منتديات رياض الأنس

منتديات رياض الأنس (http://www.riyadelounss.com/vb/index.php)
-   رِيَاضٌ رَوحَانِيَـاتٌ إيمَـانِيَـة (http://www.riyadelounss.com/vb/forumdisplay.php?f=5)
-   -   [ذائقة نورانية] العقيدة الاسلامية (http://www.riyadelounss.com/vb/showthread.php?t=9150)

السعيد 06-20-2018 07:07 AM

رد: العقيدة الاسلامية
 

بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : (السابع و الثلاثون )




الموضوع :من معجزات القران







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من وجوه إعجاز القرآن الكريم:
1- حفظ القرآن وصيانته من أي باطل يتطرق عليه:
قلنا في الدرس الماضي إن القرآن الكريم من معجزات النبي عليه الصلاة والسلام وهو معجزة خالدة مستمرة, وتحدثنا عن بعض وجوه إعجازه فكيف أن الله سبحانه وتعالى صانه وحفظه فقال في محكم تنزيله ؟
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
(سورة الحِجر الآية: 9)
وقال تعالى:
﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾
( سورة فصلت الآية: 42)
فالباطل لا يمكن أن يتطرق إلى كتاب الله لا من حيث أخباره عن الأمم السابقة, ولا من حيث تنبؤاته لمن سيكون, ولا من حيث الحقائق العلمية التي جاء بها, ولا من حيث التشريعات التي أوردها، كل ما في القرآن الكريم لا يمكن أن يكون باطلاً, والباطل هو الشيء الذي ينقض أو يبطل، أو يلغى أو يسقط، هناك نظريات كثيرة أصبحت باطلــة كان يظن أن الأرض في العصور السابقة محمولة على قرن ثور فهذه نظرية باطلة، وكان يظن أن الأرض منبسطة لكنها كروية, فالنظرية أن الأرض منبسطة باطلة, وكان يظن أن في جوف الأرض مائعاً نارياً, ويتجه العلماء اليوم إلى أن هناك طبقات مستعرة ولكنها ليست مائعة, وكلما تقدم العلم كشف زيف بعض النظريات السابقة فهذه النظريات التي جاء بها الإنسان باطلة, لا يمكن ولا في المستقبل أن يكون في كتاب الله حقيقة يثبت العلم خطأها أو يثبت نقيضها، لأن الله عزّ وجل قال:
﴿ لايَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾
( سورة فصلت الآية: 42)
كلما تقدم العلم كلما التقى مع الدين, و أحياناً لقصــور العلم ولافتقاره إلى الوسائل الفعالة لضبط الحقائق قد نجد أن هناك بعداً أو تناقضاً بين نظرية علمية قاصرة، وبين حقيقة جاء بها القرآن, فمهما تقدم العلم، ومهما تطورت الآلة، ومهما ازدادت المكتشفات، لن تستطيع هذه كلها أن تنقض شيئاً في كتاب الله, وهذا تحدثنا عنه في الدرس الماضي.
2- سلطانه العجيب في هداية الإنسان وتأثيره على قلبه وعقله:
وجه آخر من وجوه إعجازه كما قال بعض العلماء: سلطانه العجيب في الهداية، فحينما تقرأ كتاب الله عزّ وجل تشعر وكأن هذا الكلام ليس كلام البشر، بل كلام خالق الكون، الذي خلق السموات والأرض, ورفع السماء بغير عمد، ومن بيده أمرك ومصيرك، ورزقك وحياتك، لذلك تُليت بعض آيات القرآن على بعض العلماء الأجانب فقالوا: هذا الكلام من فوق هكذا عبروا، أي قائل هذا الكلام يرى الكون كله، فقال العلماء: سلطان القرآن العجيب فيه هدايته للإنسان، وفيه تأثيره المعنوي على عقول الناس، إذا كان الإنسان صافياً أو بعيداً عن أثقال المادة وعن زيف الحضارة، وقرأ كلام الله عزّ وجل يخشع قلبه، و يقارب أن يبكي، ويشعر أنه يذوب، ويقشعر جلده من خشية الله، قال تعالى:
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾
(سورة الأنفال الآية: 2)
تقشعر منه جلود الذين يؤمنون بالله عزّ وجل، فهذا التأثير وهذا السلطان العجيب الذي إذا قرأت القرآن شعرت به من إعجاز القرآن الكريم.
الحقيقة ببعض الأعمال العظيمة هناك سر لا نعرف ما هو؟ فالأثر واضح أما طبيعة هذا السر فلا نعرفه, ولو أن إنساناً قرأ كتاباً آخر من صنع بشر مهما كان هناك تألق لفظي، ومهما كان هناك سجع في اللفظ، وفواصل دقيقة، وصور، وتشابيه، واستعارات، وانتقاء الكلمات وموسيقى داخلية، وموسيقى خارجية، تشعر أن هذا كلام البشر, ولكنك إذا تلوت كتاب الله عزّ وجل تشعر أنه كلام الخالق بسلطانه العجيب! وهذا هو السر في تجمع مختلف الشعوب والأمم حوله, و كلام البشر تقرؤه مرة ومرتين, وثلاثاً وأربعاً، تشعر بأنك تخلصت منه، وفهمت معانيه، ويمكن لو أنك كلّفت أن تقرأه مرة خامسة لشعرت بالضجر والضيق، ما السر؟ إنك لو قرأت كلام الله آلاف المرات فتُشعر أنه كل مرة كان عليك جديداً لا تبلى جدته، ولا يخلق على كثرة الترداد، وتقول هذه الآية: أقرأها آلاف المرات, وكلما قرأتها اقشعّر جلدي, قال الله:

﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى * وَلَلْآَخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى *وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى * أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى * وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى * وَوَجَدَكَ عَائِلاً فَأَغْنَى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾
(سورة الضحى الآية: 1-11)
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى * فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى * وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى * إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى * وَإِنَّ لَنَا لَلْآَخِرَةَ وَالْأُولَى * فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى * لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى * الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى * وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى * الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى * وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى * إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى * وَلَسَوْفَ يَرْضَى ﴾
(سورة الليل الآية: 1-21)
في سورة الرحمن:
﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآَنَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ * الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ * وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ * وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ ﴾
(سورة الرحمن الآية: 1-7)
تقرأ بعد ذلك:
﴿فَبِأَيِّ آَلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾
(سورة الرحمن الآية: 13)
كررت هذه الآية 33 مرة, وكأنها لازمة تترنم بها هذا سر صياغة كلام الله, و نحن عاجزون عن إدراك السر, قال الله:
﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾
(سورة الحشر الآية: 21)
﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
(سورة البقرة الآية: 185)
إن سلطانه عجيب! ونحن عرفنا الأثر ولم ندرك سر التأثير، فسيدنا جعفر قرأ القرآن على النجاشي, ومن حوله الرهبان فأخذت الخشية تتغشاهم فأجهشوا جميعاً بالبكاء, أرسل النجاشي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سبعين عالماً من علماء النصارى إلى رسول الله, فلما قرأ عليهم سورة " يس " بكوا جميعاً وآمنوا, هكذا تروي السير، فربنا عزّ وجل ذكر هذه الحادثة فقال:
﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾
(سورة المائدة الآية: 83)
جاء في الصحيحين عن جبير بن مُطعم رضي الله عنه قال:
" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ فَلَمَّا بَلَغَ هَذِهِ الآيَةَ ( أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُسَيْطِرُونَ ) قَالَ كَادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ قَالَ سُفْيَانُ فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّمَا سَمِعْت الزُّهْرِيَّ يُحَدِّثُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ زَادَ الَّذِي قَالُوا لِي "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن جبير بن مطعم عن أبيه في صحيحهما )
يتأثر الإنسان في القرآن, ولكن من انطمست فطرته بالشهوات وغاص بالملذات الحسية إلى قمة رأسه فهذا قلبه ميت، ولكن من كان بعيداً عن نزوات الشهوة, وعن أوحال المادة, وقرأ كلام الله عزّ وجل فربما قال: إن أجمل ساعات حياتي حينما اقرأ كتاب الله، لأن رحمة الله تتنزل على قلبه.
3- الشمول:
من وجوه إعجازه أيضاً, أن ما في كتاب الله من حكم وأحكام، وعظــات وأخلاق، ومبادئ وعقائد، وتشريعات وأخبار عما مضى, وعما هو آت، ومعارف جزئية، وعلوم كلية، بلغت كلها مبلغاً لا يرقى الإنسان إلى الإتيان بمثله في تماسكها، وترابطها، وموافقتها للحق والمصلحة وسعادة الناس جميعاً, وما زال على تعاقب العصور بهذا المستوى رغم تقدم العصور, وتطور المعارف وتجربة مختلف المبادئ, والقوانين والأنظمة الوضعية والإنسانية, ولم يزل كذلك أبد الدهر, مع كل هذه الكمالات فقد أُنزل على رجل أُميّ لم يتعلم القراءة والكتابة, ولم يسبق له دراسة ولا قراءة, ولا تعلم على يد أحد، ولا علمه أحد، وفي أمة أميّة لا تعرف شيئاُ من هذه العلوم والمعارف التي جاء بها, وهذا أكبر دليل على أن هذا الكلام من عند الله, قال الله تعالى يخاطب النبي عليه الصلاة والسلام في معرض الحديث عن أهل الكتاب في سورة العنكبوت:
﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ * وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ ﴾
(سورة العنكبوت الآية: 47-48)
من حكم الله البليغة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان أُميّاً, لماذا؟ لأنه لو درس أو تعلّم أو استوعب ثقافة عصره ثم جاءه الوحي لاختلط على الناس الوحي بالثقافة، ولقالوا: يا محمد قل لنا: هذه من عند ربك أم من عندك؟ ولكان أكثر سؤال يتوارد عليه طوال حياته هذا السؤال, ولحكمة بالغة منع عنه ثقافة العصر، إذ جعله أُميّاً ليكون كل علمه من عند الله.
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
(سورة النجم الآية: 3-4)
ليكون كل علمه وكل أقواله إنما هي وحيٌ يوحى, ولذلك فقد قال علماء الأصول: القرآن وحي متلو، والسنّة وحي غير متلو، و أكثر العلماء على أن الأحاديث الشريفة إن هي إلا وحي يوحى, ولذلك كان النبي عليه الصلاة والسلام أُمياً لئلا يختلط وحي السماء بثقافات البشر.
4- إعجازه في البلاغة والفصاحة:
من وجوه إعجاز القرآن الكريم بلاغته وفصاحته, و أعلى كتابة في اللغة العربية من حيث الفصاحة والبلاغة هي كتاب الله عزّ وجل, فالفصاحة في كلماته، والبلاغة في تراكيبه، وانتقاء الكلمات من أعلى مستوى, وتأليف الكلمات في جمل من أرقى بنية، وتناسب الألفاظ مع المعاني، وتناسب المعاني مع مقتضى الحال، يعد أعلى مستوى في اللغة العربية, وأما الكلام عن إعجازه اللغوي، وإعجازه البياني، فحديث طويل أُلفت فيه المجلدات، فماذا نفعل في هذه الدقائق أو ماذا نفعل في هذه الساعات؟ مجلدات بأكملها أُلفت حول إعجاز القرآن, فبذل المال، وبذل النفس، في القرآن الكريم جاء بهذا الترتيب, قال الله:
﴿ وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ﴾
(سورة الحجرات الآية: 15)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾
(سورة الصف الآية: 10-11)
في أكثر من 18 موطناً فيما أذكر ورد بذل المال مقدمٌ على بذل النفس, لأن بذل المال أهون من بذل النفس إلا في موطن واحد ورد فيه بذل النفس مقدماً على بذل المال, قال الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾
(سورة التوبة الآية: 111)
وهنا بيع قطعي وفي البيع القطعي يقدم الأهم على المهم، بينما في البذل يقدم الأيسر على الأعسر، حكمة بالغة.
في مواطن كثيرة وردت كلمة "غفور رحيم", إذا اجتمع اسم المغفرة والرحمة فاسم الغفور مقدمٌ على اسم الرحيم, لماذا ؟ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، الغفور مقدمٌ على الرحيم, ولذلك ورد في الترتيب كما يلي إلا في آية واحدة جاءت فيها كلمة رحيم غفور, هذه آية وحيدة ورد فيها اسم الرحيم قبل اسم الغفور, قال الله:

﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾
(سورة سبأ الآية: 2)
لماذا؟ لأنه في آيات أخرى حيثما وردت كلمة العلم وردت معها كلمة الرحمة, لأن العلم من غير رحمة طامة كبرى كما هي الحال في هذا العصر, حينما تقدم العالم الغربي تقدماً مذهلاً في العلوم, ولم يرافق هذا التقدم تقدم في القيم فأصبح هؤلاء كالوحوش الكاسرة, أرادوا أن يأكلوا الشعوب كلها, وأن يعيشوا على أنقاضها, فهم يسببون لها متاعب لا حصر لها، من أجل أن يرتفع مستوى معيشتهم، فربنا عزّ وجل قال:
﴿ رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً ﴾
(سورة غافر الآية: 7)
﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
(سورة الأعراف الآية: 52)
﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً * قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ﴾
(سورة الكهف الآية: 65)
في أكثر الآيات تأتي كلمة الرحمة مع العلم, لأن العلم من دون رحمة سلاح مدمر، والعلم من دون رحمة جعل القنبلة النووية، وهذه القنبلة الذرية أُلقيت في الحرب العالمية الثانية، وكانت في البدايات قنبلة متواضعة جداً 300000 إنسان ماتوا بثوانٍ، فهذا هو العلم من دون رحمة, والآن يقولون: هناك حرب جرثومية, و حرب كيميائية، ومواد تصيب الإنسان بالشلل، ومواد كيميائية تصيبه بالهوس والخَوَر، وهناك قنابل عنقودية، و قنابل تلفزيونية، وقنابل حارقة، فهذا ليس بعلم بل كله جهل، وهذا كله علم من دون رحمة، وهناك قنابل تبيد البكتريات في الأرض، فتصبح الأرض غير صالحة للزراعة, فهذا ليس بعلم، قال الله:
﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا ﴾
(سورة غافر الآية: 7)
﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا ﴾
(سورة الكهف الآية: 65)
﴿كِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً ﴾
(سورة الأعراف الآية: 52)
في أكثر الآيات اجتمعت الرحمة مع العلم، وفي عصرنا هذا انفرد العلم من دون الرحمة، ومن علامات آخر الزمان أن تنعدم الرحمة من قلوب الناس، لا يرحمك مهما كنت ضعيفاً, وقد يتلذذ بشقائك، هكذا العالم الغربي يخلق في العالم مشاكل، ويبيع هذه البلاد أسلحة من أجل أن يفنى بني البشر.
ما هي الحكمة من التقديم والتأخير بالكلمات في القرآن الكريم ؟
لماذا ذكر الله كلمة رحيم غفور, ولماذا ذكر كلمة رحيم قبل الغفور؟ قال تعالى:
﴿ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنْ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ ﴾
(سورة سبأ الآية: 2)
وهناك شواهد أخرى حول هذا الموضوع كثيرة, قال الله:
﴿ أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ ﴾
(سورة المؤمنون الآية: 78)
دائماً السمع مقدم على البصر في أكثر الآيات, لأن تخلّق السمع يكون قبل تخلّق البصر، فهناك ترتيب زمني، وقد يكون هناك ترتيب من حيث الأهمية، فالسمع يؤمن لك دائرة أمان أوسع من دائرة البصر، فسائق السيارة لا يرى شيئاً أمامه, ولكن هناك صوت للمحرك خطير، يقول لك: يوجد صوت, فدائرة السمع أوسع من دائرة البصر, فقُدّم السمع على البصر إما تقديماً في المرتبة, رتبته أعلى من رتبة البصر إلاّ في آية واحدة, قال الله:
﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾
(سورة السجدة الآية: 12)
لأن سرعة انتشار الصورة يعني " الضوء " أسرع بكثير من سرعة انتقال الصوت، سرعة الصوت 330 متر بالثانية، لكن سرعة الضوء 300000 كيلو متر بالثانية، ترى البرق وبعد حين تسمع صوت الرعد، فانتقال الصوت إليك كان بطيئاً جداً، قال الله:
﴿ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا ﴾
(سورة السجدة الآية: 12)
﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾
(سورة الجمعة الآية: 11)
الله بدأ بالتجارة, لأنه لا لهو من دون تجارة، فاللهو يحتاج لأموال طائلة، فإذا دخل رجل قاعة فيها قمار فيجب أن يكون معه ملاييـــن، قال الله:
﴿وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ اللَّهْوِ وَمِنْ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾
(سورة الجمعة الآية: 11)
هنا قُدم اللهو عن التجارة, لأنك إذا تركت الصلاة لعلة اللهو أشد إثماً وتفريطاً من تركها لعلة التجارة.
الأقارب جاء ترتيبها في كتاب الله بشكل عجيب, فربنا عزّ وجل في سورة آل عمران يقول:

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآَبِ ﴾
(سورة آل عمران الآية:14)
الله عزّ وجل بدأ بالنساء, ثم البنين، ثم القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، ثم الخيل المسومة، ثم الأنعام، ثم الحرث، سنأخذ أول واحدة, لماذا بدأ بالنساء؟ لأنَّ الآية في موضع المتعة, قال الله:
﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾
(سورة آل عمران الآية:14)
لذلك قال النبي الكريم:
" عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ "
(أخرجه النسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاصي في سننه)
وهناك آية ثانية:
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ﴾
(سورة التوبة الآية: 24)
فالمحبة الحسية للمرأة في الدرجة الأولى، و المحبة القلبية للأب، لأن حبه لابنه سبق حب ابنه له من باب الوفاء، فربنا عزّ وجل بموضوع الاعتزاز الاجتماعي بدأ بالأب, قال الله:
﴿ قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ ﴾
(سورة التوبة الآية: 24)
أبوة فبنوة فأخوة، وهذا ترتيــب الأقارب.
وهناك آية ثالثة:

﴿يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ * وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ يُنْجِيهِ ﴾
(سورة المعارج الآية: 11-14)
في موطن دفع الفدية أغلى شيء الابن، وفي آية رابعة:
﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ﴾
(سورة عبس الآية: 33-37)
ففي موطن الاستنجاد والاستغاثة الأخ, أما الذي يعينك فأخوك، فهنا بدأ بالأخ، وهنا بدأ بالابن، وهنا بدأ بالأب، وهنا بدأ بالزوجة، وهذا الترتيب دقيق جداً، إذ يعجز عنه البشر, والله عزّ وجل عليم بما في النفوس، قال:
﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
(سورة المُلك الآية: 14)
فالقرآن الكريم من حيث الإعجاز, واللهِ لا يفي بحق هذا الموضوع لا درس ولا درسان, ولا سنة ولا سنتان, ولا العمر يمكن أن يفي بحق هذا الموضوع, ففيه إعجاز تشريعي، و إعجاز بياني، و لغوي، و حسابي، ورياضي، فمن دروس التفسير ومن خلال شرح الآيات الكريمة يبدو لكم بعض إعجاز القرآن الكريــم، وفي درس آخر إن شاء الله تعالى ننتقل إلى بعض معجزاته صلى الله عليه وسلم.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 06-20-2018 07:09 AM

رد: العقيدة الاسلامية
 



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : (الثامن و الثلاثون )




الموضوع :صفات الرسل (2)



الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
صفات الرسل:
1- الصدق:

أيها الأخوة, وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع عنوانه صفات الرسل, وقد تحدثنا عن الصفة الأولى ألا وهي الفطانة, وتحدثنا عن الصفة الثانية ألا وهي العصمة, واليوم ننتقل إلى الصفة الثالثة من صفات الرسل وهي:
1- صفة الصدق: " فحينما وقف سيدنا جعفر رضي الله عنه أمام النجاشي, وقال له: أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام, ونأكل الميتة, ونأتي الفواحش, ونقطع الرحم, ونسيء الجوار, ويأكل القوي منا الضعيف, حتى بعث الله فينا رجلاً نعرف أمانته وصدقه وعفافه ونسبه " فالصدق من أبرز صفات الرسل عليهم السلام, ولا يرفع الإنسان عند الله بشيء إلا إذا كان صادقاً معه, وصادقاً مع نفسه, وصادقاً مع الناس, قال عليه الصلاة والسلام:
"عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيـــْهِ وَسَلَّمَ يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْخِلالِ كُلِّهَا إِلا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ "
(أخرجه الإمام أحمد عن أبي أمامة في مسنده)
فقد يكون المؤمن حادّ الطبع، وقد يكون المؤمن كثير الإنفاق، وقد يكون المؤمن مائلاً إلى الانطواء، وقد يكون المؤمن محباً للاختلاط، كل هذه الصفات لا تقدح في كرامة المؤمن ولا في مكانته, فالمؤمنون طباع, وقد قال عليه الصلاة والسلام:
" الحدة تعتري خيار أمتي"
( ورد في الأثر )
أما أن يكون المؤمن كاذباً أو خائناً فهذا يتنافى مع إيمانه, لا يجتمع إيمان وكذب, ولا إيمان وخيانة, فالصدق صفة بارزة من صفات الأنبياء عليهم السلام, وهي من أبرز صفات المؤمن, لماذا؟ لأن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين, فإذا اصطفى الله إنساناً بالوحي, وكلفه تبليغ رسالاته للناس, وزوده بالمعجزة التي تشهد بصدقه أنه رسول.
هل يعقل أن يكذب الرسول ؟
فهل يُعقل أن يكذب الرسول؟ اصطفاه الله, وهو العليم الخبير, اصطفاه الله بالوحي وكلفه تبليغ رسالاته للناس وأيّده بالمعجزات التي تؤكد صدقه, أفيعقل بعد هذا أن يكذب؟ فهذا شيءٌ في علم العقائد مستحيلٌ عقلاً، من الذي اختاره؟ العليم الخبير، فلو أنه كذب على الله لكان اختيار الله غير صحيح, إذاً هذا الذي اصطفاه الله وأيّده وكلّفهُ بالتبليغ لا يُعقل أن يكذب.
الرسول مؤيد بالمعجزة, فلو كذب قبل المعجزة لكانت المعجزة تأييداً للكذب, ولو كذب بعد المعجزة لكانت المعجزة تأييداً للكذب, وهذا الذي أمسك العصا فإذا هي ثعبان مبين, فما معنى هذا؟ أيها الناس, إني رسول الله فإذا نطق بالكذب قبلها أو بعدها, فالمعجزة أصبحت تأييداً للكذب, وهذا مستحيل عقلاً, ولا يليق بحضرة الله سبحانه وتعالى أن يصطفي رسولاً يكذب عليه, ولا يعقل أن يكذب النبي على ربه، ولا أن يُكذّبه, فالرسول في العقيدة الصحيحة التي يجب أن يعلم بالضرورة أن يكون صادقاً قطعاً في كل ما يبلغ عن ربه, لذلك فسيدنا سعد قال:

" ثلاثة أنا فيهن رجل, وفيما سوى ذلك فأنا واحد من الناس, ما سمعت حديثاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من الله تعالى, انتهى الأمر, من عند الخبير، من عند العليم، الخالق، الذي لا يغفل، الغني، رب العالمين، ولا سِرتُ جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول حتى أنصرف منها، ولا دخلت في صلاة فشغلتُ نفسي بغيرها حتى أقضيها, وفيما سِوى ذلك فأنا واحد من الناس "
( قول مأثور )
لو أن الرسول كذب في موضوعات غير شرعية ليس لها علاقة بالدين كعلاقته مع زوجته في بيته، أو مع أقربائه و جيرانه، فهذا الكــذب في موضوعات لا علاقة لها بالدين يسبب الشك في رسالته كلهــا، فالذي يكذب في علاقته مع الآخرين يكذب عن الله عزّ وجل، ولذلك لا تثبت رسالة الرسول إلا بالصدق، وإياك أن تسمح لنفسك أن تعتقد أنَّ رسول الله يكذب في أمور, لا علاقة لها بالدين أبداً, لا تثبت رسالة الرسول إلا بالصدق في كل أحوال النبي عليه الصلاة والسلام، حتى أن الإيماء ليس من أخلاق الأنبياء، أي يقوم بغمز واحد افعل كذا، فهذا الإيماء كأنهُ في شيء ظاهر وشيء باطن, قال عليه الصلاة والسلام:
" عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَسَنٍ قَالَ قَدِمَ الْحَجَّاجُ فَسَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ وَالْمَغْرِبَ إِذَا وَجَبَتِ الشَّمْسُ وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا كَانَ إِذَا رَآهُمْ قَدِ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ أَبْطَئُوا أَخَّرَ"
(أخرجه النسائي عن محمد بن عمرو بن حسن في سننه)
المعجزة دليل صدق الأنبياء:
سيدنا موسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام، أشار في خطابه إلى فرعون بأنه شاهد المعجزة, وهذه المعجزة دليل صدقه في النقل عن ربه, هذه المعجزات التي تأتي بها الأنبياء, هي دليل صدقهم وأنهم رسل من عند الله:
﴿وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ * حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾
)سورة الأعراف الآية: 104-105(
شهادة الله لنبيه محمد عليه الصلاة والسلام بأنه لا ينطق عن الهوى:
وربنا عزّ وجل شهد لهذا النبي المصطفى عليه أتم الصلاة والتسليم، قال:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
(سورة النجم الآية: 3-4)
فعلماء الأصول قالوا: هناك وحيٌ متلو, وهو القرآن، وهناك وحي غير متلو, وهو ما صح من الحديث الشريف, بل إن الذي يُنكر الأحاديث الصحيحة المتواترة يُعدّ كافراً, كما لو أنه أنكر كلام الله, فليس من حق أحد على وجه الأرض أن يُكفّر الناس, يجب أن يقف الإنسان موقف السيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام, قال:
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
(سورة المائدة الآية: 118)
وهذا تدخل في شؤون الله عزّ وجل, فبدل أن تكفره، اسعَ في هدايته, ومن قال:
" هلك الناس فهو أهلكهم "
( ورد في الأثر )
قال الله:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآَمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ﴾
(سورة النساء الآية: 170)
إذا تكلم المؤمن خلاف ما يعتقد من الحق فقد خان رسالة الله:
إذا تشرّف إنسان " فالله عزّ وجل رفعه وشرّفهُ " في أن يدعو إلى الله, فلو أنه تكلم بخلاف قناعاته، ولو أنه سكت عن حقيقة يعرفها, أو بالغ في حقيقة أو قصّر عن إلقاء الحق، فقد خان الرسالة وخان الأمانة، وفي ذلك قال الله عزّ وجل:
﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً﴾
(سورة الأحزاب الآية:39)
لو أن أحداً قال لك: هذه حرام, وأنت تعلمها حراماً, وأردت ألا تزعجه، وألا تحرجه, وأن تبقى لك معه مصالح، وأن تنتفع منه، فقلت له: لا, هذه حلال فقد سقطت من عين الله عزّ وجل؟ لأن يسقط أحدنا من السماء إلى الأرض فتتحطم أضلاعه أهون من أن يسقط من عين الله, يجب ألا تأخذك في الله لومة لائم وأن تنطق بالحق, وكلمة الحق لا تقطع رزقاً ولا تقرّب أجلاً.
ينبغي على المسلم أن يكون كلام الله فوق كل شيء:
وقد قال لي أحدهم مرة: سعر كل سيارة هبط بمقدار 200 ألف ليرة، فإذا عمل إنسان تصريحاً صغيراً يُغيّر أسعار كل الحاجات، وربنا عزّ وجل خالق الكون ومنزل القرآن الكريم ستمئة صفحة فيه وعد ووعيد، وإنذار و إعذار، وتوضيح و تصريح, ألا يستحق خالق الكون أن تصدقه وأن تطيعه ؟ لو خاف الناس من ربهم كما يخافون من بعضهم لدخلوا الجنة, إذاً تعلم أن هذا الإنسان إذا قال فعل: وهو يملك أن يؤذيك, وقال: هذا ممنوع, فهل تفعله؟ لا والله لا تفعله, كيف تسمح لنفسك أن تصدق إنساناً وأن تطيعه, ولا تفكر في أن هذا القرآن من عند الله, وفيه أوامره ونواهيه ما لَكَ أين أنت؟ لذلك قال الإمام الجنيد: " ليس الولي من يفعل خوارق العادات ولكن الولي من تجده عند الأمر والنهي في الملمات" فالله عزّ وجل السميع البصير، بيده كل شيء, قال الله:
﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾
(سورة الحديد الآية: 4)
هل من المعقول أن يكذب رسول الله ويتركه الله من دون عقاب ؟
لو أنّ رسوله كذب عليه, أيتركه هكذا؟ ويقول أحدهم: والله ما عندي علم سمعتها من إنسان، لم يبلغني ذلك أنه كَذَبَ عليّ هكذا سمعتها، أمّا خالق الكون, قال الله:
﴿سَمِيعٌ بَصِيرٌ ﴾
(سورة المجادلة الآية: 1)
﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾
(سورة طه الآية: 7)
ولو أنَّ نبيه كَذَبَ عليه أيتركه سُدى؟ اسمعوا الآية:
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ * فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ ﴾
(سورة الحاقة الآية: 44-47)
فلو تكلم كلمة واحدة من عنده لعاقبه الله عزّ وجل, ولكَشفَ هذا الكلام الذي لا يُطابق الرسالة، ولما طلب المشركون من النبي عليه الصلاة والسلام أن يأتي بقرآن غير هذا القرآن, أو يبدّل فيه الآيات التي تمسُ معتقداتهم.
الأدلة من الكتاب على نفي الكذب من الرسل:
قال الله:
﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ﴾
(سورة يونس الآية: 15)
هذا شيء مستحيل, قال تعالى:
﴿ مَا يَكُونُ لِي﴾
(سورة يونس الآية: 15)
من أشد أنواع النفي, ومعنى قوله تعالى:
﴿أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ﴾
(سورة يونس الآية: 15)
هذه إشارة إلى وجود الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم، بل إن هذا هو الدليل, وهناك أدلة أخرى، قال الله تعالى:
﴿ لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾
(سورة النساء الآية: 43)
فبحسب ظاهر النص الخمر مباحة في خارج الصلاة, وهذه الآية منسوخة قولاً واحداً، إذاً في القرآن الكريم آية ناسخة وآية منسوخة, وهناك أدلة كثيرة عليها, وهناك حكمة بالغة من الإثبات, ومن النسخ, ومن بقاء الآية بعد النسخ, قال الله:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
(سورة يونس الآية: 15)
أنا متبع, قال تعالى:
﴿ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ ﴾
(سورة يونس الآية: 15)
هذه وظيفتي وهذا قدري, ولا أستطيع أن أزيد فيه ولا أن أنقص منه, ولا أن أبدل، ولا أن أٌغيّر، ولا أن أُعطل, هذه أمانة التبليغ, و الذين يذهبون إلى مقام النبي المصطفى عليه أتم الصلاة والتسليم, ماذا يقولون في حضرته:
" أشهد أنك بلّغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة وكشفت الغمة ومحوت الظلمة وجاهدت في الله حق الجهاد وهديت العباد إلى سبيل الرشاد "
( ورد في الأثر )
الله علّمه أن الذي يفتري عليه الكذب هو من أشد أنواع الظلم, قال تعالى:
﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ﴾
(سورة يونس الآية: 17)
ما هي علاقة المؤمن بموضوع الأنبياء في نفي الكذب عنهم ؟
قد يقول قائل: الأنبياء لا يكذبـون, هم صادقون مصدّقون مئة في المئة, ونحن المؤمنين ما علاقتنا بهذا الموضوع ؟ إذا خرجت عن الحقيقة, و سكتّ عن الحق, أو نطقت بالباطل, فهذا يخرجك من الإيمان، المؤمن لا يكذب، إذا أفتيت للناس بفتوى ترضيهم بها, وتُغضب الله عزّ وجل, أليسَ هذا كذباً على الله؟ وعلاقتنا من هذا الموضوع يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً أنَّ المؤمن إذا كذب فقد خرجَ من إيمانه, لأنَّ المؤمن لا يكذب و هكذا قال عليه الصلاة والسلام.
ألم تسمعوا بأن أحد المتحدثين الأجلاء حينما رحل من المدينة إلى البصرة ليتلقى حديثاً عن رجل في البصرة, رآه عن بعدٍ, وقد وضع طرف ردائه موهماً فرسه أن فيها شعيراً, فلما اقترب منه لم يجد شيئاً فلم يكلمه, وعاد من حيث أتى, هذا كذاب, وما دام أن هذا الإنسان كذاباً لا يليق أن نأخذ منه حديثاً عن رسول الله عليه الصلاة والسلام, و الإمام البخاري جمع ستمئة ألف حديث, واختار منها تسعة ألاف حديث فقط, فصحيح البخاري فيه تسعة آلاف حديث فقط مختارة من ستمئة ألف حديث جمعها في صحيحه, كم بذل من جهد؟ أجمــع أهل المِلل والنحل والشرائع بلا استثناء, أنه لا يتم إثبات رسالة رسول إلا بالصدق، لأن الأنبياء والمرسلين جميعاً صادقون فيما بلّغوا عن ربهم, وهذا كلام قيّم جداً, فإذا قرأت حديثاً شريفاً فهذا ليس من عند رسول الله و ليس اجتهاداً, هذا وحيٌ من عند الله, فمخالفته مخالفة لأمر الله, وطاعته طاعة لله، ولذلك فربنا عزّ وجل قال:

﴿ وَمَا آَتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا ﴾
(سورة الحشر الآية: 7)
و قال ربنا عزّ وجل:
﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ﴾
(سورة النساء الآية: 80)
2- التبليغ:
الصفة الثانية من صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام, صفة التبليغ: لاحظنا أيها الأخوة, أن الرسول مبلّغٌ عن الله تعالى, وأن الله اصطفاه لهذه المهمة, وأنه أمره بتبليغ جميع أحكامه وشرائعه للناس, وذلك بمقتضى قول الله عزّ وجل:
﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴾
(سورة المائدة الآية: 67)
قال تعالى:
﴿يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ﴾
(سورة المائدة الآية: 67)
أي لن يستطيع أحد أن ينال منك, أو أن يقتلك.
وآية أخرى:

﴿ عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً * لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً ﴾
(سورة الجن الآية: 26-28)
الله عزّ وجل سيسأل الأنبياء, هل بلّغتم رسالاتي:
﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾
(سورة الزمر الآية:71)
أن الرسل معصومون عصمــة تامة عن مخالفـة أمر الله، ومعصومون من أن يقتلوا، والنبي عليه الصلاة والسلام عصمه الله من أن يُقتل, والأنبياء جميعاً والرسل جميعاً معصومون من أن يعصوا الله عزّ وجل, فلو عصوا الله عزّ وجل, والناس مكلفون باتباعهم لصار التبليغ باتباع المعصية, ولصار أمر الله أن تعصي الله، وهل يأمرك الله أن تُطيع هذا الرسول وهو يعصي الله, كأنَّ الله يأمرك أن تعصيه, والله سبحانه وتعالى لا يأمر بالفحشاء؟ معنى أن الرسول عليه الصلاة والسلام مكلفٌ بالتبليغ, أي لا يمكن أن يكتم من الحق شيئاً، هذا شيء مستحيل بحق الرسل, وهم معصومون أن يكتموا شيئاً أمرهم الله بتبليغه, لأنَّ الله عزّ وجل ما اختارهم لحمل رسالته إلاّ ليقوموا بتبليغ شرائعه.
ما هو الدليل على عدم كتمان الرسل رسالات الله ؟
وما الذي يؤكد أنهم لم يكتموا شيئاً مما أُمروا به؟
1- أن الله عزّ وجل شهد لهم بأنهم فعلوا ذلك في مناسبات كثيرة.
2- أنَّ الله وقد ذّم أهل الكتاب الذين يكتمون شيئاً من التوراة والإنجيل فلم يرض منهم هذا الكتمان وهم أفراد عاديين، فكيف يرضاه ممن اختارهم لحمل رسالته؟ وهل يسكت عنهم لو كتموا شيئاً؟ لذلك قالوا:

" الساكت عن الحق شيطان أخرس"
( قاعدة فقهية )
لو أن النبي عليه الصلاة والسلام كتم شيئاً أنزله الله إليه, وأمره بتبليغه, لكتم ما قاله الله بحقه حينما قال:
﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾
(سورة عبس الآية: 1)
ولكم قصة زينب التي أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالزواج منها بعد أن كانت مطلقة لمتبنّاه زيد, قال الله:
﴿ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ ﴾
(سورة الأحزاب الآية: 37)
﴿ عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ﴾
(سورة التوبة الآية: 43)
فلو كان بالإمكان أن يكتم النبي العدنان شيئاً من القرآن لكتم هذه الآيات، إذاً يجب أن نعتقد اعتقاداً جازماً في حق الرسل, أنهم بلّغوا جميع ما أمرهم الله بتبليغه " اللهم قد بلغّت, اللهم فاشهد " لأنَّ الكتمان ضد التبليغ, فإذا وجبت لهم صفة التبليغ امتنعت عنهم صفة الكتمان، هذه الصفة, صفة التبليغ من صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام.
3- العصمة من الأمراض المنفرة أو ما يخل بأداء رسالتهم:
ومن صفات الرسل أيضاً, أنهم لا يتعرضون للأمراض المنفّرة: هناك أمراض جلدية منفّرة, أو أمراض لا يرتاح الإنسان لمنظرها, حدثتكم عن الأحنف بن قيس: كان قصير القامة, أسمر اللون، غائر العينين، مائل الذقن, خفيف العارضين، ليس شيء من قبح المنظر إلا وهو آخذ منه بنصيب, وكان مع ذلك سيد قومه, إذا غضب، غضب لغضبته مئة ألف سيف لا يسألونه فيم غضب, لكن النبي الكريم جمع الحسنيين, جمع كمال الخلقِ والخُلق, وهكذا يكون الكمال, يجب أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام حتى في خلقه مثلاً أعلى, قال الشاعر:
وأحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرءاً من كل عيـب كأنك قد خلقت كما تشاء

وفي روايات, أنَّ بعض الأنبياء ظهر الدود من جلودهم, وهي أوصاف مُبالغ فيها كثيراً، كيف يستطيع الناس أن يجلسوا أمام هذا النبي؟ لذلك لا تعترض أبدان الرسل عليهم الصلاة والسلام لما يُنفّر الناس منهم, لكن ليس معنى ذلك أن النبي لا يمرض, لا, الأمراض العادية تُصيبه، لأنه بشر، " اللهم إني بشر أرضى كما يرضى البشر"
( ورد في الأثر )
وسوف نتابع بقية صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام في درس آخر إن شاء الله تعالى.






والحمد لله رب العالمين





السعيد 06-20-2018 07:11 AM

رد: العقيدة الاسلامية
 



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : (التاسع و الثلاثون )




الموضوع :الكرامات





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الفرق بين المعجزة والكرامة من حيث الأمور العقلية:
وصلنا إلى موضوع جديد هو الكرامات, فالمعجزات للأنبياء والكرامات للأولياء، فما حقيقة الكرامة؟ هل هي صحيحة؟ وهل هي واقعة فعلاً؟ و هل نثبتها؟ وإذا أثبتناها فما الأدلة؟ وإذا نفيناها, فما الأدلة؟ فالإنسان يجب أن يتعوّد ألا يقبل شيئاً إلا بالدليل النقلي من كتاب الله أو سُنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وألا يرفض شيئاً إلا بالدليل النقلي من كتاب الله ومن سُنة رسول الله، فلذلك الكرامات موضوع يكثر الحديث فيه، أرجو الله سبحانه وتعالى أن يُمكنني من توضيح هذا الموضوع الدقيق.
في دروس سابقة بينت لكم أن المعجزة ممكنة عقلاً, لأن هذا الذي خلق هذا الشيء على هذه الشاكلة يستطيع أن يخلقه على شاكلة أخرى, قال الله:

﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ﴾
( سورة الانفطار الآية: 8)
والذي خلق الماء مائعاً سائلاً يستطيع أن يجعله صلباً يابساً، و الذي خلق النار تحرق قادر على أن يجعلها لا تحرق، وإذا قيس الأمر بقدرة الله عزّ وجل فالله على كل شيء قدير, هناك أشياء ممكنة عقلاً، وهناك أشياء واجبة عقلاً، وهناك أشياء مستحيلة عقلاً، فالشيء الواجب الوجود هو الله سبحانه وتعالى، والشيء الممكن هو الكون، كان على هذا الشكل ويمكن أن يكون على شكل أخر، فإذا أدخلنا موضوع المعجزات في هذا الموضوع فالمعجزات ممكنة, قال الله:
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 69)
الله عزّ وجل جعل لكل شيء سبباً, ولكن في أي لحظة يستطيع أن يُلغي هذا السبب أو أن يعطله, ليبين لنا أن هذا الشيء من خلق الله وليس من خلق السبب، والسبب يعني وجد معه ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الشيء، فالمعجزة كما تكلمنا عنها سابقاً بدرس مفصّل ممكنة عقلاً، لكن قد تكون غير ممكنة عادة، فالنار تحرق عادة فأن تضع إنساناً في النار ولا يحترق فهذا غير ممكن عادة, أما عقلاً فممكن, لأنَّ الذي أحرق الإنسان بالنار قادر على أن لا يحرقه بها، وإذا أردنا أن ندخل موضوع الكرامات في هذا الموضوع فالكرامات أمور ممكنة عقلاً، والله عزّ وجل على كل شيء قدير, كما أنه أجرى على يد أنبيائه ورسله بعض المعجزات التي هي خرق للعادات, فمن قدرة الله عزّ وجل أن يُجري على بعض الصالحين من أتباع الأنبياء وعلى بعض الأولياء أموراً فيها خرق للعادات، لكن المعجزة هي خرق لمجرى العـادات الكونية مرافقة لدعوى النبوة، وهناك إنسان يقول: أنا نبي وهذه المعجزة, فالمعجزة ترافق دعوة النبوة ومقرونة بالتحدي, أما الكرامة فهي خرق للعوائد, ولكن غير مقرونة بالتحدي ولا بدعوى النبوة، إنما هي شيء خارق للعادات أجراه الله على يد بعض الصالحين من أوليائه المؤمنين أتباع النبي.
لمن تكون الكرامة ولما وجدت:
بالمناسبة: هناك قيد للكرامة, فما هذا القيد؟ إن الله سبحانه وتعالى لا يجري كرامة على يد عبـــد من عباده الصالحين إلا إذا كان ملتزماً بأوامر الله سبحانه وتعالى جملةً وتفصيلاً، فإذا كان غير ملتزم بأوامر الله عزّ وجل, وادّعى أنه أجريت على يديه كرامة فهذه ضلالة وليست كرامة.
لماذا كانت الكرامة؟ هي شاهد مستمر على إمكان المعجزات، معجزات الأنبياء التي جرت بأزمانهم، وهي دليل جزئي على أن هذا الإنسان صالح، كرمه الله سبحانه وتعالى بخرق العادات، إذاً من باب أولى أن أنبياءه المصطفون، وأن رسله المكرَمون تجري على يديهم معجزات باهرات دالات على رسالتهم, وعلى عظمة الله سبحانه وتعالى.

الكرامة شهادة من الله لهذا الإنسان على صلاحه وهي أقل مستوى من المعجزة:
هذه الكرامات, تؤكد للأتباع أن هذا الإنسان الذي كرّمه الله بهـذه الكرامة مقرّب عنده، وكأنها شهادة الله لهذا الإنسان, كيف يشهد الله عزّ وجـل؟ شهد لأنبيائه بالمعجزات, وشهد لرسله بالكتب، فكيف يشهد لبعض أوليائه بالكرامة؟ بأن يُجري على أيديهم بعض الكرامات، أي بعض خوارق العادات.
عندنا ملاحظة ثانية, الكرامة مستواها أقل من مستوى المعجــزة، فيجوز النبي أن يبرئ الأكمه والأبرص, ويحيي الموتى بإذن الله، وإحياء الميت معجزة, والكرامة أقل من ذلك, فإذا ادعّى وليٌ من أولياء الله أنه يحيــي الموتى تقول له: لا, الكرامة ليست في مستوى المعجزة, المعجزة لها صفة جماهيرية, يُدعى الناس جميعاً لمشاهدتها، وفيها تحّدٍ وترافق ظهور رسالة سماوية، أما الكرامـة فلها طابع فردي، بهذه القيود والفروق التي وضحتها لكم يتبيّن لنا:
1- أن الكــرامات لا تلتبس بالمعجزات، ولن تختلط الكرامة بالمعجزة.
2- فالكرامة على شكل فردي، والمعجزة على شكل جماعي.
3- المعجزة يرافقها ظهور نبي أو هبوط وحي أو نزول رسالة، بينما الكرامة لا يرافقها هذا.
4- ومع المعجزة هناك تحدٍ من قِبل الناس، ومع الكرامة ليس هناك تحدٍ.

أنواع الكرامة:
1- الكرامة التي تجري وفق العادة:
هناك تكريم من الله لبعض الناس الصالحين، المتًبعين غير المبتدعين، يجري وفق العادات لا خلاف العادات، وما التكريم الذي يُكرّم الله به بعض عباده وفق مقتضى العادات وليس خِلافها ؟ إنه العلم، إذ يُمنح هذا الإنسان العلم, فالعلم تكريم وأيّ تكريم, بل هو أرفع درجات التكريم, وليس في العلم خرق للعادات, العلماء قسّموا الكرامات على نوعين:
1- نوع يجري وفق العادات: وهذا النوع الذي يجري وفق العادات في مقدمته العلم أو القوة الجسمية, قال الله:

﴿وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾
( سورة البقرة الآية: 247)
إنسان آتاه الله عزّ وجل القوة فهذه كرامة, ولكن وفق العادات، أو القدرة على التوجيه أو القيادة أو الرئاسة هذه قدرة أيضاً، يوجد إنسان عنده إمكانية يجمع الناس حوله، وعنده إمكانية أن يُوّفق بين المتخاصمين، وعنده قوة حجة، وإقناع، وسياسة، و فهم، وحكمة، هذه كلها كرامات, لكنها كرامات وفق العادات, وليس فيها خرق للعادات، أو أن يعطيه مالاً وفيراً، أو أن يجعله ينجب أولاداً من أعلى مستوى الذكاء، ومن كرامة الله لهذا الإنسان الحكمة, والقدرة على تدبير الأمور، والفطانة، وحُسن التصرف، والتكيّف، المال، والزوجة الصالحة، والأولاد الأبرار، هذه كرامات وفق العادات يكرم الله سبحانه وتعالى بها بعضاً من عباده الصالحين.
2- الكرامة التي تجري خلاف العادة:
2- وقد يُكرم بعض عباده بأن يُجري على أيديهم خوارق العادة: من الكرامات التي وردت في كتب العقيدة, أن يفتح الله لأوليائه آفاق العلم والمعرفة فهذه كرامة, والدليل قوله تعالى:
﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
( سورة البقرة الآية:282)
إذا آتاك الله عزّ وجل الفهم لكتاب الله فهذه كرامـــة، فتقرأ الآية، وتفهمها سريعاً، وتتضح لك: أبعادها ومراميها، وعلاقتها بالآية السابقة ومدلولها، فهذه كرامة من الله عزّ وجل, ومن كرامة الله لأوليائه الصالحين أن يجعل لهم مخرجاً, وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون، فالحياة فيها أزمات، وفيها ورطات، وفيها مشكلات, قال الشاعر:
كن عن همومك معرضــاً وكل الأمور إلى القضـا
وابشر بخير عاجـــــل تنسى به ما قد مضــى
فلرب أمرٍ مسخـــــطٍ لك في عواقبه رضــا
ولربما ضاق المضيـــق وربما اتسع الفضـــا
فالله يفعل ما يشـــــا ء فلا تكن معترضـــاً
الله عودك الجميـــــل فقس على ما قد مضـى

ثم الله سبحانه وتعالى إكراماً لك أيها المؤمن, يفتح لك مخرجاً ما كان في الحسبان، إذ يخلق لك فرجاً بعد اليأس، ويخلق لك حلاً بعد التعقيد, قال الشاعر:
نزلت فلما استحكمت حلقاتها فُرجت وكان يظن ألا تفرج
هذه كرامة، فيجوز أن يكون كل واحد منكم مُكرّماً عند الله، كل واحد منكم حصراً، على هذه المقاييس، هذه أنواع الكرامات، و كلمة مخرج تعني أن الأمور مُحكمة, وليس هناك من أمل, و الله عزّ وجل لا يفتح لك المخرج إلا بعد أن تُحكم الشدائد من كل جهة, طرقت باب فلان فوجدته مسافراً, وفلان وعدك بمبلغ, فقال لك: والله ليس معي نقدي, فإذا وجد لك مخرج من أزمة مستحكمة, فهذه كرامة أيضاً, من كرامات الله لأوليائه المؤمنين: بأن يكافئهم على نصر دينه, وبأن ينصرهم ويؤيدهم وأن يجعلهم فوق أعدائهم، وذلك بتهيئة الأسباب ودفع الموانع وإلقاء الرعب في قلب العدو, وذلك في مثل قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ﴾
( سورة محمد الآية: 7)
فهذه كرامة، مكافأةً لك على نُصرة دين الله, وعلى أنك وقفت إلى جانب الحق، وآثرت رضاء الله عزّ وجل, وأسخطت الخلق, وأرضيت الحق، قال تعالى:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ ﴾
( سورة القصص الآية:5-6)
أيهما أرفع عند الله الكرامة التي تجري وفق العادة أم خلافها ؟
هناك كرامات, تجري وفق العادات, وكرامات تجري خلاف العادات، أي الكرامات أرفع عند الله درجة, التي تجري وفق العادات أم التي تجري خلاف العادات ؟ أنت أمام طبيب، واحد آتاه الله علماً عميقاً, وقدرة على تشخيص المرض, وقدرة على وصف الدواء المناسب، وطبيب آخر, آتاه الله شيئاً من خوارق العادات، فلما دخلت عليه طار في الجو أمامك حتى وقف في السقف, منظر مُذهل، وأنت مريض, إلى من تحتاج ؟ إلى الذي أوتي العلم، العلم ليس فيه خرق للعادات, شيء طبيعي.
تعليق لطيف, قال مؤلف الكتاب: وظاهرٌ أن الإكرام بالعلم أو التأييد بالنصر أجل وأرفع من الإكرام بالمشي على الماء, أو الطيران في الهواء, أو طيّ المسافات البعيدة في زمن قصير, أو تحضير الطعام والشراب في مكان ليس فيه طعام ولا شراب، فالعلم والفهم والحكمة والقدرة على توضيح الحق للناس، وهذا الكلام مؤيد بالأدلة القرآنية القطعية الثبوت والقطعية الدلالة.
الكرامة التي يجريها الله على يد بعض الصالحين من الأمور الممكنة عقلاً:
فكل منكم فيما أعتقد كرمه الله سبحانه وتعالى بأن فهمه، وعلّمه، وحفظه، و جعل له مخرجاً من بعض أزماته، و أيّده، وقرّبه, فهذا أكبر تكريم, ولذلك يجب أن نعتقد ونحن ندرس العقيدة الإسلامية، أن الكرامات جائزة الوقوع, وأنه لا مانع من أن يُجريها الله على يد بعض الصالحين من عباده إكراماً لهم, وتأييداً للرسول الذين هم من أتباعه.
ما دامت الكرامات قد ثبتت عقلاً، فالكرامات ممكنة عقلاً, وممكن أن يلقي الله عزّ وجل في قلب عدوك الرعب منك، وأن يُلقي عليك هيبة, فهذا الخصم يخاف منك, وأنت أضعف منه, و أنَّ هذه الورطة بعد أن استحكمت حلقاتها, يفتح لك باباً تخرج منها, فاقتنعنا الآن أنَّ الكرامة ممكنة عقلاً, لأن الله على كل شيء قدير، وهذا الذي سيحاسبك حينما تمر من أمامه ليحاسبك يأتيه خاطر متعلّق في بيته مثلاً فلا يُدقق فتنجو منه, لأنَّ قلبه بيد الله عزّ وجل، وعلى هذا هناك آلاف القصص، أثبتنا أنَّ الكرامة ممكنة عقلاً.

الأدلة من الكتاب والسنة على موضوع الكرامة:
أيها الأخوة, هناك صوراً كثيرة من الكرامات قد أثبتها القرآن الكريم، وهناك أمثلة كثيرة من الكرامات أثبتتها الأحاديث الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنّ هناك كرامات كثيرة وردت عن أصحاب رسول الله صلوات الله عليه، إذاً لا يمكن أن تُنكر الكرامة لا من وجه عقلي, ولا من وجه نقلي، فهي ثابتة نقلاً وعقلاً، والنقل يتوافق مع العقل، والعقل يتوافق مع النقل، فلا داعي إذن لإنكار الكرامة على أنه متى ظهرت الصدق في طريق روايتها سلمنا بها، فلو فرضنا أن كذاباً قال لك: فلان أكرمه الله عزّ وجل ونجاه من ورطة كبيرة, فقد يكون ناقل الخبر كذاباً, فهل هذه كرامة؟ لا, لا تثبت هذه الكرامة إلا إذا وردتنا بالخبر الصادق, هذا من حيث الشكل, أما من حيث المضمون, فإنسان شرب الخمر ولم يحاسبه الله, وجعله ينطلق في ملكوت السموات والأرض, وهو سكران, فنقول له: هذا دجل, وأنت ضال، فيجب أن يكون موضوع الكرامة وفق طاعة الله عزّ وجل، فإذا تضمنت الكرامة المزعومة مخالفة ظاهر الشرع، أو فيها معصية أو مُنكر، أو تعطيل لحكم الله، أو نحو ذلك, فهذه ليست كرامة بل هي ضلالة من الشيطان.
والآن نحتاج إلى الدليل, أين الكرامات التي وردت في كتاب الله؟ قصة أهل الكهف, من هم أهل الكهف؟ هل هم أنبياء أم رسل؟ فقصة أهل الكهف هذه كرامة, ولو أنهم كانوا أنبياء أو رسلاً لكانت معجزة, وهذا النوم المديد خرقٌ من خوارق العادات, وقد أكرمهم الله بذلك, وهم فتية مؤمنون صالحون وليسوا بأنبياء, قال الله:

﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَباً * إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً * فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً * ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً ﴾
( سورة الكهف الآية: 9-12)
السيدة مريم الصديقة هل هي نبية؟ لا, النبوة محصورة بالرجال, ومع ذلك أجرى الله على يديها شيئاً من خوارق العادات, فقد حملت بسيدنا عيسى عليه السلام دون أن يمسها بشر, أليس هذا خرقاً للعادات ؟
﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾
( سورة آل عمران الآية: 47)
ولما أحست السيدة مريم بقرب ساعات الوضع, ابتعدت عن أهلها إلى مكان خالٍ من الجهة الشرقية, وجلست إلى جانب شجرةٍ من أشجار النخيل التي لا ثمر فيها، وحصلت لها من المساعدات الربانية في وضعها أمور كثيرة منها: تساقط الرطب عليها من النخلة غير المثمرة لما هزت جذعها:
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً ﴾
( سورة مريم الآية: 25)
فهذه كرامة, أما بحق سيدنا عيسى فمعجـــزة، ما دامت جاءت قبل الرسالة فهي إرهاص كما تحدثنا من قبل, لما وضعت ابنهــا عيسى عليه السلام حملته, وجاءت به إلى قومها, فجعلوا يوجهون إليها الأسئلة المتندرة, ويحرجونها بالاتهامات الساخرة, وهي صامتة لا تحمل جواباً, وألحّوا في استجوابها عن سبب حملها الذي لم يتصوروا فيه على حد تفكيرهم الضيق إلا الفاحشة, وهي منها براء فأشارت إلى ولدها الرضيع, قال الله:
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً * قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آَتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً * وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾
(سورة مريم الآية: 29-31)
فهذه كرامة، ليس من السهل أن يتكلم طفل عمره بضع ساعات أو أيام.
السيدة عائشة رضي الله عنها نزلت آيات قرآنية تؤكد براءتها مما اتهمت به من حديث أهل الإفك، والله عزّ وجل كرّمها بأن برأها بقرآنه الكريم، وهذه كرامة أيضاً ثابتة في القرآن الكريم، يتضح لكم أن الكرامات مأخوذة من القرآن الكريم.
هناك غلام نشأ في اليمن في عهد ملكٍ من ملوك حميّر، الذي استعبد الناس وحجبهم عن الإيمان بالله، وكان لهذا الملك ساحر فلما كبر الساحر, قال للملك: قد كبرت سناً فابعث إليّ غلاماً أُعلمه السحر, فاختار الملك غلاماً وبعثه إليه, وتتلمـــذ الغلام على الساحر, وأراد الله بالغلام خيراً فكان يتصل براهبٍ يأخذ عنه الدين والعبادة, وكان مكان الراهب بين منزل أهل الغلام, وبين مكان الساحر, وكان يحتال لتبرير تأخره على الساحر صباحاً, وعن أهله مساءً، وقد تقدم هذا الغلام في درجات التقوى حتى أجرى الله على يديه كرامات كثيرة منها: أنّ دابة خاف الناس منها, وقطعت عليهم طريقهم فأخذ حجراً, وقال: " اللهم إن كان أمــر الراهب أحبّ إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس, فرماها فقتلها " فاعتقد الناس به, وسمعوا راهباً وساحراً, فالراهب رجل دين, والساحر رجل كذاب, والملك حينما رأى بعض الناس قد آمنوا بالله خالق السموات والأرض بسبب هذا الغلام، حقد عليهم, وعذّبهم, وقتّلهم, طبعاً القصة طويلة، حاول الملك أن يقتل الغلام فأخذوه إلى جبل فردوه من علٍ فما تمكنوا، وأخذوه إلى عرض البحر ليُغرقوه فما تمكنوا، والله عزّ وجل كان يحفظه يُميت من معه ويحفظهُ هوَ، إلى أن قال الغلام للملك: إنك لست بقاتلي حتى تجمع الناس بصعيد واحد, وتصلبني على جذع, ثم تأخذ سهماً من كنانتي, ثم تضع السهم في كبد القوس, ثم تقول: باسم الله ربّ الغلام ترمي, فإن فعلت قتلتني، ليس لك أن تقتلني إلا بهذه الطريقة، فلما فعل قُتل بهذه الطريقة, فكبر الناس جميعاً, وآمنوا بالله خالق السموات والأرض, وكفروا بهذا الملك الذي يدّعي أنه رب، فكان هذا الغلام قد ضحّى بحياته من أجل أن يؤمن الناس بالله رب العالمين, هذه كرامة وردت في بعض الكتب الصحيحة، والله سبحانه وتعالى أشار إليها, قال:

﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ ﴾
( سورة البروج الآية: 4)
إن الملك لما آمنوا بالله عزّ وجل, حفر لهم أخدوداً, وأشعـــل فيه النار, وحرّقهم فيه, قال الله:
﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ * النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ * إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ * وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ * وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ ﴾
( سورة البروج الآية: 4-8)
فهذه بعض الأمثلة التي وردت في موضوع الكرامة, فالكرامة حق، ممكنة عقلاً, وثابتة نقلاً، والنقل أي هناك آيات كثيرة, وأحاديث تؤكد الكرامة، لكن أتمنى أن يبقى في أذهانكم أن أرفع الكرامات هو العلم والمعرفة والحكمة والقدرة على هداية الناس، وهذه هي الكرامة المجدية.
وآخر شيء من الكرامات, حينما كان يخطب سيدنا عمر على المنبر فجأة قطع خطابه, وقال: يا سارية الجبل الجبل, وسيدنا سارية أحد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم, كان قائداً في جيش يغزو الفرس، ويبدو أن خلف الجبل كميناً للفرس، فسمع سيدنا سارية, وقال: أسمع صوت أمير المؤمنين يحذرني الجبل, فهل هذا لا سلكي ؟ لا، هذه كرامة من الله عزّ وجل, وهل هناك كرامة أجريت على يد إنسان فاسق, فاجر, مبتدع, لا يصلي, ويخرق حدود الشرع, وتكون له كرامة, فإياكم أن تسموها كرامة, فهذه ضلالة, لقوله تعالى:

﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا ﴾
( سورة الكهف الآية: 51)
نرى مما سبق أن الكرامة من الأمور الثابتة قطعاً, والتي لا يشك فيها نظراً للأدلة العقلية والنقلية، ومن ينكرها من حيث هي فإنما ينكر شيئاً شهدت بإمكانه الأدلة العقلية, وتظاهرت على إثبات وقوعه الأدلة الشرعية المتواترة من قرآن, وسنّة بلغت في معناها معنى التواتر على ما نعتقد.
المؤمن الموفق يأخذ بالأسباب ثم يتوكل على الله:
لو فرضنا طالباً من طلاب العلم, قضى العام الدراسي في طاعة الله عزّ وجل, ولم يحضر للمادة, وهذا شيء مخالف للسنة, يجب أن تأخذ بالأسباب ثم تتوكل على رب الأرباب, فرضاً, وشارف الامتحان على المجيء, وهذه المادة التي فحصها غداً ليس متمكناً منها, والفحص مصيري, وسيترتب على هذا الفحص مستقبله, نام ليلة الامتحان, فرأى في المنام أن السؤال هو سوف يأتي في الامتحان, وقرأ السؤال جيداً فأتقنه، دخــــل الامتحان فالسؤال نفسه كتبه, فأخذ علامة تامة، مع أن هذه القصة صحيحة, وهي كرامة لهذا الطالب, أيصح أن تلقى على الطلبة؟ اذهبوا للنوم طوال السنة, وانتظروا مناماً, هل يتعلم الطالب بهذه الطريقة؟ موقفي من الكرامات, أنني لا أنكرها, ولا أرويهــا, فإذا أكثرت من رواية الكرامات، فهذا شيء قد يدعو إلى الكسل، خلاف أوامر الدين, وخلاف الأخذ بالأسباب، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما هاجر من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، وهو نبي الله، وهو رسول الله، وهو المعصوم من أن يُقتل, لماذا اختار خبيراً للطريق, واختار رجلاً يمحو أثار المشي, ورجلاً يأتيه بالأخبار, وآخر يأتيه بالزاد؟ أليس هذا كله أخذاً بالأسباب ؟ هكذا المؤمن, فأتمنى عليكم ألا تتحدثوا بالكرامات، هل أنت بحاجة إلى إنسان يفعل أمامك خوارق العادات, وأنت كما أنت؟ أم تريد إنساناً يشفيك من مرضك ؟.
ينبغي على المسلم أن يكون همه معرفة الله وفهم كتابه:
الذي أرجوه أن تعتقدوا: أن أعظم الكرامة أن تعرف الله عزّ وجل، وأن تفهم كتابه، و سُنة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن تكون فقيهاً، وأن تتلو كتاب الله، و تعلمه للناس، و تُرزق الحكمــة في تصريف الأمور، و التكيف مع الظروف الصعبة، هذه هي الكرامة الحقيقية, فأغلب الظن أن كل من يسمعني, وكل من يحضر هذا المجلس لا شك أنَّ الله أكرمه بطريقة أو بأخرى من هذه الكرامة.
الكرامة من الحوادث الخاصة وليست من العامة كالمعجزات:
وشيء آخر: الكرامات حوادث خاصة غير قابلة و غير صالحة للنشر، أما المعجزات فحوادث عامّة، فلما أسرى بالنبي الكريم عليه الصلاة والسلام إلى بيت المقدس, وعُرِجَ به إلى السماء، أَفي إمكانه أن يسكت عنها؟ هذه معجزة ينبغي أن يبوح بها، فإذا أكرمك الله عزّ وجل بشيء, وحدثت الناس فيه ماذا سيحدث؟ أكثرهم يكذبونك, فأنت قد تكون صادقاً و مخلصاً, وما كذبت فالله كرّمك، فأنا أنصحك إذا كرمك الله عز ّوجل بشيء فلا تتكلم به لأحد فهذا لك خاصة, فالكرامات حوادث خاصة يكرّم الله بها بعض المتقين, فلا يصح أن تتخذ ذريعة للتفاخر, وأن تقول لي: شاهدت مناماً أنني لابس أبيض, و لفة خضراء على رأسي, فدخلت إلى بستان جميل، ووجدت سيدنا الخضر يجلس ليستقبلني, دع المنام لنفسك وأرِحنا منك, فلا يصح أن تتخذ هذه الكرامات ذريعة للتفاخر، أو لتحصيل الأموال, وبعد أن يحكي المنام يفعل المحرمات, أهكذا المسلم؟ إنها تصبح استدراجاً ووبالاً على صاحبها.
الكرامة موضوع إكرام فلا يتخذ منها حكم شرعي:
لا يمكن أن تتخذ الكرامة ذريعة لإثبات الأحكام الشرعية، كأن تقول: شاهدت في المنام أن رسول الله قال لي: صلِ الفرض فقط، ما هذا الكلام؟ تُرّد الرؤيا, ويثبُت الشرع، من ادعّى أنه رأى رؤيا، أو جاءه هاتف، أو حدثه قلبه بشيء مخالف للشرع, تُردّ الكرامة المزعومة, ويثبت الشرع، وأصح كلمة قرأتها: أننا نفهم الشرع بالعقل, ولا نحكّم العقل بالشرع، فالعقل قد يضل, لأنهُ دون الشرع, وقد يغتّر، وقد يتجاوز الحدود, قد يُكرمك الله بالعلم وهذه كرامة، وقد يُكرمك بالحكم, فيجعلك حكيماً، وقد يُكرمك بالمال، والزوجة الصالحة، والذرية الصالحة، والأولاد الأبرار، والهيبة، والرفعة، والمكانة, فهذه كلها كرامات تجري وفق العادات، ووفق الأصول، فقد درست والله وفقك وأخذت شهادة عُليا, وتعيّنت بمنصب رفيع، وصار لك مكانة اجتماعية، لقد درست دراسة معينة, وأصبحت طبيباً، ولك مكانتك, وأنت مُحسن للناس، الناس رفعوا شأنك، فهذه كرامة, لكنها جرت مجرى العادات، أي لا تبحث عن الكرامــات التي فيها خرق للعادات, وهذه لا تُفكر بها.
الكرامة تكون وفق حالة الشخص:
الكرامة قد تكون وسيلة لتثبيت الإيمان، وقد تكون امتحاناً له وابتلاء، وقد تكون استدراجاً له، فإذا استمر على معصية بعدها كانت وبالاً عليه, ونكالاً به وحجة عليه من الله تعالى, وأحدهم راكب بالبحر، والبحر هاج، يا الله ليس لنا سواك, فهدأ البحر, وعاد هو إلى الشط، فإذا فعل معصية بعدها, فكانت هذه الكرامة استدراجاً وليست تكريماً, لا يصح بحالٍ من الأحوال الاغترار بأصحاب الكرامات, إذا لم يكونوا ملتزمين بأحكام الشريعة, متقيدين بأوامرها ونواهيها, فأصحاب الكرامات إن لم يكونوا ملتزمين بأوامر الشرع, فهذه ليست كرامات, لا تغتر بهم، الحكم الصحيح هو ميزان الشرع، وكل من رمى من يده ميزان الشريعة لحظة هلك, والشافعي رضي الله عنه, كان يقول: " إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء فلا تغتروا به, حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة " ثم قال مرة ثانية: " بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء ويطير في الهواء فلا تغتروا به, حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة ", فالشرع هو المقياس, والكرامات أشياء شخصية حصلت لك, وليست قابلة للنشر، قد تُكذَّب بها، والإنسان كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" وَقَالَ عَلِيٌّ حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ حَدَّثَنَا عُبَيْدُاللَّهِ بْنُ مُوسَى عَنْ مَعْرُوفِ بْنِ خَرَّبُوذٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ "
(أخرجه البخاري في الصحيح)
أرجو الله عزّ وجل أن أكون قد وُفقت إلى تحديد موضوع الكرامة.








والحمد لله رب العالمين



السعيد 06-20-2018 07:13 AM

رد: العقيدة الاسلامية
 



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : (الاربعون )




الموضوع :الوحى





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
طبيعة الوحي:
أنهينا في الدرس الماضي موضوع الكرامات, واليوم ننتقل إلى موضوع الوحي, وقد عرفتم فيما سبق أن الرسل عليهم الصلاة والسلام يُبلّغون رسالات الله, وأوامره ونواهيه, وسائر ما يكلفهم به تبليغهم للناس, ولكن لابد من سؤال: هؤلاء الرسل الكرام كيف يتلقون الرسالة عن الله؟ الإجابة الفاصلة هي عن طريق الوحي, فالوحي بحسب اللغة: يدل على الإيماء و الإشارة السريعة, والإعلام الخفي, و الكلام الخفي, وإلقاء المعنى في النفس, و الإلهام سواء أكان الإلهام بدافع الغريزة أم بإشراقات الفطرة, عندنا لكل مصطلح تعريفان: تعريف لغوي وتعريف شرعي, فالتعريف اللغوي بحسب ما جاء في المعاجم وأمهات اللغة, وأما التعريف الشرعي فهو التعريف الذي اصطلح عليه العلماء والفقهاء، فلا يمكن أن نفسر الأعمال المعقدة البالغة التعقيد التي يفعلها الحيوان، وهو حيوان لا يدرك ولا يعقل إلا عن طريق الغريزة، ولذلك فمن معاني الوحي الإلهام, إلهام الغريزة, قال تعالى:
﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً﴾
(سورة النحل الآية: 68)
وهذا المعنى اللغوي ورد في القرآن الكريم, وهناك حيوان اسمه نقّار الخشب, يقف على شجر السنديان, ويدخل منقاره في جذع الشجرة, ليلتقط دودة في داخلها فيأكلها, فكيف عرف أنها في هذا المكان؟ لا بد من إلهام إلهي, وكيف عرف هذا الطائر أن الدودة على ارتفاع متر؟ فلا بد من تفسير علمي لإدخال المنقار، فعنده مادة تذيب الخشب، ويدخل منقاره إلى داخل الجذع فيلتقط الدودة التي تعيش في داخل الجذع, وهذه قضية وحي, وبناء الأعشاش، واهتداء الحيوانات إلى طعامها، وسيرها في أعماق البحار، وقيام الحيوان بأعمال بالغة التعقيد، فهذا عن طريق الغريزة أو عن طريق وحي الغريزة أو كما قال الله عزّ وجل:
﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾
( سورة طه الآية: 49-50)
هناك آية كريمة أخرى تؤكد هذا المعنى، قال تعالى:
﴿ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 121)
الوحي في الشرع: إعلام الله رسولاً من رسله أو نبياً من أنبيائه ما يشاء من كلام أو معنى, فهذا تعريف الوحي الشرعي بطريقة تفيد النبي أو الرسول العلم اليقيني القاطع بما أعلمه الله به, فالأحاديث الشريفة الصحيحة وحيّ غير متلو لقوله تعالى:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾
(سورة النجم الآية: 3-4 )
وفي الأحاديث الشريفة أوحى الله لنبيه بالمعنى، أما في القرآن الكريم بالمعنى والمبنى، صياغةً ولفظاً, بينما الأحاديث الشريفة المتواترة أجمع علماء الأصول على أنها وحيُ غير متلو استنباطاً من قوله تعالى:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
(سورة النجم الآية: 3-4 )
أحياناً قد تأتيك إشارة من إنسان أو إعلام خفي أو وحي بالمعنى اللغوي, ولا تدري بالضبط ماذا يريد؟ وهناك نقطة مهمة جداً في الوحي بطريقة تفيد النبي أو الرسول العلم اليقيني القاطع بما أعلمه الله به, وموضوع العقيدة، هو موضوع التشريع، والعقيدة لا يمكن إلا أن تكون قطعية الثبوت، قطعية الدلالة، لأنها عقيدة, و لو أنّ الإنسان اعتقد خلاف ما يريد الله عزّ وجل لكفر, وإذا كفر دخل النار, ولا بد من أن تكون النصوص قطعية الثبوت قطعية الدلالة, ولا يقبل في العقيدة من النصوص إلا ما كان قطعي الثبوت قطعي الدلالة, والقرآن الكريم قطعي الثبوت في كل آياته، قطعي الدلالة في آياته المحكمة، ظني الدلالة في آياته المتشابهة، فالقرآن تؤخذ العقيدة منه، وتبين لكم من دروسنا الماضية أن كل حقائق العقيدة إنما هي مأخوذة من آيات الله عزّ وجل، فماذا ينبغي لك أن تعتقد إذ هناك دليل قطعي الثبوت قطعي الدلالة من كتاب الله أولاً, ومن الأحاديث الشريفة الصحيحة المتواترة, وأحاديث الآحاد يبنى عليها أحكام شرعية, ويُعمل بها, لكن العقيدة لا تثبت إلا بالأحاديث المتواترة, لأن الإنسان لو اعتقد خلاف ما أراده الله عزّ وجل لكفر.
المعنى الشرعي للوحي يتجلى فيه عدة أمور:
1- الوحي هو إعلام من الله المحيط علمه بكل شيء:
1- العنصر الأول: أن الوحي هو إعلام من الله المحيط بكل شيء علماً، وما دام الإعلام من الله سبحانه وتعالى فعلمه مطلق, قال الله:
﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 255)
﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً﴾
( سورة الإسراء الآية:85)
﴿عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾
( سورة المائدة الآية:109)
﴿الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾
(سورة الزخرف الآية: 84)
﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾
( سورة غافر الآية:19)
﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾
(سورة طه الآية: 7)
وما دام الوحي من عند الله ففيه الحقيقة المطلقة، فمستحيل أن يكون في الوحي الإلهي سواء أكان نصاً ومعنى كالقرآن الكريم، أو معنى كالحديث الشريف، إلا أن يكون هذا الكلام حقيقياً وحقاً مئة بالمئة, لأن الموحي هو الله وهو علام الغيوب.
2- حالة الرسول أثناء تلقي العلم من الوحي:
2- العنصر الثاني: أن الرسول أو النبي يتلقى هذا العلم الإلهي, وهو مستجمع كامل شعوره الفكري والوجداني حول ما يلقى إليه من علم, ودون أن يكون لإرادته واختياره تدخلٍ في مضمون ما يُلقى إليه، فإنسان بكامل قواه العقلية والشعورية والوجدانية, وبكامل اليقظة والانتباه والوعي والإدراك والفهم والفطنة, يتلقى من الله عزّ وجل هذه الحقائق وهذا الكلام وهذه المعاني, الوحي حقٌ مطلق, أي من عند علم الله المطلق, أما علم الإنسان نسبي, تقول: فلان عالم كبير, ومع ذلك قد يغلط, وبعد الأنبياء لا يوجد إنسان معصوم, وربنا عزّ وجل قال:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(سورة النحل الآية: 43)
وأهل الذكر ليسوا أنبياء, إنهم العلماء، والعلماء ليسوا معصومين, فالعالم يتكلم بتسع وتسعين حقيقة, ويغلط بواحدة, والغلــط وارد, أما الأنبياء, فمعصومون عصمة تبليغ, وعصمة فعل إذ في أفعالهم لا يغلطون, قال تعالى:
﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ ﴾
(سورة التحريم الآية: 6)
وفي أقوالهم التي يبلغونها عن الله عزّ وجل معصومون عصمة تامة, لأن النبي قدوة, ومُشرع بآن واحد، فأقواله وأفعاله تشريع, يجب أن يأخذ بها الناس من بعده، وما يبلغه عن ربه أيضاً تشريع, يعني ما يبلغه عن ربه قرآن, قال تعالى:
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ﴾
(سورة فُصلّت الآية: 42)
فإذا قال لك شخص: أنا لا أغلط, قُل له: أنت كاذب، بعد الأنبياء لا يوجد أحد لا يغلط، فالإمام مالك رضي الله عنه, كان يُسأل مئة سؤال، فيجيب عن عشرة, ويقول في الباقي: لا أدري, وهذا الذي يفتي بما لا يعلم, يجعل من نفسه جسراً إلى جهنم, سوف يحاسبه الله حساباً شديداً، فقل: لا أدري وافتخر بها, هذا دين, و لو أن رجلاً طلب من آخر نقــل رسالة شفوية, فأغلب الظن أنه يبالغ, أو يقلل من أهمية بعض مضامينها، أما النبي عليه الصلاة والسلام لا دخل لإرادته ولا لاختياره في تعديل أو زيادة أو حذف أو إنقاص ما يوحى إليه في المضمون, وفي اللفظ إذا كان اللفظ معنياً بالوحي, الوحيّ قرآن فلا حركة، ولا ضمة، ولا فتحة، ولا تاء ولا واو أبداً, قال الله:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾
(سورة الحِجر الآية: 9)
3- علم الوحي حينما يقع في نفس الرسول لا يتردد إليه أي شك:
3- العنصر الثالث: أن ما يُلقى بالوحي من كلام أو معنى يقع في ذات الرسول أو النبي مركز العلم اليقيني القاطع بصحة التلقي عن الله, ومعنى العلم اليقيني القاطع, لو فرضناه في آلة ضخمة تحتوي فيها زراً مكتوب عليه التشغيل، فالتشغيل كلمة, ترى هل هي صحيحة أم لعل أحداً قد كتبها وليس لها علاقة بالتشغيل؟ فلو أنك كبست هذا الزر واشتغلت الآلة, وهي ضخمة جداً, تشعر أن كلمة التشغيل يقينية, قطعية, صحيحة مئة في المئة, فالنبي مؤمن أيضاً, معنى مؤمن, أي مؤمن بأن هذا الذي أوحي إليه هو كلام الله عز وجل, قال تعالى:
﴿ لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ﴾
(سورة فُصلّت الآية: 42)
مؤمن إيماناً قطعياً بحيث لا يعتري نفسه أدنى شك أو تردد في ذلك, فالمضمون حق, لهذا يقول الله عزّ وجل مخاطباً سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم, قال الله:
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ﴾
(سورة النساء الآية: 163)
فهذا الوحي أيها النبي الكريم ليس بدعاً, بل جاء من قبل إلى الأنبياء التالية أسماءهم, قال الله:
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً ﴾
(سورة النساء الآية: 163)
وقوله تعالى في صفة نطق الرسول صلى الله عليه وسلم, قال الله:
﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى ﴾
(سورة النجم الآية: 3-4 )
من أجل أن أُؤكد لكم أن إرادة الرسول واختياره لا يتدخلان أبداً في الوحي قال تعالى:
﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
(سورة يونس الآية: 15)
أي هذه الآيات فيها تضييق لحريتنا غيّرها لنا, أو عدّلها, أو بدلها, قال الله:
﴿ أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ﴾
(سورة يونس الآية: 15)
لا يمكنني أن أبدله، و لا أقدر أن أزيد، ولا أحذف، ولا أُعدّل، أنا مجرد وسيط أمين, ومن معاني أنه أمين, أي أمين على وحي السماء, قال الله:
﴿ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
(سورة يونس الآية: 15)
الآيات تؤكد ليس هناك تدخل في مضمون الوحي.
آية ثالثة:
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 12)
فهذا الوحي للملائكة، والآن يُبين المؤلف أن الوحي الذي يوحي الله به إلى أنبيائه عن طريق الملائكة, فهناك رسل وهناك رسل للرسل, قال تعالى:
﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آَمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ ﴾
( سورة الأنفال الآية: 12)
فأوحى الله إلى عبده جبريل ملك الوحي الأمين, الوحي نفسه الذي أوحاه جبريل إلى محمد خاتم النبيين عليه الصلاة والسلام, و من هذا نستنبط أن الله هو الموحي, وأنَّ الموحى إليهم من البشر مصطفون بالنبوّة, وأن وسيلة الإعلام الإلهي للملائكة أو البشر إنما هو الوحي, وإن ظاهرة الوحي بوصفها ظاهرة إنسانية أمرٌ يشترك في الشعور به جميع الأنبياء والرسل, وعن طريقه يتلقون الإعلامات الإلهية, وليس محمد صلى الله عليه وسلم بدعاً فيهم بل كغيره، وأن ما يلقى به قد يكون كلاماً ملفوظاً أو مكتوباً, وقد يكون معاني يمكن التصرف بأدائها بألفاظ من عند النبي، وهذه الأحاديث القدسية والأحاديث الشريفة، وأنه لا تدخل لإرادة النبي, واختيار المصطفى في الوحي في مضمونه أو لفظٍ ما يلقى إليه بالوحي.
كيف كان ينزل الوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام ؟
كيف كان ينزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم؟
" عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لا يَرَى رُؤْيَا إلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلاءُ وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ"
( رواه البخاري عن عائشة في الصحيح )
فالله عزّ وجل لطيف, قال تعالى:
﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ﴾
(سورة يوسف الآية: 100)
وفيما يلي نتحدث عن كيفية تلقي رسول الله عليه الصلاة والسلام للوحي:
1- أول ما بدىء به رسول الله عليه الصلاة والسلام الرؤيا الصادقة التي تأتي مثل فلق الصبح, وهذه الرؤيا إرهاص للوحي وتمهيد له، وسر ذلك التمهيد, لأن نزول الوحي بصورته الحقيقية لما له من وقع شديد على النفس البشرية.
2- ثم أُنزل عليه الملك جبريل على غير ميعاد سابق له, وذلك حين كان النبي عليه الصلاة والسلام في غار حراء يتعبد الله, ويتأمل في عظيم ملكوته قبيل الرسالة فغطّه ثلاث مرات, وهو يقول له: اقرأ, ويجيب النبي عليه الصلاة والسلام: ما أنا بقارئ، فقال له:
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴾
(سورة العلق الآية: 1-2)
3- ثم فتر عن النبي عليه الصلاة والسلام الوحي مدة قيل: إنها قرابة ثلاث سنوات, واشتد وقع ذلك عليه, وكان لذلك حكمة عظيمة تتضمن إشعار النبي عليه الصلاة والسلام بأن الحادث الأول لم تجلبه الرياضة الروحية التي كان يمارسها في غار حراء, وإنما هو الاصطفاء الرباني, ولو كانت القضية رياضة روحية, ورأى هذا المَلَكْ العظيم, لظن نفسه أن هذا من كسبه, لا.
4- جاء جبريل العظيم من دون ترقبٍ، وهو يسير في أحد شعاب مكة, يقول عليه الصلاة والسلام:
" عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْد ِاللَّهِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْيِ فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ فَجَئِثْتُ مِنْهُ رُعْبًا فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَدَثَّرُونِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ( يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ) إِلَى ( وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ ) قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلاةُ وَهِيَ الأَوْثَانُ "
(أخرجه البخاري عن جابر بن عبد الله في الصحيح)
5- ثم تتابع الوحي بعد ذلك بأحواله الهادئة نسبياً.
أحوال نزول الوحي على رسول الله عليه الصلاة والسلام:
وإليكم ما وصفه به النبي عليه الصلاة والسلام جاء في صحيح البخاري رضي الله عنه:
" عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ هِشَامٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَأْتِيكَ الْوَحْيُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيَّ فَيُفْصَمُ عَنِّي وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ وَأَحْيَانًا يَتَمَثَّلُ لِيَ الْمَلَكُ رَجلا فَيُكَلِّمُنِي فَأَعِي مَا يَقُولُ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا "
(أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح )
وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أن الوحيّ كان ينفث في روعه صلى الله عليه وسلم فيعي رسول الله ما يقول.
وورد أن الصحابة الكرام كانوا يسمعون للوحي عند نزوله على رسول الله صلى الله عليه وسلم دوياً كدوي النحل.
ويستخلص من هذه الأخبار الصحيحة أنّ من أحوال الوحي حينما يُنزل عليه أو يُلقي على قلبه قولاً شديداً ثقيلاً يسمع فيه الرسول صوتاً متعاقباً متداركاً كصوت الجرس في صلصلته, وأنّ من أحوال الوحي أن يأتيه المَلَكْ جبريل عليه السلام بصورة إنسانٍ فيكلمه بمثل كلام الناس إلى غير ذلك من أحوال، وأما حالة النبي عليه الصلاة والسلام فقد وصفتها لنا السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت:
" وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ فِي الْيَوْمِ الشَّدِيدِ الْبَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ وَإِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا "
( أخرجه البخاري عن عائشة في الصحيح )
وقد ورد أن راحلته صلى الله عليه وسلم كانت تبرك به إلى الأرض إذا نزل عليه الوحي وهو راكب, وقد نزل عليه الوحي مرة فكانت رجله الشريفة قريبة من رجل سيدنا زيد فثقلت عليه حتى كادت ترضّها، و يبدو أن الوحي له وقع شديد على النبي عليه الصلاة والسلام, قال الله:
﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً﴾
(سورة المزمل الآية: 5)
وفي مضمونه, شيء عظيم أن سيد الملائكة جبريل ينزل ليوحي إلى النبي عليه الصلاة والسلام بما يريد الله أن يوحي به إليه.
أنواع الوحي:
1- الوحي الذي يكون بلا كلام مسموع:
ينقسم الوحي إلى ثلاثة أنواع أخذاً من قوله تعالى في سورة الشورى:
﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾
(سورة الشورى الآية: 51)
هذه الآية بينت أن هناك أنواعاً ثلاثة للوحي:
1- الوحي الذي يكون بلا كلام مسموع: وذلك بالإلقاء في القلب, وهو يشمل ما كان مثل صلصلة الجرس, والنفث في الروع, والإلهام, والرؤية. وتحقيقه أن يخلق الله في قلب الموحى إليه المعصوم، علماً ضرورياً لإدراك ما شاء الله إدراكه من كلامه تعالى, وهذا نوع مباشر, وهذا النوع هو ما أشار إليه بقوله في الآية: ﴿ إلا وَحْيًا ﴾
(سورة الشورى الآية: 51)
أي وحياً مجرداً عن الوساطة, ويكون ذلك بقذف الكلام أو المعاني في القلب قذفاً مباشراً، ويفيد الرسول علماً قطعياً ضرورياً بأن ذلك من عند الله، ومن أمثلة هذا النوع ما كان لسيدنا إبراهيم عليه السلام في الرؤيا:
﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾
(سورة الصافات الآية: 102)
هذا وحي مباشر، وما كان لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء في اليقظة هذا هو النوع الأول وحي مباشر, وإلقاء في القلب.
2- ما كان بسماع الكلام الإلهي ولكن من غير رؤية للمتكلم:
2- ما كان بمثابة إسماع الكلام الإلهي من غير أن يرى السامع من يكلمه, كأن يخلق الله الأصوات, ومن هذا النوع ما كان لسيدنا موسى عليه السلام حين مناجاته ربه في جانب الطور، وقد يشترك بسماع هذا النوع غير الموحى إليه كما سمع السبعون من بني إسرائيل حين مضوا إلى الميقات ما سمعه موسى عليه السلام, وهذا الوحي من وراء حجاب, وهذا النوع الثاني هو ما أشار إليه الله تعالى بقوله:
﴿ أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ﴾
(سورة الشورى الآية: 51)
أي وحياً من وراء حجاب بوساطة خلق الله الأصوات كما ذكرنا، أو بصورة أخرى يختارها الله جلّ وعلا.
3- ما يكون بواسطة إرسال ملك ترى صورته ويسمع كلامه:
3- ما كان بوساطة إرسال ملك تـــُرى صورته المعينة ويُسمع كلامه كجبريل عليه الصلاة والسلام فيوحي إلى النبي ما أمره الله أن يوحي إليه, وهذا النوع هو الغالب من أنواع الوحي بالنسبة إلى الأنبياء, فغالب أحوال الأنبياء عليهم السلام أن يكون الوحي إليهم بوساطة رسلٍ من الملائكــة، وأكثر المثقفين يقولون: كلمة بواسطة هذه غلط, و صوابها بوساطة, لأن الشيء الواسط المتوسط بين شيئين، أما الأداة أو الوسيلة فيُقال لها بوساطة.
خلاصة الدرس:
تحدثنا عن حالة الوحي بالنسبة للنبي عليه الصلاة السلام, كيف جاءه أول ما جاءه ثم انقطع؟ ثم كيف كان يتتابع عليه؟ وكيف كانت أحوال النبي عليه الصلاة والسلام وأحوال صحابته وأحوال ناقته حينما ينزل الوحي إليه؟ وتحدثنا عن تعريف الوحي اللغوي, وعن تعريفه الشرعي, وكيف أن الوحيّ وسيلة إعلام من الله عزّ وجل لأنبيائه ورسله.






والحمد لله رب العالمين





منال نور الهدى 06-20-2018 06:00 PM

رد: العقيدة الاسلامية
 
أدام الله هذا العطاء وهذا الطرح النوراني والمعلومات القيمة التي تغذي الروح وتعلي الفكر وتسمو بها الروح
بارك الله بك وجزاك الله خير جزاء ووفقك الله وزادك من خير وفضله
في أمان الله وحفظه

السعيد 06-21-2018 07:00 AM

رد: العقيدة الاسلامية
 
اختى منال جزاك الله كل خير على تواصلك الدائم

السعيد 06-21-2018 07:04 AM

رد: العقيدة الاسلامية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : (الواحد و الاربعون )

الموضوع :الايمان بالكتب السماوية (1)






الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من أركان الإيمان بالله:
1- اﻹيمان بالكتب السماوية:
أنهينا في الدرس الماضي موضوع الإيمان بالرسل، وكلكم يعلم أن دروس العقيدة هي في الحقيقة أركان الإيمان، وأركان الإيمان هي الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى, واليوم ننتقل إلى موضوع جديد وهو الإيمان بالكتب، من أركان العقيدة الإسلامية الإيمانُ بالكتب السماوية التي أوحى الله بها إلى رسله، فإنّ الله سبحانه وتعالى يخاطب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، ويأمره بأن يعلن إيمانه بجميع الكتب التي أنزلها الله، فيقول في سورة الشورى:
﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾
(سورة الشورى الآية: 15)
قل يا محمد صلى الله عليه وسلم: آمنت بما أنزل الله من كتاب، وأيُّ كتاب من الكتب السماوية المنزّلة على أنبيائه فآمن به، قل: آمنت بها كلها.
خطاب الرسول يستلزم لكل من آمن برسالته:
قال علماء الأصول: إن خطاب الرسول خطابٌ لكل مَن آمن برسالته، قال الله تعالى يخاطب المؤمنين في سورة النساء:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً﴾
(سورة النساء الآية: 136)
والآيات تجتمع على أن تقرِّر أنه يجب أن تؤمن بالكتب السماوية المنزّلة على أنبياء الله ورسله جميعاً، والله سبحانه وتعالى يبينّ عقيدة الرسول صلى الله عليه وسلم، وعقيدة المؤمنين معه في سورة البقرة، قال تعالى:
﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾
(سورة البقرة الآية: 285)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/01.jpg
والملاحظ أن الإيمان بالرسل، والإيمان بالكتب مِن العقائد التي يجب أن تُعْلَم بالضرورة، وأنّ مَن لم يؤمن بالكتب السماوية فقد ضلّ ضلالاً مبيناً، حينما تعلن بلسانك أنك مؤمن بهذا الكتاب, وتخالفه، ولا تطبق أحكامه، ولا تجعله حَكَماً بينك وبين الآخرين، ولا تعبأ بأوامره، ولا تنتهي عما نهى عنه، ولا تراه حاسماً في حياتك اليومية، ولا تأخذ به، فأي إيمان هذا؟ هذا إيمان باللسان، ولكن الإيمان في القلب، أي أن تنطلق في نشاطك وعملك وسلوكك في ضوء ما جاء في كتاب الله، فأنت حينما تشتري آلة غالية الثمن، ولا تستطيع أن تشتري غيرها، ويؤلمك ألماً شديداً حينما تعطب، وحينما يكون مع هذه الآلة المعقدة نشرة من المصنع الذي صنعها، وفي هذه النشرة تعليمات، وتوجيهات، وتوضيحات وطريقة استعمال، وتحذيرات من أجل سلامتها وسلامة العمل بها من أجل صيانتها, فتحرص حرصاً بالغاً لا حدود له على تطبيق هذه التعليمات, لأن الآلة غالية الثمن، لاحظ نفسك كيف أنك تسعى إلى تنفيذ التعليمات تنفيذاً دقيقاً لحرصك على هذه الآلة ولخوفك من أن تعطب؟ فكيف إذا علمتَ أن هذا الكتاب الذي أنزله الله عزّ وجل على رسوله فيه تعليمات دقيقة، وأوامر واضحة، ونواهٍ صريحة، ورسمٌ لطريق السعادة في الدنيا والآخرة، وتوضيح، وأنوار، وتوجيه، وتبشير، وبيان، و تفصيل، فما موقفك منه؟.
الحقيقة التي لا مراء فيها أنك إذا عرفت أنه من عند الله، وأن سعادتك في الدنيا والآخرة متوقفة على معرفته، والعمل به، لاشك أنك تطبق ما فيه, وأنا أريد أن أبتعد عما يتوهَّمه البعض، أنه بمجرد أن يقول: آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى يتوهّم الإنسان حينئذٍ أنّ الأمر قد انتهى، ويكسب مالاً حراماً،، ونظرته إلى النساء تتجاوز الحدود التي أمر الله بها، وحياته في البيت حياة غير إسلامية، فأي إيمان هذا؟.
لا تكون مؤمناً إلا إذا شملت إيمانك أركان العقيدة كلها:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/02.jpg
أركان العقيدة من إيمان بالله، وإيمان باليوم الآخر، وإيمان بالكتب، وإيمان بالرسل، وإيمان باليوم الآخر، وإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى، هذا كلٌ لا يتجزأ، فالله عزّ وجل يقول لك في صريح القرآن الكريم:
﴿ وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ ﴾
(سورة البقرة الآية: 221)
تزوج ابنتك للغني الفاجر مع علمك بأنه فاجر، وتُعرِض عن المؤمن لضيق ذاتِ يدِه, إذاً أنت لم تصدِّق كلام الله عزّ وجل، ولم تصدِّق أن الله عزّ وجل يقول لك: إن هذا العبدَ المؤمن خيرٌ من هذا الفاجر المشرك، ولذلك فالموضوعُ موضوعُ تصديقٍ بكتاب الله، وموضوعٌ يأخذ أبعاده العملية، والإيمانُ بالله مع الإيمان باليوم الآخر، والملائكة، والكتاب، والرسل، والقدر خيره وشره, كلٌ لا يتجزأ, ولو آمنتَ بالله، ولم تؤمن بكتابه فالمشكلة خطيرة، ولو آمنت بالله، ولم تؤمن باليوم الآخر فالمشكلة أخطر, وأركان الإيمان كلٌ لا يتجزأ، ولا يُقبل منك الإيمانُ بها مع الكفر بواحدةٍ منها.
إذا كفرت بركن من أركان العقيدة يستلزم نقض إيمانك كله:
إن الكفر بواحدة منها يستلزم نقضَ العقيدة الإسلامية من أساسها، واللهُ عزّ وجل من أسمائه الحق، والحقُّ يتحقَّق في اليوم الآخر، يوم الدين، يوم الدينونة، يوم الجزاء، فإنْ لم تؤمن باليوم الآخر فإيمانك بالله غير صحيح، وإن آمنتَ بالله واليوم الآخر، ولم تؤمن أن هذا الكتاب فيه طريق سعادتك فإيمانك غير صحيح، لأنّ أركان الإيمان كلٌ لا يتجزأ، ولا يُقبل إيمان عبدٍ إذا نقصت واحدةٌ من هذه الأركان, عقيدة الإيمان بالله لا تنفكُّ عن الإيمان بكتبه، لأنه من مقتضى الإيمان بالله الإيمانَ بالرسل، وما دمت أيها الرجل تقول: إن الله عليم ورحيم، فمِن دلائل رحمته أن أرسل إلى عباده رسلاً، ومن مقتضى الإيمان بالله الإيمانُ بالرسل المؤيَّدين من عنده بالمعجزات، ومن مقتضى الإيمان بالرسل تصديقُهم في كل ما يبلّغون عن الله تعالى, ومن أجل ذلك يعلن المسلم دائماً وَفق عقيدته التي متَّى أَخَلَّ بها كَفَرَ, أنه يؤمن بكتب الله كلها إجمالاً فيما يجهل منها، وتفصيلاً فيما يعلم ولو سألت أخ كريم: ما معلوماتك عن كتاب التوراة؟ يقول: واللهِ لا أعلم شيئاً عنها، لكنها كتاب من عند الله، ففيما تجهل تؤمن بها إجمالاً، وفيما تعلم تؤمن بها تفصيلاً، وهذه هي عقيدة المسلم.
معنى الكتاب لغة: مصدر فعْلِ كَتَب، وبالمناسبة فالفعل يدلُّ على حدوث عملٍ في زمن معين، كتب في الماضي، يكتب في الحال، اُكتب في المستقبل، وهناك كلمة اسمها المصدر، فهذه الكلمة تدل على حدوث عملٍ من دون زمن، فالكتاب لغة مصدر كتب، وهناك مصدر آخر هو كتابة وكتبٌ, وأصل الكتب في اللغة: ضم أديمٍ إلى أديمٍ بالخياطة, والأديمُ هو الجلد, فإذا ضممتَ الجلد إلى جلدٍ آخرَ بالخياطة فهذه العملية اسمُها عملية الكتاب، ولأن الإنسان يضمّ الحرفَ إلى الحرف، والكلمة إلى الكلمة، والجملة إلى الجملة، فهذه العملية العلمية تشبه إلى حد ما ضمَّ أديمٍ إلى أديم عن طريق الخياطة, ودائماً في كتب العقيدة والفقه أيضاً تعريف لغوي وتعريف اصطلاحي، فالتعريف اللغوي للكتاب: هو مصدر كتب، وأما التعريف الاصطلاحي فالكتاب شرعاً: كلام من كلام الله تعالى, لِما لم نَقُلْ: كلام الله تعالى، فالقرآن كلام الله تعالى، وكذلك التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف موسى، وصحف إبراهيم
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/03.jpg
كلهم كلام الله تعالى، ولذلك الكتاب الواحد كالقرآن كلامٌ من الله تعالى، فـ ( مِن) هنا للتبعيض، فيه هدى، ونور، يوحي الله به إلى رسول من رسله ليبلّغه الناس, يطلق اسم الكتاب شرعاً على ما يشمل الصحف, قال تعالى:
﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾
(سورة الأعلى الآية: 18-19)
وعلى ما يشمل الصحف والألواح, قال تعالى:
﴿وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 154)
والألواح وجميع أنواع الوحي اللفظي والكتابي التي ينزلها الله على أي رسول من رسله ليبلغها إلى الناس، وبأية لغة من اللغات نزلت، صغيرة كانت أم كبيرة، مدونة أو غير مدونة، فيها صفة الإعجاز اللفظي للناس، أو ليس فيها ذلك، فهذا كله يشمل كلمة الكتاب شرعاً، والذي يعنينا من هذا الموضوع حاجة الناس إلى الكتب السماوية, فكما أن الناس بحاجة ماسة إلى رسل يبلّغون الناس أحكام الله وشريعته لعباده، فإنّ الرسل بحاجة إلى كتب سماوية أيضاً.
ما هو الهدف من الكتاب السماوي ؟
1- الكتاب الرباني هو المرجعية للأمة:
أولاً: ليكون الكتابُ الرباني المنزّل على الرسول هو المرجعَ لأمته، فإذا كان المعلم يُعلّم من دون كتاب، سواء سمع الناس أم لم يسمعوا الدرس جيداً، وذهبوا إلى البيت، ولا يوجد عندهم كتاب، يقولون: ترى ماذا تكلّم المدرس؟ هل هناك خلافات، فيُقع في تأويلات، ومبالغات، وتزوير، وتحريف، وتقليل، وزيادة، والشيء الذي لا بد منه أن يكون هناك كتاب بين أيدي المتعلمين، يكون هو المرجعَ, فحاجة الناس إلى كتاب من عند الله عزّ وجل حاجةٌ ماسة بسبب أن هذا الكتاب يصبح مرجعاً للأمة مهما تعاقبت العصور، فيرجعون إليه في تحديد عقائد الدين وأسسه.
والآن: الكتاب هو القرآن الكريم من عظمته أن النبي عليه الصلاة والسلام الذي أنزل عليه توفاه الله عزّ وجل، ومضى على وفاته خمسة عشر قرناً، والكتاب بين أيدينا فيه آيات العقيدة، وآيات التشريع، وآيات الحلال والحرام، والأوامر والنواهي، والمواعظ، والعبر، والأمثال، والحِكَم، والقصص, نحن بحاجة ماسة إليه، لأنه مرجع لنا، ولاسيما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمسلمون من بعده يرجعون إليه في تحديد عقائد الدين، وأسسه، ومبادئه، وغاياته، فلا تقل: يا أخي، واللهِ الولي الفلاني يعلم الغيب، فأنت عندك كتاب، وعندك مرجع، وقد قال الله:
﴿ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 50)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/04.jpg
انتهى الأمر، فما دام النبي عليه الصلاة والسلام وهو سيد الخلق، وحبيب الحق لا يعلم الغيب، فأيّ إنسان يدعّي ذلك نقول له: كذبت, لا يعلم الغيب إلا الله، وقد يأتي إنسان دجّال فيقول لك: المعاصي لا تضرني، وقد تجاوزت هذه المرحلة, فنقول له: كذبت, يقول الله تعالى:

﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 15)
عندنا آيات في العقيدة, وهذا هو قدر النبي, لا يعلم الغيب، وليس بيده نفعنا ولا ضرنا، النفع المادي إلا أن يشاء الله عزّ وجل, وأنه يخاف إن عصى ربه عذاب يوم عظيم, فمَن يدّعي خلاف ذلك نقول له: كذبت، ففي القرآن الكريم آيات توضح العقيدة، وإذا قال أحدهم لك: أنا أتوب عند الموت، فقل له: إنك مغرور, قال تعالى:
﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾
(سورة النساء الآية: 18)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/05.jpg
انتهى أمرك, فلا تُقبل التوبة في ساعة الموت، ولدينا أدلة واضحة، وقد يقول لك أحدهم: إن فلاناً لا يصلي، ويكفر بالله عزّ وجل، ويزداد إثماً، ويتحدّى الإله، ويزداد قوة، وشأناً، ومالاً, فما تفسير ذلك؟ إن تفسيره واضح، قال ربنا عزّ وجل في محكم تنزيله:

﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 44)
القرآن الكريم مرجع نستطيع من خلاله أن نعرف العقيدة الصحيحة, وقد يقول لك: واللهِ أنا شاهدت الجِنَّ البارحة، وهذا ليس بصحيح، قال تعالى:
﴿ إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 27)
هذه شطحة وخرافة لا نقبلها منك, وكلما كان الكلام خلاف الأصول، و خلاف العقيدة الصحيحة, ضُرِب به عرض الحائط، كقولهم: الجنة ليست بالعمل، نقول لهؤلاء:
﴿ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(سورة النحل الآية: 32)
ادخلوها برحمتي، واقتسموها بأعمالكم، كما قال سيدنا جعفر, ويقول الجاهل: الله عزّ وجل لن يُدّقق، ولن يسألنا، فالآية هي:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
(سورة الحِجر الآية: 92-93)
أو يقول لك: لا تدقق، فالله عزّ وجل غفور رحيم, قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 153)
﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ ﴾
(سورة الحِجر الآية: 49-50)
كلما سمعت فكرة غير صحيحة، فيها مبالغة شيطانية وزائغة، وعندك آيات, فعليك تصحيح هذه الأفكار من هذه الآيات, ولذلك كان الكتاب مرجعًا لنا في عقيدتنا، ويقول الجاهل: وهل بعد القبر عذاب؟ كيف يكون هناك عذاب؟ هو كائنٌ وربِّ الكعبة، قال ربنا عزّ وجل:
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾
(سورة غافر الآية: 46)
أي عذاب جهنم, قال الله:
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ ﴾
(سورة المؤمنون الآية: 104-105 )
إذا زاغـت عقيدة الإنسان وابتعد, كان القرآن هو المقياس، وأيّة فكرة يقولها الإنسان: تُعرض على كتاب الله، فإن وافقته فهي صحيحة, وإن خالفته فليست صحيحة, ويقول الجاهل: هناك ضرورات للفائدة (الربا)، واللهُ عزّ وجل قال:
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ﴾
(سورة البقرة الآية: 276)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/06.jpg
فالآية واضحة، في التعرف على أحكام شريعة الله، إن كان في الزواج، والطلاق، والمواريث، والوصية، والبيع، والشراء، وكل شؤون حياتنا، فالله عزّ وجل جعل في هذا القرآن الكريم أحكاماً دقيقة جداً، واستبانة الواجبات التي يأمرهم بها، والمحرمات التي ينهاهم عنها، والفضائل والكمالات التي يحثهم عليها، ويندبهم إليها، فالكتاب مرجع في العقائد، والأُسس، والمبادئ، والغايات، وأحكام الشريعة، والواجبات، والمحرمات، والفضائل، وهذه كلها في كتاب الله، كما يرجعون إليه ليطالعوا مواعظه، ونصائحه، وأمثاله، وآدابه، وما تضمّنه من بشائر ونُذُر، ووعدٍ ووعيد، وسائر الوسائل والأساليب التربوية المختلفة الهادية إلى صراط الله المستقيم, إنه مرجع، وإن الله عزّ وجل جعل هذه الدعوة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم مستمرة عن طريق هذا الكتاب، والعلماء والفقهاء يرجعون إليه ليستنبطوا من نصوصه الأحكام الشرعية المختلفة، والله عزّ وجل قال:

﴿ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ﴾
(سورة المائدة الآية: 3)
أي أن هذا الشرع فيه كل شيء، فنصوص الشرع كلية، ونصوص الكتاب كلية، لكن الله سبحانه وتعالى سخّر العلماء المجتهدين كي يستنبطوا من هذه الأحكام الكلية أحكاماً تفصيلية مما يحتاج إليه الناس, وهذا هو القياس، والقياس أن تقيس حالة لا نص لها في كتاب الله على حالة فيها نص من القرآن أو السنة، فالقرآن الكريم مصدر، والحديث الشريف مصدر، والقياس مصدر، والإجماع مصدر.
2- الكتاب الرباني المنزل على الرسول هو الحكم العدل لأمته بعد وفاته:
ثانياً: إن الإنسان لا يتهيأ له أن يرجع إلى النبي عليه الصلاة والسلام مباشرة بعد أن قبضه الله عزّ وجل، إذاً من خلال هذا القرآن الكريم يستطيع العالم والمجتهد أن يرجع إلى كتاب الله، مع أن هناك بعداً كبيراً مكانياً وزمانياً بَعْد أن قبض الرسول صلى الله عليه وسلم، ومضى على قبضه خمسة عشر قرناً، وهذا الكتاب بين أيدينا, فحاجة الناس للإيمان بالكتب السماوية ليكون الكتاب الرباني المنزّل على الرسول هو الحَكَم العدلُ لأمته، إنه حَكَم عدْلٌ, قال الله:
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ﴾
(سورة الحجرات الآية: 9)
في كل حالة قد تبدو لك نادرة جدا إلاّ ولها حكم، فإن نشبَ خلاف زوجي, قال الله:
﴿ فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا ﴾
(سورة النساء الآية: 35)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/07.jpg
ففي قضايا الزواج، والطلاق، والميراث، والبيع، والشراء، القرآن هو الحَكَمُ، إذًا الهدف الثاني ليكون الكتاب الرباني المنزل على الرسول هو الحكم العدل لأمته في كل ما يختلفون فيه مما تناولته أحكام شريعة الله لهم، فكتاب الله هو الحاكم بين الناس، ولذلك فالأمير ليست مهمته إلا أن يحكم وفق كتاب الله، والحاكم الحقيقي هو الله عزّ وجل، ولا حاكمية إلا لله، والناس يحكمون في ضوء ما جاء في كتاب الله، وعليه قوله تعالى:

﴿ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
(سورة المائدة الآية: 45)
فإذا حصل خلاف بين الزوج وزوجته، فالرجوع إلى كتاب الله، أو اختلف مع شريكه، وثمّة عقد موقَّع و مُصدّق عند كاتب العدل، ومُسجّلٌ في المحكمة الشرعية فموجود في كتاب الله حكمه, قال الله:
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾
(سورة المائدة الآية: 1)
اختلفت مع زوجتك، قال تعالى:
﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً ﴾
(سورة النساء الآية: 19)
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/08.jpg
وإذا حصل خلاف زوجي بينك وبين شريكك، أو بينك وبين جارك, قال الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ ﴾
(سورة النحل الآية: 90)
فالإنسان يجب أن يحكم بما أنزل الله، فهو الذي أَمَرَنا أن نعدل بين أولادنا، فإذا أحد حرم ابناً من الميراث، وأعطى آخر، وكم مِن حالات كثيرة جداً أسمعها عن أب انحاز إلى أحد أولاده فأعطاه كل شيء، وحرم الآخر كل شيء، فهذا الأب لم يحكم بما أنزل الله، إذاً فهو ظالم، و مع أنه ظالم فهو فاسق، والكتاب هو الحَكَمُ، وإذا اختلف المسلمون فيما بينهم فقد قال تعالى:
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ﴾
(سورة البقرة الآية: 213)
قال العلماء في تفسير هذه الآية: إن الناس كانوا أمة واحدة، كانوا على الفطرة، عبدوا الله بدافع من فطرتهم، وأحسنوا إلى بعضهم بدافع من فطرتهم، فلما عمّ الجهل، وزاغت العقائد، واستعرت الشهوات، واستيقظت الفتن، أصبحوا بحاجة إلى كتاب يحكم بينهم, لو أن الإنسان عاد إلى فطرته لعَرَف الحق, لكن بعد أن تنطمس هذه الفطرة بفعل الشهوات، والطغيان، والجهل يأتي الكتاب ليحكم بين الناس بالعدل.
3- الكتاب الرباني يصون عقائد الدين وشرائعه وغاياته بعد عصر الرسول:
ثالثاً: يصون الكتابُ الربانيُّ بعد عصر الرسول عقائدَ الدين وشرائعَه وغاياتِه، بعد ما قُبِض النبي الكريم، وافترق المسلمون مِن بعده، فكفَّر بعضهم بعضاً، وبعضهم انحرف عن العقيدة الصحيحة, لا بد أن يكون هناك مقياس نقيس به كل إنسان، وكل جماعة، فهؤلاء الذين خرجوا عن قواعد الدين, فالكتاب هو المقياس لهم، فالكتاب السماوي، أو أي كتاب سماوي جعله الله عزّ وجل صوناً لعقائد الناس مِن أن يصيبها الانحرافُ والزللُ من الذين تسوِّل لهم أنفسهم أن يتلاعبوا بالدين، وينسبوا إليه ما ليس منه، وينحرفوا به عن الصراط المستقيم إرضاءً لشهواتهم وغرائزهم، فهؤلاء لا ينبغي أن يهجروا كتاب الله، فهو الذي يقيس عقائدَهم، فالله عزّ وجل جعل هذا الكتاب مقياساً للعقيدة.
كل إنسان زاغت عقيدُته، أو انحرف، أو بالغ، أو تلاعبت به الأهواء، أو أراد أن يسخّر الدين للدنيا، أو أراد أن يصل إلى الدنيا عن طريق الدين، يأتي الكتاب فيوقِفُه عند حده، ويعيده إلى جادة الصواب، وإنّ استمرار الكتاب الرباني في أمة الرسول من بعده بمنزلة استمرار وجود الرسول الذي بلّغه إليهم بين ظهرانيهم، ولولا استمرار الكتب الثابتة بنصوصها بعد الرسل لأسرعتْ دعواتهم إلى الاختلاف الواسع، والتغيير الكثير عَقِبَ وفاتهم، لأن من طبيعة البشر أن يختلفوا في الاجتهادات، وأن تتباين نظراتُهم إلى الأمور، وأن ينساقوا بسرعة وراء عوامل الشهوة، والهوى, والنفس، فْإن لاَمَهُمْ صاحبُ إيمانٍ على انحرافهم كذبوا على الله، فزعموا أنّ ما انحرفوا فيه هو من أحكام الله، ومراده في الدين، ومِن أجل هذا كان لا بد للبشر من ضابطٍ يضبطهم، ويُلزمهم بمدلولات النصوص الصريحة إلزاماً لا محيد عنه, ولولا القرآن الكريم لما كنّا الآن مسلمين، فما الذي حفظ الإسلام عقيدته وشريعته؟ إنه القرآن الكريم، فهو الضابط، و المقياس، والمرجع.
4- حفظ دعوة الرسول ورسالته:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/471/09.jpg
رابعاً: حفظ الكتاب الربّاني لدعوة الرسول ولرسالته وسريانها بين الناس، وقابليتها للاتساع، والانتشار, فالقرآن موجود، وكلما قرأه الإنسان عرف الله عزّ وجل، وصار أداة اتساع وانتشار، والنبي الكريم قُبض, والمسلمون في الجزيرة، وبعد موته صلى الله عليه وسلم فتح المسلمون مصر، وشمال إفريقيا، والمغرب العربي، وإسبانيا، والشام، والعراق، وتركيا، والهند، والسند، والباكستان، والصين, فاتساع الدين بسبب أن هناك دستوراً، وكتاباً، وضابطاً، ومرجعاً، فمهما تباعدتِ الأمكنةُ والأزمنة فإنّ هذا الكتاب يٌعد وسيلة لاتساع الدعوة وانتشارها.
خلاصة الهدف من الكتاب السماوي:
وجود الكتاب المنزل من عند الله في الأمّة من بعد الرسول بمنزلة استمرار الرسول فينا، مِن حيث التعرُّفُ على أصول الدين، وأحكام الشريعة، وسائر المواعظ، والآداب، المسلمون بعد وفاة رسول الله فَقَدُوا القدوة الحسنة، والأسوة الصالحة، أما التشريع، والدستور، والمنهج فَبَيْنَ أيدينا، ومِن أجل كلِّ ما سبق، ولحِكَمٍ أخرى يعلمها الله تعالى، وهو العليم الخبير، أنزل الله على رسله كتبه، فنطقت كتبه بشريعته, تأمر، وتنهى، وتعظ، وترشد، وتبشر، وتنذر، وتهدي إلى الصراط المستقيم، وتحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وهذه الأفكار مهمة جداً في تعريف الناس بضرورة وجود الكتب السماوية، واللهُ سبحانه وتعالى برحمته وعلمه ورأفته وحرصه على هدايتنا أنزل الرسلَ، وأنزل معهم الكتابَ.
وسوف نتحدث عن الكتب السماوية التي يجب الإيمان بها، وفي مقدمتها القرآن الكريم في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.




والحمد لله رب العالمين

السعيد 06-21-2018 07:06 AM

رد: العقيدة الاسلامية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : (الثانى و الاربعون )

الموضوع :الايمان بالكتب السماوية (2)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الإيمان بالكتب السماوية:
1- القرآن الكريم:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/474/01.jpg
نحن في موضوع الإيمان بالكتب، وقد تحدثنا في الدرس الماضي عن تعريف الكتب لغةً وشرعاً، وعن وجوب الإيمان بالكتب السماوية، والأدلة النقلية في القرآن والسنة، وعن ضرورة أو حاجة الناس إلى الكتب السماوية، وننتقل اليوم إلى موضوع جديد، وهو الكتب السماوية التي يجب الإيمان بها، والحقائق الأساسية المتعلقة بالكتب السماوية التي يجب أن نؤمن بها بالضرورة.
أول هذه الكتب بوصفنا مسلمين هو القرآن الكريم، فالله سبحانه وتعالى كما تعلمون جميعاً بعث نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم رسولا للعالمين، وأنزل عليه القرآن معجزاً، وتكفل بحفظه مِن أيّ تحريف، أو تبديل، أو زيادة، أو نقصٍ، وقد شمل هذا الحفظُ كل نصٍ من نصوصه، فهيأ له سبحانه وتعالى من وسائل الحفظ في الصدور, وفي السطور ما جعله محفوظاً جملةً وتفصيلاً، حتى انتشر في الأمم على اختلاف أمكنتهم وألسنتهم وأزمانهم، وجعله الله قطعي الثبوت في كل عصر، ومكّن له في القلوب والعقول بما أودع فيه مِن حلاوة، وطلاوة، وحقٍ، وعدلٍ، ودعوة إنسانية، فما ينكر إسناده إلى خاتم الرسل صلى الله عليه وسلم إلاّ مَن لم ينطوِ على ذرة مِن عقلٍ.
القرآن الكريم يتضمن عدة حقائق منها:
1- أن القرآن الكريم كتاب من عند الله:
أن القرآن الكريم كتاب مِن عند الله, لو جمعت كتُبَ الأرض كلَّها، وكانت كلها في كِفَّة، وكان كتاب الله في كفة أخرى، يتبين معك أنه كتاب الله, لماذا؟ لأنه كلام الله,
" وفَضْلُ كلام الله على كلام خلقه كفضلِ الله على خلقِه "
( ورد في الأثر )
فهل من الممكن أن نوازن بين الخالق والمخلوق؟ إذا كان لا يوازن بين خالق السموات والأرض و بين مخلوق ضعيف عاجز فقير مفتقر إلى كأس ماء، وإلى لقمة، وإلى دواء، وإلى طعام، وإلى شراب، فكذلك لا يوازَن كلامُ الخالق بكلام المخلوق، وكل ما تقع عينك عليه في الأرض مِن كتب إنما هي من تأليف المخلوقات، من تأليف البشر، لكن القرآنَ كلامُ الله جلّ وعلا، فلذلك الحقيقة الأولى أن القرآنَ الكريم كتابٌ مِن عند الله.
عندما تعرف أن هذا الكتاب كلام الله عزّ وجل، وفيه أمر ونهي عندئذٍ تعرف قيمة الأمر الإلهي، لأن قيمة الأمر من قيمة الآمر، ولو أنّ إنساناً ذا رتبة عسكرية ضئيلة جداً أعطاك أمراً قد تستجيب له، وربما لا تستجيب، لكن الرتبة العالية جداً إذا وَجَّهتْ إليك أمراً فأغلبُ الظن أنك تستجيب بسرعة مذهلة، لأنك تعرف حجم الآمر، ومدى ما يبنى على مخالفته من مسؤولية، ومدى ما يحصل من مكاسب فيما لو نفذتَ الأمر، وقد ثبت ذلك بكل من الدليلين العقلي والنقلي, إذا أردت أن تنوّع الأدلة حول موضوع ما، فهناك الدليل العقلي، وهناك الدليل النقلي، وهناك الدليل الواقعي, أكثر الأدلة لا تزيد عن دليل عقلي، ودليل نقلي، ودليل واقعي، فالدليل النقلي نصٌ قطعي الثبوت, قطعي الدلالة من كتاب الله، أو من الأحاديث الصحيحة المتواترة، أو من أحاديث الآحاد، هذا هو الدليل النقلي، بينما الدليل العقلي أن تبنى النتائج الصحيحة على المقدمات المسلَّم بها، مقدمة مُسّلَمٌ بها يبنى عليها نتيجة صحيحة هذا دليل منطقي, كل إنسان فانٍ, هذه مقدمة, سقراط إنسان, سقراط فان, مقدمة ونتيجة منطقية، فالدليل العقلي هو ما يتضمن من وجوه الإعجاز.
2- مرتبة القرآن الكريم من حيث الكتب السماوية آخر كتاب:
الحقيقة الثانية: أن القرآن هو آخر الكتب السماوية التي أنزلها الله على خاتم رسله محمدٍ صلوات الله وسلامه عليه.
3- تكفل الله بحفظ كتابه من أي دخيل عليه:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/474/02.jpg
الحقيقة الثالثة: أن القرآن محفوظ بحفظ الله مِن كل تحريف، أو تبديل، أو زيادة، أو نقص، ومُصَانٌ عن أن يأتيه الباطل من بين يديه، أو من خلفه، حتى يرث اللهُ الأرضَ ومَن عليها, فلو أنّ آية قرآنية فيها توجيه صحي مثلاً، وثبت في العلم الحديث ما يناقض هذا التوجيه، معنى ذلك أن الباطل قد أتاه, أحياناً تظهر نظرية نعجب بها، نصفق لها، وبعد حين من الزمن يظهر أنها غير صحيحة، وأنها باطلة، وأنّ أصحابها وقعوا في متاهة، عندئذٍ تسقط هذه النظرية، وما من آية قرآنية على مرّ الدهور والعصور، لم تأت حقيقة علمية قطعية ناقضتها, أبداً.
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/474/03.jpg
إذاً: هو كتابٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه، ولا بعد كرّ العصور والدهور، وهذا يعني أيضاً أن من دواعي حفظ الله تعالى لهذا الكتاب أنه قيّض له رجالاً في كل عصر، هم دقيقون جداً في استنباطهم وأحكامهم، ضبطوا آياته، ضبطوا المكي والمدني، ضبطوا ناسخه و منسوخه، ضبطوا أسباب نزوله، ضبطوا أماكن الوقوف اللازم، ضبطوا حركاته، وسكناته, بل إنّ أدق الدقائق ضُبطت، وفُرغ منها، وهؤلاء الذين سخرهم الله عزّ وجل لهذا الكتاب في كل عصر وفي كل مَصر يقظون أشدّ اليقظة، افتح أيَّ مصحف تجدْ في آخر صفحة أنّ الله عزّ وجل قد سخّر أناساً له: الشيخ القارئ الفلاني، توقيعه، وخاتمه، الشيخ الثاني، والثالث، إلى عشرين أو ثلاثين عالماً من علماء القرآن الكريم، قرؤوه كلمة كلمة، وحرفاً حرفاً، وحركة حركة, ووجدوه مطابقاً لما عندهم ووقعّوا على هذه النسخة, وأي نسخة فيها تبديل أو تحويل سُرعان ما تنكشف، وسُرعان ما تظهر، وسُرعان ما يؤمر بحرق النُسخ كلها، هذه الحقائق أنه من عند الله، هذه الحقائق عّمت العالَمَ الإسلامي إلى درجة أنها أصبحت مِن العقائد المعلومة مِن الدين بالضرورة، وأنّ على كل مسلم أن يعرفها معرفة يقينية، وأن مَن أنكرها فقد كفر لا محالة.
إذا قال أحدهم: إن الله لم يحفظ القرآن فقد كفر، أو قال مثلاً: هذا الكتاب ليس آخر الكتب، أوْ قال: بعضه من الله، وبعضه مِن رسول الله فقد كفر، يكفر فوراً إذا أنكر إحدى هذه الحقائق، ويقع مُنْكِرَها بالكفر الصريح.
ما هو الدليل على أن القرآن الكريم كلام الله ؟
1- الدليل العقلي:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/474/04.jpg
هذا الكتاب الذي بين يديك، كلامُ الله عزّ وجل، فما الدليل على أنه كلام الله عزّ وجل ؟ لأنّ فيه إعجازاً يستحيل ويستعصي على البشر مجتمعين أن يأتوا بسورة من مثله، أو بآية من مثله، هذا هو الدليل, وفيه هناك إعجاز تشريعي، وإعجازٌ لغوي، وإعجازٌ بياني, وهناك أيضاً إعجازٌ رياضي، وإعجازٌ حسابي، وإعجازٌ علمي، وإعجازٌ تاريخي، كذلك إعجازٌ اجتماعي، وإعجازٌ فني، وإعجاز أسلوبي, مِن أيّة زاوية نظرتَ إلى كتاب الله تجد فيه إعجازاً، هذا هو الدليل العقلي ما تضمنه من وجوه الإعجاز حيث لا تتطاول القدرات الإنسانية مفترقة أو مجتمعة على الإتيان بمثله، مهما تعاقبت العصور وتوالت الدهور, والمعجزات على اختلافها، تثبت برهاناً ذاتياً قاطعاً على أنها من عند الله، لأن المعجزة خرقٌ لمألوفِ العاداتِ، ولا يستطيع أن يخرق مألوف العادات إلا رب الأرض والسموات، وما دامت هذه العادات قد خرقت, فهذا دليل قطعي على أن هذا الكلام مِن عند الله عزّ وجل.


2- الدليل النقلي:
أما الدليل النقلي فهو ما ثبت بالتواتر كابراً عن كابر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما ثبت في آيات القرآن نفسه أنه من عند الله، وليس من كلام سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
عندنا نحن المسلمين شيءٌ اسمه التواتر، أيْ ما رواه الجمع الثقاة العدول عن الجمع الثقاة العدول، عن الجمع الثقاة العدول، من وقت إنزال هذا القرآن إلى يومنا هذا، لو لم يكن بين أيدينا هذا الكتاب, لكان القرآن الكريم متواتراً تواتراً شفهياً، لا يوجد عصر إلا وفيه حفظة، حفظوا على أيدي أساتذتهم، والأساتذة حفظوا على أيدي أساتذتهم، جيلاً بعد جيلٍ بعد جيلٍ، إلى أن يصل إلى السيد الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولو بحثت في مضمون القرآن الكريم, في مضمونه الاجتماعي، والفكري، والعلمي، والبياني، واللغوي، والتاريخي، والتشريعي، لو درست مضامين القرآن الكريم لوجدتها من الإحكام، والدقة، والعمق، والشمول، والتحدي حيث يعجز عنه الأدباء، والعلماء النجباء, إنه لن تظهر في المستقبل نظرية ولا حقيقة علمية تناقِض ما في كتاب الله, إذاً في مضمونه إعجاز.
تصديق المؤمن لكتاب ربه يعطيه التسليم المطلق له:
ونحن إذا آمنّا، وصدقنا بالقرآن الكريم جملة وتفصيلاً، على أنه من عند الله، وأنه كتابه الذي أنزله على عبده ورسوله محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وأن الله تعالى منزّه عن أن يثبت في كلامه غير الحق, إذًا فنحن نؤمن بكل خبرٍ تضمّنه القرآن الكريم إيماناً قطعياً، ونعتقد أنّ منكر ذلك كافرٌ، لأن مكذبَ خبر الله الذي جاء في كتابه, ماذا نستنتج؟ القرآن كلام الله، واللهُ منّزه عن أن يثبت غير الحق، إذًا كل ما فيه من أخبار هي أخبار صحيحةٌ, هذه المقدمة المنطقية تنقلنا إلى الإيمان بأن كل ما ذكره الله عزّ وجل في القرآن الكريم، مِن كتب سماوية أنزلت على أنبياء سابقين وجب أن نؤمن بها بالضرورة، قال تعالى:
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾
(سورة المائدة الآية: 48)
فنحن بالتسليم المطلق نؤمن بكل كتاب أنزله الله، سواء عرفنا اسمه أم لم نعرف، وسواء عرفنا الرسول الذي أنزل عليه أم لم نعرف، وهذا هو معنى الإيمان الإجمالي بالكتب، ونحن جميعاً مؤمنون إيماناً إجمالياً بالكتب السماوية, فأيُّ كتاب أنزلـه الله عزّ وجل على نبيٍّ من أنبيائه هو حَقٌّ لا شك فيه، وإيماننا به تصديق لخبـرِ الله تعالى في القرآن، القطعي الثبوت، القطعي الدلالة، كما نؤمن تفصيلاً بالكتب، والصحف التي نوَّه عنها القرآن بشيءٍ من التفصيل، وبالقدر الذي فصّله القرآن، لا نزيد على ذلك، ولا ننقص، لأن كل زيادة على ما فصله القرآن لا تصل في واقع حالها إلى درجة صحة النسبة، فضلاً عن درجة القطعية, وهذه نقطة مهمة جداً.
نحن نقول: ما قاله الله، أما الزيادات فهذه ظنية، فالله عزّ وجل لما ذكر عن سيدنا يوسف ما عرفناه بالقرآن الكريم، فالقصة انتهت حينما جاء أهله من مصر وسجدوا له، ولهذا السجود معانٍ كثيرة في كتاب الله، يا ترى هل تزوج امرأة العزيز؟ لا نعرف, فالقصة سكتت عن هذا الموضوع, يجـب أن أسكت ما دامت القصـة القرآنية سكتت، وأغلب الظن أن الذي سكت الله عنه لا طائل من البحث فيه، والذي فصّله الله عزّ وجل يجب أن نستفيض فيه.
التفصيلات التي وردت في القرآن الكريم عن بعض الكتب السماوية:
القرآن الكريم أخبرنا تفصيلاً ببعض الكتب السماوية:
فأول شيء صُحُفِ إبراهيم عليه السلام: وهو أول ما أنزله الله من كتاب مما لدينا به علم يقيني.
﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ﴾
( سورة الأعلى الآية: 18-19)
ثانياً: التوراة، وهو الكتاب الذي أنزله الله على سيدنا موسى عليه السلام، ويشمل الصحف التي ألقيت إليه في المناجاة، وهو ثاني ما أنزل الله من كتاب مما لدينا به علم يقيني.
ثالثاً: الزبور, وهو الكتاب الذي أنزله الله على سيدنا داود عليه السلام، وهو ثالث ما أنزل الله من كتب مما لدينا به علم يقيني.
رابعاً: الإنجيل, وهو الكتاب الذي أنزله الله على سيدنا عيسى عليه السلام، وهو رابع ما أنزله الله من كتب مما لدينا به علم يقيني.
القرآن ذكر هذا, قال تعالى مما يؤكد هذا:
﴿ أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ﴾
( سورة النجم الآية: 36-37)
يعني في صحف موسى، وفي صحف إبراهيم، فماذا في صحف موسى؟ وماذا في صحف إبراهيم؟ قال تعالى:
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
( سورة النجم الآية: 38)
كل هذا في صحف إبراهيم وموسى, قال تعالى:
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى ﴾
( سورة النجم الآية: 39-43)
كل هذا في صحف إبراهيم و موسى, قال تعالى:
﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَمَاتَ وَأَحْيَا * وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى * وَأَنَّ عَلَيْهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى * وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنَى وَأَقْنَى * وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى * وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَاداً الْأُولَى * وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى ﴾
( سورة النجم الآية: 44-51)
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى * وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى * فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى ﴾
(سورة النجم الآية: 52-54)
هذا دليل قطعي, الله أخبرنا به.
وإليك بعض الآيات التي تنوه بذكر الكتب السماوية، بدءاً من القرآن، وانتهاءً بغيره, قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴾
(سورة البقرة الآية: 255)
﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ﴾
(سورة آل عمران الآية: 3-4)
﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴾
(سورة المائدة الآية: 43-44)
﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾
(سورة المائدة الآية: 45)
﴿ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾
( سورة الأعراف الآية: 156-157)
﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾
(سورة التوبة الآية: 111)
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 105)
﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ﴾
(سورة المائدة الآية: 47)
ما هي المضامين العامة التي اشتركت فيها الكتب السماوية كلها ؟
1- أصول الدين:
http://www.nabulsi.com/images/inside-arts/ar/474/05.jpg
الموضوع الأخير المتعلق بالكتب, وهو المضامين العامة التي اشتركت فيها الكتب السماوية كلها، هناك آيات كثيرة أشارت إلى ذلك، فربنا عزّ وجل قال:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾
(سورة الأنبياء الآية: 25)
يعني الأنبياء جميعاً، والرسل جميعاً، والكتب المنزلة جميعاً، كُلها مضمونها واحد، هو لا إله إلا الله، لا إله إلا أنا فاعبدون، هذه عقيدة في جميع الكتب السماوية, هناك جانب نظري اعتقادي، وجانب سلوكي تطبيقي، إن نهاية العلم أنْ تعلم أنه لا إله إلا الله، ونهاية العمل أنْ تعبد الله كأنك تراه، لذلك ثمّة مضامين موحدة مشتركة بين الكتب، وبين كل دعوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
إنّ الكتب السماوية كلها اشتركت في بيان أصول الدين، الدين له أصول، وله عقائد أساسية، والتوحيد من أصول الدين، والإيمان باليوم الآخر من أصول الدين، والإيمان بالرسالات السماوية من أصول الدين، والإيمان بالرسل من أصول الدين، فأركان الإيمان إذاً هي: آمنت بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره من الله تعالى، هذه أصول الدين, الكتب السماوية كلها فيها هذه الأصول.
2- أصول الأخلاق:
إن الله سبحانه وتعالى ذكَرَ لنا وصايا لقمان لابنه في سورة لقمان، وضمّن هذه الوصايا ما يفيد بأنها وصايا ربانية، اقتبسها لقمان مما أنزل الله في الكتب الأولى، وساقها القرآن ليوصي الناس بها، مِمّا لهُ صفة الاستمرار والدوام، وعليه تكون هذه الوصايا القرآنية مما سبق حتماً أنها جاءت في الكتب الأولى، أوردها الله حكاية على لسان سيدنا لقمان، قال تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ * وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ * يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾
(سورة لقمان الآية:13-19)
لعـل هذه الوصايا الثمينة جداً وردت في الكتب الأولى التي لم تذكر في القرآن الكريم صراحة، إذاً: الكتب السماوية كلها يجب أن نؤمن بها إجمالاً وتفصيلاً، إجمالاً حيث إنّ أيّ كتابٍ عن أي رسول حقٌ من عند الله، أمّا تفصيلاً فإنّ الكتب التي ذُكِرت في القرآن صراحة يجب أن نؤمن بها، والإيمان بها جزء من العقيدة التي يجب أن تُعلَم بالضرورة، وأنّ الذي ينكرها كافر، وبهذا الكلام أنهينا موضوع الإيمان بالكتب.
سوف ننتقل إن شاء الله إلى موضوع آخر مِن موضوعات العقيدة، وهو الإيمان باليوم الآخر.






والحمد لله رب العالمين




السعيد 06-21-2018 07:09 AM

رد: العقيدة الاسلامية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثالث و الاربعون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (1)







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
يوجد حقائق ضرورية في الكون لا بد من أن يعرفها الإنسان:
1- أصل هذا الخلق:
أنهينا في الدروس السابقة الإيمان بالله، والملائكة، والكتاب، والرسل, وبقي علينا الإيمان باليوم الآخر, والشيء الذي يلفت النظر أن الله سبحانه وتعالى حينما يذكر أركان الإيمان في القرآن كثيراً ما يقرن الإيمان بالله مع الإيمان باليوم الآخر, وكأن الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر متلازمان، لذلك لن نستطيع الحديث عن الإيمان باليوم الآخر قبل عدة مقدمات ضرورية جداً، فالتمهيد للإيمان باليوم الآخر يقتضي بعض الحقائق التي يجب أن توضع بين يدي المستمعين
الله سبحانه وتعالى خلق الخلق, فمَن هذا الخلق؟ وما هذا الخلق؟ إنه أنواع متعددة, قال تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً ﴾
(سورة الأحزاب الآية: 72)
الأرض جماد فيها معادن، فيها أشباه معادن، فيها جبال، فيها سهول، فيها صحارى، فيها بحار، هناك في السماء الكواكب، والنجوم، والمجرات، هذا كله من نوع الجماد، وهناك الحيوان, وله طبيعة خاصة، وهناك النبات، وهناك الملائكة، وهناك الجن، وهناك الإنس، فالمخلوقات متنوعة، ولا بد أن تكون للإنسان خصائص يتميز بها عن بقية المخلوقات، ومِن أبرز خصائصه أنه من الإنس، والجن يتمتعون بحرية الاختيار، بينما المخلوقات الأخرى لا تملك هذه الحرية، الإنس والجن يتمتعون بقوة إدراكية، لأنّ الله سبحانه وتعالى زَوّد الإنسان بالعقل, الذي هو قوة إدراكية نَعرف به الخير من الشر، والحق من الباطل، والصالح من الطالح،والنافع من الضار, ولولا هذه القوة الإدراكية لما امتاز الإنسان عن الحيوان، ضع لحماً عادياً أمام الحيوان، ثم ضع لحم خنزير أمامه، هل يملك هذا الحيوان قدرة أو قوة إدراكية على التمييز بينهما؟ أمّا الإنسان فيملكها، لأنه يملك حرية الاختيار، وهذا شيء قاطع، وهل يُعقل أن يُكلَّف الإنسان بالأمر والنهي, وهو لا يملك حرية الاختيار؟ شيء لا يمكن أن يكون, الإنسان يملك القدرة الظاهرة على تنفيذ بعض الأفعال التي يريدها، لو تعمّقنا في التوحيد لوجدنا أنّ الفعل بيد الله، لكن فيما يبدو لنا أن الإنسان يملك قوة ظاهرة على تنفيذ ما يريد, أراد أن يسير، إذاً: يسير، أراد أن يقوم، إذاً: يقوم، هكذا فيما يبدو, الإنسان مفطور فطرة عالية، فطرة كاملة على حب الخير، على حب العدل، على حب الرحمة، على حب الإحسان، أن يكون الإنسان رحيماً شيء، وأن يكون مفطوراً على حب الرحمة شيء آخر، أن تحب الرحمة هذا شيء فطري غير كسبي، أما أن تكون رحيماً فهذا شيء كسبي بعد أن تتعرف إلى الله عزّ وجل، وأن تستقيم على أمره، وأن تعمل صالحاً، وأن تقبل عليه، عندئذٍ يصطبغ قلبك بالرحمة، هذه هي الرحمة، القرآن الكريم, ميّز بين الفطرة، وبين الصبغة، فقال سبحانه: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
(سورة الروم الآية: 30)
الفطرة بلا كسب، وأما الصبغة فهي كسب، قال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 138)
2- لماذا أعطى الله الإنسان العقل وحرية الإرادة والاختيار ؟
لماذا خُلق الإنسان على هذه الشاكلة؟ هذه ميزات تفتقر إليها أكثر المخلوقات، قد يبدو هذا واضحاً حينما عرض الله عزّ وجل الأمانة على السموات والأرض والجبال، وحينما أَبيْنَ أن يَحملنَها لأنهنَّ أشفقن منها، وحملها الإنسان, هذه هي الأمانة, أي التكليف, وكأن الله عزّ وجل عَرَضَ على مخلوقاته حينما خلقهم مرتبة عالية من الإدراك، ومن السعادة، ومن الخلود, لكن هذه المرتبة العالية لها ثمن، والثمن هو حمْلُ الأمانة، فإنْ نجح الإنسان، وحقَّق هذه المهمة، وحمل الأمانة، ونجح في حملها، استحق مرتبة لا يدانيه فيها مخلوق في الكون، لذلك قال الله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾
(سورة البيّنة الآية: 7)
فإن لم يحقِّق هذه المهمة، ولم ينجح في حَمْلِ الأمانة, كانَ أشقى مخلوق خَلَقَه الله عزّ وجل, إما أنه خير البرية، وإما أنه شر البرية, لا يوجد حالة وسط بينهما, قال الله:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ ﴾
(سورة البيّنة الآية: 6)
لأن الإنسان قَبِلَ حمل الأمانة، وقَبِلَ التكليف، وقَبِلَ أن يكون حراً في اختياره، وقَبِل أن يزود بشهواته، ولأنه قَبِلَ التكليف، وقَبِل أن يزوَّد بعقل إدراكي، وأن يزوَّد بفطرة عالية، وأن يزوَّد بقدرة ظاهرة على تحقيق ما يريد، لأنه قَبِلَ كلَّ ذلك رفَعَه الله سبحانه وتعالى فوق كل الخلق، قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ﴾
(سورة الإسراء الآية: 70)
لأنه قَبِلَ حَمْلَ الأمانة سَخَّر الله له ما في السموات والأرض, قال الله:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
(سورة الجاثية الآية: 13)
من أنواع المعادن، أنواع الفلزات، أنواع المخلوقات، كل أنواع الأطيار، كل أنواع الأسماك، كل أنواع النباتات، البحار، البحيرات، الجبال، الوديان، السهول، الأغوار، التلال، الأشجار، كل شيء خلقه الله في الأرض مُسخَّر لك أيها الإنسان، لماذا؟ لأنك قَبِلتَ حَمْلَ الأمانة، فالمسخر له أعلى شأناً، وأعلى مرتبة من المسخر، فالكون مسخر من أجل الإنسان، والإنسان مسخّر له الكون، إذاً هو أعلى مرتبة.
3- لماذا خلق الله الإنسان:
لماذا خَلَق الله الإنسان؟ لماذا خلَق الخلْق؟ ليُسعِدهم، ولماذا عرض عليهم الأمانة؟ ليحملهم على أن يرقوا أعلى درجة، لذلك إذا نجح الإنسان في حملِ الأمانة بلغ مرتبة لا يدانيه فيها مخلوق على وجه الأرض، ولا تحت الأرض، ولا فوق الأرض، وبشكل ملخص أقول: خَلَق اللهُ الخلقَ ليسعدهم، وَعَرَض عليهم مرتبة من السعادة لا تدانيها مرتبة، لكن لهذه المرتبة ثمن، والثمن حمْلُ الأمانة، فإنْ نجح بحملها كان فوق الخلق، وإن أخفق في حملها كان أشقى الخلق، بعد أنْ حَمَلَ الإنسانُ الأمانةَ زودّه بالعقل المدرِك، وبالشهوة المحركة، وبالفطرة السليمة، وزودّه أيضاً بحرية الاختيار، وزوّده بكل ما يحتاج مِن أجل أن ينجح في حمل الأمانة, كأن الله عزّ وجل أرسله إلى الدنيا ليمتحنه بهذه الخصائص التي يتميز بها، من هنا تأتي بعض الآيات الكريمة كقوله تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾
(سورة المُلك الآية: 2)
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾
(سورة الإنسان الآية: 2)
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾
(سورة المُلك الآية: 1-2)
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾
(سورة المؤمنون الآية: 115-116)
4- لماذا ابتلي الإنسان في دار الدنيا ؟
ننتقل الآن مِن علّة الخلق، ومن تصنيف الخلق، ومن الأمانة إلى ابتلاءِ الإنسان في هذه الدنيا، وربما كان هذا الابتلاءُ سببَ استحقاقه دخولَ الجنة، والابتلاء أيضاً سبب استحقاقه دخول النار، فنحن في هذه الدنيا مبتلون، بمعنى أننا ممتحنون، نُمتحن بالمال، نُمتحن بالصحة، نُمتحن بالقوة، نُمتحن بالفقر، نُمتحن بالمرض، نُمتحن بالزوجة، نمتحن بالأولاد، نمتحن بالعلو في الأرض، نمتحن بقلة الشأن في الأرض، مِن هنا, قال الله عزّ وجل:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾
(سورة الفجر الآية: 15)
لا, ليس هذا إكراماً، الإكرام لا ينقطع، والإكرام لا ينتهي بالموت، أَفَيَلِيقُ بحضرة الله عزّ وجل أن يعطيك المال لفترة مؤقتة، فإذا جاء ملَكُ الموت تركتَ كلَّ شيء دفعةً واحدة, هذا ليس إكرامًا، إنما هو ابتلاء؟ قال الله:
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾
(سورة الفجر الآية: 16-17)
كلا، ليس هذا عطاءً وإكراماً، وليس هذا حرماناً وإهانةً، كلاهما ابتلاء وامتحان, قال الله:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾
(سورة العنكبوت الآية: 2)
القضية قضية ابتلاء, قال الله: ﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾
(سورة الأحزاب الآية: 11)
ضع في تفكيرك أيها الأخ الكريم, أنك وُجِدتَ على هذه الأرض، وَأَتَيْتَ إلى هذه الدنيا من أجل أن تُبتَلى، والابتلاء من أجل أن تدخل الجنة باستحقاق، والابتلاء من أجل أن يدخل أهلُ النار باستحقاق, قال الله:
﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾
(سورة الأنفال الآية: 42)
إننا لا نستطيع أن نؤمن باليوم الآخر قبل أن نعرف طبيعة الحياة الدنيا، نحن في دار ابتلاء، نحن في دار امتحان،
" إنّ هذه الدنيا دار التواء، لا دار استواء، منزل ترح، لا منزل فرح، مَن عرفها لم يفرح لرخاء، ولم يحزن لشقاء، قد جعلها الله دار بلوى، وجعل الأُخرى دار عقبى، فجعل بلاء الدنيا لعطاء الآخرة سبباً، وجعل عطاء الآخرة من بلوى الدنيا عوضاً، فيأخذ ليعطي، ويبتلي ليجزي "
( ورد في الأثر)
أتمنى أن أكون قد مُكنت من توضيح هذه الفقرة، نحن هنا في دار ابتلاء، في دار امتحان، في دار تكليف، في دار حمْلِ الأمانة، في دار فحص، أمّا إذا انقلبنا إلى الآخرة فنحن في دار تشريف، ودار نعيم مقيم، ودار متعة أبدية، ودار سعادة خالدة، لذلك كان الأحمق هو الذي يستعجل طيبات الآخرة في الدنيا, قال الله:
﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ﴾
(سورة الأحقاف الآية: 20)
فإذا جاء الموت انقلب إلى عذاب أبدي.
ما هي مستلزمات حمل الأمانة ؟
1- أن تعرف الله عن طريق العقل وأن تعبده:
ما دمنا قد ابتُلينا بحمل الأمانة فماذا يقتضي حملُ الأمانة؟ يقتضي تزويدَنا بقوة إدراكية، وهذه القوة الإدراكية تقتضي أن نعرف الله عزّ وجل، بعض العلماء قالوا: إن أعظم ما في الكون هو الفكر البشري, ما دام الله عزّ وجل قد زوَّدنا بهذه القوة الإدراكية فهذا التزويد يقتضي أن نعرف الله به وأن نعبده، فإذا سُخرت هذه القدرة من أجل الدنيا، من أجل الشر، من أجل الإيقاع بين الناس، من أجل الحيَل، من أجل كسب الرزق الحرام، من أجل ترويج الباطل، من أجل إفساد الناس، فإن الذي فعل هذا يكون قد خسر خسارة لا حدود لها, لأن الله عزّ وجل زوّدنا بحرية الاختيار, وبالقدرة الظاهرة على تنفيذ بعض الأفعال، لذلك يقتضي هذا التزويد أن نعرفه أولاً, ثم نعبده ثانياً, قال الله:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾
(سورة الأنبياء الآية: 25)
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
(سورة الذاريات الآية: 56)
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً ﴾
(سورة الكهف الآية: 110)
لأن الله عزّ وجل خلَقَنا على فطرة كاملة، تقدَّر الإحسان، تقدر العفو، تقدر الرحمة، تقدر العدالة، تقتضي هذه الفطرة أن تشكره على نعمه، وأن تحبه, لذلك في الصلاة تقول: الحمد لله رب العالمين.
أيها الأخوة, تقتضي طبيعة الإنسان أن نعرف الله، وأن نعبده، وأن نحبه، ونشكره، فأنت يجب أن تعرفه، وأن تعبده، وأن تحبه، هذا هو الامتحان، وهذه هي الأسئلة، فالذي نجح في تحقيق هذه البنود نجح في الحياة، ونجح لما بعد الممات، ونجح إلى الأبد.

ثمرة عمل الإنسان في الدارين هي النية فإما أن يسعد بها أو يشقى بها:
اليوم تحدثت معَ بعض الأخوة، وقلت: هذا الذي أُمر بإلقاء قنبلة على هيروشيما, مات من خلالها ثلاثمئة ألف إنسان، وعطّل الحياة، وعطل التربة من الإنبات، وترك مئات الألوف من المشوَّهين، أن تكون سبباً في هلاك عشرات الألوف، بل مئات الألوف، هذا العمل الشرير قبيح، وأعظم منه قبحاً الذي فَعَلَه، لأن هذا العمل انتهى فمات مَن مات، وكذلك المشوَّه مات، والأرض أجدبت، ثم فيما بعد أنبتت، لكن هذا الذي عمل هذا العمل واجه نتيجة عمله إلى الأبد، وشقي به إلى الأبد, لذلك قيل: فاعل الشر شرٌّ مِن الشرِّ، فهل هناك في الأرض ما هو أشر من الشر؟ نعم، إنه فاعل الشر، وهل هناك في الأرض ما هو خير من الخير؟ نعم، إنه فاعل الخير، لو أنك أنقذتَ إنساناً من الغرق فهذا الإنسان بقي حياً، لكن لا بد من يوم تموت فيه، فهذا العمل الطيب انتهى، لكنك تواجه الله عزّ وجل بعمل طيب حميد في إنقاذ الآخرين، وبهذا العمل تَسعَد به إلى الأبد.
إذاً: أنت خُلقت في الدنيا لتُبتلى، فالعمل إن كان خيراً, وإن كان شراً ينتهي بالموت، وينتهي بانتهاء الحياة، لكن الذي يبقى هذه النية الطيبة، وهذه الإرادة الخيّرة, أو هذه النية الخبيثة، أو هذه الإرادة الشريرة, بهذه تَسعُد بها إلى الأبد، وبهذه تشقى بها إلى الأبد.

أنت أيها الإنسان في أي طريق تتجه ؟
أين أنت أيها الأخ الكريم؟ هل أنت في طريق معرفته؟ هل تحضر مجالس العلم, من أجل أن تعرف كتابه، وأحكامه، وأسماءه الحسنى, وصفاتِه الفضلى, مِن أجل أن تعرف تشريعه, وأمره ونهيه, ووعده ووعيده, وما أعدَّ لعباده المؤمنين مِن نعيم مقيم، وما أعدَّ للعصاة المجرمين من عذاب أليم؟ هل تؤْثر ساعة لذة على مجلس علم؟ هل تأتي لهذا المجلس لا تبتغي إلا معرفة الله عزّ وجل؟ هل أنت في طريق عبادته؟ هل أنت تضبط جوارحك؟ هل تعامل الناس كما أمر الله عزّ وجل؟ هل تبيع وفق الشريعة؟ هل تشتري وفق الشريعة؟ هل الله عز وجل أَحَبُّ إليك من كل شيء؟ قال الله:
﴿قُلْ إِنْ كَانَ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾
(سورة التوبة الآية: 24)
إذاً: معرفة، عبادة، محبة, شكر، وسورة الفاتحة جمعت كل هذه الأمور, قال الله:
﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ * اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾
(سورة الفاتحة الآية: 1-6)
ما هي الحكمة من وضع الإنسان في ظروف صعبة أحياناً ؟
ما دام الإنسان قد خُلق ليُمتحن، لأن الابتلاء هو الطريق الوحيد الذي يؤدي بك إلى دخول الجنة، أو ليستحق به الكافر دخول النار، فالابتلاء بنجاحٍ هو ثمن الجنة، والابتلاء مع السقوط والتردي سبيل النار، لذلك الفتنة تعني الابتلاء أيضاً، مِن هنا اقتضت حكمة الله عزّ وجل أن يوضعَ الإنسان في الظروف الملائمة, إنّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم امْتُحِنُوا امتحانات شتى، كان من أبرزها امتحان الخندق، كان معهم رسول الله، نبي عظيم، ورسول كريم، يوحى إليه عن طريق جبريل عليه السلام، والقرآن ينّزل عليه بين ظهرانيهم، جاءهم كفار قريش، ومشركو العرب، وتحزَّبوا عليهم، وتجمعوا بأعداد كبيرة للقضاء على الإسلام، وَنَقَضَ اليهودُ عهدهم، وأُحكمت الحلقةُ حولهم، وكان الإسلام على وشك التدمير الكلي, وعرفنا أن المؤمنين صبروا كثيراً, بعضهم إيمانه قوي، وبعضهم إيمانه دون ذلك، فصاحب الإيمان القوي لم يتزلزل، ولم يتأثر، ولم يضطرب، ولم يختل، ولم يضعف، ولم يخنع، ولم يَهِنْ، ولم يحزن، قال تعالى:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
(سورة الأحزاب الآية: 23)
أمّا ضعاف الإيمان مِن المنافقين, فإنهم كما وصفهم الله تعالى في الآية التالية:
﴿ وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 11-12)
﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾
(سورة الأحزاب الآية: 11)
أيها الأخ الكريم، لا يمكن إلا أن تُبتلى في هذه الدنيا، تُبتلى بالزوجة، فهل تؤْثِر رضاها على رضاء الله؟ هل تتساهل معها، ولو كان ذلك على حساب دينك؟ الزوجة تبتلى بها، وليس معنى ذلك أنها هي البلوى، لا، هيّ تكريم من الله، هل تترك مجالس العلم بعد الزواج؟ كم مِن شابٍ متحمس مندفع, لكنه بعد الزواج يتغيب عن مجالس العلم، ويؤثر مجالس الزوجة على مجالس العلم؟ هذا ابتلاء, قد يكون الإنسان فقيراً، وهو مستقيم على أمر الله، وفجأة يأتيه المال الوفير، فإذا به يتقاعس، يريد المتع الرخيصة، فتراه ينحرف أخلاقياً، يريد أن يزور بعض بلدان العالم، ليعطي نفسه ما تشتهي, يقول لك: أنا معي مال، ويجب أن أستمتع به، وإن الله قد أعطاه المال امتحاناً له، فقد تُمتحن بالفقر، أتصبرُ أم تكفر؟ تُمتحن بالمرض، هل تلجّ وتضجر، أم تقول: ثمة حكمة مِن وراء هذا المرض؟ فالنتيجة أنك مُبتلى، وأنا معكم مبتلى، وما مِن مخلوق على وجه الأرض إلا وهو مبتلى، والابتلاء سُنة الحياة، لذلك خَلَقَ الله عزّ وجل في الإنسان الشهوة، فالشهوة إما أن تكون قوة محركة تنقله إلى آفاق السعادة، وإما أن تكون الشهوة قوة مدمرة، كهذا الوقود السائل، إما أن يحرك المحرّك، فتأخذك السيارة حيث تشتهي، وإما أن يُحرق السيارة, هكذا الشهوة، اللهُ عزّ وجل خَلَقَ الملائكة التي تُلهمك الخير، وخلق الشياطين التي توسوس بالشر، وهناك توازن, خَلَقَ الخير، وخلق الشر، والشر بيد الله عزّ وجل مِن أجل أن تُمتحن، من أجل أن تُبتلى.
من لوازم الإيمان بالله الإيمان باليوم الآخر:
هذا الموضوع كله تمهيد لليوم الآخر، لأنه هنا الابتلاء، وهناك الجزاء، واليوم عملٌ ولا جزاء، وغداّ جزاء ولا عمل، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾
( سورة البقرة الآية: 62)
من لوازم الإيمان بالله الإيمانُ باليوم الآخر، لهذا كان في الحياة خير وشر، وحق وباطل، ولذة وألم، وسرور وحزن، وغنى وفقر، وصحة ومرض، وعلو وانخفاض، وشهرة وخمول، وإقبال وإدبار, قال تعالى:
﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾
(سورة الذاريات الآية: 49)
هذا وُضِع الإنسانُ في أكمل الشروط، وأنجحِها من أجل أن يبتلى، وأن يظهر على حقيقته، ليستحق الجنة، أو ليستحق النار, طبقاً لاختياره, قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾
( سورة الذاريات الآية:56)
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾
(سورة طه الآية: 15)
راقب نفسك، دخلت للبيت فأنت مُبتلى، الأكل غير جاهز, أتصبر؟ أتكون حليماً, أم تكون إنساناً شرساً؟ قد يوجّه لك إنسان كلمة نابية, أتصبر؟ أتحلم؟ معك مبلغ من المال، أتعطيه للمحتاجين، أم تنفقه على شهوتك؟ أنت ممتحن, يأتيك المشتري، ويقول لك: انصحني، أتُؤثِر اللهَ ورسوله، وتنصحه بالبضاعة الرائجة، أم تنصحه بالبضاعة الكاسدة؟ يأتيك الموكّل، أنت مُمتحن، بالمحاماة مُمتحن، بالطب مُمتحن، يأتيك المريض، وتعلم علم اليقين أنّ هذا المريض شفاؤه على يد فلان، المختص في هذا المرض، أما أنت فلا تعرف دقائق هذا المرض, أتقول له: اذهب إلى الطبيب فلان, وتفوت عليك ما يدفعه من مال؟ الصيدلي إذا انتهى مفعول هذا الدواء أتمسَح التاريخَ، وتبيعه كما لو كان فعّالاً؟ تُمتحن، أنت ممتحن في كل ثانية، في كل لحظة، في كل دقيقة، في كل حركة من حركاتك، وفي كل سكنة من سكناتك.
إذا آمنت أن كل شيءٍ تفعله تحاسب عليه, فقد انضبط سلوكك أيها المسلم، ولا يستطيع الإنسان أن يغيِّر سلوكَه تغييراً جذريًّا إلا إذا آمن باليوم الآخر, لا يستطيع الإنسان أن يتجه بكليّته إلى الله عزّ وجل إلا إذا نقل اهتمامه كله من الدنيا إلى الآخرة، لذلك النبي الكريم قال:

" إنّ أسعدَ الناس في الدنيا أرغبهم عنها وأشقاهم فيها أرغبهم فيها "
( أخرجه أبو نعيم في الحلية)
إذا عرفت أنك خُلقت في دنيا محدودة قصيرة، منقطعة، وإنما هي ابتلاء، وأن الجزاء يوم القيامة سَعِدْتَ في الدنيا والآخرة، فإذا غفلتَ عن هذه الحقيقة، وظننتَ أن الدنيا هي كل شيء, قال الله:
﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ﴾
(سورة الطور الآية: 45)
و حينما تعرف حقيقة الأمر فإنك ذو بصر وبصيرة، ولذلك قال الله عزّ وجل:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾
(سورة الحشر الآية: 18-20)






والحمد لله رب العالمين

السعيد 06-21-2018 07:16 AM

رد: العقيدة الاسلامية
 








بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الرابع و الاربعون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (2)









الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ملخص الدرس الماضي:
في الدرس الماضي بيّنا أن بين يدي الإيمان باليوم الآخر مجموعة من الحقائق، هذه الحقائق تتلخص في أن الله سبحانه وتعالى عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال، وأنّ السموات والأرض والجبال أبيْنَ أنْ يحملنها، وأشفقْنَ منها وحملها الإنسان، ومعنى أن الإنسان قد حمل الأمانة، أي قَبِلَ أن يصل إلى أعلى مرتبة وُضعت للمخلوقات، لكنّ هذه المرتبة، مرتبة جمالية، إنه أسعد مخلوق على وجه الأرض، لو أنه حمل الأمانة كما أرادها الله عزّ وجل.
هذا الإنسان حينما حمل الأمانة سَخَّر اللهُ له ما في السموات والأرض، وزودّه بعقلٍ كقوة إدراكية، وزودّه بحرية اختيار، وزودّه بقدرة ظاهرة على تحقيق مُراده، وزودّه بفطرة سليمة أعانه بها على اختيار الحق، وخلَق له الكونَ، وأنزل الكتب، وبعث الأنبياء، وسخّر الدعاة والعلماء، كل هذا من أجل أن يتعرف هذا الإنسان إلى الله عزّ وجل، فإذا عَرَفه عَبَدَه، وإذا عَبَده سَعِد بِقُرْبِه في الدنيا والآخرة، فالقوة الإدراكية تقتضي أن يتعرف الإنسان إلى الله عزّ وجل، لا أن يسخِّرَها لأهداف رخيصة، والإرادة الحرة مع القدرة الظاهرة على فِعْلِ ما يريد الإنسان، هذا أيضاً يجب أن يكون مؤدِّياً إلى العبادة الصحيحة، والفطرةُ السليمةُ التي فطرَ اللهُ الناس عليها تقتضي أنْ يشكروا الله عزّ وجل، هذا ملخص الدرس الماضي.

من تتمة الحقائق التي ينبغي على الإنسان أن يعرفها عن اليوم الآخر:
1- الابتلاء هو علة وجود الإنسان في الكون:
نتابع هذه الحقائق التي لابد مِن عَرْضها بين يدي الإيمان باليوم الآخر، ومِن أجل أن يستحقَّ الإنسانُ هذه السعادةَ العظمى يومَ القيامة جَعَلَه في الدنيا مبتلى، فإمّا أن يُؤْثِر رضاءَ الله عزّ وجل، وإمّا أن يؤثر رضاء الناس، إمّا أن يسعد بإقباله، وإمّا أن يبحث عن لذته، إمّا أن يُؤْثِر جانب الخير، وإمّا أن يؤثر جانب الشر، إمّا أن ينطلق من مبادئه، وإمّا أنْ ينطلقَ مِن نزواته, وقد سَرَدْتُ لكم في الدرس الماضي الآيات العديدة التي وردت في كتاب الله سبحانه وتعالى، التي تؤكد أن العلة الأولى التي خُلِقْنَا مِن أجْلها في هذه الحياة الدنيا هي الابتلاءُ, قال الله:
﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً ﴾
( سورة الإنسان الآية: 2)
﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ ﴾
( سورة الملك الآية: 1-2)
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 115-116)
إذاً: النجاح في الابتلاء ثمنُ هذه السعادة العظمى، من أجل أن يُبتلى الإنسان زوّده الله عزّ وجل بأشياء ثنائية، الشيطان يوسوس له، والمَلَك يٌلهمه، فإما أن ينحاز إلى جانب الشيطان، وإما أن يستجيب للمَلَك، فنوازع الخير تدعوه إلى فعل الخير، والشهوات التي أودعها الله فيه تدعوه إلى اقتناص اللذة، ولو على حساب الآخرين، في الحياة إمّا أن يستجيب الإنسانُ لعقله، وإما أن يستجيب لشهوته، إما أن يستجيب لنداء الرحمن، أو يستجيب لوسوسة الشيطان، إما أن يؤثر الفضيلة، وإما أن ينحاز إلى الرذيلة، إما أن يؤثر المصلحة، وإما أن يؤثر المبدأ، فأنت بين المبدأ والمصلحة، بين الحاجة والقيم، بين وسوسة الشيطان ونداء الرحمن، بين نوازع الخير ونوازع الشر، بين الحق وبين الشهوة، هذا التنويع، وهذا التخيير هو علّة الابتلاء.
2- توزيع القدرات البشرية تعود إلى عدة معاني:
الله سبحانه وتعالى جلّت حكمته زوّد الإنسان بقدرات متفاوتة، فهذا أعطاه ذكاءً، وهذا أعطاه مالاً، وهذا أعطاه قوة عضلية، وهذا أعطاه قوة اجتماعية، وهذا أعطاه قدرة على الإقناع، وهذا كان عليًّا، وهذا كان غبياً, هذه القدرات مَنَحَها الله لعبادة بشكل متفاوت، ولهذا التفاوت تفسيران:
التفسير الأول: أنّ الله سبحانه وتعالى تفَضَّلَ على خلقه ابتداءً بالإيجاد، وتفضل على خلقه ابتداءً بهذه القدرات الخاصة التي منحهم إياها، فليس للعباد أن يعترضوا على هذه القدرات، لأنها مَحْضُ فضلٍ, هذا تفسير.
التفسير الثاني: أنّ الله سبحانه وتعالى حينما نَظَرَ إلى خلقه رأى كل مخلوق له طلب، وبحَسَبِ طلبِ هذا المخلوقِ أعطاه القدرات التي تُحَقِّقُ له طلبه، من ذكاء وقوة ومال ومواهب, وليس للمرء حق الاعتراض، لأنه ليس له حقٌّ أنْ يطالبَ ربَّه بشيءٍ، وقد خُلِق مِن عَدَمٍ, يؤكِّد هذا قولُه تعالى:

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً * وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً * كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
( سورة الإسراء الآية: 18-20)
فهذا الذي مُنح قدرة على الإقناع، إنما كانت هذه القدرة تحقيقاً لطلبه، وهذا الذي مُنح مالاً وفيراً إنما مُنح هذا المال تحقيقاً لطلبه.
المسؤولية تكون على قدر ما أوتي صاحبها من قوة وعلم ومال:
لكن المسؤولية على قدر الموهبة، فالفصيح الذي أُوتِيَ فصاحةً وقدرةً على الإقناع، وتَلَكَّأَ في نصرة الحق، فهذا حسابُه أشدُّ مِنَ الذي لم يُؤْتَ هذه القدرة، والذي أوتي المال العريض، إذا دُعي إلى فعل الخير، واستنكف فعليه مسؤولية أكبر بكثير مِنَ الذي أوتي كفافَ يومه، وهذا الذي أوتي قوة وشأناً في المجتمع بإمكانه أن يقف إلى جانب الضعيف والمؤمن، واستنكف فله حساب خاص أشدُّ مِنْ حساب الذي كان في الأرض مستضعفاً، فكل إنسان مُحاسَب، ومسؤول على قدر ما مكَّنه الله في الدنيا.
لذلك كان سيدنا عمر رضي الله عنه, يقول:

" لو أنّ بغلة في العراق تعثرت لحاسبني الله عنها, لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر ؟ "
" ليتني أقدم على ربي لا لي ولا علي "
" ليت أمَّ عمر لمْ تلد عمر, ليتها كانت عقيمة "
( أقوال مأثورة عن سيدنا عمر رضي الله عنه )
لقد أدرك عِظَم المسؤولية التي تحمَّلها، لأنّ الله عزّ وجل مكنّه في الأرض، فالمسؤولية والتَّبِعَة على قدر التمكين, الذي اطّلع على العلم، وعرف أحكام العبادات، هذا إذا قصّر في أدائها كان حسابُه أشدَّ مِنَ الذي لم يطّلع، فكلما أُوتِيتَ شيئاً يزيد على الآخرين ارتفع مستوى حسابك عند الله عزّ وجل، هذه حقيقة لا شك فيها، وممّا يؤكَّد هذه الحقيقة أنّ مَن رَزَقَه الله عقلاً وذكاءً, كان مسؤولاً عن هذه المنحة بمقدارها، ومَن رَزَقَه الله عمراً مديداً كان مسؤولاً عن عمره بمقدار امتداده، ومَن حَبَاه اللهُ علماً كان مسؤولاً عن علمه الذي حباه إياه على مقداره، ومَن آتاه اللهُ قوةً جسمانية وشجاعة, كان مسؤولاً عن ذلك بمقدار العطاء الرباني، وهكذا، مِن هنا قال بعض المفسرين في قوله تعالى:
﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾
(سورة التكاثر الآية: 8)
يعني أيَّةَ منحة مَنَحَك اللهُ إياها فستحاسب عليها، هذا المال كيف أنفقته؟ هذه القوة العضلية كيف استهلكتها؟ هذا العقل القوي، هذا الشأن الاجتماعي، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ به وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلاهُ "
(أخرجه الترمذي وابن ماجه والدارمي عن أبي برزة الأسلمي )
هذه المعاني تؤكِّدها بعضُ الآيات، قال تعالى:
﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً ﴾
( سورة الفتح الآية: 17)
وقوله تعالى: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً * وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحاً نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقاً كَرِيماً ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 30-31)
الشاب الذي ينشأ في بيت علم، يستمع إلى الحق صباح مساء، هذا الشاب مُحَاسَبٌ عند الله أكثر مما يُحَاسَب شاب نشأ في بيت الجهل، في بيت الانحراف، فكل ميزة خصّك الله بها يقابلها مسؤولية تزيد بها عن الآخرين، قال تعالى:
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً ﴾
( سورة الطلاق الآية: 7)
3- التفاوت العلمي والمادي بين الناس هو مجرد اختبار وامتحان:
الله سبحانه وتعالى جعل الناس في الدنيا درجات، وفي هذا حكمة بالغة، فهناك تفاوت في القوة الإدراكية، تفاوت في القوة العضلية، تفاوت في الشكل، تفاوت في الشأن، تفاوت في النواحي العاطفية، تفاوت في النواحي الاجتماعية، تفاوت في المستوى الاقتصادي، هذا التفاوت بعلم الله وتقديره, قال تعالى:
﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾
( سورة الزخرف الآية: 32)
فهذا جَعَلَه يقبع وراء مكتب فخم، وعنده حاجب، في المظهر الخارجي أن هذا الذي يجلس وراء المكتب له شأن كبير, وهذا الحاجب الذي يقف على الباب شأنه قليل، لكن الله عزّ وجل له مقياس آخر، فقد يكون هذا الحاجبُ عند الله عزّ وجل, إذا كان مطيعاً له، قائماً بواجباته قد يكون له شأنٌ يفوق شأن هذا الذي يخدمه بكثير، فربنا عزّ وجل جَعَلَ الدنيا مراتبَ، وجعل الحياةَ مستويات، لكن الذي يريده هو أنْ يُمْتَحَنَ كل هؤلاء, فالفقير قد يُمْتَحن بصبره على الفقر، وتعففه عن المال الحرام، بينما الغني يُمتَحَن امتحاناً ليس أقلَّ صعوبةً من هذا الامتحان، يمتحنه بقدرته على ضبط نفسه، وهو غني، فهل يحمله غناه على البطر؟ وهل يحمله غناه على الكِبْر أو على الإسراف، أو على البخل، أو على التمتع بما حرّم الله عزّ وجل؟ فالفقير مُبتلى، والغني مُبتلى، المستضعف في الأرض مبتلى، والقوي مبتلى، المستضعف مبتلى بصبره، ورضاه بما قَسَمَ الله له، والقوي مبتلى، فهل تحمله قوَّتُه على تجاوزِ حقوق الآخرين؟ فكلاهما مبتلى، لو دققنا لوجدنا أنه ما مِن مخلوق, ذكراً كان أو أنثى, كبيراً كان أو صغيراً، غنياً كان أو فقيراً، إلاّ وهو مُبتلى بقدر ما أعطاه الله عزّ وجل.
قد يكون صاحبُ محل تجاري مُبتلًى، وكذلك الصائغ قد يكون مبتلى، وصاحب المحل عنده قائمة ابتلاء طويلة، هل هذه البضاعة اشتراها بشكل صحيح؟ وهل أعطاها سعراً مناسباً؟ وهل باعها بطريقة شرعية؟ وهل عاملَ هؤلاء الموظفين معاملة صحيحة؟ هل عاملهم بالعدل؟ أمّا الصائغ الذي في هذا المحل فهو مُبتلى، هل كان مخلصاً لسيده؟ هل غشّ الناس؟ هل اختلس شيئاً من البضاعة لنفسه؟ فكل إنسان مبتلى على حجمه، أصحاب الأحجام الكبيرة لهم ابتلاء من نوع خاص، وأصحاب الأحجام الصغيرة لهم ابتلاء من نوع خاص، فلذلك هناك عدالة في الابتلاء، كما أنّ هناك تفاوتًا في العطاء، أمّا العدالة في الابتلاء فكل الناس مُبْتَلَوْن، المرأة تُبتلى في بيت زوجها، هل كانت زوجة صالحة؟ هل حفظت زوجها في نفسها؟ هل كانت سبباً لمتاعبه؟ أم كانت سكناً له كما أرادها الله عزّ وجل؟ هل أهملتْ أولادها؟

" أيّما امرأة قعدت على بيت أولادها فهي معي في الجنة "
(فيض القدير شرح الجامع الصغير)
هل كانت عوناً للشيطان على زوجها, أم كانت عوناً لزوجها على الشيطان ؟ هل صبرت عليه؟ والزوج يبتلى, يبتلى مع أمه, مع زوجته, مع أولاده, مع جيرانه, مع زبائنه في عمله، مع مَن هم أدنى منه، مع مَن هم أعلى منه, الابتلاء على قَدَمٍ وساقٍ، فما مِن مخلوق على وجهِ الأرض إلا وهو مبتلى, قال الله:
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴾
( سورة هود الآية:7)
الحكمة الإلهية في توزيع التفاوت العلمي والمادي بين الناس:
لولا التفاوت لَمَا كانت الحياة، فلو أنّ الناس جميعاً كانوا في أعلى مستوى فكري، فَمَن الذي يرضى بعملٍ يدويٍّ؟ لو أنّ الناس جميعاً كانوا مَهَرَةً في الأعمال اليدوية, فَمَن الذي يؤلِّفُ الكتب؟ لا بد مِنَ التمايز في كل النواحي، ولو أنّ الناس جميعاً كانوا بقدرات متساوية، فهذه القدرات عندئذٍ لا معنى لها، بل فَقَدَتْ قيمتَها، لو أن الناس كانوا جميعاً بشكلٍ واحد, لَفَقَدَتْ بعضُ الميزات قيمتَها، فهنالك تخطيط إلهي رائع، والكلُّ مبتلًى، وهذه آية أخرى فلنستمع إليها:
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 165)
4- العطاء الرباني لإنسان دون إنسان هو ابتلاء وليس تكريم:
هناك آية دقيقة في سورة الفجر هي من صلب موضوعنا، قال تعالى:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾
( سورة الفجر الآية: 15)
هذه المقولة:
﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾
( سورة الفجر الآية: 15)
هذه عين الخطأ مِن قائلها، أعطاه مالاً وفيراً، أعطاه شأناً، وهو يظنّ هذا إكراماً، مع أنّ هذا في حق الكريم ليس إكراماً، والدليل: كل هذا العطاء ينقطع بالموت, إذاً: ليس إكراماً، وما منّا واحد إلا وقد َقَتَل بعوضة، فإذا قتل المرء منّا بعوضة بماذا يشعر؟ هل يشعر بالذنب؟ هل يشعر أنّه أزهق روحاً؟ هل يشعر أنه اقترف إثماً؟ ما معنى هذا؟ معنى هذا أن البعوضة حَسَبَ ظنِّه لا شأن لها عند الله إطلاقاً، فنقول له: لا، والدليل عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ "
(أخرجه الترمذي عن سهل بن سعد في سننه)
جناح بعوضة, ومع ذلك فإنّ الإنسان إذا أعطاه الله شأناً، أو مالاً، أو قوة، أو شيئاً ممّا يَحسُد الناسُ بعضهم بعضاً عليه هذا ليس عطاءً، والدليل: أنه ينقطع بالموت، يأتي الموت فينقطع كلُّ هذا العطاء, وربنا سبحانه سماه ابتلاء قال:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾
( سورة الفجر الآية: 15)
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾
( سورة الفجر الآية: 16)
أما الآخر, فقد يظن هذه إهانة، وحرماناً، وبغضاً، وهذا أيضاً عين الخطأ، فعين الخطأ أن تظنَّ أنَّ منحَ المال إكرام، وأنّ الحرمانَ منه إهانةٌ، لكن الصواب, قال تعالى:
﴿ كلا ﴾
( سورة الفجر الآية: 17)
حرف ردع، أيْ ليس عطائي إكراماً، ولا مَنْعِي حرماناً، إنّ عطائي ابتلاء، وحرماني دواء، فإذا أعطى الله عزّ وجل الإنسان مالاً فهذا ابتلاء.
متى يسمى منح المال إكراماً من الله ؟
فمتّى يُسَمَّى منحُ المال إكراماً؟ إذا أعطاه الله مالاً مبتلياً إياه به، فأنفقه في طاعة الله، وبعد أن ينفق المال في طاعة الله ينقلب هذا الابتلاء إلى إكرام، أكرمني اللهُ بهذا المال، حيث وفَّقَني إلى إنفاقه في طاعة الله, حينما يقترن الإنسان بامرأة، هذا ابتلاء، فإذا وُفِّقَ إلى الأخذ بيدها إلى الله ورسوله، وعلّمها أمرَ دينها، وحثّها على الصلاة، وجعلها مصونة، عفيفة، وجعلها مثلاً أعلى لنساء المؤمنين، الآن هذه الزوجة نعمةٌ من الله عزّ وجل، لماذا؟ لأن هذا المال الذي أنفقتَه في طاعة الله، وهذه الزوجة التي دللتَها على الله سيكونان نوراً لك في قبرك.
هذا العطاء أصبح مستمراً، ولم يَعُدْ مقطوعاً، لو أنك استمتعت بالزوجة فقط مِن دون أن تَدلَّها على الله، عند الموت تبتعد عنها، وتبتعد عنك، لكنك إذا دللتها على الله, فهذه الزوجة بهدايتها نورٌ لك في قبرك، ويستمر ثواب هذا العمل, فكلُّ عملٍ صالح يستمر أثرُه بعد الموت،قال الله:

﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ﴾
( سورة الفجر الآية: 15)
﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ﴾
( سورة الفجر الآية: 16)
حينما ينكشف الغطاء يذوب الإنسان خجلاً من الله عزّ وجل، لأن الذي أعطاه إياه هو اللهُ عزّ وجل، وهو عين الحكمة، لذلك قال الإمام الغزالي: ((ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني)).
5- الأجر يكون على قدر الابتلاء:
آية دقيقة في هذا الموضوع، قال تعالى:
﴿فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنّاً بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ﴾
( سورة محمد الآية: 4)
لمّا يُنهِي الله عزّ و جل جيشاً محارباً، ويقضي عليه، وينهيه بمرض الطاعون، أو ينهيه بزلزال أو ببركان، فهذا انتصارٌ مِن الله مباشرٌ، ليس للإنسان دخل فيه، فلا أجر له فيه، أما عندما يكون المؤمنون مثلاً في بدر، فالله عزّ وجل كان بالإمكان أن يصيح بالكفار صيحة واحدة، فإذا هم جميعاً خامدون، هذا شيء من قدرة الله عزّ وجل، لكنَّ هؤلاء المسلمين عندئذٍ لا أجر لهم، الابتلاء تعطل، لكن الله سمح للكفار أن يحاربوا المؤمنين، وحثّهم على مجاهدتهم فانتصروا، واللهُ سبحانه وتعالى جعل هذا النصر على أيديهم، مِن أجل أنْ يرفع شأنهم، ويُكسبهم الأجر، لذلك إذا أراد اللهُ إظهارَ فضلِه عليك خَلَقَ الفضلَ، ونَسَبَه إليك, قال الله:
﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾
( سورة محمد الآية: 4)
الله عزّ وجل يمكنُه أن يريحك من مشكلة, ويمكن أن يجعلك تعيش بمكان لا خصوم لك فيه أبداً, لكن ليس لك أجر, الخصوم موجودون، والمعارضة موجودة، وهناك مَن ينتقم، وهناك مَن يشكِّكُ، هناك مَن يفتري، هناك من يشوّه السُّمعةَ، هذا كله مِن أجل أن ترقى عند الله عزّ وجل، أن تصبر، وأن تجاهد، وأن تقدِّم كلَّ ما تملك مِن أجل هذه الدعوة, فالله عزّ وجل كان مِنَ الممكن أن يجعل النبي عليه الصلاة والسلام, وأصحابه الكرام لا أعداء له، ولا لأصحابه، هؤلاء صناديد الكفر، كان من الممكن أن يخلقهم اللهُ في زمنٍ آخر، لكن خُلِقوا مع النبي عليه الصلاة والسلام مِن أجل أن يظهر صدقُ النبي، وأن يصبر, قال الله:
﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ ﴾
( سورة النحل الآية: 127)
ائتمروا على قتله، وائتمروا حتى أخرجوه من مكة، وقاوموا أصحابه، وأخرجوهم من ديارهم، وحرموهم حقوقهم، وقاطعوهم، وحاربوهم، وهم صابرون, فالإنسان المؤمن لا ينزعج إذا كان له خصم، ومما يُروى في هذا السياق أن سيدنا موسى في المناجاة قال لله تعالى:
" يا رب لا تبْقِ لي عدواً، فقال: يا موسى هذه ليست لي"
( حديث قدسي)
قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 112)
هذا ابتلاء، والإنسان من دون معارضة، من دون تشكيك، من دون تزوير، من دون افتراء, ليس له أجر، لكن إذا كان ثابتاً على الحق, لا يُغيّر، ولا يُبدّل، بل يصبر، ويوضح، ويُبَيِّن، ويبذل محاولات لترسيخ الحق, فله أجر كبير عند الله عزّ وجل، فهذه الآية دقيقة جداً, إذا هَيَّأ الله عزّ وجل لأحد الناس عملاً طيبًا، أوجد له خصوماً أو معارضين ليزيدوا أجره، كان من الممكن أن يمنعهم عنه، لكن لم يَعُدْ له هناك أجر، والدليل سيرةُ النبي الكريم عليه الصلاة والسلام, كم تحمَّل من المعارضات؟ ذهب إلى الطائف، استقبله أهل الطائف شر استقبال، وسفَّهوا دينه, وعابوا عليه دعوته, وأغروا صبيانهم به, وهو صابر، فقد روى البخاري ومسلم في صحيحهما: أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن عائشة في صحيحهما)
لا يعرف وعورة الطريق من مكة إلى الطائف، وصعوبة السير فيها إلا من زار هذه الأمكنة، شيء مثل الخيال، إنسان يمشي في البلاد الحارة، والأرض الوعرة، والكفار يعارضونه، ويرمونه بالحجارة، ويُدْمُون قَدَمَيه، هذا هو الأجر.
6- ينبغي على المسلم إذا وقع في المحن أن يرضى بالقدر ولا يسخط:
قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ ونبلوا أَخْبَارَكُمْ ﴾
( سورة محمد الآية: 31)
قد يكون الواحد منا أحيانا في ضائقة مالية، وأحياناً يأتيه مرض، فبماذا سيتكلّم يا ترى؟ إن قال: يا رب, ماذا فعلتُ لك؟ سقط في الامتحان ورَسَبَ، أما المؤمن فهو صابر، يا رب, لك الحمد على كل حال، فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:
" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا رَأَى مَا يُحِبُّ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ، وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ"
(أخرجه ابن ماجه عن عائشة )
وعَنْ صُهَيْبٍ, قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأَحَدٍ إلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ "
(أخرجه مسلم وأحمد والدارمي عن صهيب)
قال الشاعر:
هم الأحبة إن جاروا وإن عدلوا فليس لي عنهم معدل و إن عدلوا
والله وإن فتنوا في حبهم كبدي باقٍ على ودّهم راضٍ لما فعلـوا

هذا معنى قول رابعة العدوية:
فليتك تحلو و الحياة مريـرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خـراب

إذا كان القلب عامراً بذكر الله، وشعرت أن الله راضٍ عنك، فلو أن أهل الأرض جميعاً غضبوا عليك لا تبالي، الأصل أنه راضٍ عنك، مَن بيده كل شيء، منَ إليه المصير، مَن بيده ملكوت السموات والأرض، مَن بيده حياتك، مَن بيده مماتك، مَن بيده رزقك، مَن بيده سعادتك، مَن بيده شقاؤك، هذا هو الأصل, أن اللهَ راضٍ عنك، وانتهى الأمر, لذلك فإنّ أعلى مرتبة في الأرض أنْ يرضى الله عنك, قال الله:
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
( سورة الفتح الآية: 18)
هذا هو الكلام الفصل، هؤلاء الذين أرضوا ربهم هم ملوك الدار الآخرة.
كل ما يملكه الإنسان من نعم أو حرمان ابتلاء من الله ودليل ذلك الكتاب والسنة:
قد يتوَهّم بعضُ الناس، أنّ الابتلاء فقط بالمرض، لا، فالإنسان يُبتلى بالصحة أيضاً، يُبتلى بالغنى، قال ربنا عزّ وجل:
﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 168)
إذا كان الإنسانُ في بحبوحة، والصحة طيبة، بيته منظم، أولاده أمامه، هذا الوضعُ نفسه ابتلاء، هل تذهب إلى مجلس العلم, أم تؤثر أن تبقى في البيت مستلقِيًا، وأولادك أمامك؟ هذا ابتلاء, معك مال، هل تُؤْثِر أن تنفق هذا المال في نزهة ممتعة، أم تساعد هذا الأخ الفقير على إجراء هذه العملية الجراحية لابنه؟ فالابتلاء بالحسنات والسيئات, قال الله:
﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾
( سورة الأعراف الآية: 168)
وقال تعالى في شأن المؤمنين:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 155)
نقص الثمرات, يعني أنّ الكمية قد قلّت فيرتفع السعر حتمًا، والأنفس، قد يموت ابن غال على أبيه، ماذا يفعل؟ هناك إنسان يصاب بالجنون، وهناك إنسان يصبر، فالذي لا يصبر لم يعرف الله عزّ وجل, وانظرْ إلى القدوة في مثل هذه المصائب، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
" دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَبِي سَيْفٍ الْقَيْنِ وَكَانَ ظِئْرًا لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَام فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذْرِفَانِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أنس بن مالك)
لأنه عليه الصلاة والسلام بشرٌ, وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
" كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمٍ يَتِيمَةٌ وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَتِيمَةَ فَقَالَ آنْتِ هِيَهْ لَقَدْ كَبِرْتِ لَا كَبِرَ سِنُّكِ فَرَجَعَتْ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ سُلَيْمٍ تَبْكِي فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مَا لَكِ يَا بُنَيَّةُ قَالَتْ الْجَارِيَةُ دَعَا عَلَيَّ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنِّي فَالْآنَ لَا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَدًا أَوْ قَالَتْ قَرْنِي فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةً تَلُوثُ خِمَارَهَا حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي قَالَ وَمَا ذَاكِ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ قَالَتْ زَعَمَتْ أَنَّكَ دَعَوْتَ أَنْ لَا يَكْبَرَ سِنُّهَا وَلَا يَكْبَرَ قَرْنُهَا قَالَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّي أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي فَقُلْتُ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً يُقَرِّبُهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَة"
(أخرجه مسلم عن أنس بن مالك في الصحيح)
إذا حَزِن الإنسان على موت ابنه من دون اعتراض, فلا مانع, هذا طبيعة البشر، فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ "
( ورد في الأثر)
كيف اتفق أنْ انكسفت الشمس يوم وفاة سيدنا إبراهيم، فظنّ أصحاب سيدنا رسول الله أن الشمس كُسفت لموت سيدنا إبراهيم؟ فماذا فعَل رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ:
" كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ فَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلْنَا فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى انْجَلَتِ الشَّمْسُ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا فَصَلُّوا وَادْعُوا حَتَّى يُكْشَفَ مَا بِكُمْ "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي بكرة)
انظر إلى الواقعية، وإلى الموضوعية، وإلى الفكر العلمي، هذه آية كونية, لا علاقة لها بموت مخلوق من خَلْقِ الله، لو كان الواحد يريد سمعة، أو يريد مكانة, لقال: هذه كرامة لي, فكلما كان الإنسان مع الحقيقة كان أعلى في نظر الله عزّ وجل.
قال تعالى:

﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً ﴾
(سورة الكهف الآية: 7)
أيضاً زخارف الدنيا، أيام زاهية، وأماكن خلاّبة، وبيوت جميلة، ومنتجعات، ومزارع، ومركبات فخمة، وطائرات خاصة، هذه المتع لا قيمة لها عند الله، والدليل: يأتي الموت فينهيها.
لا زلنا في موضوع الابتلاء، وعلّة وجودنا على هذه الأرض, أننا مبتلون.







والحمد لله رب العالمين







السعيد 06-21-2018 07:19 AM

رد: العقيدة الاسلامية
 






بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الخامس و الاربعون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (3)







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما هي السنن أو القوانين الإلهية في القرآن الكريم؟
1- قانون الجزاء الرباني:
أيها الأخوة, لا زلنا في موضوع كبير، أحد أركان الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر، وقد ذكَرنا كمقدمة لهذا الموضوع كيف أن الإنسان قبل حَمَل الأمانة ليصل بها إلى أعلى درجة من درجات السعادة الأبدية، وأنه بحملِ الأمانة لابد أن يُبتلى، وأنّ الابتلاء ثمن الجنة؟ واليوم فإلى بعض السنن الثابتة التي سنّها الله عزّ وجل في القرآن الكريم، تأتي كلمة السنّة بالمعنى الحديث: القانون، والقانون بالتعريف الدقيق: هو العلاقة الثابتة بين شيئين، فإذا تحدثنا عن السنن المطّرِدة أو المطّرَدة " كلاهما صحيح " التي سنّها الله عزّ وجل فمِنْ قَبِيل الحديث عن القوانين الثابتة التي قنَّنها الله عزّ وجل، قال تعالى:
﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً ﴾
( سورة فاطر الآية: 43)
من هذه السنن الثابتة، أو من هذه القوانين الثابتة قانون الجزاء الرباني، هناك جزاء، فاعمل ما شئتَ، فكل شيء له ثمن, الإحسان له جزاء، والإساءة لها جزاء، وبرّ الوالدين له جزاء، وعقوقهما له جزاء، والرحمة بالزوجة لها جزاء، والقسوة عليها لها جزاء، والصدق مع الناس له جزاء، وخيانتهم له جزاء, أيُّ عمـلٍ فكري، أو قلبي، أو كلامي، أو فعلي، صغيرٍ أو كبير، فردي أو جماعي، خاص أو عام، معروف أو مجهول، ظاهر أو خفي، أيّ عمل يفعله الإنسان لا بد أنْ يلقى جزاءه، متى؟ بعد قليل، مبدئياً في الدنيا، ثم في الآخرة, لذلك مِنَ الغباء والسذاجة والحمق أنْ تظنَّ، أو أن تتَوَهَّم أنَّ الرجل إذا فعل السيئات سينجو من عقاب رب الأرض والسموات، اعمل ما شئت، فإنّ لكل حسنة ثواباً، وإنّ لكل سيئة عقاباً، والديّان موجود، والبرّ لا يبلى، والذنب لا يُنسى، والديان لا يموت، اعمل ما شئت، كما تدين تدان.
الابتلاء يستتبع الجزاء:
فالابتلاء يستتبع الجزاء، فما معنى أنْ تجري الجامعة امتحاناً، وتنفق عليه مئات الألوف، وتجمع من أجله مئات المراقبين، وتجهد نفسها في طبع الأسئلة، وفي اختيارها، حيث تغطي المنهاج كله، وأن تجمع الطلاب شهراً أو شهرين في قاعات لساعات عديدة يكتبون، لو أنّ هذه الجامعة جمعت هذه الأوراق، وأحرقتها، وانتهى الأمر, هل يُعقل أن تفعل جامعة ذلك ؟ فما دام هناك امتحان فلا بد من نجاحٍ أو رسوب، ولا بد مع النجاح مِن ارتقاء إلى صفٍ أعلى، ولا بد مع الرسوب مِن تضييعِ عام بأكمله، ولا بد مع النجاح في الصف الأخير من تعيين في وظيفة مرموقة، أيُعقل أن يكون الابتلاء بلا جزاء؟ فكل عمل له جزاء، فهنيئاً لمَن عرف ربه، وعرف الواحد الديان، وتعامل معه، فأخلص له، وأحسن لعباده، وحينما تخاف الله عزّ وجل، ولاَ تَغش مسلماً, أيٌعقل أن يأتي رجل ليبثّ في قلبك الرعب؟ لا، إن خفتَ اللهَ فلن يخيفك أحد، وإن لم تخفه فسوف تخاف من أحقر الناس، وسوف ترتعد فرائصك من أتفه الناس، إما أن تخافه، وإما أن تخاف من عبدٍ لا يخافه.
هذا الابتلاء لن يكون إذا كان أمام الإنسان طريق واحدة, فكيف نمتحن الإنسان؟ وكيف نبتليه إذا كان أمامه طريق واحدة؟ لا بد من طريقين، لذلك كان طريق الخير والشر، وطريق الحق والباطل، وطريق الإحسان والإساءة، وطريق الإخلاص والخيانة، وطريق الصدق والكذب، وطريق الشهوة والعقل، وطريق المبدأ والمصلحة، وطريق القيم والحاجات، لأن ثمة ابتلاء، ومن لوازم الابتلاء تعدُّد الطرق، الاختيار ماذا يتبعه؟ لو أننا خيرنا إنساناً، وقلنا له: أعطيناك حرية الاختيار، لكن ليس أمامك إلا هذا الطريق ذو الاتجاه الإجباري، فأين الاختيار ؟ إذاً: ليس هناك اختيار، أما إذا كان هناك طريقان, فلك حينئذٍ أن تختار أحدهما, وهذا الابتلاء الذي لا بد له مِن طرق عديدة كي يتحقق وجوده, لا بد أنْ يتبعه جزاء محقق, وربنا عزّ وجل في آية محكمة واضحة يقول:
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 51)
هذه لام التعليل، بل هي لام العلة, علّة خَلْقِنا، وعلّة خَلْقِنا مرة ثانية، وعلّة الدنيا والآخرة أنّ الله عزّ وجل قال:
﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾
( سورة إبراهيم الآية: 51)
2- قانون الجزاء أثر من آثار العدل:
الحقيقـة أنّ من أسماء الله الحق، وقد يقول أحدنا: الحقُ اسم من أسماء الله، ولا يتحقق الحقُّ إلا بالعدل، بل إنّ الجزاءَ أثرٌ من آثار العدل، الذي هو وجه مِن وجوه الحق، فالحق يقتضي العدل، ومِن العدل ألاّ يكون المسلم كالمجرم، قال تعالى:
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
( سورة القلم الآية: 35-36)
هذا استفهـام إنكاري، أيْ: أيٌعقل أن يكون هذا المسلم المستقيم الورِع, الطاهر العفيف, النقي البريء, العفو الرحيم, أَيُعقل أن يكون هذا المسلم كالمجرم في معاملته؟ إن كان كذلك, فأين اسم الله العدل، فأين اسم الله الحق؟ تحقيقاً للحق، وتحقيقاً للعدل, لا يمكن أن يكون المسلم كالمجرم, وهذا قانون الجزاء أثر من آثار العدل.
أدلة الكتاب والسنة على عدل الله في معاملته مع المؤمن والكافر:
في سورة القلم:
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
( سورة القلم الآية: 35-36)
ما الذي يحمل الناس على المعصية؟ توهّم وضلال, مِن أن الكافر إذا حصّل مالاً وفيراً من طرق غير مشروعة فهو ذكي, وهو حصيف, وقد تمتع بالدنيا كما يشتهي، وينسى هذا الكافر, أن الله عزّ وجل لن يعامله كما يعامل المسلم.
آية أخرى:
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ قَلِيلاً مَا تَتَذَكَّرُونَ * إِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾
( سورة غافر الآية: 58-59)
الأعمى لا يستوي مع البصير, قال تعالى:
﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ * وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ * وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ * وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
( سورة فاطر الآية: 19-22)
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾
( سورة الجاثية الآية: 21)
محياهم في الدنيا، وإنّ حياة المؤمن بدءاً من صحته، مروراً بزواجه، وانتهاءً بأولاده، مع عمله، مع مكانته، مع سمعته، مع راحة باله، مع استقراره، مع طيب نفسه، مع سعادته، هذا المؤمن لن يكون كالذي يجترح السيئات، وما يكتنف اجتراح السيئات مِن قلقٍ وضيق، وضجر، وخوف، وشعور بالقهر، وخنوع، ومصائب تعتري هذا الفاسق مصيبة في ماله، في ولده، في صحته، في حريته، هذا كله بيَّنه الله عزّ وجل.
آية أخرى:
﴿أَفَمَنْ وَعَدْنَاهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لَاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْنَاهُ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ﴾
( سورة القصص الآية: 61)
فإذا كان الله خالق السموات والأرض قد تفضّل، ووعد عباده المؤمنين وعداً حسناً، وعدهم بسعادة أبدية، وعدهم بجنة فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر, وعدهم بحياة أبدية لا تعب فيها، ولا نصب، ولا قلق، ولا ضيق، ولا فقر، ولا مرض، إذا كان الله عزّ وجل تفضّل، ووعدنا بهذا الوعد فوعْدُه حق, قال الله:
﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً ﴾
( سورة مريم الآية:61)
وقال سبحانه:
﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾
( سورة الحشر الآية: 20)
آيات كثيرة، وفي مواضع كثيرة جداً مِن القرآن، في أكثر مِن مئة موضع في كتاب الله يُجرِي اللهُ ًموازنة بين أهل الإيمان، وحياتهم في الدنيا، ومنقلبهم في الآخرة، وبين أهل الكفر والعصيان، وكيف أن حياتهم سلسلة مِن المتاعب، والمصائب، وخيبة الأمل.
ومِن الأحاديث القدسية, ما ثبتَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ: ((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إلا مَنْ كَسَوْتُـهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ))
( حديث قدسي)
هذا هو القانون الثاني, الجزاء أثر من آثار العدل.
3- قانون الجزاء الرباني بين الفضل والعدل:
قانون الجزاء الرباني بين الفضل والعدل، وهو أن الإنسان إذا استقام على أمر الله، وفَعَل الصالحات يتفضل الله عليه بالجنة، لكن الجنة ليست لازمةً لاستقامته، وعمله الصالح، وإنّ استقامته، وعمله الصالح, لا يستدعيان ذاتياً دخول الجنة, وقياسُ هذا بذلك الطالب الذي يَعِده أبوه بشراء دراجة ثمينة إذا نجح، فنجاح الطالب فقط لا يستلزم ذاتياً اقتناء الدراجة، لو أنّ الطالب توجَّه إلى بائع الدراجات، وأعطاه الجلاء, هل يعطيه دراجة؟ لا بد مِن دفع الثمن، الجلاء الذي ينبئ أن هذا الطالب قد نجح نجاحاً متفوقاً, لا يعني أنه يستحق بالضرورة دراجة، إلا أن الأب قد تفضل بهذا الوعد وأنجزه، فالمكافأة على النجاح مكافأة من باب الفضل المحض، وليست من باب الحق.
لو أنّ طالباً ليس له أب، وحقّق نجاحاً متفوقاً، لم يشتَرِ له أحد دراجة، فالنجاح وحده لا يستدعي اقتناء الدراجة، فلذلك الجنة ندخلها برحمة الله، ونقتسمها بأعمالنا، هناك مَن ضلّ فيها، وهناك مَن قال: الجنة برحمة الله، لا بالعمل، فَتَرَك العمل، فحُرِم مِن الجنة، الجنة برحمة الله، ومعنى برحمة الله: أنك إذا أمضيتَ كل حياتك في استقامة، وعبادة، وصلاة، وصيام، وحج، وزكاة، وورع، وإحسان، وتضحية، وإيثار، وجهاد، هل هذه الأعمال كلها تمكنك ذاتياً من دخول الجنة؟ لا، الجنة مِن فضلِ الله عزّ وجل، فالعطاء الإلهي فضلٌ، لكن العقاب الإلهي عدلٌ، وشتان بين الفكرتين.
الجنة محض فضل وليس استحقاق دليل ذلك الكتاب والسنة:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ))
(متفق عليه, أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما)
هذا شيءٌ طيب, إلا أن آيات كثيرة, تقول: دخول الجنة بما كنتم تعملون, قال الله:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
( سورة النحل الآية: 32-33)
ويقول تعالى:
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(سورة الأعراف الآية: 43)
التوفيق بين الآيات، وبين الحديث, يحتاج إلى دقة بالغة، فالإنسان إذا عمل عملاً صالحاً استحق فَضْلَ الله بعمله الصالح، فإذا فعل ذلك استحقَّ الفضل الإلهي، أمّا أن تكون الجنة حتماً لازماً له، يطالب بها فهذا غير صحيح، وليس له أن يطالب بالجنة، ولكن الله عزّ وجل وعُده حقٌّ، وقد وَعَدَ المؤمنين بالجنة, فعبادة المخلوق، وطاعته لله عزّ وجل حقٌّ واجب عليه، لأنه مسبوق بنعم الله الكثيرة، التي تستوجب الشكر، ولو أن المخلوق ظل حياته كلها بأعلى مرتبة من مراتب العبادة، والطاعة، والاستقامة, لكان ذلك منه تأدية لبعض ما يجب عليه نحو ربه, مِن شكر على هذه النعم.
يُستخلص من هذا: أن الجزاء بالمثوبة على ما نفعل من خير إنما هو فضلٌ مِن الله، نستحقه لكريمِ وعْدِه، وليس لنا فيه حق ذاتي.
جهنم حق وكل من يدخلها يستوجب العقاب والاستحقاق دليل ذلك الكتاب:
الحقيقة الثانية على خلاف هذه الحقيقة، لمّا كان الإيمان بالله, وطاعته حقاً واجباً على المكلَّفين, كان الجحود والعصيان مستوجباً الجزاء بالعقوبة ضمن قانون العدل الإلهي, إذا سرق شخص مالَ الآخرين، هنا يجب العقابُ عليه، تحقيقاً للعدل الإلهي، هذا الذي طلّق زوجته مِن دون سبب مبرِّر، فشردت عن نهج الله عزّ وجل، كان هو السببَ، وهذا الذي أساء إلى جيرانه فاعتدى عليهم، وعلى أموالهم من دون سبب مبرِّر، كان هذا عدواناً يستحق الجزاء بحسب قانون العدل الإلهي، فالجنة ندخلها تفضلاً، وأهل النار يدخلون النار استحقاقاً وعقاباً، لوجود حقوق، وأولُ هذه الحقوق: حقُّ الله عزّ وجل، وحقُّ الأنبياء، وحقُّ العباد، وحقّ الذين تعاملتَ معهم، فجهنم بالعدل، ومما يؤكِّد هذه الحقيقة, قولُه تعالى:
﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾
( سورة النجم الآية:31)
آية أُخرى توضِّح هذه الحقيقة، وهي قوله تعالى:
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً ﴾
( سورة النساء الآية:79)
السيئة تصيبك استحقاقاً.
وفي الدرس القادم إن شاء الله تعالى, نتابع الحديث عن هذه القوانين التي قنّنها الله عزّ وجل، أو عن هذه السنن الني سنّها الله عزّ وجل، وننتقل بعد ذلك إلى صلب الإيمان باليوم الآخر.






والحمد لله رب العالمين









السعيد 06-21-2018 07:21 AM

رد: العقيدة الاسلامية
 




بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( السادس و الاربعون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (4)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
توضيح فكرة من الدرس الماضي لم تصل إلى بعض العقول بشكلها الصحيح:
تحدثنا في الدرس الماضي في موضوع الإيمان باليوم الآخر عن بعض القوانين أو السنن التي سنّها الله سبحانه وتعالى، وقلنا: إن بعض هذه القوانين أساسها الجزاء، فقانون الجزاء أقرّه الله عزّ وجل في تعامله مع العباد، وقانون الجزاءِ أثرٌ مِن آثار العدل الإلهي، وتحدثنا عن الجزاء الرّباني بين الفضل والعدل، وقلنا: إنّ دخول الجنة فضلٌ مِن الله عزّ وجل، وإنّ دخول الإنسان إلى النار بمحض العدلِ الإلهي.
أخ كريم طلب مني توضيحَ هذه الفكرة مرة ثانية، فما معنى أن الجنة محض فضل مِن الله عزّ وجل، وأنّ النارَ محضُ عدل؟ لماذا الجنة بالفضل, والنار بالعدل؟ أحياناً قد يكون بين شيئين علاقة علمية, أي علاقة سبب بنتيجة, فالإنسان إذا وضع إصبعه على المدفأة تحترق، وهي مشتعلة، فوضعُ الإصبع على المدفأة سببٌ لاحتراق الإصبع، فالعلاقة بين وضعِ اليد على المدفأة, واحتراقِها علاقةُ سبب بنتيجة, لكن أحياناً نكافئ إنساناً على نجاحه، هذه المكافأة ليست العلاقة بينها، وبين النجاح علاقة علمية، بمعنى أنّ العلاقة لازمة، وهي نتيجة حتمية، لا، فالأب تدَخَّل ووَعَدَ ابنَه إذا نجح أن يكافئه بهذه الدراجة، فهل هناك علاقة علمية، أو علاقة حتمية بين النجاح وبين اقتناء الدراجة؟ هناك علاقة تشجيعية، علاقة ثواب، علاقة جزاء، فلو أن الأب امتنع عن شراء الدراجة, هل بإمكان الطالب الناجح أن يقتني الدراجة؟ هل جلاؤه يكفي لاقتناء دراجة؟ فهذه الدراجة محضُ فضلٍ مِن الأب، لكن الأب جعل هذه الدراجة مكافأة على الاجتهاد، وجعل ثمنها الاجتهاد، فالاجتهاد ثمن، وليس سبباً، ليس الاجتهاد سبباً لنيل الدراجة، بل إنه ثمنٌ دفع من أجل نيل الفضل، فالجنة فضل إلهيٌّ مِن قِبَلِ الله سبحانه وتعالى، وهذه الجنة جعل اللهُ ثمَنَها العمل، فإذا قرأت آية قرآنية تقول:

﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(سورة النحل الآية: 32)
الآية حق، لأن هذه الجنة التي هي محضُ ٍفضل, جعل ثمنها العمل الصالح في الدنيا، لكن لو تخيّلنا أن إنساناً عمل عملاً صالحاً, هل له حقٌّ كحق الشريك مع شريكه؟ فهو مشارك معه برأس مال، والجهد مشترك، يقول الشريك: أين الحساب؟ أين الأرباح؟ يا ترى هل للعبد الذي عمل الصالحات في الدنيا حقٌّ عند الله في دخول الجنة كحقِّ الشريك مع شريكه في الأرباح؟ لا, الجنة للذي عمل الصالحات محضُ فضلٍ، وليست نتيجة حتمية، ولو أنّ الله عزّ وجل قال: ليس هناك جنة، وهؤلاء الذين استقاموا على أمره في الدنيا، وعملوا الصالحات قال لهم: ليس لهم عند الله شيء؟ وليس لهم حق؟ لم يكن ذلك معقولاً، لكن الله عزّ وجل تفضَّلَ، ووعدَ المؤمنين بالجنة وعد فضل، وليس وعد حق, لكن هذا الوعد مقنن، وليس وعداً اعتباطياً, ولا مزاجياً، وهذه الجنة جعلت للاستقامة، والعمل الصالح سبباً لها.
كيف فسر العلماء ظاهر الحديث مع مضمون الآية ؟
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, يَقُولُ:
" لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما)
فالجنة برحمة الله، والإمام جعفر الصادق رضي الله عنه, قال فيما معناه: " ادخلوا الجنة برحمتي، واقتسموها بأعمالكم " درجات الجنة يحتلها المؤمنون بحسب أعمالهم، فدخول الجنة بفضل الله، والثمنُ هو العمل الصالح، وأنت تنال فضل الله عز وجل بالعمل الصالح، لكن هذا الذي أساء في الدنيا, واعتدى على أعراض الناس، أو اعتدى على أموالهم، أو اعتدى على حرماتهم، أو اعتدى على دمائهم، يدخل النار بمحض العدل، لأن هذا الذي اعتدى عليه له حق عنده، تأتي النار لتكون عدلاً مِن الله عزّ وجل، أو تحقيقاً لاسم الحق.
هذا الموضوع تحدثنا عنه في الدرس الماضي، وأردت أن أوضحه مرة ثانية، قال تعالى:

﴿ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 43)
الحديث الشريف الذي سردتُه قبل قليل, يبدو في ظاهره متناقضاً مع الآية,
" لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما)
وهذا يعني أنّ العمل وحده غير كاف، بل لابد مِن تدخل الفضل الإلهي، والنجاح وحده غير كافٍ، بل لا بد أنْ يأتي الأبُ ليدفع الثمنَ،
" قَالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ: لا وَلا أَنَا، إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما)
بعضهم وَفّق بين هذا الحديث الصحيح, وبين الآيات الكثيرة, بالمَثَل التالي: لو أن رجلاً وقوراً ميسورَ الحال له أخٌ توفي، وكان أخوه فقيراً، وترك ابناً نشيطاً، فطناً، واضطر هذا الابن لتأمين قوت أخوته الصغار، فقال له عمه: يا ابن أخي، إنْ كنتَ راغباً في الدراسة, فأنا أنفقُ عليك إلى آخر سنة في دراستك، فَقَبِل هذا الابن، فواصل دراسته إلى أن أخذ الشهادة الثانوية، ثم أخذ الإجازة، ثم نال الدكتوراه في الطب، ثم اختص في دولة أجنبية، ثم عاد إلى بلده، وقد ذاع صيته، وتألّق نجمه، واتّسع دخله، وعاش حياته في بحبوحة كبيرة، ومرة مِن المرات كان هذا العم مع ابن أخيه في جلسة, فقال ابن أخيه: واللهِ يا عمّ، لولا فضلك لما كنتُ بهذا المكان، فقال العم: لولا عملك لما كنتَ بهذا المكان, كلاهما صحيح، فلو أنّ هذا الشاب الذكي لم يُتَحْ له أحد ينفق عليه, فماذا يفعل بذكائه, لا بد من أن يعمل, كي يطعم أخوته, ولو أن هذا العم رأى في ابن أخيه بلادة، وتسيباً، وإهمالاً، لما أنفق عليه، فهذا الفضلُ الذي أعطاه العم لابن أخيه كان بسبب اجتهاد ابن أخيه.
vهذا المثل تقريباً, يوضّح العلاقة التي تبدو في ظاهرها تناقضاً بين الحديث, وبين قوله تعالى:

﴿ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 43)
وقال تعالى:
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(سورة النحل الآية: 32)
فأصبحت الجنة فضلاً, ثمنُه العملُ الصالح, والعمل الصالح لا يكفي وحده لدخول الجنة، إلا أن يسمح الله به، وهذا التوضيح يؤكِّد التوفيق بين الحديث الصحيح الذي يؤكِّد أن الجنة بفضل الله عزّ وجل، وبين الآيات التي تؤكِّد أن الجنة بالعمل.
بيان هذه الحقيقة وتأكيدها في سورة النساء:
ومما يؤكِّد هذه الحقيقة أيضاً, قولُ الله تعالى في سورة النساء:
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً﴾
(سورة النساء الآية: 79)
الذي أَوْجَدَكَ، وأعطاك هذه الأجهزة التي تعمل بانتظام، وأعطاك ذكاء تكسب به رزقك، وخَلَق لك من نفسك زوجة, وأنجبتَ منها أولادًا، وأعطاك مالاً فاشتريت به بيتاً فيه غرف عدة، هنا تنام، وهنا تجلس، وهنا تستقبل الضيوف، وهنا تأكل، كل هذا مِن فضل الله عزّ وجل، فربنا عزّ وجل قال:
﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾
(سورة النساء الآية: 79)
لو توقفتْ إحدى الكليتين عن العمل, لا نقلبت الحياة جحيماً، لو تشمّع الكبد, لا نقلبت الحياة جحيماً، لو ضاق التنفس, لانقلبت الحياة جحيماً، وكلمة (لو) في الجسم تنطبق على مليون حالة, العجـب العجاب في الإنسان كيف تعمل هذه الأجهزة كلها بانتظام؟ وقفتُ مرة أمام مكتبة، فوجدت كتاباً يزيد عن ألف صفحة، عنوانه أمراض الدم، في الدم فقط، وللدم أمراض، نسب المعادن، نسب المواد الدسمة، نسب السكريات، الشوارد، أشباه المعادن، إنه عالَم قائم بذاته، البلازما، المصل، الكريات البيضاء والحمراء، إنه عالم قائم بذاته.
العالَم كله يرتعد فرائصُه من مرض اسمه اﻹيدز، فما هو الإيدز: إنه انحلال المناعة، فهذا الجيش المجهز بالأسلحة الفتاكة، الذي يملك استطلاعاً ممتازاً لتقصّي الأخبار، ومخابر لتصنيع الأسلحة المضادة، وقوات مهاجمة، هذه الكريات البيضاء جهاز المناعة في الإنسان, ثلاثة أنواع: نوع كريات استطلاعية، تستكشف طبيعة الجرثوم، وطبيعة سيمته، وكريات مخبرية، تُصنّع من هذا الاستطلاع مضاداً حيوياً لقتل هذا الجرثوم، ثم يأتي صنف آخر يحمل هذه الأسلحة الفتاكة، ويتوجّه إلى الجرثوم، ويحاصره إلى أن يقضي عليه، فإذا وجد أحدنا بيده بقعة بيضاء سببت له ألماً، فهذه نتيجة معركة كبيرة جداً طاحنة بين الكريات البيضاء وبين الجرثوم الدخيل، وإنّ انحلال المناعة مرض خطير، بل يُعدّ الآن في العالَم العدوَّ الأولَ.
العين تعمل بانتظام، بالشبكية (130) مليون مخروط وعصية، أمّا الأذن ففيها مركز التوازن، وهي عبارة عن ثلاث قنوات فيها سائل، على جدرانها شعيرات، عندما يميل الإنسان فإن السائل الذي كان مستوياً يرتفع في جنب على حساب جنب، فتتنبه الشعيرات فتجري تعديلاً، في جسمك: الأذن، والأنف، والحنجرة، واللسان، واللعاب، والمريء، والمعدة، والأمعاء الدقيقة، والأمعاء الغليظة، والكبد، والبنكرياس، والطحال، والصفراء، والعقد اللمفاوية، والقلب، والرئتان، والدماغ، والشرايين، والأوردة، فنحن في عالَم كبير, قال الله:

﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنْ اللَّهِ﴾
(سورة النساء الآية: 79)
هذه نعمة الإيجاد، ونعمة الإمداد، ونعمة الإرشاد، قال تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾
(سورة النساء الآية: 79)
بمحض العدل، والحسنة بمحض الفضل.
الأدلة من السنة على بحث الفضل والعدل:
الحديث الصحيح, قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" لَنْ يُدْخِلَ أَحَدًا عَمَلُهُ الْجَنَّةَ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ لا وَلا أَنَا إِلا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِفَضْلٍ وَرَحْمَةٍ فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في صحيحهما)
وعَنْ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إلا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن عائشة في صحيحهما)
حديث آخر، قال قتادة في تفسير قوله: وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير, قال قتادة: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم, كان يقول:
" لا يصيب ابن آدم خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر "
(أخرجه البيهقي في شعب الإيمان)
وعَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ:
" يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَّا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ "
(أخرجه مسلم عن أبي ذر في الصحيح)
" فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ " بمحض الفضل, " وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ " بمحض العدل.
الخير والشر من الله لكن مناط التكليف على العزم والقصد بما اتجه إليه الإنسان:
لكن في آية أخرى من سورة النساء أيضاً, يقول تعالى:
﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾
( سورة النساء الآية: 78 )
هنا دخل المناط، يعني هذه التي أمامي طاولة، إن سألتني عنها أقلْ لك: إنها طاولة، وإن سألتني عن شكلها الهندسي, أقلْ لك: إنه مستطيل، وإن سألتني عن قوامها, أقلْ لك: مِن خشب وحديد, هل هناك تناقض؟ لا، فلو أنها كلها خشب, لقلت لك: إنها طاولة، وهذا مستطيل، وهذا خشب، ليس هناك تناقض, إنّ العمل إذا عرّفته من زاوية الذي خَلَقَه فالخير من الله عزّ وجل، والشر من الله، ولا يقع شيءٌ في الأرض إلا بأمر من الله عزّ وجل، ولو نظرت إلى العمل من زاوية سببِه وكسْبِه, فالخير من الله، والشرّ من الإنسان.
أقول: مدير الجامعة فصل هذا الطالب، فالذي أصدر قراراً بالفصل, هو مدير الجامعة، هذا الفعل فعله، ثم أسأل: لماذا فُصِلَ هذا الطالبُ؟ لأنه ارتكب مخالفة تستدعي الفصل، فإنْ قلتَ: إن هذا الفصل, كان بسببِ خطأ ارتكبه الطالب, كان كلامنا صحيحًا، وإنْ قلت: إن هذا الفصل تمّ بأمر مدير الجامعة أيضاً هذا صحيح, فالرؤية الأُولى مِن زاوية الفعل، والثانية من زاوية الكسب، فالشر من أنفسنا كسباً، ومِن الله فعلاً، لما يمسك الطبيب المشرط فإذا كان المريضُ ابنَه تجده كلّه رحمة، ويفتح البطن، وتنفر الدماء، ويشدُّ الجلد، ويذبح العضلات، إلى أن يصل إلى الزائدة الدودية فيستأصلها، هذا مِن فعْلِ مَن؟ إنه مِن فعلِ الأب بسبب التهاب الزائدة، بسبب أخطاء ارتكبها الابن، وهناك أخطاء كثيرة بالمطعومات تسبب التهاب الزائدة، فأخطاء الابن بتناول المطعومات سبَّبَتْ التهاب الزائدة، أما الذي فتح البطن فهو الأب، وهذا معنى الركن الخامس من أركان الإيمان, والإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى.

العفو الإلهي عن المذنب التائب يدخل في بحث الفضل:
ملاحظة ثانية متعلقة بموضوع الفضل والعدل، الخير فضل، والشر عدل، أحياناً يكون الفضل في العفو عن الشر, كرجلٍ له جاهلية جهلاء، وله معاصٍ كثيرة، وله عدوان، وله كسب مالٍ حرام، وله من المعاصي ما لا يحصى، ثم تاب إلى الله، وقال: يا رب، لقد تبت، فيقول الله عزّ وجل: وأنا قد قبلت، فيأتي فضل الله ليمحُوَ عنه كل هذه الذنوب, عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ, قَالَ:
" يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ مَا كَانَ فِيكَ ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ إِنْ تَلْقَانِي بِقُرَابِ الأرْضِ خَطَايَا لَقِيتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً بَعْدَ أَنْ لا تُشْرِكَ بِي شَيْئًا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ إِنْ تُذْنِبْ حَتَّى يَبْلُغَ ذَنْبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ تَسْتَغْفِرُنِي أَغْفِرْ لَكَ وَلا أُبَالِي "
(أخرجه أحمد عن أبي ذر في مسنده)
قال تعالى:
﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾
(سورة الزُمر الآية: 53)
" إذا تاب العبد توبة نصوحاً أنسى الله حافظيه، والملائكةَ، وبقاعَ الأرض كلها خطاياه وذنوبَه "
(فيض القدير، شرح الجامع الصغير)
وفي الأثر:
" إذا قال العبد: يا رب، وهو راكع قال الله: لبيك يا عبدي، إذا قال: يا رب لبيك، وهو ساجد أجابه الله عز وجل: لبيك يا عبدي، فإذا قال العبد: يا رب، وهو عاصٍ قال الله عزّ وجل: لبيك، ثم لبيك، ثم لبيك "
( ورد في الأثر )
هذه يعرفها الأب أحيانا، إذا كان عنده ثلاثة أولاد, اثنان منهم متفوقان ومهذبان، والثالث سيء، عاق، شقي، بعيد، فإذا شعر الأب مِن هذا الابن الثالث البعيد بادرة عودة، بادرة توبة، بادرة صلاح، بادرة إقبال، فإنك تجد الأب قد هش له وبش، وأكرمه إكراماً مفاجئاً، يزيد عن إكرام أخوانه، لأنه حدثتْ محاولة وعملية إنقاذ, فالفضل الإلهي في الخير، وفي العفو عن الشر، أمّا إذا أصرّ العبد على المعصية, عندئذٍ يستحق العقاب بمحضِ العدلِ.
تتمة السنن الإلهية من القرآن الكريم المتعلقة باليوم الآخر:
4- أدنى جزاء الحسنة عشرة أمثالها وأعلى جزاء السيئة مثل واحد:
القانون الرابع: أدنى الجزاء على الحسنة عشرةُ أمثالها، وأعلى الجزاء على السيئة مثلها، فأعلى عقوبة ينالها العبد على معصيته, أن يكون العقاب مكافئاً لمعصيته دون زيادة, تجد الإنسان يرّد على الصاع صاعين، ويرّد على مخالفة يسيرة بعقاب أليم، ليس هذا مِن شأن الله عزّ وجل، قال تعالى:
﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾
(سورة الأنعام الآية: 160)
أدنى جزاء الحسنةُ عشرُ أمثالها، وأعلى جزاء السيئة مثل واحد, والدليل قوله تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
(سورة البقرة الآية:261)
عنوان الدرس القادم إن شاء الله:
وفي درسٍ قادم إن شاء الله تعالى ننتقل إلى قانون آخر، وهو الجزاء المعجل والمؤجل، فقد يعجب الإنسان أحيانًا إذْ يجد رجلاً ماله حرام، وأعماله سيئة، وهو متكبر, ويزداد قوة، وغنى، وشأناً، هذا جزاؤه مؤجل، وتجد مؤمناً يرتكب أدنى مخالفة فكان جزاؤه معجلاً، لذلك فإن بعض الآثار:
" إذا أحب الله عبده عجّل له بالعقوبة "
( ورد في الأثر)
وإذا أهمله، أخّرها له، لذلك ربنا عزّ وجل قال:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
(سورة الأنعام الآية: 44)
إذا رأيت الله عزّ وجل يتابع نعمه عليك، وأنت تعصيه فاحذره، هذا قانون، وهناك نِعَمُ الجزاء، والابتلاء، والاستدراج، ومصائب الجزاء، والابتلاء، والتربية، وهناك الجزاء المؤجل، ومراحله الثلاث ما بعد الموت، وما قبل دخول الجنة، ثُم دخول الجنة، ثم المسؤولية، وهذا البحث يحتاج إلى دروس عديدة، لأنه بحث مهم جداً، وهذا كله تمهيد للإيمان باليوم الآخر.







والحمد لله رب العالمين





السعيد 06-21-2018 07:27 AM

رد: العقيدة الاسلامية
 






بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( السابع و الاربعون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (5)







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الجزاء الرباني منه ما هو معجل ومنه ما هومؤجل فمن المعجل للمحسن:
1- النصر والتأييد في الدنيا للمؤمنين:
وصلنا في الدرس الماضي إلى الحديث عن بعض القوانين، أو السنن التي سنّها الله سبحانه وتعالى فيما يتعلق باليوم الآخر، وكنت قد بيَّنتُ لكم من قبل أن الإيمان باليوم الآخر يأتي في الأهمية بالدرجة الثانية بعد الإيمان بالله، وفي أكثر آيات القرآن الكريم ذَكَرَ الله عزّ وجل الإيمان بالله، ثم ذكر الإيمان باليوم الآخر مقرونًا به، لذلك لا زلنا في الحديث عن بعض القوانين المتعلقة باليوم الآخر.
ذكرنا في الدرس الماضي أن أدنى الجزاء على الحسنة عشرُ أمثالها، وأعلى الجزاء على السيئة مِثْلُها، وهذا تفضل إلهي عظيم، وكأن الله سبحانه وتعالى يحب أن نربح عليه، هذا إن لم يكن هناك تفضَّل بالعفو بعد التوبة, إنّ مِن الجزاء ما هو مُعجّل، ومنه ما هو مؤجَّل، وهذا موضوع دقيق جداً، لأن بعض الناس قد يتساءلون: ما لفلانٍ يزداد قوة، و غنى مع أنـــه غارق في المعاصي؟ وما لِفلان يعاني الأمَرّيْن مع أنه مستقيم على أمر الله؟ الحقيقة أنّ الجزاء الرباني الذي هو أحد قوانين الحياة، منه ما هو معجل، ومنه ما هو مؤجّل، فلو تتبعنا آيات القرآن الكريم, لوجدنا أن الجزاء على الحسنة منه ما هو معجّل، ومنه ما هو مؤجّل، وأن الجزاء على السيئة منه ما هو معجّل، ومنه ما هو مؤجّل أيضاً، ونصوص القرآن الكريم، وأحاديث النبي الكريم تؤكّد هذه الحقيقة، فمِنَ الجزاء المعجّل في الدنيا أنواع كثيرة، من الرغائب المادية والمعنوية التي يَحْبُوها الله للمحسنين، مِن هذا الجزاء المعجّل النصرُ في الدنيا، والتأييد، والعز، قال سبحانه:
﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
( سورة الصف الآية:13)
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً﴾
( سورة الفتح الآية:1)
لا شك أن الإنسان المؤمن حينما ينتصر في الدنيا على أعدائه, يشعر بسعادة لا توصف، وقد ذكر ربنا سبحانه وتعالى هذا فقال:
﴿ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾
( سورة الفتح الآية:1)
فمِن الجزاء المعجّل في الدنيا على الأعمال الصالحة, أنّ الله عزّ وجل يرفع شأن الإنسان في الدنيا فيعزّه، وإذا أعزّك الله عزّ وجل فلا أحد في الأرض يستطيع أن يذلك, قال الْحَسَنُ بْنُ عَلِيّ رَضِي اللَّه عَنْهمَا عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ:
" اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ إِنَّكَ تَقْضِي وَلا يُقْضَى عَلَيْكَ وَإِنَّهُ لا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ وَلا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ "
( ورد في الأثر)
﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاًُ﴾
( سورة فاطر الآية:10)
اجعلْ لربك كــل عِزّك يستقر ويثبـتُ
فإذا اعتززت بمَن يموت فإنّ عزك ميتُ

﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾
( سورة الإسراء الآية:81)
إذا ربطت نفسك بالحق، فأنت مع الحق، وأنت مع الحق العزيز، وإذا نصرك الله عزّ وجل ينصرك نصراً عزيزاً، لا مِنّةَ لأحد فيه عليك، قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾
( سورة الحج الآية:38)
﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾
( سورة آل عمران الآية:160)
الصفحة المشرقة من الأنبياء والصحابة دليل على صدق الله في تنفيذ وعده:
سيدنا يوسف أعزّه الله في الدنيا، فصار عزيز مصر، رأته جارية تعرفه عبداً في موكبه الملكي, فقالت: " سبحان من جعل العبيد ملوكاً بطاعته "‍.
سيدنا عمر, قال: " كنت عُميرًا، فأصبحت عمرَ، فأصبحت أمير المؤمنين ".
سيدنا عمر بن عبد العزيز, قال: " تاقت نفسي للإمارة فلما بلغتها تاقت نفسي للخلافة فلما بلغتها طاقت نفسي إلى الجنة ", لست مستبعداً إذا أخلصت لله عزّ وجل، واعتمدت عليه، واستقمت على أمره، وبذلت من أجله، وفعلت كل ما تملك من أجل رضاه, لأنه يرفع من شأنك في الدنيا قبل الآخرة، و ينصرك على أعدائك، ويؤيدك بنصره، ويجعل القلوب تميل إليك، فما أقبلَ عبد على الله عزّ وجل إلا جعل قلوبَ المؤمنين تهفو إليه بالمحبة، وهذا مصداقُ قول الله عزّ وجل مخاطباً سيدنا موسى:
﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾
(سورة طه الآية:39)
إذا ألقى الله عليك محبة منه، أحبك الخلق كلهم، فإذا ألقى الله على إنسان البغضاء، أبغضه أقرب الناس إليه، لذلك الكلمة الشهيرة:
إذا كان الله معك فمن عليك؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟
سيدنا هود قال:
﴿ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ * إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
( سورة هود الآية:54-56)
﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً﴾
( سورة مريم الآية: 96)
هذه المودة التي تنشأ بين العبد وبين ربه, لا يعرف طعمها إلا من ذاقها، لذلك, من الجزاء المعجّل في الدنيا النصر, والتأييد، والعز.
2- الشعور بالسعادة والطمأنينة:
الشعور بالسعادة والطمأنينة، فإن الله يعطي الصحة، والذكاء، والمال، والجمال لكثيرٍ مِن خلقه، ولكنه يعطي السكينة بقدر لأصفيائه المؤمنين، أتكون معه, وتشقى؟ معاذ الله عزّ وجل، أتستقيم على أمره، وتقلق؟ مَن قرأ القرآن الكريمَ انتفى مِن قلبه الحزن، وفي الأثر:
" لا يحزن قارئ القرآن "
( ورد في الأثر)
لماذا الحزن؟ أتخشى الفقر، وأنت عبد الغني ؟ أتخشى أن تُخذل، وأنت عبد القوي؟ أتخشى أن تشقى، وأنت عبدُ مَن بيده ملكوت كل شيء؟.
لذلك في قلب المؤمن من السعادة, ما لو وزّعت على أهل بلدٍ لكفتهم, قال تعالى:
﴿ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾
(سورة الفتح الآية: 26)
ألا تقولون أنتم في صلواتكم: " اللهم صلّ على أسعدنا محمد " إنه أسعد الخلق قاطبة، فإذا كنت على دربه، و اقتفيت أثره فلا بد أن تسعد معه.
3- الشعور بلذة العلم:
ومن هذا الجزاء المعجّل, اللذة التي يشعر بها المؤمن حينما يعرف شيئاَ جديداً عن الله عزّ وجل، فإنّ لذة المعرفة لا يعرفها إلا العارفون، وقد تقول وأنت صادق: لو ملكت الأرض كلها لا يَعدُو هذا عندي فهم آية من كتاب الله، كلما ارتقيت في العلم درجة، شعرت بسعادة لا توصف, قال تعالى:
﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
( سورة الزُمر الآية: 9 )
حتى إن بعض العلماء, قالوا: إن الله عزّ وجل يخصّ الأنبياء بالمعجزات، ويخصّ الأولياء بالكرامات، وِمن أبرز الكرامات: العلم والحكمة، لأنّ كرامة العلم والحكمة لا تحتاج إلى خرق العادات، إنها وفق العادات، ووفق السنن.
4- البركة في الوقت والمال:
ومِن هذا الجزاء المعجّل في الدنيا, البركة في الوقت والمال, قال عليه الصلاة والسلام:
" من أخّر الصلاة عن وقتها أذهب الله البركة من عمره "
( ورد في الأثر)
إن المؤمن يباركُ الله سبحانه وتعالى في وقته، أحصيت كتب أحد العلماء العارفين بعد وفاته، فكان مجموع كتبه " 230" كتاب، جمعت صفحاتها، وقسّمت على أيام حياته منذ ولادته، فكان نصيب كل يوم مِن التأليف تسعين صفحة, هذا هو العالم، العارف بالله، الذي عاش حياة مديدة، وترك مائتين وثلاثين مؤلفاً، لذلك, البركة في الوقت لا يعرفها إلا من أدركها، وكذلك البركة في المال الذي يتفضل الله به عليك، يُبارك لك فيه، فتسكن، وتتزوج، وتأكل، وتشرب، وترتدي ثياباً جديدة، وتزوِّج أولادك جميعاً بمالٍ قد يبدو قليلاً، وقد تجد إنساناً حصل المال من الحرام، فيدخل عليه مئات الملايين، وتذهب من حيث جاءت من دون أن يستفيد منها، فالبركة في الوقت والمال.
5- البركة في الزوجة والولد:
البركة في الزوجة والولد, يتزوج الرجل، فيبارك الله له في زوجته,
" عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَوَلَدَتْ لَهُ وَلَدًا وَكَانَ يُحِبُّهُ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبِتُّمَا عَرُوسَيْنِ وَهُوَ إِلَى جَنْبِكُمَا فَقَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ بَارَكَ اللَّهُ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا "
( ورد في الأثر)
فمِن السُّنة الدعاء بالبركة لهذه الزوجة التي اقترنت بها، عسى الله أنْ يُبارك لك فيها، فتسعد بها، قال لي بعضهم: البيت يكون أحياناً قطعة من الجحيم، كل يوم في مشكلة، لأن البيت إذا بني على طاعة الله عزّ وجل، تولى الله التوفيق بين الزوجين، وإذا بني على معصية الله عزّ وجل، تولى الشيطان التفريق بينهما، مشكلات، خصومات، مشاحنات, تحديات، نفور، بغضاء، وتنتهي الأمورُ بالطلاق، وتشريد الأولاد، فهذا المحسن يبارك الله في ماله، وفي وقته، وفي زوجته، وفي أولاده، بين أن يكون لك ولد بار يرعاك إذا كبرت، وبين أن يكون لك ولد عاقّ لا يشفق عليك، وأنت في أوج قوتك, فكيف إذا بلغتَ مِنَ الكِبر عتياً؟ فالولد قد يكون بلاء مِن الله عزّ وجل، بين أنْ تسعد بزوجة، وبأولاد، وبمال، وبوقت، وبين أن يذهب الوقت لا بركة فيه، وكلكم يعلم ذلك، وحينما تبذل جزءًا مِن وقتك الثمين في حضور مجالس العلم, يبارك لك الله فيه، كيف ذلك؟ في ثانية واحدة ترتكب حادثاً بسيارتك, تقتضي سبعين أو ثمانين ساعة لتصليحها، من مكان إلى مكان، تبحث عن القِطَع، وعن الحاجات المفقودة وغير المفقودة، تستهلك الساعات الطوال بلا جدوى، لأنك ضننت على ربك بمجلس علم واحد، فلذلك حينما يقتطع الإنسان جزءاً من وقته الثمين لحضور مجالس العلم, يبارك الله له في وقته، فلا يذهب وقته سدى، ولا يُستهلك استهلاكاً رخيصاً, إذا اسْتُهْلِك الوقت استهلاكاً رخيصاً، أو ضاع الوقت توترت الأعصاب، وارتفع الضغط، وهذا كله مِن ذهاب بركة الوقت، كيف أنّك تزكي عن مالك بدفع مبلغ من المال, كذلك للوقت زكاة؟ فقد قال بعض العلماء: زكاة الوقت أن تقتطع منه وقتاً لطاعة الله، ولعبادة الله، ولمعرفة الله، وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وعاقبه ذلك التوفيق في العمل, والبركة في العمر.
كم مِن مشروع ضخم باء بالفشل؟ فبعد ثلاث سنوات خسارة 800 ألف مثلاً، يا ضياع الوقت، يا ضياع المال, فالإنسان الذي يجود بوقته لله، كأن يبدأ بمشروع صغير ينمو، وينمو، وينمو، وهذا من علامات التوفيق, والآية الكريمة:
﴿ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾
( سورة هود الآية: 88)
إن أي إنسان على وجه الأرض, لا يستطيع أنْ يحقق هدفاً ما, إلا بتوفيق الله، لذلك في الحديث الشريف, ومن عرف هذا الحديث الشريف غيّر مجرى حياته كلها
" من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا، وأقرب مما اتقى "
( ورد في الأثر)
وهذا حق، وهذا بعض الجزاء المعجّل في الدنيا.
الأدلة من الكتاب على تعجيل بعض الجزاء للمؤمنين في الدنيا:
والدليل القرآني على هذه الأقوال، وهذه المعاني, أن الله عزّ وجل يقول:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
( سورة النحل الآية:97)
كلام خالق الكون، وهذا كلام قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، قطعي التحقيق, قال تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾
( سورة الليل الآية: 5-7)
التيسير شيء يخلقــه الله عزّ وجل، وليس حظاً، ولا صدفة، إنما هو من خلق الله عزّ وجل.
أما بعض الجزاء الرباني المعجل للمسيء في الدنيا:
1- ابتلاء المسيء بصنوف من العذاب والخزي:
وأما جزاء العقاب المعجّل في الدنيا, مِن هذا الجزاء صنوف العذاب والخزي، عضو صغير في جسمك, لو تعطل لقلب الحياة جحيماً, أحياناً آلام مستمرة، آلام مزمنة في الرأس أحياناً، دائماً يعيش في ألم، أحياناً شعور بالضيق، أعراض نفسية، فالله عزّ وجل يقلب حياته جحيماً, بصنوف العذاب المادي والمعنوي، قلق، وهم، وخوف، ويأس، وشعور بالقنوط، هذا قد يتصاعد، فينتهي بالانتحار.
إذا رجعت إلى القوانين الوضعية, تجد دائماً أن آخر مادة في القانون: من يخالف أحكام هذا القانون يعاقب بكذا وكذا وكذا، هذا عند علماء القانون اسمه المؤيد القانوني، وربنا عزّ وجل جعل الأمراض الوبيلة، والأمراض المستعصية، والذل الشديد، والخزي، والعار، والهموم، والأحزان، والخوف، والقلق، هذه كلها جعلها مؤيدات لشرعه الحنيف، إما أن تستقيم على أمر الله فتسلم، وإما أن تتحمل عواقب المعصية، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا قَالَ:
" يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي أَمْرًا فِي الإسْلامِ لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَكَ قَالَ قُلْ آمَنْتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيَّ شَيْءٍ أَتَّقِي قَالَ فَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى لِسَانِهِ "
(أخرجه الإمام أحمد عن عبد الله بن سفيان عن أبيه في مسنده)
فمن البلاء المُعجّل في الدنيا, صنوف العذاب المادي والمعنوي، والعيش الضنك، حياة كلها شحناء، كلها بغضاء، حياة قاسية خشنة، مليئة بالأحزان، يجزي الله بها المسيئين، وأيضاً الإخفاق، والخسارة في المشاريع، وهذا العمل لم ينجح، وهذه الصفقة خسرت، وهذا الصديق تنكر له، وهذا الزواج لم ينجح، وانتهى إلى الطلاق، وهذا المحل بعد أن اشتراه وجد فيه مشكلة كبيرة لا تحل، فالفشل والخذلان شيء لا يعرفه إلا من ذاقه, ومنها المصائب، والبلايا الكثيرة، أعاذنا الله منها، ومنها مجانبة التوفيق في الأمور، ومنها الإذلال، والإهانة.
استغل رجل علمه استغلالاً لا أخلاقياً، فكان لا يبذل هذا العلم إلا بباهظ الثمن، والناس بحاجة إليه، أصابه مرض عضال، وكان يسكن بأرقى بناء، زوجته أَمرت أن يكون في القبو وحده، ووكلت خادمة ترعى شؤونه، وامتنعتْ عن اللقاء به، فكان يذكرها كل يوم مرات كثيرة، وتهمله، ثم أمرت أن يُنقل إلى مكان بعيد عن البيت، وبقي ثماني سنوات يعاني، وكان مشلولاً، مع ما كان يعانيه مِن الإهمال، والقذارة، وضيق النفس، والإذلال، ممّا لا يتحمله بشر, قال تعالى:
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾
( سورة البروج الآية:12)
إذا أدب ربنا عزّ وجل الإنسان أحياناً، فزوجته تقسو عليه، وابنه أقرب الناس إليه يقسو عليه كذلك، قال تعالى:
﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾
( سورة الرعد الآية:11)
لا بد له أن يذوق السوء، ولا يعصمك من الله إلا الله، ولا ملجأ منه إلا إليه، هذا كله جزاء معجّل في الدنيا قبل الآخرة، حتى إن الله عزّ وجل يقول:
﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾
( سورة الرحمن الآية:46)
جنة في الدنيا، وجنة في الآخرة.
﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى ﴾
( سورة طه الآية: 124-126)
الأدلة القرآنية على أن الجزاء ما هو معجل للمحسن في الدنيا قبل الآخرة:
الأدلة القرآنية، التي تنص على أن الجزاء ما هو معجّل في الدنيا قبل الآخرة، وهي قوله تعالى:
﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾
(سورة النحل الآية: 30 )
في هذه الدنيا حسنة، ثم تقرأ:
﴿ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين﴾
(سورة النحل الآية: 30 )
إنّ الله كريم في الدنيا، وفي الآخرة, قال تعالى:
﴿للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير ولنعم دار المتقين ﴾
(سورة النحل الآية: 30 )
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
( سورة الأعراف الآية:96)
كنت مرة في مزرعة، وهناك أحد الأصدقاء أطلعني على حبة قمح أنبتت خمساً وثلاثين سنبلة، أخذنا سنبلة، وفرطناها، فإذا فيها ما يعادل خمسين قمحة، ضربنا الخمسين بخمسة وثلاثين كان الناتج ألفاً وسبعمئة وخمسين قمحة، مِن قمحة واحدة, قال الله:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
( سورة البقرة الآية: 261)
ربنا عزّ وجل في كل الأزمات، والشدائد، والمصائب الجماعية، والأعاصير، والفيضانات، والزلازل، والبراكين، في كل المصائب الجماعية ينجي الله المؤمنين، قال عز وجل:
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾
(سورة الأنبياء الآية: 87-88)
﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾
( سورة الذاريات الآية: 31-36)
آيات أخرى تؤكد هذه الحقيقة, قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً * وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً﴾
( سورة الفتح الآية:18-19)
الأدلة من الكتاب على تعجيل بعض العقاب للمسيء في الدنيا قبل الآخرة:
قال تعالى:
﴿فَأَذَاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾
( سورة الزمر الآية:26)
عذاب الخزي والعار, شيء لا يحتمل, قال الله:
﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾
( سورة الرعد الآية:34)
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾
( سورة النحل الآية:112)
الجوع من الفسق، والفجور، والانحلال، والتفلت، والاختلاط، وإذا رخصت لحوم البشر, ارتفعت أسعار لحوم الحيوان، ثمة علاقة عكسية بين لحوم البشر, ولحوم الضأن، فكلما غلت لحوم البشر, رخصت لحوم الحيوان، أما أن يكون لحم البشر مبتذلاً
" مائلات مميلات "
( أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح )
عندئذٍ تصعب الحياة، وتصبح شقاء,
" عبدي، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، كن لي كما أريد، ولا تعلِمني بما يُصلحك، فإذا سلّمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلّم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد، ثم لا يكون إلا ما أريد"
( ورد في الأثر)
إذاً: فالجزاء على الحسنات أو السيئات قد يكون معجلاً، وقد يكون مؤجلاً، وقد ذكرنا بعض أنواع الجزاء المعجّل على الحسنات وعلى السيئات.
أنواع النعم:
1- نعم جزاء:
لدينا موضوع فرعي, له علاقة وشيجة بهذا الموضوع، فالنعم على ثلاثة أنواع: نِعم جزاء، ونِعم ابتلاء، ونِعم استدراج، فليست كل نعمة ينعم بها الإنسان نعمة جزاء على حسنات، فقد تكون هذه النعمة نعمة ابتلاء، وقد تكون هذه النعمة نعمة استدراج، فيجب أن تعلم علم اليقين أنّ هذه النعم التي أنت فيها هل هي نعم جزاء، أم نعم ابتلاء، أم نعم استدراج؟ فنِعم الجزاء, تكون ثواباً من الله تعالى للإنسان على ما قدم من حسنات، وهذا النوعُ تأييد رباني، وتشجيع مِن شأنه أن يدفع الإنسان بمضاعفة العمل الصالح، والتزام سلوك الصراط المستقيم في أمره كله.
أحياناً تجد الإنسان في الظروف الصعبة القاسية يُوفَّق في عمله توفيقاً لا يصدق، لأنه كان مستقيماً، وقد بذل, وضحى، وآثر رضوان الله عزّ وجل، فتأتيه الدنيا، وهي راغمة، هذه الدنيا التي جاءته وهي راغمة، إنما هي جزاء من الله عزّ وجل على إحسانه في الدنيا، وهذه النعم نِعم الجزاء، وغالباً ما تكون النعمة من جنس العمل الصالح، وكذلك من غضّ عينه عن محارم الله متّعه الله بها، من كفّ أذنه عن سماع الملهيات متّعه الله بها، من كفّ يده عن الحرام متّعه الله بها، من أنفق من ماله ابتغاء مرضاة الله ضاعف الله له ماله أضعافاً كثيرة، سيدنا أبو ذر الغفاري رضي الله عنه سمع من بعض أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام, أنّ ماله قد يؤخره عن اللحاق بأصحابه، يا أبا ذر ربما دخلت الجنة حبواً، أيْ زحفاً، فقال رضي الله عنه: والله لأدخلنّها خبباً, أيْ هرولة، واللهِ ما منعت مالي مسكيناً ولا فقيراً، وماذا أفعل إذا أنفقت مئة في الصباح, فأعطاني الله ألفاً في المساء؟ ماذا أفعل؟ لذلك أحياناً كلما بذلت مِن المال, ضاعف الله لك أموالك أضعافاً مضاعفة، هذه نعمة الجزاء، فقضية الإنفاق شيء ثابت، قال تعالى:
﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية:245)
﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾
( سورة سبأ الآية:39)
شيء قطعي, قال الله:
﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾
( سورة النجم الآية:3-4)
2- نعم ابتلاء:
ومن النِعَم, ما هي نِعَم ابتلاء, قال الله:
﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ﴾
( سورة الفجر الآية:15-17)
كلا, ليس هذا إكراماً، هذا ابتلاء، الغني يُبتلى بالمال، فماذا يفعل؟ أينفقه في طاعة الله؟ قد يأتي المال ابتلاء ليمتحن معدن الإنسان، هل يتغير بالمال؟ هل يتيه على الخلق؟ هل يستعلي عليهم؟ هل ينسى أيام الضيق والشدة؟ هل يحمله ماله على معصية الله، هل يحمله ماله على الفجور، هل يحمله ماله على أن يترك الصلاة أو الصيام؟ هل يحمله انشغاله بماله على أن يبتعد عن مجالس الذكر؟ هذا المال الآن هو ابتلاء وليس جزاء, لكن مال الابتلاء إذا أُنفق في طاعة الله انقلب إلى جزاء، ولا يكون مال الابتلاء نعمة إلا إذا أُنفق في طاعة الله.
3- نعم الاستدراج:
أما النوع الثالث، نعوذ بالله من هذا النوع: نِعَم الاستدراج, ترك 800 مليون، كلها جُمعت من القمار, خمس أو ست صالات قمار يملكها، قبل وفاته التقى ببعض أهل الله، فقال: ماذا أفعل؟ قال له أحدهم: لو أنفقته كله لا ندري ما النتيجة؟ البطولة عند هذه الساعة, قال الله:
﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ ﴾
( سورة الطور الآية:45)
هذا المال الثالث من نِعَم الاستدراج, قال الله:
﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً ﴾
( سورة البلد الآية:5-6)
﴿يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ ﴾
(سورة الهمزة الآية: 3)
كلفنا العشاء 750 ألف ليرة في أثناء العرس، في الفندق الفلاني، قال الله:
﴿ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾
(سورة البلد الآية:6-7)
نِعَم الاستدراج: هي النعم التي يوليها الله للكافرين، والعصاة الموغلين في العناد لربهم، ومخالفتهم استدراجاً لهم لتهيئة الظروف التامة لحرية إرادتهم في الدنيا، حتى إذا أنزل الله بهم عقابه الشديد الذي يستحقونه لم يكن لهم عذرٌ عند ربهم, قال الله:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
(سورة الأنعام الآية:44)
هذا رود تشلز, كان من أغنى أغنياء اليهود، كان عنده مستودعات لسبائك الذهب، وكان ينتقل من عاصمة لأخرى، فدخل إلى بعض المستودعات، وأُغلق الباب عليه خطأً, مما جعله يصيح، ويصيح، ولا يستريح إلى أن مات جوعاً بين سبائك الذهب، جرح إصبعه، وكتب على الحائط قبل أن يموت, أغنى إنسان يموت جوعاً, قال الله:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
(سورة الأنعام الآية:44)
أنواع المصائب:
1- مصائب الجزاء:
أولاً: مصائب الجزاء: وهي المصائب التي تكون عقاباً من الله عزّ وجل للإنسان على ما اكتسب من السيئات، وفي هذا النوع عناية من الله بعبده ليتذكر فيتعظ، ويتوب إلى الله تعالى،
" ما من عثرةٍ، ولا اختلاج عرقٍ، ولا خدش عودٍ إلا بما قدمت أيديكم، وما يعفو الله أكثر"
(فيض القدير، شرح الجامع الصغير)
هذه العقوبات, دليل محبة رب الأرض والسموات، فإذا أحب الله عبده عجّل له العقوبة، إذا كان عند أحدهم ثلاث أولاد، ولد ذكي مجتهد، وولد ذكي مقصر، وولد أبله، مَن يعاقب ؟ الولد الذكي المجتهد أمْره مقبول، والأبله لا أمل منه, فيصب الأب كل عقابه على الذكي المقصِّر, فهذا الذي ذكّره الله مراراً فلم يتذكر, فتحنا عليهم أبواب كل شيءٍ, وأما المؤمن المستقيم الشاكر فهذا موفق، حققّ الهدف من وجوده، على مَن ينصب العقاب؟ على هذا الذي عنده الإمكانيات الكبيرة، وهو مفرّط بها, قال الله:
﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آَيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
(سورة القصص الآية:47)
يقول الله تعالى:
﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾
(سورة الشورى الآية:30)
انظر المصيبة, جاءت نكرة، قال الله:
﴿من مصيبة﴾
(سورة الشورى الآية:30)
أيّة مصيبة, صغيرة كانت أم كبيرة، مادية كانت أم معنوية، خطيرة أم حقيرة، قال تعالى:
﴿ من ﴾
(سورة الشورى الآية:30)
لا ستغراق كل المصائب، قال تعالى:
﴿ فبما كسبت أيديكم ﴾
(سورة الشورى الآية:30)
أبداً, قال تعالى:
﴿ويعفو عن كثير﴾
(سورة الشورى الآية:30)
هذه مصائب الجزاء؟ إذاً: هذه المصائب عناية ربانية بالإنسان.
2- مصائب الابتلاء:
ثانياً: مصائب الابتلاء: هي المصائب التي يتعرض فيها أهل الطاعة ليبتلي الله بها صبرهم، فيرفع درجاتهم، ويزيد من حسناتهم, السيارة منطلقة، حمولتها 25 طناً فرضاً، وهي الآن تحمل خمسة أطنان، على كل طن مئة ألف ليرة أجرة، له خمسة أطنان، لكننا لا نقبل أن نُحمّله الخمسة فقط، فنحمله خمسة أخرى، حتى يتضاعف أجره، إنّه يتحمل, هناك مؤمنون يعرفون الله جيداً، وهم أهلٌ للتحمل، لذلك تساق لهم بعض المصائب في الدعوة كي يضاعف الله لهم أجرهم، وهذه مصائب لرفع الدرجات، لا علاقة لها بالجزاء.
يا أيها الأخوة، الذي أتمناه عليكم، وهذا من أدب المسلم, إذا ألّمت بنا مصيبة, يجب أن نتهم أنفسنا, ونتساءل: ما الذنب الذي اقترفته؟ أما إذا ألّمت بغيرنا مصيبة, يجب أن نُحسن الظن بهم، ونقول: هذه مصيبة لرفع الدرجات، أما مِن اللؤم، ومن الفجاجة أن تتهم الآخرين إذا أصابتهم مصيبة بأنها مصيبة جزاء، وأن تُحسن الظن بنفسك إذا أصابتك مصيبة، تقول: هذه ابتلاء، هيّ رفع درجات, لا، بالعكس يجب أن تقول: العكس, قل: لعل أخي له عند الله درجة عالية جدًا، فأراد الله أن يرفعها له، أما إذا ألّمت بك مصيبة," لا سمح الله وبنا ", فقل: لعلي مقصر، واتّهم نفسك دائماً، ونزّه أخاك دائماً، هذا هو الأدب، أمّا أكثر الناس فيبرئ نفسه، ويتهم أخاه, هذا من سوء الأدب، اسمع قوله تعالى:
﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾
(سورة التوبة الآية: 120)
أنـت أديت حجاً في أيام القيظ الشديد، فهذا ابتلاء، وهذا رفع درجات، لم تتحمل الحر، لكن الله عزّ وجل كتب لك بهذا أجراً كبيراً، كان الصيام يصادف في أشهر الصيف الطويلة، تحملت منذ الظهر، وكِدت تسقط على الأرض من شدة العطش، هذا ابتلاء رفع درجات, قال الله تعالى:
﴿ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولانصب و لا مخمصة في سبيل الله ولا يطؤون موطناً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب الله لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين ﴾
فربنا عزّ وجل يحب أن يكرمنا, فيسوق بعض المصائب للمؤمن الصادق، ويتحمل في سبيل الله، فيرفع الله شأنه، قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إن عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلاءِ وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ "
( ورد في الأثر)
3 – مصائب التربية:
ثالثاً: مصائب التربية, قال تعالى:
﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
( سورة التوبة الآية:118)
إنّ ربنا عزّ وجل, يقيض للإنسان الغافل، المُعرض، المُقصر, أمراً صعباً، ومشكلة خطيرة، يضيق عليه إلى أن يضجّ بالشكوى إلى الله عزّ وجل، فيتوب من ذنبه، احترق محل أحدهم، فقال: واللهِ بالمحل بضاعة بثلاثة ملايين، عندما كان ثمن البيت خمسين ألفًا، قال لي متهماً نفسه: لعلي بعت بعض الصفقات بشكل حرام أو غلط، ولعل الله جمعها كلها، وأحب أن يُطهر لي مالي, والله شيء جميل, بارك الله بك على هذا الظن الحسن، وسيدنا عمر, كان يقول: إذا أصابته مصيبة:
" الحمد لله ثلاثاً, الحمد لله إذْ لم تكن في ديني، الحمد لله إذْ لم تكن أكبر منها، الحمد لله إذْ ألهمت الصبر عليها "
( قول مأثور)
هذه مصائب التربية.







والحمد لله رب العالمين

السعيد 06-21-2018 07:29 AM

رد: العقيدة الاسلامية
 


بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثامن و الاربعون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (6)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما هي مراحل الجزاء المؤجل للثواب أو العقاب:
ا- مرحلة ما بعد الموت وقبل البعث:
وصلنا في الدرس الماضي إلى موضوع الجزاء المعجّل، وتحدثنا من بحث الجزاء المعجّل عن جزاء الابتلاء، والاستدراج، والعقاب، وجزاء الابتلاء، والتربية، وننتقل اليوم إلى الجزاء المؤجّل، فهناك جزاء معجّل، وهناك جزاء مؤّجل، فالانحراف، أو المعصية، أو الخطيئة, لها عقاب معجّل في الدنيا، ولها عقاب مؤجّل في الآخرة, فأما الجزاء المؤجّل بالثواب أو العقاب فيكون على ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: مرحلة ما بعد الموت وقبل البعث، وهذه المرحلة سمّاها القرآن الكريم البرزخ، ويسمى النعيم فيها بنعيم القبر، والعذاب فيها بعذاب القبر، وقد ورد في نعيم القبر، وعذابه جملة من الأحاديث النبوية، ملخصها: أنّ القبر إمّا أنه روضة من رياض الجنة، وإما أنه حفرة من حفر النيران، وسيُفصَّل هذا في درس قادم إن شاء الله.

2- مرحلة ما بعد البعث وقبل مرحلة الفصل النهائي:
أما المرحلة الثانية: فهي مرحلة ما بعد البعث، وقبل انصراف أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، ويكون ذلك في يوم الحساب، ويتم فيه الجزاء بالثواب والعقاب على أنواع مختلفة، فمِن الثواب مثلاً, الاستظلال بظل العرش، وفي الحديث الصحيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ:
" سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ الإِمَامُ الْعَادِلُ وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي اللَّهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ أَخْفَى حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ "
( ورد في الأثر)
هذا ثواب بعد البعث، وقبل دخول الجنة، وكذلك الشرب من الحوض، فمَن شرِب مِن حوض النبي عليه الصلاة والسلام شربة, فلن يظمأ بعدها أبداً، وكذلك تهوين طول الموقف، هذا الموقف يمرّ على المؤمن كلمح البصر، والمرور على الصراط المستقيم بسرعة، إلى غير ذلك.
ومِن العقاب: شدّة الحر على أهل الذنوب، والكرب والظمأ الشديدان، والتعتعة على الصراط المستقيم، وطول انتظار الحساب، إلى غير ذلك من صنوف العذاب، هذا العذاب بعد البعث، وقبل دخول النّار، وذاك النعيم بعد البعث، وقبل دخول الجنة.

3- مرحلة دخول المؤمنين الجنة ودخول أهل النار النار:
المرحلة الثالثة: وهي المرحلة الأخيرة التي يتم فيها الثواب الأكبر بدخول المؤمنين الجنة، والعقاب الأكّبر للكافرين بدخول النار، ودخول الجنة أبدي لكل من يدخلها، قال عز وجل:
﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾
( سورة الحجر الآية:48)
ودخول النار أبدي بالنسبة إلى الكافرين، ومؤقَّت بالنسبة إلى عصاة المؤمنين، كل بحسب ذنوبه، وسيئاته.
ويمكن أن تقول: إن الله العلي القدير قد جعل تحقيق الجزاء الأكمل في اليوم الآخر، يوم الخلود، ليستكمل حكمته العظيمة المشتملة على سرِّ الخَلْق والإبداع، ولله في إبداعه أسرار، لا يحيط بعلمها إلا هو، واليوم الآخر الذي يتم فيه الجزاء المؤجل، يكون بعد البعث، وهو اليوم الذي ورد بحقه وجوب الإيمان به ركناً من أركان العقيدة.

ما هي حدود المسؤولية بالنسبة للمكلف اتجاه خالقه:
1- انتهاء فترة الابتلاء عند موت الشخص المكلف:
لا زلنا في الموضوعات التمهيدية، وعنوان الموضوع الجديد حدود المسؤولية, المسؤولية اتجاه الخالق لها حدود، نوضِّح معالمها فيما يلي:
أولاً: إذا مات المكلّف انتهت فترة ابتلائه، الابتلاء في الدنيا فقط، فإذا وافت الإنسان منيته، انتهت مدة التكليف، وانتهى الابتلاء، لذلك جاء في بعض الآيات الكريمة قوله تعالى:

﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآَنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾
( سورة النساء الآية:18)
العمل الصالح في الدنيا، التوبة في الدنيا، الإصلاح في الدنيا، أما إذا جاء الموت انتهت مدة التوبة، وانتهت مدة التكليف، وانتهت مدة الابتلاء، بل انتهى كل شيء، وخُتم العمل، وبقي الجزاء.
فالإنسان إذا جاءه الموت، أو ما بعد الموت، أو في القبر، أو ما بعد القبر، فهل يستطيع أن يتوب؟ أن يعمل عملاً صالحاً؟ هذا مستحيل, فمنذ لحظة الموت, لا يستطيع أحد أن يجحد الله، أو أن يكفر به، أو أن يعصيه، إذ تنكشف له الحقيقة بالشهود التام، لا يخالطها أدنى توهم، وينتهي عندها موضوع الإيمان بالغيب المطلوب من الناس على لسان الرسل، هذه حقيقة مهمة جداً، الأرض الآن فيها ستة آلاف مليون إنسان، بعضهم ينكر وجود الخالق، وبعضهم ينكر الدين الإسلامي، وبعضهم ينكر بعض أسماء الله الحسنى، هؤلاء بوذيون، وهؤلاء هندوس، وهؤلاء مسلمون مقصرون، وهؤلاء نصارى، وأولئك يهود، جميع الملل والنِحل عند مجيء الموت تنكشف لها الحقيقة التي لا ريب فيها، قال عزّ مِن قائل:

﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾
( سورة ق الآية:22)
أشد الناس المعارضين لرسالات الرسل، تنكشف له الحقيقة فيؤمن، لكن هذه الحقيقة تكشف لهم بعد فوات الأوان، حيث لا يُقبل إيمان من أحد لم يكن آمن مِن قبل.
2- للابتلاء أو التكليف له شروط:
الحكم الثاني: هو أنه ما لم تتوافر شروط التكليف لم يتوجب الابتلاء أصلاً. لا ابتلاء إلا بشروط، فلو أن الإنسان فَقَدَ عقله, سقط عنه الابتلاء، إذا أخذ ما وهب, أسقط ما أوجب، فالطفل غير المميز، والمعتوه، وفاقد الإدراك, غير مكلفين بالشرائع الربانية، لأنهم ليسوا أهلاً لإدراك معنى الألوهية، وفهم أوامر الله ونواهيه، وأنهم مسلوبو الإرادة بشكل كلي أو جزئي، وهم غير مكلفين أيضاً.
إذاً: التكليف في الحياة الدنيا، والتكليف يحتاج إلى بلوغ، وعقل، وحرية، إذا لم تتوافر هذه الشروط فلا تكليف، ولا ابتلاء.

3- إذا وجد الشرط وجد الابتلاء وإذا فقد الشرط فقد الابتلاء:
الحكم الثالث: أنه متى فُقدت شروط التكليف بعد وجودها ارتفع حكم الابتلاء، حتى تعود الأهلية، إنسان فَقَدَ عقله، في اللحظة التي فَقَد فيها عقله ينتهي تكليفه، فإذا عاد عقله، عاد إليه التكليف، هذه قاعدة.
لذلك يرتفع التكليف عن المجانين، هذا المجنون الذي إذا استفززته يسب الدين، لا شيء عليه هو، أما الذي استفزه فعليه كل الإثم وحده، مع تحمل كامل الإثم والمسؤولية، كذلك يرتفع التكليف عن مسلوبي الإرادة، فلو أن إنساناً حركته مقيّدة، وتحت ضغط القتل أُمر أن يفعل شيئاً، فما دام هذا الإنسان مسلوبَ الإرادة فلا شيء عليه, عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ "
( ورد في الأثر)
ما هي آثار حدود المسؤولية بالنسبة للشخص المكلف:
1- الشخص ليس مسؤولاً إلا إذا كان حراً في إرادته:
فالأمر الأول من حدود المسؤولية: هو المسؤولية عن الكسب الإرادي البدني، والنفسي، والفكري، فكل إنسان له كسب إرادي، إذ الإرادة كما سبق هي محل المسؤولية، ولا مسؤولية إلا بالإرادة الحرة، و ما دمت مريداً لأعمالك التي تفعلها بكامل حريتك فأنت مسؤول، أما إذا رُفعت هذه الإرادة الحرة فأنت غير مسؤول.
بناء على ذلك: يكون توجيه الإرادة الجازمة لأمرٍ من الأمور كافياً في ترتيب المسؤولية، سواء تم التنفيذ العملي، أو لم يتم, فهذا الإنسان أراد أن يوقع الأذى بفلان، ثم جاء ظرف حال بينه وبين إيقاع الأذى فيه، فهو محاسبٌ على هذه الإرادة، لأن إرادته الحرة توجهت إلى إيقاع الأذى بفلان، لا يعنينا أن الأذى وقع أو لم يقع، يعنينا هنا أنه كَسَبَ هذا الإثم باختياره, إذا لم يتم تنفيذ هذه الإرادة الحرة في إيقاع الأذى بفلان، ولم ينفذ هذا الأمر بإرادة ثانية مضادة لها، كانت هذه الإرادة الثانية ناسخة للإرادة الأولى, مثلاً: أراد إنسان إيقاع الأذى بفلان، ثم فكر، فرأى أن في هذا الأذى إغضاباً لله عزّ وجل، فامتنع ذاتياً، هذا له أجر، لأنّ الإرادة الثانية هي التي محت الإرادة الأولى.
شاب في مقتبل العمر ذهب إلى الحج، ولما عاد فتح مكتبة في بعض أحياء دمشق، وكان غير متزوج، وقفت فتاة مستهترة أمام محله، وأشعرته بأنها توافق معه لو أرادها، فأغلق محله وتبعها، وفي الطريق تذكر الحج الذي حجّه, هناك إرادة أولى، كانت متوجهة نحو الزنا، والإرادة الثانية نسخت الإرادة الأولى، وفي اليوم التالي، وقف على باب دكانه أحد وجهاء الحيّ، وسأله برفق: هل أنت متزوج؟ قال له: لا، قال: عندي فتاة تناسبك، فظن هذا الشاب أن هذه الفتاة كاسدة، وفيها علة كبيرة، حيث إن أباها يعرضها على الناس، ولكنه أرسل أمه, فإذا الفتاة, كما يقولون: تجمع بين كمال العقل والدين، عاد إليه، وقال له: ماذا حصل؟ قال: يا سيدي, هذه الفتاة لا أليق بها، أنا لا أملك شيئاً، قال: هذا ليس من شأنك، يبدو أن الأب كان ميسور الحال، زوجّه هذه الفتاة، وشاركه في عمله، وعاش هذا الإنسان في بحبوحة، وفي سعادة، لأن الإرادة الثانية نسخت الإرادة الأولى، فاستحق هذا العبد الإكرام, لذلك:

" ما ترك عبد شيئاً لله إلا عوضه الله خيراً منه في دينه ودنياه "
( ورد في الأثر)
إذا توجه الإنسان بإرادة سيئة مختارة إلى عمل ما، ثم ندم على هذه الإرادة، وأراد شيئاً آخر، فإن الإرادة الثانية تمحو الأولى، وينتهي الأمر، وفي بعض الأحاديث يُكتَب له أجر على الإرادة الأولى، أما إذا لم يتم التنفيذ بسبب موانع خارجية، كان يتربص بفلان ليضربه، ولكن فلاناً لم يأت، فلم يحقق هدفه، لا بإرادة ثانية ناسخة للأولى، لا، ولكن لأن هناك موانع خارجية، لذلك, لو لم ينفذ هذه الإرادة, فإن الإثم قد سُجّل عليه، أين الدليل؟ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: ذَهَبْتُ لأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ فَلَقِيَنِي أَبُو بَكْرَةَ فَقَالَ أَيْنَ تُرِيدُ قُلْتُ أَنْصُرُ هَذَا الرَّجُلَ قَالَ ارْجِعْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
((إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ))
( ورد في الأثر)
المقتول توجهت إرادته إلى قتل صاحبه، لكنه لم يستطع، فعَاجَلَهُ صاحبُه بضربة قاضية، فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: هذا القاتل. فما بال المقتول؟ قال: لأنه كان حريصاً على قتل صاحبه، لذلك يقول عليه الصلاة والسلام:
" لن يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراماً "
( أخرجه البخاري في الصحيح)
ما دام لم يقترب إلى سفك الدم فالقضية سهلة، والتوبة سهلة.
2- الإنسان مسؤول عن عمله السيء وآثاره:
الأمر الثاني: المسؤولية عن آثار الكسب الإرادي البدني، والنفسي، والفكري، وهي الآثار التي تنجم عن الكسب الإرادي، مثلاً: لو أنّ إنساناً صلّح سيارة، وكلّف صانعه أنّ يُرَكِّب فيها آلة معينة، وكان الصانع صغيرًا ضعيفًا، لا يملك وعياً كافياً، فلم يضبط التركيب، واستقل صاحب السيارة مع زوجته وأولاده سيارتهم المصلحة، فوقع في السيارة خلل, بسبب عدم إتقان تركيب هذا الجهاز الذي كلَّف الصانع بتركيبه، فانقلبتْ السيارة, وتوفي الأشخاص الخمسة, هذا الذي صلّح السيارة لا يُحاسب على إهماله فقط، بل يُحاسب على أنه قاتل لخمسة أشخاص، فهذا الخطأ ماذا نتج عنه؟ كارثة.
مثال آخر: ركّب أحدهم لوح بللور، ثبَّتَ فيه مسماراً واحداً، أتى الطفل، وضرب النافذة، فهوى البللور عليه فقتله, هذا يحاسب لا على أنه أهمل في وضع مسمار واحد، لا، بل يحاسَب على أنه تسبب في قتل إنسان, فالمسؤولية عن آثار الكسب المادي ليست عن الكسب وحده، بل عن آثار الكسب الإرادي البدني، والنفسي، والفكري، ويدل على هذا نصوص كثيرة, وهي قوله صلى الله عليه وسلم:

" مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا "
( أخرجه مسلم في الصحيح)
أخطر شيء في هذا الدرس، لا يحاسَب الإنسان على كسبه فقط، بل يحاسب على آثار كسبه أيضاً, قال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾
( سورة يس الآية:12)
" وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا"
( أخرجه مسلم في الصحيح)
الإنسان يسنّ سنّة سيئة، يعمل ترتيباً ليصنع فيه معصية، ويصبح هذا الترتيب تقليداً مِن بعده، يسير الناس عليه، هذا شيء خطر جداً، مثلاً: اخترع نُوبل البارود، فكم مِن إنسان قُتل في العالم بسبب هذا البارود؟ لذلك ندِم بعد ما اخترعه، فجمع كل ثروته، ووضعها في خدمة من يقدِّم للإنسانية بحثاً علمياً، أو أدبياً، أو فنياً, يحقق السلام بين بني البشر، وهذه الجائزة تعطى سنوياً لثلاثة أشخاص: لرجل علم، ورجل أدب، ورجل فن، اسمها جائزة نوبل للسلام, مهما دفع, فالذين يموتون كل يوم عن طريق المتفجرات، وهم أبرياء, أعداد كبيرة لا تعد ولا تحصى, قال الله:
﴿وَآَثَارَهُمْ﴾
( سورة يس الآية: 12)
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ مِنْ دَمِهَا لأنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ أَوَّلا))
( ورد في الأثر)
لأنه أول من سنّ القتل ابن آدم الأول.
إنسان مثلاً, عنده بنت، جاءه خاطب له شكل وغنى، سأل عنه، فقالوا: جيد, فزوجها له، فإذا بهذا الشاب منحرف السلوك، وكلمة جيد أصبحت اليوم لا معنى لها، وما لبث أن سافر بزوجته إلى بلاد الكفر، فأفسد دينها وخلقها, كل أعمالنا محاسبون عن آثارها، لو فرضنا هذا الزوج, هو وزوجته انحرفا، وضلا سواء السبيل، وفعلا من المعاصي، كل هذا في صحيفة الأب الذي وافق على زواج ابنته من هذا الشاب, لذلك لا تنتهي مسؤولية الأب إلا إذا أحسن اختيار الشاب كزوجٍ لابنته, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ إِلا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ))
( ورد في الأثر)
أقام إنسان في ديار الكفر، وجد أن المعيشة سهلة جداً، ذهب إلى ذلك البلد، وأقام فيه، كبرت ابنته، دخل إلى البيت، فوجد مع ابنته شاباً، هكذا العادة هناك، وهو أمر طبيعي جداً, فمسؤوليته عن ابنته وزوجته قائمة في عنقه, إذا كانت الحياة رغدة، والبلاد خضراء كلها، أنترك ديننا وقيمنا؟ لا، بل نريد وهو الأهم, أن يكون القبر أخضر أيضاً، هذه الأعمال كلها في صحيفة الأب، ويوم القيامة تقف البنت، وتقول: يا رب لا أدخل النار حتى أُدخل أبي قبلي، لأنه هو الذي زوجني، وهو الذي أسكننا بهذه المنطقة، في جو إباحية مطلقة، انحراف أخلاقي، الزنا على قارعة الطريق، فالإنسان إذا كان في بلده، حيث تقام شعائر الله فيها، ويحضر مجالس العلم، و فيها بقية حياء، وبقية تديّن، وشيء اسمه "عيب" في بلده، فهذه بلدة مباركة، فليسعد بدينه وقيمه.
3- الإنسان مأجور على عمله الطيب وآثاره:
كذلك العمل الطيب يكافأ على آثاره إلى يوم القيامة، فأنت قد تبذل جهدك في هداية إنسان واحد فقط، هذا الإنسان, عندما أراد أن يتزوج بحث عن امرأة مؤمنة، أنجب أولاداً، وربّاهم تربية عالية، وعلّمهم، فكانوا من بعده دعاة إلى الله عزّ وجل، هؤلاء دعوا الناس، قد يأتي يوم القيامة، فيريه الله عزّ وجل أن مليون إنسان قد سعدوا في الدنيا والآخرة, بسبب هدايته لهذا الإنسان الأول، لذلك قال تعالى:
﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴾
(سورة المائدة الآية: 32)
﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾
( سورة المائدة الآية: 32)
هناك قاعدة فقهية: الغُرم بالغُنم، كما أن العمل السيء تكتب آثاره إلى يوم القيامة، كذلك العمل الطيب تكتب آثاره إلى يوم القيامة, ساهم إنسان في بناء مسجد، ووافته المنية، فهذا المسجد إلى يوم القيامة كل صلاة عقدت فيه، كل حلقة ذكر، كل مجلس علم، وأي خير ظهر من هذا المسجد, فهو في صحيفة الذي ساهم في بنائه إلى يوم القيامة, فالإنسان المؤمن يوم القيامة, يعرق عرق الخجل، له طبعاً عمل طيب، لكنه لم يكن متوقعاً أن هذا العمل بهذا الحجم الكبير، يقول: كل هذا لي؟ نعم، لأنك أنت الذي بدأت، أنت الذي سننت، هذه السنة الطيبة، فكل من عمل بها في صحيفتك إلى يوم القيامة.
الإمام الغزالي توفي رحمه الله تعالى، وترك كتاب الإحياء، اسألني بالعالم الإسلامي, من المغرب إلى الباكستان، ومن تركيا إلى اليمن، كم مِن إنسان انتفع بـهذا الكتاب، درس الأحد من سنتين أو ثلاث في صحيفة الإمام الغزالي، نقرأ من كتابه، ونستفيد.
سيدنا الصدّيق رضي الله عنه, يعد المؤسس الثاني للدولة الإسلامية، لو لم يقف موقفاً حازماً وصلباً من المرتدين, لا نتهى الإسلام، فبقاء الإسلام في هذه الأماكن في صحيفته، وكلنا جميعاً في صحيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومِن كرمِ الله عزّ وجل أن يعطيك الأجر، ومثل هذا الأجر لمَن كان السبب؟.
جميع الآثار المترتبة على هذه الأعمال, يُحاسَبُ عليها الإنسان، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهم عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
((إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلا مِنْ ثَلاثٍ صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ))
( ورد في الأثر)
أنواع الكسب:
1- الكسب اﻹيجابي في فعل الطاعات:
عندنا الكسب الإيجابي: وهو أن يقوم الإنسان المكلف بإرادته بعمل إيجابي، سواء أكان بدنياً، أو نفسياً، أو فكرياً، كل ذلك يدخل في باب الطاعات والفضائل، هناك عمل إيجابي بدني, كالصلاة, والزكاة, والحج، والأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر، وخدمة الوالدين، وصلة الأرحام، وتعليم العلوم الدينية، ونشر الشريعة الربانية، وإصلاح المجتمع بوسائل التربية العلمية المختلفة, وهناك عمل نفسي إيجابي, كشغل القلب والنفس بالحب في الله، والبغض في الله، والسرور بعزة المسلمين، والانقباض لخذلانهم، والشوق لمناجاة الله عزّ وجل، والقيام بطاعته، والرضا عن الله في قضائه وقدره, وهناك عمل إيجابي فكري, كالتدبر في آيات الله وآلائه، البحث عن دلائل وجوده جلّ وعلا، ابتكار ما فيه خدمة المسلمين وتقويم سلوكهم، التخطيط الفكري لفعل الخير ودفع الشر، هذا في باب الطاعات الفكرية.
2- الكسب السلبي في فعل المعاصي وترك الطاعات:
الكسب السلبي: وهو أن يقوم الإنسان المكلف بإرادته بعمل سلبي، سواء أكان بدنياً، أو نفسياً، أو فكرياً، كل ذلك يدخل في باب المعاصي والرذائل, هناك معاصي بدنية, كالزنا، وشرب الخمر، والقتل، وأما أن تشغل النفس في معصية الله، محبة أهل الكفر، مودة من حادّ الله ورسوله، السرور بانتصار أهل الكفر، الحسد، الحقد، عداوة أهل الحق، هذه كلها أعمال سلبية نفسية, وأما أن تعمل فكرك في شيء يؤذي العباد، يؤذي الخلق، يضّر بهم, هؤلاء الذين يصنعون القنابل الجرثومية، والأسلحة الكيماوية حتى يفتكوا بالناس، وهم علماء كبار في مخابرهم، هذه كلها معاصي فكرية.
هناك كسب سلبي أيضاً في ترك الطاعات، بدني، وفكري، ونفسي، وإليكم الأمثلة: كترك الواجبات, مثل الصلاة، والزكاة، وترك الأمر بالمعروف، وإهمال تعلم ما ينبغي تعلمه، وعدم محبة الله ورسوله، وعدم الرضا بالقضاء والقدر، وعدم التسليم لأحكام الله وشرائعه، وأمثال ذلك مما فيه معصية.

الأدلة من الكتاب والسنة على موضوع حدود المسؤولية:
حدود المسؤولية بصورها المختلفة، تدخل بوجه عام في مفهوم, قوله تعالى في سورة الزلزلة:
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
( سورة الزلزلة الآية: 7-8)
هذه السورة جامعة مانعة، كل هذا الدرس ملخص في هذه السورة، لذلك جاء أعرابي إلى النبي عليه الصلاة والسلام, قال: (( يا رسول الله عظني وأوجز. قال: فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره. قال قد كفيت ! فقال عليه الصلاة والسلام: فقًه الرجل))
( ورد في الأثر)
هذا الأعرابي استمع إلى سورة واحدة, فقال: قد كفيت، هذه تكفي، وأقول لكم: هناك آيات تكفي:
﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾
(سورة النساء الآية: 1)
ألا تكفي هذه؟
﴿ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
(سورة الزلزلة الآية:7-8)
ما هو الحكم الذي ينبثق عن حدود المسؤولية ؟
1- الإنسان مسؤول عن كسبه فلا يتحمل أوزار الآخرين إلا إذا له يد فيه:
أنّ كل إنسان مسؤول عن كسبه، فلا يتحمل أوزار الآخرين، إلا إذا كان له تسبب فيها، عندنا آية كريمة:
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾
(سورة الإسراء الآية: 13-14)
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾
( سورة النجم الآية: 38-40)
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
( سورة غافر الآية: 17)
﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية:48)
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾
( سورة الطور الآية: 21)
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾
(سورة المدثر الآية: 38)
هذا مبدأ رائع، ومُريح، الزوج سيء، والزوجة صالحة، والعلاقة بينهما سلبية ومتنافرة، كل منهما يحاسَب عن نفسه, قال الله:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ﴾
(سورة التحريم الآية: 11)
﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾
(سورة التحريم الآية: 10)
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ:
((يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا))
( ورد في الأثر)
الأب صالح، الابن سيء، كل واحد يحاسب على عمله، هناك إنسان تزوج من امرأة فاضلة، من عائلة مرموقة وذات دِين، لكن الشاب يريدها غير ذلك، يريد أن تسايره في اختلاطه، ورحلاته، وندواته، وسهراته، يريد أن تبرز لأصدقائه في سهرة مختلطة، لكنها رفضت بإصرار، فلما كان رفضها مع إصرار، أشارت عليه أمه أن يضايقها، لأن مهرها المتأخر 100 ألف، فضايقها إلى أن طلبت الخلعَ من دون شيء، في هذه الفترة كان الأب غير راضٍ عن هذا التصرف، وكان يقول: الحق عليكم، هذا ظلم، بينما الأم والابن على خط واحد, بعد المخالعة وتنازلها عن حقها, طلبت النجاة بجلدها، بعد مضايقة شديدة, وإهمال، وضرب، وشتم، وما شاكل ذلك، تزوج امرأة ثانية، وله بيت في أحد المصايف، عاد بسيارته، وكان يركب في محل القيادة، وإلى جانبه زوجته، وخلفه أمه، وخلف زوجته أبوه، وقع حادث، فمات هو وأمه، ونجت الزوجة وأبوه, قال تعالى:
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾
(سورة النجم الآية: 38)
كل إنسان محاسب على عمله، إلا إذا كان له سبب فيه، كالإغواء، والإضلال، أو إهمال واجب النصيحة والإرشاد، لذلك قال عليه الصلاة والسلام للأقربين من عشيرته:
((اعملوا لأنفسكم، لا أغني عنكم من الله شيئاً))
( ورد في الأثر)






والحمد لله رب العالمين

السعيد 06-21-2018 07:31 AM

رد: العقيدة الاسلامية
 




بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( التاسع و الاربعون )

الموضوع :احكام المسؤولية





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ملخص فكرة أحكام حدود المسؤولية في الدرس الذي فات:
لا زلنا في موضوعات تمهيدية للإيمان باليوم الآخر، وقد بينتُ في الدرس الماضي " إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: من صدقةٍ جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له "، وأنّ هذا الحديث يُستَنبَط منه أن الإنسان يحاسَب لا على عمله فحسب، بل على آثار عمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، فعَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ لَهُ أَجْرُهَا وَمِثْلُ أَجْرِ مَنْ عَمِلَ بِهَا لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا وَمَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعُمِلَ بِهَا كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا "
( أخرجه مسلم في الصحيح)
هناك آية تؤكد هذا المعنى, قال تعالى:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾
( سورة النساء الآية:85)
إذاً: هو مسؤول، هنا نصيب، وهنا كفالة، وشتان بين النصيب والكفالة، ففي معرض الربح النصيب، وفي معرض الغُرم الكفالة.
تتمة أحكام حدود المسؤولية:
2- لا يستفيد الإنسان من أعمال الآخرين الصالحة إلا إذا كان له يد فيها:
شيء آخر: لا يستفيد الإنسان من أعمال الآخرين الصالحة، كما أن الأخطاء لا يتحملها ما لم يكنْ سبباً في فعلها، كذلك أعمال الآخرين الصالحة لا يأخذ منها شيئاً، لقوله تعالى:
﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى ﴾
( سورة النجم الآية:39-40)
كل إنسان له سعيه الخاص، وعمله الخاص، ومكانته الخاصة، إلا إذا كنت السبب في هذه الأعمال الطيبة، عندئذٍ لك الأجر، كالتربية على الفضيلة، هؤلاء الذين ربيتهم فكل أعمالهم في صحيفتك، والأدق من ذلك، كل الأعمال التي قاموا بها بسبب توجيهك إيّاهم فلك مثل أجرهم، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، كتعليم أمور الدين، وكالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
أدلة الكتاب والسنة بشأن هذا الحكم:
الدليل النقلي، وهو القرآن الكريم, قال تعالى:
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾
( سورة الإسراء الآية: 13-14)
كان العرب في الجاهلية, إذا مَرّ عن شمالهم طير يتشاءمون، وإذا مرّ عن يمينهم يستبشرون، فتشاؤمهم، واستبشارهم لا أساس له من الصحة، فربنا سبحانه وتعالى ردّ عليهم فقال:
﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾
( سورة الإسراء الآية: 13-14)
هذا الكتاب، كتاب الأعمال، يعني كل صغيرة, وكل كبيرة, مسجل في صحيفة أعمالك، ويوم القيامة تبرز هذه الصحيفة، قال تعالى:
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾
( سورة الإسراء الآية: 15)
تزر, تعني تحمل، مِنْ وَزَرَ، يَزِرُ, فلا تحمل نفسٌ حمل نفس أخرى، كل إنسان يحمل عمله، قال تعالى:
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾
( سورة الإسراء الآية: 15)
هذه الآية أصلٌ في أن كل إنسان مسؤول عن كسبه، فالأب لا يحاسَب عن ابنه إذا قدّم له النصيحة الكاملة، واعتنى به عناية فائقة، وبعد ذلك أصرّ على طريق غير مستقيم، والابن لا يحاسَب عن أبيه إذا استنفذ نصحه، والزوج لا يحاسَب عن زوجته إذا نصحها إلى أقصى حد، والزوجة لا تحاسَب عن زوجها، وكل إنسان يحاسب عن عمله.
في سورة النجم, قال تعالى:
﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾
( سورة النجم الآية: 38-40)
ليس لك في الآخرة إلا العمل الذي كنت قد عملته في الدنيا، ولا شيء آخر إلا عملك.
قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾
(سورة غافر الآية: 17)
﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾
(سورة البقرة الآية: 48)
هذه الآية مطلقة, قال تعالى:
﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾
( سورة البقرة الآية: 48)
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهُ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ:
" يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا "
( ورد في الأثر)
آية أخرى تؤكد هذه الحقيقة, قال تعالى:
﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾
( سورة الطور الآية: 21)
نحن في الدنيا، إذا تورط الإنسان، وخالف القوانين، حُجزت حريته، فقد أصبح رهين عمله السيء، أو رهين مخالفته، هذا في الدنيا, فكيف في الآخرة؟ لهذا, قال النبي عليه الصلاة والسلام للأقربين من عشيرته: " اعملوا لأنفسكم فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً "
( ورد في الأثر)
النبي عليه الصلاة والسلام يقول: " الذنب شؤم على غير صاحبه "
( ورد في الأثر)
كيف شؤم؟ الآن قلنا: الإنسان مسؤول عن كسبه فقط، فكيف يقول النبي عليه الصلاة والسلام:
" الذنب شؤم على غير صاحبه "
( ورد في الأثر)
فسّر ذلك؟ قال: إن ذَكَرَهُ فقد اغتابه، وإن رضّي به فقد شاركه في الإثم، وإن عيّره ابتلي به، فليحذر أحدنا إن رأى أخاً له قد وقع في ذنب أن يُشهِّر به.
3- الإنسان مسؤول عن آثار كسبه الإرادي الخيري:
الحكم الثالث: الإنسان مسؤول عن آثار كسبه الإرادي، ومحاسب عليه، فله ثواب الصدقة الجارية، ولو بعد موته، لأن استمرار الاستفادة منها في أبواب الخير من آثار كسبه، وله ثواب العلم النافع الذي يقوم ببثه، ونشره، أو التأليف فيه، كذلك كل من ساهم بنشر هذا العلم النافع، فله عند الله أجر، وفضل الله واسع، لا يُنقص من أجر الآخر شيئاً، مهما كثر المساهمون, ولـه أجر كل من اهتدى بهديه من أتباعه، أو أتباع أتباعه، أو أتباع أتباع أتباعه، إلى يوم القيامة، هذا شيء عظيم, عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رَضِي اللَّه عَنْه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
" لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ، فَقَالَ أَيْنَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالُوا يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَأَرْسِلُوا إِلَيْهِ فَأْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَ بَصَقَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ فَقَالَ عَلِيٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا فَقَالَ انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ فَوَاللَّهِ لأنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجلا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن سهل بن سعد في صحيحهما)
وفي رواية: " خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا "
(كتاب الزهد، لعبد الله بن المبارك)
هذا كلام له أبعاد، كلمة (مِن الدنيا، وما فيها) ماذا تعني؟ تصور أن رجلاً يملك كل الشركات في العالم، وكل الأراضي، وكل الأبنية، وكل المشاريع القائمة، وكل المستشفيات، وكل المشاريع الناجحة، كل أرباحها له، لو أنه مَلَكَها، ووافته المنية لتركها بلا شيء, أما إذا كنت مساهماً في هداية إنسان، فهذا الإنسان إذا سعد في الآخرة إلى الأبد، فأنت السبب، لذلك,
" يا علي لأن يهدي الله بك رجلاً واحداً خير لك من الدنيا وما فيها "
(متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم عن سهل بن سعد في صحيحهما)
أنت كإنسان تعطي على صنع باب ألف ليرة أو ألفين، أمّا أن تدفع مئة مليون ليرة على صنع باب واحد, فهذا مستحيل، بينما ربنّا عزّ وجل يثيب على العمل الصالح مَن دلّ عليه، ومَن ساهم فيه، وكل من له علاقة به، هذا من باب كرم الله عزّ وجل, وكذلك ينفع الإنسانَ بفضل الله دعوةُ ولده الصالح، هذا الابن حينما يقول: رب اغفر لي ولوالدي، فمِن تربية أمّه، وأبيه له, حينما كان صغيراً، والعناية الطبية، والصحية، والاجتماعية، والتربوية، وتحمل نفقاته، وهذا الحرص، وهذا القلق، إلى أن صار سوياً، يصل الأب من الأجر بسبب هذا الدعاء بقدرِ ما لهذا الابن مِن فضلٍ.
لذلك فإنّ تربية الأولاد عمل كبير، فلا يزهد فيها أحد، وينفعه بعد موته دعوة ولده الصالح له، لأن صلاح الولد في الغالب ثمرةٌ من ثمرات تربية أبيه له، وذلك من آثار كسبه، إلا في حالة واحدة، وهي إذا كان الأب يريد لابنه طريق الشر، طريق البعد عن الدين، يمنعه من الدين، يغريه بالدنيا بالانغماس في ملذاتها، والابن منصرف إلى الدين، هذا العمل الطيب للابن ليس في صحيفة الأب، لأن الأب ما أراد ذلك بل أراد عكس ذلك.
4- الإنسان مسؤول عن آثار كسبه الإرادي السيء:
كما يتحمل الإنسان تبعة السيئة الجارية، ولو بعد موته، لأن استمرارها قد كان لكسبه أثر فيها، ويتحمل تبعة العلم الضار، كأستاذٍ أقنع الطلاب أن الإنسان أصله قرد، زاعماً أن قصة آدم وحواء كلها خرافات، فيأتي هذا الشاب ليقرأ القرآن فيجد:
﴿ فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾
( سورة البقرة الآية: 37)
يقول له: هذا كله خلط، ولقد تعلمنا أن الإنسان أصله قرد، إذاً: هو حقاً صار قرداً، ما كان بل صار، وذلك حينما ترك الله عزّ وجل، وانغمس في الدنيا, مسخه الله قرداً، وصار حيواناً, والإنسان من دون قيَم حيوان, يتحمل الإنسان تبعة العلم الضار الذي يبثه، وينشره في الناس، ولو بعد موته، لأن كسبه في حياته كان له أثر في استمرار الضلالة فيه، بث فكرة زائغة، أو نظرية فاسدة، أو قضية من أجل مصلحة طارئة مادية، تعلم الناس طريق الشر، تقنعهم بالانحراف من أجل تغطية نفسك، من أجل تبرير عملك، تأتي بحكم فقهي مزوّر وتقنع الناس به, فحينما تبث علماً ضاراً، أو ضلالة، أو جهلاً، أو انحرافاً، كل من عمل بهذا التوجيه إلى يوم القيامة، يجب أن تتحمل وزره، أو إذا استفتي الإنسان فأفتى فتوى لا يبتغي بها وجه الله، بل يبتغى بها وجه زيد أو عُبيد، كل مَن عمل بهذه الفتوى سوف يتحمل وزرها الذي أفتى بها، لذلك هناك من يفتي فيجعل من رقبته جسراً إلى النار، إن الإنسان إذا كان لا يعلم فليقل: لا أدري، فنصف العلم لا أدري، وكلما كنت جباناً في الفُتيا كنت أقرب إلى الله عزّ وجل, عَنْ سَعِيدِ بْن أَبِي أَيُّوبَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
" أَجْرَؤُكُمْ عَلَى الْفُتْيَا أَجْرَؤُكُمْ عَلَى النَّارِ"
( ورد في الأثر)
تريّث، لست بمتأكد، اسأل.
إن الأب يتحمل من أوزار ولده الذي أساء تربيته، ودفعه إلى سلوك سبيل الشر، كما يتحمل من أوزار كل مَن تأثر بإضلاله مِن أتباعه، أو أتباع أتباعه، أو أتباع أتباع أتباعه إلى يوم القيامة، الذين كان له كسبٌ في توجيههم وجهة الضلالة والشر.
أدلة الكتاب والسنة على أن الإنسان مسؤول عن آثار عمله الإرادي:
يقول الله عزّ وجل:
﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾
( سورة النحل الآية: 25)
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا * رَبَّنَا آَتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 67-68)
فالله تبارك وتعالى يكتب ما قدّم الناس من أعمال الخير، وأعمال الشر ليحاسبهم عليها، ويكتب أيضاً آثار أعمالهم، ولو ظهرت الآثار بعد انتهاء آجالهم في حياتهم الدنيا, فإذا اخترع شخص اختراعاً، تحمل وزرَ وإثمَ كل مفسدة تحققت من جرائه على وجه الأرض إلى يوم القيامة.
هذا دليل آخر:
" سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسل إلى هرقل ملك الروم كتاباً قال: أما بعد, أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين "
( متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما)
لماذا مرتين؟ هذا جزاء القدوة، مرة لأنه أسلم، ومرة لأن أتباعه بقدوته أسلموا، حينما أسلم, أسلم معه أتباعه، فالذين لهم مكانة اجتماعية, كالأب، والمعلم، ومدير المدرسة، كل إنسان له مكانة اجتماعية، له مركز قيادي، صاحب محل، وعنده ثمانية موظفين، إذا صلى الظهر أمامهم شجعهم على الصلاة، وإذا غضّ بصره عن امرأة دخلت المحل, شجعهم على طاعة الله، فكل إنسان له مكانة بين عشرة من الناس، إذا استقام على أمر الله فإن له الأجر مرتين, مرة لأنه استقام، ومرة لأنه شجَّعَ الآخرين على الاستقامة، قال له:
" أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين"
( متفق عليه, أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما)
أي أتباعك إثمهم جميعاً في رقبتك إن لم تسلم.
5- الإنسان مسؤول عن خواطره إذا أراد العزم والقصد أما غير ذلك فلا:
الحكم الخامس: إنّ الخواطر التي تخطر على فكر الإنسان دون أن تتحول بإرادته إلى عزم وتصميم، لا تدخل في باب المسؤولية والمحاسبة، فإن تحولت بالإرادة إلى عزم وتصميم دخلت في باب المسؤولية والمحاسبة، ويُسمى هذا الخاطر عندئذٍ هماً، فالهم يعني التصميم، وهو العمل القلبي الذي يسبق العمل المادي.
لو أن الإنسان أرخى لخواطره العنان, لخشينا أن تتحول هذه الخواطر إلى أعمال, لو أن واحداً تخيل المعصية، وسبح فيها، إذا لم يقف عند حد, ربما انقلبت هذه الخواطر إلى أعمال، فلذلك إن المؤمن لا يسمح لنفسه أن يسبح في خواطر لا ترضي الله عزّ وجل, فالأفضل والأولى, كلما خطر في بال الإنسان شيء لا يرضي الله عزّ وجل، أن يبتعد عنه، أو أن يقطع هذه الخواطر
فضل الله على المؤمنين:
تفضّل الله علينا فجعل الهمّ بفعل الحسنة حسنةً يثاب عليها الإنسان، ولو لم يعملها، والدتك تحتاج لدواء الساعة الواحدة، عندهم في البيت أقراص دواء، لكنها ضائعة، أنت نويت أن ترتدي الثياب، وهممت أن تذهب إلى طرف المدينة لشراء هذا الدواء، وبينما أنت ترتدي الثياب قالت لك أمك: وجدت الدواء، فأنت عدلت عن الذهاب، كأنك ذهبت، كُتب لك الأجر, لأنك هممت لهذه الحسنة، وهذا كثيراً ما يحدث، وعلى هذا فقِس, هذا من كرم الله سبحانه وتعالى.
فأقل جزاء على العمل الصالح عشرة أمثاله، وأعلى جزاء على العمل السيء مثل واحد، وهو أعلى جزاء، أما بالنسبة للعمل الصالح فأقله عشرة، والله يضاعف لمن يشاء, قال الله:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِئَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾
(سورة البقرة الآية: 261)
سبعمئة، إلى سبعة آلاف, قال الله:
﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
(سورة الزُمر الآية: 10)
الصابرون لا حد لأجرهم، لكنك إذا هممت بالحسنة كان لك أجرها، ومِن فضل الله علينا أنْ جعل الهمّ بفعل السيئة، والتصميم عليها سيئة واحدة، شخص نوى أن يؤذي إنساناً بمحض إرادته، فإن لم يفعلها بإرادته، فكّر، شعر أن هناك إله يُحاسب، وقد يعاقبه على هذا العمل، فانتهى نهياً ذاتياً، قالوا: فإنْ لم يفعلها بإرادته تحولت السيئة فصارت حسنة.
إذا همَّ إنسان بسيئة، ولم يفعلها، ليس لأنه لم يستطيع، أردت أن توقع الأذى بفلان، فلم تجده في البيت، أردت أن تفعل ذلك فلم تتمكن، هنا وقع عليك الإثم، لكنك إذا انتهيت نهياً ذاتياً عن القيام بعمل سيء، هذا النهي الذاتي يجعل السيئة حسنة لك عند الله عزّ وجل، وإن همّ بسيئة وفعلها بإرادته كُتبت له سيئة فقط، من دون مضاعفة.
وبهذا تنتهي الموضوعات التمهيدية لموضوع الإيمان باليوم الآخر، الذي هو أحد أركان الإيمان، ويليه في الترتيب، الإيمان بالقدر خيره وشره من الله تعالى.







والحمد لله رب العالمين



السعيد 06-21-2018 07:33 AM

رد: العقيدة الاسلامية
 


بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الخمسون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (7)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
الكون دليل على وجود خالق يستحيل عليه أن يخلق الناس من دون يوم للحساب:
الموضوع اليوم: الإيمان باليوم الآخر، وكنّا قد مهّدنا لهذا الموضوع في دروس عديدة، والذي يبدو حقاً أن لهذا الكون خالقاً عظيماً، من صفاته العلم والقدرة، والعدل والحكمة، وأنه مُنزّه عن كل نقص، ويستحيل في حقه حينئذٍ أن يخلق الكون عبثاً، كما أنه يستحيل على إنسانٍ عاقل - ولله المثل الأعلى - أنْ يبني بناء ضخماً، يستغرق عشرات السنين، ثم يُكسى، ثم يُفرش، ثم يُجهّز بكل ما يحتاجه الساكن، وبعد أن ينتهي يهدمه، هذا العمل يستحيل على عاقل أن يعمله, كذلك خلقُ السموات والأرض، هذا الكون المعجز، حياة الإنسان، خلق الإنسان في أحسن تقويم، يعيش سنوات عديدة ويموت، وانتهى الأمر, قد يكون هذا الإنسان معتدياً، قد يكون مظلوماً، قد يكون ظالماً، قد يكون قوياً، قد يكون ضعيفاً، فإذا خلق الإنسان في أحسن تقويم، وانتهت حياته على أتفه سبب، وانتهى كل شيء، فهذا نوعٌ من العبث، لذلك ربنا عزّ وجل يستحيل في حقه أن يخلق الكون عبثاً، وأن يخلق الإنسان سدى, قال الله:
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ﴾
(سورة القيامة الآية:36)
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾
(سورة المؤمنون الآية:115)
لذلك, فالتأمـل في خلـق السموات والأرض يُستنبط منه أنّ لخالق الكون أسماء حسنى، وصفات فضلى، هذه الأسماء الحسنى، وهذه الصفات الفضلى لا يمكن أن تدع مجالاً للاعتقاد أن هذا الكون خلق عبثاً، وأنّ هذا الإنسان سيًتْرَك سدى, ومِن لوازم التأمل في خلق السموات والأرض الإيمان بأن لهذا الكون العظيم خالقاً، وأنّ بعد هذه الحياة يوماً يجازى فيه الإنسان على عمله، هذا يتضح في سورة النبأ، قال سبحانه وتعالى:
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ * الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ * كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ * أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَاداً ﴾
(سورة النبأ الآية:1-6)
النبأ العظيم، يوم الجزاء، يوم القيامة، يوم الحساب، يوم الدين، يوم الدينونة، يوم الثواب، يوم العقاب، يوم الجنة، يوم النار، هذا هو النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون، كلا سيعلمون عند الموت، ثم كلا سيعلمون عند البعث والنشور.
ما علاقة الآيات الكونية في سورة النبأ بيوم القيامة ؟
سيأتي الدليل على النبأ العظيم، وسيأتي الدليل على يوم الدين, قال الله:
﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَاداً * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً * وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتاً * وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاساً * وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشاً * وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِدَاداً * وَجَعَلْنَا سِرَاجاً وَهَّاجاً* وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً ﴾
(سورة النبأ الآية:7-14)
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجاً * لِنُخْرِجَ بِهِ حَبّاً وَنَبَاتاً * وَجَنَّاتٍ أَلْفَافاً * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتاً ﴾
(سورة النبأ الآية:14-17)
ما علاقة هذه الآيات الكونية بيوم الفصل، بيوم الدين؟ هذا الكون لم يُخلق عبثاً، والإنسان لن يترك سدى، بل لا بد أن يُحاسَب، لا بد أن يجازى، لا بد أن يدفع الثمن، أما أن يموت الإنسان، وانتهى الأمر، أن تنتهي حياته بالموت, فهذا لا يحقق كمال الحكمة الإلهية، وكمال العدل الإلهي، فلا بد من تحقيق كمال الحكمة، وكمال العدل في يوم آخر، إنه يوم الدين.
الشيء الثاني، هو أن أركان الإيمان، وهي معلومة لديكم، الإيمان بالله، وباليوم الآخر، وبالملائكة، والكتاب، والنبيين، لكن إذا أردنا أن نرتب أركان الإيمان عدا الإيمان بالله من حيث الأهميةُ, يأتي الإيمان باليوم الآخر في الدرجة التي تلي الإيمان بالله، أن تؤمن بالله، وباليوم الآخر، لأن من لوازم الإيمان بالله, الإيمانُ باليوم الآخر، والإيمان بالله يعني الإيمان بأسمائه، والإيمان بعدله، والإيمان بحكمته، والإيمان بعلمه، والإيمان بقدرته، سبحانه وتعالى.
فالإيمان بهذه الأسماء يقتضي كمال الحكمة، وكمال العدل، ولا يتحققان إلا في اليوم الآخر، هذا عاش ثلاثين عاماً، وهذا مات صغيراً، وهذا عمّر ثمانين عاماً، وهذا وُلِد غنياً مِن أبٍ غني ثري، وهذا وُلِد فقيراً، وهذا عاش مريضاً، وهذا عاش صحيحاً، ما هذا التفاوت الكبير؟ لا بد من تحقيق العدل الإلهي، بل كمال العدل الإلهي، ولا بد من تحقيق كمال الحكمة الإلهية، إنها في اليوم الآخر.
ما هي السلسلة الفكرية المنطقية التي تقودنا إلى اليوم الآخر:
1- الكون هو الدليل الأول لقيادة الإنسان إلى الإيمان بربه:
سنورد السلسلة المنطقية الفكرية التي تقودنا إلى الإيمان باليوم الآخر:
المقدمة الأولى: دراسة الكون، والحياة، والإنسان, تهدي إلى الإيمان بالخالق العظيم، القادر العليم، العدل الحكيم، وأسماء الله عزّ وجل كثيرة، ويعنينا في هذا المجلس أو في هذا الدرس أربعة أسماء, العلم، والقدرة، والعدل، والحكمة.
2- الكون دليل على تدبير خالق حكيم يستحيل عليه العبث فيه:
المقدمة الثانية: لا بد من غاية مِنَ الخلق، ولا يوجد إنسان عاقل يقوم بعمل لا غاية له فيه، ولا يوجد إنساناً يتحرك حركة بلا غاية، يسافر بلا غاية، يتكلم بلا غاية، يزور فلانًا بلا غاية، أن يكون للعمل غاية فهذا مِن لوازم العقلاء، والإنسان العاقل كل أعماله معللة بغاية، والله سبحانه وتعالى خالقُ الكون, أيُعقل أن يخلق الكون بلا غاية؟ فما معنى بلا غاية، يعني عبثاً، قال تعالى:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾
(سورة المؤمنون الآية:115-116)
إذا تأملت في خلق السموات والأرض, وجدت أن للسموات والأرض خالقاً عظيماً، عليماً، قديراً, عدلاً، حكيماً، ومن لوازم العدل والحكمة والعلم والقدرة أن يكون لأفعاله غاية، غاية نبيلة، ربنا عزّ وجل قال:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾
(سورة الحِجر الآية:85)
كيف عرفنا معنى بالحق؟ من هذه الآيات, قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾
(سورة ص الآية:26)
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾
(سورة الأنبياء الآية:16)
ما دام الحق مناقضاً للعب، وما دام الحق مناقضاً للباطل، فالحق هو الشيء الثابت الهادف، بالحق هناك هدف، باللّعب لا هدف معه، الحق شيء ثابت، الباطل شيء زائل، قال تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴾
(سورة هود الآية:118-119)
3- الإنسان مخير في أي طريق يسير:
المقدمة الثالثة: أن الإنسان مخير، فبإمكانه أن يفعل الخيرات، وبإمكانه أن يعمل السيئات، بإمكانه أن يتبع الهوى، وبإمكانه أن يتبّع العقل، بإمكانه أن يستقيم على أمر الله، وبإمكانه أن ينحرف عن أمر الله، بإمكانه أن يكون خير البرية، وبإمكانه أن يكون شر البرية، بإمكانه أن يفوق الملائكة المقربين، وبإمكانه أن يهوي إلى أسفل سافلين، هذا كله بإمكانه، إذًا: فهو مخيّر، ومعنى مخيّر، أي ممتحن، مُبتلى، ومن لوازم الامتحان والابتلاء, الجزاء.
النتيجة: إنها الحياة الآخرة، إنه اليوم الآخر، فطبيعة هذه الحياة رُتبت لتنتهي إلى حياة أبدية، وهذا تخطيط الله عزّ وجل، تصميمه، وهندسة الكون تقتضي أن يكون في الكون حياة دنيا، هي دار ابتلاء، وحياة أخرى، هي دار جزاء, ومن لوازم التخيير الجزاء.
الأدلة من الكتاب بشأن هذا الموضوع:
الأدلة النقلية القرآنية حول هذا الموضوع, يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ﴾
(سورة المؤمنون الآية:115-116)
تعالى الله، وتنّزه أنْ يخلق الخلق عبثاً بلا غاية، هذا النص يؤكد لو أن الله عزّ وجل خلق الخلق، ولن يُحاسبهم على أعمالهم فخَلْقه لهم جاء عبثاً، وهذا يتنافى مع حكمته، ومع عدالته، ومع علمه، ومع قدرته، فتعالى الله أن يخلق الخلق عبثًا، ومعنى المَلِك الحق، أي أن هذا الكون خُلق ليبقى، وأن الإنسان خُلق ليبقى، وما الموت إلا حالة طارئة تعتريه، لينتقل من دار إلى دار، ومن مجال إلى مجال, ولما كان احتمال العبث احتمالاً مرفوضاً عقلياً، كان لا بد من وجود حياة أخرى، تظهر فيها تطبيقات الغاية من الحياة الأولى، وهذه الحياة لا بد أن تكون مقررة في برنامج المقادير الإلهية، إنّ الله هو الملك الحق لا إله إلا هو.
دليل آخر، يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
(سورة القلم الآية:35-36)
وقال سبحانه:
﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لَا يَسْتَوُونَ ﴾
(سورة السجدة الآية:18)
شيء طيب, في الدنيا قد يستوون، وقد يكون المجرم الكافر المعرِض في بحبوحة، وغنى، ويسر، وقد يكون المؤمن في ضيق، وفقر، وما دام الله عزّ وجل قال:
﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾
(سورة السجدة الآية:18)
و:
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾
(سورة القلم الآية:35)
فلا بد أن يكون هناك فرق كبير بينهما.
فمن ظروف الحياة اليومية التي نعيشها، هذه الحياة تسمح للمعرضين أن يعيشوا فيها عيشاً رغيداً ناعماً، يصيبون فيه المال، والجاه، واللذّات، إذا سمحت الحياة لهؤلاء أن يعيشوا كذلك، والآية تقول:
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾
(سورة القلم الآية:35)
كان لا بد من يوم آخر، تتحقق فيه هذه الآية:
﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾
(سورة يس الآية:59)
﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾
( سورة يس الآية:60)
لا بد من يوم يمتاز فيه المجرمون عن المؤمنين، والمعرضون عن المقبلين، فالدنيا التي تساوي في المظهر بين المسلم وبين المعرض، هذه الدنيا، لا بد من يوم آخر يتبعها، لا يستوي في هذا اليوم الآخر المجرم مع المسلم، قال تعالى:
﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ﴾
( سورة القلم الآية:35-36)
قد تسمح الدنيا للفاجر أن يقوى على المؤمن، قد تسمح الدنيا للمعرض أن يرتفع عن المؤمن، لكن في الآخرة كل هذا لا يكون, قال الله:
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ * أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ * رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ * إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آَمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ * فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيّاً حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ *إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ * قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ * قَالُوا لَبِثْنَا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ * قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾
( سورة المؤمنون الآية:104-115)
وفي آية أخرى يقول عز وجل:
﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ﴾
(سورة المطففين الآية:34)
دليل آخر, قوله تعالى:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
(سورة الجاثية الآية:21)
﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى * أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى* فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾
(سورة القيامة الآية:36-40)
بلى إنّ الله قادر، وهذه الآيات تؤكد أن طبيعة الحياة الدنيا تقتضي أن يكون بعد الموت حياة أخرى، يتحقق فيها العدل الإلهي المطلق، والحكمة الإلهية المطلقة، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾
(سورة يونس الآية:4)
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾
(سورة طه الآية:15)
يعيد كل نفس بعملها، ويعيد الخلق ليجازي كلاً بعمله.
شيء آخر, يقول الله عزّ وجل:
﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً ﴾
(سورة الإسراء الآية:110)
أسماؤه سبحانه وتعالى كلها حسنى، ومن مقتضيات أسمائه الحسنى أن يثيب الصالح، وأن يعاقب الطالح، ومن لوازم أسمائه الحسنى أن يُكرم المستقيم، وأن يعاقب المنحرف، الدنيا لا تكفي، لأنّ فيها تفاوتًا كبيرًا، فلا بد من حياة أخرى تتحقق فيها أسماء الله الحسنى.
لا يمكن أن يسعد المجتمع الإنساني إلا إذا آمن أفراده باليوم الآخر:
الإيمان باليوم الآخر, مبدأ ضروري لسعادة الجماعة الإنسانية، هذه أخطر فكرة في الدرس، فلا يمكن لمجتمع إنساني أن يسعد إلا إذا آمن أفراده باليوم الآخر، لماذا؟ لأن الإنسان في المجتمع لا يسعد إلا إذا انضبط أفراده.
هذا الذي يبيعك حاجة، يبيعك زيتًا، ما الذي يضمن لك أن هذا الزيت ليس مغشوشاً؟ أنت لا تملك الإمكانية التي تكشف بها الغش, هذا الذي يعطيك هذه السلعة ما الذي يضمن لك أن ليس فيها عيب؟ فإذا خاف البائع من الخالق، وخاف اليوم الآخر، وخاف يوم الدين، يستقيم معك في البيع والشراء، أما من دون إيمان باليوم الآخر، مهما وضعنا من ضوابط يتفلت الإنسان منها، لأنّ الذي يضع هذه الضوابط إنسان، والذي يتفلت منها إنسان مثله، والعملية منافسة بين الأذكى، فقد يضع الضوابط إنسان ذكي، فيأتي إنسان أذكى منه، ويخرق هذه الضوابط, إنّ كل شيء وضعه البشر أَمكن خرقه، وأمكن الاحتيال عليه، والتلاعب به، فحتى عملياً لا تصلح الحياة إلا أن يؤمن أفراده باليوم الآخر.
حدثني أخ كريم, أنه يمكن إضافة مواد ضارة للمواد الغذائية من أجل أن يرتفع سعرها، فما الذي يضمن أن هذا الذي يصنع الغذاء سيضيف مواد حافظة بكميات زائدة عن الكميات القانونية، من أجل ضمان عدم فساد هذه المواد، وهي مواد مسرطنة، تؤدي إلى الإصابة بالسرطان؟ إذاً: كيف تستقيم حياتنا؟ هذا الذي يصنع الغذاء ويعلبه, إذا لم يخش الله عزّ وجل، وإذا علم أن الله لن يحاسبه عن كل من تأذى بهذا الغذاء, فسيقع ظلم وقهر، ولن تستقيم حياتنا، فضوابط البشر مهما دقت لا تكفي, لأن الإنسان علمه محدود، وضوابط البشر مقيدة بالمراقبة، ويستحيل أن توفر مراقباً على كل إنسان، وقد يتفقان، فتحتاج لمراقب ثالث عليهما، وقد يتفق الثلاثة فتحتاج إلى رابع, فمن المستحيل أن تضبط الأمور، إلا أن ترسخ إيمان الناس باليوم الآخر، حيث سيقف بين يدي الله عزّ وجل ليحاسبه عن كل عملٍ اقترفه، والأمثلة في مثل هذا لا تعد ولا تحصى، فالإنسان الذي تتعامل معه إذا لم يكن مؤمناً بالله، ولا باليوم الآخر, فهو وحش مخيف، فقد يحتال عليك، وقد يبتز مالك، وقد يغشك في صحتك، فيجري لك عملية جراحية لا جدوى منها.
أخ يعمل في لف المحركات، حدثني بنفسه عن مشكلة عامة تحدث في أكثر المحركات التي تحتاج للتصليح، وهي وجود سلك رفيع يكون مقطوعاً، يتم تصليحه خلال خمس ثوان, ويأخذ عليه أجرة 1500 ليرة، بينما بعد ما عرف الله عزّ وجل, يأتيه الزبون بعد أسبوع فيتقاضى منه أجراً عشر ليرات، لأن العطل لا يتطلب ذاك المبلغ, وعلى هذا فقِس.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 06-21-2018 02:52 PM

رد: العقيدة الاسلامية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الواحد و الخمسون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (8)







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما دليل المسلم على إيمانه باليوم الآخر ؟
1- طريق الخبر الصادق:
أيها الأخوة, مع الدرس الواحد والخمسين من دروس العقيدة، وقد وصلنا إلى موضوع وجوب الإيمان باليوم الآخر، وتحدثنا في الدرس الماضي عن ضرورة الإيمان باليوم الآخر، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا آَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً﴾
(سورة النساء الآية:136)
كأن الله سبحانه وتعالى وضّح في هذه الآية أركان الإيمان، وكيف أنّ الإيمان باليوم الآخر أحدُ أركان الإيمان الأساسية؟ فعقيدة الإيمان بالله لا تنفك عن الإيمان باليوم الآخر، لأن مِن مقتضى الإيمان بالله تصديقُه في جميع ما يخبرنا به، فلو سألك سائل: ما الدليل على إيمانك باليوم الآخر؟ تقول: هذا الكون كله دليل على وجود الله، فالإيمان بوجود الله إيمان تحقيقي، بعد أن عرفتَ الله، وعرفتَ أن لهذا الكون خالقاً عظيماً، وأن هذا الخالق العظيم لا يُعقل أن يترك عباده من دون إرشاد، وأنه أنزل على رسله كتباً، ليُعرفّهم بحقيقة وجودهم، وحقيقة المهمة التي خُلقوا من أجلها، وأن الله عزّ وجل أخبرنا في هذه الكتب أن هناك يوماً آخر.
فمِمّا يقتضي، ومما يلزم مِنَ الإيمان بالله عزّ وجل الإيمان باليوم الآخر، لأن الله عزّ وجل أخبرنا في كتبه بأن هناك يوماً آخر، القضية سلسلة يشد بعضها بعضًا, الإيمان بالله إيمان تحقيقي، عن طريق النظر في الكون، وعن طريق الاستدلال العقلي اليقيني.
ذكرت لكم من قبل أنّ مسالك اليقين أربعة:
1- مسلك اليقيني الحسّي: أنت تشعر، أنت تحس، وترى بعينك أن هذا المصباح متألق، وأن هذا كتاب، وأن هذا كأس، هذه أمثلة على هذه المسلك.
2- مسلك اليقين الاستدلالي: الأثر يدل على المؤثر، والنظام على المنظم، والخلق يدل على الخالق، والوجود يدل على الموجد، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج, ألا تدلان على العليم الخبير ؟.
4- مسلك اليقين الإخباري: وهو الشيء الذي غابت عينه، وغابت آثاره، كعالم الأزل، وعالم الأبد، والملائكة، والجن، واليوم الآخر، والجنة، والنار، والبرزخ، ويوم البعث، والنشور, هذه الأشياء المغيبة عنّا مسلك اليقين الإخباري.
يقينك باليوم الآخر يقين إخباري، لأن الله عزّ وجل أخبرنا عن طريق الوحي، وفي الكتب المنزلة، أن هناك يوماً آخر، وهذا هو الدليل الأول.
من ضمن ما أخبرنا الله به عن اليوم الآخر ذكر الوعد والوعيد:
وقد أخبرنا عن اليوم الآخر في وعده ووعيده، وما أعدَ الله في هذا اليوم من نعيم للمؤمنين المتقين، ومن الوعيد في هذا اليوم مِن عذاب للمجرمين, ولقد قررّ الله سبحانه وتعالى حقيقة الحياة الثانية بعد الموت، وأنها حياة الحساب والجزاء، وإقامة العدل الرباني في الخلائق، الحياة الدنيا حياة ابتلاء مؤقتة، حياة ابتلاء فانية، والحياة الآخرة، حياة جزاء خالدة، بعد هذه الحياة الأولى الفانية القصيرة المدى، التي هي حياة الامتحان والابتلاء، المحاطة بظروف الامتحان اللازمة على أتم وجه وأدقه.
إنّ طبيعةَ هذه الحياةِ مصممة بشكل دقيق، على أن تكون حياة ابتلاء، حيث التفاوت في المستوى المعاشي، فهل يشكر هذا الغني؟ وهل يصبر هذا الفقير؟ هناك ابتلاء في قوة الجسد وضعفه، أفيشكر هذا الصحيح؟ وهل يصبر هذا السقيم؟
الأديان جميعها تؤكد وتؤمن بهذا اليوم:
ولقد قرّر الله سبحانه وتعالى حقيقة هذه الحياة الآخرة في اليوم الآخر, والدار الآخرة في جميع الأديان السماوية، وأنزلها على جميع رسله عليهم الصلاة والسلام، لأن الإيمان باليوم الآخر أحد أركان العقيدة في كل الديانات السماوية، فما من دين سماوي إلا وأحد أركان الإيمان فيه الإيمان باليوم الآخر.
أسلوب القرآن المتنوع في تقريب هذه الحقيقة إلى الأذهان:
لكن ربّنا عزّ وجل في معرض وجوب الإيمان باليوم الآخر ينوّع وسائل العرض، فتارة يأمر بالإيمان باليوم الآخر، وتارة ينهى عن الكفر به، وتارة يصرّح حيث لا يدع شبهة في التصريح، وتارة يُرغّب في الجنة، وتارة يُرهّب من النار، وتارة يشير، ويُلمّح في مقام حث المؤمنين على العمل الصالح، وتارة يمثّل, قال الله:
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ﴾
(سورة الكهف الآية:45)
وهذا التمثيل والتشبيه لتقريب حقيقة هذه الحياة الثانية إلى الأذهان، وتارة بإقامة البراهين، والحجج المنطقية الدافعة في منافسة منكري البعث، وتارة بوصف ما في هذه الدار الآخرة من نعيم مقيم، وعذاب أليم، وجنة، ونار، وعرض، وحساب، وميزان، وصراط، إلى غير ذلك مِن مَشاهد وصور, لا يخفى على متعهد كتاب الله بالتلاوة أو بالسماع كثرةُ الآيات الكريمة، التي تُنَوِّهُ بالبعث من مختلف أطرافه، وبالحياة الآخرة من مختلف ألوانها، فعقيدة الإيمان باليوم الآخر، وما في هذا اليوم من حقائق ثابتة، عقيدة معلومة مِن الدين بالضرورة.
الترابط المتلازم بين عقيدة الإيمان وبين السلوك وهما لا ينفكان:
بينـت لكم من قبل, أن هناك مجموعة عقائد، يجب أن تُعلم بالضرورة، ولا يُعفى أي مسلم من مغبة الجهل بها، لكنّ التبحر في بعض العلوم فرض كفاية، غير أنّ هناك بعض الحقائق، وبعض المعتقدات الأساسية يجب أن تُعلم بالضرورة، فحضور مجالس العلم يرقى إلى مستوى الفرض، من أجل أن تعرف العقائد التي لا بد أن تعتقد بها، لأن هذه العقائد أساسية في تحرك الإنسان.
من كانت عقيدته صحيحة كان عمله صحيحاً، ومن كانت عقيدته زائغة، كان عمله زائغاً، والدليل ناصع كالشمس، هذا الذي يأكل مالاً حراماً، لماذا أكله؟ لأنه اعتقد أن الحياة هكذا, خُلق الإنسان بلا مسؤولية, أما إذا عَلِمَ عِلمَ اليقين أنه سيحاسب عن هذا المال الحرام حساباً عسيراً، وإذا اعتقد أن هذا المال ربما تلف وأتلف صاحبه ابتعد عن الحرام, هنالك علاقة أساسية، وعلاقة خطيرة جداً بين المعتَقَد، وبين السلوك، هذا الذي يعتقد اعتقاداً جازما، أن كثرة ملح الطعام يسبب ارتفاع الضغط، وأن ارتفاع الضغط مرض خطير قاتل، إذا بلغ علمه حد اليقين في خطورة ملح الطعام، يعزف عن الطعام المالح، ولو كان من أشهى أنواع الطعام، لأنّ قناعته اليقينية أن ملح الطعام يسبِّب له متاعب لا حصر لها تمنعه من تناول ملح الطعام، هذا على المستوى الصحي، فإذا كان جاهلاً، ولم يعرف خطورة هذه المادة, وأثرها في رفع الضغط، وفي حبس السوائل في الجسم، وفي إرهاق القلب، تناول من الملح بشكل يرضي ذوقه، يقول لك: هذا الطعام لا يؤكل، أَضِفْ إليه الملح حتى نستسيغ طعامه, إذاً: العقيدة لها علاقة بالسلوك، وكلما ارتقى مستوى اليقين كلما سما العمل، ولا يمكن لإنسان أن يستقيم على أمر الله إلا إذا صحت عقيدته، فإذا لم تصح فهو يقترف من الآثام، ويقتنص من الشهوات، وينغمس في الملذات، لأن عقيدته غير سليمة.
إذا اعتقد الإنسان أن هذه الصلاة لا لزوم لها، إنها حركات لا معنى لها، وإنها عبء على الإنسان، فهذا كفر, وقد يترك المرء الصلاة إنكاراً لحقها فيكفر، وقد يتركها تهاوناً فيفسق، فالمعتقد شيء مهم جداً.
إذا اعتقدت أنه لا بد من أكل الربا، هكذا الحياة، هذا المال لا ينبغي أن يبقى مجمداً، ولا بد من أن يُستثمَر بربح مضمون، من دون قلق، ولا بد مِن وضعه، واستثماره بفائدة عالية، إذا اعتقدت بأن الربا حلال فقد كفرت, أما إذا اعتقدت بأن الربا حرام فهذا فسق، والفرق بين الكفر والفسق فرقٌ بين صحة العقيدة، وبين زيغ العقيدة.
عقيدة المؤمن راسخة في إيمانه باليوم الآخر وأي شبهة تعتريه مرجعه القرآن:
المسلم يعلن دائماً, أنه يؤمن باليوم الآخر، ولا ينكر شيئاً من أحوال الآخرة وحقائقها التي جاء الإخبار عنها بطريق خبر يقيني صادق، فلا ينقص منها شيئاً، فإذا قرأ الإنسان في كتاب أن الإنسان أصله قرد، وأن هذا الذي جاء في كتاب الله ليس صحيحاً، حيث إنّ الإنسان أصله من آدم، الذي كان في الجنة مع حواء، و هبطا منها، هذه القصة التي وردت في القرآن الكريم، إذا اعتقد أنها غير صحيحة، وقع في الكفر، إذًا ما موقفه من هذه النظرية؟ لا بد أنْ يأخذ منها موقفاً واضحاً، يجب أن يدحضها بالدليل العقلي والنقلي، أمّا أنْ يبقى في ذهنه صحة هذه النظرية, وصحة هذه السورة التي وردت فيها قصة سيدنا آدم فهذا مستحيل, وجمعٌ بين النقيضين, فلا بد أن يأخذ موقفاً عقائدياً صحيحاً، إما أن يؤمن بالله، وكتبه، وفي مقدمة كتبه القرآن الكريم، وإما أن يعد في عقيدته زائغاً وكافراً.
إذاً: فلا ينقص منها شيئاً، ولا يزيد عليها شيئاً من محض الخيال والتصور، لأنها مِن أمور الغيب، التي لا يستطيع العقل أن يعرف عنه أية صورة، وهذا شيء أُلح عليه كثيراً, أمور الغيب، عالم الأزل، وعالم الأبد، عالم الموت، عالم البرزخ، عالم البعث، عالم النشور، عالم الجنة، عالم النار، عالم الملائكة، عالم الجن، هذه الأشياء المغيبة عنّا، لا سبيل للعقل لمعرفتها عن طريق الاستدلال، بل لا بد من الاستسلام لِما جاء مِن الأخبار عنها، وهذه عقيدة المؤمن الصحيحة، يجب أن يكون إيمانك بالله إيماناً تحقيقياً، أمّا الذي أخبرك الله عنه، فالإيمان به إيمان تصديقي.
أسماء يوم الآخر كما وردت في الكتاب:
1- أسماء بحسب الظرف الزماني:
لليوم الآخر أسماء كثيرة وردت في كتاب الله، وهناك فروق في دلالاتها، فلقد جاء في القرآن الكريم تسمية اليوم الآخر بعدة أسماء، أخذاً بما يجري فيه، ومن أسمائه:
1- يوم البعث: لأن فيه البعث إلى الحياة الجسدية بعد الموت، ويوم البعث إشارة إلى أن الإنسان يُبْعَث بعد أن يموت.
2- يوم الخروج: لأن فيه خروج الناس من قبورهم إلى الحياة الأخرى، قال تعالى:
﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾
(سورة ق الآية:42)
3- يوم القيامة: لأن فيه قيام الناس إلى الله سبحانه وتعالى لحسابهم.
4- يوم الدين: لأن فيه إدانة الخلائق، ومجازاتهم على أعمالهم.
5- يوم الفصل: لأنّ الناس في الدنيا يعيشون على حدِّ قول الشاعر:
وكلٌ يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تقر لهم بذاكا
﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾
(سورة المؤمنون الآية:53)
كل الناس يعتقدون أنهم على حق، وأن غيرهم على الباطل, فيأتي يومُ الفصل ليفصل في هذا الموضوع, لأن فيه الفصل بين الناس بالعدل.
6- يوم الحشر، ويوم الجمع: لأن فيه جمع الخلائق، وحشرهم في موقف الحساب.
7- يوم الحساب: لأن فيه محاسبة الناس على أعمالهم في الدنيا.
8- يوم الوعيد: لأن فيه تحقيقاً لوعيد الله سبحانه وتعالى, قال الله:
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾
(سورة ق الآية:20)
9- يوم الحسرة: لأن في هذا اليوم ينفطر قلب الكافر حسرةً, قال الله:
﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾
(سورة الزُمر الآية:56)
10- يوم الخلود: لأن الحياة في هذا اليوم للمكلفين في الدنيا حياة أبدية خالدة، والإنسان في الدنيا يخشى تقدم السن، ومع تقدم السن يخشى الموت، ويخشى أن تمضي به الدنيا، فيغادرها قبل أن يستمتع فيها، يخاف أن يشيب شعره، فيحرص على شبابه الدائم، أما هذا الشعور فهو يوم القيامة غير موجود في الجنة، لا تقدم في السن، ولا ضعف في الجسم، ولا ضعف في البصر، ولا فقد للذاكرة، ولا خوف من الموت، ولا خوف من النهاية, قال الله:
﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾
(سورة ق الآية:34)
إلى غير ذلك من الأسماء.
والملاحظ, كل هذه الأسماء مُضافة إلى كلمة يوم، أخذاً مِن الظرف الزماني.
2- أسماء بحسب الظرف المكاني:
وقد جاءت أسماء أخرى ملاحظ فيها التسمية بالدار، أخذاً من الظرف المكاني، المستلزم لهذه الحياة الثانية, ومن هذه الأسماء:
1- الدار الآخرة: لأن هذه الحياة الثانية حياة مادية أيضاً، تستلزم مكاناً، وقد أطلق الله على مكانها اسم الدار.
2- دار القرار: هنا يستقر الإنسان، الإنسان في الدنيا يغنى ويفتقر، يرتفع وينخفص، يصح ويمرض، لكنه في الآخرة يستقر على حال واحدة، لأن فيها استقراراً دائماً بلا فناء.
3- دار الخلد: لأن الإقامة فيها إقامة أبدية، لا تحتاج إلى تجديد إقامة، كما إذا كان الإنسان في بلد، أعماله فيه رائجة جداً، ودخله كبير، لكنه أجنبي عن هذا البلد، أهم شيء في حياته الإقامة، إذا قام بتجديدها يصبح عنده قلق مستمر، لكنه إذا دخل إلى الجنة فلا يحتاج في الجنة إلى تجديد إقامة، ولا يخشى أن تُلغى إقامته فيها, قال الله:
﴿ لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾
(سورة الحِجر الآية:48)
3- أسماء لها معاني أخرى:
كما وردت أسماء أخرى لليوم الآخر, يلاحظُ فيها معاني أخرى, وهي:
1- الواقعة مثلاً, قال تعالى:
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾
(سورة الواقعة الآية:1)
سميت واقعة أخذاً من تحقق وقوعها، فلا بد أن تقع, قل تعالى:
﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ* خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ ﴾
(سورة الواقعة الآسية:1-3)
قد يصبح الإنسان في الآخرة في أعلى عليين، وقد كان في الدنيا مغموراً، وقد يصبح الإنسان في الآخرة في أسفل السافلين، وقد كان في الدنيا مشهوراً.
2- الحاقّة: لأنها تحق كل مجادل، ومخاصم في دين الله بالباطل، أي تغلبه أخذاً من قولهم: حاققته فحققته، أي غالبته فغلبته, قال الله:
﴿الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ * كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ ﴾
(سورة الحاقة الآية:1-4)
الإنسان أحياناً يخاصم، ويجادل، ويدعي المنطق، لكنه يوم القيامة تأتيه الحجة الدامغة، على أنّ الذي وَعَدَ الله به حق، قال الله:
﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ﴾
(سورة يس الآية:52)
3- القارعة: أخذاً مما يجري فيها من قرع شديد، والقرع هو الضرب الذي يحصل فيه صوت شديد، وسميت القارعة: لأنها تقرع القلوب بأهوالها.
لو طرق باب إنسان الساعة الثانية ليلاً بعنف بالغ، أعتقد أن قلبه سينخلع، يقول: من جاء ليأخذني؟ قال الله:
﴿الْقَارِعَةُ * مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾
(سورة القارعة الآية: 1-3)
4- الغاشية: أخذاً مما يجري فيها من غشيان عام للثقلين، الإنس والجن، قد يتلقى الإنسان نبأ سيء، فينسى كل أموره العادية، ويكون عنده قائمة مشكلات يريد حلها، يأتيه خبر سيء فينسيه كل شيء، قال عز وجل:
﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً * تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ﴾
(سورة الغاشية الآية:1-5)
لو نزل رجل في فندق، فلم تعجبه الغرفة، وهو يبحث مع صاحب الفندق لينتقل إلى غرفة أجمل مطلة على البحر، وهو كذلك إذْ تأتيه مكالمة هاتفية أن محله قد احترق، فهل يبقى مع هذا النبأ مشكلة الغرفة؟ فوراً ينساها.
5- الطامّة: وأصل الطامة الداهية التي تغلب، وتفوق ما سواها من الدواهي، من قولهم: طم الشيء أي غمره، وسميت القيامة الطامة لما فيها من الشمول والعلية.
6- الآزفة، قال سبحانه:
﴿أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ * لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾
(سورة النجم الآية:57-58)
الآزفة: أي القريبة، وسميت بذلك إشعاراً بقربها بالنسبة إلى عمر الدنيا الطويل، وإعلان قربها يتضمن تحقق وقوعها لزوماً، إلى غير ذلك من أسماء.
عنوان الدرس القادم إن شاء الله:
وسوف ننتقل في الدرس القادم إن شاء الله تعالى إلى مقدمات اليوم الآخر، أولاً: الساعة، آثارها في الكون، وقتها، قيام الساعة، أمارات الساعة، وننتقل بعدها إلى البرزخ، وما فيه من نعيم القبر وعذابه، وبعدئذ إلى سؤال القبر من قبل الملكين، وبعدها النفخة الأولى، والنفخة الثانية، وبعدها بعض الحقائق عن البعث واليوم الآخر.









والحمد لله رب العالمين

السعيد 06-21-2018 02:54 PM

رد: العقيدة الاسلامية
 



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثانى و الخمسون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (9)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
المرحلة الثانية من مراحل اليوم الآخر وهي ما بعد الموت:
1- عالم البرزخ:
أيها الأخوة، وصلنا في الدرس الماضي في موضوع اليوم الآخر إلى المرحلة الثانية من مراحل ما بعد الموت، ألا وهي البرزخ، وتحدثنا عن الساعة، وهي نهاية الحياة الدنيا، وبداية الحياة الآخرة، وهناك مرحلة بين الدنيا والآخرة, وهي مرحلة انتقالية سماها القرآن الكريم البرزخ، قال تعالى في سورة المؤمنون:
﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾
( سورة المؤمنون الآية:99-100)
ففي هذه الآية تصريح بأن ما بين الموت، وبين البعث مرحلة زمنية اسمها البرزخ.
أحوال البرزخ:
1- عذاب القبر ونعيمه:
فماذا في البرزخ؟ في البرزخ نعيم مقيم، أو عذاب أليم، لو أن قاضيًا أصدر حكماً بالإعدام، ماذا يوجد بين إصدار الحكم وتنفيذه؟ حالة من الشقاء النفسي، هذا الذي يصدر في حقه حكم بالإعدام، إلى أن يُطبق عليه الحكم يموت كل يوم ميتتين أو ثلاثًا، وكلما وُضِع المفتاح في الباب يظن أنهم جاؤوا لينفذوا فيه حكم الإعدام, فما الذي يؤكد أن في البرزخ نعيم، أو عذاب أليم؟ الآية التالية من سورة الجاثية، وهي قوله تعالى:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
(سورة الجاثية الآية:21)
فموت هذا ليس كموت هذا، وحياة المؤمن غير حياة الكافر، المؤمن حياته طمأنينة، فيها رضاء، واستسلام، وتوكل، وتفويض، و تسليم، وسعادة, وتفاؤل، موعود بجنة عرضها السموات والأرض، أمّا حياة الكافر فيسودها القلق، والقهر، والشعور بالحرمان، وخوف الفقر، أو خوف المرض، أو خوف المصيبة، فشتان حينئذٍ بين حياة المؤمن وحياة الكافر، هذا لا شك فيه، هذا شيء نعرفه جميعاً، ونعيشه، لكن الآية تشير إلى هذا, والدليل:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ﴾
(سورة الجاثية الآية:21)
فالتسوية بين الفريقين المذكورين في الممات مستحيلة.
الأدلة الواردة من الكتاب والسنة على عذاب القبر ونعيمه:
يقول الله عزّ وجل في شأن آل فرعون في سورة غافر:
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾
(سورة غافر الآية:46)
فرعون، ومن معه منذ ستة آلاف عام، وإلى يوم القيامة يعرضون على النار غدواً وعشياً، ستة آلاف عام اضربوها بثلاثمئة وخمسة وستين يوماً، ثم اضربوا الناتج باثنين، ينتج عدد مرات عرض فرعون ومن معه على النار, قال الله:
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ ﴾
(سورة غافر الآية:46)
هذه الآية أصلٌ في عذاب القبر، لذلك ربنا عزّ وجل يقول:
﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾
(سورة المدثر الآية:38)
﴿إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ﴾
( سورة المدثر الآية:39)
أصحاب اليمين أنفسهم طليقة، بينما أهل النار أنفسهم رهينة بأعمالهم.
أحاديث للنبي عليه الصلاة والسلام كثيرة، وصحيحة تؤيد عذاب القبر، أو نعيمه، فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:
" إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ فَيُقَالُ هَذَا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
(أخرجهما البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر في الصحيح )
الإنسان له مقعد بعد الموت، فإما أن يكون هذا المقعد مقعد أهل الجنة، وإما أن يكون هذا المقعد مقعد أهل النّار، يجلس عليه إلى أن يبعثه الله يوم القيامة.
عن عبد لله ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مر بقَبْرَيْنِ, فَقَالَ:

" إِنَّهُمَا يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا هَذَا فَكَانَ لا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ وَأَمَّا هَذَا فَإِنَّهُ كَانَ يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ "
( أخرجه الجماعة وهذا لفظ البخاري عن ابن عباس في الصحيح)
وما من شيء يفتت العلاقات الاجتماعية، ويفّرق بين الأهل, وبين الزوج وزوجته، والأخ وأخيه، والأب وابنه, والأم وابنتها مثل النميمة، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ, قَالَ:
" كُنَّا فِي الْبَحْرِ وَعَلَيْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْفَزَارِيُّ وَمَعَنَا أَبُو أَيُّوبَ الأنْصَارِيُّ فَمَرَّ بِصَاحِبِ الْمَقَاسِمِ وَقَدْ أَقَامَ السَّبْيَ فَإِذَا امْرَأَةٌ تَبْكِي فَقَالَ مَا شَأْنُ هَذِهِ قَالُوا فَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيـْنَ وَلَدِهَا, قـَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الأحِبَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ "
( ورد في الأثر)
فأي تفريق بين متحابين، بين زوجين، بين أخوين، بين شريكين، بين جارين، بين موظفين، بين زميلين، التفريق بينهما جرم كبير عند الله عزّ وجل, لذلك كانت النميمة هي السلاح الفعال لتفتيت المجتمع، قال عليه الصلاة و السلام:
" لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ "
(أخرجهما البخاري ومسلم في الصحيح)
يقول الله سبحانه وتعالى:
ِ﴿ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾
( سورة الأنفال الآية:1)
وفي معنى آخر:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾
( سورة الأنفال الآية:1)
أي أصلح أنت كل علاقة بين اثنين لست أنت أحدهما، أصلحْ بين أخويك، أصلح بين جيرانك، أصلح بين أولادك، أصلح بين بناتك، فالآية دقيقة جداً:
﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾
( سورة الأنفال الآية:1)
تلاحظون أن كل الذي ذكرته من تعريف البرزخ، ومن عذاب أهل الكفر في القبر، ومن نعيم أهل الجنة في القبر, مؤكَّدٌ بآيات قرآنية، وبأحاديث صحيحة رواها البخاري ومسلم.
هل عذاب القبر ونعيمه جسماني وروحاني معاً, أي على النفس والبدن ؟
كيف يكون العذاب؟ وما طبيعة هذا العذاب؟ هل هو عذاب مادي؟ هل هو عذاب نفسي ؟ هذا لا نعرف عنه شيئاً، لأننا في هذه الموضوعات ليس لنا إلا أن نؤمن بالخبر الصادق الذي ذكره الله عزّ وجل، وما سوى الخبر الصادق مِن التحليلات، والزيادات، والإضافات هذا كله لا يقدِّم، ولا يؤخر، بل إن علماء العقيدة قالوا: أي زيادة في المغيّبات عن الخبر النصّي فهي زيادة ظنية، ليس لها مستوى اليقين.
لذلك, كيف يكون العذاب؟ كيف يكون النعيم؟ هذه أمور غيّبها الله عنا، ولكن الشيء المطلوب أن يكون عملك صالحاً، حتى تعرف معرفة يقينية بعد الموت كيف يكون النعيم؟ لكن أنا حتى أقرب لك الموضوع, أقول: أحياناً تأوي إلى فراشك، وأنت في حالة عادية، ترى رؤيا لا تحب أن تستيقظ من شدة السرور بها، تشعر إن رأيت النبي عليه الصلاة والسلام بالسعادة التي تحصلها من هذه الرؤيا سعادة لا توصف، إن رأيت أصحاب رسول الله، إن رأيت من تحبهم مِن المؤمنين، إن رأيت نفسك قد وصلت إلى آمالك، وإن الله عزّ وجل قادر على أن يسعدك سعادة ملموسة حقيقية، وأنت في فراشك، وبالمقابل فإنّ الله سبحانه وتعالى قادر على أن يذيق الإنسان في أثناء النوم مِن ألوان العذاب، ومن ألوان الخوف، ومن ألوان الاضطهاد، ومن ألوان القلق ما لا سبيل إلى وصفه، يسمونها كوابيس، واللهُ عزّ وجل جعل النوم مثلاً لنا، كيف يمكن أن يعذَّب الإنسان عذاباً شديداً من دون أن يكون للجسد أثرٌ فيه, في النوم؟ لكن عذاب الآخرة عذاب مادي قولاً واحداً، وعذاب نفسي، قال تعالى:

﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾
(سورة المؤمنون الآية:104)
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾
(سورة النساء الآية:56)
طبيعة العذاب في القبر, لم يرِد فيها نص قرآني يوضح طبيعته، لكن العذاب موجود، والنعيم موجود، وطبيعة العذاب، وطبيعة النعيم تُترك إلى حينها.
2- بيان سؤال منكر ونكير مع الدليل:
سؤال القبر من قِبَل الملكين منكر ونكير، وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الإنسان المكلف إذا مات, جاءه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما المنكر، ويقال للآخر النكير، فيسألانه الأسئلة التالية:
من ربك؟ قد يقول أحدكم: الجواب سهل, أقول: الله ربي.
ما دينك؟ الإسلام ديني.
ماذا تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم, أي سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام؟ هو نبي الرحمة.
لكن الحقيقة, هذه اللغة التي تستخدمها في الدنيا لا تستطيع أن تستخدمها في القبر، فأنت في القبر لا تنطق إلا بلغة الحال، فمَن كان دينه الدرهم والدينار في الدنيا، إذا سُئل: ما دينك؟ يقول: الدرهم والدينار، والذي كان دينه في الدنيا الشهوات إذا سُئل؟ يقول: النساء، والذي كان دينه الإفساد بين الناس إذا سُئل؟ يقول: ديني الإفساد بين الناس, لذلك, ليس هناك كذب في الآخرة, فطبيعة اليوم الآخر, لا تحتمل تزييف الحقائق، ولا تغيير الحقائق, قال الله:

﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
(سورة يس الآية:65)
لذلك طلب أحد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن تدركه الوفاة, قميص النبي عليه الصلاة والسلام ليكفَّن به، فقالوا: لِمَ طلبت هذا القميص؟ قال: إذا قال لي الملكان: من ربك؟ أقول: الله ربي، وما دينك؟ أقول: الإسلام ديني، ما تقول في هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ أقول: هذا قميصه، لكن بعض المنافقين الذين كانوا يجلسون إلى جنب النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا رأس الفتنة في المدينة، حينما جاءتهم المنية, قال عليه الصلاة والسلام: الآن استقر في جهنم حجر كان يهوي فيه سبعين خريفاً، وقد طلبوا قميص النبي، وأعطاهم النبي قميصه، وقال:
" وما يغنيكم قميصي من عذاب الله "
( ورد في الأثر)
أي كن موضوعياً، تعلق بجوهر الدين, فلو أنك ارتديت قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم تكن في المستوى المطلوب، لما نفعك هذا القميص.
أما المؤمن فيجيب عليها بما آمن به في الدنيا مِن حق، يعرض عليه مقعده من الجنة، بعد أن يُعرض عليه مقعده من النار، لو لم يكن قد مات مؤمناً، وذلك تثبيتًا لقلبه، وتنعيماً له، ويُفسح له مد نظره، أي أن القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النيران، وأما المنافق والكافر, فيقول: هاء, هاء, لا أدري، فيُقال له: لا دريت ولا تليت, ويُضرب بمطارق من حديد، يصيح منها صيحة يسمعها مَن يليه غير الثقلين، أي يسمع صيحته مَن يليه من الملائكة والموتى غير الإنس والجن، كما يضيق عليه تعذيباً له، فيختلف عليه القبر، حتى تختلف أضلاعه معه. فعَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, قَالَ:

" إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ "
( ورد في الأثر)
فالإنسان بعد الموت يرى كل شيء، ويسمع كل شيء، فأنا أعتقد أن روح الميت ترفرف فوق النعش، ترى المشيعين واحداً واحداً، ترى مَن يبكي، ومن لا يبكي، ترى من يعلن عن حزنه، ومن لا يعلن، ترى أن فلانًا، وفلانًا كانا يتحادثان في الجنازة.
وقد قال أصحاب النبي عليه الصلاة السلام عقب معركة بدر الكبرى، وقد توجه إلى قتلى بدر يخاطبهم: يا عقبة بن شيبة، يا أمية بن خلف، يا فلان، يا فلان، يا فلان، هل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقاً، لقد كذبتموني، وصدقني الناس، وأخرجتموني، وآواني الناس، وخذلتموني، ونصرني الناس، فدهش أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، وقالوا:

" يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تُكَلِّمُ قَوْمًا جَيَّفُوا فَقَالَ مَا أَنْتُمْ بِأَفْهَمَ لِقَوْلِي مِنْهُمْ أَوْ لَهُمْ أَفْهَمُ لِقَوْلِي مِنْكُمْ "
(أخرجهما البخاري ومسلم عن عائشة في الصحيح)
لذلك عن أنسٍ رضي الله عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام:
" الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَتُوُلِّيَ وَذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَأَقْعَدَاهُ فَيَقُولانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الـرَّجُلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولُ أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَأَمَّا الْكَافِرُ أَوِ الْمُنَافِقُ فَيَقُولُ لا أَدْرِي كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فَيُقَالُ لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ ضَرْبَةً بَيْنَ أُذُنَيْهِ فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ إِلا الثَّقَلَيْنِ "
( ورد في الأثر)
وقد حدثتكم من قبــل, عن أن أول ليلـة يوضع الميت فيها في قبره أنها أصعب ليلة، تصور إنسانًا يسكن في بيت، ينام على فراش وثير، عليه ملاءة بيضاء، ناصعة كالثلج، وقد تكون معطرة أحياناً، يجلس إلى طاولة ليتناول الطعام، وعلى هذه الطاولة ما لذّ وطاب، حوله زوجته وأولاده، قد يأتيه ضيف يعظمه، ويبجله، وقد يُدعى إلى سهرة، إلى ندوة، إلى نزهة، فما قولكم إذا سُحب هذا الرجل, ليوضع في حفرة لا نور فيها، ولا دفء، ولا اتساع ؟ لذلك, الإنسان حينما يوضع في قبره أول ليلة,
" يقول الله عزّ وجل: عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك، ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت "
( ورد في الأثر)
إنك صائر إلى الله عزّ وجل، فالمفروض عليك أن تحسن علاقتك به من الآن.
جاء في حديث آخر, أخرجه الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَوْ قَالَ أَحَدُكُمْ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ يُقَالُ لأحَدِهِمَا الْمُنْكَرُ وَالآخَرُ النَّكِيرُ فَيَقُولانِ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِي هَذَا الرَّجُلِ "
( أخرجه الترمذي عن أبي هريرة في سننه )
هناك قصة رمزية: أن إنسانًا غنيًا وافته المنية، خاف أولاده من هذه الليلة الأولى التي يوضع فيها في القبر، فرأوا إنساناً فقيراً معدماً، وعرضوا عليه أن ينام هذه الليلة مع أبيهم، ويعطونه مبلغاً كبيراً، وهذا فقير, محروم، بائس، رضي بالعرض، فنام إلى جنب هذا الميت الغني، جاء الملَكان، فرأوا منظراً غريباً، العادة يُدفَن واحد في القبر، والآن هناك اثنان, فقال أحدُهم للآخر: أرى اثنين، فارتعب الرجل، فحرّك قدمه، فقال: وأيضاً أشاهده حياً، فلنبدأ به، أجلساه، وكان له حبل قد ربط ثوبه به، فسألاه: مِن أين لك هذا الحبل؟ فقال: وجدتها، أين وجدتها؟ قال: في بستان، كيف دخلت إلى هذا البستان؟ استأذنت من صاحب البستان؟ سؤال وراء سؤال، ثم انهالوا عليه ضرباً، فلما جاء الصباح خرج من هذا القبر، وهو لا يلوي على شي، ويقول: أعان الله أباكم.
فلذلك, موضوع عذاب القبر شيء مخيف، وهناك حديث آخر, أخرجه البخاري ومسلم عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أن النبي عليه الصلاة والسلام, قال:

" (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ ) قَالَ: نَزَلَتْ فِي عَذَابِ الْقَبْرِ "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن البراء بن عازب في الصحيح )
الأحاديث في هذا الباب متعددة، يكمل بعضها بعضاً، وعلى كل الأسئلة معروفة لدينا، الأسئلة قد سربت إلينا، ما علينا إلا أن نعد للإجابة عن هذه الأسئلة، والإجابة لا تكون بلسان المقال، بل بلسان الحال.
2- النفخ في الصور, وله حالتان:
1- النفخة الأولى:
هنالك النفخة الأولى، والنفخة الثانية, كل هذه الحقائق، وكل هذه المعلومات مأخوذة من كتاب الله سبحانه وتعالى، ولقد أخبرنا الله تعالى بأنه ستحدث نفختان في الصور، وعندها يكون إنهاء النظام القائم في الحياة الأولى، وقد جاء التعبير عن وقت هذا الإنهاء بالساعة، أي لدينا أول نفخة تنتهي بها الحياة الدنيا، ويُصعق كل مَن عليها، ولو فرضنا أنه أتى يوم القيامة، والناس في بيوتهم، وفي الشوارع، وفي الطرقات، وفي محلاتهم التجارية، وفي النزهات، وفي المصايف، وبعضهم على البحر، وآخرون على الجبل، فكيف يموت هؤلاء؟ يموت الناس كلهم دفعة واحدة بهذه النفخة الأولى, قال الله:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾
(سورة الحج الآية:1-2)
ما من عاطفة على وجه الأرض أشد, وأبلغ من عاطفة الأم على ابنها، ولا تكون هذه العاطفة في أعلى درجاتها إلا في أثناء الإرضاع، لم يقل الله عزّ وجل: يوم ترونها تذهل كل مرضع, بل قال:
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾
(سورة الحج الآية: 2)
لو قال الله عزّ وجل: كل مرضع، لقصد المرأة المرضع التي هي في طور الإرضاع، أي بعد أن تولد، خلال أيام ثدياها يدران الحليب، نقول: هذه امرأة مُرضع، لأن كل صفة خاصة بالنساء لا تؤنث، تقول: معلم ومعلمة، لماذا تؤنث المعلم، لأن في الحياة معلم ومعلمة, عامل وعاملة, حامل وحاملة, فما دامت الصفة يشترك بها الذكر والأنثى تؤنث عندئذٍ، أما إذا انفردت الأنثى بصفة ما، فهذه الصفة لا تؤنث، تقول: امرأة بكر، وامرأة ثيب، وامرأة طالق، وامرأة حامل، فكل صفة خاصة بالنساء لا تؤنث, بل تذكر، أما الفرق بين امرأة حاملة, وامرأة حامل فهو فرق دقيق، الرجل يحمل مع المرأة، فإذا قلت: امرأة حاملة، أي على ظهرها، وإذا قلت: امرأة حامل، أيْ في بطنها, قال تعالى:
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾
(سورة الحج الآية: 2)
هي في الأساس مرضع, لأن المرأة الآن تحمل الغلام، وتضعه على صدرها، وهذا بإمكانه أن يفعله الرجل، إذًا: هذه مرضعة، فالأم في أثناء إرضاع ابنها لشدة الخوف تذهل عنه، ولا تلقي له بالاً:
﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ ﴾
(سورة الحج الآية: 2)
قال تعالى:
﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ ﴾
( سورة النازعات الآية:6)
عن ابن عباس رضي الله عنه, قال: الراجفة هي النفخة الأولى.
﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾
( سورة الزمر الآية:68)
هذه النفخة الأولى, يصعق لها من في السموات والأرض, هذه النفخة, نفخة الصعق التي تنهي الحياة على وجه الأرض.
2- النفخة الثانية:
أما النفخة الثانية: وهي نفخة البعث إلى الحياة بعد الموت، وقد جاء التعبير عن الوقت الذي يحدث فيه البعث العام إلى الحياة بعد الموت بالساعة، قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾
( سورة الروم الآية:55)
لدينا في هذه الجملة, لون بلاغي اسمه الجناس، الجناس: تشابه كلمتين في اللفظ، واختلافهما في المعنى, قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾
( سورة الروم الآية:55)
يقيني بالله يقيني، هذا جناس، يقيني بالله، أي إيماني بالله يحفظني، ويدل على حدوث النفخة الثانية قوله تعالى في سورة النازعات:
﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ ﴾
( سورة النازعات الآية:7)
عن ابن عباس, قال: الرادفة هي النفخة الثانية، وقوله تعالى في سورة الزمر:
﴿فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾
( سورة الزمر الآية:68)
النفخة الثانية هي: إذا هم قيام ينظرون، وهذه النفخة جاءت تسميتها في القرآن بالناقور، قال تعالى:
﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ ﴾
( سورة المدثر الآية:8)
وقد ورد أن الملك الموكل بنفخ الصور تنفيذاً لأمر الله هو إسرافيل عليه السلام، كما سبق ذلك في مبحث الإيمان بالملائكة, قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾
(سورة النمل الآية:87)
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾
(سورة النمل الآية:87)
استثناهم من الموت بهذه النفخة، لأن الله يتولى قبض أرواحهم بدون نفخة الصور، كإسرافيل الموكل بالنفخ فيه، طبعاً:
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾
(سورة النمل الآية:87)
الموكل بهذه النفخة يميته الله عزّ وجل مباشرة، حتى ملك الموت, يقول له: مُت يا ملك الموت، من دون نفخة، قال الله:
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾
(سورة النمل الآية:87)
وبالنفخة الثانية يبعث الله الناس إلى الحياة الثانية, ليتم فيها نظام الجزاء الأكمل بالثواب أو بالعقاب، أما وضع الكون بعد البعث, فقد جاء وصفه في قوله تعالى في سورة إبراهيم:
﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾
(سورة إبراهيم الآية:48)
البطولة أن تكون في هذا الموقف مع الفائزين، أو مع الناجين، أو مع الناجحين.
وفي درس قادم إن شاء الله تعالى نتابع الحديث عن البعث واليوم الآخر، نتحدث عن الدنيا والآخرة، وأن البعث ممكن عقلاً، وأن البعث حقيقة لا شك فيها، وعن الحياة في اليوم الآخر، حياة مرافقة للتجسد المادي، إلى ما هنالك من بحوث في الإيمان باليوم الآخر.







والحمد لله رب العالمين





السعيد 06-21-2018 02:56 PM

رد: العقيدة الاسلامية
 
بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثالث و الخمسون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (10)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
تتمة مراحل اليوم الآخر:
3- البعث:
وصلنا في الدرس الماضي في موضوع الإيمان باليوم الآخر إلى حقائق عن يوم البعث واليوم الآخر، يبدأ اليوم الآخر بالبعث التي تعود فيه الحياة المادية للمخلوقات الحية، التي قرر الله عودة الحياة إليها، استكمالاً لأنظمة الله في الخلق، وليقيم الله في هذه الحياة الثانية عدله, وليتمم فضله، ويحقق الثمرة الفضلى للابتلاء الذي جعل ميدانه في الحياة الأولى الفانية.
فنحن في الحياة الفانية حياة ابتلاء، وفي الحياة الثانية حياة جزاء، وحياة إقامة العدل وفي المعتقدات الإسلامية حقائق كثيرة عن البعث، وأحوال اليوم الآخر فيه جاءت في الكتاب المجيد، والسنة المطهّرة.
الذي أريده ثانية أن أوضحه أنّ الأمور المتعلقة باليوم الآخر أمور نعرفها من خلال الخبر الصادق، وليس هناك مصدر آخر, لذلك لا نستطيع أن نزيد على النصوص قطعية الثبوت والدلالة التي وردت في كتاب الله، وفي الأحاديث الصحيحة المتواترة وغير المتواترة، والتي من خلالها هذه النصوص نستشف أحوال اليوم الآخر.

قضى الله بعلمه المسبق خلق الدنيا والآخرة لحكمة أرادها:
لقد تمت إرادة الله المرافقة لعلمه وحكمته، أُلح على هذا إرادة الله وفق علمه، ووفق حكمته، لا تستطيع ولا في لحظة واحدة أن تنفي عن إرادة الله العلم الذي لا حدود له، والحكمة التي لا حدود لها.
فقد تمت إرادة الله عزّ وجل المرافقة لعلمه وحكمته, أن يخلق عالمين:
1- عالماً فانياً: وهو عالم الدنيا الذي نحن فيه، وهو دار الامتحان.
2- عالماً آخر خالداً: وهو عالم الدار الآخرة، وهي دار الجزاء.
وكما تمت إرادته تعالى بأن يضع فضله ورحمته وعدله في مواضعها، فمن أحسن فآمن بالله، وأطاعه، واستقام على شريعته في الدنيا، فقد أعدّ الله له في الدار الآخرة، السعادة الأبدية الخالدة، والنعيم المقيم مكافأة منه وفضلاً, ومن أجرم, فكفر بالله، وعصى في دار الامتحان, فقد أعدَّ الله له في الدار الآخرة العقوبة، والانتقام جزاء منه وعدلاً، والدليل قال تعالى:

﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآَخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ ﴾
(سورة الشورى الآية:20)
البعث من الأمور الممكنة عقلاً الذي يستحيل إنكاره:
البعث ممكن عقلاً، و البعث: هو إعادة بناء الأجساد بعد فنائها، وإعادة الحياة لها بعد سلبها منها، فإن كل عقل سليم يدرك بداهة أن البدء والإعادة أمران متساويان، فمن يبدأ الخلق ثم يُفنيه، قادر على إعادته وبعثه لا محالة، والدليل, قال تعالى في سورة الروم:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
(سورة الروم الآية:27)
يبدأ الخلق في الدنيا، ثم يعيده في الآخرة، وهو أهون عليه، وكلما فكرت في عظمة الله عزّ وجل، رأيت أن إعادة الخلق هينة عليه عزّ وجل وعلا، وله المثل الأعلى في السموات والأرض، وهو العزيز الحكيم.
قدرة الله جلّ وعلا لا تقف دونها حدود في مجال الأمور الممكنة عقلاً التي لاستحالة فيها، هذه القدرة قادرة على أن تحيي الموتى حياة مادية جسدية وروحية، لتسوقهم إلى العالم الآخر, عالم الجزاء، وإقامة العدل الإلهي، أَو ليس مَن خلق السموات والأرض دون أن يجهد بخلقهن، بقادر على إحياء الموتى، وإعادة الحياة مرة ثانية، إنه قادر على كل شيء، إنما أمرُه إذا أراد أن يخلق شيئاً، مهما كان دقيقاً أو عظيماً، أن يقول له: كن فيكون، قوله تعالى:

﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
(سورة الأحقاف الآية:33)
إذًا: البعث ممكن عقلاً.
البعث أمر واقع في وقته المحدد في علم الغيب:
البعث حقيقة لا شك فيها، لقد أخبرنا الله تعالى بأن البعث للدار الآخرة في يوم الجزاء حقيقة مقررة في قضاء الله وقدره، ستوضع موضع التنفيذ إذا جاء أجلها المحدد في علم الله، فالبعث أمرٌ واقع لا محالة، ستعود فيه الحياة إلى الأجساد التي رمت وبليت، وليس ذلك على الله ببعيد، ولا مستغرب على قدرته الذي خلق السموات والأرض، وخلْقُهن أكبر من خلق الناس.
أَو َليس الذي ابتدع خلْقَ الإنسان على غير مثال سابق بقادر على إعادة كل فردٍ من أفراد نوعه بعد موته، وفناء جسده؟ بلى إنه قادر، قال تعالى:

﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾
(سورة الحج الآية:7)
وهم يستطرق بعض الأذهان:
هناك وَهْم يقع فيه بعض المتعلمين، هذا الوهم هو أن الحياة الآخرة حياة روحية فقط، وليس فيها حياة مادية، لكن القرآن الكريم، والنص فيه قطعي الثبوت، وقطعي الدلالة، يؤكد أن الحياة في اليوم الآخر حياة مادية روحية معاً، فالنصوص الدينية القاطعة يجب علينا أن نتقيد بدلائلها في نوع هذه الحياة الثانية.
إنّ الإنسان ليس له الحق أن يتصور، ويحلل، ويفكر في بعد عن النصوص القرآنية التي لا تدع مجالاً للشك في أن الحياة الآخرة حياة مادية روحية معاً، فمِن المقرر في أصول العقيدة الإسلامية أنّ علمَ الله بما سيكون في مخلوقاته لا يكون إلا وفق مراده، ومراده تعالى مساير لحكمته العظيمة، ومن المقرر أيضاً في أصول العقيدة الإسلامية أن إخبار الله في نصوص دينية قاطعة التي بلغها الله أنبياءه، ورسله لا تكون إلا وفق علمه، وقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى بأن الحياة الثانية حياة مادية مشابهة للحياة الأولى، فأيّ مبرر للفرار من مدلولات أخبار الله القاطعة التي بلّغها إلينا أنبياؤه ورسله الصادقون.

الأدلة الواردة من الكتاب حول بحث البعث روحاً وجسداً:
إننا بقليل من التأمل, لا نجد من المبررات شيئاً إلا مجرد التعنت على الله في ما أخبرنا به, قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ﴾
( سورة الحج الآية:23)
آيات كثيرة لو رجعنا إليها، وإلى مشاهد يوم القيامة في القرآن الكريم، وإلى ألوان النعيم في الجنة، وإلى ألوان العذاب في النار، لوجدنا أن هناك عذاباً مادياً محضاً, قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾
( سورة النساء الآية:56)
﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾
(سورة المؤمنون الآية:104)
﴿أَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ ﴾
( سورة المؤمنون الآية:105-106)
نصوص قرآنية صريحة واضحة كثيرة، قطعية الدلالة تؤكد أن الحياة في الدار الآخرة حياة مادية وروحية في وقت واحد، فمَن ينكر الجانب المادي منها فقد كفر بآيات الله القاطعة.
ينبغي على من يريد الرد على حقائق الغيب أن يكون قائده العلم والدليل لا الهوى:
ومن وقع في توهمه أنه يريد أن ينزّه الله تعالى عن أن يجعل حياتنا الثانية الأبدية غير مصاحبة لجسد مادي، فبماذا يجيب عن نظام الخلق الأول, وهو نظام مادي نعيش في شروطه وظروفه؟ لذلك يجب علينا شرعاً أن نعتقد بهذه الحقيقة، حقيقة الحياة الثانية، اتباعاً لنصوص الشريعة القاطعة الواردة في القرآن الكريم، والسنة المطهرة.
فكلما قرأت آية أو آيات عن نعيم أهل الجنة, فينبغي أن تعتقد أن هناك نعيماً مادياً، ونعيماً روحياً في وقت واحد، فإذا أنكرت أحدهما، فقد أنكرت كتاب الله عزّ وجل، وحيثما قرأت في القرآن الكريم عن ألوان العذاب الذي يذوقه أهل النار, فيجب أن تعتقد اعتقاداً جازماً أن العذاب في جهنم عذاب مادي بالدرجة الأولى، وعذاب نفسي، فإذا أنكرت أحدهما فقد أنكرت بعض آيات القرآن الكريم.
هذه النقطة أردت أن أثيرها، وأن ألح عليها ليُنتزع من أذهان بعض الناس أن الحياة الآخرة حياة روحية محضة، وأن العذاب عذاب نفسي، بل إن العذاب عذاب مادي ونفسي، والنعيم نعيم مادي ونفسي، والآيات التي توضح هذا, وتؤكده كثيرة جداً.

4- الحشر:
ومن الحقائق الثابتة عن اليوم الآخر موضوع الحشر، فالحشر هو الجمع، وبعد البعث إلى الحياة الآخرة يوم القيامة, يتم حشر الخلائق لموقف الحساب، وقد تظاهرت الآيات القرآنية لتثبت حقيقة الحشر، وتعرض طائفة من الصور التي ستكون في ذلك اليوم الرهيب، وذلك لتقريب حقيقة ما سيجري فيه إلى الأذهان، ومن ذلك اليوم:
صفة أرض المحشر وأهله:
1- تشقق الأرض عن الخلائق يوم القيامة لبعثهم عقب النفخة الثانية كما مر معنا في الدرس الماضي، فيخرجون منها سراعاً إلى موقف الحشر, قال تعالى:
﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ ﴾
(سورة ق الآية:44)
2- تسوية أرض المحشر، فتكون كلها بارزة، لا جبال فيها، ولا وديان، قال تعالى:
﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً﴾
( سورة الكهف الآية:47)
وقد جاء من كلام النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه البخاري ومسلم توضيحاً لما جاء في كتاب الله، وردت صورة من صور الآخرة في حديث النبي عليه الصلاة والسلام, فعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ قَالَ سَهْلٌ أَوْ غَيْرُهُ لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لأَحَدٍ"
( أخرجهما البخاري ومسلم عن سهل بن سعد في الصحيح )
قرصة النقي، أي كرغيف الخبز الأبيض المنخول, ليس فيها معلَم لأحد، أي ليس فيها علامة لأحد، أرض منبسطة.
3- ومن ذلك أن الحشر يعم الإنس، والجن، والملائكة، وكل دواب الأرض، وطيورها، أما حشر الإنس والجن فلأنهم مكلفون، وأما حشر الملائكة فليقوموا بوظائفهم وفق سنة الله في خلقه، وأما دواب الأرض وطيورها فقد جاء في إثبات حشرها, قوله تعالى:

﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ﴾
( سورة الأنعام الآية:38)
الدواب في الأرض، والطيور في السماء، وقد جاء في كلام النبي عليه الصلاة والسلام ما يدل على الفائدة من حشرها، فمن ذلك القصاص مِن البهائم الظالمة في الدنيا للمظلومة منها، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ:
" لَتُؤَدُّنَّ الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ تَنْطَحُهَا "
( ورد في الأثر)
لو أن شاة قرناء نطحت شاة جلحاء بلا قرون, لا قتصّ من القرناء يوم القيامة، فإذا كان الحساب على هذا المستوى فويل للإنسان الذي يعتدي على حقوق الآخرين، وفي بعض الأحاديث أن الطير الذي اصطاده الصياد للتسلية لا ليأكله يأتي يوم القيامة، وله دوي كدوي النحل، يقول: يا ربي سله فيم قتلني؟ وقد يذهب بك الظن أن الصيد مباح على إطلاقه، لا يا أخي، هو مباح إذا كنت مسافراً، وانتهى زادك، وخشيت على نفسك الهلاك، فلك أن تصطاد، وأن تأكل، فأنت مكرمٌ على الله عزّ وجل، أما أن يُتخذ الصيد هواية لقتل البهائم، وقتل الطيور بلا سبب، بل مجرد الهواية, فهذا في حكم الشرع محرمٌ قطعاً، ففي بحث الصيد، هناك صيد محرم ومباح وواجب ومكروه, فهذه الدواب التي خلقها الله لنا، لها وظيفة ثانية في الحشر وهي:
أولاً: يُقتص منها.
ثانياً: تؤدي الشهادة، فمن ركب دابة لمعصية تشهد عليه يوم القيامة, قال تعالى:

﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾
( سورة فصلت الآية:21)
4- أن المجرمين يحشرون يوم القيامة مُنكبين على وجوههم، عمياً، وبكماً، وصماً، قال تعالى:
﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾
(سورة الإسراء الآية:97)
هذا كله في المحشر، لا زلنا في موضوع الحشر.
5- من ذلك ما يصيب أهل الموقف من فزع عام، يصدر فيه الناس أشتاتاً، قال تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
( سورة الزلزلة الآية:1-8)
6- ومن ذلك ما يصيب الناسَ يوم الحشر من شدة, تتفاوت بتفاوت أحوالهم في الدنيا، إلى غير ذلك من صور، فيها إكرام للمؤمنين المتقين، وفيها إهانة للمجرمين الظالمين.
7- ومن ذلك أن الناس يوم القيامة يُحشرون حفاة عراة غُرلاً، والغُرل جمع أغرل، والأغرل الذي لم يُختن، وفي بعض الأحاديث أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرلا قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ الأمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن عائشة في الصحيح )
الأمر أفظع من أن يعنيهم ذلك.
صفة هول المحشر:
وفي بعض الأحاديث التي كنت أرويها في مناسبات أخرى, أن السيدة عائشة رضي الله عنها سألت النبي عليه الصلاة والسلام, أيعرف بعضنا بعضاً يوم القيامة؟ لو أن إنساناً له جار، له زميل، له قريب, له ابن، له أب، له أخ، هل إذا رآه يوم الحشر يعرفه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والذي نفسي بيده في ثلاث مواطن فإن أحداً لا يذكر إلا نفسه إذا وضعت الموازين ووزنت الأعمال حتى ينظر ابن آدم أيخف ميزانه أم يثقل وعند الصحف حتى ينظر أبيمينه يأخذ كتابه أم بشماله وعند الصراط "
( أخرجه أبو داود عن عائشة في سننه )
عند فتح الصحف، وعند نصب الميزان، وعند السير على الصراط، في مثل هذه المواقف الثلاثة لا يعرف أحد أحداً إطلاقاً.
قد تقع عين الأم على ابنها، أقرب مِن هذا لا يوجد، تقول: يا ولدي جعلت لك صدري سقاء، وحجري وطاء، وبطني وعاءً، فهل من حسنة يعود علي خيرها اليوم؟ أتعطيني بعض حسناتك يا ولدي؟ فيقول الابن لأمه: ليتني أستطيع ذلك يا أماه، إنما أشكو مما أنت منه تشكين, هذا من أهوال يوم الحشر.

5- العرض والسؤال والحساب:
ثم بقي العرض، والسؤال، والحساب، والميزان، وكتب الأعمال، وشهادة الجوارح، هذه أيضاً من لوازم يوم القيامة، ولا يتم تنجيز المرحلة الأخيرة من العقاب أو الثواب قبل اجتياز مرحلة الحساب، وذلك للفصل بين الخلائق، ولإقامة الحكم بالعدل، ولتقرير مرتبة الإكرام، والفضل تمهيداً لمقتضى الجزاء المقرر بموجب قانون الجزاء الرباني, قال تعالى في سورة الغاشية:
﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ﴾
(سورة الغاشية الآية:25-26)
فهناك حساب، ويسبق الحساب عرض فسؤال، قال تعالى مبيناً مرحلة العرض في سورة الكهف:
﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفّاً لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِداً﴾
( سورة الكهف الآية:48)
الخلائق كلها عُرضت على الله عزّ وجل، وقد لبست ثوب عملها، كل إنسان يرتدي يوم القيامة ثوب عمله، وقال تعالى مبيناً السؤال في سورة الحجر:
﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
(سورة الحِجر الآية:92-93)
لمَ فعلت كذا؟ لمَِ أكلت مال فلان؟ لِمَ كنت عاقاً لوالديك؟ لِمَ ظلمت زوجتك؟ لِمَ غششت الناس؟ العرض، ثم السؤال, ثم الحساب.
6- الميزان:
لإقامة العدل في الحكم عند الحساب يوم القيامة, فهناك ميزانُ حقٍ لا يظلم مثقال ذرة، قال تعالى في بيان هذا الميزان في سورة الأنبياء:
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾
(سورة الأنبياء الآية:47)
الذين يعرفون الخردل، يعرفون معنى هذه الآية، لو أنك نظرت نظرةً خلاف ما أمر الله عزّ وجل، هذه النظرة مسجلة، سوف تحاسب عليها، فلو أن طبيباً يعالج امرأة، ونظر إلى عضو لا تشكو منه، فإن اللهَ يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، لو أنك قسمت شيئاً بينك، وبين أخيك، وأخذت أكثر مما أخذ، ولو كان طفيفاً لسجل عليك يوم القيامة، هذه الآية تكفي، بل والله هذه الآية تقسم الظهور، والذي لا يخاف الله عزّ وجل أحمق وغبي, قال تعالى:
﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾
( سورة الأنبياء الآية:47)
الأدلة الواردة من السنة على يوم الحشر:
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهم عَنْهمَا عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
" إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى اللَّهِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا, ثُمَّ قرأ: ( كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ). وأَوَّلَ من يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ, وَإِنَّ أناساً من أصحابي َيُؤْخَذُ بِهِمْ ذَاتَ الشِّمَالِ, فَأَقُولُ: أصحابي أصحابي, فَيُقَول: إِنَّهم لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ, فَأَقُولُ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ( وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ... إلى قوله الحكيم) "
( أخرجه البخاري عن ابن عباس في الصحيح )
أنا كما ترون، أحب أن نبقى في القرآن، وكل حقيقة تُليت في القرآن, وفي أحاديث النبي العدنان عليه الصلاة والسلام، ما كان منها صحيحاً، وما كان منها متواتراً، وما جاءت بها كتب الصحاح، إذا بقينا في القرآن وفي هذه الأحاديث الصحاح، كان الذي نقوله حقاً وصدقاً, وهذا الموضوع كله موضوع إخباري، لا مجال للتحليل، ولا للزيادة، ولا للتعديل إطلاقاً، إنها حقائق وردت من خلال الآيات القرآنية، والأحاديث الصحيحة.
ما هي وسائل الإثبات لإدانة المكلف في يوم المحشر:
1- شهادة كتب الأعمال مع الموكلين في تسجيلها وهم الملائكة:
أمّا وسائل الإثبات لإدانة المكلف فهي: شهادة كتب الأعمال, مسجل فيه كل حركاته، وكل سكناته، وكل أمواله في البيع والشراء، علاقاته الخاصة والعامة، زواجه، طلاقه، تربيته لأولاده، علاقته بجيرانه، اغتصابه لأموال الآخرين، تطاوله عليهم، أكله لحقوقهم، كل أعمال الإنسان, قال تعالى:
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾
(سورة الكهف الآية:49)
تصور رجلاً عاش سبع وستين سنة، إذا دخل البيت، وتصرف تصرفاً قاسيًا مع زوجته بلا سبب، سجلت عليه، أكل أكلاً, ونسي الطرف الآخر، سجلت عليه، طُرق الباب، وطُلب منه مساعدة، فقال: ما عندي, رفض أن يساعد، سجلت عليه، جاءت امرأة إلى البيت فنظر إليها، سُجلت عليه، فكل حركة، وكل سكينة, مسجلة عليه، هذا إذا كان سجل في كل يوم ستين أو سبعين صفحة, على 67 سنة فهي مجلدات.
وهناك آيات أخرى, تؤكد أن كتاب الأعمال مرقوم، ومرقوم لها معنيان:
1- المعنى الأول: صفحاته مرقمة ومختومة، ولا مجال للمراوغة والاحتيال. مع موظف في المالية, هل تستطيع أن تمزق صفحة؟ هذا معنى مرقوم، أي له أرقام ثابتة.
2- المعنى الثاني: من الرقم وهو الوشم، كل مخالفة مع صورتها، أي كل عمل وصورته تكون ملونة أيضاً.
ألم تفعل هذا العمل؟ هذه إدانة، فأكبر دليل يوم القيامة، شهادة كتب الأعمال التي سجلت فيها أعماله، وأقواله في الحياة الدنيا, قال عز وجل:

﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً ﴾
(سورة الإسراء الآية:14)
﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً ﴾
( سورة الكهف الآية:49)
فأنت في الدنيا, إذا طلبك رئيسك في العمل، واتصل بالذاتية أعطونا الإضبارة، هناك نقص في المستودع، فأطلعك عليهم واحدًا واحدًا، إذا قرأها على مسامعك فقط، بماذا تشعر؟ هذا في الدنيا.
ثم تأتي شهادة الملائكة الكرام الكاتبين، الذين قاموا بوظيفة تسجيل الأعمال في الدنيا, دليل ثاني على إدانة هذا المكلف.

2- تسليم المكلفين كتبهم:
ويُسلم المكلفون كتب أعمالهم يوم القيامة بأيمانهم، إذا كانوا من أهل اليمين:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ * كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ﴾
(سورة الحاقة الآية:19-24)
وهم الذين آمنوا وعملوا الصالحات، أو من وراء ظهورهم إذا كانوا من أهل الشمال في الحياة الدنيا، وهم الذين كفروا وعملوا السيئات, قال تعالى:
﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً *وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً * وَيَصْلَى سَعِيراً﴾
(سورة الانشقاق الآية:7-12)
هذا الكافر، إنه كان في غفلة، فقدْ كان له بيت فخم، وسيارة، وأموال، وولائم، وسهرات حمراء وخضراء، واعتداء على الأعراض، إنه كان في أهله مسروراً، أما المؤمن قال تعالى:
﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾
( سورة الانشقاق الآية:9)
مثله - وله المثل الأعلى - كمثل الطالب جاء إلى البيت، ومعه جلاؤه، وقد نال الدرجة الأولى، يأتي فرحاً، بين أن ينقلب إلى أهله مسروراً، وبين أنه كان في أهله مسروراً، فالفرق كبير بين الحالتين, قال تعالى:
﴿ وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ * مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ * خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ * إِنّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ﴾
(سورة الحاقة الآية:25-33)
ما هي الأدلة إذا اعترف أو أنكر الإنسان هذه الأعمال:
1- شهادة الإقرار بالنفس:
شهادة الإنسان على نفسه بإقراره، واعترافه بجرمه، والاعتراف في القضاء سيد الأدلة، فإذا زنا شخص يجب أن نقيم عليه حدّ الرجم، ولا بد من أربعة شهود رأوه رأي العين، فإذا جاء الزاني المحصن، وأقرّ على نفسه، فليس هناك حاجة للشهود، لأن الاعتراف سيد الأدلة، والصلح سيد الأحكام.
2- شهادة الأعضاء:
الدليل الثاني: لو حاول الإنسان يوم القيامة أن يكذب, يختم على فمه، وتنطق أعضاؤه بجرمه، فتنطق جوارحُه يوم القيامة بإذن الله وقدرته شاهدة عليه، قال تعالى:
﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾
(سورة يس الآية:65)
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
(سورة النور الآية:24)
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:
" كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَحِكَ فَقَالَ هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ ؟ قَالَ: قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ، يَقُولُ: يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِي مِنَ الظُّلْمِ قَالَ يَقُولُ بَلَى قَالَ فَيَقُولُ فَإِنِّي لا أُجِيزُ عَلَى نَفْسِي إِلا شَاهِدًا مِنِّي قَالَ فَيَقُولُ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا قَالَ فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ فَيُقَالُ لأَرْكَانِهِ انْطِقِي قَالَ فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ قَالَ ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلامِ قَالَ فَيَقُولُ بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ "
(أخرجه مسلم في صحيحه, وأحمد في مسنده)
تحدَّثنا عن العرض، والسؤال، والحساب، والميزان، وكتب الأعمال، وشهادة الملائكة والجوارح، وفي درس قادم إن شاء الله نأخذ الصراط، ثم الجنة والنار.







والحمد لله رب العالمين



السعيد 06-21-2018 02:58 PM

رد: العقيدة الاسلامية
 



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الرابع و الخمسون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (11)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
تتمة مراحل الإيمان باليوم الآخر:
7- الصراط والحكمة منه:
أيها الأخوة, تحدثنا في الدرس الماضي عن العرض، والسؤال، والحساب، والميزان، وكتب الأعمال، وشهادة الجوارح، واليوم نتحدث عن الصراط, بعد موقف الحساب هناك مرور على الصراط، وهو طريق على متن جهنم، يسلكه الناس، فالمؤمنون يجتازونه إلى جنة الخلد بسرعة, بحسب مقدار تفاوت الإيمان والأعمال الصالحة، وأهل النار تجذبهم كلاليب جهنم فيسقطون فيها.
لكن الحكمة من الصراط, أن أهل الجنة مما يزيد سعادتهم في الجنة أنهم نجوا من العذاب الأليم الذي كانوا سيقعون فيه، لو لم يسلكوا سبيل الحق في الدنيا، فلو أن إنساناً في الدنيا دُعي إلى معصية فأبى، ثم رأى مصير الذي لبى المعصية، يزيد سعادتَه أنه رأى مغبة الأعمال السيئة، فمما يزيد سعادة الإنسان في الآخرة أيضاً, أن يرى الذين تنكبوا الصراط المستقيم في الدنيا سوف يُعذبون عذاباً أليماً، لذلك حينما تقرأ في الفاتحة قوله تعالى:

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾
( سورة الفاتحة الآية:6-7)
دائماً يجب أن تلحظ، وأنت في الدنيا، في كل حركة، في كل سكنة، في كل تصرف، في كل سلوك، في كل نشاط، الصراط المستقيم الذي نهجه الله لنا:
﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
( سورة الأنعام الآية:153)
الإنسان قد تضيق به الدنيا، الصراط المستقيم في حقِّه, أن يصبر، وأن يتحمّل، الإنسان جاءه المال، ما الصراط المستقيم في حقه؟ أن ينفقه على كل محتاج، ومسكين، وأن يشكر الله، ففي كل موقف هناك طريق سنّه النبي عليه الصلاة والسلام، فالمؤمن يسير على خط مستقيم، يسير على منهج حكيم، يسير على سنة نبوية، وقد كان النبي عليه الصلاة والسلام قدوة حسنة.
8- الجزاء:
أما المرحلة الأخيرة، التي يتم فيها الثواب الأكبر، والعقاب الأكبر, فقد جعل الله لها دارين: داراً للنعيم، واسمها الجنة، وداراً للعذاب، اسمها النار, وقد أخبرنا الله جلّ وعلا بأن الجنة في الآخرة, هي مأوى المؤمنين والمسلمين، وأنها مراتب ودرجات:
﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾
(سورة الأنعام الآية:132)
في الجنة درجات بعدد المؤمنين، كلٍ منا له درجة. ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾
( سورة القمر الآية:54-55)
تتناسب مع مستوى الإيمان، والمعرفة، والخشية، والعمل الصالح، الذي قدمه مستحقها في الحياة الدنيا، كما أخبرنا الله سبحانه وتعالى بأن النار في الآخرة, هي مأوى الكافرين، والمستكبرين عن طاعته وعبادته، وأنها منازل ودركات، لا نقول درجات، فالدرجات في الجنة، والدركات في النار، وأنها دركات تتناسب مع مستوى الإجرام والمعصية، والله سبحانه وتعالى يخبرنا أيضاً بأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وقد أشار القرآن الكريم, وأخبر الرسول الكريم بأن المؤمنين العصاة، إن لم يشملهم عفو الله، فإنهم يدخلون النار لتعذيبهم فيها بمقدار معاصيهم، ثم يخرجون منها إلى الجنة بفضل الإيمان بالله الذي كان في قلوبهم, قال تعالى مبيناً عذاب النار، ونعيم الجنة في سورة هود:
﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾
( سورة هود الآية:106-107)
هؤلاء الذين خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً, ربنا سبحانه وتعالى أعلم بهم، فإن لم يشملهم عفوه, فإنهم يذوقون النار حقباً من الزمن، وبعدها يدخلون الجنة، يا ترى مليون سنة، مليونين، خمسة ملايين، قال تعالى:
﴿إلا ما شاء ربك ﴾
( سورة هود الآية: 107)
بفضل إيمانهم السابق، وعملهم الطيب.
لذلك النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم قال:
" ركعتان من ورع خير من ألف ركعة من مخلط "
( ورد في الأثر)
المخلّط هو الذي خلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وعامة المسلمين مخلطون، مؤمن، مسلم، مستقيم، ويعصي الله، يقول لك: الله يعفو عنا، الله يتغمدنا برحمته، نحن عبيد إحسان، ولسنا عبيد امتحان، واللهُ عزّ وجل يتولانا, هذا كلام لطيف، لكنه دليل أنه ليس مستقيماً، نفسه غالبة عليه، " قال أحد الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم: عظني، وأوجز يا رسول الله, قال: قل آمنت بالله ثم استقم، قال له: أريد أخفّ منها، إذًا: فاستعد للبلاء ".
قال تعالى:

﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾
(سورة هود الآية:108)
ما معنى هذه الآية ؟
هنا سؤال كبير، ما معنى قوله تعالى:
﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾
( سورة هود الآية:108)
هذه الآية, تعني أن أهل الجنة استحقوا الجنة بفضل الله عزّ وجل، وأنهم في الجنة لا بحكم عملهم في الدنيا فقط، بل برحمة الله عزّ وجل.
إنّ مشيئة الله لا تحد، لكن الله عزّ وجل أخبرنا في آيات أخرى أنهم ليسوا منها بمخرجين، هذا مبدأ ثابت. من دخل الجنة فلن يخرج منها. ليس معنى هذا أنه استحقها بعمله، ولم يخرج منها ما دام عمله طيباً، لا، استحقها برحمة الله، وقد فصلتُ هذا أيضاً في درس سابق أنّ جهنم يستحقها أهلُها بمحض العدل، بينما الجنة يستحقها أهلُها بمحض الفضل.

أدلة أهل العلم على أن المؤمن العاصي لا يخلد في النار:
وفي الاستدلال القرآني على خروج عصاة المؤمنين من النار، استدل أهل العلم بقوله تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
(سورة الزلزلة الآية:7-8)
قالوا: الإيمان خير، فلا بد أن يلاقي الأجر عليه, قال تعالى:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ﴾
( سورة الزلزلة الآية:7)
رجل آمن، صلى، لكنه ارتكب معصية، المعصية يُعذب وفقها في النار، لكن الإيمان بالله لا بد مِن أن يناله خيره في الآخرة, فلا بد أن يلاقي الأجر عليه، ويجب أن يكون ذلك بعد تطهيره بالعذاب، لأنه إذا أثيب على إيمانه قبل دخول النار فلا يكون ذلك إلا بدخول الجنة، لكنه إذا دخل الجنة امتنع أن يخرج منها، لقوله تعالى:
﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾
(سورة الحِجر الآية:48)
لذلك, فالإنسان إذا عمل عملاً صالحاً، وآخر سيئاً، يعذب أولاً، ثم يدخل الجنة، ولا يبقى فيها إلى أبد الآبدين، لأن المبدأ الأساسي:
﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ ﴾
( سورة الحجر الآية:48)
ويشهد لهذا الاستدلال القرآني أحاديث كثيرة, تبين خروج العصاة المؤمنين من عذاب النار، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ وَلا يَدْخُلُ النَّارَ رَجُلٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ "
( ورد في الأثر)
الجنة والنار وما جاء في وصفهما:
وفي القرآن الكريم والسنّة المطهرة جملة من أوصاف الجنة والنار، يطول الحديث عنها، ولا تخفى على متعهد كتاب الله بالتلاوة، وهي في جملتها تثبت أن في الجنة أنواعاً لا تحصى من النعيم المادي والروحاني، وأن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وأن عرضها كعرض السموات والأرض، أعدت للمتقين، وأن فيها الفردوس الأعلى المعد لأكرم الخلق عند الله، إلى غير ذلك من أمور كثيرة.
المعلومات كلها مِن اليقين الإخباري، الذي أخبرنا الله عنه، فنؤمن به وكفى، وأن في النار أنواعاً رهيبة من العذاب المادي والروحاني، قال عز وجل:

﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ ﴾
( سورة المؤمنون الآية:104)
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً﴾
( سورة النساء الآية:56)
وأنها دركات ووديان، بعضها أشد عذاباً من بعض، وأن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، إلى غير ذلك من أمور، نعوذ بالله أن نكون من أهلها.
أنواع الشفاعة في الدنيا:
1- شفاعة حي لحي:
ثم هناك موضوع دقيق، وهو موضوع الشفاعة التي وردت فيها بعض الآيات، وبعض الأحاديث الصحيحة، ويدخل ضمن قاعدة:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾
(سورة النساء الآية:48)
فلله تعالى أن يقبل دعوة من يشاء من عباده إذا دعاه، أو أن ينزل خيراً على عبد من عبيده، أو أن يدفع عنه ضراً، أو أن يغفر له من خطيئاته، سواء أكان ذلك في الحياة الدنيا من حيّ لميت، أو كان ذلك يوم القيامة، ودعاء الأخ لأخيه نوعٌ من الشفاعة فيه عند الله، فلا مانع من أن يمنح الله فضله لعبدٍ من عباده، إكراماً لشفاعة يوجهها عبد آخر مقربٌ عنده، أشرح لكم ذلك فيما يلي.
ربنا سبحانه وتعالى ـ كمبدأ عام ـ يمكن أن يقبل دعاء إنسان في حق إنسان، وأسرع الدعاء إجابة دعاء أخ بظهر الغيب، وهو أحد أنواع الشفاعة، فالشفاعة في الدنيا وفي الآخرة, في الدنيا من حيّ لحي، أو من حيّ إلى ميت، وفي الآخرة بين المؤمنين.

2- شفاعة الحي للميت:
ربى إنسان ابناً صالحاً، فهذا الابن بعد موت أبيه دعا إلى الله، وأحسن للناس، صار خيرُه عميماً، كل هذه الخيرات في صحيفة الأب، فكأن هذا الابن شفع لهذا الأب، بمعنى أنّ الأب ربّى هذا الابن ومات، أعمال هذا الابن الطيبة في صحيفة الذي ربّاه.
مشى شخص في جنازة، فاتعظ بها أشد الموعظة، واستقام من فوره على أمر الله، واستقامته كانت بسبب هذا الميت، فكأن هذا الذي سار في الجنازة شفع لهذا الميت، وهذه شفاعة حي لميت، قرأت القرآن على روح فلان، فتأثرت بهذه الآية، واستفدت منها، وطبقتها، وسعدت بها, مَن كان السبب؟ إنه الميت، إذًا: فهي شفاعة حيّ لميت.

3- شفاعة المؤمن للمؤمن وأعظمها بركة شفاعة رسول الله عليه الصلاة والسلام:
أنك إذا لا زمت أخاً مؤمناً، فقد تستفيد من علمه، وقد تستفيد من خُلُقه، وقد تستفيد من أحواله، وقد تستفيد من إقباله، وقد تستفيد من ورعه، وقد تتعلم منه، وقد تتخلق بأخلاقه، وقد ترقى به، وقد تنجو من عذاب النار بدعوته، فهذا نوع من أنواع الشفاعة في الدنيا.
شخص جالس تاجرًا, فعلمه أصول التجارة، وعلمه أصول البيع، وكيف يسجل الحسابات؟ وكيف يسوق البضاعة؟ وكيف يكون لطيفاً مع الزبائن؟ طبقت الإرشادات فصرت تاجراً كبيراً، معنى هذا أن هذا التاجر الأول شفع في هذا التاجر الثاني.
هذا معنى لطيف جداً، فأنت في الدنيا إذا جالست أهل الحق شفعوا لك، بمعنى أنهم نهضوا بك بعلمهم، وأحوالهم, وأخلاقهم، وإقبالهم، والمؤمن يشفع للمؤمن، والنبي عليه الصلاة والسلام في حياته شفع لكل أصحابه، بمعنى أنه علمهم، وأدبهم، وأرشدهم، وأسعدهم، وأكرمهم، هذا المعنى واسع جداً للشفاعة، فكل إنسان مدعو أن يلازم أهل الحق, قال تعالى:

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾
( سورة النساء الآية:85)
إذا صاحبك أخ، صاحبك صديق، صاحبك جار، فدللته على الله، ودعوته للتفكر في آلاء الله، دعوته لحضور مجالس العلم، دعوته للعمل الصالح، دعوته لغض بصره، دعوته لإقامة الإسلام في بيته، فصدق دعوتك، واستجاب لك، فسعد بهذه الدعوة، فأنت شفعت له، وقد قال عز وجل:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾
( سورة النساء الآية: 85)
كل أعمال أخيك في الدنيا، التي فعلها هي استجابة لك، وفي صحيفتك, هذا في الدنيا قبل الآخرة.
أنواع الشفاعة في الآخرة:
1- المشرك لا يدخل في موضوع شفاعة النبي بينما الموحد يدخل فيها:
أحياناً الله يكرم عزّ وجل إنسانًا، يقبل بدعائه شفاعته لإنسان، أما المشكلة فهي أن شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لا يستحقها إلا من مات لا يشرك بالله، قال تعالى:
﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾
( سورة الزمر الآية: 19)
فإذا مات الإنسانُ مشركاً، فإن الله عزّ وجل يقول:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾
( سورة النساء الآية: 48)
الآية واضحة، فالذي يموت مشركاً لا يستحق شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام, والذي يموت موحداً يستحقق شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وفق شروط سوف تأتي بالتفصيل.
لو فرضنا أن أباً أراد أن يعطي ابنه مبلغاً من المال، والأب كله حكمة وعلم، فجعل هذا المبلغ عن طريق الأم تمتيناً للعلاقة بينها، وبين ابنها, فهؤلاء استحقوا الجنة، لأنهم ماتوا غير مشركين بالله، فربنا سبحانه وتعالى يجعل هذا العطاء عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام، تكريماً لهذا النبي العظيم يجعل بعض العطاءات عن طريقه للمؤمنين.

الشفاعة السيئة:
شخص دل إنساناً على طريق الانحراف، دله على كسب الحرام، أقنعه بقبول مال غير مشروع، أقنعه ببعض الملذات المحرمة، فأفسده, فسقط في هاوية المعاصي، هذه شفاعة لكن من نوع آخر، للأول يتحمل كل الوزر الذي فعله الثاني, قال تعالى:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً﴾
( سورة النساء الآية: 85)
كل هذا يتم بإذن الله, لقوله تعالى:
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾
( سورة البقرة الآية: 255)
لا يستطيع إنسان أن يصيب خيره إنساناً آخر إلا بإذن الله، ولا يستطيع إنسان آخر أن يصيب شره إنساناً آخر إلا بإذن الله، فالشفاعة من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى.
شروط الشفاعة:
1- الشفاعة تدخل في باب فضل الله:
شيء آخر في الشفاعة, هو أنّ قبول الشفاعة إنما يدخل في باب الفضل الذي يكرم الله به عباده، والله سبحانه وتعالى لا حجر عليه في فضله، يختص برحمته من يشاء,
" دخل رجل مِن الأعراب على النبي الكريم عليه أتم الصلاة والتسليم، ويبدو أنه عمل عملاً غير لائقٍ، فأصحاب النبي الكريم حدقوا فيه النظر، فخاف، فوسعه النبي عليه الصلاة والسلام، أي أكرمه، ففرح، وقال: اللهم ارحمني ومحمداً، ولا ترحم معنا أحداً، فقال عليه الصلاة والسلام: يا أخي لقد حجرت واسعاً، رحمة الله واسعة "
( ورد في الأثر)
فالشفاعة تدخل في باب الفضل, إن كل آية في القرآن تنفي الشفاعة لمن أشرك بالله, قال تعالى:
﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾
(سورة المدثر الآية: 48)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
( سورة البقرة الآية: 254)
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾
( سورة النساء الآية: 48)
2- لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به:
القاعدة الثانية: لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به، أو جحوده، وإنكار ألوهيته، ووربوبيته, قال سبحانه وتعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
( سورة البقرة الآية:254)
إذا نفيت الشفاعة, فلأن الذين رفضت الشفاعة فيهم ماتوا مشركين بالله عزّ وجل، جاحدين لفضله، كافرين به، هؤلاء لا تنالهم شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام.
في بعض الأحاديث, أن النبي عليه الصلاة والسلام يوم القيامة ينظر فيرى بعضاّ من أمته يساقون إلى النار، فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

" فَأَقُولُ أَصْحَابِي أَصْحَابِي فَقِيلَ إِنَّكَ لا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ قَالَ فَأَقُولُ بُعْدًا بُعْدًا أَوْ قَالَ سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ بَدَّلَ بَعْدِي "
( ورد في الأثر)
أن أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ, قَالَ:
" قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا "
( ورد في الأثر)
نخلص من ذلك كله بقانون، حينما تُنفى الشفاعة فلأن الذي رُفضت في حقّه هو مشرك، فإذا قبلت الشفاعة فلأن الذي قبلت بحقه مات موحداً، غيرَ مشرك, فأمر شفاعة الغفران عن الشرك به لا مطمحَ فيه, لقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾
( سورة النساء الآية: 48)
وقد أعلن الله عن عدم قبول الشفاعة إذا كانت من هذا القبيل في عدة آيات, منها قوله تعالى:
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾
( سورة غافر الآية:18)
3- قبول الشفاعة في غير الشرك بالله أمر منوط بمشيئة الله:
الشيء الثالث في الشفاعة: أن قبول الشفاعة في غير الشرك بالله أو جحوده أمر منوط بمشيئة الله تعالى، فإنْ شاء قَبِلَها، وإنْ شاء رَفَضَها, قال تعالى:
﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
( سورة المائدة الآية:118)
الذين خلطوا عملاً صالحاً، وآخر سيئاً, هؤلاء متروكون إلى رحمة الله، إما أن يقبل فيهم الشفاعة، أو لا يقبل لحكمة بالغة هو يعلمها، قال تعالى:
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً * لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً﴾
( سورة مريم الآية: 86-87)
والشفاعة كما قلنا قبل قليل محضُ فضل:
﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ﴾
( سورة مريم الآية:87)
أي لا يملك الناس في ذلك اليوم أن تقبل شفاعة أحد فيهم، إلا من اتخذ منهم عند الرحمن عهداً، وذلك بالإيمان به، وبما جاء مِن عنده، فإنه قد يناله فضل من الله بقبول الشفاعة فيه، والعفو عنه، والله أعلم.
4- لا تقبل الشفاعة إلا ممن أذن له الرحمن:
رابعاً: الشفاعة يوم القيامة لا تنفع إلا إذا كانت ممّن أذِن له الرحمن، ورضي له قولاً، قال تعالى:
﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً ﴾
(سورة طه الآية: 109)
فإن شفاعته قد تنفع إذا شاء واستجاب، هناك إنسان يستحق الشفاعة، وهناك إنسان تُقبَل شفاعته.
هؤلاء الذين تُطلب الشفاعة لهم يجب أن يتخذوا في الدنيا عند الرحمن عهداً، بمعرفتهم الله، واستقامتهم على أمره، وطاعتهم له، وتوحيدهم إياه، وشكرهم على نعمه, قال تعالى:

﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ﴾
( سورة مريم الآية: 87)
فعندنا المشفع به والمشفع, قال تعالى:
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾
( سورة النجم الآية: 26)
ملخص بحث الشفاعة:
فالموضوع في مجمله, أنّ الشفاعة بمعناها العام تعني، إن لا زمت مؤمناً، صاحبته، استمعت إلى أقواله، طبقت دلالته، عملت بتوجيهاته، استفدت من أخلاقه، سموت بدعوته، معنى ذلك أنه شفع لك في الدنيا، أيْ أعطاك كل خبراته، وكل أحواله، وكل علمه, هذه شفاعة حيّ لحيّ في الدنيا، وأعظم شفاعة شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام حينما كان بين أظهر الناس، تعلموا من أخلاقه، من أحواله، من إقباله، من ورعه، من حلمه، من عفوه، من كرمه, وشفاعة حي لميت، أن تعمل عملاً صالحاً، فكان هو السبب فيه، فقد شفع هذا الحي لذاك الميت.
أما في الآخرة، فمعنى الشفاعة أن الله عزّ وجل يعطي عباده عن طريق النبي عليه الصلاة والسلام إكراماً لنبيه عليه الصلاة والسلام، ثم إن الشفاعة لها قوانين:
1- إنها تدخل في باب الفضل.
2- لا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك بالله.
3- قبول الشفاعة في غير الشرك بالله منوط بمشيئة الله سبحانه وتعالى، إن شاء قبلها، وإن شاء رفضها.
4- الشفاعة يـوم القيامة لا تنفع إلا إذا كانت ممن أذِن له الرحمن، ورضي له قولاً.
الآيات والأحاديث حول هذا الموضوع كثيرة، نرجو الله تعالى أن يوفقنا إلـى معالجة الموضوع بشكل موسع في وقت آخر.







والحمد لله رب العالمين





السعيد 06-21-2018 03:00 PM

رد: العقيدة الاسلامية
 





بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الخامس و الخمسون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (12)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
عقدة التشابه بين المسلمين لمفهوم الشفاعة وبين مفهوم اليهود بالنسبة لعقائدهم:
أيها الأخوة, في الدرس الماضي وصلنا في كتاب العقيدة إلى موضوع الشفاعة، وقد تحدثت كما ورد في هذا الكتاب، وأردت أن أزيد في هذا الموضوع توسيعاً وتعميقاً من خلال كتب أخرى، ومن خلال آيات، وأحاديث تغني الموضوع.
بادئ ذي بدء، إن تعطيل قوانين الجزاء " وللجزاء له قوانين، هناك يوم الجزاء، ألا وهو يوم الدين"، بالنسبة لأتباع نبي ما, شيء غير مقبول، لقوله تعالى:

﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
( سورة الزلزلة الآية: 7-8)
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ:
" قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا "
(أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح)
فَهِم الشفاعة بعض المسلمين فهماً سطحياً، ساذجاً، بمعنى أن الإنسان يفعل ما يشاء من المعاصي، والآثام، والموبقات، ثم يشفع له رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقبله الله في عداد الصالحين، هذا الفهم الساذج غير مقبول لدى جميع العلماء، قديمهم وحديثهم، بل إن هذه العقيدة بمعنى أن الإنسان لن يُحاسَب على أعماله، ولن يُعمل بقوانين الجزاء، إن هذه العقيدة عقيدة اليهود، فقد قال تعالى:
﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآَخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 169)
إنهم يأخذون بالتكاليف غير الصعبة، أما التكاليف الصعبة فيخالفونها، ويقولون: سيغفر لنا، والله سبحانه وتعالى يقول:
﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلَا نَصِيراً ﴾
( سورة النساء الآية:123)
والآية التي تتكرر مراراً في كتاب الله:
﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾
(سورة الإسراء الآية: 15)
بيان عقائد اليهود والرد الإلهي على هذا المفهوم الخاطئ:
ومن عقائد اليهود:
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 80-81)
وهذه آية أخرى تصف عقائد اليهود: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾
( سورة آل عمران الآية:24)
وفي آية أخرى, يقول الله تعالى عنهم:
﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ ﴾
(سورة البقرة الآية:111)
وقال الله تعالى كذلك:
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾
( سورة المائدة الآية:18)
هذه كلها آيات قرآنية، ترينا كيف أن اليهود اعتقدوا بسذاجة أنهم لن يدخلوا النار، وإن دخلوها فلن تمسهم إلا أياماً معدودات؟ وسمى الله هذا غروراً وافتراءً، وأنه كلامٌ لا يقف على قدميه، بل يحتاج إلى برهان, قال تعالى:
﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
( سورة البقرة الآية: 111)
ثم عقب الله تعالى فقال:
﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 81)
فمفهوم الشفاعة حق، وسوف أتحدث عنها بالتفصيل، ولكن المفهوم العام، مفهوم عامة الناس، مفهوم الجهلاء، مفهوم الغارقين في المعاصي والآثام، هؤلاء يتعلقون ببعض ما يعتقدون أنه من الشفاعة، ويعقدون الآمال على شفاعةٍ ما أنزل الله بها من سلطان، وهذه الحقائق وردت في كتاب الله بشكل أو بآخر في أماكن عدة.
إذاً: لن تُعطل قوانين الجزاء يوم القيامة، وأن الذي يغتر بأنها تعطل، وأنها لن يُعمل بها فهو مغرور، وقد افترى على الله الكذب.

مفهومي الشفاعة الحسنة و السيئة والفرق بينهما:
لكن في القرآن الكريم, قوله تعالى:
﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾
(سورة النساء الآية:85)
هذه الآية, تعني أن الإنسان إذا أراد أن يجلب لمسلم خيراً, أو أن يدفع عنه ضراً, ويبتغي بعمله وجه الله، وكان هذا الخير في أمر جائز, ولم يأخذ عليه أجراً, ولم يكن هذا الأمر في حد من حدود الله، ولا في حقٍ من الحقوق الواجبة, هذه شفاعة حسنة يؤجر عليها المسلم في الدنيا, وهذا هو تعريف الشفاعة الحسنة,
" عَنْ أَبِي مُوسَى عَنْ أَبِيهِ رَضِي اللَّه عَنْه قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا جَاءَهُ السَّائِلُ أَوْ طُلِبَتْ إِلَيْهِ حَاجَةٌ قَالَ اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا وَيَقْضِي اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ "
(أخرجه البخاري عن أبي موسى عن أبيه)
فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ,
" أَنَّ مُغِيثًا كَانَ عَبْدًا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْفَعْ لِي إِلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا بَرِيرَةُ اتَّقِي اللَّهَ فَإِنَّهُ زَوْجُكِ وَأَبُو وَلَدِكِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَأْمُرُنِي بِذَلِكَ قَالَ لا إِنَّمَا أَنَا شَافِعٌ فَكَانَ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى خَدِّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْعَبَّاسِ أَلا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ وَبُغْضِهَا إِيَّاهُ "
(أخرجه أبي داود عن ابن عباس في سننه)
هذه الشفاعة الحسنة، فمن يشفع شفاعة حسنة في الدنيا يكنْ له نصيب منها، والنصيب لا حدود له يزاد بزيادة حجم الشفاعة، ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها، ومن دل إنساناً على معصية، أو من حرم حقاً، أو من أدى إلى ظلم فإنّ كل ضرر يحصل بسبب شفاعة سيئة يكن لصاحبه كفل منها، وأصل الشفاعة في اللغة من الشفع، وهو الزوج. قال تعالى:
﴿وَالشَّفْعِ وَالْوَتْر﴾
ِ (سورة الفجر الآية:3)
لأن الذي يشفع يصير مع المشفوع فيه زوجاً، والشفع في اللغة ضم واحد إلى واحد، أنت إذا شفعت إلى فلان، ضممت مكانتك ووجاهتك إليه، فلعل الخير يصيبه من هذه الشفاعة.
ومِن معاني الشفاعة الحسنة الدعاء للمسلمين، والشفاعة السيئة الدعاء عليهم، ومن دعا لأخيه بظهر الغيب استجيب له، وقال الملَك: آمين، ولك مثل ذلك، وهذه المعاني مستفادة من قوله تعالى:

﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً ﴾
( سورة النساء الآية:85)
هذه المعاني مستنبطة من تفسير القرطبي لهذه الآية الكريمة.
الفرق بين مفهوم اليهود لقوانين الجزاء وبين مفهوم الشفاعة في ديننا الإسلامي:
نعود إلى الدرس الماضي، وقبل كل شيء، إن اليهود - كما قلت لكم - فهموا فهماً ساذجاً وسقيماً، فهموا أن قوانين الجزاء لن تقام عليهم يوم القيامة، وقالوا:
﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية:80-81)
أما الشفاعة في ديننا الحنيف، فهي داخلة في قوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾
( سورة النساء الآية:48)
فالشفاعة حق، وهي من ضمن هذه الآية الكريمة، فلله تعالى أن يقبل دعوة من يشاء من عباده إذا دعاه سواء كان ذلك في الحياة الدنيا أو كان ذلك يوم القيامة، فأيما عبد سأل الله عزّ وجل لأخيه خيراً فالله سبحانه وتعالى قد يستجيب، وربما لا يستجيب، وهذا وفق حكمة بالغة, ذكرنا قوانين الشفاعة في الدرس الماضي وهي:
1- قبول الشفاعة إنما يدخل في باب الفضل الذي يكرم الله به عباده، والله ذو الفضل العظيم, مَن مِن العباد يستطيع أن يحدّ من فضل الله؟ قانون الشفاعة يدخل في باب الفضل الإلهي، الذي هو فضل عظيم، وفضل عميم.
2- فلا يقبل الله شفاعة الغفران عن الشرك به، أو جحوده، وإنكار ألوهيته، وربوبيته سبحانه وتعالى، وجميع الآيات في القرآن الكريم التي تنفي الشفاعة، إنما تنفي الشفاعة لأن الذين نُفيت في حقهم متلبسون بالكفر، والشرك، وإنكار الربوبية، وإنكار الألوهية، هؤلاء لا تنالهم شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا شفاعة من سواه، والآيات التي توضح هذا كثيرة، وربنا سبحانه وتعالى يقول:

﴿وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية:48)
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية:254)
﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآَزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ﴾
(سورة غافر الآية:18)
وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ﴾
(سورة الزمر الآية:19)
وقوله تعالى: ﴿ إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ * فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ * عَنِ الْمُجْرِمِينَ * مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ * فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ ﴾
( سورة المدثر الآية:39-48)
وقوله تعالى:
﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا * وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا * يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا * بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا * يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتاً لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
(سورة الزلزلة الآية:1-8)
3- فإن قبول الشفاعة في غير الشرك بالله، أو جحوده منوط بمشيئة الله تعالى، فإنْ شاء قبلها، وإنْ شاء رَفَضها:
﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْداً * لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْداً ﴾
(سورة مريم الآية:86-87)
أي لا يملك الناس في ذلك اليوم أن تقبل شفاعة أحد فيهم، إلا من اتخذ منهم عند الرحمن عهداً، وذلك بالإيمان به، وبما جاء من عنده، فإنه قد ينال فضلاً من عند الله عزّ وجل لقبول الشفاعة فيه، والعفو عنه، والله أعلم, روى الشيخان البخاري ومسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا "
(أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح)
الذي مات مشركاً لا تناله شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، أما من مات لا يشرك بالله شيئاً فقد تناله شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام بنص هذا الحديث الذي رواه الشيخان.
4- فإن الشفاعة يوم القيامة لا تنفع إلا إذا كانت ممن أذن له الرحمن، ورضي له قولاً، قال تعالى في سورة طه:

﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً﴾
(سورة طه الآية:109)
أي يومئذٍ لا تنفع الشفاعة أحداً إلا شفاعة مَن أذن له الرحمن بالشفاعة، ورضي له قولاً، فإن شفاعته قد تنفع إنْ شاء الله، واستجاب لها، والآية الكريمة في سورة النجم:
﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى ﴾
(سورة النجم الآية:26)
ما ورد في شرح الإمام المناوي حول مفهوم الحديث عن شفاعة النبي لأهل الكبائر:
وقد ورد في بعض الأحاديث الشريفة عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي "
( أخرجهما الترمذي وأبو داود عن أنس في سننهما)
وقد شرح الإمام المناوي هذا الحديث, فقال: ثم يشفع الرسول من بعد أن يأذن الله له، وبعد انتهاء مدة العذاب يشفع في خروج العاصي من النار, وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع لأهل الكبائر بعد دخولهم النار, فيقبل الله شفاعته فيهم, ويخرجهم منها وتكون الشفاعة إظهاراً لكرامة الشافع عند الله, عَنْ عِمْرَانَ ابْنِ حُصَيْنٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
" يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُسَمَّوْنَ الْجَهَنَّمِيِّينَ "
(أخرجه البخاري عن عمران ابن حصين في الصحيح)
فإذا دخلوا النار، وأمضوا المدة الكافية، واستحقوا بعد ذلك الخروج منها، يأتي هذا الخروج على يد النبي عليه الصلاة والسلام، تكريماً له، وإظهاراً لفضله، وقال بعضهم: هذا هو المقام المحمود
إذا رجعنا إلى النصوص الشرعية فإننا نراها تثبت الشفاعة العامة يوم القيامة لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك ضمن الحدود المأذون بها، كما تفرض الشفاعات الجزئية لغيره صلوات الله عليه، والأحاديث الصحيحة في ثبوت الشفاعة كثيرة، منها ما رواه أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي "
(أخرجهما الترمذي وأبو داود عن أنس في سننهما)
شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لمن أحب أهل بيته:
هناك أحاديث أخرى، يقول عليه الصلاة والسلام:
" شفاعتي لأمتي من أحب أهل بيتي "
( ورد في الأثر)
إنك إذا أحببت النبي عليه الصلاة والسلام، وأحببت أهل بيته الكرام، نالتك شفاعته، إذًا: هذا الحب يصل بينك وبينه، هذا الحب يأتيك من أنواره، ويأتيك من بركاته، ويأتيك من تجلياته، وهذا المعنى أثبته هذا الحديث الشريف:
" شفاعتي لأمتي من أحب أهل بيتي "
( ورد في الأثر)
و " شفاعتي يوم القيامة حقٌ، فمن لم يؤمن بها، لم يكن من أهلها "
( ورد في الأثر)
وهذا الحديث أيضاً يوجب علينا أن نؤمن بشفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن وفق هذه الشروط التي ذكرناها.
أقسام الشفاعة:
1- الشفاعة العظمى:
وقد قسّم العلماء الشفاعة إلى أقسام عدة:
1- الشفاعة العظمى، وهي لجميع الخلائق لإراحتهم من هول الموقف، وتعجيل الحساب، ونحو ذلك، وهذا هو المقام المحمود، كما قلت قبل قليل، تدعون عقب الأذان:

( اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت سيدنا محمدًا صلى الله عليه وسلم الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاماً محموداً الذي وعدته )
( دعاء مأثور)
وقول الله عزّ وجل: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً * وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً ﴾
( سورة الإسراء الآية:78-79)
2- الشفاعة لمن استحق بعض العذاب يخرج من النار بموجب العدل الإلهي:
2- الشفاعة الثانية: هي التي تُخرج بعض مَن استحقوا العذابَ مِن النار، بموجب العدل الإلهي، وتكون الشفاعة هذه لإظهار كرامة الشافع، ومنزلته عند ربه، تنفيذاً للإرادة الإلهية عقب دعائه، وطلبه من الله، ولا يخلو قبول الشفاعة أو رفضها مِن حكمة يعلمها الله تعالى، وتدخل الشفاعة في قانون فضله، أو قانون عدله.
ملخص مفهوم الشفاعة لمن يستحقها:
إذاً: من هذا الموضوع يتضح أن الشفاعة حق، وأنه من لم يؤمن بها فليس من أهلها، وأن الشفاعة لا تصيب إلا من مات غير مشرك بالله عزّ وجل، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَإِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهِيَ نَائِلَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا "
(أخرجه مسلم عن أبي هريرة في الصحيح)
وتبين أيضاً أن الشفاعة بمعنى مِن معانيها, أنك إذا أحببت النبي عليه الصلاة والسلام، وأحببت أهل بيته الكرام، نالك منه أنواره، و تجلياته، وشعرت بسعادة لا توصف.
وأما شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام لأهل الكبائر, فتعني أن هؤلاء إذا استوجبوا دخول النار، ودخلوها يكون إخراجهم منها على يد النبي عليه الصلاة والسلام تبياناً لفضله، وإظهاراً لكرامته على الله عزّ وجل.

الأدلة الواردة في الكتاب حول موضوع الشفاعة:
وقد جمعت لكم بعض الآيات التي تتحدث عن الشفاعة بشكل عام، يقول الله عز وجل:
﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 53)
﴿ وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ * لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ ﴾
(سورة الأنبياء الآية: 26-28)
﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ * فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ ﴾
(سورة الشعراء الآية: 97-101)
﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 51)
﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 70)
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ﴾
( سورة يونس الآية:3)
﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ﴾
(سورة الزُمر الآية: 43)
مواعظ وعبر من هذه الآية:
الذي أريده أن نفهم قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾
(سورة فاطر الآية: 5)
بمعنى لا تروا الدنيا بحجم فوق حجمها، ولا تروها شيئاً ثميناً، ولا تبذلوا من أجلها الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، ولا ترتكبوا المعاصي من أجلها، ولا تقصروا في واجباتكم الآخروية من أجلها، قد يأتي الشيطان، ويوهم الإنسان أن الله عزّ وجل لن يحاسبه على أعماله، فيطمئن الإنسان اطمئنانًا ساذجاً, قال تعالى:
﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
(سورة إبراهيم الآية: 22)
فالإنسان لا ينبغي أن يغتر بكلام الشيطان، فإن الشيطان قد يأتي عن يمين الإنسان, وعن شماله، فيضله عن طريق آية، وذلك بفهم خاطئ وساذج لها, وقاصر للشفاعة التي ثبتت بنص القرآن الكريم، ونص الأحاديث الشريفة، ولكن لمن مات لا يشرك بالله عزّ وجل.
خطورة حمل الأمانة في عنق الإنسان إذا لم تنفذ:
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾
(سورة الأحزاب الآية:72-73)
فهذه الأمانة، بصرف النظر عن معانيها الدقيقة، هي شيء عظيم، لأن السموات والأرض والجبال أشفقن منها، وأبين أن يحملنها، وحملها الإنسان, وفي نهاية الآية تقول:
﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 73)
بمعنى أن موقف الإنسان من الأمانة في هذه الآية, قد يضعه في زمرة المؤمنين، أو في زمرة المنافقين، أو في زمرة المشركين.
وشيء آخر, هو أن هذه الأمانة جاء بعدها قوله تعالى:

﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً * لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 72-73)
فحينما لا يحملها الإنسان كما أراد الله عزّ وجل يكون ظلوماً جهولاً، ومتى لا يكون بحملها ظلوماً ولا جهولاً؟ إذا كان عالماً وعادلاً.
يستثنى من لم يحمل الأمانة بظلم وجهل الإنسان الصالح الذي لم يخنها:
فإذا عرف الإنسان اللهَ عزّ وجل، وعمل صالحاً, وفعلِ الخيرات، إذا كان كذلك فهو ليس ظلوماً ولا جهولاً، بل عالماً عادلاً، هذه الأمانة كما فسرها العلماء هي التكليف، ومعنى التكليف أن الإنسان أودع الله فيه هذا العقل ليهتدي به إلى الله عزّ وجل عن طريق الكون، وبعث الأنبياء، والرسل، وأنزل معهم الكتاب ليكون هذا الكتاب منهجاً لنا، ودستوراً، وتشريعاً يضبط أفعالنا، حتى نسعد في الدنيا والآخرة.
يعني أن الله عزّ وجل وضع نفسك أمانة عندك، فإذا عرّفتها بربها، وإذا طهرتها من الدنس، وإذا زكيتها بالفضائل، فقد أسعدتها في الدنيا والآخرة.

ينبغي على المسلم أن يكون واعياً حول مفهومه لبحث الشفاعة, هل سيدركها ؟
لذلك:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾
( سورة الأحزاب الآية:72)
الذي أريد من هذا الموضوع، موضوع الشفاعة أن يقف الإنسان على الحدود الصحيحة لهذا الموضوع، فلا يكون إيمانه بالشفاعة مدعاة للاغترار بالله عزّ وجل، وترك طاعته، والقعود عن العمل الصالح، وخرق الاستقامة.
الشيء الثاني, أن الذي يموت غير مشرك بالله عزّ وجل، هذا تناله شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام، وهل هذا الشرط سهل؟ هل تظنون أنه من السهل أن يموت الإنسان موحداً غير مشرك؟ فعَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ الشِّرْكُ الأصْغَرُ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الشِّرْكُ الأصْغَرُ قَالَ الرِّيَاءُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ تُجَازَى الْعِبَادُ بِأَعْمَالِهِمُ اذْهَبُوا إِلَى الَّذِينَ كُنْتُمْ تُرَاءُونَ بِأَعْمَالِكُمْ فِي الدُّنْيَا فَانْظُرُوا هَلْ تَجِدُونَ عِنْدَهُمْ جَزَاءً "
(أخرجه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد في مسنده)
هذا هو الشرك الخفي، فمن مات غير مشرك بالله عزّ وجل نالته شفاعة النبي عليه الصلاة والسلام التي هي حق، ومن لم يؤمن بها لم يكن من أهلها.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 06-21-2018 03:03 PM

رد: العقيدة الاسلامية
 



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( السادس و الخمسون )

الموضوع :الايمان باليوم الاخر (13)







الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ربما يسأل سائل:
أيها الأخوة, نحن في الفصل الخامس من باب الإيمان باليوم الآخر، وربما يسأل أحدكم هذا السؤال: لماذا أَطلنا في موضوع الإيمان باليوم الآخر؟ الجواب: أن الإيمان باليوم الآخر ركن أساسي جداً من أركان الإيمان، لأنك إذا آمنت بالله واليوم الآخر استطعت أن تجيب عن أسئلة كثيرة جداً، وكل الاستفهامات، وكل الفجوات تتلاشى إذا آمنت باليوم الآخر، فإذا أغفلنا عن الإيمان باليوم الآخر تنشأ الأسئلة، والاستفهامات، وعلامات التعجب، وعلامات الحيرة على وجوه الناس، فلذلك حينما يؤمن الإنسان باليوم الآخر ينقل اهتماماته كلها إلى الدار الآخرة، فإذا نقلها كلها إلى الدار الآخرة بث الله في قلبه طمأنينة لا يعرفها إلا من ذاقها.
إذا آمنت بالله واليوم الآخر, وقفت عند كل موقف, هل يرضى الله عن هذا الموقف؟ فإذا آمنت بالله واليوم الآخر ضبطت نشاطك كله، ضبطت طاقاتك، ضبطت قدراتك، ضبطت أموالك، فلذلك في أكثر الآيات التي تذكر أركان الإيمان, يأتي الإيمان باليوم الآخر مقرونًا بالإيمان بالله، هذا هو السبب في الإطالة في هذا الموضوع.

ما معنى البعث حق ؟
بادئ ذي بدء، لقد أجمع أهل الملل والشرائع السماوية بحسب أصولها الصحيحة على أن البعث حق، فما معنى البعث حق؟ أي لا بد أن يبعثنا الله عزّ وجل، ومعنى حق: أنه محقق وقوعه لا شك فيه، والبعث - كما تعلمون - أمر جائز الوقوع عقلاً، وقد جاءت جميع الأخبار الربانية الصريحة والصحيحة والقاطعة، في جميع الأصول الصحيحة للأديان والشرائع السماوية بأن البعث من الأمور المقررة المقضي بها بقضاء الله وقدره، أي أن الله عزّ وجل لا بد أن يبعث عباده جميعاً ليحاسبهم عن كل ما اقترفوه من خير وشر.
الدليل العقلي على البعث:
فالبعث ممكن الوقوع عقلاً، والنقول الصحيحة تؤكد وقوعه، كما أن المفكرين الذين أعملوا فكرهم، وحكّموا عقولهم في الأمور يستنبطون بالدليل العقلي أن الإيمان باليوم الآخر له دليل نقلي، ودليل عقلي, بالدليل العقلي تعرف الله عزّ وجل، وهذا الذي عرفته يخبرك في كتابه القطعي الثبوت، القطعي الدلالة أنه لا بد من يوم يبعث الناس فيه ليحاسبوا على أعمالهم, وأقوى دليل عقلي على الإيمان باليوم الآخر أن هذه الحياة الدنيا فيها مظلوم وفيها ظالم، فيها فقير وفيها غني، فيها قوي وفيها ضعيف، فيها صحيح وفيها مريض، فيها معذب وفيها مرفه، وأن كثيراً من الناس يأتيهم الموت قبل أن ينالوا حقهم، وبما أن الخالق العظيم لا بد أن يكون عادلاً، ولا بد أن يكون حقاً، وهو الذي اسمه الحق، فلا بد أن يعطي كل ذي حقٍ حقه من خلال أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى, ولا بد من حياة الآخرة توزع فيها الحظوظ توزيع جزاء، بعد أن وُزِّعت في الدنيا توزيع ابتلاء, فالذي نلته في الدنيا، إنما نلته لكي تُمتحن به، و سيأتي يوم تجازى على عملك، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
منكرو البعث وهم على ثلاث فرق:
1- الفئة التي أنكرت وجود الخالق:
هناك من أنكر البعث، ونعني بالبعث اليوم الآخر، وهم على ثلاث فرق:
الفرقة الأولى: أنكرت الخالق، ومن باب أولى أنها تنكر اليوم الآخر، وربنا عزّ وجل وصف هؤلاء فقال:

﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الجاثية الآية:24-26)
هذه الفرقة الأولى, أنكرت وجود الله عزّ وجل, وأنكرت بالتالي يوم الحساب واليوم الآخر، هذه الفرقة أنكرت بلا دليل، نظرية ساذجة بدائية، خلاصتها: أن الإنسان شكل من أشكال المادة المعقدة, الإنسان مادة معقدة، كيف أن الخشب مادة، والحديد مادة، والنبات مادة، إلا أنه أكثر تعقيداً؟ قال الله:
﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ * وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الجاثية الآية:24-26)
عدم تطبيق غالبية الناس لمنهج دينهم يعرضهم هذا على خطر على عقائدهم:
أيها الأخوة، هذه العقيدة عقيدة الملحدين، قلما تجد في العالم الإسلامي من ينكر بلسانه أنه لا إله, ولكن معظم الناس لا أقول معظم المسلمين - حاشا لله - يتصرفون، ويتعاملون، ويأخذون، ويدفعون، وكأن الدنيا هي كل شيء، وليس بعدها شيء, قال الله:
﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا ﴾
( سورة الجاثية الآية: 24)
تملك قرشاً فقيمتك قرش، لا تملك قرشاً فلا قيمة لك، هكذا يقول الناس: الدراهم مراهم، إنها مجرد كلمات مألوفة، لكن في الحقيقة لو تعمقنا في هذه الكلمات لوجدنا فيها إنكار ليوم آخر، يحاسب فيه الناس حساباً دقيقاً.
فهذا الذي يأخذ ما ليس له، لو أنه آمن أن هناك يوماً آخر يحاسب فيه الإنسان حساباً عسيراً لما فعل هذا، هذا الذي يعتدي على أعراض الناس، هذا الذي يعتدي على أموالهم، هذا الذي يبني مجده على أنقاضهم، هذا الذي يبني غناه على فقرهم، لو عرف أن هناك إلهاً سيوقفه يوم القيامة، ويحاسبه عن كل درهم لما تجرأ على فعل ذلك، قال عز وجل:

﴿إنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آَيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آَمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾
(سورة فُصّلت الآية:40)
النقطة الدقيقة: أن هناك أناس كثيرون يتصرفون، ويتحركون، وكأن الحياة الدنيا هي كل شيء، هذا تكذيب عملي, هناك تكذيب اعتقادي، وهناك تكذيب عملي، فالتكذيب العملي خطير جداً، لأنه في النهاية يحدث النتيجة التي يحدثها الإنكار اﻹعتقادي، فالإنكار الاعتقادي أن تقول: أنا لا أؤمن باليوم الآخر.
2- الفئة التي تعترف بوجود الخالق وتنكر البعث:
الفرقة الثانية: يعترفون بوجود الخالق، ولكهم يشركون به، وينكرون البعث، قال تعالى يصف حالهم:
﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾
(سورة ق الآية:2-3)
مستحيل, شيء عجيب! أن يخلقنا الله مرة ثانية, أن يبعثنا من جديد !.
3- الفئة التي تعترف بوجود الخالق ولكنها تنكر الطبيعة المادية للبعث:
الفرقة الثالثة: تعترف بوجود الخالق ووحدانيته، ولكنها تنكر البعث الجسدي، أي أن الآخرة حالات نفسية، ليس هناك حياة مادية ثابتة، دلهم عقلهم إلى هذا الاعتقاد, لا يجوز للعقل أن يحكم في الأمور اﻹعتقادية، والعقل ليس من إمكاناته، ولا من اختصاصه أن يثبت أو أن ينفي شيئاً في أمور العقيدة، ولا أن يثبث ولا أن ينفي شيئاً في العبادات، لأنه قد يضل, وقد يغفل، وقد يعطل، وقد يزور.
فالعقيدة تثبت بالنقل من خلال الكتاب والسنة، والعبادات تثبت بالنقل، لكن العقل مفوض أن يفهم العقيدة، وأن يفهم العبادة، وأن يستنبط الأحكام التفصيلية من الأحكام الكلية, لذلك هؤلاء بعقولهم القاصرة نفوا أن تكون هناك حياة مادية جسدية بعد الموت.

كيف رد البيان الإلهي على منكري البعث ؟
1- بلفت نظر هؤلاء إلى خلق السموات والأرض:
هذه الإنكارات الثلاثة إنكارات تافهة، لا تقف على قدميها، إنكارات ليست ذات أساس متين، ومع ذلك فالله سبحانه وتعالى ناقشهم في القرآن الكريم بأسلوب عجيب غريب، فكشف مصادر أوهامهم، وأظهر فساد تفكيرهم، وردهم بالحجة الدامغة، فهؤلاء الوجوديون الماديون، الذين ينفون الخالق واليوم الآخر، كيف ردّ الله عليهم؟ رد عليهم بأن لفت نظرهم إلى خلق السموات والأرض.
يعد الإيمان باليوم الآخر بالنسبة لمنكري وجود الله عزّ وجل شيئاً ثانوياً، وربنا عزّ وجل ترك موضوع الإيمان باليوم الآخر، ولفت نظرهم إلى خلق السموات والأرض، فإذا أيقنت بأن السموات والأرض لا بد لها من خالق عظيم، عليم، حكيم، رحيم، لطيف، ثم إذا أخبرك هذا الخالق العظيم أنه لا بد من حياة أخرى، عندئذٍ يكون إيمانك باليوم الآخر إيماناً تصديقياً، بعد أن كان إيمانك بالله إيماناً تحقيقياً، والفرق كبير جداً بين الإيمان التحقيقي المبني على الحجة والاستدلال والبرهان والدليل القطعي، وبين الإيمان التصديقي المبني على التسليم لمن آمنت بوجوده.
فالحقيقة الأولى، حقيقة وجود الخالق العظيم، الأحد الصمد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد.

2- بنفي العبث في الكون:
الحقيقة الثانية، ارتباط وجود الله سبحانه وتعالى بقدرته القادرة، وعلمه المحيط بكل شيء، وصدق وعده ووعيده، وصفة عدله بين خلقه، وحكمته العظيمة التي منها أنه لم يخلق هذا الكون عبثاً:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾
(سورة المؤمنون الآية: 115)
ومتى حصل التسليم بهاتين الحقيقتين, حقيقة وجود الخالق العظيم، وحقيقة أسمائه الحسنى، وصفاته الفضلى, حصل العلم بأخبار الله الثابتة التي بلّغها الرسل المؤيدون بالمعجزات الباهرات، عندئذٍ وصلنا إلى الإيمان باليوم الآخر، يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ * أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ﴾
(سورة ق الآية: 5-6)
ستة عشر ألف مليون سنة ضوئية بيننا وبين أحدث مجرة اكتشفت قبل سنوات، تقدير أولي لعلماء الفلك أن هنالك مليون مجرّة، وفي كل مجرّة مليون مليون نجم، وأن سرعات هذه المجرات تقترب من سرعة الضوء، حيث إن هذه المجرات بأكملها تدور حول نقط وهمية في الفضاء الخارجي بسرعة تزيد عن مائتين وأربعين ألف كيلو متر بالثانية, قال الله:
﴿ أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ * وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ * وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ * رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴾
(سورة ق الآية: 5-11)
وهكذا تبعثون يوم القيامة، وهذا الخالق العظيم قادر على أن يخلقكم كما خلق السموات والأرض, قال الله:
﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا ﴾
( سورة النازعات الآية: 27-28)
أسئلة المتوهمين حول موضوع البعث والرد عليهم من القرآن:
التوهم الأول, يقولون: بأن القدرة التي خلقت الإنسان تعجز عن إعادته مرة ثانية:
هناك من توهم أن القدرة التي قدرت على ابتداء خلق الإنسان لا تقدر على إعادته كرة ثانية، وإن إعادة الخلق بعد فنائه أصعب من ابتدائه.
الرد الإلهي على هذا التوهم:
1- بأن إعادة الخلق أو تكوينه شيء يسير على الله بل الإعادة أهون:
الله سبحانه وتعالى رد على هؤلاء بأكثر من دليل وهم:
الرد الأول: وهو أن هناك واقع التساوي بين الإعادة والبدء، بل إن الإعادة أهون، ومن هؤلاء الذين تكلموا في شأن الإسلام وأكثروا الوليد ين المغيرة وغيره,

" فقال لهم أبي بن خلف: ألا ترون إلى ما يقول محمد: إن الله يبعث الأموات، ثم قال: واللات والعزى لأسيرن إليه ولأخاصمنه، وأخذ عظماً بالياً، فجعل يفتته بيده، ويقول يا محمد: أترى الله يحيي هذا بعد ما رم؟ فقال عليه الصلاة والسلام: نعم يحييه، ويبعثك، ويدخلك جهنم "
( ورد في الأثر )
فأنزل الله تعالى في إقامة الحجة على هؤلاء قوله في سورة يس:
﴿ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ﴾
(سورة يس الآية: 78-79)
إذاً: من توهم أن الإعادة أصعب من البدء، فقد ردّ اللهُ عليه بهذه الآية.
الرد الثاني من آية أخرى, قال عز وجل:
﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَئِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيّاً * أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئاً ﴾
(سورة مريم الآية: 66-67 )
وهذا رد ثالث:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
(سورة الروم الآية: 27)
في حق البشر يحق لنا أن نقول: إن صنع الشيء مرة ثانية أهون مِن صنعه للمرة الأولى، لكن في حق الله عزّ وجل:
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
( سورة يس الآية: 82)
لذلك فسر بعضهم هذه الآية الكريمة: أنه كلما فكرت في ملكوت السموات والأرض، وعرفت طرفاً من عظمة الله عزّ وجل، بدا لك أن الإعادة أهونُ مما كنت تعرف من قبل:
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾
( سورة الروم الآية: 27)
2- لفت نظرهم بأن خلق السموات والأرض أعظم من خلق الإنسان أو بعثه:
الرد الثاني, أن خلق السموات والأرض أعظم من خلقهم، أو مِن بعثهم، أو مِن إعادة خلقهم, قال الله:
﴿أوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
(سورة الأحقاف الآية: 33)
التوهم الثاني, يقولون: بأن الخالق قد أصابه الإعياء بعد الخلق:
التوهم الثاني, الذي ورد في القرآن الكريم أن بعضهم توهم أن خلق السموات والأرض، وخلق الأحياء قد أصاب الخالق بالإعياء, أي تعب, قال تعالى:
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً ﴾
(سورة الإسراء الآية: 43)
الرد الإلهي على هذا التوهم بكل بساطة ووضوح:
وقد رد القرآن الكريم على هذا التوهم ببساطة ووضوح، فقال:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
( سورة الأحقاف الآية: 33)
وقال سبحانه:
﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
( سورة ق الآية: 15)
﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ ﴾
( سورة يس الآية: 82)
" عبدي خلقت لك السموات والأرض، ولم أعي بخلقهن، أفيعييني رغيف أسوقه لك كل حين؟ "
( ورد في الأثر )
خلق المجرات أصعب أم خلق القمح, أم إنزال الأمطار, أم إنبات الأرض؟ هؤلاء المتشائمون الذين يصدقون ما يقولون، أن هناك تفجراً سكانياً في الأرض، وأن هناك كميات في الغذاء، وسوف تنقضي، وأن هناك مجاعة عظمى سوف تعاني منها البشرية، وأن الأمور تزداد تعقيداً، هؤلاء ما عرفوا الله:
" وعزتي وجلالي إن لم ترضَ بما قسمته لك فلأسلطنّ عليك الدنيا، تركض فيها ركض الوحوش في البرية، ثم لا ينالك منها إلا ما قسمته لك ولا أبالي, وكنت عندي مذموماً، لي عليك فريضة، ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك "
( ورد في الأثر)
عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ:
" يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ مُذْنِبٌ إِلا مَنْ عَافَيْتُ فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ وَمَنْ عَلِمَ مِنْكُمْ أَنِّي ذُو قُدْرَةٍ عَلَى الْمَغْفِرَةِ فَاسْتَغْفَرَنِي بِقُدْرَتِي غَفَرْتُ لَهُ وَلا أُبَالِ وَكُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُ فَسَلُونِي الْهُدَى أَهْدِكُمْ وَكُلُّكُمْ فَقِيرٌ إِلا مَنْ أَغْنَيْتُ فَسَلُونِي أَرْزُقْكُمْ وَلَوْ أَنَّ حَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَأُولاكُمْ وَأُخْرَاكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا عَلَى قَلْبِ أَتْقَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي لَمْ يَزِيدُوا فِي مُلْكِي جَنَاحَ بَعُوضَةٍ وَلَوْ أَنَّ حَيَّكُمْ وَمَيِّتَكُمْ وَأُولاكُمْ وَأُخْرَاكُمْ وَرَطْبَكُمْ وَيَابِسَكُمُ اجْتَمَعُوا فَسَأَلَ كُلُّ سَائِلٍ مِنْهُمْ مَا بَلَغَتْ أُمْنِيَّتُهُ وَأَعْطَيْتُ كُلَّ سَائِلٍ مَا سَأَلَ لَمْ يَنْقُصْنِي إِلا كَمَا لَوْ مَرَّ أَحَدُكُمْ عَلَى شَفَةِ الْبَحْرِ فَغَمَسَ إِبْرَةً ثُمَّ انْتَزَعَهَا ذَلِكَ لأنِّي جَوَادٌ مَاجِدٌ وَاجِدٌ أَفْعَلُ مَا أَشَاءُ عَطَائِي كَلامِي وَعَذَابِي كَلامِي إِذَا أَرَدْتُ شَيْئًا فَإِنَّمَا أَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ "
(أخرجه الإمام أحمد عن أبي ذر في مسنده)
التوهم الثالث, أن الإنسان بعد موته يفنى ولا أثر لجسده في الأرض:
التوهم الثالث: أن من يموت مِن الناس يضل في الأرض، ينتهي، يفنى، هؤلاء الذين يموتون حرقاً، أو غرقاً، أو في الاختناق، أو الحروب، وتفنى جثثهم، ويصبحون كالرماد، أين هم؟ وبعضهم: يتوهم أن هؤلاء انتهوا, فمن يبعثهم؟
الجواب الإلهي:
﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾
( سورة السجدة الآية: 10)
ضللنا, أي دفنا في الأرض, وفنيت أجسامنا, وتفتت عظامنا, وأصبحت تراباً, وانتهى الأمر، قال تعالى:
﴿ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾
( سورة السجدة الآية: 10)
في آية ثانية:
﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ ﴾
(سورة ق الآية: 4)
فلا بد أن نبعثهم من جديد, قال تعالى:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
(سورة سبأ الآية: 3)
بحث علمي له علاقة بالموضوع:
أثبتت البحوث العلمية الكونيــة وجود سجل كوني كبير، تسجل فيـه الأعمال كلها، والأقوال، والخواطر، والوساوس، وكل عملٍ يصدر عنا بكل تفاصيله يسجل في الأثير, هذه الموجات الضوئية التي تخرج من منابعها، أو من الأجسام التي تعكس الضوء، وتسير عبر الفضاء الخارجي بسرعة الضوء، فلو تخيلنا أننا سرنا بمركبة بأسرع من الضوء، والتقطنا هذه الأمواج, لرأينا الآن معركة بدر الكبرى، ومعركة أحد، ومعركة الخندق، ومعركة القادسية، ومعركة اليرموك, هذا شيء يمكن أن يقع، وهو في علم البشر نظري، لكنه في علم الخالق عملي
فالإنسان الآن تمكن من تسجيل الصورة مع الصوت, يقول لك: الحفلة سجلناها على شريط، فإذا كان الإنسان قادر على تسجيل حفلة بكل تفاصيله، وبكل ألوانها، و بكل أصواتها، أليس خالقنا العظيم بقادر على أن يأتي بنا يوم القيامة لنرى أعمالنا كلها مسجلة صوت وصورة؟ فصورة كل كائن من القرون الأولى، وأصواتهم مسجلة تسجيلاً كاملاً منذ أول وجوده حتى آخر وجوده، لحظة بلحظة، لا يضيع منها شيء صغيراً كان أو كبيراً.

التوهم الرابع, يقولون: أنه ينبغي عدم التسليم للأشياء التي لا نراها بالحواس:
التوهم الرابع: هو أن الأشياء التي لا يشاهدونها بالحواس ينبغي ألا يسلموا بها، وألا يصدقوا بها.
الرد العلمي الذي يسلم للبيان الإلهي في الرد على هؤلاء:
الإنسان في حياته المادية كثيراً ما يصدق بأشياء لا يراها، تركيب الذرة الكيميائي، التركيب كان استنتاجياً، ومنذ فترة بسيطة جداً، وعن طريق المجاهر الإلكترونية شاهدوا تركيب بعض الذرات عملياً وواقعياً، لكن قبل هذه المجاهر، تركيب الذرة كان استنتاجياً، يعني يعرف بطريق الاستنتاج، أما الآن فهو يعرف بطريق المشاهدة.
الكهرباء لا نرى إلا آثارها، أما هي فلا نراها، ومع ذلك نؤمن بوجودها، وكذلك وجود الضوء، ووجود الحركة، ووجود الصوت، ووجود الحرارة.
روح الإنسان لا نراها، نحكم على أي إنسان أنه حي من حركاته، ومن نطقه، ومن بيانه، ومن تفكيره، ومن تصرفاته، فإذا فقد الروح نحكم عليه أنه مات، هل رأينا الروح يوم كانت، ويوم خرجت؟ لا والله، فالإنسان في أثناء حياته له مواقف كثيرة، يؤمن بشيء دون أن يراه، يؤمن به استنتاجاً، فهؤلاء الذين لا يؤمنون إلا برؤية الأشياء، هؤلاء ضعاف العقول, قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
(سورة الحج الآية: 5-6)
ومع ذلك ربنا سبحانه وتعالى، إكراماً لنا، وتبياناً لنا، ضرب لنا أمثلة من التاريخ فحادثة أهل الكهف، وكيف أن الله سبحانه وتعالى ضرب على آذانهم في الكهف سنين عدداً، ثلاثة قرون، وثلاثمئة عام، وتسع سنوات، حسب التقويم الهجري، فكيف بقي هؤلاء على ما هم عليه، ثم بعثوا؟ هذه أمثلة كي نعرف أن الله عزّ وجل قادر على كل شيء, قال الله:
﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً ﴾
( سورة الكهف الآية: 21)
منها قصة عزيز, وهو رجل من بني إسرائيل، عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، يقول تعالى:
﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آَيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
( سورة البقرة الآية: 259)
ومنها إماتة ألوف من بني إسرائيل حين أمروا بالقتال، فخرجوا من ديارهم، فارين من مقابلة العدو حذر الموت، ثم بعد هذه الإماتة الجماعية، أحياهم الله، ليعلموا أن الفرار من القتال لا يحمي الإنسان من الموت، وليعلموا أن البعث حق, قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾
( سورة البقرة الآية: 243)
ومنها قصة إحياء قتيل بني إسرائيل في سورة البقرة, قال تعالى:
﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 73)
ومنها معجزة سيدنا عيسى لما كان يحيي الموتى بإذن الله، إلى غير ذلك من الأمثلة التاريخية الثابتة.
التوهم الخامس, يقولون: أن مراد الخالق في إبداع الحياة لا يتعدى حدودها:
التوهم الخامس: هو أن مراد الخالق في إبداع الحياة لا يتعدى حدود هذه الحياة الأولى، وأن كل حكمته من الخلق تتم فيها، فينتهي مراده في هذه الدنيا، وتنتهي حكمته فيها، ولا حياة بعد الموت.
الرد الإلهي على هؤلاء الجاحدين:
رد الله عليهم، فقال:
﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 115)
فهل من الممكن أن ننشئ جامعة تكلفنا ألف مليون، وبعد أن ينتهي بناؤها نفتحها عاماً دراسياً واحداً، ثم نأتي بالجرافات فنهدمها؟ ليس معقولاً، هذه بنيت لتبقى, قال تعالى:
﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ * فَأْتُوا بِآَبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ * وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾
( سورة الدخان الآية: 34-38)
﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ * إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾
(سورة الدخان الآية: 39-40)
التوهم السادس, يقولون: أن هذه الأخبار التي جاء بها الرسل غير صحيحة:
التوهم السادس: أن هذه الأخبار التي جاء بها الرسل ليست صحيحة، إنها كاذبة، نوع من الجنون.
الرد الإلهي على هؤلاء المنكرين:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾
(سورة سبأ الآية: 7)
هذا القول استهزاء, قال تعالى:
﴿أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ ﴾
( سورة سبأ الآية: 8)
آية ثانية:
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً ﴾
( سورة الفرقان الآية: 21)
إنهم لم يصدقوا الرسل، هذا الذي لم يصدق ما أتى به الرسل, قال تعالى:

﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾
( سورة الأحقاف الآية: 17)
هذه التوهمات حاشا لله أن يعتقدها أحد من المؤمنين، لكننا نستأنس حينما يرد الله عزّ وجل على هؤلاء المتوهمين، وعلى هؤلاء الظانين أن الله عزّ وجل لن يبعث عباده ليحاسبهم على أعمالهم.
الرد الإلهي على هؤلاء المنكرين:
إذا كان الطالب غير مستعد للمذاكرة، فهو يميل إلى تكذيب موعد المذاكرة، وكل إنسان إذا كان مقصراً، مخطئاً، مجرماً، كل إنسان له انحرافات في سلوكه، فهو أميل إلى أن يكذب بيوم الدين والدليل:
﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ * الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ * ﴾
( سورة المطففين الآية: 10-12)
يخشى الحساب، يخشى العذاب، يخشى المسؤولية، يخشى التبعة، إذًا: فهو يكذّب بهذا اليوم, قال الله:
﴿ إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾
(سورة المطففين الآية: 13)
إن هؤلاء المكذبين بيوم الدين يرون دائماً هذه الغيبيات خرافات، هذا ما وراء الطبيعة، نحن واقعيون، نريد أن نتعامل مع الواقع، هذه تحليقاً، هذه أخيلة, قال تعالى:
﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آَيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ * كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
(سورة المطففين الآية: 13-14)
هؤلاء طمست ضرورة الإيمان في قلوبهم، وعمت عليهم الحقيقة, ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.
آية ثانية, قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ *﴾
( سورة الماعون الآية: 1-7)
دع اليتيم، أي ضربه، في هذه الآية دقة بالغة، وأشد الأشخاص حاجة إلى العطف هو اليتيم، فإذا تخليت عن مساعدته فأنت مقصّر، فإذا آذيته كان ذلك أشد فظاعة، فربنا عزّ وجل جاء بمثل دقيق حاد, قال الله:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ * فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ * الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ * وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ ﴾
(سورة الماعون الآية: 1-8)
هذا الذي يكذب بالدين ألا يعرف أن الله سوف يحاسبه حساباً عسيراً, قال تعالى:
﴿ إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾
(سورة النحل الآية: 22-23)
الكبر هو الذي حال بينهم، وبين الإيمان بيوم الدين، وإلى جانب الكِبر الفجور، والانغماس في الشهوات, قال تعالى:
﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾
(سورة القيامة الآية: 5)
يسأل مستهزئاً, قال تعالى:
﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ﴾
(سورة القيامة الآية: 6)
متى يا أخانا؟ لأنه غارق في الفجور، فهو يستهزئ ويستنكر, قال تعالى:
﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ﴾
(سورة المؤمنون الآية: 74)
ليسوا مستقيمين، ولو أنهم استقاموا لآمنوا, قال تعالى:
﴿ وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ * حَتَّى إِذَا فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَاباً ذَا عَذَابٍ شَدِيدٍ إِذَا هُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ ﴾
(سورة المؤمنون الآية: 75-77)
خلاصة البحث:
هذا الفصل عنوانه: عقائد الناس بالبعث والجزاء يوم القيامة والرد على المنكرين، كيف أن البرهان على يوم القيامة برهان عقلي، وبرهان نقلي؟ وكيف أن الشرائع السماوية كلها في نصوصها الصحيحة، وأصولها الثابتة تؤكد أنه لا بد من يوم يُبعث فيه الناس مرة ثانية، ليلاقوا نتائج أعمالهم؟ وكيف أن الناس في إنكار البعث ثلاث فرقٍ؟
- فرقة أنكرتْ وجود الله واليوم الآخر.
- فرقة أنكرتْ اليوم الآخر فقط، وآمنت بالله.
- فرقة أنكرت اليوم الآخر بطبيعته المادية.
وكيف أن الله سبحانه وتعالى ردّ على كل المتوهمين، الذين تاهوا في متاهات الأوهام الستة، تقاذفتهم كأمواج البحر العاتية, وردّ الله عليهم في آيات كثيرة نقضاً لأوهامهم، ودفعاً لأباطيلهم، عسى أن يعودوا لعقولهم، ولكن هيهات هيهات ؟.







والحمد لله رب العالمين





السعيد 06-21-2018 03:05 PM

رد: العقيدة الاسلامية
 





بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( السابع و الخمسون )

الموضوع :مقدمات اليوم الاخر






الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ماذا تعني كلمة الساعة في القرآن الكريم ؟
أيها الأخوة, مع الدرس الثاني والخمسين من دروس العقيدة، وقد أنهينا في الدرس الماضي موضوع وجوب الإيمان باليوم الآخر، وأسماء اليوم الآخر الواردة في القرآن الكريم، والآن إلى موضوع جديد، هو مقدمات اليوم الآخر.
فالحديث عن اليوم الآخر يستدعي الكلام عن أمور تجري قبل هذا اليوم كمقدمات له، ونقتصر على عرض أهم هذه الأمور مما ثبت باليقين، ونعني باليقين, اليقينَ الإخباري، وأعلى نصٍ يقيني إخباري هو القرآن الكريم، فكل فكرة مدعمة بآية قرآنية تعد دليلاً قطعي الثبوت، وقطعي الدلالة على ما يذهب إليه مؤلف الكتاب.
فالساعة: آثارها في الكون، ووقتها، وأماراتها، فالحياة الثانية بوضعها الكامل, وأنظمتها التامة لا تكون إلا بعد انتهاء سلسلة هذه الحياة الأولى، فلا بد أن تنتهي حتى تبدأ الحياة الثانية، وقد جاء التعبير القرآني عن وقت انتهاء هذه الحياة الأولى بلفظ الساعة، فكلمة الساعة إذا وردت في القرآن الكريم فتعني ساعةَ انتهاء الحياة الأولى، ومتى انتهت الحياة الأولى بدأت الحياة الآخرة، يقول الله عزّ وجل:

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى ﴾
(سورة طه الآية:15)
كلمة:
﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾
( سورة طه الآية:15)
لا بد من هذا المعنى كي يستقيم الابتلاء، أن رجلاً له محل تجاري، وفي هذا المحل موظف، لو أن صاحب المحل كان أول الداخلين، وآخر الخارجين، وقبع وراء مكتبه، ووراء مكان وضع النقود، ثم سئل هذا السؤال: هل هذا الموظف الذي عندك أمين أم خائن؟ لا يعرف، أما إذا تغافل عنه، وخرج من المحل، وبقيت عينه على ما يجري في المحل أدرك نتيجة امتحانه لموظفه، فلا بد مِن أجل الامتحان من بعض التغافل،لا أقول: الغفلة, أقول: التغافل، لذلك ربنا سبحانه وتعالى يقول:
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ ﴾
(سورة إبراهيم الآية:42)
لا تحسبنه غافلاً، لأنه قد يبدو غافلاً، فيمد الكافر بالأموال، والبنين، والقوة، والصحة، والجمال، والذكاء، والعشيرة، والأهل، والزوجة، والمكانة, وهذا الإمداد يوهم الغافلين، والسذج، أن الله غافل، هذا ليس غفلة إنما هو تغافل، والتغافل لا بد منه ليتحقق الابتلاء, ربنا عزّ وجل قال:
﴿إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾
(سورة طه الآية:15)
أَدقّ ما في الآية:
﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾
( سورة طه الآية:15)
لأن الابتلاء لا يكون إلا بالتغافل، كما ورد في القرآن الكريم.
أسئلة مطروحة لا بد من الإجابة عليها:
1- إذا انتهى نظام الحياة في الدنيا هل يبقى الكون بما فيه على وضعه ؟
وهناك مجموعة أسئلة:
السؤال الأول: إذا انتهى نظام هذه الحياة الأولى، فهل ستبقى الأرض، والشمس، والكواكب والنجوم على أوضاعها؟ يأتينا الجواب من الله عز وجل يقول:

﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾
(سورة الأنبياء الآية:104)
﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾
(سورة الانفطار الآية:1-5)
هذا السؤال مهم، هذا النظام، هذه الأرض، هذه اليابسة، هذه البحار، هذه الجبال، هذه المجرات، هذه الكواكب، كلها سوف تنتهي وظيفتها، فمِن شروط أو مِن لوازم انتهاء الحياة انتهاء النظام الذي هي عليه الحياة في الدنيا.
2- متى الساعة:
1- أن وقت الساعة من أمور الغيب لا يعلمها إلا الله:
السؤال الثاني: متى ينتهي نظام الحياة الأولى؟ أي متى الساعة؟ يأتينا الجواب الرباني مُبَيِّناً لنا أن وقتها من أمور الغيب، وقد أخفاها الله عن عباده لحكمة يعلمها، وكنت قد حدثتكم مِن قبل, أن الإمام مالكًا رأى في المنام ملك الموت، فقال له: يا ملَك الموت، كم بقي لي من عمري؟ فأشار ملك الموت - كما جاء في الرؤيا - هكذا، ومد أصابع يده، فازداد الإمام مالك قلقاً، يا تُرى خمس سنوات؟ أم خمسة أشهر؟ أم خمسة أسابيع؟ أم خمسة أيام؟ أم خمس ساعات؟ أم خمس دقائق؟ أم خمس ثوانٍ؟ فملك الموت أشار بيده، وكان الإمام ابن سيرين مِن المفسرين للأحلام، فذهب إليه إمام دار الهجرة الإمام مالك فقص عليه المنام، فقال ابن سيرين: يا إمام، إن ملك الموت, يقول لك: إن سؤالك من خمسة أشياء لا يعلمها إلا الله, قال تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
(سورة الأعراف الآية:187)
لذلك, في بعض المحاضرات التي ألقيت في بعض الأقطار العربية عن الإعجاز الرياضي للقرآن الكريم، رجم المحاضر بالغيب، فخرج بذلك عن نص القرآن، فمِن إجراء حسابات معقدة تبين له متى يوم القيامة بالتدقيق؟ فحينما نشر هذه المعلومة انسحب من القاعة معظم المشاهدين الحضور، لأنه لا يعلم الإنسان متى يوم القيامة بالتحديد والتفصيل، بل هذا مناقض لما ورد في الكتاب الكريم؟ قال تعالى:
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾
(سورة الأعراف الآية:187)
معنى:
﴿أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾
(سورة الأعراف الآية:187)
أي متى وقت وصولها، وكأن الحياة شبهت بالسفينة، وانتهاء الرحلة هو عند الشاطئ، وعند الشاطئ ترسو السفينة، وتستقر، هذه صورة بلاغية، قال الله:
﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً ﴾
(سورة الأعراف الآية:187)
ويبدو أنه من رحمة الله عزّ وجل علينا أن أخفى عنا ساعة النهاية، لو أن الإنسان يعلم متى يموت لشلت حركته، ولأصبحت أيامه المتبقية أياماً مِن نوع خاص لا تُحتمل، لذلك الإنسان يعيش في الأمل.
2- هناك دلالات لوقوع قربها بينها القرآن الكريم والسنة المطهرة:

الشيء الثاني، حين الحديث عن الساعة, قلنا: هناك مجموعة نقاط: الساعة، آثارها في الكون، وقتها، أماراتها، فقُربُ الساعة بينه الله سبحانه وتعالى، وسيدنا عليّ يقول:
(كلّ متوقع آتٍ، وكلُ آتٍ قريب)
( قول مأثور )
الآن بدأنا بالشتاء، والبيوت تستعد لاستقبال هذا الفصل، وتضع الفرش المتعلقة بهذا الفصل، تضع وسائل التدفئة، وما هي إلا زمن يسير حتى يأتي فصل الصيف، فكم استقبل كل واحد منا من فصول الشتاء، وفصول الصيف, وفصول الربيع, وفصول الخريف؟ وهكذا, قال تعالى:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ * وَإِنْ يَرَوْا آَيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ﴾
( سورة القمر الآية:1-2)
﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾
( سورة القمر الآية:1-2)
ما دامت متحركًا، والنهاية ثابتة، فكل زمن يمضي اقتراب مِن هذه النهاية، وهذا شيء بَدَهي، واللهُ سبحانه وتعالى يقول:
﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً ﴾
(سورة الأحزاب الآية:63)
وقلت لكم من قبل:
" إنه من عدّ غداً من أجله فقد أساء صحبة الموت"
( ورد في الأثر)
وقد جاء في كلام النبي صلى الله عليه وسلم ما يشبه هذه المعاني، فقال عليه الصلاة والسلام:
" بُعِثْتُ أَنَا وَالسَّاعَةُ كَهَاتَيْنِ مشيراً صلى الله عليه وسلم بأصبعيه السبَّابة والوسطى الفرق بينهما قليل "
( أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما )
قَالَ شُعْبَةُ راوي الحديث: َسَمِعْتُ قَتَادَةَ يَقُولُ فِي قَصَصِهِ: كَفَضْلِ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى، أي كزيادة إصبع الوسطى على السبابة، وفي هذا إشارة إلى نسبة ما بقي من عمر الدنيا بالنظر إلى ما انصرف منها، وذلك على وجه التقريب.
مواعظ وعبر:
وهنا كلمة على هامش الموضوع, ما من شيء أثقل، وأثمن في حياتك من الوقت، فبالوقت ترقى إلى الله, إذا أردت التعامل مع ما في الحياة الدنيا، يجب أن تميز بين ما يتصل منها بالآخرة، وبين ما لا يتصل، قال بعض العلماء: كل ما لا يدخل معك إلى القبر فهو من الدنيا، كل شيء يقف على شفير القبر من الدنيا، كالأولاد فهو مِن الدنيا، كلهم يقفون على شفير القبر، إلا إذا ابتغيت في تربيتهم وجه الله سبحانه وتعالى,
" لذلك يقف رجلان جثياً بين يدي الله يوم القيامة, فيقول الله عزّ وجل لأحدهما: عبدي أعطيتك مالاً، فماذا صنعت فيه؟ فقال هذا العبد: يا ربّ، لم أنفق منه شيئاً على أحدٍ مخافة الفقر على أولادي من بعدي, قال: ألم تعلم بأني أنا الرزاق ذو القوة المتين؟ إن الذي خشيته على أولادك مِن بعدك قد أنزلتُه بهم، وأما الثاني فقال: أعطيتك مالاً فماذا صنعت فيه؟ فقال: يا ربّ، لقد أنفقتُه على كل محتاجٍ، ومسكين، لثقتي بأنك خيرُ حافظاً، وأنت أرحم الراحمين، فيقول الله عزّ وجل: عبدي، أنا الحافظ لأولادك من بعدك "
( ورد في الأثر)
فلذلك، موضوع الساعة موضوع انتهاءِ الحياة، ليسألْ أحدنا مثل هذا السؤال: هل بقي بقدر ما مضى من عُمُري ؟ من بلغ الأربعين فقد دخل أسواق الآخرة.
الموت كالطابور لا يعرف الإنسان أين موقعه فيه ؟
لي صديق مؤمن، خرج من بلده إلى بلد عربي، ليعمل في التدريس الجامعي، مضى على خروجه عشرون يوماً، وقد وافته المنية هناك، وسنه لا يزيد عن أربعين عاماً، سبحان الله الموت منوع، يأتي بعد مرض عضال، أو يأتي بعد مرض طويل, يقول لك:13 سنة بهذا المرض، ثم وافته المنية, وقد يأتي من دون مرض، وهناك حوادث كثيرة، آوى إلى فراشه في منتصف الليل، لمست زوجته يده، فرأتها باردة، فاستيقظت فإذا هو ميت، وهو إلى جانبها، فمِن حكمة الله عزّ وجل أنَّ الموت إما أن يأتي بعد مرض طويل، أو مرضٍ خطير، وإما أن يأتي بلا مقدمات، والآية الدقيقة:
﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
(سورة الجمعة الآية:8)
حدثني أخ عن والده، فقال: أصيب والدي بمرض خطير، فأخذ احتياطات مذهلة، نفذ تعليمات الأطباء بدقة متناهية، حرص على أن ينجو من هذا المرض بكل وسيلة، وافته المنية في حادث سيارة, وهو يظن الموت في هذا المرض، والقصة التي ذكرتها لكم كثيراً، وأعيدها على سبيل الفائدة، وهي قصة رمزية، سيدنا سليمان كان عنده رجل أمامه، وهو من المقربين له، دخل ملَك الموت عليه، فجعل ملك الموت يُحد النظر إلى هذا الرجل، فلما علِم هذا الرجل أن هذا ملك الموت, فزِعَ قلبه، وارتعدت فرائصه، وألحّ على سيدنا سليمان أن يأخذه إلى أقصى الدنيا، وسيدنا سليمان أوتي بساط الريح، كما تروي الكتب، فأركَبَه بساطَ الريح، ونقله إلى أقاصي الهند، وبعد أيام وافته المنية هناك, سيدنا سليمان التقى مع ملَك الموت ثانيةً، قال له: عجبت لك، لماذا كنتَ تُحدّ النظر إليه؟ قال: واللهِ أنا الذي أعجب، أنا معي أوامر بقبض روحه في الهند، فلما رأيته عندك ازداد عجبي، لماذا هذا هنا؟ قال تعالى:
﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾
(سورة الجمعة الآية:8)
الحكمة الإلهية من إخبار النبي عليه الصلاة والسلام عن موضوع أشراط الساعة:
أما أمارات الساعة، أيْ علاماتها، علامات قربها، ودنو ميعادها فهي كثيرة، هناك علامات كبرى، وعلامات صغرى، وهناك علامات موضوعة، وضعها بعض الوضّاعين، موضوع الساعة، وأشراطها فيها إضافات ليست منها, على كلٍ، كلمة لطيفة في هذا الموضوع، الأحاديث الصحيحة في أشراط الساعة ليست صريحة، والأحاديث الصريحة في أشراطها ليست صحيحة، أسماء مدن، وتفصيلات، وحوادث، وما دام هناك تصريحات دقيقة جداً فأغلب الظن أن هذا الحديث غير صحيح، وأما الحديث الصحيح ففيه إشاراتٌ كبرى كذلك، لن نخوض في موضوع أشراط الساعة كما ورد في الكتب التي تعتمد على الحديث الضعيف، أو الحديث الموضوع، فنبقى بالإشارات والعلامات الكبرى، وعلى كل فهناك موعظة، قال ربنا عزّ وجل:
﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً * إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ﴾
(سورة الجِن الآية:26-27)
معنى ذلك, أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما أخبرنا عن أشراط الساعة، كان في هذا الإخبار دليلاً قطعياً على نبوته، لأن هذا في علم الله، وقد أطلع الله عزّ وجل نبيه الكريم على بعض ما سيكون, تمكيناً للإيمان في قلوب المؤمنين، وتنبيهاً للضالين حتى يؤمنوا، وحجة على الجاحدين المعاندين، وبخاصة إذا مرت على الناس عصور بَعُدوا فيها عن عصر الرسالة المحمدية، وثمة حكمة بالغة حين أطْلع اللهُ عزّ وجل نبيَّه الكريم على بعض أشراط الساعة، وبعض علاماتها.
من علامات الساعة أو أشراطها:
1- نزول عيسى ابن مريم عليه الصلاة والسلام:
فمن علامات الساعة، أو من أشراطها نزول سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام، له عودة في آخر الزمان، وقد ثبت نزول سيدنا عيسى بدلائل من القرآن الكريم، ودلائل من الحديث الشريف الصحيح المتواتر، فمن الآيات القرآنية الدالة على نزول سيدنا عيسى في آخر الزمان، وقبل قيام الساعة قوله تعالى:
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾
(سورة النساء الآية:159)
فهو لم يمت بعد، بل رفعه الله إليه.
﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً * بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾
(سورة النساء الآية:157-158)
﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
(سورة آل عمران الآية:55)
﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
(سورة الزمر الآية:42)
فهذه وفاة نوم، لا وفاة موت، لأنّ الوفاة نوعان: وفاة نوم، ووفاة موت، أما وفاة الموت فلها آية تشير إليها, قال الله:
﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾
(سورة السجدة الآية:11)
أمّا:
﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾
(سورة آل عمران الآية:55)
فهذه وفاة نوم، قال الله:
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾
(سورة النساء الآية:157-158)
﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً ﴾
(سورة النساء الآية:159)
أيْ سيعود إلى الأرض، وسيؤمن به أهل الكتاب، على أنه نبيٌ من الأنبياء، من أُولي العزم الذين ورد ذكرهم في القرآن الكريم، ففي صحيح البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" وَالَّذِي نَفْسِي بِيـَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلا فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا " ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤوا إِنْ شِئْتُمْ: " وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا"
( أخرجهما البخاري ومسلم في صحيحهما واللفظ للبخاري )
الآية الثانية التي تشير إلى عودته عليه السلام, قوله تعالى في سورة الزخرف:
﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾
(سورة الزخرف الآية:61)
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾
(سورة النساء الآية:157-158)
الآية الثالثة, في سورة آل عمران:
﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾
(سورة آل عمران الآية:46)
ومعنى كهلاً، أيْ لم يبلغ بعد الكهولة.
2- كثرة الجهل وقلة العلم وتبدل القيم وإسناد الأمر إلى غير أهله:
ومِن أشراط الساعة, كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ وَيَظْهَرَ الزِّنَا وَتَكْثُرَ النِّسَاءُ وَيَقِلَّ الرِّجَالُ حَتَّى يَكُونَ لِخَمْسِينَ امْرَأَةً الْقَيِّمُ الْوَاحِدُ "
(أخرجه البخاري عن أنس رضي الله عنه في الصحيح )
أحيانًا الإنسان يجد معظمَ مَن يراهم في الطريق نساءً أينما دخل؟ أينما تحرك؟ وهناك حديث آخرعن أشراط الساعة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: " إِذَا ضُيِّعَتِ الأمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ قَالَ كَيْفَ إِضَاعَتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِذَا أُسْنِدَ الأمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ "
( أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح)
ومِن علامات قيام الساعة, أن يكون المعروف منكراً والمنكر معروفًا،
" كيف بكم إذا أصبح المنكر معروفاً والمعروف منكراً؟ قالوا: أَوَ كائنٌ هذا يا رسول الله؟ قال: كيف بكم إذا أمرتم بالمنكر ونهيتم عن المعروف؟ "
( ورد في الأثر)
وهذا أيضاً من دلائل, ومن أمارات, ومن علامات أشراط الساعة، والأشراط بمعنى واحد، وهي مِن الشيء الذي يأتي قبل شيء آخر.
3- عود أرض العرب مروجاً وأنهاراً:
كما روى الإمام مسلم في صحيحه, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح واللفظ لمسلم )
هذا الحديث فيه إعجاز علمي، لأنك إذا دخلت إلى بلاد الغرب، وسألت أكابر علماء الجيولوجيا عن تاريخ الجزيرة العربية قبل آلاف السنين, لقالوا لك: كانت مروجاً وأنهاراً, الذي نعلمه من التاريخ القريب، أن بادية الشام، كان المرء يقطعها كلّها تحت ظلال الأشجار، وما نشوء تدمر في وسط البادية إلا دليلٌ على أن هذه العاصمة لدولة عظيمة كانت وسط الجنان والبساتين، والكشوفات الأثرية في الربع الخالي من الجزيرة العربية, تؤكد أن هناك مدناً ذات مجد، وازدهار طوتها يد الزمن إن صح التعبير، وغطتها الرمال، وما قامت هذه المدن إلا بسبب الخصوبة التي كانت منتشرة في الربع الخالي من الجزيرة العربية.
كيف عرف هذا النبي الكريم هذا؟ والكشوف الآن لها أسباب, المستحاثات، الحفريات، التنقيب عن الآثار، بعض الصور من سفن الفضاء، هذا الذي يدل على أن هذه الأراضي القاحلة الصحراوية كانت مروجاً وأنهاراً، وقد سمعت أن بعض العلماء الأجانب الملحدين, حينما تأكدوا أن هذا القول قيل قبل ألف وخمسمئة عام أعلن إسلامه, يقول عليه الصلاة والسلام:

" لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَعُودَ أَرْضُ الْعَرَبِ مُرُوجًا وَأَنْهَارًا "
( أخرجهما البخاري ومسلم عن أبي هريرة في الصحيح واللفظ لمسلم )
إنّ بلاغة النبي عليه الصلاة والسلام منقطعة النظير, (حَتَّى تَعُودَ)، أيْ كانت، كلام فيه إيجاز.
أنا لا أحب أن أكثر الحديث عن أشراط الساعة، لكثرة الأحاديث الموضوعة في هذا الموضوع، لكن هذه الآيات قطعية الثبوت، وهذه الأحاديث كلها من صحيحي البخاري ومسلم، وهذان الكتابان أصحُ كتابين بعد كتاب الله عزّ وجل.
وفي درس قادم إن شاء الله نتحدث عن البرزخ.







والحمد لله رب العالمين







السعيد 06-21-2018 03:08 PM

رد: العقيدة الاسلامية
 



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثامن و الخمسون )

الموضوع :اسباب الضلالات الاعتقادية





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
ما هو السبب في ضلال الإنسان في الأرض ؟
أيها الأخوة، وقد وصلنا إلى موضوع دقيق جداً، وهو أسباب الضلالات الاعتقادية، فقد انتشر في الأرض ضلال كبير، فإذا عرفنا أسبابه أمكننا تجنبه، فمعرفة السبب مهم جداً لتجنب النتيجة، فإذا كان في الأرض ضلال, فمِن أين أتى؟ وما أسبابه؟ وما علته؟ كيف كُرس هذا الضلال؟ كيف انتشر؟ هذا ما يدور حوله موضوع اليوم.
الحقيقة، هناك ثلاثة أسباب كبرى للضلال:
السبب الأول: الانحراف الفكري.
السبب الثاني: الانحراف النفسي.
السبب الثالث: الضعف النفسي.
فهذه الأسباب الثلاثة الكبرى تؤدي إلى الضلال، الذي هو أخطر شيء في حياة الإنسان, أن يكون الإنسان فقيراً ومهتدياً فهو من الناجحين، أن يكون مريضاً ومهتدياً فهو من الفائزين، أما أن يكون ضالاً, فهذا الضلال مؤدّاه إلى النار، فالضلال هو الهلاك.

ينبغي على المسلم أن يكون سلاحه الكتاب والسنة حتى يرجع إلى الصواب:
فمن باب التذكير أننا في مطلع دروس العقيدة، حيث توضح لكم أن العقيدة الصحيحة لها مسالك، ولها مداخل، ولها طرق، ومِن هذه المسالك:
1- مسلك اليقين الحسي، فأنا أعتقد أن الشمس ساطعة، لأنني أراها بعيني, فاليقين الحسي شيء بدهي واقعي لا سبيل إلى الزيغ عنه.
2- مسلك اليقين الاستنتاجي, اليقين العقلي.
3- مسلك اليقين الإخباري.
4- مسلك الإشراق الروحي، بشرط أن يوافق الأصول الشرعية للدين.
الإنسان أحياناً تأتيه فكرة، يفكر في الموضوع، ويتوهم النتيجة، وقد يعتقد بهذه الفكرة أنها صحيحة، من دون أن يضعها على المحك، من دون أن يمتحنها، هل كان استنتاجه صحيحاً؟ هل أوصلته المقدمات التي وصل إليها إلى النتائج صحيحة؟ هذه الفكرة قد تروج في مجتمع ما، فكرة لم تُمحص، فكرة لم تخضع لمقاييس الشرع، فكرة لم تخضع لأصول الفهم، فكرة لم تخضع لمقاييس العقيدة الصحيحة، هذه الفكرة تروج وتنتشر، وفي النهاية تصبح بعد عشرات السنين عقيدة ضالة، يعتنقها أناس كثيرون.
أخطر شيء في حياة المسلم أن تكون بعض معتقداته ضلالاً، أن يتوهم أن هذا الشيء حق، وهو في حقيقته باطل، أن يعتقد أنه صحيح، وهو غير صحيح, لذلك فالعقيدة أخطر شيء في حياة الإنسان، فإن صحت صح عمله، وإن فسدت فسد عمله, والعقيدة لا تؤخذ إلا من كتاب الله، القطعي الثبوت، القطعي الدلالة، ولا تؤخذ إلا مما تواتر من حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، العقيدة فقط، والأحكام الشرعية تؤخذ من الأحاديث الآحاد، فأية فكرة ليس لها أصل في كتاب الله، أو ليس لها أصل في سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام المتواترة، فهي فكرة ضالة بعيدة عن الواقع.

من أسباب ضلال الانحراف الفكري:
1- أخذ الأشياء على ظواهرها من دون تمحيص علمي:
ما منا واحد إلا ويتكلم، راقب نفسك، هذه الفكرة التي تقولها للناس ما مصدرها؟ ما الدليل عليها؟ هل هي صحيحة؟ أمعك عليها دليل من كتاب الله ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام؟ من قال هذا؟ أما أن نأخذ الأشياء على عواهنها، إنسان تكلم، مثقف قال، كتاب قرئ، مقالة قرأت، واعتقدنا شيئاً مثلاً هذا الدواء يزيد في العمر كما يتخرصون، هناك آية قرآنية تنفي مثل هذه الأوهام:
﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾
( سورة الأعراف الآية:34)
هذه المقالة التي قرأتها في هذه المجلة كلام باطل، وعقيدة ضالة، وفكرة واهمة، لأنها تناقض آية صريحة في كتاب الله.
قد يقول لك قائل: إن الله عزّ وجل يدخل الناس الجنة بلا عمل، فاسمع قوله تعالى:

﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾
( سورة الحجر الآية: 92-93)
﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
(سورة النحل الآية: 32)
فأية فكرة إياك أن تقبلها، ما لم تكن صحيحة وفق كتاب الله، والإنسان عليه أن يسأل أهل الذكر إن كان لا يعلم، هكذا قال الله عزّ وجل:
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 7)
أنت عود نفسك، ولتعلم يقيناً أنه في العقيدة لا يجوز التقليد، لك أن تقلد الصالحين في أعمالهم، لك أن تقلد في الأعمال، الصالح يُقلد، العالم يُقلد، من قلد عالماً جاء يوم القيامة غانماً؟ لكن في العقيدة لا يقبل التقليد، لأنك إذا قلدت في العقيدة لا تملك البرهان، قد يأتي إنسان فيقنعك بعكسها، فالعقيدة يجب أن تؤخذ بالدليل القطعي الساطع, فالأشياء التي يجب أن تعتقد بها بالضرورة هي أخطر ما في الجانب العقدي في الإنسان.
لذلك أحياناً الأفكار المنحرفة تروج بين البسطاء، وبين أنصاف المثقفين، وبين العامة، لأن هذا العامي لا يطالبك بالدليل، وليس في إمكانه أن يناقشك، ليس في مقدوره أن يسألك, من أين جئت بهذه الفكرة؟ هو يسكت, قد يأخذ الفكرة من قائلها، إذا كان القائل عظيماً، أو متكلماً، أو إذا كان وجيهاً، يأخذها على عواهنها، وهذا خطر كبير.

2- اعتبار العقل هو الميزان لا الشرع:
قلت لكم: الدين بالنقل, وبالعقل الموافق للنقل، نحن بالنقل نعتقد، وبالنقل نفهم ما نعتقد، أما العقل هو قوة إدراكية لفهم ما جاءنا بالنقل عن الله عزّ وجل، وعن رسوله صلى الله عليه وسلم, فلذلك, حينما يعتمد على العقل وحده، فإن العقل قد يضعف، وقد يضل العقل، وقد يتيه العقل، وقد يغلو العقل، وقد ينحرف العقل, فالله عزّ وجل وضع الشرع ميزاناً للعقل، ووضع العقل ميزاناً للكون قال تعالى:
﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾
(سورة الرحمن الآية: 7)
فالعقل ميزان، والشرع ميزان على الميزان، فالفكرة ينبغي أن تؤيدها الأدلة النقلية التي تتطابق مع المنطق والواقع.
3- التقليد الأعمى للآباء:
من أسباب الضلال الفكري, التقليد أعمى, هذا مرض خطير، قال تعالى:
﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ ﴾
(سورة الزُخرُف الآية: 32)
هذا يسميه علماء الاجتماع قوة الاستمرار، مجتمع نشأ على تقديس البقر مثلاً، كما هو الحال في الهند، حيث البقرة شيء مقدس, ومئات الألوف يموتون جوعاً، وأكبر قطيع من الأبقار في العالم في الهند، البقر لا يُذبح إلى أن يموت، وبعدها يُدفن، ويُقدس، فكيف انتشرت هذه الضلالات؟ بحكم التقليد، ورثت هذه المقدسات جيل عن جيل وتابعها.
فالإنسان ينبغي أن يكون حر التفكير، أن يبني بنيانه الفكري على بينة، على أدلة، على واقع، فالتقليد الأعمى سبب خطير جداً من أسباب الضلالات، والكلام الشائع الآن بين الناس, هكذا تربينا، هكذا كان آباؤنا، هكذا فعلنا، من قال لك: إنّ الأمرَ كذلك؟.
كنـت مرة في قرية، فيأتي البدوي إليها، وهو محتاج إلى ثمن علف لمواشيه، فيضطر إلى أن يبيع الصوف، الذي سوف ينبت على ظهور أغنامه في الموسم القادم بثمن بخس، يقول لك: بيع السلم, بيع السلم حق، لكن أن ينقلب بيع السلم إلى ربا فاحش، سعر رطل الصوف مثلاً 30، وتشتريه بـ 15ليرة, تدفع له مقدماً ثمن الرطل 15، لتأخذه في موسمه بهذا الثمن البخس, هذا أحد أنواع الربا، المظهر مظهر بيع سلم، أما الحقيقة فهو ربا, يقول لك: هكذا نشأنا، هكذا تربينا، وهكذا نفعل جميعاً.
كل اعتقاد، أو كل سلوك، أو كل علاقة مالية، أو اجتماعية مبنية على سبب واه فهي ضلالة، أحياناً ينشأ في حياتنا الاجتماعية عادات مثل عادة الاختلاط، فإذا اعترضت على هذه العادة، قالوا: هكذا تربينا, هكذا نشأنا، فكل سلوك منحرف مرفوض، ولو أن الناس مشوا عليه أجيالاً تلو أجيال, قال تعالى:

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ﴾
( سورة البقرة الآية: 170)
التقليد الأعمى أحد أسباب الضلال، فلا ينبغي أن تتابع الناس على ضلالهم، ولا أن ترث منهم ضلالة، ولا أن تنشأ كما نشؤوا، ولا أن تنحرف كما انحرفوا، ولا أن تزيغ كما زاغوا، الله سبحانه وتعالى يحاسبك وحدك يوم القيامة، حينما تأتيه فرداً، حيث لا مُعين لك ولا نصير, قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾
(سورة الأنعام الآية: 94)

4- الغلو في تقديس الأشخاص:
من أسباب الضلال الفكري, المبالغة في تقديس بعض الناس، فالإنسان له حجم، وأغلب الظن أن المعتقدات الباطلة قد تتأتى من إنسان عظمه الناس فوق ما ينبغي، هؤلاء الصالحون عندما يموتون يعظّمهم الناس، إلى درجة أنهم يُصبغون عليهم صفات فوق صفات البشر، يعزون كل خرافة، وكل شطحة، وكل انحراف إليهم، النبي صلى الله عليه وسلم، سيد الخلق، وإمام المرسلين، وسيد الأنبياء، وأعظم إنسان على وجه الأرض، ومع ذلك فله حجم، ومن ملامح حجمه صلى الله عليه وسلم, قوله تعالى:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾
(سورة الأعراف الآية: 188)
فأي شخص يدعي الولاية، ويقول لك: أنا أملك لك نفعاً أو ضراً، فهذا ضلال، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام، وهو سيد الأنبياء والمرسلين، وسيد الأولياء والصالحين، لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً, أفيكون قادراً على أن يملك لك النفع والضر من باب أولى؟ لا، إذا كنت أنا لا أستطيع أن أفعل هذا لنفسي، أفبإمكاني أن أفعله لكم؟ قال تعالى:
﴿قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلَا ضَرّاً ﴾
( سورة الأعراف الآية: 188)
حينما تعزو بعض الأعمال الخارقة لإنسان فهذا اعتقاد باطل, عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّه عَنْهم قَالَ:
" قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقْرَبِينَ ) قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْد ِالْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا "
(أخرجه البخاري عن أبي هريرة في الصحيح)
حجم آخر, قال تعالى:
﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 50)
سيد المرسلين، سيد ولد آدم, ولا فخر، صاحب الخلق العظيم لا يعلم الغيب، فأي إنسان ادعى علم الغيب فهو كاذب، وهو منحرف، وهو ضال.
قال تعالى:

﴿أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
(سورة الأنعام الآية: 15)
يزعمون هذا الولي لا تضره معصية، هذا ليس صحيحاً, هذا الكلام يتناقض مع كلام الواحد الديان، قل يا محمد لهم, قال تعالى:
﴿أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 15)
لذلك, المبالغة في تقديس بعض العلماء من الناس، وأن تنسب كل انحراف أو فكرة ضالة، أو شطحة إليهم، فهذا كله من الضلال، هل يمكن أن يكون الولي فوق النبي ؟ هل يمكن أن نقبل أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء ؟ أعظم الأولياء دون آخر الأنبياء, هذا مقياس، فالإنسان لما يسمع قصصاً، وحكايات من هذا القبيل يجب عليه أن يُنقح، أن يمحص، أن يدقق، أن يحقق، أن يطلب الدليل، أن يقرأ كتاب الله، أنت إذا قرأت القرآن الكريم، واستمعت إلى تفسيره، وتابعت دروس التفسير، فمع مرور الأيام، والأسابيع، والأشهر، والسنوات تصير مؤهلاً لمعرفة حقيقة العقيدة، لأن كل شيء يجب أن نعتقد به، ورد ذكره في القرآن الكريم، وأظهره الله عز وجل جلياً واضحاً.
فقراءة هذا الكتاب العظيم، الذي هو كتاب عقيدة، وكتاب أحكام، وكتاب سيّر، وكتاب مواعظ، وكتاب قصص حكيمة ذات عبرة بليغة، وكتاب آيات كونية، واضح لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لذلك, تجد كتاباً شهيراً جداً مثل تفسير آيات الأحكام, تفسير الآيات الكونية في القرآن, القصص في القرآن, مشاهد القيامة في القرآن, فهذا القرآن العظيم يمكن أن تُستنبط منه كتب كثيرة، كتب العقيدة تأخذ من القرآن، كتب قصص الأنبياء تأخذ من القرآن، وهكذا.

5- الاعتماد على الفلسفة وحدها:
من أسباب الضلال أيضـاً, أن تعتمد على الفلسفة فقط, فالذين اعتمدوا على عقولهم وحدها وقعوا في التشبيه, يعني شبهوا الإله العظيم ببعض مخلوقاته, وهذا زيغ كبير في العقيدة، وبعضهم وقع في التعطيل، فعطل الصفات، أو عطل المجازات القرآنية التي وردت في حق الله عزّ وجل، هناك من عطلها، وهناك من جسدها، وكلاهما اعتماداً على عقله وحده فوقع في ضلال.
ولو أن جميع الذين ضّلوا في عقائدهم بسبب تحكيم عقولهم في أمور الغيب، رجعوا إلى عقولهم ببصر نافذ، وإذعان للحق، واعتراف بالعجز, لقالوا: إن عقولنا محدودة بحدود المحسوسات، فلا يمكن أن نعرف بها وحدها، وبشكل مستقل صورة من صور الغيب، لنعترف أن عقل الإنسان مثل الميزان, له حدود قصوى, فلو وضعت فوقه طرداً وزنه خمسمئة كيلو لا نكسر الميزان، فهل تتهم أن هذا الميزان سيء؟ لا، إن هذا الميزان حينما صنع وضعت حدود طاقته لوزن أثقال لا يتجاوز خمسين كيلو، أما أكثر من ذلك فإن الميزان يتحطم وينكسر, كذلك هذا العقل، حينما وهبنــا الله إياه وضع بطريقة أنه يستخدم استخداماً رائعاً في الاستدلال الحسي، تستطيع بوساطته أن تأخذ من الواقع الحسي دليلا على شيء مغيب عنك, أبسط شيء أنك إذا رأيت المصباح الكهربائي متألقاً فهذا العقل يحكم بشكل قطعي على أن في الأسلاك كهرباء، ولو أنك لا تراها, هذه حدود دائرة العقل، أما عالم الأزل وعالم الأبد، وعالم ما قبل الحياة، وما بعد الموت فلا نستطيع في هذه المجالات أن نعتمد شيئاً محسوساً، ونتخذه أساساً للاستنتاج، فلذلك استخدام العقل وحده في المغيبات أحد أنواع الضلال.
عندنا فلسفات تافهة، وناقصة تعتمد على الحس وحده، فكل شيء غير مادي، وغير حسي، إذاً: هو غير صحيح، هذه الفلسفة الوجودية المادية التي لا تعتمد إلا على الحس، كل شيء مغيب عنا ينكره المنكرون، ويجحده الجاحدون، هذه الفلسفات التافهة، والناقصة, إنما هي فلسفات تسبب الضلال الاعتقادي.

من أسباب ضلال الانحراف النفسي:
1- اتباع الهوى والشهوات:
إذا كان إنسان شهوانياً، يحب الاختلاط، هذا الإنسان حينما اتبع شهوته حدث في نفسه خلل، واختلال في توازنه، هذا الخلل كيف يرمم؟ يُرمم بالاعتقاد الفاسد، يقول لك: هذا الاختلاط لا بد منه من أجل تهذيب المشاعر، وتنقية الأجواء، وتلطيف الأجواء, يأتي بالاختلاط ليجعل منه طريقاً إلى سمو النفس، لأن تعلقه بالاختلاط هو انحراف في الشهوة، هذا الاختلال في نظر المنحرف يرمم بهذه الطريقة، والذي يأكل الربا تراه يعتقد أن قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
( سورة آل عمران الآية: 130)
يقول لك: الذي حرمه الله عزّ وجل هذه الفوائد المركبة الكبيرة جداً، هذا فقط محرم، إذاً: فقد ضل عقله, كيف ضل عقله في فهم هذه الآية؟ لأنه منحرف في أكل الربا, هذه نقطة خطيرة جداً، والإنسان الذي يعاني من انحراف أخلاقي، أو واقع في معصية و مصر عليها, أو عنده زيغ عن الحق، هذا الانحراف الأخلاقي يدفعه إلى تخيل عقيدة فاسدة.
الشخص الذي يغش يقول لك: يا أخي أنا عندي عيال، والعمل عبادة، ولا أقدر أن أضيع عيالي، فأنا مضطر أعمل ذلك، يستحل الغش ليبرر عمله السيء، والذي يأكل أموال الناس بالباطل، ويستحل ذلك ليغطي انحرافه السلوكي، فأربعة أخماس الضلال الاعتقادي سببه الانحراف الأخلاقي, هؤلاء المنحرفون أخلاقياً يتعلقون بعقائد ضالة وزائغة, لأن هذه العقائد الضالة الزائغة تغطي انحرافهم.
المقيم على معصية، هذا يعتقد بمفهوم ساذج للشفاعة، لماذا؟ حتى يستعيد التوازن الذي اختل من جراء هذه المعصية، فلو أن طالباً أمضى العام الدراسي كله من دون دراسة، فهو يشعر بخلل داخلي في نفسه، فإذا سمع هذا الطالب مِن طالب آخر, أن الأستاذ يمكن أن يعطي الأسئلة في آخر العام مقابل مبلغ ضخم، الفكرة خرافة، تراه يصدقها, ويطمئن لها، ويتمسك بها، لأن هذه الفكرة الخرافية الضالة تعيد له التوازن الذي اختل بعدم الدراسة, قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾
(سورة الماعون الآية: 1-2)
آية أخرى, قال تعالى:
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾
(سورة القصص الآية: 50)
إن لم يستجب، وإذا أصر على عقيدة ضالة، فاعلم أنما يتبعون أهواءهم، هذه حقيقة مهمة جداً، أتمنى أن تكون هذه الآية دائماً في أذهانكم، أن الذي تناقشه إذا أصرّ على الضلال، أصر على الزيغ والانحراف، يجب أن تعلم علم اليقين أنه يدافع عن أخطائه، وعن انحرافه، ويدافع عن ضلاله السلوكي بالضلال الاعتقادي.
هؤلاء الذين أباحوا لأنفسهم أن يفعلوا كل شيء، فالعقيدة التي تناسب هذا الانحراف الخطير هي أن ينكروا وجود الله عزّ وجل, وينكروا المسؤولية كلها, لذلك فإن العقيدة تضل، وتنحرف تماماً بنسبة انحراف السلوك، وكلما كانت زاوية الانحراف كبيرة, كلما كانت زاوية انحراف العقيدة كبيرة, فإذا كان الانحراف شاملاً كان الإلحاد شاملاً, قال تعالى:

﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ ﴾
(سورة الماعون الآية: 1-2)
﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾
(سورة القصص الآية: 50)
هناك آية دقيقة جداً, ذكرناها في الدرس الماضي, قوله تعالى:
﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ ﴾
(سورة القيامة الآية: 5-6)
هذا الفاجر المنحرف هو الذي ينكر، أو يسارع لإنكار يوم القيامة، وهذه آية ثانية:
﴿وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾
( سورة المطففين الآية: 12)
فالتكذيب بالعقيدة الصحيحة, سببها الانحراف الخطير.
2- أمراض القلب ويشمل الحسد والحقد والكبر والنوازع النفسية المتنوعة:
1- الحسد, أحد أسباب الضلال, فأنت حينما تستمع إلى الحقيقة من إنسان تحسده فإنك تردها عليه، وتصر على الباطل حسداً من عند النفس، لرد هذا الذي يقول لك: الحقيقة الصافية، وهذا يؤكد أحياناً كثيرة, أن الحسد يسبب الضلال الاعتقادي, قال تعالى:
﴿وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 87)
﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾
(سورة البقرة الآية: 109)
2- النوازع النفسية الرامية إلى تحقيق مطالبها بالشذوذ، فمثلاً أحد الناس يريد أن يبتغي الغنى السريع بأقرب وقت ممكن, لا يمكن أن يكون بالطرق المشروعة، يلجأ إلى الطرق غير المشروعة كالاحتكار، والاستغلال، والغش، وما شاكل ذلك، فالذي يستبيح الاحتكار، ويستبيح الغش، هو انحراف خطير، أراد به أن يصل إلى هدفه بأقرب وقت، فأعتقد ضلالاً أن بعض الأشياء المحرمة ليست محرمة، فوقع في الضلال أيضاً.
3- الكبر أيضاً, أحد أسباب الانحراف الاعتقادي، كأن يعتقد فكرة حمقاء، أو ساذجة، أو ضالة، أو زائغة، ولا يتراجع، بل يصر عليها بدافع الكبر، وهذا أيضاً أحد الأسباب الذي يسبب الهلاك.
4- وكذلك الأحقاد المتوارثة تسبب بعض الضلال الاعتقادي إذا كان بين المِلل والنِحل.

من أسباب ضلال الضعف النفسي:
1- ضعف الإرادة:
من أسباب ضلال الضعف النفسي, ضعف الإرادة, قال تعالى:
﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ﴾
(سورة الزُخرُف الآية: 54)
الإنسان أحياناً تضعف إرادته عن مجابهة الباطل، فيعتقد اعتقادًا باطلاً ابتغاء السلامة، وخوفاً من المضايقات، فهذا الضعف النفسي أدّى به إلى اعتقاد ضلالي، وهذا سبب أخير من أسباب الضلالات, وكما قلت قبل قليل: أخطر ما في حياة المسلم أن يكون معتقداً عقيدة ضالة وأسبابها.






والحمد لله رب العالمين



السعيد 06-21-2018 03:10 PM

رد: العقيدة الاسلامية
 



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( التاسع و الخمسون )

الموضوع :المكفرات





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
من أنكر شيئاً من مسلمات الدين فقد كفر:
أيها الأخوة, وصلنا في موضوعات العقيدة إلى موضوع دقيق، هو موضوع المكفرات، لأن المسلمين فيما بينهم قد يقعون في منزلق خطير، وهو أن الذي يخالفهم يكفرونه، فالتكفير شيء خطير جداً، فمن كفر مسلماً فقد كفر.
لذلك يجب أن نعلم ما هي حدود الكفر؟ وما هي حدود الإيمان؟ وقبل الخوض في هذا الموضوع، لا بد من تقديم قصير، وقد شرحنا سابقاً أن الإسلام هو انقياد كلي للشريعة الإلهية، فالذي ينقاد بجوارحه، وحواسه، وكل حركاته، وسكناته، ويؤدي العبادات، ويطبق المنهج الرباني، هذا يسمى مسلماً، لأنه استسلم لهذا الشرع الحنيف، فإذا خرج عن هذا المنهج يُسمى فاسقاً، لأن فسق بمعنى خرج، أما الإيمان فشيء آخر، الإيمان تصديق أولاً، وإقبال على الله ثانياً، فحينما ينكر الإنسان أحد مسلمات العقائد التي يجب أن تُعلم بالضرورة فقد كفر، لذلك فإن الكفر كما تعلمون نقيض الإيمان، والكفر إذاً: هو عدم التصديق، ولو بشيء مما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، ووصل إلينا بطريق يقيني قاطع، والشيء الذي وصل إلينا بطريق يقيني قاطع، هذا إذا أنكرناه فقد كفرنا.
الإمام الرازي في تفسيره الكبير يقول: الكفر هو عدم تصديق الرسول بشيء مما عُلم بالضرورة مجيئه به، أقول هذا الكلام مراراً، هناك مجموعة من العقائد يجب أن تُعلم بالضرورة، فالاعتقاد بها إيمان، وإنكارها كفران، والكفر هو إنكار عقيدة وصلت إلينا بطريق قطعي الثبوت، قطعي الدلالة، فالإيمان لا يتم إلا بالتصديق بجميع ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام، لأن جميع أركانه مع فروعها وِحْدة متماسكة تماسكاً تاماً، والإسلام كل لا يتجزأ، فيجب أن تؤمن بكل عقائد الإسلام إيماناً تاماً، فلو اختل شيء من هذه العقائد، ولم تؤمن به، بل أنكرته فهذا نوع من أنواع الكفر.

دليل القرآن على من أنكر شيئاً من العقائد مما علم بالضرورة فقد كفر:
ما الدليل على ذلك؟ الدليل قول الله عزّ وجل مخاطباً اليهود في سورة البقرة:
﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
(سورة البقرة الآية: 85)
إذاً: مجموعة العقائد التي يجب أن تُعلم بالضرورة تصديقها إيمان، وإنكارها كفران، وإنكار بعضها كفران، فالذي ينكر فريضة الصلوات الخمس، فهذا كافر، ومن ترك الصلاة تهاوناً لا يسمى كافراً، لكنه من أنكر فرضيتها، وقال: لِمَ الصلاة؟ ما فائدتها؟ هذه لا جدوى منها، من قال كذلك: فقد كفر، أو أنكر شيئاً من القرآن الكريم الثابت بالتواتر، أو اعتقد إباحة الزنا، وقد حرمه الله عزّ وجل، أو اعتقد إباحة الخمر، وقد حرمها الله عزّ وجل.
النقيضان لا يجتمعان:
هناك موضوع دقيق، هو من آمن بشيء فقد كفر بنقيضه، والشيئان النقيضان يعنيان أن أحدهما ينقض وجود الآخر، فالضوء ينقض الظلمة، والظلمة تنقض الضوء، إثبات الظلمة ينكر وجود الضوء، وإثبات الضوء ينكر وجود الظلمة، فالضوء والظلمة شيئان متناقضان، والإيمان والكفر شيئان متناقضان، فمن آمن بشيء فهو كافر بنقيضه، ومن كفر بشيء فهو مؤمن بنقيضه، هذه قاعدة مسلم بها، دليلها مِن كتاب الله، قول الله عزّ وجل:
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾
(سورة البقرة الآية: 256)
فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
" مَنْ أَتَى كَاهِنًا أَوْ عَرَّافًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
(أخرجه الإمام أحمد عن أبي هريرة والحسن في مسنده)
الذي أُنزل على محمد هذا القرآن، وكل ما في القرآن يؤكد أنه لا إله إلا الله، فإذا اعتقدت أن الكاهن يعلم الغيب فهذا كفر، قال الله تعالى:
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ﴾
(سورة الأنعام الآية: 59)
﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً﴾
( سورة الكهف الآية: 26)
إذاً: الإيمان بالشيء يقتضي الكفر بنقيضه.
بحث المكفرات مأخوذ من أصول هذا الحديث:
المكفرات لها أصول، هذه الأصول مأخوذة من حديثِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:
" الإسْلامُ عَلانِيَةٌ وَالإيمَانُ فِي الْقَلْبِ قَالَ ثُمَّ يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ قَالَ ثُمَّ يَقُولُ التَّقْوَى هَاهُنَا التَّقْوَى هَاهُنَا "
(أخرجه الإمام أحمد عن أنس في مسنده)
نحن كبشر عاجزون عن أن نعلم ما في القلوب، فما في القلوب لا يعلمه إلا علام الغيوب، ونحن البشر نحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، والحديث الشريف الشهير في هذا الموضوع معروف،
" حينما عاتب النبي عليه الصلاة والسلام أحد أصحابه الكرام في بعض المعارك، حيث قتل رجلاً، وقبل أن يقتل شهد أنه لا إله إلا الله، قال: يا رسول الله، قالها: ليتقي القتل، فقال عليه الصلاة والسلام: " أشققت عن قلبه؟ "
( ورد في الأثر)
أنواع المكفرات:
1- المكفرات الاعتقادية:
ما دام الإيمان شيئًا وقر في القلب، وأقر به اللسان، وصدقه العمل، فهناك المكفرات الاعتقادية، وهناك المكفرات القولية، وهناك المكفرات العملية، وهذا يعني أن هناك اعتقاداً يكفر صاحبه، وأن هناك قولاً يكفر صاحبه، وأن هناك عملاً يكفر صاحبه, فإنكار الخالق جلّ وعلا كفر ما بعده كفر، وهذا يسمى أيضاً إلحادًا، وهو إنكار وجود الخالق، وإنكار صفات الكمال فيه, قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 180)
من ينكر رحمته، أو حكمته، أو عدالته، أو لطفه، أو قدرته, فقد كفر، ومن أنكر وجوده, فقد كفر، ومن أنكر صفات الكمال فيه, فقد كفر، أو من وصفه بما هو منزه عنه, فقد كفر، ومَن قال: إنه غير محيط علماً بكل شيء, فقد كفر، ومن قال: إن الله لا يعلم ما سيكون, فقد كفر، و من نفى عنه كمال القدرة, أو كمال علمه، أو كمال عدله, فقد كفر، لذلك موضوع العقيدة أخطر موضوع في الدين، يجب أن تعلم علم اليقين ما ينبغي أن تعتقد به.
من أنكر إرسال الأنبياء، أو بعث الرسل, فقد كفر، ومن كذبهم فيما نقلوا عن الله عزّ وجل, فقد كفر، ومن أنكر نبياً واحداً منهم, فقد كفر، ومن أنكر رسالة واحد منهم, فقد كفر أيضاً, ومن أنكر الأمور الغيبية التي نقلت لنا عن طريق الكتب السماوية القطعية الثبوت، القطعية الدلالة التي جاءتنا عن طريق التواتر, فقد كفر، فمن أنكر الملائكة, فقد كفر، لأن الله عزّ وجل في القرآن الكريم ذكر الملائكة، ومن أنكر الجنة, فقد كفر، ومن أنكر الكتب السماوية إجمالاً, فقد كفر، ومن أنكر بعض الكتب السماوية, فقد كفر, هذه بعض أنواع المكفرات الاعتقادية التي تتعلق بالإيمان بالله عزّ وجل، وبأسمائه الحسنى، وبأنبيائه، وبالغيبيات.
أما ما يتعلق ببعض المكفرات بالأحكام الشرعية، من زعم أن الصلاة غير واجبة, فقد كفر، ومن أنكر تحريم المحرمات، وزعم أنها غير محرمة، كأنْ يزعم بعضهم أن الله عزّ وجل لم يحرم الخمر, فقد كفر, و من أنكر تحريم الزنا، أو أنكر تحريم الربا، أو عقوق الوالدين، أو أكل أموال الناس بالباطل، أو القتل بغير الحق، أو اعتقد أن الزواج لا جدوى منه، والسفاح أفضل من الزواج, فهذا كافر.
فأي شيء شرعه الله لنا بالدليل القاطع، ثم يزعم أحد إنكاره، فقد كفر, أصحاب الأهواء الشهوانيون الذين يعيشون للذاتهم، ولا يبالون كيفما اقتنصوا هذه اللذات، من طريق مشروع، أو من طريق محرم، هؤلاء بالنص الدقيق هم كفار.

2- المكفرات القولية:
أما المكفرات القولية، من استهزأ بالدين، أو استهزأ بعقائده، أو سب الخالق جلّ وعلا مثلاً، وسب الرسل الكرام، وسب الكتب السماوية، وسب الدين، واعترض على عدالة الله عزّ وجل، واعترض على قضاء الله وقدره، هذا كله من المكفرات القولية، لكن هذه المكفرات القولية لا تكون مكفرات قولية إلا بشرط, أن تكون في حالة يؤاخذ فيها الرجل على إقراره، فلو كان مكرهاً، أو لو كان غائباً عن الوعي، فلا يكفر بهذه الأقوال، فلو كان كافراً أصلاً، وقال هذه الأقوال: فقد عبر عن كفره، ومن كان مسلماً، وقال مثل هذه الأقوال: فقد ارتد عن دينه، فعَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ "
(أخرجه ابن ماجة عن أبي ذر الغفاري في سننه)
" أحد أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام كان في وضع صعب جداً، بين أيدي كفار مكة، وهم يعذبونه، فأكرَهوه على أن ينطق بكلمة الكفر، فلما جاء النبي عليه الصلاة والسلام, وأخبره الخبر خفَّف عنه، وقال: لا عليك فإن عادوا فعد "
( ورد في الأثر )
ونزل قوله تعالى:
﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
( سورة النحل الآية: 106)
إن الأعمال تعبر عما في القلوب، والأقوال تعبر عما في القلوب، وإذا عبرت عما في قلبك بلسانك فهذه كلها مكفرات، تمزيق المصحف, هذا من المكفرات، إلقاؤه في القاذورات، السجود لصنم، هذا من المكفرات، من أتى فعلاً من هذه الأفعال، وثبَت أنه غير معذور، ولا مضطر، ولا مُكره، وليس جاهلاً بهذا، فهذا ينسحب عليه حكم الكفر.
يتضح من هذه المكفرات, أن الإنسان لا يكفر إلا إذا صرح، أو قال، أو عمل عملاً من لوازم الكفر، أما أن نحكم به ظناً، فهذا من الكبائر، تكفير المسلم من الكبائر، مسلم قائم بواجباته، قائم بعباداته، يؤدي ما عليه، لأنه اختلف معك في الرأي في الفروع، لا في الأصول تكفره, هذا من الكبائر.
الإمام الذهبي في كتاب الكبائر, عد تكفير المسلمين من الكبائر، لذلك, فإن هذا الموضوع له هدف, أن يعلم ما المكفرات الاعتقادية؟ وما المكفرات القولية؟ وما المكفرات العملية؟ من أجل ألاّ تتورط في اتهام الناس بالكفر، حتى لو اتهمتهم بالكفر في نفسك وقعت في الكبائر، الغيبة في بعض حدودها غيبة القلب، إذا اعتقدت أن هذا الذي أمامك ليس مؤمناً من دون دليل قطعي, فهذا كفر، وهو من الكبائر.

أصناف أهل الكفر:
1- الكافرون الضالون:
وقد صنف الكفار على أربعة أصناف:
الصنف الأول: الكافرون الضالون، وهم الذين ينكرون الله بألسنتهم، لأنهم لا يعلمون وجوده في قلوبهم، وقد أشار كتاب الله عزّ وجل إلى هذا النوع في سورة الفاتحة فقال:

﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ﴾
(سورة الفاتحة الآية: 6-7)
﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾
(سورة الرعد الآية: 19)
2- الكافرون الجاحدون:
الصنف الثاني: الكافرون الجاحدون, وهم الذين ينكرون الله بألسنتهم، مع أنهم يعلمون وجوده في قلوبهم، ككفر بعض كفار قريش، وكفر بعض اليهود الذين عرفوا أن النبي محمداً عليه الصلاة والسلام هو رسول الله، ومع ذلك أنكروا رسالته، الذي يعرف في قلبه، ويُنكر بلسانه, هذا كافر جاحد.
3- الكافرون المعاندون:
الصنف الثالث: الكافرون المعاندون, وهم الذين يعرفون الله في قلوبهم، ويعترفون به بألسنتهم، قال تعالى:
﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾
(سورة لقمان الآية: 25)
ومع ذلك فهم يعاندون في الإيمان برسله، واتباع شريعته، ويستكبرون عن عبادته، لأسباب كثيرة: منها الحسد والبغي، ومنها الكبر، ومنها الطمع، ومنها الرغبة في اتباع الشهوات، ونحو ذلك، وبعضهم قال:
ولقد علمت بأن دين محمد من خير أديان البرية ديناً
لولا الملامة أو حذار مسبة لوجدتني سمحاً بذاك يقيناً

يخشى على مكانته، أو يخشى على مصالحه، أو يخشى على شهواته، فهؤلاء هم الكافرون المعاندون.
4- الكافرون المنافقون:
الصنف الرابع: الكافرون المنافقون، الذين يتظاهرون بالاعتراف في ألسنتهم، وقلوبهم منكرة غير معترفة، والمنافقون في الدرك الأسفل من النار، الإيمان درجات، والكفر دركات، قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ﴾
( سورة آل عمران الآية: 90)
ولقد قرر القرآن الكريم أن الكفار غير المعذورين بكفرهم هم من أهل النار في الدار الآخرة، وأنهم مخلدون في العذاب، وأن الله لا يغفر لهم كفرهم، وإشراكهم به، بخلاف غيرهم من عصاة المؤمنين، فقد تشملهم رحمة الله بالعفو والمغفرة، كرماً منه وفضلاً إذا شاء الله ذلك, قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً ﴾
( سورة النساء الآية: 116)
وقال الله تعالى في سورة آل عمران:
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾
( سورة آل عمران الآية: 91)
خطورة البحث وأهميته:
هذا الموضوع أردت أن أقرره لكم لخطورته:
أولاً: من أجل أن تعرف حدود الإيمان، وكيف أن الإنسان إذا خرج عن هذه الحدود فقد وقع في الكفران؟
ثانياً: ومن أجل ألا تتورط في كبيرة، ألا وهي تكفير المسلمين المؤمنين الصادقين.
بقي علينا في موضوع العقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، وهو الركن الخامس من أركان الإيمان.







والحمد لله رب العالمين



السعيد 06-21-2018 03:12 PM

رد: العقيدة الاسلامية
 





بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الستون )

الموضوع :الايمان بالقضاء و القدر (1)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أهمية القضاء والقدر في حياة الإنسان:
أيها الأخوة, قد أنهينا بفضل الله وكرمه في الدروس السابقة الإيمان بالله، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بالملائكة، والكتاب، والنبيين، ووصلنا إلى الإيمان بالقضاء والقدر، والقضاء والقدر كما تعلمون ركن من أركان الإيمان، بل إن سلوكك في الحياة يبنى على نوع فهمك للقضاء والقدر، فإذا توهم الإنسان أنه مجبور على أفعاله، وأنه لا اختيار له, وأنه كريشة في مهب الريح، وأن كل شيء قد انتهى، إذا توهم الإنسان ذلك شلت قدرته، وقعد، واستسلم، وصار إنساناً سلبياً، ليس هذا الفهم حقيقة القضاء والقدر, وإذا ظن الإنسان متوهماً أنه يخلق عمله، وأن بإمكانه أن يفعل كـذا وكذا، علا في الأرض، وطغى، وبغى، كذلك هذا الفهم بعيد عن حقيقة القضاء والقدر
لذلك الشيء المهم جداً، وهو من العقائد التي يجب أن تعلم بالضرورة، أن تعرف حقيقة القضاء والقدر، هل أنت مخير بلا حدود؟ هل أنت مسير بلا شروط؟ كيف الحال؟ أرجو الله عزّ وجل أن يمكنني من توضيح بعض هذه الحقائق.

تعريف القضاء والقدر لغة:
كلمة القضاء والقدر، كثيراً ما تدور على الألسنة، نتحدث عنها كثيراً، بادئ ذي بدء ماذا تعني كلمة القضاء والقدر؟ قال علماء اللغة: القضاء بالمد، يعني بالألف الممدودة، مصدر قضى يقضي قضاء، وهو في معناه اللغوي الجامع: إتمام الشيء قولاً كان، أو فعلاً، أو إرادة، أو غير ذلك, فمثال القضاء في القول, قول الله تعالى في سورة الإسراء:
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيماً ﴾
(سورة الإسراء الآية:23)
خلاصة قول الله عزّ وجل: ألا تعبدوا إلاّ إياه، إتمام القول، هذا هو المعنى الأول اللغوي للقضاء، أي أتم الله سبحانه نهيه عن عبادة غيره، ومثال القضاء في الفعل، قوله تعالى في سورة فصلت:
﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظاً ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾
( سورة فصلت الآية: 12)
يعني أتم خلقهن سبع سموات في يومين, ومثال القضاء في الإرادة قول الله عزّ وجل في سورة البقرة:
﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
(سورة البقرة الآية: 117)
فإذا تمت إرادته تعالى في تكوين أمر، فإنما يأمره بـ (كن)، أمر تخليق، فيكون ذلك المراد.
أما معنى القدَر, بفتح الدال هو تبيين كمية الشيء، وهو مصدر قدر، يقدُر بضم الدال, وقدِر بكسر الدال, وهو تعيين كمية الشيء، من المقدار، وأما قدر على الشيء بمعنى ملك قوة التصرف بما يريد منه، فمصدره قُدرَةً، وقَدارةً، وقُدُورَةً.

تعريف القضاء والقدر شرعاً:
القضاء عند علماء العقيدة: هو إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على وفق ما توجد عليه في وجودها الحالي، أراد الله خلق الكون فكان، هذه إرادة الله الأزلية المتعلقة بالأشياء على وفق ما توجد عليه، أراد الله خلق الإنسان، فكان الإنسان، أراد الله خلق السموات والأرض، فكانت السموات والأرض.
أما القدر: هو إيجاد الله الأشياء على مقاديرها المحدودة بالقضاء، أي التنفيذ، قضى الله أن يكون الإنسان ذا سمع، وبصر، وإرادة، وعقل، ونفس, فكان كما قدّر.
والمعنى الآخر للقضاء والقدر، كما بينه علماء آخرون في العقيدة الإسلامية: القضاء هو الخلق الراجع إلى التكوين، والقدر هو التقدير، أي جعل الشيء بالإرادة على مقدار محدد قبل وجوده، ثم يكون وجوده.
هذه التعاريف الشرعية للقضاء والقدر، تلتقي في مفهوم موحد ملخصه: القضاء والقدر إرادة الله أن يوجد الأشياء على وجه مخصوص، ثم إيجادها فعلاً على وفق المراد.
قضى, بمعنى أراد أن يخلق الإنسان على وجه مخصوص، فقدر، فخلق الإنسان على هذا الوجه المخصوص، أراد أن يخلق السموات والأرض على وجه مخصوص، فخلق السموات والأرض على هذا الوجه المخصوص، أراد أن يكون الإنسان حراً، فكان الإنسان حراً، أراد أن يكون الإنسان ذا عقل، فكان الإنسان ذا عقل، أراد أن يكون الإنسان ذا شهوة، فكان الإنسان ذا شهوة، أراد أن يجمع الناس ليوم الحساب، فكان ذلك يوم الحساب.
هذا أدق تعريف شرعي للقضاء والقدر، لهذا يجب الإيمان بالقضاء والقدر، يجب أن تعتقد بالقضاء والقدر، إذ هو من العقائد التي يجب أن تعلم بالضرورة، ومن قصر في فهم القضاء والقدر، انعكس هذا التقصير خللاً، وانحرافاً على سلوكه.

الفهم المغلوط لموضوع القضاء والقدر يضل الإنسان عن الحق:
شيء خطير، ربما كان تساهل الناس في المعاصي انعكاساً لفهمهم الخاطئ للقضاء والقدر، يعني أن يقول الإنسان الساذج: كاسات محدودة، في أماكن معدودة, لا تعترض فتنطرد، هذا فهم سقيم للقضاء والقدر، من هنا يتوهم الإنسان أن المعصية مقدرة عليه، شاء أم أبى، وأنه لا حيلة له في تجنبها، إذًا: يقعد, ولا يتوب، ولا يتحرك نحو الأفضل، ولا ينطلق إلى طاعة الله، ولا يسعى إلى كسب رضوانه، يقول لك: أنا لعله كُتب علي أن أكون شقياً، ولا حيلة لي في تغيير هذا القضاء والقدر، ربما كان انحراف الناس، وانغماسهم في المعاصي، وابتعادهم عن التوبة، وسيرهم في طريق هلاكهم، بسبب هذه العقيدة الزائغة التي ما أرادها الله عزّ وجل، والدليل قول الله تعالى:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾
( سورة الأنعام الآية: 148)
هذه عقيدة المشركين، عقيدة الجبر:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء
سلبه حرية الإرادة، وجعله ريشة في مهب الرياح، وكتب عليه أن يعصيه، ثم سيحاسبه على هذه المعاصي، وسيجعله في جهنم أبد الآبدين، هذه العقيدة عقيدة الجبر، إنها عقيدة زائغة، إنها عقيدة ضالة.
والزيغ الأخير من يعتقد أن الإنسان يخلق أفعاله، كعقيدة المعتزلة الضالة، وأن الإنسان فوضه الله، الجبريون يقولون: أكرهه الله وأجبره, والمعتزلة يقولون: أعطاه الله القدرة، أو فوضه، فالإنسان يخلق أفعاله, إذًا: سيطغى، وسيبغي، وسيعصي، وسيتجبر، وسيقول: أنا أخلق أفعالي، وهذه عقيدة لا تقل خطراً.
لذلك الحق، كما قيل: وسط بين الطرفين، بين الجبر، وبين التفويض، بين أن ترى نفسك مجبراً على فعل أي شيء، وبين أن تظن أنك قادر على أن تفعل كل شيء, لا هذه، ولا تلك، الحق وسط بين طرفين.
لذلك من هنا جاءت خطورة هذه العقيدة, يجب وجوباً عينياً أن تطلب العلم، أيها الأخوة ليس فرض كفاية، إياكم أن تظنوا أن طلب العلم، ولاسيما العلم الذي لا بد من أن تعلمه هو فرض كفاية، العلم الذي يجب أن تعلمه هو الحد الأدنى من العلم، الذي يقيك الزلل، والخلل، والانحراف، هذا العلم فرض عين، كن من شئت، كن طبيباً، كن تاجراً، أي إنسان يجب أن يطلب العلم، ليقي نفسه الزلل، والخلل، والخطأ.

وجوب الإيمان بالقضاء والقدر:
فالقضاء والقدر من أركان العقيدة الإسلامية،
" قَالَ: فَأَخْبِرْنِي عَنْ الْإِيمَانِ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ "
(أخرجه مسلم عن عمر في الصحيح)
وهذا بفضل الله وتوفيقه, أمضينا في الإيمان بالله تسعة وخمسين درساً، الإيمان بالله, أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره.
وعن عمر أيضاً رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" أخبرني عن الإيمَانُ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَالْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَالْحِسَابِ وَالْمِيزَانِ وَالْقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ "
(أخرجه البيهقي في شُعب الإيمان عن عمر)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" الإيمان بالقدر نظام التوحيد "
(أخرجه الديلمي عن أبي هريرة)
أنت توحد، تقول: لا إله إلا الله، لا حركة، ولا سكنة، ولا فعل، ولا قوة، ولا حدث، ولا رفع، ولا خفض، ولا إعطاء، ولا منع، ولا عز، ولا ذل إلا بالله، هذا هو التوحيد، نظام التوحيد القضاء والقدر، " الإيمان بالقدر نظام التوحيد "
(أخرجه الديلمي عن أبي هريرة)
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال:
" الإيمان بالقدر يُذهب الهم والحزن "
( ورد في الأثر )
هذا الذي وقع، لا بد من أن يقع، تعلقت إرادة الله أن يقع، إذن فلا بد أن يقع، ولو لم يقع لكان نقصاً في علم الله، وحكمته، وإرادته، إذا عرفت أن الذي بيده الأمر، له الأسماء الحسنى، عليم، حكيم، رحيم، لطيف، غني، عادل، من بيده كل شيء، من بيده ملكوت السموات والأرض، من بيده الأمر كله، هذه العقيدة وحدها تُشفي من آلاف الأمراض النفسية, قال تعالى:
﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴾
(سورة هود الآية: 123)
لذلك يقول الإمام علي كرّم الله وجهه: " لو كُشف الغطاء ما ازددت يقيناً "، وقال علماء الأصول: إن الرضا بمكروه القضاء أرفع درجات اليقين، أن ترضى بمكروه القضاء فهذا دليل معرفتك بالله عزّ وجل, وقال عليه الصلاة والسلام:
" لا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يُؤْمِنَ بِأَرْبَعٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي بِالْحَقِّ وَيُؤْمِنُ بِالْمَوْتِ وَبِالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَيُؤْمِنُ بِالْقَدَرِ"
(أخرجه الترمذي في سننه)
موقف أهل السنة والجماعة من مسألة الاختيار والكسب:
فإذا قلت: إن الإنسان ليس له إرادة، مسلوب الإرادة، ريشة في مهب الريح، علماً أن الإنسان مكلف, فهذا التكليف غير صحيح, كيف يصح التكليف والإنسان مجبر؟ كيف تحاسب إنساناً على فعل أجبرته أنت عليه؟ التكليف لا يصح، والاختيار لا يصح، وحمل الأمانة لا تصح إذا أجبرته, فإذا فوضته، ربما لا يكون الذي فوضته رحيماً، وقد يظلم الآخرين، إذا أعطيت إنساناً قوة كبيرة، وأطلقت يده، هذا قد يؤذي الآخرين، و قد يستطيل عليهم، ويعتدي عليهم، فالتفويض انحراف في العقيدة.
الجبريون انحرفوا، فنفوا عن الإنسان إرادته الحرة، وكسبه للأفعال، واختياره، وتكليفه، والمعتزلة عزوا الفعل إلى الإنسان، ونسوا أن الله سبحانه وتعالى هو خالق الأفعال كلها، فقدْ وقف أهل السنة والجماعة موقفاً متوسطاً، فاختاروا الاحتمال الوسط، الذي ليس فيه شطط ولا انحراف، والذي لا يتنافى مع صحة التكليف، ومفهوم العدل والحكمة من جهة، كما لا يتنافى مع النصوص الشرعية من جهة أخرى، ووفقوا بين ذلك توفيقاً يقبله العقل، وتحتمله نصوص الشرع من دون تكلُّف.
ملخص اعتقادهم, أن الإنسان مخلوق وهبه الله العقل، والإرادة الحرة، والقدرة المستعدة للتنفيذ في حدود الإمكان الموهوب له، ولكن عمل قدرة الإنسان في آثارها، إنما هو عمل الأسباب في مسبباتها، لا عمل المؤثرات الحقيقية، هذا سأوضحه بمثل دقيق، حيث إن المؤثر الحقيقي هو قدرة الله سبحانه وتعالى، فأفعال العباد مخلوقة لله تعالى، بالنظر للمؤثر الحقيقي، وهي أفعال العباد بالنظر لصور الأسباب الظاهرة، وقد وجه العباد إرادتهم إلى فعلها باختيارهم الحر، وبذلك يصح ابتلاؤهم، وامتحانهم، وبذلك يصح في العقل وفي العدل أن يترتب على أفعالهم المدح والثواب، أو الذم والعقاب.
شيء دقيق جداً، هو أنك إذا أمرت إنساناً أن يفعل كذا، فهذا اعتراف منك أنه مخير، إذا قلت لموظف في محلك التجاري: تعال غداً في الساعة السابعة، ألا يعني هذا الأمر أنه بإمكانه أن يأتي أو لا يأتي؟ شيء بدهي، فمجرد الأمر يعني أن المأمور مخير، ومجرد النهي يعني أن المنهي مخير.

موقف علماء العقيدة في مسألة التسيير والتخيير من منطلق بحث القضاء والقدر:
1- من واقع حال الإنسان:
صفوة القول في هذا الموضوع، كما يقول علماء العقيدة: أننا يجب أن نبحث القضاء والقدر من زوايا ثلاث:
1- من واقع حال الإنسان.
2- من منطلق العقل السليم.
3- من منطلق النصوص الشرعية الصحيحة.
لنأخذ حال الإنسان, يبدو لنا كما نشعر من أنفسنا، أن أموراً تجري في الحياة من دون أن يكون لإرادتنا دخل في ذلك، نحن ولدنا مثلاً في زمن معين، هذا الزمن لم يكن له علاقة باختيارنا، ولدنا من أب وأم معينين، ولدنا في ظرف معين، في بيئة معينة، كان جسمنا قوياً أو ضعيفاً، كان في صحتنا خلل أو استقامة، ولدنا من أب غني, الأمور كلها ميسورة، أو من أب فقير, شعرنا بالحرمان، هذا كله ليس لنا فيه حول، ولا طول، ولا اختيار، إذًا: فهناك أشياء في حياتنا نحن مسيرون فيها كل التسيير، وهناك أشياء أخرى نحن مخيرون فيها، فأن تأتي إلى هذا المسجد أو لا تأتي، أن تصلي أو لا تصلي، أن تطلق البصر في الحرام، أو أن تغض البصر عن محارم الله، أن تأخذ حقك فقط، أو أن تأخذ فوق هذا الحق، أن تعامل من حولك معاملة طيبة رحيمة، أو أن تعاملهم معاملة قاسية، أن تكون رحيماً أو قاسياً، عادلاً أو ظالماً، منصفاً أو مجحفاً، أن تكون خيراً أو بخيلاً, هذه كلها أعمال داخلة في دائرة الاختيار.
نورد مثالاً على ذلك: هناك قفص فيه عصفور وعصفورة، فيه صحن للطعام، وإناء للماء، هذا العصفور بإمكانه أن يأكل أو لا يأكل، أن يشرب أو لا يشرب، بإمكانه أن يلاطف أنثاه أو أن ينقرها، لكن صاحب القفص، حمل هذا القفص وسار به، فحركة القفص ليست باختيار هذا العصفور، لو أن صاحب القفص غمسه في الماء، ليس باختياره ذلك، لو أنه وضعه في مهب رياح باردة، ليس له ذلك، فهذه الأشياء لا علاقة للعصفور بها، أما معاملته لأنثاه، وتناوله للطعام أو عدم تناوله، أن يرمي الإناء أو لا يرميه، فهذه الأعمال كلها باختيار العصفور، وسيحاسب عليها.
فهناك دائرة تُحاسب عليها، هناك دائرة أنت فيها حر، وحريتك فيها ظاهرة، وسوف تحاسب عليها، وهذه الأعمال مكلف بها، وهناك دائرة أخرى لست محاسباً عليها، إنما أنت في هذا مسير، ولست مخيرًا.
فواقع حال الإنسان، كل واحد منا بإمكانه أن يصلي أو لا يصلي، يحضر مجلس علم أو لا يحضر، أن يكون قاسياً مع والدته أو أن يكون لطيفاً، يعامل زوجته بالرحمة أو بالعنف، أن يكون كريماً أو بخيلاً، هذا كله باختياره، أما كونه صحيحَ الجسم، قلبه متين، صحته جيدة، ابن رجل غني، جاء من أب فقير، جاء من أسرة عالية النسب، من أسرة وضيعة النسب, هذه الأشياء كلها، لا علاقة له باختيارها.
إذاً: أنت بحسب الواقع بين دائرتين، دائرة أنت مخير فيها، ومحاسب على كل أعمالك، ودائرة ثانية، أنت فيها مسير، هذا الواقع.

2- من منطلق العقل السليم:
يقضي العقل بأن المسؤولية عن العمل لا بد أن تكون منوطة باستطاعة الإنسان على الفعل أو الترك، متى أكون مسؤولاً أمام أي جهة في الأرض؟ إذا كنتُ مخيراً، إذا كنت مستطيعاً أن آتي إلى المدرسة الساعة الثامنة، وجئت الساعة التاسعة، فأنا مسؤول عن هذا التأخر، أما إذا كان بعد المدرسة عن البيت 100 كم، فكيف أتخطى هذه المسافات في ربع ساعة؟ مستحيل، فالعقل يقول: لا بد أن تكون المسؤولية عن العمل منوطة باستطاعة الإنسان على الفعل أو الترك، أما من لا يملك هذه الاستطاعة فلا يصح أن تتوجه إليه المسؤولية أصلاً.
هل أستطيع أن أحاسب مستخدماً على باب المستشفى عن فشل عملية جراحية؟ يجيبك أنا لا أحسن إجراء العملية الجراحية، أنا لا أستطيع أن أفتح البطن، تحاسب الطبيب المتعلم، الذي يملك الأدوات، وعنده علم، ومعه قدرة، ومعه أدوات, إذًا: مِن زاوية العقل، ومن زاوية الواقع أنت مخير، وهذا شيء نشعر به.
لماذا يلقى القبض على المجرم؟ وإذا وقف المجرم أمام القاضي، وقال له سيدي: أنا مجبور على ذلك، فلا تؤاخذني، لقد قدّر الله علي أن أكون كذلك, هل يُقبل منه هذا الكلام؟ هل يصدر قرار بالعفو عنه لأنه قال: إنني مجبر؟
جاء إلى سيدنا عمر رجل شارب للخمر، فقال: أقيموا عليه الحد، فقال الرجل: والله يا أمير المؤمنين، إن الله قدّر عليّ ذلك، فقال رضي الله عنه: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله، قال له: ويحك، إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، أنت مخيّر، ولست مجبرًا، إذًا: من زاوية المنطق والعقل، فالمسؤولية لا تصح إلا إذا كنت مخيراً، مستطيعاً، لذلك إذا أخذ ما وهب أسقط ما أوجب، المجنون لا يحاسب، والمكره لا يحاسب، فإذا أُكرِهت على فعلٍ ما، لا تحاسب عليه, عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" إِنَّ اللَّهَ رفع عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ "
(أخرجه ابن ماجة عن أبي ذر الغفاري في سننه)
﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
(سورة البقرة الآية: 173)
إذا واجه سيل أحد الأشخاص، وهدم بيته، هل يُساق ليحاكم؟ لا، ليس له اختيار في الموضوع، داهم السيل بيتَه، وهُدم بيته، ومات فيه خمسة أطفال، أيُساق إلى المحكمة ليحاكم عن قتل الأطفال؟ أبداً، أما إذا قتل إنسان إنساناً آخر بمحض اختياره، أليس يحاسب على ذلك؟ هذه من زاوية العقل.
3- من زاوية النصوص الشرعية الصحيحة:
في الدائرة التي أنت مسير فيها، اعلم علم اليقين أن كل ما يجري في حقك مسيرًا به، إنما هو لمصلحتك، وهي محض رحمة، ومحض فضل، أن تكون من أب فقير، فهذا لمصلحة إيمانك، وأن تكون بهذا الجسم العليل، فهذا لمصلحة إيمانك، وأن تكون من هذه الأسرة، فهذا لمصلحة إيمانك، كل شيء أنت مجبر عليه هو لمصلحتك، وأما الذي أنت فيه مخير، فإما أن تفعل ما هو خيّر، فتثاب على هذا العمل، وإما أن تفعل ما هو شر، فتجازى على هذا العمل.
أوضحت النصوص الشرعية الإسلامية مذهب أهل السنة والجماعة، إذ أثبتت أن للإنسان كسباً اختيارياً، يحاسب عليه، ويعتبر مسؤولاً عنه، ويتوجه إليه التكليف الشرعي ضمن حدوده، وما ليس للإنسان فيه كسب اختياري، فلا مسؤولية عليه فيه، ولا يحاسب عليه، ولا يترتب له أو عليه ثواب ولا عقاب.

من لوازم القضاء والقدر:
منح الله سبحانه وتعالى الإنسان إرادة حرة، يكسب بها أعماله الاختيارية، ومنح الإنسان بالإضافة إلى ذلك سائر شروط امتحانه، من عقل يدرك به التكاليف الربانية، وقدرة ظاهرة على تنفيذ ما يكلفه من أعمال جسدية أو نفسية، وبذلك تكون مسؤوليته, وحين تختل الشروط اللازمة لامتحانه أو تكليفه ترتفع مسؤوليته.
ولما توجهت إرادة الله لمنح الإنسان الإرادة الحرة، استحال في الوقت نفسه أن تتوجه لسلبه هذه الإرادة، وجعله مجبراً، نظراً إلى أنه يستحيل أن تتناقض إرادة الله عزّ وجل، فما دامت إرادة الله تعلقت أن يجعلك مختاراً، لن تكون هناك إرادة تناقض هذه الإرادة، تعلقت إرادة الله أن يجعلك مختاراً، فكنت كذلك.

الأدلة من الكتاب على موضوع الإنسان مسير ومخير بآن واحد:
بعض الآيات القرآنية تؤكد ما ينمو إليه هذا الكتاب، قال تعالى:
﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴾
( سورة البقرة الآية: 225)
كسبت قلوبكم, أنت لك كسب، تكسب العمل الطيب، وتكسب العمل السيء, قال تعالى:
﴿ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آَبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 5)
﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 286)
قال تعالى:
﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آَتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً﴾
(سورة الطلاق الآية: 7)
هذه الآيات كلها تؤكد الحقيقة الأساسية، في أن الإنسان مخير في دائرة، ومسير في دائرة أخرى
قول الحسن بن علي رضي الله عنه حول مسألة القضاء والقدر:
كتب الحسن البصري إلى الحسن بن عليٍ يسأله عن القضاء والقدر، فكتب الحسن بن علي إلى الحسن البصري ما نصه: " من لم يؤمن بقضاء الله وقدره، خيرِه وشره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على الله فقد فجر".
دققوا، إذا قلت لإنسان: لماذا أنت في المعصية؟ يجيبك: إن الله قدر عليّ ذلك، إيّاك، هذا كلام كفر, هو الذي رتب لك أن تعصيه, هو الذي أمرك بالزنا, هو الذي أمرك بالسرقة, هو الذي أمرك بالكذب؟ قال تعالى رداً على هؤلاء وأمثالهم:

﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة الأعراف الآية: 28)
" من لم يؤمن بقضاء الله وقدره، خيرِه وشره فقد كفر، ومن حمل ذنبه على الله فقد فجر، وإن الله تعالى لا يطاع استكراهاً " أنت لست مكرهاً على الطاعة، لو أنك مكره لما كان لك ثواب، " إن الله تعالى لا يطاع استكراهاً، ولا تعصيه قهراً، ولا يُعصى بغلبة، لأنه تعالى مالكٌ لما مّلكهم، وقادر على ما أقدرهم، فإن عملوا بالطاعة لم يحل بينهم وبين ما عملوا، إن عملوا بالمعصية فلو شاء لحال بينهم وبين ما عملوا، فإن لم يفعل فليس هو الذي جبرهم على ذلك "، قولاً واحداً, إن الذي يعصي الله إنما يعصيه بمحض اختياره، " لو أنه أجبرهم على الطاعة لأسقط الثواب، ولو أنه أجبرهم على المعصية لأسقط العقاب " كلام واضح كالشمس, " لو أنه أجبرهم على الطاعة لأسقط الثواب، ولو أنه أجبرهم على المعصية لأسقط العقاب، ولو أهملهم لكان ذلك عجزاً في القدرة, فإن عملوا بالطاعة فله المنة والفضل, أعطاهم القوة على أن يطيعوه, هم أرادوا أن يطيعوه، أعطاهم القوة على ذلك, وإن عملوا بالمعصية فله الحجة عليهم, والسلام ".
هذا ملخص الملخص, كلام الإمام الحسن بن علي يجيب عن سؤال حول القضاء والقدر للإمام الحسن البصري رحمهما الله تعالى.

قول سيدنا علي رضي الله عنه رداً على سائل أساء الفهم للقضاء والقدر:
سأل شيخ شامي الإمام علي رضي الله عنه بعد الانصراف من صفين قائلاً: أكان المسير إلى الشام بقضاء الله وقدره؟ فقال علي كرم الله وجهه: والذي فلق الحب، وبرأ النفس، ما وطئنا موطئاً، ولا هبطنا وادياً، ولا علونا تلة, أي مرتفعاً, إلا بقضاء الله وقدره.
فقال الشيخ: عند الله أحتسب خطاي، ما أرى لي من الأجر شيئاً, مادام القضية كلها مرتبة، وأنا مسير, مالي أجر.
فقال له: أيها الشيخ، عظم الله أجركم في مسيركم، وأنتم سائرون، وفي منصرفكم، وأنتم منصرفون، ولم تكونوا في شيء من حالاتكم مُكرهين، ولا إليه مضطرين.
فقال الشيخ: كيف والقضاء والقدر ساقنا؟ هنا بيت القصيد، فقال الإمام علي كرم الله وجهه: ويحك، لعلك ظننت قضاء لازماً, أي إجباريًا، وقدراً حاسماً, لو كان كذلك لبطل الثواب والعقاب، والوعد والوعيد، والأمر والنهي، فلم تكن لائمة للمذنب، ولا محمدة للمحسن، ولما كان المحسن أولى بثواب الإحسان من المسيء، ولا المسيء أولى بعقوبة الذنب من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان، وحزب الشيطان، وشهود الزور، أهل العمى عن الصواب, إن الله تعالى أَمر تخييراً، ونهى تحذيراً، وكلّف يسيراً، ولم يكلّف عسيراً، ولم يعص مغلوباً، ولم يُطع مُستكرهاً، ولم يرسل الرسل إلى خلقه لعباً، ولم يُنزل الكتب عبثاً، ولم يخلق السموات والأرض وما بينهما باطلاً، ذلك ظن الذين كفروا، فويل للذين كفروا من النار.

ملخص القول:
هذا إن شاء الله, له توضيح في دروس قادمة، ولكن لا يستحسن للإنسان أن يخوض إلى أعماق هذا الموضوع، لأن النبي عليه الصلاة والسلام فيما روي عنه، قال فيما معناه: إذا ذُكر القضاء والقدر فأمسكوا, يجب أن تعلم أنك حر في دائرة، وأنك محاسب فيما أعطيت من حرية، وأنّ الشيء الذي لا حرية لك به لا تحاسب عنه، هذا ملخص قولنا ذلك.
وسوف ننتقل إلى الآيات الدقيقة المتعلقة في هذا الموضوع، نظراً لأهميتها، فقد أُفردت في موضوع مستقل، وسوف نأخذها في الدرس القادم إن شاء الله تعالى.







والحمد لله رب العالمين



السعيد 06-21-2018 03:16 PM

رد: العقيدة الاسلامية
 



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الواحد و الستون )

الموضوع :الايمان بالقضاء و القدر (2)






الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزالقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
المحاور التي تدور عليها الآيات حول موضوع القضاء والقدر:
1- محور هداية الناس جميعاً:
أيها الأخوة، هناك خمس مجموعات من آيات القرآن الكريم تتعلق بالقضاء والقدر، تتمحور كل مجموعة حول محور, هذه المجموعات هي:
المجموعة الأولى: بين الله فيها أن الله عزّ وجل أنه لو شاء لهدى الناس جميعاً, قال الله تعالى:

﴿ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً﴾
( سورة الرعد الآية: 31)
وفي آية أخرى, قال تعالى:
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾
( سورة السجدة الآية: 13)
وفي آية أخرى, قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾
( سورة هود الآية: 118)
﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾
( سورة الأنعام الآية: 35)
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾
( سورة يونس الآية: 99)
قد يأتي سائل, ويسأل لماذا لم يشأ الله ذلك؟ هذه الآيات من الآيات المتشابهات التي تحتاج إلى تأويل, وتفسير, وتوضيح, يقول الله سبحانه وتعالى:
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾
(سورة يونس الآية: 39)
ويقول في آية أخرى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(سورة النحل الآية: 43)
قال تعالى:
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
(سورة السجدة الآية: 13)
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾
( سورة يونس الآية:99)
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾
( سورة هود الآية: 118)

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾
(سورة المائدة الآية:48)
أيها الأخوة، فهي كما قلت قبل قليل من الآيات المتشابهات، ومعنى المتشابهات، أيْ التي يجب أن تسأل عنها، لئلا يتبادر إلى ذهنك فهم سطحي ساذج محدود من أن الله عزّ وجل لم يشأ الهداية، أراد أن يجعل الناس ضالين مُضلين, قال تعالى:
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾
( سورة السجدة الآية: 13)
ما الذي حصل؟ هذه / لو / حرف امتناع لامتناع، أي امتنعت هداية الخلق لامتناع مشيئة الله, ليس هذا هو المعنى المراد, إذا تأملنا في واقع الأمر يتبين لنا احتمالات ثلاثة للمشيئة الربانية:
الاحتمال الأول: أن تكون مشيئة الله هي جعل الناس مجبرين على سلوك طريق الهداية، دون أن يستطيعوا غير ذلك، لأن الله سبحانه وتعالى قادر على أن يجبرهم على طاعته، وقادر على أن يجبر الناس على سلوك طريق الهدى.
فشيء بسيط جداً, نسبة لقدرته جلّ وعلا، أن يجبر الناس على طاعته، كان ممكناً لمشيئة الله عزّ وجل أن تكون هكذا، ولكنها لم تكن.
الاحتمال الثاني: ويُمكن أن تكون المشيئة في جعل الناس مجبرين على سلوك طريق الضلالة.
الاحتمال الثالث: ويمكن أن تكون مشيئة الله عزّ وجل في أن يجعل الناس مخيرين، فمن شاء منهم اختار بإرادته الحرة طريق الخير، ومن شاء منهم اختار بإرادته الحرة طريق الشر.
هناك ثلاث احتمالات لمشيئة الله عزّ وجل في هذا الموضوع, فالله سبحانه وتعالى لم يشأ أن يجبر عباده على طريق الطاعة، فإذا كان لم يشأ أن يجبر عباده على أن يسلكوا سبيل الطاعة, فهو كذلك لم يشأ أن يجبر عباده على سلوك سبيل المعصية, إذا لم يشأ أن يجبر عباده على طاعته، ليس معنى هذا أنه شاء أن يجبرهم على معصيته، لا, ليس هذا هو البديل، ليس هذا هو المقابل، ليس هذا هو الاستنباط العكسي، هذا فهم ساذج, بل شاء لهم أن تكون لهم مشيئة حرة يختارون بها طريق الهداية، أو طريق الضلال, أي شاء أن يجعلهم أحراراً في اختيارهم.

إليكم بعض الأمثلة للتوضيح:
أضرب بعض الأمثلة, الجامعة بإمكانها ضمن حدود قدرتها، أن تجعل جميع الطلاب ينجحون بعلامات تامة، شيء في منتهى البساطة، توزع على الطلاب أوراق الأسئلة، وأوراق الإجابة مطبوع عليها الإجابة الكاملة، وما على المدرس إلا أن يضع على كل ورقة مئة من مئة، يقول رئيس الجامعة: لو شئت لجعلت جميع الطلاب ينجحون نجاحاً ممتازاً، ولكن لو فعلت ذلك فأين قيمة الجامعة حينئذ؟ هل لهذا النجاح أي قيمة عند الطلاب؟ هل لهذا النجاح قيمة عند إدارة الجامعة؟ هل لهذا النجاح قيمة عند الناس؟ هل لهذه الشهادة التي يحملها خريجو الجامعة أية قيمة؟
فلو أجبـر ربنا سبحانه وتعالى عباده على طاعته لأصبح التكليف باطلاً، وأصبح الابتلاء باطلاً، وأصبح الامتحان باطلاً، وصار مجيئنا إلى الدنيا عبثاً، ولبطل الثواب، وسقط العقاب، وبطل الوعد والوعيد، وعطّلت نواميس الكون، وسقط الإنسان، وصار في مستوى الحيوان, قال تعالى:
﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً﴾
(سورة الأحزاب الآية: 72)
ولكننا لم نفعل، ومشيئتنا لم تكن كذلك، كان من الممكن أن تكون هذه مشيئتنا، لكن هذه المشيئة لم تتعلق بها حكمتنا, ليس من الحكمة أن نشاء ذلك, فإذا خفي على الإنسان هذا الكلام، هذا القرآن يحتاج إلى من يعلمك إياه، يحتاج إلى من يفسره لك, قال تعالى:
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
(سورة النحل الآية: 43)
إذا وزعنا مذياعاً ليس له إلا محطة واحدة، لم يكن للمستمع أيّ اختيار, أما إذا كان هناك عدة محطات، هذا استمع إلى قرآن، وهذا استمع إلى غناء، أصبح هناك اختيار، كشفت النفوس، أما بمحطة واحدة لم يعد هناك خيار, إذاً: ولو شئنا أن تكون الأنفس كلها مفطورة على سلوك سبيل الهداية فقط، لسلبناها منحة الاختيار، وقدرة الكسب، ولجعلناها أنفساً مجبرة لا اختيار لها، ولو جعلناها كذلك لكان من مقتضى الحكمة، أن نؤتي كل نفس هداها، لو أننا أردنا أن نسلبها حرية الاختيار، لكان مقتضى الحكمة أن نؤتي كل نفس هداها، ولكن تمت الحكمة بأن توهب هذه الأنفس الاختيار الحر، والقدرة على الكسب، ضمن دائرة التكليف فقد حق القول مني أن الذي يختار سبيل الشر، وطريق المعصية، فسوف يدخل النار, الاختيار فيه مسؤولية أنت حينما تجبر الإنسان على فعل معين، لن تستطيع أن تحاسبه إطلاقاً، أما إذا خيرته فعندئذٍ تأتي المسؤولية، ويأتي الحساب، ويأتي الجزاء, قال تعالى:
﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
( سورة هود الآية:119)
شاءت مشيئة الله عزّ وجل أن يكون الإنسان ذا مشيئةٍ حرة، إن اختار طريق الخير، سعد في الدنيا والآخرة، وإن اختار طريق الشر، دخل جهنم، وخلد بها إلى أبد الآبدين، قال تعالى:
﴿ولكن حق القول مني﴾
(سورة السجدة الآية: 13)
لأنني منحت الإنسان مشيئة حرة, قال تعالى:
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾
(سورة السجدة الآية: 13)
ما هي الحكمة في اختلاف الناس فيما بينهم طالما كانوا أحراراً في الاختيار ؟
الآية الثانية, قال تعالى:
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾
(سورة يونس الآية: 99)
﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾
( سورة البقرة الآية:256)
إذاً:
﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
( سورة القصص الآية:56)
﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
( سورة البقرة الآية: 272)
﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾
( سورة هود الآية: 86)
﴿وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ﴾
( سورة الأنعام الآية: 107)
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾
( سورة الغاشية الآية:22)
﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾
( سورة الكهف الآية: 29)
﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾
(سورة هود الآية: 118)
الأمر واضح كالشمس, لِمَ هم مختلفون؟ قد يتوقف الإنسان ويقول: يا ربي جلت حكمتك، لماذا أردت البشر أن يكونوا مختلفين في المذاهب والاتجاهات والنظريات والخصومات؟
الجواب: هذا هو الاختيار، لأنني منحتهم الاختيار، الاختلاف فيما بينهم نتيجة طبيعية لمنحهم حرية الاختيار، قال تعالى:

﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آَتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾
(سورة المائدة الآية: 48)
لو أنّ الله سبحانه وتعالى أجبر عباده على طاعته، لأ لغي التكليف, وألغي الابتلاء، ولكن لم يشأ ذلك، لماذا؟
﴿ليبلوكم ﴾
(سورة المائدة الآية: 48)
ليمتحنكم و ليكشف خبايا نفوسكم، وليميز الخبيث من الطيب, قال تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾
( سورة العنكبوت الآية:2)
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾
(سورة العنكبوت الآية:3 )
إذًا: حرية الاختيار من أجل الابتلاء، ومن لوازم حرية الاختيار الاختلاف بين الناس، وحرية الاختيار تنفــي الإكراه في الدين، وحرية الاختيار تقتضي المسؤولية.

2- محور عقيدة أهل الشرك:
وأما المجموعة الثانية: فقد أورد القرآن الكريم تعلل المشركين بمشيئة الله تعالى في إشراكهم، وفي عبادتهم لغير الله فاعتقدوا أنّ الله خلقهم مشركين، وأجبرهم على الشرك، هذه عقيدة أهل الشرك، هذه الآية التي سأتلوها عليكم تنفي عقيدة الجبر، التي تقول: إن الإنسان ريشة في مهب الرياح, يقول ربنا سبحانه وتعالى:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾
( سورة الأنعام الآية: 148)
ألا تستمعون لأكثر الناس يقولون: يا أخي هذا أضله الله، ما هذا الكلام؟ خلقه الله كافراً، خلقه مشركاً، خلقه ضالاً، قال تعالى:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾
( سورة الأنعام الآية:148)
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾
( سورة الأنعام الآية:148)
سمى ربنا سبحانه وتعالى هذه العقيدة كذباً, وسماها تكذيباً, وأوعد هؤلاء المكذبين أن يعاقبهم على هذا التكذيب, ما الدليل؟
﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾
( سورة الأنعام الآية:148)
أيها الأخوة، لولا الدليل لقال من شاء: ما شاء, منهج البحث في الإسلام, إن كنت ناقلاً فالصحة، وإن كنت مبتدعاً فالدليل, هؤلاء الذين يزعمون أن الله أجبرهم على الشرك, فربنا عزّ وجل يطالبهم بالدليل:
﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾
( سورة الأنعام الآية: 148)
سوف تأتيكم الحجة الداحضة لافتراءاتكم وكذبكم, قال تعالى:
﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
( سورة الأنعام الآية: 149)
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ * قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 148-149)
لم تتعلق مشيئة الله أن يجبرك، ولكن مشيئته تعلقت بأن يجعلك مُخيّراً, مرة ثانية, هذه الآية محكمة، صريحة، واضحة في نفي الجبر عن الإنسان.
أيها الأخوة, هاتان الآيتان تشكلان المجموعة الثانية المتعلقة بالقضاء والقدر، والتي هي صريحة أشد الصراحة في نفي الجبر عن الإنسان, وفي منحه حرية الاختيار، والدليل تتمة الآية الأولى:

﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾
( سورة الأنعام الآية: 149)
هل معنى هذا أنه أجبركم؟ إنه إذا أجبركم بَطَلَ الثواب، وإن أجبركم كما تزعمون على المعصية
والشرك لبطل العقاب، بل له الحجة البالغة عليكم لأنه خيَّركم, قال تعالى:

﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾
( سورة الأنعام الآية: 148)
3- محور المشيئة الربانية:
المجموعة الثالثة من الآيات المتعلقة بالقضاء والقدر, قوله تعالى في سورة الكهف:
﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً﴾
( سورة الكهف الآية: 29)
الآية الثانية:
﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً * وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً * يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً ﴾
(سورة الإنسان الآية: 29-31)
﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾
(سورة الإنسان الآية: 29)
أيها الإنسان, أنت مُخير، فإذا شئت طريق الحق, فطريق الحق مسلكه أمامك, قال تعالى:
﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾
( سورة الإنسان الآية: 30)
لهذه الآية الكريمة معنيان:
الأول: أن مشيئة الإنسان هي مشيئة اختيار، ولكن مشيئة الواحد القهار هي مشيئة فحص واختبار، فإذا شئت أنت طريق الجنة، يتفحص الله سبحانه وتعالى صدقك، وإمكاناتك، والثمن الذي تدفعه لهذه المشيئة، فإذا كان الثمن وافياً، والصدق كافياً، والأهلية تامة، شاء لك الذي شئته أنت، وإن لم تكن صادقاً في هذه المشيئة، ولم تدفع ثمن الهداية، ولم تؤد ما عليك من موجباتها، عندئذٍ مشيئة الله عزّ وجل، لا تشاء لك هذه المشيئة الكاذبة، وهذا هو المعنى الأول, قال تعالى:
﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾
( سورة الكهف الآية:29)
المعنى الثاني, وهو الذي يرتبط بدرسنا أكثر: لكن هذه المشيئة الحرة التي مُنحتم إياها، والتي هي سبب سعادتكم، وسبب رقيكم في الآخرة، هذه المشيئة الحرة من خلق الله عزّ وجل، ولولا المشيئة الحرة لما ارتقيتم إلى الله عزّ وجل, ولما نعمتم في الجنة، ولما ارتقيتم إلى رب الأرض والسموات
إلى الدرس القادم إن شاء الله:
أيها الأخوة، بقي علينا مجموعتان مهمتان من الآيات القرآنية المتعلقة بالقضاء والقدر، وقد أنهينا منها ثلاث مجموعات في هذا الدرس، وسوف ننهي بقية هذه الآيات في الدرس القادم إن شاء الله تعالى وتفضل علينا بذلك.






والحمد لله رب العالمين

السعيد 06-21-2018 03:18 PM

رد: العقيدة الاسلامية
 



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثانى و الستون )

الموضوع :الايمان بالقضاء و القدر (3)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
تتمة محاور القرآن الكريم التي تتعلق بالقضاء والقدر:
محورا الهدى والضلال:
أيها الأخوة، وقد صنفت في الدرس السابق مجموعة من الآيات التي تتعلق بالقضاء والقدر في خمس مجموعات، وقد تم بفضل الله ورحمته توضيح معاني المجموعات الثلاثة الأولى، وبقي علينا اليوم المجموعة الرابعة والخامسة من آيات القضاء والقدر, قال تعالى:
﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
( سورة فاطر الآية: 8)
﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ ﴾
( سورة الرعد الآية: 27)
هذه الآيات من الآيات التي تحتاج إلى دقة في الفهم، فلو أن الإنسان فهمها فهماً محدوداً أو سريعاً، أو أخذها على ما يبدو له من معانيها، واعتقد أن الله سبحانه وتعالى هدى فلاناً، أو أضل فلاناً، وانتهى الأمر، وفلان لا حيلة له في هذا ولا في ذاك، هذا فهم خطير, لذلك الآيات المتشابهات آيات ينبغي أن يسأل عنها أهل العلم، وقد قال الله تعالى:
﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾
( سورة النحل الآية: 43)
ليس للإنسان الحق أن يعتمد على فهمه وحده في فهم آيات القرآن الكريم، قد يكون فهمه محدوداً، أو معلوماته حول هذه الآية محدودة, فآيات الهدى والضلال هي:
﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
( سورة فاطر الآية: 8)
فهمها يحتاج إلى دقة بالغة.
الاستعمالات التي وردت في القرآن الكريم في معاني الهدى والضلال:
لدى تتبع نصوص القرآن الكريم نلاحظ أنه قد ورد فيها استعمال الهداية والضلالة في أربعة معاني:
المعنى الأول: الهداية بمعنى الدلالة، والإرشاد، والتعليم، والضلالة بمعنى الجهل بالحقيقة، والعمى عن طريقها، يقول ربنا سبحانه وتعالى في سورة البقرة:

﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 1-2)
فهذا القرآن العظيم يدل المتقين على طريق سعادتهم.
ويقول تعالى في آية أخرى في سورة الضحى:
﴿وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى ﴾
( سورة الضحى الآية: 7)
وجدك غافلاً عن طريق هداية الناس فهداك.
آية ثالثة في سورة الحج, قال تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ * كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾
( سورة الحج الآية: 3-4)
﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ ﴾
( سورة الحج الآية: 4)
من تولاه الشيطان فإنه يضله، أي يبقيه جاهلاً، يغطي عليه الحقائق، يسلك به طريق عذاب السعير.
المعنى الثاني: الهداية بمعنى وجود الشيء والعثور عليه، والضلالة بمعنى الضياع، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى:
﴿وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ ﴾
(سورة السجدة الآية: 10)
معنى ضللنا في الأرض, أي ضعنا في الأرض تفتت أجزاؤنا، أنخلق خلقاً جديداً؟ قال الله عزّ وجل في آيات أخرى، يخاطب الكفار يوم القيامة:
﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ﴾
( سورة القصص الآية: 62)
﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾
(سورة غافر الآية: 73-74)
أي ضاعوا عنا, لذلك حينما يُضل الله الإنسان، بمعنى أنه يبعده عن شركائه، هو لا يُضله عن ذاته، وإنما يضله عن شركائه، فحيثما وجدت أنّ الله عز وجل أضل فلاناً، أي أن فلاناً اعتمد على غير الله، وضع ثقته به، جعله إلهاً من دون الله، عندئذ في ساعات الشدة يبحث عنه فلا يجده، وهذا أمر معروف عند المؤمنين, بمجرد أن تضع ثقتك في مخلوق، وتنسى الله عزّ وجل، يضلك الله سبحانه وتعالى، أي يضلك عن هذا الشريك، تبحث عنه في الوقت العصيب فلا تجده، وهذا من رحمة الله عزّ وجل، ولو أنك وجدته في الوقت العصيب لعبدته من دون الله، وكان هذا طريق الهلاك، فالإنسان إذا اتكل على نفسه، أوكله الله إياها.
هناك من يعتمد على علمه، فيقع في حماقة ما بعدها حماقة، هناك من يعتمد على قوته، فيفضحه الله عزّ وجل في أضعف خلقه، هناك من يعتمد على ماله، فتأتيه مصيبة لا علاقة لها بالمال إطلاقاً، لا تحلها الأموال الطائلة، هناك من يعتمد على مكانته، يتعامل مع إنسان لا يعرفه إطلاقاً، ولا يقيم له وزناً، فكل من اعتمد على غير الله عزّ وجل، ووضع ثقته فيه أضله الله عنه، هذا هو المعنى الثاني من معاني الضلالة.
المعنى الثالث: تُستعمل كلمة الهدى، بمعنى أثبت الهداية وحكم بها، وتستعمل كلمة أضل، بمعنى أثبت الضلالة وحكم بها، فلان هداه الله، بمعنى أنه حكم عليه بالهداية، أضله الله حكم عليه بالضلالة، هذا هو المعنى الثالث من معاني الهداية والضلالة، مثلاً يقول الله عزّ وجل:

﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾
( سورة النساء الآية: 88)
حكم بعض المؤمنين على بعض المنافقين بالإيمان، والله سبحانه وتعالى حكم عليهم بالضلالة, قال تعالى:
﴿ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ﴾
( سورة الحج الآية: 88)
هذه الآية, تعني أن المؤمن ظن بهذا المنافق ظناً حسناً، فحكم عليه بالإيمان، والله سبحانه وتعالى لأعماله وبعده وعداوته، حكم عليه بالضلالة.
آية أخرى تؤكد المعنى الثالث من معاني الهداية والضلالة, قوله تعالى:

﴿بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ ﴾
( سورة الروم الآية: 29)
أي إن الذي ضلت نفسه عن الله عزّ وجل، حكم الله عليه بالضلالة، أنت إذا رأيت إنساناً تائهاً ضائعاً، تقول: هذا ضال، بمعنى أنك حكمت عليه بالضلال.
مصير إرادة الإنسان أمام إرادة الله:
هناك نقطة مهمة جداً في أمور العقيدة، هو أن الفعل بيد الله، فإذا عزي الفعل إلى الله عزّ وجل، بمعنى أنه سمح بحدوثه, أخذ الله سبحانه وتعالى منذ خلقنا على نفسه عهداً أن يعطينا سؤلنا، فكل إنسان أعطاه الله مشيئة حرة، هذه المشيئة الحرة، تحتاج إلى قدرة كي تتحقق، و القدرة هي قدرة الله عزّ وجل، فإذا أراد الإنسان بمشيئته الحرة أن يكون ضالاً، فلا بد بحكم الأمانة التي أوكلنا الله إياها، والتي هي التكليف، لا بد من أن يُمد الله الإنسان بقدرة يحقق بها اختياره.
هذا هو المعنى الذي يستفاد من كلمة أضله الله، فإذا عُزيت الهداية والضلالة إلى الله عزّ وجل، فمن باب أن كل شيء لا يحدث إلا بأمره، ولا يحدث إلا بإرادته، وأنّ الله سبحانه وتعالى أراد أن نكون أحراراً في مشيئتنا، فإذا شاء أحدنا الهداية, هداه الله, بمعنى أنه وفقه للوصول إليها, وإذا شاء أحدنا الضلالة - لا سمح الله - أضله الله, بمعنى يسّر له، هذا هو المعنى الثالث من معاني الهداية والضلالة, قال تعالى:

﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾
(سورة التوبة الآية: 115)
قال الله سبحانه وتعالى:
﴿كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً ﴾
( سورة الإسراء الآية: 20)
إذاً: لا يقع في الكون شيء إلا إذا أراد الله ذلك، وإذا أراد شيئاً لا بد من أن يقع, هناك ترابط دقيق بين إرادة الله في حدوث شيء وبين حدوثه، لذلك يؤمن المؤمن أن كل شيء وقع أراده الله، وكل شيء لم يقع، لم يُرده الله، وأنّ كل ما أراده الله لا بد أن يقع، وأنّ إرادة الله متعلقة بحكمته، ومتعلقة بعلمه، ومتعلقة برحمته، ومتعلقة بعدالته.
قال بعضهم توجيهاً آخر لهذه الآيات: هو أن إذا عزا الهدى والضلال إلى الله عزّ وجل فهذا هو الهدى الجزائي والضلال الجزائي, قال تعالى:

﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾
( سورة الصف الآية: 5)
اختاروا الضلالة، فجازاهم الله أن يكونوا بحالة الضلال، اختاروا الهداية فأكرمهم الله عزّ وجل بأن جعلهم مهتدين.
لكم أن تقولوا: إن مدير المدرسة هو الذي رسب الطالب الكسول، ولكم أن تقولوا: لقد رسب هذا الطالب، فإذا عزوت فعل الرسوب إلى الطالب، فلأنه هو السبب، ولأن إهماله، وكسله، وتوانيه عن الاجتهاد هو الذي جعله يرسب، وإذا عزوت فعل الرسوب إلى الإدارة، فلأنها هي التي نفذت، وقررت وأقرت، ووافقت وفق مبادئ العدالة والرحمة، إذًا: يمكن أن تعزو الفعل إلى الله عزّ وجل، بمعنى أنه سمح بحدوثه، وأن كل فعل لا يقع إلا إذا أراده الله، وإذا عزوت الفعل إلى الإنسان فبمعنى أن هذا من كسبه، وهو المسؤول عن ذلك، والأمور لها مقدمات ولها نتائج، فمن سلك في المقدمات وصل إلى النتائج.
هذا شيء بسيط جداً، فآيات الهدى والضلال يجب أن تُفهم على حقيقتها، أما أن تلتقي بإنسان، وتقول له: أخي لماذا لا تصلي؟ فيقول لك: الله ما هداني, ما الدليل؟ يقول: يهدي من يشاء، ويضل من يشاء, هذا هو الفهم الخطير الساذج المحدود الذي ما أراده الله عزّ وجل, لذلك يجب على الإنسان أن يتعلم المعاني الدقيقة التي جاءت في كتاب الله.

الرد من الكتاب على من يزعم بأن الله هو الذي يضل الإنسان:
ما أكثر الآيات في كتاب الله المتعلقة بالهدى والضلال، فالإنسان دائماً إذا فعل المعاصي والموبقات، وانحرف في سلوكه، وأخذ ما ليس له، واعتدى على أموال الناس، وعلى أعراضهم، يميل دائماً إلى أن يحمل فجوره على ربه، ويميل دائماً إلى أن يعزو هذه الضلالات إلى الله, يقول تعالى:
﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 148)
أين الدليل؟.
أذكركم مرة ثانية بقول الإمام الحسن بن عليّ رضي الله عنه: ((من أنكر القضاء والقدر فقد كفر، ومن حمل ذنبه على الله فقد فجر, إنّ الله تعالى لا يُطاع استكراهاً، ولا يُعصى بغلبة، فإن العباد أطاعوه لم يحل بينهم وبين طاعتهم، وإن عصوه فليس هو الذي أجبرهم على المعصية، لو أجبرهم على الطاعة سقط الثواب, ولو أجبرهم على المعصية سقط العقاب، ولو تركهم هملاً لكان هذا عجزاً في القدرة، إنهم إذا أطاعوه فله المنةُ والفضل، وإن هم عصوه فعليهم الحجة الدامغة)).
هذه عقيدة أهل السنة والجماعة في موضوع الاختيار والتسيير، الإنسان مخير أرادت مشيئة الله أن تكون ذا مشيئة أيها الإنسان، فالذي تفعله تحاسب عليه، لأنك مخير في فعله أو عدم فعله.

ما معنى المصيبة وما هو الهدف منها ؟
شيء آخر متعلق بمعنى الضلالة والهداية, وهو قوله تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾
(سورة الحديد الآية: 22-23)
هذه الآية دقيقة جداً, لأن بعض الناس يفهمونها فهماً مغلوطاً, فالله سبحانه وتعالى يقول:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾
(سورة الحديد الآية: 22)
المصيبة هنا نكرة، ومعنى التنكير هو الشمول، فكل أنواع المصائب على وجه الأرض من دون استثناء، مصيبة في المال، مصيبة في الصحة، مصيبة في الأولاد، مصيبة مادية، مصيبة معنوية، مصيبة طفيفة، مصيبة كبيرة، مصيبة فردية، مصيبة جماعية، الزلزال مصيبة، والفيضان مصيبة، والقحط مصيبة، والمرض مصيبة، والشقاق الزوجي مصيبة، والولد العاق مصيبة، وفقد المال مصيبة، والمرض الخطير مصيبة، والمرض الطفيف مصيبة، والهم والحزن مصيبة, قال تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾
(سورة الحديد الآية: 22)
آفة زراعية قضت على المحصول كله مصيبة، صقيع جاء لدقائق معدودة فقضى على موسم الفاكهة في هذه المنطقة كلها مصيبة, قال تعالى:
﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ ﴾
( سورة القلم الآية: 19)
فهذه كلها مصائب، بمعنى أنها تصيب الهدف، أصاب يصيب إصابة ومصيبة، فحينما سُميت مصيبة, لأنها تصيب مكان الداء, فالمتكبر قد تأتيه مصيبة تذل كبرياءه، والمبذر قد تأتيه مصيبة تفقره ليعرف قيمة المال، والذي يعتدي على أعراض الناس قد تأتيه مصيبة فيها عدوان على عرضه, فمعنى مصيبة، أنها محكمة، وأنها مسددة، وأنها صائبة، وأنها من يد خبيرة، عليمة، حكيمة، بصيرة، عادلة.
ما الحكمة من هذه المصائب ؟
يغفل الإنسان أحياناً عن معنى المصيبة، يقول لك: مصائب, نعم كلها أصابت الهدف، كم من إنسان لولا هذه المصيبة لما توجه إلى القبلة, لولا هذه المصيبة لما كفّ عن أعماله السيئة, قال تعالى:‍‍
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾
(سورة الحديد الآية: 22)
كل إنسان له عند الله صحيفة أعمال، كما لو أن الطبيب مر على المرضى في المستشفى، فكان على كل سرير لوحة فيها أحدث الفحوص, ضغطه، حرارته، نسبة الشحوم في الدم، نسبة بعض المواد في الدم، يلقي الطبيب على هذه الورقة، أو على هذا الكتاب، ويقرر العلاج المناسب, قال تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾
(سورة الحديد الآية: 22)
فكل مصيبة وقعت في الأرض مبنية على حالة راهنة تلبست بها النفس، فقبل أن تقع المصيبة هناك حكيم قررها، هناك عليم قررها، هناك خبير سمح بها، هناك إله عادل أراد أن ينزلها، كل الشظايا عند الله عزّ وجل مصيبة، وليست طائشة، حادث مثلاً, كان في ساعة غفلة، الغفلة مقصودة، فربنا عزّ وجل يقول:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا ﴾
(سورة الحديد الآية: 22)
نبرأها, أي قبل أن تقع المصيبة، هناك تعلقت إرادة الله عزّ وجل التي تعلقت بحكمته، ورحمته، وعدالته، وعلمه، وخبرته, قال تعالى:
﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴾
(سورة الحديد الآية: 22)
لأنه هو خالق الأكوان، لكن بعض العلماء قالوا: معنى يسير هنا، أي على رحمته، إذاً: المصيبة هنا بمعنى أنها أصابت الهدف، وأنه يسير على الله عزّ وجل أن ينزل بعباده مصيبة تمحق أموالهم من أجل أن يهتدوا إليه، لأنه أعدّ لهم في الآخرة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
الحظوظ في الدنيا توزيع ابتلاء لا توزيع جزاء:
لو علمت علم اليقين أن الله سبحانه وتعالى قد خلقك لحياة أبدية، وأن في هذه الحياة ما لا عين رأت، و لا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، عندئذ هانت عليك مصائب الدنيا.
يقول سيدنا علي كرم الله وجهه لسيدنا الحسن: ((يا بني ما خير بعده النار بخير، وما شر بعده الجنة بشر، وكل نعيمٍ دون الجنة محقور، وكل بلاءٍ دون النار عافية))، و الحظوظ في الدنيا موزعة توزيع ابتلاء، فليس الغني مكرماً عند الله لأنه غني، وليس الفقير مهاناً عند الله لأنه فقير، إن حظ المال، وحظ العلم، وحظ الجاه، وحظ الصحة، وحظ الجمال، موزعة توزيعاً فيها حكمة، وعدالة حيث يبتلى كل إنسان بهذا الحظ، لكن هذه الحظوظ سوف تُوزع على البشر توزيعاً جزائياً يوم القيامة وإلى الأبد.

درس الغد إن شاء الله:
بقي علينا إن شاء الله تعالى درس أخير من دروس العقيدة حول ما تجري به المقادير الربانية، مما ظاهره شر وهو في حقيقة أمره خير، وبقي علينا مسؤولية الإنسان عن أعماله الإرادية، والتوكل والاعتماد على الله، وأثر الإيمان بالقضاء والقدر في حياة المؤمن، هذه الموضوعات كلها متممات.
وهذا الدرس الذي سوف نتناوله إن شاء الله تعالى قريباً، وبعدها ننتقل إلى موضوعات أخرى.







والحمد لله رب العالمين





السعيد 06-21-2018 03:20 PM

رد: العقيدة الاسلامية
 



بسم الله الرحمن الرحيم

العقيدة الاسلامية

الدرس : ( الثالث و الستون )

الموضوع :الايمان بالقضاء و القدر (4)





الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين, اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم, اللهم علمنا ما ينفعنا, وانفعنا بما علمتنا, وزدنا علماً, وأرنا الحق حقاً, وارزقنا اتباعه, وأرنا الباطل باطلاً, وارزقنا اجتنابه, واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه, وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أفعال الله في الأرض تدل على حكمته:
أيها الأخوة، مع الدرس الأخير من دروس العقيدة, كلنا يعلم أن الله سبحانه وتعالى حكيم، والحكمة من صفاته الفضلى، ومعنى أنه حكيم، أي أن أفعاله كلها حكيمة، إذاً: لا بد أن يكون قضاؤه وقدره حكيماً، والحكمة لا تكون إلا في الخير، فليس هناك حكمة في الشر, من هنا يأتي قوله تعالى:
﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾
( سورة آل عمران الآية:26)
إيتاء الملك، ونزع الملك، والإعزاز والإذلال كله خير، لكن الفكرة هنا دقيقة جداً، قد يبدو لبعض الناس بحسب مقاييسهم الدنيوية, أو بحسب تصوراتهم، قد يبدو لهم أنه شر، والأمثلة على هذه الفكرة أكثر من أن تحصى، حينما يفتح بطن المريض لاستئصال الزائدة الدودية، منظر فتح البطن و المريض مخدر على طاولة العمليات، والدم ينزف منه، يبدو أن هذا العمل شر في حق المريض، ولكنه خير في نظر الطبيب، والعقلاء، وأهل العلم، وهذا مثل, وهناك آلاف الأمثلة، مِن هنا يأتي قوله تعالى:
﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾
( سورة البقرة الآية:216)
وما دام القضاء والقدر محض الحكمة، إذاً: فهو في جانب الخير، من هنا يأتي قول النبي عليه الصلاة والسلام:
" الإيمان بالقدر يذهب الهم والحزن "
( ورد في الأثر)
الشر خلق من مخلوقات الله يؤدب به من يستحق من عباده:
ما هو الشر؟ كل شيء يقع على وجه الأرض، لا بد أن يكون الله قد أراده، وفي أي مكان وفي أي زمان في ملكوت الله، لا بد أن يكون الله قد أراده، لأن الأفعال كلها من خلْقِ الله، فأين الشر, إذاً؟ قال علماء التوحيد: الشر في النفوس فقط.
مثلاً: هذا السارق، حينما تعلقت مشيئته الحرّة أن يسرق، هذا هو الشر، لكن الله سبحانه وتعالى يسوقه إلى من يستحق السرقة، فهو قد أخرج ما في نفسه مِن شر، ولكن هذا الذي يبدو للناس شراً قد وظف لصالح المسروق منه، فالظالم سوط الله ينتقم به، ثم ينتقم منه, لا يوجد شر أبداً في الكون، فهذا الذي يريد أن يؤذي فإن الشر هو تعلق إرادته بالأذى، لكن الله عزّ وجل يتولى توجيه هذا الشر إلى من يستحق الشر، ليكون شر الأول تأديباً للثاني، الدليل:

﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾
( سورة الأنعام الآية: 129)
قد يؤدب الله الزوجة المقصّرة بزوج ظالم، فهذا الزوج الظالم مِن أين جاء الشر في نفسه؟ جاء مِن البُعد عن الله عزّ وجل، لكنه هل تجاوز الحدود؟ لا، إنه سلط على امرأته، وهذا التسليط عليها في ظاهره شر، ولكن في باطنه خير.
رب ضارة نافعة:
لقد فسر بعض علماء التوحيد النعم الباطنة بالمصائب، حيث يبدو للناس أنها شر, قال الله عزّ وجل:
﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾
( سورة لقمان الآية: 20)
فالنعم الظاهرة هي النعم التي نراها ونتعرف عليها جميعاً، وأما النعم الباطنة فهي المصائب، وكم من مصيبة انتهت إلى توبة, وكم من ذل انتهى إلى طاعة, وكم من فقر انتهى إلى أداء الصلاة, كل الذي يحصل في الكون محض خير على تفاوت في شكله، إما أن يكون ظاهره وباطنه خيراً محضاً، وإما أن يكون ظاهره بحسب مقاييس البشر، أو بحسب تصوراتهم شراً، وفي باطنه الخير المحض.
فلو أن رجلاً جاءته الدنيا كما يشتهي من كل جانب، وهو في غفلة شديدة، وفي بُعد شديد، فلو مات على هذا الحال لاستحق جهنم خالداً مخلداً, أما إذا أصاب مرض عضال إنساناً غافلاً، و جعله يسحق سحقًا، فهذا المرض العضال إذا انتهى به إلى توبة نصوح، هو في ظاهره مرض، ولكنه في باطنه سلسلة ساقته إلى الجنة، قال عليه الصلاة والسلام:

" عجب ربك من قوم يساقون إلى الجنة بالسلاسل "
والمصائب هي السلاسل.
( ورد في الأثر)
كان سيدنا عمر رضي الله عنه إذا أصابته مصيبة قال:((الحمد لله ثلاثاً: الحمد لله إذ لم تكن في ديني، والحمد لله إذ لم تكن أكبر منها، والحمد لله إذ ألهمت الصبر عليها)).
فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ:

" كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا أَتَى الْمَرِيضَ يَدْعُو لَهُ قَالَ أَذْهِبِ الْبَأسَ رَبَّ النَّاسِ وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لا شِفَاءَ إِلا شِفَاؤُكَ شِفَاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا "
( ورد في الأثر)
لا بد يوم القيامة أن يكشف الله لنا كل ما ساقه إلينا في الدنيا من محن، ومن أزمات، ومن خوف، ومن نقص في الأموال، ونقص في الثمرات، ونقص في الأولاد، لا بد أن نقول بكل جارحة، وبكل خلية, الحمد لله رب العالمين, قال تعالى:
﴿وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾
(سورة يونس الآية: 10)
النقمة بعدها نعمة إذا عرفنا كيف نتصرف معها ؟
إنّ الشر الوحيد في الوجود هو ما يصدر من المخلوق حينما يخالف أوامر الله عزّ وجل، ونواهيه، ووصاياه، الشر في النفوس، أما في الخير المادي فليس هناك إلا الخير، إما ظاهراً، وهو ما تعارف الناس على أنه خير، وإما باطناً، وهي النعم الباطنة، أي المصائب، هذه المصائب إذا أمكنك أن تفسرها تفسيراً صحيحاً، حُلت مشكلتك مع الله عزّ وجل، فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" يَقُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلاثٍ قَالَ لا يَمُوتُ أَحَدُكُمْ إِلا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ"
(أخرجه مسلم عن جابر بن عبد الله في الصحيح)
وقد قيل: من لم تحدث المصيبة في نفسه موعظة، فمصيبته في نفسه أكبر، فيجب أن تعلم علم اليقين، أن ما يسوقه الله لعباده في الدنيا من مصائب هي محض خير، يراها الكافر شراً، ولكن المؤمن الذي يعرف الله عزّ وجل، يرى ما انطوى فيها من خير، لذلك: المؤمن حسن الظن بالله، فهذه المصائب قضية مدروسة دراسة عميقة, قال تعالى:
﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ﴾
( سورة الحديد الآية: 22-23)
وعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
" لِكُلِّ شَيْءٍ حَقِيقَةٌ وَمَا بَلَغَ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإيمَانِ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ "
(أخرجه الإمام أحمد عن أبي الدرداء في مسنده)
الحكمة من هذه المصائب:
1- الابتلاء:
الإيمان بالقدر نظام التوحيد, ما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد, يجب أن نعلم علم اليقين أن المصائب التي يسوقها الله لعباده تنطوي على خير كبير، أول أنواع هذا الخير هو الابتلاء, مركبة ذات محرك قوي، لا تبدو قوة هذا المحرك في الطريق المنبسطة، ولا في الطريق الهابطة، لا تبدو قوته إلا في الصعود الشديد، لذلك مهمة الابتلاء فرز الناس، والكشف عن خباياهم، وامتحان نفوسهم, قال تعالى:
﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴾
(سورة العنكبوت الآية: 2)
مستحيل، لا بد من أن نُمتحن، لا بد أن نُبتلى، وقد خلقت الدنيا من أجل أن نُمتحن, قال تعالى:
﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾
( سورة الملك الآية: 2)
﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾
( سورة المؤمنون الآية: 30)
﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾
( سورة آل عمران الآية: 179)
أول هدف كبير من أهداف المصائب الابتلاء، فهذا المؤمن على هذا الدخل الكبير، وعلى هذه المكانة، وعلى هذه الصحة، وعلى هذا البيت المريح، وعلى هذه الزوجة المطيعة، وعلى هؤلاء الأولاد الأبرار، محب لله عزّ وجل, ما مصير هذه المحبة إذا قلّ دخله، أو مرضت زوجته، أو فصل من عمله، أو أصيب بمرض شديد؟ لا بد أن تأتي المصيبة لتمتحن صدقك في الطلب، لا بد أن تأتي المصيبة لتكشف عن معدنك، فالناس معادن، لا بد أن تأتي المصيبة لتفرزك أمع المؤمنين أنت، أم مع غير المؤمنين؟.
أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام كلهم يحبونه، وكلهم طامع بمودته، وكلهم متعلق به، جاءت معركة الخندق، طوقهم الكفار، وأخلف اليهود عهدهم، وانكشف المؤمنون من ظهورهم، جاءهم الأعداء من كل حدب وصوب، حتى إن أحدهم قال: أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى، وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته؟

﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيداً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 11)
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
( سورة الأحزاب الآية: 23)
فكانت معركة الخندق وسيلة فعالة ودقيقة لكشف خبايا المؤمنين, ولكشف خبايا المنافقين، ثم أرسل الرياح الهوجاء، فقلبت قدور الكفار، واقتلعت خيامهم، ودخلت الريبة فيما بينهم, قال تعالى:
﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾
( سورة الأحزاب الآية: 25)
أما في حنين فقد بلغ عدد أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام عشرة آلاف أو يزيدون، فقالوا في أنفسهم أو بألسنتهم: لن نُغلَب اليوم من قلة، امتحنوا بالضعف، وامتحنوا بالقوة.
يا أيها الأخوة, أنت ممتحن قبل الزواج، ممتحن بعد الزواج، ممتحن في الصحة، ممتحن في الفقر، ممتحن في الغنى، ممتحن في الأرض، ممتحن وأنت قوي, ممتحن وأنت ضعيف، قد تكون في عمل، ولك مكانة عالية، تمتَحن، فأحد حِكَم المصائب الابتلاء، أي الكشف عن حقيقة النفس، لا ليعلم الله، فالله عليم، ولكن لتعلم أيها المؤمن من أنت؟ وليعلم الناس من أنت ؟ قال تعالى:

﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 35)
آية ثانية, قال تعالى:
﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾
( سورة البقرة الآية: 155)
قد يصاب الإنسان بمصيبة طفيفة، فيسب الدين، وقد تأتي مصيبة تسحق الإنسان سحقاً، فيقول: الحمد لله رب العالمين, هذا امتحن, وهذا امتحن, هذا امتحن فكتب قوله, كما يقول الله تعالى:
﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾
( سورة آل عمران الآية: 181)
وهذا امتحن فكُتِب قوله، فإذا ابتُلينا بمصيبة، وقلنا: الحمد لله رب العالمين، فقد نجحنا في الامتحان، وبعدئذ يتولى الله عزّ وجل أن يذهبها عنا، لذلك أمر المؤمن دائماً خير، فعَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
" عَجِبْتُ لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَ الْمُؤْمِنِ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ لَيْسَ ذَلِكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ وَكَانَ خَيْرًا وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ وَكَانَ خَيْرًا "
(أخرجه مسلم عن صهيب في الصحيح)
2- التربية والتأديب:
العلة الثانية للمصائب, التربية والتأديب، فقد تقتضي الحكمة أن يطّهر هذا المؤمن من هذا المرض النفسي، مثلاً مرض الكبر، فيبتليه بمصيبة من نوع التحجيم، يوضع في موقف حرج، فيضطر أن يسأل، أن يستعطف، هذا التحجيم إنما هو سبب الكبر، استوجب علاجاً، هذه هي التربية.
قد يضيق على المشرك، فيعرف قيمة المال الذي يحتاجه الناس جداً، هو ينفقه بلا حساب، والناس في حاجة ماسّة إليه، يذيق الله هذا المشرك الضيق المادي، هذا علاج، وهذه تربية، وهذا تأديب.
إذا كان هناك تقصير، وإذا كان هناك غلط، إذا كان هناك مخالفة، معصية، تجاوز، عدوان في الأموال، وفي غير الأموال، يأتي التأديب، فأنت يجب أن تفهم على الله عزّ وجل، هل هذه المصيبة من أجل أن تمتحن, أم من أجل التأديب؟ فقد تكون مستقيماً استقامة تامة، وأنت على علم يقيني بأنه لا انحراف، ولا خلل، ولا زلل، فلِمَ المصيبة؟ من أجل أن تمتحن, قال تعالى:

﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾
( سورة التوبة الآية: 25)
أصبح هناك عجب، فنحن أقوياء، جاءت هوازن، وقذفت في قلوبهم الرعب، وتفرقوا شذر مذر,
" فَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَفِرَّ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ وَإِنَّهُ لَعَلَى بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ وَإِنَّ أَبَا سُفْيَانَ آخِذٌ بِلِجَامِهَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: أَنَا النَّبِيُّ لا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِب ْ"
(أخرجه البخاري في الصحيح)
كنا إذا حمي الوطيس لذنا برسول الله صلى الله عليه وسلم.
3- الجزاء المعجل:
أما العلة الثالثة للمصيبة, الجزاء المعجل، هذه حكمة الله العظيمة، فلو أن كل الجزاء في الآخرة، وكل الثواب في الآخرة، فلا شيء حينئذٍ في حياتنا يدفعنا إلى الطاعة، ولا شيء في حياتنا يخيفنا من المعصية, هذا الذي حدثتكم عنه يوم الجمعة، صاحب أكبر معمل حلويات في قطر عربي مجاور، صادراته اليومية طائرة محملة ببضاعة، تطير يومياً إلى أقطار مجاورة من دول النفط، ويأتيه دخل فوق الخيال، بلغ به الكبر أوجه، دخل معمله متفقداً، رأى عاملاً لا يحسن عجن العجين، فأخذ هذه القطعة من العجين, ووضعها على الأرض، وعركها بقدميه، وعلم عامله كيف يعجن العجين, أصاب قدميه مرض الموات (الغرغرين )، فقطعت قدماه، وهو الآن موجود في لندن، هذا جزاء معجل.
شخص يقود سيارته في يوم ماطر من أيام الشتاء الشديدة، وجد كلباً قابعاً على طرف الزفت، على بعد أربعين سنتيمتراً تقريباً، وبما أن الزفت أكثر امتصاصاً للحرارة، نظراً لكون لونه أسودَ، فهي أكثر دفئاً من التراب, أراد هذا السائق أن يتسلى فانحرف بمركبته، وداس يدي هذا الجرو الصغير فقطعهما، وأطلق ضحكة، وكأنه فعل شيئاً عظيماً، قال لي من شهد هذه الحادثة، وكان يركب معه: والله الذي لا إله إلا هو، في يوم السبت التالي، بعد مضي سبعة أيام، وكان السائق وحده في سيارته، وفي المكان نفسه أصاب عجلة السيارة بعض العطب، رفع السيارة بالجهاز الرافع، وفكّ البراغي، وسحب العجلة، أصاب الجهاز الرافع خلل فوقعت السيارة فوق العجلة، والعجلة فوق يديه فقطعتهما، وبقيتا على اللحم، وحينما وصل إلى المستشفى كان لا بد من قطع اليدين، بعد أسبوع فقط، هذا الجزاء المعجل ردع لنا، وطبعاً الجزاء الكامل يوم القيامة
ربنا عزّ وجل يكافئ المحسن، تشجيعاً للمحسنين، ويعاقب المسيء ردعاً للمسيئين، فترى المرابي، والذي يعتدي على أعراض الناس قد أصابه مرض خبيث، والذي يأكل مالاً حراماً، محق ماله، والذي يكذب، زلزلت مكانته، والخائن محتقر بين الناس, هذه العقوبات المعجلة هدفها ردع المسيئين، لكن الذي أريد أن أقوله لكم: إياكم أن تظنوا أن الذي لا يأتيه العقاب سينجو، فإنّ الله عزّ وجل لحكمة يريدها يختار بعض المذنبين في الدنيا، ويعجل لهم العقاب، وأما الذين بقوا في صحتهم ومكانتهم، وهم غارقون في المعاصي, ما شأنهم؟ قال تعالى:

﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾
( سورة يونس الآية: 46)
لا بد أن ترى مصيرهم يوم القيامة, قال تعالى:
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَئِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَئِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآَهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ﴾
( سورة الصافات الآية: 51-57)
الآن الحبل مرخى، فقد يسيء المسيء ولا يعاقب، لحكمة أرادها الله عزّ وجل، وقد يسيء ويعاقب، لكن أغلب الظن أن الذي يعاقب فيه خير، علم الله أنه بهذا العقاب ربما تاب به، فعجل له التوبة، وأن الذي لا يعاقب أغلب الظن أنه ميؤوس منه، لقوله تعالى:
﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾
(سورة الأنعام الآية: 44)
الكافر تأتيه ضربة واحدة قاصمة، والمؤمن تأتيه آلاف المصائب لترقى به, هذا التوجيه يتناسب مع رحمة الله، ومع حكمته، ومع عدالته.
موعظة وعبرة:
يا أيها الأخوة، يجب أن تعلموا علم اليقين أن أفعال الله كلها رحمة، وحكمة، وعدالة، وقدرة، أي أنه لا يوجد فعل عشوائي, قال تعالى:
﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 16)
﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾
( سورة الأنبياء الآية: 47)
سورة الزلزلة، لو نعقلها لحلت كل مشكلاتنا، خالق الكون العظيم يقول لكم:
﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ ﴾
(سورة الزلزلة الآية: 7-8)
﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ﴾
( سورة فصلت الآية: 40)
عندما يعقل الإنسان هذه الحقيقة, يستقيم حباً بذاته، إن لكل حسنة ثواباً، ولكل سيئة عقاباً
سبب تخلف المسلمين عن مسؤولياتهم هو سوء الفهم للقضاء والقدر:
أن الإنسان مسؤول عن أعماله الإرادية، فإذا رأيت إنساناً اقترف معصية يقول لك: إنه ترتيب الله، هكذا قدّر الله عليّ، فهذا إنسان أحمق وغبي إذا كان بحسن نية، وخبيث وكذاب إذا كان بسوء نية.
أعمالك الاختيارية ما قدّرها عليك أحد، والله سبحانه وتعالى أعطاك مشيئة حرة، وامتحنك بها، أما أن تقول: إن الله قدّر عليّ شرب الخمر، أو اقتراف الزنا، أو أكل المال الحرام, لا, جاء شارب خمر مقيد إلى أمير المؤمنين, قال: أقيموا عليه الحد، قال: إن الله قدّر عليّ ذلك، قال: أقيموا عليه الحد مرتين، مرة لأنه شرب الخمر، ومرة لأنه افترى على الله, قال له: ويحك إن قضاء الله لم يخرجك من الاختيار إلى الاضطرار، فأنت مخير.
الإنسان مسؤول إذا أهمل معالجة ابنه، لئلا ينتقل المرض من مرض بسيط إلى مرض خطير، إذا قال بعد ذلك: هذا ترتيب الله, لا, هذا تقصير, أمرك الله عزّ وجل بالتداوي, عندما يقصّر الإنسان في أموره، فلا تقل: هذا قضاء وقدر، بل قل: هذا جزاء التقصير، وهذا جزاء الإهمال.
تختار صفقة سيئة جداً، أسعارها مرتفعة فتفلس منها، فيقول: هذا ما كتبه الله لي، ليس صحيحاً، فأين فكرك؟ أنت مخيّر، أما إذا جاء الإنسان مصاباً بعاهة ولادية، فقد كتب الله له ذلك، فالشيء الذي لا حيلة لك به، هذا الذي ينسب إلى القضاء والقدر، أما الشيء الذي ضمن دائرة الاختيار فأنت محاسب عنه ومسؤول، هذا الذي جعل المسلمون يتخلفون، فلو أن العدو احتل أرضنا, ماذا نقول؟ هكذا كتب الله لنا، وهل هذا الفهم للقضاء والقدر يرضي الله عزّ وجل, قال تعالى:

﴿وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾
(سورة محمد الآية: 4)
امتحان لنا, قال تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾
( سورة الأنفال الآية: 60)
لذلك يأخذ بعض الناس على المسلم المحدود الساذج أنه يعزو أخطاءه كلها إلى القضاء والقدر،
" من حمل ذنبه على الله فقد فجر، إن الله لا يطاع استكراهاً، ولا يُعصى بغلبة، فإذا أطاع العباد ربهم لم يحل بينهم وبين طاعته، وإن عصوه فليس هو الذي أجبرهم على ذلك، لو أنه أجبرهم على الطاعة لسقط الثواب، لو أنه أجبرهم على المعصية لسقط العقاب، لو أنه تركهم هملاً لكان عجزاً في القدرة، إن أطاعوه فله المنة والفضل، وإن عصوه فعليهم الحجة البالغة "
( قول الحسن بن علي)
مثلاً شخص نام على سطح لا سور له، فسقط ومات، يموت حينئذٍ عاصياً، قال النبي عليه الصلاة والسلام:
" من كانت ناقته حروم فلا يخرج معنا في الجهاد "
( ورد في الأثر)
والسبب لأنها ناقة خطيرة.
هكذا ينبغي أن يكون الفهم للقضاء والقدر:
شخص يأكل تفاحة من دون غسيل, يقول: سمِ الله, وكل، فما هذه السخافة ؟ ويقول النبي عليه الصلاة والسلام: " من أكل التراب فقد أعان على قتل نفسه "
( ورد في الأثر)
معنى من أكل التراب، أي أكل فاكهة غير مغسولة، أو عليها دواء، لأن الإيمان أن تأخذ بالأسباب، ثم تتوكل على رب الأرباب.
فكل شيء يقع ضمن دائرة مسؤوليتك فأنت محاسب عليه, طبيب نسي أن يسأل المريض, هل يوجد عندك تحسس ضد الصدمة، أعطاه إبرة فجاءته الصدمة، وانتهى للموت، فيقول: انتهى أجله، ما هذا الكلام؟ يحاسب هذا الطبيب على أنه قاتل، لأن الإنسان محاسب على الشيء الذي وُكِّل أمره إلى اختياره، هذا هو الفهم الإسلامي للقضاء والقدر, أما متى تقول: هذا مكتوب علي؟ إذا كان الشيء خارجاً عن دائرة الاختيار، وإلاّ فأنت مقصر في عملك، في تجارتك، في زراعتك، في صناعتك، في وظيفتك، خذ بالأسباب، والذي يأتي بعد أخذك بالأسباب هو القضاء والقدر الذي ينبغي أن تستسلم له، فإذا جاءت الأمور على غير ما يجب أن تكون لا ينبغي أن تستسلم، يجب أن تنهض، يجب أن تصحح.
أكثر المسلمين الجاهلين إذا أتت الأمور على غير ما ينبغي, يعزون هذا إلى القضاء والقدر ويجلسون، بينما سيدنا عمر رضي الله عنه سأل أناساً فقراء جداً: من أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، قال: كذبتم، المتوكل من ألقى حبة في الأرض، ثم توكل على الله، أي قم وتحرّك، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ,

" قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ, أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ, قَالَ: اعْقِلْهَا وَتَوَكَّلْ "
(أخرجه الترمذي عن أنس بن مالك في سننه)
اعمل للمركبة صيانة، لا أن تقول: توكلنا على الله من دون صيانة ونسافر، فإذا كان هناك خلل يخشى من حادث، فهذا ليس توكلاً، وإنما عين الجهل، لذلك لا ينبغي أن نستغل القضاء والقدر للتحلل من المسؤوليات والواجبات، وكلما رأيت خللاً, تقول: هكذا أراد الله، وهذا ترتيبه ومشيئته، هذا الشيء الذي وكل إليك أنت محاسب عنه.
ما يحصل بعد أن تأخذ بالأسباب فهو القضاء والقدر، ونحن مستسلمون له، أخذته إلى الطبيب، ونفذتَ التعليمات بحذافيرها، والشفاء تأخر، فهذا قضاء وقدر، لكن أهملت العلاج والمرض تفاقم، فتقول: هكذا كتب الله له، هذا كلام مرفوض.
آخر حديث شريف في هذا الموضوع، عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

" عَجَبًا لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ وَلَيْسَ ذَاكَ لأحَدٍ إِلا لِلْمُؤْمِنِ إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ "
(أخرجه مسلم عن صهيب في الصحيح)






والحمد لله رب العالمين




الساعة الآن 07:46 PM

Powered by vBulletin™ Version 3.8.7 Copyright © 2012 vBulletin ,
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2026 DragonByte Technologies Ltd. Runs best on HiVelocity Hosting.