ننصفهم إن كانوا مظلومين، إذا فعلنا هذا كافأنا الله بمكافأة من جنس عملنا، فنصرنا على من هو أقوى منا. (( هل تُنصَرون وتُرزَقون إِلا بضعفائكم ؟ ))
الطريق طويل، والطريق شاق، ونحن الآن مكشوفون أمام العالم، فلابد لكل واحدٍ منا أن يسهم بشكل أو بآخر بتقوية أمته بعمل جاد، بعمل صادق أمين، وإلا فالمشكلة كبيرة، أسأل الله جل جلاله أن يعصمنا بهذا الكتاب الكريم، وأن يعصمنا بسنة نبيه صلى الله عليه وسلم .







والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-15-2018 08:44 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثالث و الستون )

الموضوع : التبتل و حياة المتبتل








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. التبتل :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع اليوم هو "التبتل".
ولابد من وقفةٍ قصيرة حول اختيار الموضوعات، هناك موضوعاتٌ تتصل اتصالاً قوياً بموضوع سبل الوصول وعلامات القبول، وهناك موضوعاتٌ تتصل اتصالاً سلبياً، تحدثنا عن الشرك والنفاق، هذه موضوعات تتناقض مع سبل الوصول، وهناك موضوعات اتصالها بالوصول إلى الله من أعلى مستوى.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7907/01.jpg
إذاً الموضوعات بين أن تكون في أعلى درجة، أو في درجة عادية، أو في درجة سلبية، الحقيقة التبتل من الموضوعات التي يتصف بها كبار المؤمنين، الله عز و جل يقول:

﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ﴾
[ سورة المزمل ]
الإنسان حينما يصنف من حوله في مراتب محدودة، أحياناً بعالم الوظائف عشر مراتب، وكل مرتبة ثلاث درجات، إذا كان هناك خمسة ملايين موظف ينزلون جميعاً في هذه الثلاثين خانة، هذا شأن البشر، لكن شأن خالق البشر أن كل إنسانٍ على وجه الأرض له مرتبة والدليل: ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
[ سورة الأحقاف الآية : 19 ]
هذه المرتبة مرتبة التبتل هي للسابقين السابقين، لكبار المؤمنين. كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينةٌ على خلاف ذلك :
بالمناسبة: من تعليمات وضع الأسئلة في الشهادات العامة أن يكون هناك سؤال لا يجيب عنه إلا الطلاب المتفوقون جداً، وهناك سؤال يجيب عنه الطلاب الضعاف في تحصيلهم، وفي قدراتهم، والأسئلة الأساسية يجيب عنها المتوسطون.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7907/02.jpg
لأن في أساس تقسيم البشر هناك عالم قديم رمز للتقسيم في كل القدرات التي يتحلى بها البشر، هناك خمسة بالمئة متفوقون، وخمسة بالمئة متخلفون، وتسعون بالمئة متوسطون، في شأن الجمال، في شأن الذكاء، طلاقة اللسان، في معظم صفات البشر خمسة بالمئة تفوق، وخمسة بالمئة ضعف، وتسعون بالمئة وسط.
لذلك هناك سؤال يجيب عنه معظم الطلاب؛ متوسطو الثقافة والتحصيل والقدرات، و سؤال لا يجيب عنه إلا المتفوقون جداً، و سؤال يجيب عنه ضعاف الطلاب، فحينما نختار موضوعاً من موضوعات سبل الوصول هناك موضوعات إيجابية، أساس في الوصول إلى الله، وهناك موضوعات سلبية تتناقض مع الوصول إلى الله، وهناك موضوعات للمتفوقين.
فموضوع اليوم للمتفوقين "التبتل"، قال تعالى:
﴿ وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ﴾
بالمناسبة أيها الأخوة، من قواعد الفقه أن كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، توهم الناس أن الدين خمس عباداتٍ شعائرية، والحقيقة الدين هو كل أمر في القرآن الكريم وفي السنة، هذا الأمر يقتضي الوجوب، وعلة هذا الأمر أنه أمر من الله عز وجل، فالذي يطلب العلم يرى أن الدين عشرات بل مئات الألوف من الأوامر والنواهي، منهج تفصيلي يبدأ من فراش الزوجية وينتهي بالعلاقات الدولية، وهناك من يتوهم أن الدين خمس عباداتٍ شعائرية ليس غير، هذا فهمٌ ساذج وفهمٌ ضعيف، لذلك كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، وللدقة البالغة ما لم تقم قرينةٌ على خلاف ذلك.
إذا قلت: في بيتنا زهرة أي زهرة، أما إذا قلت: في بيتنا زهرةٌ تلعب إذاً طفل، كلمة تلعب قرينة تنفي معنى الزهرة الطبيعية، إذاً كل أمرٍ في القرآن الكريم يقتضي الوجوب ما لم تقم قرينةٌ على خلاف ذلك. الدين منهج تفصيلي يغطي كل شؤون حياة الإنسان :
أنت أيها المؤمن حينما تقرأ القرآن الكريم وتمر على أمر اجتماعي، أمر نفسي، أمر شخصي، أمر علمي.
﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾
[ سورة يونس الآية : 101 ]
أمر، فكلما كان إيمانك أقوى ترى أن هذه الأوامر كلها ينبغي أن تطبق، مثلاً قال تعالى : ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
[ سورة الأحزاب الآية : 36 ]
علامة إيمانك -وهذا مقياس دقيق- أنك إذا مررت في كتاب الله على أمر، أي أمر من المئة ألف أمر، أو من الخمسمئة ألف أمر، هذا الأمر يقتضي أن تنفذه، هذا الدين منهج تفصيلي يغطي كل شؤونك، وكل أحوالك، وكل أقواتك، وكل أطوارك، إذاً ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ﴾
التفاوت الواسع بين بني البشر :
لكن هناك ملاحظة: لو جئت بمئة بيضة الفرق بين اثنتين لا يزيد على خمسة بالمئة من حيث الحجم أو الوزن، إلا أن بني البشر شيءٌ آخر، قد تجد إنساناً في أعلى عليين، قد تجد إنساناً عمّ خيره معظم الخلائق، وقد تجد إنساناً كتلة من الشر، كيف بقطع اللحم هناك قطعة من اللحم الطازج المشوية وأنت جائع، وهناك قطعة متفسخة تكاد تخرج من جلدك من رائحتها، التفاوت بين بني البشر واسع جداً. http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7907/03.jpg

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾
[ سورة الماعون ]
إنسان مجرم، يبني حياته على أنقاض الآخرين، يبني غناه على إفقارهم، يبني أمنه على إخافتهم، يبني عزه على إذلالهم، وإنسان حياته كلها عطاء، المسافة كبيرة جداً، لذلك النبي عليه الصلاة والسلام يقول : (( هذا خيرٌ من مِلءِ الأرض من هذا ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد الساعدي ]
رجل واحد يساوي ملء الأرض، أي الأرض لو أنها مجوفة تتسع لكم إنسان؟ لمليارات ممليرة، إنسان يساوي ملء الأرض من غيره، لذلك قالوا: واحد كألف وألف كأف، حال واحدٍ في ألف أفضل من قول ألفٍ في واحد، إنسان واحد موصول بالله يؤثر بألف إنسان، وألف إنسان متكلم بارع لا يؤثر في إنسان واحد، إذا كان هناك بعد عن الله عز وجل. أغبى إنسان من يتمنى شيئاً في الدنيا فقط و ينسى الآخرة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7907/04.jpg
أيها الأخوة، الأصل في ذلك أنك مصمم أيها الإنسان لهدفٍ كبير، فحينما تختار هدفاً محدوداً تسقط من عين الله، دخلت على ملك قال لك: اطلب وتمنى، قلت له: قلم رصاص، أقل عطاء للملك بيت فخم وسيارة معه، فأنت قبلت من عطاء الملك بقلم، كم هو غبيٌ الإنسان حينما يتمنى شيئاً في الدنيا فقط، والدنيا زائلة ومنقطعة.

﴿ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ ﴾
[ سورة التوبة الآية : 38 ]
الله يعجب! ﴿ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾
[ سورة التوبة ]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ﴾
[ سورة التوبة ]
خُلق الإنسان لمعرفة الله عز وجل :
هناك آيات أخرى:
﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾
[ سورة النساء الآية : 77 ]
﴿ َفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
إذاً أنت أيها الإنسان خُلقت لمعرفة الله، أنت مُصممٌ لمعرفة الله، فحينما تختار هدفاً أرضياً محدوداً قبل أن تصل إليه ربما تشعر بالسعادة، لأن هذه السعادة شعور بالوصول، فإذا وصلت إلى هذا الهدف خبا بريق هذا الهدف، وأصبح شيئاً مألوفاً، ولو سألت من نجحوا في الحياة الدنيا، من جمعوا أموالاً طائلة، من ارتقوا إلى مناصب رفيعة، من تزوجوا بنساءٍ جميلات، لو سألتهم الوضع أقل مما يتصور، لأن الله سبحانه وتعالى أبى أن يجعل لهذه الدنيا قدرةً على أن تمد الإنسان بسعادة مستمرة، تمده بلذائذ متدنية، ولذائذ متناقصة، ولذائذ حسية، أما الذي يمدك بسعادة مستمرة بل ومتنامية فهو الإيمان. حجم الإنسان عند الله بحجم عمله الصالح :
أيها الأخوة، الآن كل واحد من الأخوة المؤمنين بمعرفته، باستقامته، بإخلاصه، بنواياه الطيبة، بتضحياته، بانضباطه، بورعه، بمؤثراته، بكل هذا يحتل عند الله مرتبة، قال تعالى:
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
[ سورة القمر ]
هذه المرتبة لها أثر كبير في السعادة الأبدية ﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
فالبطولة أن يكون لك: ﴿ مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7907/05.jpg
والله مرة التقيت مع إنسان عدة لقاءات، دنياه يصعب تصورها، أذواقه، بيته، أثاث بيته، مركباته، سفرياته، معمله، شيء يفوق حدّ الخيال، أتاه الله أذواقاً عالية جداً، وذكاء، وقدرة على تحصيل المال، ثم توفاه الله عز و جل، وحضرت جنازته، قام أحد علماء دمشق ليؤبنه، والله قال: أخوكم أبو فلان كان مؤذناً، هو كان صوته حسناً، و أحياناً إذا حضر صلاة جمعة يدعوه الإمام إلى أن يؤذن، فقال: أخوكم كان مؤذناً ترحموا عليه، أنا صعقت، كلمة واحدة؟ ثم عذرت المتكلم، أي بعد الوفاة هل هناك من حديث عن نوع البيت؟ مساحة البيت؟ تزيينات البيت؟ نوع المركبات؟ عند الوفاة لا يتحدث إلا عن العمل الصالح، فقلت وقتها في نفسي: اعمل عملاً يستمر الحديث عنك أربع دقائق، هناك مشكلة عند الموت لا يذكر إلا العمل الصالح، والناس في الدنيا حجمهم كبير، الحجم المالي كبير، الهيمنة كبيرة، الأتباع كثر، أما عند الموت فلا يذكر إلا العمل الصالح، وهذا درسٌ بليغ.
أيها الأخوة، حجمك عند الله، لا بأناقتك، ولا بطعامك، ولا بشرابك، ولا بأثاث بيتك، ولا بموقع بيتك، ولا بمساحة بيتك، ولا بنوع مركبتك، حجمك عند الله بحجم عملك الصالح ، فالبطولة وأنت في الدنيا أن تستخدم مقاييس القرآن ﴿ وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا ﴾
مرتبة التبتل مرتبة المتفوقين و المنقطعين إلى الله :
أيها الأخوة، مرتبة التبتل ليست مرتبةً مألوفةً بين الناس، هذه مرتبة المتفوقين، مرتبة المنقطعين إلى الله، مرتبة الذين قال الله عنهم:
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7907/06.jpg
مرتبةٍ تستنبط من دعابةٍ بين إنسانين، قال له: سيدي كم الزكاة؟ قال له: عندنا أم عندكم؟ قال له: عجيب الدين واحد! قال له: عندكم اثنان ونصف بالمئة، أما عندنا فالعبد وماله لسيده.
المؤمنون السابقون، المتفوقون، أوقاتهم، طاقاتهم، جهدهم، ذكاؤهم، أقلامهم، ألسنتهم في سبيل الله كلها، ﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
ومن بعض الآيات التي تؤثر، حينما خاطب الله سيدنا موسى قال له: ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
[ سورة طه ]
أنت لي. ﴿ وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾
[ سورة النجم ]
المؤمن الصادق في مرتبة التبتل يحمل همّ المسلمين :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7907/07.jpg
أيها الأخوة، المؤمن الصادق في مرتبة التبتل يحمل همّ المسلمين، أهدافه في الحياة تزيد عن حاجاته اليومية، هناك أناس كثيرون إذا أمّن بيتاً، وتزوج، انتهت كل أهدافه، وهناك أشخاص يحملون همّ المسلمين، هدفهم كبير، يتحركون لأهدافٍ ساميةٍ كبيرة، فمهما ارتقت أهدافك ارتقيت عند الله، هناك إنسان يهتم بأهله فقط جيد، لكن هناك أشخاص يسمون عميد أسرتهم، يهتم بالأسرة الموسعة، وهناك إنسان يهتم بأمته، الأنبياء يهتمون ببني البشر.

(( لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيراً ))
[ أخرجه الحاكم عن أبي الدرداء ]
النبي عليه الصلاة والسلام في الطائف نال منه أهل الطائف شيئاً لا يحتمل حتى سال الدم من قدمه، جاءه جبريل ليمكنه أن ينتقم منهم، جاء ملك الجبال وقال: يا محمد أمرني ربي أن أكون طوع إرادتك، لو شئت لأطبقت عليهم الأخشبين، قال: اللهم اهدِ قومي إنهم لا يعلمون، لعل الله يخرج من أصلابهم من يوحده. المؤمن في مرتبة التبتل يقود نفسه ولا تقوده :
المؤمن في مرتبة التبتل يقود نفسه ولا تقوده، يسخر كل طاقته لله، ولا يسخر من القيم والمبادئ، الآن الله عز و جل يقول:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
[ سورة الأعراف الآية : 180 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7907/08.jpg
الإنسان يتقرب إلى الرحيم بأن يرحم خلقه، يتقرب إلى العدل بأن يكون منصفاً، أي كل واحد منا أحياناً في موقع أنه قاض، جاءت ابنته تشكو زوجها، فالعم الآن قاض بين ابنته وزوجها، اختلف ولداه هو يقضي بينهم، هناك إنسان ينحاز إلى ابنته، تكون ابنته قد تطاولت على زوجها، وهناك آباء كثر لا يتنازل أن يسأل صهره ما الذي أزعجك من ابنتي؟ تأتي إلى بيت أهلها يحجزها ليذله، لا يوجد إنصاف، فأنت أحياناً تكون في موقع قاض، أحياناً بين تاجرين، بين شريكين، بين أخوين، بين جارين، لن تتقرب إلى الله إلا بالعدل، لن تتقرب إلى الله إلا بالرحمة، إلا بالحكمة، إلا بالإنصاف.
لذلك الآية الكريمة: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
أي تخلق بخلقٍ من كمالات الله تقرب بهذا الخلق إلى الله، هذا معنى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
تقرب إليه بخلقٍ مشتقٍ من كمال الله. الفطرة و الصِبغة :
أيها الأخوة، هذا الموضوع ينقلنا إلى موضوع الصبغة، هناك مصطلحان في القرآن الكريم مصطلح الفطرة ومصطلح الصبغة، مصطلح الفطرة.
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾
[ سورة الروم الآية : 30 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7907/09.jpg
نحن جميعاً مفطورون على حب الكمال، فأن تحب الكمال شيء وأن تكون كاملاً شيءٌ آخر، أن تحب العدل شيء وأن تكون عادلاً شيءٌ آخر، أن تحب الرحمة شيء وأن تكون رحيماً شيءٌ آخر، كل واحد منا يتمنى أن يكون رحيماً ويقدر الرحماء، بل إن اللصوص حينما يسرقون يقسمون هذا الذي سرقوه بالعدل بينهم، فطرتهم تدعوهم إلى العدل، الفطرة ليست كمالاً لكنها حبٌ للكمال، أنت ولِّفت، جُبلت، فطرت على حب الكمال، وحب الكمال هو الذي يعذبنا إذا أخطأنا، لو أن الإنسان فطر على النقص وكان ناقصاً لا يتعذب إطلاقاً، أحد أسباب الشقاء النفسي أنك مفطور فطرة سليمة على حب الكمال، فإذا وقع منك نقصٌ تتألم، هذا يسمونه تأنيب الضمير، يسمونه الشعور بالنقص، الشعور بالذنب.
مرة ذكرت لكم أن هناك فندقاً بألمانيا كُتب على السرير إن لم تنم هذه الليلة فالعلة ليست في فراشنا إنها وثيرة، ولكن العلة في ذنوبك إنها كثيرة.
الذين يقترفون السيئات، يظلمون البشر، هؤلاء يعانون من أزمات، ما سبب هذه الأزمات؟ أنهم فطروا فطرةً عالية، أي إنسان حتى الكافر، حتى المجرم، حتى الطاغية، في أصل فطرته فطرة عالية، ما الذي يعذبه؟ أنه خرج عن مبادئ فطرته، فأنت سواء اصطلحت مع الله فأطعته دون أن تشعر تصطلح مع نفسك، لأن منهج الله مطابقٌ تماماً لقواعد الفطرة التي فطرك الله عليها، وكل خروج عن منهج الله هو خروج عن مبادئ الفطرة، فهناك توافق عجيب بين منهج الله وبين خصائص نفسك.
هذه الفطرة، الفطرة أن تحب الكمال، أن تقدر الرحمة، أن تقدر العدل، أن تقدر الكمال هذه فطرة، أما الصبغة فأن تكون رحيماً، أن تكون منصفاً، أن تكون حكيماً، أن تكون سخياً، قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
مصطلحان دقيقان الفطرة والصبغة، بعد الاتصال بالله تنتقل من الفطرة إلى الصبغة، الصبغة كمال، الصبغة إنصاف، الصبغة عدل، الصبغة رحمة، أما الفطرة فحب الرحمة، حب الكمال، حب العدل، حب الإنصاف وهكذا ... التبتل هو الانقطاع المستمر لله عز وجل :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7907/10.jpg
أيها الأخوة الكرام، التبتل هو الانقطاع، وهو الَّتفعل من البتل، وهو القطع، بتل أي قطع، انقطع لله،

﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
بتل قطع، تبتل تفعل ، التفعل العمل المتكرر، انظر كسر تكسر، تكسر على مراحل، فالتبتل هو الانقطاع المستمر، الانقطاع المتعدد، منقطع لله عز وجل، وسميت مريم البتول بتولاً لانقطاعها عن الأزواج، وعن أن يكون لها نظراء من نساء زمانها. ﴿ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
أول اصطفاء اصطفاء الكمال، والاصطفاء الثاني أنها الوحيدة التي أنجبت من دون زواج، اصطفاء إعجاز، واصطفاء تكريم. الإنسان حينما ينقطع لله فالله عز وجل له عطاء استثنائي :
أيها الأخوة، النقطة الدقيقة أن الإنسان حينما ينقطع لله فالله عز وجل له عطاء استثنائي، هؤلاء الذين انقطعوا على الله مغمورون بسعادةٍ لا توصف، حتى قال بعضهم -وكان ملكاً-: والله لو يعلم الملوك ما نحن عليه لقاتلونا عليها بالسيوف.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7907/11.jpg
وصدقوا أيها الأخوة، إن لم تقل-إذا كنت متبتلاً، منقطعاً لله-: أنا أسعد الخلق ففي التبتل شك، أنت مع الله .
تنام أعيننا كما قال النبي الكريم ولا تنام قلوبنا، أما أنتم يا أخي فساعة وساعة.
نقول نحن في الصلوات على رسول الله: وعلى أسعدنا محمد، هذا الذي وصل إلى الله، واتصل به، وسعد بقربه عن طريق التبتل، التبتل مرتبة، عامة الناس يعمل، ويصلي، ويصوم، وله بيت، وله نزهات، وله حظوظ نفسية، كلها وفق المباحات لا يوجد مشكلة هذا مؤمن، أما هناك سابق.
﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾
[ سورة الواقعة ]
أوقاتهم كلها لله، طاقاتهم كلها لله، قدراتهم كلها لله، أموالهم كلها لله، فأرجو الله سبحانه وتعالى حينما نعرض موضوعاً متفوقاً أن نطمح إلى هذه المراتب العليا.





والحمد لله رب العالمين



السعيد 07-15-2018 08:46 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الرابع و الستون )

الموضوع : حال المتبتل مع الله







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. التبتل بطولة كبيرة جداً وهو الانقطاع إلى الله بالكلية :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ يتصل أشد الاتصال بـ :"سبل الوصول وعلامات القبول" وهو موضوع "التبتل".
هناك مقدمةٌ قصيرة تبين أن الإنسان ينبغي ألا يكتفي بالرخص، ينبغي أن يكون من حينٍ إلى آخر بطلاً، أضرب على هذا مثلاً: مسيلمة الكذاب قبض على صحابيين جليلين، قال للأول: أتشهد أني رسول الله؟ قال: ما سمعت شيئاً، فقطع رأسه، وقال للثاني: أتشهد أني رسول الله؟ قال: أشهد أنك رسول الله، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام عنهما؟ قال: أما الأول فقد أعز دين الله فأعزه الله، المفاجأة تقييم النبي للثاني، قال: وأما الثاني فقد قبل رخصة الله.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7908/01.jpg
فالله عز وجل رحمة بنا ما كلفنا فوق ما نستطيع، الأول أعز دين الله فأعزه الله، كان بطلاً، والثاني قبل رخصة الله عز وجل، لكن لو أن كل الذين وقعوا في موقفٍ حرج أخذوا بالرخص لأُلغيت البطولات في العالم.
أصحاب الأخدود كان بإمكانهم أن يقولوا: أنت إلهنا ومعهم رخصة، وماشطة بنت فرعون حينما قال لها: أتشهدي أن لك رباً غيري، قالت له: الله ربي وربك، وضع ولدها الأول في زيتٍ مغلي، والثاني، والثالث، والرابع، والخامس، ثم وضعها، لو ألغينا البطولات لأصبح التاريخ باهتاً.
فلذلك هناك رخص، لكن لابد من أن تكون من حينٍ إلى آخر بطلاً، أي بالتعبير الآخر في كل موضوع مستوى عال جداً، ومستوى مقبول، الآن حتى في الجامعة هناك امتياز، ومقبول، المقبول ناجح، أما الامتياز فمتفوق، فالإنسان لِمَ لا يطمح أحياناً أن يكون في موضوعٍ ما بطلاً؟ فالتبتل بطولة كبيرة جداً، التبتل الانقطاع إلى الله بالكلية.
﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
الإنسان حينما يكون متبتلاً ينفذ أمر الله عز وجل :
ذكرت من قبل أن موضوعات سبل الوصول منها ما علاقته بهذه السلسلة من الدروس علاقة سلبية كالشرك والنفاق، ومن هذه الموضوعات ما له علاقة إيجابية، ومن هذه الموضوعات ما له علاقة متميزة، فأنت حينما تكون متبتلاً تنفذ أمر الله عز وجل، وقد بينت من قبل أن كل أمرٍ يقتضي الوجوب.
﴿ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً ﴾
[ سورة المزمل ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7908/02.jpg
للتقريب كلما كثرت ساعات الإقبال وقلت ساعات الغفلة فأنت اقتربت من البطولة كثيراً، كلما كثرت ساعات الصحوة، ساعات التألق، ساعات الإقبال، ساعات البذل والتضحية، لماذا أنت في الدنيا تحب أن تحمل أعلى شهادة؟ وأن ترتقي إلى أعلى منصب؟ وأن تجمع أكبر ثروة ؟ وأن تكون التاجر الأول أو الأستاذ الأول أو الطبيب الأول أو المهندس الأول؟ لماذا في الدنيا وهي فانية؟ والموت ينهي كل شيء، ينهي قدرة القدير، ينهي وسامة الوسيم، دمامة الدميم، قوة القوي، ضعف الضعيف، صحة الصحيح، مرض المريض، غنى الغني، فقر الفقير، الموت ينهي كل شيء، لِمَ في هذه الدنيا الفانية التي هي بضعة أيام تحب أن تكون في أعلى منصب؟ وأن تقتني أجمل بيت؟ وأن تتزوج بأجمل امرأة لماذا؟ لماذا تحب التفوق في الدنيا ولا تحب أن تكون علماً من أعلام الآخرة؟.
فلذلك ما الذي يمنع أن أكون الأول؟ لِمَ هذا الرضا بالدون؟ وراء الباب، لِمَ لا تكون في الفردوس الأعلى؟ والأمر بيدك؟ أي الطموح في الدين ضعيف، أما الطموح في الدنيا فكبير جداً. الإنسان ينبغي أن يعبد الله وحده ويخلص له وحده ويعتمد عليه وحده :
لذلك التبتل الانقطاع إلى الله بالكلية، أما قول الله عز وجل:
﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾
[ سورة الرعد الآية : 14 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7908/03.jpg
دعوة الحق له وحده، بمعنى أن الإنسان ينبغي أن يعبده وحده، وأن يخلص له وحده، وأن يقبل عليه وحده، وأن يعتمد عليه وحده، وأن يتوكل عليه وحده، وأن يرجوه وحده، وأن يخافه وحده
﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾
لأنه: ﴿َ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ﴾
[ سورة المدثر ]
أهلٌ أن تُفني عمرك من أجله، أهلٌ أن تعطيه كل شيء، لذلك لا تنسى هذه الآيات: ﴿ وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي ﴾
[ سورة طه الآية : 41 ]
أنت لي. (( خلقت ما في الكون لأجلك فلا تتعب، وخلقتك من أجلي فلا تلعب، فبحقي عليك لا تتشاغل بما ضمنته لك عما افترضته عليك ))
[ ورد في الأثر]
الناس عند الله زمرتان لا ثالث لهما :
أيها الأخوة:
﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ ﴾
[ سورة الرعد ]
له وحده العبادة، والدعاء قال تعالى: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7908/04.jpg
هذا من التبتل، لكن هناك واواً يظنها بعض العلماء واو عطفٍ هي في الحقيقة واو استئناف، لأن هؤلاء زمرة.
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
هناك زمرة: ﴿ وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾
هذا هو التبتل.
وهناك زمرة درجة ثانية، الدرجة مقبول ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً ﴾
فالواو ليست عاطفة الواو استئنافية، انتهى الكلام الأول بدأنا بكلامٍ جديد: ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾
تفاوت الناس في مواقفهم :
أيها الأخوة، ورد في الأثر أنه: "من أحبنا أحببناه، ومن طلب منا أعطيناه، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا"، أي الواقع أن هناك أناساً كثيرين يستقيمون كي يُنعم الله عليهم بالصحة، وبالزواج الناجح، وبالدخل الكبير، استقامتهم مقبولة لكنها معلولة، استقام ليربح، استقام ليستريح، استقام ليعلو شأنه بين الناس، استقام لتنجح تجارته، هذه استقامة مقبولة وعلى العين والرأس لكنها معلولة، أما هناك أناسٌ يعبدون الله عز وجل لأنه أهلٌ للعبادة.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7908/05.jpg
مرة وقع تحت يدي دراسة حول استبيان، سألوا ألف زوج لماذا لا تخون زوجتك؟ فجاءت الإجابات وصنفت تصنيفاً أخلاقياً، الدرجة الدنيا من هذه الإجابات لا أستطيع لأنها معه في المحل التجاري، وفي البيت، الوقت كله مغطى بها، قال: لا أستطيع، يتمنى لكن ولا يستطيع، الدرجة الأعلى قال: لا أتحمل الشعور بالذنب أعلى، أما الدرجة الأعلى والأعلى لا أحب الخيانة.
المواقف تتفاوت، هناك إنسان يستقيم همه أن يربح في تجارته، استقامته مقبولة ومعلولة، لكن هناك أشخاص:
﴿ إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً ﴾
[ سورة الإنسان ]
نزه طاعته عن المكاسب الدنيوية. هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهمُ معدلٌ وإن عدلوا
والله وإن فتتوا في حبهم كبدي باقٍ علـى حبهم راضٍ بما فعلوا
* * *

أي الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين. الحب منزه عن المصالح :
أيها الأخوة، كان عليه الصلاة والسلام يصلي الليل حتى تتورم قدماه، تقول له السيدة عائشة رضي الله عنها:
(( لم تصنعُ هذا يا رسول الله وقد غُفِرَ لكَ ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ قال : أَفلا أُحِبُّ أن أَكُونَ عبداً شكوراً؟ ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7908/06.jpg
أيها الأخوة، أضرب مثلاً: إنسان له صديق غني، كلما زاره أطعمه، أخذه إلى مكان جميل، أنفق عليه، قدم له الهدايا باستمرار، فهذا الغني مرةً جاءه صديقه فلم يقدم له شيئاً، وجاءه ثانيةً فلم يأخذه إلى مكانٍ جميل، وجاءه ثالثةً فلم يطعمه فتركه، إذاً هذا الود من هذا الصديق المنتفع معلول بعطاء هذا الغني، فلما توقف العطاء تركه، أما هناك إنسان فيحب إنساناً ضيفه أو لم يضيفه، أعطاه أو لم يعطه، هذا الحب منزه عن المصالح.
أحياناً للتوضيح إنسان يستقيم لعلة، فربنا عز وجل ليرفع مقامه وليؤدبه على الرغم من استقامته لا يحقق له الله ما يصبو إليه، فإذا ثبت يكون قد نجح في الامتحان.
التبتل هو الانقطاع لله عز وجل، أن يعبد وحده، يدعى وحده، يقصد وحده، يُشكر وحده، يحمد وحده، يحب وحده، يرجى وحده، يُخاف وحده، يُتوكل عليه وحده، يُستعان به وحده، يُستجار به وحده، ﴿ لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ ﴾
كلما وضحت حكمة الأمر يضعف الجانب التعبدي في هذا الأمر :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7908/07.jpg
الآن: كلما وضحت حكمة الأمر يضعف في هذا الأمر الجانب التعبدي، وكلما غابت حكمة الأمر تعلو القيمة التعبدية، مثلاً: أبٌ أعطى ابنه توجيهاً: أن يا بني لا تنم حتى تنظف أسنانك واضح، يا بني ادرس واضح، كل أوامر الأب مؤداها لمصلحة ابنه، والأمر واضح جداً، فطاعة هذا الابن في هذه التوجيهات تضعف قيمتها لأنها في النهاية لصالحه، لكن تصور الابن جائع جداً، والطعام نفيس, والطعام لأبيه، فقال له الأب: يا بني لا تأكل، الأمر صعب تفسيره، قال: الطعام لأبي وأنا ابنه، وأنا جائع، والطعام حلال، وأنا لست مريضاً، لماذا لا آكل؟ فإذا قال هذا الابن بأدبٍ جم: سمعاً وطاعةً، الآن تكون المحبة في أعلى مستوى، والتقدير بأعلى مستوى.
فكل واحد منا أحياناً تأتيه مصيبة صعب تفسيرها، مستقيم، مطيع لله، يؤدي العبادات، يدفع الصدقات، تأتيه مصيبة، هذه المصيبة ليمتحن الله عبوديته فقط.
سيدنا إبراهيم هو الأول من الأنبياء لأنه في أعلى درجات العبودية والتوكل على الله :
من هو الأول من الأنبياء؟ سيدنا إبراهيم، اذبح ابنك صعب أن تُفهم، من ابنه؟ شقي؟ لا، نبي، ابنه نبي، بلغ معه السعي، كأن هذا الأمر يعطي هذا النبي الكريم أعلى درجات العبودية والتوكل.
﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾
[ سورة الصافات الآية : 102 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7908/08.jpg
أعلى امتحان فيما أتصور بتاريخ البشرية أن يقال لنبي ٍكريم هو أبو الأنبياء : اذبح ابنك.
﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾
[ سورة الصافات ]
قال: ﴿ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾
[ سورة الصافات ]
﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة الصافات ]
نجح بالامتحان.
أحياناً توضع في ظرف صعب جداً، وتقف موقفاً بطولياً جداً، ثم ربنا عز وجل يصرف عنك هذه المغامرة والمخاطرة، لكنك نجحت عند الله. قصص عن بطولات عالية جداً :
أحياناً الإنسان لو كان مستقيماً، لو كان متألقاً، لو كان يؤدي العبادات، قد يأتي امتحان لامتحان عبوديته لله، نحن في هذين اللقاءين الحديث عن بطولات عالية جداً، الحديث عن مستوى رفيع من مستويات الإيمان، الحديث عن درجة عالية جداً من الانقطاع لله عز وجل.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7908/09.jpg
السيدة عائشة حينما اتهمها بعضهم بأثمن ما تملكه امرأة، بعفتها، وتأخر الوحي أربعين يوماً، والنبي عليه الصلاة والسلام ليس معه دليل إثبات، ولا دليل نفي، ثم نزلت تبرئتها من الله عز وجل وكان أبوها عندها.

(( فقال لها أُبوها: قُومِي إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقُلْت: لا واللّه لا أقومُ إليه، ولا أحْمَد إلا اللّه ))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ]
على مسمع من النبي الكريم فتبسم عليه الصلاة والسلام وقال: (( عرفت الحق بأهله ))
التوحيد أعلى درجة: (( قُومِي إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقُلْت: لا واللّه لا أقومُ إليه ولا أحْمَد إلا اللّه))
هناك قصة تكاد لا تصدق، أن النبي خطب امرأةً لتكون زوجته، هل هناك من أنثى في تاريخ البشرية لا تطمح أن تكون زوجة سيد الأنبياء والمرسلين؟ اعتذرت، سألها: لِمَ؟ قالت : يا رسول الله لي خمسة أولاد، أخاف إن قمت بحقك أن أقصر بحقهم ، وأخاف إن قمت بحقهم أن أقصر بحقك، هذا التوحيد من أعلى مستوى، اعتذرت عن أن تكون زوجة رسول الله خوفاً من أن تحاسب عن أبنائها، ما هذه التربية؟.
سيدنا الصديق، أنا لا أتصور أن هناك اثنين على وجه الأرض يحب أحدهما الآخر حباً يفوق حدّ الخيال كالنبي الكريم و أبي بكر، فلما انتقل النبي إلى الرفيق الأعلى يقول سيدنا الصديق: (( فَمَنْ كان منكم يَعْبُدُ محمداً ـ بلا لقب ـ فَإنَّ محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فَإنَّ اللهَ حَيٌّ لا يموتُ ))
[أخرجه البخاري عن أبي بكر الصديق]
ما هذا التوحيد؟ ما هذا التنزيه؟.
سيدنا عمر عزل سيدنا خالداً، قال له: لِمَ عزلتني؟ قال له: والله إني أحبك، قال له: لِمَ عزلتني؟ قال له: والله إني أحبك، قالها ثالثةً: لِمَ عزلتني؟ قال: والله إني أحبك وما عزلتك يا بن الوليد إلا مخافة أن يفتتن الناس بك لكثرة ما أبليت في سبيل الله، كان الصحابة الكرام في أعلى درجة من التوحيد، خاف على إيمان الناس أن يتوهموا أن الناصر هو خالد، الناصر هو الله فعزله وبقي النصر مستمراً. الله عز وجل يغار على عبده المؤمن أن يتجه إلى غيره :
أيها الأخوة، أنت حينما تعبده، وتوحده، وتنقطع إليه، وتؤثره على كل شيء، تحتل عند الله مرتبةً، هذه المرتبة تنفعك إلى أبد الآبدين.
﴿ إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ ﴾
[ سورة القمر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7908/10.jpg
والله عز وجل من أجل أن يرقى بك أحياناً تتعلق بشيء مما سوى الله، فالحكمة بالغة بالغة، ومن أجل أن يؤدبك تأديباً لطيفاً، هذه الجهة التي اعتمدت عليها يلهمها الله أن تقف موقفاً غير معقولٍ منك، يكون لك صديق حميم، صديق العمر، تسلم منصباً رفيعاً، فهذا الصديق يطمئن صديقه الثاني و يقول له: إن صديقي فلان يتمنى لي خدمة فينسى الله، ويذهب إليه واضعاً كل الأمل فيه، فيقف موقفاً متجهماً يصعق له، هذا التجهم من إلهام الله عز وجل لأن الله يغار على عبده المؤمن أن يتجه إلى غيره.
وطّن نفسك إذا تعلقت بشيء، والله أخٌ كريم له دخل كبير أحب ابنه حباً يفوق حدّ الخيال يقترب من الجنون، أرسله إلى بلاد بعيدة، وأنفق عليه، واشترى له بيتاً في الشام بعشرات الملايين، فإذا بهذا الابن ينسى أباه ويتزوج ويقيم إقامةً دائمةً، ويضن على أبيه باتصال هاتفي، حينما تتعلق بغير الله الله يؤدبك، لذلك: (( لو كنتُ متخذا من أُمَّتي خليلا لاتَّخذتُ أبا بكر، ولكن أخي وصاحبي في الله))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي سعيد الخدري ]
نصيحةٌ لوجه الله، أحب زوجتك، أحب أولادك، أحب من حولك، ولكن لا تعتمد عليهم، اعتمد على الله وحده، ضع ثقتك بالله، ضع آمالك في الله، علق أهمية على رضاء الله عنك فقط.
رجل له قريب مدير مكتب السلطان عبد الحميد، افتقر، فذهب إليه على نية أن يبحث له عن عمل كوظيفة، فاستقبله قريبه، وأقام عنده مدة طويلة، يقول هذا القريب: كلما وضع كتاب التعيين لا يوقعه السلطان لثلاثين يوماً، يبدو أن القريب على علم بالله، فعلم أن قريبه متعلقٌ به ونسي الله عز وجل، أعطى توجيهاً لأحد الخدم أن يتجهم به، ثلاثون يوماً يكفي، الزيارة ثلاثة أيام، فهذا المسكين خرج من بيت قريبه هائماً على وجهه يبكي، قال له: اتبعه، انظر أي مكان ذهب، فذهب إلى بعض الخانات - الفنادق قديماً- قدم الطلب ووقعه السلطان فاستدعاه، قال له: ثلاثون يوماً وأنت معتمد عليّ، فلما خرجت من البيت مكسوراً اعتمدت على الله فوقع لك.
أحياناً إنسان يعتمد على الله، في توفيق، أحياناً يضع أمله بإنسان، هذا الإنسان الذي وضعت فيه كل أملك هو الذي سيخيب ظنك، هذا تأديب من الله لأن هذا شرك خفي.
أيها الأخوة: لا تسألــن بني آدم حاجةً وسل الــذي أبوابه لا تغلقُ
الله يغضبُ إن تركت سؤاله وبني آدم حين يُسأل يغضبُ
* * *

على العبد ألا يخافن إلا ذنبه ولا يرجون إلا ربه :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7908/11.jpg
أيها الأخوة الكرام، حديثٌ جامعٌ مانع موجز قصير:

((لا يخافن أحد منكم إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه))
[سعيد بن منصور في سننه عن علي]
هناك قوى شريرة بالأرض، هناك طغاة، هناك وحوش، هناك كائنات مؤذية، هناك عداوات. ((لا يخافن أحد منكم إلا ذنبه))
كلهم بأزمةٍ محكمةٍ بيد الله، أو كلهم عصيٍ بيد الله، إياك أن تقع في ذنب لئلا يسمح الله لأحدهم أن يصل إليك، والآية الكريمة: ﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾
[ سورة هود ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-15-2018 08:50 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الخامس و الستون )

الموضوع : اكل الطيبات








الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. أكل الطيبات :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7995/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع اليوم "أكل الطيبات"، فطاب الطعام لغةً لذَّ وزكا، الطعام الطيب الطعام اللذيذ، وطاب الطعام شرعاً إذا كان حلالاً، أي إذا أُشتري من مالٍ حلال، والطيب لها معنى واسع جداً، الطيب من كل شيءٍ أحسنه، هناك كلام طيب، وعمل طيب، وطعام طيب، و لقاء طيب، الله عز وجل يقول:

﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
الشاهد: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾
فأي شيءٍ ثبت علمياً أنه خبيث كالدخان فهو محرم بنص هذه الآية، هذه الآية تسمى عند علماء الأصول دليل عام، الخمر محرمة بدليل خاص، ولحم الخنزير محرم بدليل خاص، أما أي شيءٍ ضار، ثابتٌ علميٌ أنه ضار فهو محرمٌ بالدليل العام بنص هذه الآية: ﴿ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾
أوامر الدين ونواهيه ليست حداً لحرية الإنسان ولكنها ضمانٌ لسلامته :
أخواننا الكرام، هناك ملمحٌ دقيقٌٌ جداً متعلق بالحلال والحرام، أو بشكل أوسع متعلق بالأمر والنهي، أي أمرٍ في القرآن الكريم، أو أي أمرٍ فيما صحّ من السنة النبوية المطهرة، أو أي نهيٍ في القرآن الكريم، أو أي نهيٍ مأخوذٍ من السنة المطهرة الصحيحة، العلاقة بين الأمر ونتائجه، وبين النهي ونتائجه علاقةٌ علمية، أي علاقة سببٍ بنتيجة.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7995/02.jpg
فالإنسان إذا رفع سرعة مركبته تؤخذ له صورة، ويدفع مبلغاً كبيراً، لكن لا يوجد علاقة علمية بين أن تركب مركبة وتنطلق فيها بسرعةٍ هي من خصائصها، وبين مخالفةٍ تدفع آلاف الليرات لأن القانون يمنع هذه السرعة، لا يوجد علاقة علمية هناك علاقة وضعية، أي المشرع قال: أقصى سرعة على هذا الطريق هي: ستون كيلو متراً، المشرع وضع هذا الشيء، لكن أنت حينما تضع يدك على مدفأة مشتعلة تحترق، العلاقة بين وضع اليد على المدفأة المشتعلة وبين احتراقها علاقةٌ علمية، مثل أوضح: راكب مركبة، معك عشرون طناً، وصلت إلى جسر مكتوب على مقدمة الجسر: الحمولة القصوى عشرة طن، فالسائق الذي يبحث هل هناك شرطي يخالفني أحمق، هنا الموضوع لا يتعلق بالشرطة، الجسر يعاقبك، حمولته القصوى عشرة طن، معك عشرون طناً فلابد من أن تقع في النهر، أحياناً سبب النتيجة مترابط علمياً من أجل أن توقنوا أن كل أمرٍ أمر الله به وأن كل نهيٍ نهى الله عنه، بين الأمر والنهي، بين الأمر ونتائجه، والنهي ونتائجه، علاقةٌ علمية.
خط كهربائي التوتر عشرة آلاف فولت، هذا التوتر قاتل، لو اقترب الإنسان من هذا التيار دون ثمانية أمتار يصبح قطعةً من الفحم، فهل يا ترى إذا أراد الإنسان أن يقترب على أساس أنه لا يوجد شرطة يكون أحمقاً، التيار نفسه يعاقبك، فالاقتراب من التيار ينتج عنه احتراق الإنسان، فأنت حينما تؤمن أن كل أمرٍ إلهي بينه وبين النتيجة علاقة علمية، هذا الفهم للدين فهم عميق جداً، هذا الفهم فهم حضاري، أي أوامر الدين ونواهي الدين ليست حداً لحريتك ولكنها ضمانٌ لسلامتك، تمشي في الطريق وجدت لوحة كتب عليها: ممنوع التجاوز حقل ألغام، يا ترى هذه اللوحة وضعت حداً لحريتك أم ضماناً لسلامتك؟.
حينما تفهم الأمر الإلهي أنه ضمان لسلامتك، وحينما تفهم النهي الإلهي ضمان لسلامتك عندئذٍ تكون فقيهاً.
لذلك الفكرة الأولى: أن العلاقة بين الشيء الطيب ونتائجه، وبين الشيء الخبيث ونتائجه، علاقة علمية.
معاني الطيب :
الشيء الثاني: من معاني الطيب قال تعالى :
﴿ مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ ﴾
[ سورة فاطر الآية : 10 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7995/03.jpg
الإنسان عنده ثلاث حاجات، عنده حاجة إلى الطعام والشراب حفاظاً على وجوده كفرد، وعنده حاجة إلى الجنس حفاظاً على بقاء النوع، وعنده حاجة ثالثة إلى تأكيد الذات حفاظاً على بقاء الذكر، فالإنسان عنده حاجة إلى أن يكون عزيزاً، له مكانة، له شأن، يشار إليه بالبنان، حاجة عند كل إنسان، لكن هذه الحاجة تلبى وفق منهج الله، اطلب العلم، اعمل الأعمال الصالحة يرفع الله لك ذكرك، قال تعالى :
﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
[ سورة الشرح ]
يموت عالم تجد ملايين يشيعونه بلا جهد في إقناعهم أن يشيعوه، ملايين لأن الله عز وجل رفع له ذكره، فأنت إذا عملت الصالحات، وعملت عملاً يرضي الله عز وجل، الله عز وجل يكافئك بأن يرفع لك ذكرك، وأية آيةٍ يتوهمها الإنسان أنها متعلقةٌ برسول الله وحده في الحقيقة لكل مؤمنٍ منها نصيب.
إذاً الحاجة الثالثة أن تكون عزيزاً، أن تكون إنساناً مهماً، الناس يعرفون قدرك، هذه حاجة عند كل إنسان، لكن ببساطةٍ ما بعدها بساطة هذه الحاجة تلبى وفق منهج الله، اطلب العلم تكون عالماً، اعمل الأعمال الصالحة يرقى الله بك، ﴿ وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ ﴾
لذلك من كان يريد العزة، الرفعة، المكانة: ﴿ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾
[ سورة فاطر الآية 10 ]
(( إِنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة مِنْ رضوان الله لا يُلْقِي لها بالاً، يرفعه الله بها في الجنة، وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنم))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
كلمة ترقى بها إلى أعلى عليين، وكلمة يهوي بها الإنسان إلى أسفل سافلين. الأنبياء العظام قمم البشر جاؤوا بالكلمة الطيبة :
فلذلك
﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7995/04.jpg
الكلمة الصادقة، الكلمة المخلصة، الكلمة الحانية، الكلمة التي تنطلق من واقع، من تجربة، من صدق، من إخلاص، هذه الكلمة جاء بها الأنبياء، الطغاة جاؤوا بالصواريخ، جاؤوا بالمدرعات، بالطائرات، بالأقمار الصناعية، بالقنابل الذرية النووية، بماذا جاء الأنبياء؟ الأنبياء العظام قمم البشر جاؤوا بالكلمة الطيبة.
﴿ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) ﴾
[ سورة إبراهيم الآية : 24 -25 ]
لكن المشكلة أنه في هذا الزمان حينما انفصلت الكلمة عن الواقع، تأتي إلى بلد تقول: أنا جئت لهذا البلد من أجل الحرية، فتقتل مليوناً، وتصيب بالعطب مليوناً آخر-مليون معاق- وتشرد خمسة ملايين، وتنهب ثروات البلد، وتؤخر البلد مئة سنة للوراء، وأنت جئت من أجل الحرية! لذلك كفر الناس بالحرية، حينما تكون الممارسة سيئة جداً، والغطاء راق جداً، يكفر بالكلمة، الأنبياء جاؤوا بالكلمة الصادقة، بالكلمة المخلصة، بالكلمة الرحيمة، بالكلمة الحانية، بالكلمة التي تنطلق من واقع، لذلك الكلمة الطيبة جاء بها الأنبياء، وجاء بها المرسلون، وجاء بها الدعاة الصادقون، فالكلام يكون طيباً ويكون خبيثاً. المؤمن منضبط اللسان لا ينطق إلا بالكلم الطيب :
مرة قرأت كلمة لا أبالغ أن الذي قالها يهوي بها سبعين خريفاً، أنت ضعيف لأنك أخلاقي، وأنت أخلاقي لأنك ضعيف، الشيطان وراء هذه الكلمة، لماذا أنت ضعيف؟ لأنك أخلاقي، لماذا أنت قوي؟ لأنك غير أخلاقي.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7995/05.jpg
فلذلك حينما تطرح طُروحات تتناقض مع عظمة هذا الدين، تتناقض مع منهج الله، هذه الكلمة الخبيثة يهوي بها صاحبها سبعين خريفاً.

(( وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سَخَط الله لا يُلْقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنم))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي ومالك عن أبي هريرة ]
ورد: (( أن قذف محصنة يهدم عمل مئة سنة))
[ورد في الأثر]
قذف محصنة، إنسانة طاهرة عفيفة، أحياناً يُذكر اسم امرأة تقول: لا نعرف، يهوي بها من دون دليل، من دون تحقق في جهنم سبعين خريفاً. (( قالت: قلتُ: يا رسول الله حَسْبُكَ من صفيّةَ قِصَرها، قال: لقد قلتِ كلمة لو مُزِجَ بها البحر لَمَزَجَتْهُ ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن عائشة أم المؤمنين]
أنت حينما تؤمن أن كلامك من عملك تستقيم على أمر الله. ((لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه))
[أخرجه الإمام أحمد،عن أنس بن مالك]
أبرز صفة بالمؤمن أنه منضبط اللسان، تعيش معه ثلاثين عاماً لا يسمع منك كلمة لا ترضي الله عز وجل، لا يوجد بهتان، ولا كذب، ولا احتقار، ولا اشمئزاز من الناس، ولا استعلاء، ولا كبر، المؤمن ينطق بالكلم الطيب وهذا يرفعه عند الله، وغير المؤمن ينطق بالكلم الخبيث. من عاش تقياً عاش قوياً :
الآن هناك طعام طيب، طبعاً كفكرة أولى هناك لحوم كثيرة، ومواد غذائية من أعلى نوع، وخبرة بالطبخ من أعلى مستوى، حيثما جاءت كلمة طعام طيب ليس هذا هو المعنى في الدين إطلاقاً، المعنى أنه أُشتُريّ بمالٍ حلال.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7995/06.jpg
والله زرت والد صديقي -قصة من عشر سنوات تقريباً- عمره ستة وتسعون عاماً، قال لي: الحمد لله أجريت البارحة تحاليل كاملة، فكانت النتيجة أن كل التحاليل طبيعية، ست وتسعون سنة التحاليل كلها طبيعية، وفق الحدود الدنيا والقصوى، قال لي: والله لم آكل في حياتي لقمة حرام، ولا أعرف الحرام النسائي، لا يعرف حرام المال ولا حرام النساء، من عاش تقياً عاش نقياً.
عالم شهير أسس مدرسة شرعية وعلّم فيها ثمانين سنة، بدأ في الثامنة عشرة من عمره ومات في الثامنة والتسعين، كان إذا رأى شاباً في الطريق يقول له: أنت تلميذي، وكان أبوك تلميذي، وكان جدك تلميذي، هذا في الثامنة والتسعين كان منتصب القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، على كل خد وردة، فكان من حوله يسألونه يا سيدي ما هذه الصحة؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر فحفظها الله علينا في الكبر، من عاش تقياً عاش نقياً.
من استقام على أمر الله كان مستجاب الدعوة :
أيها الأخوة، الآن هناك طعام طيب أي أُشتريَّ بمالٍ حلال، أنت عملت في مهن عديدة، ما كذبت، ولا غششت، ولا دلست، ولا زورت، ولا أعطيت صفة للبضاعة بخلاف واقعها، هناك أكثر من مليون مخالفة في البيع والشراء، قد تأتي ببضاعة من دولة من الدرجة العاشرة، وتدمغها على أنها من دولة من الدرجة الأولى، هذا غش، أنواع الغش لا تعد ولا تحصى، أنت حينما لا تكذب، ولا تزور، ولا تدلس، ولا تحتكر، ولا تبع بيع نجشٍ، أنت حينما تستقيم في بيعك وشرائك، معنى ذلك أن هذا المال الذي ربحته مالٌ حلال، فإذا اشتريت به أي طعام فهو عند الله طعامٌ طيب.
(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير عن عبد الله بن عباس]
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾
[ سورة البقرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7995/07.jpg
عندي طالب له خال صاحب دار سينما، هذه الدار تأتي بأفلام فيها إثارة جنسية عالية جداً، والإقبال عليها منقطع النظير، فهذا جمع ملايين عدة من هذه الدار، وفي الأربعين من عمره أصيب بورم خبيث، فزاره ابن أخته تلميذي، فبكى خاله، قال له: جمعت هذا المال كي أستمتع به في خريف عمري، أما وقد داهمني المرض فلن أستفيد شيئاً، لأنك بنيت هذه الثروة على إفساد أخلاق الشباب، عقب هذا الفيلم كم حادث زنا صار؟ كم انحراف جنسي صار؟ كم انحراف أخلاقي صار؟ حينما تجمع المال على حساب أخلاق الشباب فأنت مؤاخذ:
(( يا سعد أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة))
[أخرجه الطبراني في المعجم الصغير عن عبد الله بن عباس]
إن الله طيِّب لا يقبلُ إلا طيباً :
أيها الأخوة، وهناك زوج طيب وزوجة طيبة، وهناك زوج خبيث وزوجة خبيثة، قال تعالى:
﴿ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ﴾
[ سورة النور الآية: 26 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7995/08.jpg
هناك إنسان طيب صادق، متواضع، رحيم، منصف، محسن، وهناك إنسان كاذب، خائن، منحرف، يغتاب، ينم بين الناس، إنسان طيب وإنسانة طيبة، المؤمنة إنسانة طيبة.
((أعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة))
[أخرجه البزار والإمام أحمد عن عائشة أم المؤمنين]
أي أعظم النساء بركةً أقلهن مهراً.
لذلك: ((إن الله طيِّب ، لا يقبلُ إلا طيباً))
[أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة]
لذلك يقول عليه الصلاة والسلام: (( لا يتصدَّق أحَد بتمرة من كَسْب طَيِّب إلا أخَذَها الله بيمينه، يُربِّيها كما يربي أحَد فَلُوَّه أو قَلوصَه، حتى تكون مثل الجبل، أو أعظم ))
[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ومالك عن أبي هريرة]
دفعت مبلغاَ من مالٍ حلال، من مبلغٍ طيب حصلته بجهدٍ طيب. الرزق أخطر شيء بحياة الإنسان :
أخواننا الكرام، أخطر شيء بحياة الإنسان أن يكون رزقه حراماً، مثلاً: دعوة ميئوس من نجاحها، لكن الموكل ليس له خبرة في القوانين، تقول له: بالمئة مليون ناجحة، يمكن أن تبتز منه مئات الألوف لعشر سنوات، ثم تفاجئه بأن القاضي لم يكن عادلاً ليس هذا ذنبي، هذا المال حرام، يمكن أن تنصح مريضاً بعملية جراحية لا يحتاجها، فالمبلغ مال حرام، يمكن أن ترفع مستوى الأسئلة فالطلاب جميعاً بعلامات متدنية، يحتاجون إلى دروس خاصة، فهذا المال حرام، والله أساليب الحرام لا تعد ولا تحصى.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7995/09.jpg
وأنت حينما تراقب نفسك، أنت حينما توهم الشاري أن هذه البضاعة في طريقها إلى المنع، أي ِالحق نفسك والأمر غير صحيح، فرفعت السعر قبله، أساليب البيع الحرام لا تعد ولا تحصى، فالبطولة أن يكون كسبك حلالاً، لا فيه كذب، ولا تدليس، ولا غش، ولا تزوير، ولا تحوير، ولا احتكار، ولا تلقي الركبان، فمعاصي البيع والشراء لا تعد ولا تحصى، الله عز وجل كما قلت :

(( إن الله طيِّب ، لا يقبلُ إلا طيباً ))
حديثٌ آخر بهذا المعنى يقول عليه الصلاة والسلام : (( أيُّها الناس، إن الله طيِّب ، لا يقبلُ إلا طيباً، وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
تقول: أنا لست نبياً، ومن قال لك أنت نبي؟ لكن أنت مكلف أن تستقيم كما استقام النبي، أنت ممرض بمستشفى كُلفت أن تعطي حقنة لمريض، يجب أن تعقمها كما يعقمها الطبيب، هذه قضايا حدية ليس لها علاقة بالمكانة، الممرض وجراح القلب يستويان في تعقيم الحقنة: (( وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمر به المرسلين ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
(( ثم ذكرَ الرجلَ يُطيل السَّفر، أشعثَ أغْبَرَ، يمدّ يديه إلى السماء: يا ربِّ يارب ومطْعمه حرام، ومشْرَبُهُ حرام، وملبَسَهُ حرام، وغُذِيَ بالحرام، فأنَّى يُستجَاب لذلك؟ ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
أكل الطيبات أحد سبل الوصول وأحد علامات القبول، أن تأكل طيباً، أن تأكل طعاماً أُشتري بمالٍ حلال، والمال الحلال هو المال الذي كسبته بطريقٍ مشروع مئة بالمئة. الشيء الطيب والخبيث تعرفه الفطر السليمة بدايةً :
أيها الأخوة:
(( إنَّ من أطيب ما أكل الرجلُ من كسبه ))
[أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي عن عائشة أم المؤمنين ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7995/10.jpg
أي عمل مشروع، عمل يدوي، عمل صناعي مشروع، عمل تجاري، عمل زراعي، عمل خدمي، فيه صدق، فيه أمانة، ليس فيه كذب، ولا إيهام، و لا دجل، و لا تزوير، و لا غش، هذا العمل دخله حلال، إن اشتريت به أسوأ طعام صناعةً فهو عند الله أطيب طعام، ولو اشتريت أطيب طعامٍ من حيث المذاق بمالٍ حرام فهو عند الله طعامٌ خبيث.
لذلك أيها الأخوة، الشيء الطيب والخبيث تعرفه الفطر السليمة بدايةً، لماذا سمّى الله المعروف معروفاً؟ لأن الفطر السليمة تعرفه، ولماذا سمّى الله المنكر منكراً؟ لأن الفطر السليمة تنكره، فالطيب تعرفه الفطر السليمة.
أنت فتحت دكاناً، اشتريت بضاعة جيدة وسعرها معتدلاً، وعاملت الناس معاملة طيبة، فالفرق بين الشراء والمبيع هذا الربح، هذا حلال مئة بالمئة، البضاعة طيبة والسعر معتدل، و لا يوجد غش.
لكن لو إنسان فرضاً يبيع الزيت وجد فأرة في الزيت، لم يراها أحد من زبائنه نزعها بملقط، وباع الزيت كزيت، فهذا المال حرام، هذا الزيت يباع لمعمل الصابون، أما لا يباع للناس للأكل.
فأنت حينما تخالف الشريعة فالدخل حرام، ومع الدخل الحرام هناك دمار مال، يقول لك: مصادرات، احترق المحل.
أحياناً هناك ردّ إلهي دون أن تشعر، قال له: يا ربي -هكذا يروى- لقد عصيتك فلم تعاقبنِي، قال: وقع في قلبه أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ.
كما أن هناك مليون طريق للمال الحرام، هناك مليون طريق لتدمير المال، يقول لك: مصادرة، احتراق شاحنة، أصابها حادث.
أيها الأخوة، قال بعض العلماء: الفرق بين الطيب والحلال؛ الحلال ما أفتى به المفتي، أما الطيب فما أفتاك به قلبك، أنت معك فطرة سليمة تشعر أن هذا الدخل طيب، ليس فيه كذب ولا دجل.
أيها الأخوة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن نجهد أن يكون الدخل حلالاً حتى إذا اشترينا به طعاماً يكون هذا الطعام طيباً عندئذٍ يستجيب الله دعاءنا.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-15-2018 08:53 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السادس و الستون )

الموضوع : اكل الطيبات و تعلقة بالحلال والحرام









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. قواعد في الحلال والحرام :
1 ـ الأصل في الأشياء الإباحة أما في العقائد والعبادات فالأصل فيها الحظر :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7996/01.jpg
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ متعلقٍ بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" الموضوع "أكل الطيبات".
ولكن من لوازم هذا الموضوع موضوع الحلال والحرام، ومن خلال النصوص القرآنية والنبوية الصحيحة استنبط بعض العلماء قواعد في الحلال والحرام لابد من الوقوف عندها، لأنها منهجٌ للمؤمن في موضوع الحلال والحرام.
فالقاعدة الأولى: الأصل في الأشياء الإباحة، ولا يحرم شيءٌ إلا بالدليل القطعي الدلالة، والثابت نسباً، هذا في الأشياء، أما في العقائد والعبادات فالأصل فيها الحظر، ولا تشرع عبادةٌ إلا بالدليل القطعي والثابت، عندنا عقائد وعبادات الأصل فيها الحظر، وعندنا أشياء الأصل فيها الإباحة، بالأشياء التحريم يحتاج إلى دليل، أما في العبادات فالتشريع يحتاج إلى دليل، لو كان كل مسلم يخترع عبادة انتهى الدين، فالعبادات توقيفية، ولا تشرع عبادةٌ إلا بالدليل القطعي والثابت، هذه قاعدة، طبعاً قال تعالى:
﴿ وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ﴾
[ سورة الجاثية الآية: 13]
الكون كله مسخر لهذا الإنسان، إذاً الأصل في الأشياء الإباحة. (( ما أحل الله في كتابه فهو حلال))
[أخرجه الطبراني والبزار عن أبي الدرداء]
الآن بموضوع الحلال والحرام والعبادات: (( وما حرم هو حرام وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عافيته فإن الله لم يكن لينسى شيئاً، ثم تلا: { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } ))
[أخرجه الطبراني والبزار عن أبي الدرداء]
﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ﴾
[ سورة مريم الآية: 64 ]
هذه القاعدة الأولى مهمة جداً، الأصل في الأشياء الإباحة ولا يحرم شيءٌ إلا بالدليل القطعي والثابت، والأصل في العقائد والعبادات الحظر ولا تشرع عبادةٌ إلا بالدليل القطعي والثابت هذه قاعدة. 2 ـ التحليل والتحريم من شأن الله وحده :
القاعدة الثانية: التحليل والتحريم من شأن الله وحده، غير مسموحٍ لأي إنسانٍ كائنٍ من كان أن يقول لك: هذا حلال وهذا حرام، التحليل والتحريم من شأن الله وحده، ونحن لا يوجد عندنا بالعالم الإسلامي إنسان كلامه دليل، إلا أن كلامه يحتاج إلى دليل، أما النبي وحده فكلامه سنة، وفعله سنة، وإقراره سنة، بحياة المسلمين إنسان واحد هو رسول الله كلامه دليل، أي إنسان آخر يحتاج كلامه إلى دليل، هذه قاعدة ثانية: التحليل والتحريم من حق الله وحده.
﴿ أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ ﴾
[ سورة الشورى الآية: 21 ]
﴿ وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾
[ سورة النحل الآية: 116 ]
فالتحليل والتحريم من شأن الله وحده، غير مسموحٍ لإنسان أن يقول: هذا حلال وهذا حرام بلا دليل، كان بعض العلماء الكبار إن سُئل عن شيء يقول: لا أرتاح له لا أفعله فقط، أما حلال و حرام فهذا تألي على الله. 3 ـ تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر :
أيها الأخوة، القاعدة الثالثة: تحليل الحرام وتحريم الحلال من أكبر الكبائر، بل إن تحريم الحلال ليس أقل إثماً من تحليل الحرام، يقول الله عز وجل فيما يرويه النبي عن ربه:
(( إني خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ ))
حنفاء أي مائلون بفطرتهم إلى الشرع، الفطرة متوافقة مع الشرع. (( إني خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كلّهم . وإنهم أَتَتْهُمُ الشياطين فاجْتَالَتْهم عن دينهم ))
[أخرجه مسلم عن عياض بن حمار]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7996/02.jpg
أي استخفت بهم، فجالوا معها في الحلال والحرام، الآن إنسان عادي جداً يقول لك: حرام، حلال، لست مقتنعاً أنه حرام، من أنت؟
يقولون هذا عندنا غير جائز فمن أنتمُ حتى يكون لكم عندُ؟
***

(( وإني خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كلّهم، وإنهم أَتَتْهُمُ الشياطين فاجْتَالَتْهم ))
أي استخفت بهم، فجالوا معها، جالوا تجولوا معها في الحلال والحرام وقالوا: هذا حلال بزعمهم، وهذا حرام بزعمهم. (( وحرمت عليهم ما أَحللتُ لهم . وأمرْتَهُم أن يُشرِكوا بي ما لم أُنَزِّلْ به سُلطانا ))
[أخرجه مسلم عن عياض بن حمار]
الآن هناك فئة من الناس متشددون، يحرمون الحلال، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( هَلَكَ المُتَنَطِّعُون ))
[أخرجه مسلم وأبو داود عن عبد الله بن مسعود]
المتنطع هو المتعمق، المغالي في الكلام، هو مرتاح يقول لك: حرام، أين الدليل؟ يا أخي الكريم عود نفسك ألا تقبل شيئاً إلا بالدليل، ألا تقبل تحريماً إلا بالدليل، وألا تقبل إباحةً إلا بالدليل، ولولا الدليل لقال من شاء ما شاء. 4 ـ الحلال تطيب به النفس والحرام تخبث به النفس :
إذاً: الأصل في الأشياء الإباحة والأصل في العبادات الحظر، والتحليل والتحريم من حق الله وحده، وتحليل الحرام من أكبر الكبائر، كما أن تحريم الحلال من أكبر الكبائر، ويقترن بالشرك.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7996/03.jpg
أخواننا الكرام، الحلال طيب تطيب به النفس، والحرام خبيث تخبث به النفس، هذا ينقلنا إلى أن هناك علاقةً علميةً بين الحلال ونتائجه، وبين الحرام ونتائجه، الحلال طيب تطيب نفسك به، إنسان اشتهى المرأة قام وتزوج، زوجة صالحة، طاهرة، عفيفة، أنجبت له أولاداً، ملأت حياته فرحاً، هذا الزواج كلما تقدم في السن صار هناك مراحل أخرى، صار جد والجد له مكانة كبيرة، المرأة أصبحت أماً، أصبحت جدة، أي هناك مستقبل للحلال، ولا يوجد مستقبل للحرام، الحرام خبيث تخبث به النفس، أوضح مثل: خاطب لابنتك تتم الموافقة عليه، يعقد العقد الشرعي، يسهر عندكم للساعة الثانية ليلاً، لا أحد يتكلم كلمة، أما لو أن فتاة كلمها شاب لا تعرفه، ومشت معه في الطريق، ورآها أبوها كأنها وقعت في فضيحة، الحلال مقبول والحرام مرفوض، الحلال تطيب به النفس والحرام تخبث به النفس، طبعاً الدليل:

﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 157 ]
وهذا دليل عام، أي شيء ثبت أنه خبيث فهو حرام بالدليل العام. 5 ـ في الحلال ما يغني عن الحرام :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7996/04.jpg
أيها الأخوة، هناك قاعدة أخرى: في الحلال ما يغني عن الحرام، أي شيءٍ حرمه الله عز وجل أحلّ مقابله شيئا آخر، الله عز وجل حرم الاستقسام بالأزلام - وسيلة بدائية لأن تختار هذا الشيء وهذا الشيء- عوضهم عن الاستقسام بالأزلام بدعاء الاستخارة، الاستقسام بالأزلام محرم يقابله دعاء الاستخارة، حرم عليهم الربا عوضهم عنها بالتجارة الرابحة والبيع الحلال، حرم عليهم القمار و جعل بدلاً منها المسابقة في الدين، حرم عليهم الحرير و استعاض عنها بالملابس الفاخرة، حرم عليهم الزنا و استعاض عنها بالزواج الحلال، حرم عليهم شرب المسكرات عوضهم بالأشربة اللذيذة، حرم عليهم الخبائث من المطعومات و استعاض عنها بالمطاعم الطيبات، ما من شيءٍ حرمه الله إلا له بديل.
الآن التأمين حرام لكن التأمين التعاوني حلال، أنت بالتأمين التعاوني شريك في هذه المؤسسة، أربع سنوات لم يحدث معك أي حادث يقتضي أن تأخذ تعويضاً، لكن مالك محفوظٌ لك، ولك أن تربح منه، أي لا يوجد شيء حرام إلا ويقابله شيء حلال، حرمان بالإسلام لا يوجد لكن هناك تنظيماً.
6 ـ ما أدى إلى حرام فهو حرام :
أيها الأخوة، النقطة الدقيقة في القاعدة السادسة: ما أدى إلى حرام فهو حرام، الزنا محرم، إطلاق البصر محرم، مقدمات الزنا محرمة، التبرج الجاهلي محرم، الخلوة بامرأةٍ لا تحل لك محرمة، الاختلاط العابث محرم، الصور الفاضحة محرمة، الأدب المكشوف محرم، المواقع الإباحية بالإنترنت محرمة، القصص الماجنة محرمة، الفضائيات التي يوجد فيها مشاهد مثيرة محرمة، فما أدى إلى حرام فهو حرام، نحن عندنا قاعدة مذهلة:
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7996/05.jpg
الأهداف النبيلة لها وسائل نبيلة، الوسائل من جنس الهدف، لا يوجد هدف نبيل وسائله خبيثة أبداً، لا يوجد يانصيب خيري، ولا حفلة غنائية كبرى يرصد ريعها للأيتام، لا تصح، الأهداف النبيلة لابد لها من وسائل نبيلة، الأهداف الشريفة لها وسائل شريفة، في الإسلام الوسيلة من جنس الهدف، إذاً ما أدى إلى حرام فهو حرام.
هناك نقطة ثانية: الحرام تتسع دائرته لا لتبقى عند فاعل الحرام بل لتشمل كل من شارك فيه، ملهى ليلي كل ما في الملهى معاصي وآثام، الذي ركب الكهرباء آثم، والذي دهن البناء آثم، والذي زين البناء آثم، كل من شارك في هذا الملهى آثم، فإثم الحرام لا يقتصر على فاعله المباشر بل تتسع الدائرة لتشمل كل من شارك بجهدٍ ماديٍ أو أدبي، أي من أعان ظالماً ولو بشطر كلمة، أنت عند موظف خطير يريد أن يوقع الأذى بإنسان، قال لك: معي الحق، قلت له: طبعاً شاركته في الإثم.
(( مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ))
[أخرجه ابن ماجه عن أبي هريرة]
لذلك من أين أُخذ هذا؟ في الخمر: (( لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه ))
[أخرجه الحاكم عن عبد الله بن عباس]
يمكن أن نضيف شيئاً الآن؟ والمعلن عنها، مؤسسة إعلانية، تعلن عن نشاط ملهى ليلي مثلاً، هذا الإعلان آثم، تتسع دائرة الحرام حتى تشمل كل من شارك في هذا الحرام، وهذا معنى قوله تعالى: ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾
[ سورة النساء الآية: 85 ]
هذه القواعد ليست من بنات أفكار العلماء، هذه القواعد مستنبطة من نصوص كثيرة، آيات وأحاديث صحيحة متعلقة بالحلال والحرام. 7 ـ التحايل على الحرام حرام :
أخواننا الكرام، قاعدة أخرى: التحايل على الحرام حرام، آتي بسجادة من محل بيع السجاد، يأتي إنسان بكم هذه السجادة؟ يقول له: هذه بعشرة آلاف، يشتريها ديناً، نكتب في الدفتر مبيع السجادة لفلان بعشرة آلاف، اشتراها ديناً بعشرة آلاف، الآن يقول هذا الشاري: أتشتريها مني بثمانية آلاف نقداً؟ قال له: موافق أعطاه الثمانية آلاف، الذي حصل أن إنساناً أخذ ثمانية آلاف يجب أن يؤدي بعد شهرين عشرة آلاف، هذا الربا بعينه، أما الصورة بيع وشراء، بيع العينة حرام، هو ربا بشكل بيع وشراء، ببلاد سجادة، ببلاد كيس رز، يشتري الإنسان كيس الرز بخمسة آلاف ديناً، يبيعه للبائع بأربعة آلاف نقداً، أي اقترض أربعة آلاف سددها خمسة آلاف عن طريق شراء كيس رز.
لذلك التحايل على الحرام حرام، وهذا موضوع ينقلنا إلى الحيل، الذي يحتال على الله كأن الله لا يعلم، مثلاً يريد أن يسكن مع امرأة أخيه، يحضر طفلة صغيرة من الحي ترضعها امرأة الأخ تصبح أمها من الرضاعة، يعقد قرانه على هذه الطفلة التي عمرها سنتين أو شهرين، تصبح هي حماته، يُطلّق الصغيرة، تصبح حماته على التأبيد، فيسكن معها دائماً، هذه الحيل لا تنطلي على طفل، هناك أساليب لا تعد ولا تحصى في الحيل، أنت بهذه الحيلة لا تعرف الله أبداً، فالتحايل على الحرام حرام، أحياناً يتغير الاسم، بدل فائدة عائدة تبقى فائدة، هناك أشياء محرمة قطعاً تعطى أسماء أخرى وكأن هذا الاسم إذا تغير تغير طبيعة الشيء.
8 ـ النية الحسنة لا تبرر الحرام :
الآن القاعدة الثامنة: النية الحسنة لا تبرر الحرام، لا يوجد حرام بنية حسنة، طبعاً الإسلام يقدر الباعث الكريم، والقصد الشريف، والنية الطيبة في التشريعات.
(( إِنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن عمر بن الخطاب]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7996/06.jpg
بالنية الطيبة تصبح المباحات والعادات طاعات وعبادات، أنت إذا اشتريت ثياباً بنية أن تظهر بمظهر لائق، أنت مؤمن لك خصوم، أنت حينما تشتري ثياباً بنية أن تظهر بمظهر لائق صار عملاً صالحاً، حينما تأخذ أهلك إلى نزهة بنية أن تمتن العلاقة بينك وبين أولادك عمل صالح، عادات المؤمن عبادات بالنية الطيبة، وعبادات المنافق سيئات بالنية الخبيثة، هذا شيء ثابت، لكن كما قال عليه الصلاة والسلام:
(( ومن طلب الدنيا حلالاً استعفافاً عن المسألة وسعياً على أهله، وتعطفاً على جاره ، لقي الله عز وجل ووجهه مثل القمر ليلة البدر))
[شعب الإيمان عن أبي هريرة]
أنت تعمل عملاً يومياً، بائع، موظف، طبيب، أنت حينما تنوي خدمة المسلمين بطبك أصبحت حرفتك عبادة، حينما تنوي نفع المسلمين بتجارتك تقدم لهم بضائع جيدة بسعر معتدل بمعاملة طيبة، وأنت في محلك التجاري في عبادة، بل إن العمل المهني، العمل الذي ترتزق منه، إذا كان في الأصل مشروعاً، وسلكت به الطرق المشروعة، وابتغيت منه كفاية نفسك وأهلك ولم يشغلك عن طاعةٍ، ولا عن واجبٍ ديني، انقلب إلى عبادة، ماذا تقولون؟ كل إنسان إذا ابتغى بعمله خدمة المسلمين انقلب عمله إلى عبادة. 9 ـ اتقاء الشبهات أولى :
أيها الأخوة، عندنا قاعدة أخرى اتقاء الشبهات أولى، أي درء المفاسد مقدمٌ على جلب المنافع، اتقاء الشبهات أولى.
(( إنّ الحلال بيِّن، وإن الحرام بيِّن ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير]
الزنا حرام، السرقة حرام، وأن تشتري طعاماً بمالٍ حلال تأكله مع أهلك هذا حلال، فالحلال الصرف واضح كالشمس، والحرام الصرف واضح كالشمس، لكن: (( وبينها أمور مشتبهات ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير]
أي هذا الأمر يشبه الحلال من جهة والحرام من جهة، هذه: (( أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير]
الآن: (( فمن اتقى الشبهات ، استبرأ لدينه وعِرْضهِ ، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام ، كالراعي يرعى حول الحمى يَوشك أن يرتَعَ فيه ، ألا ولكِّ ملك حمى، إلا وإنّ حمى الله محارمُه ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن النعمان بن بشير]
10 ـ الحرام حرام على الجميع :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7996/07.jpg
أخواننا الكرام، الحرام حرام على الجميع، نحن لا يوجد عندنا استثناءات بالدين، لا يوجد حرام على فئة وحلال لفئة، لا يوجد شيء ممنوع على فئة ومسموح لفئة، لا يوجد شيء مباح لفئة ومحرم على فئة، الحرام حرامٌ على الجميع، فالإسلام فيه عدل مطلق، السرقة حرام سواء أكان السارق ينتمي إلى المسلمين أو لا ينتمي، سواء أكان المسروق ينتمي إلى المسلمين أو لا ينتمي، هذا كافر، من قال لك إن ماله حلال لك؟ من قال لك؟ أنا لي رأي خاص: الحرمة أشد، إنك إن أسأت إلى كافر، أو أكلت ماله، يتهم الإسلام كله، الجزاء لازم للسارق أياً كان نسبه:

(( إنما هلك الذين من قبلكم أنه كان إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها ))
[ أخرجه الطبراني عن أم سلمة أم المؤمنين]
الحرام على الجميع. 11 ـ ضابط الكسب الحلال :
لكن آخر شيء في هذا اللقاء الطيب: عندنا ضابط، قاعدة تجمع كل الحرام، وقاعدة أخرى تجمع كل الحلال، الحلال منفعةٌ بنيت على منفعة، أما الحرام فمنفعةٌ بنيت على مضرة، لو جمعت كل أنواع الحرام؛ يانصيب، سرقة، احتيال، غش، تدليس، أي المحرمات في البيع لا تعد ولا تحصى، لو جمعت كل المحرمات في البيع والشراء لا تزيد عن أن منفعةً بنيت على مضرة، ولو جمعت كل أنواع الحلال لا تزيد عن أن منفعةً بنيت على منفعة، هذه محور الأصل في الحلال أن منفعةً تبنى على منفعة أي منافع متبادلة، والحرام منفعة بنيت على مضرة.
أيها الأخوة الكرام، موضوع الحلال والحرام مهم جداً لأنه قوام حياتنا، لأنه قوام طريقنا إلى الله، لأنه ما من موضوعٍ أشد لصوقاً بسبل الوصول وعلامات القبول من موضوع الحلال والحرام.












والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-15-2018 08:56 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السابع و الستون )

الموضوع : صلة الرحم




الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. صلة الرحم :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، ولعله من أبرز العبادات التعاملية إنه "صلة الرحم"، فقد قال الله عز وجل:
﴿ وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى ﴾
[ سورة النساء الآية: 36 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7997/01.jpg
وقد قرنت هذه العبادة التعاملية بالصلاة والزكاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فعن أبي أيوب الأنصاري أن رجلاً أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال:
(( أخبرني بعمل يُدْخِلُني الجنَّةَ، ويباعدني من النار، فقال القوم: ما لَهُ؟ ما لَهُ؟ فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: أرَبَّ ما لَهُ؟ تعبدُ الله لا تُشْرك به شيئاً، وتقيمُ الصلاةَ وتُؤتي الزكاةَ، وتَصِلُ الرَّحِمَ ))
[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي عن أبي أيوب ]
هذا قانون، وقد أُمرت الأمم قبلنا بصلة الرحم، فقال سبحانه: ﴿ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى ﴾
[ سورة البقرة الآية: 83 ]
ودعا النبي صلى الله عليه وسلم في مطلع نبوته إلى صلة الرحم، فعن أبي أمامة قال: (( كُنْتُ وأنا في الجاهلية أظُنُّ أنَّ الناس على ضلالة، وأنهم لَيْسُوا على شيء وهم يَعْبُدُون الأوثان، فسمعتُ برَجُل بمكةَ يُخْبِرُ أخْبارا، فَقَعَدْتُ على رَاحِلتي، فَقَدِمْتُ عليه فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مُسْتَخْفِيا، حِرَاء، عليه قومه، فَتَلَطَّفتُ، حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنتَ؟ فقال: أنا نبي، فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله فقلت: فَبِأيِّ شيء [ أرسلك ]؟ قال: [ أرسلني ] بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يُوَحَّدَ الله ولا يشرك به شيء ))
[ أخرجه مسلم عن عمرو بن عبسة ]
صلة الرحم عبادة تحتل المركز الأول بعد العبادات الشعائرية :
تلاحظون أن هذه العبادة التعاملية تحتل أول مركز بعد العبادات الشعائرية، بل إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يربط هذه العبادة بأن يكون الأرحام لهم مكانة، قال النبي الكريم:
((أوصاني خليلي بصلة الرحم وإن أدبرت ))
[ أخرجه الطبراني والطبراني عن أبي ذر الغفاري ]
و: ((أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع : خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية ، وكلمة العدل في الغضب والرضى ، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا ، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة، بل إن هذه العبادة التعاملية الأولى ربطت بالإيمان، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (( وَمَن كانَ يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخر فليَصِل رَحِمَه ))
[أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن أبي هريرة ]
صلة الرحم عبادةٌ عظيمة من أخصّ العبادات :
أيها الأخوة، صلة الرحم عبادةٌ عظيمة من أخص العبادات، يقول عمر بن دينار: ما من خطوةٍ بعد الفريضة أعظم أجراً من خطوةٍ إلى ذي رحم، ثوابها معجلٌ في الدنيا، ونعيمٌ مدخرٌ في الآخرة، فقد قال صلى الله عليه وسلم:
(( إن أعجل الطاعة ثواباً صلة الرحم ))
[أخرجه الطبراني في المعجم عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7997/02.jpg
أعجل ثواباً في الدنيا قبل الآخرة، والقائم بحقوق ذوي القربى موعودٌ في الجنة، فقد قال عليه الصلاة والسلام:
((أصحاب الجنة ثلاثة ذو سلطان مصدق ومقسط موفق ))
[أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم عن عياض بن حماد]
إنسان قوي، عادل، مستقيم، موفق، محسن. (( ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قُرْبَى ومسلم ، وعفيف مُتَعَفِّف ذو عيال ))
[أخرجه ابن حبان في صحيحه والحاكم عن عياض بن حماد]
السخاء على الرحم له ثوابٌ مضاعفٌ من رب العالمين :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7997/03.jpg
أيها الأخوة الكرام، أمر الله بالرأفة بالأرحام كما نرأف بالمساكين، قال عز وجل:

﴿ وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة الإسراء الآية: 26]
وحق الرحم في البذل والعطاء مقدمٌ على اليتامى والمساكين، قال تعالى: ﴿ يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 215 ]
أيها الأخوة، السخاء على الرحم له ثوابٌ مضاعفٌ من رب العالمين، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم دققوا في هذا الحديث: (( الصَّدَقَةُ على المسكينِ صَدَقة، وهي على ذي الرَّحمِ اثنتان: صدقة وصِلة ))
[أخرجه أبو داود والترمذي عن سلمان بن عامر ]
إن تفقدت ذوي رحمك لك أجران؛ أجر الصدقة مع أجر الصلة، وأول من يعطى من الصدقة هم الأقربون من ذوي المسكنة، فعن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: (( كان أبو طلحةَ أكثَرَ الأنصار مالا بالمدينة من نخل، وكان أحبَّ أمواله إِليه بَيْرُحاءَ - بستان جميل جداً وكانت مستقبلةَ المسجدِ - فكان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يدخُلُها، ويشربُ من ماء فيها طيِّب ، قال أنس: فلما نزلتْ هذه الآية: { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ }
[آل عمران : 92]
قام أبو طلحةَ إِلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسولَ الله، إِن الله تبارك وتعالى يقول: { لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } وإِن أحبَّ مالي إِليَّ: بَيْرُحاءَ، وإِنَّها صدقة لله، أرجو بِرَّها وذُخْرَها عند الله فَضعْها يا رسولَ الله حيث أراكَ الله، قال: فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: بَخ، ذلك مال رابح ذلك مال رابح )) [ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن أنس بن مالك ]
بعضهم يقول: لما سمي المال مالاً؟ لأنه ليس لك ما لك، أما إذا أنفقته في سبيل الله فيصبح لك. (( ذلك مال رابح، ذلك مال رابح، وقد سمعتُ ما قلتَ، وإِني أرى أن تجعلَها في الأقربين، فقال أبو طلحةَ: أفعلُ يا رسولَ الله، فقسمها أبو طلحةَ في أقاربه وبني عمه))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي ومالك عن أنس بن مالك ]
الباذل لأقربائه سخيُ النفس كريم الشيم :
أيها الأخوة، الباذل لأقربائه سخيُ النفس، كريم الشيم، يقول الشعبي -رحمه الله-: والله ما مات ذو قرابةٍ لي وعليه دين إلا وقضيت عنه دينه.
أحد أخواننا الكرام، له ابن عم أستاذ جامعي، توفي بمرض وبيل، فسأل أولاده أمامي أَعلى والدكم دين؟ قالوا: نعم، قال: هو عليّ، قال لي: تصورت عشرة آلاف، عشرين ألفاً، بعد عدة يوم سألهم، فقالوا: ثلاثمئة وخمسة وثمانين ألفاً، قال لي: والله دفعتها عداً ونقداً، أقسم لي بالله وقال: كان عندي بضاعةٌ كاسدة من سنوات طويلة بعتها بعد عدة أيام ونصيب أرباحي منها المبلغ نفسه.
فهذا الشعبي يقول: ما مات ذو قرابةٍ لي وعليه دين إلا وقضيت عنه دينه.
من هم الأرحام؟
من هم الأرحام؟ بشكل موضوعي الرحم الأولى رحم الدين، هي رحمٌ عامة تشمل جميع المسلمين، تتفاوت صلتهم بحسب قربهم وبعدهم من الدين، أو بحسب قربهم المكاني أو الزماني فيدل على ذلك قوله تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
[ سورة الحجرات الآية: 10 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7997/04.jpg
أي مؤمن هو أخوك في الدين بحسب مكانه، طبعاً الإنسان بالصين غير الإنسان بالشام، الذي في الشام أقرب إليك، بحسب المكان، والزمان، والقوة في الدين، لذلك قال تعالى:
﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾
[ سورة الحجرات الآية: 10 ]
الأخوة الإيمانية لجميع المسلمين، وقال تعالى: ﴿ فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ ﴾
[ سورة محمد ]
هنا الرحم العامة رحم الإيمان، أي كل أخ مؤمن له عليك حق.
النوع الثاني: رحم القرابة القريبة أو البعيدة من جهتي الأبوين، إذاً كل أقربائك القريبة والبعيدة من جهة الأبوين، أي من جهة والدك ومن جهة أمك. صلة الرحم تدفع ميتة السوء :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7997/05.jpg
أيها الأخوة، العلاقات بين الناس تزداد وثوقاً بالرحم، وقريبك لا يمَلّك على القرب، ولا ينساك في البعد، عزه عزٌ لك، وذله ذلٌ لك، قال القرطبي رحمه الله تعالى: اتفقت الملة على أن صلة الرحم واجبةٌ، وأن قطيعتها محرمة.
وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(( إنه من أعطي حظه من الرفق فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة، وصلة الرحم وحسن الجوار وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار))
[ أخرجه الإمام أحمد عن عائشة أم المؤمنين ]
معنى يزيدان في الأعمار؛ هناك معنى شرحه العلماء قالوا: العمر لا يتبدل، لكن العمر يغتني بالعمل الصالح، أو يطول بالعمل الصالح، ويقصر بضعف العمل الصالح، أوضح مثل إنسان فتح محله التجاري ساعة باع بمليون، وإنسان فتحه اثنتي عشرة ساعة باع بمئة ليرة، فالزمن ليس له قيمة، القيمة لهذا المبلغ الذي باع فيه في هذا اليوم.
و عن أنسٍ رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الصدقَةَ تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ ، وتَدْفَعُ مِيتَة السُّوءِ ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
والله مرة في طريقي إلى مكتبي وجدت إنساناً ملقى على الأرض مغطى بغطاء، مات لعله بسكتة دماغية في الطريق، هذا الساعة التاسعة صباحاً، الساعة الرابعة بعد الظهر هو هو، الطبيب لم يأتِ، إنسان يموت في الطريق، إنسان يموت في بيته بين أهله، فلذلك صلة الرحم تدفع ميتة السوء. كيفية صلة الرحم العامة و الخاصة :
أيها الأخوة، أولاً: رحم الدين كيف نصلها؟ قال: بملازمة الإيمان، والمحبة للمؤمنين، ونصرتهم، والنصيحة لهم، وترك أذيتهم، والعدل بينهم، والإنصاف في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة، كتمريض المرضى، ومواساة الفقراء من دون أن يمن عليهم، ونصرة المظلومين، وحقوق الموتى من غسلهم، والصلاة عليهم، ودفنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة على أهل الإيمان، هذه الرحم العامة، الرحم الخاصة رحم القرابة، وتكون صلتها بزيارتهم، وتفقد أحوالهم، والسؤال عنهم، والإهداء إليهم، والتصدق على فقيرهم، والتلطف مع وجيههم وغنيهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتكون الصلة باستضافتهم، وحسن استقبالهم، وإعزازهم، ومشاركتهم في أفراحهم، ومواساتهم في أتراحهم، وتكون الصلة بالدعاء للأرحام، وسلامة الصدر لهم، والحرص على نصحهم، ودعوتهم للخير، وأمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وإصلاح ذات البين إذا فسدت.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7997/06.jpg
حدثني أخ قال لي: أنا أسكن ببيت، ثاني قبو تحت الأرض، شمالي، مساحته سبعون متراً، رطوبته عالية جداً، أولادي معهم أمراض كثيرة، قال لي: والله ما خطر في بالي شيء، إلا أنك حينما تحدثت عن صلة الرحم زرت أحد أقربائي، لم أجده فوضعت له بطاقة، يبدو أن هذا القريب رأى من الواجب أن يرد الزيارة، ردها بعد العيد، رأى بيتي بهذا الوضع، قال له: هذا البيت لا يُسكن، قال لي بمروءةٍ عجيبة وبحرصٍ على أولادي: ابحث عن بيت بمليوني ليرة، القصة قديمة، قال لي: والله الله أكرمني ببيت في الطابق الرابع، جنوبي، انتقلت إليه وحياتنا انقلبت رأساً على عقب بهذه الصلة.

صلة الرحم زيارة وتفقد ومساعدة وتوجيه :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7997/07.jpg
الحقيقة هذه الصلة تعني أن القوي من الأقارب يعاون الضعيف، وأن الغني يعاون الفقير، وأن العالم يعاون الجاهل، أنا أتصور صلة الرحم عملية معقدة جداً، الناس اختصروها بزيارة مع بطاقة، ويتمنى ألا يجده، يضع البطاقة وانتهى الأمر، كأن هذه الصلة مسخت، أنا أتصور صلة الرحم أن تزوره، أن تتفقد شؤونه المعاشية، التربوية، الدينية، الاجتماعية، أن تمده بما تستطيع، من مال بأسلوب ذكي جداً، لطيف، مثلاً على المدارس هناك هدية معينة، على أول العام الدراسي هناك هدية معينة، في مواسم العبادة هناك هدية معينة، في الأعياد أن تمده بالمال، أن تمده بتعليم أولاده.
والله حضرت قبل يومين جمعية رائعة جداً، أي طالب متفوق لم يتح له أن يدرس في الجامعة، هذه الجمعية مختصة بالإنفاق عليه حتى التخرج، هذا شيء يفعله أهل الدنيا بأكملهم، طالب متفوق يجب أن يدرس.
فأنت حينما تتفقد من حولك المكافأة في الدنيا قبل الآخرة، أولاً: تكون هذه الصلة ببشاشةٍ عند اللقاء، ولينٍ في المعاملة، وطيبٍ في القول، وطلاقةٍ في الوجه، وزيارات، وصلات إحسانٍ إلى المحتاج، وبذلٍ للمعروف، تكون بنصحهم والنصح لهم، ومساندة مكروبهم، وعيادة مريضهم، والصفح عن عثراتهم، وترك مضرتهم، والمعنى الجامع لكل هذا إيصال ما أمكن من الخير، ودفع ما أمكن من الشر، هذه الصلة، الصلة زيارة، الصلة تفقد، الصلة مساعدة، الصلة توجيه.
والله سمعت عن أسرة في هذه البلدة الطيبة أنشؤوا شركة غير ربحية من أجل أن تهيئ فرص عمل للشباب الفقراء من هذه الأسرة، لها اجتماعات تعين الشباب، تبحث عن مستقبلهم، تبعثهم إلى الجامعات، من أروع الأُسر، أقامت جمعية خيرية من أجل مساعدة أفراد هذه الأسرة الكبيرة.
كل إنسان يتفقد أرحامه له من الله معاملة خاصة :
أيها الأخوة، إلا أن الأقارب يختلفون في أحوالهم، وطباعهم، ومنازلهم، منهم من يرضى بالقليل، تكفيه الزيارة السنوية، والمكالمة الهاتفية، منهم من لا يرضى بطلاقة الوجه، والصلة بالقول، منهم من يعفو عن حقه كاملاً ويلتمس المعاذير لأرحامه، ومنهم من لا يرضى إلا بالزيارة المستمرة والاهتمام الدائم، فمعاملتهم بهذا المقتضى، كل قريب له طبع، هذا القريب يكفيه بالسنة زيارة، هذا القريب يحتاج إلى زيارة دورية، هذا القريب دقيق جداً يحاسبك على الهمسة، هذا القريب متسامح.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7997/08.jpg
على كلٍّ بشكل مختصر: تبدأ صلة الرحم بنوعٍ من الاتصال، قد يكون هاتفياً، قد يكون بريدياً، قد تكون زيارة، ثم تفقد الأحوال المعيشية والاجتماعية، ثم المساعدة بألطف أسلوب، ثم الأخذ بيد القريب وأهله إلى الله، وحملهم على طاعته والتقرب إليه، وهذا تاجٌ تتوج به الصلة، أي إذا تمكنت أن تأخذ بيد هذه الأسرة إلى الله، دعوتهم إلى مسجدك، اعتنيت بهم، تفقدت شؤونهم، أكرمتهم بهدايا:

(( يا داود ذكر عبادي بإحساني إليهم، فإن النفوس جبلت على حب من أحسن إليها، وبغض من أساء إليها ))
[ ورد في الأثر]
والله بالواقع أعرف أناساً كثيرين يتمتعون بهذه العبادة التعاملية، والله عز وجل أكرمهم إكراماً لا حدود له، أخ كريم له خمس أخوات بنات، أزواجهن ليسوا أغنياء، هذه بحاجة إلى عملية جراحية على حسابه، هذه تريد مساعدة شهرية على حسابه، شيء عجيب جداً، كل إنسان يتفقد أرحامه له من الله معاملة خاصة.
الآن عندنا أقارب متعبون، حتى لو كان الأقارب من النوع المتعب الذي يقابل الإحسان بالإساءة لا يجوز أن تقاطعهم، لأنك تتعامل مع الله، طاعةً لأمره، والتزاماً بسنة نبيه، أي اصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله، فإن أصبت أهله أصبت أهله، وإن لم تصب أهله فأنت أهله.
غض البصر عن الهفوات والعفو عن الزلات تجني الود والإخاء واللين والصفاء :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7997/09.jpg
أيها الأخوة، الواقع أن ذوي الرحم غير معصومين، يتعرضون للزلل، ويقعون في الخلل، تصدر منهم الهفوات، يقعون في خطيئاتٍ كبيرات، فإن بدر منهم شيءٌ من ذلك فالزم جانب العفو معهم، فإن العفو من شيم المحسنين، وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزة، وقابل إساءتهم بالإحسان إليهم، واقبل عذر معتذرهم، ولك في النبي الكريم يوسف القدوة والأُسوة، فقد فعل أخوة يوسف مع يوسف ما فعلوا، وضعوه في الجب ليموت، أي قتلة، وعندما اعتذروا قَبِل عذرهم، وصفح عنهم الصفح الجميل، ولم يوبخهم بل دعا لهم وقال:

﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾
[ سورة يوسف ]
هناك ملمح دقيق في الآية، قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ ﴾
[ سورة يوسف الآية: 100]
لم يقل من الجب، إن قال: إن أخرجني من الجب ذكرهم بخطيئتهم، تجاهل خطيئتهم قال: ﴿ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ﴾
[ سورة يوسف الآية: 100 ]
لم يصف أنهم أعداء، قال: نزغ الشيطان بيننا، هذا تلطف عال جداً، الأنبياء مثل عليا. حق الرحم :
أيها الأخوة، إذاً غض البصر عن الهفوات، والعفو عن الزلات، وإقالة العثرات تجني الود، والإخاء، واللين، والصفاء، وتتحقق فيك الشهامة، والوفاء، وداوم على هذه الصلة ولو قطعوا، وبادر بالمغفرة ولو أخطؤوا، وأحسن إليهم ولو أساؤوا، ودع عنك محاسبة الأقربين، ولا تجعل عتابك لهم سبباً لبعدهم عنك، وكن جواد النفس، كريم العطاء، وجانب الشح فإنه من أسباب القطيعة.
وعن عبد الله بن عمرو قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال:
(( وإياكم والشح فإنما أهلك من كان قبلكم الشح أمرهم بالقطيعة فقطعوا أرحامهم، وأمرهم بالفجور ففجروا وأمرهم بالبخل فبخلوا ))
[ أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7997/10.jpg
قيل لأحدهم ما حق الرحم؟ قال: تستقبل إذا أقبلت، وتتبع إذا أدبرت، أي ليس الواصل بالمكافئ، زارني أزوره، دعاني إلى وليمة أدعوه إلى وليمة، هذا نمط الغرب، أما عند المسلمين فأصله ولو قطعني، أصله ولو جافاني.
(( أَمَرَنِي رَبِّي بِتِسْع: خَشْيَةِ الله في السِّرِّ والعلانية، وكلمة العدل في الغضب والرضى، والقصد في الفقر والغنى، وأن أَصِلَ مَنْ قَطَعَنِي، وأعطي مَنْ حَرَمَنِي، وأعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَنِي، وأن يكون صَمْتي فِكْرا، ونُطْقِي ذِكْرا، ونظري عبرة، وآمرُ بالعُرْف ))
[أخرجه زيادات رزين عن أبي هريرة ]
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلاً قال للنبي الكريم: (( يا رسولَ الله، إِن لي قرابة، أصلِهُم ويقطعونني، وأُحْسِن إِليهم ويُسيئُون إِليَّ وأحلُم عنهم، ويجهلون عليَّ؟ قال: لئن كنتَ كما قلتَ فكأنما تُسِفُّهُم الملَّ - التراب - ولن يزال معك من الله ظهير عليهم ما دُمتَ على ذلك ))
[أخرجه مسلم عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة، هذا بعض ما في هذه الصلة، وهذه العبادة التعاملية الأولى بعد العبادات الشعائرية، أسأل الله سبحانه وتعالى أن تترجم هذه النصوص والحقائق إلى سلوك يومي.









والحمد لله رب العالمين



السعيد 07-15-2018 08:59 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( الثامن و الستون )

الموضوع : الوصول الى صلة الرحم









الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
صلة الرحم تدفع نوائب الدهر وترفع بأمر الله عن المرء البلايا :
أيها الإخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ متصلٍ أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو موضوع "صلة الرحم".
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7998/01.jpg
الحقيقة أن لهذه الصلة، أو لهذه العبادة التعاملية الأولى التي وردت بعد العبادات الشعائرية في القرآن والسنة ثماراً يانعةً وكبيرة، فصلة الرحم تدفع نوائب الدهر، وترفع بأمر الله عن المرء البلايا، فقد قال جبريل للنبي عليه الصلاة والسلام في الغار:
(( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } فرجع بها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يَرْجُف فؤاده ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين ]
لأول مرة: (( فدخل على خديجة بنت خُويلد، فقال: زمّلوني، زمّلوني، فزملوه حتى ذهب عنه الرَّوْع. فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيتُ على نفسي ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين ]
الآن دققوا: (( فقالت له خديجة: كلا، أبشر، فو الله لا يُخزيك الله أبداً، إنك لتَصِلُ الرحم ))
[ أخرجه البخاري ومسلم، عن عائشة أم المؤمنين ]
من أبرز العبادات التعاملية بعد العبادات الشعائرية صلة الرحم. (( فو الله لا يُخزيك الله أبداً، إنك لتَصِلُ الرحم، وتَصْدُق الحديث، وتحمل الكَلّ - الضعيف - وتَكسِب المعدوم . وتَقْرِي الضيف ، وتُعين على نوائب الحق ))
[ أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين ]
(( لا يُخزيك الله أبداً، إنك لتَصِلُ الرحم ))
صلة الرحم محبة الأهل و بسط الرزق و بركة العمر :
أيها الإخوة، لقد خلق الله الرحم، وشق لها اسماً من اسمه، ووعد ربنا جلّ وعلا بوصل من وصلها، ومن وصله الرحيم وصله كل خير، ولم يقطعه أحد، ومن بتره الجبار لم يعله بشر، وعاش في كبد، فالله عز وجل يصل من وصل رحمه، ويقطع من قطع رحمه.
أيها الإخوة، في الحديث الصحيح.
(( إن الله خلق الخلق حتى إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال: نعم أما ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك: قالت: بلى قال فذاك لك قال ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اقرؤوا إن شئتم { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ } ))
[ أخرجه الحاكم في مستدركه عن أبي هريرة ]
أيها الإخوة، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (( قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الرَّحِمُ مُعلَّقة بالعرشِ، تقولُ: من وَصَلَني وَصَلَهُ اللهُ، ومن قطعني قَطَعَهُ الله ))
[أخرجه البخاري ومسلم عن عائشة أم المؤمنين ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7998/02.jpg
صلة الرحم محبة الأهل، بسط الرزق، بركة العمر، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:
(( تعلَّموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صِلَة الرحم: مَحَبَّة في الأهل مَثْرَاة في المال، مَنْسَأة في الأثر))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة ]
و هناك حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( مَن سَرَّهُ أن يَبسُطَ اللهُ عليه في رِزْقِهِ، أو يَنْسَأ في أثرِه، فَلْيَصِلْ رحمه))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن أنس بن مالك ]
أيها الإخوة، صلة الرحم أمارةٌ على كرم النفس، وسعة الأفق، وطيب المنبت، وحسن الوفاء، ولهذا قيل: من لم يصلح لأهله لن يصلح لك، ومن لم يذبَّ عنهم لن يذبَّ عنك، يقدم على صلة الرحم أولو التذكرة وأصحاب البصيرة.
أيها الإخوة، صلة الرحم مدعاةٌ لرفعة الواصل، وسببٌ للذكر الجميل، وموجبةٌ لشيوع المحبة، وعزة المتواصلين، صلة الرحم تقوي المودة، وتزيد المحبة، وتتوثق بها عرى القرابة، وتزيل العداوة والشحناء، فيها التعارف، وفيها التواصل، وفيها الشعور بالسعادة.
تلبية دعوة الفقراء والأقارب من عمل الآخرة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7998/03.jpg
لكن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، المسلمون ليسوا كذلك، كثيرٌ من الناس مضيعٌ لهذا الحق، مفرطٌ فيه، فمن الناس من لا يعرف قرابته لا بصلةٍ، ولا بمال، ولا بجاهٍ، ولا بحال، ولا بخلقٍ، ولا بود، تمضي الشهور، و ربما الأعوام، ولا يقوم بزيارتهم، ولا يتودد إليهم لا بصلةٍ، ولا بهدية، ولا يدفع عنهم مضرةً، ولا أذية، بل ربما أساء إليهم، وأغلظ القول فيهم، هذا الواقع المر.
ومن الناس من لا يشارك أقاربه في أفراحهم، ولا يواسيهم في أتراحهم، ولا يتصدق على فقرائهم، بل تجده يقدم عليهم الأباعد في الصِلات والهبات، أحياناً تأتيك دعوة من جهة قوية أو غنية تلبيها فوراً، وتلبية هذه الدعوة من الدنيا، وأحياناً تأتيك دعوة من قريب فقير في أطراف المدينة لا تلبيها لضعف شأنه، لذلك تلبية دعوة الفقراء والأقارب من عمل الآخرة.
(( لو دعيت إلى كراع لأجبت ))
[ أخرجه البخاري ]
((ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله ))
[أخرجه البخاري ومسلم]
لكن الناس ألفوا أن يلبوا دعوة الأغنياء والأقوياء، وتلبية هذه الدعوة ليست من الدين بل من الدنيا، لكن تلبية دعوة الفقراء والأقرباء من عمل الآخرة. بطولة المؤمن أن يصل من قطعه :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7998/04.jpg
هناك حالة أخرى من الناس من يصل أقاربه إن وصلوه، ويقطعهم إن قطعوه، يدعوهم إن دعوه، هذه ليست بصلة رحم، إنما هو مكافئٌ للمعروف بمثله، وهو حاصلٌ للقريب والبعيد، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:
(( ليس الواصلُ بالمكافئ، ولكن الواصلُ مَنْ إِذا قَطَعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا))
[ أخرجه البخاري وأبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
البطولة أن تصل من قطعك، أما أن تصل من وصلك، أن تلبي من لباك، فهذا ليس في باب صلة الرحم هذا في باب المكافأة.
الآن هناك أناسٌ يحرصون على دعوة الأباعد، ويغفلون دعوة الأقارب، الأباعد قد يكونون من أصحاب الشأن، من أصحاب القوة والمال، لذلك الأقربون أولى بالمعروف.
نتائج قطيعة الرحم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7998/05.jpg
النتائج أيها الإخوة نتائج صلة الرحم تحدثنا عنها كثيراً، لكن نتائج قطيعة الرحم معاداة الأقارب، هذه المعاداة شرٌ وبلاء، الرابح فيها خاسر، والمنتصر مهزوم، وقطيعة الرحم من كبائر الذنوب، وقبائح العيوب، متوعدٌ صاحبها باللعنة والثبور، فالتدابر بين ذوي القربى مؤذنٌ بزوال النعمة، وسوء العاقبة، وتعجيل العقوبة.
فعن جبير بن مطعم أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
(( لا يَدْخُلُ الجنةَ قاطِع -أي قاطعَ رحم -))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن جبير بن مطعم ]
عقوبتها معجلةٌ في الدنيا قبل الآخرة، فعن أبي بكرة قال: قال عليه الصلاة والسلام: (( ما من ذنب أجدر أن يعجل لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من قطيعة الرحم والبغي ))
[ رواه الترمذي عن أبي بكرة ]
ذنبان يعجل الله لصاحبهما العقوبة في الدنيا قبل الآخرة.
أيها الإخوة، قطيعة الرحم سببٌ للذلة والصغار، والضعف والتفرق، مجلبةٌ للهم والغم، قاطع الرحم لا يثبت على مؤاخاة، ولا يرجى منه وفاء، ولا صدقٌ في الإخاء، يشعر بقطيعة الله له، ملاحقٌ بنظرات الاحتقار مهما تلقى من مظاهر التبجيل، لقد كان الصحابة الكرام رضي الله عنهم يستوحشون من الجلوس مع قاطع رحم.
معنى قوله تعالى
﴿ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7998/06.jpg
أخواننا الكرام، ما دام القلب ينبض كل شيء له حل، المشكلة أن يقف القلب وأنت قاطع رحم، ما دام القلب ينبض، ما دام في الحياة بقية، كل مشكلة مهما عظمت لها حل، فالعداوات التي تتوهم أنها لن تنقضي تنقضي، بزيارة مفاجئة، بهدية، باعتذار على الهاتف، بعمل صالح، فالإنسان إذا أراد أن يحسن العلاقة بينه وبين الخلق الله يعينه على ذلك، قال تعالى:
﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
[ سورة الأنفال الآية: 1 ]
قال بعض العلماء: ﴿ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
تعني ما بينك وبين الله عز و جل، هذه أهم علاقة، وقال بعضهم: ﴿ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
ما بينك وبين من حولك، مع زوجتك، مع أولادك، مع أهلك، مع والديك، مع أخوتك، مع أخواتك، مع أصهارك، ﴿ ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
بزيارة، بمصالحة، بمودة، بهدية، باتصال هاتفي، باعتذار ﴿ َأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
والمعنى الثالث: ﴿ َأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾
أي أصلح أية علاقةٍ بين اثنين، أول معنى: بينك وبين الله، المعنى الثاني: بينك وبين من حولك، المعنى الثالث: أصلح أي علاقةٍ بين اثنين، لذلك النمام لا يدخل الجنة، النمام ينقل ما قاله فلان عن فلان. أثر الهدية في اجتلاب المحبة وإثبات المودة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7998/07.jpg
أيها الإخوة، حسن الخلق له تأثير في هذه الصلة، حسن الخلق من جهة والهدية قال:
(( تَهَادُوا، فإن الهدية تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
(( تهادوا تحابوا ))
[ البيهقي عن أبي هريرة]
هناك مشكلة مع أخيك قدم له هدية، لتكن هذه الهدية شفيعاً لك في إعادة المودة إلى ما كانت عليه، فالهدية لها أثرٌ في اجتلاب المحبة، وإثبات المودة، وإذهاب الضغائن، وتأليف القلوب، وكان عليه الصلاة والسلام يحذرنا ويقول: (( لا يَحِلُّ لمسلم أن يهجرَ أخاه فوقَ ثلاث ليال، يلتقيان، فيُعرِضُ هذا، ويُعرضُ هذا، وخيرُهما الذي يبدأُ بالسلام ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي ومالك عن أبي أيوب ]
الله عز و جل يقول: ﴿ وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾
[ سورة فصلت ]
أخلاق الحرب شيء وأخلاق السلم شيءٌ آخر :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7998/08.jpg
أيها الإخوة الأكارم، قد يلتبس على بعض الناس أخلاق الجهاد مع أخلاق السلم في السلم:
﴿ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾
هذا في الحياة الدنيا، أما في الحرب. ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ ﴾
[ سورة التحريم الآية:9]
أخلاق الحرب شيء وأخلاق السلم شيءٌ آخر، بالسلم اجعل هذه الآية شعاراً لك: ﴿ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾
﴿ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة فصلت ]
قطيعة الرحم من أقبح العيوب و أفظع الذنوب :
مرة ثانية: (( لا يَدْخُلُ الجنةَ قاطِع- أي قاطعَ رحم -))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود عن جبير بن مطعم ]
وكأنها من أكبر الكبائر، من أقبح العيوب، من أفظع الذنوب، الله عز و جل يقول: ﴿ وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ﴾
[ سورة الرعد ]
هدي النبي صلى الله عليه و سلم من خلال سيرته :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7998/09.jpg
لنقف وقفةً متأنيةً عند هدي النبي صلى الله عليه و سلم من خلال سيرته، كان عليه الصلاة والسلام أرق الناس، وأعفهم، وأوصلهم للرحم، وأحلمهم، لذلك ذكره القرآن الكريم بأنه ذو:
﴿ خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾
[ سورة القلم الآية: 4 ]
وقال أيضاً: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 159 ]
أي أنت أنت يا محمد على علو قدرك، وعلى أنك سيد الأنبياء والمرسلين، وقد أوتيت وحي السماء، أوتيت القرآن، أوتيت الفصاحة والبيان، أوتيت جمال الصورة، أوتيت الحكمة، أوتيت المنطق، مع كل هذه الخصائص أنت أنت يا محمد مع كل هذه الخصائص. ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 159 ]
أمثلة من التاريخ عن صلة النبي الكريم لرحمه :
النبي الكريم بلغ من صلة رحمه مبلغاً عظيماً ضرب به المثل على مرّ التاريخ، فما سمعت الدنيا بأوصل منه.
قرابته، أبناء عمه، أبناء عمومته، أخرجوه من مكة، طاردوه، أرادوا قتله، شتموه، آذوه، حاربوه في المعارك، نازلوه في الميدان، قاموا بثلاثة حروبٍ في بدرٍ وأحدٍ والخندق، ودخل مكة منتصراً، عشرة آلاف سيف متوهجة تنتظر كلمة من فمه، وقفت له الأعلام مكبرة، طنت بذكر نصره الجبال والوهاد، فلما انتصر وقف عند حلق باب الكعبة صلى الله عليه و سلم منحنياً وهو يقول للقرابة والعمومة: ماذا ترون أني فاعلٌ بكم؟ فيتصورون الجزاء المر، والقتل الحار، والموت الأحمر، فيقولون وهم يتباكون: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم، فتدمع عيناه، فيقول: اذهبوا فأنتم الطلقاء، هذا من أعلى درجات العفو، أخرجوه، طاردوه، قاتلوه، شتموه، نكلوا بأصحابه لعشرين عاماً، فلما تمكن منهم، وحياتهم موقوفة على كلمة من فمه، وعشرة آلاف سيف متوهجة تأتمر بأمره، قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، النبي الكريم أسوة حسنة لنا، في الطائف حينما قهر قال:
((إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي))
[ أخرجه الطبراني عن عبد الله بن جعفر ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7998/10.jpg
وفي فتح مكة حينما انتصر قال: اذهبوا فأنتم الطلقاء، كأنه يقول عفا الله عنكم وسامحكم، يأتي ابن عمه - أبو سفيان بن الحارث- يسمع بالانتصار، وقد أذى الرسول الكريم، وشتمه، وقاتله، فيأخذ هذا الرجل أطفاله، ويخرج بهم من مكة، فيلقاه علي بن أبي طالب يقول له: يا أبا سفيان إلى أين تذهب؟ قال: أذهب بأطفالي إلى الصحراء فأموت جوعاً وعرياً، والله إن ظفر بي محمد ليقطعني إرباً إرباً، يقول له عليٌ وهو يعرف رسول الله: أخطأت يا أبا سفيان، إن رسول الله صلى الله عليه و سلم أوصل الناس، وأبر الناس، وأكرم الناس، فعد إليه وسلم عليه بالنبوة، وقل له كما قال أخوة يوسف:
﴿ قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾
[ سورة يوسف ]
فيأتي بأطفاله ويقف على رأس المصطفى صلى الله عليه و سلم ويقول: يا رسول الله: السلام عليك ورحمة الله وبركاته ﴿ تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾
فيبكي عليه الصلاة و السلام وينسى تلك الأيام، وتلك الأعمال، وتلك الصحف السوداء، ويقول: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾
[ سورة يوسف ]
هذه هي النبوة، يقول أبو سفيان: يا بن أخي ما أوصلك! وما أرحمك! وما أحكمك! يا بن أخي ما أوصلك! أي ما أشد وصلك لنا، وما أرحمك! وما أعظم رحمتك بنا، وما أحكمك! وما أعقلك!
الآن تأتيه أخته من الرضاعة، وقد ابتعدت عنه عقوداً كثيرة، فتأتيه وهو لا يعرفها وهي لا تعرفه أصلاً، رضعت معه وتسمع وهي في بادية بني سعد في الطائف بانتصاره، فتأتي لتسلم على أخيها من الرضاعة، وهو تحت سدرةٍ عليه الصلاة و السلام، والناس بسيوفهم بين يديه، وهو يوزع الغنائم بين العرب، فتستأذن فيقول لها الصحابة: من أنت؟ تقول: أنا أخت رسول الله من الرضاعة، أنا الشيماء بنت الحارث، أرضعتني أنا وإياه حليمة السعدية، فيخبرون النبي الكريم، يتذكر القربى وصلة الرحم، ويقوم لها ليلقاها في الطريق، ويرحب بها ترحيب الأخ بأخته بعد طول غياب، وبعد الوحشة والغربة، ويأتي بها ويجلسها مكانه، ويظللها من الشمس، تصوروا هذا النبي الكريم، ومعلم الإنسانية، ومزعزع كيان الوثنية، يظلل هذه العجوز أخته من الرضاعة من الشمس، ويترك الناس وشؤون الناس ويقبل عليها ويسألها: يا أختاه كيف حالكم؟ يا أختاه اختاري الحياة عندي أو تريدين أهلك؟ تقول: أريد أهلي، فيمتعها بالمال، ويعطيها مئة ناقة، ليُعلّم الناس صلة الرحم، يا سيدي يا رسول الله، يا من كانت الرحمة مهجتك، والعدل شريعتك، والحب فطرتك، والسمو حرفتك، ومشكلات الناس عبادتك، هذه نبوة النبي، هذه أخلاق النبي، هذه صلة الرحم، العبادة التي تأتي بعد الفرائض.
أسباب قطيعة الرحم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7998/11.jpg
إخواننا الكرام، قطيعة الرحم لها أسباب كثيرة، أولها: الجهل بعواقب القطيعة وفضائل الصلة، ضعف التقوى والكبر، الانقطاع الطويل عن الأقارب، العتاب الشديد، هذا يضعف العلاقة، التكلف الزائد أحياناً بإكرامهم بحيث أن الآخر يخاف على هذا القريب من أن يدفع مبالغ فوق طاقته، الشح والبخل، تأخير قسمة الميراث، أحد أسباب قطيعة الرحم، الشراكة بين الأقارب أحد الأسباب، الاشتغال بالدنيا، الطلاق بين الأقارب، بعد المسافة والتكاسل، هذه كلها أسباب، أو الاحتكاك الشديد يأتي إلى قطيعة الرحم من حيث الأولاد أحياناً، قلة التحمل، أن تنسى أقاربك في الولائم والمناسبات و تدعو الأباعد، هذه كلها أسباب تدعو إلى ضعف صلة الرحم.
أيها الإخوة الكرام، أرجو الله سبحانه وتعالى أن تترجم هذه الحقائق، وهذه المواقف الرائعة للنبي الكريم إلى سلوك يومي.












والحمد لله رب العالمين





السعيد 07-15-2018 09:01 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( التاسع و الستون )

الموضوع : الرحمة










الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات. الرحمة :
أيها الأخوة الكرام، مع موضوعٍ جديد من موضوعات: "سبل الوصول وعلامات القبول"، والموضوع اليوم: "الرحمة".
أُذكركم أيها الأخوة بأن الله سبحانه وتعالى حينما قال:
﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 180 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7999/01.jpg
من معاني هذه الآية أنك لا تتقرب إلى الله بأعظم من أن تتخلق بكمالٍ من كمالاته، فالله جلّ جلاله رحمن رحيم، وأفعل وسيلةٍ للتقرب إليه أن ترحم عباده، فإذا رحمتهم وصلت إليه، علاقة هذا الموضوع بهذه السلسلة من الدروس علاقة وشيجة، أنت حينما ترحم من حولك تستطيع أن تتقرب إلى الرحمن الرحيم.
فلذلك: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾
ولكن سوف نقف في هذا اللقاء الطيب عند بعض الآيات القرآنية التي تتحدث عن الرحمة. الله جلّ جلاله خلقنا ليرحمنا و يسعدنا :
بادئ ذي بدء: الله جلّ جلاله خلقنا ليرحمنا، خلقنا ليسعدنا، وقد يقول قائل: فما بال هذه المصائب وما أكثرها؟ نقول: المركبة السيارة صنعت من أجل أن تسير، علة صنعها السير، ما بال المكبح فيها؟ المكبح من حيث المنطلقات يتناقض مع علة صنعها، المكبح يوقفها وصنعت كي تسير، لكن المكبح أعظم ضمانةٍ لسلامتها، أعظم ضمانة لسلامة المركبة المكبح مع أنه يتناقض فكرياً مع علة صنعها.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7999/02.jpg
فلذلك المصائب لها حكمةٌ بالغةٌ بالغة عرفها من عرفها وجهلها من جهلها.
لذلك بعض علماء العقيدة يرى أنه ينبغي أن تذكر بعض أسماء الله الحسنى مثنى مثنى، المعز المذل معاً، يذل ليعز، الخافض الرافع، يخفض ليرفع، الضار النافع، يضر لينفع، المعطي المانع، يمنع ليعطي.
لذلك ورد:
(( إن هذه الدنيا دار التواء لا دار استواء، ومنزل ترحٍ لا منزل فرح، فمن عرفها لم يفرح لرخاء ـ لأنه مؤقت ـ ولم يحزن لشقاء ـ لأنه مؤقت ـ قد جعلها الله دار بلوى وجعل الآخرة دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي))
[ من كنز العمال عن ابن عمر ]
الحب أصلٌ في الدين :
إذاً الآية الأولى:
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
[ سورة هود الآية: 118 ]
كان من الممكن أن يحملنا ربنا قسراً على الهداية، هذه الهداية القسرية لا تسعدنا إطلاقاً، لذلك أراد أن تكون علاقته بنا علاقة حب، قال: ﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 256 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7999/03.jpg
ما أرادنا أن نأتيه إلا طائعين، إلا مختارين، إلا بمبادرةٍ منا، قال:
﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
[ سورة المائدة الآية: 54 ]
قال: ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 165 ]
أي ما أراد الله أن تكون علاقته بنا علاقة قسر، ولا قهر، ولا إكراه، علاقة حب.
فلذلك الحب أصلٌ في الدين لأن الإنسان في الأصل عقلٌ يدرك، وقلبٌ يحب، وجسمٌ يتحرك، وغذاء العقل العلم، وغذاء القلب الحب، وغذاء الجسم الطعام والشراب. الله عز وجل أعطى الناس حرية الاختيار :
لذلك:
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
ولا يزالون مختلفين لأنه خلقهم مخيرين: ﴿ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ﴾
[ سورة الكهف الآية: 29 ]
﴿ إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً ﴾
[ سورة الإنسان ]
﴿ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 148 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7999/04.jpg
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
﴿ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ﴾
لكنه شاء أن يعطيهم حرية الاختيار، وشاء لهم أن يأتوه طائعين، مختارين، بمبادرةٍ منهم، ولا يزالون مختلفين لأنهم مخيرون، دقق: ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
[ سورة هود الآية: 119 ]
خلقنا ليرحمنا، والله أناسٌ كثيرون يقولون لك: سبحان الله! خلقنا للشقاء، من قال لك ذلك؟ هذا خلاف القرآن ﴿ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ ﴾
أيّ إنسان شاء رحمة الله يصل إليها لأنها مبذولةٌ لكل مخلوق :
الآن الآية الثانية:
﴿ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 105 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7999/05.jpg
على من تعود يشاء؟ تعود على الإنسان بدليل ما سيأتي بعدها.
﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة البقرة ]
لأن فضله عظيم، أي إنسان شاء رحمة الله يصل إليها، مبذولةٌ لكل مخلوق. ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
[ سورة البقرة ]
الله عز و جل في بعض الآيات وصف قرآنه بأنه مثاني، أي أية آيةٍ تنثني على أختها فتشرحها، ما الذي يؤكد أن فاعل يشاء نحن؟ ﴿ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾
لأن قوله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾
أبعد قلبٍ عن الله القلب القاسي :
الآن هذا النبي الكريم، سيد الخلق، وحبيب الحق، وسيد ولد آدم، قال تعالى عنه:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ ﴾
[ سورة الأنبياء الآية: 107 ]
فكأن علة وجودنا أن يرحمنا ربنا، الآن أكبر طريق، وأوسع طريق، وأقصر طريق، وأوسع باب نصل منهما إلى الله أن نتخلق بالرحمة، إذاً من أهم موضوعات سبل الوصول وعلامات القبول أن تكون رحيماً، والدليل: ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 22 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7999/06.jpg
أبعد قلبٍ عن الله القلب القاسي، والآية التي تبين قانوناً رائعاً هي قوله تعالى:
﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 159 ]
أي يا محمد بسبب رحمةٍ استقرت في قلبك كنت ليناً لهم، فالتفوا حولك، اتصال رحمة لين التفاف، يقابلها انقطاع قسوة غلظة انفضاض. ﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 159 ]
هذه الآية أصل قانون يسمى قانون الالتفاف وقانون الانفضاض، أنت كأب، أو أنتِ كأم، أو أنت كمعلم، أو أنت كمرشد، أو أنت كداعية، أو أنت كمدير، أو كقائد، أنت محتاج إلى أن يلتف الناس حولك، أن يخضعوا، أن ينفذوا أوامرك، فالذي يدعو الناس إلى أن يلتفوا حولك شيءٌ خطير، هو أن تكون رحيماً، هذه الرحمة تنعكس ليناً في معاملتهم، هذا اللين يدفعهم إلى أن يلتفوا حولك: ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ ﴾
تمتع المؤمن بتصور من عند خالق السماوات والأرض :
والله أيها الأخوة، آيةٌ دقيقةٌ جداً يقول الله فيها:
﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾
[ سورة هود الآية: 28 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7999/07.jpg
الأمور واضحة، المؤمن لأنه آمن بالله، وقرأ القرآن، عنده تصورات واضحة، رائعة، عميقة، دقيقة، متناسقة للكون، والحياة، والإنسان، عنده فلسفة للمصائب، عنده فلسفة للزمن، عنده فلسفة للحياة الدنيا، عنده فلسفة لما سيكون، المؤمن يتمتع بتصور من عند خالق السماوات والأرض.
فلذلك قال: ﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي ﴾
أي الأمور واضحة جداً جداً للمؤمن، حتى الذي يجري له تفسير عميق جداً، أضرب لكم بعض الأمثلة: قد تنشأ حرب أهلية في بلد، تفسر أحياناً تفسيراً دولياً إن هذا البلد نما مالياً نمواً عجيباً، فالغرب حطمه، ممكن، وهناك تفسير داخلي محلي، أي هناك صراع قوى غريبة عن هذا البلد، كل قوة معها وسائل، ومعها أسلحة، وما شاكل ذلك، نشبت حربٌ أهلية هذا تفسير محلي، وهناك تفسير طائفي، طوائف متناحرة من مئة عام، وهناك تفسير أنا أقول: نسواني، حكمتها عين، هذا تفسير نسائي، لكن هناك تفسيراً قرآنياً: ﴿ وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾
[ سورة النحل ]
السكينة يسعد بها الإنسان ولو فقد كل شيء ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء :
لذلك:
﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ ﴾
[ سورة هود الآية: 28 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7999/08.jpg
هذا صلة بالله، الشعور بالرضا، الشعور بالسعادة، السكينة يسعد بها الإنسان ولو فقد كل شيء، ويشقى بفقدها ولو ملك كل شيء، قال:
﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ ﴾
[ سورة هود الآية: 28 ]
أي تجد مؤمناً موظفاً، ضارب آلة كاتبة، بيته صغير، دخله محدود، لكن له صلة بالله تراه أسعد الناس، كأنه يملك الدنيا وما فيها.
حدثني أخ قال لي: مرة طلبت امرأة مساعدة مني -هو رئيس جمعية- القصة طويلة ذهبوا إلى بيتها أقسم لي بالله، قال لي: بيتها تحت الدرج، لم يمر معه بيت بهذا المستوى، تحت الدرج، المساحة العالية غرفة، والأقل مطبخ، والأقل حمام، مع فسحة سماوية بسيطة جداً، أربعة أولاد كالوردات في البيت، ثيابهم نظيفة، دخلنا إلى البيت للتحقيق، ما هذا البيت؟! قال لي: والله أقسم لي بالله قبل يوم التقى مع رجل يملك أربعة مليارات، بقدر ما شكا همه لي لم أقدر على الوقوف، أربعة مليارات، البلد لم يعجبه، الشغل سيئ، لا يوجد سيولة نقدية أمامه، قال لي: طلبي هذه المرأة ألف ليرة في الشهر، فقرروا ألفين، قالت: ألف يكفي، معاش زوجي يكفينا نحتاج إلى أجرة هذا البيت، قال لي: أنا قبل يوم التقيت مع إنسان معه أربعة مليارات يشكو همه، وجدت هذه الأسرة المتواضعة تحت درج، لما أعطيناهم ألفين رفضت، قالت: يكفي ألف. السعيد من يتصل بالله فيهبه الرضا و الطمأنينة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7999/09.jpg
عندما يسعد الله إنساناً، قد يكون بيته صغيراً، قد تكون حياته خشنة، لكن إذا اتصل بالله يكون سعيداً.

﴿ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ ﴾
[ سورة هود ]
الإنسان مخير، الله عز وجل يقول: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ ﴾
[ سورة البقرة الآية: 218 ]
نحن جميعاً إن شاء الله نرجو رحمته، نرجو أن يرحمنا في الدنيا والآخرة، نرجو أن يقربنا، نرجو أن يتجلى علينا، نرجو أن يهبنا السكينة و الرضا. أسباب رحمة الله :
1 ـ طاعة الله وطاعة ورسوله :
الآن هذه الرحمة التي يمتلئ القلب بها ما سبيلها؟ أنت بالرحمة ترحم، فإن رحمت تصل إلى الله.
(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي ))
[الديلمي عن أبي بكر]
قال: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾
[ سورة آل عمران ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7999/10.jpg
يرحمنا الله بطاعة الله ورسوله، بطاعة الله في قرآنه وطاعة الرسول في سنته.
﴿ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 156 ]
وأنت شيء، أنت ضمن رحمة الله. ﴿ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 156 ]
أي يتقون أن يعصوني، يتقون أن يغضبوني : ﴿ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ ﴾
[ سورة الأعراف الآية: 156 ]
إذاً: طاعة الله، وطاعة ورسوله طريقٌ إلى رحمة الله، ورحمة الله طريقٌ إلى القرب منه، علاقة هذا الموضوع بسبل الوصول أنت حينما تكون رحيماً، وترحم خلقه، يسمح لك أن تتصل به، أو أن تصل إليه. 2 ـ تلاوة القرآن :
الآن سبب آخر من أسباب رحمة الله قال:
﴿ وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
رحمة الله تأتيك من تلاوة القرآن، لذلك قال بعض العلماء: إذا قرأت القرآن فلم تشعر بشيء، وصليت فلم تشعر بشيء، وذكرت الله فلم تشعر بشيء، فاعلم أنه لا قلب لك، ابحث عن قلبٍ ذاكر، عن قلبٍ موصولٍ بالله عز وجل. المؤمن يفرح بطاعته لله و بعمل صالح أجراه الله على يديه :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7999/11.jpg
الآن ما الذي ينبغي أن تفرح له؟ يقول لك: أنا عندي وكالة حصرية، أرباحي باليوم مليون، هذا كلام موجود، أرباحه اليومية، أحياناً هناك مواد غذائية مستوردة لها رواج كبير جداً، فإذا كان وكيلاً حصرياً، و على المادة طلب شديد، لا يبالغ، أرباحه اليومية مليون كل يوم، قال: لا تفرح بهذا الدخل الكبير، بيل غيت يملك تسعين ملياراً، شاب ليس كبيراً في السن.

﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا ﴾
[ سورة يونس الآية: 58 ]
لما قارون خرج من قوم موسى: ﴿ فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآَتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ ﴾
[ سورة القصص ]
لابد من أن تفرح، ولكن بماذا يفرح؟ المؤمن يفرح بطاعته لله، يفرح بفهمه لكتاب الله، يفرح بعمل صالح أجراه الله على يديه، يفرح أنه ربى أولاده، يفرح بأن دخله حلال، إنفاقه حلال، بيته إسلامي، يفرح أن الله وفقه بالدعوة إلى الله. ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
[ سورة يونس ]
مستقبل الإنسان في الآخرة لا في الدنيا :
أحياناً تدخل إلى بيت يقول لك: سعره مئة وثمانون مليوناً، لكن أين صاحبه؟ بالقبر، من اختار البلاط؟ المرحوم، من اختار الثريات الرائعة؟ المرحوم، من اختار هذا المنظر الطبيعي الرائع؟ المرحوم،
﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7999/12.jpg
سبحان الله! الإنسان يجمع الدنيا لبنةً فوق لبنة، خلال عمر مديد، ثم يفقدها في ثانية واحدة.
إنسان ساكن ببيت تحت الأرض شمالي، تقريباً عاش في البيت ثلاث وعشرين سنة، وهو يجمع ويجمع حتى تمكّن من شراء بيت، له إطلالة جميلة جداً، فجلس في الشرفة بأول يوم سكن فيه مع زوجته قال لها: الآن أمَّنا مستقبلنا ، ثالث يوم كان متوفى تحت الأرض، ليس هناك مستقبل، مستقبلك عند الله، مستقبلك في الآخرة، ﴿ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
الإنسان إن لم يعرف ربه حيثما تأتي كلمة إنسان معرفةً بأل فهو الإنسان قبل أن يعرف الله. ﴿ وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ ﴾
[ سورة هود الآية: 9-10]
يفرح فرحاً باطلاً، وييأس يأساً باطلاً، يأس وباطل، وفرح وباطل، إلا إذا عرف الإنسان ربه. 3 ـ الإحسان :
الآن: الطاعة طريقٌ لرحمة الله، تلاوة القرآن طريقٌ آخر لرحمة الله، هناك طريق ثالث.
﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]
بالطاعة يرحمك الله، وبتلاوة القرآن يرحمك الله، وبالإحسان يرحمك الله. الرحمة بيد الله لا بيد البشر :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7999/13.jpg
الآن هذه الرحمة بيد الله لا بيد البشر، لذلك قال تعالى:

﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
[ سورة فاطر ]
الأمر بيده وحده، علاقتك مع الله، يقول لك: معي فتوى من فلان، خير إن شاء الله! لو استطعت أن تنتزع فتوى من فم رسول الله ولم تكن على حق لا تنجو من عذاب الله. (( إنما أنا بشر ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له من حق أخيه شيئاً فإنما أقطع له قطعة من النار))
[ أخرجه ابن ماجه وأبو يعلى والإمام أحمد وابن حبان عن أبي هريرة ]
4 ـ العلم :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7999/14.jpg
الآن هناك موازنات بالقرآن:

﴿ أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 9 ]
معنى ذلك أن العلم طريقٌ لرحمة الله، أصبح الطاعة، القرآن، الإحسان، العلم، هذه كلها سبل الوصول إلى الله عز وجل. ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
[ سورة الزمر ]
مهما كبر الذنب ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾
القنوط واليأس كفرٌ بالله عز وجل :
لذلك أيها الأخوة، المؤمن لا يقنط أبداً، والقنوط واليأس كفرٌ بالله عز وجل، لكن الله عز وجل ينصحنا.
أخواننا الكرام، الإنسان أحياناً يعمل بالتجارة، بالزراعة، بالصناعة، بالخدمات، يحمل شهادة عليا، يكسب رزقه، في درجة أعلى من كسب الرزق، ينتقل إلى مرحلة اسمها الجمع، أي يجب أن يربح ثلاثين مليوناً، والله السنة الأسواق عاطلة، خسرنا خمسة ملايين، أي قلّ ربحه بمقدار خمسة ملايين، فهناك حالة تصيب التجار والصناعيين هي حالة الجمع، ينتقل من مرحلة كسب الرزق إلى مرحلة الجمع، المباهاة، كم حجمك المالي؟ والله ثلاثمئة مليون لا شيء، لنا أخ أربعة آلاف مليون، الآن الكلام بالمليارات، كان بالملايين الآن بالمليارات http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7999/15.jpg
الله عز و جل يقول لنا:

﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
[ سورة الزخرف ]
إلهٌ ينصحك، أنت تعرف ربك، مستقيم، تقرأ القرآن، لك أعمال صالحة، ربيت أولادك، لا تملك شيئاً من الدنيا، ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خيْرٌ﴾
من طاعتك، من إخلاصك، من تربية أولادك، من أعمالك الصالحة ﴿ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
قال له: أين تذهب؟ شاب بمقتبل العمر توفي والده من أسبوع، فالتقى به صديق والده، قال له: أين؟ قال له: ذاهب أسكر على روح أبي، خلّف له أموالاً طائلة، وهو جاهل ومنحرف، ﴿ وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾
رحمة الله تقتضي ألا يرد بأسه عن إنسان شرد عن الله عز وجل :
الآن أحياناً تقتضي رحمة الله أن يؤدبك.
﴿ فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ ﴾
[ سورة الأنعام ]
تقتضي رحمة الله ألا يرد بأسه عن إنسان شرد عن الله عز وجل. اعتزال من لا يعبد الله عز وجل و الابتعاد عنه :
أيها الأخوة، الآن أحد طرق الوصول إلى رحمة الله، قال تعالى:
﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ ﴾
[ سورة الكهف الآية: 16 ]
مجتمع اختلاط، عرس مختلط، النساء كاسيات عاريات، مائلات مميلات، جلسة كلها كذب ونفاق، جلسة كلها غيبة ونميمة، جلسة كلها فتن: ﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ ﴾
[ سورة الكهف الآية: 16 ]
أي لا يعبدون الله، أما إذا عبدوا الله فينبغي ألا تعتزلوهم. ﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ ﴾
[ سورة الكهف الآية: 16 ]
أعظم شيء في حياة الإنسان عمل صالح يلقى الله به :
الآن الجامع كهف، الآن بيتك كهف، ادخل إلى بيتك وصلِّ، ادخل إلى بيتك واقرأ القرآن، ادخل إلى بيتك و ربِّ أولادك:
﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ ﴾
[ سورة الكهف الآية: 16 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7999/16.jpg
لذلك النبي الكريم إذا دخل المسجد يقول:
((اللَّهمَّ افْتح لي أبواب رحمتك ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي حميد وأبي أسيد]
الرحمة في المسجد، فإذا خرج من المسجد: (( اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك ))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي عن أبي حميد وأبي أسيد]
في الحياة العامة تريد عملاً صالحاً يرحمك الله به، بالدخول للمسجد تحتاج إلى سكينة تتنزل على قلبك، فبالدخول: ((اللَّهمَّ افْتح لي أبواب رحمتك ))
بالخروج: (( اللَّهمَّ إني أسألك من فضلك ))
قال: ﴿ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقاً ﴾
[ سورة الكهف ]
رحمة الله تأتينا من طاعته ومن الجهد الذي يُبذل للوصول إليه سبحانه :
أيها الأخوة، أحياناً:
﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ﴾
[ الإسراء الآية: 28 ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/7999/17.jpg
قال لي إنسان: والدي أمرني بتطليق زوجتي، قلت له: كيف زوجتك؟ قال لي: جيدة جداً يا أستاذ، صاحبة دين، محجبة، لكن أبي لا يحبها، قال لي: طلقها، ماذا أفعل؟ قلت له :لا تطلقها، قال لي: أليس سيدنا عمر أمر ابنه أن يطلق زوجته؟ قلت له: أبوك عمر؟ إذا كان أبوك عمر بن الخطاب فطلقها، لكن أباك ليس عمراً.
﴿ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً ﴾
[ سورة الإسراء ]
كن لطيفاً لكن لا ترد عليهم. قالت له: إما أن تكفر بمحمد أو أن أدع الطعام حتى أموت- أم سيدنا سعد بن أبي وقاص- قال: يا أمي لو أن لك مئة نفسٍ فخرجت واحدةً واحدة ما كفرت بمحمد، فكلي إن شئت أو لا تأكلي، أكلت فيما بعد.
أيها الأخوة، رحمة الله تأتينا من طاعة الله، وتأتينا من تلاوة القرآن، وتأتينا من العمل الصالح: ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
وتأتينا أيضاً من هذا الجهد الذي يُبذل للوصول إلى الله عز وجل.








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-15-2018 09:03 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - سبل الوصول وعلامات القبول

الدرس : ( السبعون )

الموضوع : من ترحم ؟ وكيف ترحم ؟







الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.
الرحمة :
أيها الأخوة الكرام، لا زلنا في موضوعٍ متصلٍ أشد الاتصال بـ: "سبل الوصول وعلامات القبول" ألا وهو "الرحمة"، فقد حدثنا مالك قال:
(( أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن شبيبة ))
[ أخرجه البخاري وابن خزيمة عن مالك بن الحويرث ]
شبيبة جمع شاب. (( متقاربون ))
[ أخرجه البخاري وابن خزيمة، عن مالك بن الحويرث ]
أي متقاربون في السن: (( متقاربون، فأقمنا عشرين ليلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ))
هنا الشاهد: (( رحيماً رفيقاً، فلما ظن أنْ قد اشتهينا أهلينا أو اشتقنا سألنا عما تركنا بعدنا فأخبرناه، فقال: ارجعوا إلى أهليكم، فأقيموا فيهم، وعلموهم، ومروهم، وذكر أشياء أحفظها وأشياءَ أو لا أحفظها، وصلوا كما رأيتموني أُصلي. فإذا حضرت الصلاة فليؤَذن لكم أحدكم وليؤُمّكم أكبركم ))
[ أخرجه البخاري وابن خزيمة عن مالك بن الحويرث ]
الشاهد أن سيدنا عمر قال مرةً: كنت خادم رسول الله، وجلواذه، وسيفه المسلول، وتوفي وهو عني راضٍ، وأنا بذلك أسعد، ثم آلت الأمور إلى أبي بكر فكنت سيفه المسلول وجلواذه، وخادمه، وتوفي وهو عني راضٍ، وأنا بذلك أسعد، وقد آلت الأمور إليّ، فاعلموا أيها الناس أن تلك الشدة قد أُضعفت، وإنما تكون على أهل البغي والعدوان، أما أهل التقوى والعفاف فسأضع رأسي لهم ليطؤوه بأقدامهم.
مرة قال: لو يعلم الناس ما في قلبي من الرحمة لأخذوا عباءتي هذه، ولكن هذا الأمر لا يناسبه إلا كما ترى. الرحمة أصلٌ في القيادة :
نتابع خطابه، قال: أيها الناس لكم عليّ خمس خصالٍ خذوني بهن، لكم عليَّ ألا آخذ من أموالكم شيئاً إلا بحقه، ولكم عليَّ ألا أنفق هذه الأموال إلا بحقها، ولكم عليَّ ألا أجمركم في البعوث، إنسان مقيم في بلد، أن أرسله إلى بلد بعيد، بعيد عن زوجته وأولاده إلى أمد طويل، هذه قسوة، لكم عليَّ ألا أجمركم في البعوث، ولكم عليَّ أن أزيد عطاياكم، إن شاء الله تعالى أرفع الرواتب، وإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا، لذلك الآية الدقيقة جداً: http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/8155/01.jpg

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾
[ سورة آل عمران الآية: 159 ]
أي بسبب رحمةٍ استقرت في قلبك يا محمد كنت ليناً لهم، فلما كنت ليناً لهم التفوا حولك وأحبوك، ولو كنت بعيداً عنهم لامتلأ القلب قسوةً، ولانعكست القسوة غلظةً وفظاظةً فانفضوا من حولك، أصبح هناك معادلة رياضية، اتصال رحمة لين التفاف، انقطاع قسوة غلظة انفضاض.
فأنت كأم، وأنت كمعلم، وأنت كمدير مؤسسة، إذا كنت متصلاً بالله يمتلئ القلب رحمةً، هذه الرحمة تنعكس ليناً، هذا اللين يدعو من حولك أن يلتفوا حولك، فالرحمة أصلٌ في القيادة، لذلك من علامات قيام الساعة أن تنزع الرحمة من قلوب الأمراء، وأن يذهب الحياء من وجوه النساء، وأن تنزع النخوة من رؤوس الرجال، ليس هناك عند الرجال نخوة، يتباهى بأهله بأبهى زينة، وليس في وجوه النساء حياء، وليس في قلوب الأمراء رحمة. على المؤمن أن تغلب رحمته غضبه :
أيها الأخوة، النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((إن الله كتب كتاباً قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي، فهو مكتوب عنده فوق العرش))
[ أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/8155/02.jpg
وأنا أقول: والمؤمن الصادق يتخلق بهذا الكمال، يجب أن تغلب رحمته غضبه.
وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: (( إِنَّ اللهَ خَلَقَ يومَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ والأرضِ مئةَ رَحمة، كلُّ رحمةٍ طِبَاقُ ما بَينَ السَّمَاءِ والأرضِ ))
[ أخرجه مسلم عن سلمان الفارسي ]
أي تغطي ما بين السماء والأرض. (( فَجَعَلَ مِنْهَا في الأرضِ رَحمة، فبها تَعطِفُ الوَالِدةُ على وَلَدِها، والوَحْشُ والطيرُ بعضُها على بعض، فَإِذا كان يومُ القِيامَةِ أَكمَلَهَا بِهذهِ الرحمة ))
[ أخرجه مسلم عن سلمان الفارسي ]
أوضح مثل قلب الأم، إنسانة تريد لابنها كل سعادة، تعرى من أجله، تجوع من أجله، تضحي بالغالي والرخيص من أجله، ولا تنتظر منه شيئاً، هذه الأم. نظام الأبوة والبنوة من آيات الله الدالة على عظمته :
لذلك قال تعالى:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾
[ سورة البلد ]
من آيات الله الدالة على عظمته نظام الأبوة والبنوة ﴿ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ﴾
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/8155/03.jpg
أي إن أردت أن تعرف كمال الله من خلقه فانظر بشكل مصغر جداً، بشكل لا يتساوى مع الأصل، رحمة الأب بأولاده، كم أب في الأزمة الصعبة السكنية يبيع بيته بأرقى أحياء دمشق ويسكن في الريف من أجل أن يزوج أولاده؟ هذه بطولة في الأب، حينما يحمل الأب همّ أولاده، حينما يسعى جاهداً لتأمينهم، لتزويجهم، لتهيئة عملٍ مناسبٍ لهم، هذه بطولة، و الحياة من دون رحمة صحراء، مجتمع غاب، فالتراحم هو ما يميز المؤمنين، المؤمنون يرحم بعضهم بعضاً.
(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي ))
[ الديلمي عن أبي بكر]
يقول عليه الصلاة والسلام: (( لن تؤمنوا حتى تحابوا أفلا أدلكم على ما تحابوا عليه؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: افشوا السلام بينكم تحابوا، والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تراحموا قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم، قال: إنه ليس برحمة أحدكم ولكن رحمة العامة))
[ أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
أي كل أب يرحم أولاده بالفطرة، أكاد أقول: ليس له أجر بذلك لأن الله أودع في قلبك رحمةً لأبنائك، لكن أين بطولتك أيها الأب؟ حينما ترحم شاباً يعمل عندك في المحل التجاري.
والله مرة حدثني إنسان قال لي: عندي موظف فهيم، ذكي جداً، لكنه يتيم، طلب مني أن يغادر المحل قبل ساعة من الدوام ليلتحق بمدرسة ليأخذ شهادة، هو غير متعلم، قال لي: لم أسمح له، أخاف إن تعلم أن يتركني، لكن ابنه بلقاء آخر دفع عليه أكثر من مليون ليرة لدروس خاصة ليكون طبيباً، هذا الشاب الذي في محلك التجاري لا تسمح له أن يتعلم من أجل أن تستغله وابنك تنفق عليه مليون ليرة كي يكون طبيباً؟!. بطولة الإنسان أن يرحم الآخر :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/8155/04.jpg
البطولة أن ترحم الآخر، أن ترحم أولادك شيء طبيعي جداً، البطولة أن ترحم زوجة ابنك في البيت، هل تعامل زوجة ابنك كما تتمنى أن تُعامل ابنتك في بيت أهل زوجها؟ هذه البطولة، البطولة أن ترحم الناس، أما أن ترحم أهلك وأولادك فهذا شيء طبيعي جداً، لا أقول ليس لك أجر إطلاقاً، لكن الله أودع في جبلتك محبة الأولاد، فأن ترحمهم شيء طبيعي جداً، لكن بطولة المؤمن أن يرحم الآخر، أن يرحم شاباً في محله التجاري.
والله مرة ثانية: أنا أتألم أشد الألم، كنت في محل تجاري فحمّل صاحب المحل الموظف الصغير الشاب، رقيق العود، أول ثوب، و ثاني ثوب، و ثالث ثوب، و رابع ثوب، قال له: لا أقدر، قال له: أنت شاب، حمّل ابنه ثوباً واحداً، قال له: بابا احذر ظهرك.
بطولتك أن ترحم الآخرين، البطولة أن ترحم الناس، أن ترحم الذي لا تعرفه، أن ترحم الذي لا ينتمي إليك، هذه بطولتك، المؤمن رحيم.
أية أمة لا ترحم ضعيفها لا تنتصر :
الآن شيء ينقلنا إلى موضوع آخر: الدول الكبرى تعامل شعبها معاملة تفوق حدّ الخيال، لكنها تعامل بقية الشعوب بوحشيةٍ ما بعدها وحشية، هؤلاء لا قيمة لإحسانهم لشعوبهم، وحوشٌ على شعوب العالم، إذا ألغيت المبدأ الإنساني الأمة سقطت.
لما فتح الفرنجة القدس ذبحوا سبعين ألفاً، فلما فتحها صلاح الدين لم يرق قطرة دمٍ واحدة.
((الإِيمانُ قَيَّدَ الفَتْكَ، لا يَفْتِكُ مؤمِن ))
[أخرجه أبو داود عن أبي هريرة]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/8155/05.jpg
فبطولتك ليست مع أولادك، أن تكون رحيماً بهم شيء طبيعي جداً، وشيء أودع في جبلتك، لكن بطولتك أن ترحم الآخر، أن ترحم إنساناً لا ينتمي لك بقرابة، أن ترحم موظفاً عندك.
أحياناً تجد دخله لا يكفيه أربعة أيام، هذا الحاضر، والإنسان مضطر، فيقبل بهذا العرض، هو ينفق في اليوم مئة ألف، في اليوم الواحد، ويعطي هذا الموظف المضطر أجراً لا يكفيه طعام خمسة أيام، لذلك لا نرقى عند الله.
أخواننا الكرام، كلام دقيق جداً، يقول عليه الصلاة والسلام: (( إنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم ))
[ أخرجه الطبراني عن سعد بن أبي وقاص ]
أية أمة لا ترحم ضعيفها، هذا الضعيف ينبغي أن تطعمه إن كان جائعاً، ينبغي أن تكسوه إن كان عارياً، ينبغي أن تؤويه إن كان مشرداً، ينبغي أن تعلمه إن كان جاهلاً، ينبغي أن تعالجه إن كان مريضاً، ينبغي أن تنصفه إن كان مظلوماً، عندئذٍ يتكرم الله علينا فيكافئنا مكافأةً من جنس عملنا فينصرنا على من هو أقوى منا، إن أطعمت من هو أضعف منك أكرمك على من هو أقوى منك. الإنسان يرحم بقدر إيمانه و يقسو بقدر بعده عن الله :
لذلك أيها الأخوة:
(( من لا يَرحم لا يُرحم ))
[ أخرجه البزار عن عمران بن حصين ]
(( لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلا مِن شَقيٍّ ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/8155/06.jpg
موضوع دقيق جداً، أقرب قلبٍ إلى الله القلب الرحيم، وأبعد قلبٍ عن الله القلب القاسي.
﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
[ سورة الزمر الآية: 22 ]
أكاد أقول لكم: أحياناً بالمركبة هناك عداد السرعة، وعداد حركة المحرك -دورات المحرك- أحياناً العقربان يتحركان معاً، اسمعوا هذه الكلمة: إذا كان للإيمان عداد وللرحمة عداد عقربا العدادين يتحركان معاً، فأنت ترحم الخلق بقدر إيمانك، وتقسو عليهم بقدر بعدك عن الله عز وجل ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
لا يغيب عنكم: ((أن امرأة بَغِيّا رَأَت كَلبا في يومٍ حارٍّ يُطيفُ بِبِئْرٍ، قد أدْلَعَ لِسَانُهُ من العطَشِ فَنزَعَتْ لَهُ مُوقَهَا ، فَغُفِرَ لَهَا ))
[ أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود ومالك عن أبي هريرة ]
لك أجر كبير في إطعام البهائم، لك أجر كبير في معالجة مرضى البهائم. الإنسان بنيان الله وملعونٌ من هدم بنيان الله :
إذاً:
(( من لا يَرحم لا يُرحم ))
[ أخرجه البزار عن عمران بن حصين ]
(( لا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلا مِن شَقيٍّ ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن أبي هريرة ]
(( لَيْسَ مِنا مَن لم يَرحَمْ صغيرَنا، ويُوِّقرْ كَبيرنا ))
[ أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك ]
الشاهد الدقيق: (( قالوا: يا رسول الله كلنا رحيم. قال: إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه ولكن رحمة العامة ))
[ أخرجه الطبراني عن أبي موسى الأشعري ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/8155/07.jpg
يجب أن ترحم كل من حولك، يجب أن ترحم من لا ينتمي إليك لا بصلة، ولا بقرابة، هذا إنسان، لذلك أقول لكم هذه الكلمة: الإنسان بنيان الله وملعونٌ من هدم بنيان الله، إنسان تبتز ماله، تستغل جهله، ترفع عليه السعر أضعافاً مضاعفة، تلقي في قلبه الروع لتأخذ من ماله، ويلٌ لإنسان يبني مجده على أنقاض الآخرين، يبني غناه على إفقارهم، يبني أمنه على إخافتهم، يبني عزه على إذلالهم، يبني قوته على ضعفهم، الآن بعض أسباب الرحمة يقول عليه الصلاة والسلام:
(( رَحِمَ اللهُ رجلاً سَمْحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقْتَضَى ))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن جابر بن عبد الله ]
هناك تساهل، هناك رحمة، تأتي امرأة إلى صيدلية تريد دواء معين، المبلغ الذي معها ينقص نصف ليرة، يأخذ الدواء من يدها و يقول لها: ائتِ بالمبلغ الكامل، نصف ليرة! سامحها. (( رَحِمَ اللهُ رجلاً سَمْحاً إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقْتَضَى ))
الجماعة رحمة والفرقة عذاب :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/8155/08.jpg
أيضاً:

(( رحِمَ اللهُ رجلاً قامَ من الليلِ فصلَّى ))
[ أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
في الآية الكريمة: ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً ﴾
[ سورة المزمل ]
(( وَأَيْقَظَ امْرَأَتَهُ، فَإِن أَبَتْ نَضَحَ في وَجْهِهَا الماءَ، رَحِمَ اللهُ امرأة قَامَتْ من الليل فصلتْ وأَيقظتْ زوجَها، فإِنْ أَبَى نضحتْ في وجهه الماءَ ))
[ أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي هريرة ]
حتى يستيقظ، أي التعاون بين الزوجين لأداء العبادات شيء طيب جداً، والجماعة رحمة والفرقة عذاب. الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح :
ثم قال عليه الصلاة و السلام:
(( رَحِمَ الله أبا بكر، زوَّجني ابنتَه، وَحَمَلَني إِلى دار الهجرة، وصحبني في الغار وأَعتَقَ بلالاً من ماله، رحم الله عمر، يقول الحق وإن كان مُرّاً، تَرَكه الحقُّ وما له من صديق، رحم الله عثمان، تَسْتَحِي منه الملائكة، رحم الله عليّا، اللهم أَدِرِ الحقَّ معه حيث دار ))
[ أخرجه الترمذي عن علي بن أبي طالب ]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/8155/09.jpg
أي أنت أيها المؤمن هل لك عمل يصلح للعرض على الله يوم القيامة؟ ربيت أولادك؟ أعنت الفقراء؟ لبيت حاجة الضعيف؟ لك عمل صالح؟ إنسان بلا عمل فقير.
﴿ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ﴾
[ سورة القصص ]
الغنى والفقر بعد العرض على الله، الغنى الحقيقي غنى العمل الصالح، والفقر الحقيقي فقر العمل الصالح. (( أن رجلاً من قيس جاء رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: العن حمير؟ فأعرض عنه، فأعاد عليه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: رَحِمَ الله حِمْيَرَ أفْوَاهُهُم سَلام، وأيْدِيهم طَعَام، وهم أهْلُ أمْن وإيمان ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
لم يُبعث النبي الكريم لعاناً، ما بعثه الله لعاناً بعثه رحمةً للعالمين. طلب السماح ممن ظلمت قبل فوات الأوان من أسباب رحمة الله :
أيضاً من أسباب رحمة الله:
(( رحِمَ الله عبداً كانت لأخيه عنده مظلِمة مِنْ عِرضِهِ أو شيء منه ))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة ]
معنى هذا هناك عرض في السمعة، اغتبت إنساناً، اعتديت على عرضه، على سمعته، لكن نحن نتوهم العِرض خاص بالنساء، لا، سمعة الإنسان عرضه. (( رحِمَ الله عبداً كانت لأخيه عنده مظلِمة مِنْ عِرضِهِ أو شيء منه، فلْيَتَحلَّلَهُ منه اليومَ، من قبلِ أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أُخذَ منه بقدر مَظلِمتِهِ وإن لم يكن له حسنات أُخِذَ من سيئات صاحبه، فَحمِل عليه ))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن أبي هريرة ]
إتقان الصنعة من الدين :
(( رحم الله امرأً أحسن صنعته ))
[ورد في الأثر]
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/8155/10.jpg
إتقان الصنعة من الدين، إنسان باع غرفة جلوس، الذي اشتراها زاره أصدقاءه جلسوا عليها ففسدت، فذهب إلى صاحبها متوتراً جداً، قال له: من أول جلسة؟ قال له: جلستم عليها؟
(( رحم الله امرأً أحسن صنعته ))
إتقان الصنعة من الدين، جزء من دينك أن تتقن صنعتك، مرة ركب صحن ببرغيين من ستة، بأيام الرياح الشديدة طار هذا الصحن و وقع فوق رأس بنت صديقي فقتلها، من أجل أن توفر عشر دقائق أزهقت روحاً بريئة، هناك أخطاء كثيرة جداً، بسبب السرعة والإهمال، فلذلك. (( رحم الله امرأ أحسن صنعته ))
[ورد في الأثر]
(( نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه غيره ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدرامي والإمام أحمد وابن حبان عن زيد بن ثابت ]
ما الذي يمنع إذا حضرت خطبة جمعة وتأثرت بها، كتبت بعض النقاط، فإذا جلست مع أصدقائك حدثتهم عنها؟ إن جلست مع جيرانك، مع زملائك، مع زوجتك. (( بلِّغُوا عني ولو آية ))
[ أخرجه البخاري والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ]
(( نضر الله امرأ سمع منا حديثاً فبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه ))
[ أخرجه أبو داود والترمذي عن زيد بن ثابت ]
التعاون و التناصح من الأعمال الصالحة التي تستوجب رحمة الله عز وجل :
أيها الأخوة، هذا أيضاً من الأعمال الصالحة التي تستوجب رحمة الله عز وجل:
(( رحم الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثم أداها إلى من لم يسمعها، فرب حامل فقه لا فقه له، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ))
[ أخرجه الحاكم عن جبير بن مطعم ]
ويقول سيدنا عمر: رحم الله من أهدى إلي عيوبي.
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/8155/11.jpg
أي إذا كان هناك إخلاص بين المؤمنين، و تعاون، وأنت وجدت على أخيك شائبة وهو يحبك وتحبه، وبينك وبينه نصحته، والله الناصح له أجر كبير، والمنصوح إذا قَبِل هذه النصيحة له أجر أكبر، أي التناصح، أنا أقول دائماً: نتعاون فيما اتفقنا ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، هناك تعديل لهذا الرأي: نتعاون فيما اتفقنا وينصح بعضنا بعضاً فيما اختلفنا، أخوك مثلاً إذا ذكر حديثاً ضعيفاً وأنت نبهته، هذا الحديث ضعيف أو شديد الضعف، أتمنى عليك ألا تذكره ثانيةً، بينك وبينه، قدمت له نصيحة طيبة جداً.
فلذلك أيها الأخوة، إن أردت رحمة الله فكن نصوحاً، وهل تصدقون أن النبي صلى الله عليه وسلم ضغط الدين كله بكلمة واحدة فقال: (( الدِّينُ النصيحة ))
[ أخرجه الترمذي عن أبي هريرة ]
أيها الأخوة، أرجو الله سبحانه وتعالى أن نوفق في تطبيق هذه الآيات والأحاديث: ﴿ إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾
[ سورة الأعراف ]








والحمد لله رب العالمين

السعيد 07-15-2018 03:21 PM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بسم الله الرحمن الرحيم

التربية الإسلامية - علم القلوب

الدرس : ( الاول )

الموضوع : الحكمة 1






الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
الحكمة :
أيها الأخوة الكرام: كلما تأملنا في كتاب الله ازددنا علماً, هذه الآية الكريمة التي يقول الله عز وجل فيها: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
لو قابلت هذه الآية بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾
[سورة النساء الآية:77]
إنسان أوتي الدنيا, أوتي الملك, أوتي الغنى, أوتي الحظوظ كلها, استمتع بكل قواه في الدنيا, هذا عند الله أوتي قليلاً؛ لأن الموت سوف ينهي هذا كله, لكن حينما يؤتى الحكمة يؤتى خيراً كثيراً. من أوتي الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً :
لعلنا نقف دروساً عديدة في موضوع الحكمة؛ بالحكمة تسعد بزوجة من الدرجة الخامسة, ومن دون حكمة تشقى بزوجة من الدرجة الأولى, بالحكمة تسعد بدخل محدود, ومن دون حكمة تشقى بدخل غير محدود, بالحكمة تسعد بأولاد عديمين, ومن دون حكمة تشقى بأولاد نجباء.
عندما الإله يقول: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾
[سورة يوسف الآية:22]
فالإنسان حينما يؤتى الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً؛ لأن هذا الخير لا ينقطع بالموت, هذا الخير الذي يُؤتاه الإنسان من خلال الحكمة يسعده إلى الأبد؛ فشتان بين شيء ينتهي عند الموت, وبين شيء يبدأ عند الموت. النبوة وهبية والتفوق كسبي :
قال بعض العلماء: إن الله عز وجل أعطى النبوة والرسالة للخصوص من أهل الصفوة: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية:33]
النبوة اختص بها صفوته من خلقه, وهناك بحث طويل جعل النبوة وهبية, لكنها وهبية للمتفوقين من خلقه, والتفوق كسبي.
تماماً كما لو أردنا أن نعين إنساناً يمثل بلداً؛ فطالبناه بدكتوراه في العلوم, دكتوراه في الآداب, دكتوراه في الحقوق, وطالبناه بخمس لغات يتقنها, وطالبناه بفطنة وذكاء, بعد أن اخترناه من بين كل الناس, -وهذا من تفوقه وكسبه-؛ أعطيناه خصائص, أعطيناه حقيبة دبلوماسية, أعطيناه أجهزة, أعطيناه شيكات مفتوحة, القسم الثاني وهبي, لكنه مبني على الكسبي: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آَدَمَ وَنُوحاً وَآَلَ إِبْرَاهِيمَ وَآَلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾
[سورة آل عمران الآية:33]
هذه وهبية, لكن بحسب الاصطفاء, والاصطفاء بحسب التفوق, والتفوق بحسب الصدق. الحكمة ثمنها المجاهدة أما العلم فثمنه المدارسة :
هناك موضوع آخر: باب النبوة مغلق, لكن باب الحكمة مفتوح إلى يوم القيامة, الله عز وجل أعطاها للقمان الحكيم:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ﴾
[سورة لقمان الآية:12]
يبدو أن الحكمة ثمنها المجاهدة, أما العلم فثمنه المدارسة, أي إنسان ذكي يمكن أن يقرأ الإسلام كله, ويحفظه, وهو يهودي, العلم متعلق بالدماغ؛ إذا كان هناك رغبة في طلب العلم, و دماغ قوي, وذاكرة قوية, وقوة محاكمة.
كثير من المسلمين معهم دكتوراه في السوربون بالشريعة, الذي منحهم هذه الدكتوراه إنسان يهودي؛ فالعلم يأتي من المدارسة, أما الحكمة فتأتي من المجاهدة:
﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
وباب الحكمة مفتوح إلى يوم القيامة؛ بلا توقيت, ولا تحديد. الحكمة من فضل الله عز وجل يؤتيها من يشاء :
درس اليوم: هناك عشرة أشياء من فضل الله عز وجل يؤتيها من يشاء, علينا أن نطلبها,وأول شيء: الحكمة: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:269]
فاطلبوها بالمجاهدة؛ أي الصلاة, غض البصر, ضبط اللسان, إنفاق المال, كثرة الذكر والدعاء, هي سبب الحكمة؛ لأن الحكمة تؤتى لمن يشاء الله أن يؤتيه الحكمة, ومشيئة الله متعلقة بالتفوق, بصفوته من الخلق: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
هذه عشرة أشياء ثمينة جداً: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:269]
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:105]
ورحمة الله عز وجل مطلقُ عطاء الله، لكن: ﴿إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾
[سورة الأعراف الآية:56]
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
[سورة الحجرات الآية:10]
هذا بحث مستقل, نبحثه إن شاء الله. السعادة و الطمأنينة ثمن رحمة الله :
ما ثمن رحمة الله؟ تكون سعيداً, تكون مطمئناً, تكون متفوقاً, تعمل عملاً طيباً، أحياناً الذي يرحمه الله عز وجل يمشي كالملك, وهو من عامة الناس, في القلب شيء؛ المظهر موظف, المظهر ضارب آلة كاتبة, المظهر عامل, المظهر إنسان مدرس من بين مئة ألف مدرس, لكن من معه رحمة الله, رحمة الله جعلته متفوقاً, جعلته مطمئناً, جعلته سعيداً, جعلته قوياً, جعلته صابراً, جعلته فقيهاً عالماً:
﴿يخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:105]
يجب أن نبحث في دروس قادمة عن أسباب رحمة الله: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:247]
أحياناً يملكك الله, إذا أعطى أدهش؛ تكون لا شيء, لا يوجد عندك شيء, تملك شيئاً, وشيئاً كثيراً, وشيئاً ثميناً, وشيئاً مهماً: ﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاء﴾
[سورة البقرة الآية:247]
قال: فاطلبوه بالتواضع والحياء: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً﴾
[سورة الشعراء الآية:83]
المستقيم موفق والتوفيق أساس النجاح :
أحياناً الغنى ليس له علاقة بالسعي وبالذكاء, إذا الله عز وجل أعطى أدهش, أحياناً من دون قدرات عالية بالإنسان, قد يكون غنياً كبيراً, وأحياناً يكون عنده المعية, يفوق حدّ الخيال, لا يملك ثمن رغيف خبز, قال تعالى:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
[سورة التوبة الآية:28]
فالتجارة لا تحتاج إلى ذكاء, إلى توفيق من الله, والتوفيق يحتاج إلى استقامة؛ وفي أصعب الظروف, وفي أصعب الأحوال, في أيام الكساد الشديد, المستقيم له معاملة خاصة, المستقيم موفق, والتوفيق أساس النجاح, في التجارة الإجابة: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾
[سورة الأنعام الآية:41]
إنسان يكون مستجاب الدعوة, شيء ثمين جداً, أن تدعو فيستجيب الله لك, إذا كنت مستجاب الدعوة؛ فأنت أقوى الناس, أنت أغنى الناس, أنت أسعد الناس. من أراد أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6099/01.jpg
لذلك: إن أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله:

﴿فيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾
[سورة الأنعام الآية:41]
أنت أقوى من خصمك بالدعاء, إذا كان الله معك فمن عليك؟ ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة التوبة الآية:27]
إذا الله منحك التوبة, ألغى لك كل الماضي.
إنسان عليه ملايين, بيته مرهون, بكلمة كله يُمحى: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة التوبة الآية:27]
الرزق بالمعنى المعنوي هو الاتصال بالله و فهم كلامه :
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
[سورة البقرة الآية:212]
الرزق أنواع, الغنى قد يكون مادياً, أما الرزق فالاتصال بالله رزق, أن تفهم كلام الله رزق: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾
[سورة الواقعة الآية:82]
نصيبك من الرزق أنك كذبت بهذا الكتاب بدلاً من أن تصدقه, والهداية: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
[سورة البقرة الآية:213]
﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ﴾
[سورة الأنعام الآية:83]
رفع الدرجات, والهداية, والمغفرة: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة الفتح الآية:14]
﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:212]
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة التوبة الآية:27]
الدين ثمرة يانعة ثمنها المجاهدة :
http://www.nabulsi.com/images/inside...ar/6099/02.jpg
﴿فيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾
[سورة الأنعام الآية:41]
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾
[سورة التوبة الآية:28]
﴿وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:247]
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:105]
﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾
[سورة البقرة الآية:269]
كملخص لهذه الآيات: يوجد في الدين ثمرة يانعة, هذه الثمرة اليانعة ثمنها المجاهدة, أما إذا جعلته اختصاصاً؛ كلية حقوق, كلية شريعة, كلية طب, كلية آداب, والدين أحد هذه الكليات, تحتاج إلى كتب, ودراسة, ودوام, إن جعلته معلومات, فهذا خطأ كبير, اتجاه الدين فيه معلومات, لكن المعلومات وحدها لا تقدم ولا تؤخر, المعلومات وحدها اختصاص, أما الدين فثمرة يانعة, ثمنها المجاهدة.
والإمام الغزالي يقول: جاهد تشاهد.
الإنسان حينما يقرأ القرآن قراءة تأمل, قراءة تبصر, قراءة تفهم, قراءة تدبر, ويتحرك وفق هذه الآية يكون أسعد الناس. الحكمة خاصة بالمؤمنين لا تعطى لكافر :
هناك آلاف القصص: إنسان بحكمته التي آتاه الله إياها سعيد, كل شيء بين يديه, والذي بين يديه دون الوسط, قد يكون بكل شيء دون الوسط لكنه سعيد, وهناك إنسان يشقى, وبين يديه الدنيا بأكملها, أي مستحيل الله عز وجل أن يعطي الحكمة للكافر, والكافر لا بد من أن يتحامق, والدليل: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُم﴾
[سورة محمد الآية:1]
هناك حمق, هناك مواقف حمقاء, هناك مواقف خرقاء قاسية جداً: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾
[سورة الحشر الآية:2]
لو كان من الممكن أن تعطى الحكمة للكافر, يصبح الدين ليس له فائدة؛ لأن الحكمة أعلى ثمرة بالدين, أما الحكمة فخاصة بالمؤمنين: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً﴾
[سورة البقرة الآية:269]
القوي رأسماله قوته أما الحكيم فرأسماله اتصاله بالله :
أما الدنيا فيعطيها للكافر, ويعطيه المال, والذكاء, والجمال, والقوة, لكنه لا يعطيه الحكمة, فتجد الكافر أحمقاً, أرعناً, يقع في إشكالات كبيرة جداً, يخطئ خطأ فاحشاً، فالأنبياء أعطوا الحكمة, والطغاة أعطوا القوة.
فأنت نصيبك ممن؟ من نوع نصيب الأنبياء أم من نوع نصيب الأقوياء؟
على كلٍّ: القوة تنتهي عند الموت، أي إنسان مخيف, عندما تتعطل أجهزته كلها, لم يعد مخيفاً.
هناك أخبار مؤثرة جداً, بحكم الميت, الأجهزة كلها معطلة, في أي لحظة تتوقف الأجهزة, يعلن وفاته. معنى هذا أن الإنسان ضعيف, أما المؤمن فله اتصال بالله عز وجل.
فالقوي رأسماله قوته, والقوة تنتهي عند الموت, أما الحكيم فرأسماله اتصاله بالله, وهذا الاتصال يستثمره بعد الموت إلى ما شاء الله.








والحمد لله رب العالمين

آفراح 07-18-2018 11:43 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
بورك فيك وجوزيت كل خير على الطرح القيم
تحية

السعيد 08-08-2018 07:11 AM

رد: التربية الاسلامية- سبل الوصول وعلامات القبول
 
تسلمين اختى افراح


الساعة الآن 02:41 AM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.